خلافنا ليس في أخلاق الجرح والتعديل بل في وجود علم إسمه الجرح والتعديل فهل تثبت وجود هذا العلم وأهميته؟ إن قلت نعم فانتهى الخلاف وإن قلت لا فما فائدة نقلك لأخلاق السلف أصلا!.
لست أخالفك في إن (( الأصل فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر اللين والرفق كما قال الله تعالى : ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن ) ، وقال لموسى وهارون صلى الله عليهما وسلم : ( اذهبا إلى فرعون إنه طغى . فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى " وعن عائشة زوج النبى صلى الله عليه وسلم قال : " إن الرفق لا يكون فى شئ إلا زانه ، ولا ينزع من شئ إلا شأنه " .
لكن إذا كان المنكر لا يغير إلا بنوع من الخشونة فلا بأس باستعماله ، ولو كان مع المسلمين ، ألا ترى أن الله أباح القتال لذلك ، وليس فوق القتال خشونة ، فقال سبحانه : ( وإن طائفتان من أمر المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتوا التى تبغى حتى تفئ إلى أمر الله ) .
وقد يشتد المؤمن فى إنكاره على اخيه أكثر من مع عدوه ، ألم تر كيف لأن موسى صلى الله عليه وسلم مع فرعون ، واشتد على أخيه هارون صلى الله عليه وسلم حتى كان منه ما قصة الله تعالى بقوله : ( وأخذ برأس أخيه يجره إليه ) ، فهل لأحد ان يحتج عليه بالولاء والبراء متهما له بأنه يبسط لسانه ويده على أخيه ويلطف بالطواغيت ؟!
بل ربما كان النبى صلى الله عليه وسلم يعنف العلماء وأصحابه إذا اخطأوا أكثر من غيرهم وخذ على سبيل المثالب قوله لمعاذ حين أطال الصلاة بالناس : " أفتان أنت يا معاذ ؟! " ويقابله تلطفه بالأعرابى الذى بال فى المسجد كما قال صحيح البخارى وغيره .
وقال لأسامة بن زيد حين قتل فى المعركة مشركا بعد ان نطق بكلمة التوحيد : " يا أسامة ! أقتله بعدما قال : لا إله إلا الله ؟!" قال أسامة : " فما زال يكررها حتى تمنيت أنى لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم " .
وقد استفاد أسامة من هذا التعنيف فى النصح أيام الفتنة التى كانت بعد مقتل عثمان رضى الله عنه ، فأورثه تورعا عن دماء المسلمين ، قال الذهبى رحمه الله : " انتفع أسامة من يوم النبى صلى الله عليه وسلم ، إذ يقول له : ( كيف بلا إله إلا الله يا أسامة ؟!" فكف يده ، ولزم بيته ، فأحسن " .
قلت : الله أكبر ! ما أعظم التربية النبوية! وما أحقر التربية الحزبية ! يوم أن حرمت أصل ( الرد على المخالف ) وأبناؤها لا يتورعون عن دماء المسلمين ، اتخذوها هدرا باسم الجهاد ، ولا تكاد تقوم فتنة إلا وهم وقودها أو موقدها .هذه نتيجة مداهنة بعضهم بعضا لؤهم الاشتغال بالكفار !! ولذلك قال ابن تيمية : " المؤمن للمؤمن كاليدين تغسل إحداهما الأخرى ،وقد لا ينقلع الوسخ إلا بنوع من الخشونة ، لكن ذلك يوجب من النظافة والنعومة ما نحمد معه ذلك التخشين " .
إذن فهذا اللين الذى تستعمله كثير من الجماعات الاسلامية مع أفراد أو جماعات من حمقى المتهورين – الذين كثيرا ما يتسببون فى استعداد الأعداء على المسلمين – ليس من الولاء فى شئ لأنه يزيدهم إغراقا فى ضلالهم لعدم شعورهم بعظم الجناية . ثم إن الشدة المسلوكة مع المسلمين أحيانا ، باعثها الغيرة عليهم من ان يروا ملطخين بشئ من القاذورات والسعى فى تمتيين الصف وسد خروقه حتى لا يؤتى من قبله ، فليعلم .
ولهذا قال العلامة عبد العزيز بن باز تحت عنوان : " الأدلة الكاشفة لأخطاء بعض الكتاب " : " ولا شك أن الشريعة الإسلامية الكاملة جاءت بالتحذير من الغلو فى الدين ، وأمرت بالدعوة إلى سبيل الحق بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتى هى أحسن ، ولكنها لم تمهل جانب الغلظة والشدة فى محلها حيث لا ينفع اللين والجدال بالتى هى أحسن ، كما قال سبحانه : (يأيها النبى جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ) وقال تعالى : ( يأيها الذين ءامنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين ) وقال تعالى : ( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتى هى أحسن إلا الذين ظلموا منهم ) ، أما إذا لم ينفع واستمر صاحب الظلم أو الكفر أو الفسق فى عمله ولم يبال بالواعظ والناصح ، فإن الواجب الأخذ على يديه ومعاملته بالشدة وإجراء ما يستحقه من إقامة حد أو تعزيز أو تهديد أو توبيخ حتى يقف عند حده وينزجر عن باطله " .)) نقلا عن كتاب مدارك النظر في السياسة.
هذا النقل خارج محل النزاع لأننا لسنا نختلف في طريقة النصح للمخطئ إنما في طريقة إنكار المنكر فلا شك أن الإنكار يسبقه نصح لكن إذا لم ينتصح المنصوح فلا بد ببيان غلطه إذا كان ينتسب للدين حتى يحذره الناس!.أخرج ابن أبي الدنيا في كتاب (( الصمت وآداب اللسان )) (291) ، وابن الأعرابي في (( معجمه )) (292) ،وأبو نعيم في (( الحلية )) (293) عن زائدة بن قدامة، قال : قلت لمنصور بن المعتمر : إذا كنت صائماً أنال من السلطان ؟ قال : لا قلت : فأنال من أصحاب الأهواء ؟ قال : (( نعم )) .ثم إن صنيع الإمام يحي بن معين إنما كان مع أهل السنة لا أهل الأهواء وبينهما فرق فقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الخوارج وسماهم بكلاب النار وحذر من القدرية وسماهم مجوس هذه الأمةو عن أبي هريرة –رضي الله عنه - قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم -: ( سيكون في آخر أمتي ناس يحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم )) (مقدمة صحيح مسلم ( 1/12 )).وعن عائشة – رضي الله عنها – قالـت: (( تـلا رسول الله – صلى الله عليه وسلم - هذه الآية{ هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هنّ أم الكتاب وأخر متشابهات، فأما الذين في قلوبهم زيغٌ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغـاء تأويلـه وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنـا به كل من عنـد ربنا وما يذكر إلا أولو الألبـاب}() آل عمران : 7 .)، قالت: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ( فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منـه، فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم (10)وهذا ابن عمر - رضي الله عنه - حين سئل عن القدرية قال: (( فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم برآء مني )) (11).وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: (( لا تجالس أهل الأهواء فإن مجالستهم ممرضة للقلوب )) (12).وعن عطـاء - رحمه الله- قـال: أتيت ابن عباس-رضي الله عنهما- وهو ينـزع في زمزم قد ابتلت أسافل ثيابه فقلت: قد تُكلم في القدر. قال: أوَ قد فعلوها؟. فقلت: نعم.قال
فوالله ما نزلت هذه الآية إلا فيهم{ ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر }، أولئك شرار هذه الأمة، لا تعودوا مرضاهم، ولا تصـلوا على موتاهـم، إن أريتني أحدهم فقأت عينيه بأصبعي هاتين))(13). (للمزيد من أقوال السلف انظر هنا[url="https://www.djelfa.info/vb/showthread.php?t=1007476"]
وكذلك هذه النقولات خارجة عن محل النزاع لأننا لسنا نتكلم عن حرمة الغيبة فهذه محرمة بالإجماع ولا شك في ذلك إنما نتكلم في الكلام في أهل الأهواء وأهل البدع لا في الغيبة فعليك أن تنقل نقولات في محل النزاع لا في محل خداع.
قال ابن تيمية: " إذ تطهير سبيل الله ودينه ومنهاجه وشرعته ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك واجب على الكفاية باتفاق المسلمين، ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين، وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب؛ فإن هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعا، وأما أولئك فهم يفسدون القلوب ابتداء، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم،وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم )).. "
-وقد أخذ أهل العلم بجواز التكلم في الشخص بغير حضرته للمصلحة واستدلوا بأدلة منها:
1-حديث أبي سعيد رضي الله عنه قال :
بعث علي رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه و سلم بذُهيبة فقسمها بين الأربعة : الأقرع بن حابس الحنظلي ثم المجاشعي ، وعيينة بن بدر الفزاري ، وزيد الطائي ثم أحد بني نبهان ، و علقمة بن علاثة العامري ثم أحد بني كلاب ؛ فغضبت قريش والأنصار ؛ قالوا : يعطي صناديد أهل نجد ويدعنا ؟! قال : " إنما أتألفهم " . فأقبل رجل غائر العينين مشرف الوجنتين ناتئ الجبين كث اللحية محلوق ؛ فقال : اتق الله يا محمد . فقال " من يطع الله إذا عصيت ؟ أيأمنني الله على أهل الأرض و لا تأمنونني " . فسأل رجل قتله - أحسبه خالد بن الوليد - فمنعه ، فلما ولى قال : " إن من ضئضئ هذا - أو في عقب هذا - قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم ، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية ، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان ؛ لئن أنا أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد " .
قلت : حذر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث من الرجل في غيبته ، وممن سيخرج من أصله وبين حالهم ولم يعتبر هذا غيبة له ولا لجماعته .
و المراد في هذا الحديث الخوارج كما بين ذلك أهل العلم
2- حديث عائشة قالت :
إن رجلا استأذن على النبي صلى الله عليه و سلم ، فلما رآه قال : " بئس أخو العشيرة وبئس ابن العشيرة " . فلما جلس تطلق النبي صلى الله عليه و سلم في وجهه وانبسط إليه ، فلما انطلق الرجل ؛ قالت عائشة : يا رسول الله ! حين رأيت الرجل قلت له كذا وكذا ، ثم تطلقت في وجهه وانبسطت إليه ؟! فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " يا عائشة متى عهدتني فحاشا ؟ إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره " .
قال الخطيب البغدادي رحمه الله في "الكفاية"(ص39) : " ففي قول النبي صلى الله عليه و سلم للرجل بئس رجل العشيرة دليل على أن أخبار المخبر بما يكون في الرجل من العيب على ما يوجب العلم والدين من النصيحة للسائل ليس بغيبة ؛ إذ لو كان ذلك غيبة لما أطلقه النبي صلى الله عليه و سلم
3- حديث فاطمة بنت قيس قالت :
ذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني ، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه ، وأما معاوية فصعلوك لا مال له ؛ انكحي أسامة بن زيد " فكرهته ، ثم قال : "انكحي أسامة " ، فنكحته ، فجعل الله فيه خيرا ، واغتبطت.
قال الخطيب البغدادي في الكفاية (ص40 ) : في هذا الخبر دلالة على إن إجازة الجرح للضعفاء من جهة النصيحة لتجتنب الرواية عنهم وليعدل عن الاحتجاج بأخبارهم ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما ذكر في أبى جهم أنه لا يضع عصاه عن عاتقه وأخبر عن معاوية أنه صعلوك لا مال له عند مشورة استشير فيها لا تتعدى المستشير ؛ كان ذكر العيوب الكامنة في بعض نقلة السنن التي يؤدى السكوت عن إظهارها عنهم وكشفها عليهم الى تحريم الحلال وتحليل الحرام وإلى الفساد في شريعة الإسلام ؛ أولى بالجواز وأحق بالاظهار ؛ وأما الغيبة التي نهى الله تعالى عنها بقوله عز و جل { ولا يغتب بعضكم بعضا } وزجر رسول الله صلى الله عليه و سلم عنها بقوله " يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم" فهى ذكر الرجل عيوب أخيه يقصد بها الوضع منه والتنقيص له والازراء به فيما لا يعود الى حكم النصيحة وإيجاب الديانة من التحذير عن ائتمان الخائن وقبول خبر الفاسق واستماع شهادة الكاذب ، وقد تكون الكلمة الواحدة لها معنيان مختلفان على حسب اختلاف حال قائلها ؛ في بعض الأحوال يأثم قائلها وفى حالة أخرى لا يأثم
قلت : والأدلة على جواز الجرح للمصلحة كثيرة نكتفي بما ذكرنا ، وقد نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على جواز جرح الشهود
روى أحمد بن مروان المالكي ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : جاء أبو تراب النخشبي إلى أبي ، فجعل أبي يقول : فلان ضعيف وفلان ثقة ، قال أبو أيوب : يا شيخ لا تغتب العلماء . قال : فالتفت أبي إليه . قال : ويحك ! هذا نصيحة ، ليس هذا غيبة .
وقال إسماعيل الخطبي : ثنا عبد الله بن أحمد قلت لأبي : ما يقول في أصحاب الحديث يأتون الشيخ لعله أن يكون مرجئاً أو شيعياً أو فيه شيء من خلاف السنة ، أيسعني أن اسكت عنه أم أحذر عنه ؟ فقال أبي : إن كان يدعو إلى بدعة وهو إمام فيها ويدعو إليها ، قال : نعم تحذر عنه .
هذا النقل حجة عليك لا لك لأنه رد على الذين يقولون لا تتكلموا في فلان فهو شهيد...لا تتكلموا في فلان فقد مات ساجدا...لا تتكلموا في فلان فقد يدخل الجنة فنرد عليكم بتلكم النقولات ونقول أيضا:
: بيان خطأ المخطئ, والكلام في النّاس تعديلا ومدحا أو تجريحا وقدحا؛ لا علاقة له بمقاديرهم عند الله, ولا بمصائرهم في الدّار الآخرة؛ فهذا للّه وحده, وبيان الخطأ والكلام جرحا وتعديلا عند الحاجة واجب على أهل العلم ممّن توفّرت فيهم شروطه, وحقّ للأمّة في أعناق أهل العلم لا يسعهم - أعني أهل العلم - عدم أدائه, لا علاقة للكلام في بيان خطأ المخطئ وبدعة المبتدع بغفران الله ربّ العالمين للمخطئ أو للمبتدع, ولا بمصيره عند ربّه, هذا بمعزل عن الكلام فيه؛ أمر يعلمه الله ربّ العالمين.
ذكر الخطيب في ((الكفاية)) أنّ عبد الرحمن بن أبي حاتم دخل عليه يوسف بن الحسين الرازيّ وهو الصوفيّ, وكان عبد الرحمن يقرأ في كتابه في ((الجرح والتعديل)), فقال له يوسف الصوفيّ: (كم من هؤلاء القوم قد حطّوا رحالهم في الجنّة منذ مئة سنة أو مئتي سنة وأنت تذكرهم وتغتابهم؟) فبكى عبد الرحمن.
وذكر ابن الصّلاح رحمه الله في كتابه ((معرفة أنواع علم الحديث)) المعروف بـ((مقدّمة ابن الصّلاح)): (قال يحيى بن معين رحمه الله: (إنّا لنطعن على أقوام لعلّهم حطّوا رحالهم في الجنّة منذ أكثر من مئتي سنة)).
نطعن عليهم ونبيّن أخطائهم ونحذّر الأمّة من بدعتهم واجب ذلك وإلاّ فهو الدّخول في إثم الكتمان, وهو ممّا يستوجب العذاب بالنيران.
رحمهم الله رحمة واسعة
يقول ابن رجب الحنبلي(اعلم أن ذكر الإنسان بما يكره محرم إذا كان المقصود منه مجرد الذم والعيب والنقص.فأما إن كان فيه مصلحة لعامة المسلمين أو خاصة لبعضهم، وكان المقصود منه تحصيل تلك المصلحة، فليس بمحرم، بل مندوب إليه.وقد قرر علماء الحديث هذا في كتبهم في الجرح والتعديل، وذكروا الفرق بين جرح الرواة وبين الغيبة، وردوا على من سوى بينهما من المتعبدين وغيرهم ممن لا يتسع علمه ولا فرق بين الطعن في رواة ألفاظ الحديث ولا التمييز بين من تقبل روايته منهم ومن لا تقبل، وبين تبيين خطأ من أخطأ في فهم معاني الكتاب والسنة، وتأول شيئا منها على غير تأويله، وتمسك بما لا يتمسك به، ليحذر من الاقتداء به فيما أخطأ فيه.وقد أجمع العلماء على جواز ذلك أيضا، ولهذا نجد في كتبهم المصنفة في أنواع العلوم الشرعية من التفسير، وشروح الحديث، والفقه، واختلاف العلماء، وغير ذلك، ممتلئة من المناظرات، وردوا أقوال من تضعف أقواله من أئمة السلف والخلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. ولم يترك ذلك أحد من أهل العلم، ولا ادعى فيه طعنا على من رد عليه قوله، ولا ذما، ولا نقصا... اللهم إلا أن يكون المصنف ممن يفحش في الكلام، ويسيء الأدب في العبارة، فينكر عليه فحاشته وإساءته، دون أصل رده ومخالفته إقامة بالحجج الشرعية، والأدلة المعتبرة.)(الفرق بين النصيحة والتعيير).