.
قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله - في " البداية والنهاية " (13/234)
(( وعادت بغداد بعد ما كانت آنس المدن كلها كأنها خراب ليس فيها إلا القليل من الناس ، وهم في خوف وجوع وذلة وقلة .. وقد اختلف الناس في كمية من قتل ببغداد من المسلمين في هذه الوقعة ؛ فقيل : ثمانمائة ألف . وقيل : ألف ألف وثمانمائة ألف وقيل : بلغت القتلى ألفي ألف نفس . فإنا لله وإنا إليه راجعون ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .. وكان دخولهم إلى بغداد في أواخر المحرم ، وما زال السيف يقتل أهلها أربعين يوما .. وأراد الوزير ابن العلقمي ـ قبحه الله ولعنه ـ أن يُعَطِّل المساجد والمدارس والربط ببغداد ، ويستمر بالمشاهد ومحال الرفض ، وأن يبني للرافضة مدرسة هائلة ينشرون عِلْمهم وعَلَمَهم بها وعليها ، فلم يقدّره الله تعالى على ذلك بل أزال نعمته عنه ، وقصف عمره بعد شهور يسيرة من هذه الحادثة ، وأتبعه بولده ، فاجتمعا -والله أعلم- بالدرك الأسفل من النار ، ولما انقضى الأمر المقدر ، وانقضت الأربعون يوما بقيت بغداد خاوية على عروشها ليس بها أحد إلا الشاذ من الناس والقتلى في الطرقات كأنها التلول ، وقد سقط عليهم المطر ، فتغيَّرت صورهم ، وأنتنت من جيفهم البلد وتغير الهواء فحصل بسببه الوباء الشديد حتى تعدَّى وسَرَى في الهواء إلى بلاد الشام ، فمات خلق كثير من تغيُّر الجو وفساد الريح ، فاجتمع على الناس الغلاء والوباء والفناء والطعن والطاعون ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، ولما نُودى ببغداد بالأمان خرج من تحت الأرض من كان بالمطامير والقني ـ جمع قناة ـ والمقابر كأنهم الموتى إذا نبشوا من قبورهم ، وقد أنكر بعضهم بعضا ، فلا يعرف الوالد ولده ، ولا الأخ أخاه ، وأخذهم الوباء الشديد فتفانوا وتلاحقوا بمن سبقهم من القتلى ، واجتمعوا تحت الثرى بأمر الذي يعلم السر وأخفى ، الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى ))