المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لكل من يبحث عن مرجع ساساعده


الصفحات : [1] 2 3 4 5 6 7 8

hano.jimi
2011-09-15, 11:56
لكل من يبحث عن مرجع ساساعده في جمع مراجع من خلال الانترنت لتكون صدقة جارية لشخص عزيز لدي متوفي رحمه الله.

halim_1987
2011-09-15, 17:39
طلب مساعدة

اصدقائي الطلاب و الاعضاء الكرام أن اليوم بحاجة الى مساعدتكم حيث أحتـــــاج الى معلومــــات تفيدنــــي في اعداد

مذكرتــــــي " مستار في الفلسفــــة " حيث اخترت عنوان لمذكرة بعنوان " المثالية عند افلاطون واثرها على فكر

الفارابي " لكن المشكلة اني لم اجد معلومات كافية " و انا بأمس الحاجة اليكم يا اصدقائي الطلاب و الاعضاء الكرام

+ لدي موضوع اخر اخترت احتيــاطا و هذا اذا لم اجــد معلومــــات في العنوان السابــقة لذا اطلب منكـم المساعدة في

العنوانين


مجمل القول ان احتاج الى ان تفيدون بمعلومات خاصة بـــــــــ

عن الفلسفة الجمالية ماهيتها الياتها خصائصها

المثالية عند افلاطون واثرها على فكر الفارابي

minna
2011-09-15, 21:01
لكل من يبحث عن مرجع ساساعده في جمع مراجع من خلال الانترنت لتكون صدقة جارية لشخص عزيز لدي متوفي رحمه الله
اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة ولا تجعله حفرة من حفر النار
اللـهـم أسكنه فسيح الجنان واغفر لها يارحمن وارحمها يارحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم
اللـهـم اجزه عن الاحسان إحسانا وعن الإساءة عفواً وغفراناً.
اللـهـم ارحمه فانها كانت مسلمة واغفر لها فانها كانت مؤمنة.وادخلها الجنة فانها كانت بـنبيك مصدقًة وسامحها فانها كانت لكتابك مرتلة
اللـهـم شفع فيه نبينا ومصطفاك واحشرها تحت لوائها، واسقها من يده الشريفة شربة هنيئة لا تظمأ بعدها ابداُُ .
اللـهـم اجعله في جنة الخلد.
اللـهـم انزل على اهله الصبر والسلوان و ارضهم بقضائك.
اللـهـم ثبتهم على القول الثابت في الحياة الدنيا وفي الاخرة ويوم يقوم الاشهاد


جعلها الله في ميزان حسناته



من فضلك نظريات الموارد البشرية وكل مايتعلق بتنمية وتسيير الموارد البشرية

hano.jimi
2011-09-16, 11:45
اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة ولا تجعله حفرة من حفر النار
اللـهـم أسكنه فسيح الجنان واغفر لها يارحمن وارحمها يارحيم وتجاوز عما تعلم ياعليم
اللـهـم اجزه عن الاحسان إحسانا وعن الإساءة عفواً وغفراناً.
اللـهـم ارحمه فانها كانت مسلمة واغفر لها فانها كانت مؤمنة.وادخلها الجنة فانها كانت بـنبيك مصدقًة وسامحها فانها كانت لكتابك مرتلة
اللـهـم شفع فيه نبينا ومصطفاك واحشرها تحت لوائها، واسقها من يده الشريفة شربة هنيئة لا تظمأ بعدها ابداُُ .
اللـهـم اجعله في جنة الخلد.
اللـهـم انزل على اهله الصبر والسلوان و ارضهم بقضائك.
اللـهـم ثبتهم على القول الثابت في الحياة الدنيا وفي الاخرة ويوم يقوم الاشهاد


جعلها الله في ميزان حسناته

من فضلك نظريات الموارد البشرية وكل مايتعلق بتنمية وتسيير الموارد البشرية

آمين يارب العالمين ارحمه واسكنه الفردوس الاعلى وارحم كل المؤمنين هذه مراجع يارب تعجبكي شكرا


أغسطس 2008

الوظيف العمومي و تسيير الموارد البشرية

كتبهاخيرالدين ، في 5 ديسمبر 2010 الساعة: 19:30 م


مقدمة :
تكتسي دراسة موضوع تسير الموارد البشرية أهمية بالغة باعتبار أن أي مشروع عصرنة أو تحديث لمؤسسة أو إدارة يجب أن يركز على العامل البشري بالدرجة الأولى.
فالكثير من الدول قطعت أشواط متقدمة في مجال تسير مواردها البشرية باعتمادها على كل ما هو مفيد من أبحاث نظرية وتقنيات عملية، فأصبحت تتوفر على إدارات فعالة تواكب التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الحاصلة بها.
أما في الجزائر التي تمر بمرحلة انتقالية من الاقتصاد الاشتراكي إلى اقتصاد السوق ومن عهد الحزب الواحد إلى عهد التعددية الحزبية، فإن أغلب الملاحظين أجمعوا على أن الإدارة الجزائرية مازلت تسير بأنماط قديمة، وأنها المعرقل الأساسي في التنمية الوطنية، حيث أنها لا توفر المناخ الحسن لجلب الاستثمارات وتطوير المشاريع كما أن خدماتها تبقى بعيدة عن النوعية المرجوة من طرف المواطنين، ففي حين تتعامل أغلب الإدارات العالمية مع مواطنيها على أنهم زبائن يجب إرضائهم من حيث نوعية الخدمة والآجال والتكلفة، تبقى الإدارة الجزائرية تتبنى الفكر القديم وتفرض بيروقراطية ثقيلة ضيعت على الجزائر الكثير من فرص الاستثمار والشراكة مع الخارج، وبالتالي فرصة الإقلاع الاقتصادي.
فالإدارة العصرية تطورت فأصبح تسير الموارد البشرية فيها يعتمد على أدوات التخطيط والبرمجة من خلال تحديد الأهداف، وانتقاء أدوات التنبؤ والتقييم، كما أنها أصبحت تهتم بالبعد الإنساني والاجتماعي للموظف من خلال البحث عن التحفيز، عكس ما كانت عليه وظيفة المستخدمين في الماضي التي كانت تأخذ بعين الاعتبار نقط الاعتبارات ذات الطابع الإداري والقانوني، فإستطاعت الإدارة العصرية أن تحقق الفعالية وأن تحسن مردودية موظيفها من خلال شتى أنواع التحفيز والتكوين وأنماط التقييم، والآن أصبح علم المناجمنت أو التسيير يدرس في جل الجامعات والمعاهد الحكومية لنتائجه المذهلة.
في حين يبقى الوظيف العمومي في الجزائر بعيد كل البعد عن هذه التغيرات الإستراتيجية في تسيير الموارد البشرية، معتمدا على تسير كلاسيكي ممل لا يفتح آفاق لحياة مهنية جيدة. مما أدى إلى هورب الكثير من الإطارات الممتازة إلى القطاع الخاص في الخارج أو الداخل كما أن استمرار الوضع على حاله يهدد بشل جميع الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، فالتغير أمر حتمي لا مفرمته. فما هي أهم المحاور الواجب إدخالها لتطوير تسير الموارد البشرية في قطاع الوظيف العمومي في الجزائر؟

المبحث التمهيدي : السياق الحالي للوظيفة العمومية في الجزائر
السياق الحالي للوظيفة العمومية في الجزائر.

أهم ما ميز الوظيفة العمومية في الجزائر بعد الاستقلال هو الخلط بين المناصب ذات الطابع المرتبط بمهام الدولة والمناصب ذات البعد السياسي، وعلى وجه الخصوص الخلط بين مهام الدولة ومهام الحزب، كما أن الموظف يستمد شرعيته من خلال تطبيق القوانين واللوائح، بغض النظر عن تحقيق الفعالية، فأصبحت الإدارة مقبرة للمواهب والمبادرات الفردية، و أداة تثبيط لكل محاولات التحسين، ويرجع هذا أساسا لنقص أنظمة التسيير وعدم التحكم في تعداد العمال وسيطرة الذهنيات البالية كالمحسوبية والقبلية ومركزية القرار على حساب الكفأت والمؤهلات.
في الجزائر يمكن تعداد ثلاث اختلالات أساسية في قطاع الوظيف العمومي:
1-نقص في الكفاءات بسبب هجرة الأدمغة وغياب أفاق لحياة مهنية محفزة.
وكذا غياب معايير للانتقاء والالتحاق مما أدى إلى إقصاء الكفاءت من الالتحاق بالوظيفة العمومية.
2-وجود فائض من الفئات الغير مؤهلة بسبب السياسة الاجتماعية للدولة في التوظيف.
3-قطاع لا يوفر حياة مهنية تتماشى مع نتائج و مستوى الموظف.
فالجزائر موجودة بين ثنائية معقدة من جهة هي مثقلة بالبيروقراطية وممارسات الماضي السلبية وطغيان الفساد الإداري ومن جهة أخرى ضرورة توفير الظروف الملائمة للانضمام إلى النظام الاقتصادي الجديد، وما يتطلبه من إدارة فعالة تعتمد على الأساليب الحديثة في تسيير مواردها البشرية.
فالمتمعن لكيفية تسيير الموارد البشرية في الجزائر يمكنه استخراج الملاحظات الآتية :

1-وظيفة المستخدمين في الجزائر تنحصر فقط في إدارة الموارد البشرية بالمفهوم التقليدي التعين، الإنضباط، الترقية، إنهاء المهام، ولا تصل إلى مفهوم تسيير الموارد البشرية أو المناجمنت العمومي بالمفهوم الحديث من حيث التخطيط والمتابعة والتقييم والتعديل، حيث لا يمتلك الوظيف العمومي مخططات تسيير الحياة المهنية، مخططات التكوين، عوامل التحفيز، تقنيات حديثة للتقييم، أدوات التنبؤ لتجنب الفائض أو الناقص في ملئ المناصب.

2-وظيفة المستخدمين في الجزائر تتميز بطابعها المركزي، وتقليص هامش الحركة للمسؤلين المحلين على جميع المستويات، كما تتميز بطابعها الشمولي أي تطبيق نفس القاعدة القانونية على فئات مهنية مختلفة في قطاع الوظيف العمومي.

3-وظيفة المستخدمين تحقق شرعيتها في تطبيق القوانين واللوائح بغض النظر عن النجاعة، الفعالية، فنجد أن أجهزة الرقابة الداخلية والخارجية تحرص فقط على رقابة مدى مشروعية القرارات فقط ولا تهتم بالنتائج، كما أن الإدارات نفسها لا تمتلك مخطط سنوي في تسيير الموارد البشرية يحدد الأهداف، والوسائل المتاحة لتحقيقها.
4-شريحة كبيرة من موظفي القطاع وهم موظفو الجماعات المحلية خاصة البلديات يعانون من تهميش مبالغ فيه، الحرمان من التكوين، غياب جسر بين الإدارة المحلية والمركزية في إطار حياتهم المهنية.
5-يعاني الوظيف العمومي من طغيان الفئات الغير مؤهلة على حساب الفئات المؤهلة.

6-من حيث الهياكل والمرافق المكلفة بتسيير الموارد البشرية، فأحيانا تكون منعدمة حيث تتبع لمصالح أخرى. وفي حالة وجودها فإننا نجد مستوى التأطير ضعيف جداً، وأحيانا نجدها ممركزة بشكل يضعف روح المبادرة أو يلغيها بالنسبة للفروع الخارجية.
7-الموظفون المركزيون يستعملون بشكل واسع سلطة وشرعية الدولة لفرض قرارات وأوامر غير قابلة للنقاش على المستوى الأدنى بغض النظر على التكاليف، وبالتالي يأخذ الموظف سلوك الرجل السياسي، هذا السلوكيات تمس كثير بمفهوم اللامركزية وإشراك الجميع في اتخاذ القرارات.
8-فيما يخص مديرية الوظيف العمومي التي لها الشأن الكبير في تسيير الحياة المهنية للموظفين، فإنه من بين أهم مصالحها المجلس الأعلى للوظيفة العمومية الذي له دور استشاري وتوجيهي، هذا المجلس لم ينشأ إلى يومنا هذا. كما أن العلاقة بين مديرية الوظيف العمومي وباقي الإدارات كانت دائما ممركزة من حيث وجوب التأشيرة القبلية للوظيف العمومي في أي تسيير للحياة المهنية للموظف.
9-المتمعن في قانون البلدية والولاية يعرف أنهما مجموعتان تجسدان اللامركزية بامتلاكهما لشخصية المعنوية والاستقلالية المالية، مما يعني امتلاك الموظفين لهما لنظام خاص. في حين يتمتع موظفوا البلديات بنظام خاص تجسيدا لنظام اللامركزية ينطبق على موظفي الولاية باقي نظام الإدارات العمومية.

10-نقص حاد في الموارد المالية لتسيير الموارد البشرية بصفة عادية وهذه بعض الحقائق المسجلة لسنة 1993.
أ-شكلت كتلة الأجور %66,84 من ميزانية التسيير للبلديات.
ب-1159 بلدية من بين 1541 متواجدة تعاني من مشاكل مالية عويصة وتلجأ لصندوق دعم الجماعات المحلية التابع لوزارة الداخلية والجماعات المحلية.
جـ-نسبة التأطير تقل عن %5 في بلديات الوطن.
د-الإنعدام التام لمخططات التكوين على مستوى البلديات، و %95 من موظفي البلديات لم يستفيدو من أي تكوين في حياتهم المهنية.
و-غياب الآليات لتحويل أو نقل الموظفين بين البلديات، وهذا لغياب جهاز يتولى تسيير حركة المستخدمين في البلديات.
II-إزداد عدد الموظفين بين سنة 1985 و 1994 من 790 738 موظف إلى644 211 1 موظف، حيث أصبح عدد الموظفين يشكل ¼ من مجموع اليد العاملة الذي يمثل 4,2 موظف لكل 100 ساكن، وهذا الرقم يظهر معقول بالمقارنة مع باقي الدول، لكن في حقيقة الأمر فإن نسبة الأعوان بدون تأهيل تصل إلى %37 في القطاع العمومي وتفوق %70 من مجموع موظفي البلديات.

تطور عدد الموظفين
وبالتالي الوظيف العمومي قد وظف بمعدل :
15000 عون بين عام 1963 و 1973.

35000 عون بين عام 1974 و 1983
55000 عون بين عام 1984 و 1993
كما انتقل عدد الأجانب بين عام 1963 إلى 1993 من 414 14 موظف إلى 419 4 موظف.

12-المؤهلات
مستوى التأهيل يختلف بين الإدارات المركزية وباقي الإدارات، فيرتفع في الدوائر الوزارية وينخفض في الجماعات المحلية.
1- على المستوى الوطني : مستوى التأهيل %12 الفئات غير مؤهلة تشكل %37
2- على المستوى المركزي : مستوى التأهيل %17 الفئات غير مؤهلة تشكل %12
3- على مستوى الولائي : مستوى التأهيل %11,85 الفئات غير مؤهلة تشكل %55,94
4- على المستوى البلدي : مستوى التأهيل % 4,78 الفئات غير مؤهلة تشكل %89,6
13- يجمع الخبراء على أن الوظيفة العمومية في الجزائر لا تمتلك نظام لتسير الحياة المهنية للموظفين ولا سياسة تكوينية قادرة على التكييف مع المعطيات الجديدة.

14- يغلب على نمط العمل في الوظيف العمومي الروتين وهذا لغياب المحفزات وكذا لغياب الأهداف، فالبرفسور أحمد رحماني يرى أن الإجابة على السؤال التالي كفيل برفع مستوى التحفيز لدى الموظفين.
Comment traduire les missions en objectifs de façon à donner un sens au travail ?
كيف يمكن ترجمة المهام إلى أهداف بحيث يصبح هناك معنا للعمل ؟

15- لا توجد أي علاقة بين مردودية الموظف ونتائجه وحياته المهنية حيث غالبا ما تكون ترقية الموظف مبنية على أساس علاقاته الشخصية وكذا عوامل أخرى كالمحسوبية والرشوا والقبلية. فالموظف الجزائري الكفء الذي لا يمتلك شبكة من العلاقات الاجتماعية داخل الإدارة ومن خارجها مصيره التهميش والجمود في حياته المهنية، ففي حين يستفيد الموظف في الإدارات العصرية من الترقية بعد خضوعه للتكوين وتقيم مردوديته ونتائجه وسلوكه، فتصبح الترقية أداة للتحفيز ومكافأة المجدين، يستفيد الموظف الجزائري من الترقية بناء على ولائه السياسي وعلاقاته الاجتماعية من خارج وداخل الإدارة، مما أدى إلى إبتعاد الموظف الجزائري عن الاهتمام بالمردودية وإنصرف إلى الاهتمام بأمور أخرى لا تخدم الإدارة.
16- الأجور والعلاوات الممنوحة للموظف لا توفر له حياة كريمة، فالشريحة الكبيرة من الموظفين يعيشون في درجة الفقر بسبب ضعف الراتب، مما أدى بهم إلى البحث عن مصادر رزق أخرى، تتعارض أحياناً مع طبيعة مما يسمى بمصالح الإدارة التابعين لها، فنلاحظ أن عدم التحفيز وكثرة الغيابات هي السمة الرئيسية في قطاع الوظيف العمومي، والعلاج التأديبي الذي يتبعه أغلب المسؤولين لا يكفي إذا لم يتبع بالاهتمام بالبعد الإنساني والاجتماعي للموظف.
بعدما عرضنا أهم الاختلالات التي يعاني منها قطاع الموارد البشرية في الوظيف العمومي، ما هي أهم محاور الإصلاح التي يمكن إدراجها في هذا الشأن لتحسين ظروف وإيجاد أساليب تسير جديدة تضمن تحقيق النجاعة للإدارة؟

المبحث الأول :ضرورة تكييف الهياكل الإدارية مع المهام الجديدة لتسير الموارد البشرية.
ضرورة تكييف الهياكل الإدارية مع المهام الجديدة لتسيير الموارد البشرية :
في علاقاتها مع الموظفين تعتبر الإدارة مستخدم سيء لعمالها، بحيث أنها عاجزة عن ترجمة مهامها إلى أهداف، كماأنهاعاجزة على الاستعمال المثالي لموظفيها وغير قادرة على توفير حياة مهنية ذات آفاق، فمشكل عصرنة الإدارة لا ينحصر فقط في نقص ظروف العمل والتجهيزات بل في غياب مناهج العمل وكذا غياب التقييم الجيد للنتائج، وبالتالي فإن أي إصلاح للتسيير الموارد البشرية يجب أن يرتكز على أمرين أساسين :
1-إصلاح يمس الهياكل الإدارية المكلفة بوظيفة الموارد البشرية.
2-إصلاح يمس الإنسان، باستعماله المثالي، وتطوير قدراته، والاعتراف بمساهماته، وتوفير حياة مهنية تتماشى مع مردوديته.
من خلال المبحث الأول سنهتم فقط بدراسة إصلاح الهياكل الإدارية المكلفة بوظيفة تسيير الموارد البشرية وهذا من خلال إعادة الاعتبار لها والاستثمار فيها، حيث ذكرنا في المبحث التمهيدي أن الهياكل المكلفة بتسيير الموارد البشرية محصور في تسير الشؤون اليومية، كما أنه يجب الإشارة إلى أن العديد من المصالح الإدارية لا تمتلك حتى مديرية أو مصلحة خاصة بتسيير الموارد البشرية.
تكييف أدوات ومناهج التسيير :
العصرنة بمفهومها الواسع المتمثلة في عقلنة التسيير وتكييف أدوات العمل المناسبة لتحقيق أهداف محددة مسبقاً، يجب أن تأخذ بعين الاعتبار البعد الانساني أي الاهتمام بجميع العوامل التي من شأنها أن تحفز الأشخاص، وتلبية طموحاتهم المهنية والاجتماعية، وكذا حقهم في التقدير والعرفان.
المطلب الأول : إنشاء هياكل قادرة على التكفل بالنشاطات الآتية:
أ-إدارة المستخدمين
ب-التسيير
جـ-المناجمنت
د-التنشيط
إنشاء هياكل قادرة على التكفل بالنشاطات الآتية :
أ-إدارة المستخدمين
ب-التسيير
جـ-المناجمنت
د-التنشيط
الفرق بين الأسلوب القديم والجديد في تسيير الموارد البشرية في عدد النشاطات المدرجة، فالأسلوب القديم يمارس نشاطين وهو إدارة المستخدمين والتسيير من حيث التعيين والترقية والانضباط والتقاعد، في حين تتعدى نشاطات النمط الجديد إدارة المستخدمين إلى نشاطات جديدة وهي :
أ-المناجمنت
ب-التنشيط
وتتغير أهمية هذه النشاطات بحسب حجم المنظمة ودرجة استقلاليتها أو لا مركزيتها وكذا نظام توزيع السلطات والمسؤوليات والأدوار.
أ-إدارة المستخدمين :
هو تطبيق القواعد المقننة مسبقاً « préditerminées » على وضعية محددة الإجابات المحتملة لوضعية قانونية، وبالتالي الإدارة لا تنشأ القواعد القانونية ولا تحدد السياسات بل دورها التطبيق فقط. هذا النشاط لا بد منه لكنه غير كافي، لأنه أثبت محدوديته وعدم فعاليته، وقطاع الوظيف العمومي في الجزائر مازال في هذا المستوى، أما الاتجاه العام للتجارب الخارجية هو البحث عن قواعد جديدة لتسيير الموارد البشرية.
ب-التسيير Gerer : هو تنظيم مسار لأخذ قرار لحل مشكل معين، بحيث أن القرار المتوصل إليه يكون :
1-في الوقت المناسب
2-في أحسن الظروف.
3-من طرف الأشخاص المؤهلين.
وبعبارة أخرى هو إعداد مجموعة من القواعد بغية تطبيقها حتى تأخذ كل وضعية الحل الأمثل لها، فالتسيير يتطلب هامش كبير من الحرية في اتخاذ القرارات المناسبة كما يتطلب في الشخص المسير روح المبادرة وإمتلاك مهارات القيادة.
- إدارة المستخدمين
L’administration du personnel
وهي الوظيفة المركزية في وظائف تسيير الموارد البشرية تحتوي على:
• تسيير الامتيازات الاجتماعية
• تقيم وترتيب المناصب
• تطبيق ومتابعة القوانين والأنظمة، كالعطل والغيابات وظروف العمل
• تسيير الحياة المهنية "الترسيم، الترقية"
• تنظيم المسابقات والامتحانات المهنية
2- تسيير المستخدمين La gestion du personnel
تغطي المجالات ذات الطابع الاقتصادي والمالي :
• إعداد ومتابعة الراتب
• تسيير العلاوات والمنح
• إعداد ومتابعة أنظمة الإعلام الآلي الخاصة بالتسيير
• متابعة اقتطاعات والحماية الاجتماعية .
• يمكن اعتبار وظيفة إدارة وتسيير المستخدمين من بين الوظائف التقليدية و الكلاسيكية.

3-مناجمنت الموارد البشرية
Le management des ressources humaines
تتمثل مهامها في :
• تحديد أهداف، مهام، مسؤوليات كل مصلحة من مصالح وظيفة تسيير الموارد البشرية.
• تحديد الوسائل المالية لكل مصلحة من مصالح مديرية تسيير الموارد البشرية.
• تحديد أدوات، وسائل، ومناهج العمل.
4- التنشيط Animation
يغطي التنشيط المجالات الإنسانية والاجتماعية للمنظمة، ويشمل على :
• توزيع الأدوار والمسؤوليات، توضيح العلاقات وتنسيق الأنشطة
• تحديد المهارات اللازمة لشغل منصب معين
• إنتقاء، تعين و إدماج الموظفين
• تكوين وترقية الموظفين
• متابعة وتطوير المهارات
• تحفيز جميع الشركاء والمتعاونين
• ترقية العلاقات الاجتماعية بالتعاون والتشاور مع مختلف الشركاء الاجتماعين.

المطلب الثاني : إنشاء هياكل إدارية قادرة على القيام بالأدوار الآتية :
أ-التسيير البشري
ب-مساعدة باقي الهياكل
جـ-دور الرقابة
هياكل إدارية قادرة على القيام بالأدوار الآتية :
أ-التسيير البشري
ب-مساعدة باقي الهياكل
جـ-دور الرقابة.
وظيفة تسير الموارد البشرية همها الأول هو توفير في الوقت المناسب موظفين مؤهلين لشغل مختلف المناصب داخل الإدارة، وبالتالي تحديد القواعد الأساسية للتسيير وكذا واجب مساعدة ومرافقة بقية الهياكل في تسيير مستخد
أ-التسيير البشري :
المقصود بالتسيير البشري هو أن يراجع المسير ملفات المستخدمين بشكل مستمر، ويجدد البطاقات والسجلات الخاصة بكل موظف التي تسمح له باتخاذ القرارات فيما يخص الحياة المهنية للموظف كا تسجيل الغيابات، التأخرات، الساعات الإضافية، العطل مختلف الملاحظات المهنية، ويعتبر الإعلام الآلي الأداة التي طورت كثيرا التسيير بحيث يسمح للمسير من الانتقال من المعاينة إلى التحليل والتشخيص واتخاذ القرارات المناسبة.
ميها وأخيرا رقابة ظروف التنفيذ.
ب-مساعدة ومرافقة بقية الهياكل الإدارية :
تقوم مصلحة المستخدمين بإعداد السياسات الإستراتيجية، الإجراءات و أنظمة التسيير للموارد البشرية لمختلف المديريات والمصالح داخل نفس الجهاز الإداري.
وتتولى كذالك مرافقة هذه المصالح في تطبيق مختلف هذه الإجراءات بصورة تضمن تحقيق النتائج المرجوة منها.
جـ-مراقبة تسيير الموارد البشرية :
رغم أهمية وظيفة الرقابة من حيث التدقيق في مدى احترام القواعد والإجراءات التنظيمية وكذا مدى تطبيق مخطط العمل Le plan d’action
إلا أنها لا تعنى بأي أهمية في النظام الإداري الجزائري، فالسياسات المرسومة من طرف الدوائر الوزارية الخاصة
بالموارد البشرية ليس لها أي فعالية إذا لم تطبق من طرف المصالح المختلفة التابعة لها. فالرقابة هي الحلقة الأهم من
السلسلة في مناجمنت الموارد البشرية.

هياكل إدارية قادرة على القيام بالأدوار الآتية :
أ-التسيير البشري
ب-مساعدة باقي الهياكل
جـ-دور الرقابة.
وظيفة تسير الموارد البشرية همها الأول هو توفير في الوقت المناسب موظفين مؤهلين لشغل مختلف المناصب داخل الإدارة، وبالتالي تحديد القواعد الأساسية للتسيير وكذا واجب مساعدة ومرافقة بقية الهياكل في تسيير مستخدميها وأخيرا رقابة ظروف التنفيذ.

المطلب الثالث : إنشاء هياكل تلتزم بإتباع المنهجية الآتية :
أ- التخطيط
ب- التنظيم
جـ- التنشيط
د- إعداد سياسات التكوين طبقا للاحتياجات.
هـ-التقييم والرقابة
أ-التخطيط Planification
1-تحديد حاجيات المصلحة من المستخدمين ومن طبيعة التكوين
2-إعداد المخططات والاستراتيجيات بغية تلبية تلك الحاجيات
3-رسم أهداف مختلف مصالح المستخدمين، بتحديد الأوليات ومخططات عمل مع أجال معينة
4-تحديد معايير العمل، آجال معالجة الملفات، آجال تنفيذ المخططات إجراءات التعاون بين المصالح الداخلية
5-توزيع الموارد و الكفآت تبعا للأهداف الموكلة لكل مصلحة
يجب الإشارة أنه عند القيام بالتخطيط يجب إشراك جميع المتعاملين والأخذ بآرائهم خاصة المصالح الخارجية بغية تجنب ابتعاده عن الواقع.
ب-التنظيم L’organisation
يجب أن نشير إلى أنه لا يوجد تنظيم معين يصلح لجميع أنظمة التسيير فقد تعتمد المنظمة على النظام المركزي بغية اقتصاد الموارد، وتوحيد تطبيق الأنظمة وتسيير فعال للحياة المهنية، لكن المركزية في نفس الوقت لها سلبيات كثيرة خاصة. إذا كانت المصالح الخارجية للإدارة جهوية، فالمديرية العامة لا تستطيع أن تستجيب في الوقت المناسب لجميع الانشغالات، كما أن ابتعادها عن تلك المنطقة لا يسمح لها بأن تكون لها دراية بجميع المعطيات.
في المقابل فإن التنظيم اللامركزي، يسمح بأخذ المبادرة من المسيرين المحليين وأخذ القرارات المناسبة وفي الوقت المناسب، لكن هذا لا يعني أن للتنظيم اللامركزي خالي من السلبيات كا إمكانية الوقوع في عدم التطبيق الموحد للنظم وكذا استعمال السلطة في الأغراض الغير مناسبة خاصة في حال غياب الرقابة.
جـ-التنشيط L’animation
التنشيط وظيفة أساسية لكنه مهمش كثيرا في الإدارات العمومية، فالتنشيط في أي سياسة للموارد البشرية دوره أساسا يتمثل في تحديد المهام والأدوار لكل موظف، وإشراك الجميع في رسم الأهداف ووضع المخططات لتطوير المنظمة و الأخذ بعين الاعتبار جميع تطلعات وانشغالات الموظفين.
د-إعداد سياسات التكوين طبقا للاحتياجات
1-في أي تنظيم فعال يجب ترتيب المناصب، وتحديد بالضبط المؤهلات والمهارات التي يتطلبها شغل أي منصب، على هذا الأساس ترسم سياسة التكوين التي من غايتها الأساسية هو تأهيل الموظف ليشغل منصب معين يتطلب مجموعة من المعارف والمؤهلات.
2-كما أن الدراسة التنبؤية لتطور المنظمة وما يتبعه من ازدياد في عدد مناصب العمل أو تقلصها، تسمح للمسير بمعرفة احتياجاته من الموارد البشرية وبالتالي اعتماد برنامج تكوين يتماشى مع الحاجيات المستقبلية للمنظمة.
هـ-التقييم والرقابة :
يمكن إجراء التقييم من خلال مقارنة مخطط العمل مع النتائج المتوصل إليها. أو من خلال مقارنة الأهداف المرسومة مع النتائج المحصلة، فالتقييم يسمح للمنظمة بمعرفة درجة فعاليتها وبالتالي مدى نجاحها أو فشلها.
كما أن الرقابة الدورية والمستمرة تسمح بتدارك الأخطاء وتصحيحها في الوقت المناسب، فالرقابة يجب أن تمارس على مدار السنة ليكون لها أثر وقائي في تجنب الخسائر الكبيرة.

المطلب الرابع : إنشاء هياكل تضمن الحد الأدنى من الوفاق
أ-إيجاد الوفاق
ب-إعلان المحاور أو المبادئ الكبرى للوفاق
جـ-الإطار القانوني والتنظيمي

هياكل تضمن الحد الأدنى من الوفاق
أ-إيجاد الوفاق :
الوفاق هو نتيجة عمل جماعي الذي يجب أن يأسس ويقبل من طرف جميع الفاعلين بما فيهم النقابات المهنية والمسؤولين المحلين وحتى مستشارين خارجين، فالوفاق يجب أن يضم أكبر شريحة من الموظفين وهذا بإعلانه طبقا لنظام اتصال يعتمده التنظيم، فالمقصود بالوفاق هو أن يتفق الجميع على مجموعة من الأهداف، وأن يتفقو على منهجية عمل للوصول لتلك الأهداف، كما يتفقوا على أنماط التكوين والتقيم والرقابة، فقد أثبت بعض تجارب الشركات الصناعية الكبرى في الغرب أهمية الوفاق في إخراج الشركة من وضعية الافلاس إلى وضعية الانتعاش، وهذا أن العديد من الشركات الكبرى وصلت بسبب ظروف مختلفة إلى مرحلة العجز والانسداد، لكن تظافر مجهودات جميع الفاعلين داخل الشركة، من عمال و مسؤولين ومساهمين و مواطنين بإعداد ميثاق الوفاق، حيث يتنازل كل طرف على جزء من امتيازاته لوقت معين لصالح الشركة، ويعمل الجميع للخروج من المأزق، سمح للشركة ليس فقط بالخروج من أزمتها بل باحتلال مكان في السوق لم تصل إليه حتى في مراحل عزها السابقة.
ب-إعلان المحاور أو المبادئ الكبرى للوفاق
من أهم المبادئ الواجب إعلانها عند إعداد الوفاق:
1 -الاستعمال الأمثل للمؤهلات الفردية لكل شخص
2 -ضمان تسيير فعال للمرفق العام
3 -وضع حيز التطبيق تنظيم ومناهج عمل تستجيب للتطلعات المهنية للعمال
4 -توزيع مهام التسيير البشري بين الرؤساء الإداريين
5 -كيفيات تثمين وتقدير الكفاءات
6 -أنماط الاتصال بين مختلف الفاعلين
7 -نمط التنقيط والتقييم
8 -كيفية الخضوع للتكوين
9 -حل الخلافات الفردية والجماعية في العمل
10 -توزيع العلاوات والامتيازات الاجتماعية
جـ-الإطار القانوني والتنظيمي :
ميثاق العمل يجب أن يكون مطابق للإطار القانوني والتنظيمي، فالمبادرة الفردية يجب أن تكون في إطار القانون، لهذا يجب على المشرع أن يمنح أكثر حرية للمسؤولين في تسيير الحياة المهنية لموظفيهم.

المبحث الثاني :تكييف أدوات ومناهج التسيير
تكييف أدوات ومناهج التسيير :
العصرنة بمفهومها الواسع المتمثلة في عقلنة التسيير وتكييف أدوات العمل المناسبة لتحقيق أهداف محددة مسبقاً، يجب أن تأخذ بعين الاعتبار البعد الانساني أي الاهتمام بجميع العوامل التي من شأنها أن تحفز الأشخاص، وتلبية طموحاتهم المهنية والاجتماعية، وكذا حقهم في التقدير والعرفان.

المطلب الأول :أجهزة قياس المهارات البشرية
أ- نظام الإعلام الاجتماعي
ب- المعطيات الديمقراطية
جـ- قياس الاختلالات الاجتماعية
أجهزة قياس المهارات البشرية
هذه المقاربة يجب أن تترجم إلى تفكير شامل حول أجهزة القياس للطاقات البشرية الموجودة والأسباب المحتملة للاختلالات المختلفة من جهة، وتجديد مناهج التسيير البشري من جهة أخرى. فالتسيير الفعال للموارد البشرية على المدى القصير أو الطويل يتطلب معرفة كاملة بالطاقات البشرية المتاحة، قواعد استخلافها وتطويرها وكذا الأسباب الممكنة لحدوث الاختلالات الاجتماعية التي قد تواجه الإدارات العمومية، وكذا القدرة على التنبأ بحجم الأخطار وإمكانية التعديل.
أ-نظام الإعلام الاجتماعي
نظام الإعلام الاجتماعي حول الموارد البشرية هو مجموعة الطرق والاجراءات التي تسمح بجمع، تحليل ونشر المعطيات المطلوبة المتعلقة بمختلف أنشطة تسيير الموارد، هذه الأنظمة تتضمن المعطيات حول الموظفين، مناصبهم، أجورهم، مؤهلتهم، السن، الجنس، السوابق المهنية، مستواهم التكويني، وتنقيطهم و ملاحظات المسؤولين بخصوصهم.هذه المعطيات تسمح للمسيرين بامتلاكهم لإحصائيات جديدة ومعرفة نسبة الحركة، معدل الغياب، الذهاب للتقاعد، الترقيات، هذه المعطيات في حال إذا كانت صحيحة ومؤكدة ودقيقة يمكن الاعتماد عليها في التسيير التنبؤي للمستخدمين.فنظام الإعلام الاجتماعي يستجيب للحاجيات الحقيقية للمنظمة من حيث يمنحها المعلومة في صورتها الجديدة في أي وقت، وبالتالي فإن أي مشروع لتطوير هذا النظام يجب أن يكون نابعاً من حاجيات المسيرينكما أن نظام الإعلام الاجتماعي يجب أن يتوفر على بعض الخصائص كالسرية والشرعية والدقة (يومية) من أهم فوائده أنه يسمح بقياس الظواهر الاجتماعية كمعاينة المناخ الاجتماعي، ومراقبة مختلف الظواهر الاجتماعية كما أن هذه المعطيات تسمح لنا بإعداد:
1-لوحة قيادة عامة
2-جدول تصنيف العمال لفئات مهنية
3-جدول يصنف العمال بحسب الرتبة أو السلك
4-جدول يصنف العمال بحسب الأقدمية
5-جدول يصنف العمال بحسب الجنس
6-جدول يصنف العمال بحسب الوضعية القانونية
7-جدول يصنف العمال بحسب المصلحة
كما تسمح لنا هذه المعطيات بمعرفة حركة المستخدمين : التعيينات، الذهاب الترقية، التحويلات، الإيداع.
أهم المؤشرات في وظيفة المستخدمين :
عدد أيام الغياب
* معدل الغياب =
مجموع أيام العمل
عدد الذهاب في السنة
*الحركة Turn Over =
عدد العمال في بداية السنة
عدد الإطارات
* معدل التأطير =
عدد العام للعمال
التعداد العام (ن+1)
*معدل إزدياد المناصب =
التعداد العام (ن)
نفقات التكوين
*نفقات التكوين = .
كتلة الأجور

ب-المعطيات الديمغرافية :
أهمية المعطيات الديمغرافية تتمثل في متابعة تطور الحالات الشخصية و الادارية من خلال مسك ملف شخصي لكل موظف والملف الشخصي يحتوي على جميع المعلومات الشخصية والمهنية للموظف اما البطاقة الشخصية تحتوي على اهم المعلومات الخاصة بالحياة المهنية للموظف وتستعمل للتسير اليومي

جـ-قياس الاختلالات الاجتماعية :
كل منظمة بإمكانها مواجهة مجموعة من الظواهر كالغيابات والذهاب المكثف للموظفين والإضرابات فعلى المسير دراستها والبحث عن أسبابها وهذا لتجنبها أو تقليصها مستقبلا. فمثلا في حالة الغيابات. يجب التميز بين الغيابات المرخص بها وغير المرخص بها لان الغياب الغير مرخص به يجب البحث في اسبابه فعلينا ان نبحث في:
1-سن المتغيبين
2-الفئة الاجتماعية والمهنية
3-الجنس
4-الظرف الاجتماعي
كما أن تسجيل معدلات ذهاب العمال كالاستقالات أو التحويل أو غيرها من أشكال التحول من المصلحة، يعني أن هناك مشاكل تدفع هؤلاء العمال لطلب التحويل.

المطلب الثاني : تجديد مناهج التسيير
أ- إعطاء بعد إستراتيجي للحياة المهنية للموظف
ب- مخططات تكوين في إطار مشروع العصرنة
تجديد مناهج التسيير:
أ-إعطاء بعد استراتيجي للحياة المهنية للموظف
لكل موظف الحق في أن تكون له حياة مهنية يحددها هو كما يشاء، أي على أساس إلتزامه وقدراته واتباعه لدورات التكوين، ومردوديته في العمل، فتكون الترقية أداة لتحفيزه بعد إزدياد خبرته المهنية، عكس ما هو كائن أين الحياة المهنية للموظف ترتبط بحجم العلاقات الخاصة ومعارفه، والانتماء السياسي…إلخ
كما يجب التمييز بين مصطلح تسيير الحياة المهنية الذي له معنى فردي، والتسيير الجماعي للحياة المهنية الذي يهدف إلى تحضير الخلف وهذا لشغل المناصب الحساسة والاستراتيجية، حيث أن الإدارة الناجحة هي التي تحضر لكل منصب حساس نائبين، حتى تتجنب الوقوع في مشكل غياب الخلف.

ب-مخططات تكوين في إطار مشروع العصرنة
يجمع الخبراء على أن التكوين في الإدارة الجزائرية جاء لتجميل صورة الإدارة لا أكثر إذ أنه لا يستجيب لا لحاجيات الإدارة، أو جاء نتيجة لضغوط اجتماعية ولا يحمل أي أهداف.فالجزائر اهتمت بالتكوين الأولى لكنها لم تهتم بالتكوين المتواصل، فعلى سبيل المثال الأشخاص المكونين في السبعينات والذين هم على رأس الهيئات العمومية هل تتماشى معارفهم مع التغيرات المتسارعة، فكيف نطلب من الإدارة التكيف مع النظام الدولي الجديد في حين نستثمر الشيء القليل في مجال التكوين المتواصل، وبالتالي على الإدارة الجزائرية أن:
- ان تهتم بتكوين المكونين وفقا لاساليب حديثة
- جرد جميع المراكز التي يمكن اعتمادها كمعاهد للتكوين الاداري المتواصل
-تقيم حاجيات كل ادارة على حدة من التكوين
-ان يصبح التكوين شرط اساسي لترقية
-ان يلزم كل موظف بالخضوع لعدة دورات تكوينية في حياته المهنية
-اعداد دفترشروط بالتكوين ياخذ بعين الاعتبار التطلعات المهنية للموظف والادارة
خـاتـمـة:
إن التسيير الحديث للموارد البشرية يفرض علينا الانتقال من أسلوب الإدارة إلى أسلوب المناجمنت، وكذا إيجاد وفاق خاص بكل تنظيم يشارك فيه جميع المتعاملين لتحديد أهداف التنظيم، كما أن التسيير الحديث للموارد البشرية يفرض علينا اعتماد أدوات وأجهزة التسيير الحديث، كالتسيير التنبوئي للمناصب. إذ نعرف حاجيات الإدارة من أي فئة مهنية في الزمن المستقبلي، وتأسيس نظام إعلام اجتماعي يوفر المعلومة الدقيقة والمجددة التي تسمح للمسير باتخاذ القرار المناسب بعد تمكنه من أخذ نظرة شاملة بفضل لوحة القيادة.
كما أن التسيير الحديث للموارد البشرية لا يعتمد فقط على تطوير مناهج التسيير وإدخال الإعلام الآلي والأخذ بالتقنيات الجديدة، بل يجب أن يكون الانسان هو محور العصرنة وركيزتها، وهذا بأن يكون له الحق في حياة مهنية مثمرة تتجاوب مع مردوديته وخبرته وأن تكون المردودية هي العامل الأساسي في الترقية، كما يجب أن يعتمد تأهيل الموظف على التكوين والتدريب حتى نستجيب للتغيرات المتسارعة، كما أن أي موظف له الحق في أي يعمل في مناخ عمل جيد و أن يستفيد من أجر كافي ومن الحماية الاجتماعية، ولا يجب أن نهمل الحق في الاعتراف والتقدير، اللذين يلعبان الدور الكبير في تحفيز أي موظف، إلى جانب إشراكه في رسم أهداف المنظمة وإعداد مخططات العمل.
فالجزائر لا يمكنها أن تحقق الإقلاع الإقتصادي و الإجتماعي إلا بعصرنة الإدارة و الإدارة لا يمكنها أن تستجيب لمتطلبات التغيير و الفعالية إلا بإعتماد الأساليب الحديثة في تسيير مواردها البشرية.

الخاتمة خـاتـمـة:
إن التسيير الحديث للموارد البشرية يفرض علينا الانتقال من أسلوب الإدارة إلى أسلوب المناجمنت، وكذا إيجاد وفاق خاص بكل تنظيم يشارك فيه جميع المتعاملين لتحديد أهداف التنظيم، كما أن التسيير الحديث للموارد البشرية يفرض علينا اعتماد أدوات وأجهزة التسيير الحديث، كالتسيير التنبوئي للمناصب. إذ نعرف حاجيات الإدارة من أي فئة مهنية في الزمن المستقبلي، وتأسيس نظام إعلام اجتماعي يوفر المعلومة الدقيقة والمجددة التي تسمح للمسير باتخاذ القرار المناسب بعد تمكنه من أخذ نظرة شاملة بفضل لوحة القيادة.
كما أن التسيير الحديث للموارد البشرية لا يعتمد فقط على تطوير مناهج التسيير وإدخال الإعلام الآلي والأخذ بالتقنيات الجديدة، بل يجب أن يكون الانسان هو محور العصرنة وركيزتها، وهذا بأن يكون له الحق في حياة مهنية مثمرة تتجاوب مع مردوديته وخبرته وأن تكون المردودية هي العامل الأساسي في الترقية، كما يجب أن يعتمد تأهيل الموظف على التكوين والتدريب حتى نستجيب للتغيرات المتسارعة، كما أن أي موظف له الحق في أي يعمل في مناخ عمل جيد و أن يستفيد من أجر كافي ومن الحماية الاجتماعية، ولا يجب أن نهمل الحق في الاعتراف والتقدير، اللذين يلعبان الدور الكبير في تحفيز أي موظف، إلى جانب إشراكه في رسم أهداف المنظمة وإعداد مخططات العمل.
فالجزائر لا يمكنها أن تحقق الإقلاع الإقتصادي و الإجتماعي إلا بعصرنة الإدارة و الإدارة لا يمكنها أن تستجيب لمتطلبات التغيير و الفعالية إلا بإعتماد الأساليب الحديثة في تسيير مواردها البشرية.

الأهداف :

الهدف العام : هو إحاطة الأستاذ بمحدودية النظام الحالي في إدارة المستخدمين في قطاع الوظيف العمومي، وتمكينه من معرفة الأفكار الجديدة في مجال تسيير الموارد البشرية والمطبقة في الكثير من دول العالم.
الهدف الخاص : هو تمكين الأستاذ من معرفة المقاربات الجديدة في تسير الموارد البشرية خاصة المحاور الكبرى المتعلقة بحياة الموظف كالحياة المهنية، التكوين، التنشيط، إعداد المخططات، التكفل الاجتماعي والنفسي.

الوحدات التكوينية:
الوضعية العامة لتسيير الموارد البشرية في الجزائر
ضرورة إصلاح الهياكل المكلفة بوظيفة الموارد البشرية
ضرورة الاهتمام بالبعد الإنساني والاجتماعي للموظف
ضرورة الاهتمام بالتكوين المستمر دخل الإدارة
ضرورة مرجعة أنماط التنقيط والتقييم.
ضرورة إدخال التنشيط في مسار تسير الموارد البشرية

الإشكالية : ما هي أهم المحاور الواجب إصلاحها لتطوير تسيير الموارد البشرية في قطاع الوظيف العمومي؟

كلمات مفتاحية
المناجمنت، تسيير الموارد البشرية، إدارة المستخدمين، التسيير، التنشيط، التكوين الإداري، الحياة المهنية، التسيير التنبؤي، التقييم في الإدارة، التحفيز، المردودية
المراجع

1-دروس الأستاذ سعيد مقدم لطلبة المدرسة الوطنية للإدارة تحت عنوان الوظيفة العمومية في الجزائر.
2-دروس الأستاذ طيب السعيد حول مناجمنت الموارد البشرية لطلبة المدرسة الوطنية للإدارة.
3-محاضرات الأستاذ أحمد رحماني لطلبة المدرسة الوطنية للإدارة تحت عنوان تسير الموارد البشرية في قطاع الوظيف العمومي ومحور
http://khayredine25.maktoobblog.com/1611325


: تعاريف ادراة الموارد البشرية :
هي الإدارة المختصة بكل ما يتعلق بالعنصر البشري في المؤسسات من البحث عن المصادر القوى العاملة البشرية واختيارها ثم تعيينها وتدريبها إلى غاية تحقيق ما يسمى التنمية البشرية وتهيئة المناخ الملائم الذي يدفع الفرد إلى بذل جهود مستمرة في المؤسسة.
ويمكن اعتبار الموارد البشرية العملية الخاصة لجلب الأفراد وتطوير قدراتهم ومهاراتهم لتحقيق أهداف المؤسسة وهو النشاط الإداري المتمثل في التخطيط للعنصر البشري أو القطاع المهتم باستمرارية وجود القوى العاملة التي تحتاج إليها المنظمة وهذا الاهتمام ليس فقط في رفع مستوياتهم وتكوينهم بل الاهتمام بنفسيتهم ومعنوياتهم وذلك لترغيبهم في العمل لا إكراههم له ومنه إشباع المؤسسة وتحقيق مبتغاها ورغبات العامل الفردية والجماعية.
1. المفاهيم الحديثة حول إدارة الموارد البشرية
تعتبر الموارد البشرية المتمثلة في الموظفين بالمنظمة من مختلف الفئات والمستويات و التخصصات هي الدعامة الأساسية التي تستند إليها المنظمة الحديثة.
و نظرا للأهمية الفائقة للموارد البشرية و قدرتها على المساهمة ايجابيا في تحقيق أهداف المنظمة، تولي الإدارة الحديثة اهتماما متناسب بقضايا الموارد البشرية و هذا من زاويتين، الأولى منها الموارد البشرية في الفكر الإداري الحديث، و الثانية الفلسفة الجديدة لإدارة الموارد البشرية .
1.1. الموارد البشرية في الفكر الإداري الحديث:
إنّ اهتمام الإدارة المعاصرة بقضايا الموارد البشرية يعبر عن محاولة لإيجاد التوازن بين أهداف المنظمة و أهداف الأفراد، و بين التكلفة و العائد في التعامل مع الأفراد، و تنطلق الإدارة الحديثة في اهتمامها بالتنمية البشرية من اعتقاد علمي سليم أن الإنسان لديه طاقات وقدرات ذهنية تفوق كثيرا ما يتم استغلاله أو الاستفادة به فعلا في مواقع العمل المختلفة، و إن الاستفادة القصوى من تلك القوة الذهنية هي المصدر الحقيقي لتميز المنظمات و قدرتها على تحقيق إنجازات باهرة غير تقليدية([1]) و لذلك نجد أن المحور الأساسي في فكر الإدارة الجديدة هو إعطاء الفرصة لمواردها البشرية و الاهتمام بها حتى تتمكن من تحويل مفهوم إدارة الأفراد إلى مفهوم إدارة الموارد البشرية الإستراتيجية لجعل هذه الموارد تمتاز بإستراتيجية فعالة على مستوى المنظمات.
إنّ الحقيقة المهمة التي يركز عليها الفكر الإداري المعاصر أن هذا الجهد البشري لا يمكن أن يصل إلى تحقيق نتائج ذات قيمة بمجرد أن يتوافر، بل لابد من التخطيط و الإعداد و التوجيه والتنمية المتواصلة في إطار نظام متطور لإدارة الموارد البشرية بالتناسق مع استراتيجيات المنظمة.
نشأة إدارة الموارد البشرية
قبل الثورة الصناعية كان المصدر الأساسي للموارد البشرية في حلقة إنتاجية يقوم بها الأفراد من عملية التفكير حتى التنفيذ، بحيث أن النمط السائد آنذاك هو الإنتاج اليدوي وهو الأسلوب الذي يكسب الفرد المهارات اللازمة للعمل في حرفة معينة وبالتالي لم تكن هناك حاجة ملحة لاستخدام الأساليب العلمية المتطورة من اجل الوصول إلى رقي الموارد البشرية، وفي المرحلة ما بين
1830-1944 كانت المؤسسات الصناعية تستعمل يد عاملة كثيفة ومتخصصة ومناهج العمل تطبيقية مباشرة لكن كفاءتها تتميز بالضعف، كما أنها كانت تحتاج إلى مهارات كبيرة من العمال وأعداد كبيرة من الأفراد مما أدى إلى عجز المؤسسات في إيجاد الموارد البشرية اللازمة.[2]
ولكن مع تطور العلم والتكنولوجيا ظهرت الحاجة إلى الاهتمام والاعتماد على العلم والدراسات والبحوث لتوفير المهارات والأفراد الذين ينهضون بالمؤسسات نحو التطور ومنها ظهرت العديد من البحوث والدراسات التي قامت بمساهمة فعالة في تطوير ميدان تسيير الموارد البشرية من بينها :
فريديريك تايلور1856/1915 :
مع تايلور ظهر ميلاد تنظيم جديد يدعى بالتنظيم العلمي في العمل واستنتج انه ليس من المستحيل زيادة كثافة العمل من اجل الحصول على فائض الإنتاج لكن تجربته كانت ترتكز على تجزئة المهام الموكلة للعمال والتخصص في العمل كما أنها ألحت علىالتكوين للعمال.
هينري جانت 1856/1915 و ماكس ويبر 1856/1915 :
ركز الاثنان على إلزامية الاهتمام بالمورد البشري والتكوين.
تطور إدارة الموارد البشرية
· مرحلة ماقبل الحرب العالمية الأولى:
كانت المؤسسات لاتحتوي على وظائف معقدة تجعل تشكل إدارة الموارد البشرية، بحيث اكتفت المؤسسات الضخمة بإيجاد بعض المصالح المتخصصة بمهام هذه الإدارة منها التوظيف والتمهين لكن الوظائف المعقدة تعالج من طرف الإدارة المركزية مثل قضايا السلم الهرمي.
· مرحلة ما بين الحربين:
كان هناك تطور في مصالح المستخدمين خصوصا في المؤسسات الضخمة اختصت في تنظيم العمل بحيث أخذت تسيير الموارد البشرية بالحسبان، والتكوين للفرد في مهامها الأولية وقامت بالاعتناء بالأفراد فبدؤوا يحسون بأنهم في مؤسسات نوعا ما تعتني بهم كأفراد وليسوا كآلات.
· مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية:
ما هو بارز في هذه المرحلة هو ظهور نقابة كهيئة مدافعة عن حقوق العمال والشركاء الاجتماعية.
· مرحلة ما بين 1960/1975:
شهدت هذه المرحلة تطورا ملحوظا في إدارة الموارد البشرية بحيث بدأت المنظمات تطبق الاتفاقيات الجماعية مع النقابات بالإضافة إلى استعمال تقنية تسيير المسار المهني والتوظيف.
· مرحلة ما بين 1975/1985:
ما ميز هذه المرحلة هو ظهور إدارة الموارد البشرية في صورة فعلية في المؤسسات لكن الواقع الذي كان سائدا في ذلك الوقت هو المنافسة التي أصبحت أكثر دولية بحيث سادت نسبة البطالة وبرز استعمال الإعلام الآلي.
· مرحلة ما بعد 1985:
إبتداءا من هذا التاريخ أصبحت وظيفة تسيير الموارد البشرية تكتسي طابعا ذو أهمية بالغة في الإدارة العامة وأضحت تحضى بالقيمة الكافية كما أنها فرضت نفسها لمواجهة تحديات القرن العشرين.[3]

المبحث الثاني: دور وأهمية إدراة الموارد البشرية
المطلب الأول : دور إدارة الموارد البشرية
يقصد به الدور الذي تلعبه إدارة الموارد البشرية في المنظمة، فهي تعاون الإدارة العليا في وضع السياسات و القواعد و النظم و اتخاذ القرارات المتعلقة بالأفراد، و تتأكد من توحد الممارسات بين الإدارات المختلفة من معاملة الموظفين.
و تراعي المشاكل الفردية للعاملين على أساس أن لكل فرد حاجاته و تطلعاته و سماته الشخصية،
و يساعد رؤساء الموظفين المباشرين في إدارتهم و اتخاذ الإجراءات المناسبة بشأنهم.
دور فعال: الدور الذي تشارك فيه إدارة الموارد البشرية مدراء خطة السلطة و الإدارة العليا فيتطوير السياسات و القواعد و النظم و اتخاذ جميع القرارات المتعلقة بشؤون العاملين.
دور محدود: الدور الذي تنفذ فيه إدارة الموارد البشرية القرارات و الأوامر التي يصدرها مدراء خط السلطة و الإدارة العليا و كذلك تطبيق السياسات و القواعد و النظم التي يحددونها لتعامل مع شؤون العاملين دون مشاركة فعلية في تطويرها.[4]
و قد تطورت وظيفة إدارة الموارد البشرية فبعد أن كان دورها التقليدي مقتصر على القيام باستقطاب اليد العاملة و التعيين وصف الأجور و منح الإجازات أخد دورها يتسع ليصبح أكثر شمولا و تخصصا، وأصبح لإدارة الموارد البشرية دور استراتيجي يتطلب توافر كفاءات متخصصة لمزاولة الجوانب المتعددة من نشاطها فقد أصبحت تمارس مهاما متخصصة

و إستراتيجية إلى جانب المهام التنفيذي، و هذا سنوضحه في الجدول التالي

الدور الاستراتيجي

الدور التنفيذي

ـ تخطيط استراتيجي للقوى العاملة
ـ معالجة المسائل القانونية
ـ دراسة اتجاهات و مشاكل القوى العاملة
ـ التنمية الاقتصادية للمجتمع
ـ خفض التكلفة و تحقيق المزايا للعاملين
ـ توفير المشورة للمسؤولين و العاملين حول كافة المسائل المتصلة بشؤون العاملين.
ـ تصميم الامتحانات بأنواعها,
ـ اقتراح سياسات الأجور و الحوافز,
ـ اقتراح أنظمة لتقييم الأداء و الإشراف على
تنفيذها و تصنيف الوظائف.
ـ تصميم البرامج التدريبية على مستوى المنشأة,
ـ استقطاب و اختيار القوى العاملة
ـ تنفيذ برامج التهيئة للعاملين
ـ الإشراف على تنفيذ برامج سلامة ومتابعة
الحوادث.
ـ مسك سجلات العاملين، ملفات، قيود.
ـ إجراء المقابلات والتحريات للمتقدمين للعمل.
ـ استخدام نظام معلومات للعاملين بين رصيد
الوظائف لكل إدارة أو قسم المشغولة و
الشاغرة و الحياة الوظيفية للموظف.
ـ العلاقات العمالية و حل المشاكل.
ـ الإشراف على تنفيذ السياسات المتصلة بالعاملين و كذلك بالنظام التأديبي.

جدول رقم¹: يوضح دور إدارة الموارد البشرية.



[1]د/نصر حنا الله، كتاب إدارة الموارد البشريةدار زهران، عمان، 2002، ص10

المطلب الثاني: أهمية الموارد البشرية
تعتبر الموارد البشرية أهم الموارد الاقتصادية القاطبة ،و يرجع ذلك لكون الإنسان هو المنتج والمستهلك فالإنسان بذكائه، و قدراته الخاصة يستطيع أن يكتشف المزيد من الموارد الطبيعية، واستخدام منافع جديدة لها ، كما يمكن له أن يبتدع فنونا إنتاجية تطيل من عمر هذه المواد، و يرفع من إنتاجيتها .
فكلما ارتفع مستوى مهارات و فنيات الموارد البشرية في بلد من البلدان، كلما عوضها ذلك عن بعض الموارد الطبيعية، وزاد حجم إنتاجها القومي، ولعل خير مثال على ذلك اليابان. ولقد أدرك البنك الدولي أهمية الاستثمار في رأسمال البشري، فقلل من سياسته الاقراضية بحيث أصبح يوجه موارد أكثر للاستثمارات البشرية، سواء في مجال التعليم، أو الصحة، أو التغذية.[5]

وظائف وأهداف إدراة الموارد البشرية وتحدياتها
وظائف إدراة الموارد البشرية
ينطوي عمل إدارة موارد الأفراد على مجموعة واسعة من الأنشطة. و تختلف هذه الأنشطة باختلاف حجم المنشأة. فعندما تكبر المنشأة و يزداد عدد الأفراد العاملين بها وبالتالي تزداد مشاكلهم. نجد أن الإدارة العليا تعلق أهمية كبيرة على وظيفة إدارة الأفراد داخل المنشأة
الفرع الأول : الوظائف الفنية
و بصرف النظر عن اختلاف درجات الاهتمام التي تعطى لوظيفة الأفراد يمكن القول أن نطاق عمل إدارة الأفراد و بصفة خاصة في المنشآت الكبيرة ينحصر في المهام الآتية :
ü وضع سياسات الأفراد الرئيسية و الإجراءات العامة التي تستخدم للإرشاد بها في تحديد
ü العلاقة بين المنشأة و العاملين فيها
ü القيام بجمع و تفسير المعلومات الخاصة بأداء العاملين و اتجاهاتهم نحو الإدارة و نحو
ü المنشأة و نحو أعمالهم
ü اختيار العاملين الجدد
ü تنمية برامج التدريب المناسبة للعاملين و التي ترفع من مستوى أدائهم
ü الإشراف على برامج تقييم الأداء
ü مساعدة رؤساء الإدارات الأخرى فيما يتعلق بشؤون العاملين كالترقية و النقل و الاستغناء غير ذلك
ü وضع تحليل المهام و تقييم للوظائف في المستويات المختلفة للمنشأة
ü وضع نظام للأجور و المكافآت و غيره من الحوافز
ü الاهتمام بالجوانب السلوكية للعاملين و تحريك دوافعهم حماسهم للعمل[6]
ü تنمية المهارات الإدارية
ü تخطيط القوى العاملة
ü الأمن الصناعي[7]
و عليه يمكن القول أن إدارة النفس البشرية تحتوي جزء فني و هو ما سبق ذكره و جزء إداري و يشمل التخطيط و التنظيم و التوجيه و الرقابة و جزء تنفيذي و يشمل التوظيف و التكوين.
الفرع الثاني : وظائف الإدارية
التخطيط:
يعتبر التخطيط الوظيفة الأولى في العملية الإدارية، فعن طريق التخطيط تتحدد الهداف المطلوب انجازها لكل مستوى من التنظيم و الوسائل الواجب إتباعها لتحقيق هذه الأهداف، و من ثم فان الخطط الموضوعية في كل مستوى من المستويات الإدارية تحدد طريقة الأهداف و تمدنا في نفس الوقت بالأساس الذي يمكننا من التحكم على درجة النجاح في تحقيق هذه البرامج و القواعد و الميزانيات أمثلة للخطط التي تساعد في انجاز الأهداف.
و هناك مجموعتان أساسيتان من الخطط الأولى منها التي تعطي عادة فترة زمنية طويلة نسبيا مثل خطط تقديم المنتجات الجديدة و تطوير المنتجات الحالية و خطط التوسع في الطاقة الإنتاجية، بينما نجد أن التخطيط قصير الأجل يتضمن الخطط التي توضع لجدولة الإنتاج خلال الأسبوع أو الشهر و الخطط المبيعات خلال الستة أشهر أو أقل...و هكذا.
و لهذا نجد أن كافة المديرين يقومون بالتخطيط و إن اختلفت الأهمية النسبية و النطاق الذي تغطيه عملية التخطيط فعلى سبيل المثال فان المشرف في المستوى التنفيذي قد يضع خطة لجدولة عملية الإنتاج خلال الشهر التالي بينما يضع مدير الإنتاج خطة للتوسع في خطوط الإنتاج الخمس سنوات التالية، و من الملاحظ في المثال السابق أن نطاق التخطيط في الحالة الأولى أضيق منه في الحالة الثانية (على مستوى الإدارة العليا) و كذلك وقت التخطيط في خطة المشرف أقل من الوقت الذي يتضمنه خطة الإنتاج، و هذه الملاحظتين تقودنا إلى استنتاج هام و هو أن كلما صعدنا إلى المستويات الإدارية الأعلى كلما زاد نطاق التخطيط و طالت الفترة الزمنية التي تغطيها الخطة.
التنظيــم :
تتضمن وظيفة التنظيم تحديد العلاقة التنظيمية المطلوبة داخل العمل و اللازمة لتسيير الخطط السابق وضعها، و تحديد خطوط السلطة و درجة المركزية و اللامركزية المطلوبة في اتخاذ القرارات و تجميع الأعمال و الأنشطة داخل وحدات تنظيمية و تحديد نطاق الإشراف الواجب تطبيقه و بصفة عامة يحدد التنظيم طريقة تنفيذ الخطط من خلال الوحدات التنظيمية المختلفة داخل المنظمة.
و هناك العديد من المبادئ الإدارية التي تستند عليها العملية التنظيمية مثل:
ü مبدأ وحدة الرئاسة
ü وحدة التوجيه و تيم العمل
ü المركزية و اللامركزية...الخ.
و يعتبر التنظيم ضروريا في كافة المستويات الإدارية فعندما يقسم العمل بين الإدارات ثم بين الأفراد فان على المديرين المسؤولين أن يتحملوا المسؤولية في مقابل السلطة الممنوحة لهم لتسيير العمل و محاسبة مرؤوسيهم و تعتبر وظيفة التنظيم وظيفة مستمرة للمدير.
التوجيــه:
طالما أن كل المديرين يعملون مع أفراد فيجب عليهم أن يوفروا لهم الظروف التي تشجع المرؤوسين على العمل بكفاءة.
و يطلق على التوجيه العديد من التسميات مثل:
ü الحفز.
ü القيادة.
ü التأثير.
و إن كانت كلها تدور حول معنى واحد و هو كيفية التعامل مع الأفراد داخل المنظمات و وظيفة التوجيه عملية معقدة حيث يتم من خلالها توفير حوافز خارجية مثل:الزيادة في الأجور و الترقية،
و أخرى داخلية مثل : تقدير الآخرين للفرد و الانجاز في العمل بالإضافة إلى ضرورة ممارسة المدير لدوره القيادي في التأثير على مرؤوسيه.
فالتوجيه وظيفة مركبة تنطوي على كل الأنشطة التي صممت لتشجيع المرؤوسين على العمل بكفاءة و فاعلية و بالتالي إصدار ا لأوامر و التعليمات لتنفيذ هذه الأعمال و مساعدة العاملين على بذل أقصى طاقاتهم في الأداء عن طريق تقديم النصائح و الإرشادات و تكمن في أهمية التوجيه في إنجاح العملية الإدارية حيث يتوقف على هذه الوظيفة بعث الحياة في الخطط و التنظيم و تحقيق التكامل في الجهود و التنسيق بينهما و بين أهداف الفرد.[8]
الرقابــة:
تمثل الرقابة الوظيفة الأخيرة في العملية الإدارية، حيث تكتمل هذه الأخيرة بالتأكيد من دقة تنفيذ الخطط عن طريق مقرنة الأداء الفعلي بالمعايير الموضوعية، و في اختلافهما يتم اتخاذ الإجراءات التصحيحية لمعالجة الانحرافات و تتعدد الإجراءات الواجب اتخاذها حسب طبيعة الانحرافات و أسبابها حيث توجد إجراءات قصيرة الأجل تستخدم إذا كانت الانحرافات ناتجة عن أسباب يمكن معالجتها في المدى القصير ـ و قد تكون الإجراءات التصحيحية طويلة الأجل إذا كانت بسبب تقادم أو اختلاف الهيكل التنظيمي.
و من ثم نجد أن وظيفة الرقابة من خلال عملية تصحيح الانحرافات تلتقي مع الوظائف الإدارية الأخرى حيث يترتب على عملية التصحيح لجراء تعديلات في الخطط أو التنظيم أو عملية القيادة.
و يرى العديد من الكتاب ارتباط وظيفة التخطيط بالرقابة حيث ينظر الكثيرون إلى أنهما وجهان لعملة واحدة، فلا يوجد أي ضرورة للرقابة إذا لم تكن هناك خطة موضوعية للتنفيذ.
و بالعكس ليس هناك معنى لوضع الخطط إذا لم يوجد نظام فعال للرقابة عليها، و في هذا الصدد

يمكن اعتبار وظيفتي الخطط و الرقابة كجزء من دائرة متكاملة تبدأ بالتخطيط و تنتهي بالرقابة ثم التأثير.
الفرع الثالث : وظـائف تنفيذية
التوظيف:
وهي عبارة عن أعمال البحث عن المرشحين المناسبين لشغل المناصب في المؤسسة و يتعلق بإيجاد الكم و الكيف من المستقدمين الذين هم بحاجة إليهم في أقرب وقت ممكن، كما أن عملية التوظيف تتطلب الاختيار بين العديد من المرشحين من أجل عمل معين و للقيام بعملية التوظيف يجب إعداد إجراءات صارمة تحتوي على الأقل على أربعة مراحل:
ü تحليل احتياجات التوظيف.
ü البحث عن المرشحين داخل أو خارج الهيئة، الأسئلة، المناقشة، الاختيار و وسائل مساعدة لأخذ قرار التوظيف.
ü استقبال و إدماج (أي الشخص الذي تم اختياره) و تحقيق أهداف المؤسسة أو الإدارة.

التكوين:
و يقصد بها إعداد الأفراد للاستخدام أو الترقي في أي فرع من فروع النشاط الاقتصادي في المؤسسة، و هو وسيلة النهوض بطاقات الشخص المهنية مع مراعاة الاستعداد و تمكينه من الاستفادة من قدراته حتى يحقق لنفسه و المؤسسة أكثر ما يمكن من مزايا أو إحداث مهارات فنية و إدارية لدى العاملين، و قد يؤدي التكوين إلى تعميق المعرفة المتخصصة و المهارة لدى الفرد بخصوص انجاز عمل أو أداء وظيفة معينة بذاتها، قد يتم التكوين من خلال برامج مخططة
و منظمة من قبل المنظمة، و قد يتم التكوين : بتكوين الموظف من تلقاء نفسه عن طريق المحاولة و الخطأ أو عن طريق ملاحظة ما يقوم به الآخرين.¹
الترقية:
هي شغل الموظف أو العامل المرقى لوظيفة أخرى ذات مستوى أعلى في السلطة و المسؤولية، وقد يصحب الترقية زيادة في الأجر و الميزات الأخرى، كما أن توفير فرص الترقية يعتبر من الأمور الحيوية لتنمية العمال، فالعامل لن يتولى عنده حافز التنمية الإدارية إذا لم تتوفر لديه.
أهداف إدراة الموارد البشرية
هناك أهداف متصلة بالمجتمع وأخرى متصلة بالعاملين و الثالثة بالإدارة (المنظمة) و تفصيلهم كالآتي:
v أهداف المجتمع
ـ المحافظة على التوازن بين الأعمال و شغلها، أو بمعنى آخر التوازن بين الفرص المتاحة و الطاقات البشرية التي يمكنها التقدم للحصول على هذه الفرص، و هذا يعني التوزيع المثمر للاستخدام متمثلا بوضع الشخص المناسب في المكان المناسب أولا و الاستفادة القسوة من الجهود البشرية كل ذلك في ضوء رفع مستويات المعيشة.
ـ مساعدة الأفراد في إيجاد أحسن الأعمال و أكثرها إنتاجية و ربحية بالنسبة لكل منهم مما يجعلهم سعداء يشعرون بحماس نحو العمل إلى جانب رفع معنوياتهم و إقبالهم على العمل بحماس و شوق.
ـ تمكين الأفراد من بدل أقصى طاقاتهم و الحصول على مقابل لهذا البدل و توفير الإمكانيات الحديثة و المتقدمة في متناولهم.
ـ توفير الحماية و المحافظة على قوة العمل و تجنب الاستخدام غير السليم للأفراد.
ـ توفير الجو من العمل تسوده حرية الحركة و التعبير و تخلو منه السخرية و الإكراه مما يساعد على تحقيق الرفاهية العامة للأفراد المجتمع.
v أهداف العاملين
ـ إتاحةفرص التقدم و الترقي للأفراد عندما يصبحون مؤهلين لذلك إلى جانب إتاحة ظروف العمل المنشطة لهم لتمكينهم من العمل المتعاون الفعال الذي يزيد من دخولهم.
ـ توفير سياسة موضوعية تمنع الإشراف و التبذير في الطاقات البشرية و تتحاشى الاستخدام غير الإنساني للقوى العاملة، و تتفادى الاستخدام الذي يعرض الفرض للمخاطر غير الضرورية إلى جانب توفيرها لكل ما ينمي حرية الحركة و الاستقلال و المعاملة التي تتفق مع كرامة الفرد.
v أهداف المنظمة
ـ الحصول على الأفراد الأكفاء عن طريق تحديد المؤهلات و مواصفات الأعمال و البحث عن مصادر القوى العاملة و القيام بإجراءات الاختيار و التعيين.
ـ الاستفادة القصوى من الجهود البشرية عن طريق تدريبها وتطويرها و إتاحة الفرصة لتمكينها من الحصول على المعرفة و المهارة إلى جانب تقييم العاملين تقييما موضوعي في فترات دورية ليتعرف الفرد على مدى وصوله للمعايير المطلوبة و التطلع لتطوير كفاءته و كذلك تشجيع العمل الإداري الفعال و حفز الأفراد ليتسنى للمشروع أو المنظمة للاستفادة القصوى من جهود الأفراد.
ـ المحافظة على استمرار رغبة العاملين في العمل و اندماج أهدافهم مع أهداف المنظمة لخلق التعاون المشترك و ذلك عن طريق إشباع رغبات الفرد من خلال العمل، و لذا لابد أن يكون هناك نظاما عادلا للأجور و المكافآت، و أن نوفر للفرد ضمانا ضد عوائق العمل من أمراض و حوادث عمل و أن نوفر مردودا ماديا عند شيخوخته.
v أهداف اقتصادية
- تعمل على رفع من الفعالية و النتائج المالية لمؤسسة ما و ذلك عن طريق الاستعمال العقلاني لكل الأفراد العاملين فيها و ذلك بتقييم العمل، تحليل ووصف المناصب، اختيار أحسن المرشحين.
تحديات إدارة الموارد البشرية
لقد حدثت في الآونة الأخيرة تحولات جذرية في عالم الأعمال، أثرت على طبيعة الإدارة عموما و إدارة المورد البشري خصوصا، هذه التغيرات أوجدت تحديات جديدة ينبغي على إدارة الموارد البشرية أخذها في الحسبان عند وضع سياساتها، أهم هذه التحديات ما يلي:2
زيادة الاعتماد على التكنولوجيا الحديثة: بدون أدنى شك أن الاستخدام المتزايد لتكنولوجيا المعلومات داخل التنظيم، قد غيرت جذريا في أنواع الأعمال و المهارات التي تحتاج إليها، بهذا سوف تزداد أهمية بعض الأنشطة مثل : التدريب و التنمية و التنظيم قصد التأقلم مع هذه التغيرات الحاصلة، في حين قد يتم الاستغناء عن بعض الأنشطة و العاملين خاصة أصحاب المهارات البسيطة و الأعمال الروتينية.
التغيرات في تركيب القوى العاملة: نظرا لما أتاحته تكنولوجيا المعلومات من تسهيلات في إدارة الأعمال، أدى هذا إلى تغير في تركيبة القوى العاملة داخل التنظيم، فأصبحت المرأة تنافس الرجل في العديد من الوظائف، و هذا سيلقى عبء جديدا على إدارة الموارد البشرية نتيجة المطالبة بتحقيق المساواة بين الجنسين، كما يسمح هذا الاندماج الكبير للعنصر النسوي بتقلده مناصب كبرى داخل التنظيم، و هذا يتطلب من الإدارة إعداد خطط خاصة بهن (راعية صحية، الأمومة...الخ) ، لذا ينبغي على إدارة الموارد البشرية أن تكون مستعدة للتجاوب عمالة خاصة من الجنس الآخر.
نظام معلومات إدارة الموارد البشرية: و هذا يعتبر من لأهم التحديات الأساسية في عصر المعلومات الإدارة تحتاج حاليا إلى نظم معلومات حديثة تشتمل كل بيانات و خطط إدارة الموارد البشرية في شكل قسم متخصص يقدم النصح للإدارة.
لذلك ينبغي أن تتوفر للإدارة قاعدة من المعلومات الأساسية اعتمادا على خدمات الحاسب الآلي فالتحدي الذي يواجه معظم التنظيمات الكبيرة في الوقت الحاضر هو مقدرتها على التقدم بمعلومات ذات قيمة للإدارة تسعدها على اتخاذ قرارات رشيدة تجاه الموارد البشرية.
تغير القيم و الاتجاهات: تلعب القيم و الاتجاهات دورا مهما بالنسبة لإدارة الموارد البشرية فالنجاحات الكبيرة التي حققتها الشركات الكبرى كانت بأثر مباشر بدرجة اهتمام الإدارة بهذه القيم، لذا فانه يقع على عاتق إدارة الموارد البشرية كيفية وضع خطة قادرة على استغلال هذه القيم و الاتجاهات
( الولاء، الالتزام،..الخ). و في سبيل تحقيق الأهداف المسطرة خاصة مع الانفتاح العالمي بما يعرف بظاهرة العولمة وما أفرزته من آثار على الإدارة والأعمال، حيث أصبحت إدارة الموارد البشرية اليوم تتعامل مع أفراد متعددي الثقافات و اللغات و كذا العروق و الأجناس مما يصعب من هذا التحدي أكثر.
إذن فالمطلوب هنا من إدارة الموارد البشرية وضع إستراتيجية مناسبة تأخذ في الحسبان كل هذه الاختلافات للقيم بين الأفراد و اتجاهاتهم.
العائد و التعويض: إن ارتفاع مستويات التضخم الاقتصادي يؤدي إلى طلب العاملين لأجور أعلى في حين الإدارة غير قادرة على دفع هذه الزيادات في الأجور تتناسب مع الوضع الاقتصادي المعاش فهذا الضعف في الأجور يؤدي حتما إلى ضعف أو عدم توفر الحوافز، و هذا ما يؤثر على مستوى الأداء في كثير من المنظمات، كما يؤدي إلى عدم الانتظام في العمل و الالتزام به حيث يسعى الأفراد إلى البحث عن أعمال إضافية قصد تغطية ذلك العجز و هذا يلقي عبء آخر على إدارة الموارد البشرية من حيث عدم قدرتها على دفع العاملين و حفزهم لبذل مجهود أكبر للعمل.
زيادة حجم القوى العاملة: و هذا يعود الأمرين أساسيين الأول هو ارتفاع و تحسين المستوى الصحي للأفراد و الثاني هو ارتفاع مستوى التعليم بين الأفراد، و هذا ما من شأنه توفير أفراد متخصصين ذوي كفاءات عالية في سوق العمل و هذا يتحتم على إدارة الموارد البشرية وضع خطط جيدة قصد استقطاب الأفراد المناسبين و تعيينهم في المكان الناسب لهم، و كدا الرفع من قدرات الأفراد العاملين بإدارة الموارد البشرية حتى يمكنهم التعامل مع عمال متخصصين و متعلمين.
التشريعات و اللوائح الحكومية: إن إدارة الموارد البشرية ليست حرة بصفة مطلقة في وضع سياستها و خططها فيما يخص الأفراد العاملين و لكن هناك قيود معينة تفرضها جهات حكومية ينبغي التقيد و الالتزام بها، فهذه اللوائح و التشريعات تمثل الإطار الذي يجب على إدارة الموارد البشرية العمل فيه، و هذا يفرض تحدي على إدارة الموارد البشرية في كيفية صياغة إستراتيجية خاصة بها بدون تحدي أو تجاوز هذه الحدود المفروضة، و بما يسمح بتحقيق الأهداف المسطرة.


ـ الاتجاهات الحديثة في إدارة الموارد البشرية
قصد الاستجابة للتحديات السابقة، هناك جملة من الإجراءات التي ينبغي إتباعها في إدارة الموارد البشرية، حتى يمكن الاستفادة أكبر من هذا المورد و التي يمكن انجازها فيما يلي:1
- إيجاد ظروف عمل أفضل: يقع على عاتق إدارة الموارد البشرية تحسين ظروف العمل و إتاحة فرص للعاملين قصد تنمية قدراتهم و تحقيق ذاتهم من خلال التدريب، و برامج التنمية، و تشجيع العمل الجماعي و أسلوب الفريق الواحد.
- التوظيف الفاعل لقدامى الموظفين: حيث يمكن الاستفادة منهم كما يلي:
ـ حل مشاكل نقص العمالة
ـ إسهامه في تطوير المنظمات نظرا للخبرة التي اكتسبوها
ـ تكون استعدادات و اتجاهات كبار السن أكثر ايجابية في تقبل العمل في ظروف التحدي دون التركيز على المادية
ـ التزامهم بأخلاقيات العمل أكثر من الحديثين
- توفير المساواة للنساء بشكل أكبر في المنشاة
- الحاجة إلى تطوير مهارات العاملين من خلال التدريب: و هذا تحدي لإدارة الموارد البشرية للتأقلم مع ما يطرأ من تغير في السوق أو التكنولوجيا، و متطلبات الجودة و الأسعار، و عدم تجميد الأفكار و الجهود
- مواصلة التركيز على التخطيط الإستراتيجي لنشاطات إدارة الموارد البشرية
- استخدام نظام معلومات الموارد البشرية و الاتجاه نحو استخدام الحاسوب و تكنولوجيا المعلومات في هذا المجال كالتالي:

التوظيف: تمكن قاعدة البيانات المسؤولين من الحصول على معلومات فوريا نحو العمال الحاليين و الجدد و بالتالي تحديد الأماكن الشاغرة.
و عليه يمكن القول في الأخير أن تكنولوجيا المعلومات غيرت في عملية تنمية الموارد البشرية في النواحي التالية:
- أوجدت نمطا جديدا لمتطلبات العملية التكوينية ألا و هي نمط قائم على المعرفة، فالكفاءات البشرية اليوم لم تعد تلك التي تتحكم في الأمور التقنية للعمل فقط بل بالعكس يعمل النموذج التكويني على تطوير المهارات الفكرية و الذهنية أكثر لدى الأفراد، و خاصة و أن أغلب المهام الروتينية داخل التنظيم قد تم إسنادها ـ بصفة تكاد تكون كلية ـ للآلة.

- أوجدت تكنولوجيا المعلومات أساليب جديدة للقيام بالعملية التكوينية، فأصبحنا نسمع بالواقع الافتراضي، تكوين عن بعد، تعلم عن بعد، ... إلخ كل هذه الأنماط الجديدة في التكوين أثبتت جدارتهاـ خاصة في الدول المتقدمةـ عند تطبيقها خاصة و أنها أساليب تفاعلية.

- أوجدت تكنولوجيا المعلومات نمطا جديدا للمنظمات أو الهيئات الشرفة على العملية التكوينية فأصبحنا نسمع بمؤسسات بلا حدود، فمقرها و حدودها هي الشبكة تمنح شهادات عالية الجودة و معترف بها عالميا.


[1] علي السلمي، ادراة الموارد البشرية الإستراتيجية، دار غريب للطباعة و النشر القاهرة، ص 42

[2]LOUIS-CADIN-française, Gestion des ressources humaines, 2éme Edition

[3]LOUIS-CADIN-française، مرجع سابق.

[4]د/ حبيب الصحاف، "معجم إدارة الموارد البشرية ة شؤون العاملين"، مكتبة لبنان ناشرون، بيروت، لبنان، 1997، ط 1، ص 1.

[5] علي السلمي، مرجع سابق، ص45.

[6]د/ عبد الغفار حنفي، د/محمد فريد الصحن، "إدارة الأعمال"، الدار الجامعية الإسكندرية، بيروت، 1991، ص 612.

[7]د/محمد عبد الفتاح الصيرفي،"إدارة الموارد البشرية،المفاهيم و المبادئ"، دار المنهاج، عمان الأردن، 2006، ص 26.

[8]د/ عبد الغفار حنفي، د/محمد فريد الصحن، نفس المرجع السابق، ص 18، 19.

1د/مهدي حسن الزويلف، " إدارة الأفرادـ مدخل كمي"، دار مجدلاوي، عمان، ط 3، 1998 ، ص 13،14


1 - حنا نصر الله، نفس الرجع السابق ، ص 03.
http://www.hrdiscussion.com/hr31122.html


وهذا موقع رائع لادارة الموارد
http://www.hrdiscussion.com/




FRIDAY, FEBRUARY 11, 2011
بحث في تسيير الموارد البشرية

بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يسعدني ان اضع في متناولكم هذا البحث المختصر في تسيير الموارد البشرية

مقدمة
مبحث اول: وظيفة الموارد البشرية
مطلب اول: تعريف الموارد البشرية
مطلب ثاني: نشأة وظيفة الموارد البشرية
مبحث ثاني: تسيير وظيفة الموارد البشرية
مطلب اول: مفهوم تسيير وظيفة الموارد البشرية
مطلب ثاني: وظائف تسيير الموارد البشرية
مبحث ثالث: الأهداف والعوامل المؤثرة على تسيير وظيفة الموارد البشرية
مطلب اول: اهداف تسيير وظيفة الموارد البشرية
مطلب ثاني: العوامل المؤثرة على تسيير وظيفة الموارد البشرية
خاتمة
مقدمة:
إن المنافسةَ الشرسة بين الشركات الإقليمية والمحلية بشكل عام، والعالمية العملاقة العابرة للقارات، ومتعددة الجنسيات بشكل خاص، فَرَضت منذ عقود زمنية قليلة وتحديداً بعد ظهور مصطلح العولمة للوجود على هذه الشركات الاهتمامَ بالاستثمار في تنمية الموارد البشرية، إذ أصبح يقيناً لديها أن العنصرَ البشريَّ لا يمكن أن يُستبدل بالتكنولوجيا مهما تطورت وتقدمت، فالعنصرُ البشري هو المفكِّر، وهو المبدعُ، وهو المبتكر، وهو المطور، ولكي تتمكن هذه الشركات من زيادة حصتها في الأسواق، أو المحافظة على حصتها السوقية على أقل تقدير فلا بد لها من تقديم منتجاتٍ ذات جودة عالية، وميزات خاصة، تُرضي من خلالها طُموحَ المستهلكين.. وأيقنت هذه الشركاتُ أنَّ هذه الجودةَ، وتلك المميزات الخاصة لن تتحقق بالتكنولوجيا وحدها، بل بفكرٍ ومهارة وفاعلية وسواعد العناصر أو الموارد البشرية، ومن ثم فإن زيادةَ حصة الشركات أو المنظمات في السوق، وبالتالي زيادة أرباحها، لن يتأتى إلا من خلال زيادة الاستثمار في العنصر البشري، الذي يساعد بشكل مباشر وغير مباشر على تحقيق زيادة الأرباح..
ونود في هذه الدراسة أن نلقي الضوءَ على الإدارة التي تهتمُّ بالعنصر البشري في أية منظمة (شركة، أو منشأة... الخ) ألا وهي إدارة الموارد البشرية.. نشأتها وتطورها، وتحديد طبيعة عمل هذه الإدارة، وهل هناك اختلافٌ بين دور إدارة الموارد البشرية في الحاضر ودورها في الماضي، أو بين أدوارها المعاصرة والتقليدية، أو بين دورها في الدول المتقدمة ودورها في الدول النامية، فضلاً عن بيان هدف إدارة الموارد البشرية، وما البعدُ الاستراتيجي لهذا الهدف؟ وهل العمل في إدارة الموارد البشرية يتطلب عنصراً بشرياً مؤهلاً ومحترفاً؟!


مبحث اول : الموارد البشرية
مطلب اول: تعريف الموارد البشرية
" إن الموارد البشرية هي المحور الأساسي الذي تدور حوله التنمية في كل المستويات و الوسيلة المحركة التي تحقق أهدافها "
تعتبر الموارد البشرية موردا و استثمارا بالنسبة إلى المنظمة ، و لكي تستطيع استخدام و استغلال و تنمية هذا الاستثمار فعليها تسييره ، بمعنى أنه يتطلب تخطيط و تنظيم و توجيه و تقييم مثلما يتطلب ذلك استخدام العوامل المادية للإنتاج .
إن الموارد البشرية كما سبق القول يجب تخطيطها و تنظيمها و تقييمها ، بمعنى أنه يجب تسييرها
و قد تعني الموارد البشرية جميع سكان الدولة المدنيين منهم و العسكريين ، و يدخل في حكم ذلك الذين يعملون لقاء اجر و المرأة غير العاملة و المحالون على المعاش و ذوي العاهات و المتعطلون ( القادرون و الراغبون و المستعدون للعمل ) لكن لا يجدون عملا ، و الأطفال و جميع من تضمهم مراحل التعليم المختلفة
. الأفراد المختلفون :1
بمعنى أنه إذا توجهنا للعمل و نظرنا إلى الناس لوجدناهم مختلفون في الظاهر و الباطن ، الظاهر يشير إلى أننا مختلفون في ملامحنا و أعمالنا و خبراتنا و تعليمنا و جنسنا ، و الباطن يشير إلى أننا مختلفون في قدراتنا العقلية و طريقة فهمنا و إدراكنا للأمور و في طريقة تعلمنا و اكتسابنا للقدرات و المهارات ، و في مشاعرنا و حتى في اتجاهاتنا النفسية و تفضيل الأشياء ، فهذه الاختلافات كلها توضح كيف أن سلوكنا مختلف عن بعضنا البعض ، و يختلف الناس أيضا في صفاتهم و تكويناتهم الشخصية و مزاجهم ، حتى في الاهتمامات و الميول المهنية نلمس الفروقات كذلك ، و في تفضيلهم للعمل ، كما نجد أيضا اختلاف في الدوافع فالبعض مدفوع ماليا و البعض الآخر اجتماعيا ، و الآخر نحو الشعور بالتقدير و تحقيق الذات ، و كذلك يمكن القول أن مهارات الاتصال الحديث ، المناقشة ، التفاوض ، الإقناع و الابتكار و التأثير في الآخرين تختلف جميعا من شخص لآخر .
الوظائف المختلفة :
تختلف الوظائف من حيث طبيعة النشاط ( إدارية ، مالية ، تسويقية ،... ) ، و تختلف أيضا من حيث النوعية ، الحجم و عظم المسؤولية الملقاة على عاتقها ، و كذلك من حيث المواصفات المطلوبة لأدائها : التعليم ، الخبرة ، المهارة ، التدريب ، ... الخ ، و تختلف أيضا ظروف أدائها من حيث ظروف العمل المادية ، من إضاءة و حرارة و رطوبة و غيرها .
فمنها من يناسب أشخاصا معينين و منها من يناسب أشخاص آخرين و بالتالي يتطلب الأمر تحليل الوظائف قبل شغلها بالإفراد .
و تعددت التعاريف المقدمة في الموارد البشرية ، و نذكر منها
" هي دراسة السياسات المتعلقة بالاختيار و التعيين و التدريب و معاملة الأفراد في الأفراد في جميع المستويات و العمل على تنظيم القوى العاملة في المؤسسة ، و زيادة ثقتها في عدالة الإدارة و خلق روح تعاونية بينها للوصول بالمؤسسة إلى أعلى طاقاتها الإنتاجية "
. " هي الإدارة المتخصصة بكل الأمور المرتبطة بالعنصر البشري في المنظمات ،1 من البحث عن مصادر القوى البشرية و اختيارها ، تصنيفها و تدريبها ، و تهيئة المناخ الإنساني الملائم الذي من شانه أن يدفع إلى بذل أقصى طاقاتهم .2داخل المنظمات "
" وظيفتها تتمثل في اختيار العاملين ذوي الكفاءات المناسبة و تسيير جهودهم و توجه طاقاتهم و تنمي مهاراتهم و تحفز هؤلاء العاملين و تقييم أعمالهم و تبحث مشاكلهم و تقوي علاقات التعاون بينهم زو بين زملائهم و رؤسائهم و بذلك تساهم في تحقيق الهدف الكلي للمنظمة من حيث زيادة الإنتاجية و بلوغ النمط المطلوب للأعمال و الأفراد "
. تعنى الموارد البشرية اليوم بجانب كبير من الأهمية نظرا لقربها من جميع3 أوجه النشاط الإنساني ، فالإدارة تعمل على تحديد و تحقيق الأهداف و بالتالي تقوم بالتجميع الفعال لمهارات و كفاءات الأفراد ، مع استخدام كافة الموارد المادية ، فهي تطبق على الجماعة و ليس على الفرد .
أولا: خطوات في تزويد المنظمة بالموارد البشرية
- يتبع المسيرون أربع خطوات متتالية من أجل تزويد المنظمة بالموارد البشرية لتعبئة الوظائف الشاغرة, وهذه الخطوات :
1) الاستقطاب . 2) الاختيار 3) التكوين . 4) تقييم الأداء .
1. الاستقطاب : هو عملية اكتشاف مرشحين محتملين للوظائف الشاغرة الحالية أو المتوقعة في المنظمة .
2. الاختيار : هو عملية تتكون من سلسلة من الخطوات المرتبة ترتيبا منطقيا لتنتهي بتعين أفضل المرشحين للمناصب الشاغرة .
3. التكوين : هو عملية تعلم سلسلة من السلوك المبرمج والمحدد مسبقا .
4. تقييم الأداء : تقييم الأداء هو قياس أداء الفرد لوظيفة في المنظمة.

نشأةُ وتطور وظيفة الموارد البشرية:
إنَّ تاريخ وظيفة الموارد البشرية يرجعُ إلى قرنين من الزمان تقريباً، إلى عصر الثورة أو النهضة الصناعية، إذ بدأ التفكير في أهمية العنصر البشري، فبدأت الشركات والمنظمات الصناعية بإنشاء إدارات خاصة بالموظفين، تبحث في شؤونهم وتعتني بكل ما يتعلق بهم.. وسميت هذه الإداراتُ بمسميات مختلفة؛ منها: إدارة شؤون العاملين، إدارة شؤون الموظفين، إدارة الأفراد... إلخ.
ومع اختلاف النظرة إلى العنصر البشري باختلاف تطور النظريات والمدارس الإدارية على مر العقود الزمنية، إلا أن هذا الاختلافَ لم يمنعِ التطورَ الموازيَ في الاهتمام بالعنصر البشري.. حتى ظهر مصطلحُ إدارة الموارد البشرية في بداية الستينيات من القرن العشرين، وظهور هذا المصطلح مَثَّل نقطة البداية لظهور مدرسة الموارد البشرية..! ومع ذلك استقر على تسمية الإدارة التي تهتم بالموظفين "إدارة الأفراد".. حتى عام 1980م تقريباً فغير مسمى "إدارة الأفراد" إلى "إدارة الموارد البشرية"، وإنَّ هذا التغييرَ لم يكن في المسمَّى فقط، ولكن كان في المضمون أيضاً، فدور إدارة الأفراد كان محصوراً في تنفيذ سياسات الموارد البشرية التي تضعها الإدارةُ العليا في المنظمة، أما دور إدارة الموارد البشرية فقد امتد إلى التخطيط والتنفيذ معاً في آن..! وبهذا أصبح لإدارة الموارد البشرية استراتيجيةٌ تخطيطية وتنفيذية خاصة بها.. تعمل من خلالها على تحقيق الاستراتيجية الأم للمنظمة، وأصبح مدير إدارة الموارد البشرية أحدَ أعضاءِ بل من الأعضاء المؤثرين الإدارة العليا، الذين يرسمون السياسات، ويتخذون القرارات الاستراتيجية في المنظمة..
وأصبح الأفرادُ العاملين في إدارة الموارد البشرية من المتخصصين، فهم إخصائيون لهم دراسات خاصة، وقد احترفوا العملَ في مجال إدارة الموارد البشرية، وكان لتغير الدور بين إدارة الأفراد وإدارة الموارد البشرية الأثرُ الكبيرُ في توجه العديد من الجامعات الكبرى آنذاك إلى تغيير مسمى إدارة الأفراد إلى "إدارة الموارد البشرية".

المطلب الأول : تعريف تسيير الموارد البشرية
قبل التطرق إلى تعريف تسيير الموارد البشرية نقوم بتعريف :
- التسيير .
- تسيير الموارد البشرية .
الفرع الأول : تعريف التسيير
" التسيير هو تدبير شؤون الناس و قيادتهم و توجيههم و تنظيمهم بغية تمكينهم من تنفيذ الخطط الموضوعية لهم بهدف المحافظة على كيانهم و استمرار وجودهم " . التسيير هو عملية تنفيذ الأنشطة مع الأفراد ، و تسيير هذه العملية إلى1 أنشطة التخطيط و التنظيم و القيادة و التقييم التي يجب القيام بها لتحقيق الأهداف .
إن أي تعريف للتسيير يجب أن يتضمن ثلاثة عوامل مشتركة و هي الأهداف ، الأفراد و الموارد المتاحة المحدودة ، و بالرجوع إلى تعريفنا للتسيير فالأهداف هي الأنشطة المنفذة ، و الموارد المحدودة متضمنة في كلمة كفاءة ، و الأفراد هم الأشخاص أو الموظفون
الفرع الثاني: تعريف تسيير الموارد البشرية
1." إن تسيير الموارد البشرية هو التسيير الذي يقوم بشؤون الاستخدام الأمثل للموارد لبشرية على جميع المستويات بالمنظمة , قصد تحقيق أهداف هذه الأخيرة "
. إن بقاء أي منظمة يتطلب وجود مسيرين وأفراد متمكنين يقومون بتنسيق جهودهم وتوجيهها لتحقيق غاية عليا مشتركة .2
- إن الحصول على الموارد البشرية وتنميتها وتحفيزها وصيانتها يعتبر ضروري لإنجاز أهداف المنظمة.
الفرع الرابع : وظيفة تسيير الموارد البشرية
إن تسيير الموارد البشرية يجب النظر إليها وظيفة تتكون من أربعة مهام رئيسية :
• توظيف الأفراد : و تبدأ بتخطيط القوى العاملة و يتضمن التوظيف أيضا أنشطة الاستقطاب و الاختيار و التوجيه للأفراد .
• تنمية الأفراد : يمكن النظر إليها من بعدين :
- بعد يتعلق بالفرد الذي يخص بالتكوين .
- بعد يتعلق بالمسير الذي يختص بالتعليم .
• تحفيز الأفراد : و ذلك من خلال أنظمة الأجور و الحوافز .
• المحافظة على الأفراد : تهتم هذه الوظيفة بتوفير مزايا و خدمات و ظروف عمل ، يرى الأفراد أنها ضرورة للمحافظة على التزاماتهم تجاه المنظمة



مطلب ثاني: وظائف تسيير الموارد البشرية
تتمثل أهم وظائف تسيير الموارد البشرية في الآتي :
- الرقابة على ظروف العمل وتسيير الخدمات الخاصة بالأفراد , وإعداد السجلات المرتبطة بهم وتتبع حياتهم الوظيفية .
-الإشراف على موازنة الأجور المرتبات والحوافز والمكافآت والعلاوات .
-العمل على حل مشاكل الأفراد في كافة مجالات العمل ، وتقرير و تنفيذ لسياسة التسيير في مجال شؤون الأفراد .
-اعتماد عقود العمل والأوامر الإدارية الخاصة بالجزاءات في حدود اللوائح المعمول بها
-التنسيق مع كافة المنظمات في قطاعات العمل الأخرى ، فيما يتعلق بتسيير العنصر البشري ورعايته اجتماعيا وصحيا ومهنيا , بما يكفل تكوين قوة عمل راضية ومنتجة .
-تطبيق إجراءات الإعلان عن الوظائف الشاغرة , وكل ما يتعلق بعمليات الاختيار ، التعيين وتكوين الأفراد .
-تلقي شكاوى ومقترحات الأفراد ، ودراستها والرد عليها .
-الاعتراف على تنفيذ القرارات المتعلقة بالترقيات و تنظيم عمليات حضور وانصراف الأفراد ، و على إعداد وتنظيم النماذج والسجلات المرتبطة باستخدام الأفراد وتقدير كفاءاتهم .
-القيام بالدراسات الخاصة بتحليل سياسات تسيير الموارد البشرية ولوائح استخدامها والخاصة ببحوث الأفراد بما يساعد على :
- تنسيق التنظيم وتحديد تفصيلات الهيكل التنظيمي .
- اكتشاف وسائل أفضل لرفع القدرة الإنتاجية للمنظمة , وتحقيق أهدافها في مجال الأرباح .


مبحث ثالث: الأهداف والعوامل المؤثرة على تسيير وظيفة الموارد البشرية
المطلب الثاني: أهداف تسيير الموارد البشرية
تتمثل أهم أهداف تسيير الموارد البشرية فيما يلي :
أولا : التعرف على حاجات و رغبات الأفراد والعمل على إشباعها, بما يولد لديهم الحافز على الإنتاج , و يتطلب ذلك ما يلي :
- معرفة احتياجات الأفراد و رغباتهم قبل التخطيط لإدخال التغيرات في المنظمة .
-مشاركة الأفراد للمنظمة في تحمل المسؤولية و مواجهة مشكلات العمل الحقيقية وحلها
ثانيا : الارتفاع بكفاية أداء الأفراد ، كالإلزام المعنوي اتجاههم ومسؤولية اجتماعية للمنظمة.
ثالثا : تنمية الفهم والمهارة الأساسية في العلاقات الإنسانية لدى المسيرين , بما يساعد على تحقيق التناسق في الأداء وتنمية العمل الاجتماعي كفريق .
رابعا : تقدير وتدبير احتياجات المنظمة من القوى العاملة و تطبيق سياسات تسيير الموارد البشرية من اختيار وتعيين وتكوين و أجور ومرتبات , ووضع نظم الحوافز , وتقييم كفاءة الأفراد حتى يتحقق الاستخدام الأمثل الموارد البشرية .
خامسا : تخطيط التنظيم بما يكفل تحقيق أهداف المنظمة والأفراد وفقا لمرحلة النمو التي تمر بها ، وفتح فرص الترقية أمام الأفراد.
سادسا : تنمية مهارات المنظمة في مجال المحافظة على العنصر البشري ، و التأثير الإيجابي في سلوك الأفراد .
سابعا : ممارسة العلاقات العامة وتنمية الصلة ة الترابط بين الأفراد و المنظمة من خلال البرامج الترفيهية و الخدمات الصحية والاجتماعية والثقافية المختلفة .
ثامنا : بحوث الأفراد , وتقييمها يرفع الروح المعنوية لديهم .
تاسعا : المشاركة في وضع وتطبيق سياسات تسيير الموارد البشرية وما يرتبط بها من نظم ولوائح وإجراءات عمل .
: مطلب ثاني: العوامل المؤثرة على تسيير الموارد البشرية

إن العوامل التي كان لها تأثير على تسيير الموارد البشرية عديدة , ولكننا سنركز على أربعة عوامل أساسية هي كالتالي : مطلب ثاني: العوامل المؤثرة
1.العوامل الاقتصادية
إن حالة الاقتصاد الوطني والظروف المحيطة به تؤثر على الموارد البشرية , لأن المنظمات تتجه إلى التوسع في النشطة الخاصة بتسيير الموارد البشرية في فترات الرواج , وتقلصها فترات الكساد .
ونجد من ناحية أخرى أن الارتفاع المستمر لمستوى المعيشة في المجتمع , كان له تأثير كبير على الممارسات الخاصة للموارد البشرية , بالذات من ناحية تطور المداخيل الأفراد .
2.العوامل القانونية
إن النصوص القانونية والأحكام القضائية والقرارات الإدارية كان لها جوهريا على تسيير الموارد البشرية .
إن تسيير الموارد البشرية انتقلت من مجال يحكمه مبدأ "دعه يعمل أتراكه يمر" إلى مجال آخر مقيد بالقوانين , كالحد الأدنى للأجور , والحد الأقصى لساعات العمل , وكل السياسات المتعلقة باستقطاب الأفراد ومقابلتهم واختيارهم , وتكوينهم , وتقييمهم .
3. العوامل الاجتماعية
إن المجتمع قد تعرض لتطور كبير فيما يتعلق بتركيبه الطبقي والاتجاهات والقيم السائد فيه , وكذلك بأحداث رئيسية غيرت من مجريات الأمور داخل المجتمع .
لقد تعرض المجتمع خلال القرن العشرين لتغيرات جوهرية في أسلوب معيشته , وأسلوب تفكيره فيما يخص توسيع فكرة دور الحكومة بتسيير شؤون أفرادها.
4. العوامل التكنولوجية
إن التقدم التكنولوجي الذي حدث كان مذهلا , فقد وصف التقدم الذي حدث والتغيرات الجذرية للموارد البشرية كنتيجة لتغير حاجات ومتطلبات المنظمة والتوسيع المستمر في التكنولوجيا



تسيير الموارد البشرية في إطار التغيرات الهيكلية لقطاع الإتصالات
تسيير الموارد البشرية في إطار التغيرات الهيكلية لقطاع
الإتصالات
ا) تطور نحو تسيير تنافسي للإتصالات :

المدخل: بعــد تسيير الموارد البشرية

لتيسيـرفهم المصطلحات المستعملة في هذا الميدان نشرح بصفة وجيزة المفاهيم المستعملة وذلك لتحديد نشاطات التسيير وتطوير الموارد البشرية في منظومة الإتصالات.

تسييــر مؤسسة بصفة تلقائية يظهر ثلاثة أنظمة :

* التسيير التقني (الإستغلال).
* التسيير المالي والإقتصادي.
* تسيير الموارد البشرية.

لظمان نجاح هذه المؤسسة يجب علي هذه الأنظمة أن تعمل بطرق وإستراتيجيات متلائمة وكلها موجهة نحو بلوغ الأهداف المسطرة وفي هذا الصدد , نشاط كل نظام يجب أن يحدد في بيئة تمكن العلاقات بين الانظمة الثلاثة ومنه كل الانظمة تعمل في إتجاه واحد وهو الهدف المسطر للمؤسسة.

إن نظام تسيير الموارد البشرية يحتوي علىكل نشاطات المؤسسة لإدارة موظفيها .
تسيير الموارد البشرية لا يتطلب إدارة هذه الموارد فحسب بل تطويرها , في هذا الإطار يعتبر التكوين الجانب الأساسي في تطوير الموارد البشرية مع مراعاة التخطيط المهني وكذا التداول علي المهن إلخ…


نظام تسيير الأتصالات


نظام التسيير المالي والاقتصادي


تسيير الموارد البشرية


نظام التسيير التقني


تطوير الموارد البشرية




التكوين المهني





ماذا يقدم تسيير الموارد البشرية لتسيير تنافسي في الإتصالات؟.

رغم أن الجوانب المتعلقة بتطوير الموارد البشرية لم تهمل في إطار تسيير مؤسسات الإتصالات الا أنه في الوقت الحاضر يعطي لهذه العملية الأهمية القصوي من طرف إدارة المؤسسات المعنية, وذلك لما يتسم به الجانب البشري كعنصر أساسي للوصول إلي الاهداف المسطرة لكل مؤسسة.

كلنا يعلم أنه في الوقت الحاضر من السهل جدا إقتناءالإمكانيات التقنية لتطوير الشبكات , لكنه من الصعب تطوير الموارد البشرية التي تشغل هذه الأجهزة وتستغلها حسب الطرق المثلي.

لهذه الأسباب تعطي النظرة العصرية للتنظيم دورا جوهريا لتطوير الموارد البشرية في نشاط المنظومة لا يقل أهمية عن دور التسيير التقني والمالي اللذين عادة ماتكون أهميتهما أكثر من الأولي في النشاطات التقليدية.

تنطبق هذه التحاليل علي مؤسسات الإتصالات بصفة مباشرة , بحيث لم يعد صالحا تحديد أهذاف تسيير تعطي الأولوية للطابع التقني والمالي ويكون فيها تسيير المورد البشري في الدرجة الثانية.

هذه النظرة كانت ممكنة عندما كانت المؤسسات وحيدة في السوق ولا يتطلب منها جهدا كبيرا لتطوير الإنتاجية والنوعية ودراسة التكاليف, أي كل ما يتعلق بتطوير الموارد البشرية وحتي المالية والتقنية .

حاضرا التقنيات الجديدة والخدمات المقدمة وكذا مناهج العمل المطبقة ومستويات النوعية والتنافس المطلوب من مؤسسات الإتصالات , يحتم عليها تغيير مناهجها في هذا الميدان لضمان إستمراريتها.

ب) الموارد البشرية والتطور الهيكلي:

التطور الهيكلي يعني هنا الجهد الطويل المدى لإدخال التغيرات المخططة تحت رعاية المؤسسة ويحتوي هذا الجهد منهج التغيير نفسه.

تنجز مناهج التغيير هذه بالتوازي مع تسيير المؤسسة , لأن التغيير يجب أن يتبعه تحسين في التسيير.

وبما أن التغيرات المطلوبة يجب أن تنجز بصفةمخططة ومراقبة ومسيرة بصفة جادة , فإن الموارد البشرية الموجودة لا يجب أن تكون حاجزا أمام التغير الهيكلي ولكن عامل نجاح يستعمل للوصول إلي التغيرات المنشودة في منهجية التغيير.

معظم مؤسسات الإتصالات في الوقت الحالي منهمكة في مناهج تغيير جذرية تمس كل مستويات التسيير وكلها موجهة نحو تحسين النوعية والإنتاجية والتنافسية والخدمات تلبية لرغبات الزبائن.

تستدعي هذه التغيرات تكييف الموارد البشرية التي تتحول إلي عنصر أساسي للمؤسسة كي تتكيف مع أهدافها الجديدة.

تأثير هذه التغيرات علي الموظفين يتوقف علي الصبغة القانونية للمؤسسة والعلاقة التعاقدية بين الموظف ومؤسسته ومدي تغييرها.

لذي فإن تهيئة الموظفين للتغيير يجب أن تكون مخططة بحيث يكون الدعم الكافي من طرفهم للوصول إلي الهدف. لظمان هذا الدعم يجب أن لايكون تناقض بين مصالح الموظف ومصالح المؤسسة.

في ضوء الموارد البشرية نستطيع إدراج الجدول التالي:

التغيير يكون في صالح المؤسسة إذاتحصلت من موظفيها علي: التغيير يكون في صالح الموظف إذا :
• ـ عدد ملائم
• ـ تأهيل مقبول
• ـ تحمس عالي • ـ عاش التغيير كتطور شخصي
• ـ إعتبره كوسيلة ترقية وبلوغ
• طموحاته (الأجرة إلخ…)
• ـ لمس الحماية من طرف الادارة


اذاكانت السياسة المتبعة للوصول الى الأهداف المدكورة سابقا مربحة بالنسبة للمؤسسة يجب ان يتم هدا التغيير بمشاركة الموظفين على كل المستويات المهنية .
هذه النظرية لا تعني ان تكون للمؤسسة نظرة اجتماعية بحثة , بل تحقيق اهداف اقتصادية بمشاركة متحمسة لموظفيها .


الاعمال التى يجب القيام بها:

الحالة المذكورة في الجدول السابق تتطلب بالفعل مشاركة كل قطاعات تسيير الموارد البشرة منهاّ:
ـ تخطيط الموظفين
ـ التكوين
ـ التوظيف والانتقاء
ـ تنمية الموارد البشرية

#1
MOHAMMED BAN RASHED
مشترك

تاريخ التسجيل: Jan 2011
الدولة: riyadh
المشاركات: 46
إدارة الموارد البشرية


إدارة الموارد البشرية

Human Resources Management

تعريف إدارة الموارد البشرية:

هي أداء الفعاليات والأنشطة والتي تتمثل في التخطيط والتنظيم والتطوير والقيادة وهي الإدارة المعنية بتحفيز الموظفين للوصول إلى أعلى مستوى من الإنتاجية بكفاءة وفاعلية والجمع بين الشركة والموظف في الاتجاه والمساهمة في تحقيق أهداف كل منهم وكذلك المساهمة في زيادة حصة الشركة في السوق والمحافظة عليها.

نبذة تاريخية عن إدارة الموارد البشرية:

أول بدايات إدارة الموارد البشرية كانت بتشكيل نقابات لمجموعات من الحرفيين وذلك من اجل تحسين ظروف عملهم حيث كانت هذه النقابات الممهد الأولي لما يعرف Trade Union وقد تم ظهور دور إدارة الموارد البشرية بشكل اكبر في نهاية القرن الثامن عشر وذلك بسبب الثورة الصناعية وفي هذه الفترة لم يعد هناك اتصال مباشر بين أصحاب المال والموظفين كما كان وذلك لانشغال أصحاب المال وكذلك بسبب تعيين مدراء ليقوموا بهذا الدور. ونتيجة للتطور التكنولوجي ظهر دور النقابات العمالية مما كان له الأثر الفعال في بيئة العمل وظهور إدارة شؤون الموظفين حيث بقي الحال في تلك الإدارة على دور محدود لغاية الستينات من هذا القرن.

أصبحت إدارة الموارد البشرية في الوقت الحالي جزء أساسي في المؤسسات فتطورت وتوسعت لتصبح إدارة كاملة للموارد البشرية بدلا من موظف واحد و أصبحت تساهم في المكانة التنافسية للمؤسسة وكذلك في ربحيتها.

أهداف إدارة الموارد البشرية :

1. المساهمة في تحقيق أهداف الشركة.
2. توظيف المهارات والكفاءات عالية التدريب والمتحفزة.
3. زيادة الرضا الوظيفي وتحقيق الذات عند الموظفين إلى أعلى قدر ممكن.
4. إيصال سياسات الموارد البشرية إلى جميع الموظفين في المنظمة.
5. المساهمة في المحافظة على السياسات السلوكية وأخلاقيات العمل.

6. إدارة وضبط عملية "التغيير" لتعود بالنفع على كل من المنظمة والموظف.
7. السعي إلى تحقيق معادلة مستوى الأداء الجيد وهي المقدرة والرغبة.
حيث أن زيادة المقدرة يتمثل في برامج تدريب وتطوير العاملين وأما زيادة الرغبة
فيتمثل في أنظمة الحوافز وبرامج الصحة والسلامة.

أهمية إدارة الموارد البشرية:

تنبع أهمية الموارد البشرية في التنظيم من كونها أهم عناصر العملية الإنتاجية فيه ولا بد من توفر الكفاءات الجيدة القادرة على الأداء والعطاء المتميز.


لذلك يمكن القول أن توسع الإنتاج لا يكون بالتوسع الأفقي فقط (زيادة عدد الموظفين وتقنية عالية من الآلات والمعدات) بل أن التوسع الرأسي للإنتاج هو مكمل للتوسع الأفقي وذلك برفع مستوى الكفاءة الإنتاجية عن طريق توفير الموارد البشرية المتحفزة والقابلة لعمليات التشكيل والتأهيل والتدريب.

الوظائف الرئيسية لإدارة الموارد البشرية:

وضع إستراتيجية Strategy لإدارة الموارد البشرية (على أن تكون مستمدة ومتماشية مع الاستراتيجية العامة للمنظمة و متماشية مع رؤيا Vision ورسالة Mission وأهداف Objectives المنظمة) بحيث يتضمن عمل وتطوير أنظمة إدارة الموارد البشرية والتي تشتمل على القيام بالوظائف والمهام التالية.

¨ التحليل الوظيفي

¨ Job Analysis

¨ الوصف الوظيفي

¨ Job Description

¨ نظام الاختيار والتعيين

¨ Recruitment and Selection

¨ نظام تقييم الأداء
¨ Performance Appraisal
¨ نظام التعويض والمكافأة
¨ Compensation and Benefits System

¨ تطوير الموارد البشرية
¨ Human Resources Development
¨ نظام تحفيز الموظفين
¨ Motivation and Incentives

¨ تخطيط الموارد البشرية

¨ Human Resources Planning
¨ وضع الصلاحيات والمسؤوليات
¨ Authorities and Responsibilities
¨ وضع وتحديث الهياكل التنظيمية
¨ Organization Structure

¨ وضع أنظمة السلامة
¨ Health and Safety
¨ دراسة مشاكل العاملين ومعالجتها
¨ Employee Problem Solving


أهم العوامل التي أبرزت أهمية ودور إدارة الموارد البشرية:

1. اكتشاف أهمية العنصر البشري
2. كبر حجم المنظمة ونموه وكبر عدد الموظفين
3. ظهور النقابات العمالية وتأثير ذلك على وضع الموظف وأنظمة العمل.

موقع إدارة الموارد البشرية في الهيكل التنظيمي للمنظمة:

أصبحت إدارة الموارد البشرية تلعب دورا استراتيجيا وأخذت مكانة مرموقة في الهيكل التنظيمي ومع ذلك يختلف تحديد هذا الموقع من منظمة لأخرى لعدة عوامل ومن أهمها:

1. نمط إدارة المنظمة ومدى فهم الدور الحيوي الذي تلعبه إدارة الموارد البشرية.
2. عدد العاملين في المنظمة.
3. الهيكل التنظيمي العام للمنظمة الذي تعمل فيه إدارة الموارد البشرية.

مفهوم إدارة الموارد البشرية في إدارة الأعمال والإدارة العامة:

إن مضمون إدارة الموارد البشرية واحد في كل من إدارة الأعمال والإدارة العامة وان الفرق في الشكل وليس في الجوهر والمضمون.

إذا يمكن القول انه لا يوجد فرق في إدارة الموارد البشرية سواء كانت في إدارة الأعمال أو في الإدارة العامة حيث أن أسس ومبادئ إدارة الموارد البشرية واحد في كلا المجالين.

الوحدة الثانية
التحليل الوظيفي (الأعمال)
Job Analysis

تعريف التحليل الوظيفي:

يقصد بالتحليل الوظيفي (الأعمال) هو عملية جمع وتحليل وتركيب المعلومات الخاصة بكل وظيفة بغرض التعرف على كل ما يتعلق بالوظيفة من حيث متطلباتها وخصائصها وطبيعتها عن طريق الدراسة والملاحظة واستخدام الطرق العلمية الحديثة المتوفرة في هذا المجال.

خطوات عمل التحليل الوظيفي:

1. تفحص الشركة وتحديد أنواع الوظائف ومعرفة مدى ملائمة كل وظيفة في الشركة.
2. تحديد الأسلوب المستخدم في جمع المعلومات في عملية التحليل الوظيفي.
3. شرح وتحديد أبعاد التحليل الوظيفي للإدارة والعاملين بحيث لا يكون هناك خوف
من عملية التحليل.
4. تحديد أنواع المعلومات والبيانات المطلوب الحصول عليها.
5. اختيار الوظائف لعمل التحليل.
6. جمع البيانات باستخدام طرق تحليل فعالة ومعروفة.
7. تحضير الوصف الوظيفي. Job Description
8. تحديد مواصفات شاغل الوظيفة Job Specification

أهمية (استخدامات) التحليل الوظيفي:

يعتبر التحليل الوظيفي حجر الأساس لإدارة الموارد البشرية حيث يتم الرجوع للتحليل الوظيفي في جميع برامج الموارد البشرية ومن أهم تلك الاستخدامات ما يلي:

1. تخطيط الموارد البشرية
2. التخطيط الوظيفي
3. التوظيف والاختيار
4. التطوير والتدريب
5. التعويض والمكافأة
6. تقييم الأداء والمتابعة الدورية لذلك.

طرق جمع بيانات التحليل الوظيفي:

1. عن طريق المقابلة
2. عن طريق الاستبيانات

3. عن طريق الملاحظة
4. عن طريقسجلات الأداء
5. عن طريق تحليل وظائف بعض الشركات الأخرى لوظائف مماثلة

أبعاد تحليل الوظائف:

يتوفر لدينا بعد عملية التحليل بعدان أساسيان وهما:

1. الوصف الوظيفي Job Description
2. المواصفات الوظيفية Job Specifications

الوصف الوظيفي : Job Description

الوصف الوظيفي هو عبارة عن كتابة وصف كامل للمهمات والواجبات التي يقوم بها شاغل الوظيفة وكذلك المؤهلات العلمية والعملية المطلوبة والصلاحيات المخولة وكذلك لمن يرفع تقاريره ويتضمن:

1. قسم خاص بطبيعة العمل Job Description
يتم تحديد المهام والواجبات الوظيفية المطلوبة وطبيعة العمل.

2. قسم خاص بمواصفات الوظيفة (شاغل الوظيفة) Job Specification
وهذا القسم يتعلق بالخبرات والمؤهلات العلمية والمهارات والصفات الشخصية
المطلوب توفرها في شاغل الوظيفة.

أهمية الوصف الوظيفي:

1. يتم الرجوع للوصف الوظيفي عند عملية التوظيف
2. يتم الرجوع للوصف الوظيفي عند تقييم أداء الموظف
3. يتم الرجوع للوصف الوظيفي في حالة الترقيات أو عند إعادة توزيع الموظفين.

تصميم الوظيفة :Job Design

بعد الانتهاء من التحليل الوظيفي والانتهاء من وضع وصف وظيفي ومواصفات وظيفية دقيقة وبنوعية مميزة من الممكن أن تقوم المنظمة بالاستفادة من هذه المعلومات بحيث يتم إعادة تشكيل الوظائف. يستفاد من هذه المعلومات بشكل فعال في هيكلة عناصر الوظيفة والواجبات والمهام بشكل يتم تحقيق أداء مميز ورضا عالي جدا وبالتالي فان تصميم الوظيفة يزيد من الكفاءة الإنتاجية وبالتالي يعمل على تخفيض التكلفة.

تعريف تصميم الوظيفة:

هي عملية تعريف للطريقة التي سيتم إنجاز العمل بها وكذلك اتخاذ قرار بشأن المهام المراد جمعها تحت وظيفة ما وهذا يشتمل على مدى سهولة أو صعوبة الوظيفة وأين تبدأ وتنتهي.


تصنيف الوظائف : Job classification

ينتج عن عملية التحليل الوظيفي اكتشاف تشابه بين كل من الوصف الوظيفي والمواصفات الوظيفية لبعض الوظائف مما يتطلب جمعها ووضعها في "فئة" واحدة على أساس التشابه في واجباتها ومسؤولياتها والمؤهلات المطلوبة بحيث تضم كل فئة مجموعة من الوظائف وعلى سبيل المثال هناك فئة الوظائف الإدارية والمالية والهندسية … الخ.

ويمكن استخدام تصنيف الوظائف في عدة مجالات ومن هذه الاستخدامات "تقييم الوظائف" أي تحديد قيمتها المالية ووضع هيكل الأجور والرواتب للوظائف في الفئة الواحدة.

الوحدة الثالثة
تخطيط الموارد البشرية
Human Resources Planning
يعتبر تخطيط الموارد البشرية من اكثر النشاطات أهمية في إدارة المنظمات الحديثة وذلك لدوره الرئيسي في إنجاح المنظمة وزيادة فعاليتها.

تعريف تخطيط الموارد البشرية:

يمكن تعريف تخطيط الموارد البشرية على انه "العملية التي تسعى المنظمة من خلالها إلى الحصول وفي الوقت المناسب على احتياجاتها من العاملين القادرين والمؤهلين على تنفيذ المهام الموكلة إليهم لتحقيق أهداف المنظمة".

أهداف وأهمية تخطيط الموارد البشرية:

1. يساعد على تحديد وتخطيط احتياجات المنظمة المستقبلية من حيث الكم والنوع .
2. يساهم في زيادة العائد على استثمارات المنظمة ويخفض التكلفة عن طريق
الاستفادة المثلى من الموارد البشرية.
3. يساعد على تهيئة المنظمة لمواجهة التغيرات في البيئة الداخلية والخارجية.
4. يظهر نقاط القوة والضعف في نوعية وأداء العاملين مما يؤثر في النشاطات
المتعلقة بالموارد البشرية كالتدريب والتطوير.
5. إشباع وتحقيق رغبات وأهداف كل من المنظمة والفرد.

العوامل المؤثرة في تخطيط الموارد البشرية:

هناك مجموعتان من العوامل التي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار عند تخطيط الموارد البشرية وهما المؤثرات الداخلية والمؤثرات الخارجية.

المؤثرات الداخلية:

المؤثرات الداخلية هي عبارة عن مجموعة من العوامل المؤسسية المتصلة بالبيئة الداخلية للمنظمة المؤثرة في تحديد حجم الموارد البشرية المطلوبة مستقبلا ومن أهم تلك العوامل.

1. أهداف المنظمة:

حيث تشكل أهداف المنظمة القاعدة الأساسية التي تحدد حاجة المنظمة من القوى البشرية ونوعيتها ومن الصعب على إدارة الموارد البشرية أن تخطط لنفسها بمعزل عن فهم أو إدراك الأهداف العامة وقدرة المنظمة على تحقيقها.

2. الوضع المالي:

الوضع المالي للمنظمة والذي يتمثل في قدرتها على تخطيط وتحديد الموارد البشرية. والوضع المالي يؤثر على أنشطة أخرى مثل استقطاب الكفاءات المؤهلة وإبقاءها على رأس العمل وكذلك التأثير على برامج التدريب والحوافز … الخ.

3. التغيرات التنظيمية:

تعتبر التغيرات التنظيمية كإعادة توزيع العاملين على الوظائف أو أحداث تغيير في الهيكل التنظيمي من المؤثرات الداخلية في تحديد طلب الموارد البشرية. خاصة فيما يتعلق بتدريب وتنمية العاملين وكذلك في حالة إعادة توزيع الأفراد والذي بدوره قد يتطلب إلى تدريب وتطوير الموارد البشرية.

4. حجم العمل:
يعتمد حجم الموارد البشرية المطلوبة لأداء عمل معين على حجم ذلك العمل ونوعيته.

المؤثرات الخارجية:

يتأثر حجم الموارد البشرية المطلوبة لأي منظمة بمجموعة من المتغيرات التي تحدث في بيئة المنظمة الخارجية ومن أهم تلك العوامل:

1. عوامل اقتصادية:

تتأثر المنظمة بالأوضاع الاقتصادية الخارجية المحيطة بها كالتضخم الاقتصادي
ومعدل البطالة ومعدل أسعار الفائدة. فارتفاع معدل البطالة يؤدي إلى وجود فائض
في سوق العمل مما يعني توفر فرصة أكبر للاختيار من الموارد البشرية المطلوبة.

2. سياسة العمالة في الدولة:

وتتضمن هذه التشريعات القانونية التي تضعها الدولة مثل وضع سياسات عمالية أو
وضع حد أدنى من الأجور … الخ.

3. عوامل تقنية:

يقصد بذلك نوع وحجم التكنولوجيا المستخدمة مما قد يؤثر على حجم الموارد البشرية
المطلوبة وكذلك نوعيتها واثر ذلك على برامج تدريب العاملين وتطويرهم.

4. أوضاع سوق العمل:
ويتمثل هذا في التغيرات التي تطرأ على سوق العمل من حيث الفائض أو العجز وما ينتج عن ذلك من إمكانية توفر الاحتياجات المطلوبة من الموارد البشرية.


5. عوامل تنافسية:

ويتمثل هذا في أنه كلما ازدادت المنافسة بين الشركات تصبح حاجة المنظمة اكبر لكفاءات بشرية مدربة وماهرة.

6. العوامل الاجتماعية السكانية:

ويتمثل هذا في حركة السكان وانتقالهم من منطقة جغرافية إلى أخرى أو الهجرة العائدة أو الخارجة واثر ذلك على سوق العمل من حيث الفائض أو العجز.

التنبؤ باحتياجات المنظمة:

الهدف الرئيسي من تخطيط الموارد البشرية هو توفر الأعداد والنوعية المطلوبة من العاملين من هنا تظهر أهمية التنبؤ باحتياجات الموارد البشرية للمنظمة ومن أهم هذه الطرق ما يلي:

1. طريقة تحليل عبء العمل:

تعتمد هذه الطريقة على أن يتم تحديد الأهداف وترجمتها إلى أرقام خاصة بعدد الساعات الفعلية المطلوبة لأداء عمل معين. بحيث يتم بعد ذلك تحديد حجم العمل الذي يستطيع الفرد الواحد القيام به خلال فترة زمنية محدودة. ونصل إلى الزمن الفعلي المطلوب بعد طرح عدد الساعات الضائعة أثناء العمل ( مثل استراحات … الخ).

مثال:

قررت شركة ما إنتاج 6000 حذاء يوميا علما أن الحذاء الواحد يأخذ20 دقيقة لإنجازه.
عدد ساعات العمل اليومي 9 ساعات. هناك ساعة استراحة واحدة يوميا.

المطلوب:

تحديد حجم القوى العاملة اللازمة لإنتاج 6000 حذاء يوميا.

الحل:

6000 X20 = 120 000دقيقة الوقت المطلوب لإنتاج 6000 حذاء يوميا

120 000 = 2000ساعات عمل الوقت اللازم للإنتاج
60

2000 =2000 = 250 موظف تحتاج الشركة لتحقيق الهدف المرسوم.
9-1 8


2. طريقة تحليل قوة العمل:

تركز عملية تحليل قوة العمل على العدد الموجود من الأيدي العاملة مقارنة مع العدد المطلوب من الأيدي العاملة حسب تحليل عبء العمل. ويمكن لنا أن نتوصل إلى تحليل قوة العمل من خلال وسيلة أساسية في التحليل ألا وهي معدل دوران العمل.

معدل دوران العمل:

معدل دوران العمل هو "معدل تغير العمل في المنظمة خلال فترة زمنية محددة إما بالدخول أو الخروج بأشكاله المختلفة. وهو يقيس مدى استقرار الموظفين ورضاهم الوظيفي.

مثال:

بلغ عدد العاملين في منظمة "س" في بداية شهر أيلول4000موظف
بلغ عدد العاملين في منظمة "س" في نهاية شهر أيلول4100موظف
بلغ عدد المعينين في المنظمة خلال شهر أيلول 100موظف
بلغ عدد الأشخاص الذين تركوا العمل خلال شهر أيلول 40 موظف

المطلوب:

ما هو معدل دوران العمل (العاملين) في المنظمة لشهر أيلول.


معدل دوران العمل هو:


متوسط عدد الأشخاص الذين عينوا والذين تركوا الخدمة خلال شهر أيلول
______________________________________________ X100 %
متوسط عدد العاملين خلال شهر أيلول


40) + (100140
22
–––––––––– X 100 % = –––––– X 100 % =
(4000 + 4100) (8100)
22

70
––––– X100 % = 1.7 معدل دوران العمل خلال شهر أيلول.
4050



3. خرائط الإحلال:

تشتمل خرائط الإحلال على معلومات عن الأفراد المرشحين للوظائف التي من المحتمل أن تكون شاغرة في المستقبل خاصة فيما يتعلق بخبرات وإمكانيات هؤلاء الأفراد. وتشتمل على معلومات عن الوظيفة وشاغلها وتاريخ الترقية المتوقعة بالإضافة إلى معلومات عن الشخص البديل وإمكانياته.

4. تحليل مخزون الموارد البشرية:

يتعلق تحليل مخزون الموارد البشرية العاملة بدراسة ما يتوفر لدى المنظمة من موارد بشرية من الناحيتين الكمية والنوعية عن طريق المسح الإحصائي. ويتضمن المسح المعلومات الشخصية والتعليم والخبرة والإنجاز والأهداف المستقبلية لكل موظف. ويساعد تحليل مخزون الموارد البشرية على تحديد الاحتياجات التدريبية والكشف عن مناطق الخطر في المنظمة كدوران العمل وكذلك معرفة المراكز الإدارية التي يتوقع أن تكون شاغرة مستقبلا.



5. أسواق العمالة الخارجية:

في حالة عدم مقدرة المنظمة على توفير احتياجاتها من الموارد البشرية اعتمادا على مصادرها الداخلية عليها التوجه للأسواق الخارجية لإشباع حاجاتها المستقبلية. وهذا يتطلب دراسة أسواق العمالة الخارجية. ويتطلب ذلك معرفة أعداد خريجي الجامعات والمعاهد ونوعية العمالة المتوفرة في السوق وكذلك معرفة الوضع الاقتصادي ومستوى الأجور وسلم الرواتب.

نجاح تخطيط الموارد البشرية:

لضمان نجاح تخطيط الموارد البشرية فانه لا بد من توفر أسباب عديدة من أهمها:

1. دقة أهداف المنظمة:

أن نجاح تخطيط الموارد البشرية يرتبط بأهداف المنظمة التي تسعى لتحقيقه
والقدرة على ربط هذه الأهداف بأنظمة الموارد البشرية وأعمالها ( أهداف مثل زيادة
حصة الشركة في السوق … الخ ).

2. توفر المعلومات والبيانات الدقيقة

تعتبر المعلومات والإحصائيات الخاصة بتلك القوى ودقتها يؤدي إلى الوصول
بالمخططين إلى نتائج دقيقة عن حجم القوى البشرية التي تحتاجها المنظمة سواء
من الداخل أو من الخارج ونفس الشيء يقال عن أهمية البيانات والمعلومات
الإنتاجية.

3. دعم الإدارة العليا لعملية التخطيط
لا يمكن وضع خطة وتنفيذها بنجاح دون دعم الإدارة العليا لها خاصة عندما تتطلب خطط
الموارد البشرية إحداث تغيرات جوهرية في وظائف وأعمال المنظمة.

4. ارتباط تخطيط الموارد البشرية بوظائف إدارة الموارد البشرية الأخرى.
بالإضافة إلى تنفيذ الخطة وتطبيقها يحتاج إلى التنسيق مع الأقسام والوظائف الأخرى في إدارة الموارد البشرية. فقد يتطلب الأمر إلى تغيير في سياسات الأجور أو تغيير في سياسات التدريب أو الهيكل التنظيمي.

الوحدة الرابعة
الاختيار والتوظيف
Recruitment and Selection
تعتبر عملية التوظيف من أهم أنشطة إدارة الموارد البشرية لأنها تهدف إلى توفير افضل العناصر من ذوي الكفاءات والمؤهلات الممتازة. وتعود أهمية عملية التوظيف لإدارة الموارد البشرية في منع أو التقليل من توظيف الشخص الخطأ (الغير مناسب) والذي سيكلف المنظمة الكثير جدا. فبالإضافة إلى تكلفته على المنظمة من حيث الراتب والبدلات فهناك تكلفة قد تكون أضعاف أضعاف ذلك والتي تترتب على الخسائر الناتجة عن القرارات الخاطئة التي يقوم بها الشخص المعين وقد تصل إلى خسارة المنظمة بعض حصتها في السوق بالإضافة إلى خسائر أخرى قد تلحق بالمنظمة.

تقتضي عملية تعيين الأشخاص دراسة مسبقة ودقيقة للوصف الوظيفي والمواصفات الوظيفية (مواصفات الشخص الذي سيشغل الوظيفة) وكذلك دراسة والتعرف على مصادر الموارد البشرية والأخذ بعين الاعتبار الجانب الأخلاقي في عملية التوظيف.

تعريف التوظيف:

يمكن تعريف عملية التوظيف على أنها مجموعة من الفعاليا

http://www.hrm-group.com/vb/showthread.php?t=70591هذا مرجع الذي استخذمته

ـ الاتصال

تخطيط الموظفين يمكن من انجاز تنبؤات كمية وكيفية لعدد الموظفين اللازم لكل قطاع تسيير, وبالتالي تعيين القطاعات التي لها نقص او فائض من الموظفين على المدى القصير , المتوسط والبعيد .

يجب استعمال اعادة توزيع الموارد البشرية فيما يخص القطاعات التى تعرف نقصا , في هذا الصدد نظام الانتقاء ونظام التكوين والتطوير للموارد البشرية يساعد على اعادة نشر الموظفين حسب الحالة الخاصة لكل واحد ( ترسيم , تكوين ثم ترسيم, تكوين واعادة توزيع الخ …) .

لتفاذي السلبيات الناتجة عن فقدان بعض الامتيازات السابقة مثل ديمومة الوظيفة , يجب استعمال طرقا شتى حتى تكون قنوات اتصال دائمة بين الموظف والادارة , واقناعه بان هذا التغيير في العلاقة التعاقدية قدتكون له ايجابيات بعد اعادة التكوين والتطوير الخ …..

وفي هذا السياق يجب التركيز على :

ـ اعطاء اولوية لديمومة التوظيف للموظفين ذوي التاهيل العالي وللموظفين المتحمسين لخدمة المؤسسة ولديهم الرغبة في التطور المهني.
ـ تطهير المؤسسة من الموظفين اللذين تظهر عدم كفاءتهم واللذين يصبحون عبأعليها .

المنهجية المطبقة :

مقارنة الوضع الحالي والوضع الذي نريد الوصول إليه.
من المعروف أن لكل مؤسسة أساليب ومناهج للتوظيف والتكوين والإنتقاء, لكن لاتوجد بصفة مطلقة أنظمة لإنتقاء وإعادة التوزيع وكذلك تطوير الموظفين رغم أهميتهم في الوصول إلي الأهداف المنشودة في هذا الميدان , وبالتالي لا يوجد نظام صالح لكل الأوضاع مهما كان موقعها الجغرافي والزمني .

لذا يقترح المنهج التالي:

ـ إنشاء نظام لتسيير الموارد البشرية بالإستناد علي تدابير قصيرة المدى.
ـ تعريف الوظائف الدائمة في النظام والتي تبرز عند الوصول إلي الأهداف القصيرة المدي المذكورةسابقا.
ـ إعطاءهذه الأنظمة هيكلا عضويا وموظفين دائمين حتي يتم توظيف الإمكانيات المذكورة أعلاه بصفة دائمة لدى المؤسسة.

لتحقيق هذه المفاهيم تقترح التذابير القصيرة المدى الآتية وكذلك الوظائف الدائمة :


النظام

تذابير قصيرة المدى
وظائف دائمة

تخطيط الموارد البشرية

تحويل واعادة التأهيل

تحظير الموظف لدعم التغير المؤسساتي
تحديد الاحتياجات والنقائص للموظفين في كل قطاع استغلال

تحديد الموظفين الذين يجب تحويلهم اواعادة تأهيلهم أو الاستغناء عنهم.

تشجيع الموقف الايجابي للموظف بالنسبة للتغيير .
دراسة توقعات تعداد الموظفين تطابقا مع التطور الطبيعي حسب مخططات التنمية التقنية والقدرات التجارية للمؤسسة .

تحويل الموظفين حسب ماتتطلبه مخططات التنمية التقنية والتجارية


اعتماد سياسة اتصال دائمة مع الموظفين



ج) تخطيط الموارد البشريــة

تخطيط الموارد البشريــة يعنــي :

المنهجية التى تستعملها مؤسسة لضمان مساهمة عدد مناسب من الاشخاص يتوفرون على الخصائص المطلوبة لتقلد المناصب المعينة في الوقت المناسب , ويؤذون وظائفهم بالطرق الاكثر فائدة من الناحية الاقتصادية .

تتدخل ثلاثه عناصر مهمة في هذا الاطار :

• عدد الموظفين
• تكوينهم المهني
• تحويلهم الى مناصب العمل المحددة.

العنصر الاول يعني التوقع الكمي لتعداد الموظفين , اما العنصرين الآخرين يحددان التوقع الكيفي . التطور العادي لتعداد الموظفين الناتج عن تغيير متوقع ( احالة على التقاعد , تـرقية الخ...) او عن تغيير غير متوقع ( تسريح , استقالة , حواذث وفاة ,الخ...).

لذا فان احتياجات المؤسسة لمناصب العمل تتغير نظرا للظروف السابقة وكذلك تبعا لتغيرات تقنية وادخال خدمات او اعادة هيكلتها .

في هذا الصدد وتبعا للجدول المبين اعلاه يتضح ان الهدف الدائم من وظيفة التخطيط للموارد البشرية هو تحديد الاحتياجات الكمية والنوعية للموظفين على المدى القصير , المتوسط والبعيد , وكذلك في اطار التطور العادي لتعداد الموظفين وكذلك التطور التقني والهيكلي للمؤسسة .

يلعب التكوين المهني في هذاالاطار دورا مهما لان عكس مايتم في التخطيط المادي او المالي فانه يحتمل ان الموظفين القادرين على تادية مهام معينة في الوقت الحاظر يصبحون غير قادرين على ذلك في المستقبل اذا تغيرت الشروط , واذا لم يتطور الموظف حسب خصائصه وامكانياته. على هذا السياق فانه لايكفي تعداد الاحتياجات المستقبلية من الموظفين بالتوظيف المباشر او بالترقية الداخلية وانما يجب اعداد برامج التكوين حتى يتمكن هذا الموظف من ممارسة اعماله طوال تواجده بالمؤسسة.


نحدد التنبؤات الكميــة في الميادين الآتية :

* التكوين الاولي توظيف خارجي
* التكوين للترقية الداخلية للموظفين المرقين الى مناصب اعلى
* التكوين المستمر لضمان استمرارية المستوى الذي وصل اليه الموظف
آخدين بعين الاعتبار التغيرات الطارئة على مقاييس
منصب العمل .

اجراءات قصيرة المدى لنظام تخطيط الموارد البشرية :

استعمال الامكانيات الاعلامية في الوقت الحالي يسهل بصفةملحوظة المناهج الحسابية التى لم تعد الا عنصرا صغيرا في تنبؤات الموارد البشرية .
يكمن المشكل في تزويد النظام بالمعلومات اللازمة لتقديمها لنظام حساب احتياجات الموظفين.
رغم ان نظام تخطيط الموارد البشرية يمكن ادماجه بطريقة سريعة الى تنظيم المؤسسة , الا ان الوظيفة الدائمة لتعداد الاحتياجات للموظفين لايمكن تنشيطها بصفة مرتجلة , لذا فانه يتعيين اخد تدابير قصيرة المدى لتحديد الاحتياجات والفائض في الميادين الحرجة في المؤسسة .

من بين هذه التدابير القصيرة المدى , يمكن اعتماد الطريقة الآتية :

1) تكوين مجموعة عمل
2) تحديد الخطوط العامة من طرف الادارة
3) اعتماد الاولويات في القطاعات الحرجة
4) تحديد تقنيات التدخل التى يجب اعتمادها
5) التمكن من دعم القطاعات المساهمة وإلزام الادرة بمسؤولياتها تجاه العملية
6) تطبيق الدراسات في الميادين المنتقاه لهذا الغرض
7) انجاز تقارير لمتابعة القطاعات المدروسة
8) اعتماد التقارير من طرف السلطة الوصية على حركة الموظفين .


ان الحركة في اادارة الموظفين ونعنى هنا تحويل الموظف من منصب عمل الى آخر , هي وظيفة دائمة لتسيير الموارد البشرية وهدفها الاساسي هو تعديل حركة الموظفين في المنظومة, بحيث تتجاوب قدر الامكان مع تخطيط الموارد البشرية الموجود داخل هذه المنظومة .

ان مخطط حركة الموظفين يجب ان يأخد بعين الاعتبارالفائض والنقص الموجود في المراكز الوظيفية المختلفة والاحتياجات المستقبلية للمؤسسة وكذلك نوعية المناصب المذكورة .

ان تشغيل نظام التحويل كما هو الحال بالنسبة لنظام تخطيط الموارد البشرية يستدعي انشاء وظيفة جديدة داخل نظام تسيير الموارد البشرية , لكن هذا النظام لن يتم تشغيله بصفة عادية ودائمة الا بعد وقت معين .

لذايقترح تدبير قصير المدى يمكن تلبية الاحتياجات العاجلة للمؤسسة ويكون قاعدة انطلاق لنظام جديد للتسيير ( هيكل وظيفي وتنظيمي , تكوين مهني , تجهيز الخ......) ويكون صالحا للاستعمال كوظيفة دائمة.

الطريقة المقترحــة :

1) الموظفون الغير فائضون الموظفون الذين يشتغلون في مناصب ضرورية للمؤسسة
ولديهم الخاصية المطلوبة .
2)الموظفون القابلون للتحويل الموظفون الاضافيون الذين يمكن تشغيلهم في وظائف اخرى دون جهد تكويني كبير .
3)الموظفون القابلون لاعادة التأهيل الموظفون الاضافيون الذين يمكن تشغيلهم في مناصب
اخرى بعد عملية تكوين خاصــة.
4 ) الموظفون القابلون للتسريح موظفون زائدون ولاتتوفر فيهم الشروط الثلاثة السابقة
او تكون كلفة ادماجهم عالية جدا بالنسبة للمؤسسة .

بالنسبةللموظفبين(1)و(2)يجب تشجيعهم للبقاء في المؤسسةواعطائهم الامكانيات اللازمةلذلك.
الموظفون (3) يتم ادماجهم حسب رغباتهم وقبولهم لعملية التكوين واعادة التأهيل .
اذالم تتوفر فيهم الرغبة فان العملية تعود بالخسارة على المؤسسة .
الموظفون (4) يجب تشجيعهم على مغادرة المؤسسة بعد الأخد بعين الاعتبار كل الجوانب الاجتماعية والنفسية

تحضير الموظفين للتغيير :

الأهم في هذه العملية هو خلق قنوات اتصال دائمة مع الموظفين واحساسهم رغم كل شئ ان المؤسسة تحمي مصالحهم . لذا فان الموظف يجب ان يعتبر التغيير فرصة للترقية المهنية , والتكوين والتطوير . يجب التركيز كذلك علىالجانب الاقتصادي الذي يعود في آخر الأمر بالفائدة للإنسان العامل بالمؤسسة ( أجور أحسن وحياة اجتماعية أفضل الخ ....) .

الخلاصــة :

المقاربة الجديدة لتسيير الموارد البشرية داخل مؤسســة عصرية , تكمن في وضع العنصر البشري في مركز كل استراتيجية تطور .
التحولات الجديــدة المسجــلة في قطاع الاتصــالات تستلزم على المؤسسات المعاد هيكلتها مواجهة التحديات الجديدة ( المنافسة, ادخال خدمات جديــدة , جلب الزبائن الخ ..) بتكييف مناهج تسيير مواردها البشرية بكيفية مجندة لكافة الموظفين http://grh-management.blogspot.com/2011/03/blog-post_21.html

hano.jimi
2011-09-16, 11:46
ياء 17:
تسيير الموارد البشرية
مقدمة
مبحث اول: تعريف الموارد البشرية
مطلب اول: نشأة الموارد البشرية
مطلب ثاني: تعريف الموارد البشرية
مبحث ثاني: تسيير وظيفة الموارد البشرية
مطلب اول: مفهوم تسيير وظيفة الموارد البشرية
مطلب ثاني: وظائف تسيير الموارد البشرية
مبحث ثالث: الأهداف والعوامل المؤثرة على تسيير وظيفة الموارد البشرية
مطلب اول: اهداف تسيير وظيفة الموارد البشرية
مطلب ثاني: العوامل المؤثرة على تسيير وظيفة الموارد البشرية
خاتمة

مقدمة:
إن المنافسةَ الشرسة بين الشركات الإقليمية والمحلية بشكل عام، والعالمية العملاقة العابرة للقارات، ومتعددة الجنسيات بشكل خاص، فَرَضت منذ عقود زمنية قليلة وتحديداً بعد ظهور مصطلح العولمة للوجود على هذه الشركات الاهتمامَ بالاستثمار في تنمية الموارد البشرية، إذ أصبح يقيناً لديها أن العنصرَ البشريَّ لا يمكن أن يُستبدل بالتكنولوجيا مهما تطورت وتقدمت، فالعنصرُ البشري هو المفكِّر، وهو المبدعُ، وهو المبتكر، وهو المطور، ولكي تتمكن هذه الشركات من زيادة حصتها في الأسواق، أو المحافظة على حصتها السوقية على أقل تقدير فلا بد لها من تقديم منتجاتٍ ذات جودة عالية، وميزات خاصة، تُرضي من خلالها طُموحَ المستهلكين.. وأيقنت هذه الشركاتُ أنَّ هذه الجودةَ، وتلك المميزات الخاصة لن تتحقق بالتكنولوجيا وحدها، بل بفكرٍ ومهارة وفاعلية وسواعد العناصر أو الموارد البشرية، ومن ثم فإن زيادةَ حصة الشركات أو المنظمات في السوق، وبالتالي زيادة أرباحها، لن يتأتى إلا من خلال زيادة الاستثمار في العنصر البشري، الذي يساعد بشكل مباشر وغير مباشر على تحقيق زيادة الأرباح..
ونود في هذه الدراسة أن نلقي الضوءَ على الإدارة التي تهتمُّ بالعنصر البشري في أية منظمة (شركة، أو منشأة... الخ) ألا وهي إدارة الموارد البشرية.. نشأتها وتطورها، وتحديد طبيعة عمل هذه الإدارة، وهل هناك اختلافٌ بين دور إدارة الموارد البشرية في الحاضر ودورها في الماضي، أو بين أدوارها المعاصرة والتقليدية، أو بين دورها في الدول المتقدمة ودورها في الدول النامية، فضلاً عن بيان هدف إدارة الموارد البشرية، وما البعدُ الاستراتيجي لهذا الهدف؟ وهل العمل في إدارة الموارد البشرية يتطلب عنصراً بشرياً مؤهلاً ومحترفاً؟!

مبحث اول :التعريف بالموارد البشرية
مطلب اول: نشأةُ وتطور وظيفة الموارد البشرية:

إنَّ تاريخ وظيفة الموارد البشرية يرجعُ إلى قرنين من الزمان تقريباً، إلى عصر الثورة أو النهضة الصناعية، إذ بدأ التفكير في أهمية العنصر البشري، فبدأت الشركات والمنظمات الصناعية بإنشاء إدارات خاصة بالموظفين، تبحث في شؤونهم وتعتني بكل ما يتعلق بهم.. وسميت هذه الإداراتُ بمسميات مختلفة؛ منها: إدارة شؤون العاملين، إدارة شؤون الموظفين، إدارة الأفراد... إلخ.
ومع اختلاف النظرة إلى العنصر البشري باختلاف تطور النظريات والمدارس الإدارية على مر العقود الزمنية، إلا أن هذا الاختلافَ لم يمنعِ التطورَ الموازيَ في الاهتمام بالعنصر البشري.. حتى ظهر مصطلحُ إدارة الموارد البشرية في بداية الستينيات من القرن العشرين، وظهور هذا المصطلح مَثَّل نقطة البداية لظهور مدرسة الموارد البشرية..! ومع ذلك استقر على تسمية الإدارة التي تهتم بالموظفين "إدارة الأفراد".. حتى عام 1980م تقريباً فغير مسمى "إدارة الأفراد" إلى "إدارة الموارد البشرية"، وإنَّ هذا التغييرَ لم يكن في المسمَّى فقط، ولكن كان في المضمون أيضاً، فدور إدارة الأفراد كان محصوراً في تنفيذ سياسات الموارد البشرية التي تضعها الإدارةُ العليا في المنظمة، أما دور إدارة الموارد البشرية فقد امتد إلى التخطيط والتنفيذ معاً في آن..! وبهذا أصبح لإدارة الموارد البشرية استراتيجيةٌ تخطيطية وتنفيذية خاصة بها.. تعمل من خلالها على تحقيق الاستراتيجية الأم للمنظمة، وأصبح مدير إدارة الموارد البشرية أحدَ أعضاءِ بل من الأعضاء المؤثرين الإدارة العليا، الذين يرسمون السياسات، ويتخذون القرارات الاستراتيجية في المنظمة..
وأصبح الأفرادُ العاملين في إدارة الموارد البشرية من المتخصصين، فهم إخصائيون لهم دراسات خاصة، وقد احترفوا العملَ في مجال إدارة الموارد البشرية، وكان لتغير الدور بين إدارة الأفراد وإدارة الموارد البشرية الأثرُ الكبيرُ في توجه العديد من الجامعات الكبرى آنذاك إلى تغيير مسمى إدارة الأفراد إلى "إدارة الموارد البشرية

مطلب ثانى: تعريف الموارد البشرية
" إن الموارد البشرية هي المحور الأساسي الذي تدور حوله التنمية في كل المستويات و الوسيلة المحركة التي تحقق أهدافها "
تعتبر الموارد البشرية موردا و استثمارا بالنسبة إلى المنظمة ، و لكي تستطيع استخدام و استغلال و تنمية هذا الاستثمار فعليها تسييره ، بمعنى أنه يتطلب تخطيط و تنظيم و توجيه و تقييم مثلما يتطلب ذلك استخدام العوامل المادية للإنتاج .
إن الموارد البشرية كما سبق القول يجب تخطيطها و تنظيمها و تقييمها ، بمعنى أنه يجب تسييرها
و قد تعني الموارد البشرية جميع سكان الدولة المدنيين منهم و العسكريين ، و يدخل في حكم ذلك الذين يعملون لقاء اجر و المرأة غير العاملة و المحالون على المعاش و ذوي العاهات و المتعطلون ( القادرون و الراغبون و المستعدون للعمل ) لكن لا يجدون عملا ، و الأطفال و جميع من تضمهم مراحل التعليم المختلفة
. الأفراد المختلفون :
بمعنى أنه إذا توجهنا للعمل و نظرنا إلى الناس لوجدناهم مختلفون في الظاهر و الباطن ، الظاهر يشير إلى أننا مختلفون في ملامحنا و أعمالنا و خبراتنا و تعليمنا و جنسنا ، و الباطن يشير إلى أننا مختلفون في قدراتنا العقلية و طريقة فهمنا و إدراكنا للأمور و في طريقة تعلمنا و اكتسابنا للقدرات و المهارات ، و في مشاعرنا و حتى في اتجاهاتنا النفسية و تفضيل الأشياء ، فهذه الاختلافات كلها توضح كيف أن سلوكنا مختلف عن بعضنا البعض ، و يختلف الناس أيضا في صفاتهم و تكويناتهم الشخصية و مزاجهم ، حتى في الاهتمامات و الميول المهنية نلمس الفروقات كذلك ، و في تفضيلهم للعمل ، كما نجد أيضا اختلاف في الدوافع فالبعض مدفوع ماليا و البعض الآخر اجتماعيا ، و الآخر نحو الشعور بالتقدير و تحقيق الذات ، و كذلك يمكن القول أن مهارات الاتصال الحديث ، المناقشة ، التفاوض ، الإقناع و الابتكار و التأثير في الآخرين تختلف جميعا من شخص لآخر .
الوظائف المختلفة :
تختلف الوظائف من حيث طبيعة النشاط ( إدارية ، مالية ، تسويقية ،... ) ، و تختلف أيضا من حيث النوعية ، الحجم و عظم المسؤولية الملقاة على عاتقها ، و كذلك من حيث المواصفات المطلوبة لأدائها : التعليم ، الخبرة ، المهارة ، التدريب ، ... الخ ، و تختلف أيضا ظروف أدائها من حيث ظروف العمل المادية ، من إضاءة و حرارة و رطوبة و غيرها .
فمنها من يناسب أشخاصا معينين و منها من يناسب أشخاص آخرين و بالتالي يتطلب الأمر تحليل الوظائف قبل شغلها بالإفراد .
و تعددت التعاريف المقدمة في الموارد البشرية ، و نذكر منها
" هي دراسة السياسات المتعلقة بالاختيار و التعيين و التدريب و معاملة الأفراد في الأفراد في جميع المستويات و العمل على تنظيم القوى العاملة في المؤسسة ، و زيادة ثقتها في عدالة الإدارة و خلق روح تعاونية بينها للوصول بالمؤسسة إلى أعلى طاقاتها الإنتاجية "
. " هي الإدارة المتخصصة بكل الأمور المرتبطة بالعنصر البشري في المنظمات ، من البحث عن مصادر القوى البشرية و اختيارها ، تصنيفها و تدريبها ، و تهيئة المناخ الإنساني الملائم الذي من شانه أن يدفع إلى بذل أقصى طاقاتهم داخل المنظمات " .
" وظيفتها تتمثل في اختيار العاملين ذوي الكفاءات المناسبة و تسيير جهودهم و توجه طاقاتهم و تنمي مهاراتهم و تحفز هؤلاء العاملين و تقييم أعمالهم و تبحث مشاكلهم و تقوي علاقات التعاون بينهم زو بين زملائهم و رؤسائهم و بذلك تساهم في تحقيق الهدف الكلي للمنظمة من حيث زيادة الإنتاجية و بلوغ النمط المطلوب للأعمال و الأفراد "
. تعنى الموارد البشرية اليوم بجانب كبير من الأهمية نظرا لقربها من جميع أوجه النشاط الإنساني ، فالإدارة تعمل على تحديد و تحقيق الأهداف و بالتالي تقوم بالتجميع الفعال لمهارات و كفاءات الأفراد ، مع استخدام كافة الموارد المادية ، فهي تطبق على الجماعة و ليس على الفرد .
أولا: خطوات في تزويد المنظمة بالموارد البشرية
- يتبع المسيرون أربع خطوات متتالية من أجل تزويد المنظمة بالموارد البشرية لتعبئة الوظائف الشاغرة, وهذه الخطوات :
1) الاستقطاب . 2) الاختيار 3) التكوين . 4) تقييم الأداء .
1. الاستقطاب : هو عملية اكتشاف مرشحين محتملين للوظائف الشاغرة الحالية أو المتوقعة في المنظمة .
2. الاختيار : هو عملية تتكون من سلسلة من الخطوات المرتبة ترتيبا منطقيا لتنتهي بتعين أفضل المرشحين للمناصب الشاغرة .
3. التكوين : هو عملية تعلم سلسلة من السلوك المبرمج والمحدد مسبقا .
4. تقييم الأداء : تقييم الأداء هو قياس أداء الفرد لوظيفة في المنظمة.

مبحث ثاني: تسيير وظيفة الموارد البشرية


مطلب اول: مفهوم تسيير وظيفة الموارد البشرية
قبل التطرق إلى تسيير الموارد البشرية ووضيفتها نقوم بتعريف :
- التسيير .
- تسيير الموارد البشرية
الفرع الأول : تعريف التسيير
" التسيير هو تدبير شؤون الناس و قيادتهم و توجيههم و تنظيمهم بغية تمكينهم من تنفيذ الخطط الموضوعية لهم بهدف المحافظة على كيانهم و استمرار وجودهم " . التسيير هو عملية تنفيذ الأنشطة مع الأفراد ، و تسيير هذه العملية إلى أنشطة التخطيط و التنظيم و القيادة و التقييم التي يجب القيام بها لتحقيق الأهداف .
إن أي تعريف للتسيير يجب أن يتضمن ثلاثة عوامل مشتركة و هي الأهداف ، الأفراد و الموارد المتاحة المحدودة ، و بالرجوع إلى تعريفنا للتسيير فالأهداف هي الأنشطة المنفذة ، و الموارد المحدودة متضمنة في كلمة كفاءة ، و الأفراد هم الأشخاص أو الموظفون
الفرع الثاني: تعريف تسيير الموارد البشرية
1." إن تسيير الموارد البشرية هو التسيير الذي يقوم بشؤون الاستخدام الأمثل للموارد لبشرية على جميع المستويات بالمنظمة , قصد تحقيق أهداف هذه الأخيرة "
. إن بقاء أي منظمة يتطلب وجود مسيرين وأفراد متمكنين يقومون بتنسيق جهودهم وتوجيهها لتحقيق غاية عليا مشتركة .
- إن الحصول على الموارد البشرية وتنميتها وتحفيزها وصيانتها يعتبر ضروري لإنجاز أهداف المنظمة.

مطلب ثاني: وظائف تسيير الموارد البشرية
تتمثل أهم وظائف تسيير الموارد البشرية في الآتي :
- الرقابة على ظروف العمل وتسيير الخدمات الخاصة بالأفراد , وإعداد السجلات المرتبطة بهم وتتبع حياتهم الوظيفية .
-الإشراف على موازنة الأجور المرتبات والحوافز والمكافآت والعلاوات .
-العمل على حل مشاكل الأفراد في كافة مجالات العمل ، وتقرير و تنفيذ لسياسة التسيير في مجال شؤون الأفراد .
-اعتماد عقود العمل والأوامر الإدارية الخاصة بالجزاءات في حدود اللوائح المعمول بها
-التنسيق مع كافة المنظمات في قطاعات العمل الأخرى ، فيما يتعلق بتسيير العنصر البشري ورعايته اجتماعيا وصحيا ومهنيا , بما يكفل تكوين قوة عمل راضية ومنتجة .
-تطبيق إجراءات الإعلان عن الوظائف الشاغرة , وكل ما يتعلق بعمليات الاختيار ، التعيين وتكوين الأفراد .
-تلقي شكاوى ومقترحات الأفراد ، ودراستها والرد عليها .
-الاعتراف على تنفيذ القرارات المتعلقة بالترقيات و تنظيم عمليات حضور وانصراف الأفراد ، و على إعداد وتنظيم النماذج والسجلات المرتبطة باستخدام الأفراد وتقدير كفاءاتهم .
-القيام بالدراسات الخاصة بتحليل سياسات تسيير الموارد البشرية ولوائح استخدامها والخاصة ببحوث الأفراد بما يساعد على :
- تنسيق التنظيم وتحديد تفصيلات الهيكل التنظيمي .
- اكتشاف وسائل أفضل لرفع القدرة الإنتاجية للمنظمة , وتحقيق أهدافها في مجال الأرباح .

إن تسيير الموارد البشرية يجب النظر إليها وظيفة تتكون من أربعة مهام رئيسية :
• توظيف الأفراد : و تبدأ بتخطيط القوى العاملة و يتضمن التوظيف أيضا أنشطة الاستقطاب و الاختيار و التوجيه للأفراد .
• تنمية الأفراد : يمكن النظر إليها من بعدين :
- بعد يتعلق بالفرد الذي يخص بالتكوين .
- بعد يتعلق بالمسير الذي يختص بالتعليم .
• تحفيز الأفراد : و ذلك من خلال أنظمة الأجور و الحوافز .
• المحافظة على الأفراد : تهتم هذه الوظيفة بتوفير مزايا و خدمات و ظروف عمل ، يرى الأفراد أنها ضرورة للمحافظة على التزاماتهم تجاه المنظمة

مبحث ثالث: الأهداف والعوامل المؤثرة على تسيير وظيفة الموارد البشرية
المطلب الاول: أهداف تسيير الموارد البشرية
تتمثل أهم أهداف تسيير الموارد البشرية فيما يلي :
أولا : التعرف على حاجات و رغبات الأفراد والعمل على إشباعها, بما يولد لديهم الحافز على الإنتاج , و يتطلب ذلك ما يلي :
- معرفة احتياجات الأفراد و رغباتهم قبل التخطيط لإدخال التغيرات في المنظمة .
-مشاركة الأفراد للمنظمة في تحمل المسؤولية و مواجهة مشكلات العمل الحقيقية وحلها
ثانيا : الارتفاع بكفاية أداء الأفراد ، كالإلزام المعنوي اتجاههم ومسؤولية اجتماعية للمنظمة.
ثالثا : تنمية الفهم والمهارة الأساسية في العلاقات الإنسانية لدى المسيرين , بما يساعد على تحقيق التناسق في الأداء وتنمية العمل الاجتماعي كفريق .
رابعا : تقدير وتدبير احتياجات المنظمة من القوى العاملة و تطبيق سياسات تسيير الموارد البشرية من اختيار وتعيين وتكوين و أجور ومرتبات , ووضع نظم الحوافز , وتقييم كفاءة الأفراد حتى يتحقق الاستخدام الأمثل الموارد البشرية .
خامسا : تخطيط التنظيم بما يكفل تحقيق أهداف المنظمة والأفراد وفقا لمرحلة النمو التي تمر بها ، وفتح فرص الترقية أمام الأفراد.
سادسا : تنمية مهارات المنظمة في مجال المحافظة على العنصر البشري ، و التأثير الإيجابي في سلوك الأفراد .
سابعا : ممارسة العلاقات العامة وتنمية الصلة ة الترابط بين الأفراد و المنظمة من خلال البرامج الترفيهية و الخدمات الصحية والاجتماعية والثقافية المختلفة .
ثامنا : بحوث الأفراد , وتقييمها يرفع الروح المعنوية لديهم .
تاسعا : المشاركة في وضع وتطبيق سياسات تسيير الموارد البشرية وما يرتبط بها من نظم ولوائح وإجراءات عمل .
: مطلب ثاني: العوامل المؤثرة على تسيير الموارد البشرية

إن العوامل التي كان لها تأثير على تسيير الموارد البشرية عديدة , ولكننا سنركز على أربعة عوامل أساسية هي كالتالي : مطلب ثاني: العوامل المؤثرة
1.العوامل الاقتصادية
إن حالة الاقتصاد الوطني والظروف المحيطة به تؤثر على الموارد البشرية , لأن المنظمات تتجه إلى التوسع في النشطة الخاصة بتسيير الموارد البشرية في فترات الرواج , وتقلصها فترات الكساد .
ونجد من ناحية أخرى أن الارتفاع المستمر لمستوى المعيشة في المجتمع , كان له تأثير كبير على الممارسات الخاصة للموارد البشرية , بالذات من ناحية تطور المداخيل الأفراد .
2.العوامل القانونية
إن النصوص القانونية والأحكام القضائية والقرارات الإدارية كان لها جوهريا على تسيير الموارد البشرية .
إن تسيير الموارد البشرية انتقلت من مجال يحكمه مبدأ "دعه يعمل أتراكه يمر" إلى مجال آخر مقيد بالقوانين , كالحد الأدنى للأجور , والحد الأقصى لساعات العمل , وكل السياسات المتعلقة باستقطاب الأفراد ومقابلتهم واختيارهم , وتكوينهم , وتقييمهم .
3. العوامل الاجتماعية
إن المجتمع قد تعرض لتطور كبير فيما يتعلق بتركيبه الطبقي والاتجاهات والقيم السائد فيه , وكذلك بأحداث رئيسية غيرت من مجريات الأمور داخل المجتمع .
لقد تعرض المجتمع خلال القرن العشرين لتغيرات جوهرية في أسلوب معيشته , وأسلوب تفكيره فيما يخص توسيع فكرة دور الحكومة بتسيير شؤون أفرادها.
4. العوامل التكنولوجية
إن التقدم التكنولوجي الذي حدث كان مذهلا , فقد وصف التقدم الذي حدث والتغيرات الجذرية للموارد البشرية كنتيجة لتغير حاجات ومتطلبات المنظمة والتوسيع المستمر في التكنولوجيا وزيادة الاعتماد على الحسابات الكترونية .


خاتمة
إن
وظيفة تسيير الموارد البشرية واسعة البحث , فهي تتطور مع الزمن ولها صلة
بالمحيط فنجاح المؤسسة يتوقف على حسن توظيف العمال وتخطيطهم وتنظيمهم ،
وهذه المسؤولية هي التي توكل لإدارة الموارد البشرية وتجعلها تحتل المكانة
الإستراتيجية داخل تركيبة المنظمة



بالتوفيق.
ضياء 17

انسان عندو أخلاق:


آلسلآم عليكم ..

هذه روابط أيضآآ أتمنى ان تساعدك في بحثك ..

http://www.4shared.com/file/Lx7QEKLg/________.htm

http://www.4shared.com/file/NbRMjjrr/____.htm

http://www.4shared.com/file/uTU-mdNW/____.htm

http://www.4shared.com/file/uTU-mdNW/____.htm

http://www.4shared.com/file/coxnttQZ/_____--__.htm


بالتوفيق لك

هذامر
جع الذي استخذمته ..http://forum.univbiskra.net/index.ph...c=21979.0;wap2

hano.jimi
2011-09-16, 13:14
طلب مساعدة

اصدقائي الطلاب و الاعضاء الكرام أن اليوم بحاجة الى مساعدتكم حيث أحتـــــاج الى معلومــــات تفيدنــــي في اعداد

مذكرتــــــي " مستار في الفلسفــــة " حيث اخترت عنوان لمذكرة بعنوان " المثالية عند افلاطون واثرها على فكر

الفارابي " لكن المشكلة اني لم اجد معلومات كافية " و انا بأمس الحاجة اليكم يا اصدقائي الطلاب و الاعضاء الكرام

+ لدي موضوع اخر اخترت احتيــاطا و هذا اذا لم اجــد معلومــــات في العنوان السابــقة لذا اطلب منكـم المساعدة في

العنوانين


مجمل القول ان احتاج الى ان تفيدون بمعلومات خاصة بـــــــــ

عن الفلسفة الجمالية ماهيتها الياتها خصائصها

المثالية عند افلاطون واثرها على فكر الفارابي
عن طريق توحيد الفكر لذلك سنجده يحاول التوحيد بين الأمة (الشريعة) والفلسفة في كتاب الحروف [10] وسيحاول أن يجمع بين رأي الحكيمين : أفلاطون وأرسطو في كتاب الجمع بين الحكيمين [25]، وسنجده أيضا عكس الكندي يحاول أن يدخل العرفان أو الغنوص في منظومته الفكرية فيقبل نظرية العقول السماوية والفيض لكن العرفان لا يتحقق عند الفارابي بنتيجة النفس والتأمل بل المعرفة والسعادة (الصوفية العرفانية) هي نتيجة المعرفة عن طريق البرهان. وكما في نظرية الإفلاطونية المحدثة : العقل الأول الواجب الوجود لا يحتاج شيئا معه بل يفيض وجوده فيشكل العقل الثاني فالثالث حتى العقل العاشر التي يعطي الهيولى والمادة التي تتشكل منها العناصر الأربعة للطبيعة : الماء والهواء والنار والتراب. والدين والفلسفة يخبراننا الحقيقة الواحدة فالفلسفة تبحث وتقرر الحقائق والدين هو الخيالات والمثالات التي تتصور في نفوس العامة لما هي عليه الحقيقة، وكما تتوحد الفلسفة مع الشريعة والملة كذلك يجب أن تبنى المدينة الفاضلة على غرار تركيب الكون والعالم بحيث تحقق النظام والسعادة للجميع. هذا كان حلم الفارابي المقتبس من فكرة المدينة الفاضلة لأفلاطون [26].
[عدل]كتاب الحروف
يحتل كتاب الحروف للفارابي أهمية خاصة بين أعماله ويعتبر الكتاب بحثا في الفلسفة الأولى، إضافة إلى نقاش علماء اللغة والكلام حول الكثير من الإشكاليات التي كانت تتعلق أساسا بعلاقة اللغة والمنطق وإشكالية اللفظ/المعنى عن طريق محاولة استنتاجية منطقية لتأسيس مفهوم الكلي وتشريع دور المنطق في البيئة الإسلامية التي كانت رافضة لها. يحاول الفارابي بداية شرح كيفية تكون المعرفة بدءا من الإحساس فالتجربة فالتذكر فالفكرة من ثم نشأة العلوم العملية والنظرية [27]. وبين الفكرة ونشأة العلوم يضع الفارابي مرحلة نشوء اللغة : فبعد تولد الفكرة عند الإنسان تأتي الإشارة ثم التصويت (إخراج أصوات معينة) ومن تطور الأصوات تنشأ الحروف والألفاظ (و يختلف النطق حسب الجماعات البشرية وفيزيولوجيتها وبيئتها) وهكذا تتشكل الألفاظ والكلمات : المحسوس أولا ثم صورته في الذهن ثم اللفظ المعبر عنه. في مرحلة لاحقة تتكون العبارات والتعابير من دمج الكلمات والألفاظ لتعبر ليس فقط عن الأسياء بل عن العلاقات التي تربط بينها. الفارابي هنا يستخدم أسلوب برهانيا ليحدد العلاقة بين اللفظ والمعنى ويقرر أسبقية المعنى على اللفظ (مخالف بذلك لمدرسة أهل الكلام الذين يعطون الأسبقية للفظ على المعنى). وبنفس السياق أيضا يقرر أن نظام الألفاظ (اللغة) هي محاولة لمحاكاة نظام الأفكار (في الذهن) وما نظام الأفكار في الذهن إلا محاولة لمحاكاة نظام الطبيعة في الخارج من علاقات بين الأشياء الفيزيائية المحسوسة [28]. إضافة إلى ذلك فقد تقرر نتيجة تحليل الفارابي أن هناك نظامين : نظام للألفاظ يحاول محاكاة ترتيب العلاقة بين المعاني في النفس، ونظام آخر مستقل للمفهومات والمعقولات تحاول محاكاة ترتيب الأشياء الحسية في الخارج الفيزيائي. ومن هنا ضرورة وجود علمين : علوم اللغة أو علم اللسان الذي يعنى بصر ألفاظ اللغة وعلاقاتها مع مدلولاتها ومعانيها. وعلم المنطق الذي يعنى بترتيب العقل للمفاهيم وطرق الاستنتاج السليم للقضايا من البدهيات أي قواعد التفكير السليم.
يلي ذلك حسب ترتيب الفارابي مرحلة جمع اللغة وصون الألفاظ من الدخيل والغريب ثم تقنين اللغة عن طريق وضع القواعد التي تضبط طريقة كتابتها ونطقها (نشأة علوم النحو)، وهكذا تتطور ما يمكن تسميته بالعلوم العامية.
يترافق ذلك مع تطور للعلوم العملية من قياس وتقنية، ومن ثم سيتلو ذلك نشأة العلوم القياسية التي تعرف بالعلوم الطبيعية، هي العلوم بحق ضمن المفهوم الأرسطي الذي يتبناه الفارابي أيضا أي علوم الرياضيات والمنطق ولأسلوب القياسي الاستنتاجي. فتتميز الطرق الاستدلالية : الخطبية والجدلية والسفسطائية والاللهمية (الرياضية) وأخيرا البرهانية ويتضح أن المعرفة اليقينية تنحصر في الطرق البرهانية، وهكذا تتشكل الفلسفة ليليها بعد الذلك نشأة الشريعة أو الدين أو بمصطلح الفارابي الملة فحسب الفاربي : الفلسفة يجب أن تسبق الملة وما الملة (الشريعة) إلا وسائل خطبية للجمهور والعوام لنقل الحقائق التي نتوصل لها عن طريق الفلسفة [25].
لكن في بعض الحالات (و يقصد هنا حالة الأمة الإسلامية) لا تتشكل الفلسفة في مرحلة مبكرة بل يتشكل الدين بشكل مسبق ومن هنا يحصل التعارض بين تأويلات الدين وتاوبلات الفلسفة وواجب الفلاسفة تبيين الحقائق بحيث يبدو ما تقرره الملة ليس إلا مجرد مثالات لما تقرره الفلسفة [29].
[عدل]دور الثقافة الشيعية

لاقت محاولة الفارابي لتفسير النشوء في الفلسفة اليونانية والتي كانت مختلفة نوعا ما عن فكرة الخلق قبولا وتعاطفا من قبل الصوفية والإسماعيليين الذين تمكنوا من تشكيل كيان سياسي لهم في تونس وقاموا بتأسيس الدولة الفاطمية عام 909 والذي كان معارضا للخلافة السنية في بغداد وفي عام 973 إمتد نفوذ الإسماعيليين إلى القاهرة وقاموا ببناء جامع الأزهر [30].
بدأ الفكر الإسماعيلي بالاقتناع بأن الإمام الشيعي هو بطريقة ما عبارة عن ظل الله في الأرض وكانت هناك قناعة بان الرسول محمد بن عبد الله عهد بالعلم الحقيقي إلى علي بن أبي طالب وسلالته من بعده وتم تسمية هذا العلم المتوارت "النور المحمدي". كان الفكر الإسماعيلي يعتقد إن الفلسفة تركز فقط على الجانب العقلي والمنطقي في الدين ولاتعير اهتماما إلى الجانب الروحي ولهذا نشأ تيار يركز على فهم المعاني الدفينة للقرآن وسمي هذا العلم علم الباطن وبدلا من استعمال العلم والقياسات لفهم العالم الخارجي استعمل الإسماعيليون تلك الوسائل لفهم التفكير الداخلي الباطني للإنسان [31].
قام الإسماعيليون بدمج بعض الأفكار الزردشتية مع الإفلاطونية المحدثة لتوضيح فكرتهم الفلسفية التي كانت عبارة عن فكرة قديمة نوعا ما ومفاده ان الحياة أو الحقيقة أو الأعمال اليومية لها وجهان وجه نراه في الحياة الدنيا ووجه خفي يقع في السماوات العلى وعليه وحسب هذا المفهوم فإن اي صلاة أو دعاء أو زكاة يقوم به الإنسان في هذه الحياة هي في الحقيقة نسخة مشابهة لنفس تلك الفعاليات في السماء العلى مع فرق مهم وهو ان نسخة السماء العلى هي الخالدة وذات ابعاد حقيقية وإن السماء العلى نفسها هي أكثر حقيقية من الحياة الدنيا [32].
من الجدير بالذكر ان فكرة بعدي الحياة الدنيا والسماء العلى كانت فكرة إيرانية قديمة تركها الفرس عندما إعتنقوا الإسلام ولكن الإسماعيليين أعادوها للحياة ودمجوها مع فكرة النشوء اليونانية وتحليل الفارابي القائلة إن الإنسان بالرغم من منشأه على هذه الأرض فإنه امتداد لسلسلة من أطوار النشوء التي بدأت من المصدر إلى السماء العلى إلى الكواكب الشمس القمر وإن الإنسان له القدرة بأن يزيل اتربة هذه التراكمات من النشوء لكي يرجع إلى الخالق الأولي
كانت السماوات العشر التي تفصل الإنسان عن الله حسب المفهوم الإسماعيلي مرتكزة على الرسول محمد وأئمة الشيعة السبع حسب الإسماعيلية (علي، الحسن، الحسين، علي زين العابدين بن الحسين ،محمد الباقر بن علي ،جعفر الصادق بن محمد، إسماعيل بن جعفر الصادق)، ففي السماء الأولى كان الرسول محمد وفي السماء الثانية علي بن أبي طالب، وبعد الأئمة السبع وأخيرا وفي السماء الأقرب إلى الأرض كانت فاطمة ابنة الرسول محمد[33]. وكان هذا بالطبع مخالفا لفكرة أرسطو وتحليل الفارابي لتلك الفكرة حيث كانت الفلسفة اليونانية تؤمن إن هناك "الأول" ومن هذا الأول نشأ "الثاني"الذي إتصف بالذكاء ونتيجة لقدرة الثاني على استيعاب فكرة الأول نشأ "الثالث" ومن الثالث نشأ "السماء العلى" ومنه نشأت النجوم والكواكب والشمس والقمر ومنه اتى العاشر والأخير الذي كان بمثابة جسر رابط بين الحياة الدنيا والسماء العلى [24]
[عدل]علم الباطن

تعتبر الباطنية فرقة من فرق الشيعة ويطلق عليه أيضا القرمطية أو القرامطة والإسماعيلية وكانوا يأمنون حسب تعبيرهم ان "لكل ظاهر باطنا والظاهر بمنزلة القشور والباطن بمنزلة اللب المطلوب" ويعتقد ان لفظة الباطنية ظهرت مع ميمون بن ديصان الأحوازي الذي إختاره جعفر الصادق وصيا على حفيده محمد بن إسماعيل [34]
كانت الفكرة الرئيسية لعلم الباطن هو معرفة الأبعاد الخفية للدين وتم التكثيف من استعمال الرموز التي حسب اعتقاد الإسماعيليين أظهرت حقائق عميقة لم يتمكن الحواس اوالمنطق من إدراكها. كانت الوسيلة الرئيسية هي التأويل والذي كان باعتقادهم سوف يرجع بهم إلى لحظة الوحي بالتالي إلى اللوح المحفوظ [35]. حاول الفيلسوف الفرنسي هينري كوربن (1903 - 1978) توضيح فكرة التأويل حيث كان كوربن مهتما بتاريخ ودور الثقافة الشيعية فقال كوربن ان التأويل يمكن تشبيهه بالتناغم في الموسيقى حيث كان الإسماعيليون يزعمون إنهم قادرون على سماع عدة مستويات عند سماعهم لآية قرآنية وكانوا يحاولون سماع الصدى الفردوسي بالإضافة إلى الكلمات المجردة [36]
طرح المفكر الإسماعيلي أبو يعقوب السجستاني (توفي عام 971) نظريته حول أفضل وسيلة لمعرفة كينونة وماهية الخالق الا وهي وسيلة نفي النفي، على سبيل المثال يبدأ المرء بالقول إن الله ليس كينونة وإن الله ليس بعالم كل شيء ثم يبدأ المرحلة الثانية وهي نفي هذا النفي بقول ان الله ليس ليس كينونة وإن الله ليس ليس بعالم كل شيء. كانت الفكرة الرئيسية من هذا الطرح هو محاولة إظهار ان اللغة الإنسانية غير قادرة على وصف طبيعة الخالق [37]
بعد السجستاني حاول المفكر الإسماعيلي حميد الدين كرماني (توفي عام 1020) يوضح أهمية إسلوب نفي النفي في بعث الطمأنينة الداخلية إذا تم استعمالها بحكمة وإنها ليست عبارة عن خداع عقلي بل محاولة لتنوير الباطن [38]. من الجدير بالذكر ان فلسفة نفي النفي يتم استعمالها بكثافة لحد هذا اليوم وخاصة في مجال البحوث الإحصائية العلمية حيث يبدأ الفرضية عادة بنفي ثم يتم نفي هذا النفي، على سبيل المثال يبدأ باحث ما بدراسة علاقة التدخين بالسرطان فيبدأ من فرضية انه لاعلاقة بين التدخين السرطان وتدريجيا من خلال الأرقام والأحصاءات يتم نفي هذا النفي. كانت لمدرسة الفكر الباطني والفكر الإسماعيلي أعظم الأثر في نشوء حركة إخوان الصفا الفلسفية لاحقا.
[عدل]إخوان الصفا
http://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%81%D9%84%D8%B3%D9%81%D8%A9_

hano.jimi
2011-09-16, 13:19
الالمشاركة الأصلية كتبت بواسطة halim_1987 ا
لفارابي بين أفلاطون وأفلوطين - د. عدنان أبو عمشة (1)

مقدمة:‏

تهتم هذه الدراسة بمتابعة موضوعات فلسفية تناولها ثلاثة من الفلاسفة الأساتذة، عاشوا في عصور مختلفة، ولكنهم واجهوا مشكلات فلسفية اجتماعية متشابهة، فطرحوا لها حلولاً متشابهة.‏

ونظراً لاتساع الموضوعات التي تناولها كل فيلسوف منهم، خلال تقويمه لمذهبه الفلسفي، الأمر الذي يصعب على دراسة محدودة الأغراض الإحاطة بها، وإيفاؤها بما تستحقه من اهتمام ودراسة. وبما أن فلسفة الفارابي، في الأساس، هي محور هذه الدراسة الرئيس، لذلك سنقتصر على تناول الموضوعين التاليين:‏

1 بيان أثر جمهورية أفلاطون في آراء أهل المدينة الفاضلة، للفارابي.‏

2 بيان مدى التشابه بين نظرية الفيض لدى كل من أفلوطين والفارابي.‏

وقبل البدء بتقديم هذين الموضوعين تبدأ الدراسة بتقديم الفلاسفة والتعريف بهم، وفقاً لزمن ظهورهم، على النحو التالي:‏

أفلاطون.‏

أفلوطين.‏

الفارابي.‏

1 أفلاطون:‏

ولد أفلاطون في العام 428 ق.م لأسرة تميزت بالنسب العريق، ونشأ نشأة شباب أثينا الأرستقراطي، وتعلم على السوفسطائيين وسقراط (2).‏

أسس أفلاطون مدرسة في بستان "أكاديموس" فسميت بالأكاديمية التي جاء تأسيسها حدثاً هاماً في حياته وحياة الفكر الغربي بأسره (3). إذ ظلت قائمة ما يقرب من عشرة قرون إلى أن أمر بإغلاقها الإمبراطور الروماني "جوستنيان" عام 549م (4).‏

كان أفلاطون يهدف من تعليمه في الأكاديمية تكوين فئة من الفلاسفة المستعدين لنشر نظريات اجتماعية سياسية في أنحاء بلاد اليونان.‏

تكون في الأكاديمية مذهب سياسي نظري (5)، أخرج سياسيين ومشرعين، وكان لأفلاطون محاضرات يلقيها في الأكاديمية، ومؤلفات أخرى كتبها للجمهور وتعد محاورة الجمهوريَة أهم كتب أفلاطون لما تتضمنه من نظريات مختلفة ارتبطت معاً لتكون نظرة لحياة الإنسان، كان لها في تاريخ الفلسفة، فيما بعد، تأثير لم ير مثله كتاب من كتب الفلسفة.‏

لقد تسربت نظريات الجمهورية إلى كتاب العالم الروماني وفلاسفة العالم المسيحي والإسلامي في العصر الوسيط، ففي العالم الإسلامي عرف الفارابي جمهورية أفلاطون وتأثر بها في مدينته الفاضلة كما تأثر بها "أوغسطين" في كتابه "مدينة الله".‏

كان أفلاطون يونانياً عميقاً، عبرت كتاباته تعبيراً كاملاً عن روح يونانية خالصة، ولكن ثمة نزعة شرقية فيه محببة إلى الأنفس نفذت إليه خلال الفيثاغورية أحياناً وخلال الأورفية أحياناً أخرى، كانت تصبغ كتاباته بالأسرار والتقاليد السحرية القديمة، الآتية من الشرق حتماً. وهذا جذع مشترك بين الفلاسفة الثلاثة كما سيمر في فقرات قادمة.‏

كان أفلاطون وثنياً، تعبر كتاباته عن ذلك، ولكن ثمة نزعة دينية فيه قريبة من المسيحية حيناً ومن الإسلام حيناً آخر، وقد عدّه الأولون فيلسوف خلود النفس، وعدّه آخرون فيلسوف حدوث العالم، وهذا جذع مشترك آخر بين الفلاسفة الثلاثة... لاقى إلى حد كبير رواجاً في مجامعهم وقبولاً في حلقاتهم، ساد أثره في عصر النهضة والعصور الحديثة، فترك فيها ملامحه القوية. وكثير من الفلاسفة المحدثين أفلاطونيون.‏

إن كتب أفلاطون هي من بين كتب الفلاسفة القدماء وحدها التي بقيت كلها وهي في معظمها جاءت على شكل محاورات، يقسمها بعض الباحثين بحسب ترتيبها التاريخي إلى أقسام ثلاثة، تساير حياة أفلاطون في أطوارها، إلى (6):‏

محاورات الشباب، وهي التي يحاول فيها الدفاع عن سقراط وتخليد ذكراه، وهذا ظاهر في محاورة "الدفاع" و"أقريطون" و"أطيفرون" كذلك ينسب إلى هذا الدور المحاورات التي يظهر فيها أثر سقراط واضحاً من ناحيتي المنهج والمضمون، كما هي حال محاورات "خرميدس" و"لاخس" و"ليزس" والمقال الأول من محاورة "الجمهورية" و"جورجياس".‏

محاورات الرجولة، وقد بدأت بتأسيسه "الأكاديمية" فكتب محاورة "منكانس" وفيها بيان برنامج المدرسة الجديدة موضحاً الغاية والمبادئ التي من أجلها، وعلى أساسها، تأسست هذه المدرسة ثم محاورات "أوطيفرون" و"مينون" و"أقراطيلوس" و"فيدون" و"المأدبة" ثم المقالتين الثانية والثالثة من محاورة "الجمهورية" و"أقريطياس" و"تيتانوس" و"برميندس".‏

محاورات الشيخوخة، وترتبط بمحاورات المرحلة السابقة ومنها المحاورات التالية: "السوفسطائي" و"السياسي" و"طيماوس" و"أقريطياس" و"فيلايوس" و"النواميس" أو القوانين.‏

وقد جمعت هذه الكتابات في خمسة مجلدات، ما زالت تعد حتى عصور متأخرة من أعظم المؤلفات الأدبية في العالم، وتشكل مذهباً فلسفياً متكاملاً، فأفلاطون من أوائل الممارسين للفلسفة المبدعين فيها. حتى أن أحد الناقدين قال: الفلسفة هي كتابات أفلاطون.‏

2 أفلوطين:‏

ولد "أفلوطين" في "ليفوبوليس" (أسيوط حالياً) من أعمال مصر الوسطى في العام 205 م، ولا يعرف شيءٌ عن أهله ووطنه، وتثقف في مدينته على أستاذ كان يعلم القراءة والكتابة والحساب (7).‏

قصد الإسكندرية وهو في الثامنة والعشرين من عمره، وأخذ يختلف إلى أساتذتها، فلم يرقه منهم أحد، حتى قاده صديقه إلى "أمونيوس" السكاس، الذي اعتنق المسيحية حيناً ثم ارتد إلى الوثنية، فأعجبه ولزمه إحدى عشرة سنة. فارتبط به ارتباط أفلاطون بأستاذه سقراط، فاستمر أفلوطين يذكر آراءه على أنها آراء أمونيوس مع أنها أكثر بكثير من مذهب أمونيوس ولا يكاد يوجد منها إلا البذور الأصلية عند المعلم، أما المذهب الكامل فإنه من إبداع أفلوطين (8).‏

التحق أفلوطين بالجيش الروماني الذاهب لمواجهة الجيش الفارسي في سوريا والعراق، وكان غرضه من التحاقه هذا التعرف على الحكمة الشرقية ومن الصدف التاريخية أن "ماني" صاحب الديانة المانوية في الطرف المقابل. فتمكن الجيش الفارسي من صد الجيش الروماني، فهرب أفلوطين إلى مدينة أنطاكية السورية، ومنها انتقل إلى روما، وهو في الأربعين من عمره فبقي فيها إلى أن مات في العام 270 م (9).‏

لم يشرع أفلوطين في الكتابة إلا وهو في الخمسين، وكان تعليمه شرحاً على نص لأفلاطون أو لأرسطو، أو جواباً عن سؤال أو رداً على اعتراض أو تعقيباً على رأي (10).‏

جمع "فروفوريوس" رسائل أستاذه في أربع وخمسين رسالة وقدم لها ترجمة لحياة أفلوطين، ووزعها على ستة أقسام، احتوى كل قسم منها على تسع رسائل أسماها "التساعيات" وكان ذلك تكريماً للعددين الكاملين: ستة وتسعة، في كل تساعية الرسائل التي تعالج الموضوع نفسه (11).‏

امتاز أفلوطين من الناحية الشخصية بسمو أخلاقه ونفاذ بصيرته وبالعفة (12).‏

3 الفارابي:‏

هو أبو نصر، محمد، المعلم الثاني، اشتهر بالفارابي.‏

وقد كُني بأبي نصر، رغم أنه لم يتزوج ولم ينجب أولاداً، ولقب بالمعلم الثاني (13) نظراً لمكانته الكبيرة في الفلسفة ووفرة إنتاجه فيها ومتابعته لدراسات أرسطو وشرحه لنظرياته، فاعتبر أنه أكبر الفلاسفة من بعده، وأعظم شارح وموضح لأفكاره، ولما كان لقب أرسطو المعلم الأول، لذلك أطلق على خليفته في عالم الفلسفة لقب المعلم الثاني.‏

فاشتهر بالفارابي نسبة إلى موطنه الأول، فقد ولد بمدينة "وسيج" في مقاطعة "فاراب" وهي منطقة كبيرة وراء نهري سيحون وجيحون تقع على جانب الفرع الأكبر لنهر "سيحون" في طرف بلاد تركستان (14).‏

يصعب تحديد السنة التي ولد فيها الفارابي، والراجح أنه ولد حوالي سنة 259ه الموافقة لسنتي (872 873م)، يستنتج من ذلك استنتاجاً مما ذكره المؤرخون في وفاته، فقد ذكر "ابن خلكان" أنه توفي سنة 339ه، (950 951م) بعد أن عاش ثمانين عاماً (15).‏

يرى معظم المؤرخون للفارابي أنه تركي الأصل، مسقط رأسه كان ولا يزال من مناطق بلاد التركستان وهي بلاد ينتمي معظم سكانها إلى الشعب التركي. لقد لف الغموض طفولته الأولى، أما المراحل التالية من عمره، فتظهر من سيرته أنه بعد بلوغه دور التعلم عكف في مسقط رأسه على دراسة طائفة من مواد العلوم والرياضيات والآداب والفلسفة واللغات وعلى الأخص اللغة التركية وهي لغته الأصلية ثم اللغة الفارسية واليونانية والعربية.‏

خرج في العام 310 ه من بلده قاصداً العراق، وقد بلغ الخمسين من عمره، فأتم دراسته التي بدأها مضيفاً إليها مواد أخرى كثيرة، فدرس في حران الفلسفة والمنطق والطب على يد الطبيب المنطقي "يوحنا بن حيلان" ثم درس الفلسفة والمنطق على "أبي بشر متى ين يونس في بغداد وكان من أشهر الباحثين في المنطق، ومن أشهر المترجمين للكتب اليونانية، كذلك درس في بغداد العلوم اللسانية ا لعربية على ابن السراج وأتيح له فيها أيضاً دراسة الموسيقا ولم يعقْه تقدمه في السن عن متابعة دراساته، فقد ذهب مذهب العلماء في عصره الذين كانوا يطلبون العلم باستمرار.‏

أكثر الفارابي من سفره طلباً للعلم ونشره، وسعياً للإحاطة بشؤون الجماعات، فانتقل من العراق إلى الشام في العام 330ه واتصل بالأمير "سيف الدولة الحمداني" الذي أكرم وفادته، وقدر له علمه، فعاش في كنفه منقطعاً إلى التعليم والتأليف، وكان خلال إقامته في الشام ينتقل بين مدنها، ثم سافر إلى مصر في العام 338ه، ورجع منها إلى دمشق حتى توفي سنة 339ه في شهر كانون الأول من العام 950م (16).‏

كان الفارابي في حياته متقشفاً زاهداً، فلم يتزوج ولم يقتن مالاً بل اكتفى بأربعة دراهم يومياً يقبضها من سيف الدولة الحمداني، وينفقها فيما يحتاج إليه من ضروري العيش، وقد بلغ من تقشفه أنه كان يسهر الليل للمطالعة والتصنيف مستضيئاً بقنديل الحارس، لأنه لم يكن يملك قنديلاً خاصاً به، وأنه بقي على هذه الحال أمداً طويلاً.‏

آثر الفارابي العزلة والوحدة ليخلو إلى التأمل والتفكير، وكان طول مدة إقامته بدمشق يقضي معظم أوقاته في البساتين وعلى شواطئ الأنهار، فلا يكون إلا في مجتمع ماء أو في مكان ما ظليل كثير الأشجار، حيث يؤلف بحوثه ويلتقي طلابه وزملاءه ومساعديه (17).‏

للفارابي مؤلفات كثيرة يصعب حصرها وإحصاؤها، ولم يصل منها إلا القليل، لا يزيد عددها عن الأربعين رسالة، منها اثنتان وثلاثون رسالة بالعربية وست رسائل مترجمة إلى العبرية، وترجمت رسالتان إلى اللاتينية.‏

من رسائله الفلسفية الباقية: "الواحد والوحدة" و"الجوهر" و"الزمان" و"المكان" و"الخلاء" و"معاني العقل" و"عيون المسائل" و"فصوص الحكم"... إلخ.‏

ومن أهم ما وصل من مصنفاته التي تمثل شروحاً وتعليقات على مؤلفات أرسطو وشروحه وتعليقاته على مباحث كتاب "الأورغانون" كذلك وصل من مؤلفاته في شؤون السياسة والاجتماع: "آراء أهل المدينة الفاضلة" و"السياسات المدنيّة"، ومن مؤلفاته في الموسيقا كتاب صناعة علم الموسيقا، وله في إحصاء العلوم كتاب قيِّم، كان موضع إعجاب من قدامى الباحثين ومحدثيهم، فقد عرض كل علم عرض الخبير بحقائقه (18).‏

4 عصور مختلفة ومؤثرات متشابهة:‏

4 1: عاش أفلاطون في القرن الخامس قبل الميلاد، أي في العصر الثاني من عصور الفلسفة اليونانية, وقد ورث هذا العصر عن سالفه طائفة من المعتقدات الدينية والقواعد الأخلاقية والمذاهب الطبيعية.‏

هذه المعتقدات الدينية كانت لا تقوم على علم حقيقي بالآلهة، ودراسة صحيحة لمذاهب الدين وأوضاعه، كما كانت القواعد الأخلاقية عادات وتقاليد أكثرها شعبي أو عبارات استخلصت عرضاً على يد بعض من يسمون بالحكماء، ولم تكن تكوِّن مذهباً أخلاقياً بالمعنى الصحيح لأنها لم تقم على قواعد من العلم ولا منهج من مناهج البحث العلمي، والفلسفة الطبيعية كانت هي الأخرى فلسفة ذات وجه واحد، إذ كان رجال هذا العصر يكتفون بالنظر إلى صفة واحدة من صفات الوجود ثم يعممون هذه الصفة ويجعلونها الأساس في كل شيء، كما أنهم كانوا واحديين، أي يقولون بمبدأ واحد يرجعون إليه قبل كل شيء في الوجود (19).‏

ولكن الحياة الفكرية والروحية في بلاد اليونان بدأت تتطور تطوراً هائلاً في القرن الخامس قبل الميلاد، إذ أخذت المعتقدات الدينية تفقد ما لها من ثقة ونفوذ عند الطبقة المثقفة بأسرها، واتسع مدى الإنكار عند الكثيرين حتى شمل وجود الآلهة أنفسهم، فلم يعودوا بهم يؤمنون ثار السوفسطائيون على قيم ومعارف سابقيهم من الحكماء وعلى ما تبدى لهم من مظاهر الكون، ولعل ما رآه السوفسطائيون من أوهام وأخطاء وبعد عن الواقع في نظريات من سبقهم، قد دفعهم إلى الثورة عليها، ثم إلى الشك حتى في الوجود، حين لم يلتمسوا الطريق إلى حقائق ثابتة، ومهما يكن من أمر فإنهم أول من فتح الطريق أمام الإنسان، ليقف موقفاً جدياً من مظاهر الوجود، لقد كانوا عنصراً فعالاً في حث الفلاسفة، على المزيد من التعمق والنظر، كي تتكشف لهم الحقائق الثابتة (20).‏

لقد نادى السوفسطائيون أو مهدوا لقيام نوع آخر من الأبحاث، مختلف كل الاختلاف، موضوعه الإنسان، كما أنه من ناحية المعرفة، كانت مصادر المعرفة التي وثق بها السابقون عليها قد تزعزع أساسها إلى حد كبير، فالمعرفة الحسية التي كانت المصدر الأول للمعرفة، قد ثار عليها فلاسفة كثيرون من قبل.‏

لم تكن حركة السوفسطائيين حركة هدم، بل كانت روح بناء جديد، فقد كانت تعبر عن روح العصر وقد كان سقراط منهم إلا أنه ابتعد عنهم وعارضهم عندما انحرفوا وغالوا في نسبيتهم في فهم الحقيقة (21).‏

ثم تقع أثينا تحت احتلال الاسبرطيين، فيتحول بعض من حكامها إلى معادين للديمقراطية فيحكمون على سقراط بتهمة إفساده الأجيال الجديدة، فيزداد جرح أفلاطون، فيتجه بكليته نحو الفلسفة وتربية الحكام (22).‏

4 2: أما أفلوطين فقد عاش في القرن الثالث الميلادي، وكان عصر اضطراب، شاهد انهيار الوثنية، والحضارة السورية القديمة في سلسلة من الحروب والنكبات وانتشار الطاعون والجوع، مما أفقر الإمبراطورية الرومانية وأنهك قواها، وقد أصبح الحكم في أيدي جماعات بربرية تجهل الفلسفة والآداب والعلوم وتتنكر لها (23).‏

عم الانحطاط جميع مرافق الحياة، وأن الدين الوثني الذي كان سائداً وأساساً للحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية، دخل في دور الاحتضار، وطغت الديانات المشرقية، وتشابكت الشعوب والديانات والحضارات والعادات في وحدة غريبة. وفي الحقل الفلسفي تُرعرُعت أركان المذاهب اليقينية أما صدمات المتشككين العنيفة. ففي مثل هذا الجو من الاضطراب والقلق راحت بعض العقول تسعى وراء السعادة في عالم غير هذا لعالم وتبحث في الفلسفة عن طريق التحرر والخلاص (24).‏

وهكذا لم يكن قصد أفلوطين أن يعلم تلامذته حقائق جديدة بقدر ما كان قصده إعدادهم لحياة سعيدة، فأفلوطين فيلسوف ومتصوف في آن واحد وهو عندما يسعى إلى فهم الحقيقة، يحاول أن يتعدى المادة ويتطهر تطهيراً يصله بالعقل الإلهي.‏

ومن ناحية أخرى، فقد برزت مدينة الإسكندرية عاصمة الدولة المصرية وملتقى الفلسفة بالديانتين اليهودية والمسيحية وأهم مركز للفكر والفن، وملتقى التقاليد المشرقية القديمة وأسرار الأورفيه والفيثاغورية، وشتى نظريات العقل اليوناني وقد اصطرعت فيها التيارات المختلفة والعناصر المتباينة، وكانت في تنافر شديد حيناً وفي هدنة حيناً آخر، وكان ذلك على كل حال مصدر نظريات جديدة وبعث مذاهب مبتكرة. التقى في الإسكندرية الشرق والغرب، الغرب بفلسفته اليونانية مع ما طرأ عليها من تغير في البيئة الرومانية والشرق بما فيه من عقول لم تختمر بعد، ولم تألف الجدل المنطقي فتأخذ بجميع العقائد ولا تفرق بين العقول وما لا يقبله العقل.‏

4 3: عاش الفارابي في عصر أحدثت الترجمات فيه انقلاباً فكرياً ولغوياً في العالم العربي لا مثيل له في تاريخ الحضارة الإنسانية، وهو انقلاب يفوق ما أحدثته النهضة بأوروبا في القرن الخامس عشر الميلادي، فالعرب في صدر الإسلام لم يهتموا إلا بالعلوم القرآنية. أما العلوم الدخيلة أو علوم الأوائل فلم يكن لها نصيب وافر عندهم، وبقي الحال هكذا إلى أن تيسر للسريان والصابئة الحرانيين البدء في نقل تلك العلوم إلى العربية ونشرها في العالم الإسلامي بحيث أصبحوا الممثل الوحيد للحضارة الإنسانية الرفيعة في القرون الوسطى (25).‏

كان لهذه العلوم الدخيلة أثر عميق في جميع حقول الفكر الإسلامي، وكان لهذه العلوم الدخيلة التي عرفها العرب بفضل الترجمات لأن احتكاك المسلمين بالثقافات والفلسفات الغريبة جعلهم يعرضون على محك العقل جميع العقائد التي تقبلوها في بدء أمرهم في غير جدال ولا نقاش، وهكذا نشأت الفرق المختلفة ونشأت النزعة العقلية التي أحلت العقل في المحل الأول والتي أدت ببعضهم إلى الإلحاد والزندقة وإنكار النبوة والمعجزات.‏

أضف إلى ذلك أن روح الفنوصية كانت شديدة الانتشار فرق صدر الإسلام وقد اقترنت بالروح الأفلاطونية المحدثة، وتغلغلت في صلب التصوف الإسلامي، نظر المحافظون من أهل السنة إلى هذه العلوم وإلى المشتغلين بها نظرة ريب وقلق واتهموا هؤلاء في دينهم ناسبين إليهم الكفر والزندقة، وبلغت كراهية بعض الحنابلة للكتب الفلسفية والعلمية درجة جعلت من اقتناء هذه الكتب خطراً على حياة أصحابها، ويذكر (ابن الأثير) في أخبار سنة 890م أنه كان على النساخ المحترفين أن يقسموا أنهم لن يشتغلوا بانتساخ أي كتاب في الفلسفة.‏

من الطبيعي أن يحارب الإسلام الهيات أرسطو وطبيعياته لما فيها من تناقض مع تعاليم القرآن، لكن الحرب التي شنها أ عداء علوم الأوائل شملت هذه العلوم كلها، ولم يصادف علم من علوم الأوائل، ما صادفه علم المنطق من معارضة أهل السنة حتى أنه قيل: من تمنطق فقد تزندق. بعد أن عاش الفارابي في بغداد واشتغل فيها زماناً طويلاً ثم ارتحل عنها إلى حلب، وقد كان خروجه هذا بسبب الاضطرابات السياسية حيث بدأ انحلال الخلافة الإسلامية يتجلى شيئاً فشيئاً وكان سلطان الجنود الأتراك يزداد سيطرة، وأخذت هيمنة البويهيين على الخلفاء تتراخى، واشتدت ثورات العامة في المدن وثورات الفلاحين في الريف وازدادت دسائس أصحاب الطرق في كل مكان، واشتد نزوع الولايات النائية إلى الاستقلال. كل ذلك كان من أسباب سقوط الخلافة أو من علاماته (26).‏

نزل الفارابي مدينة حلب واستقر في مجلس سيف الدولة.‏

5 الفلسفة عند أفلاطون:‏

ليس سهلاً أن يستطيع الباحث تحديد العناصر التي تقوم عليها وبها فلسفة أفلاطون، فالرجل عمل على البحث عن الحقيقة أكثر مما عمل على عرضها والبرهان عليها. بالإضافة إلى ذلك فإن فكر أفلاطون فكر دينامي نامٍ ظل يتطور حتى آخر لحظات وجوده، ومع ذلك فقد أثبت مؤرخو الفلسفة بعض الأفكار الرئيسة (27) منها:‏

مدينته الفاضلة.‏

نظريته في المثل.‏

أدلته على الخلود.‏

مذهبه في الكون.‏

رأيه في المعرفة.‏

5 1: جمهورية أفلاطون (28):‏

عمل أفلاطون على إحلال نظام سياسي يقوم على العدالة ويسير وفقاً للمبادئ الفلسفية، فقد وضع نظام جمهوريته في عهد ازدهار "أسبرطة" وتغلبها على أثينا" وقد راقه النظام الإسبراطي بما فيه من انضباط هو ثمرة التربية البعيدة عن كل ميوعة، والتمرس البعيد عن كل ضعف.‏

الفكرة الأساس التي ينطلق منها أفلاطون في موضوع الاجتماع هي فكرة العدالة، أي إقامة دولة منظمة تنظيماً تنازلياً، فاستوحى نظرياته الفلسفية لإقامة ذلك النظام، وراح يتدبر النفس البشرية فوجد فيها ثلاث قوى (29):‏

قوة رفيعة هي العقل.‏

قوة النفس الغضبية، ومركزها القلب.‏

قوة النفس الشهوانية، ومركزها البطن.‏

و تتجلّى صحة النفس عندما يتوافر التوازن بين قواها، فإذا سيطر العقل على الشهوات عاشت في طمأنينة وسعادة. ومن هذه الحقيقة استمد أفلاطون لمدينته فكرة الطبقة، فرأى أن في المدينة ثلاث طبقات:‏

الطبقة الذهبية، أي طبقة الحكام ذوي الأمر والتدبر.‏

الطبقة الفضية، أي طبقة الجنود ذوي الحراسة والدفاع.‏

الطبقة النحاسية، أي طبقة العمال ذوي الإنتاج والتعمير.‏

أما الطبقة الذهبية فمؤلفة من أناس يسيطر عليهم العقل، وتتألف الطبقة الفضية من ذوي الشجاعة، وتضم الطبقة النحاسية كل من تسيطر عليهم شهواتهم وتكون العفة فضيلتهم الأولى، ولكي تنعم المدينة بالصحة والسعادة وتخيم في أجوائها العدالة، لا بد فيها من سيطرة ذوي العقل، وهكذا يكاد النظام في المدينة مسايراً لما هو في النفس البشرية، فتخضع الطبقة النحاسية للفضية، والطبقة الفضية للذهبية، ويسير الجميع على هدى العقل النير، وهكذا يكون الحكم للفلاسفة لأنهم أجدر الناس به، وجدارتهم قائمة على المعرفة والفضيلة، فالمعرفة والفضيلة شيء واحد.‏

هذا هو النظام الأساس وهو يتطلب نظاماً آخر، لابد من اتباعه في تنشئة الأفراد الصالحين للمجتمع الصالح، وقد اعتنى أفلاطون بهذه الناحية، فاهتم باختيار الرؤساء، فتحقيق العدالة يرتبط بحسن اختيارهم، فهم يؤخذون من صفوف الجنود، ثم يربون تربية عقل وفن ورياضة، وهكذا يعيش حارس الدولة من السادسة عشرة إلى العشرين حياة الجنود، وبعد ذلك يتدرب على أعمال مهنته مدة عشر سنوات متوالية، وتخصص نهاية المرحلة لتعلم الجدل مدة خمس سنوات يقضي بعدها خمس عشرة سنة في الوظائف والإدارة أو العسكرية، ولا ينتقل إلى طبقة الرؤساء إلا بعد بلوغه الخمسين.‏

وهذا كله لا يكفي، في نظر أفلاطون، لقيام الجمهورية الفاضلة فعلى الرئيس أن يحافظ على وحدة الدولة، والشعور بضرورة هذه الوحدة هو فضيلته الأولى، ولن يتم له ذلك إلا إذا اتبع نظام المعيشة المشتركة، وأن يعيش عيشة أخوة، ويتجلى بالمزايا السقراطية الأربع:‏

الحكمة، الشجاعة، العدالة، العفة.‏

وللحفاظ على وحدة الدولة لا بد من نظام يشتمل على (30):‏

اشتراكية النساء والأولاد.‏

الرياضة البدنية والخلقية للرجال والنساء سواء بسواء.‏

التربية العلمية والسياسية.‏

قيام الفلاسفة بمهام القيادة في الدولة (31).‏

5 2: نظرية المثل (32):‏

تشكل نظرية المثل نقطة انطلاق ومرتكزاً وأساساً لفلسفة أفلاطون بجملتها، وهي ناتجة عن استخدام الاستقراء السقراطي والجدل الأفلاطوني.‏

ينطلق أفلاطون من التمييز الذي قال به "برمنيدس" بين الحقيقة والظاهر، وبين طريق الحقيقة وطريق الظن، وبتعبير آخر، بين المعرفة والرأي، فالظاهر هو ما يقع تحت حواسنا، ويكوّن الموجودات الجزئية، التي تصف بصفات متضادة، والأشياء الجزئية متوسطة بين الوجود المطلق والعدم المطلق، وهي بالتالي لا تصلح أن تكون موضوعات للمعرفة بل للرأي، فالمعرفة لا تكون إلا بالأشياء الثابتة التي لا يعتريها تغيير ولا تنطوي على الأضداد، وتتعلق بعالم أزلي لا تدركه الحواس، أما الرأي فيكون فيما يتعلق بالعالم المحسوس.‏

يطلق أفلاطون على الشيء المشترك الموجود في جميع الكائنات المتجانسة حتى التي لا تقع منها تحت الحواس مثل العدالة والمساواة اسم "المثال" والمثال عند أفلاطون هو الموضوع الحقيقي للمعرفة، لأن المعرفة تقوم على الموضوع المشترك بين جميع أفراد الجنس والذي لا يولد مع ولادة الفرد ولا يفنى بفنائه، بل هو شيء أبدي تشاركه جميع الأفراد، في طبيعته.‏

إن مثل الأشياء هي وحدها التي تصح أن تكون موضوعاً للمعرفة، وأن لها صفات تحددها منها (33):‏

للمثل أجناس، فهي تعبر عن مجموعة تدخل فيها الأشياء المتجانسة، والمثال عند أفلاطون جوهر ثابت، لا يعتريه تغير فهو لا يخضع للحركة، على عكس الأشياء التي تخضع للتكون والفساد فهي متبدلة كلها.‏

والمثل أعداد تنتظم أنواعاً وأجناساً ويتصل بعضها ببعض من حيث أنها تشترك جميعاً في صفات عامة، فالحكمة والشجاعة والعدالة والعفة تشترك كلها في صفة واحدة هي الفضيلة، وهي ترقى إلى مثال أساس هو بالنسبة لها كالجنس الأول.‏

والمثل عند أفلاطون قائمة بذاتها، فهي الحقائق التي لا حقائق بعدها.‏

5 3: نظرية المعرفة (34):‏

المثل عند أفلاطون ثابتة أزلية فكيف يتم إدراكها؟‏

إذا كان الأمر كذلك كان من الضروري أن تأتينا المعرفة عن طريق آخر غير الإدراك الحسي، بمشاهدة أفلاطون أن الإنسان كان في حياة سالفة سابقة على حياته الحالية يستمتع بمشاهدة المثل الأزلية. ولكن لذنب اقترفه، فقد هذا النعيم وهبطت نفسه إلى الأرض، وحلَّت في جسدت ترابي أصبح لها سجناً، وفقدت بهذا التجسد معرفة الأشياء الإلهية التي حصل عليها.‏

لكن الأشياء الجزئية عندما تعرض لإدراك حواسه تحيي فيه ذكرى "مثلها وتعيد إليه شيئاً من معرفته الغابرة، وهكذا يفسر أفلاطون في المعرفة علاقة الإنسان بموضوع معرفته.‏

5 4: خلود النفس:‏

النفس عند أفلاطون وجدت قبل الجسد، وهي خالدة، يبرهن على خلودها، كما يلي:‏

كل الأشياء لها أضداد، والضد يولد الضد، فإذا كانت الحياة والموت ضدين فلا بد أن يولد أحدهما الآخر.‏

تعليم المقولات أي المثل لا بد أن يكون بآلة أزلية خالدة مثلها، فالموت إذ يفصل النفس عن غلافها الجسد ويمكّنها من الاتصال بهذه المثل.‏

المعرفة تذكر، وهذا يوجب أن تكون النفس قد شاهدت المثل قبل ميلادها، وما كان أزلياً فلا بد أن يكون أبدياً.‏

المركب وحده ينحل، والنفس بسيطة، كالمثل، لا تستطيع الانحلال فالانحلال يفكك الأجزاء، والنفس واحدة بسيطة لا أجزاء فيها ولا تركيب.‏

الإنسان يتوق إلى السعادة، وهذا التوق من جوهر النفس، وقد لا تتحقق رغبة الكثيرين في السعادة في هذه الحياة، فلا بد من أن تكون ثم حياة أخرى، ينالون فيها السعادة.‏

تفرض الأخلاق العقاب لصانعي الشر، والثواب لصانعي الخير، وليس في هذه الحياة عقاب وثواب عادلان، فلا بد من حياة أخرى تنال فيه النفس جزاء ما فعلت في هذه الدنيا.‏

5 5: نزعة أفلاطون الصوفية (35):‏

عندما أثبت أفلاطون أن النفس هبطت إلى الجسد، وقال إن الجسد سجنها، جعل الإنسان مركباً من عنصرين مختلفين، أحدهما يسعى إلى المعرفة، والثاني يحول دون هذه المعرفة، لأنه مركز الأهواء والشهوات والمخاوف والأوهام فإذا ما أرادت النفس أن تصل إلى المعرفة وجب عليها أن تمزق حجب الجسد وتتخلص من عبوديته، فالروح في ذاتها هي التي يجب أن تشهد الأشياء في ذاتها. وهكذا إذا ما تخلص الإنسان من الجسد وحصل على النقاوة واستطاع الاتصال بما هو نقي وعرف أين هو النور الصافي، نور الحقيقة.‏

6 الفلسفة عند أفلوطين:‏

تقوم الفلسفة عند أفلوطين أساساً على فكرة الألوهية، فهي تشغل الجزء الأكبر من مذهبه، إن لم يكن كله، إنها فلسفة تقوم على الوجدان والتجربة الذوقية الصوفية والكشفية، ولهذا أهمل "أفلوطين" نظرية المعرفة، وبكلام أكثر تحديداً، فإن العمود الرئيس الذي تقوم عليه بناء فلسفة أفلوطين هو "الله" أو العالم المعقول، ومن العالم المعقول ينتقل الإنسان إلى العالم المحسوس، ومن هذا الأخير يحاول هذا الإنسان أن يرتفع ثانية إلى الوحدة الأولى (36).‏

الغاية من الفلسفة عند أفلوطين إرشاد إلى الطريق الذي به يصل الإنسان إلى إفناء الذات في الوحدة الإلهية وإلى إيجاد التجربة الروحية التي يستطيع الإنسان بواسطتها أن يتحد بالواحد، والمزاج المكون لهذه التجربة، هو في الأصل، الوجد.‏

أما من الناحية الموضوعية، فيقوم هدف الفلسفة على أساس إنكار كل قيمة للعالم الخارجي، فكل ما هو متناه وكل موجود ما خلا الله متناه زائل، وبالتالي لا قيمة له.‏

إن فلسفة أفلوطين متأثرة منذ البداية بالتجربة الدينية، فنقطة البدء ونقطة الانتهاء والعامل السائد الذي طبع بطابعه الخاص اتجاه هذه الفلسفة هو التجربة الدينية مفهومه على نحو صوفي، وإن ابتعد أحياناً عن الأديان الوضعية.‏

وهذا الطابع غير موجود في الفلسفة اليونانية الحقيقية، فالفروق في الفلسفة التالية على أرسطو وبين الفلسفة الجديدة، مما يمس جوهر كل منهما، يرفع من نسبة ترجيح أن تكون هذه الفلسفة الجديدة منتسبة إلى روح حضارة أخرى، فالرمز الأول لهذه الحضارة هو الذي يطبع هذه بطابعه كل أجزاء الفلسفة الجديدة وما هنالك من مظاهر يونانية لهذه الفلسفة إنما هو في الواقع مظاهر فحسب، لا تمس الجوهر في شيء، ونقصد به الروح السائدة في هذه الفلسفة الجديدة، فالذي يميز هذه الفلسفة هو فكرة إضافة الأشياء إلى قوة خفية (37) وإيجاد نظام عالمي يقوم على أسس هذه القوى الخفية، ونظره في الوجود تسودها التجربة السحرية الروحية وهذا ما ذهب إليه "فاشيرو" (38) بقوله: إن الفلسفة الأفلوطينية كانت فلسفة شرقية بكل معاني الكلمة فهي في روحها وجوهرها وطبيعتها شرقية. وأما المظهر الخارجي لها وإن كان يونانياً فإنه لا يلزم الاعتقاد أن فيها روحاً يونانية، وهذا ظاهر خصوصاً فيما يتصل:‏

بالطابع العام لهذه الفلسفة.‏

في أن كثيراً من الأفكار التي كانت منتشرة في بيئة الهلال الخصيب أي البيئة التي قد ظهرت فيها الحضارة قد أثر كل التأثير في هذه الفلسفة. ففكرة الملائكة أو الوسطاء أو العقول المتوسطة ثم فكرة الصدور خاصة، كل هذه الأفكار شرقية، تجلت منذ أربعة آلاف سنة ونيف في شريعة "أوركاجينا" وشريعة حمورابي" وفي أسطورة الخلق البابلية "اينوما ايليش".‏

ومختصر القول، ففي مذهب أفلوطين عالمان بينهما هوة وترتيب هما عالما المعقول والمحسوس، ويوجد في باب المعقولات ثلاثة مبادئ هي:‏

الله العقل النفس (39) ‏

فالله هو الأول، الواحد، المبدع، اللامتناهي.‏

والعقل هو صورة الأشياء الموجودة.‏

والنفس هي ما به يتم تحقق الصور في المحسوسات، أو هي قوة تكون في الواقع وسطاً بين فعل الأول وتحقق العقل بوصفه صوراً.‏

العالم المعقول عند أفلوطين عبارة عن مجموع الصور، وهذه الصور لا تشتق من مبدأ أعلى منها، ولو أن فكرة الخير قد توهم في عرضها بأنها تلعب مثل هذا الدور، فإنه في الواقع تختلط فكرة الخير ببقية الصور حتى لا يمكن أن تعد صورة قائمة بذاتها مستقلة كل الاستقلال، فهناك هوة غير معمورة بينها وبين بقية الصور. في حين يرى أفلوطين بدلاً من الهوة الفاصلة تصاعداً أو تنازلاً في الصلة بين المعقول والمحسوس، أي ترتيباً ونظاماً قمته المعقول من حيث أنه الأول ثم تتلوه بقية الأشياء حتى تصل، في أدنى درجة من درجات هذا السلم إلى المادة الصرفة، فالمادة في النهاية تشتق من الأول فلا نجد أن الصور أو المعقولات أفكار في عقل الله، بل هي الله عند أفلوطين، فالأشياء تترتب بحيث يكون الأول في القمة ويليه العقل الأول، ثم بقية العقول (40).‏

من ذلك نجد أن أفلوطين يجرد فكرة الله من كل ما يوهم اختلالاً في الوحدة أو في الكمال (41) فكرة الوحدة في الله هي الأساس في نظرية الله عند أفلوطين، ولهذه نجده يحاول أن ينفي عن الله كل الأفكار أو كل الصفات التي من شأنها أن توهم بأن هناك تعدداً تركيباً فيه، فنجده ينكر أن يكون الله عقلاً أو أن يكون وجوداً، وينكر كذلك أن تكون له أي صفة من الصفات فالله هو الشيء الذي لا صفة له (42) إنه يؤثر في الكون بقدرته، وهذا يحدث دون ممارسة قدرة من جانبه بالنسبة إلى الأشياء، بل تتحرك الأشياء بقدرته مع استمراره كما هو في سكونه وثباته.‏

إن الله قوة وهذه القوة تفيض بما فيها فتنتج الوجود، ولا يعني هذا الفيض خروج هذه القوة عن نفسها وفيضانها بما فيها في الخارج أو على الخارج وإنما أن تظل كما هي في نفسها وتكون العلية عندها أن تبدل آثارها لا أن تبدل جوهرها. وهذا الفارق الكبير بين العلية حينما يقال على الله أو يقال على بقية الأشياء إذ نجد هنا فكرة عميقة يستخدمها أفلوطين لأول مرة وستصبح فيما بعد مصدراً خصباً لكثير من الأفكار في المسيحية أو في الإسلام.‏

إن المعقول يحدث أثره ولا ينقص هو من ناحيته، فالعلم الذي عندي وأنقله إلى الآخرين لا ينقص بهذا النقل وإنما يظل عندي كما كانت عليه الحال من قبل، لأن الفيض في هذه الحال الفيض الروحي لا يكون على صورة أجزاء ينقل من المؤثر إلى الأثر وإنما يكون دائماً على صورة حضور تأثر في الخارج فحالة أن يكون الشيء متأثراً بشيء آخر هي حالة العلية، إذا ما فهمت من ناحية الكمال، من ناحية التأثير المادي.‏

وكذلك الحال بالنسبة إلى الله يظل كما هو في استقلاله وكماله وهذا التأثير الخارجي الذي يحدث يكون وجوداً ليس منتزعاً، وكأنه جزء من الوجود الأول وإنما أقصى ما يمكن أن يقال عنه أنه حالة تأثر صرف بشيء آخر، والعلية مفهومة على هذا النحو تضاف وحدها إلى الله، وهذه مسألة مهمة عند أفلوطين وعند المذاهب التي تقوم على فكرة الكمال، بمعنى وجود حالة تأثر دون تغيير في المؤثر. فالأشياء أو الوجود بشكل عام ينشأ عن الأول بفيض من هذا الأول لا ينقص من ذاته، وأنه كلما قلت الوسائط بين الأول وبين الحادث كانت درجته ومرتبته في الوجود والكمال أعظم (43).‏

فهنا نجد أن الوجود كله سيتوقف على هذا الأول من حيث أنه يفيض بذاته فينتج عن هذا الفيض وجود متسلسل على طريق تنازلي يبدأ من الأول حتى يصل إلى أبعد الأشياء ونهايتها بالنسبة إلى هذا الأول، وهذا الشيء الأخير سيكون أدنى الأشياء مرتبة وقابلاً لأن يتخذ أية صورة، والذي يحدث في هذه الحالة هو أن الأول يعطي الثاني صورته والثاني يعطي الثالث صورته وهكذا باستمرار حتى تصل إلى آخر الأشياء. وآخر الأشياء لا يكون محدثاً لأي صورة، وتبعاً لهذا لن يكون مالكاً لأي صورة فهو الهيولى والمادة.‏

المهم عند أفلوطين هو القول بوجود الأول بحسبانه عالياً على الكون، وبينه وبين بقية المعقولات والمحسوسات هوة لا تكاد تعبر، وما هنالك من تبعية من جانب العالم المعقول فيما عدا الأول والعالم المحسوس بأكمله بإزاء الله إنما ذلك صادر عن كون هذه الأشياء تقوم بالله أي تتقوم بقوته، ولكن ليس معنى هذا القيام به إنها هي هو.‏

وحدة الوجود عند أفلوطين ذات حد واحد، فالكثرة في الواحد، وليس الواحد في الكثرة (44).‏

تمايز أفلوطين تمايزاً واضحاً عن المذاهب السابقة عليه، وأنه يجب أن يوضع في تيار جديد يعد هو نقطة البداية فيه، ونقطة النهاية في الواقع، يكون هذا التيار الدور الرابع من أدوار تطور الفلسفة اليونانية والمشكلة هنا تتعلق بالصلة بين هذا التيار وبين الروح اليونانية.‏

فقد اعتاد المؤرخون النظر إلى هذا التيار بوصفه تطوراً منطقياً للفلسفة اليونانية في العصور المتقدمة مباشرة وبالتالي أن يضيفوه إلى الحضارة اليونانية وإلى الروح اليونانية.‏

لقد استطاع أفلوطين أن يبين في دقة وأحكام كيفية صدور الموجودات عن الله وأن يتبين آثار هذه القوى الإلهية في الأشياء ويرتب هذا كله في نظام منطقي معقول يكاد يكون نسيجاً واحداً محكم الأجزاء.‏

احتلت التجربة الصوفية تجربة الوجد منزلة رفيعة، فهي الغاية النهائية التي يجب أن تتحدد تبعاً لها وتترتب عليها كل المقدمات المؤدية فمنذ البدء كان مزاج هذه التجربة الروحية والمزاج المحدد لكل معرفة، والتالي الأساس لكل نظرية في المعرفة، كما أنه لأول مرة وإلى الدرجة العليا، استطاع أن يبين ماهية هذه التجربة وأن يحددها كل التحديد، وأن يبين ما فيها من جانب ذاتي، وما فيها من جانب علوي يأتي عن طريق الله وفي هذا المجال يقول أفلوطين يجب علي أن أدخل في نفسي ومن هنا أستيقظ، وبهذه اليقظة أتحد بالله.‏

ويقول أيضاً يجب علي أن أحجب عن نفسي النور الخارجي لكي أحيا وحدي في النور الباطن، وينقل عنه تلميذه "ابرفلس" أن المعرفة تبدأ من الذات وتنتهي إلى الله، والمعرفة الذاتية، هي كل شيء.‏

إن هذا الطابع يكفي وحده لتمييز هذه الفلسفة من الفلسفة اليونانية، الحقيقة، وبالتالي يكفي لإخراج هذه الفلسفة من حظيرة الحضارة والروح اليونانية وإدخالها في حضارة، روح المنطقية.‏

إن فكرة الصدور والفيض فكرة شرقية ومأخوذة عن المذاهب التي كانت سائدة في منطقة الهلال الخصيب كما مر سابقاً فقد كانت العناصر الشرقية تخلق في الأجواء المحيطة بأفلوطين خلال القرون الثلاثة الأولى للميلاد وانتشرت إلى حد بعيد في جميع الأوساط الشرقية التي استوطنت المدن المتوسطة بين الهلال الخصيب والغرب اليوناني وبلاد مصر، فكان هذا كافياً لانتشار هذه الأفكار والمذاهب الشرقية في هذه الأوساط، فلا سبيل إلى إنكار تأثر الأفلوطينية بالعناصر الفكرية الشرقية (45).‏

7 الفلسفة عند الفارابي:‏

يعتبر الفاربي المؤسس الحقيقي للدراسات الفلسفية في العالم العربي ومنشئ الفلسفة الإسلامية، ومشيد بنيانها وواضع الأساس لجميع فروعها، فكان أعرف فلاسفة الإسلام بتاريخ الفلسفة ونظريات الفلاسفة كذلك استأثرت شؤون السياسة والاجتماع بقسط كبير من نشاط الفارابي، فنجح في علاج مسائلها وكتب فيها عدداً من الكتب.‏

الموجودات عند الفارابي قسمان (46):‏

واجب الوجود.‏

ممكن الوجود.‏

فواجب الوجود هو الله. وممكن الوجود هو كل مخلوق وكل ما سيخلق وكلما وجد الممكن أصبح واجب الوجود بغيره والله وحده هو واجب الوجود بذاته (47).‏

يعتقد الفارابي أن الممكن الوجود إذا وجد أصبح واجب الوجود بغيره وإذا ظل في مجال الإمكان كان ممكن الوجود فحسب، وأن وجوده وعدمه متعادلان، فمن الذي يرجح أحد الأمرين على التالي (48).‏

يجيب الفارابي: الذي يرجح ذلك هو الواجب الوجود، أو الله الذي لا يفتقر وجوده إلى مرجح. هنا نواجه نظرية الفارابي في الوجود وكيف وجد؟ فهو من القائلين بحدوث العالم، وهذا ما تهتم هذه الدراسة بإبرازه ومقارنته مع نظرية الوجود وكيف وجد عند أفلوطين، فهما من القائلين بنظرية الفيض.‏

8 كيف وجد الوجود عند أفلوطين والفارابي؟‏

عند أفلوطين نظرة مزدوجة إلى الواقع.‏

فهناك نظرة تشبه أسطورة النفس، يتوزع فيها الكون إلى مساكن طاهرة وغيرها نجسة، ترتفع فيها النفس أو تهبط، وتصبح فيها الحياة الداخلية للنفس متضامنة مع المسكن الذي تحل فيه.‏

هناك نظرة أخرى يبدو الكون فيها سلسلة من الأشكال يتعلق كل شكل منها بالشكل الذي يتقدمه، بحيث يستطيع العقل فهم نظامه، وتدور فلسفة أفلوطين بأسرها حول البرهان على أن هاتين النظريتين لا تتنافيان، وبالتالي حول إثبات القيمة الدينية للفلسفة العقلية في القمة نجد الواحد، وعنه يفيض العقل، وعن العقل تفيض النفس وكل مرتبة من هذه المراتب تحتوي جميع الكائنات التي ستتميز في المكان فالواحد يحوي كل شيء من غير تمييز، والعقل يحوي جميع الكائنات، إلا أنّها متميزة، متضامنة، بحث يحتوي كل كائن فيها بالقوة على جميع الكائنات الأخرى، أما في النفس، فإن هذه الكائنات تتميز، حتى إذا ما وصلت إلى العالم المحسوس انفصلت وانتشرت.‏

النفس عند أفلوطين هي آخر الكائنات المعقولة، وآخر الكائنات الموجودة في العالم المعقول، وهي أول الكائنات الموجودة في العالم المحسوس وهي بذلك ذات علاقة بكلا العالمين.‏

وللنفس قوى متعددة، وهي بهذه القوى تحتل أول الأشياء ووسطها وآخرها، إنها الرحالة في العالم الماورائي، وفيها توق وحركة.‏

والآن يثور السؤال: كيف يأتي إلى الوجود من الواحد كما هو في نظرنا كثرة ما؟ وكيف لم يبق الواحد في ذاته (49) إن الواحد غير متحرك إذا ليس خارجه حد يتحرك إليه، فإذا جاء شيء بعده، فلا يجيء الشيء إلى الوجود إلا إذا كان الواحد متجهاً إلى ذاته أبداً، ويجب القول إن ما يأتي من الواحد يأتي منه دون حركة أو ميل أو إرادة، وماذا يتصور حوله كان ساكناً؟ نتصور إشعاعاً آتياً منه وهو ساكن، كما يتولد من الشمس، الضوء الساطع المحيط بها وهي ساكنة دائماً، على أن كل موجود، ما دام في الوجود، يحدث بالضرورة حوله، من ذات ماهيته، شيئاً يتجه إلى خارج ويتعلق بقدرته الراهنة، هذا الشيء بمثابة الوجود الحادث منه، يضاف إلى ما تقدم أن كل موجود يصل إلى كماله يلد، فالموجود الكامل دائماً يلد دائماً، يلد موضوعاً سرمدياً يلد موجوداً أدنى منه ولكنه الأعظم بعده، هذا الأعظم بعده هو العقل الكلي الذي هو كلمة الواجد وفعله وصورته، ولكن الواحد ليس عقلاً، فكيف يلد العقل؟ ذلك بأنه يرى باتجاهاته إلى ذاته، وهذه الرؤية هي العقل الكلي (50).‏

ويذهب الفارابي في الإجابة عن السؤال مذهب أفلوطين فيقول:‏

إذا وجد واجب الوجود لزم ضرورة أن يوجد عنه سائر الموجودات على أن وجود هذه الموجودات إنما يحدث فيضاً عن وجود الأول الواجب الوجود، فوجد غيره إذن فائض عن وجوده، فكيف يحدث الفيض؟‏

من الله الواحد يصدر الكل، ومن تعلقه لذاته يصدر العالم، وعلة وجود الأشياء جميعاً ليست هي إرادة الخالق القادر على كل شيء بل علمه بما يجب عنه، فالأشياء ظهرت عنه، لكونه عالماً بذاته لأنه مبدأ النظام الخير في الوجود على ما يجب أن يكون عليه، فعلمه علة لوجود الشيء الذي يعلمه (51).‏

إنّ صدور الموجودات عنه ليس عن قصد يشبه قصدنا، ولا هو على الطبع دون أن يكون له معرفة ورضاء بصدورها.‏

يحدث الفيض التالي على الشكل التالي (52): عن الأول يفيض الوجود الثاني أو العقل الأول، وهذا الوجود الثاني غير متجسم وليس مادة، وهو يعقل ذاته ويعقل الأول الواجب الوجود وعقله لذاته هو عين ذاته، وهو بما يعقل ذاته التي تخصه وبما هو متجوهر بها يلزم عنه وجود السماء الأولى، وهو بما يعقله من الأول يلزم عنه وجود ثالث أو العقل الثاني، ووجود الثالث ليس في مادة، وهو بجوهره عقل، يعقل ذاته ويعقل الأول، وهو بما يعقله من الأول يلزم عنه وجود رابع أو العقل الثالث، وهذا الوجود ليس في مادة ويعقل الأول ويعقل ذاته، فيما يتجوهر بها يلزم عنه كرة المشترى وبما يعقله من الأول يصدر عنه وجود خامس، وهكذا يمضي الفاربي مع نظريته في الفيض سائراً على خطى أفلوطين وأساتذته نومينوس السوري، وأمينون السكاس، فإذا الوجود الخامس يصدر عنه وجود سادس أو العقل الخامس الذي يلزم عنه كرة المريخ والوجود السادس يصدر عنه وجود سابع، والسابع يصدر الوجود الثامن أو العقل السابع ويصدر عنه كرة الزهرة، والثامن يصدر التاسع أو العقل الثامن، ويلزم عنه وجود كرة عطارد، والتسع يصدر عنه العاشر أو العقل التاسع ويلزم وجود كرة القمر والعاشر يصدر عنه الحادي عشر أو العقل العاشر، الذي يدعوه الفارابي "العقل الفعال" أو الروح القدس، وهو الذي يصل العالم العلوي بالعالم السفلي وهو الذي يسبب وجود الأنفس الجزئية والعناصر بمساعدة الكواكب السيارة، وهو ليس في مادة بل هو آخر العقول المفارقة لها (53).‏

8 1: حدوث العالم (54):‏

تصدر في البدء عن العقل "الهيولى" وهي مشتركة بين جميع الأقسام الأرضية، تتأثر هذه الهيولى بدوران الأفلاك المتباينة في الجوهر والنسب والحركات.‏

ومن هذا التأثر يحدث في الهيولى استعدادات مختلفة، عندئذ يفيض العقل الفعال على هذه الاستعدادات صوراً تلائمها، فتتكون في البدء العناصر الأربعة: المادة، التراب، الهواء، النار. وهي عناصر بسيطة غير مركبة.‏

وتتمازج هذه العناصر بعضها مع بعض، فيحصل من هذا التمازج أجسام تختلط فيما بينها وتختلط بعضها مع بعض العناصر فتحدث امتزاجات أكثر تركيباً وأكثر تعقيدا. ويستمر ذلك شيئاً فشيئاً فتتكون امتزاجات تحدث فيها استعدادات، يفيض العقل الفعال على كل منها صورة تلائمه، فتحصل الأبخرة والسوائل فالجمادات فالنباتات فالحيوانات وأخيراً الإنسان، والإنسان أفضل ما يصدر عن العقل الفعال وأفضل المخلوقات في العالم الأرضي، وحين يوجد الجسم الإنساني، الكامل الاستعداد يفيض عليه العقل الفعال نفساً، فيغدو إنساناً سوياً ويرفض الفارابي قول أفلاطون وأفلوطين القائل أن النفس تنتقل من جسم إلى آخر، فهي تفيض على الجسم من العقل الفعال ساعة يتم حدوث الاستعداد في هذا الجسم، وهي بالتالي غير سابقة على وجود الجسم، فلا يجوز وجود النفس قبل البدن.‏

وخلاصة القول: فإن نظرية الخلق عند الفارابي، تبدأ من الأفضل إلى الأدنى في العالم العلوي، فالله أفضل الوجود، أما في العالم الأرضي فيبدأ الخلق من الأدنى إلى الأفضل، من الهيولى إلى الإنسان أفضل مراتب لوجود الأرضي.‏

8 2: الوجود الأرضي (55):‏

إنه كلما حصل استعداد في مادة فاضت عليه من العقل الفعال أو النفس الكلية نفس جزئية، وانفصال النفس الجزئية عن النفس الكلية يجعلها مستقلة استقلالاً تاماً، فهي حين تدخل الجسم المستعد لاستقبالها تكمل وجوده وتستقل فيه،وفي بحث الفارابي عن مصير النفس البشرية، فإننا نجد أنه لا يؤمن بوجود الجنة والنار حسياً وتتخذ منهما رمزاً للسعادة أو الشقاء على الأغلب.‏

إن الأنفس حين تغادر الأبدان، فإذا كانت صالحة تغدو لا حاجة لها إلى المادة، أما الأنفس الشريرة فتبقى في شقائها. وكلما بلغت الأنفس معارفها درجة من الكمال عليا، اقتربت من العقل الفعال، وهو حين تقترب منه تبلغ السعادة وتكتمل النفس عند الفارابي بالفعل، إن الإنسان في الحقيقة هو العقل، وكلما أفاض العقل الفعال على عقل الإنسان من صورة وتكاثرت هذه الصورة فيه صار مشابهاً للعقل الفعال، وكلما اقتربت من هذه الاتحاد، اقترب من الله فحصلت سعادته القصوى، وعندئذ تصبح نفس الإنسان من كمال الوجود بحيث لا يحتاج في قوامها إلى مادة، ويغدو في جملة الأشياء البريئة من الأجسام المفارقة في جوهرها. وهذا عين ما رآه أفلوطين من حصول السعادة في الاتحاد، وهو ما رآه بعد عدة قرون محيي الدين بن العربي" في كتابة "فصوص الحكم" فالعذاب في الآخرة من العذوبة وتكون أكثر كلما كانت النفس اقرب إلى الله والسعادة والشقاء لن يكونا خلوداً في النار، بل اقتراب من الله ومشاهدة له أو ابتعاد عنه في مشهد جليل (56).‏

إن جوهر فلسفة الفارابي مرده إلى المذهب اللاهوتي الأفلاطوني الذي أسسه وتزعمه السوري، نومينوس، من أهل القرن الثاني الميلادي، وكان له مقام كبير عند الأفلاطونيين الجدد في القرن الثالث الميلادي، أخذ من الديانات التاريخية (اليهودية والمسيحية) ودمجها في تعليمه بعد تأويلها تأويلاً رمزياً. ورأى أن الوجود ينقسم إلى مملكتين: مملكة العناية ومملكة المادة، والشر والنقص ليسا من الله وعنه أخذ "أمونيوس الساكاس" 175 205م، وهو من أبرز أفلاطونيي الإسكندرية في النصف الأول من القرن الثالث الميلادي، ولكن لم يدون أراءه وفرض على تلاميذه كتمان تعاليمه، وقد حاول التوفيق بين أفلاطون وأرسطو في أهم النقاط وأكثرها ضرورة:‏

صنع الله العالم دون أن يستخرجه من مادة سابقة.‏

وفي العالم، الأجسام خاضعة للأرواح بحيث يتألف من المرتبتين كل مترابط الأجزاء، وبحيث تدير كل سماء السماء التي تلي مباشرة.‏

إن للموجودات جميعاً شعوراً متفاوت الوضوح، بما للحكمة الإلهية من تأمل سرمدي لمعانيها، أو هو انعكاس للنظام الإلهي على عقول متفاوتة النورانية، وأمينوس السكاس هذا هو معلم أفلوطين الذي أخذ عنه أسرار المذهب اللاهوتي الأفلاطوني، الذي قال بصدور العالم عن الله على صورة فيض من العقول، حدث منذ الأزل، فإذا تعقل العقل الأول مبدعه صدر عنه الفلك الثاني، ومن تعقل هذا لنفسه، بما هو متجوهر بذاته لتي تخصه يلزم عنه وجود الفلك الأقصى، ويستمر فيض العقول بعضها مع بعض فيضاً ضرورياً حتى يصل إلى الفلك الأدنى،وهو فلك القمر، وهذا الفيض يتفق مع نظام الأفلاك عند بطليموس، وهو عين ما أخذ به الفارابي من أصحاب هذا المذهب اللاهوتي، لا سيما أفلوطين، وردده في كتبه، لا سيما "آراء أهل المدينة الفاضلة" (ص 19 20).‏

9 العدالة الاجتماعية بين جمهورية أفلاطون ومدينة الفارابي الفاضلة:‏

قصد أفلاطون في محاورة الجمهورية تجديد صورة الدولة المثالية التي تتحقق فيها العدالة الاجتماعية، من حيث هي فضيلة النفس الفردية، ونظام يتعلق بالدولة، فأوجب عليه هذا المقصد، أن يفسر طبيعة الإنسان وبيان تكوين الدولة، على حد سواء، ليتمكن من تحديد الظروف الواجب توافرها كي تتحقق العدالة في كل منهما.‏

لقد تضمنت محاورة الجمهورية الموضوعات التالية:‏

أولاً: تعريف العدالة وتحديد شروط تحققها.‏

ثانياً: بيان مصادر الفساد في الدولة وفي الفرد.‏

ثالثاً: آراء في الفن وفي النفس الإنسانية.‏

في تحديده لمفهوم العدالة يعرض أفلاطون آراء مختلف المتحاورين، ورأى أنها تشكل ثلاثة مواقف من العدالة، وهي:‏

إن العدالة هي معاملة كل إنسان حسب ما يستحق أو معاملة الأصدقاء بالخير إن كانوا أخياراً، والأعداء وهم الأشرار بالشر.‏

والعدالة عند السوفسطائيين تمثل الآراء الجيدة المتطرفة في السياسة فالعدالة ليست سوى العمل بمقتضى مصلحة الأقوى.‏

والعدالة عند المثاليين، ومنهم سقراط وأفلاطون، ترى أن للقيم الأخلاقية وجوداً ثابتاً لا يتغير بتغير الزمان والمكان، فهي مطلقة، لا تحتمل أي تغيير أو تبديل.‏

وفي نشوء الدولة، يرى أفلاطون أن الفرد وحده ضعيف، ومن ثم يكون الاجتماع ضرورة تحتمها الحياة الإنسانية، وعن اجتماع الأفراد نشأت الحاجة إلى تقسيم العمل فيما بينهم من أجل توفير كافة احتياجاتهم الضرورية، ولا تقتصر حاجات الإنسان على متطلبات الحياة المادية، وإنما ينبغي لأهل المجتمع أن يتذوقوا الفنون والآداب، وبارتقائهم في أساليب الحياة يتطلبون الترف، وتزيد حاجاتهم الكمالية فتشتبك المصالح وتنشأ الحروب، ومن هنا ينبغي تكوين طبقة من المحاربين المحترفين يتولون حراسة المدينة والدفاع عنها عند الاعتداء عليها، كما تحتاج المدينة إلى طبقة من الحكام، يوجهون الرعية إلى العمل الصالح ويرشدون المدينة إلى طريق الخير، ويحققون لها العدالة.‏

يؤكد أفلاطون انقسام المجتمع إلى ثلاث طبقات متمايزة، ويرى أن لكل طبقة منها وظيفة هيأتها لها الطبيعة وخصتها بها، بحيث لا ينبغي لها أن تتدخل في العمل الطبقة الأخرى.‏

تختص الطبقة الممتازة في المجتمع بالحكم لا يشاركها فيه أحد من الطبقات الأخرى،وخاصة الطبقة المنتجة، لأنها لا تملك الحكمة ولا التربية ولا التعليم الذي يهيؤها للاشتراك فيه.‏

وتختص كل طبقة بفضيلة:‏

فضيلة الحكام الحكمة.‏

وفضيلة الجنود الحراسة والشجاعة.‏

فضيلة العمال العفة أو الاعتدال، فيعنون بتنظيم ملذاتهم وانفعالاتهم ويتحكمون بشهواتهم.‏

هذه هي شروط تحقق العدالة، فيقوم كل فرد بالدولة بتأدية الوظيفة التي هيأتها له طبقته، ويلتزم بفضيلتها، وبغير ذلك يكون الظلم والشر. فقيام العدالة في جمهورية أفلاطون يقتضي تحقيق ما يلي:‏

ينبغي ألا يمارس أحد إلا عملاً واحداً في المجتمع، هو العمل الذي هيأته له طبقته.‏

انصراف كل فرد إلى عمله دون أن يتدخل في أعمال الآخرين، فالعدالة هي اهتمام كل فرد بما يخصه.‏

القوة التي تلزم بها الدولة أفرادها، كلا على أداء عمله، ستكون على نفس القدر من الأهمية مع فضائل الحكمة والشجاعة والاعتدال.‏

التعدي على أعمال الآخرين، واختلاط طبقات المجتمع الثلاث، يخلق الفوضى، وهو جريمة لا شك فيها.‏

وخلاصة القول فإن أفلاطون يذهب في السياسة مذهباً أرستقراطياً يخالف فيه ديمقراطية "أثينا" حيث يرى أن تدخل الأكثرية في السياسة والحكم يثير الفوضى، ويخالف مفهومه للعدالة الذي يقوم أساساً على تخصص طبقة أرستقراطية في الحكم، لأن لها فوق سواها مواهب الحكمة والشجاعة والعدالة والمساواة يجب أن يقترنا معاً في طبقة الحكام لذلك نادى بالشيوعية وبمساواة النساء والرجال في هذه الطبقة فتشارك المرأة الرجل في جميع الأعمال الخاصة بالطبقة، ونادى كذلك بإلغاء الزواج والأسرة في طبقة الحراس، فلا يختص أحد من هذه الطبقة بزوج أو زوجة أو ولد، إنما ستكون النساء والأولاد جميعهم، مشاعاً بينهم، فيربى الأطفال في دور الحضانة، ترضعهم أمهات صحيحات البدن، وترعى شؤونهم مربيات متخصصات، فتتفرغ الأمهات لأعمالهن والحكام عند أفلاطون يجب أن يكونوا من الفلاسفة، فما لم نر القوى والسياسة تتحد بالفلسفة وما لم تسن قوانين دقيقة. فإذا لم تجتمع هاتان القوتان (الفلسفة والسياسة) فلن تنتهي الشرور من الدول، بل من الجنس البشري.‏

ظن الفارابي أن معاني الجمهورية الأفلاطونية تتخلص في الرئيس الفيلسوف، ورأى أن الناس قد جمعتهم الضرورة، وأخضعتهم لإرادة رئيس واحد، تتمثل فيه المدينة بخيرها وشرها. فتكون فاسدة إذا كان حاكمها جاهلاً بقواعد الخير أو كان فاسقاً أو ضالاً.‏

أما المدينة الخيرة أو الفاضلة، فهي نوع واحد، ويرأسها فيلسوف والفارابي يصف أميره بكل فضائل الإنسانية، وكل فضائل الفلسفة فهو أفلاطون في ثوب النبي محمد (

قسم الفارابي كتابه "آراء أهل المدينة الفاضلة" قسمين، خص القسم الأول بمعالجة المبادئ الفلسفية التي يدين بها، والتي سيراعيها إلى حد ما في إنشاء مدينته، وخص القسم الآخر من الكتاب بشرح شؤون هذه المدينة وما ينبغي أن تكون عليه في مختلف فروع حياتها.‏

اشتمل القسم الفلسفي على خمس وعشرين فقرة، شكلت تسع منها فاتحته على البحث في الموجود الأول وبيان صفاته، ثم وقف بقية فقرات هذا القسم على بيان مراتب الموجودات المادية الروحية، وحالات كل طائفة منها وصلتها بالله وصلتها بعضها ببعض وما إلى ذلك.‏

آراء الفارابي في الموجود الأول تتفق كل الاتفاق مع مبادئ الإسلام وما يقرره في صدد الذات العالية وصفاتها، وتنم عن قوة إيمان الفارابي وسلامة عقيدته، فهو يقرر أن الله لا يمكن أن يشوب وجوده وجوهره عدم. لذا هو أزلي دائم الوجود بجوهره وذاته من غير أن يكون به حاجة إلى شيء آخر يمد بقاؤه.‏

والفارابي في آرائه عن الموجودات الثواني ومراتب الموجودات وحالاتها وصلتها بالموجود الأول وصلتها بعضها ببعض وما إلى ذلك، وهي الآراء التي ضمنها الفقرات الست عشرة الأخيرة من هذا القسم، مما مر ذكره في الفقرة السابقة من هذه الدراسة، وبيان مدى تأثره باللاهوت الأفلاطوني كما تمثل عند أفلوطين فذهب إلى ما ذهب إليه هذا اللاهوت من وجود عقول وأرواح تنبثق عن الله وضع الفارابي في القسم الاجتماعي من كتابه تصميماً لمدينته الفاضلة، وقد جاء تصميمه هذا مشابهاً لجمهورية أفلاطون مع بعض فروق يسيرة، تأثر بها الفارابي بمبادئ الدين الإسلامي على الأخص.‏

احتوى هذا القسم على اثنتي عشرة فقرة أعطاها العناوين التالية:‏

القول في احتياج الإنسان إلى الاجتماع والتعاون.‏

القول في العضو الرئيس.‏

القول في خصال رئيس المدينة الفاضلة.‏

القول في مضادات المدينة الفاضلة.‏

القول في اتصال النفوس بعضها ببعض.‏

القول في الصناعات والعادات.‏

القول في أهل هذه المدن.‏

القول في الأشياء المشتركة لأهل المدينة الفاضلة.‏

القول في آراء أهل المدن الجاهلة أو الضالة.‏

القول في العدل.‏

القول في الخشوع.‏

القول في المدن الجاهلة.‏

في كلام الفارابي على حاجة الإنسان إلى الاجتماع والتعاون يقول: إن الإنسان اجتماعي بطبعه من جهة، ويضطر إلى هذا الاجتماع اضطراراً لسد حاجاته من جهة أخرى وأنه من أجل ذلك نشأت الحاجات الإنسانية.‏

والمجتمعات عند الفارابي قسمان:‏

مجتمعات كاملة وهي ما يتحقق فيها التعاون الاجتماعي بوجه كامل لتحقيق سعادة الأفراد، وهي ثلاث مراتب:‏

*أرقاها مرتبة اجتماع العالم كله في دولة واحدة تحت سيطرة حكومة واحدة.‏

*وأقل منها كمالاً اجتماع أمة في جزء من المعمورة تحت سيطرة حكومة مستقلة.‏

*وأقلها جميعاً في الكمال اجتماع أهل مدينة في جزء من الأمة تحت سلطة رئيس.‏

مجتمعات ناقصة، وهي لا يتحقق فيها التعاون الكامل، ولا تستطيع أن تكفي نفسها بنفسها، وهي ثلاث مراتب كذلك:‏

*فأقلها نقصاً وأقربها إلى الاجتماع الكامل، اجتماع أهل القرية.‏

*اجتماع أهل الحي.‏

*اجتماع أسرة في منزل.‏

فمن هذه المجتمعات يتكون سلم متدرج، في قمته العالم الإنساني، مندمجة شعوبه ومكونة دولة واحدة، وفي أدنى درجة منه المجتمع العائلي.‏

أغفل الفارابي النوعين الأوليين من المجتمعات الكاملة، وقصر كلامه على اجتماع أهل المدينة وما يجب توافره في مجتمعها حتى تكون فاضلة سعيدة، ولعل السبب في ذلك يرجع إلى أمرين:‏

أنه رأى أن اجتماع العالم كله على الصورة التي ذكرها هو اجتماع مثالي، ولكنه متعذر التحقيق.‏

أن المدينة هي الخلية الأولى للمجتمعات الكاملة، فبصلاحها تصلح هذه المجتمعات وبفسادها يعتريها الفساد.‏

فالمدينة الفاضلة في نظره هي ما تتحقق السعادة للأفراد فيها على أكمل وجه ولا يكون ذلك إلا إذا تعاون أفرادها على الأمور التي تنال بها السعادة، واختص كل منهم بالعمل الذي يحسنه وبالوظيفة المهيأ لها بطبعه. وفي هذا يقول:‏

فالمدينة التي يقصد بالاجتماع فيها التعاون على الأشياء التي تنال بها السعادة في الحقيقة هي المدينة الفاضلة، فهي تشبه البدن الصحيح الذي يتعاون أعضاؤه كلها على تقييم حياة الحيوان وعلى حفظها عليه.‏

وأهم وظائف المدينة الفاضلة وأكثرها خطراً في نظر الفارابي هي وظيفة الرياسة وذلك لأن رئيس المدينة هو السلطة العليا التي يستمد منها جميع السلطات، وهو المثل الأعلى الذي ينظم جميع الكمالات، ومنزلته من سائر أفرادها كالقلب من أعضاء الجسم، بل إن منزلته فيهم كمنزلة الله من العقول وسائر الموجودات.‏

ولذلك لا يصلح للرئاسة إلا من زود بصفات فطرية ومكتسبة تتمثل فيها أقصى ما يمكن أن يصل إليه الكمال في الجسم والعقل والعلم والخلق والدين.‏

أما الصفات الفطرية فقد اشترط الفارابي أن تتوافر في رئيس المدينة صفات عديدة منها: تمام أعضائه، جيد الفهم والتصور لكل ما يقال له ويتلقاه بفهمه على ما يقصده القائل، جيد الحفظ لما يفهمه ولما يراه ويسمعه ويدركه في الجملة جيد الفطنة ذكياً إذا رأى الشيء بأدنى دليل فظن له على الجهة التي دل عليها الدليل حسن العبارة، محباً للعلم منقاداً له، محباً للصدق وأهله مبغضاً للكذب وأهله.‏

وأما الصفات المكتسبة فق اشترط الفارابي أن يتوافر منها في رئيس المدينة ست صفات هي:‏

يكون حكيماً.‏

يكون عالماً حافظاً للشرائع والسنن والسير التي دبرها الأولون للمدينة محتذياً بها بكل أفعاله.‏

يكون له جود استنباط فيما يحفظ عن السلف من شريعة، ويكون محتذياً حذو الأئمة الأولين.‏

له وجود رؤية ومعرفة في الأمور والحوادث التي تحدث.‏

أن يكون له جودة إرشاد بالقول إلى شرائع الأوليين وإلى التي استنبطت بعدهم مما احتذى فيه حذوهم.‏

أن يكون له جودة ثبات يبديه في مباشرة أعمال الحرب.‏

ويرى الفارابي أن أفراد المدينة أنفسهم لا تتحقق سعادتهم ولا تصبح مدينتهم فاضلة إلا إذا ساروا على غرار رئيسهم وأصبحوا صورة منه، وأن الرئيس لا يعد مؤدياً رسالته إلا إذا وصل بهم إلى هذا المستوى الرفيع.‏

من هذا يظهر أن المدينة الفاضلة التي أقام الفارابي قواعدها في كتابه هي مدينة يرأسها إنسان لا تقل منزلته عن منزلة الأنبياء، ويتألف أفرادها من قديسين، ومدينة كهذه لا يتاح مثلها في عالمنا الدنيوي.‏

10 خاتمة:‏

أفلاطون والفارابي فيلسوفان كبيران، تتطابق النظرية السياسية لكل واحد منهما مع فلسفته العامة، وكلاهما أرسى دعائم نظرية سياسية خاصة، تعبر عن أزمة العصر الذي عاش فيه، إنها تخريج المعادلة السياسية في إطار الحضارة التي ينتمي إليها الفيلسوف، وذلك ما يشكل الطابع الخاص بالنسبة لكل منهما، لكن هذا التخريج، رغم الصبغة الحضارية الخصوصية يتماثل في النزعة الإنسانية والمقومات العامة التي تتوفر في كل مجتمع من المجتمعات البشرية على الإطلاق، كالعنصر البشري والبيئة ووظائف الأهداف العامة والمؤسسات والنظم والتشريعات التي تهيئ هذه الأهداف الجمعية، وقد تفترق أو تتفق الرؤى والتحاليل والتراكيب حول هذه الأسس العامة بالنسبة لقيام حياة جمعية، وإن أوجه الاتفاق أو الافتراق تؤكد المكانة الخاصة بالنسبة لأي من الفيلسوفين ويمكن تنظيم صيغة للكشف عن هذه المكانة من خلال عرض حدود التقارب والتباعد بينهما:‏

أ دمج أفلاطون السياسة بالأسرة والاقتصاد، وكانت رؤيته للسياسة كعلم غير واضح، بينما حدد الفارابي موضوع العلم السياسي، وبين العلاقة بين العملي والنظري، وكيفية الوصول إلى قوانين كلية،وترك المجال مفتوحاً أمام النسبية والتغيير في كل مجتمع سياسي بل وفي كل مرحلة تاريخية جديدة.‏

ب نادى أفلاطون بدولة المدينة، ونادى الفارابي بالمدينة الفاضلة، وتجاوز أبو نصر هذا الإطار ليضع دولته على صعيد أممي.‏

ج دعا أفلاطون إلى تكوين طبقة كاملة من الحكام تتصف عموماً بالجمع بين القوتين السياسية والفلسفية في الجمهورية، وعين الفارابي رئاسة للمدينة الفاضلة واشترط توافر خواص عقلية وخبرات مختلفة للوصول إلى السلطة وحدد المهام الرئاسية على صعيدي المدينة والمعمورة.‏

د حدد أفلاطون مجالاً لطبقة الحكام ووضع برنامجاً للإعداد والتكوين والممارسة، وقرر الفارابي تشكيل مجلس رئاسي، وعين له برنامجاً مكافئاً لمطامح وحاجات وآراء أهل المدينة الفاضلة.‏

ه بين أفلاطون والفارابي معاً مسؤوليات رجال السلطة، وحدد كل منهما العدالة والمصلحة العامة كمعيارين للإشراف على أنماط ممارسة السياسة والإدارية والتشريعية والتربوية.‏

و كانت مفاهيم الدولة وبنيان المجتمع والأنظمة العامة وأدوار الحكام واضحة في ذهن الرجلين، وكان الفارابي يسعى للانفتاح على الواقع الإنساني الأممي أكثر من أفلاطون.‏

كذلك يلتقي الفيلسوفان في كثير من الصفات التي تهيئ شروط الزعامة، فكلاهما يريد لنماذج رؤسائه توافر سلامة البيان وغزارة المعلومات وحسن السيرة والميل إلى العدل والاعتدال وكبر النفس والتكيف، وكلاهما طالب بتقشف الحكام، وإن كان أفلاطون حدد ذلك في إطار مشاعية تمنع الحكام من الملكية والحياة الأسرية، بينما اشترط الفارابي الزهد في المال وسائر أعراض الدنيا.‏

وهكذا تتضح أوجه الاتفاق والافتراق بين الفيلسوفين، ولا مجال للقول بمسألة التأثر، فأما التشابه فتمليه الضرورة الحضارية الإنسانية التي تسود كل المجتمعات أما الافتراق فتقتضيه الضرورة الواقعية لكل حضارة وكل مجتمع في سياق كل مرحلة من مراحل التاريخ.‏

المصادر:‏

أفلاطون، عبد الرحمن بدوي، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1954.‏

تاريخ الفلسفة العربية، حنا الفاخوري وخليل الجر، مؤسسة بدران للطباعة والنشر، بيروت 1963.‏

تاريخ الفلسفة في الإسلام ت.ح دي يور، ترجمة عبد الهادي أبو ربدة مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة ط4، 1957.‏

تاريخ الفلسفة اليونانية، يوسف كرم، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، ط4، 1958.‏

التاريخ النقدي لمدينة الإسكندرية، فاشيرو (6 أجزاء).‏

خريف الفكر اليوناني، عبد الرحمن بدوي، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، ط3، 1959.‏

دراسات في الفلسفة اليونانية العربية، إنعام الجندي، مؤسسة الشرق الأوسط للطباعة والنشر، بيروت د.ت.‏

كشف الظنون، حاجي خليفة، طبعة ليبزع، 1835.‏

وفيات الأعيان ابن خلكان، ت محمد محيي الدين عبد الحميد، 1369 ه.‏

(1) كاتب وباحث في التراث.‏

(2) بدوي، عبد الرحمن: أفلاطون مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1954، ص 70.‏

(3) كرم، يوسف: تاريخ الفلسفة اليونانية، مطبعة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، ط4، 1958، ص63.‏

(4) بدوي، عبد الرحمن: أفلاطون، مصدر سابق، ص77.‏

(5) بدوي، عبد الرحمن: أفلاطون، مصدر سابق، ص79.‏

(6) كرم، يوسف: تاريخ الفلسفة اليونانية، مصدر سابق، ص 64 67.‏

(7) كرم، يوسفك تاريخ الفلسفة اليونانية. مصدر سابق، ص 286.‏

(8) بدوي، عبد الرحمن، خريف الفكر اليوناني، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، ط3، 1959، ص 121.‏

(9) بدوي، خريف الفكر اليوناني: مصدر سابق، ص 121.‏

أيضاً كرم تاريخ الفلسفة، مصدر سابق، ص 287.‏

(10) كرم، يوسف. تاريخ الفلسفة، مصدر سابق، ص 287.‏

(11) كرم، تاريخ الفلسفة، مصدر سابق، ص 289.‏

(12) بدوي، خريف الفكر، مصدر سابق، ص 121.‏

(13) يقول حاجي خليفة في كتابه "كشف الظنون" الجزء الثالث طبعة لينبرغ 1830م، ص98 99: إن مترجمي المأمون أتموا تراجم لا توافق ترجمة أحدهم ترجمة الآخر، فبقيت تلك التراجم هكذا غير محررة، بل أشرفت أن عفت رسومها إلى زمن الحكيم الفارابي، ثم إنه التمس منه ملك زمانه منصور بن نوح الساماني أن يجمع تلك التراجم، ويجعل من بينها ترجمة ملخصة محررة، مهذبة، مطابقة لما هي عليه الحكمة، فأجاب الفارابي، وفعل كما أراد وسمي كتابه "التعليم الثاني"، فلذلك لقب بالمعلم الثاني.‏

(14) روى ابن أبي أصبيعة: "أن أبا الفارابي كان فارسي الأصل تزوج من امرأة تركية، وأصبح قائداً في الجيش التركي، وذكر أن الفارابي اشتغل بالقضاء في بلدته قبل أن ينكب على دراسة الفلسفة" (ابن أبي أصيبعة: عيون الأنباء في طبقات الأطباء، الجزء الثاني، ص 143.‏

(15) ابن خلكان، وفيات الأعيان، 681ه تحقيق محمد، محيي الدين بن عبد الحميد، في ست أجزاء 1369ه.‏

(16) اتفق القاضي صاعد (ص63) وابن أبي أصيبعة (ج2، ص134)، والقفطي (ص183) وابن خلكان (ج/2، ص1 2): إن الفارابي قد توفي في سنة 339ه عن عمر بلغ الثمانين عاماً.‏

(17) ابن خلكان: ج2، ص 1 2.‏

(18) الفاخوري، حنا والجر، خليل: تاريخ الفلسفة العربية، مؤسسة بدران للطباعة والنشر، بيروت، ط2، 1963، ص 376.‏

(19) بدوي، أفلاطون، مصدر سابق، ص 1.‏

(20) بدوي، أفلاطون، مصدر سابق، ص 2.‏

(21) بدوي، أفلاطون، مصدر سابق، ص 2 3.‏

(22) كرم، تاريخ الفلسفة، مصدر سابق، ص 107.‏

(23) كرم، تاريخ الفلسفة، مصدر سابق، ص 287.‏

(24) الفاخوري والجر، تاريخ الفلسفة العربية، ص72 69 71.‏

(25) ت، ح، ديبور: تاريخ الفلسفة في الإسلام. ترجمة: محمد عبد الهادي أو ريدة. مطبعة لجنة التأليف والترجمة، القاهرة، ط4، 1957، ص193.‏

(26) ديبور، تاريخ الفلسفة في الإسلام، مصدر سابق، ص 197.‏

(27) الفاخوري والجر، تاريخ الفلسفة العربية، مصدر سابق، ص 41.‏

(28) الفاخوري والجر، تاريخ الفلسفة العربية، مصدر سابق، ص 41.‏

(29) الفاخوري والجر، تاريخ الفلسفة، مصدر سابق، ص 42.‏

(30) الفاخوري والجر، تاريخ الفلسفة العربية، مصدر سابق، ص 43.‏

(31) الفاخوري والجر، تاريخ الفلسفة العربية، مصدر سابق، ص 43.‏

(32) الفاخوري والجر، تاريخ الفلسفة العربية، مصدر سابق، ص 44.‏

(33) الفاخوري والجر، تاريخ الفلسفة العربية، مصدر سابق، ص 45.‏

(34) الفاخوري والجر، تاريخ الفلسفة العربية، مصدر سابق، ص 47.‏

(35) الفاخوري والجر، تاريخ الفلسفة العربية، مصدر سابق، ص 49.‏

(36) بدوي، خريف الفكر، مصدر سابق، ص 110.‏

(37) بدوي، خريف الفكر، مصدر سابق، ص 113.‏

(38) فاشيرو، التاريخ النقدي لمدرسة الإسكندر 6 أجزاء، 1846 1851.‏

(39) بدوي خريف الفكر، مصدر سابق، ص 118.‏

(40) بدوي، خريف الفكر، مصدر سابق، ص 119.‏

(41) بدوي، خريف الفكر، مصدر سابق، ص 125.‏

(42) بدوي، خريف الفكر، مصدر سابق، ص 125.‏

(43) بدوي، خريف الفكر، مصدر سابق. ص 130.‏

(44) بدوي، خريف الفكر، مصدر سابق، ص 132.‏

(45) الفاخوري والجو، تاريخ الفلسفة العربية، مصدر سابق، ص 82 83.‏

(46) الجندي، إنعام: دراسات في الفلسفة اليونانية والعربية مؤسسة الشرق الأوسط للطباعة والنشر، بيروت، د.ت، ص 78.‏

(47) الجندي، دراسات في الفلسفة، مصدر سابق، ص 78.‏

(48) الجندي: دراسات في الفلسفة، مصدر سابق، ص 78.‏

(49) كرم، تاريخ الفلسفة اليونانية، مصدر سابق، ص 291.‏

(50) كرم، تاريخ الفلسفة اليونانية، مصدر سابق، ص 291.‏

(51) الفارابي، عيون المسائل.‏

(52) الجندي، دراسات في الفلسفة، مصدر سابق، ص 82.‏

(53) الجندي، دراسات في الفلسفة، مصدر سابق، ص 83.‏

(54) الجندي، دراسات في الفلسفة، مصدر سابق، ص 85.‏

(55) الجندي، دراسات في الفلسفة، مصدر سابق، ص 82.‏

(56) الجندي، دراسات مصدر سابق، ص 90.‏

http://awu- dam.org/trath/104/turath104- 016.htm

http://www.dahsha.com/old/viewarticle.php?id=28809موقع المستخذم

hano.jimi
2011-09-16, 13:31
طلب مساعدة

اصدقائي الطلاب و الاعضاء الكرام أن اليوم بحاجة الى مساعدتكم حيث أحتـــــاج الى معلومــــات تفيدنــــي في اعداد

مذكرتــــــي " مستار في الفلسفــــة " حيث اخترت عنوان لمذكرة بعنوان " المثالية عند افلاطون واثرها على فكر

الفارابي " لكن المشكلة اني لم اجد معلومات كافية " و انا بأمس الحاجة اليكم يا اصدقائي الطلاب و الاعضاء الكرام

+ لدي موضوع اخر اخترت احتيــاطا و هذا اذا لم اجــد معلومــــات في العنوان السابــقة لذا اطلب منكـم المساعدة في

العنوانين


مجمل القول ان احتاج الى ان تفيدون بمعلومات خاصة بـــــــــ

عن الفلسفة الجمالية ماهيتها الياتها خصائصها

المثالية عند افلاطون واثرها على فكر الفارابي

http://www.4shared.com/document/iDWJayU-/___.htm هذه مجموعة كتب عن الفلسفة افلاطون والفارابي

أخطار المثالية السياسية

ما إن يجري الحديث عن مشروع سياسي نموذجي، ويسترسل في الحديث من أجل التأصيل له، حتى ينتهي الأمر عند واحد من فيلسوفين: الإغريقي إفلاطون بجمهوريته النموذجية، والإسلامي أبو نصر محمد الفارابي ومدينته الفاضلة.
والتصور النموذجي لدى إفلاطون هو تخطيط لمدينة واقعية طمح إفلاطون أن يراها مؤسسة على أرض الواقع. وقد أقام إفلاطون حينها بنياناً نظرياً لمجتمعه الكامل الذي طمح أن تجسده جمهوريته، متطرقاً إلى بعض القضايا العملية اللازمة لبناء ذلك المجتمع. وقد أسهب إفلاطون في معالجة أمور محسوسة مثل مناهج الدراسة لتنشئة الأفراد، ولم يتردد عن إجراء مقارنات حية يميز فيها مجتمعه النظري المثالي عن المجتمعات الأخرى القائمة، مُركّزاً في تلك المقارنات على الفروقات بين العدالة في كل منها، حيث نجح في البرهنة على «أن العدل يخدم الفرد والمجتمع». لكن الفلاسفة ومن بينهم العرب من أمثال عبدالرحمن بدوي اعتبروا الكتاب «يوتيبيا سياسيّة يتخيل فيها إفلاطون مجتمعاً كاملاً ويرمي بهذه المدينة إلى إقامة العدل الحقيقي الذي يراه. ولكن للأسف أن إفلاطون اكتشف استحالة قيام مدينته الفاضلة هذه، ووجد كذلك استحالة حصول ما يدعو إليه من أفكار وآراء». الأمر الذي دعاه إلى كتابة مؤلفه الآخر الذي أسماه (القوانين)، والذي «قام فيه بتعديل وإضافة بعض من القوانين والأفكار التي عرف باستحالة تحققها في كتابه الأول».
بعد إفلاطون الإغريقي كان هناك، كما ذكرنا، الإسلامي أبو نصر الفارابي، الذي يقول عنه ألبير نصري نادر، إن «فكرة الفارابي: لا يستطيع أن يبقي وأن يبلغ أفضل كمالاته إلا في المجتمع. والمجتمعات البشرية منها ما هو كامل، ومنها ما هو غير كامل. أما المدينة الفاضلة، فـشبيهة بالجسم الكامل التام، الذي تتعاون أعضاؤه لتحقيق الحياة والمحافظة عليها». ويلقي الفارابي بالكثير من الأضواء على مدينته الفاضلة، من خلال إبراز مساوئ مضاداتها، «وهي: المدينة الجاهلة، التي لم يعرف أهلها السعادة. والمدينة الفاسقة، وهي التي تعلم كل ما يعلمه أهل المدينة الفاضلة، ولكن تكون أفعالها أفعال أهل المدن الجاهلة. والمدينة المتبدّلة، وهي التي تكون آراؤها في القديم آراء أهل المدينة الفاضلة وأفعالها، غير أنها تبدّلت. وأخيراً المدينة الضالّة، وهي التي تظن السعادة، ولكنها غير هذه».
العنصر المشترك بين جمهورية إفلاطون ومدينة الفارابي هو أنهما أسستا على أرضية مثالية، أثبت علم السياسة استحالة قيامهما. وهذا مصير كل من يبحث عن مجتمع مثالي، تتوافر فيه كل مقومات الجمهورية الفاضلة، كي تتسنى له ممارسة أنشطته السياسية فيه.
التجربة تقول إن السياسي الناجح هو ذلك البراغماتي القادر على الاستفادة، دون أية انتهازية، من الظروف القائمة كي يحول عناصرها لمصلحة مشروعه السياسي. ومتى ما تمسك السياسي بمثالية إفلاطون، أو نموذجية الفارابي، فربما يؤول مشروعه السياسي إلى ما آلت إليه تلك المدينة وأختها الجمهورية. ومن هنا تأتي المخاطر المحتملة الناتجة عن المثالية السياسية


عبيدلي العبيدلي

صحيفة الوسط البحرينية - العدد 3214 - الأحد 26 يونيو 2011م الموافق 24 رجب 1432هـ
http://www.alwasatnews.com/3214/news/read/569488/1.htmlموقع الذي استخذمه
http://mapyourinfo.com/wiki/ar.wikipedia.org/8 موقع الذي استخذمته

hano.jimi
2011-09-16, 14:02
ا ماديا للفلسفة الذرية ، وجعل النظرية واسعة الشهرة.
27-03-2008 07:27 PMورده من القلب
رد : الموسوعه الفلسفيه
1 - ديمقريطس (460 – بداية القرن الرابع ق. م.) Democrite

حياته وآثاره:


ولد ديمقريطس في أسرة غنية ، في مدينة أبديرا في ثراقية. وقام بعدد كبير من الرحلات إلى بلدان الشرق. اشتهرت أعماله بالموسوعية حيث أسهم في مختلف العلوم والفنون، في الفلسفة والمنطق، وعلم النفس، والأخلاق، والسياسية، والفن، واللغة، والرياضيات، والفيزياء، والفلك.


فلسفته – (الذرات):


ليس في العالم إلا الخلاء والذرات، منها تتألف جميع الموجودات فالذرات تتميز إحداها عن الأخرى، وإن هذه الفروق الأولية هي علة الفروق جميعا. وهكذا يفضي المذهب الذري إلى الاعتراف بالسببية الشاملة في العالم.
ويعمم ديمقريطس آراءه الذرية لتشمل الحياة والروح أيضا. وهو يرجع ظهور الكائنات الحية إلى الظروف والشروط الطبيعية، دونما أية غاية، أو علة خارجية مفارقة.

ويرى أنه حياة الكائنات الحية وموتها، يعودان إلى إتحاد الذرات وانفصالها، والنفس أيضا، تتألف من ذرات نارية، وهي عبارة عن ائتلاف مؤقت لها. لقد زعزعت آراء ديمقريطس في النفس دعائم التصورات الدينية التقليدية. كما فقدت الآلهة صفاتها الخارقة، فهم كالبشر، مركبون من ذرات، إلا أنهم أقوى وأكثر حكمة، لكنهم لا يخلدون ولا يصنعون المعجزات.

لقد كانت فلسفة ديمقريطس خطوة هائلة في تطور المادية اليونانية. وبقيت النظرية المادية أساسا لكل التطور اللاحق للعلوم الطبيعية النظرية فيما يخص بنيان المادة.
27-03-2008 07:29 PMورده من القلب
رد : الموسوعه الفلسفيه
أنكساغوراس (500 – 438 ق. م.) Anexagore


حياته وآثاره:


ولد أنكساغوراس في كلازومينيا في آسيا الصغرى حوالى 500 ق. م. وهو من أسرة نبيلة ويملك ثروة طائلة وقد أهمل أملاكه سعيا وراء المعرفة والعلم والفلسفة.

ترك أنكساغوراس موطنه واستقر في أثينا، وكان هو الذي نقل الفلسفة إلى أثينا وأصبحت منذ أيامه المركز الرئيسي للفكر اليوناني. وفي أثينا اتصل بكل المشهورين في عصره، وكان صديقا لبركليس السياسي وايوربيدرس الشاعر. غير أن صداقته لبركليس كلفته غاليا. فلقد كان هناك قطاع سياسي معارض لبركليس، وقد صمم أعداء بركليس على الحاق الأذى بأنكساغوراس ومن ثم وجهت إليه تهمة الإلحاد. والإتهام هو أن أنكساغوراس قال أن الشمس حجر ملتهب أحمر وأن القمر مصنوع من الأرض. غير أن اليونانيين اعتبروا الأجرام السماوية آلهة. ولهذا وجهت التهمة إلى أنكساغوراس وحوكم وأدين. ولكن يبدوا أن أنكساغوراس هرب بمساعدة بركليس، ومن أثينا رجع إلى مسقط رأسه في آسيا الصغرى، واستقر في لامباسكوس ومات هناك وهو في الثانية والسبعين من عمره. وقد ألف بحث دون فيه أفكاره الفلسفية.


فلسفته – (العقل الكلي):


لقد أنكر أنكساغوراس وجود أية صيرورة مطلقة لانتقال وتحول الوجود إلى اللاوجود واللاوجود إلى الوجود. والصيرورة يجب أن تعد بخلط وتحليل أجزائها المركبة.
يعتقد أنكساغوراس أن الأنواع المختلفة للمادة نهائية وقصوى، أي ان الأشياء مثل الذهب والتراب والماء، هي أنواع نهائية للمادة لا تصدر عن أي شيء آخر ولا تتحول من مادة إلى أخرى.

كما يعتقد أن المادة يمكن أن تنقسم إلى مالا نهاية. وفي البداية كل أنواع المادة هذه كانت مختلطة معا في كتلة سديمية. وهذه الكتلة تمتد إلى ما لا نهاية عبر المكان والأنواع المختلفة للمادة تختلط وتنفذ كل منها في الأخرى. وصيرورة تشكيل العالم تحدث من جراء عدم خلط ما هو مختلط لجميع أنواع المادة وتجميع المادة المتشابهة مع المادة المتشابهة. ولما كانت المادة تنقسم إلى ما لا نهاية والخليط الأصلي للعناصر كاملا فإنها مختلطة بقدر لا متناه.



لقد اعتبر انكساغوراس القوة المحركة - لتفسير العملية العالمية الخاصة بفصل الخليط - أنها قوة غير فيزيائية وغير جسمانية كلية، إنها العقل الكلي ، والعقل الكلي هو الذي ينتج الحركة في الأشياء التي تتسبب في تشكيل العالم.

العالم محكوم على نحو عقلاني فهو يتحرك نحو غايات محددة. وما يمكن أن يقدمه القانون والنظام هو العقل وحده ومن ثم فلابد من عقل كلي يدبر العالم. لقد وصف انكساغوراس العقل بأنه "أدق الأشياء وأنقاها"، وقال أيضا أنه "غير مختلط" وأنه لا يحتوي فيه أي خليط من أي شيء بجانب ذاته.

ولما كان العقل هو أساس الحركة فإنه هو نفسه غير متحرك. لقد أقام أنكساغوراس فكرته عن وجود العقل على أساس التصميم الذي يظهر نفسه في العالم.

ترجع أهمية نظرية العقل لدى أنكساغوراس، أنها كانت المرة الأولى التي تتم فيها تفرقة محددة بين الجسماني واللاجسماني. لقد اعتبر العقل هو العلة الأولى، وهذه هي الخاصية المميزة لكل النزعة الآلية أي العودة إلى العلل الأولى.

لقد كان انكساغوراس آخر فيلسوف في المرحلة الأولى من الفلسفة اليونانية. هذه المرحلة تتميز بأن العقل اليوناني فيها لا يتطلع إلا إلى العالم الخارجي، فهي تحاول أن تفسر عمليات الطبيعة. غير أن التحول إلى الدراسة الاستنباطية للعقل وجدت في العقل عند انكساغوراس قد برز كمشكلة فلسفية.
27-03-2008 07:31 PMورده من القلب
رد : الموسوعه الفلسفيه

ثانياً : الإيليون Eleaties

يسمى الإيليون بهذا الإسم نظرا لأن مقر مدرستهم بلدة ايليا في جنوب إيطاليا .
فالايلية هي الفلسفة الحقة ، وفيها ظهر العامل الأول للحقيقة ، وكان بارمنيدس وزينون الممثلان الرئيسيان للمدرسة .



اكزينوفان (570 – 475 ق. م.) Axenophane


حياته وآثاره :


المؤسس المشهور للمدرسة الإيلية هو اكزينوفان ، ولد حوالي 576 ق. م. في قولوقون في أيونيا ، وأمضى حياته الطويلة في التجوال في المدرسة الهللينية كشاعر ومنشد الأغنيات في الحفلات .

وتم التعبير عن فلسفته شعرا ، و لم يكتب قصائد فلسفية بل مراثي وهجائيات عن موضوعات مختلفة .

فقد هاجم اكزينوفان الأفكار الدينية الشعبية عند اليونان . ويقوم الدين اليوناني الشعبي على أساس الاعتقاد في عدد الآلهة التي يجري تصورها على شكل كائنات إنسانية ، ولذلك سخر من تصورات اليونانيين عن الآلهة ، وتعددها ، وسكناها الأولمب .

وقد هاجم اكزينوفان كلا من هوميروس وهزيود عندما نسبا إلى الآلهة عيوب الإنسان ونقائصه . وفي رأيه ، ان ما هو إلهي لا يمكن إلا أن يكون واحدا ولا يمكن إلا أن يوجد واحد هو أفضلها ، ولهذا فإن الله يجب تصوره على أنه واحد .

لقد وحد اكزينوفان بين الله والعالم ، العالم هو الله . والله لا يتغير ولا يتحرك ولا ينقسم وهو لا يضطرب ولا ينفعل . (إن الله هو الله) . ولهذا يمكن وصف تفكير اكزينوفان بأنه (وحدة الوجود)


فلسفته (وحدة الوجود) :


كان اكزينوفان من أوائل القائلين بمذهبه وحدة الوجود المادية Pantheisme ، العالم عنده واحد أزلي لا يفسد ، إنه (الله) الذي يتحد بالأشياء جميعا .
كما حرر اكرينوفان الطبيعة من مختلف التصورات الأسطورية والدينية ، وكل ما يولد وينمو ، بما في ذلك الإنسان ، جاء من الماء والتراب .
27-03-2008 07:33 PMورده من القلب
رد : الموسوعه الفلسفيه
زينون (490 – 430 ق. م.) Zenon d'Elee


حياته وآثاره :


ولد زينون حوالي 490 ق. م. وهو من مدينة إيليا . لقد ألف بحثا كتبه نثرا عرض فيه فلسفته . ولقد أيد بارمنيدس في مذهبه عن الوجود . فهو في محاولته لتأييد مذهب بارمنيدس أدلى بأفكار محددة عن الطبيعة القصوى للمكان والزمان .

لقد وجه زينون مجادلاته ضد الكثرة والحركة وحاول أن يدعم نتائج بارمنيدس باظهار أن الكثرة والحركة مستحيلتان .


فلسفته (الثبات) :


يحاول زينون في حججه المشهورة ، أي في تحليله للمصاعب المتعلقة بالحركة ، البرهان على أن التسليم بإمكانية إدراك الحركة فكريا يقود إلى التناقض فتمتنع الحركة من نقطة إلى أخرى ، سواء أكان ذلك حركة جسم واحد ، أو جسمين يبعد أحدهما عن الآخر مسافة معينة . أو كان ذلك حركة نقاط أو أجسام مادية لها امتداد . فهذه الحركة إما أن لا تبدأ ، أو أنها لا تنتهي خلال مدة معينة إذا بدأت .

ففي (أخيل والسلحفاة) يسابق أخيل (ذو القدمين الخفيفتين) السلحفاة أبطأ الحيوانات . بفرض أنها تتقدمه مسافة ولو قصيرة ، وأنهما يبدآن الحركة في وقت واحد ، ان أخيل لن يدرك السلحفاة إلا أن يقطع أولا نصف المسافة ، التي تفصله عنها ، ولكي يقطع هذا النصف يجب أولا أن يقطع نصف النصف ، وهكذا إلى ما لا نهاية . ولما كان اجتياز اللانهاية ممتنعا ، امتنع أن يدرك أخيل السلحفاة .

وفي حجة (السهم الطائر) ينطلق زينون من الافتراض بأن الزمان مؤلف من (أنات) منفصلة غير متجزئة . فالسهم امتداد يشغل في كل آن من آنات الزمن مكانا متساويا له من حيث الطول ، فهو إذن لا يبارح المكان الذي يشغله في الآن غير المتجزئ أي أنه ساكن لا يتحرك وهكذا في كل آن .

ان زينوهن ما يؤكد عليه في حججه هو استحالة إدراك الحركة فكريا ، مع التسليم بأن المكان والزمان مؤلفان من أجزاء منفصلة لا نهائية ، وقد اعطت حججه هذه دفعا قويا لتطوير الرياضيات والمنطق اليونانيين .

إن الفلسفة الايلية هي أول نزعة واحدية ، والفلسفة الواحدية هي فلسفة تحاول أن تفسر الكون كله من مبدأ واحد .

لقد طرح الفلاسفة اليونانيون الأوائل ، الأيونيون السؤال : "ما هو المبدأ المطلق للأشياء ؟" وأعلنوا أن المبدأ الأول للأشياء هو المادة . والفيثاغوريون ردوا على السؤال نفسه فأعلنوا أن الأعداد هي المبدأ الأول . وردت المدرسة الإيلية على السؤال فأكدت أن المبدأ الأول للأشياء هو الوجود .

ولهذا فإن الإنتقال من الفلسفة الايونية إلى الفلسفة الايلية هو انتقال من التفكير الحسي إلى التفكير الخالص ، من حيث أن الوجود الايلي هو فكر تجريدي تام .
27-03-2008 07:34 PMورده من القلب
رد : الموسوعه الفلسفيه


هراقليطس (475 – 535 ق. م.) Heraclite


حياته وآثاره :


ولد هراقليطس حوالي عام 475 ق. م. في أفسوس وتوفي عام 535 ق.م ولقد كان ارستقراطيا ينحدر من أسرة نبيلة وشغل في أفسوس وظيفة الحاكم . ولقد كان إنسانا متباعدا تمتلئ طبيعته بالتعالي . ولقد أطل على عامة الشعب بإحتقار شديد . وتتسم أقواله بالسخرية : "الحمير تفضل القش على الذهب" . "الكلاب تنبح على كل من لا تعرفه" وهذا يعني أن قيمة الذهب نسبية ، فهو ثمين في نظر الناس فقط . والإنسان الجاهل يصرخ في وجه الحقيقة التي يجهلها ولا يعرفها - .

ولقد عرف هراقليطس عن أفكاره الفلسفية في بحث مكتوب نثرا . وقد لقب "بالكئيب" أو "الغامض" بسبب صعوبة أسلوبه وغموضه . ومبدأه الفلسفي على خط متعارض مع مبدأ المدرسة الإيلية . فهو يقول بمبدأ الصيرورة Devenir .


فلسفته (النار ، الصيرورة) :


ينطلق هراقليطس في مذهبه عن العالم من القول بتفسير كل ما هو موجود . وقد إفترض أن جميع الأشياء الموجودة صدرت من بداية مادية أولى . هذه البداية هي النار .
ان العالم ، أو الطبيعة توجد دوما في تغير مستمر ، والنار أكثر الأشياء قابلية للتغير والحركة . "هذا العالم ، الذي هو نفسه بالنسبة لكل موجود ، كان ويكون ويبقى أبدا نارا حية ، تستمر بمقدار وتنطفئ بمقدار".

يرى هراقليطس أن العالم يبقى نارا في أساسه ، برغم ما يطرأ عليه من تغيرات ، عن النار تصدر الأجسام الطبيعية ، والأرواح أيضا . والأشياء جميعا تصدر عن النار بصورة حتمية ، وذلك من خلال عدد من التغيرات المتعاقبة . فالعالم يسيره "اللوغوس" Logos (الكلمة ، العقل ، القانون...) .

والعالم لا يبقى ثابتا بل عملية لا تتغير خلالها الأشياء والصفات عشوائيا ، بل تنتقل إلى نقيضها : فيغدو البارد حارا ، والحار باردا ، والرطب جافا ، والجاف رطبا . حتى الشمس تتجدد في كل لحظة . فكل شيء في تغير مستمر : "لا يمكن للإنسان أن يستحم في مياه نهر واحد مرتين ، ففي المرة الثانية تكون المياه القديمة قد تغيرت ، وحلت محلها مياه جديدة" .

وفي الحياة الإنسانية لا يتخذ تحول الشيء إلى نقيضه شكل انتقال بسيط ، بل يتجلى على شكل صراع أو حرب ، وهذا الصراع هو "سيد الأشياء جميعا" . في صراع المتضادات تتكشف وحدتها الداخلية . "فالخالدون زائلون ، والزائلون خالدون ، وحياة البعض موت للآخرين" . والأشياء إذ تتحول إلى ضدها ، تحتفظ في الوقت ذاته بالأساس المشترك ، الذي يجمع الضدية . يقول هراقليطس : "الله نهار وليل ، شتاء وصيف ، حرب وسلم ، شبع وجوع" . وهذا يعني أن الله يبقى ، برغم كل التحولات ، أساسا مشتركا للمتضادات .

ان هراقليطس قد وضع الديالكتيك المادي ، وذلك من خلال التفسير المستمر لجميع الموجودات ، وبصراع الأضداد كسبب للتغير .
وهو يضع الحقيقة في المعرفة العقلانية . فبالعقل نرتفع إلى معرفة قانون الصيرورة . وفي استيعات هذا القانون يكمن واجب الإنسان والطريق الوحيد إلى السعادة .
27-03-2008 07:36 PMورده من القلب
رد : الموسوعه الفلسفيه



أمبادوكليس (435 – 495 ق. م.) Empedocles


حياته وآثاره :


هو من بلدة أجريجنتا في صقلية ، ولد حوالي 435 وتوفي حوالي 495 ق. م. فقد نسجت حوله جميع أنواع الأساطير . وينسب إليه القيام بمعجزات ، وتناثرت قصص خيالية حول وفاته ، وقد ارتفع بسبب فصاحته إلى مصاف زعامة الديمقراطية في أجريجنتا إلى أن طرد منها نفيا .

وفلسفة امبادوكليس هي فلسفة انتقائية بطابعها . إذ كانت مهمة امبادوكليس التوفيق بين المبادئ المتصارعة في الفلسفة اليونانية . وصهرها في مذهب جديد .


فلسفته (العناصر الأربعة) :


ينطلق امبادوكليس من فكرة بارمنيدس عن الوجود اليقيني الساكن ، الذي لا يتغير ولا يفنى أبدا . لكنه يسلم بكثرة الأشياء التي تتألف من العناصر المادية الأربعة غير المتجانسة : النار والهواء والماء والتراب . يرى أن ظهور الأشياء ليس إلا ائتلافا لهذه المبادئ الأزلية ، التي لا تصدر عن شيء آخر ، والتي هي "جذور الأشياء كلها" ، وليس فسادها إلا انحلال الجسم إلى هذه العناصر المكونة له .

وهكذا فإن كل ما في العالم في ائتلاف وانحلال دائمين . وبالإضافة إلى تلك المبادئ المادية الأولية الأربعة توجد في العالم قوتان محركتان : الحب والكراهية ، بهما يفسر امبادوكليس ظهور مجموعة الأشياء الحسية . بالحب تتآلف الذرات المتشابه ، وبالكراهية تنفصل . فليس الحب والكراهية إلا تجليات داخلنا للقوى الآلية للجذب والتنافر العاملة في العالم .
لقد آمن امبادوكليس بمذهب الدورات العالمية المنتظمة ، لهذا فإن سيرورة العالم دائرية وليست لها بداية أو نهاية .
27-03-2008 07:39 PMورده من القلب
رد : الموسوعه الفلسفيه

ثالثاً : الفيثاغوريون Pythagoreans

فيثاغورس (580 – 500 ق. م.) Pythagoras



حياته وآثاره :


ولد فيثاغورس بين 580 و 500 ق. م. في ساموس وفي حوالي منتصف العمر هاجر إلى كروتونا في جنوب إيطاليا . وهناك أسس الجمعية الفيثاغورية وعاش لعدة سنوات على رأس هذه الجمعية . ولا تعرف على وجه اليقين حياته المتأخرة وتاريخ وفاته .

هذه الجمعية هي في الحقيقة نحلة دينية وخلقية . لقد أخذت عن النحلة الأرفية الإيمان بالتناسخ تناسخ الأرواح . ولقد آمنت النحلة الأرفية بالتحرر من عجلة الحياة وهذا يتم بالاحتفال والطقوس الدينية . فالتربية العقلية وتعليم العلم والفلسفة وبصفة عامة التأمل العقلي للأشياء المطلقة في الكون ذات عون كبير في تحرر النفس . ان الآراء الأخلاقية الفيثاغورية هي آراء طابع ديني وزاهد . لقد أصروا على التطهير الكامل للحياة في أعضاء الطائفة وأصروا على الامتناع عن تناول اللحوم ولقد حرموا أكل البقول وارتدوا زيا خاصا بهم . وقالوا أن الإنسان لا يجب أن يحاول التحرر بالانتحار لأن الإنسان هو ملكية الله .

وقد استهدفوا اخضاع الدولة لنظامهم وقد استحوذوا على حكم كروتونا لفترة قصيرة . وأدى هذا إلى هجمات على الطائفة ومحاكمة أعضائها . وحدثت محاكمة عامة وأحرق المقر العام للجمعية وتشتت الطائفة وقتل أعضاؤها أو نفوا . وحدث هذا بين 440 و 430 ق. م. وبعد هذا بعدة سنوات جرى احياء الجمعية وواصلت أوجه نشاطها .


فلسفته – (الأعداد)

يرى الفيثاغوريون أن هناك صفة واحدة في الأشياء تكون كلية وشاملة في مداها وتنطبق على كل شيء في الكون . ان كل شيء يمكن عده ويمكن حسابه وانه يستحيللا أن نتصور كونا لا نجد فيه العدد . وعلى هذا الأساس يكون العدد هو جانب هام للغاية للأشياء ويشكل جزءا أساسيا في اطار العالم . أي أن الأعداد هي المبدأ الأول للعالم . فالعالم عدد ونغم ومعرفة العالم تعني معرفة الأعداد التي تحكمه والعلاقات الرياضية التي يتحرك بموجبها .

لقد وجهوا الاهتمام إلى التناسب والتناغم باعتبارها النغمات السائدة في الكون . فالتناسب والنظام والتناغم ترتبط تماما بالعدد . فالتناسب مثلا يجب التعبير عنه بعلاقة رقم من الارقام برقم آخر ... فالتناغم الموسيقي قائم على الأعداد وكان الفيثاغوريون أول من اكتشف هذا . ان اختلاف النغمات يرجع إلى اختلاف عدد الأوتار في الآلة الموسيقية والمسافات الموسيقية قائمة على نسب عددية ولما كان الكون عبارة عن تناغم موسيقي فقد رتب الفيثاغوريون على هذا أن الطابع الجوهري للكون هو العدد . اذن أن العدد هو جانب هام للغاية في الكون وأنه أساسي فيه . ان الفيثاغوريون يرون أن المبدأ الأول للأشياء هو العدد . العدد هو أساس العالم أنه الخامة التي يصنع منها العالم .
وتنشأ كل الأعداد من الوحدة وهي العدد الأول وكل عدد هو وحدات كثيرة . اذن الوحدة هي الأولى في نظام الأشياء في الكون .

ونادى الفيثاغوريون أيضا بالسنة الكبرى فيها يظهر العالم وينقضي وتتكرر مثل هذه الفترة (عشرة آلاف سنة) بنفس التطور حتى أصغر التفاصيل .
27-03-2008 07:40 PMورده من القلب
رد : الموسوعه الفلسفيه

رابعاً : الفلسفة ما قبل سقراط Presocrate

يستخدم مسطلح الفلاسفة قبل سقراط Presocratique أو ما قبل السقراطية للإشارة إلى المفكرين فيما قبل زمن سقراط مما حاولوا أن يعرفوا ويبحثوا تركيب العالم وطبيعة الواقع. وهم يتدرجون من "طاليس" – أوئل القرن السادس قبل الميلاد – إلى "ديموقريطس" – في النصف الأخير من القرن الخامس قبل الميلاد – وفد أول الفلاسفة قبل سقراط من أيونيا ، وهي مستعمرة يونانية ، تقع في وسط الساحل الغربي لآسيا الصغرى . وكانت دول المدينة مثل ملطية على إتصال وثيق بالثقافات الأجنبية في مصر وليديا ، وبابل ، وكانت أيونيا وريثة ثقافة أدبية قديمة ترجع إلى ما قبل هوميروس.
وسرعان ما انتشر الاهتمام بالفلسفة عبر البحار ... إذ كان معظم الفلاسفة في تلك الفترة ينتمون إما إلى شرق العالم اليوناني وإما إلى غربه ولن تدخل أثينا في هذا المجال إلا عندما انتقل إليها "انكساغوراس" وافدا من أيونيا في السبعينات من القرن الخامس قبل الميلاد .

وعلى الرغم مما بين الفلاسفة قبل سقراط من اختلاف فيما بين الواحد منهم والآخر ، فهم يؤلفون جماعة على أساس منطقي : بحثهم في المشكلات الكونية . ولقد حول سقراط التفكير التأملي اليوناني إلى اتجاه جديد وذلك برفضه الفيزياء وتركيزه على المسائل الأخلاقية ، أي بحثه عن مشكلة الإنسان ، وكذلك كان السوفسطائيون الذي اتجهوا نحو الإنسان .

إن الفلاسفة الأولين أو محبي الحكمة قد أخضعوا الإنسانية إلى النظر في الواقع الفيزيقي الخارجي أو "الباحثين في الطبيعة" ذلك عندما اتجه اهتمامهم ليعالج المشكلات الأكثر ضخامة وهي التي تتعلق بطبيعة العالم . إن معالجة هذه المشكلات في عبارات وصفية مباشرة هو الذي أعطاهم لقب "فلاسفة" – وعلى الرغم من أن الفلاسفة قبل سقراط نبذوا الكثير من اللغة الأسطورية ، إلا أنهم ظلوا متأثرين في بعض النقاط بما ورثوه من مزاعم عصر ما قبل الفلسفة .
27-03-2008 07:42 PMورده من القلب
رد : الموسوعه الفلسفيه
1 -

الأيونينون Ioniens


نشأت الفلسفة اليونانياة ، في المدن التي شيدها الأغريق بايونية على الساحل الغربي لآسيا الصغرى . وظهرت أولى التعاليم الفلسفية المادية في مدينة ملطية ، كبرى مدن آسيا الصغرى ، على مشارف القرنين السابع والسادس قبل الميلاد . في أواخر القرن السابع وأواخر القرن السادس قبل الميلاد عاش الفلاسفة الثلاثة : طاليس ، وأناكسمندر ، وأناكسيمنس . كان هؤلاء أول من صاغ ، وطور المفاهيم والتنبؤات الفلكية والرياضية والفيزيائية والبيولوجية في اليونان ، ووضعوا عدد من الأجهزة العلمية البسيطة . هذه المعارف شكلت العنصر الأساسي لرؤية فلسفية متكاملة . لقد سعى هؤلاء الفلاسفة إلى البحث عن العلة الأولى للأشياء ... عن معرفة الكون .
27-03-2008 07:44 PMورده من القلب
رد : الموسوعه الفلسفيه
طاليس ( 643 – 550 ق.م. ) Thales

حياته وآثاره :

يعد طاليس مؤسس وأب الفلسفة كلها لقد ولد حوالي 643 ق.م. ومات حوالي 550 ق.م. كان طاليس مشهورا بتعاليمه الرياضية والفلكية ورزانته العملية وحكمته ، وهو واحد من الحكماء السبعة . ويقال أن طاليس تنبأ بحدوث كسوف الشمس عام 585 ق.م. وكان هذا عملا رائعا بالنسبة للفلك في تلك الأزمان . كما كان مهندسا عظيما لأنه قام بتحويل مجرى نهر هاليس . لم تكن هناك كتابة لطاليس وارده .

فلسفته – أصل الوجود الماء :

تتألف فلسفة طاليس من قضيتين :

أولا : أن أصل الأشياء جميعا هو الماء وكل شيء يعود إلى الماء .
ثانيا : أن الأرض قرص مسطح مستوى يطفو على الماء .

والقضية الرئيسية تعني أن الماء هو النوع الأول الواحد للوجود وأن كل شيء آخر في الكون ليس إلا مجرد تغيير للماء .

هذا هو جوهر تعاليم طاليس . أن دلالة طاليس تكمن في أنه كان أول محاولة لشرح الكون على مبادئ طبيعية وعلمية دون اللجوء إلى الأساطير والآلهة المصطبغة بصبغة إنسانية .
بالإضافة إلى ذلك فقط طرح طاليس المشكلة وحدد إتجاه وطابع كل الفلسفة السابقة على سقراط ، ولقد كان التفكير الأساسي في تلك الفترة أن لابد من أن يوجد وراء الكثرة في العالم مبدأ أقصى واحد .

وكانت المشكلة بالنسبة لجميع الفلاسفة من طاليس إلى أنكساجوراس هي طبيعة ذلك المبدأ الأول الذي صدرت منه جميع الأشياء . وكل مذاهبهم هي محاولات للإجابة عن هذا التساؤل .

وهكذا كانت الفترة الأولى أساسا كونية بطابعها ، وكان طاليس هو الذي حدد طابع تلك الفلسفة . وتكمن أهميته في أنه أول من طرح المشكلة .
27-03-2008 07:46 PMورده من القلب
رد : الموسوعه الفلسفيه
انكسماندريس ( 611 – 547 ق.م. )Anaximandre

حياته وآثاره :
كان أنكسماندريس مفكرا جريئا . ولد حوالي عام 611 ق.م. وتوفي حوالي 547 ق.م. وكان من سكان مالطا ، وهو تلميذ لطاليس . وكان أول يوناني يكتب بحثا فلسفيا . ولقد كان بارزا بسبب معرفته الفلكية والجغرافية وهو أول من رسم خريطة للأرض .

فلسفته – اللامتناهي :


اتفق انكسماندريس مع طاليس أن المبدأ الأقصى للأشياء هو مبدأ مادي ولكنه لم يجعله الماء ، بل هو مادة بلا تشكيل وبلا تحديد وبلا ملامح بصفة عامة ، ولهذا فإن هذه المادة هلامية . لقد اعتقد انكسماندريس أن هذه المادة تمتد إلى ما لا نهاية في المكان .

افترض أن المكان مملوء تماما بالمادة ، وهذه المادة الأولى ، غير العينة ، لا حدود لها ، وهي بالتالي اللانهائية Apiron . هذه المادة كانت تتضمن في البدء ، جميع أنواع الأشياء التي صدرت ، فيما بعد عن الحار والبارد وانفصلت بفعل حركة الكرة السماوية اليومية ، وتوضعت في المحيط الكوني تبعا لوزنها وكميتها .

في عملية تشكيل العالم صدر أولا الهواء والماء اللذان غطيا الأرض ، ثم تكونت حول الهواء كرى نارية أحاطت به ، تمزقت هذه الكرة النارية ، فتشكلت النجوم والكواكب ، ولم يبق الماء على حاله قشرة تحيط بالأرض ، فقط تبخر جزء منه بفعل حرارة الشمس ، وانكشف بذلك قاع البحر ، فظهرت اليابسة ، وينتقل أنكسماندريس بعد ذلك إلى ظهرو أشكال الحياة على الأرض من حيوانات وبشر . فكل ما يصدر عن اللامتناهي يعود بمرور الزمن ليحل فيه من جديد ، ولهذا ، يعود السبب إلى ظهور العوالم وفسادها .
27-03-2008 07:48 PMورده من القلب
رد : الموسوعه الفلسفيه
انكسمانس (524 – 558 ق.م. ) Anaximene

حياته وآثاره :

كان أنكسمانس مثل المفكرين السابقين من سكان مدينة مليتس . ولد حوالي 524 ق.م. ومات حوالي 558 لقد كتب رسالة بقيت منه شذرة صغيرة ، لقد اتفق مع سابقيه على أن المبدأ الأول للكون مادى ، لكنه اعتبر أن المادة الأولى هي الهواء .

فلسفته – الهواء :

الهواء في حالة حركية دائمة ، وهذه الحركة تتسبب في تطور الكون من الهواء وعملية التطور تحدد من عمليتين متعاكستين : التخلخل والتكثيف .

أن الهواء بالتخلخل يصبح نارا والنار المتولدة للأعلى على الهواء تصبح النجزم ، وبالعملية العكسية الخاصة بالتكثيف يصبح الهواء أولا سحبا ، وبدرجة أشد يصبح ماء وترابا وصخورا ...

والعالم يدور في مجرى الزمن من جديد ويستحيل إلى هواء أولي . أي أنه قال بنظرية العوالم اللامتناهية وهذه العالم متعاقبة .

والهواء ليس مادة كونية أولى فحسب ، بل ومصدر الحياة والظواهر النفسية . والنفس Psyche عند أنكسمانس ليست إلا تنفسا ، أي استنشاقا للهواء . وقد شبه نفس الحياة ، الذي يحفظ أجسام الحيوانات والإنسان ، بالهواء الذي يحمل النجوم السماوية ، ويملأ الكون كله .

ويرى أنكسمانس أن الكون كله في تغير مستمر ، وأن الأشياء تستطيع أن تكتسب أشكالا متنوعة ، وتتحدد وتفرق بطرق عدة ، بفضل العملة الكونية الشاملة – عملية التخلخل والتكثيف .
27-03-2008 07:54 PMورده من القلب
رد : الموسوعه الفلسفيه

خامساً : فلاسفة يونانيون – Philosophers Grecques

مدارس الفلسفة اليونانية ومناهجها

كان تفكير الإنسان القديم أسطوريا ينبني على الميتوس في تفسير الظواهر الكونية والوجودية، وتفكيرا شاعريا يعتمد على الخيال والمجاز الإحيائي، فإن تفسير الإنسان اليوناني كان تفكيرا عقلانيا يعتمد على البرهان الذهني والمنطق الاستدلالي واللوغوس في فهم الوجود وتفسيره. وإذا كان فيتاغورس هو أول من أطلق كلمة فيلسوف على المشتغل بالحكمة، فإن سقراط هو أول من أنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض. وقد ظهرت الفلسفة كما هو معلوم في اليونان ونضجت بالخصوص في عاصمتها أثينا مابين القرنين: السادس والرابع قبل الميلاد مكتوبة باللغة الإغريقية مستهدفة فهم الكون والطبيعة والإنسان وتشخيص سلوكه الأخلاقي والمجتمعي والسياسي وإرساء مقومات المنهج العلمي والبحث الفلسفي والمنطقي. إذا ماهي مميزات الفلسفة اليونانية؟ وماهي أهم الاتجاهات والمدارس والمناهج الفلسفية التي عرفها الفكر اليوناني؟ وماهو السياق المرجعي الذي نشأت فيه هذه الفلسفة؟
27-03-2008 07:57 PMورده من القلب
رد : الموسوعه الفلسفيه
نشــــأة الفلسفـــة اليونانية:

أ‌- العوامــــل التاريخية:

ظهرت الحضارة الإغريقية في بلاد اليونان الكبرى مكتملة الوجود ما بين القرنين الخامس والتاسع قبل الميلاد ، و توحدت كثير من القبائل والمدن داخل كيان الأمة اليونانية بعد أن كانت متفرقة في جزر بحر الإيجه وآسيا الصغرى ومنطقة البلقان وشبه جزيرة المورة وجنوب إيطاليا وصقلية. وقد أطلق على اليونانيين تسمية الإغريق من قبل الرومان ؛لأنهم كانوا يتكلمون الإغريقية، أما هم فقد كانوا يسمون أنفسهم الآخيين ثم الهلينيين.

وقد مرت الحضارة الإغريقية بثلاث مراجل كبرى: العصر الهلنستي ابتداء من 300 ق.م مرورا بالعصر الكلاسيكي الذي يعد أزهى العصور اليونانية في عهد الحاكم الديمقراطي بركليس ،ويمتد هذا العصر من القرن 350 إلى 500 ق.م ليعقبه العصر الأرخي وهو عصر الطغاة والمستبدين الذين حكموا أثينا بالاستبداد ناهيك عن الحكم الإسبرطي العسكري الذي سن سياسة التوسع والهيمنة على جميع مناطق اليونان، كما مد سلطة نفوذه المطلق على أثينا.

وإذا كانت إسبرطة دولة عسكرية منغلقة على نفسها تهتم بتطوير قدرات جيشها على القتال والاستعداد الدائم لخوض المعارك والحروب ، فإن أثينا كانت هي المعجزة الإغريقية تهتم بالجوانب الفكرية والثقافية والاقتصادية. وستعرف أثينا في عهد بريكليس نظاما ديمقراطيا مهما أساسه احترام الدستور وحقوق المواطن اليوناني. وإليكم نصا خطابيا لبركليس يشرح فيه سياسته في الحكم:” إن دستورنا مثال يحتذى، ذلك أن إدارة دولتنا توجد في خدمة الجمهور وليست في صالح الأقلية كما هو الحال لدى جيراننا، لقد اختار نظامنا الديمقراطية.

فبخصوص الخلافات التي تنشأ بين الأفراد فإن العدالة مضمونة بالنسبة للجميع، ويضمنها القانون، وفيما يخص المساهمة في تسيير الشأن العام، فلكل مواطن الاعتبار الذي يناله حسب الاستحقاق، ولانتمائه الطبقي أهمية أقل من قيمته الشخصية، ولايمكن أن يضايق أحد بسبب فقره أو غموض وضعيته الاجتماعية”

وتتميز المدن اليونانية بأنها دول مستقلة لها أنظمتها السياسية والاقتصادية وقوانينها الخاصة في التدبير والتسيير والتنظيم، ومن أهم هذه المدن/ الدول أثينا وإسبرطة.
27-03-2008 07:59 PMورده من القلب
رد : الموسوعه الفلسفيه


ب‌- العوامـــل الاقتصادية:

عرفت اليونان نهضة كبرى في المجال الاقتصادي لكونها حلقة وصل بين الشرق والغرب، وكان لأثينا أسطول تجاري بحري يساعدها على الانفتاح والتبادل التجاري بين شعوب حوض البحر الأبيض المتوسط. وقد ساهم اكتشاف المعادن في تطوير دواليب الاقتصاد اليوناني وخاصة الحديد الذي كان يصهر ويحول إلى أداة للتصنيع . كما نشطت صناعة النسيج والتعدين، وازدهرت الفلاحة كثيرا ، وكان العبيد يسهرون على تفليح الأراضي وزرعها وسقيها وحصد المنتوج الزراعي، وأغلبهم من الأجانب يعيشون داخل المدن اليونانية في وضعية الرق والعبودية. وقد ساعد هذا الاقتصاد المتنامي على ظهور طبقات اجتماعية جديدة إلى جانب طبقة النبلاء كالتجار وأصحاب الصناعات وأرباب الحرف والملاحين الكبار. ونتج عن هذا الازدهار الاقتصادي رخاء مالي واجتماعي وسياسي وفكري، وتبلورت طبقة الأغنياء التي ستتنافس على مراتب الحكم والسلطة وتسيير مؤسسات الدولة التمثيلية لتسيير شؤون البلاد.
27-03-2008 08:00 PMورده من القلب
رد : الموسوعه الفلسفيه


ت‌- العوامـــل السياسية:

لم تصل اليونان إلى حضارتها المزدهرة إلا في جو سياسي ملائم لانبثاق مقومات هذه الحضارة. فقد تخلصت الدولة المدينة وخاصة أثينا من النظام السياسي الأوليغارشي القائم على حكم الأقلية من نبلاء ورؤساء وشيوخ القبائل والعشائر الذين كانوا يملكون الإقطاعيات و الأراضي الواسعة التي كان يشتغل فيها العبيد الأجانب. و ثار الأغنياء اليونانيون الجدد على الأنظمة السياسية المستبدة كالنظام الوراثي والحكم القائم على الحق الإلهي أو الحق الأسري .

ومع انفتاح اليونان على شعوب البحر الأبيض المتوسط وازدهار التجارة البحرية ونمو الفلاحة والصناعة والحرف ظهرت طبقات جديدة كأرباب الصناعات والتجار الكبار والحرفيين وساهموا في ظهور النظام الديمقراطي وخاصة في عهد بريكليس وكليستين ، ذلك النظام الحر الذي يستند إلى الدستور وحرية التعبير والتمثيل والمشاركة في الانتخابات على أساس المساواة الاجتماعية ، بل كانت تخصص أجرة عمومية لكل من يتولى شؤون البلاد ويسهر على حل مشاكل المجتمع.
27-03-2008 08:01 PMورده من القلب
رد : الموسوعه الفلسفيه


ث‌- العوامــل الجغرافية:

كانت اليونان في القديم من أهم دول البحر الأبيض المتوسط لكونها مهد المدنية والحضارة والحكمة ومرتع العقل والمنطق الإنساني. وإذا استعدنا جغرافيا اليونان إبان ازدهارها فهي تطل جنوبا على جزيرة كريت العظيمة، ويحيطها شرقا بحر إيجة وآسيا الوسطى التي كانت تمد اليونان بمعالمها الحضارية وثقافات الشرق ، وفي الغرب عبر أيونيا تقع إيطاليا وصقلية وإسبانيا، وفي الشمال تقع مقدونيا وهي عبارة عن شعوب غير متحضرة.

وتتشكل اليونان على مستوى التضاريس من جبال شاهقة وهضاب مرتفعة وسواحل متقطعة ووديان متقعرة. وقد قسمت هذه التضاريس بلاد اليونان إلى أجزاء منعزلة وقطع مستقلة ساهمت في تبلور المدن التي كانت لها أنظمة خاصة في الحكم وأساليب معينة في التدبير الإداري والتسيير السياسي. وتحولت المدينة اليونانية إلى مدينة الدولة في إطار مجتمع متجانس وموحد ومتعاون. وتحيط بكل مدينة سفوح الجبال والأراضي الزراعية،وكانت من أشهر المدن اليونانية أثينا وإسبارطة.[2]

وكانت أثينا مهد الفلسفة اليونانية وتقع في شرق إسبارطة ، وموقعها متميز واستراتيجي؛ لأنها الباب الذي يخرج منه اليونانيون إلى مدن آسيا الصغرى، وعبر هذه المدن كانت تنقل حضارة الشرق إلى بلاد اليونان. ومن أهم ركائز أثينا اعتمادها على مينائها وأسطولها البحري. وبين عامي470-490 قبل المسيح ستترك أثينا وإسبرطة صراعيهما وتتوحدان عسكريا لمحاربة الفرس تحت حكم داريوس الذي كان يستهدف استعمار اليونان وتحويلها إلى مملكة تابعة للإمبراطورية الفارسية. ولكن اليونان المتحدة والفتية استطاعت أن تلحق الهزيمة بالجيش الفارسي. وقد شاركت أثينا في هذه الحرب الضروس بأسطولها البحري، بينما قدمت إسبارطة جيشها القوي، وبعد انتهاء الحرب سرحت إسبارطة جيوشها وحولت أثينا أسطولها العسكري إلى أسطول تجاري، ومن ثم أصبحت أثينا من أهم المدن التجارية في حوض البحر الأبيض المتوسط.

هذا، وقد عرفت أثينا نشاطا فكريا وفلسفيا كبيرا بفضل الموقع الجغرافي والنشاط التجاري ونظامها السياسي الديمقراطي وتمتع الأثيني بالحريات الخاصة والعامة وإحساسه بالمساواة والعدالة الاجتماعية في ظل هذا الحكم الجديد . وفي هذا يقول ول ديورانت:” كانت أثينا الباب الذي يخرج منه اليونانيون إلى مدن آسيا الصغرى، فأصبحت أثينا إحدى المدن التجارية العظيمة في العالم القديم، وتحولت إلى سوق كبيرة وميناء ومكان اجتماع الرجال من مختلف الأجناس والعادات والمذاهب وحملت خلافاتهم واتصالاتهم ومنافساتهم إلى أثينا التحليل والتفكير… وبالتدريج تطور التجار بالعلم، وتطور الحساب بتعقيد التبادل التجاري، وتطور الفلك بزيادة مخاطر الملاحة، وقدمت الثروة المتزايدة والفراغ والراحة والأمن الشروط اللازمة في البحث والتأمل والفكر”.
27-03-2008 08:02 PMورده من القلب
رد : الموسوعه الفلسفيه


ج‌- العوامـــل الفكرية:

ومع ازدهار الاقتصاد ودمقرطة الحكم السياسي وانفتاح الدولة على شعوب البحر الأبيض المتوسط وانصهار الثقافات انتعشت اليونان ثقافيا وفكريا وتطورت الآداب والفنون و العلوم. ففي مجال الأدب نستحضر الشاعر هوميروس الذي كتب ملحمتين خالدتين: الإلياذة والأوديسة، ونذكر كذلك أرسطو الذي نظر لفن الشعر والبلاغة والدراما التراجيدية في كتابيه: ” فن الشعر” و” فن الخطابة”. وتطور المسرح مع سوفكلوس ويوربيديس وأسخيلوس وأريستوفان، وانتعش التاريخ مع هيرودوت وتوسيديد والتشريع مع الحكيم سولون، وتطور الطب مع أبقراط أب الأطباء ، والرياضيات مع طاليس و المدرسة الفتاغورية ، دون أن ننسى ظهور الألعاب الأولمبية مع البطل الأسطوري هرقل، وتطور الفلسفة مع الحكماء السبعة والفلاسفة الكبار كسقراط وأفلاطون وأرسطو.
27-03-2008 08:04 PMورده من القلب
رد : الموسوعه الفلسفيه


ح‌- ظهـــور الفلسفة اليونانية:

لم تظهر الفلسفة اليونانية في البداية إلا في مدينة ملطية الواقعة على ضفاف آسيا الصغرى حيث أقام الأيونيون مستعمرات غنية مزدهرة. وفي هذه المدينة ظهر كل من طاليس وأنكسمندرس وأنكسمانس. وشكلوا مدرسة واحدة في الفلسفة وهي المدرسة الطبيعية أوالمدرسة الكسمولوجية0 وتتسم هذه الفلسفة بكونها ذات طابع مادي ترجع أصل العالم إلى مبدإ حسي ملموس، ولا تعترف بوجود الإله الرباني كما سنجد ذلك عند فلاسفة الإسلام الذين اعتبروا أن العالم مخلوق من عدم وأن الله هو الذي خلق هذا الكون لاستخلاف الإنسان فيه. وبعد ذلك انتقلت الفلسفة اليونانية إلى المناطق الأخرى كأثينا وإيطاليا وصقلية أو ما سيشكل اليونان الكبرى.

و مرت الفلسفة اليونانية في مسارها الفكري بثلاث مراحل أساسية:

1- طور النشأة أو مايسمى بفلسفة ماقبل سقراط،؛

2- طور النضج والازدهار ويمتد هذا الطور من سقراط حتى أرسطو؛

3- طور الجمود والانحطاط و قد ظهر هذا الطور بعد أرسطو وأفلاطون وامتد حتى بداية العصور الوسطى.
27-03-2008 08:07 PMورده من القلب
رد : الموسوعه الفلسفيه


1- المدرسة الطبيعية أو الكوسمولوجية:

ظهرت الفلسفة اليونانية أول ما ظهرت مع الحكماء الطبيعيين الذين بحثوا عن العلة الحقيقية للوجود الذي أرجعوه إلى أصل مادي، وكان ذلك في القرن السابع والسادس قبل الميلاد. وكانت فلسفتهم خارجية وكونية أساسها مادي أنطولوجي تهتم بفهم الكون وتفسيره تفسيرا طبيعيا وكوسمولوجيا باحثين عن أصل الوجود بما هو موجود.

ويعد طاليس( 560-548 ق.م) أول فيلسوف يوناني مارس الاشتغال الفلسفي ، وهو من الحكماء السبعة ومن رواد المدرسة الملطية. وقد جمع بين النظر العلمي والرؤية الفلسفية، وقد وضع طريقة لقياس الزمن وتبنى دراسة الأشكال المتشابهة في الهندسة وخاصة دراسته للمثلثات المتشابهة، ولقد اكتشف البرهان الرياضي في التعامل مع الظواهر الهندسية والجبرية أو مايسمى بالكم المتصل والكم المنفصل . وإذا كان هناك من ينسب ظهور الرياضيات إلى فيتاغواس، فإن كانط يعد طاليس أول رياضي في كتابه” نقد العقل النظري0

وعليه، فطاليس يرجع أصل العالم في كتابه “عن الطبيعة” إلى الماء باعتباره العلة المادية الأولى التي كانت وراء خلق العالم. يؤكد طاليس أن” الماء هو قوام الموجودات بأسرها، فلا فرق بين هذا الإنسان وتلك الشجرة وذلك الحجر إلا الاختلاف في كمية الماء الذي يتركب منها هذا الشيء أو ذاك0

أما أنكسمندريس( 610-545ق.م) تلميذ طاليس وأستاذ المدرسة المالطية فهو يرى أن أصل العالم مادي يكمن في اللامحدود أو اللامتناهي APEIRON، ويعني هذا أن العالم ينشأ عن اللامحدود ويتطور عن اللامتناهي. وقد تصور امتداد هذا اللامتناهي حتى ظهور الكائنات الحية. وقد آمن انكسمندريس بالصراع الجدلي وبنظرية التطور، وقد قال في هذا الصدد عبارته المشهورة:” إن العوالم يعاقب بعضها بعضا على الظلم الذي يحتويه كل منها”. ومن أهم كتبه الفلسفية ” عن الطبيعة”.

وفي المقابل ذهب إنكسمانس في كتابه “عن الطبيعة” يذهب إلى أن الهواء هو أصل الكون وعلة الوجود الأولى.

وإذا انتقلنا إلى هرقليطس، فهو من مواليد 545ق.م و مؤلف كتاب”عن الطبيعة”، ولد في مدينة أفسوس بآسيا الصغرى تبعد قليلا عن ملطية. وتنبني فلسفته على التغير والتحول، أي إن الكون أساسه التغير والصيرورة والتحول المستمر، فنحن حسب هرقليطس لانسبح في النهر مرتين، كما أثبت أن النار هي أساس الكون وعلة الوجود.

أما بارمندس( من مواليد سنة 540 ق.م) فقد نشأ في مدينة إيليا بمنطقة إيطاليا الجنوبية وصقلية، وترتكز نظريته الفلسفية على الثبات والسكون كما هو موضح في كتابه “عن الطبيعة”، أي إن الوجود هو ثابت وساكن ومناقض للصائر والمتغير، ومن ثم فبارميندس فيلسوف الوجود الثابت وقد كتب فلسفته في قصيدة شعرية وقد قال : الوجود كائن واللاوجود غير كائن”. ومن هنا نستنتج أن أصل الكون الحقيقي عند بارمندس هو الوجود.

أما أمبادوقليس فقد ولد في مدينة أجريجينتا بجزيرة صقلية، وعاش في النصف الثاني من القرن الخامس قبل الميلاد ، وتوفي تقريبا في عام 435 ق.م، وكانت ولادته على وجه التقريب في 490 ق.م، ومن مؤلفاته كتاب “التطهيرات” وهو أقرب إلى كتاب الأساطير والمعاني الدينية منها إلى الفكر العلمي ، و ألف قصيدة فلسفية في قالب شعري “حول الطبيعة” على غرار قصيدة بارمنديس.

ويثبت أنبادوقليس أن الكون أصله الأسطقسات الأربعة: النار والهواء والماء والأرض( التراب). وقد أضاف العنصر الخامس وهو أميل إلى اللطف والسرعة وهو الأثير. وكل عنصر من هذه العناصر تعبر عن آلهة أسطورية خاصة.

ويذهب أكزينوفانوس المتوفى سنة 480ق.م إلى أن أصل الكون هو التراب أو الأرض.

وقد ذهب أنكساغوراس إلى أن أصل الكون هو عدد لا نهاية له من العناصر أو البذور يحركها عقل رشيد بصير.

أما المذهب الذري الذي يمثله كل من ديمقريطيس ولوقيبوس فيرى أن أصل العالم هو الذرات.

ويلاحظ على المدرسة الطبيعة أنها مدرسة مادية تهتم بالطبيعة من منظار كوني ، ويتميز المنهج التحليلي عندهم بالخلط بين العقل و الأسطورة والشعر والتحليل الميتافيزيقي.
27-03-2008 08:08 PMورده من القلب
رد : الموسوعه الفلسفيه


2- المدرسة الفيتاغورية:

تنسب المدرسة الفيتاغورية إلى العالم الرياضي اليوناني الكبير فيتاغورس الذي يعد أول من استعمل كلمة فيلسوف، وكانت بمعنى حب الحكمة، أما الحكمة فكانت لاتنسب سوى للآلهة. ويذهب فيتاغورس إلى أن العالم عبارة عن أعداد رياضية ، كما أن الموجودات عبارة عن أعداد، وبالتالي فالعالم الأنطولوجي عنده عدد ونغم. وتتسم الفيتاغورية بأنها مذهب ديني عميق الرؤية والشعور، كما أنها مدرسة علمية تعنى بالرياضيات والطب والموسيقا والفلك. وقد طرحت الفيتاغورية كثيرا من القضايا الحسابية والهندسية موضع نقاش وتحليل. كما أن الفيتاغورية هيئة سياسية تستهدف تنظيم المدينة /الدولة على أيدي الفلاسفة الذين يحتكمون إلى العقل والمنهج العلمي.
27-03-2008 08:09 PMورده من القلب
رد : الموسوعه الفلسفيه


3- المدرسة السفسطائية أو مدرسة الشكاك:

ظهرت المدرسة السفسطائية في القرن الخامس قبل الميلاد بعدما أن انتقل المجتمع الأثيني من طابع زراعي إقطاعي مرتبط بالقبيلة إلى مجتمع تجاري يهتم بتطوير الصناعات وتنمية الحرف والاعتماد على الكفاءة الفردية والمبادرة الحرة. وأصبح المجتمع في ظل صعود هذه الطبقة الاجتماعية الجديدة (رجال التجارة وأرباب الصناعات) مجتمعا ديمقراطيا يستند إلى حرية التعبير والاحتكام إلى المجالس الانتخابية والتصويت بالأغلبية. ولم يعد هناك ما يسمى بالحكم الوراثي أو التفويض الإلهي، بل كل مواطن حر له الحق في الوصول إلى أعلى مراتب السلطة. لذلك سارع أبناء الأغنياء لتعلم فن الخطابة والجدل السياسي لإفحام خصومهم السياسيين. وهنا ظهر السفسطائيون ليزودوا هؤلاء بأسلحة الجدل والخطابة واستعمال بلاغة الكلمة في المرافعات والمناظرات الحجاجية والخطابية. وقد تحولت الفلسفة إلى وسيلة لكسب الأرباح المادية ولاسيما أن أغلب المتعلمين من طبقة الأغنياء.

ومن أهم الفلاسفة السفسطائيين نذكر جورجياس وكاليكيس وبروتاغوراس. وقد سبب هذا التيار الفلسفي القائم على الشك والتلاعب اللفظي وتضييع الحقيقة وعدم الاعتراف بها في ظهور الفيلسوف سقراط الذي كان يرى أن الحقيقة يتم الوصول إليها ليس بالظن والشك والفكر السفسطائي المغالطي، بل بالعقل والحوار الجدلي التوليدي واستخدام اللوغوس والمنطق.
27-03-2008 08:10 PMورده من القلب
رد : الموسوعه الفلسفيه


4- المدرسة السقراطية:

يعد سقراط ( 486-399م) أب الفلاسفة اليونانيين، وقد أنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض. ويعني هذا أن الحكماء الطبيعيين ناقشوا كثيرا من القضايا التي تتعلق بالكون وأصل الوجود وعلته الحقيقية التي كانت وراء انبثاق هذا العالم وهذا الوجود الكوني. وعندما ظهر سقراط غير مجرى الفلسفة فحصرها في أمور الأرض وقضايا الإنسان والذات البشرية فاهتم بالأخلاق والسياسة . وقد ثار ضد السفسطائيين الذين زرعوا الشك والظن ودافع عن الفلسفة باعتبارها المسلك العلمي الصحيح للوصول إلى الحقيقة وذلك بالاعتماد على العقل والجدل التوليدي والبرهان المنطقي. والهدف من الفلسفة لدى سقراط هو تحقيق الحكمة وخدمة الحقيقة لذاتها، وليس الهدف وسيلة أو معيارا خارجيا كما عند السفسطائيين الذين ربطوا الفلسفة بالمكاسب المادية والمنافع الذاتية والعملية. وكان سقراط ينظر إلى الحقيقة في ذات الإنسان وليس في العالم الخارجي، وما على الإنسان إلا أن يتأمل ذاته ليدرك الحقيقة ،لذالك قال قولته المأثورة :” أيها الإنسان اعرف نفسك بنفسك”.
27-03-2008 08:11 PMورده من القلب
رد : الموسوعه الفلسفيه


4- المدرسة المثالية الأفلاطونية:

جاء أفلاطون بعد سقراط ليقدم تصورا فلسفيا عقلانيا مجردا ولكنه تصور مثالي ؛ لأنه أعطى الأولوية للفكر والعقل والمثال بينما المحسوس لا وجود له في فلسفته المفارقة لكل ماهو نسبي وغير حقيقي. ولأفلاطون نسق فلسفي متكامل يضم تصورات متماسكة حول الوجود والمعرفة والقيم.

وقد قسم أفلاطون العالم الأنطولوجي إلى قسمين: العالم المثالي والعالم المادي، فالعالم المادي هو عالم متغير ونسبي ومحسوس. وقد استشهد أفلاطون بأسطورة الكهف ليبين بأن العالم الذي يعيش فيه الإنسان هو عالم غير حقيقي، وأن العالم الحقيقي هو عالم المثل الذي يوجد فوقه الخير الأسمى والذي يمكن إدراكه عن طريق التأمل العقلي والتفلسف. فالطاولة التي نعرفها في عالمنا المحسوس غير حقيقية، أما الطاولة الحقيقية فتوجد في العالم المثالي. و توجد المعرفة الحقيقية في عالم المثل الذي يحتوي على حقائق مطلقة ويقينية وكلية، أما معرفة العالم المادي فهي نسبية تقريبية وجزئية وسطحية، كما تدرك المعرفة في عالم المثل عن طريق التفلسف العقلاني، ومن هنا، فالمعرفة حسب أفلاطون تذكر والجهل نسيان. ويعني هذا أننا كلما ابتعدنا عن العالم المثالي إلا وأصابنا الجهل، لذا فالمعرفة الحقيقية أساسها إدراك عالم المثل وتمثل مبادئه المطلقة الكونية التي تتعالى عن الزمان والمكان. ومن ثم، فأصل المعرفة هو العقل وليس التجربة أو الواقع المادي الحسي الذي يحاكي عالم المثال محاكاة مشوهة.

وعلى مستوى الأكسيولوجيا، فجميع القيم الأخلاقية من خير وجمال وعدالة نسبية في عالمنا المادي ، ومطلقة حقيقية في عالم المثل المطلق والأزلي.

ويؤسس أفلاطون في” جمهوريته الفاضلة ” مجتمعا متفاوتا وطبقيا، إذ وضع في الطبقة الأولى الفلاسفة والملوك واعتبرهم من طبقة الذهب، بينما في الطبقة الثانية وضع الجنود وجعلهم من طبقة الفضة، أما الطبقة السفلى فقد خصصها للعبيد وجعلهم من طبقة الحديد؛ لأنهم أدوات الإنتاج والممارسة الميدانية. ويعني هذا أن أفلاطون كان يأنف من ممارسة الشغل والعمل اليدوي والممارسة النفعية، وكان يفضل إنتاج النظريات وممارسة الفكر المجرد. كما طرد أفلاطون الشعراء من جمهوريته الفاضلة؛ لأنهم يحاكون العالم النسبي محاكاة مشوهة، وكان عليهم أن يحاكوا عالم المثل بطريقة مباشرة دون وساطة نسبية أو خادعة تتمثل في محاكاة العالم الوهمي بدل محاكاة العالم الحقيقي.

وهكذا يتبين لنا أن فلسفة أفلاطون فلسفة مثالية مفارقة للمادة والحس، تعتبر عالم المثل العالم الأصل بينما العالم المادي هو عالم زائف ومشوه وغير حقيقي. كما تجاوز أفلاطون المعطى النظري الفلسفي المجرد ليقدم لنا تصورات فلسفية واجتماعية وسياسية في كتابه” جمهورية افلاطون”[8]. ويلاحظ أيضا أن التصور الأفلاطوني يقوم على عدة ثنائيات: العالم المادي في مقابل العالم المثالي، وانشطار الإنسان إلى روح من أصل سماوي وجسد من جوهر مادي، وانقسام المعرفة إلى معرفة ظنية محسوسة في مقابل معرفة يقينية مطلقة. وعلى المستوى الاجتماعي، أثبت أفلاطون أن هناك عامة الناس وهم سجناء الحواس الظنية و الفلاسفة الذين ينتمون إلى العالم المثالي لكونهم يتجردون من كل قيود الحس والظن وعالم الممارسة.
27-03-2008 08:12 PMورده من القلب
رد : الموسوعه الفلسفيه


5- مدرسة أرسطو المادية:

يعد أرسطو فيلسوفا موسوعيا شاملا ، وكانت فلسفته تنفتح على كل ضروب المعرفة والبحث العلمي، إذ يبحث في الطبيعة والميتافيزيقا والنفس وعلم الحياة والسياسة والشعر وفن الخطابة والمسرح. وقد وضع المنطق الصوري الذي كان له تأثير كبير على كثير من الفلاسفة إلى أن حل محله المنطق الرمزي مع برتراند راسل ووايتهاد.

يذهب أرسطو إلى أن العالم الحقيقي هو العالم الواقعي المادي، أما العالم المثالي فهو غير موجود. وأن الحقيقة لا توجد سوى في العالم الذي نعيش فيه وخاصة في الجواهر التي تدرك عقلانيا. ولا توجد الحقيقة في الأعراض التي تتغير بتغير الأشكال. أي إن الحقيقي هو الثابت المادي، أما غير الحقيقي فهو المتغير المتبدل. ولقد أعطى أرسطو الأولوية لما هو واقعي ومادي على ماهو عقلي وفكري. ومن هنا عد أرسطو فيلسوفا ماديا اكتشف العلل الأربع: العلة الفاعلة والعلة الغائية والعلة الصورية الشكلية والعلة المادية. فإذا أخذنا الطاولة مثالا لهذه العلل الأربع، فالنجار يحيل على العلة الفاعلة والصانعة، أما الخشب فيشكل ماهية الطاولة وعلتها المادية، أما صورة الطاولة فهي العلة الصورية الشكلية، في حين تتمظهر العلة الغائية في الهدف من استعمال الطاولة التي تسعفنا في الأكل والشرب.
27-03-2008 08:12 PMورده من القلب
رد : الموسوعه الفلسفيه


6- المدرسة الرواقية:

تعتمد المدرسة الرواقية التي ظهرت بعد فلسفة أرسطو على إرساء فن الفضيلة ومحاولة اصطناعها في الحياة العملية، ولم تعد الفلسفة تبحث عن الحقيقة في ذاتها ، بل أصبحت معيارا خارجيا تتجه إلى ربط الفلسفة بالمقوم الأخلاقي، وركز الكثيرون دراساتهم الفلسفية على خاصية الأخلاق كما فعل سنيكا الذي قال:” إن الفلسفة هي البحث عن الفضيلة نفسها، وبهذا تتحقق السعادة التي تمثلت في الزهد في اللذات ومزاولة التقشف والحرمان”.[9] وقد تبلور هذا الاتجاه الفلسفي الأخلاقي بعد موت أرسطو وتغير الظروف الاجتماعية والسياسية حيث انصرف التفكير في الوجود إلى البحث في السلوك الأخلاقي للإنسان.

هذا، وقد ارتبطت المدرسة الرواقية بالفيلسوف زينون (336-264ق.م) الذي اقترنت الفلسفة عنده بالفضيلة واستعمال العقل من أجل الوصول إلى السعادة الحقيقية. وتعد الفلسفة عند الرواقيين مدخلا أساسيا للدخول إلى المنطق والأخلاق والطبيعة. وقد كان المنطق الرواقي مختلفا عن المنطق الأرسطي الصوري، وقد أثر منطقهم على الكثير من الفلاسفة والعلماء.
27-03-2008 08:13 PMورده من القلب
رد : الموسوعه الفلسفيه


7- المدرسة الأبيقورية:

تنسب الفلسفة الأبيقورية إلى أبيقور(341-270 ق.م)، وتتميز فلسفته بصبغة أخلاقية عملية، وترتبط هذه الفلسفة باللذة والسعادة الحسية . وتسعى الفلسفة في منظور هذه المدرسة إلى الحصول على السعادة باستعمال العقل التي هي غاية الفلسفة يخدمها المنطق وعلم الطبيعة. أي إن المنطق هو الذي يسلم الإنسان إلى اليقين الذي به يطمئن العقل والذي بدوره يؤدي إلى تحقيق السعادة. ويهدف علم الطبيعة إلى تحرير الإنسان من مخاوفه وأحاسيسه التي تثير فيه الرعب. ويعني هذا أن الفلسفة لابد أن تحرر الإنسان من مخاوفه وقلقه والرعب الذي يعيشه في الطبيعة بسبب الظواهر الجوية والموت وغير ذلك
27-03-2008 08:14 PMورده من القلب
رد : الموسوعه الفلسفيه


8- المدرسة الإسكنـــدرية:

انتقلت الفلسفة إلى مدينة الإسكندرية التي بناها الإسكندر المقدوني إبان العصر الهيليني، وكانت مشهورة بمكتبتها العامرة التي تعج بالكتب النفيسة في مختلف العلوم والفنون والآداب. ومن أشهر علماء هذه المدرسة أقليديس وأرخميديس واللغوي الفيلولوجي إيراتوستن. وقد انتعشت هذه المدرسة في القرون الميلادية الأولى وامتزجت بالحضارة الشرقية مع امتداد الفكر الديني والوثني وانتشار الأفكار الأسطورية والخرافية والنزعات الصوفية.

ومن مميزات هذه المدرسة التوفيق بين آراء أفلاطون المثالية وأرسطو المادية، والتشبع بالمعتقدات الدينية المسيحية واليهودية والأفكار الوثنية من زرادشتية ومانوية وبوذية، والفصل بين العلم والفلسفة بعد ظهور فكرة التخصص المعرفي.، والاهتمام بالتصوف و التجليات العرفانية والغنوصية والانشغال بالسحر والتنجيم والغيبيات والإيمان بالخوارق.

وقد تشبعت الفلسفة الأفلاطونية بهذا المزيج الفكري الذي يتجسد في المعتقدات الدينية والمنازع الصوفية وآراء الوثنية، فنتج عنها فلسفة غربية امتزجت بالطابع الروحاني الشرقي، وذلك من أجل التوفيق بين الدين والفلسفة. بيد أن الذين كانوا يمارسون عملية التوفيق كانوا يعتقدون أنهم يوفقون بين أرسطو وأفلاطون، ولكنهم كانوا في الحقيقة يوفقون بين أفلاطون وأفلوطين؛ مما أعطى هجينا فكريا يعرف بالأفلوطينية الجديدة. ومن أشهر فلاسفة المدرسة الإسكندرية نستحضر كلا من فيلون وأفلوطين اللذين كانت تغلب عليهما النزعة الدينية والتصور المثالي في عملية التوفيق. وتتميز فلسفة أفلوطين بكونها عبارة عن” مزيج رائع فيه قوة وأصالة بين آراء أفلاطون والرواقيين وبين الأفكار الهندية والنسك الشرقي والديانات الشعبية المنتشرة آنذاك.

والطابع العام لفلسفته هو غلبة الناحية الذاتية فيها على الناحية الموضوعية، فهي فلسفة تمتاز بعمق الشعور الصوفي والمثالية الأفلاطونية ووحدة الوجود الرواقية، وكلها عناصر يقوي بعضها بعضا ويشد بعضها بأزر بعض، حتى لتخال وأنت تقراها كأنك أمام شخص لا خبرة له بالعالم الموضوعي أو يكاد. فالمعرفة عنده وعند شيعته تبدأ من الذات وتنتهي إلى الله دون أن تمر بالعالم المحسوس؛ هذه المعرفة الذاتية الباطنية هي كل شيء عندهم”
27-03-2008 08:17 PMورده من القلب
رد : الموسوعه الفلسفيه

سادساَ : الفلسفة الإسلامية

عرف المسلمون الفلسفة من خلال اليونانيين. فقد ذكر الخوارزمي (ت 387هـ، 997م) في مفاتيح العلوم "أن الفلسفة مشتقة من كلمة يونانية وهي فيلاسوفيا وتفسيرها محبة الحكمة،فلما عُرّبت قيل: فيلسوف، ثم اشتقت الفلسفة منه، ومعنى الفلسفة علم حقائق الأشياء والعمل بما هو أصلح. وتنقسم إلى قسمين أحدهما الجزء النظري والآخر الجزء العملي. ومنهم من جعل المنطق قسمًا ثالثًا غير هذين، ومنهم من جعله جزءًا من أجزاء العلم النظري، ومنهم من جعله آلة للفلسفة، ومنهم من جعله جزءًا منها وآلة لها.


ما الفلسفة الإسلامية؟؟:

يرى بعض الفلاسفة أنها مجموعة الأفكار التي ارتآها الكندي والفارابي وابن سينا ومن سار على نهجهم في الله والعالم والنفس الإنسانية،.ويرى ابن رشد (ت 595هـ، 1198م) في فصل المقال ¸أن النظر في كتب القدماء ـ يقصد بالقدماء هنا فلاسفة اليونان مثل أفلاطون وأرسطو ـ واجب بالشرع، إن كان مغزاهم في كتبهم ومقصدهم هو المقصد الذي حثنا الشرع عليه، وأن من نهى عن النظر فيها من كان أهلاً للنظر فيها ـ وهو الذي جمع بين أمرين: أحدهما: ذكاء الفطرة، والثاني: العدالة الشرعية، والفضيلة العلمية والخلقية ـ فقد صد الناس عن الباب الذي دعا الشرع منه الناس، إلى معرفة الله، وهو باب النظر المؤدّي إلى معرفته حق المعرفة، وذلك غاية الجهل والبعد عن الله تعالى·. فالفلسفة عند ابن رشد تفتح باب العلم بالله ومعرفته حق المعرفة.

ويرى ابن خلدون (ت 808هـ، 1406م) في المقدمة أن الفلسفة من العلوم التي استحدثت مع انتشار العمران، وأنها كثيرة في المدن ويعرِّفها قائلاً: ¸بأن قومًا من عقلاء النوع الإنساني زعموا أن الوجود كله، الحسي منه وما وراء الحسي، تُدرك أدواته وأحواله، بأسبابها وعللها، بالأنظار الفكرية والأقيسة العقلية وأن تصحيح العقائد الإيمانية من قِبَل النظر لا من جهة السمع فإنها بعض من مدارك العقل، وهؤلاء يسمون فلاسفة جمع فيلسوف، وهو باللسان اليوناني محب الحكمة. فبحثوا عن ذلك وشمروا له وحوَّموا على إصابة الغرض منه ووضعوا قانونًا يهتدي به العقل في نظره إلى التمييز بين الحق والباطل وسموه بالمنطق.· ويحذّر ابن خلدون الناظرين في هذا العلم من دراسته قبل الاطلاع على الشرعيات من التفسير والفقه، فيقول: ¸وليكن نظر من ينظر فيها بعد الامتلاء من الشرعيات والاطلاع على التفسير والفقه ولا يُكبَّنَّ أحدٌ عليها وهو خِلْو من علوم الملة فقلَّ أن يَسلَمَ لذلك من معاطبها·.

ولعل ابن خلدون وابن رشد اتفقا على أن البحث في هذا العلم يستوجب الإلمام بعلوم الشرع حتى لا يضل العقل ويتوه في مجاهل الفكر المجرد لأن الشرع يرد العقل إلى البسيط لا إلى المعقد وإلى التجريب لا إلى التجريد. من هنا كانت نصيحة هؤلاء العلماء إلى دارسي الفلسفة أن يعرفوا الشرع والنقل قبل أن يُمعنوا في التجريد العقلي.

ويذهب الكندي (ت نحو 260هـ، 873م) إلى أن الفلسفة هي علم الحق الأول الذي هو علة كل حق، ولذلك يجب أن يكون الفيلسوف التام الأشرف هو المرء المحيط بهذا العلم الأشرف لأن علم العلة في نظره أشرف من علم المعلول، والعلم التام هو علم العلة. ويرى الفارابي (ت 339هـ، 950م) أن الفلسفة هي العلم بالموجودات بما هي موجودة ويقسمها إلى حكمة إلهية وطبيعية ورياضية ومنطقية. ويعطيها الشيخ الرئيس ابن سينا (ت428هـ، 1037م) طابعًا نفسيًا فيقول: الحكمة استكمال النفس الإنسانية بتصور الأمور والتصديق بالحقائق النظرية والعملية على قدر الطاقة الإنسانية. ويقسم الحكمة كذلك إلى نظرية يتعلمها الإنسان، ولا يعمل بها، وحكمة عملية مدنية ومنزلية وأخلاقية. وحول هذه المفاهيم، كان يتناول فلاسفة الإسلام الفلسفة مقتفين أثر الأساتذة القدماء من حكماء اليونان. فكانوا تارة يقتربون من أساتذة اليونان وتارة يبتعدون عنهم، ولم ينتهجوا منهجًا مستقلاً في التفلسف ولم يخالفوا رأي القدماء إلا في المسائل التي تخرجهم من ملة الإسلام، وظلوا أساتذة في هذا العلم في ظل أساتذة الفلسفة السابقين.
27-03-2008 08:18 PMورده من القلب
رد : الموسوعه الفلسفيه
متى نشأت الفلسفة الإسلامية وكيف ؟؟؟


إذا كانت كلمة فلسفة يونانية الأصل وكان المسلمون قد نظروا في فلسفة اليونان، فكيف وصلت الفلسفة إلى المسلمين مع فارق المسافة والثقافة واللغة؟ وهل كان علم الحق الأول عند المسلمين مستخرجًا من الكتاب والسنة؟ أو أن هناك مؤثرات أخرى جعلت من اتجه من المسلمين يتجه صوب الفلسفة؟ الشاهد التاريخي يقول إن القرآن والسنة لم يدفعا المسلمين إلى التفلسف ـ إلا من باب التأمُّل الذي أمروا به ـ بل كانت هناك مؤثرات خارجية وفدت إلى ديار المسلمين إثر عصور الترجمة، وحاول العلماء الذين خاضوا في هذه العلوم الجديدة الوافدة التوفيق بين رصيدهم من العلوم النقلية الشرعية وبين العلوم العقلية الفلسفية المنقولة باللغة السريانية أو العبرانية عن اللغة اليونانية. وقد أثْرت حركة الترجمة الحياة العلمية عند المسلمين خاصة في مجال العلوم الطبيعية. لكن على الرغم من ذلك فإن هناك بعض الملاحظات التي أبداها علماء المسلمين على حركة الترجمة، منها أن المترجمين لم يكونوا من أهل الاختصاص في العلوم التي نقلوها وحدث ما كان يخشاه علماء المسلمين من التصحيف والتحريف في اللغة المنقول منها واللغة المنقول إليها، وكان ذلك أشد وضوحًا فيما نقلوه من الفلسفة اليونانية. إن المترجمين نقلوا ـ مثلاً ـ كتاب الربوبية لأفلوطين ونسبوه خطأً لأرسطو. وغلب على ظن كثير من متفلسفة الإسلام أن الربوبية حقيقة لأرسطو ووقعوا في مغالطات الذين كانوا يقولون بالتوفيق بين الفلسفة والدين، والعقل والنقل. ومن ناحية أخرى، فإن بعض المترجمين كانوا قومًا أهل دين: منهم النساطرة النصرانيون الذين كانوا ينشرون النصرانية في كل محفل ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، ومنهم اليهود الذين كانوا يرون في الإسلام مزاحمًا ومنافسًا فكريًا فأرادوا أن يستبعدوه ليخلو لهم الجو. هذا فيما يتعلق بالعلوم النظرية، أما العلوم التطبيقية، فقد برع فيها المسلمون واستفادوا أيما فائدة من الترجمات والشروح على الترجمات التي وصلت إليهم من العلوم اليونانية عن طريق السريانية. ظهرت هذه الترجمات بعد الفتوحات الإسلامية في العصرين الأموي والعباسي ولم يكن دور العصر الأموي كبيرًا في الترجمة إلا أن العصر العباسي كان عصر الترجمة الزاهر.
27-03-2008 08:19 PMورده من القلب
رد : الموسوعه الفلسفيه
حركة الترجمة في العصر الأموي


لم يؤدِّ الأمويون دورًا كبيرًا في حركة الترجمة، بل كان دورهم ثانويًا إبان الفتوحات الإسلامية لأنهم كانوا حريصين على حماية الثغور وفتح البلدان وتأمين الدولة الجديدة، ما عدا الدور الذي أدَّاه خالد بن يزيد الذي ترك الإمارة والحكم وكرّس جهده للطب وترجمة كتب الكيمياء والطب إلى العربية. وظهر في هذا العصر الطبيب ما سرجويه، وكان ينقل من السريانية إلى العربية. ودارت في هذا العصر مناقشات وجدال حول الإمامة والجبر والاختيار كانت إرهاصًا بظهور الفرق الإسلامية فيما بعد.
27-03-2008 08:20 PMورده من القلب
رد : الموسوعه الفلسفيه
حركة الترجمة في العصر العباسي

بدأت الترجمة في هذا العصر في خلافة المنصور ونشطت حركة الترجمة من اليونانية إلى السريانية وظهرت أسماء بعض المترجمين في هذا العصر أمثال سرجيوس الرأس عيني أو الرسعني الذي ترجم آثار جالينوس في الطب والأخلاق وآثار أرسطو المنطقية إلى السريانية، وعبدالله بن المقفع الذي ترجم من الفارسية إلى العربية حكايات كليلة ودمنة، وقيل إنه ترجم بعض كتب أرسطو في المنطق. وازدهرت حركة الترجمة في عصر المأمون إذ إنه أسس في بغداد مدرسة الحكمة أو بيت الحكمة سنة 217هـ، 832م وائتمن يحيى بن ماسويه عليه، وخلف يحيى تلميذه الشهير حنين بن إسحق في الفترة الواقعة بين سنة 194-260هـ، 809-873م، وكان حنين أشهر مترجم للمؤلفات اليونانية إلى السريانية والعربية دون منازع، وكذلك كان ابنه إسحاق بن حنين وابن أخيه حبيش بن الحسن. ومن الأسماء التي لمعت في فن الترجمة يحيى بن البطريق (مطلع القرن التاسع الميلادي) وعبد المسيح بن عبدالله بن ناعمة الحمصي (النصف الأول من القرن التاسع)، وهو الذي كان مساعدًا للفيلسوف الكندي وقد ترجم لأرسطو، وإليه يرجع الفضل في ترجمة كتاب الربوبية (إثولوجيا) المنسوب إلى أرسطو وكان قد وضعه أفلوطين الإسكندري. وكذلك لمع اسم قسطا بن لوقا البعلبكي، وقد كان طبيبًا وفيلسوفًا وفيزيائيًا معروفًا ترجم شروح الإسكندر الأفروديسي ويوحنا فيلويون على كتاب الطبيعة لأرسطو. وله شروح جزئية للكون والفساد لأرسطو، وله رسالة في الفرق بين الروح والعقل، وله بحوث في الشفاء شبيهة بعلم النفس المعاصر. وفي القرن العاشر الميلادي، ظهرت أسماء مثل أبي بشر متى القنائي (ت 329هـ،940م) والفيلسوف النصراني يحيى بن عدي صاحب تهذيب الأخلاق (ت 364هـ، 974م) وتلميذه أبي الخير بن الخمار (ولد 331هـ، 942م). وقد ظهرت في هذا العصر مدرسة الرَّهَا وكانت تضم صابئة حران الذين كانوا يدينون بالمعتقدات الكلدانية القديمة ويهتمون بالدراسات الرياضية والفلكية والروحية بالإضافة إلى الأفلاطونية الفيثاغورثية المحدثة. ومن أشهر المترجمين في مدرسة الرها ثابت بن قرة، وقد ترجم العديد من المؤلفات الرياضية والفلكية.
27-03-2008 08:21 PMورده من القلب
رد : الموسوعه الفلسفيه
اشتغال المسلمين بالفلسفة

لم يهتم المسلمون بالآداب اليونانية لأنها كانت وثنية في مبدئها ومنتهاها فلم يحفلوا بها كثيرًا. وكانت معرفتهم بالفلسفة اليونانية عن طريق بلوتارك الذي نقل عن ديوجين اللايرتي، وفرفوريوس، وجالينوس. ولذلك كانت معرفتهم بالفلسفة السابقة لسقراط مزيجًا من الأساطير والخرافات التي نسبوها إلى فلاسفة اليــونان المتأخــرين في مدرسة الإسكندرية.

وقد عرف المسلمون الفلاسفة الذين جاءوا قبل سقراط كأنبا دقليس الذي كانوا يسمونه ابن دقليس، وديموقريطس وفيثاغورث، وكذلك عرفوا السوفسطائيين أمثال بروتاغوراس وجورجياس وعرفوا سقراط عن طريق ما كتبه عنه إسكانوفان في التعاليق وكتبوا عن سيرة سقراط وموته ودفاعه عن فكره حتى موته.

وكذلك عرفوا أفلاطون واعتبروه أقرب الفلاسفة إليهم لأنه تكلم عن الخلق الإلهي وأثبت وجود الصانع وبرهن على وجود النفس وخلودها وكان تأثيره فيهم كبيرًا. تأثر به الكندي والفارابي وابن سينا وكل التيار الإشراقي الصوفي ومن دار في فلكهم. وتأثر هؤلاء أيضًا بأفلوطين صاحب الأفلاطونية المحدثة والمذهب الإشراقي. وقد كان أرسطو مثار إعجاب فلاسفة الإسلام إذ إنهم، كما كانوا يجلّون أفلاطون الإلهي، أصبحوا يقدرون أرسطو العقلي إعجابًا بعلمه وعقله وإجلالاً لفلسفته. لكنهم وضعوا حول سيرته روايات وأساطير قصصية كانت من عمل مدرسة الإسكندرية والسريان المتأخرين، ونُسبت إليه كتب كثيرة لم تكن من تأليفه، نذكر منها على سبيل المثال، كتاب التفاحة وكتاب الربوبية واشتغلوا بكتبه كثيرًا لا سيما كتب المنطق، وكذلك عرفوا كتبه في الأخلاق والطبيعيات والسياسة. وقام فلاسفة الإسلام بمحاولة الجمع بين رأي الحكيمين أفلاطون وأرسطو. وعندما توغل المسلمون في الفلسفة وفي شروح أرسطو ومنطقه وأقيسته وأصبحوا أساتذة وطال باعهم في التفلسف، حصلت في القرن الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين حركة ترجمة عكسية من العربية إلى اللاتينية. وقد أثرت هذه الترجمات على الفكر الأوروبي وأعادت إلى الأوروبيين التراث اليوناني مزيدًا ومنقحًا ومشروحًا ومعلقًا عليه، ونشأت مدرسة أوروبية في العصور الوسطى تُسمى بالرشدية لقيامها على آراء الفيلسوف المسلم ابن رشد الذي كانوا يعرفونه بأفروس وعرفوا ابن سينا بأفيسينا، وكان كتاب القانون في الطب لابن سينا يدرَّس في جامعات فرنسا إلى القرن الثالث عشر الميلادي كما عرفته أيضًا قاعات أكسفورد إلى نهاية القرن الثالث عشر الميلادي. وقد كانت الفلسفة الإسلامية الجسر الذي نقل الفلسفة اليونانية إلى أوروبا.
27-03-2008 08:23 PMورده من القلب
رد : الموسوعه الفلسفيه
تأثير الفلسفة في المتكلمين


كان المتكلمون يدافعون عن العقيدة ويقارعون الخصوم الحجة بالحجة. وعندما شاع الاشتغال بالفلسفة والمنطق اليوناني، خاضوا في مسائل المنطق للدفاع عن العقيدة، ومنهم من لم تعجبه أساليب اليونان ففضل أساليب القرآن في الحجاج ومقارعة الخصوم، ومنهم من اشتغل بالمنطق وقضاياه باعتباره أداة من أدوات المعرفة. وكانت لهم مآخذ على منطق أرسطو وخاصة شيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728هـ، 1328م) الذي قال إن منطق أرسطو لا يحتاج إليه الذكي ولا يستفيد منه الغبي لأنه تحصيل حاصل، وذكر أن المنطق يتأثر باللغة، وكذلك منطق اليونان قد تأثر باللغة اليونانية بكل ما فيها من وثنيات، ولذلك يُخشى على من ليس لهم علم بذلك من معاطب الطريق. نخلص من هذا إلى أن تأثير الفلسفة في المتكلمين وفي علماء المسلمين لم يكن تأثير الأستاذ على التلميذ، كما تدّعي بعض الدوائر الاستشراقية، بل هو في جملته تأثير عكسي، تأثير الذي يريد أن يعرف الشر لكي لا يقع فيه، وقد عرفوا لهم الفضل وحفظوه فيما ليس فيه شر
27-03-2008 08:24 PMورده من القلب
رد : الموسوعه الفلسفيه
بعض قضايا الفلسفة الإسلامية

من المشكلات التي تعرَّض لها فلاسفة الإسلام بالجدال مشكلة إثبات وجود الله ، وصفاته ووجود العالم أحادث هو أم قديم، ومشكلة النفس الإنسانية، وهل هي موجودة وخالدة أم فانية؟ لقد تصدى الفلاسفة المسلمون لهذه المشكلات ودخل بعضهم في بطون فلاسفة اليونان ولم يستطيعوا أن يخرجوا منها، وظل فكر كثير منهم أسير التصورات اليونانية. ومن الذين تصدوا للدفاع عن الفلسفة والخوض في مسائلها الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد. وفيما يلي بعض آرائهم في هذه المشكلات الفلسفية
27-03-2008 08:26 PMورده من القلب
رد : الموسوعه الفلسفيه
القضية الأولى الله

تناقش هذه القضية من خلال آراء الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد. أما الكندي فيعرف بأنه فيلسوف العرب لأن جذوره تمتد إلى أصل عربي قحطاني، كان أبوه من ملوك كندة بالعراق. عرف الكندي الاعتزال فكان من متكلمي المعتزلة وعرف الفلسفة عن طريق الترجمة، وقيل كان يعرف اليونانية وترجم عن اليونانية، وكانت له علاقة بابن ناعمة الحمصي. وقد كان له اطلاع واسع على الترجمات العربية للكتب اليونانية وبخاصة فلسفة أرسطو كما أنه صحح بعض الترجمات وراجعها وألَّف رسالة في الفلسفة الأولى، وهي في البحث عن الإلهيات، وهي عنده من أشرف العلوم لأنها علم الحق. فالله عنده هو العلة الأولى، وهو الفاعل الأول والمتمم لكل شيء ومؤيِّس الكل عن ليس، والأيْسُ هو الوجود وضده اللّيْس وهو العدم، فالله هو موجد الكل من العدم. وقد تأثر الكندي في هذه الرسالة بكتاب الربوبية (إيثولوجيا) المنسوب لأرسطو، وهو كتاب يبحث في الإلهيات كتبه أفلوطين الإسكندري ونسبه فلاسفة الإسلام خطأ إلى أرسطو لأنهم لم يعرفوا أنه مَنْحول على أرسطو. وفكرة الأيْس عن ليْس (خلق الوجود عن عدم) فكرة أصيلة عند الكندي، وهي فكرة إسلامية تعني خلق العالم من عدم. والكندي في هذه المسألة يخالف رأي أرسطو الذي يقول بقدم العالم، وهذه إحدى المسائل التي جعلت الكندي مفكرًا أصيلاً في نظر بعض النقاد.

يقتفي الكندي هنا أثر أرسطو اليوناني ويقيم براهينه على وجود الله على نفس النسق الأرسطي الذي يستند إلى الحركة والكثرة والنظام في إثبات وجود الله. والبرهان الأول هو برهان الحدوث، فالشيء عنده لا يمكن أن يكون علة لذاته، أي لا يمكن أن يكون موجودًا لذاته. وجرم العالم عنده متناه أي أن له بداية في الزمن وما دام متناهيًا فهو موجود من العدم أي أنه أَيْس من ليْس، فهو حادث ولابد له من محدث، ومحدثه هو الله لَيْس أن الله هو علة حدوثه.

ويوافق الكندي علماء الطبيعة المحدثين في أن العالم له بداية في الزمن ، وهم يرجعون ذلك إلى ملايين السنين عندما كان الكون في حالة غازية سائلة ملتهبة، أما الكندي فقد ذهب مذهبًا آخر عندما نظر إلى كتلة العالم فرأى أنها إما أن تكون متناهية أو غير متناهية ووصل إلى أنها متناهية ومتميزة، ومن ثم عرف أن الوجود المتناهي لابد أن تكون له بداية في الزمن.

أما البرهان الثاني الذي يتخذه على وجود الله، فهو برهان الكثرة، فقد رأى الكندي أن الأشياء المحسوسة متكثرة بالأنواع ومتحدة بالأجناس، فالحيوان واحد بالجنس كثير بالأنواع، حيث يضم الإنسان والحمار والحصان... إلخ، فالاشتراك في الوحدة يرجع إلى علة أولى ما بعدها علة، هي علة اشتراكها في الوحدة. وهذه العلة الأولى هي الله.

أما البرهان الثالث، فهو برهان التدبير وهو دليل الغائية في الوجود المحسوس. فالعالم المحسوس لم يوجد عبثًا بل لابد له من مدبّر، ولا يمكن معرفة المدبّر إلا بمعرفة تدبيره، وهو الكون المحسوس المنتظم. وهذا الدليل اقتبسه الكندي من أرسطو.

وبعد الكندي الفارابي وهو تركي الأصل من إقليم فاراب بتركيا وأمه فارسية. توفي سنة 339هـ، 950م. لقّبه مؤرخو الفلسفة بالمعلم الثاني، (لتأثره بأرسطو الذي لقّبه مؤرخو الفلسفة بالمعلم الأول)، وذلك لتأثره كلية بفلسفة أرسطو. وقد عُرفت فلسفته بأنها فلسفة توفيقية يحاول فيها الفارابي أن يوفق بين عقيدته الإسلامية وفلسفة اليونان.

أما دليله على وجود الله فهو دليل الوجوب والإمكان. يقسم الموجودات إلى قسمين: ممكن الوجود وواجب الوجود. وواجب الوجود عنده هو الموجود الذي وجوده من ذاته، فإذا فُرض عدم وجوده لكان ذلك مُحالاً. أما ممكن الوجود فهو الذي وجوده من غيره، فإذا فُرض عدم وجوده لما كان ذلك محالاً. والوجود الممكن يتعادل وجوده وعدمه، أي أن وجوده وعدمه سواء إلا إذا ترجح أحدهما على الآخر. فإذا ترجح وجوده كان لابد له من مرجح يرجح وجوده على عدمه أي لابد له من موجد ترجح عنده الوجود على العدم فأخرجه إلى الوجود. فلابد لكل موجود ممكن الوجود من مرجّح لوجوده على عدمه، ولا يمكن أن تمضي سلسلة المرجحات الممكنة الوجود إلى مالانهاية لأن هذا محال، فلابد إذن أن نصل إلى مبدأ أول أو سبب أول هو علة وجود كل الممكنات في العالم وهو الذي رجح وجود هذا العالم على عدمه وهو الله. وهو واجب الوجود بذاته ولا يحتاج إلى غيره أبدًا. وقد رفض الفارابي دليل الحكماء الطبيعيين الذين يرون أنه لابد من الاستدلال على وجود الله بآثاره لأن الصنعة تدل على الصانع، وهذا يعني أنهم يصعدون من الفعل إلى الفاعل، ومن المخلوق إلى الخالق، لكنه يرى أنهم يفكرون في الأفعال التي تصدر في العالم فلا يتجاوزون عالم الحوادث المتناقضة، ولا يجدون تصورات شاملة للموجودات. أما الفارابي، فقد أراد أن يصل إلى العلة الأولى الوحيدة، وهذه العلة الوحيدة هي واجب الوجود. ومعنى الموجود الواجب يحمل في ذاته البرهان على أنه واحد لا شريك له، فلو وجد موجودان كل منهما كامل الوجود وواجب الوجود لكانا متفقين من وجه ومتباينين من وجه، وما به الاتفاق غير ما به التباين، فلا يكون كل منهما واحدًا بالذات، فالموجود الذي له غاية الكمال يجب أن يكون واحدًا. فهو واحد بالذات لا تركيب فيه ولَيْس له ليس ولا يمكن حده، لكن الإنسان يثبت للبارئ أحسن الأسماء الدالة عليه وعلى منتهى كماله، وتأثر الفارابي هنا بفلسفة أرسطو في المحرك الأول.

وعمومًا كان للفارابي الفضل في توطيد أركان الفلسفة في العالم الإسلامي؛ فقد اتخذت شكلها التي آلت إليه بعد وفاته إلى أن جاء عصر ابن رشد؛ حيث مزج الفارابي بين الأفلاطونية والأفلوطينية من جهة والفلسفة الأرسطية المشائية من ناحية ثانية، ومن ثم نجد ذلك التشابه التام فيما ذكره الفارابي عن المدينة الجماعية في كتاب السياسة المدنية والديمقراطية التي وضعها أفلاطون.

ولأن الفارابي لم يكن لديه تلاميذ مباشرون، فقد أثر فيمن أتي بعده من الفلاسفة العرب والمسلمين، وكان على رأس هؤلاء الشيخ الرئيس ابن سينا الذي اعتمد على الفارابي في فهم الفلسفة اليونانية، وبالتالي في وضع كثير من الآراء والنظريات.

أما ابن سينافقد عُرف عند مؤرخي الفلسفة بالشيخ الرئيس وذلك لاشتغاله بالعلم والوزارة، ولد بأفشنة بالقرب من بخارى بفارس سنة 370هـ،980م، وحفظ القرآن منذ نعومة أظفاره، وكان عنده شغف بالعلم ونهم لا ينقطع للاطلاع والقراءة فاشتغل بالطب والفلسفة والكيمياء والفقه والرياضة والهندسة، وبرع في كل ما درسه، وما جلس لأستاذ قط إلا صار أستاذًا لأستاذه. انظر: ابن سينا. وقد تأثر بأفلاطون وأرسطو عن طريق شروح الفارابي، وأما فلسفته، فكانت مزيجًا من الأفلاطونية والمشائية (فلسفة أرسطو).

ولإثبات وجود الله عند ابن سينا، فقد قسم الأدلة إلى قسمين: دليل عقلي ودليل حسي؛ أما الدليل العقلي فهو دليل الإمكان الذي ذهب إليه الفارابي حيث قسم الموجودات إلى واجب وممكن، فالواجب الوجود هو الذي متى فرض غير موجود عرض عنه محال. والممكن الوجود هو الذي متى فرض غير موجود لم يعرض عنه محال، والواجب الوجود هو الضروري الوجود، والممكن الوجود هو الذي لا ضرورة فيه بوجه، أي لافي وجوده ولا في عدمه.

وواجب الوجود إما أن يكون واجبًا بذاته وإما أن يكون بغيره. والبارئ عز وجل هو الواجب لذاته لا لشيء آخر. أما واجب الوجود بغيره فهو واجب الوجود لا بذاته؛ فالاحتراق مثلاً واجب الوجود لا بذاته ولكن عند التقاء القوة المحرقة والمحترقة، ومن هنا يتشعب الوجود إلى ثلاثة أقسام. واجب الوجود بذاته، وواجب الوجود بغيره، وممكن الوجود. وواجب الوجود هو العلة الأولى ومبدأ الوجود المعلول على الإطلاق، لأنه لا توجد سوى علة واحدة مطلقة هي واجب الوجود. والممكنات هي الموجودات الصادرة عنه التي تحتاج في وجودها الممكن إلى علة هي واجب الوجود، وترتفع الأسباب كلها إليه لأنه غاية الموجودات جميعًا وإليه ترجع الأسباب جميعًا. وكما ترى، فهذا الدليل هو عين الدليل الذي ذكره الفارابي لإثبات وجود الله، وهو دليل عقلي لأنه يستند إلى التأمل في مفهوم الواجب والممكن ومن ثم يصل عقليًا، عن طريق الاستنباط، إلى ضرورة وجود الواجب الوجود. ويرى بعد ذلك أننا يجب أن لا نستند في البرهان على الخالق إلى شيء من مخلوقاته لأننا نستطيع أن نصل إلى الوجود الأول الواجب الوجود عقليًا ونعرف أن وجوده عين ما هيته أي أنه وجود متحقق. وهو يختلف عن الدليل الأول في أن ابن سينا لا يستخدم المنطق بل يصل إلى الدليل بالحدس المباشر. والحدس ضرب من ضروب المعرفة المباشرة دون وسيط حسي، إذ إن ابن سينا هنا لم يستدل بالمخلوق على الخالق كما هو الحال في الدليل الكوني، بل حدس فكرة الموجود الأول من فكرة الوجود فقط ووصل إلى وحدانيته لأنه يشهد على ما بعده في الوجود.

يقول ابن سينا في الإشارات: ¸تأمل كيف لم يحتج برهاننا لثبوت الأول إلى تأمل لغير نفس الوجود، ولم يحتج إلى اعتبار من خلقه وفعله، وإن كان ذلك دليلاً عليه، لكن هذا الباب أوثق وأشرف، أي إذا اعتبرنا حال الوجود، فشهد به الوجود من حيث هو وجود، وهو يشهد بعد ذلك على سائر ما بعده في الوجود، وإلى مثل هذا أشير في الكتاب الإلهي: ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم﴾ فصلت: 53 ، أقول: هذا حكم لقوم، ثم يقول: ﴿ أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد﴾ فصلت: 53 ، أقول إن هذا حكم الصديقين الذين يستشهدون به لا عليه". وابن سينا يعني بهذا أنه لم يستشهد بوجود المخلوق على وجود الخالق بل فعل عكس ذلك فاستشهد بوجود الخالق على وجود المخلوق. ويسميه الفلاسفة الدليل الوجودي.

يأتي بعد ابن سينا في هذه القضية العالم الأندلسي ابن رشد، الذي ولد بقرطبة عام 520هـ، 1126م ويسمى ابن رشد الحفيد لأن أباه كان قاضيًا وفقيهًا وكذلك جده لأبيه كان من أشهر فقهاء الأندلس، وقد كان هو فقيهًا وطبيبًا وفيلسوفًا، وقد تأثر بفلسفة أرسطو حتى سُمي بالشارح الأكبر لفلسفة أرسطو، وقد أثر في الفكر الفلسفي الغربي، وقامت مدرسة فلسفية غربية في القرون الوسطى تُسمى بالرشدية وتتميز فلسفته بالتوفيق بين الفلسفة والدين.

يرى ابن رشد أن العالم يخضع للتغيُّر ويستلزم حركة أزلية تحتاج إلى محرك أزلي، وهذا المحرك الأزلي موجود وهو منشئ نظام العالم البديع. وقد أخذ ابن رشد هذا البرهان من كـتاب الميتافيزيقا (ما وراء الطبيعة) لأرسـطو وتعليل هذا الدليل عنده أن كل متحرك له محرك وأن المتحرك إما أن يتحرك بالقوة؛ أي من جهة قابليته للحركة إذا حُرك، وإما أن يتحرك بالفعل، وأن سلسلة الحركة لابد أن تنتهي عند محرك أول لا يتحرك أصلاً ولا من شأنه أن يتحرك، وهو المحرك الأزلي ضرورة. لأننا لو قلنا إنه متحرّك لزم أن يكون له محرّك، وهكذا إلى مالانهاية، لذلك فالمحرك الأول عنده لا يتحرك بل هو محرك كل حركة.
27-03-2008 08:27 PMورده من القلب
رد : الموسوعه الفلسفيه
القضية الثانية العالم

يرى الكندي أن العالم خُلق من العدم. وهذا الرأي مخالف لرأي أستاذه أرسطو الذي يقول بأن العالم قديم وأنه ليس مخلوقًا من العدم. أما أفلاطون، فإنه قال بحدوث العالم وهذا جعل فلاسفة الإسلام ينحازون إليه. وقد استطاع الكندي أن يصل إلى دليل أصيل لخلق العالم يبين فيه أن العالم ليس بقديم كما كان يقول المعلم الأول أرسطو، واتفق الكندي مع أرسطو في القول بدليل الحركة لكنه وصل إلى نتيجة تختلف عن النتيجة التي وصل إليها أستاذه. وفحوى دليل الكندي أن كل ما في العالم متحرك والحركة لا تتم إلا في زمان، فإذا كانت حركة كان الزمان، وإذا لم تكن حركة لم يكن زمان.

والحركة هي حركة الجرم أو الكتلة، فإذا كان جرمٌ كانت حركة وإذا لم يكن جرمٌ لم تكن حركة، فالجرم أو الكتلة والحركة والزمن لا يسبق بعضها بعضًا بل تتساوى في الحدوث. والجرم متناه وحركته متناهية ولا يجوز أن نتخيل زمنًا لا متناهيًا إلا بالقوة (الإمكان). وبما أن الزمن في حقيقته متناه فلابد أن تكون له بداية. وبما أنه مقياس الحركة والحركة لا يمكن أن تكون بدون الموجودات المتحركة في العالم؛ فالحركة إذن محدثة والعالم محدث لأن له بداية في الزمن، وهو مخلوق لله تعالى. وهذا الدليل يتّفق مع الاعتقاد الإسلامي في أن الله تعالى خلق العالم من العدم وهو الذي أبدع ما فيه من آيات لأنه سبحانه هو الخالق البارئ المصور والمبدئ والمعيد.

يقول الفارابي إن الله منزَّه عن المادة، . أما كيف خلق الله العالم فيقول الفارابي كما قال أفلوطين (ت 352 ق.هـ، 270م) في كتاب الربوبية (إيثولوجيا) إن الله لم يخلق هذا العالم الفاسد (المتغير) لكن العالم فاض عنه فيضًا وصدر عنه صدورًا عقليًا. والموجودات جميعًا تصدر عن علم الواحد. فالله يعقل ذاته ويصدر عنه العالم نتيجة لعلمه بذاته. والفيض يصدر آلياً عن الواحد وليس الوجود غاية لعلم الواحد بل يصدر الوجود عن الواحد تلقائيًا لكماله وجماله المطلق. وهنا يكرر الفارابي نظرية الفيض الأفلوطينية الإشراقية دون تعديل أو تبديل في مضامينها الأساسية التي تخرج عن الاعتقاد الإسلامي؛ لأن القول بفيض الوجود عن الله تعالى تلقائيًا دون إرادة منه، سبحانه، فيه تعطيل لصفة من صفاته، جل شأنه، هي صفة الخلق، فالله هو الخالق الرازق المحيي المميت، وفيه تعطيل لصفة الإرادة، فالله مريد لما يخلق، فعال لما يريد. والفارابي بقوله هذا قد دخل في زمرة المعطلة.

أما كيف تصدر الموجودات عن الله، فالواحد عند الفارابي لا يصدر عنه إلا واحد لأنه عقل مفارق للمادة لا يقبل التكثر، فالفيض يصدر عن فعل التعقل الإلهي، ويتم صدور العقول عنه تنازليًا. ومراتب الوجود حسب هذا الترتيب تكون ستة:

يصدر في المرتبة الأولى العقل الأول وهو ممكن الوجود بذاته وواجب الوجود بالأول. والعقل الأول يعقل ذاته فتصدر عنه الموجودات التي هي دونه لكونه عالمًا بذاته وبأنه مبدأ النظام والخير في الوجود على ما يجب أن يكون عليه. وإنما علمه هو العلة لوجود الأشياء. ومن العقل الأول يفيض العقل الثاني الذي هو أيضًا جوهر غير مادي فيعقل الأول فيلزم عنه وجود العقل الثالث، ويعقل ذاته فتصدر عنه السماء الأولى. وكذلك العقل الثالث يعقل الأول فيصدر عنه عقل رابع ويعقل ذاته فتصدر عنه كرة الكواكب الثابتة. والعقل الرابع يعقل الأول فيصدر عنه عقل خامس ويعقل ذاته فيصدر عنه كرة زحل. والعقل الخامس يعقل الأول فيصدر عنه عقل سادس ويعقل ذاته فتصدر عنه كرة المشتري. وكذلك العقل السادس يعقل الأول فيصدر عنه عقل سابع ويعقل ذاته فيصدر عنه كرة المريخ. والعقل السابع يعقل الأول فيصدر عنه عقل ثامن ويعقل ذاته فيصدر عنه وجود كرة الشمس. والثامن يعقل الأول فيصدر عنه عقل تاسع ويعقل ذاته فيصدر عنه وجود كرة الزُهرة. والتاسع يعقل الأول فيصدر عنه عقل عاشر ويعقل ذاته فيصدر عنه وجود كرة القمر. أما العقل الحادي عشر، فهو يعقل ذاته ويعقل الأول وعنده ينتهي وجود العقول والمعقولات، كما تنتهي عند كرة القمر الأجسام السماوية التي تتحرك دورًا. ويوجد دون فلك القمر عالم الكون والفساد أي عالم الصيرورة والتغير، وتتسلسل الكائنات في عالم الكون والفساد من الأخس إلى الخسيس حسب العنصر والمادة إلى أن تصل إلى مراتب المعادن فالنباتات والحيوانات غير الناطقة فالحيوان الناطق الذي لا يوجد أفضل منه. وكل موجود يحتاج في وجوده إلى مادة يخلق منها وصورة يُخلق عليها. وهكذا كان تصور الفارابي للخلق. وكما ترى فهو قد أخذه من أصول يونانية أتت إليه عن طريق أفلوطين، لكن أفلوطين نفسه لم يقل بالعقول العشرة بل كان الصدور عنده يبدأ من الأول الواحد فالعقل فالنفس الكلية. هام ويقول أبو البركات البغدادي (ت نحو 560هـ، 1165م) عن عقول الفارابي العشرة: ¸إن فلاسفة الإسلام أوردوها بدون برهان ووضعوها وضعًا بدون تحقيق أو بحث· ثم يقول : ¸كان الأحرى بهم أن يقولوا إنها وحي حتى يكف الناس عن التشنيع عليهم ويقول عنها ابن رشد : ¸إن هذه الأشياء هي التي أضاعت هيبة فلاسفة الإسلام وجعلت الغزالي يُنعي عليهم تهافتهم.
27-03-2008 08:28 PMورده من القلب
رد : الموسوعه الفلسفيه
القضية الثالثة النفس

يجمع الكندي في مسألة النفس بين رأي الحكيمين أفلاطون وأرسطو ولا يزيد على ذلك شيئًا، ويقول إنها: أي النفس، ¸تمامية جرم طبيعي ذي آلة قابلة للحياة·، وهي أيضًا ¸استكمال أول لجسم طبيعي ذي حياة بالقوة·. هذا ما كان فيه الكندي على رأي أرسطو، أما النفس في رأي أفلاطون، فهي: ¸جوهر عقلي متحرك من ذاته·، وهي جوهر إلهي بسيط لا طول له ولا عرض ولا عمق، وهي نور الباري والعالم الشريف الذي تنتقل إليه نفوسنا بعد الموت، هو مقامها الأبدي ومستقرها الدائم. فالنفس عنده خالدة لكنه لا يقطع بشيء فيما إذا كانت قد وُجدت قبل البدن على زعم أفلاطون أم وجدت معه كما تقول الشريعة. وعلاقة النفس بالبدن عارضة وهي لا تفعل إلا بالبدن، وهي متحدة به لكنها تبقى بعد فنائه. وتسير النفس بعد موت البدن إلى المستقر الأعلى مباشرة. ومن النفوس ما فيها دنس فيقيم في كل فلك من الأفلاك مدة من الزمان حتى يتهذب وينقى ويرتفع إلى كوكب أعلى، فإذا صارت إلى الفلك الأعلى ونقيت غاية النقاء، وزالت أدناس الحس وخيالاته وخبثه منها، ارتفعت إلى عالم العقل، وطالعت نور البارئ، وفوض إليها البارئ أشياء من سياسة العالم تلتذ بفعلها والتدبير لها. وهذا التصوير لرحلة النفس بعد فناء الجسد إلى العالم العلوي فيه شبه كبير بما يسميه أفلاطون الجدل الصاعد. ويقسم الكندي قوى النفس إلى ثلاث هي: القوى الغضبية، والقوى الشهوانية، والقوى العقلية، وآلة النفس التي تشترك بها مع الحس والعقل هي الدماغ، وآلتها التي تدرك بها جميع المحسوسات هي أعضاء الحس الخمسة. ويقسم الكندي قوى النفس إلى الحاسة والمتوسطة والعاقلة. أما القوى الحاسة فهي التي تدرك صور المحسوسات في مادتها، وأما القوى المتوسطة فهي القوى المصورة والمتخيلة، وهي التي توجد صور الأشياء مع غيبة حواملها عنها، أي مع غيبة أعيانها ، وتستطيع أن تركب إنسانًا برأس حصان وتعمل في حالتي النوم واليقظة. ومنها القوى الحافظة وهي الذاكرة، ومنها القوى الغضبية وهي التي تدفع الإنسان إلى ارتكاب الأمر العظيم، ومنها الشهوانية الغازية، وهما القوتان اللتان بهما يحقق شهواته من المطعوم والمنكوح. أما القوى العاقلة، فهي التي تدرك صور المجردات دون مادة، أي القدرة على الفكر المجرد والانتقال من العقليات إلى العقليات. أما العقل عنده، فيكون بالقوة أي ممكنا ويخرج من الإمكان إلى الفعل أي إلى الوجود الحقيقي بفعل التعقل نفسه.

كان الفارابي في مسألة النفس تابعًا لفلاسفة اليونان خاصة الحكيمين أفلاطون وأرسطو. ويقسم الفارابي النفوس إلى نفس العالم ونفوس السماوات ونفس الإنسان ونفس الحيوان. وتتفاعل هذه النفوس فيما بينها لتقوم الحياة. وأعلاها نفوس السماوات والعالم، ويقل حظ النفس في الشرف والرفعة إلى أن تصل إلى النفس النباتية. وهذا الترتيب هو ترتيب أرسطو للنفوس. وذهب الفارابي مذهب أرسطو في تعريف النفس إذ قال إنها ¸استكمال أول لجسم طبيعي آلي ذي حياة بالقوة· ويقول الفارابي إن النفس هي صورة الجسد وإنها جوهر روحي مباين له. ويذهب الفارابي مذهبًا أفلاطونيًا حيث يتبع برهان أفلاطون في طبيعة النفس، فيقول: إن النفس تدرك المعقولات وهي معان مجردة فلابد أن تكون طبيعتها من طبيعة موضوعات إدراكها، فهي لذلك جوهر معقول وهي مستقلة عن آلتها الجسم. والنفس تدرك الأضداد، والمادة لا تستطيع أن تفعل ذلك فهي إذن مختلفة عن المادة، والعقل قد يقوى بعد الشيخوخة، لكن الجسد يضمحل، فالنفس إذن ليست من جنس الجسد. أما خلود النفس بعد فناء الجسد المادي، فالفارابي يقول بخلود النفس الفاضلة التي كانت تسعى لتحقيق السعادة، وذلك بتحصيل الفضائل العقلية، وأما النفوس التي كانت منغمسة في الشهوات، فهذه لا يضمن لها الفارابي بقاءً بعد الموت لأنها حينئذ تكون كالسباع والأفاعي مجرد هيولى، أي مادة تفنى بفناء الجسد، وتنتهي بانتهائه. والفارابي هنا أقرب إلى أفلاطون منه إلى أرسطو، ورأيه في فناء النفوس الخبيثة يتعارض مع رأي الشريعة التي تقول ببعث النفوس الخبيثة والطيبة يوم القيامة فتحاسب على ما قدمت إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر.

لكن تقسيم النفوس عنده هو نفس التقسيم الذي نجده عند أرسطو في كتاب النفس.

فالقوة الناطقة هي التي يميز بها الإنسان بين الأشياء العقلية ويعرف بها عمل الإرادة ويعمل بناء على توجيهاتها، والنزوعية هي التي يكون بها الحب والبغض والصداقة والعداوة، والمخيلة هي الذاكرة التي تحفظ رسوم الأشياء بعد غيابها، والحاسة هي التي تدرك المحسوسات عن طريق الحواس الخمس وتدرك اللذة والألم لكنها لا تميز بين الضار والنافع، وأما الحيوان غير الناطق، فتوجد عنده القوة الباقية دون الناطقة وبعضها عندها القوة النزوعية والحاسّية فقط.

أما القوة الناطقة عند الإنسان، فهي التي تعقل المعقولات وبها تحصل الصناعات والعلوم، ويقسمها الفارابي إلى العقل النظري والعقل العملي، فالنظري مهمته فعل التجريد والعملي يركِّب الأشياء ويوائم بينها. والنظري له مراتب، منها العقل الهيولاني، وهو بالقوة، والعقل بالملكة والعقل المستفاد. فالعقل الهيولاني أو المنفعل يكون فارغًا من المعلومات، ولكن له الاستعداد على تقبل المعلومات كلها كعقل الطفل.

أما العقل بالملكة أو العقل بالفعل، فيأتي في الرتبة بعد العقل الهيولاني، إذ إنه بعد أن يتقبل العقل المنفعل صور الأشياء يكتسب العقل بالقوة ما لم يكن فيه من قبل فيصبح عقلاً بالفعل بعد أن كان بالقوة ، وهكذا يستمر في العمل من القوة إلى الفعل على الدوام. والخروج من القوة إلى الفعل أو المعرفة المكتسبة يستفيدها العقل بالفعل من العقل الفعال الذي يسميه الفارابي الروح الأمين وروح القدس.

أما العقل المستفاد فهو العقل، وقد صار بالفعل وأصبح يعلم المعقولات كلها دون مادتها بل بصورها المجردة التي اكتسبها الإنسان الذي استكمل عقله المنفعل بالمعقولات كلها وصار عقلاً بالفعل ومعقولاً بالفعل، وهو أرقى من العقل المنفعل وأكثر كمالاً منه وأكثر ابتعادًا عن المادة وأقرب إلى العقل الفعال الذي يشع عليه المعرفة إشعاعًا، وهذا هو ما يسميه الفارابي المعرفة الإشراقية. والذي نراه هنا أن الفارابي جمع بين فلسفتي أفلاطون وأرسطو؛ فبينما تراه أسند جزءًا من المعرفة إلى الحس ـ كما فعل أرسطو ـ يعود تارة أخرى إلى العقل الفعال لينهل منه معرفة يفيضها عليه العقل الفعال ـ كما فعل أفلاطون ـ وظل مخلصًا لفلسفة حكماء اليونان.

يقسم ابن سينا النفس إلى ثلاثة أقسام؛ النفس النباتية، وهي كمال أول لجسم طبيعي آلي في إدراك الجزئيات وتحريك الإرادة، والنفس الحيوانية هي كمال لجسم طبيعي آلي في إدراك الجزئيات وتحريك الإرادة، والنفس الإنسانية، وهي كمال أول لجسم طبيعي آلي في فعل الاختيار الفكري والاستنباط والاستقراء، أي إدراك الكلي بالنظر إلى أجزائه وإدراك الكليات المجردة.

براهين وجود النفس: هي البرهان الطبيعي والبرهان النفسي والبرهان الاستمراري وبرهان الإنسان المعلق في الهواء.

البرهان الطبيعي: وهو دليل استفاده ابن سينا من فلسفتي أفلاطون وأرسطو، مؤداه أن أفعال الكائن الحي من تَغَذّ ونمو وتوليد وإحساس وحركة بالإرادة، لا يمكن أن تصدر عن الجسم وحده، ومن ثم لابد من التسليم بأنها تصدر عن مبدأ آخر في ذاتها غير الجسم وهو النفس.

البرهان النفسي: النفس المدركة عند الإنسان تختلف عن الكائنات غير المدركة، فأفعال الإنسان، كالنطق وتصور المعاني الكلية العقلية المجردة ومعرفة المجهول من المعلوم، كل هذه ليست أفعالاً للجسم فلابد أنها أفعال النفس.

البرهان الاستمراري: الجسم يخضع للتغيُّر والتبدُّل، لكن جوهر النفس يظل هو هو، ونستطيع أن نعرف ذلك من الذكريات المترابطة، فإذا تأمل الإنسان نفسه وجد أنه خلال عشرين سنة ظل هو هو، وإن تبدل جسمه وطرأ عليه كثير من التغير والتبدل، فالذات مستمرة الوجود.

برهان الإنسان المعلق في الهواء: فحوى هذا الدليل أن الإنسان، وإن كان طائرًا أو معلقًا في الهواء، يستطيع أن يغفل عن أعضاء بدنه، لكنه لا يستطيع أن يغفل عن نفسه وشعوره بأنيته وهذا برهان على وجود النفس.

أما رأي ابن سينا في خلود النفس وبقائها بعد فَنَاء الجسد، فتصوره قصيدته العينية التي يقول في مطلعها:


هبطت إليك من المحل الأرفع ورقاء ذات تعزُّزٍ وتمــــــــــــنُّع محجوبة عن كل مقلة عارف وهي التي سفرت ولم تتبرقــــع وصلت على كُرْه إليك وربما كرهت فراقك وهي ذات تفجُّع


إلى ان يقول:


سجعت وقد كُشف الغطاء فأبصرت ماليس يُدرك بالعيون الهجّــــع وغدت مفارقة لكل مُخلّفٍ عنها حليف الترب غير مُشيَّع


والقصيدة طويلة وهي تكشف أن أصل النفس عند الشيخ الرئيس عُلْويٌّ، إذ إنها تفيض من العقل الفعال وهي روح لا تمسكه الحواس، وعلاقة الجسد بالنفس عَرَضيَّة، كأن يحط طائر على غصن. وآراء ابن سينا في النفس لا تخرج عن مقالة أفلاطون عن العالم غير المحسوس الذي هبطت منه النفس وهو عالم المُثُل ـ كل شيء في الأرض له مثاله في السماء ـ أما خلود النفس، فيقول ابن سينا إن الذي لا يفنى منها هو العقل الفعّال، أما النفس الناطقة فتفنى بفناء الجسد. ويورد ابن سينا مسألة العقول العشرة كما هي عند الفارابي، ويضيف إليها العقل القدسي، وهو العقل الذي عنده استعداد للاتصال بالعقل الفعال ولا يحتاج في هذا إلى مجهود أو تخريج وتعليم. والمعرفة عنده حدس مباشر من العقل الفعال دون وسائط مادية، والقوة القدسية عند ابن سينا توجد فقط عند الأنبياء، وهي أعلى مراتب القوى الإنسانية.

أما الموجودات عند ابن رشد فمنها ما هو مادي ومنها ما هو عقلي، والموجودات العقلية تتجلّى فيها الوحدة وكمال الوجود وهي مراتب بعضها فوق بعض، وكل العقول تعقل ذاتها وتعرف صلتها بالعلة الأولى، والمادة تنفعل أما العقل فيقبل.

والنفس الإنسانية عند ابن رشد تتعلق بالجسد كتعلق الصورة بالهيولى أي أنها علاقة عرضية تنتهي بفناء الجسد. ويرفض ابن رشد مذهب ابن سينا في بقاء النفوس المتكثرة ويقول إنها لا تبقى إلا باعتبارها كمالاً لجسدها. ورأي ابن رشد في النفس مزيج أفلاطوني أرسطي، فالعقل الهيولاني عقل أزلي، أما العقل المنفعل فهو استعداد الإنسان وقدرته على المعرفة العقلية، وهذا العقل يوجد بوجود الإنسان ويفنى بفنائه.
27-03-2008 08:30 PMورده من القلب
رد : الموسوعه الفلسفيه
علماء الإسلام وردود أفعالهم تجاه الفلسفة

أبو حامد الغزالي (450 - 505هـ، 1058 - 1111م). كان عصر أبي حامد الغزالي يعج بالفرق الإسلامية، فآلى على نفسه أن يعرف كل هذه الفرق ليتبين له الحق عندها من الباطل. ومن هنا بدأ رحلته في المعرفة التي كانت سائدة في زمانه فتعرف على كل الفرق معرفة الدارس الممحِّص، وعرف من بين هذه الفرق، الفلاسفة، فهضم ما عندهم وكتب في ذلك كتابين أحدهما مقاصد الفلاسفة عرض فيه آراءهم دون نقض وكتابًا أسماه تهافت الفلاسفة رد فيه على مزاعم الفلاسفة في قضايا الفلسفة الرئيسية في زمانه كالله والعالم والنفس.

أما وجود الله، عز وجل، فالدليل عليه عنده هو دليل الصنعة التي تدل على الصانع، يقول في كتابه إحياء علوم الدين: " إن هذا الأثر العجيب والترتيب المحكم لا يستغني عن صانع يدبره وفاعل يحكمه ويقدره بل تكاد فطرة النفوس تشهد بكونها مقهورة تحت تسخيره ومصرّفة بمقتضى تدبيره". ويثبت الغزالي لله الصفات التي وصف بها الله تعالى نفسه.

والعالم عنده مخلوق لله تعالى وهو حادث، والله هو الذي أحدثه، أما قول الفلاسفة بقدم العالم، فلا يرى له تخريجًا مقبولاً، وينتقد الغزالي نظرية الفيض عند الفارابي وابن سينا ويرى أنها تعطيل لصفة الخلق عند الحق عز وجل. أما خلود النفس وبقاؤها بعد الموت، فيرى الغزالي أن النفوس الطيبة تخلد في الجنة والخبيثة تخلد في النار. ويعترف الغزالي بالحواس وسائل للمعرفة، ويرى أنها مفاتيح المعرفة، لكنه يرى أن المعرفة الحقة هي التي تكون عن طريق الحدس؛ أي المعرفة المباشرة. ويرى الغزالي أن الإيمان قد يقتضي من الإنسان البحث والنظر ومعرفة الاستدلال والاستنباط لإثبات وجود الله، لكنه يعتقد أن الإيمان في المحصلة النهائية نور يقذفه الله في قلب العبد فينكشف له اليقين انكشافًا. وهنا ترى أن الغزالي، وإن اختلف مع الفلاسفة كالفارابي وابن سينا في كثير مما ذهبوا إليه، من مذهب أهل اليونان في القول بقدم العالم وبالفيض بدلاً من الخلق من العدم ففارقوا الشرع، فالغزالي لم يفارق الشرع لكنه يتفق مع هؤلاء في فرع من فروع المعرفة، وهو المعرفة الحدسية أو المعرفة المباشرة أو الإدراك المباشر الذي لا يحتاج إلى وسائط حسية معرفية. ويعول الغزالي في النهاية على هذه المعرفة في تحصيل اليقين.


ابن تيمية (661 - 728هـ، 1263 - 1328م) يختلف ابن تيمية عن الغزالي في أنه لم يقبل من الفلاسفة لا المقدمات ولا النتائج ونعى عليهم اعتمادهم على العقل وحده وسيلة للمعرفة فأنكر أدلة القائلين بالواجب الوجود، والممكن الوجود في إثبات وجود الله تعالى، وقال: ¸إن القائلين بواجب الوجود لم يقيموا دليلاً على واجب الوجود فإنهم جعلوا وجوده موقوفًا على إثبات (الممكن) الذي يدخل فيه القديم، فلا يمكن إثبات واجب الوجود على طريقتهم إلا بعد إثبات ممكن قديم، وهذا ممتنع في بديهة العقل·. انظر: ابن تيمية، تقي الدين.

ويقول ابن تيمية: ¸وأمكنهم أن يستدلوا على أن المحدَث لابد له من قديم وهو واجب الوجود ، ولكن أثبتوا قديمًا ليس بواجب الوجود، فصار ما أثبتوه من القديم يناقض أن يكون هو رب العالمين، إذ أثبتوا قديمًا ينقسم إلى واجب وإلى غير واجب. والواجب الذي أثبتوه قالوا: إنه يمتنع اتصافه بصفة ثبوته، وقالوا لا يكون صفة ولا موصوفًا البتة، وهذا ممتنع الوجود، لا ممكن الوجود، فضلاً عن أن يكون واجب الوجود·. وفند ابن تيمية آراء الفلاسفة في قدم العالم لأنهم يقولون إن الله فاعل بالإيجاب لا بالاختيار. فالله عنده فاعل قادر على الفعل منذ الأزل لكنه فاعل بالاختيار لأن الاختيار صفة تناسب الإله، فله أن يفعل وأن لا يفعل مع قدرته على الفعل والترك، فلا يجب عليه شيء. وقد علمنا من الفارابي وابن سينا وابن رشد كذلك أن الله خلق العالم ضرورة، وهذا هو الذي جعل ابن تيمية يقف مدافعًا عن الشرع والمعرفة النقلية التي يرى أنها لا تضاد العقل بل إن صريح المعقول عنده لا يتعارض مع صحيح المنقول. وقد كتب في ذلك كتابًا ضخمًا أسماه درء تعارض العقل والنقل انتصر فيه للفطرة السليمة والمنطق الفطري الذي لا يتعارض ولا يعارض النقل بالمقارنة مع المنطق الأرسطي الذي يخضع لمكونات ثقافية ولغوية تجعلنا نقبل منه ما تقبله فطرتنا السليمة ونرفض ما ترفضه.
http://www.al3ez.net/vb/printthread.php?t=28025&pp=40

hano.jimi
2011-09-16, 14:06
http://www.myegyptsun.com/forum/showthread.php?p=218055


http://troyacademy.eg.vg/forum/archive/index.php/t-157.html

ارجو ان يفيدك halim_1987

hano.jimi
2011-09-16, 14:41
ج التصنيف الفلسفى عند الفارابى
3- منهج التصنيف الفلسفى عند الفارابى (ت 339 هـ) ([1]):

أ- أصالة فلسفة الفارابى
ب- السعادة والجميل والنافع والفضيلة كمدخل لفلسفة الفارابى
ج- نظرية المعرفة عند الفارابى
د- تصنيف العلوم عند الفارابى
هـ- التوفيق بين الفلسفة والدين عند الفارابى
و- النـزعة الصوفية عند الفارابى
ز- نظرة عامة على منهج التصنيف الفلسفى عند الفارابى
ح- ملاحظات حول منهج التصنيف الفلسفى عند الفارابى

يعتبر كثير من المؤرخين للفكر الفلسفى الإسلامى أن الفارابى هو المؤسس الحقيقى للدراسات الفلسفية فى العالم العربى، والمنشىء الأول لما نسميه الآن ((الفلسفة الإسلامية))، فقد شيد بنيانها، ووضع الأساس لجميع فروعها، ولا نكاد نجد فكرة عند من جاءوا بعده من فلاسفة الإسلام إلا لها أصل لديه، وهو أعرف فلاسفة الإسلام بتاريخ الفلسفة ونظريات الفلاسفة، ويتحدث فى مؤلفاته حديث الخبير عن المدارس اليونانية ويبين الفوارق بينها([2]).
إن أولى خطوات الفارابى (259 هـ - 339 هـ) – والذى يعتبر عند بعض الدارسين فيلسوف المسلمين بالحقيقة([3])، وأول مفكر مسلم بكل ما فى الكلمة من معنى([4]) - فى التفلسف أنه قد آمن إيمانا مطلقا بوحدة الفلسفة فى ذاتها، وما كان أمام الفارابى وقد داخل روعه أن الفلسفة معصومة من الخطأ إلا أن يعمد إلى فكرة وحدة الفلسفة فيدافع عنها دفاعا يمكنه من الانتقال من فكرة وحدة الفلسفة إلى فكرة التوفيق بين الشريعة والحكمة (بناء على وحدة الحق)، فبدأ أولا بإزالة ما قد يتوهم من خلاف داخل النطاق الفلسفى، حتى إذا ما أصبحنا أمام حقيقة فلسفية واحدة انتقل ثانيا إلى التوفيق بين الدين والفلسفة باعتبارهما مظهرين لحقيقة واحدة([5]).
يقول ابن سبعين([6]) فى الفارابى: وهذا الرجل أفهم فلاسفة الإسلام وأذكرهم للعلوم القديمة، وهو الفيلسوف فيها لا غير، وهو مدرك محقق.
إلا أنه يمكن وصف فلسفة الفارابى بأنها فلسفة تلفيقية حاول فيها – على ما سبق الحديث عنه - الجمع بأى صورة بين رأى الحكيمين، ولقد كان لذلك الخلط العجيب والشنيع فى تاريخ الفكر الفلسفى بين آراء الفلاسفة والذى حدث فى مدرسة الإسكندرية الفلسفية أثره الخطير والسيىء على مصير الفلسفة الإسلامية([7]).
وإذا كان الشائع عن فلسفة الفارابى أنها فلسفة مثالية، فالحقيقة أن الفلسفة كلها مثالية، لأنها محاولة لتغيير الواقع فى الآراء والسلوك، فى المعتقدات وفى الأخلاق، فهى تصوير لفكرة الفيلسوف عن المثل الأعلى للفرد وللإنسانية، فكل فلسفة إذن هى مثالية بهذا الاعتبار، فالمذهب الذى يرسمه الفيلسوف إنما هو مذهب يؤمن بأن من الممكن تحقيقه، وفى هذا الإطار يمكننا فهم فلسفة الفارابى وخاصة فى مدينته الفاضلة([8]).
ويرى بعض الباحثين أنه لا يفهم الفارابى إلا من خلال معرفتنا لنظرية الفيض، فالفلسفة الفيضية هى أساس كل تفكير فارابى، فالمعرفة الإنسانية عنده مرتبطة مباشرة بنظام الوجود العام، وهى مرتبطة أيضا بتسلسل الموجودات عن الأول، فكما أن الوجود بدأ بالوحدة وينتهى إلى الكثرة، كذلك تبدأ المعرفة الإنسانية النظرية وفى حركة معاكسة لحركة الفيض من الكثرة إلى الوحدة، لأن المعرفة رجوع من أدنى إلى أعلى، رجوع من الكثرة إلى الوحدة، فدرجات الإدراك عند الفارابى ليست فى الواقع سوى مراحل هذا الصعود من المحسوس إلى غير المحسوس أى من الكثرة إلى الوحدة ([9]).
أ- أصالة فلسفة الفارابى: تطرقنا إلى الفارابى بصفة عامة عند تناولنا قضية أصالة الفلسفة الإسلامية([10])، ونميل إلى الجانب الذى يرى تمتع الفارابى بالقدر الكافى من النظر والحرية والتفلسف الذى يمنحه الحكم بالأصالة الفلسفية، وأنه - على ما تؤكد أ/د فوقية حسين - لم يكن أرسططاليسيا، أو أفلوطينيا وإنما صدر فيما قدمه من كتابات فلسفية عن أصول إسلامية وطيدة، استقاها من واقع احتكاكه بمفاهيم الكتاب الكريم والسنة النبوية الشريفة([11])، ولهذا نتفق مع أ/د حسن حنفى على ضرورة إرجاع الفارابى إلى حضارته الإسلامية بعد أن أخرجه الباحثون منها وعلى رأسهم المستشرقون، وجعلوه شارحا لأرسطو، وهو فى حقيقة الأمر حكم بين الشراح وبين أرسطو، وهو أيضا حكيم مثل أرسطو يعيد النظر ويكشف عن الحقائق، سواء اتفق مع أرسطو أم اختلف، مكملا ما نقص، ومستبعدا ما زاد، ومحولا أقواله إلى نظرية خالصة فى العقل، وهو بحث اجتهادى قد يخطئ ويصيب([12]).
ومن جهة أخرى فإننا إذا استقرأنا مؤلفات الفارابى لوجدنا أن التأليف يعادل الشرح من حيث الكم، فإذا كان للفارابى حوالى مائة مؤلف أو أكثر بقليل، فإن التأليف يوازى نصفها تقريبا، وهذا يدل على أن الفارابى كان مؤلفا كما كان شارحا، وأن لقب المعلم الثانى لا يعنى فقط شارح أرسطو، بل يعنى أيضا أنه مؤلف مثل أرسطو([13]).
على أن الفارابى موقفا نقديا واضحا عند تعرضه بالشرح لأرسطو، فيطلع أولا على شروح السابقين عليه، ويقارن بين ما يقوله أرسطو وبين ما يقولونه، ويوازن بينهما، ويكشف أخطاء الشراح ويبين أسبابها، ويعيب عليهم أن لم يغوصوا فى أعماق الذهن الأرسطى، وكما يوجه نقده إلى الشراح يوجه نقده إلى أرسطو نفسه، ومن ذلك قوله: ((والمفسرون أيضا لم يذكروها، كذلك لم يضع أرسطوطاليس المقدمات المتضادة هاهنا، ولا ذكر مناسباتها، ولا ذكر المفسرون السبب فى تركه أيها))، ويقول أيضا: ((قصدنا فى هذا القول إثبات أقاويل وذكر معان يقضى بها بمن عرفها إلى الوقوف على ما أثبته الحكيم فى صناعة الشعر، من غير أن تقصد إلى استيفاء جميع ما يحتاج إليه فى هذه الصناعة، وترتيبها إذا الحكيم لم يكمل القول فى صناعة المغالطة فضلا عن القول فى صناعة الشعراء))، فما يفعله الفارابى مع الشراح فإنه يفعله مع أرسطو نفسه، فقد كان الفارابى باحثا عن الحق مثل أرسطو، ومقارنا آراء أرسطو بما يبدو له أنه الحق، فنجده خلال الشروح ينتقد أرسطو ويصحح أخطاءه، فهو شرح وتقويم، عرض ونقد، نقل وحكم، إكمال للنقص([14]).
لقد قدم الفارابى شروحه من خلال نسق كلى شامل هو المذهب الأرسطى، وهذا أقرب إلى إعادة البناء منه إلى الشرح، والبناء هو دخول المنطق والطبيعيات والإلهيات فى نسق فلسفى واحد هو نسق الفارابى، ويحاول إخضاع مؤلفات أرسطوطاليس نفسه إلى نسق عقلى واحد، وذلك أن أرسطو ترك مؤلفاته بلا نظام أو ترتيب، وهو ما حاول تلاميذه وشراحه من بعد تلافيه، ونبه عليه الفارابى فى رسالته فيما ينبغى تقديمه قبل تعلم الفلسفة، واضعا نسقا عقليا آخر للأشياء التى يحتاج إليه فى تعلم كتب أرسطو([15]).
ومما يؤكد أصالته - على سبيل المثال – أن أكثر مؤلفاته عمقا ودراسة للغة وفقهها، وهو كتاب الحروف يعد أيضا من أكبر مصنَّفاته فى الفكر العربى عامة، والفلسفة الإسلامية وفقه اللغة العربية خاصة، ورغم أن الكتاب يعد تفسيرا لكتاب (ما بعد الطبيعة) لأرسطو، إلا أن بين الكتابين فروقا ظاهرة، ترجع إلى استفادة الفارابى من علوم العربية، فلم يتكئ على الألفاظ والمعانى التى جاء بها أرسطو فى ما بعد الطبيعة، بل اعتمد على الشواهد العربية، وأهمل أبوابا من كتاب أرسطو لم يتناولها بالشرح([16]).
والفارابى حين يهتم بأرسطو لا يهتم به من الناحية الشخصية بل باعتباره واضع العلوم، فيسميه صاحب المنطق، فهدف الفارابى هو العلم وليس العالم، الموضوع وليس الشخص، وسواء كان العالم والشخص أرسطو أم غيره، فإن ما يهم الفارابى هو علم المنطق، وهو علم مستقل عن واضعه وقائم بذاته، ويتعامل الفارابى مع الفلسفة اليونانية كلها على هذا النحو اللاشخصى فيتحدث عن أصحاب العلم الطبيعى، وأصحاب التعليم، وأصحاب العدد... إلخ([17]).
لقد بلغ الفارابى بالفكر العربى فى كتابه الحروف أَوُجَّه فى تفهم أمور العلم واللغة، وضرورة التعبير الصحيح عما ينظر الإنسان فيه ويعقله، فلا يستغنى عنه قراءته من يشتغل فى تأريخ الفلسفة واللغة، ويجب أن يمعن النظر فيه من يقصد فهم الصلة بين نمو العلوم واللغة التى يعبر بها عن العلوم والمجتمع الذى تنمو فيه([18]).
ونعتقد أن اطلاع الفارابى الواسع على لغته العربية وفقهه بها هو أحد وجوه الأصالة التى تمتع بها، والذى انعكس على فكره الفلسفى والمنطقى، ((ولقد ظهر أثر إتقانه وولعه باللغة العربية فى مصنَّفاته المنطقية والفلسفية، ككتاب الألفاظ المستعملة فى المنطق، وكتاب القياس الصغير، وكتاب المدخل، وكتاب التنبيه على سبيل السعادة، ففى معظم هذه المؤلفات وغيرها عرض الفارابى لمباحث منطقية وفلسفية يبدو فيها أثر العلم اللغوى فى صناعة الفكر والفلسفة... إن التحليل الفارابى للغة لفت الانتباه إلى العلاقة التى لا تنفصل بين أبعاد ثلاثة: اللفظة كوعاء نظرى، والمعنى الذى تثيره هذه اللفظة فى الذهن، والجانب الدلالى للفظة فى العالم الخارجى)) ([19]).
على أن فقه اللغة عند الفارابى يتسع إلى غير اللغة العربية، فهو لا يحلل العربية وحدها بل يضم إليها الفارسية واليونانية وغيرها، مما يؤكد على أن الرأى الشائع بأن المسلمين شراح اليونان رأى مبتسر، لأن المسلمين تمثلوا الحضارات المجاورة كلها يونانية أو فارسية أو هندية أو رومية، والفارابى يتجاوز اللغات ويتحدث عن علم اللغة العام كبناء وراء اللغات المتعددة، ويسميه علم اللسان([20])، وهذا التجاوز لحضارة اليونان يدل على البعد الحضارى العام للفكر الإسلامى، وأن الحضارة الإسلامية لم تكن متلهفة على التراث اليونانى بل كانت متفتحة على تراث الحضارات كلها، بصرف النظر عن مصدره، فما يهم هو الفكر لا المصدر، فى حين أن حكم الاستشراق يقوم على إعطاء الأولوية للمصدر على الفكر بسبب العنصرية الحضارية الدفينة فى أعماق الوعى الأوربى([21]).
لقد كان الفارابى هو الأبعد أثرا فى تطور الفكر الفلسفى عند المسلمين، ونكاد أن نمسك فى مذهبه بمفاتيح أغلب المشكلات الحقيقية التى عالجها الفلاسفة المسلمون من بعده، سواء فى الطبيعة أو ما بعد الطبيعة أو الأخلاق وغيرها([22]).
ورغم ما تقدم فإنه فى الحقيقة يمثل وجهة نظر الباحثين والدارسين لفلسفة الفارابى، ولا يمثل وجهة نظر الفارابى نفسه، أما هو نفسه فيرى أن الفلسفة تدوولت وتطورت إلى أن استقرت على ما هى عليه أيام أرسطو تناهى النظر العلمى إلى ذلك، بحيث لا يمكن المزيد عليها ولا المراجعة، وإنما فقط صناعة تعلم وتعليم، وهكذا حصر الفارابى دوره الفلسفى – بل ودور غيره أيضا – فى التعلم والتعليم، واستيعاب ما وضعه أرسطو، يقول الفارابى بعد أن استعرض تطور الأساليب الفلسفية من الطرق الخطبية والإقناعية إلى السوفسطائية إلى الجدلية: ((... فلا تزال تستعمل إلى أن تكمل المخاطبات الجدلية، فتبين بالطرق الجدلية أنها ليست هى كافية بعد فى أن يحصل اليقين، فيحدث حينئذ الفحص عن طرق التعليم والعلم اليقين، وفى خلال ذلك يكون الناس قد وقعوا على الطرق التعاليمية وتكاد تكتمل أو تكون قد قاربت الكمال، فيلوح لهم مع ذلك الفرق بين الطرق الجدلية وبين الطرق اليقينية... ثم يتداول ذلك إلى أن يستقر الأمر على ما استقر عليه أيام أرسطوطاليس، فيتناهى النظر العلمى، وتميز الطرق كلها، وتكمل الفلسفة النظرية والعامية الكلية، ولا يبقى فيها موضع فحص، فتصير صناعة تُتعلَّم وتُعَلَّم فقط، ويكون تعليمها تعليما خاصا، وتعليما مشتركا للجميع، فالتعليم الخاص هو بالطرق البرهانية فقط، والمشترك الذى هو العام فهو بالطرق الجدلية أو بالخطيبة أو بالشعرية، غير أن الخطبية والشعرية هما أحرى أن تستعملا فى تعليم الجمهور ما قد استقر الرأى فيه ويصح بالبرهان من الأشياء النظرية والعملية)) ([23]).
إذن فالفارابى يرى أن الفلسفة قد بلغت كمالها، ولم يعد موضع فحص فيها، وأنه لم يبق إلا استيعابها تعلما وتعليما على الوجه الصحيح، ومن الظاهر أن هذه الغاية هى بالفعل التى تحكم اتجاهات الفارابى الفلسفية، وهى التى وجهته فى عامة مصنَّفاته، وأدت به إلى ما أدت به من أنظار نقدية أثناء محاولته للفهم الصحيح للفلسفة بالتعلم، وتوصيلها على الوجه الصحيح بالتعليم، من ثم أتى نقده لشراح أرسطو فيما أخطأوا فيه فى الفهم، وأتى تعديله لبعض المباحث والأمثلة الشارحة بما يليق باللغة العربية. وأيضا فى هذا الإطار الواحد الذى وضع فيه الفلسفة تأتى محاولته للجمع بين رأيى الحكيمين.
إن تأمل عامة مصنَّفات الفارابى يصل بنا إلى تأكيد هذا التصور، حيث يأتى كثير منها كمداخل للفهم، وكيفية ترتيب علوم الفلسفة، ومن أين يبدأ بتعلمها، ووضع تصور عام للفلسفة تعلما وتعليما وتأثيرا فى المجتمع ككل جمهوره وخاصته، بحيث تؤتى الفلسفة ثمرتها بحصول السعادة للجميع.
يتراءى من خلال ذلك أن الفارابى بدا كأصيل رغم أنفه، وأنه بالفعل تجاوز دورَه الذى وضعه لنفسه محجما لقدرته على التفلسف.
وبالإضافة إلى ما تقدم من وجوه لأصالة الفارابى، فقد قدم بالفعل من المفاهيم الفلسفية الجديدة ما هو جدير بالحكم بأصالته، مثل مفهوم (واجب الوجود النسبى) الذى - من حيث هو - يدخل فى مقولة الممكن، وهو الذى سيسميه فلاسفة الإسلام بعد ذلك بواجب الوجود بالغير([24]).
ب- السعادة والجميل والنافع والفضيلة كمدخل لفلسفة الفارابى: ما دامت السعادة – فى فلسفة الفارابى - هى الغاية القصوى التى نسعى إلى تحقيقها فلا بد أن نبحث فى السبل والأمور التى بها يمكن الوصول إليها، ويمكن إجمال ذلك بأن الحصول على السعادة إنما يكون بفعل الجميل خلقيا، يقول الفارابى: ((أما أن السعادة هى غاية ما يتشوقها كل إنسان، وأن كل من ينحو بسعيه نحوها فإنما ينحوها على أنها كمال ما؛ فذلك مما لا يحتاج فى بيانه إلى قول إذ كان فى غاية الشهرة... ولما كنا نرى أن السعادة إذا حصلت لنا لم نحتج بعدها أصلا إلى أن نسعى بها لغاية ما أخرى غيرها ظهر بذلك أن السعادة تؤثر لأجل ذاتها، ولا تؤثر فى وقت من الأوقات لأجل غيرها، فتبين من ذلك أن السعادة هى آثر الخيرات وأعظمها وأكملها... وكل واحد يعتقد فى الذى يراه (كالثروة والتمتع باللذات والرياسة) سعادة على الإطلاق أنه هو الآثر والأعظم... لكن إنما تنال به (بفعل الجميل) السعادة متى اختاره الإنسان على أنه جميل فقط ولأجل ذاته، لا أن يقصد به نيل ثروة أو نيل رياسة، ولا لشىء مما أشبه ذلك، فهذه التى قيلت هى الشرائط التى إذا كانت فى الأفعال الجميلة نيلت بها السعادة لا محالة، وهى: أن يفعل طوعا وباختيار، وأن يكون اختيارنا لها لأجل ذواتها، وأن يكون ذلك فى كل ما نفعله، وفى زمان حياتنا بأسره... والمقصود الإنسانى: اللذيذ والنافع والجميل،... فقد حصل أن مقصود الصنائع كلها إما جميل وإما نافع، فإذن الصنائع صنفان: صنف مقصوده تحصيل الجميل، وصنف مقصوده تحصيل النافع، فالصناعة التى مقصودها تحصيل الجميل فقط هى التى تسمى الفلسفة، وتسمى الحكمة الإنسانية على الإطلاق والصناعات التى يقصد بها النافع فليس منها شىء يسمى حكمة على الإطلاق، ولكن ربما سمى بعضها بهذا الاسم على طريق التشبيه بالفلسفة … ولما كان الجميل صنفين: صنف هو علم فقط، وصنف هو علم وعمل، صارت صناعة الفلسفة صنفين: صنفًا به تحصل معرفة الموجودات التى ليس للإنسان فعلها، وهذه تسمى الفلسفة النظرية، والثانى به تحصل معرفة الأشياء التى شأنها أن تفعل، والقوة على فعل الجميل منها، وهذه تسمى الفلسفة العملية والفلسفة المدنية. والفلسفة النظرية تشتمل على ثلاثة أصناف من العلوم: أحدها: علم التعاليم، والثانى: العلم الطبائع، والثالث: علم ما بعد الطبيعيات، وكل واحد من هذه العلوم الثلاثة يشتمل على صنف من الموجودات التى شأنها أن تعلم فقط، فيكون ما شأنه أن يعلم فقط من الموجودات ثلاثة أصناف....
والفلسفة المدنية صنفان: أحدهما يحصل به علم الأفعال الجميلة، والأخلاق التى تصدر عنها الأفعال الجميلة، والقدرة على اقتنائها، وبه تصير الأشياء الجميلة قنية لنا، وهذه تسمى الصناعة الخلقية. والثانى يشتمل على معرفة الأمور التى بها تحصل الأشياء الجميلة لأهل المدن والقدرة على تحصيلها لهم وحفظها عليهم وهذه تسمى الفلسفة السياسية وعلم السياسة؛ فهذه جمل أجزاء صناعة الفلسفة، ولما كانت السعادة إنما ننالها متى كانت لنا الأشياء الجميلة قنية، وكانت الأشياء الجميلة إنما تصير لنا قنية بصناعة الفلسفة فلازم ضرورة أن تكون الفلسفة هى التى تُنال بها السعادة... فقد تبين بهذا القول كيف السبيل إلى السعادة، وكيف السلوك فى سبيلها، ومراتب ما ينبغى أن نسلك عليه، وأيما منها أول مراتبها، وأن أول مراتبها تحصيل صناعة المنطق...))([25]).
فالفارابى ينطلق هنا من الجمال الذى هو سبب السعادة كأساس للفلسفة، وليس الوجود كما فى كلامه فى الجمع بين رأيى الحكيمين، وإن كان العلم بأصناف الموجودات الثلاثة على حسب تقسيم الفارابى لها هو أحد ثمرات هذه التصنيف.
ومذهب الفارابى فى السعادة والجميل منسجم تمام الانسجام مع مذهبه فى الحقيقة، فليست الفلسفة عنده ولا التصنيف فيها من أجل الوصول إلى معرفة الحقيقة كما هى عند بعض الفلاسفة، بل من أجل معرفة الجميل ومعرفة كيفية تحصيله وصولا إلى السعادة، أما ((الوقوف على حقائق الأشياء فليس فى قدرة البشر، ونحن لا نعرف من الأشياء إلا الخواص واللوازم والأعراض ولا نعرف الفصول المقومة لكل منها الدالة على حقيقته، بل إنها أشياء لها خواص وأعراض، فإنا لا نعرف حقيقة الأول، ولا العقل، ولا النفس، ولا الفلك، والنار والهواء والماء والأرض (اقرأ: ولا النار ولا... إلخ) ولا نعرف حقائق الأعراض... ولذلك يقع الخلاف فى ماهيات الأشياء، لأن كل واحد أدرك لازما غير ما أدركه الآخر فحكم بمقتضى ذلك اللازم...)) ([26])، ويؤكد على ذلك فى موضع آخر بقوله: ((الإنسان لا يعرف حقيقة الشىء البتة، لأن مبدأ معرفته الأشياء هو الحس، ثم يميز بالعقل بين المتشابهات والمتبائنات، ويعرف حينئذ بالعقل بعض لوازمه وذاتياته وخواصه...))([27]).
كما نرى أن هذا لا ينافى أن الحكمة على الإطلاق عنده ((معرفة الوجود الحق، والوجود الحق هو واجب الوجود بذاته))، لأنه لا يتصف بذلك عند إلا واجب الوجود نفسه، إذ يقول بعد ذلك مباشرة: ((والحكيم هو من عنده علم الواجب بذاته بالكمال، وهو ما سوى الواجب لذاته ففى وجوده نقصان عن درجة الأول بحسبه، فإذن يكون ناقص الإدراك، فلا حكيم إلا الأول لأنه كامل المعرفة بذاته)) ([28])، فليس من الصواب قطع تعريف الحكمة على الإطلاق السابق عن بقية السياق، والتى يظهر منه أنه لا حكيم بالحقيقة إلا الله عز وجل، وأنه إنما أراد تعريف الحكمة على الإطلاق، وليس تعريف الحكمة الإنسانية – كما تقدم فى عبارته – والتى هى بمعنى اللقب على العلم المخصوص والمرادف للفلسفة، والتى هى تحصيل الجميل.
كما نرى أن ذلك متسق مع مذهبه فى الخير والشر، فــ ((الخير ما تشوقه كل شىء فى حده ويتم وجوده أى رتبته وحقيقته من الوجود، كالإنسان والفلك مثلا فإن كل واحد منهما إنما يتشوق من الخير ما ينبغى له وما ينتهى إليه حده، ثم سائر الأشياء على ذلك)) ([29])، إذ الجميل عنده كما تقدم ((معرفة الموجودات التى ليس للإنسان فعلها (= الفلسفة النظرية) أو معرفة الأشياء التى شأنها أن تفعل (= الفلسفة العملية)...))، أو الجميل ((هو الشىء الذى يستحسنه العقلاء)) ([30])، إذ الجميل - على أى تعريف منهما – المعرفة أو المستحْسَن هو نوع من الكمال، وسعى نحوه، ويتشوق به الإنسان إلى الوصول إلى حده.
وكما يفرق الفارابى بين الحكمة بإطلاق، والحكمة الإنسانية، يفرق بين الخير بإطلاق أو بالحقيقة، والخير الإنسانى الذى تقدم ذكره، أما ((الخير بالحقيقة فهو كمال الوجود، وهو واجب الوجود، والشر عدم ذلك الكمال)) ([31]).
ويحصل من هذا أن مفاهيم السعادة والنافع والجميل والحكمة والخير تتكامل مع بعضها البعض فى فلسفة الفارابى مكونة غاياتها العليا التى تتغياها، ومن ثم يصير غاية منهج التصنيف الفلسفى عند الفارابى هو الوصول إليها أيضا.
ولا يتناقض هذا أيضا – فى تصورنا – مع الطرح الآخر الذى يقدمه الفارابى فى كتابه تحصيل السعادة حيث يستبدل الفضائل بالجميل، فالجميل نوع من الفضائل، والفضائل أمر جميل، يقول الفارابى: ((الأشياء الإنسانية التى إذا حصلت فى الأمم وفى أهل المدن، حصلت لهم بها السعادة الدنيا فى الحياة الأولى، والسعادة القصوى فى الحياة الأخرى: أربعة أجناس: الفضائل النظرية، والفضائل الفكرية، والفضائل الخلقية، والصناعات العملية))([32])، ثم أخذ فى بيان ذلك فى الكتاب كله، مما سنعرض له بصورة أكثر تفصيلا عند عرض ملاحظاتنا حول منهجه فى التصنيف الفلسفى فيما سيأتى([33]) حيث قدم فى هذا الكتاب أول محاولة صريحة وقفنا عليها لمنهج التصنيف الفلسفى.
ج- نظرية المعرفة عند الفارابى: اهتم الفارابى بمشكلة المنهج وإحصاء العلوم والمنطق، وغيرها مما يدخل أو يمهد لنظرية المعرفة، ولنظرية النفس دورا أساسيا فى نظرية المعرفة لأن كل فيلسوف يتأسس مذهبه فى المعرفة بناء على مذهبه فى النفس تأسيسا ذاتيا، وتنقسم المعرفة عند الفارابى إلى ثلاثة أقسام: المعرفة الحسية، والمعرفة العقلية، والمعرفة الذوقية أو الإشراقية([34]).
وقد سبق تناول علاقة نظرية المعرفة بمنهج التصنيف وأثرها فيه، وبخصوص نظرية المعرفة الفارابية، فالتقسيم السابق لا يعنى أن هناك انفصالا بينها، بل هى متصلة ومتكاملة، وكل قسم منها يشكل درجة من درجات الارتقاء فى سلم المعرفة، ((فالإدراك إنما هو للنفس، وليس للحاسة إلا الإحساس بالشىء، وليس للمحسوس إلا الانفعال، فالنفس تدرك الصور المحسوسة بالحواس، وتدرك الصور المعقولة بتوسط صورها المحسوسة، إذ تستفيد معقولية تلك الصور من محسوسيتها... وإلا لم يكن معقولا لها وذلك لنقصان نفسه فيه، واحتياجه فى إدراك الصور المعقولة إلى توسط الصور المحسوسة، بخلاف المجردات فإنها تدرك الصور المعقولة من أسبابها وعللها التى لا تتغير، وحصول المعارف للإنسان يكون من جهة الحواس، وإدراكه للكليات من جهة إحساسه بالجزئيات، ونفسه عالمة بالقوة، فالطفل نفسه مستعدة لأن تحصل لها الأوائل والمبادئ، وهى تحصل له من غير استعانة عليها بالحواس، بل تحصل له من غير قصد من حيث لا يشعر به... والحواس هى الطرق التى تستفيد منها النفس الإنسانية المعارف، والنفس ما دامت ملابسة للهيولى لا تعرف مجرداتها ولا شيئا من صفاتها التى تكون لها وهى مجردة، ولا شيئا من أحوالها عند التجرد لأنها لا يمكنها الرجوع إلى خاص ذاتها)) ([35])، إذن فاتجاه المعرفة الإنسانية عند الفارابى اتجاه صاعد يبدأ من الكون وإدراكه بالحواس، وهذا الإدراك الحسى يعتبر مقدمة ضرورية للمعرفة العقلية التى لا يمكن لها أن تصل إلى الكليات إلا من خلال إدراك الحواس للجزئيات.
والوجه الآخر من نظرية المعرفة الفارابية، هى حركة نازلة تبدأ من النفس المشرقة التى يفاض عليها بالمعرفة الكلية، التى يدركها العقل، ويبدأ من خلال إدراكه للواقع عن طريق الحس تنـزيل هذه المعرفة الكلية على جزئياتها.
إن هذا الترتيب لحصول المعرفة لا بد أن يراعيه الفارابى عند ترتيب المعارف، التى يريد أن ينظمها من خلال منهجه فى التصنيف الفلسفى، والذى قد يسير فى أحد اتجاهين إما حركة صاعدة من الوجود إلى العقل إلى النفس، أو بالعكس فى حركة نازلة من النفس إلى العقل إلى الحس، وسنرى عند عرض ملاحظاتنا حول منهج التصنيف الفلسفى عند الفارابى أنه قد استعمل حركتى النـزول والصعود جميعا فى منهجه التصنيفى الفلسفى.
د- تصنيف العلوم عند الفارابى: للفارابى – على ما يذكر ابن صاعد - كتاب شريف فى إحصاء العلوم، والتعريف بأغراضها لم يسبق إليه، ولا يستغنى طلاب العلوم كلها عن الاهتداء به، وتقديم النظر فيه([36]). وقد كان هذا الكتاب معروفا عند علماء الغرب فى القرون الوسطى، وترجم غير مرة إلى اللاتينية، كما كان معروفا أيضا فى المدارس اليهودية([37]).
وقد قام الفارابى بمحاولته فى تصنيف العلوم وإحصائها انطلاقا من إدراكه لأهمية هذا التصنيف وصلته بالمنهج العلمى([38])، ورغم أنها المحاولة الأولى عند المسلمين فإن بعض كبار الباحثين يرى أنها ترقى إلى أن تكون نظرية فى تصنيف العلوم، وذلك لأنها تحتوى على الجانبين النظرى والتطبيقى معا، فالجانب النظرى قدمه الفارابى فى رسالته (التنبيه على سبيل السعادة)، والجانب التطبيقى يتمثل فى كتابه الشهير (إحصاء العلوم)([39]).
أما الجانب النظرى الذى تناوله فى كتابه التنبيه على سبيل السعادة، وراعاه فى كتاب الإحصاء والذى جاء على سبيل التطبيق العملى لنظريته العامة فى تقسيم العلوم والذى يتمثل فى تقسيمها إلى قسمين كبيرين([40]):
أ- قسم تحصل به معرفة الموجودات التى ليس للإنسان فعلها، وهو العلوم النظرية.
ب- وقسم تحصل به معرفة الأشياء التى شأنها أن تفعل، والقوة على فعل الجميل منها، وهو العلوم العملية والفلسفة المدنية([41]).
وقد شرح الشنب غازانى (ت 919 هـ) قوله (التى شأنها أن تفعل): ((بأنها الموجودات التى لقدرتنا واختيارنا تأثير فى وجودها))([42]). والموقف الفلسفى الفارابى هنا يبدأ فى تصنيف العلوم من موقف مركب ليس من الوجود وحده، بل من الوجود حال كونه مقدورا لنا، أو غير مقدور، فبحث الموجودات المقدورة لنا ينتظمها علوم خاصة بها، والموجودات غير المقدورة تبحثها علوم أخرى خاصة بها.
أما عن الجانب التطبيقى فيقول الفارابى: ((قصدنا فى هذا الكتاب (إحصاء العلوم) أن نحصى العلوم المشهورة علما علما، ونعرف جمل ما يشتمل عليه كل واحد منها، وأجزاء كل ما له أجزاء، وجمل ما فى كل واحد من أجزائه... وينتفع بما فى هذا الكتاب لأن الإنسان إذا أراد أن يتعلم علما من هذه العلوم وينظر فيه، علم على ماذا يقدم، وفيماذا ينظر، وأى شىء سيفيد بنظره، وما غناء ذلك، وأى فضيلة تنال به، ليكون إقدامه على ما يقدم عليه من العلوم على معرفة وبصيرة لا على عمى وغرر، وبهذا الكتاب يقدر الإنسان على أن يقايس بين العلوم، فيعلم أيها أفضل، وأيها أنفع، وأيها أتقن وأوثق وأقوى، وأيها أوهن وأوهى وأضعف، وينتفع به أيضا فى تكشيف من ادعى البصر بعلم من هذه العلوم ولم يكن كذلك... فلم يضطلع به (يعنى بمعرفة إحصاء العلوم) تَبَيَّنَ كذبُ دعواه وتَكَشَّف تمويهُه، وبه يتبين أيضا فيمن يحسن علما منها هل يحسن جميعه أو بعض أجزائه... وينتفع به المتأدب المتفنن الذى قصده أن يشدو جمل ما فى كل علم)) ([43]).
فالقصد المنهجى من وراء عمله (إحصاء العلوم) واضح للغاية، ويمكننا أن نضيف إلى ما قصده من فوائد منهجية تترتب على معرفة إحصاء العلوم: الثمرة المرجوة من ذلك فى مجال منهج التصنيف، حيث يساعد معرفة تصنيف العلوم – بحسب نظرية الفارابى بمعرفة علم علم، وما لكل علم من أجزاء، وجملة كل جزء – على تبلور منهج التصنيف فى أى علم منها، بمعرفة موضع العلم المراد من خريطة العلوم، ومعرفة خريطة الفارابى المقترحة لأجزاء هذا العلم، وجملة كل جزء، بما يمكن معه من تعديله بالإضافة والحذف، بحيث يأتى العمل شاملا ومحيطا بأجزاء العلم وجملتها.
وقد كان لتصنيف الفارابى للعلوم وإحصائها([44]) أثره الواسع فيمن بعده كالخوارزمى وابن سينا وأخوان الصفا والأكفانى وابن خلدون وطاش كبرى زاده، بل امتد أثره إلى المؤلفين والمصنِّفين من أهل القرون الوسطى فى العالم الغربى([45]).
ويمكن القول بأن المنهج العلمى عند الفارابى يقوم على أساس نظريته فى تصنيف العلوم، والتى تكمن فيها نظرته الكلية والشاملة للفلسفة كعلم كلى يرسم لنا صورة كاملة للكون فى مجموعه، ويقوم على أسس طبيعية ومعرفية وأخلاقية ودينية ثابتة، وليس مجرد تعداد للعلوم القائمة فى زمانه وإحصائها([46]).
أما العلم الذى ينبغى أن يبدأ به قبل تعلم الفلسفة عند الفارابى، فقد ذكر أن العلم الذى ينبغى أن يبدأ به قبل تعلم الفلسفة موضع خلاف بين الحكماء، فمنهم من يرون أنه علم الهندسة، ومنهم من يقولون علم إصلاح الأخلاق، ومنهم من يرون الابتداء بعلم الطبائع، ومنهم من يذكرون علم المنطق.
يقول الشيخ مصطفى عبد الرازق: وظاهر أن هذه العلوم التى دار عليها القول فى ما ينبغى أن يقدم قبل تعلم الفلسفة لا تكون أقساما من الفلسفة([47]).
ولا يخفى أنه على كل قول يكون سائر العلوم فى الأقوال الأخرى داخلة فى الفلسفة، ويخرج منها العلم الذى يبدأ به قبل تعلم الفلسفة، وهذه الفكرة عند اختبارها ستكون - فيما نظن - شديدة التأثير فى منهج التصنيف فى الفلسفة الإسلامية، فمن المفترض أن الفيلسوف يبنى مذهبه الفلسفى انطلاقا من عدة أمور أحدها ما هو: الذى قبل الفلسفة، وما هو الفلسفة.
لكن يذكر ظهير الدين البيهقى نصا مهما عن الفارابى أن ما ينبغى لمن أراد الشروع فى دراسة الفلسفة هو دراسة القرآن واللغة العربية والشريعة الإسلامية، يقول الفارابى: ((ينبغى لمن أراد الشروع فى علم الحكمة أن يكون شابا، صحيح المزاج متأدبا بآداب الأخيار، قد تعلم القرآن واللغة وعلم الشرع أولا، ويكون صينا عفيفا متحرجا صدوقا، معرضا عن الفسق والفجور والغدر والخيانة، والمكر والحيلة، ويكون فارغ البال عن مصالح معاشه، ويكون مقبلا على أداء الوظائف الشرعية، غير مخل بركن من أركان الشريعة، بل غير مخل بأدب من آداب السنة، ويكون معظما للعلم والعلماء، ولم يكن عنده لشىء قدر إلا العلم وأهله، ولا يتخذ علمه من جملة الحرف والمكاسب)) ([48]).
فهذه جملة من الآداب العامة لطالب الفلسفة يأتى ضمنها: أهمية دراسة القرآن الكريم واللغة العربية وعلم الشرع قبل الدخول فى الفلسفة، وهو ما يؤكد على الوجهة الإسلامية لفلسفة الفارابى، وأنه لا يقدم الفلسفة كبديل للعلوم الإسلامية، كما لا يقدم الأخلاق الفلسفية كبديل للأخلاق الإسلامية.
على أننا نجد الفارابى فى إحصاء العلوم يقسمه إلى خمسة فصول تحتوى على ثمانية علوم حيث يبدأ بعلم اللسان، فعلم المنطق، وعلم التعاليم، والعلم الطبيعى، والعلم الإلهى، والعلم المدنى، وعلم الفقه، وأخيرا علم الكلام، فقد قدم علم اللسان وفروعه وأعقبه بعلم المنطق، لأن علم اللسان عند كل أمة أداة لتصحيح ألفاظها وتقويم عبارتها، فوجب تقديمه على سائر العلوم، ثم إن علم اللسان مما لا يستغنى عنه فى دراسة أوائل صناعة المنطق، لأن موضوعات المنطق هى المعقولات من حيث تدل عليها الألفاظ، والألفاظ من حيث هى دالة على المعقولات([49]).
والفلسفة على الحقيقة هى القسم الإلهى عند الفارابى فى بعض كتبه، وإلى هذا ينحو الفارابى فى التعليقات إلى اعتبار الفلسفة على الحقيقة هى القسم الإلهى فيقول: الحكمة معرفة الوجود الحق، والوجود الحق هو واجب الوجود بذاته، والحكيم هو من عنده علم الواجب بذاته بالكمال، وما سوى الواجب بذاته ففى وجوده نقصان عن درجة الأولى بحسبه فإذن يكون ناقص الإدراك فلا حكيم إلا الأول، لأنه كامل المعرفة بذاته([50]).
هـ- التوفيق بين الفلسفة والدين عند الفارابى: الموقف التوفيقى بين الحكمة والشريعة وثيق الصلة بنظرية المعرفة لدى كل فيلسوف، وينطلق الفارابى([51]) أيضا فى محاولته التوفيقية من أساس الإيمان المطلق بوحدة الحق، وينتج عن هذا وحدة الفلسفة أولا، ثم التوفيق بين الدين والفلسفة على أساس أنهما مظهرين لحقيقة واحدة([52])، ولعل المنهج الكلى الذى يفيد العموم والشمول، وينطلق من رؤية تسقط الكثير من الاختلافات الجزئية فى سبيل رؤية الحقيقة التى تصدق فى كل زمان ومكان هو جوهر التوفيق عند الفارابى([53])، وليؤثر موقفه من هذه القضية تأثيرا مباشرا على التصنيف عنده لينتج لنا تحت تأثيرها أحد كتبه الشهيرة، وهو (الجمع بين رأيى الحكيمين أفلاطون وأرسطو)، وإذا كان هذا الكتاب – وقد اعتنى عامة الباحثين فى فلسفة الفارابى بنقد ما سقط فيه من أخطاء فى فهم مذهب أرسطو أوقعه فيها المترجمون كما سبقت الإشارة لذلك - يصور جهده وعمله العقلى فى الجمع بين الآراء الفلسفية على العموم، فإن كتابه الآخر (فصوص الحكم) يعطى المثل على توفيق الفارابى الخاص به، والذى يتميز عن طريقه عن أى فيلسوف إسلامى آخر، بحيث يبدو أن معنى الفلسفة هو معنى ما جاء فى الإسلام فى إطار فهمه الخاص لنص الإسلام، فالتوفيق عند الفارابى يأتى بمعنى الضم، والشرح بمعنى التأويل، وتأخذ القضية برمتها طابعا بسيطا أن الفلسفة والدين تعبيران عن معنى واحد([54]).
وإن كنا لسنا فى حاجة إلى الإشادة بالإبداع العقلى للفارابى فى هذا الصدد، حيث كانت محاولته المضنية فى سبيل التوفيق من حيث الإبداع الفلسفى أمرا يدعو إلى الإعجاب والتقدير، ولكن يرى بعض الباحثين أنه فى ميزان الحق من حيث هو حق أن هذه المحاولة غير حقيقية ولا صادقة لاعتمادها على آراء مقطوع الآن بنسبتها خطأ لأرسطو وهى فى الحقيقة لأفلوطين، فمحاولته للتوفيق بين الحكيمين غير موفقة، ولا يزال الخلاف قائما بين أفلاطون وأرسطو، ومن ثم لم يزل الخلاف بين الفلسفة والدين، فادعاء الفارابى وحدة الفلسفة لتصبح فى مستوى الحقيقة الواحدة، ولتمكن مقارنتها بالدين بعد ذلك ادعاء غير حقيقى، وقد عاد مجرد دعوى لا دليل عليها، ولو تنـزه الفارابى من نـزعة التقديس إزاء الفكر اليونانى لاستطاع أن يدرك زيف هذه الآراء على أرسطو، ولأدرك أن الخلاف بينه وبين أفلاطون حقيقى وواقع بالفعل، ولأدرك أيضا أن التوفيق بين الدين والفلسفة هو توفيق بين جانبين غير متكافئين([55])، وكان ينبغى عليه قبل أن يسعى إلى التوفيق أن يقيم الفلسفة الإغريقية تقييما موضوعيا قبل أن يحاول التوفيق بينها وبين الإسلام، إذ لو قيم هذه الفلسفة من الوجهة الموضوعية لانكشف له أنها وثنية – بحسب رأى الدكتور البهى - فى صورة عقلية غلفت بها([56]).
نعم لم تخل محاولة الفارابى – وإن لم يصاحبه التوفيق على ما يرى بعض الباحثين - من فكرة سليمة فى نفسها، وهى أن الحقيقة لا تخترع ولا تبتدع، وإنما يكشف عنها، وسبيل الكشف عنها ليس مقصورا على شخص معين بالذات، كما لم تخل محاولته من أصالة حيث انتهى به البحث إلى آراء خاصة به فى الفلسفة فسر على ضوئها كلام أفلاطون وكلام أرسطو([57]).
وفى الجهة المقابلة يقف بعض الباحثين – ونتفق فى الرأى معه – يرى أن القول بأن الفلسفة الإسلامية لا خلق فيها ولا إبداع أنه هذا وضع خاطئ للمشكلة من عقلية واحدية الطرف، هى العقلية الأوربية الاستشراقية أو امتداداتها فى أذهان الباحثين، وأن الجمع بين رأيى الحكيمين ليس خلطا بين أفلاطون وأرسطوطاليس، وليس جمعا لما لا يمكن الجمع بينهما يدل على سوء فهم كل منهما، واعتمادا على المؤلفات المنتحلة، لأن مهمة الفيلسوف المسلم لم تكن التحقق التاريخى، بقدر ما كانت التعامل مع الأفكار بصرف النظر عن قائلها، أى أن منهجه كان عقليا مثاليا، وليس تاريخيا استقصائيا، وما ظنه المستشرقون ومقلدوهم خطأ أنه توفيق قد يكون قمة الفكر بحثا عن الشامل، واتجاها إلى المحور، وإعادة التوازن بين أطراف الموقف الفلسفى، وتجاوزا لأحادية الطرف، فهدف الفارابى رفع الشك والارتياب عن تاريخ الفكر، وتصحيح الفهم الفلسفى ومعرفة الحقيقة، وهو هدف كل فيلسوف موضوعى محايد([58]).
لقد حاول الفارابى الكشف عن الجانب المنهجى فى المذاهب الفلسفية، وفى التأليف على أسس منهجية مقارنة، وهو أهم مميزات الباحث الأصيل([59]).
و- النـزعة الصوفية عند الفارابى: كان الفارابى – على ما يصفه المؤرخون - صوفيا فى قرارة نفسه، يعيش عيشة الزهد والتقشف ويميل إلى الوحدة والخلوة، وإذا كان الفارابى أول من صاغ الفلسفة الإسلامية فى ثوبها الكامل ووضع أصولها، ومن أهم أجزاء هذا المذهب نرى نظرية صوفية امتازت بها الفلسفة الإسلامية عن كثير من الفلسفات الأخرى، فالتصوف إذن قطعة من مذهب الفارابى الفلسفى، وله رباط وثيق يربطه بالنظريات الفارابية الأخرى نفسية كانت أو أخلاقية أو سياسية، وقد أثر هذا التصوف تأثيرا عميقا فيمن جاء بعد من فلاسفة الإسلام، ولعل أخص خصائص النظرية الصوفية عند الفارابى أنها قائمة على أساس عقلى، فليس تصوفه بالتصوف الروحى القائم على محاربة الجسم والبعد عن اللذات، بل هو تصوف نظرى يعتمد على الدراسة والتأمل([60]).
إن هذه الصورة عن فلسفة الفارابى نجد لها أثرها الواسع على مناهج التصنيف فى الفلسفة الإسلامية بداية من الفارابى فمن بعده، فقد نفذ – كما يقول البارون كارادى فو - تصوف الفارابى إلى كل شىء فى فلسفته، والتصوف يتخلل جميع مذهبه، والألفاظ الصوفية منتشرة فى كل ناحية من مؤلفاته، وعبارات الصوفية شائعة تقريبا فى كل أقواله، ونشعر جيدا أن التصوف ليس مجرد نظرية من النظريات اعتنقها بل حالا نفسية ذاتية([61])، فتصوف الفارابى – كما يقول الدكتور إبراهيم مدكور – يعبر عن عاطفة صادرة من القلب([62])، كما عنى الفارابى كل العناية بموضوع السعادة علما وعملا، فخصه بكتابين من كتبه شرح فيهما مختلف آرائه الصوفية، وبين الوسائل الموصلة إلى السعادة، وهما: (تحصيل السعادة)، وكتاب (التنبيه على السعادة)([63]).
ومما قاله الفارابى فى هذا الصدد: ((الروح القدسية لا تشغلها جهة تحت عن جهة فوق، ولا يستغرق الحس الظاهر حسها الباطن، وقد يتعدى تأثيرها من بدنها إلى أجسام العالم وما فيه، وتقبل المعلومات من الروح والملائكة بلا تعليم من الناس))([64]).
ونجد امتدادا لهذا التصوف فى النظريات الفلكية والميتافيزيقية عند الفارابى، والذى يتخيل نظاما فلكيا أساسه أن فى كل سماء قوة روحية أو عقلا مفارقا يشرف على حركتها ومختلف شئونها، وآخر هذه القوى هو العقل العاشر الموكل السماء الدنيا والعالم الأرضى، فهو نقطة اتصال بين العالمين العلوى والسفلى، وكلما اتسعت معلومات المرء اقترب من العالم العلوى ودنت روحه من مستوى العقول المفارقة، فإذا وصل إلى درجة العقل المستفاد أصبح أهلا لتقبل الأنوار الإلهية وأضحى على اتصال مباشر بالعقل العاشر...([65]).
ونظرية الفارابى الصوفية تصعد بجذورها إلى نصين لأرسطو عن الخير الأسمى ونظرية الاتصال والآخر عن وظيفة العقل الفعال، وكلا النصين أثر تأثيرا عميقا فى فلاسفة الإسلام وآرائهم الصوفية والنفسية، بالإضافة إلى أثر مدرسة الإسكندرية الفلسفية وخاصة كتاب الربوبية لأفلوطين، وبقدر تأثر هذه النظرية بميول الفارابى الشخصية وبقدر تأثرها بالبيئة الفكرية المحيطة حيث عاصر الفارابى أمثال الجنيد والحلاج والشبلى، فإن تكوينها العلمى يخضع لنظرية الخير الأسمى الأرسطية، ونظرية الجذب (الاكتساسيس) الأفلوطينية، فقد جمع الفارابى كل ذلك وأخرج منه نظرية فلسفية أثرت فيمن بعده. ومن جهة أخرى فإن النـزعة الروحية النامية والاتجاه الصوفى الواضح لدى الفارابى قد نفذا إلى أعماق المدرسة الفلسفية الإسلامية، وظهرا لدى فلاسفة الإسلام بدرجات متفاوتة([66]).
سنجد الأثر المباشر لهذه القضية – النـزعة الصوفية عند الفارابى – على مناهج التصنيف الفلسفية يظهر جليا فى الإشارات والتنبيهات، والذى يعد يتيمة العقد بين مؤلفات ابن سينا خليفة الفارابى الأعظم وشارحه الوفى، على ما سيأتى الحديث عنه بالتفصيل عند منهج التصنيف الفلسفى عند ابن سينا([67]).
ز- نظرة عامة على منهج التصنيف الفلسفى عند الفارابى: قدم لنا ابن صاعد – والذى كان يرى فى الفارابى أنه فيلسوف المسلمين بالحقيقة – تقويما عاما ومتميزا لمنهج التصنيف الفلسفى عند الفارابى، حيث يقول: ((أخذ (يعنى الفارابى) صناعة المنطق عن يوحنا بن جيلانى... فبذ جميع أهل الإسلام فيها...: 1- فشرح غامضها، 2- وكشف سرها، 3- وقرب تناولها، 4- وجمع ما يحتاج إليه منها، 5- فى كتب صحيحة العبارة، 6- لطيفة الإشارة، 7- منبهة على ما أغفله الكندى وغيره من صناعة التحليل وأنحاء التعليم، 8- وأوضح القول فيها عن مواد المنطق الخمس، 9- وإفراد وجوه الانتفاع بها، 10- وعرف طرق استعمالها، 11- وكيف تُعْرَف صورة القياس فى كل مادة منها، 12- فجاءت كتبه فى ذلك الغاية الكافية، والنهاية الفاضلة)) ([68]).
وهكذا يمكننا من خلال تحليل عبارة ابن صاعد السابقة أن نقف على (12) فكرة مهمة قوَّم من خلالها ابنُ صاعد منهج التصنيف الفلسفى عند الفارابى والذى تمثله فى منطقياته.
ويكمل ابن صاعد ببراعته المعهودة وفى عبارات مختصرة تقويمه العام لبقية مؤلفات الفارابى فيقول: ((وله كتابه فى أغراض فلسفة أفلاطون وأرسطاطاليس يشهد له بالبراعة فى صناعة الفلسفة، والتحقق بفنون الحكمة، 1- وهو أكبر عون على تعلم طريق النظر وتعرف وجه النظر، 2- اطلع فيه على أسرار العلوم وثمارها علما علما، 3- وبيَّن كيفية التدرج من بعضها إلى بعض شيئا فشيئا. 4- ثم بدأ بفلسفة أفلاطون فعرف بغرضه منها وسمى تآليفه فيها، ثم أتبع ذلك فلسفة أرسطاطاليس، فقدم له مقدمة جليلة عرّف فيها بتدرجه إلى فلسفته، 5- ثم بدأ بوصف أغراضه فى تواليفه المنطقية والطبيعية كتابا كتابا، حتى انتهى به القول فى النسخة الواصلة إلينا إلى أول العلم الإلهى، والاستدلال بالعلم الطبيعى عليه. 6- فلا أعلم كتابا أجدى على طالب الفلسفة منه، 7- فإنه يعرف بالمعانى المشتركة لجميع العلوم، 8- والمعانى المختصة بعلم علم منها، 9- ولا سبيل إلى فهم معانى قاطاغورياس (= المقولات) وكيف هى الأوائل الموضوعة لجميع العلوم إلا منه، 10- ثم له بعد هذا فى العلم الإلهى وفى العلم المدنى كتابان لا نظير لهما، أحدهما المعروف بالسياسة المدنية، والآخر المعروف بالسيرة الفاضلة، عرف فيهما بجمل عظيمة من العلم الإلهى على مذهب أرسطاطاليس فى المبادئ الستة الروحانية، وكيف تؤخذ عنها الجواهر الجسمية على ما هى عليه من النظام، واتصال الحكمة، وعرف فيها بمراتب الإنسان وقواه النفسانية، وفرق بين الوحى والفلسفة، ووصف أصناف المدن الفاضلة وغير الفاضلة، واحتياج المدينة إلى السير الملائكية والنواميس النبوية...)) ([69]).
لكن مع هذا فهناك مساحة من الاستقلال عن أرسطو نجدها واضحة عند الفارابى، فقد كتب مثلا عددا من الرسائل فى صناعة المنطق بالإضافة إلى رسالة طويلة عن الصناعة كلها، لكن لا يمكننا أن نعتبر أن كتابات الفارابى تفسيرات أو شروح لأرسطو بالمعنى الحرفى، وإنما هى شرح لأفكاره، وبيان للمعنى اللائق لقول أرسطو وإن خالف ما يقول به المفسرون الآخرون. كما أنه خالف أرسطو فى ترتيب فنون صناعة المنطق، فبينما تأتى المقولات أولا عند أرسطو، جعلها الفارابى القسم الرابع، وقد قدم لذلك بالقول فى الأقاويل التى بها يسهل الشروع فى صناعة المنطق، وذلك من خلال رسالتين أولهما فى صناعة المنطق وعلاقتها بالصنائع الأخرى، والثانية فى فحص معانى الألفاظ والاصطلاحات المستعملة فى المنطق، كما أنه جعل إيساغوجى مدخلا للمنطق، ويرى أن إصلاحه يعد من الضروريات، ومن جهة أخرى نراه يغير ترتيب نص أرسطو ويعدل فى نصوصه، ويخرج كثيرا عن مذهب أرسطو المحدد، فقد حذف الفارابى مثلا من كتاب المقولات القول فى الأسماء المتفقة والمتواطئة والمشتقة، وهى الأقوال التى بدأ بها أرسطو كتابه. كما أضاف الكلام بالتفصيل عن الفرق بين الجوهر والعرض، وعن الأسباب الضرورية، وعن الفرق بين المعقول والمقول طبقا لقواعد المنطق، وعن التباين بين الحمول على الطريق الطبيعى، والمحمول على الطريق غير الطبيعى، وبينما تعرض أرسطو فقط للمقولات الخاصة بالجوهر والكم والإضافة والكيفية فقط، فإن الفارابى فصّل القول فى كل المقولات العشر. وأخيرا فقراءة رسالة الفارابى تفيد دارس المنطق – بصفة عامة لا خصوص مذهب أرسطو - فائدة كبرى حيث يعرض بوضوح شديد للمفاهيم الأساسية المستعملة فى المناقشات المتقدمة للمنطق([70]).
وختاما فقد كان الفارابى فيلسوفا مسلما بأجمل ما لهذه الكلمة من معان، رجل جمع بين مزيتين: الإخلاص للفلسفة، والإيمان بالدين، وبهاتين المزيتين حاول أن يوفق بين لغتين: لغة العقل ولغة القلب، وهما عنده مفهومتان ضروريتان للإنسانية التى تريد أن تتخطى نفسها ساعية إلى الكمال، وكأن الفارابى قد جاء إلى العالم ليؤدى رسالة جليلة خلاصتها أن الفلسفة والدين هما المعين الصافى للحياة الروحية، التى بها يكون المجتمع الإنسانى فاضلا([71]).
ورغم ما تقدم فإن عقلية مثل عقلية الفارابى لا ينتهى عجبنا من عدم التفاتها إلى ما فى نظريته عن الفيض من تناقض ذاتى، وضعف تفسيره لكيفية صدور الكثرة عن الواحد، الذى استشكل صدوره عن الواجب الوجود الأول، ومنحه للعقل العاشر، وحديثه عن الكواكب والأفلاك وعقولها([72]).
ح- ملاحظات حول منهج التصنيف الفلسفى عند الفارابى: وفى ضوء ما سبق يمكننا رصد العديد من الملاحظات التى تساعدنا على ترسُّم منهج التصنيف الفلسفى عند الفارابى، فمن ذلك:
1) يرى الفارابى أن حد الفلسفة وماهيتها: ((أنها العلم بالموجودات بما هى موجودة... حتى إنه لا يوجد شىء من موجودات العالم إلا وللفلسفة فيه مدخل... فإن المقسّم يروم أن لا يشذ عنه شىء موجود من الموجودات... ومن تدرب فى علم المنطق وأحكم علم الآداب الخلقية، ثم شرع فى الطبيعيات والإلهيات، ودرس كتب هذين الحكيمين يتبين له مصداق ما أقوله حيث يجدهما قد قصدا تدوين العلوم بموجودات العالم، واجتهدا فى إيضاح أحوالها على ما هى عليه، من غير قصد منهما لاختراع وإغراب وإبداع وزخرفة وتشوق...)) ([73])، ويرتب على ذلك الحد جوهر مذهبه الفلسفى القائم على التوفيق، حيث لا يصح أن يقع الخلاف فى الفلسفة لأنها مجرد إدراك للموجود بما هو موجود، وبنى على ذلك محاولته فى الجمع بين رأيى الحكيمين، والطابع التوفيقى الذى يسرى فى فلسفته كلها. ولا يدرى الباحث – كوجهة نظر شخصية - كيف غفل الفارابى عن المغالطة التى اشتمل عليها كلامه، لأن كون الفلسفة العلم بالموجودات بما هى موجودة لا ينفى وقوع الاختلاف ناتج عن وقوع الخطأ فى إدراك الموجود، فكون الموجود هو هو (بفرض عدم تغيره) لا يعنى أننا كلنا سندركه إدراكا واحدا صحيحا لا خلاف فيه ولا خطأ، كما يدخل الاختلاف من جهة أخرى بعدم التنبه إلى اختلاف وتعرض للتغير والفساد، فربما أدركه فيلسوف على حال غير التى أدركه عليه الآخر، فيختلفان دون أن ينتبها إلى وجه الاختلاف، إلى غير ذلك، من ثم فإن الفلسفة لا تعدو أن تكون محاولة إدراك الموجودات بما هى موجودة.
2) يمكننا القول أن الفارابى فى كتابه تحصيل السعادة قد قدم لنا طرحا واضحا لمنهج التصنيف الفلسفى عنده، والكتاب كله لا يعدو أن يكون كلاما فى منهج التصنيف، فهو لم يتناول قضايا فلسفية، ولم يقدم نظريات فى الفلسفة بقدر ما قدم منهجا فى التصنيف فى الفلسفة، وجعل الكتاب كله كالتمهيد للبدء فى التصنيف فى الفلسفة كما وعد فى خاتمته، وبين صدر الكتاب الذى بدأه بطرح أساس التصنيف وخاتمته التى يصرح بعزمه على التصنيف فى ضوء منهجه يطرح الفارابى منهجا كاملا فى التصنيف الفلسفى، يقول الفارابى فى صدر الرسالة: ((الأشياء الإنسانية التى إذا حصلت فى الأمم وفى أهل المدن، حصلت لهم بها السعادة الدنيا فى الحياة الأولى، والسعادة القصوى فى الحياة الأخرى: أربعة أجناس: الفضائل النظرية، والفضائل الفكرية، والفضائل الخلقية، والصناعات العملية، فالفضائل النظرية...))([74])، ثم أخذ فى بيان ذلك وكيفية تفرع علوم الفلسفة من أنواع هذه الفضائل الأربعة حتى يصل إلى خاتمة الرسالة فيقول: ((والفلسفة التى هذه صفتها إنما تأدت إلينا من اليونانيين عن أفلاطن وأرسطوطاليس... ونحن نبتدئ أولا بذكر فلسفة أفلاطن، ثم نرتب شيئا فشيئا من فلسفته حتى نأتى على آخرها، ونفعل مثل ذلك فى الفلسفة التى أعطاناها أرسطوطاليس...)) ([75])، ومن خلال ذلك يتبين كيف يبدأ النظر الفلسفى – ومن ثم التصنيف الفلسفى – حتى تترتب العلوم الفلسفية من العلوم المنطقية والعلم الطبيعى وما بعد الطبيعى والعلم الإنسانى والعلم المدنى....
3) كما يمكننا اعتبار مقالته (الإبانة عن غرض أرسطوطاليس فى كتاب ما بعد الطبيعة)([76])، هى حديث مباشر فى منهج التصنيف فى علم ما بعد الطبيعة خاصة، والعلوم الفلسفية عامة، فقد اهتم فيه الفارابى ببيان الغرض من هذا العلم، والفرق بينه وبين التوحيد حيث اختلط غرضهما فى أذهان بعض الناس، واعتنى الفارابى بعد ذلك بتقسيم العلوم إلى علم جزئى وعلم كلى، وأن العلم الكلى لا يمكن – بحسب نظريته - أن يتعدد، وضبطها بما يوضحها ويساعد على التصنيف فيها دون أن تختلط بغيرها، ويأتى بعد ذلك بيان كامل لخطة تصنيف أرسطو لعلم ما بعد الطبيعة.
4) وقد اهتم الفارابى اهتمام خاصا بالمنهج (بمعنى جملة الوسائل المحددة التى توصل إلى غاية معينة)، وأدرك ضرورته قبل البدء فى أية محاولة علمية أو فلسفية، ولذا جاء مذهبه متسقا ومحكم الترابط، لأنه أسس على قواعد منهجية محددة، وليس على مجرد الفروض والاحتمالات([77])، ومن هنا كان اهتمامه الواضح بالمنطق وبتصنيف العلوم.
5) ويحاول الفارابى أن يقدم فلسفته من خلال منهج كلى، ينطلق من رؤية شاملة تسقط الكثير من الاختلافات الجزئية فى سبيل رؤية الحقيقة التى تصدق فى كل زمان ومكان، وربما كان هذا هو جوهر التوفيق عنده، فالتوفيق عنده عملية إبداعية أصيلة، وليس مجرد مزج تعسفى للأفكار والموضوعات([78])، وهذا المنهج الكلى يشيع فى مصنَّفات الفارابى، ويمثل إطارا عاما لمنهجه فى التصنيف، فمن خلال ذلك المنهج الكلى ينطلق الفارابى فى محاولته لإحصاء العلوم، ويحاول دراسة المدن الفاضلة ومضادتها على سبيل الحصر، وهكذا تتحكم الرؤية الكلية أو محاولته الدؤوب للوصول إليها فى منهجه فى التصنيف. بل ربما نجده – كما لاحظ بعض الباحثين - يبحث عن أصول موضوع ما ومنهجه فى مؤلف مستقل، ويتناوله بعد ذلك فى ضوء هذه الأصول والمنهج الذى فحصه، وهو ما قام به الفارابى فى كتابه (الملة) حيث بحث فى الأصول التى بنى عليها تركيب المدينة الفاضلة والسياسة المدنية، وبحث المنهج الذى استخدمه فى هذين الكتابين([79]).
6) والغاية من الفلسفة تمثل أحد أسس منهج التصنيف الفلسفى، حيث تتحكم الغاية فى توجيه خطة التصنيف، وغاية الفلسفة عند الفارابى ((معرفة الخالق تعالى وأنه واحد غير متحرك، وأنه العلة الفاعلة لجميع الأشياء، وأنه المرتب لهذا العالم بجوده وحكمته وعدله))، ويترتب على هذه الغاية عند الفارابى أن ((الأعمال التى يعملها الفيلسوف هى التشبه بالخالق بمقدار طاقة الإنسان)) ([80])، ومن الجلى أن الفلسفة التى تبنى على أن غايتها هى معرفة الخالق، سيكون منهج التصنيف فيها وترتيب موضوعاتها وطبيعة هذه الموضوعات نفسها مختلفة عن الفلسفة التى غايتها مادية محضة، أو لا تؤمن بوجود إله أصلا.
7) اعتنى الفارابى بمحاولة تصنيف العلوم وإحصائها، انطلاقا من إدراكه لأهمية هذا التصنيف وصلته بالمنهج العلمى([81])، وقد تقدم الحديث عن ذلك تحت عنوان مستقل([82])، وبناء عليه فيمكن القول بأن الفارابى جعل تصنيف العلوم أداة منهجية أساسية فى التمييز بين العلوم، وتحصيلها، والحكم على مدى صدق من ادعاها، ويمكننا أن نضيف أيضا أنه أداة أساسية أيضا فى التصنيف فى علم من هذه العلوم أيضا، بحيث يدرك من خلال هذا التصنيف فضيلة العلم المقدم عليه، وأجزاءه التى ينبغى أن يحيط بها فى تصنيفه، وجمل ما فى كل واحد من أجزائه كما يقول الفارابى([83]).
8) يؤكد الفارابى على تميز كل صنف من أصناف الصنائع الفلسفية بأسئلة خاصة بها، تميز بالتالى أجوبتها موضوع كل صنعة عن أختها فيقول: ((كل صناعة من الصنائع القياسية الخمس فيها ضرب أو ضروب من السؤال الخاص بها، ففى الفلسفة سؤال برهانى، وفى الجدل سؤال جدلى، وفى السفسطة سؤال سوفسطائى، وفى الخطابة سؤال خطبى، وفى الشعر سؤال شعرى، والسؤال الذى فى كل صناعة هو على نوع ونحو وبحال ما على غير ما هو عليه فى الأخرى، وللسؤال فى كل صناعة أمكنة أن ينجح فيها، وأمكنة لا ينجح فيها، فلذلك إنما يصير ذلك السؤال نافعا وفى تلك الصناعة متى استعمل فى الأمكنة التى فيها ينجح، وعلى النحو الذى ينجح...)) ([84]).
9) الطابع العام لفلسفة الفارابى هو الطابع الإنسانى، وقد أثر ذلك بشكل واضح فى منهجه فى التصنيف الفلسفى، بحيث لا يخلو فيها باب واحد من اهتمام بالإنسان أو تحليل لسلوكه ومعاشه وعلاقته بالأغيار، بل إن آراء الفارابى الرئيسية فى مختلف فروع الفلسفة نجدها متضمنة فى كتبه الإنسانية، فآراؤه فى الله وصفاته والكون وصدوره معروضة فى كتبه السياسية مثل (آراء أهل المدينة الفاضلة) ([85])، و(السياسة المدنية)، وآراؤه فى تصنيف العلوم وإحصاؤها موجودة فى كتب الأخلاقية كـ (تحصيل السعادة – والتنبيه على أسباب السعادة)، زد على ذلك غزارة المؤلفات التى خصصها الفارابى للإنسان، لا كحقيقة فردية مقصورة على بحث مشكلة النفس وارتقائها فى سلم المعرفة فحسب – كما فعل سائر الفلاسفة – بل كحقيقة اجتماعية تبحث عن علاقته بالآخرين([86]).
10) لا يعتنى الفارابى فى بعض الأحيان بكتابة مقدمة لعمله توضح مقصوده أو منهجه بل يشرع مباشرة فى المقصود، وهو ما نجده مثلا فى كتابه العبارة بعد البسملة: ((القول فى بارى أرمينياس وهو القول فى العبارة. الألفاظ الدالة منها مفردة تدل على معانى مفردة ومنها مركبة...)) ([87])، ومثله فى كتاب الخطابة والذى صدره بتعريفها فقال: ((الخطابة صناعة قياسية غرضها الإقناع فى جميع الأجناس العشرة...)) ([88])، على أننا نجده يقدم لكتابه الجمع بين رأيى الحكيمين بمقدمة مختصرة يذكر فيها مشكلة البحث وخلاصة رأيه فيها والذى سيدلل عليه بالتفصيل فى ثنايا الكتاب([89])، وربما وجدنا فى بعض كتب الفارابى ما يشبه خطة البحث فى مفهومنا المعاصر، وخير مثال على ذلك كتابه (آراء أهل المدينة الفاضلة)، والذى نجد فى أوله: ((اختصار الأبواب التى فى كتاب المدينة الفاضلة تأليف أبى نصر... الفارابى))، يختصر فى عبارات موجزة أهم مسائل الكتاب نحو: ((القول فى الشىء الذى ينبغى أن يعتقد فيه أنه هو الله تعالى، ما هو، وكيف هو، وبماذا ينبغى أن يوصف، وبأى وجه هو سبب سائر الموجودات، وكيف تحدث عنه، وكيف يفعلها، وكيف هى مرتبطة به، وكيف يعرف ويعقل، وبأى الأسماء ينبغى أن يسمى، وعلى ماذا ينبغى أن يدل منه بتلك الأسماء. القول فى الموجودات التى ينبغى أن يعتقد فيها أنها هى ملائكة...)) وهكذا يمضى من فقرة إلى أخرى يصدرها بلفظة: القول فى كذا وكذا، حتى يأتى على آخر مباحث الكتاب. والظاهر أن هذا الاختصار قديم لوقوعه فى الأصول الخطية للكتاب، كما يظهر من فروق النسخ([90])، ويحتمل أن يكون الفارابى قد عمله بنفسه أو عمله أحد تلامذته محافظا على عبارات الأصل، إلا أن الظاهر أنه عمل مستقل عن الكتاب نفسه([91])، والذى يبدأ بالبسملة، ثم عبارة: ((هذا كتاب ألفه أبو النصر الفارابى فى مبادئ آراء أهل المدينة الفاضلة)) ([92]).
11) ورغم هذا فإن الفارابى على المستوى النظرى – لا التطبيقى العملى - يؤكد على أهمية المقدمة، ويحدد لنا ما ينبغى أن يذكر فيها، وذلك فى ثنايا كتابه الألفاظ المستعملة فى المنطق، فيقول بعد أن يذكر العديد من التمهيدات والقواعد المهمة فى تعلم المنطق: ((وبعد هذا ينبغى أن نعدِّد الأمور التى ينبغى أن يعرفها المتعلم فى افتتاح كل كتاب... وهى: غرض الكتاب، ومنفعته، وقسمته، ونسبته، ومرتبته، وعنوانه، واسم واضعه، ونحو التعليم الذى استعمل فيه، ويعنى بالغرض الأمور التى قصد تعريفها فى الكتاب، ومنفعته هى منفعة ما عُرف من الكتاب فى شىء آخر خارج عن ذلك الكتاب، ويُعنى بقسمته عدد أجزاء الكتاب، مقالات كانت أو فصولا أو غير ذلك مما يليق أن يؤخذ ألقابا لأجزاء الكتاب من فنون أو أبواب أو ما أشبه ذلك، وتعريف ما فى كل جزء منه، ونسبة الكتاب يعنى بها تعريف الكتاب من أى صناعة هو، والمرتبة يعنى بها مرتبة الكتاب من تلك الصناعة أى مرتبة هى، هل هو جزء أول فى تلك الصناعة أو أوسط أو أخير أو فى مرتبة منها أخرى. وعنوانه هو: معنى اسم الكتاب. وأما اسم واضع الكتاب فمعناه بين... وكل واحد من هذه متى عرف كان له غناء فى تعليم ما فى الكتاب...))، ثم يفسر لنا الفارابى السبب الذى جعله يهمل عمليا مراعاة هذا الذى أكد على أهميته نظريا فيقول: ((ومعرفة غنائها (يعنى هذه الأشياء السابق ذكرها) فليس تعدمها فى تفاسير الحدث (=المصنِّفين المعاصرين له) فإن عناية أكثرهم مصروفة إلى التكثير بأمثال هذه الأشياء، ونحن فقد خلينا أمثال هذه الأشياء لهم، وأرسطاطاليس والقدماء من شيعته يستعملون من هذه الأشياء فى افتتاح كل كتاب مقدار الحاجة وربما لم يستعملوا منها شيئا أصلا، وفى أكثر الكتب فلا يكاد أرسططاليس يخل بمعظم ما يحتاج إليه من هذه، وذلك هو الغرض والمنفعة، وكثيرا ما يذكر النسبة والمرتبة، وربما ذكر معها نحو التعليم الذى يستعمله فى الكتاب...)) ([93])، وهذا يفسر لنا سبب إهماله للمقدمات عمليا.
12) على أنه ربما بدا لنا أن الفارابى يتعامل مع كتبه جميعا كأنها كتاب واحد أو سلسلة واحدة، وما ينبغى أن يذكره فى مقدمة كتاب قد يجعله فى خواتيم الكتاب السابق عليها بحسب الترتيب الصناعى له، ونظن أنه يقصد بذلك حمل الطالب حملا على أن يتعلم على أنحاء التعليم الصحيحة، ويأخذ فى التلقى بناء على الترتيب الصناعى، ولا يشرع فى جزء من العلم قبل الفراغ مما قبله، بحيث لا يبدو كل كتاب كوحدة مستقلة مقطوعة الصلة بما قبله وما بعده، إلا لمن بدأ بكتاب من أثناء العلم بغير ترتيب، فلا يجد مقدمة ترشده، ومن أمثلة ذلك كتابه الألفاظ المستعملة فى المنطق يقول الفارابى بعد أن ينتهى مما كان فيه: ((وقصدنا الآن الشروع فى صناعة المنطق، فينبغى النظر فى هذه الصناعة بما قد قيل إن العادة قد جرت أن يفتتح به فى كل كتاب)) ثم أفاض فى بيان الغرض من صناعة المنطق، ومنفعتها، وعدد أجزائها، ونسبتها، ومرتبتها، والمنشىء لها ([94])، وبما يصلح أن يكون مقدمة لرسالة فى علم المنطق، لكنه يذكرها فى خواتيم رسالة هى نفسها كالتوطئة لعلم المنطق، أما كتبه المنطقية نفسها كالعبارة والخطابة التى بين أيدينا، فتبدأ بلا مقدمة.
13) فالفارابى وإن لم تطرد عنايته بمقدمة توضيحية، فإن بعض كتبه لا تخلو من خاتمة توضح موضع الكتاب الذى يتناوله من خريطة العلم الذى هو فيه، تجعله كالتوطئة أو المقدمة للكتاب التالى له فى خريطة العلم، فمثلا فى خاتمة كتاب الألفاظ المستعملة فى المنطق يورد نصا طويلا عما ينبغى أن يفتتح النظر به فى صناعة المنطق ويختمه بقوله: ((فقد أتى هذا القول على الأقاويل التى بها يسهل الشروع فى صناعة المنطق، فينبغى الآن أن نشرع فيها، ونبتدئ بالنظر فى الكتاب الذى يشتمل على أول أجزاء هذه الصناعة وهو كتاب المقولات))([95])، وهو ما نجده أيضا فى خاتمة كتابه التنبيه على سبيل السعادة فيقول منبها على كيفية تحصيل الصناعة المنطقية وأهمية علم النحو لتحصيلها: ((ولما كانت صناعة النحو هى التى تشتمل على أصناف الألفاظ الدالة وجب أن تكون صناعة النحو لها غناء ما فى الوقوف والتنبيه على أوائل هذه الصناعة، فلذلك ينبغى أن نأخذ من صناعة النحو مقدار الكفاية... ومن سلك غير هذا المسلك فقد أغفل أو أهمل الترتيب الصناعى، ونحن إذا كان قصدنا أن نلزم فيه الترتيب الذى توجبه الصناعة فقد ينبغى أن نفتتح كتابا من كتب الأوائل التى بها سهل الشروع فى هذه الصناعة بتعديد أصناف الألفاظ الدالة فيجب أن نبتدئ فيه ونجعله تاليا لهذا الكتاب)) ([96])، وكذلك فى خاتمة تحصيل السعادة يقول: ((والفلسفة التى هذه صفتها إنما تأدت إلينا من اليونانيين عن أفلاطن وأرسطوطاليس... ونحن نبتدئ أولا بذكر فلسفة أفلاطن، ثم نرتب شيئا فشيئا من فلسفته حتى نأتى على آخرها، ونفعل مثل ذلك فى الفلسفة التى أعطاناها أرسطوطاليس...))([97])، فكأن الفارابى – كما قلنا - يتعامل مع كتبه جميعا كأنها كتاب واحد أو سلسلة واحدة، وما ينبغى أن يذكره فى مقدمة كتاب قد يجعله فى خواتيم الكتاب السابق عليها بحسب الترتيب الصناعى له، حملا للطالب على أن يتعلم على أنحاء التعليم الصحيحة، ويأخذ فى التلقى بناء على الترتيب الصناعى، ولا يشرع فى جزء من العلم قبل الفراغ مما قبله.
14) والنصوص السابقة للفارابى تعطينا قاعدة أخرى هامة من قواعد منهج التصنيف عند الفارابى، وهى: مراعاة الترتيب الصناعى، ليس فقط فى تحصيل العلم وطلبه. إن حرص الفارابى الشديد على مراعاة ذلك جعله لا يضع المقدمات فى مواضعه المعتادة كما تقدم إيضاحه، ولكن أيضا فى التصنيف فيه، فالفارابى تحكمه هذه القاعدة (مراعاة الترتيب الصناعى) فى ترتيب أجزاء الصناعة، وترتيب التأليف فيها بحسب ما يقتضيه منطق كل صناعة من الصناعات الفلسفية، بحيث يأتى تصنيفه فيها مرتبا متفقا مع ما ينبغى مراعاته.
15) ومن الممكن أن نربط هذه القاعدة السابقة بقاعدة أخرى يقررها الفارابى وهى مراعاة (أنحاء التعليم)، والتى يقصد بها الفارابى ثلاثة أحوال للمتعلم على المعلم – بله المصنِّف – أن يراعى حصولها للطالب: ((أحدها: أن يتصور ذلك الشىء ويفهم معنى ما سمعه (أو قرأه) من المعلم، وهو المعنى الذى قصده المعلم (والمصنِّف) بالقول. والثانى: أن يقع له التصديق بوجود ما تصوره أو فهمه عن لفظ المعلم. والثالث: حفظ ما قد تصوره ووقع له التصديق به. وهذه الثلاثة التى لا بد منها فى كل شىء يتعلَّم بقول... وأنحاء التعليم تختلف بحسب اختلاف الأمور التى تستعمل فى التعليم... وهذه الأمور كثيرة: منها استعمال الألفاظ الدالة على الشىء، وحدّ الشىء، وأجزاء حده، وجزئياته، وكلياته، ورسوم الشىء، وخواصه، وأعراضه، وشبيه الشىء، ومقابله، والقسمة والمثال، والاستقراء، والقياس، ووضع الشىء بحذاء العين، وهذه كلها ما عدا القياس فتنفع فى تسهيل الفهم والتصور، وأما القياس فإن شأنه أن يوقع التصديق بالشىء فقط...)) ([98])، وكل هذه الأمور على المصنِّف – كما على المعلِّم – أن يراعيها حتى يسهل الفهم والتصور والتصديق للمعانى التى يقصدها بالتصنيف.
16) ربما أورد الفارابى المباحث المقصودة إيرادا دون أن يشير إلى مصدره فيها، فمثلا نجده لا يصرح بالإشارة إلى أرسطو فى كتاب العبارة إلا فى موضعين، كما لا يشير إلى غيره من الفلاسفة إلا نادرا فقد أشار إلى الإسكندر مرة واحدة فى كتابه هذا([99])، وربما عرض لآراء القدماء، واعتنى بالتأريخ لتطور الفكر الفلسفى وتراكمه حول القضايا التى يتناولها([100]).
17) يميل أسلوب الفارابى أحيانا كثيرة إلى السهولة فى العبارة، وسلاسة الفكر، والانتقال بين أفكار الموضوع فى سهولة ويسر، كما نرى ذلك فى كتبه كالعبارة والخطابة والتنبيه على سبيل السعادة، والألفاظ المستعملة فى المنطق مثلا، ((والحق أن أسلوب الفارابى فى الكتابة فيه وضوح وإشراق، وهو من نوع السهل الممتنع، فلم يجنح فيه نحو التراكيب اللغوية الصعبة، والصيغ المعقدة، وإذا بدا أن فيه صعوبة أو غموضا فى بعض الأحيان فما هو إلا من تعقد الموضوعات نفسها، بحيث يصبح التعبير عنها بلغة جزلة سهلة فيه شىء من الصعوبة)) ([101])، وهذا هو الأمر الظاهر من مطالعة مصنَّفات الفارابى، ومن ثم فلسنا نوافق أ/د وافى على رأيه حين يقول: ((ولغة الفارابى فى هذا الكتاب (المدينة الفاضلة) كلغته فى جميع كتابه لغة معقدة ركيكة تبين بصعوبة عما يقصده)) ([102]).
18) كما أن أسلوب الفارابى فى أحيان أخرى يميل إلى أن يكون دقيقا مركزا، ليس فيه تكرار ولا ترادف، وهو يعتنى باللفظ والعبارة، ويعطى أغزر المعانى فى جمل مختصرة، وهو شغوف بالمتقابلات، فعندما تخطر له فكرة لا بد أن يذكر مقابلها، كما نراه فى رسالة ((فى جواب مسائل سئل عنها))، كما يتمتع أسلوبه بالمرور على الأمور التى يفترض أنها معروفة دون أن يطيل فى شرحها، ولا تستوقفه الموضوعات العادية، لكنه عند الحديث عن أساس نظرية ما يجلى ما غمض، ويدلى فيه برأيه، كما نراه فى رسالة ((فى أغراض الحكيم فى كل مقالة من الكتاب الموسوم بالحروف)) ([103]).
19) لكنه فى كل الأحوال سواء أخذ بجانب السهولة والوضوح أو بجانب الدقة والتركيز، يسعى إلى جلاء المعانى جلاء تاما([104])، وواقعة ابن سينا المشهورة تؤكد على هذه السمة فى المنهج التصنيف الفلسفى عند الفارابى، ففى القصة المشهورة التى يحكيها ابن سينا عن نفسه أنه طالع كتاب (ما بعد الطبيعة) لأرسطو أكثر من أربعين مرة، ولم يفهمه، حتى يأس من ذلك، ثم وقع له كتاب الفارابى (فى أغراض ما بعد الطبيعة) فلما قرأه فتح له ما كان مغلقا، واتضح ما كان مغمضا، وصارت تنكشف له معان هذا العلم انكشافا([105]).
20) ومن خصائص منهج التصنيف عند الفارابى: الجمع، والتعميم، والترتيب، والتأليف، والتحليل، والتركيب، والتفريع، والتركيز، كل ذلك يعتبر خاصة من خصائص الفارابى، وهدف من أهدافه فى التصنيف، وخير شاهد على ذلك رسالته المسماة ((ما ينبغى أن يقدم قبل تعلم الفلسفة)) ([106])، وهى تسعة أشياء أخذت عن أرسطو نفسه كما يصرح بذلك الفارابى: 1- أسماء الفرق التى كانت فى الفلسفة. 2- معرفة غرضه فى كل واحد من كتبه. 3- المعرفة بالعلم الذى ينبغى أن يبدأ به فى تعلم الفلسفة. 4- معرفة الغاية التى يقصد إليها تعلم الفلسفة. 5- معرفة السبيل التى يقصد إليها من أراد الفلسفة. 6- المعرفة بنوع كلام أرسطو كيف يستعمله فى كل واحد من كتبه. 7- معرفة السبب الذى دعا أرسطو إلى استعمال الإغماض فى كتبه. 8- معرفة الحال التى يجب أن يكون عليها الرجل الذى يوجد عنده علم الفلسفة. 9- الأشياء التى يحتاج إليها من أراد تعلم كتب أرسطو([107])، ثم أخذ الفارابى فى بقية الرسالة يتكلم عن هذه التسع بالتفصيل. كما لا يخفى فإن هذه الأمور التسع، كما ينبغى على طالب الفلسفة تعلمها، فينبغى على المصنِّف فى الفلسفة – بحسب نظرية الفارابى - أن يراعيها أيضا، حتى يأتى تصنيفه فيها موافقا للخطة التى وضعها الفارابى لما ينبغى أن يقدم قبل تعلم الفلسفة.
21) يعتنى الفارابى ببيان مصطلحه([108]) وشرح مراده به، وهو ما نجد واضحا فى كتابيه العبارة والخطابة مثلا، ((وقد توسع الفارابى فى هذا كل التوسع، وكأنما أحس بأن البحث الفلسفى فى الإسلام فى حاجة ماسة إلى توضيح معالمه وشرح مصطلحاته... وعناية الفارابى بالمصطلح الفلسفى كبيرة، تفوق دون نـزاع عناية زملائه الآخرين من المشائين العرب، وأهّله لذلك تمكنه من العربية وعلومها... والفارابى فوق هذا كله منطقى، بل المنطقى العربى الأول، والمنطق يعنى بالوضوح والدقة، وصلته باللغة وثيقة، ومن أبوابه مبحث فى الألفاظ ودلالتها... وقد الفارابى (مجاراة لأرسطو) كتاب الألفاظ المستعملة فى المنطق وعرض فيه للكلى والجزئى، وللعام والخاص، وللجنس والنوع...، ووضع أيضا كتاب الحروف وهو من أكبر مصنَّفاته الفلسفية التى وصلت إلينا، ومن أشدها عناية بالمصطلح الفلسفى([109])، وحاول خاصة أن يدرس المصطلح الفلسفى دراسة موضوعية ولغوية فبين كيف نشأ وكيف تطور، وأعانه على ذلك فقهه اللغوى([110]) وإلمامه بعدة لغات)) ([111])، ويمكن القول بأن الفارابى له تأثير كبير فى تأسيس المصطلح الفلسفى العربى، ولهذا اعتنى بعض كبار الباحثين المعاصرين بعمل معجم للمصطلح الفلسفى عند الفارابى([112]).
22) يعى الفارابى بالعلوم الحضارية ومناهجها، وهو ما نجده فى حديثه عن نشأة العلم الفلسفية بنشأة الألفاظ عند الأمم، وذلك فى كتابه الحروف، حيث عاصر الفارابى هذه الفترة التى التقت فيها الحضارة الإسلامية الناشئة بالحضارة اليونانية، وقام بالحديث عن نشأة العلوم من خلال الألفاظ محللا ذاته، وواصفا تجاربه، فالحضارة لا تكشف عن نفسها إلا من خلال الوعى الفردى، فالحضارة وعى جماعى، والوعى الفردى وعى حضارى، فلم يكن مصادفة أن يأخذ الفارابى لقب المعلم الثانى، لأنه هو الذى قام بعمليات الفهم والتمثل، والاحتواء والعرض، ثم التقييم والنقد والإعادة، ثم الدراسة والتحليل والوصف للحقائق ذاتها بصرف النظر عن قائلها ومكتشفها([113]).
23) وكملاحظة عامة حول منهج التصنيف الفلسفى عند الفارابى: فإن للفارابى حوالى مائة مؤلف أو أكثر بقليل، والتأليف فيها يوازى نصفها تقريبا، وهذا يدل على أن الفارابى كان مؤلفا كما كان شارحا، وأن لقب المعلم الثانى لا يعنى فقط شارح أرسطو، بل يعنى أيضا أنه مؤلف مثل أرسطو، على أن المنطق فى الشروح الفارابية هو الغالب إذ يمثل حوالى نصف شروحه، فذلك لأن المنطق يحتوى على النظرية الخالصة والعقل النظرى، وهو ما يمكن للفارابى تحويله بسهولة إلى فكر نظرى عام يتجاوز حدودة اليونانية الأولى، ففى شروح الفارابى يأتى المنطق أولا من حيث الكم ثم السياسة ثم ما بعد الطبيعة، ثم الطبيعة فاللغة فالهندسة فالموسيقى([114])، بل يرى بعض الباحثين أن قيمة الفارابى الحقة تقوم على ما صنف لا على ما شرح([115])، ويذكر بعض الباحثين أنه من ((المعروف أن مشروع الفارابى الفلسفى قد مر فى مرحلتين زمنيتين، وقد تمثلت المرحلة الأولى فى الكتابات الفلسفية والمنطقية، عرضا وتلخيصا وشرحا، بينما تمثلت المرحلة الثانية والمتأخرة زمنا فى الكتابات الاجتماعية والسياسية ))([116])، وينتهى من محاولته للوصول لمؤلفات الفارابى الأخيرة والتى تتمثل فيها فلسفته وأفكاره النهائية إلى أنها: رسالة فى العقل (بعد 320 هـ) - إحصاء العلوم (أشار إليه فى التنبيه على سبيل السعادة) – آراء أهل المدينة الفاضلة (ابتدأ فيه قبل 330 هـ، وفرغ منه بمصر 337 هـ) السياسة المدنية (بدأه قبل سنة 330 هـ وأكمله بمصر سنة 337 هـ أيضا)– الملة (بعد سنة 331 هـ) – "فصول المدنى" أو "فصول منتزعة" (نشر تحت هذين العنوانين، ألفه فى مصر بين عامى 335 هـ: 337 هـ) – التنبيه على سبيل السعادة (ألفه بعد "فصول منتزعة"حيث نقل منه، وبعد هذه الكتب السابقة جميعا، ربما بين عامى 336 هـ: 338هـ)([117]).
24) لا يوجد عند الفارابى أسلوب واحد فى الشرح، فهناك الأسلوب الشائع بإعادة عرض المادة عرضا نظريا خالصا من أجل إطلاق المعانى، وهناك باقى الأساليب من المقالة والمختصر والتعليق والرسالة والإحصاء والصدر والفصل، وهى كلها تبين تعامل الفارابى مع المادة المعروضة أمامه واختلاف وسائله، فالفارابى يتعامل مع أرسطو إما شارحا لكتاب كما هو الحال فى (المقولات والعبارة)، أو مبينا قصد كتاب آخر، كما هو الحال فى (الإبانة عن غرض أرسطو طاليس فى كتاب ما بعد الطبيعة)، أو توضيح علم معين أو فرع من علم ما مثل (كتاب القياس أو الجدل)، أو عارضا مذهب أرسطو ككل إما من داخله أو من خارجه بمقارناته مع غيره داخل الفلسفة اليونانية([118]).
25) يستعمل الفارابى طريقة الشرح الكبير، والتى يسميها هو (على جهة التعليق) أى ذكر نص ثم التعليق عليه، وهى الطريقة التى استعملها ابن رشد أيضا فيما يسمى بالتفسير الكبير، وتدل هذه الطريقة على احترام نصوص القدماء، لا على تبعيتها وتقليدها وتقديسها، وهى طريقة تعلمها المسلمون من شروحهم للقرآن الكريم، كما تدل على التمايز الحضارى بين الموقفين، فالنص المشروح نص القدماء، والشرح هو نص جديد من حضارة أخرى تفهم وتفسر وتؤول وتتمثل، ثم تراجع وتعيد النظر وتكمل النقص، وتدل هذه الطريقة ثالثا على إمكانيات المقارنة والحكم بين النصين، حيث كثيرا ما يكون الشرح أقرب فهما من النص، وأكثر عقلانية، وأقرب إلى الصدق([119]). ويستعمل الفارابى الشرح بثلاثة مستويات: الشروح، والشروح الكبيرة، والشروح على جهة التعليق، كما يستعمل طريقة التلخيص بمستويات متعددة – صغير وأوسط وكبير – كما نجد عنده الحديث عن الجوامع، مما يعنى أن الفارابى لخص الكتب الأرسطية وخاصة المنطقية أو الكثير منها خمس مرات أو أكثر، ويميل الفارابى فى تلاخيصه الوسطى مثلا إلى طريقة الجوامع التى اتبعها ابن رشد، حيث لا يعطى شيئا من النص الأصلى، بل يبحث فى المواضيع التى يبحثها النص الأصلى بأسلوب جديد، يتوسع فى البحث فيه ويتعمق أكثر مما عمل فى الجوامع الصغيرة، على أن هذه المستويات هى مجرد احتمالات وفروض يمكن استنتاجها من كلام المؤرخين ومفهرسى كتبه، ولا يمكن التأكد منها قبل العثور على كتب الفارابى المفقودة ودراستها([120]).
26) تدل طريقة الفارابى فى الشرح على أن الغرض من الشرح تحويل النص الأرسطى إلى نظرية خالصة فى العقل، بصرف النظر عن بيئته الثقافية الأولى التى نشأ فيها، فهو يعرض للموضوعات وليس للنصوص، ويتناول المسائل وليس العبارات ويحول مقصد الكتاب إلى تحليل عقلى خالص، وينتقل من التاريخ إلى العقل، ومن تاريخ الفلسفة إلى الفلسفة العامة، ويسقط الفارابى كل التاريخ البيئى الخاص، ولا يبقى إلا النظرية العامة، وبالتالى تقوى براهنيه الداخلية عند الفارابى، وتكثر حججه العقلية، ويصبح واضحا بذاته، ويتحول إلى حكمة بعد أن كان تاريخا، ويصبح حقيقة بعد أن كان رأيا، فإذا كانت القسمة العقلية ناقصة كملت، وإذا كانت عامة فصلت، وإذا كانت مفصلة عمت، فالفارابى لا يشرح بمعنى أنه يتبع عبارة بعبارة، ولفظا بلفظ، بل إنه يحكم ويحذف ويضيف ويقابل اللغة العربية باللغة اليونانية، أى إنه شرح إيجابى يحقق ويدقق ومن ثم فهو تأليف غير مباشر، يغير الأمثلة إلى ما هو أشهر، ويحذف الزائد للتركيز على الجوهرى، ويعيد عرض موضوعاته بناء على أساليب اللغة العربية، ولا يقتصر الفارابى فى شرحه على الفقرة التى يشرحها، بل ينظر إلى العمل الواحد على أن له وحدة عضوية واحد ويضع نصب عينيه ما سبق وما سيلحق مبينا تلك الوحدة العضوية للعمل، بل ربما تخطى نظره إلى الأعمال الأخرى، مما يعنى أن وحدة المذهب هى التى نصب عينى الفارابى يحللها ويرجع عناصرها إلى مختلف الأعمال الأرسطية، وهو بصدد شرح عمل منها، حتى يبدو العمل الواحد كجزء من نسق كلى شامل هو المذهب الأرسطى، وهذا أقرب إلى إعادة البناء منه إلى الشرح، والبناء هو دخول المنطق والطبيعيات والإلهيات فى نسق فلسفى واحد هو نسق الفارابى، ويحاول إخضاع مؤلفات أرسطو طاليس نفسه إلى نسق عقلى واحد([121]).
27) يظهر بوضوح من خلال جوامع الفارابى الصغيرة أو التلخيص نوعية الحضارتين الإسلامية واليونانية فى مادة البحث وأمثلته سواء اللغوية أو الأدبية أو الدينية، فتظهر العربية فى مقابل اليونانية، ويظهر الأدب العربى فى مقابل اليونانى، تظهر العلوم الإسلامية فى مقابل اليونانية، مما يدل على أن الفارابى يتعامل مع المعانى، وليس مع النصوص، وأنه ليس مجرد شارح نص، بل هو عاقل معان، خاصة فى حضارة تعطى المعنى استقلالا عن اللفظ، فالفارابى لا يسير وراء أرسطو الحذو بالحذو، ولكنه يعرض لموضوعاته ومعانيه، ويتعامل معها ككليات وماهيات مستقلة عن عباراتها وألفاظها ومصطلحاتها وبيئاتها الخاصة التى منها صدرت، وهذا هو ما سمى بالجوامع الصغيرة أو التلخيص، ولم يكن تقليدا سبق الفارابى فى الأدب اليونانى والسريانى واستمر بعده فى الأدب العربى، بل كان ضرورة حضارية بيئية خاصة فى التعبير عن المعانى الكلية فيما وراء الألفاظ والعبارات، وما دام المعنى قد استقل عن اللفظ فإنه بالإمكان عمل تلخيص أصغر وأوسط وأكبر تبعا لمادة العرض وضرب الأمثلة، وليست طريقة التلخيص هى البحث فى مواضيع النص بأسلوب جديد، بل إعادة التعبير عن موضوع النص بعد أن يتحول إلى معنى عقلى خالص بلغة البيئة الحضارية الجديدة([122]).
28) لا يكتفى الفارابى بنصوص أرسطو، ولكنه يذهب لتأويلاتها المختلفة لدى الشراح سواء أجمعوا عليه أم اختلفوا فيه، سواء ما فهموه أو ما أساءوا فهمه، ويقف الفارابى حكما بين الجميع، فيخطئ الشراح فى معرفة قصد أرسطو، ويصحح مزاعمهم، ويكشف أخطاءهم ويبين أسبابها، والفارابى فى وسط كل هذا على وعى عميق بأن الفكر يتكون من اللفظ والمعنى والشىء، وأن الشراح وإن استعملوا ألفاظا متباينة قد تتفق أو تختلف، ولكنها لا تؤثر كلها فى المعانى ذاتها، فالمهم هو المسميات لا الأسماء، بل إنه فصل بين معانى أرسطو نفسه وألفاظه، فالشروح للألفاظ من أجل توضيح المعانى، ولهذا فالأمثلة التى يستعملها أرسطو ليست هى الحقائق بل يمكن ضرب أمثلة أخرى لتوضيح نفس الحقائق، ويعيب الفارابى على الشراح عدم دخولهم فى الذهن الأرسطى ([123]).
29) يؤكد الفارابى على أهمية معرفة قوانين كل صناعة، وأن كل صناعة إنما تكون كذلك بقوانينها الكلية، ومن هنا لا بد على كل مصنِّف أن يعتنى عناية تامة بالقوانين الكلية، يقول الفارابى: ((والقوانين فى كل صناعة أقاويل كلية، أى جامعة، ينحصر فى كل واحد منها أشياء كثيرة مما تشتمل عليه تلك الصناعة وحدها حتى يأتى على جميع الأشياء التى هى موضوعة للصناعة أو على أكثرها، وتكون معدة إما ليحاط بها ما هو من تلك الصناعة، لئلا يدخل فيها ما ليس منها، أو يشذ عنها ما هو منها، وإما ليمتحن بها ما لا يؤمن أن يكون قد غلط فيه غالط، وإما ليسهل بها تعلم ما تحتوى عليه الصناعة وحفظها، والأشياء المفردة الكثيرة إنما تصير صنائع أو فى صنائع بأن تحصر فى قوانين تحصل فى نفس الإنسان على ترتيب معلوم)) ([124])، ونستخلص من ذلك: أن العناية بالقوانين الكلية أحد الأسس المهمة فى منهج التصنيف عند الفارابى، وبالقوانين الكلية تتحول المفردات الجزئية الكثيرة إلى صنائع كاملة، ومسلك الفارابى فى كتابه العظيم إحصاء العلوم يضع أيدينا بوضوح وبصورة تطبيقية على تلك الفكرة، حيث يحاول الفارابى دائما أن يعطى فى كل صناعة أو علم وقف عليه القوانين الكلية التى تحكمه والتى صار بها صناعة([125]).
30) ويقدم الفارابى من خلال فكرة القوانين الكلية الخطوط العريضة لمنهج تصنيف فى العلوم الفلسفية وغيرها التى شملها كتابه إحصاء العلوم، فمنهج التصنيف فى العلم الطبيعى مثلا يعتمد على أنه علم ينظر فى الأجسام الطبيعية وفى الأعراض التى قوامها فى هذه الأجسام، ويعرف الأشياء التى عنها والتى بها والتى لها توجد هذه الأجسام والأعراض التى قوامها فيها، والأجسام منها صناعية ومنها طبيعية، وحال الأجسام الطبيعية فى هذه الأمور (كالغاية والغرض والعرض والمادة والفاعل والمكون) كالأجسام الصناعية، ومواد الأجسام وصورها وفاعلها والغايات التى لأجلها وجدت تسمى مبادئ الأجسام، وإن كانت لأعراض الأجسام تسمى مبادئ الأعراض التى فى الأجسام، والعلم الطبيعى يعرف من كل جسم طبيعى مادته وصورته وفاعله والغاية التى لأجلها وجد ذلك الجسم، وكذلك فى أعراضها، والأجسام الطبيعية منها بسيطة ومنها مركبة، فالبسيطة هى الأجسام التى وجودها لا عن أجسام أخر غيرها، والمركبة هى التى وجودها عن أجسام أخر، وبناء على هذا ينقسم العلم الطبيعى ثمانية أجزاء عظمى: 1- الفحص عما تشترك فيه الأجسام الطبيعية كلها البسيطة والمركبة. 2- الفحص عن الأجسام البسيطة والاسطقسات، هل هى موجودة، وإن كانت موجودة فأى أجسام هى.... 3- الفحص عن كون الأجسام الطبيعية وفسادها. 4- الفحص عن مبادئ الأعراض والانفعالات التى تخص الاسطقسات وحدها. 5- النظر فى الأجسام المركبة من الاسطقسات، وتنقسم إلى متشابهة الأجزاء ومختلفتها. 6- النظر فيما تشترك فيه الأجسام المركبة والمتشابهة الأجزاء. 7 – النظر فيما يشترك فيه أنواع النبات من الأجسام المركبة المختلفة الأجزاء. 8 – النظر فيما يشترك فيه أنواع الحيوان من الأجسام المركبة المختلفة الأجزاء([126]). وهكذا أعطانا الفارابى منهجا متكاملا للتصنيف فى العلم الطبيعى، والذى عرضنا له كنموذج فحسب([127])، وقد حاول الفارابى القيام بالأمر نفسه بطول كتابه إحصاء العلوم وعرضه فى كل ما عرض له من علوم سواء أكانت فلسفية أو غيرها.
31) ويقوم منهج التصنيف الفلسفى عند الفارابى على محاولة الوصول إلى الموضوعية، فهو قبل أن يخوض فى أى مشكلة فلسفية يرسم الطرق، ويحدد الأهداف، ويضع جميع الاحتمالات الممكنة، ويرجع إلى آراء السابقين والمعاصرين له، ولا يصدر رأيه إلا بعد أن يكون قد أوسع الفكرة بحثا وتحليلا، ورسالته المسماة (ما ينبغى أن يقدم قبل تعلم الفلسفة) أشبه ما تكون بفهرس مقسم مبوب لعرض المدارس الفلسفية اليونانية، حتى يكون دارس الفلسفة على بينة من أمره قبل أن يخوض فيها([128]).
32) ويتنوع المنهج الجدلى الذى يستخدمه الفارابى بتنوع الموضوع، فنستطيع أن نميز استخدامه لمنهج (الجدل النازل) بشكل خاص فى الإلهيات، ومنهج (الجدل الصاعد) بشكل خاص فى الإنسان والمجتمع، وتكاد فلسفة الفارابى أن تكون حوارا مستمرا بين الاثنين، وسعيا دءوبا للتقريب بين ما هو مفارق وما هو إنسانى، ففى كتابه (آراء أهل المدينة الفاضلة) يستعمل الجدل النازل، حيث يبدأ من الموجود الأول ثم فى صدور الموجودات عنه، ويستمر فى النـزول بشكل تدريجى، ويقرر الفارابى هذا المنهج الجدلى بقوله: ((لك أن تلحظ عالم الخلق فترى فيه أمارات الصنعة، ولك أن تعرض عنه وتلحظ عالم الوجود المحض، وتعلم أنه لا بد من وجود بالذات، وتعلم كيف ينبغى أن يكون عليه الوجود بالذات، فإن اعتبرت عالم الخالق فأنت صاعد، وإن اعتبرت عالم الوجود المحض فأنت نازل)) ([129])، ونلاحظ أنه بنى أبواب كتابه هكذا بناء على الجدل النازل، فأتى ترتيب أبوابه على النحو التالى: 1- القول فى الموجود الأول. 2 – القول فى نفى الشريك عنه تعالى. 3- القول فى نفى الضد عنه. 4- القول فى نفى الحد عنه سبحانه. 5- القول فى أن وحدته عين ذاته، وأنه تعالى عالم حكيم وأنه حق وحىٌّ. 6- القول فى عظمته وجلاله ومجده تعالى. 7- القول فى كيفية صدور جميع الموجودات عنه. 8- القول فى مراتب الموجودات. 9- القول فى الأسماء التى ينبغى أن يسمى بها الأول تعالى مجده. ومن الأبواب 10: 19 يبدأ النـزول إلى الكلام فى الموجودات فيتكلم فى الموجودات الثوانى، والمادة والصور، وما تشترك فيه الأجسام، والحركة، والأحوال، والأسباب، ومراتب الحدوث، وتعاقب الصور على الهيولى. وبداية من الباب (20: 25) ينـزل الكلام إلى النفس، فيتكلم فى أجزاء النفس البشرية وقواها، ثم أخيرا ينـزل بداية من الباب (26) إلى الباب الأخير (37) فى بيان احتياج الإنسان إلى الاجتماع، وما هى المدينة الفاضلة ومضاداتها. وهكذا يتضح لنا من خلال هذا المثال أثرا جليا للمنهج الجدلى عند الفارابى وتجليه على منهج التصنيف الفلسفى عنده، حيث انبنى عليه خطة التصنيف فى كتابه (آراء أهل المدينة الفاضلة).
33) يمتاز الفارابى بالإلمام، ليس فقط بتخصصه الدقيق الفلسفة، ولكن بمعارف عصره عامة، سواء اللغوية أو الشرعية، ((ويدل كتابه هذا (يعنى إحصاء العلوم) على مدى تمكنه من مختلف فروع المعرفة السائدة فى عصره، فقد عرض كل فرع من هذه الفروع عرض الخبير بحقائقه، الملم بما وصل إليه الباحثون فى مختلف مسائله)) ([130]).
34) تعرض الفارابى فى الجمع بين رأيى الحكيمين إلى المقارنة بين موقف أفلاطون وأرسطو من التدوين([131])، ومن الواضح من خلال هذا النص وعى الفارابى العميق بمشكلات منهج التصنيف، ووقوفه الدقيق على مناحيه، ووجوه التصرف فيه.
35) يرى الفارابى فى منهجه فى التصنيف أن الأقاويل المشهورة لا داعى لذكرها استغناء بشهرتها، والأهم هو منهج تناولها والتعامل الصحيح معها، وفى ذلك يقول: ((ومن ذلك الصور والمثل التى تنسب إلى أفلاطون وأرسطو على خلاف رأيه فيهما... وبين ما يلزمها من الشناعات... ينطق بها فى تلك الأقاويل ما يطول بذكرها هذا القول، وقد استغنينا لشهرتها عن الإعادة، مثل ما فعلنا بسائر الأقاويل حيث أومأنا إليها وإلى أماكنها وخلينا ذكرها بالنظر فيها والتأويل لها لمن يلتمسها من مواضعها، فإن الغرض المقصود من مقالتنا هذه إيضاح الطرق التى إذا سلكها طالب الحق لم يضل فيها، وأمكنه الوقوف على حقيقة المراد بأقاويل هذين الحكيمين من غير أن ينحرف عن سواء السبيل إلى ما تخيله الألفاظ المشكلة))([132])، ويؤكد الفارابى على أن المقصود المعانى وحقائق المذاهب، دون الألفاظ ولهذا يوجه نصيحته لطالب الحق أن ((لا يتبع الألفاظ متابعة تامة)) ([133]).
36) ومن الملاحظات المهمة حول منهج التصنيف الفلسفى عند الفارابى هو تناوله لبعض الموضوعات فى أكثر من كتاب بصورة شديدة التقارب وربما التكرار أيضا، كما نراه فى كتبه: التنبيه على سبيل السعادة – تحصيل السعادة – السياسة المدنية، وكما نراه بين بعض فقرات كتابيه الملة، وإحصاء العلوم([134])، وربما رجع ذلك إلى كونها رسائل أرسل بها إلى بعض أصحابه، فيكرر فيها الموضوع بحسب السؤال، وبغض النظر عن كونه سبق فى موضع آخر، حتى تحصل الفائدة للسائل.
37) وقد يكون مدخله فى تناول الموضوعات الفلسفية مدخلا لغويا، وقد فعل هذا فى كتابه الحروف، فأتى الباب الأول – بحسب تقسيم المحقق – فى الحروف وأسماء المقولات، من خلال (18) فصلا تتناول: حرف إن – متى – وجعل الكلام عليهما مدخلا للكلام عن الموضوعات الفلسفية التالية: المقولات – المعقولات الثوانى – الموضوعات الأول للصنائع والعلوم، ثم انتقل بعد ذلك إلى أشكال الألفاظ وتصريفها تناولا فلسفيا لهذه الظواهر اللغوية، ومنها انتقل إلى الكلام على النسبة والإضافة وأنواعها، فى الفلسفة واللغة، ويربط ذلك بالكلام عن الحرف (أين)، ويتناول العلاقة بين النسبة والمقولات، ليعود مرة أخرى إلى بعض مباحث المقولات فيتحدث عن العرض والجوهر، ويفضى به ذلك إلى الكلام عن الذات والفرق بينه وبين الجوهر، وعن الموجود، وعن عملية الاصطلاح من خلال تحليل لغوى وفلسفى شيق لكيفية اشتقاق مصطلح الهوية، وعن الشىء، والمقصود بـ (الذى من أجله)، ثم يتكلم عن الحرف (عن) وبه يختم الباب الأول. أما الباب الثانى – بحسب عنونة المحقق – فعن حدوث الألفاظ والفلسفة والملة وصناعة الكلام والفقه، وحدوث الحروف، وأصل اللغة، وكيفية تطورها، ونشأة الألفاظ والأساليب الخطابية والأشعار، وحدوث الصنائع العملية ثم الصنائع القياسية حتى تكتمل الفلسفة. أما الباب الثالث – بحسب المحقق – فتناول فيه الفارابى حروف السؤال حرفا حرفا وماذا يسأل عنه فى اللغة عن الجواهر أو الأعراض أو المقولات، منبها على مفهوم كل ذلك فلسفيا، وتناول فيه أنواع المخاطبات تناولا فلسفيا، موضحا السؤالات التى تطلب بها المطلوبات فى الصناعات الفلسفية والمنطقية، وحروفها اللغوية.
38) وختاما فإن الفارابى مع كل ما تقدم عن منهجه فى التصنيف الفلسفى، فإن من من أروع كتبه الفلسفية – فى رأينا - هو كتابه التعليقات، والذى كتبه بطريقة الكناش، أو المنتخبات والمختارات، وضمنه خلاصة فكره الفلسفى، فى صورة فقرات قصيرة تبدأ بقوله قال، ولا يجمعها ترتيب ظاهر إلا أنها فى مجال الفلسفة والحكمة تبدأ بالموجودات وصدروها عن ذاته تعالى، وتتنوع بعد ذلك بالكلام عن واجب الوجود، وقوى النفس، ونظرية المعرفة، وحقائق الأشياء، والحدود، فى عبارات رشيقة موجزة حاسمة تذكرنا بالقواعد الأصولية، يذكر فيها خلاصة موقفه الفلسفة من القضية التى يتناولها، ورغم أن الكتاب لا تشمله وحدة موضوعية ظاهرة، إلا أن ذلك يجعل القارئ فى حالة توهج واشتياق دائم للقاعدة التالية التى لا يتوقع موضوعها، دون أن يتسلل السأم إلى نفسه.
39) وعلى النهج نفسه صار الفارابى فى كتاب (النكت فيما يصح وما لا يصح من أحكام النجوم)، وهو وإن كان موضوعا بالأصالة فى علم النجوم، إلا أنه مزدخر بشتى أنواع الحكم والنظرات العميقة فى النفس البشرية والكون ونظرية المعرفة ومنهج البحث، وغير ذلك، وقد ابتدأه الفارابى بفائدة فى فضيلة العلوم والصناعات بأى أمر تكون، ومن لطائف ما ذكر كلامه على ضرورة وجود الأمور الاتفاقية (الصدف) وأنه لولاها لاختل نظام العالم: ((لو لم يكن فى العالم أمور اتفاقية ليس لها أسباب معلومة لارتفع الخوف والرجاء، وإذا ارتفعا لم يوجد فى الأمور الإنسانية نظام إلبتة لا فى الشرعيات، ولا فى السياسيات؛ لأنه لولا الخوف والرجاء لما اكتسب أحد شيئا لغده، ولما أطاع مرءوس لرئيسه، ولما عنى رئيس بمرءوسه، ولما أحسن إلى غيره، ولما أطيع الله، ولما قدم معروف، إذ الذى يعلم أن جميع ما هو كائن فى غد لا محالة على ما سيكون ثم سعى سعيا فهو عابث أحمق يتكلم بما يعلم أنه لا ينتفع به)) ([135])، وهكذا يمضى الفارابى فى نكته تلك، مدليا بخبرته، وهذه النكت – البالغ عددها ثلاثون - فى جميعها تعتبر انتقادا منهجيا لهذا علم، فتلك النكتة السابق ذكرها عن الأمور الاتفاقية تعبر عن هذا النقد المنهجى لموضوع علم النجوم القائم على معرفة الحوادث والنوازل عن طريق حساب النجوم، فانتقد ذلك بأنه يعنى أنه لا يمكن ألا توجد أمور اتفاقية (تكون كذلك بالنسبة لنا) وإلا اختل نظام العالم، فماذا يجدى إذن علم النجوم، وفى نكتة أخرى ينتقد دعوى أن علم النجوم مبنى على التجارب الصادقة، فينتقد هذا بأنه بفرض تسليمه فإن الخبرة المبنية على التجارب الصادقة لا تفيد فى كل الأحيان فيقول: ((التجارب إنما تنفع فى الأمور الممكنة على الأكثر، فأما الممكنة فى الندرة، والممكنة على التساوى فإنه لا منفعة للتجربة فيها، وكذلك الروية وأخذ التأهب والاستعداد إنما ينتفع بها فى الممكن على الأكثر لا غيره، وأما الضروريات والممتنعات فظاهر من أمرهما أن الروية والاستعداد والتأهب والتجربة لا تستعمل فيهما، وكل من قصد لذلك فهو غير صحيح العقل، وأما الحزم فقد ينتفع به فى الأمور الممكنة فى الندرة والتى على التساوى)) ([136])، ويمكن من خلال تحليل هذه النكت استكشاف طرفا من الموقف النقدى عند الفارابى، وهو منهج قائم على الفهم العميق لأسباب الظواهر العلمية، واحتياجات البحث، والبنية العلمية للعلم، والغرض والغاية من ورائه، والتفريق بين ما يصلح للتعميم وما يبقى على خصوصه، والنظرة العميقة للفرق بين الأشياء والتمييز بين خواصها المؤثرة فيها وفى أحكامها([137]).
40) وتابع نهجه هذا فى كتابه فصوص الحكمة الذى يتناول فى أغلبه موضوعات من العلم الإلهى أو علم ما بعد الطبيعة، فى صورة نكات علمية أو قواعد علمية منثورة يترجم لكل منها بقوله (فص)، والفص الأول يتكلم فى الفرق بين الماهية والهوية، ويترك الفصوص يفضى بعضها إلى بعض عن الماهية، لينتقل بعد ذلك إلى الكلام فى الوجود ووجوبه، ثم صفات واجب الوجود، ثم فى النفس وقواها ونظرية المعرفة، والملائكة، كل منها فى عدة فصوص يسلم بعضها إلى بعض فى سلاسة ويسر، لكن أيضا فى عمق وتقديم لخلاصة الفكر الفلسفى، وفص الشىء – كما يقول الشنب غازانى – ((عبارة عن خلاصة الشىء، وزبدته، ولما كانت المباحث المذكورة فى هذه الرسالة عين الحكمة وخلاصة مسائلها، عنون كل طائفة مخصوصة منها بالفص ليشعر فى أول الأمر بجلالة مكانتها، نفاسة شأنها، حتى يرغب الطالبون فى تحصيلها رغبة كاملة)) ([138]).
41) لقد استعمل الفارابى إذن هذا النوع من منهج التصنيف فى عدة كتب له، تمتاز رغم عدم اتخاذها أيا من مناهج التصنيف الفلسفى السابقة عند الفارابى بالعمق والأهمية فى التعبير عن المذهب الفلسفى عند الفارابى، وكأنه الجهد الذى كان يستفرغه فى صناعة التأليف والتصنيف اتجه به بكليته إلى تعميق الأفكار، بحيث استوعب جمام جهده فيها دون أن يبقى شيئا للتصنيف، لكن يغطى على ذلك الأهمية التى اكتساها الكلام، بحيث تشفع لغياب التصنيف المنطقى الصارم، وتصير ذات منطق خاص بها سنجد روحه كثيرا بعد إشراقا وتصوفا.

([1])وللاستزادة بخصوص الفارابى وفلسفته وأهم أفكاره وآرائه راجع: - ابن صاعد، طبقات الأمم (ص 72 – 74). - ظهير الدين البيهقى، تاريخ حكماء الإسلام، (ص 30 - 35). - ابن أبى أصيبعة، طبقات الأطباء، (ص 603 - 609). - دى بور، تاريخ الفلسفة فى الإسلام، مع تعليقات د/ أبى ريدة (ص 192 - 237). - أ/ سعيد زايد، الفارابى، وهى دراسة قيمة موجزة عن الفارابى. - أ/د عثمان أمين، مقدمة تحقيقه لكتاب (إحصاء العلوم للفارابى)، وفيها دراسة ضافية عن أثر هذا الكتاب ومنهجه (ص 7 - 50). - د/ إبراهيم مدكور، فى الفلسفة الإسلامية – منهج وتطبيقه، (1/35 – 45، 69 - 99، 2/80 – 82، 144-145). - أ/د محمد البهى، الجانب الإلهى من التفكير الإسلامى، (ص 267 - 320). – أ/د محسن مهدى، مقدماته الضافية لتحقيقاته بعض نصوص الفارابى مثل: الألفاظ المستعملة فى المنطق، الحروف، الواحد والوحدة، كتاب الملة ونصوص أخرى. – أ/د ألبير نصرى نادر، مقدماته لتحقيق بعض نصوص الفارابى مثل آراء أهل المدينة الفاضلة، والجمع بين رأيى الحكيمين، وفيها معلومات تاريخية مهمة عنها ومقدمة تحليلية لكل كتاب منها. - أ/د محمد كمال إبراهيم جعفر، تأملات فى الفكر الإسلامى، (ص 299- 344). - أ/د عاطف العراقى، ثورة العقل فى الفلسفة العربية، (ص 81 - 118). - أ/د محمد الأنور السنهوتى، أ/د عبد الحميد مدكور (بالاشتراك)، دراسات فى الفلسفة الإسلامية، (ص 159 - 179). - أ/د محمد على أبو ريان، تاريخ الفكر الإسلامى، (ص 325 – 362)، وله أيضا دراسة نشرت فى الكتاب نفسه كملحق (ص 509 - 533) بعنوان: دراسة تحليلية مقارنة بين المنطق والنحو ورأى الفارابى فيها. - أ/د عبد الحليم محمود، التفكير الفلسفى فى الإسلام، (ص 236 - 263). - د/ محمد سليم سالم، ومقدمات تحقيقه لبعض مؤلفات الفارابى مثل كتاب العبارة، والخطابة. – أ/د جعفر آل ياسين ومقدمات أعماله عن الفارابى، مثل: الفارابى فى حدوده ورسومه، ومقدمة تحقيقه لرسالتى: مقالة فيما يصح وما لا يصح من أحكام النجوم – جوابات لمسائل سئل عنها، للفارابى. - أ/د على عبد الواحد وافى، المدينة الفاضلة للفارابى. – وحول نفس الموضوع (المدينة الفاضلة) دَارَ عملُ فاروق سعد (مع الفارابى والمدن الفاضلة)، مع التعريف بالفارابى وبمؤلفاته، وعرض للمدن الفاضلة عند الآخرين. - أ/د عبد الفتاح الفاوى (بالاشتراك)، فى الفلسفة الإسلامية – أعلامها ومعالمها، (ص 188 - 212). - تشارلس بترورث، مقدمة تحقيقه لتلخيص كتاب المقولات لابن رشد، (ص 22 - 25) وفيه ملاحظات قيمة حول مؤلفات الفارابى المنطقية مقارنة بمؤلفات ابن رشد. - د/ ألفت كمال الروبى، نظرية الشعر عند الفلاسفة المسلمين – من الكندى حتى ابن رشد. - أ/د ماجد فخرى، مقدمة تحقيق كتاب ابن باجه، تعاليق على منطق الفارابى، (ص 7-20) وفيها مقارنات موجزة قيمة عن منطق الفارابى وابن باجه، وعن موقف الفارابى من ترتيب الصناعة المنطقية وموضع علم المقولات، وتعليق ابن باجه على ذلك. - مجموعة من كبار الباحثين، الكتاب التذكارى - أبو نصر الفارابى فى الذكرى الألفية لوفاته 950 م، تصدير د/ إبراهيم مدكور، ويشمل تسعة بحوث مهمة حول فلسفة الفارابى تناولت فى الباب الأول منهجه، وفى الثانى آراءه، وفى الثالث أثره، من خلال تسعة فصول، فى كل فصل بحث. – أ/د سحبان خليفات، دراسته القيمة للفارابى ولكتابه التنبيه على سبيل السعادة، والتى جعلها مقدمة لتحقيق الكتاب، ووقف فيها عند مصادر الفارابى وأثره فيمن بعده، وأهمية هذا النص باعتباره من أواخر ما ألف الفارابى وغير ذلك من القضايا (ص 5 – 176). – أ/د زينب عفيفى، فلسفة اللغة عند الفارابى. - د/ مصطفى سيد أحمد صقر، نظرية الدولة عند الفارابى – دراسة تحليلية تأصيلية لفلسفة الفارابى السياسية. - د/ منير سغبينى، نظرية الفضيلة عند الفارابى. - د/ إبراهيم عاتى، الإنسان فى الفلسفة الإسلامية – نموذج الفارابى. - موزة أحمد رشد العبار، البعد الأخلاقى للفكر السياسى الإسلامى عند الفارابى والماوردى وابن تيمية – دراسة تحليلية نقدية فى فلسفة السياسة، وما يخص الفارابى منه (ص 181– 218). أ/د يمنى طريف الخولى، من منظور فلسفة العلوم: الطبيعيات فى علم الكلام من الماضى إلى المستقبل، (ص 106 - 109) وتشمل إشارة مهمة عن فلسفته الطبيعية. - عبد المنعم حمادة، من رواد الفلسفة الإسلامية، (ص 115-168).
([2]) أ/د على عبد الواحد وافى، المدينة الفاضلة للفارابى، (ص 11).
([3]) ابن صاعد، طبقات الأمم (ص 72).
([4]) أ/د محمد على أبو ريان، تاريخ الفكر الفلسفى فى الإسلام، (ص 328).
([5]) أ/د أحمد الطيب، الجانب النقدى فى فلسفة أبى البركات البغدادى، (ص 64).
([6]) ضمن مجموع نصوص لم تنشر متعلقة بتاريخ التصوف فى بلاد الإسلام، لماسنيون. نقلا عن:.
([7]) أ/د أبو ريان، تاريخ الفكر الإسلامى، (ص 329).
([8]) أ/د عبد الحليم محمود، التفكير الفلسفى فى الإسلام، (ص 247).
([9]) د/ منير سغبينى، نظرية الفضيلة عند الفارابى، (ص 118 - 119) باختصار وتصرف. وانظر أيضا بخصوص الفلسفة الفيضية عند الفارابى: أ/د ألبير نصرى نادر، مقدمة تحقيق (كتاب آراء أهل المدينة الفاضلة) للفارابى، (ص 17 - 22).
([10]) انظر هنا: (ص 146).
([11]) اعتنت أ/د فوقية حسين، ببيان جوانب أصالته فى مقالة (الفارابى بين الإيجاد والإبداع)، ضمن كتاب (مقالات فى أصالة المفكر المسلم)، (ص 98 - 135).
([12]) أ/د حسن حنفى، الفارابى شارح أرسطو، بحث منشور ضمن الكتاب التذكارى - أبو نصر الفارابى فى الذكرى الألفية (ص 67).
([13]) أ/د حسن حنفى، الفارابى شارح أرسطو، بحث منشور ضمن الكتاب التذكارى - أبو نصر الفارابى فى الذكرى الألفية (ص 69).
([14])أ/د حسن حنفى، الفارابى شارح أرسطو، بحث منشور ضمن الكتاب التذكارى - أبو نصر الفارابى فى الذكرى الألفية (ص 76، 79، 80)، بتصرف واسع، وقد ذكر فى الهوامش العديد من نصوص الفارابى المؤيدة لذلك، والنصان المذكوران منقول من كتاب العبارة (ص 117)، مقالة فى قوانين صناعة الشعراء (ص 194، مؤلفات الفارابى ج2).
([15])أ/د حسن حنفى، الفارابى شارح أرسطو، بحث منشور ضمن الكتاب التذكارى - أبو نصر الفارابى فى الذكرى الألفية (ص 95 - 98) باختصار وتصرف.
([16]) أ/د زينب عفيفى، فلسفة اللغة عند الفارابى، (ص 44).
([17])أ/د حسن حنفى، الفارابى شارح أرسطو، بحث منشور ضمن الكتاب التذكارى - أبو نصر الفارابى فى الذكرى الألفية (ص 80 - 81) باختصار وتصرف، وقد ذكر شواهد عدة لذلك من نصوص الفارابى.
([18]) أ/د محسن مهدى، مقدمة تحقيق الحروف للفارابى، (ص 27).
([19]) أ/د زينب عفيفى، فلسفة اللغة عند الفارابى، (ص 45، 68)، وللتوسع راجع: المصدر نفسه (ص 37 – 94).
([20]) انظر بخصوص هذا: الفارابى، إحصاء العلوم، (ص 57 - 66).
([21])أ/د حسن حنفى، الفارابى شارح أرسطو، بحث منشور ضمن الكتاب التذكارى - أبو نصر الفارابى فى الذكرى الألفية (ص 88 - 89) باختصار وتصرف.
([22]) د/ إبراهيم عاتى، الإنسان فى الفلسفة الإسلامية – نموذج الفارابى، (ص 8). وكمثال انظر تأثير كتابه (الواحد والوحدة) فيمن بعده كالتوحيدى وابن باجه وابن رشد: أ/د محسن مهدى، مقدمة تحقيق كتاب الواحد والوحدة للفارابى، (ص 19، 22).
([23]) الفارابى، الحروف، (ص 151 - 152).
([24]) أ/د أبو ريدة، تعليقاته على كتاب دى بور، تاريخ الفلسفة فى الإسلام، (ص 237).
([25]) الفارابى، التنبيه على سبيل السعادة، (ص 177 – 184، 222 – 226، 232) باختصار واسع وإضافات يسيرة بين الأقوس للتوضيح. وانظر بخصوص هذه القضية: مصطفى الشيخ مصطفى عبد الرازق، تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية، (ص52-53)، ومقدمة أ/د سحبان خليفات لتحقيقه للكتاب، (ص 167 – 168).
([26]) الفارابى، التعليقات، (ص 4 - 5).
([27]) الفارابى، التعليقات، (ص 13).
([28]) الفارابى، التعليقات، (ص 9).
([29]) الفارابى، التعليقات، (ص 12).
([30]) الفارابى، النواميس، (ص 54)، نقلا عن: أ/د جعفر آل ياسين، الفارابى فى حدوده ورسومه، (ص 185).
([31]) الفارابى، التعليقات، (ص 11).
([32]) الفارابى، الحروف، (ص 25).
([33]) انظر هنا: (ص 233).
([34]) د/ إبراهيم عاتى، الإنسان فى الفلسفة الإسلامية – نموذج الفارابى، (ص 127 - 128)، ولمزيد من التوسع حول نظرية المعرفة عند الفارابى: راجع المصدر نفسه (ص 128 - 207)، مع المقارنة مع غيره من الفلاسفة.
([35]) الفارابى، التعليقات (ص 3-5) باختصار، وانظر: د/ إبراهيم عاتى، الإنسان فى الفلسفة الإسلامية – نموذج الفارابى، (ص 128).
([36]) ابن صاعد، طبقات الأمم (ص 73).
([37]) د/ عثمان أمين، مقدمة تحقيقه لإحصاء العلوم للفارابى، (ص 8).
([38]) د/ إبراهيم عاتى، الإنسان فى الفلسفة الإسلامية – نموذج الفارابى، (ص 36).
([39]) أ/د حامد طاهر، مدخل إلى علم المنهج (ص 144).
([40])انظر: د/ عثمان أمين، مقدمة تحقيقه لإحصاء العلوم للفارابى، (ص 16).
([41]) د/ عثمان أمين، مقدمة تحقيقه لإحصاء العلوم للفارابى، (ص 16 - 17).
([42]) السيد إسماعيل الحسينى الشنب غازانى، شرح فصوص الحكمة، ط طهران (ص 7).
([43]) الفارابى، إحصاء العلوم، (ص 53 – 55).
([44]) لمزيد من التوسع بالتحليل والمقارنة والنقد لنظرية تصنيف العلوم عند الفارابى راجع: أ/د حامد طاهر، مدخل إلى علم المنهج (ص 144 - 184).
([45]) راجع بخصوص ذلك: د/ عثمان أمين، مقدمة تحقيقه لإحصاء العلوم للفارابى، (ص 19 - 28).
([46]) للتوسع حول هذه الفكرة: د/ إبراهيم عاتى، الإنسان فى الفلسفة الإسلامية – نموذج الفارابى، (ص 35 - 45).
([47]) الشيخ مصطفى عبد الرازق، تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية، ص 54.
[48])) ظهير الدين البيهقى، تاريخ حكماء الإسلام، (ص 34 - 35).
([49]) الفارابى، إحصاء العلوم، (ص 74)، د/ عثمان أمين، مقدمة تحقيقه لإحصاء العلوم للفارابى، (ص 17- 18).
([50]) ص 9 طبع مجلس المعارف العثمانية، نقلا عن: الشيخ مصطفى عبد الرازق، تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية، ص 54.
([51])للتوسع بخصوص قضية التوفيق عند الفارابى راجع على سبيل المثال: البحوث التالية المنشورة الكتاب التذكارى - أبو نصر الفارابى فى الذكرى الألفية: أ/د محمد البهى، الفارابى الموفق والشارح، (ص 30- 63). أ/د حسن حنفى، الفارابى شارح أرسطو، (ص 98 – 114) ويقدم فيها رؤية متميزة عن الشائع بخصوص هذه القضية، أ/ سعيد زايد، الفارابى والتوفيق، (ص 154- 170). البروفسير لويس جارديت، التوفيق بين الدين والفلسفة عند الفارابى، (171- 188، وهو بالفرنسية).
([52]) أ/د أحمد الطيب، الجانب النقدى فى فلسفة أبى البركات البغدادى، (ص 64).
([53]) د/ إبراهيم عاتى، الإنسان فى الفلسفة الإسلامية – نموذج الفارابى، (ص 54).
([54])أ/د محمد البهى، الفارابى الموفق والشارح، بحث منشور ضمن الكتاب التذكارى - أبو نصر الفارابى فى الذكرى الألفية (ص 33- 34) باختصار وتصرف.
([55]) أ/د أحمد الطيب، الجانب النقدى فى فلسفة أبى البركات البغدادى، (ص 68 – 69) باختصار وتصرف.
([56])أ/د محمد البهى، الفارابى الموفق والشارح، بحث منشور ضمن الكتاب التذكارى - أبو نصر الفارابى فى الذكرى الألفية (ص 57).
([57])أ/د عبد الحليم محمود، التفكير الفلسفى فى الإسلام، (ص 249). وللتوسع حول محاولة الفارابى التوفيقية انظر: أ/د محمد يوسف موسى، بين الدين والفلسفة فى رأى ابن رشد وفلاسفة العصر الوسيط (ص 54 – 63). أ/د محيى الدين أحمد الصافى، قضية التوفيق بين الدين والفلسفة، (ص 24 – 65، 96 - 106).
([58])أ/د حسن حنفى، الفارابى شارح أرسطو، بحث منشور ضمن الكتاب التذكارى - أبو نصر الفارابى فى الذكرى الألفية (ص 98 - 100) باختصار وتصرف.
([59]) أ/د عبد اللطيف العبد، دراسات فى الفكر الإسلامى، (ص 211). ولمزيد من التوسع حول هذه القضية عند الفارابى وعلاقتها بنظرية المعرفة عنده، انظر: د/ إبراهيم عاتى، الإنسان فى الفلسفة الإسلامية – نموذج الفارابى، (ص 54 - 62).
([60]) د/ إبراهيم مدكور، فى الفلسفة الإسلامية – منهج وتطبيقه، (1/35، 38)، وللتوسع فى هذه الفكرة وبيان مدى تأثيرها على الفلاسفة الإسلاميين بعد الفارابى، انظر: -المرجع السابق نفسه، (1/35 – 68). - أ/د محمد الأنور السنهوتى، أ/د عبد الحميد مدكور (بالاشتراك)، دراسات فى الفلسفة الإسلامية، (ص 170 – 179).
([61]) أ/د عبد الحليم محمود، التفكير الفلسفى فى الإسلام، (ص 242). د/ إبراهيم مدكور، فى الفلسفة الإسلامية – منهج وتطبيقه، (1/49).
([62]) د/ إبراهيم مدكور، فى الفلسفة الإسلامية – منهج وتطبيقه، (1/49) بتصرف.
([63]) د/ إبراهيم مدكور، فى الفلسفة الإسلامية – منهج وتطبيقه، (1/37).
([64]) الفارابى، الثمرة المرضية فى بعض الرسالات الفارابية (ص 75)، نقلا عن د/ إبراهيم مدكور، المرجع السابق، (1/37 – 38).
([65]) د/ إبراهيم مدكور، فى الفلسفة الإسلامية – منهج وتطبيقه، (1/36).
([66]) د/ إبراهيم مدكور، فى الفلسفة الإسلامية – منهج وتطبيقه، (1/ 38، 40، 42 - 45) باختصار وتصرف واسعين.
([67]) انظر هنا: (ص 258).
([68]) ابن صاعد، طبقات الأمم (ص 72-73).
([69])ابن صاعد، طبقات الأمم (ص 73- 74).
([70]) تشارلس بترورث، مقدمة تحقيقه لتلخيص كتاب المقولات لابن رشد، (ص 22 - 25)، بتصرف واختصار.
([71]) د/ عثمان أمين، مقدمة تحقيقه لإحصاء العلوم للفارابى، (ص 47).
([72]) انظر مثلا: الفارابى، التعليقات، (ص 9-10، 14 - 16).
([73]) الفارابى، كتاب الجمع بين رأيى الحكيمين، (ص 80 - 81) باختصار واسع.
([74]) الفارابى، تحصيل السعادة، (ص 25).
([75]) الفارابى، تحصيل السعادة، (ص 99).
([76]) نشرت هذه المقالة ضمن رسائل الفارابى (ص 93 – 100) وأُشير فى صدرها إلى أنها منتزعة من كتابه الحروف حيث ذكر ما نصه: ((مقالة شريفة للحكيم الفيلسوف المعلم الثانى... فى أغراض الحكيم فى كل مقالة من الكتاب الموسوم بالحروف، وهو تحقيق غرض أرسطوطاليس فى كتاب ما بعد الطبيعة).
([77]) د/ إبراهيم عاتى، الإنسان فى الفلسفة الإسلامية – نموذج الفارابى، (ص 35).
([78]) د/ إبراهيم عاتى، الإنسان فى الفلسفة الإسلامية – نموذج الفارابى، (ص 54).
([79]) انظر: أ/د محسن مهدى، مقدمته لتحقيق كتاب الفارابى، (الملة)، (ص 13).
([80]) الفارابى، رسالة ما ينبغى أن يقدم قبل تعلم الفلسفة، ضمن الرسائل، (ص 125).
([81]) د/ إبراهيم عاتى، الإنسان فى الفلسفة الإسلامية – نموذج الفارابى، (ص 36).
([82]) انظر هنا: (ص 228).
([83]) الفارابى، إحصاء العلوم، (ص 53).
([84]) الفارابى، كتاب الحروف، (ص 226)، وانظر بخصوص هذا النص: أ/د عاطف العراقى، ثورة العقل فى الفلسفة العربية، (ص 45).
([85]) يعتبر هذا الكتاب من أواخر ما ألف الفارابى (ت 339 هـ)، حيث بدأ تأليفه قبل سنة (330)، واستمر فى تحريره وفرغ من تأليفه وتحريره والنظر فيه سنة (337 هـ) قبل وفاته بعامين، وفيه أخذ المذهب الفكرى والفلسفة للفارابى شكله الناضج والنهائى، راجع: ابن أبى أصيبعة، طبقات الأطباء (ص 608)، أ/د على عبد الواحد وافى، المدينة الفاضلة للفارابى، (ص 18). د/ إبراهيم عاتى، الإنسان فى الفلسفة الإسلامية – نموذج الفارابى، (ص 206).
([86]) د/ إبراهيم عاتى، الإنسان فى الفلسفة الإسلامية – نموذج الفارابى، (ص 8-9).
([87]) الفارابى، كتاب العبارة، (ص 7).
([88]) الفارابى، كتاب العبارة، (ص 7).
([89]) الفارابى، كتاب الجمع بين رأيى الحكيمين، (ص 79).
([90]) الفارابى، آراء أهل المدينة الفاضلة، (ص 32 - 36).
([91]) انظر فيما يؤكد كون اختصار الأبواب التى فى كتاب المدينة الفاضلة عملا مستقلا عن الكتاب نفسه: أ/د محسن مهدى، مقدمة تحقيقه كتاب الفارابى، (الملة)، (ص 28).
([92]) الفارابى، آراء أهل المدينة الفاضلة، (ص 37). والسياق بهذه الطريقة يجعل احتمال كون هذا الاختصار المتقدم على الكتاب ليس من صنع الفارابى نفسه احتمالا قائما ليس ببعيد، رغم أنه وقع فى أصول الكتاب الخطية، مما يعنى أنه من صنع أحد تلاميذ الفارابى، أو ناسخ الأصل العتيق منه، وهو على أية حال قارئ ممتاز لنص الكتاب وقد حافظ فى اختصاره على عبارات الأصل، ثم انتشرت النسخ على ذلك. والترجيح موقوف على تكرر هذا الصنع فى مصنَّفات الفارابى الأخرى، أم تفرد هذا الكتاب به، وهذا يحتاج إلى استقراء تام لمؤلفاته، على أن ما تيسر منها أثناء الدراسة يؤكد على تفرد المدينة الفاضلة بذلك النهج.
([93]) الفارابى، الألفاظ المستعملة فى المنطق، (ص 94 - 95).
([94]) الفارابى، الألفاظ المستعملة فى المنطق، (ص 104 - 116).
([95]) الفارابى، الألفاظ المستعملة فى المنطق، (ص 116).
([96]) الفارابى، التنبيه على سبيل السعادة، (ص 236 - 237).
([97]) الفارابى، تحصيل السعادة، (ص 99).
([98]) الفارابى، الألفاظ المستعملة فى المنطق، (ص 87)، مع زيادة إيضاح بين الأقواس ( ).
([99]) الفارابى، كتاب العبارة، (ص 40، 47).
([100]) انظر مثالا لذلك حول تطور أسلوب الاستدلال الفلسفى من الخطابة إلى البرهان: الفارابى، كتاب الخطابة، (ص 16 - 24).
([101]) د/ إبراهيم عاتى، الإنسان فى الفلسفة الإسلامية – نموذج الفارابى، (ص 22).
([102]) أ/د على عبد الواحد وافى، المدينة الفاضلة للفارابى، (ص 20).
([103])سعيد زايد، الفارابى، (ص 23).
([104]) من أمثلة ذلك كتاب الفارابى، (الواحد والوحدة)، حيث حاول تتبع معانى الواحد والوحدة تتبعا تاما مستقصيا معانيهما اللغوية والفلسفية، ويوضح مقابلهما وهو الكثير والكثرة، لينجلى المعنى جلاء تاما.
([105]) انظر: بخصوص هذه القصة: ابن أبى أصيبعة، طبقات الأطباء (ص438).
([106])سعيد زايد، الفارابى، (ص 23)، والرسالة منشورة ضمن رسائل الفارابى (ص 119 – 127).
([107]) الفارابى، رسالة ما ينبغى أن يقدم قبل تعلم الفلسفة، ضمن الرسائل، (ص 119).
([108]) اعتنى د/ إبراهيم مدكور، بتناول موضوع (الفارابى والمصطلح الفلسفى)، وهو بحث منشور ضمن الكتاب التذكارى فى الذكرى الألفية للفارابى. وأيضا: أ/د زينب عفيفى، فلسفة اللغة عند الفارابى، (ص 95 - 135).
([109]) انظر على سبيل المثال بخصوص كيفية انتقال المصطلحات وتعريبها واشتقاقها عنده: كتاب الحروف، (ص 157 - ).
([110]) اهتم أ/د زينب عفيفى بدراسة ((فلسفة اللغة عند الفارابى)) دراسة مستفيضة نشرت تحت العنوان ذاته، حيث أبرزت الأصول اللغوية لفكر الفارابى المنطقى والفلسفى، ومشكلة المصطلح الفلسفى ودلالته اللغوية ودور الفارابى ومنهجه فى صياغته، ورؤية الفارابى لمشكلة المعنى والعلاقة بين المنطق واللغة، وغير ذلك من قضايا.
([111]) د/ إبراهيم مدكور، الفارابى والمصطلح الفلسفى، بحث منشور ضمن الكتاب التذكارى فى الذكرى الألفية للفارابى (ص 22 - 24) باختصار وتصرف.
([112]) جعفر آل ياسين، الفارابى فى حدوده ورسومه، وقد اعتمد فيه على (49) مؤلف للفارابى بين مخطوط ومطبوع، مبين موضع كل مصطلح فى مؤلفات أرسطو، وفى (11) كتابا من كتب الحدود والمصطلحات العربية.
([113])أ/د حسن حنفى، الفارابى شارح أرسطو، بحث منشور ضمن الكتاب التذكارى - أبو نصر الفارابى فى الذكرى الألفية (ص 65 - 66) باختصار.
([114])أ/د حسن حنفى، الفارابى شارح أرسطو، بحث منشور ضمن الكتاب التذكارى - أبو نصر الفارابى فى الذكرى الألفية (ص 69 - 70) باختصار وتصرف، وقد ذكر أمثلة لذلك من نصوص الفارابى بالهامش.
([115]) أ/د ألبير نصرى نادر، مقدمة تحقيق (كتاب آراء أهل المدينة الفاضلة) للفارابى، (ص 12).
([116]) أ/د سحبان خليفات، مقدمة تحقيق كتاب الفارابى، التنبيه على سبيل السعادة، (ص 29).
([117]) أ/د سحبان خليفات، مقدمة تحقيق كتاب الفارابى، التنبيه على سبيل السعادة، (ص 31 - 38).
([118])أ/د حسن حنفى، الفارابى شارح أرسطو، بحث منشور ضمن الكتاب التذكارى - أبو نصر الفارابى فى الذكرى الألفية (ص 70 – 71، 73)، وقد ذكر أمثلة لذلك من نصوص الفارابى بالهامش.
([119])أ/د حسن حنفى، الفارابى شارح أرسطو، بحث منشور ضمن الكتاب التذكارى - أبو نصر الفارابى فى الذكرى الألفية (ص 71 - 72)، وقد ذكر أمثلة لذلك من نصوص الفارابى بالهامش.
([120]) راجع: أ/د محسن مهدى، مقدمة تحقيقه لكتاب الفارابى، الألفاظ المستعملة فى المنطق، (ص 20 - 21)، وقد أشار إلى وجود صعوبة فى تحديد المستوى الذى ينسب إليه كثير من كتب الفارابى، خاصة وأن بعضها منتزع من كتابه الأصلى ونسخ على حدة ككتاب مستقل، أو وضع فى مجموع آخر يشتمل على مقالات أخرى للفارابى، مما يحيط عملية تحديد هوية كتاب ما للفارابى ومن أى الشروح أو التلاخيص أو الجوامع هو بصعوبات جمة، راجع: المرجع السابق نفسه (ص 19 – 24).
([121])أ/د حسن حنفى، الفارابى شارح أرسطو، بحث منشور ضمن الكتاب التذكارى - أبو نصر الفارابى فى الذكرى الألفية (ص 72، 85، 94، 95، 97) باختصار وتصرف، وقد ذكر أمثلة لذلك من نصوص الفارابى بالهامش.
([122])أ/د حسن حنفى، الفارابى شارح أرسطو، بحث منشور ضمن الكتاب التذكارى - أبو نصر الفارابى فى الذكرى الألفية (ص 72 - 73)، وقد ذكر أمثلة لذلك من نصوص الفارابى بالهامش.
([123])أ/د حسن حنفى، الفارابى شارح أرسطو، بحث منشور ضمن الكتاب التذكارى - أبو نصر الفارابى فى الذكرى الألفية (ص 73 - 79) باختصار واسع، وقد ذكر أمثلة لذلك من نصوص الفارابى بالهامش.
([124]) الفارابى، إحصاء العلوم، (ص 57).
([125]) انظر مثلا: الفارابى، إحصاء العلوم، (ص 67-69) بخصوص القانون الكلى لعلم المنطق، و (ص 93 - 98) بخصوص علم التعاليم، (ص 111 وما بعدها) بخصوص العلم الطبيعى والعلم الإلهى.
([126]) الفارابى، إحصاء العلوم، (ص 111 - 120) باختصار وتصرف.
([127]) وانظر كنموذج آخر: منهج التصنيف الكلامى عند الفارابى، وقد عرضنا له فى مناهج علم الكلام، انظر هنا: (ص 343).
([128]) د/ إبراهيم عاتى، الإنسان فى الفلسفة الإسلامية – نموذج الفارابى، (ص 49 - 50) باختصار.
([129]) الفارابى، فصوص الحكم، مع شرح الشنب غازانى (فص رقم 17،ص 89 - 93)، وللتوسع حول المنهج الجدلى عند الفارابى، راجع: د/ إبراهيم عاتى، الإنسان فى الفلسفة الإسلامية – نموذج الفارابى، (ص 51 – 54).
([130]) أ/د على عبد الواحد وافى، المدينة الفاضلة للفارابى، (ص 17).
([131]) الفارابى، كتاب الجمع بين رأيى الحكيمين، (ص 84 - 85).
([132]) الفارابى، كتاب الجمع بين رأيى الحكيمين، (ص 105 ).
([133]) الفارابى، كتاب الجمع بين رأيى الحكيمين، (ص 109).
([134]) للوقوف على بعض التفاصيل والمقارنات بخصوص ذلك انظر مثلا: أ/د محسن مهدى، مقدمة تحقيق كتاب الملة، (ص 11 – 12، 30). وقد عقد أ/د سحبان خليفات مقابلة كاملة لما فى كتاب التنبيه على سبيل السعادة بما فى مؤلفات الفارابى الأخرى، وذلك فى مقدمة تحقيقه لكتاب التنبيه (ص 14 – 29). وراجع د/ على بوملحم فى مقدمة نشرته لكتاب السياسة المدنية حيث عقد مقارنة مختصرة بين هذا الكتاب وكتاب آراء أهل المدينة الفاضلة (ص 5 – 20).
([135]) الفارابى، النكت فيما يصح من أحكام النجوم، ضمن الرسائل، (ص 148).
([136]) الفارابى، النكت فيما يصح من أحكام النجوم، ضمن الرسائل، (ص 149).
([137]) وبناء عليه - إن صح ما ذكرناه بخصوص تحليل هذه الرسالة – فلا نتفق فى الرأى مع الدكتور جعفر آل ياسين باعتبار هذه الرسالة من أعمال الفارابى المبكرة (ص 18 من مقدمة تحقيقه لها)، لأن العمق والخبرة اللتان تتمتع بهما الرسالة لا يأتيان عادة إلا فى مرحلة النضج الفكرى والفلسفى، وهى مرحلة تأتى متأخرة لا مبكرة.
([138]) السيد إسماعيل الحسينى الشنب غازانى، شرح فصوص الحكمة، ط طهران (ص 35- 36).
https://sites.google.com/site/esamanas/home

hano.jimi
2011-09-16, 14:44
الى halhm



ج التصنيف الفلسفى عند الفارابى
3- منهج التصنيف الفلسفى عند الفارابى (ت 339 هـ) ([1]):

أ- أصالة فلسفة الفارابى
ب- السعادة والجميل والنافع والفضيلة كمدخل لفلسفة الفارابى
ج- نظرية المعرفة عند الفارابى
د- تصنيف العلوم عند الفارابى
هـ- التوفيق بين الفلسفة والدين عند الفارابى
و- النـزعة الصوفية عند الفارابى
ز- نظرة عامة على منهج التصنيف الفلسفى عند الفارابى
ح- ملاحظات حول منهج التصنيف الفلسفى عند الفارابى

يعتبر كثير من المؤرخين للفكر الفلسفى الإسلامى أن الفارابى هو المؤسس الحقيقى للدراسات الفلسفية فى العالم العربى، والمنشىء الأول لما نسميه الآن ((الفلسفة الإسلامية))، فقد شيد بنيانها، ووضع الأساس لجميع فروعها، ولا نكاد نجد فكرة عند من جاءوا بعده من فلاسفة الإسلام إلا لها أصل لديه، وهو أعرف فلاسفة الإسلام بتاريخ الفلسفة ونظريات الفلاسفة، ويتحدث فى مؤلفاته حديث الخبير عن المدارس اليونانية ويبين الفوارق بينها([2]).
إن أولى خطوات الفارابى (259 هـ - 339 هـ) – والذى يعتبر عند بعض الدارسين فيلسوف المسلمين بالحقيقة([3])، وأول مفكر مسلم بكل ما فى الكلمة من معنى([4]) - فى التفلسف أنه قد آمن إيمانا مطلقا بوحدة الفلسفة فى ذاتها، وما كان أمام الفارابى وقد داخل روعه أن الفلسفة معصومة من الخطأ إلا أن يعمد إلى فكرة وحدة الفلسفة فيدافع عنها دفاعا يمكنه من الانتقال من فكرة وحدة الفلسفة إلى فكرة التوفيق بين الشريعة والحكمة (بناء على وحدة الحق)، فبدأ أولا بإزالة ما قد يتوهم من خلاف داخل النطاق الفلسفى، حتى إذا ما أصبحنا أمام حقيقة فلسفية واحدة انتقل ثانيا إلى التوفيق بين الدين والفلسفة باعتبارهما مظهرين لحقيقة واحدة([5]).
يقول ابن سبعين([6]) فى الفارابى: وهذا الرجل أفهم فلاسفة الإسلام وأذكرهم للعلوم القديمة، وهو الفيلسوف فيها لا غير، وهو مدرك محقق.
إلا أنه يمكن وصف فلسفة الفارابى بأنها فلسفة تلفيقية حاول فيها – على ما سبق الحديث عنه - الجمع بأى صورة بين رأى الحكيمين، ولقد كان لذلك الخلط العجيب والشنيع فى تاريخ الفكر الفلسفى بين آراء الفلاسفة والذى حدث فى مدرسة الإسكندرية الفلسفية أثره الخطير والسيىء على مصير الفلسفة الإسلامية([7]).
وإذا كان الشائع عن فلسفة الفارابى أنها فلسفة مثالية، فالحقيقة أن الفلسفة كلها مثالية، لأنها محاولة لتغيير الواقع فى الآراء والسلوك، فى المعتقدات وفى الأخلاق، فهى تصوير لفكرة الفيلسوف عن المثل الأعلى للفرد وللإنسانية، فكل فلسفة إذن هى مثالية بهذا الاعتبار، فالمذهب الذى يرسمه الفيلسوف إنما هو مذهب يؤمن بأن من الممكن تحقيقه، وفى هذا الإطار يمكننا فهم فلسفة الفارابى وخاصة فى مدينته الفاضلة([8]).
ويرى بعض الباحثين أنه لا يفهم الفارابى إلا من خلال معرفتنا لنظرية الفيض، فالفلسفة الفيضية هى أساس كل تفكير فارابى، فالمعرفة الإنسانية عنده مرتبطة مباشرة بنظام الوجود العام، وهى مرتبطة أيضا بتسلسل الموجودات عن الأول، فكما أن الوجود بدأ بالوحدة وينتهى إلى الكثرة، كذلك تبدأ المعرفة الإنسانية النظرية وفى حركة معاكسة لحركة الفيض من الكثرة إلى الوحدة، لأن المعرفة رجوع من أدنى إلى أعلى، رجوع من الكثرة إلى الوحدة، فدرجات الإدراك عند الفارابى ليست فى الواقع سوى مراحل هذا الصعود من المحسوس إلى غير المحسوس أى من الكثرة إلى الوحدة ([9]).
أ- أصالة فلسفة الفارابى: تطرقنا إلى الفارابى بصفة عامة عند تناولنا قضية أصالة الفلسفة الإسلامية([10])، ونميل إلى الجانب الذى يرى تمتع الفارابى بالقدر الكافى من النظر والحرية والتفلسف الذى يمنحه الحكم بالأصالة الفلسفية، وأنه - على ما تؤكد أ/د فوقية حسين - لم يكن أرسططاليسيا، أو أفلوطينيا وإنما صدر فيما قدمه من كتابات فلسفية عن أصول إسلامية وطيدة، استقاها من واقع احتكاكه بمفاهيم الكتاب الكريم والسنة النبوية الشريفة([11])، ولهذا نتفق مع أ/د حسن حنفى على ضرورة إرجاع الفارابى إلى حضارته الإسلامية بعد أن أخرجه الباحثون منها وعلى رأسهم المستشرقون، وجعلوه شارحا لأرسطو، وهو فى حقيقة الأمر حكم بين الشراح وبين أرسطو، وهو أيضا حكيم مثل أرسطو يعيد النظر ويكشف عن الحقائق، سواء اتفق مع أرسطو أم اختلف، مكملا ما نقص، ومستبعدا ما زاد، ومحولا أقواله إلى نظرية خالصة فى العقل، وهو بحث اجتهادى قد يخطئ ويصيب([12]).
ومن جهة أخرى فإننا إذا استقرأنا مؤلفات الفارابى لوجدنا أن التأليف يعادل الشرح من حيث الكم، فإذا كان للفارابى حوالى مائة مؤلف أو أكثر بقليل، فإن التأليف يوازى نصفها تقريبا، وهذا يدل على أن الفارابى كان مؤلفا كما كان شارحا، وأن لقب المعلم الثانى لا يعنى فقط شارح أرسطو، بل يعنى أيضا أنه مؤلف مثل أرسطو([13]).
على أن الفارابى موقفا نقديا واضحا عند تعرضه بالشرح لأرسطو، فيطلع أولا على شروح السابقين عليه، ويقارن بين ما يقوله أرسطو وبين ما يقولونه، ويوازن بينهما، ويكشف أخطاء الشراح ويبين أسبابها، ويعيب عليهم أن لم يغوصوا فى أعماق الذهن الأرسطى، وكما يوجه نقده إلى الشراح يوجه نقده إلى أرسطو نفسه، ومن ذلك قوله: ((والمفسرون أيضا لم يذكروها، كذلك لم يضع أرسطوطاليس المقدمات المتضادة هاهنا، ولا ذكر مناسباتها، ولا ذكر المفسرون السبب فى تركه أيها))، ويقول أيضا: ((قصدنا فى هذا القول إثبات أقاويل وذكر معان يقضى بها بمن عرفها إلى الوقوف على ما أثبته الحكيم فى صناعة الشعر، من غير أن تقصد إلى استيفاء جميع ما يحتاج إليه فى هذه الصناعة، وترتيبها إذا الحكيم لم يكمل القول فى صناعة المغالطة فضلا عن القول فى صناعة الشعراء))، فما يفعله الفارابى مع الشراح فإنه يفعله مع أرسطو نفسه، فقد كان الفارابى باحثا عن الحق مثل أرسطو، ومقارنا آراء أرسطو بما يبدو له أنه الحق، فنجده خلال الشروح ينتقد أرسطو ويصحح أخطاءه، فهو شرح وتقويم، عرض ونقد، نقل وحكم، إكمال للنقص([14]).
لقد قدم الفارابى شروحه من خلال نسق كلى شامل هو المذهب الأرسطى، وهذا أقرب إلى إعادة البناء منه إلى الشرح، والبناء هو دخول المنطق والطبيعيات والإلهيات فى نسق فلسفى واحد هو نسق الفارابى، ويحاول إخضاع مؤلفات أرسطوطاليس نفسه إلى نسق عقلى واحد، وذلك أن أرسطو ترك مؤلفاته بلا نظام أو ترتيب، وهو ما حاول تلاميذه وشراحه من بعد تلافيه، ونبه عليه الفارابى فى رسالته فيما ينبغى تقديمه قبل تعلم الفلسفة، واضعا نسقا عقليا آخر للأشياء التى يحتاج إليه فى تعلم كتب أرسطو([15]).
ومما يؤكد أصالته - على سبيل المثال – أن أكثر مؤلفاته عمقا ودراسة للغة وفقهها، وهو كتاب الحروف يعد أيضا من أكبر مصنَّفاته فى الفكر العربى عامة، والفلسفة الإسلامية وفقه اللغة العربية خاصة، ورغم أن الكتاب يعد تفسيرا لكتاب (ما بعد الطبيعة) لأرسطو، إلا أن بين الكتابين فروقا ظاهرة، ترجع إلى استفادة الفارابى من علوم العربية، فلم يتكئ على الألفاظ والمعانى التى جاء بها أرسطو فى ما بعد الطبيعة، بل اعتمد على الشواهد العربية، وأهمل أبوابا من كتاب أرسطو لم يتناولها بالشرح([16]).
والفارابى حين يهتم بأرسطو لا يهتم به من الناحية الشخصية بل باعتباره واضع العلوم، فيسميه صاحب المنطق، فهدف الفارابى هو العلم وليس العالم، الموضوع وليس الشخص، وسواء كان العالم والشخص أرسطو أم غيره، فإن ما يهم الفارابى هو علم المنطق، وهو علم مستقل عن واضعه وقائم بذاته، ويتعامل الفارابى مع الفلسفة اليونانية كلها على هذا النحو اللاشخصى فيتحدث عن أصحاب العلم الطبيعى، وأصحاب التعليم، وأصحاب العدد... إلخ([17]).
لقد بلغ الفارابى بالفكر العربى فى كتابه الحروف أَوُجَّه فى تفهم أمور العلم واللغة، وضرورة التعبير الصحيح عما ينظر الإنسان فيه ويعقله، فلا يستغنى عنه قراءته من يشتغل فى تأريخ الفلسفة واللغة، ويجب أن يمعن النظر فيه من يقصد فهم الصلة بين نمو العلوم واللغة التى يعبر بها عن العلوم والمجتمع الذى تنمو فيه([18]).
ونعتقد أن اطلاع الفارابى الواسع على لغته العربية وفقهه بها هو أحد وجوه الأصالة التى تمتع بها، والذى انعكس على فكره الفلسفى والمنطقى، ((ولقد ظهر أثر إتقانه وولعه باللغة العربية فى مصنَّفاته المنطقية والفلسفية، ككتاب الألفاظ المستعملة فى المنطق، وكتاب القياس الصغير، وكتاب المدخل، وكتاب التنبيه على سبيل السعادة، ففى معظم هذه المؤلفات وغيرها عرض الفارابى لمباحث منطقية وفلسفية يبدو فيها أثر العلم اللغوى فى صناعة الفكر والفلسفة... إن التحليل الفارابى للغة لفت الانتباه إلى العلاقة التى لا تنفصل بين أبعاد ثلاثة: اللفظة كوعاء نظرى، والمعنى الذى تثيره هذه اللفظة فى الذهن، والجانب الدلالى للفظة فى العالم الخارجى)) ([19]).
على أن فقه اللغة عند الفارابى يتسع إلى غير اللغة العربية، فهو لا يحلل العربية وحدها بل يضم إليها الفارسية واليونانية وغيرها، مما يؤكد على أن الرأى الشائع بأن المسلمين شراح اليونان رأى مبتسر، لأن المسلمين تمثلوا الحضارات المجاورة كلها يونانية أو فارسية أو هندية أو رومية، والفارابى يتجاوز اللغات ويتحدث عن علم اللغة العام كبناء وراء اللغات المتعددة، ويسميه علم اللسان([20])، وهذا التجاوز لحضارة اليونان يدل على البعد الحضارى العام للفكر الإسلامى، وأن الحضارة الإسلامية لم تكن متلهفة على التراث اليونانى بل كانت متفتحة على تراث الحضارات كلها، بصرف النظر عن مصدره، فما يهم هو الفكر لا المصدر، فى حين أن حكم الاستشراق يقوم على إعطاء الأولوية للمصدر على الفكر بسبب العنصرية الحضارية الدفينة فى أعماق الوعى الأوربى([21]).
لقد كان الفارابى هو الأبعد أثرا فى تطور الفكر الفلسفى عند المسلمين، ونكاد أن نمسك فى مذهبه بمفاتيح أغلب المشكلات الحقيقية التى عالجها الفلاسفة المسلمون من بعده، سواء فى الطبيعة أو ما بعد الطبيعة أو الأخلاق وغيرها([22]).
ورغم ما تقدم فإنه فى الحقيقة يمثل وجهة نظر الباحثين والدارسين لفلسفة الفارابى، ولا يمثل وجهة نظر الفارابى نفسه، أما هو نفسه فيرى أن الفلسفة تدوولت وتطورت إلى أن استقرت على ما هى عليه أيام أرسطو تناهى النظر العلمى إلى ذلك، بحيث لا يمكن المزيد عليها ولا المراجعة، وإنما فقط صناعة تعلم وتعليم، وهكذا حصر الفارابى دوره الفلسفى – بل ودور غيره أيضا – فى التعلم والتعليم، واستيعاب ما وضعه أرسطو، يقول الفارابى بعد أن استعرض تطور الأساليب الفلسفية من الطرق الخطبية والإقناعية إلى السوفسطائية إلى الجدلية: ((... فلا تزال تستعمل إلى أن تكمل المخاطبات الجدلية، فتبين بالطرق الجدلية أنها ليست هى كافية بعد فى أن يحصل اليقين، فيحدث حينئذ الفحص عن طرق التعليم والعلم اليقين، وفى خلال ذلك يكون الناس قد وقعوا على الطرق التعاليمية وتكاد تكتمل أو تكون قد قاربت الكمال، فيلوح لهم مع ذلك الفرق بين الطرق الجدلية وبين الطرق اليقينية... ثم يتداول ذلك إلى أن يستقر الأمر على ما استقر عليه أيام أرسطوطاليس، فيتناهى النظر العلمى، وتميز الطرق كلها، وتكمل الفلسفة النظرية والعامية الكلية، ولا يبقى فيها موضع فحص، فتصير صناعة تُتعلَّم وتُعَلَّم فقط، ويكون تعليمها تعليما خاصا، وتعليما مشتركا للجميع، فالتعليم الخاص هو بالطرق البرهانية فقط، والمشترك الذى هو العام فهو بالطرق الجدلية أو بالخطيبة أو بالشعرية، غير أن الخطبية والشعرية هما أحرى أن تستعملا فى تعليم الجمهور ما قد استقر الرأى فيه ويصح بالبرهان من الأشياء النظرية والعملية)) ([23]).
إذن فالفارابى يرى أن الفلسفة قد بلغت كمالها، ولم يعد موضع فحص فيها، وأنه لم يبق إلا استيعابها تعلما وتعليما على الوجه الصحيح، ومن الظاهر أن هذه الغاية هى بالفعل التى تحكم اتجاهات الفارابى الفلسفية، وهى التى وجهته فى عامة مصنَّفاته، وأدت به إلى ما أدت به من أنظار نقدية أثناء محاولته للفهم الصحيح للفلسفة بالتعلم، وتوصيلها على الوجه الصحيح بالتعليم، من ثم أتى نقده لشراح أرسطو فيما أخطأوا فيه فى الفهم، وأتى تعديله لبعض المباحث والأمثلة الشارحة بما يليق باللغة العربية. وأيضا فى هذا الإطار الواحد الذى وضع فيه الفلسفة تأتى محاولته للجمع بين رأيى الحكيمين.
إن تأمل عامة مصنَّفات الفارابى يصل بنا إلى تأكيد هذا التصور، حيث يأتى كثير منها كمداخل للفهم، وكيفية ترتيب علوم الفلسفة، ومن أين يبدأ بتعلمها، ووضع تصور عام للفلسفة تعلما وتعليما وتأثيرا فى المجتمع ككل جمهوره وخاصته، بحيث تؤتى الفلسفة ثمرتها بحصول السعادة للجميع.
يتراءى من خلال ذلك أن الفارابى بدا كأصيل رغم أنفه، وأنه بالفعل تجاوز دورَه الذى وضعه لنفسه محجما لقدرته على التفلسف.
وبالإضافة إلى ما تقدم من وجوه لأصالة الفارابى، فقد قدم بالفعل من المفاهيم الفلسفية الجديدة ما هو جدير بالحكم بأصالته، مثل مفهوم (واجب الوجود النسبى) الذى - من حيث هو - يدخل فى مقولة الممكن، وهو الذى سيسميه فلاسفة الإسلام بعد ذلك بواجب الوجود بالغير([24]).
ب- السعادة والجميل والنافع والفضيلة كمدخل لفلسفة الفارابى: ما دامت السعادة – فى فلسفة الفارابى - هى الغاية القصوى التى نسعى إلى تحقيقها فلا بد أن نبحث فى السبل والأمور التى بها يمكن الوصول إليها، ويمكن إجمال ذلك بأن الحصول على السعادة إنما يكون بفعل الجميل خلقيا، يقول الفارابى: ((أما أن السعادة هى غاية ما يتشوقها كل إنسان، وأن كل من ينحو بسعيه نحوها فإنما ينحوها على أنها كمال ما؛ فذلك مما لا يحتاج فى بيانه إلى قول إذ كان فى غاية الشهرة... ولما كنا نرى أن السعادة إذا حصلت لنا لم نحتج بعدها أصلا إلى أن نسعى بها لغاية ما أخرى غيرها ظهر بذلك أن السعادة تؤثر لأجل ذاتها، ولا تؤثر فى وقت من الأوقات لأجل غيرها، فتبين من ذلك أن السعادة هى آثر الخيرات وأعظمها وأكملها... وكل واحد يعتقد فى الذى يراه (كالثروة والتمتع باللذات والرياسة) سعادة على الإطلاق أنه هو الآثر والأعظم... لكن إنما تنال به (بفعل الجميل) السعادة متى اختاره الإنسان على أنه جميل فقط ولأجل ذاته، لا أن يقصد به نيل ثروة أو نيل رياسة، ولا لشىء مما أشبه ذلك، فهذه التى قيلت هى الشرائط التى إذا كانت فى الأفعال الجميلة نيلت بها السعادة لا محالة، وهى: أن يفعل طوعا وباختيار، وأن يكون اختيارنا لها لأجل ذواتها، وأن يكون ذلك فى كل ما نفعله، وفى زمان حياتنا بأسره... والمقصود الإنسانى: اللذيذ والنافع والجميل،... فقد حصل أن مقصود الصنائع كلها إما جميل وإما نافع، فإذن الصنائع صنفان: صنف مقصوده تحصيل الجميل، وصنف مقصوده تحصيل النافع، فالصناعة التى مقصودها تحصيل الجميل فقط هى التى تسمى الفلسفة، وتسمى الحكمة الإنسانية على الإطلاق والصناعات التى يقصد بها النافع فليس منها شىء يسمى حكمة على الإطلاق، ولكن ربما سمى بعضها بهذا الاسم على طريق التشبيه بالفلسفة … ولما كان الجميل صنفين: صنف هو علم فقط، وصنف هو علم وعمل، صارت صناعة الفلسفة صنفين: صنفًا به تحصل معرفة الموجودات التى ليس للإنسان فعلها، وهذه تسمى الفلسفة النظرية، والثانى به تحصل معرفة الأشياء التى شأنها أن تفعل، والقوة على فعل الجميل منها، وهذه تسمى الفلسفة العملية والفلسفة المدنية. والفلسفة النظرية تشتمل على ثلاثة أصناف من العلوم: أحدها: علم التعاليم، والثانى: العلم الطبائع، والثالث: علم ما بعد الطبيعيات، وكل واحد من هذه العلوم الثلاثة يشتمل على صنف من الموجودات التى شأنها أن تعلم فقط، فيكون ما شأنه أن يعلم فقط من الموجودات ثلاثة أصناف....
والفلسفة المدنية صنفان: أحدهما يحصل به علم الأفعال الجميلة، والأخلاق التى تصدر عنها الأفعال الجميلة، والقدرة على اقتنائها، وبه تصير الأشياء الجميلة قنية لنا، وهذه تسمى الصناعة الخلقية. والثانى يشتمل على معرفة الأمور التى بها تحصل الأشياء الجميلة لأهل المدن والقدرة على تحصيلها لهم وحفظها عليهم وهذه تسمى الفلسفة السياسية وعلم السياسة؛ فهذه جمل أجزاء صناعة الفلسفة، ولما كانت السعادة إنما ننالها متى كانت لنا الأشياء الجميلة قنية، وكانت الأشياء الجميلة إنما تصير لنا قنية بصناعة الفلسفة فلازم ضرورة أن تكون الفلسفة هى التى تُنال بها السعادة... فقد تبين بهذا القول كيف السبيل إلى السعادة، وكيف السلوك فى سبيلها، ومراتب ما ينبغى أن نسلك عليه، وأيما منها أول مراتبها، وأن أول مراتبها تحصيل صناعة المنطق...))([25]).
فالفارابى ينطلق هنا من الجمال الذى هو سبب السعادة كأساس للفلسفة، وليس الوجود كما فى كلامه فى الجمع بين رأيى الحكيمين، وإن كان العلم بأصناف الموجودات الثلاثة على حسب تقسيم الفارابى لها هو أحد ثمرات هذه التصنيف.
ومذهب الفارابى فى السعادة والجميل منسجم تمام الانسجام مع مذهبه فى الحقيقة، فليست الفلسفة عنده ولا التصنيف فيها من أجل الوصول إلى معرفة الحقيقة كما هى عند بعض الفلاسفة، بل من أجل معرفة الجميل ومعرفة كيفية تحصيله وصولا إلى السعادة، أما ((الوقوف على حقائق الأشياء فليس فى قدرة البشر، ونحن لا نعرف من الأشياء إلا الخواص واللوازم والأعراض ولا نعرف الفصول المقومة لكل منها الدالة على حقيقته، بل إنها أشياء لها خواص وأعراض، فإنا لا نعرف حقيقة الأول، ولا العقل، ولا النفس، ولا الفلك، والنار والهواء والماء والأرض (اقرأ: ولا النار ولا... إلخ) ولا نعرف حقائق الأعراض... ولذلك يقع الخلاف فى ماهيات الأشياء، لأن كل واحد أدرك لازما غير ما أدركه الآخر فحكم بمقتضى ذلك اللازم...)) ([26])، ويؤكد على ذلك فى موضع آخر بقوله: ((الإنسان لا يعرف حقيقة الشىء البتة، لأن مبدأ معرفته الأشياء هو الحس، ثم يميز بالعقل بين المتشابهات والمتبائنات، ويعرف حينئذ بالعقل بعض لوازمه وذاتياته وخواصه...))([27]).
كما نرى أن هذا لا ينافى أن الحكمة على الإطلاق عنده ((معرفة الوجود الحق، والوجود الحق هو واجب الوجود بذاته))، لأنه لا يتصف بذلك عند إلا واجب الوجود نفسه، إذ يقول بعد ذلك مباشرة: ((والحكيم هو من عنده علم الواجب بذاته بالكمال، وهو ما سوى الواجب لذاته ففى وجوده نقصان عن درجة الأول بحسبه، فإذن يكون ناقص الإدراك، فلا حكيم إلا الأول لأنه كامل المعرفة بذاته)) ([28])، فليس من الصواب قطع تعريف الحكمة على الإطلاق السابق عن بقية السياق، والتى يظهر منه أنه لا حكيم بالحقيقة إلا الله عز وجل، وأنه إنما أراد تعريف الحكمة على الإطلاق، وليس تعريف الحكمة الإنسانية – كما تقدم فى عبارته – والتى هى بمعنى اللقب على العلم المخصوص والمرادف للفلسفة، والتى هى تحصيل الجميل.
كما نرى أن ذلك متسق مع مذهبه فى الخير والشر، فــ ((الخير ما تشوقه كل شىء فى حده ويتم وجوده أى رتبته وحقيقته من الوجود، كالإنسان والفلك مثلا فإن كل واحد منهما إنما يتشوق من الخير ما ينبغى له وما ينتهى إليه حده، ثم سائر الأشياء على ذلك)) ([29])، إذ الجميل عنده كما تقدم ((معرفة الموجودات التى ليس للإنسان فعلها (= الفلسفة النظرية) أو معرفة الأشياء التى شأنها أن تفعل (= الفلسفة العملية)...))، أو الجميل ((هو الشىء الذى يستحسنه العقلاء)) ([30])، إذ الجميل - على أى تعريف منهما – المعرفة أو المستحْسَن هو نوع من الكمال، وسعى نحوه، ويتشوق به الإنسان إلى الوصول إلى حده.
وكما يفرق الفارابى بين الحكمة بإطلاق، والحكمة الإنسانية، يفرق بين الخير بإطلاق أو بالحقيقة، والخير الإنسانى الذى تقدم ذكره، أما ((الخير بالحقيقة فهو كمال الوجود، وهو واجب الوجود، والشر عدم ذلك الكمال)) ([31]).
ويحصل من هذا أن مفاهيم السعادة والنافع والجميل والحكمة والخير تتكامل مع بعضها البعض فى فلسفة الفارابى مكونة غاياتها العليا التى تتغياها، ومن ثم يصير غاية منهج التصنيف الفلسفى عند الفارابى هو الوصول إليها أيضا.
ولا يتناقض هذا أيضا – فى تصورنا – مع الطرح الآخر الذى يقدمه الفارابى فى كتابه تحصيل السعادة حيث يستبدل الفضائل بالجميل، فالجميل نوع من الفضائل، والفضائل أمر جميل، يقول الفارابى: ((الأشياء الإنسانية التى إذا حصلت فى الأمم وفى أهل المدن، حصلت لهم بها السعادة الدنيا فى الحياة الأولى، والسعادة القصوى فى الحياة الأخرى: أربعة أجناس: الفضائل النظرية، والفضائل الفكرية، والفضائل الخلقية، والصناعات العملية))([32])، ثم أخذ فى بيان ذلك فى الكتاب كله، مما سنعرض له بصورة أكثر تفصيلا عند عرض ملاحظاتنا حول منهجه فى التصنيف الفلسفى فيما سيأتى([33]) حيث قدم فى هذا الكتاب أول محاولة صريحة وقفنا عليها لمنهج التصنيف الفلسفى.
ج- نظرية المعرفة عند الفارابى: اهتم الفارابى بمشكلة المنهج وإحصاء العلوم والمنطق، وغيرها مما يدخل أو يمهد لنظرية المعرفة، ولنظرية النفس دورا أساسيا فى نظرية المعرفة لأن كل فيلسوف يتأسس مذهبه فى المعرفة بناء على مذهبه فى النفس تأسيسا ذاتيا، وتنقسم المعرفة عند الفارابى إلى ثلاثة أقسام: المعرفة الحسية، والمعرفة العقلية، والمعرفة الذوقية أو الإشراقية([34]).
وقد سبق تناول علاقة نظرية المعرفة بمنهج التصنيف وأثرها فيه، وبخصوص نظرية المعرفة الفارابية، فالتقسيم السابق لا يعنى أن هناك انفصالا بينها، بل هى متصلة ومتكاملة، وكل قسم منها يشكل درجة من درجات الارتقاء فى سلم المعرفة، ((فالإدراك إنما هو للنفس، وليس للحاسة إلا الإحساس بالشىء، وليس للمحسوس إلا الانفعال، فالنفس تدرك الصور المحسوسة بالحواس، وتدرك الصور المعقولة بتوسط صورها المحسوسة، إذ تستفيد معقولية تلك الصور من محسوسيتها... وإلا لم يكن معقولا لها وذلك لنقصان نفسه فيه، واحتياجه فى إدراك الصور المعقولة إلى توسط الصور المحسوسة، بخلاف المجردات فإنها تدرك الصور المعقولة من أسبابها وعللها التى لا تتغير، وحصول المعارف للإنسان يكون من جهة الحواس، وإدراكه للكليات من جهة إحساسه بالجزئيات، ونفسه عالمة بالقوة، فالطفل نفسه مستعدة لأن تحصل لها الأوائل والمبادئ، وهى تحصل له من غير استعانة عليها بالحواس، بل تحصل له من غير قصد من حيث لا يشعر به... والحواس هى الطرق التى تستفيد منها النفس الإنسانية المعارف، والنفس ما دامت ملابسة للهيولى لا تعرف مجرداتها ولا شيئا من صفاتها التى تكون لها وهى مجردة، ولا شيئا من أحوالها عند التجرد لأنها لا يمكنها الرجوع إلى خاص ذاتها)) ([35])، إذن فاتجاه المعرفة الإنسانية عند الفارابى اتجاه صاعد يبدأ من الكون وإدراكه بالحواس، وهذا الإدراك الحسى يعتبر مقدمة ضرورية للمعرفة العقلية التى لا يمكن لها أن تصل إلى الكليات إلا من خلال إدراك الحواس للجزئيات.
والوجه الآخر من نظرية المعرفة الفارابية، هى حركة نازلة تبدأ من النفس المشرقة التى يفاض عليها بالمعرفة الكلية، التى يدركها العقل، ويبدأ من خلال إدراكه للواقع عن طريق الحس تنـزيل هذه المعرفة الكلية على جزئياتها.
إن هذا الترتيب لحصول المعرفة لا بد أن يراعيه الفارابى عند ترتيب المعارف، التى يريد أن ينظمها من خلال منهجه فى التصنيف الفلسفى، والذى قد يسير فى أحد اتجاهين إما حركة صاعدة من الوجود إلى العقل إلى النفس، أو بالعكس فى حركة نازلة من النفس إلى العقل إلى الحس، وسنرى عند عرض ملاحظاتنا حول منهج التصنيف الفلسفى عند الفارابى أنه قد استعمل حركتى النـزول والصعود جميعا فى منهجه التصنيفى الفلسفى.
د- تصنيف العلوم عند الفارابى: للفارابى – على ما يذكر ابن صاعد - كتاب شريف فى إحصاء العلوم، والتعريف بأغراضها لم يسبق إليه، ولا يستغنى طلاب العلوم كلها عن الاهتداء به، وتقديم النظر فيه([36]). وقد كان هذا الكتاب معروفا عند علماء الغرب فى القرون الوسطى، وترجم غير مرة إلى اللاتينية، كما كان معروفا أيضا فى المدارس اليهودية([37]).
وقد قام الفارابى بمحاولته فى تصنيف العلوم وإحصائها انطلاقا من إدراكه لأهمية هذا التصنيف وصلته بالمنهج العلمى([38])، ورغم أنها المحاولة الأولى عند المسلمين فإن بعض كبار الباحثين يرى أنها ترقى إلى أن تكون نظرية فى تصنيف العلوم، وذلك لأنها تحتوى على الجانبين النظرى والتطبيقى معا، فالجانب النظرى قدمه الفارابى فى رسالته (التنبيه على سبيل السعادة)، والجانب التطبيقى يتمثل فى كتابه الشهير (إحصاء العلوم)([39]).
أما الجانب النظرى الذى تناوله فى كتابه التنبيه على سبيل السعادة، وراعاه فى كتاب الإحصاء والذى جاء على سبيل التطبيق العملى لنظريته العامة فى تقسيم العلوم والذى يتمثل فى تقسيمها إلى قسمين كبيرين([40]):
أ- قسم تحصل به معرفة الموجودات التى ليس للإنسان فعلها، وهو العلوم النظرية.
ب- وقسم تحصل به معرفة الأشياء التى شأنها أن تفعل، والقوة على فعل الجميل منها، وهو العلوم العملية والفلسفة المدنية([41]).
وقد شرح الشنب غازانى (ت 919 هـ) قوله (التى شأنها أن تفعل): ((بأنها الموجودات التى لقدرتنا واختيارنا تأثير فى وجودها))([42]). والموقف الفلسفى الفارابى هنا يبدأ فى تصنيف العلوم من موقف مركب ليس من الوجود وحده، بل من الوجود حال كونه مقدورا لنا، أو غير مقدور، فبحث الموجودات المقدورة لنا ينتظمها علوم خاصة بها، والموجودات غير المقدورة تبحثها علوم أخرى خاصة بها.
أما عن الجانب التطبيقى فيقول الفارابى: ((قصدنا فى هذا الكتاب (إحصاء العلوم) أن نحصى العلوم المشهورة علما علما، ونعرف جمل ما يشتمل عليه كل واحد منها، وأجزاء كل ما له أجزاء، وجمل ما فى كل واحد من أجزائه... وينتفع بما فى هذا الكتاب لأن الإنسان إذا أراد أن يتعلم علما من هذه العلوم وينظر فيه، علم على ماذا يقدم، وفيماذا ينظر، وأى شىء سيفيد بنظره، وما غناء ذلك، وأى فضيلة تنال به، ليكون إقدامه على ما يقدم عليه من العلوم على معرفة وبصيرة لا على عمى وغرر، وبهذا الكتاب يقدر الإنسان على أن يقايس بين العلوم، فيعلم أيها أفضل، وأيها أنفع، وأيها أتقن وأوثق وأقوى، وأيها أوهن وأوهى وأضعف، وينتفع به أيضا فى تكشيف من ادعى البصر بعلم من هذه العلوم ولم يكن كذلك... فلم يضطلع به (يعنى بمعرفة إحصاء العلوم) تَبَيَّنَ كذبُ دعواه وتَكَشَّف تمويهُه، وبه يتبين أيضا فيمن يحسن علما منها هل يحسن جميعه أو بعض أجزائه... وينتفع به المتأدب المتفنن الذى قصده أن يشدو جمل ما فى كل علم)) ([43]).
فالقصد المنهجى من وراء عمله (إحصاء العلوم) واضح للغاية، ويمكننا أن نضيف إلى ما قصده من فوائد منهجية تترتب على معرفة إحصاء العلوم: الثمرة المرجوة من ذلك فى مجال منهج التصنيف، حيث يساعد معرفة تصنيف العلوم – بحسب نظرية الفارابى بمعرفة علم علم، وما لكل علم من أجزاء، وجملة كل جزء – على تبلور منهج التصنيف فى أى علم منها، بمعرفة موضع العلم المراد من خريطة العلوم، ومعرفة خريطة الفارابى المقترحة لأجزاء هذا العلم، وجملة كل جزء، بما يمكن معه من تعديله بالإضافة والحذف، بحيث يأتى العمل شاملا ومحيطا بأجزاء العلم وجملتها.
وقد كان لتصنيف الفارابى للعلوم وإحصائها([44]) أثره الواسع فيمن بعده كالخوارزمى وابن سينا وأخوان الصفا والأكفانى وابن خلدون وطاش كبرى زاده، بل امتد أثره إلى المؤلفين والمصنِّفين من أهل القرون الوسطى فى العالم الغربى([45]).
ويمكن القول بأن المنهج العلمى عند الفارابى يقوم على أساس نظريته فى تصنيف العلوم، والتى تكمن فيها نظرته الكلية والشاملة للفلسفة كعلم كلى يرسم لنا صورة كاملة للكون فى مجموعه، ويقوم على أسس طبيعية ومعرفية وأخلاقية ودينية ثابتة، وليس مجرد تعداد للعلوم القائمة فى زمانه وإحصائها([46]).
أما العلم الذى ينبغى أن يبدأ به قبل تعلم الفلسفة عند الفارابى، فقد ذكر أن العلم الذى ينبغى أن يبدأ به قبل تعلم الفلسفة موضع خلاف بين الحكماء، فمنهم من يرون أنه علم الهندسة، ومنهم من يقولون علم إصلاح الأخلاق، ومنهم من يرون الابتداء بعلم الطبائع، ومنهم من يذكرون علم المنطق.
يقول الشيخ مصطفى عبد الرازق: وظاهر أن هذه العلوم التى دار عليها القول فى ما ينبغى أن يقدم قبل تعلم الفلسفة لا تكون أقساما من الفلسفة([47]).
ولا يخفى أنه على كل قول يكون سائر العلوم فى الأقوال الأخرى داخلة فى الفلسفة، ويخرج منها العلم الذى يبدأ به قبل تعلم الفلسفة، وهذه الفكرة عند اختبارها ستكون - فيما نظن - شديدة التأثير فى منهج التصنيف فى الفلسفة الإسلامية، فمن المفترض أن الفيلسوف يبنى مذهبه الفلسفى انطلاقا من عدة أمور أحدها ما هو: الذى قبل الفلسفة، وما هو الفلسفة.
لكن يذكر ظهير الدين البيهقى نصا مهما عن الفارابى أن ما ينبغى لمن أراد الشروع فى دراسة الفلسفة هو دراسة القرآن واللغة العربية والشريعة الإسلامية، يقول الفارابى: ((ينبغى لمن أراد الشروع فى علم الحكمة أن يكون شابا، صحيح المزاج متأدبا بآداب الأخيار، قد تعلم القرآن واللغة وعلم الشرع أولا، ويكون صينا عفيفا متحرجا صدوقا، معرضا عن الفسق والفجور والغدر والخيانة، والمكر والحيلة، ويكون فارغ البال عن مصالح معاشه، ويكون مقبلا على أداء الوظائف الشرعية، غير مخل بركن من أركان الشريعة، بل غير مخل بأدب من آداب السنة، ويكون معظما للعلم والعلماء، ولم يكن عنده لشىء قدر إلا العلم وأهله، ولا يتخذ علمه من جملة الحرف والمكاسب)) ([48]).
فهذه جملة من الآداب العامة لطالب الفلسفة يأتى ضمنها: أهمية دراسة القرآن الكريم واللغة العربية وعلم الشرع قبل الدخول فى الفلسفة، وهو ما يؤكد على الوجهة الإسلامية لفلسفة الفارابى، وأنه لا يقدم الفلسفة كبديل للعلوم الإسلامية، كما لا يقدم الأخلاق الفلسفية كبديل للأخلاق الإسلامية.
على أننا نجد الفارابى فى إحصاء العلوم يقسمه إلى خمسة فصول تحتوى على ثمانية علوم حيث يبدأ بعلم اللسان، فعلم المنطق، وعلم التعاليم، والعلم الطبيعى، والعلم الإلهى، والعلم المدنى، وعلم الفقه، وأخيرا علم الكلام، فقد قدم علم اللسان وفروعه وأعقبه بعلم المنطق، لأن علم اللسان عند كل أمة أداة لتصحيح ألفاظها وتقويم عبارتها، فوجب تقديمه على سائر العلوم، ثم إن علم اللسان مما لا يستغنى عنه فى دراسة أوائل صناعة المنطق، لأن موضوعات المنطق هى المعقولات من حيث تدل عليها الألفاظ، والألفاظ من حيث هى دالة على المعقولات([49]).
والفلسفة على الحقيقة هى القسم الإلهى عند الفارابى فى بعض كتبه، وإلى هذا ينحو الفارابى فى التعليقات إلى اعتبار الفلسفة على الحقيقة هى القسم الإلهى فيقول: الحكمة معرفة الوجود الحق، والوجود الحق هو واجب الوجود بذاته، والحكيم هو من عنده علم الواجب بذاته بالكمال، وما سوى الواجب بذاته ففى وجوده نقصان عن درجة الأولى بحسبه فإذن يكون ناقص الإدراك فلا حكيم إلا الأول، لأنه كامل المعرفة بذاته([50]).
هـ- التوفيق بين الفلسفة والدين عند الفارابى: الموقف التوفيقى بين الحكمة والشريعة وثيق الصلة بنظرية المعرفة لدى كل فيلسوف، وينطلق الفارابى([51]) أيضا فى محاولته التوفيقية من أساس الإيمان المطلق بوحدة الحق، وينتج عن هذا وحدة الفلسفة أولا، ثم التوفيق بين الدين والفلسفة على أساس أنهما مظهرين لحقيقة واحدة([52])، ولعل المنهج الكلى الذى يفيد العموم والشمول، وينطلق من رؤية تسقط الكثير من الاختلافات الجزئية فى سبيل رؤية الحقيقة التى تصدق فى كل زمان ومكان هو جوهر التوفيق عند الفارابى([53])، وليؤثر موقفه من هذه القضية تأثيرا مباشرا على التصنيف عنده لينتج لنا تحت تأثيرها أحد كتبه الشهيرة، وهو (الجمع بين رأيى الحكيمين أفلاطون وأرسطو)، وإذا كان هذا الكتاب – وقد اعتنى عامة الباحثين فى فلسفة الفارابى بنقد ما سقط فيه من أخطاء فى فهم مذهب أرسطو أوقعه فيها المترجمون كما سبقت الإشارة لذلك - يصور جهده وعمله العقلى فى الجمع بين الآراء الفلسفية على العموم، فإن كتابه الآخر (فصوص الحكم) يعطى المثل على توفيق الفارابى الخاص به، والذى يتميز عن طريقه عن أى فيلسوف إسلامى آخر، بحيث يبدو أن معنى الفلسفة هو معنى ما جاء فى الإسلام فى إطار فهمه الخاص لنص الإسلام، فالتوفيق عند الفارابى يأتى بمعنى الضم، والشرح بمعنى التأويل، وتأخذ القضية برمتها طابعا بسيطا أن الفلسفة والدين تعبيران عن معنى واحد([54]).
وإن كنا لسنا فى حاجة إلى الإشادة بالإبداع العقلى للفارابى فى هذا الصدد، حيث كانت محاولته المضنية فى سبيل التوفيق من حيث الإبداع الفلسفى أمرا يدعو إلى الإعجاب والتقدير، ولكن يرى بعض الباحثين أنه فى ميزان الحق من حيث هو حق أن هذه المحاولة غير حقيقية ولا صادقة لاعتمادها على آراء مقطوع الآن بنسبتها خطأ لأرسطو وهى فى الحقيقة لأفلوطين، فمحاولته للتوفيق بين الحكيمين غير موفقة، ولا يزال الخلاف قائما بين أفلاطون وأرسطو، ومن ثم لم يزل الخلاف بين الفلسفة والدين، فادعاء الفارابى وحدة الفلسفة لتصبح فى مستوى الحقيقة الواحدة، ولتمكن مقارنتها بالدين بعد ذلك ادعاء غير حقيقى، وقد عاد مجرد دعوى لا دليل عليها، ولو تنـزه الفارابى من نـزعة التقديس إزاء الفكر اليونانى لاستطاع أن يدرك زيف هذه الآراء على أرسطو، ولأدرك أن الخلاف بينه وبين أفلاطون حقيقى وواقع بالفعل، ولأدرك أيضا أن التوفيق بين الدين والفلسفة هو توفيق بين جانبين غير متكافئين([55])، وكان ينبغى عليه قبل أن يسعى إلى التوفيق أن يقيم الفلسفة الإغريقية تقييما موضوعيا قبل أن يحاول التوفيق بينها وبين الإسلام، إذ لو قيم هذه الفلسفة من الوجهة الموضوعية لانكشف له أنها وثنية – بحسب رأى الدكتور البهى - فى صورة عقلية غلفت بها([56]).
نعم لم تخل محاولة الفارابى – وإن لم يصاحبه التوفيق على ما يرى بعض الباحثين - من فكرة سليمة فى نفسها، وهى أن الحقيقة لا تخترع ولا تبتدع، وإنما يكشف عنها، وسبيل الكشف عنها ليس مقصورا على شخص معين بالذات، كما لم تخل محاولته من أصالة حيث انتهى به البحث إلى آراء خاصة به فى الفلسفة فسر على ضوئها كلام أفلاطون وكلام أرسطو([57]).
وفى الجهة المقابلة يقف بعض الباحثين – ونتفق فى الرأى معه – يرى أن القول بأن الفلسفة الإسلامية لا خلق فيها ولا إبداع أنه هذا وضع خاطئ للمشكلة من عقلية واحدية الطرف، هى العقلية الأوربية الاستشراقية أو امتداداتها فى أذهان الباحثين، وأن الجمع بين رأيى الحكيمين ليس خلطا بين أفلاطون وأرسطوطاليس، وليس جمعا لما لا يمكن الجمع بينهما يدل على سوء فهم كل منهما، واعتمادا على المؤلفات المنتحلة، لأن مهمة الفيلسوف المسلم لم تكن التحقق التاريخى، بقدر ما كانت التعامل مع الأفكار بصرف النظر عن قائلها، أى أن منهجه كان عقليا مثاليا، وليس تاريخيا استقصائيا، وما ظنه المستشرقون ومقلدوهم خطأ أنه توفيق قد يكون قمة الفكر بحثا عن الشامل، واتجاها إلى المحور، وإعادة التوازن بين أطراف الموقف الفلسفى، وتجاوزا لأحادية الطرف، فهدف الفارابى رفع الشك والارتياب عن تاريخ الفكر، وتصحيح الفهم الفلسفى ومعرفة الحقيقة، وهو هدف كل فيلسوف موضوعى محايد([58]).
لقد حاول الفارابى الكشف عن الجانب المنهجى فى المذاهب الفلسفية، وفى التأليف على أسس منهجية مقارنة، وهو أهم مميزات الباحث الأصيل([59]).
و- النـزعة الصوفية عند الفارابى: كان الفارابى – على ما يصفه المؤرخون - صوفيا فى قرارة نفسه، يعيش عيشة الزهد والتقشف ويميل إلى الوحدة والخلوة، وإذا كان الفارابى أول من صاغ الفلسفة الإسلامية فى ثوبها الكامل ووضع أصولها، ومن أهم أجزاء هذا المذهب نرى نظرية صوفية امتازت بها الفلسفة الإسلامية عن كثير من الفلسفات الأخرى، فالتصوف إذن قطعة من مذهب الفارابى الفلسفى، وله رباط وثيق يربطه بالنظريات الفارابية الأخرى نفسية كانت أو أخلاقية أو سياسية، وقد أثر هذا التصوف تأثيرا عميقا فيمن جاء بعد من فلاسفة الإسلام، ولعل أخص خصائص النظرية الصوفية عند الفارابى أنها قائمة على أساس عقلى، فليس تصوفه بالتصوف الروحى القائم على محاربة الجسم والبعد عن اللذات، بل هو تصوف نظرى يعتمد على الدراسة والتأمل([60]).
إن هذه الصورة عن فلسفة الفارابى نجد لها أثرها الواسع على مناهج التصنيف فى الفلسفة الإسلامية بداية من الفارابى فمن بعده، فقد نفذ – كما يقول البارون كارادى فو - تصوف الفارابى إلى كل شىء فى فلسفته، والتصوف يتخلل جميع مذهبه، والألفاظ الصوفية منتشرة فى كل ناحية من مؤلفاته، وعبارات الصوفية شائعة تقريبا فى كل أقواله، ونشعر جيدا أن التصوف ليس مجرد نظرية من النظريات اعتنقها بل حالا نفسية ذاتية([61])، فتصوف الفارابى – كما يقول الدكتور إبراهيم مدكور – يعبر عن عاطفة صادرة من القلب([62])، كما عنى الفارابى كل العناية بموضوع السعادة علما وعملا، فخصه بكتابين من كتبه شرح فيهما مختلف آرائه الصوفية، وبين الوسائل الموصلة إلى السعادة، وهما: (تحصيل السعادة)، وكتاب (التنبيه على السعادة)([63]).
ومما قاله الفارابى فى هذا الصدد: ((الروح القدسية لا تشغلها جهة تحت عن جهة فوق، ولا يستغرق الحس الظاهر حسها الباطن، وقد يتعدى تأثيرها من بدنها إلى أجسام العالم وما فيه، وتقبل المعلومات من الروح والملائكة بلا تعليم من الناس))([64]).
ونجد امتدادا لهذا التصوف فى النظريات الفلكية والميتافيزيقية عند الفارابى، والذى يتخيل نظاما فلكيا أساسه أن فى كل سماء قوة روحية أو عقلا مفارقا يشرف على حركتها ومختلف شئونها، وآخر هذه القوى هو العقل العاشر الموكل السماء الدنيا والعالم الأرضى، فهو نقطة اتصال بين العالمين العلوى والسفلى، وكلما اتسعت معلومات المرء اقترب من العالم العلوى ودنت روحه من مستوى العقول المفارقة، فإذا وصل إلى درجة العقل المستفاد أصبح أهلا لتقبل الأنوار الإلهية وأضحى على اتصال مباشر بالعقل العاشر...([65]).
ونظرية الفارابى الصوفية تصعد بجذورها إلى نصين لأرسطو عن الخير الأسمى ونظرية الاتصال والآخر عن وظيفة العقل الفعال، وكلا النصين أثر تأثيرا عميقا فى فلاسفة الإسلام وآرائهم الصوفية والنفسية، بالإضافة إلى أثر مدرسة الإسكندرية الفلسفية وخاصة كتاب الربوبية لأفلوطين، وبقدر تأثر هذه النظرية بميول الفارابى الشخصية وبقدر تأثرها بالبيئة الفكرية المحيطة حيث عاصر الفارابى أمثال الجنيد والحلاج والشبلى، فإن تكوينها العلمى يخضع لنظرية الخير الأسمى الأرسطية، ونظرية الجذب (الاكتساسيس) الأفلوطينية، فقد جمع الفارابى كل ذلك وأخرج منه نظرية فلسفية أثرت فيمن بعده. ومن جهة أخرى فإن النـزعة الروحية النامية والاتجاه الصوفى الواضح لدى الفارابى قد نفذا إلى أعماق المدرسة الفلسفية الإسلامية، وظهرا لدى فلاسفة الإسلام بدرجات متفاوتة([66]).
سنجد الأثر المباشر لهذه القضية – النـزعة الصوفية عند الفارابى – على مناهج التصنيف الفلسفية يظهر جليا فى الإشارات والتنبيهات، والذى يعد يتيمة العقد بين مؤلفات ابن سينا خليفة الفارابى الأعظم وشارحه الوفى، على ما سيأتى الحديث عنه بالتفصيل عند منهج التصنيف الفلسفى عند ابن سينا([67]).
ز- نظرة عامة على منهج التصنيف الفلسفى عند الفارابى: قدم لنا ابن صاعد – والذى كان يرى فى الفارابى أنه فيلسوف المسلمين بالحقيقة – تقويما عاما ومتميزا لمنهج التصنيف الفلسفى عند الفارابى، حيث يقول: ((أخذ (يعنى الفارابى) صناعة المنطق عن يوحنا بن جيلانى... فبذ جميع أهل الإسلام فيها...: 1- فشرح غامضها، 2- وكشف سرها، 3- وقرب تناولها، 4- وجمع ما يحتاج إليه منها، 5- فى كتب صحيحة العبارة، 6- لطيفة الإشارة، 7- منبهة على ما أغفله الكندى وغيره من صناعة التحليل وأنحاء التعليم، 8- وأوضح القول فيها عن مواد المنطق الخمس، 9- وإفراد وجوه الانتفاع بها، 10- وعرف طرق استعمالها، 11- وكيف تُعْرَف صورة القياس فى كل مادة منها، 12- فجاءت كتبه فى ذلك الغاية الكافية، والنهاية الفاضلة)) ([68]).
وهكذا يمكننا من خلال تحليل عبارة ابن صاعد السابقة أن نقف على (12) فكرة مهمة قوَّم من خلالها ابنُ صاعد منهج التصنيف الفلسفى عند الفارابى والذى تمثله فى منطقياته.
ويكمل ابن صاعد ببراعته المعهودة وفى عبارات مختصرة تقويمه العام لبقية مؤلفات الفارابى فيقول: ((وله كتابه فى أغراض فلسفة أفلاطون وأرسطاطاليس يشهد له بالبراعة فى صناعة الفلسفة، والتحقق بفنون الحكمة، 1- وهو أكبر عون على تعلم طريق النظر وتعرف وجه النظر، 2- اطلع فيه على أسرار العلوم وثمارها علما علما، 3- وبيَّن كيفية التدرج من بعضها إلى بعض شيئا فشيئا. 4- ثم بدأ بفلسفة أفلاطون فعرف بغرضه منها وسمى تآليفه فيها، ثم أتبع ذلك فلسفة أرسطاطاليس، فقدم له مقدمة جليلة عرّف فيها بتدرجه إلى فلسفته، 5- ثم بدأ بوصف أغراضه فى تواليفه المنطقية والطبيعية كتابا كتابا، حتى انتهى به القول فى النسخة الواصلة إلينا إلى أول العلم الإلهى، والاستدلال بالعلم الطبيعى عليه. 6- فلا أعلم كتابا أجدى على طالب الفلسفة منه، 7- فإنه يعرف بالمعانى المشتركة لجميع العلوم، 8- والمعانى المختصة بعلم علم منها، 9- ولا سبيل إلى فهم معانى قاطاغورياس (= المقولات) وكيف هى الأوائل الموضوعة لجميع العلوم إلا منه، 10- ثم له بعد هذا فى العلم الإلهى وفى العلم المدنى كتابان لا نظير لهما، أحدهما المعروف بالسياسة المدنية، والآخر المعروف بالسيرة الفاضلة، عرف فيهما بجمل عظيمة من العلم الإلهى على مذهب أرسطاطاليس فى المبادئ الستة الروحانية، وكيف تؤخذ عنها الجواهر الجسمية على ما هى عليه من النظام، واتصال الحكمة، وعرف فيها بمراتب الإنسان وقواه النفسانية، وفرق بين الوحى والفلسفة، ووصف أصناف المدن الفاضلة وغير الفاضلة، واحتياج المدينة إلى السير الملائكية والنواميس النبوية...)) ([69]).
لكن مع هذا فهناك مساحة من الاستقلال عن أرسطو نجدها واضحة عند الفارابى، فقد كتب مثلا عددا من الرسائل فى صناعة المنطق بالإضافة إلى رسالة طويلة عن الصناعة كلها، لكن لا يمكننا أن نعتبر أن كتابات الفارابى تفسيرات أو شروح لأرسطو بالمعنى الحرفى، وإنما هى شرح لأفكاره، وبيان للمعنى اللائق لقول أرسطو وإن خالف ما يقول به المفسرون الآخرون. كما أنه خالف أرسطو فى ترتيب فنون صناعة المنطق، فبينما تأتى المقولات أولا عند أرسطو، جعلها الفارابى القسم الرابع، وقد قدم لذلك بالقول فى الأقاويل التى بها يسهل الشروع فى صناعة المنطق، وذلك من خلال رسالتين أولهما فى صناعة المنطق وعلاقتها بالصنائع الأخرى، والثانية فى فحص معانى الألفاظ والاصطلاحات المستعملة فى المنطق، كما أنه جعل إيساغوجى مدخلا للمنطق، ويرى أن إصلاحه يعد من الضروريات، ومن جهة أخرى نراه يغير ترتيب نص أرسطو ويعدل فى نصوصه، ويخرج كثيرا عن مذهب أرسطو المحدد، فقد حذف الفارابى مثلا من كتاب المقولات القول فى الأسماء المتفقة والمتواطئة والمشتقة، وهى الأقوال التى بدأ بها أرسطو كتابه. كما أضاف الكلام بالتفصيل عن الفرق بين الجوهر والعرض، وعن الأسباب الضرورية، وعن الفرق بين المعقول والمقول طبقا لقواعد المنطق، وعن التباين بين الحمول على الطريق الطبيعى، والمحمول على الطريق غير الطبيعى، وبينما تعرض أرسطو فقط للمقولات الخاصة بالجوهر والكم والإضافة والكيفية فقط، فإن الفارابى فصّل القول فى كل المقولات العشر. وأخيرا فقراءة رسالة الفارابى تفيد دارس المنطق – بصفة عامة لا خصوص مذهب أرسطو - فائدة كبرى حيث يعرض بوضوح شديد للمفاهيم الأساسية المستعملة فى المناقشات المتقدمة للمنطق([70]).
وختاما فقد كان الفارابى فيلسوفا مسلما بأجمل ما لهذه الكلمة من معان، رجل جمع بين مزيتين: الإخلاص للفلسفة، والإيمان بالدين، وبهاتين المزيتين حاول أن يوفق بين لغتين: لغة العقل ولغة القلب، وهما عنده مفهومتان ضروريتان للإنسانية التى تريد أن تتخطى نفسها ساعية إلى الكمال، وكأن الفارابى قد جاء إلى العالم ليؤدى رسالة جليلة خلاصتها أن الفلسفة والدين هما المعين الصافى للحياة الروحية، التى بها يكون المجتمع الإنسانى فاضلا([71]).
ورغم ما تقدم فإن عقلية مثل عقلية الفارابى لا ينتهى عجبنا من عدم التفاتها إلى ما فى نظريته عن الفيض من تناقض ذاتى، وضعف تفسيره لكيفية صدور الكثرة عن الواحد، الذى استشكل صدوره عن الواجب الوجود الأول، ومنحه للعقل العاشر، وحديثه عن الكواكب والأفلاك وعقولها([72]).
ح- ملاحظات حول منهج التصنيف الفلسفى عند الفارابى: وفى ضوء ما سبق يمكننا رصد العديد من الملاحظات التى تساعدنا على ترسُّم منهج التصنيف الفلسفى عند الفارابى، فمن ذلك:
1) يرى الفارابى أن حد الفلسفة وماهيتها: ((أنها العلم بالموجودات بما هى موجودة... حتى إنه لا يوجد شىء من موجودات العالم إلا وللفلسفة فيه مدخل... فإن المقسّم يروم أن لا يشذ عنه شىء موجود من الموجودات... ومن تدرب فى علم المنطق وأحكم علم الآداب الخلقية، ثم شرع فى الطبيعيات والإلهيات، ودرس كتب هذين الحكيمين يتبين له مصداق ما أقوله حيث يجدهما قد قصدا تدوين العلوم بموجودات العالم، واجتهدا فى إيضاح أحوالها على ما هى عليه، من غير قصد منهما لاختراع وإغراب وإبداع وزخرفة وتشوق...)) ([73])، ويرتب على ذلك الحد جوهر مذهبه الفلسفى القائم على التوفيق، حيث لا يصح أن يقع الخلاف فى الفلسفة لأنها مجرد إدراك للموجود بما هو موجود، وبنى على ذلك محاولته فى الجمع بين رأيى الحكيمين، والطابع التوفيقى الذى يسرى فى فلسفته كلها. ولا يدرى الباحث – كوجهة نظر شخصية - كيف غفل الفارابى عن المغالطة التى اشتمل عليها كلامه، لأن كون الفلسفة العلم بالموجودات بما هى موجودة لا ينفى وقوع الاختلاف ناتج عن وقوع الخطأ فى إدراك الموجود، فكون الموجود هو هو (بفرض عدم تغيره) لا يعنى أننا كلنا سندركه إدراكا واحدا صحيحا لا خلاف فيه ولا خطأ، كما يدخل الاختلاف من جهة أخرى بعدم التنبه إلى اختلاف وتعرض للتغير والفساد، فربما أدركه فيلسوف على حال غير التى أدركه عليه الآخر، فيختلفان دون أن ينتبها إلى وجه الاختلاف، إلى غير ذلك، من ثم فإن الفلسفة لا تعدو أن تكون محاولة إدراك الموجودات بما هى موجودة.
2) يمكننا القول أن الفارابى فى كتابه تحصيل السعادة قد قدم لنا طرحا واضحا لمنهج التصنيف الفلسفى عنده، والكتاب كله لا يعدو أن يكون كلاما فى منهج التصنيف، فهو لم يتناول قضايا فلسفية، ولم يقدم نظريات فى الفلسفة بقدر ما قدم منهجا فى التصنيف فى الفلسفة، وجعل الكتاب كله كالتمهيد للبدء فى التصنيف فى الفلسفة كما وعد فى خاتمته، وبين صدر الكتاب الذى بدأه بطرح أساس التصنيف وخاتمته التى يصرح بعزمه على التصنيف فى ضوء منهجه يطرح الفارابى منهجا كاملا فى التصنيف الفلسفى، يقول الفارابى فى صدر الرسالة: ((الأشياء الإنسانية التى إذا حصلت فى الأمم وفى أهل المدن، حصلت لهم بها السعادة الدنيا فى الحياة الأولى، والسعادة القصوى فى الحياة الأخرى: أربعة أجناس: الفضائل النظرية، والفضائل الفكرية، والفضائل الخلقية، والصناعات العملية، فالفضائل النظرية...))([74])، ثم أخذ فى بيان ذلك وكيفية تفرع علوم الفلسفة من أنواع هذه الفضائل الأربعة حتى يصل إلى خاتمة الرسالة فيقول: ((والفلسفة التى هذه صفتها إنما تأدت إلينا من اليونانيين عن أفلاطن وأرسطوطاليس... ونحن نبتدئ أولا بذكر فلسفة أفلاطن، ثم نرتب شيئا فشيئا من فلسفته حتى نأتى على آخرها، ونفعل مثل ذلك فى الفلسفة التى أعطاناها أرسطوطاليس...)) ([75])، ومن خلال ذلك يتبين كيف يبدأ النظر الفلسفى – ومن ثم التصنيف الفلسفى – حتى تترتب العلوم الفلسفية من العلوم المنطقية والعلم الطبيعى وما بعد الطبيعى والعلم الإنسانى والعلم المدنى....
3) كما يمكننا اعتبار مقالته (الإبانة عن غرض أرسطوطاليس فى كتاب ما بعد الطبيعة)([76])، هى حديث مباشر فى منهج التصنيف فى علم ما بعد الطبيعة خاصة، والعلوم الفلسفية عامة، فقد اهتم فيه الفارابى ببيان الغرض من هذا العلم، والفرق بينه وبين التوحيد حيث اختلط غرضهما فى أذهان بعض الناس، واعتنى الفارابى بعد ذلك بتقسيم العلوم إلى علم جزئى وعلم كلى، وأن العلم الكلى لا يمكن – بحسب نظريته - أن يتعدد، وضبطها بما يوضحها ويساعد على التصنيف فيها دون أن تختلط بغيرها، ويأتى بعد ذلك بيان كامل لخطة تصنيف أرسطو لعلم ما بعد الطبيعة.
4) وقد اهتم الفارابى اهتمام خاصا بالمنهج (بمعنى جملة الوسائل المحددة التى توصل إلى غاية معينة)، وأدرك ضرورته قبل البدء فى أية محاولة علمية أو فلسفية، ولذا جاء مذهبه متسقا ومحكم الترابط، لأنه أسس على قواعد منهجية محددة، وليس على مجرد الفروض والاحتمالات([77])، ومن هنا كان اهتمامه الواضح بالمنطق وبتصنيف العلوم.
5) ويحاول الفارابى أن يقدم فلسفته من خلال منهج كلى، ينطلق من رؤية شاملة تسقط الكثير من الاختلافات الجزئية فى سبيل رؤية الحقيقة التى تصدق فى كل زمان ومكان، وربما كان هذا هو جوهر التوفيق عنده، فالتوفيق عنده عملية إبداعية أصيلة، وليس مجرد مزج تعسفى للأفكار والموضوعات([78])، وهذا المنهج الكلى يشيع فى مصنَّفات الفارابى، ويمثل إطارا عاما لمنهجه فى التصنيف، فمن خلال ذلك المنهج الكلى ينطلق الفارابى فى محاولته لإحصاء العلوم، ويحاول دراسة المدن الفاضلة ومضادتها على سبيل الحصر، وهكذا تتحكم الرؤية الكلية أو محاولته الدؤوب للوصول إليها فى منهجه فى التصنيف. بل ربما نجده – كما لاحظ بعض الباحثين - يبحث عن أصول موضوع ما ومنهجه فى مؤلف مستقل، ويتناوله بعد ذلك فى ضوء هذه الأصول والمنهج الذى فحصه، وهو ما قام به الفارابى فى كتابه (الملة) حيث بحث فى الأصول التى بنى عليها تركيب المدينة الفاضلة والسياسة المدنية، وبحث المنهج الذى استخدمه فى هذين الكتابين([79]).
6) والغاية من الفلسفة تمثل أحد أسس منهج التصنيف الفلسفى، حيث تتحكم الغاية فى توجيه خطة التصنيف، وغاية الفلسفة عند الفارابى ((معرفة الخالق تعالى وأنه واحد غير متحرك، وأنه العلة الفاعلة لجميع الأشياء، وأنه المرتب لهذا العالم بجوده وحكمته وعدله))، ويترتب على هذه الغاية عند الفارابى أن ((الأعمال التى يعملها الفيلسوف هى التشبه بالخالق بمقدار طاقة الإنسان)) ([80])، ومن الجلى أن الفلسفة التى تبنى على أن غايتها هى معرفة الخالق، سيكون منهج التصنيف فيها وترتيب موضوعاتها وطبيعة هذه الموضوعات نفسها مختلفة عن الفلسفة التى غايتها مادية محضة، أو لا تؤمن بوجود إله أصلا.
7) اعتنى الفارابى بمحاولة تصنيف العلوم وإحصائها، انطلاقا من إدراكه لأهمية هذا التصنيف وصلته بالمنهج العلمى([81])، وقد تقدم الحديث عن ذلك تحت عنوان مستقل([82])، وبناء عليه فيمكن القول بأن الفارابى جعل تصنيف العلوم أداة منهجية أساسية فى التمييز بين العلوم، وتحصيلها، والحكم على مدى صدق من ادعاها، ويمكننا أن نضيف أيضا أنه أداة أساسية أيضا فى التصنيف فى علم من هذه العلوم أيضا، بحيث يدرك من خلال هذا التصنيف فضيلة العلم المقدم عليه، وأجزاءه التى ينبغى أن يحيط بها فى تصنيفه، وجمل ما فى كل واحد من أجزائه كما يقول الفارابى([83]).
8) يؤكد الفارابى على تميز كل صنف من أصناف الصنائع الفلسفية بأسئلة خاصة بها، تميز بالتالى أجوبتها موضوع كل صنعة عن أختها فيقول: ((كل صناعة من الصنائع القياسية الخمس فيها ضرب أو ضروب من السؤال الخاص بها، ففى الفلسفة سؤال برهانى، وفى الجدل سؤال جدلى، وفى السفسطة سؤال سوفسطائى، وفى الخطابة سؤال خطبى، وفى الشعر سؤال شعرى، والسؤال الذى فى كل صناعة هو على نوع ونحو وبحال ما على غير ما هو عليه فى الأخرى، وللسؤال فى كل صناعة أمكنة أن ينجح فيها، وأمكنة لا ينجح فيها، فلذلك إنما يصير ذلك السؤال نافعا وفى تلك الصناعة متى استعمل فى الأمكنة التى فيها ينجح، وعلى النحو الذى ينجح...)) ([84]).
9) الطابع العام لفلسفة الفارابى هو الطابع الإنسانى، وقد أثر ذلك بشكل واضح فى منهجه فى التصنيف الفلسفى، بحيث لا يخلو فيها باب واحد من اهتمام بالإنسان أو تحليل لسلوكه ومعاشه وعلاقته بالأغيار، بل إن آراء الفارابى الرئيسية فى مختلف فروع الفلسفة نجدها متضمنة فى كتبه الإنسانية، فآراؤه فى الله وصفاته والكون وصدوره معروضة فى كتبه السياسية مثل (آراء أهل المدينة الفاضلة) ([85])، و(السياسة المدنية)، وآراؤه فى تصنيف العلوم وإحصاؤها موجودة فى كتب الأخلاقية كـ (تحصيل السعادة – والتنبيه على أسباب السعادة)، زد على ذلك غزارة المؤلفات التى خصصها الفارابى للإنسان، لا كحقيقة فردية مقصورة على بحث مشكلة النفس وارتقائها فى سلم المعرفة فحسب – كما فعل سائر الفلاسفة – بل كحقيقة اجتماعية تبحث عن علاقته بالآخرين([86]).
10) لا يعتنى الفارابى فى بعض الأحيان بكتابة مقدمة لعمله توضح مقصوده أو منهجه بل يشرع مباشرة فى المقصود، وهو ما نجده مثلا فى كتابه العبارة بعد البسملة: ((القول فى بارى أرمينياس وهو القول فى العبارة. الألفاظ الدالة منها مفردة تدل على معانى مفردة ومنها مركبة...)) ([87])، ومثله فى كتاب الخطابة والذى صدره بتعريفها فقال: ((الخطابة صناعة قياسية غرضها الإقناع فى جميع الأجناس العشرة...)) ([88])، على أننا نجده يقدم لكتابه الجمع بين رأيى الحكيمين بمقدمة مختصرة يذكر فيها مشكلة البحث وخلاصة رأيه فيها والذى سيدلل عليه بالتفصيل فى ثنايا الكتاب([89])، وربما وجدنا فى بعض كتب الفارابى ما يشبه خطة البحث فى مفهومنا المعاصر، وخير مثال على ذلك كتابه (آراء أهل المدينة الفاضلة)، والذى نجد فى أوله: ((اختصار الأبواب التى فى كتاب المدينة الفاضلة تأليف أبى نصر... الفارابى))، يختصر فى عبارات موجزة أهم مسائل الكتاب نحو: ((القول فى الشىء الذى ينبغى أن يعتقد فيه أنه هو الله تعالى، ما هو، وكيف هو، وبماذا ينبغى أن يوصف، وبأى وجه هو سبب سائر الموجودات، وكيف تحدث عنه، وكيف يفعلها، وكيف هى مرتبطة به، وكيف يعرف ويعقل، وبأى الأسماء ينبغى أن يسمى، وعلى ماذا ينبغى أن يدل منه بتلك الأسماء. القول فى الموجودات التى ينبغى أن يعتقد فيها أنها هى ملائكة...)) وهكذا يمضى من فقرة إلى أخرى يصدرها بلفظة: القول فى كذا وكذا، حتى يأتى على آخر مباحث الكتاب. والظاهر أن هذا الاختصار قديم لوقوعه فى الأصول الخطية للكتاب، كما يظهر من فروق النسخ([90])، ويحتمل أن يكون الفارابى قد عمله بنفسه أو عمله أحد تلامذته محافظا على عبارات الأصل، إلا أن الظاهر أنه عمل مستقل عن الكتاب نفسه([91])، والذى يبدأ بالبسملة، ثم عبارة: ((هذا كتاب ألفه أبو النصر الفارابى فى مبادئ آراء أهل المدينة الفاضلة)) ([92]).
11) ورغم هذا فإن الفارابى على المستوى النظرى – لا التطبيقى العملى - يؤكد على أهمية المقدمة، ويحدد لنا ما ينبغى أن يذكر فيها، وذلك فى ثنايا كتابه الألفاظ المستعملة فى المنطق، فيقول بعد أن يذكر العديد من التمهيدات والقواعد المهمة فى تعلم المنطق: ((وبعد هذا ينبغى أن نعدِّد الأمور التى ينبغى أن يعرفها المتعلم فى افتتاح كل كتاب... وهى: غرض الكتاب، ومنفعته، وقسمته، ونسبته، ومرتبته، وعنوانه، واسم واضعه، ونحو التعليم الذى استعمل فيه، ويعنى بالغرض الأمور التى قصد تعريفها فى الكتاب، ومنفعته هى منفعة ما عُرف من الكتاب فى شىء آخر خارج عن ذلك الكتاب، ويُعنى بقسمته عدد أجزاء الكتاب، مقالات كانت أو فصولا أو غير ذلك مما يليق أن يؤخذ ألقابا لأجزاء الكتاب من فنون أو أبواب أو ما أشبه ذلك، وتعريف ما فى كل جزء منه، ونسبة الكتاب يعنى بها تعريف الكتاب من أى صناعة هو، والمرتبة يعنى بها مرتبة الكتاب من تلك الصناعة أى مرتبة هى، هل هو جزء أول فى تلك الصناعة أو أوسط أو أخير أو فى مرتبة منها أخرى. وعنوانه هو: معنى اسم الكتاب. وأما اسم واضع الكتاب فمعناه بين... وكل واحد من هذه متى عرف كان له غناء فى تعليم ما فى الكتاب...))، ثم يفسر لنا الفارابى السبب الذى جعله يهمل عمليا مراعاة هذا الذى أكد على أهميته نظريا فيقول: ((ومعرفة غنائها (يعنى هذه الأشياء السابق ذكرها) فليس تعدمها فى تفاسير الحدث (=المصنِّفين المعاصرين له) فإن عناية أكثرهم مصروفة إلى التكثير بأمثال هذه الأشياء، ونحن فقد خلينا أمثال هذه الأشياء لهم، وأرسطاطاليس والقدماء من شيعته يستعملون من هذه الأشياء فى افتتاح كل كتاب مقدار الحاجة وربما لم يستعملوا منها شيئا أصلا، وفى أكثر الكتب فلا يكاد أرسططاليس يخل بمعظم ما يحتاج إليه من هذه، وذلك هو الغرض والمنفعة، وكثيرا ما يذكر النسبة والمرتبة، وربما ذكر معها نحو التعليم الذى يستعمله فى الكتاب...)) ([93])، وهذا يفسر لنا سبب إهماله للمقدمات عمليا.
12) على أنه ربما بدا لنا أن الفارابى يتعامل مع كتبه جميعا كأنها كتاب واحد أو سلسلة واحدة، وما ينبغى أن يذكره فى مقدمة كتاب قد يجعله فى خواتيم الكتاب السابق عليها بحسب الترتيب الصناعى له، ونظن أنه يقصد بذلك حمل الطالب حملا على أن يتعلم على أنحاء التعليم الصحيحة، ويأخذ فى التلقى بناء على الترتيب الصناعى، ولا يشرع فى جزء من العلم قبل الفراغ مما قبله، بحيث لا يبدو كل كتاب كوحدة مستقلة مقطوعة الصلة بما قبله وما بعده، إلا لمن بدأ بكتاب من أثناء العلم بغير ترتيب، فلا يجد مقدمة ترشده، ومن أمثلة ذلك كتابه الألفاظ المستعملة فى المنطق يقول الفارابى بعد أن ينتهى مما كان فيه: ((وقصدنا الآن الشروع فى صناعة المنطق، فينبغى النظر فى هذه الصناعة بما قد قيل إن العادة قد جرت أن يفتتح به فى كل كتاب)) ثم أفاض فى بيان الغرض من صناعة المنطق، ومنفعتها، وعدد أجزائها، ونسبتها، ومرتبتها، والمنشىء لها ([94])، وبما يصلح أن يكون مقدمة لرسالة فى علم المنطق، لكنه يذكرها فى خواتيم رسالة هى نفسها كالتوطئة لعلم المنطق، أما كتبه المنطقية نفسها كالعبارة والخطابة التى بين أيدينا، فتبدأ بلا مقدمة.
13) فالفارابى وإن لم تطرد عنايته بمقدمة توضيحية، فإن بعض كتبه لا تخلو من خاتمة توضح موضع الكتاب الذى يتناوله من خريطة العلم الذى هو فيه، تجعله كالتوطئة أو المقدمة للكتاب التالى له فى خريطة العلم، فمثلا فى خاتمة كتاب الألفاظ المستعملة فى المنطق يورد نصا طويلا عما ينبغى أن يفتتح النظر به فى صناعة المنطق ويختمه بقوله: ((فقد أتى هذا القول على الأقاويل التى بها يسهل الشروع فى صناعة المنطق، فينبغى الآن أن نشرع فيها، ونبتدئ بالنظر فى الكتاب الذى يشتمل على أول أجزاء هذه الصناعة وهو كتاب المقولات))([95])، وهو ما نجده أيضا فى خاتمة كتابه التنبيه على سبيل السعادة فيقول منبها على كيفية تحصيل الصناعة المنطقية وأهمية علم النحو لتحصيلها: ((ولما كانت صناعة النحو هى التى تشتمل على أصناف الألفاظ الدالة وجب أن تكون صناعة النحو لها غناء ما فى الوقوف والتنبيه على أوائل هذه الصناعة، فلذلك ينبغى أن نأخذ من صناعة النحو مقدار الكفاية... ومن سلك غير هذا المسلك فقد أغفل أو أهمل الترتيب الصناعى، ونحن إذا كان قصدنا أن نلزم فيه الترتيب الذى توجبه الصناعة فقد ينبغى أن نفتتح كتابا من كتب الأوائل التى بها سهل الشروع فى هذه الصناعة بتعديد أصناف الألفاظ الدالة فيجب أن نبتدئ فيه ونجعله تاليا لهذا الكتاب)) ([96])، وكذلك فى خاتمة تحصيل السعادة يقول: ((والفلسفة التى هذه صفتها إنما تأدت إلينا من اليونانيين عن أفلاطن وأرسطوطاليس... ونحن نبتدئ أولا بذكر فلسفة أفلاطن، ثم نرتب شيئا فشيئا من فلسفته حتى نأتى على آخرها، ونفعل مثل ذلك فى الفلسفة التى أعطاناها أرسطوطاليس...))([97])، فكأن الفارابى – كما قلنا - يتعامل مع كتبه جميعا كأنها كتاب واحد أو سلسلة واحدة، وما ينبغى أن يذكره فى مقدمة كتاب قد يجعله فى خواتيم الكتاب السابق عليها بحسب الترتيب الصناعى له، حملا للطالب على أن يتعلم على أنحاء التعليم الصحيحة، ويأخذ فى التلقى بناء على الترتيب الصناعى، ولا يشرع فى جزء من العلم قبل الفراغ مما قبله.
14) والنصوص السابقة للفارابى تعطينا قاعدة أخرى هامة من قواعد منهج التصنيف عند الفارابى، وهى: مراعاة الترتيب الصناعى، ليس فقط فى تحصيل العلم وطلبه. إن حرص الفارابى الشديد على مراعاة ذلك جعله لا يضع المقدمات فى مواضعه المعتادة كما تقدم إيضاحه، ولكن أيضا فى التصنيف فيه، فالفارابى تحكمه هذه القاعدة (مراعاة الترتيب الصناعى) فى ترتيب أجزاء الصناعة، وترتيب التأليف فيها بحسب ما يقتضيه منطق كل صناعة من الصناعات الفلسفية، بحيث يأتى تصنيفه فيها مرتبا متفقا مع ما ينبغى مراعاته.
15) ومن الممكن أن نربط هذه القاعدة السابقة بقاعدة أخرى يقررها الفارابى وهى مراعاة (أنحاء التعليم)، والتى يقصد بها الفارابى ثلاثة أحوال للمتعلم على المعلم – بله المصنِّف – أن يراعى حصولها للطالب: ((أحدها: أن يتصور ذلك الشىء ويفهم معنى ما سمعه (أو قرأه) من المعلم، وهو المعنى الذى قصده المعلم (والمصنِّف) بالقول. والثانى: أن يقع له التصديق بوجود ما تصوره أو فهمه عن لفظ المعلم. والثالث: حفظ ما قد تصوره ووقع له التصديق به. وهذه الثلاثة التى لا بد منها فى كل شىء يتعلَّم بقول... وأنحاء التعليم تختلف بحسب اختلاف الأمور التى تستعمل فى التعليم... وهذه الأمور كثيرة: منها استعمال الألفاظ الدالة على الشىء، وحدّ الشىء، وأجزاء حده، وجزئياته، وكلياته، ورسوم الشىء، وخواصه، وأعراضه، وشبيه الشىء، ومقابله، والقسمة والمثال، والاستقراء، والقياس، ووضع الشىء بحذاء العين، وهذه كلها ما عدا القياس فتنفع فى تسهيل الفهم والتصور، وأما القياس فإن شأنه أن يوقع التصديق بالشىء فقط...)) ([98])، وكل هذه الأمور على المصنِّف – كما على المعلِّم – أن يراعيها حتى يسهل الفهم والتصور والتصديق للمعانى التى يقصدها بالتصنيف.
16) ربما أورد الفارابى المباحث المقصودة إيرادا دون أن يشير إلى مصدره فيها، فمثلا نجده لا يصرح بالإشارة إلى أرسطو فى كتاب العبارة إلا فى موضعين، كما لا يشير إلى غيره من الفلاسفة إلا نادرا فقد أشار إلى الإسكندر مرة واحدة فى كتابه هذا([99])، وربما عرض لآراء القدماء، واعتنى بالتأريخ لتطور الفكر الفلسفى وتراكمه حول القضايا التى يتناولها([100]).
17) يميل أسلوب الفارابى أحيانا كثيرة إلى السهولة فى العبارة، وسلاسة الفكر، والانتقال بين أفكار الموضوع فى سهولة ويسر، كما نرى ذلك فى كتبه كالعبارة والخطابة والتنبيه على سبيل السعادة، والألفاظ المستعملة فى المنطق مثلا، ((والحق أن أسلوب الفارابى فى الكتابة فيه وضوح وإشراق، وهو من نوع السهل الممتنع، فلم يجنح فيه نحو التراكيب اللغوية الصعبة، والصيغ المعقدة، وإذا بدا أن فيه صعوبة أو غموضا فى بعض الأحيان فما هو إلا من تعقد الموضوعات نفسها، بحيث يصبح التعبير عنها بلغة جزلة سهلة فيه شىء من الصعوبة)) ([101])، وهذا هو الأمر الظاهر من مطالعة مصنَّفات الفارابى، ومن ثم فلسنا نوافق أ/د وافى على رأيه حين يقول: ((ولغة الفارابى فى هذا الكتاب (المدينة الفاضلة) كلغته فى جميع كتابه لغة معقدة ركيكة تبين بصعوبة عما يقصده)) ([102]).
18) كما أن أسلوب الفارابى فى أحيان أخرى يميل إلى أن يكون دقيقا مركزا، ليس فيه تكرار ولا ترادف، وهو يعتنى باللفظ والعبارة، ويعطى أغزر المعانى فى جمل مختصرة، وهو شغوف بالمتقابلات، فعندما تخطر له فكرة لا بد أن يذكر مقابلها، كما نراه فى رسالة ((فى جواب مسائل سئل عنها))، كما يتمتع أسلوبه بالمرور على الأمور التى يفترض أنها معروفة دون أن يطيل فى شرحها، ولا تستوقفه الموضوعات العادية، لكنه عند الحديث عن أساس نظرية ما يجلى ما غمض، ويدلى فيه برأيه، كما نراه فى رسالة ((فى أغراض الحكيم فى كل مقالة من الكتاب الموسوم بالحروف)) ([103]).
19) لكنه فى كل الأحوال سواء أخذ بجانب السهولة والوضوح أو بجانب الدقة والتركيز، يسعى إلى جلاء المعانى جلاء تاما([104])، وواقعة ابن سينا المشهورة تؤكد على هذه السمة فى المنهج التصنيف الفلسفى عند الفارابى، ففى القصة المشهورة التى يحكيها ابن سينا عن نفسه أنه طالع كتاب (ما بعد الطبيعة) لأرسطو أكثر من أربعين مرة، ولم يفهمه، حتى يأس من ذلك، ثم وقع له كتاب الفارابى (فى أغراض ما بعد الطبيعة) فلما قرأه فتح له ما كان مغلقا، واتضح ما كان مغمضا، وصارت تنكشف له معان هذا العلم انكشافا([105]).
20) ومن خصائص منهج التصنيف عند الفارابى: الجمع، والتعميم، والترتيب، والتأليف، والتحليل، والتركيب، والتفريع، والتركيز، كل ذلك يعتبر خاصة من خصائص الفارابى، وهدف من أهدافه فى التصنيف، وخير شاهد على ذلك رسالته المسماة ((ما ينبغى أن يقدم قبل تعلم الفلسفة)) ([106])، وهى تسعة أشياء أخذت عن أرسطو نفسه كما يصرح بذلك الفارابى: 1- أسماء الفرق التى كانت فى الفلسفة. 2- معرفة غرضه فى كل واحد من كتبه. 3- المعرفة بالعلم الذى ينبغى أن يبدأ به فى تعلم الفلسفة. 4- معرفة الغاية التى يقصد إليها تعلم الفلسفة. 5- معرفة السبيل التى يقصد إليها من أراد الفلسفة. 6- المعرفة بنوع كلام أرسطو كيف يستعمله فى كل واحد من كتبه. 7- معرفة السبب الذى دعا أرسطو إلى استعمال الإغماض فى كتبه. 8- معرفة الحال التى يجب أن يكون عليها الرجل الذى يوجد عنده علم الفلسفة. 9- الأشياء التى يحتاج إليها من أراد تعلم كتب أرسطو([107])، ثم أخذ الفارابى فى بقية الرسالة يتكلم عن هذه التسع بالتفصيل. كما لا يخفى فإن هذه الأمور التسع، كما ينبغى على طالب الفلسفة تعلمها، فينبغى على المصنِّف فى الفلسفة – بحسب نظرية الفارابى - أن يراعيها أيضا، حتى يأتى تصنيفه فيها موافقا للخطة التى وضعها الفارابى لما ينبغى أن يقدم قبل تعلم الفلسفة.
21) يعتنى الفارابى ببيان مصطلحه([108]) وشرح مراده به، وهو ما نجد واضحا فى كتابيه العبارة والخطابة مثلا، ((وقد توسع الفارابى فى هذا كل التوسع، وكأنما أحس بأن البحث الفلسفى فى الإسلام فى حاجة ماسة إلى توضيح معالمه وشرح مصطلحاته... وعناية الفارابى بالمصطلح الفلسفى كبيرة، تفوق دون نـزاع عناية زملائه الآخرين من المشائين العرب، وأهّله لذلك تمكنه من العربية وعلومها... والفارابى فوق هذا كله منطقى، بل المنطقى العربى الأول، والمنطق يعنى بالوضوح والدقة، وصلته باللغة وثيقة، ومن أبوابه مبحث فى الألفاظ ودلالتها... وقد الفارابى (مجاراة لأرسطو) كتاب الألفاظ المستعملة فى المنطق وعرض فيه للكلى والجزئى، وللعام والخاص، وللجنس والنوع...، ووضع أيضا كتاب الحروف وهو من أكبر مصنَّفاته الفلسفية التى وصلت إلينا، ومن أشدها عناية بالمصطلح الفلسفى([109])، وحاول خاصة أن يدرس المصطلح الفلسفى دراسة موضوعية ولغوية فبين كيف نشأ وكيف تطور، وأعانه على ذلك فقهه اللغوى([110]) وإلمامه بعدة لغات)) ([111])، ويمكن القول بأن الفارابى له تأثير كبير فى تأسيس المصطلح الفلسفى العربى، ولهذا اعتنى بعض كبار الباحثين المعاصرين بعمل معجم للمصطلح الفلسفى عند الفارابى([112]).
22) يعى الفارابى بالعلوم الحضارية ومناهجها، وهو ما نجده فى حديثه عن نشأة العلم الفلسفية بنشأة الألفاظ عند الأمم، وذلك فى كتابه الحروف، حيث عاصر الفارابى هذه الفترة التى التقت فيها الحضارة الإسلامية الناشئة بالحضارة اليونانية، وقام بالحديث عن نشأة العلوم من خلال الألفاظ محللا ذاته، وواصفا تجاربه، فالحضارة لا تكشف عن نفسها إلا من خلال الوعى الفردى، فالحضارة وعى جماعى، والوعى الفردى وعى حضارى، فلم يكن مصادفة أن يأخذ الفارابى لقب المعلم الثانى، لأنه هو الذى قام بعمليات الفهم والتمثل، والاحتواء والعرض، ثم التقييم والنقد والإعادة، ثم الدراسة والتحليل والوصف للحقائق ذاتها بصرف النظر عن قائلها ومكتشفها([113]).
23) وكملاحظة عامة حول منهج التصنيف الفلسفى عند الفارابى: فإن للفارابى حوالى مائة مؤلف أو أكثر بقليل، والتأليف فيها يوازى نصفها تقريبا، وهذا يدل على أن الفارابى كان مؤلفا كما كان شارحا، وأن لقب المعلم الثانى لا يعنى فقط شارح أرسطو، بل يعنى أيضا أنه مؤلف مثل أرسطو، على أن المنطق فى الشروح الفارابية هو الغالب إذ يمثل حوالى نصف شروحه، فذلك لأن المنطق يحتوى على النظرية الخالصة والعقل النظرى، وهو ما يمكن للفارابى تحويله بسهولة إلى فكر نظرى عام يتجاوز حدودة اليونانية الأولى، ففى شروح الفارابى يأتى المنطق أولا من حيث الكم ثم السياسة ثم ما بعد الطبيعة، ثم الطبيعة فاللغة فالهندسة فالموسيقى([114])، بل يرى بعض الباحثين أن قيمة الفارابى الحقة تقوم على ما صنف لا على ما شرح([115])، ويذكر بعض الباحثين أنه من ((المعروف أن مشروع الفارابى الفلسفى قد مر فى مرحلتين زمنيتين، وقد تمثلت المرحلة الأولى فى الكتابات الفلسفية والمنطقية، عرضا وتلخيصا وشرحا، بينما تمثلت المرحلة الثانية والمتأخرة زمنا فى الكتابات الاجتماعية والسياسية ))([116])، وينتهى من محاولته للوصول لمؤلفات الفارابى الأخيرة والتى تتمثل فيها فلسفته وأفكاره النهائية إلى أنها: رسالة فى العقل (بعد 320 هـ) - إحصاء العلوم (أشار إليه فى التنبيه على سبيل السعادة) – آراء أهل المدينة الفاضلة (ابتدأ فيه قبل 330 هـ، وفرغ منه بمصر 337 هـ) السياسة المدنية (بدأه قبل سنة 330 هـ وأكمله بمصر سنة 337 هـ أيضا)– الملة (بعد سنة 331 هـ) – "فصول المدنى" أو "فصول منتزعة" (نشر تحت هذين العنوانين، ألفه فى مصر بين عامى 335 هـ: 337 هـ) – التنبيه على سبيل السعادة (ألفه بعد "فصول منتزعة"حيث نقل منه، وبعد هذه الكتب السابقة جميعا، ربما بين عامى 336 هـ: 338هـ)([117]).
24) لا يوجد عند الفارابى أسلوب واحد فى الشرح، فهناك الأسلوب الشائع بإعادة عرض المادة عرضا نظريا خالصا من أجل إطلاق المعانى، وهناك باقى الأساليب من المقالة والمختصر والتعليق والرسالة والإحصاء والصدر والفصل، وهى كلها تبين تعامل الفارابى مع المادة المعروضة أمامه واختلاف وسائله، فالفارابى يتعامل مع أرسطو إما شارحا لكتاب كما هو الحال فى (المقولات والعبارة)، أو مبينا قصد كتاب آخر، كما هو الحال فى (الإبانة عن غرض أرسطو طاليس فى كتاب ما بعد الطبيعة)، أو توضيح علم معين أو فرع من علم ما مثل (كتاب القياس أو الجدل)، أو عارضا مذهب أرسطو ككل إما من داخله أو من خارجه بمقارناته مع غيره داخل الفلسفة اليونانية([118]).
25) يستعمل الفارابى طريقة الشرح الكبير، والتى يسميها هو (على جهة التعليق) أى ذكر نص ثم التعليق عليه، وهى الطريقة التى استعملها ابن رشد أيضا فيما يسمى بالتفسير الكبير، وتدل هذه الطريقة على احترام نصوص القدماء، لا على تبعيتها وتقليدها وتقديسها، وهى طريقة تعلمها المسلمون من شروحهم للقرآن الكريم، كما تدل على التمايز الحضارى بين الموقفين، فالنص المشروح نص القدماء، والشرح هو نص جديد من حضارة أخرى تفهم وتفسر وتؤول وتتمثل، ثم تراجع وتعيد النظر وتكمل النقص، وتدل هذه الطريقة ثالثا على إمكانيات المقارنة والحكم بين النصين، حيث كثيرا ما يكون الشرح أقرب فهما من النص، وأكثر عقلانية، وأقرب إلى الصدق([119]). ويستعمل الفارابى الشرح بثلاثة مستويات: الشروح، والشروح الكبيرة، والشروح على جهة التعليق، كما يستعمل طريقة التلخيص بمستويات متعددة – صغير وأوسط وكبير – كما نجد عنده الحديث عن الجوامع، مما يعنى أن الفارابى لخص الكتب الأرسطية وخاصة المنطقية أو الكثير منها خمس مرات أو أكثر، ويميل الفارابى فى تلاخيصه الوسطى مثلا إلى طريقة الجوامع التى اتبعها ابن رشد، حيث لا يعطى شيئا من النص الأصلى، بل يبحث فى المواضيع التى يبحثها النص الأصلى بأسلوب جديد، يتوسع فى البحث فيه ويتعمق أكثر مما عمل فى الجوامع الصغيرة، على أن هذه المستويات هى مجرد احتمالات وفروض يمكن استنتاجها من كلام المؤرخين ومفهرسى كتبه، ولا يمكن التأكد منها قبل العثور على كتب الفارابى المفقودة ودراستها([120]).
26) تدل طريقة الفارابى فى الشرح على أن الغرض من الشرح تحويل النص الأرسطى إلى نظرية خالصة فى العقل، بصرف النظر عن بيئته الثقافية الأولى التى نشأ فيها، فهو يعرض للموضوعات وليس للنصوص، ويتناول المسائل وليس العبارات ويحول مقصد الكتاب إلى تحليل عقلى خالص، وينتقل من التاريخ إلى العقل، ومن تاريخ الفلسفة إلى الفلسفة العامة، ويسقط الفارابى كل التاريخ البيئى الخاص، ولا يبقى إلا النظرية العامة، وبالتالى تقوى براهنيه الداخلية عند الفارابى، وتكثر حججه العقلية، ويصبح واضحا بذاته، ويتحول إلى حكمة بعد أن كان تاريخا، ويصبح حقيقة بعد أن كان رأيا، فإذا كانت القسمة العقلية ناقصة كملت، وإذا كانت عامة فصلت، وإذا كانت مفصلة عمت، فالفارابى لا يشرح بمعنى أنه يتبع عبارة بعبارة، ولفظا بلفظ، بل إنه يحكم ويحذف ويضيف ويقابل اللغة العربية باللغة اليونانية، أى إنه شرح إيجابى يحقق ويدقق ومن ثم فهو تأليف غير مباشر، يغير الأمثلة إلى ما هو أشهر، ويحذف الزائد للتركيز على الجوهرى، ويعيد عرض موضوعاته بناء على أساليب اللغة العربية، ولا يقتصر الفارابى فى شرحه على الفقرة التى يشرحها، بل ينظر إلى العمل الواحد على أن له وحدة عضوية واحد ويضع نصب عينيه ما سبق وما سيلحق مبينا تلك الوحدة العضوية للعمل، بل ربما تخطى نظره إلى الأعمال الأخرى، مما يعنى أن وحدة المذهب هى التى نصب عينى الفارابى يحللها ويرجع عناصرها إلى مختلف الأعمال الأرسطية، وهو بصدد شرح عمل منها، حتى يبدو العمل الواحد كجزء من نسق كلى شامل هو المذهب الأرسطى، وهذا أقرب إلى إعادة البناء منه إلى الشرح، والبناء هو دخول المنطق والطبيعيات والإلهيات فى نسق فلسفى واحد هو نسق الفارابى، ويحاول إخضاع مؤلفات أرسطو طاليس نفسه إلى نسق عقلى واحد([121]).
27) يظهر بوضوح من خلال جوامع الفارابى الصغيرة أو التلخيص نوعية الحضارتين الإسلامية واليونانية فى مادة البحث وأمثلته سواء اللغوية أو الأدبية أو الدينية، فتظهر العربية فى مقابل اليونانية، ويظهر الأدب العربى فى مقابل اليونانى، تظهر العلوم الإسلامية فى مقابل اليونانية، مما يدل على أن الفارابى يتعامل مع المعانى، وليس مع النصوص، وأنه ليس مجرد شارح نص، بل هو عاقل معان، خاصة فى حضارة تعطى المعنى استقلالا عن اللفظ، فالفارابى لا يسير وراء أرسطو الحذو بالحذو، ولكنه يعرض لموضوعاته ومعانيه، ويتعامل معها ككليات وماهيات مستقلة عن عباراتها وألفاظها ومصطلحاتها وبيئاتها الخاصة التى منها صدرت، وهذا هو ما سمى بالجوامع الصغيرة أو التلخيص، ولم يكن تقليدا سبق الفارابى فى الأدب اليونانى والسريانى واستمر بعده فى الأدب العربى، بل كان ضرورة حضارية بيئية خاصة فى التعبير عن المعانى الكلية فيما وراء الألفاظ والعبارات، وما دام المعنى قد استقل عن اللفظ فإنه بالإمكان عمل تلخيص أصغر وأوسط وأكبر تبعا لمادة العرض وضرب الأمثلة، وليست طريقة التلخيص هى البحث فى مواضيع النص بأسلوب جديد، بل إعادة التعبير عن موضوع النص بعد أن يتحول إلى معنى عقلى خالص بلغة البيئة الحضارية الجديدة([122]).
28) لا يكتفى الفارابى بنصوص أرسطو، ولكنه يذهب لتأويلاتها المختلفة لدى الشراح سواء أجمعوا عليه أم اختلفوا فيه، سواء ما فهموه أو ما أساءوا فهمه، ويقف الفارابى حكما بين الجميع، فيخطئ الشراح فى معرفة قصد أرسطو، ويصحح مزاعمهم، ويكشف أخطاءهم ويبين أسبابها، والفارابى فى وسط كل هذا على وعى عميق بأن الفكر يتكون من اللفظ والمعنى والشىء، وأن الشراح وإن استعملوا ألفاظا متباينة قد تتفق أو تختلف، ولكنها لا تؤثر كلها فى المعانى ذاتها، فالمهم هو المسميات لا الأسماء، بل إنه فصل بين معانى أرسطو نفسه وألفاظه، فالشروح للألفاظ من أجل توضيح المعانى، ولهذا فالأمثلة التى يستعملها أرسطو ليست هى الحقائق بل يمكن ضرب أمثلة أخرى لتوضيح نفس الحقائق، ويعيب الفارابى على الشراح عدم دخولهم فى الذهن الأرسطى ([123]).
29) يؤكد الفارابى على أهمية معرفة قوانين كل صناعة، وأن كل صناعة إنما تكون كذلك بقوانينها الكلية، ومن هنا لا بد على كل مصنِّف أن يعتنى عناية تامة بالقوانين الكلية، يقول الفارابى: ((والقوانين فى كل صناعة أقاويل كلية، أى جامعة، ينحصر فى كل واحد منها أشياء كثيرة مما تشتمل عليه تلك الصناعة وحدها حتى يأتى على جميع الأشياء التى هى موضوعة للصناعة أو على أكثرها، وتكون معدة إما ليحاط بها ما هو من تلك الصناعة، لئلا يدخل فيها ما ليس منها، أو يشذ عنها ما هو منها، وإما ليمتحن بها ما لا يؤمن أن يكون قد غلط فيه غالط، وإما ليسهل بها تعلم ما تحتوى عليه الصناعة وحفظها، والأشياء المفردة الكثيرة إنما تصير صنائع أو فى صنائع بأن تحصر فى قوانين تحصل فى نفس الإنسان على ترتيب معلوم)) ([124])، ونستخلص من ذلك: أن العناية بالقوانين الكلية أحد الأسس المهمة فى منهج التصنيف عند الفارابى، وبالقوانين الكلية تتحول المفردات الجزئية الكثيرة إلى صنائع كاملة، ومسلك الفارابى فى كتابه العظيم إحصاء العلوم يضع أيدينا بوضوح وبصورة تطبيقية على تلك الفكرة، حيث يحاول الفارابى دائما أن يعطى فى كل صناعة أو علم وقف عليه القوانين الكلية التى تحكمه والتى صار بها صناعة([125]).
30) ويقدم الفارابى من خلال فكرة القوانين الكلية الخطوط العريضة لمنهج تصنيف فى العلوم الفلسفية وغيرها التى شملها كتابه إحصاء العلوم، فمنهج التصنيف فى العلم الطبيعى مثلا يعتمد على أنه علم ينظر فى الأجسام الطبيعية وفى الأعراض التى قوامها فى هذه الأجسام، ويعرف الأشياء التى عنها والتى بها والتى لها توجد هذه الأجسام والأعراض التى قوامها فيها، والأجسام منها صناعية ومنها طبيعية، وحال الأجسام الطبيعية فى هذه الأمور (كالغاية والغرض والعرض والمادة والفاعل والمكون) كالأجسام الصناعية، ومواد الأجسام وصورها وفاعلها والغايات التى لأجلها وجدت تسمى مبادئ الأجسام، وإن كانت لأعراض الأجسام تسمى مبادئ الأعراض التى فى الأجسام، والعلم الطبيعى يعرف من كل جسم طبيعى مادته وصورته وفاعله والغاية التى لأجلها وجد ذلك الجسم، وكذلك فى أعراضها، والأجسام الطبيعية منها بسيطة ومنها مركبة، فالبسيطة هى الأجسام التى وجودها لا عن أجسام أخر غيرها، والمركبة هى التى وجودها عن أجسام أخر، وبناء على هذا ينقسم العلم الطبيعى ثمانية أجزاء عظمى: 1- الفحص عما تشترك فيه الأجسام الطبيعية كلها البسيطة والمركبة. 2- الفحص عن الأجسام البسيطة والاسطقسات، هل هى موجودة، وإن كانت موجودة فأى أجسام هى.... 3- الفحص عن كون الأجسام الطبيعية وفسادها. 4- الفحص عن مبادئ الأعراض والانفعالات التى تخص الاسطقسات وحدها. 5- النظر فى الأجسام المركبة من الاسطقسات، وتنقسم إلى متشابهة الأجزاء ومختلفتها. 6- النظر فيما تشترك فيه الأجسام المركبة والمتشابهة الأجزاء. 7 – النظر فيما يشترك فيه أنواع النبات من الأجسام المركبة المختلفة الأجزاء. 8 – النظر فيما يشترك فيه أنواع الحيوان من الأجسام المركبة المختلفة الأجزاء([126]). وهكذا أعطانا الفارابى منهجا متكاملا للتصنيف فى العلم الطبيعى، والذى عرضنا له كنموذج فحسب([127])، وقد حاول الفارابى القيام بالأمر نفسه بطول كتابه إحصاء العلوم وعرضه فى كل ما عرض له من علوم سواء أكانت فلسفية أو غيرها.
31) ويقوم منهج التصنيف الفلسفى عند الفارابى على محاولة الوصول إلى الموضوعية، فهو قبل أن يخوض فى أى مشكلة فلسفية يرسم الطرق، ويحدد الأهداف، ويضع جميع الاحتمالات الممكنة، ويرجع إلى آراء السابقين والمعاصرين له، ولا يصدر رأيه إلا بعد أن يكون قد أوسع الفكرة بحثا وتحليلا، ورسالته المسماة (ما ينبغى أن يقدم قبل تعلم الفلسفة) أشبه ما تكون بفهرس مقسم مبوب لعرض المدارس الفلسفية اليونانية، حتى يكون دارس الفلسفة على بينة من أمره قبل أن يخوض فيها([128]).
32) ويتنوع المنهج الجدلى الذى يستخدمه الفارابى بتنوع الموضوع، فنستطيع أن نميز استخدامه لمنهج (الجدل النازل) بشكل خاص فى الإلهيات، ومنهج (الجدل الصاعد) بشكل خاص فى الإنسان والمجتمع، وتكاد فلسفة الفارابى أن تكون حوارا مستمرا بين الاثنين، وسعيا دءوبا للتقريب بين ما هو مفارق وما هو إنسانى، ففى كتابه (آراء أهل المدينة الفاضلة) يستعمل الجدل النازل، حيث يبدأ من الموجود الأول ثم فى صدور الموجودات عنه، ويستمر فى النـزول بشكل تدريجى، ويقرر الفارابى هذا المنهج الجدلى بقوله: ((لك أن تلحظ عالم الخلق فترى فيه أمارات الصنعة، ولك أن تعرض عنه وتلحظ عالم الوجود المحض، وتعلم أنه لا بد من وجود بالذات، وتعلم كيف ينبغى أن يكون عليه الوجود بالذات، فإن اعتبرت عالم الخالق فأنت صاعد، وإن اعتبرت عالم الوجود المحض فأنت نازل)) ([129])، ونلاحظ أنه بنى أبواب كتابه هكذا بناء على الجدل النازل، فأتى ترتيب أبوابه على النحو التالى: 1- القول فى الموجود الأول. 2 – القول فى نفى الشريك عنه تعالى. 3- القول فى نفى الضد عنه. 4- القول فى نفى الحد عنه سبحانه. 5- القول فى أن وحدته عين ذاته، وأنه تعالى عالم حكيم وأنه حق وحىٌّ. 6- القول فى عظمته وجلاله ومجده تعالى. 7- القول فى كيفية صدور جميع الموجودات عنه. 8- القول فى مراتب الموجودات. 9- القول فى الأسماء التى ينبغى أن يسمى بها الأول تعالى مجده. ومن الأبواب 10: 19 يبدأ النـزول إلى الكلام فى الموجودات فيتكلم فى الموجودات الثوانى، والمادة والصور، وما تشترك فيه الأجسام، والحركة، والأحوال، والأسباب، ومراتب الحدوث، وتعاقب الصور على الهيولى. وبداية من الباب (20: 25) ينـزل الكلام إلى النفس، فيتكلم فى أجزاء النفس البشرية وقواها، ثم أخيرا ينـزل بداية من الباب (26) إلى الباب الأخير (37) فى بيان احتياج الإنسان إلى الاجتماع، وما هى المدينة الفاضلة ومضاداتها. وهكذا يتضح لنا من خلال هذا المثال أثرا جليا للمنهج الجدلى عند الفارابى وتجليه على منهج التصنيف الفلسفى عنده، حيث انبنى عليه خطة التصنيف فى كتابه (آراء أهل المدينة الفاضلة).
33) يمتاز الفارابى بالإلمام، ليس فقط بتخصصه الدقيق الفلسفة، ولكن بمعارف عصره عامة، سواء اللغوية أو الشرعية، ((ويدل كتابه هذا (يعنى إحصاء العلوم) على مدى تمكنه من مختلف فروع المعرفة السائدة فى عصره، فقد عرض كل فرع من هذه الفروع عرض الخبير بحقائقه، الملم بما وصل إليه الباحثون فى مختلف مسائله)) ([130]).
34) تعرض الفارابى فى الجمع بين رأيى الحكيمين إلى المقارنة بين موقف أفلاطون وأرسطو من التدوين([131])، ومن الواضح من خلال هذا النص وعى الفارابى العميق بمشكلات منهج التصنيف، ووقوفه الدقيق على مناحيه، ووجوه التصرف فيه.
35) يرى الفارابى فى منهجه فى التصنيف أن الأقاويل المشهورة لا داعى لذكرها استغناء بشهرتها، والأهم هو منهج تناولها والتعامل الصحيح معها، وفى ذلك يقول: ((ومن ذلك الصور والمثل التى تنسب إلى أفلاطون وأرسطو على خلاف رأيه فيهما... وبين ما يلزمها من الشناعات... ينطق بها فى تلك الأقاويل ما يطول بذكرها هذا القول، وقد استغنينا لشهرتها عن الإعادة، مثل ما فعلنا بسائر الأقاويل حيث أومأنا إليها وإلى أماكنها وخلينا ذكرها بالنظر فيها والتأويل لها لمن يلتمسها من مواضعها، فإن الغرض المقصود من مقالتنا هذه إيضاح الطرق التى إذا سلكها طالب الحق لم يضل فيها، وأمكنه الوقوف على حقيقة المراد بأقاويل هذين الحكيمين من غير أن ينحرف عن سواء السبيل إلى ما تخيله الألفاظ المشكلة))([132])، ويؤكد الفارابى على أن المقصود المعانى وحقائق المذاهب، دون الألفاظ ولهذا يوجه نصيحته لطالب الحق أن ((لا يتبع الألفاظ متابعة تامة)) ([133]).
36) ومن الملاحظات المهمة حول منهج التصنيف الفلسفى عند الفارابى هو تناوله لبعض الموضوعات فى أكثر من كتاب بصورة شديدة التقارب وربما التكرار أيضا، كما نراه فى كتبه: التنبيه على سبيل السعادة – تحصيل السعادة – السياسة المدنية، وكما نراه بين بعض فقرات كتابيه الملة، وإحصاء العلوم([134])، وربما رجع ذلك إلى كونها رسائل أرسل بها إلى بعض أصحابه، فيكرر فيها الموضوع بحسب السؤال، وبغض النظر عن كونه سبق فى موضع آخر، حتى تحصل الفائدة للسائل.
37) وقد يكون مدخله فى تناول الموضوعات الفلسفية مدخلا لغويا، وقد فعل هذا فى كتابه الحروف، فأتى الباب الأول – بحسب تقسيم المحقق – فى الحروف وأسماء المقولات، من خلال (18) فصلا تتناول: حرف إن – متى – وجعل الكلام عليهما مدخلا للكلام عن الموضوعات الفلسفية التالية: المقولات – المعقولات الثوانى – الموضوعات الأول للصنائع والعلوم، ثم انتقل بعد ذلك إلى أشكال الألفاظ وتصريفها تناولا فلسفيا لهذه الظواهر اللغوية، ومنها انتقل إلى الكلام على النسبة والإضافة وأنواعها، فى الفلسفة واللغة، ويربط ذلك بالكلام عن الحرف (أين)، ويتناول العلاقة بين النسبة والمقولات، ليعود مرة أخرى إلى بعض مباحث المقولات فيتحدث عن العرض والجوهر، ويفضى به ذلك إلى الكلام عن الذات والفرق بينه وبين الجوهر، وعن الموجود، وعن عملية الاصطلاح من خلال تحليل لغوى وفلسفى شيق لكيفية اشتقاق مصطلح الهوية، وعن الشىء، والمقصود بـ (الذى من أجله)، ثم يتكلم عن الحرف (عن) وبه يختم الباب الأول. أما الباب الثانى – بحسب عنونة المحقق – فعن حدوث الألفاظ والفلسفة والملة وصناعة الكلام والفقه، وحدوث الحروف، وأصل اللغة، وكيفية تطورها، ونشأة الألفاظ والأساليب الخطابية والأشعار، وحدوث الصنائع العملية ثم الصنائع القياسية حتى تكتمل الفلسفة. أما الباب الثالث – بحسب المحقق – فتناول فيه الفارابى حروف السؤال حرفا حرفا وماذا يسأل عنه فى اللغة عن الجواهر أو الأعراض أو المقولات، منبها على مفهوم كل ذلك فلسفيا، وتناول فيه أنواع المخاطبات تناولا فلسفيا، موضحا السؤالات التى تطلب بها المطلوبات فى الصناعات الفلسفية والمنطقية، وحروفها اللغوية.
38) وختاما فإن الفارابى مع كل ما تقدم عن منهجه فى التصنيف الفلسفى، فإن من من أروع كتبه الفلسفية – فى رأينا - هو كتابه التعليقات، والذى كتبه بطريقة الكناش، أو المنتخبات والمختارات، وضمنه خلاصة فكره الفلسفى، فى صورة فقرات قصيرة تبدأ بقوله قال، ولا يجمعها ترتيب ظاهر إلا أنها فى مجال الفلسفة والحكمة تبدأ بالموجودات وصدروها عن ذاته تعالى، وتتنوع بعد ذلك بالكلام عن واجب الوجود، وقوى النفس، ونظرية المعرفة، وحقائق الأشياء، والحدود، فى عبارات رشيقة موجزة حاسمة تذكرنا بالقواعد الأصولية، يذكر فيها خلاصة موقفه الفلسفة من القضية التى يتناولها، ورغم أن الكتاب لا تشمله وحدة موضوعية ظاهرة، إلا أن ذلك يجعل القارئ فى حالة توهج واشتياق دائم للقاعدة التالية التى لا يتوقع موضوعها، دون أن يتسلل السأم إلى نفسه.
39) وعلى النهج نفسه صار الفارابى فى كتاب (النكت فيما يصح وما لا يصح من أحكام النجوم)، وهو وإن كان موضوعا بالأصالة فى علم النجوم، إلا أنه مزدخر بشتى أنواع الحكم والنظرات العميقة فى النفس البشرية والكون ونظرية المعرفة ومنهج البحث، وغير ذلك، وقد ابتدأه الفارابى بفائدة فى فضيلة العلوم والصناعات بأى أمر تكون، ومن لطائف ما ذكر كلامه على ضرورة وجود الأمور الاتفاقية (الصدف) وأنه لولاها لاختل نظام العالم: ((لو لم يكن فى العالم أمور اتفاقية ليس لها أسباب معلومة لارتفع الخوف والرجاء، وإذا ارتفعا لم يوجد فى الأمور الإنسانية نظام إلبتة لا فى الشرعيات، ولا فى السياسيات؛ لأنه لولا الخوف والرجاء لما اكتسب أحد شيئا لغده، ولما أطاع مرءوس لرئيسه، ولما عنى رئيس بمرءوسه، ولما أحسن إلى غيره، ولما أطيع الله، ولما قدم معروف، إذ الذى يعلم أن جميع ما هو كائن فى غد لا محالة على ما سيكون ثم سعى سعيا فهو عابث أحمق يتكلم بما يعلم أنه لا ينتفع به)) ([135])، وهكذا يمضى الفارابى فى نكته تلك، مدليا بخبرته، وهذه النكت – البالغ عددها ثلاثون - فى جميعها تعتبر انتقادا منهجيا لهذا علم، فتلك النكتة السابق ذكرها عن الأمور الاتفاقية تعبر عن هذا النقد المنهجى لموضوع علم النجوم القائم على معرفة الحوادث والنوازل عن طريق حساب النجوم، فانتقد ذلك بأنه يعنى أنه لا يمكن ألا توجد أمور اتفاقية (تكون كذلك بالنسبة لنا) وإلا اختل نظام العالم، فماذا يجدى إذن علم النجوم، وفى نكتة أخرى ينتقد دعوى أن علم النجوم مبنى على التجارب الصادقة، فينتقد هذا بأنه بفرض تسليمه فإن الخبرة المبنية على التجارب الصادقة لا تفيد فى كل الأحيان فيقول: ((التجارب إنما تنفع فى الأمور الممكنة على الأكثر، فأما الممكنة فى الندرة، والممكنة على التساوى فإنه لا منفعة للتجربة فيها، وكذلك الروية وأخذ التأهب والاستعداد إنما ينتفع بها فى الممكن على الأكثر لا غيره، وأما الضروريات والممتنعات فظاهر من أمرهما أن الروية والاستعداد والتأهب والتجربة لا تستعمل فيهما، وكل من قصد لذلك فهو غير صحيح العقل، وأما الحزم فقد ينتفع به فى الأمور الممكنة فى الندرة والتى على التساوى)) ([136])، ويمكن من خلال تحليل هذه النكت استكشاف طرفا من الموقف النقدى عند الفارابى، وهو منهج قائم على الفهم العميق لأسباب الظواهر العلمية، واحتياجات البحث، والبنية العلمية للعلم، والغرض والغاية من ورائه، والتفريق بين ما يصلح للتعميم وما يبقى على خصوصه، والنظرة العميقة للفرق بين الأشياء والتمييز بين خواصها المؤثرة فيها وفى أحكامها([137]).
40) وتابع نهجه هذا فى كتابه فصوص الحكمة الذى يتناول فى أغلبه موضوعات من العلم الإلهى أو علم ما بعد الطبيعة، فى صورة نكات علمية أو قواعد علمية منثورة يترجم لكل منها بقوله (فص)، والفص الأول يتكلم فى الفرق بين الماهية والهوية، ويترك الفصوص يفضى بعضها إلى بعض عن الماهية، لينتقل بعد ذلك إلى الكلام فى الوجود ووجوبه، ثم صفات واجب الوجود، ثم فى النفس وقواها ونظرية المعرفة، والملائكة، كل منها فى عدة فصوص يسلم بعضها إلى بعض فى سلاسة ويسر، لكن أيضا فى عمق وتقديم لخلاصة الفكر الفلسفى، وفص الشىء – كما يقول الشنب غازانى – ((عبارة عن خلاصة الشىء، وزبدته، ولما كانت المباحث المذكورة فى هذه الرسالة عين الحكمة وخلاصة مسائلها، عنون كل طائفة مخصوصة منها بالفص ليشعر فى أول الأمر بجلالة مكانتها، نفاسة شأنها، حتى يرغب الطالبون فى تحصيلها رغبة كاملة)) ([138]).
41) لقد استعمل الفارابى إذن هذا النوع من منهج التصنيف فى عدة كتب له، تمتاز رغم عدم اتخاذها أيا من مناهج التصنيف الفلسفى السابقة عند الفارابى بالعمق والأهمية فى التعبير عن المذهب الفلسفى عند الفارابى، وكأنه الجهد الذى كان يستفرغه فى صناعة التأليف والتصنيف اتجه به بكليته إلى تعميق الأفكار، بحيث استوعب جمام جهده فيها دون أن يبقى شيئا للتصنيف، لكن يغطى على ذلك الأهمية التى اكتساها الكلام، بحيث تشفع لغياب التصنيف المنطقى الصارم، وتصير ذات منطق خاص بها سنجد روحه كثيرا بعد إشراقا وتصوفا.

([1])وللاستزادة بخصوص الفارابى وفلسفته وأهم أفكاره وآرائه راجع: - ابن صاعد، طبقات الأمم (ص 72 – 74). - ظهير الدين البيهقى، تاريخ حكماء الإسلام، (ص 30 - 35). - ابن أبى أصيبعة، طبقات الأطباء، (ص 603 - 609). - دى بور، تاريخ الفلسفة فى الإسلام، مع تعليقات د/ أبى ريدة (ص 192 - 237). - أ/ سعيد زايد، الفارابى، وهى دراسة قيمة موجزة عن الفارابى. - أ/د عثمان أمين، مقدمة تحقيقه لكتاب (إحصاء العلوم للفارابى)، وفيها دراسة ضافية عن أثر هذا الكتاب ومنهجه (ص 7 - 50). - د/ إبراهيم مدكور، فى الفلسفة الإسلامية – منهج وتطبيقه، (1/35 – 45، 69 - 99، 2/80 – 82، 144-145). - أ/د محمد البهى، الجانب الإلهى من التفكير الإسلامى، (ص 267 - 320). – أ/د محسن مهدى، مقدماته الضافية لتحقيقاته بعض نصوص الفارابى مثل: الألفاظ المستعملة فى المنطق، الحروف، الواحد والوحدة، كتاب الملة ونصوص أخرى. – أ/د ألبير نصرى نادر، مقدماته لتحقيق بعض نصوص الفارابى مثل آراء أهل المدينة الفاضلة، والجمع بين رأيى الحكيمين، وفيها معلومات تاريخية مهمة عنها ومقدمة تحليلية لكل كتاب منها. - أ/د محمد كمال إبراهيم جعفر، تأملات فى الفكر الإسلامى، (ص 299- 344). - أ/د عاطف العراقى، ثورة العقل فى الفلسفة العربية، (ص 81 - 118). - أ/د محمد الأنور السنهوتى، أ/د عبد الحميد مدكور (بالاشتراك)، دراسات فى الفلسفة الإسلامية، (ص 159 - 179). - أ/د محمد على أبو ريان، تاريخ الفكر الإسلامى، (ص 325 – 362)، وله أيضا دراسة نشرت فى الكتاب نفسه كملحق (ص 509 - 533) بعنوان: دراسة تحليلية مقارنة بين المنطق والنحو ورأى الفارابى فيها. - أ/د عبد الحليم محمود، التفكير الفلسفى فى الإسلام، (ص 236 - 263). - د/ محمد سليم سالم، ومقدمات تحقيقه لبعض مؤلفات الفارابى مثل كتاب العبارة، والخطابة. – أ/د جعفر آل ياسين ومقدمات أعماله عن الفارابى، مثل: الفارابى فى حدوده ورسومه، ومقدمة تحقيقه لرسالتى: مقالة فيما يصح وما لا يصح من أحكام النجوم – جوابات لمسائل سئل عنها، للفارابى. - أ/د على عبد الواحد وافى، المدينة الفاضلة للفارابى. – وحول نفس الموضوع (المدينة الفاضلة) دَارَ عملُ فاروق سعد (مع الفارابى والمدن الفاضلة)، مع التعريف بالفارابى وبمؤلفاته، وعرض للمدن الفاضلة عند الآخرين. - أ/د عبد الفتاح الفاوى (بالاشتراك)، فى الفلسفة الإسلامية – أعلامها ومعالمها، (ص 188 - 212). - تشارلس بترورث، مقدمة تحقيقه لتلخيص كتاب المقولات لابن رشد، (ص 22 - 25) وفيه ملاحظات قيمة حول مؤلفات الفارابى المنطقية مقارنة بمؤلفات ابن رشد. - د/ ألفت كمال الروبى، نظرية الشعر عند الفلاسفة المسلمين – من الكندى حتى ابن رشد. - أ/د ماجد فخرى، مقدمة تحقيق كتاب ابن باجه، تعاليق على منطق الفارابى، (ص 7-20) وفيها مقارنات موجزة قيمة عن منطق الفارابى وابن باجه، وعن موقف الفارابى من ترتيب الصناعة المنطقية وموضع علم المقولات، وتعليق ابن باجه على ذلك. - مجموعة من كبار الباحثين، الكتاب التذكارى - أبو نصر الفارابى فى الذكرى الألفية لوفاته 950 م، تصدير د/ إبراهيم مدكور، ويشمل تسعة بحوث مهمة حول فلسفة الفارابى تناولت فى الباب الأول منهجه، وفى الثانى آراءه، وفى الثالث أثره، من خلال تسعة فصول، فى كل فصل بحث. – أ/د سحبان خليفات، دراسته القيمة للفارابى ولكتابه التنبيه على سبيل السعادة، والتى جعلها مقدمة لتحقيق الكتاب، ووقف فيها عند مصادر الفارابى وأثره فيمن بعده، وأهمية هذا النص باعتباره من أواخر ما ألف الفارابى وغير ذلك من القضايا (ص 5 – 176). – أ/د زينب عفيفى، فلسفة اللغة عند الفارابى. - د/ مصطفى سيد أحمد صقر، نظرية الدولة عند الفارابى – دراسة تحليلية تأصيلية لفلسفة الفارابى السياسية. - د/ منير سغبينى، نظرية الفضيلة عند الفارابى. - د/ إبراهيم عاتى، الإنسان فى الفلسفة الإسلامية – نموذج الفارابى. - موزة أحمد رشد العبار، البعد الأخلاقى للفكر السياسى الإسلامى عند الفارابى والماوردى وابن تيمية – دراسة تحليلية نقدية فى فلسفة السياسة، وما يخص الفارابى منه (ص 181– 218). أ/د يمنى طريف الخولى، من منظور فلسفة العلوم: الطبيعيات فى علم الكلام من الماضى إلى المستقبل، (ص 106 - 109) وتشمل إشارة مهمة عن فلسفته الطبيعية. - عبد المنعم حمادة، من رواد الفلسفة الإسلامية، (ص 115-168).
([2]) أ/د على عبد الواحد وافى، المدينة الفاضلة للفارابى، (ص 11).
([3]) ابن صاعد، طبقات الأمم (ص 72).
([4]) أ/د محمد على أبو ريان، تاريخ الفكر الفلسفى فى الإسلام، (ص 328).
([5]) أ/د أحمد الطيب، الجانب النقدى فى فلسفة أبى البركات البغدادى، (ص 64).
([6]) ضمن مجموع نصوص لم تنشر متعلقة بتاريخ التصوف فى بلاد الإسلام، لماسنيون. نقلا عن:.
([7]) أ/د أبو ريان، تاريخ الفكر الإسلامى، (ص 329).
([8]) أ/د عبد الحليم محمود، التفكير الفلسفى فى الإسلام، (ص 247).
([9]) د/ منير سغبينى، نظرية الفضيلة عند الفارابى، (ص 118 - 119) باختصار وتصرف. وانظر أيضا بخصوص الفلسفة الفيضية عند الفارابى: أ/د ألبير نصرى نادر، مقدمة تحقيق (كتاب آراء أهل المدينة الفاضلة) للفارابى، (ص 17 - 22).
([10]) انظر هنا: (ص 146).
([11]) اعتنت أ/د فوقية حسين، ببيان جوانب أصالته فى مقالة (الفارابى بين الإيجاد والإبداع)، ضمن كتاب (مقالات فى أصالة المفكر المسلم)، (ص 98 - 135).
([12]) أ/د حسن حنفى، الفارابى شارح أرسطو، بحث منشور ضمن الكتاب التذكارى - أبو نصر الفارابى فى الذكرى الألفية (ص 67).
([13]) أ/د حسن حنفى، الفارابى شارح أرسطو، بحث منشور ضمن الكتاب التذكارى - أبو نصر الفارابى فى الذكرى الألفية (ص 69).
([14])أ/د حسن حنفى، الفارابى شارح أرسطو، بحث منشور ضمن الكتاب التذكارى - أبو نصر الفارابى فى الذكرى الألفية (ص 76، 79، 80)، بتصرف واسع، وقد ذكر فى الهوامش العديد من نصوص الفارابى المؤيدة لذلك، والنصان المذكوران منقول من كتاب العبارة (ص 117)، مقالة فى قوانين صناعة الشعراء (ص 194، مؤلفات الفارابى ج2).
([15])أ/د حسن حنفى، الفارابى شارح أرسطو، بحث منشور ضمن الكتاب التذكارى - أبو نصر الفارابى فى الذكرى الألفية (ص 95 - 98) باختصار وتصرف.
([16]) أ/د زينب عفيفى، فلسفة اللغة عند الفارابى، (ص 44).
([17])أ/د حسن حنفى، الفارابى شارح أرسطو، بحث منشور ضمن الكتاب التذكارى - أبو نصر الفارابى فى الذكرى الألفية (ص 80 - 81) باختصار وتصرف، وقد ذكر شواهد عدة لذلك من نصوص الفارابى.
([18]) أ/د محسن مهدى، مقدمة تحقيق الحروف للفارابى، (ص 27).
([19]) أ/د زينب عفيفى، فلسفة اللغة عند الفارابى، (ص 45، 68)، وللتوسع راجع: المصدر نفسه (ص 37 – 94).
([20]) انظر بخصوص هذا: الفارابى، إحصاء العلوم، (ص 57 - 66).
([21])أ/د حسن حنفى، الفارابى شارح أرسطو، بحث منشور ضمن الكتاب التذكارى - أبو نصر الفارابى فى الذكرى الألفية (ص 88 - 89) باختصار وتصرف.
([22]) د/ إبراهيم عاتى، الإنسان فى الفلسفة الإسلامية – نموذج الفارابى، (ص 8). وكمثال انظر تأثير كتابه (الواحد والوحدة) فيمن بعده كالتوحيدى وابن باجه وابن رشد: أ/د محسن مهدى، مقدمة تحقيق كتاب الواحد والوحدة للفارابى، (ص 19، 22).
([23]) الفارابى، الحروف، (ص 151 - 152).
([24]) أ/د أبو ريدة، تعليقاته على كتاب دى بور، تاريخ الفلسفة فى الإسلام، (ص 237).
([25]) الفارابى، التنبيه على سبيل السعادة، (ص 177 – 184، 222 – 226، 232) باختصار واسع وإضافات يسيرة بين الأقوس للتوضيح. وانظر بخصوص هذه القضية: مصطفى الشيخ مصطفى عبد الرازق، تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية، (ص52-53)، ومقدمة أ/د سحبان خليفات لتحقيقه للكتاب، (ص 167 – 168).
([26]) الفارابى، التعليقات، (ص 4 - 5).
([27]) الفارابى، التعليقات، (ص 13).
([28]) الفارابى، التعليقات، (ص 9).
([29]) الفارابى، التعليقات، (ص 12).
([30]) الفارابى، النواميس، (ص 54)، نقلا عن: أ/د جعفر آل ياسين، الفارابى فى حدوده ورسومه، (ص 185).
([31]) الفارابى، التعليقات، (ص 11).
([32]) الفارابى، الحروف، (ص 25).
([33]) انظر هنا: (ص 233).
([34]) د/ إبراهيم عاتى، الإنسان فى الفلسفة الإسلامية – نموذج الفارابى، (ص 127 - 128)، ولمزيد من التوسع حول نظرية المعرفة عند الفارابى: راجع المصدر نفسه (ص 128 - 207)، مع المقارنة مع غيره من الفلاسفة.
([35]) الفارابى، التعليقات (ص 3-5) باختصار، وانظر: د/ إبراهيم عاتى، الإنسان فى الفلسفة الإسلامية – نموذج الفارابى، (ص 128).
([36]) ابن صاعد، طبقات الأمم (ص 73).
([37]) د/ عثمان أمين، مقدمة تحقيقه لإحصاء العلوم للفارابى، (ص 8).
([38]) د/ إبراهيم عاتى، الإنسان فى الفلسفة الإسلامية – نموذج الفارابى، (ص 36).
([39]) أ/د حامد طاهر، مدخل إلى علم المنهج (ص 144).
([40])انظر: د/ عثمان أمين، مقدمة تحقيقه لإحصاء العلوم للفارابى، (ص 16).
([41]) د/ عثمان أمين، مقدمة تحقيقه لإحصاء العلوم للفارابى، (ص 16 - 17).
([42]) السيد إسماعيل الحسينى الشنب غازانى، شرح فصوص الحكمة، ط طهران (ص 7).
([43]) الفارابى، إحصاء العلوم، (ص 53 – 55).
([44]) لمزيد من التوسع بالتحليل والمقارنة والنقد لنظرية تصنيف العلوم عند الفارابى راجع: أ/د حامد طاهر، مدخل إلى علم المنهج (ص 144 - 184).
([45]) راجع بخصوص ذلك: د/ عثمان أمين، مقدمة تحقيقه لإحصاء العلوم للفارابى، (ص 19 - 28).
([46]) للتوسع حول هذه الفكرة: د/ إبراهيم عاتى، الإنسان فى الفلسفة الإسلامية – نموذج الفارابى، (ص 35 - 45).
([47]) الشيخ مصطفى عبد الرازق، تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية، ص 54.
[48])) ظهير الدين البيهقى، تاريخ حكماء الإسلام، (ص 34 - 35).
([49]) الفارابى، إحصاء العلوم، (ص 74)، د/ عثمان أمين، مقدمة تحقيقه لإحصاء العلوم للفارابى، (ص 17- 18).
([50]) ص 9 طبع مجلس المعارف العثمانية، نقلا عن: الشيخ مصطفى عبد الرازق، تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية، ص 54.
([51])للتوسع بخصوص قضية التوفيق عند الفارابى راجع على سبيل المثال: البحوث التالية المنشورة الكتاب التذكارى - أبو نصر الفارابى فى الذكرى الألفية: أ/د محمد البهى، الفارابى الموفق والشارح، (ص 30- 63). أ/د حسن حنفى، الفارابى شارح أرسطو، (ص 98 – 114) ويقدم فيها رؤية متميزة عن الشائع بخصوص هذه القضية، أ/ سعيد زايد، الفارابى والتوفيق، (ص 154- 170). البروفسير لويس جارديت، التوفيق بين الدين والفلسفة عند الفارابى، (171- 188، وهو بالفرنسية).
([52]) أ/د أحمد الطيب، الجانب النقدى فى فلسفة أبى البركات البغدادى، (ص 64).
([53]) د/ إبراهيم عاتى، الإنسان فى الفلسفة الإسلامية – نموذج الفارابى، (ص 54).
([54])أ/د محمد البهى، الفارابى الموفق والشارح، بحث منشور ضمن الكتاب التذكارى - أبو نصر الفارابى فى الذكرى الألفية (ص 33- 34) باختصار وتصرف.
([55]) أ/د أحمد الطيب، الجانب النقدى فى فلسفة أبى البركات البغدادى، (ص 68 – 69) باختصار وتصرف.
([56])أ/د محمد البهى، الفارابى الموفق والشارح، بحث منشور ضمن الكتاب التذكارى - أبو نصر الفارابى فى الذكرى الألفية (ص 57).
([57])أ/د عبد الحليم محمود، التفكير الفلسفى فى الإسلام، (ص 249). وللتوسع حول محاولة الفارابى التوفيقية انظر: أ/د محمد يوسف موسى، بين الدين والفلسفة فى رأى ابن رشد وفلاسفة العصر الوسيط (ص 54 – 63). أ/د محيى الدين أحمد الصافى، قضية التوفيق بين الدين والفلسفة، (ص 24 – 65، 96 - 106).
([58])أ/د حسن حنفى، الفارابى شارح أرسطو، بحث منشور ضمن الكتاب التذكارى - أبو نصر الفارابى فى الذكرى الألفية (ص 98 - 100) باختصار وتصرف.
([59]) أ/د عبد اللطيف العبد، دراسات فى الفكر الإسلامى، (ص 211). ولمزيد من التوسع حول هذه القضية عند الفارابى وعلاقتها بنظرية المعرفة عنده، انظر: د/ إبراهيم عاتى، الإنسان فى الفلسفة الإسلامية – نموذج الفارابى، (ص 54 - 62).
([60]) د/ إبراهيم مدكور، فى الفلسفة الإسلامية – منهج وتطبيقه، (1/35، 38)، وللتوسع فى هذه الفكرة وبيان مدى تأثيرها على الفلاسفة الإسلاميين بعد الفارابى، انظر: -المرجع السابق نفسه، (1/35 – 68). - أ/د محمد الأنور السنهوتى، أ/د عبد الحميد مدكور (بالاشتراك)، دراسات فى الفلسفة الإسلامية، (ص 170 – 179).
([61]) أ/د عبد الحليم محمود، التفكير الفلسفى فى الإسلام، (ص 242). د/ إبراهيم مدكور، فى الفلسفة الإسلامية – منهج وتطبيقه، (1/49).
([62]) د/ إبراهيم مدكور، فى الفلسفة الإسلامية – منهج وتطبيقه، (1/49) بتصرف.
([63]) د/ إبراهيم مدكور، فى الفلسفة الإسلامية – منهج وتطبيقه، (1/37).
([64]) الفارابى، الثمرة المرضية فى بعض الرسالات الفارابية (ص 75)، نقلا عن د/ إبراهيم مدكور، المرجع السابق، (1/37 – 38).
([65]) د/ إبراهيم مدكور، فى الفلسفة الإسلامية – منهج وتطبيقه، (1/36).
([66]) د/ إبراهيم مدكور، فى الفلسفة الإسلامية – منهج وتطبيقه، (1/ 38، 40، 42 - 45) باختصار وتصرف واسعين.
([67]) انظر هنا: (ص 258).
([68]) ابن صاعد، طبقات الأمم (ص 72-73).
([69])ابن صاعد، طبقات الأمم (ص 73- 74).
([70]) تشارلس بترورث، مقدمة تحقيقه لتلخيص كتاب المقولات لابن رشد، (ص 22 - 25)، بتصرف واختصار.
([71]) د/ عثمان أمين، مقدمة تحقيقه لإحصاء العلوم للفارابى، (ص 47).
([72]) انظر مثلا: الفارابى، التعليقات، (ص 9-10، 14 - 16).
([73]) الفارابى، كتاب الجمع بين رأيى الحكيمين، (ص 80 - 81) باختصار واسع.
([74]) الفارابى، تحصيل السعادة، (ص 25).
([75]) الفارابى، تحصيل السعادة، (ص 99).
([76]) نشرت هذه المقالة ضمن رسائل الفارابى (ص 93 – 100) وأُشير فى صدرها إلى أنها منتزعة من كتابه الحروف حيث ذكر ما نصه: ((مقالة شريفة للحكيم الفيلسوف المعلم الثانى... فى أغراض الحكيم فى كل مقالة من الكتاب الموسوم بالحروف، وهو تحقيق غرض أرسطوطاليس فى كتاب ما بعد الطبيعة).
([77]) د/ إبراهيم عاتى، الإنسان فى الفلسفة الإسلامية – نموذج الفارابى، (ص 35).
([78]) د/ إبراهيم عاتى، الإنسان فى الفلسفة الإسلامية – نموذج الفارابى، (ص 54).
([79]) انظر: أ/د محسن مهدى، مقدمته لتحقيق كتاب الفارابى، (الملة)، (ص 13).
([80]) الفارابى، رسالة ما ينبغى أن يقدم قبل تعلم الفلسفة، ضمن الرسائل، (ص 125).
([81]) د/ إبراهيم عاتى، الإنسان فى الفلسفة الإسلامية – نموذج الفارابى، (ص 36).
([82]) انظر هنا: (ص 228).
([83]) الفارابى، إحصاء العلوم، (ص 53).
([84]) الفارابى، كتاب الحروف، (ص 226)، وانظر بخصوص هذا النص: أ/د عاطف العراقى، ثورة العقل فى الفلسفة العربية، (ص 45).
([85]) يعتبر هذا الكتاب من أواخر ما ألف الفارابى (ت 339 هـ)، حيث بدأ تأليفه قبل سنة (330)، واستمر فى تحريره وفرغ من تأليفه وتحريره والنظر فيه سنة (337 هـ) قبل وفاته بعامين، وفيه أخذ المذهب الفكرى والفلسفة للفارابى شكله الناضج والنهائى، راجع: ابن أبى أصيبعة، طبقات الأطباء (ص 608)، أ/د على عبد الواحد وافى، المدينة الفاضلة للفارابى، (ص 18). د/ إبراهيم عاتى، الإنسان فى الفلسفة الإسلامية – نموذج الفارابى، (ص 206).
([86]) د/ إبراهيم عاتى، الإنسان فى الفلسفة الإسلامية – نموذج الفارابى، (ص 8-9).
([87]) الفارابى، كتاب العبارة، (ص 7).
([88]) الفارابى، كتاب العبارة، (ص 7).
([89]) الفارابى، كتاب الجمع بين رأيى الحكيمين، (ص 79).
([90]) الفارابى، آراء أهل المدينة الفاضلة، (ص 32 - 36).
([91]) انظر فيما يؤكد كون اختصار الأبواب التى فى كتاب المدينة الفاضلة عملا مستقلا عن الكتاب نفسه: أ/د محسن مهدى، مقدمة تحقيقه كتاب الفارابى، (الملة)، (ص 28).
([92]) الفارابى، آراء أهل المدينة الفاضلة، (ص 37). والسياق بهذه الطريقة يجعل احتمال كون هذا الاختصار المتقدم على الكتاب ليس من صنع الفارابى نفسه احتمالا قائما ليس ببعيد، رغم أنه وقع فى أصول الكتاب الخطية، مما يعنى أنه من صنع أحد تلاميذ الفارابى، أو ناسخ الأصل العتيق منه، وهو على أية حال قارئ ممتاز لنص الكتاب وقد حافظ فى اختصاره على عبارات الأصل، ثم انتشرت النسخ على ذلك. والترجيح موقوف على تكرر هذا الصنع فى مصنَّفات الفارابى الأخرى، أم تفرد هذا الكتاب به، وهذا يحتاج إلى استقراء تام لمؤلفاته، على أن ما تيسر منها أثناء الدراسة يؤكد على تفرد المدينة الفاضلة بذلك النهج.
([93]) الفارابى، الألفاظ المستعملة فى المنطق، (ص 94 - 95).
([94]) الفارابى، الألفاظ المستعملة فى المنطق، (ص 104 - 116).
([95]) الفارابى، الألفاظ المستعملة فى المنطق، (ص 116).
([96]) الفارابى، التنبيه على سبيل السعادة، (ص 236 - 237).
([97]) الفارابى، تحصيل السعادة، (ص 99).
([98]) الفارابى، الألفاظ المستعملة فى المنطق، (ص 87)، مع زيادة إيضاح بين الأقواس ( ).
([99]) الفارابى، كتاب العبارة، (ص 40، 47).
([100]) انظر مثالا لذلك حول تطور أسلوب الاستدلال الفلسفى من الخطابة إلى البرهان: الفارابى، كتاب الخطابة، (ص 16 - 24).
([101]) د/ إبراهيم عاتى، الإنسان فى الفلسفة الإسلامية – نموذج الفارابى، (ص 22).
([102]) أ/د على عبد الواحد وافى، المدينة الفاضلة للفارابى، (ص 20).
([103])سعيد زايد، الفارابى، (ص 23).
([104]) من أمثلة ذلك كتاب الفارابى، (الواحد والوحدة)، حيث حاول تتبع معانى الواحد والوحدة تتبعا تاما مستقصيا معانيهما اللغوية والفلسفية، ويوضح مقابلهما وهو الكثير والكثرة، لينجلى المعنى جلاء تاما.
([105]) انظر: بخصوص هذه القصة: ابن أبى أصيبعة، طبقات الأطباء (ص438).
([106])سعيد زايد، الفارابى، (ص 23)، والرسالة منشورة ضمن رسائل الفارابى (ص 119 – 127).
([107]) الفارابى، رسالة ما ينبغى أن يقدم قبل تعلم الفلسفة، ضمن الرسائل، (ص 119).
([108]) اعتنى د/ إبراهيم مدكور، بتناول موضوع (الفارابى والمصطلح الفلسفى)، وهو بحث منشور ضمن الكتاب التذكارى فى الذكرى الألفية للفارابى. وأيضا: أ/د زينب عفيفى، فلسفة اللغة عند الفارابى، (ص 95 - 135).
([109]) انظر على سبيل المثال بخصوص كيفية انتقال المصطلحات وتعريبها واشتقاقها عنده: كتاب الحروف، (ص 157 - ).
([110]) اهتم أ/د زينب عفيفى بدراسة ((فلسفة اللغة عند الفارابى)) دراسة مستفيضة نشرت تحت العنوان ذاته، حيث أبرزت الأصول اللغوية لفكر الفارابى المنطقى والفلسفى، ومشكلة المصطلح الفلسفى ودلالته اللغوية ودور الفارابى ومنهجه فى صياغته، ورؤية الفارابى لمشكلة المعنى والعلاقة بين المنطق واللغة، وغير ذلك من قضايا.
([111]) د/ إبراهيم مدكور، الفارابى والمصطلح الفلسفى، بحث منشور ضمن الكتاب التذكارى فى الذكرى الألفية للفارابى (ص 22 - 24) باختصار وتصرف.
([112]) جعفر آل ياسين، الفارابى فى حدوده ورسومه، وقد اعتمد فيه على (49) مؤلف للفارابى بين مخطوط ومطبوع، مبين موضع كل مصطلح فى مؤلفات أرسطو، وفى (11) كتابا من كتب الحدود والمصطلحات العربية.
([113])أ/د حسن حنفى، الفارابى شارح أرسطو، بحث منشور ضمن الكتاب التذكارى - أبو نصر الفارابى فى الذكرى الألفية (ص 65 - 66) باختصار.
([114])أ/د حسن حنفى، الفارابى شارح أرسطو، بحث منشور ضمن الكتاب التذكارى - أبو نصر الفارابى فى الذكرى الألفية (ص 69 - 70) باختصار وتصرف، وقد ذكر أمثلة لذلك من نصوص الفارابى بالهامش.
([115]) أ/د ألبير نصرى نادر، مقدمة تحقيق (كتاب آراء أهل المدينة الفاضلة) للفارابى، (ص 12).
([116]) أ/د سحبان خليفات، مقدمة تحقيق كتاب الفارابى، التنبيه على سبيل السعادة، (ص 29).
([117]) أ/د سحبان خليفات، مقدمة تحقيق كتاب الفارابى، التنبيه على سبيل السعادة، (ص 31 - 38).
([118])أ/د حسن حنفى، الفارابى شارح أرسطو، بحث منشور ضمن الكتاب التذكارى - أبو نصر الفارابى فى الذكرى الألفية (ص 70 – 71، 73)، وقد ذكر أمثلة لذلك من نصوص الفارابى بالهامش.
([119])أ/د حسن حنفى، الفارابى شارح أرسطو، بحث منشور ضمن الكتاب التذكارى - أبو نصر الفارابى فى الذكرى الألفية (ص 71 - 72)، وقد ذكر أمثلة لذلك من نصوص الفارابى بالهامش.
([120]) راجع: أ/د محسن مهدى، مقدمة تحقيقه لكتاب الفارابى، الألفاظ المستعملة فى المنطق، (ص 20 - 21)، وقد أشار إلى وجود صعوبة فى تحديد المستوى الذى ينسب إليه كثير من كتب الفارابى، خاصة وأن بعضها منتزع من كتابه الأصلى ونسخ على حدة ككتاب مستقل، أو وضع فى مجموع آخر يشتمل على مقالات أخرى للفارابى، مما يحيط عملية تحديد هوية كتاب ما للفارابى ومن أى الشروح أو التلاخيص أو الجوامع هو بصعوبات جمة، راجع: المرجع السابق نفسه (ص 19 – 24).
([121])أ/د حسن حنفى، الفارابى شارح أرسطو، بحث منشور ضمن الكتاب التذكارى - أبو نصر الفارابى فى الذكرى الألفية (ص 72، 85، 94، 95، 97) باختصار وتصرف، وقد ذكر أمثلة لذلك من نصوص الفارابى بالهامش.
([122])أ/د حسن حنفى، الفارابى شارح أرسطو، بحث منشور ضمن الكتاب التذكارى - أبو نصر الفارابى فى الذكرى الألفية (ص 72 - 73)، وقد ذكر أمثلة لذلك من نصوص الفارابى بالهامش.
([123])أ/د حسن حنفى، الفارابى شارح أرسطو، بحث منشور ضمن الكتاب التذكارى - أبو نصر الفارابى فى الذكرى الألفية (ص 73 - 79) باختصار واسع، وقد ذكر أمثلة لذلك من نصوص الفارابى بالهامش.
([124]) الفارابى، إحصاء العلوم، (ص 57).
([125]) انظر مثلا: الفارابى، إحصاء العلوم، (ص 67-69) بخصوص القانون الكلى لعلم المنطق، و (ص 93 - 98) بخصوص علم التعاليم، (ص 111 وما بعدها) بخصوص العلم الطبيعى والعلم الإلهى.
([126]) الفارابى، إحصاء العلوم، (ص 111 - 120) باختصار وتصرف.
([127]) وانظر كنموذج آخر: منهج التصنيف الكلامى عند الفارابى، وقد عرضنا له فى مناهج علم الكلام، انظر هنا: (ص 343).
([128]) د/ إبراهيم عاتى، الإنسان فى الفلسفة الإسلامية – نموذج الفارابى، (ص 49 - 50) باختصار.
([129]) الفارابى، فصوص الحكم، مع شرح الشنب غازانى (فص رقم 17،ص 89 - 93)، وللتوسع حول المنهج الجدلى عند الفارابى، راجع: د/ إبراهيم عاتى، الإنسان فى الفلسفة الإسلامية – نموذج الفارابى، (ص 51 – 54).
([130]) أ/د على عبد الواحد وافى، المدينة الفاضلة للفارابى، (ص 17).
([131]) الفارابى، كتاب الجمع بين رأيى الحكيمين، (ص 84 - 85).
([132]) الفارابى، كتاب الجمع بين رأيى الحكيمين، (ص 105 ).
([133]) الفارابى، كتاب الجمع بين رأيى الحكيمين، (ص 109).
([134]) للوقوف على بعض التفاصيل والمقارنات بخصوص ذلك انظر مثلا: أ/د محسن مهدى، مقدمة تحقيق كتاب الملة، (ص 11 – 12، 30). وقد عقد أ/د سحبان خليفات مقابلة كاملة لما فى كتاب التنبيه على سبيل السعادة بما فى مؤلفات الفارابى الأخرى، وذلك فى مقدمة تحقيقه لكتاب التنبيه (ص 14 – 29). وراجع د/ على بوملحم فى مقدمة نشرته لكتاب السياسة المدنية حيث عقد مقارنة مختصرة بين هذا الكتاب وكتاب آراء أهل المدينة الفاضلة (ص 5 – 20).
([135]) الفارابى، النكت فيما يصح من أحكام النجوم، ضمن الرسائل، (ص 148).
([136]) الفارابى، النكت فيما يصح من أحكام النجوم، ضمن الرسائل، (ص 149).
([137]) وبناء عليه - إن صح ما ذكرناه بخصوص تحليل هذه الرسالة – فلا نتفق فى الرأى مع الدكتور جعفر آل ياسين باعتبار هذه الرسالة من أعمال الفارابى المبكرة (ص 18 من مقدمة تحقيقه لها)، لأن العمق والخبرة اللتان تتمتع بهما الرسالة لا يأتيان عادة إلا فى مرحلة النضج الفكرى والفلسفى، وهى مرحلة تأتى متأخرة لا مبكرة.
([138]) السيد إسماعيل الحسينى الشنب غازانى، شرح فصوص الحكمة، ط طهران (ص 35- 36).
https://sites.google.com/site/esamanas/home

hano.jimi
2011-09-16, 15:14
أ – الأنــا :

صورة الأنا التي رسمها حمزة شحاتة لنفسه مليئة بالغموض، يختلط فيها الواقع بالأسطورة، فهو لا يكاد يعي نفسه ((عندما سألتني “ البلاد ” من أنت؟ ذهلت.. لأنني لم أجد في حياتي كلها، ما يعينني على أن أعرف من أنا؟! نعم وبمزيد من المرارة، والخجل، والحيرة، والضياع.. من أنا؟!)) ([103">).

هذه الأنا “ المجهولة ”، غارقة في التأمل حتى في ذاتها. حياة مليئة بالتحوّلات، كرّ وفرّ، سيرٌ ووقوف، ((وحيث يتاح لي أن أتأمل ذاتي، أرى أنني أداة تملى عليها مقدرات حركتها وسكونها. لم أشعر قط، بتحرير إرادتي، وحين بدا للآخرين أنني اكتملت بحكم السن، واتساع أفق التجربة وجدت أن ما يسمى الإرادة فينا، ليس إلا حاصل ظروف، وعوامل ينسحق فيها ما هو ذاتي وداخلي، تحت وطأة ما هو خارجي، فإذا قلت الآن، بصدق إنني أجهل من أنا، أو ما أنا، فلأني لم أستقبل قط، ما أستطيع أن أسمّيه حياتي..)) ([104">).

ذات مطحونة كانت مشغولة بتحرير الإرادة، وما أن قطعت شوطاً في مضمار الحياة حتى تبين لها أن الإرادة انسحاق للذات تحت وطأة الآخر، وهذا منتهى الضياع استعداداً لمعركة لم تحدث، وعملٌ لصياغة كيان لن يوجد ((إني كنت كالجندي الذي قضى أيامه، ولياليه في الاستعداد لمعركة، لم يقدر له أن يخوضها، أو كالمتعلم الذي قضى شطر عمره للتخصص في مجال معيّن، وقضى الشـطر الثاني عاملاً غيـر ثابـت، في كل مجال غير مجال تخصصـه هذا هو أنا..))([105">).

كان حمزة رجلاً طِوالاً كما ذكر صديقه عزير ضياء ((فارع القامة، وثيق البنيان عالي الجبهة)) ([106">)، وكان فيه جفوة كما يقول، ولهذا يشبّه نفسه بهول الليل، تلك الشخصيّة الأسطورية في الحكايات الشعبية في بلادنا ((بيني وبين هول الليل مُشابه. فأنا طويلٌ مثله، وفي طباعي جفوة ووعورة تصرف الناس عن الاطمئنان إلى عشرتي، فأنا وحيد مظلم النفس، انطوي منها على ما يشبه القبر العميق المهدّم، وفيّ ميلٌ إلى الصمت الطويل ولو أخذت لكنت أبكم... وأنا حزين منقبض الصدر أحس دائماً بأنني غريبٌ في الحياة، أو عابر سبيل، أو متفرّج حيل بينه وبين ما يدور تحت أنفه من الحوادث، ويستفزني المزاح والمرح أحياناً فأسخر بالحياة، وأستجيب لبواعث السرور لحظات، وهذه اللحظـات نادرة في حياتي الآنيّة... وهكذا هول الليل... وهول الليل لا ينـزل إلى أذى الصغار إنما يعمد إلى الأقوياء فيخيفهم وهو كثير الإعجاب بمن لا يخافونه.. وبمن يسايرونه وينظرون إليه نظراتهم إلى شيء معقول)) ([107">)

لا تقولي : أهواك، إن حياتي

واقعٌ قاتم الظلال مخوف

كان لي في الهوى ربيعٌ وولى

وتلاشت أصداؤه والطيوف

فأنا اليوم بين أطلال يأسي

طللٌ للرياح فيه عزيف

طللٌ موحش أفاح به الحزن

وأرسى هذا الضباب الكثيف

استقرت به رغائب روحي

جُثثاً مُثلت بهن الصُّروف([108">)



لقد كان حمزة كثير التأمل والصمت وتمنى لو كان أبكم، لأن الواقع الذي يعيش فيه لا يمكن للغة أن تحيط به، ولكنه إذا تكلم أسمع، وإذا ضرب أوجع، فقد عرف عنه أنَّه كان يتحدث ويحاور لساعات طوال لا يملّ من الجدل والمقارعة، وهذا ما يعرفه هو عن نفسه([109">)، ويعرفه عنه أصدقاؤه حيث يذكر عبد الله عبد الجبار إنه ليظل يناقش عشرين ساعة بلا كلل أو ملل([110">).

وحين نقف على نتاج حمزة الفكري والأدبي ندرك أنه نسيج وحده، في بلاغته وذكائه، ومع هذا يرى أن قلّة ذكائه هي مشكلته الكبرى فالذكاء ينقصه حين يكون الذكاء سلاحاً ماضياً في معركة الحياة، ولهذا كان يعتقد - كما يقول - بقدرته على التكيّف مع الحياة التي لا تلبي حريته ولا ترضي عقله، والذكاء في هذه الفلسفة الساخرة عند حمزة يعني “ التنازلات ” والكفر بالقيم والمباديء حين تتصادم مع المصالح، وهو ما يرفضه حمزة، ويضحي بحياته من أجله ولهذا فهو بحاجة إلى الضمير أكثر من حاجته إلى هذا الذكاء وكأنهما أمران لا يجتمعان ((حاجة الإنسان إلى الضمير تنتهي عندما يحصل على مقدار كاف من الذكاء)) ([111">) وقد يكون الذكاء مرادفاً للمجون وهتك الأعراض والبوائق ((إذا كان جارك ذكياً، وجب أن تكون دائماً على حذر))([112">). وقد يكون موقف حمزة شحاتة من هذه الصفة مصادماً لكثير من المفاهيم، ولكنها الحقيقة، فالقيم في حركة دائبة، فالذكاء في عصرنا صار مرادفاً للنفاق الاجتماعي، والانتهازية، وتلوين المواقف، كما صارت الطيبة مرادفة للغباء والضعف، والدروشة.

والصراع النفسي والقلق سمة في أدب حمزة وفي فكره وفي حياته، فهو في شبابه باحث عن المثاليات، وفي شيخوخته حالم بما فات. وحين يتوغل في ذاته، ويكشف لنا أعماقه يقول : ((أحسّ في قرارة نفسي، أني منطو على قطعة مجدبة جافة من الأرض، لا يرف فيها دليل من دلائل الحياة ولا تلح بمعنى من معانيها، وقد تضيق سبلها أحياناً حتى أشعر بانطباقها على جانبيّ...)) ([113">).

فهو يعيش ممزقاً بين عالمين عالم “ اليوتوبيا ” الذي يرسمه لنفسه، وعالم الواقع الذي يعيش فيه. في ليله أحلام وأفكار وأمانٍ وهموم، وفي الصباح حركة مجنونة، وواقع مشاهد يجر الحالم إلى أغلاله وقيوده، كأن هناك ناطوراً يحرسه بالليل من أن تطوف الأحلام برأسه - ومع هذا فهو يحلم ليهرب من واقعه، وحين تشرق الشمس يبدأ الواقع في المداهمة بجنوده وقيوده([114">).

رأسٌ مليء بالهم والكدر والسهر المضني، ونفس كالمقبرة مليئة بقبور الذكريات، وسجين في سجن مظلم مهدّم تجرّه روح قديمة([115">).

هذه المعاناة هي معاناة الكبار، وأحاسيس الفاتحين في معركة الحياة، لأن الحياة لديهم عطاءٌ وبذل وانتماء، وليست غدوّاً ورواحاً. وحين نتأمل سير العظماء نجد “ المكابدة ” والسهر، والتمزّق الداخلي زاداً يوميّاً لهم، غارقون في البحث عن حقائق الأشياء، مولعون بالمعرفة، لا يقتلهم في حياتهم شيء كما تقتلهم الجموع المنطفئة، والأحاسيس الميتة، والتدافع المحموم إلى توافه الحياة ونقائصها. ولهذا كان حمزة يُحسّ بواجب وطني كبير عليه تجاه وطنه، مع أنه لم يكن عالة على أحد، وإنما كان مواطناً باذلاً، مقاوماً لعوامل الضعف فهذا هو مبرر وجوده كما يقول([116">). وكان شاعراً وأديباً ومفكراً من طراز خاص، حين يذكر الشعر والأدب والفكر السعودي يظل حمزة في مقدمة مبدعيها ومع هذا كله يشعر أنه لم يقم بواجباته تجاه وطنه لا بوصفه مواطناً، ولا بوصفه مبدعاً([117">).

وهو في مزاجه الفني متجدّدٌ لا يقر به قرار ((وأنا ذو مزاج سؤوم، لا أدع الزمن يفجعني في طمأنينة شعوري بطرافة الأشياء، وأيّة حقيقة من حقائق الفكر، أو متعة من متعات الحس، أو طوبى من طوبيات الخيال الخلاّب يبقى لها جمالها على الزمن الماضي، أو يفض الخـتام كل يوم عن جمالها ومعانيه جديدة أخاذة؟)) ([118">).

هذا المزاج السؤوم ليس نقيصه، وإنما هو نتاج روح متجدّدة، وعقلية مولعة بالكشف والتمحيص والاهتمام، لا يغنيها جمال عن جمال، تترقى في مطالبها إلى أعلى درجات الكمال وإن كان الكمال لا يدرك، هذه النفس التوّاقة تحتاج إلى فنّ متدفق، يتجدّد في صوره وأشكاله وجمالياته في كل حين، ليظل حيّاً، وممتعاً، وقادراً على التأثير في هذه النفس الفيّاضة.

ولهذا كان حمزة يرى أن أدبه لا ينتمي إلى أيّة مدرسة أدبيّة ؛ لأن كل أثر أدبي عنده يعكس لوناً جميلاً خاصاً به يمكن أن يتصل بمدرسة ما، فهو “ مدارس في رجل ” وهذه هي العبقرّية، ((إن الانتماء الموسع اعتباري من الطراز اللامنتمي)) ([119">)

ولم يكن حمـزة شحاتـة يتعاطى الأدب بوصفه وسيلة، وإنما كان يتعاطاه “ تنفيساً ” عن شعوره “ بمرارة العيش وحرارة القلب ” وما لبثت الممارسة أن استحالت إلى عادة([120">).

هذه هي “ الأنا الشحاتية ” كما صورها صاحبها، “ ذات محيّرة ” يتواءم فيها الغموض والوضوح، والواقع والأسطورة، واليقين والشك، وجماليات هذه الأنا لها نسقها الخاص، فإذا ما تجاوزنا جماليات الإبداع التعبيري الواصف لتلك الأنا، أدركنا أن “ جماليات هذه الأنا ” تكمن في نفيها لذاتها، فلم يغتبط صاحبها، وإنما كان يضعها على محك دقيق، وهذا أمرٌ قل أن يدركه كثير من الناس ((فالأفراد في كل المجتمعات غارقون في استسلام مفعم بالرضا والغبطة في الجانب الاعتقادي والعقلي والمعرفي، وهذه الغبطة هي العائق عن اكتشاف الفرد لذاته لأنه لم يدرك أنه يعيش استلاباً كاملاً، فهو يتوهم أنّه تام التفرد.. لذلك يندر في الناس من يخترق هذا العائق لأنه أصلاً لا يعلم بوجوده فلا يحاول اكتشافه فضلاً عن اختراقه)) ([121">).

لقد اكتشف حمزة شحاتة حقيقة نفسه، واخترق حجبها الكثيفة، فكان جمال هذه النفس - الذي يكمن في عبقرية اهتمامها وولعها بالمعرفة، وحبها للجديد، وسعة إدراكها، وإيمانها بنقصها، وتنكرها لعطاءاتها - بحثاً عن نفس أفضل، وعطاءٍ أكثر جمالاً، إنها ((النفس الفاضلة، في المدينة الفاضلة التي أتعب العظماء أنفسهم في البحث عنها، مع إدراكهم لثمن هذا البحث الشاق:

وما أنا إلا ثائرٌ، فُلَّ سيفه وأسلمه الحامي، فأثخنه الطعن

لقد عاد بي جُهْدُ السُّرى نحو غاية حرامٌ على طُلاّبها العيش والأمن([122">)

ب - الآخر :

حمزة شحاتة “ عقلية تأملية ” لا يحب الوقوف عند الأشياء والأفكار وقوفاً عابراً، وإنما يحب أن يتأمل ويركبّ ويحللّ، ويغربل الأفكار، كما يغربل الناس. اتخذ من المراجعة الدؤوبة، والفحص الدوري للآخر منهجاً في الحياة فقام بفحص ذاته وتجريدها، وقدم لنا في “ النقد الذاتي ” فكراً نيّراً يدل على عظمة المفكر، في التحليل وفي مواجهة الذات ((ذلك الحقل المملوء بالصخور والشوك والعناء والمجهول)) ([123">).

الآخر خضع للفحص تحت منظار هذا المفكر الكبير، وعبّر عنه بلغة أدبية بديعة التصوير والتصوّر. والآخر عنده.

1 - الفرد :

يغلب على نظـرة حمزة شحاتـة للآخـر الفرد التنافي والنبذ والازدراء لا لشخصه، وإنما حين يكون ميت الهمة، سيء الخلق، ضامر الوعي، ولهذا يأتي الآخر مبهماً فيكون اسماً للجنس، يضم تحته أنماطاً كثيرة مشاكلة له في الخصائص، فالنذل هو المخلص لطبيعته، العابد لغرائزه ومصالحه الخاصة ((ليس في الناس من هو أكثر إخلاصاً لطبيعته من النذل)) ([124">) النذل إذن هو الأناني الذي لا تعني الحياة عنده إلا “ الحقوق ” فقط، أمّا الواجبات فلا يعترف بها، والنذل ضعيف النفس، فهو منافق يدعي الذكاء ؛ لضعف نفسه، ودناءة طبعه ((ما أروع النذل عندما يلعب دور الرجل النبيل المهذب أمام ضحايا نذالته على الأخص عندما يظنّهم لا يعرفون)) ([125">).

إن الإنسان يمكن أن يكون رجلاً صالحاً، أو قدّيساً - كما يرى حمزة - ويمكن أن يكون شيطاناً، والفرق بين الصورتين، درجة من الوعي تسمو بالإنسان إلى درجة الملائكة، أو تسقط به إلى عالم الشياطين والوحوش ((إن الإنسان ليس وحشاً خالصاً، كما أنه ليس على بعد ثابت من الوحش، أحياناً يدنو إليه أكثر)) ([126">). والظروف تلعب دوراً مهماً عند حمزة شحاتة في التغيير السيكلوجي، فالإنسان ابن بيئته، ليس هناك إنسان صالح، وإنسان شريرٌ إلا بوسط اجتماعي يتحرك فيه، ويربيه على قيمه ((حتى الوحوش تحمل ذخيرة من الوداعة واللين أمام بعض الظروف)) ([127">).

هذا الإنسان الغاوي يبلغ به حمزة شحاتة درجة من السخرية حين يجعل من حق الشياطين أن تفتش عن سبب غوايتها لديه ((ربما كان من حق الشياطين أن تعتبر الإنسان مسؤولاً عن غوايتها... قالت جنيّةٌ لزوجها أنت إنسان في شكل شيطان)) ([128">).

لكن هذه الصورة تتبدل قليلاً حين يرسم صورة لصديقه الشاعر أحمد قنديل يختلط فيها الإعجاب بالسخرية، فأحمد قنديل شاعر له لسان ((ما يعجزه أن يحك به قفاه لو شاء)) ([129">)، هاديءٌ يقضي في صفّه الدراسي أعواماً لا تندّ من فمه كلمـة اعتراض، ((كاذبٌ ممعن في الكذب وما إخاله إلا كذبة تدفعها الحياة في شكل آدمي ليسهل تسرّبها إلى النفوس والأذهان، يكذب بعضـه على بعضـه، وظاهــره على باطنه، فهـو في مجموعه مثال للتنافر)) ([130">)، وهو شاعر وكاتب من طراز نادر ذو فلسفة في إنكار الذات لو عرفت بين الناس لخلت البلاد من ثمانية أعشار الرذائل التي يولدها الغرور والجهل بالذات، بلديٌّ أصيل، وبلديته هي التي جنت عليه، وغمطته حقه([131">)، وفيه ((ميل إلى الابتكار والتجديد إلا فيما يتصل بمطالب جسده وعيشه فإنه رجعي إلى أطراف أذنيه... وما فتيء قنديل بحاجة إلى ثورة إصلاحية تتناوله من جميع نواحيه الظاهرة، وتقوم بها مصلحة تنظيم مستعدة، وما نرى للبلدية عذراً في إغفال هذا الواجب، فسوف يجيء يومٌ يكون فيه الأستاذ قنديل جزءاً من تاريخ البلد، وجزءاً من تاريخ نشاطه الأدبي)) ([132">).

وتنجلي الصورة عن أجمل مظاهرها في“ شخصيات ثلاث ” رجل وامرأتان، هم معالي الشيخ عبد الله السليمان الحمدان أول وزير مالية في المملكة، وشيرين حمزة شحاتة ابنة حمزة الكُبرى، ونفيسة، أو غادة بولاق.

صورة الشيخ عبد الله الحمدان “ صورة رجل عظيم ” يسوقها حمزة شحاتة مثالاً للعبقريّة ولكن ليتحدث عن سلوكها ؛ لأن في ((نفس العظيم وسبيله في الحياة سراً خفياً من العبقرية الموهوبة يعجز عن إدراكه التحليل)) ([133">).

قيمة هذه الصورة الجميـلة تكمن في “ وعيها الشمولي ” وقدرتـها على “ التجديد والابتكار ” في ذلك كله، مع اتفاق تام بين “ المخبر والمظهر ”.

hano.jimi
2011-09-16, 15:16
فهو عبقريٌّ في كل عمل يلجه، ((فهو في حفول نفسه بمعاني العبقرية الفياضة أكثر من رجل، وأكبر من عظيم، وما بالك برجل يأبى إلا أن يكون في كل أعماله معنى من الابتكار والعمل الجبار؟ ومعنى من الأمل المنظم، ومعنى من الطموح الزاخر؟)) ([134">).

كل هذا الإبداع يتجلى في ((وجه هاديء رصين الملامح، تترقرق فيه قوّة الأمل، وقوّة الإرادة، وقوّة الإيمان، وتجول مجالها في حواشيه الوادعة معان جذابة من اللطف، والكرم، واللين واتساع مدى الشعور، ومعان ناطقة تعبر عما يزدحم وراءها من ألوان العواطف والخوالج، والإحساس الدقيق لكل ما هو جميل وعظيم، وسويّ وفتان وقويّ)) ([135">).

اجتمعت الأضداد في هذه الصورة الجميلة. الظاهر هدوء كهدوء الفجر الحالم، والباطن كونٌ يعج بالحركة، وشعلة تتوقد، وتفكير لا تقف دونه الحواجز، واللسان سحر وفتنة تقتاد أعصى القلوب([136">).

وعبقرية الرجل دليل عبقرية “ عاهل العرب الأكبر ” الملك عبد العزيز الذي أحسن الاختيار ((ولأن من حسنات عاهل العرب الأكبر عبد العزيز الأول، ما نراه اليوم من آثار بارزة في نهضة الشعب الكريم، وإصلاح سبيله في الحياة، فإن من أكبر الحسنات ولاشك أن يكون هذا الوزير الخطير، يداً عاملة لجلالته)) ([137">).

وقد كان من آثار عبقرية الحمدان التجديّدية، إقامة رصيف لبناء الجمارك، وإعداد مخازن محكمة للبضائع ارتقت بفنيات التخزين.

ويربط حمزة التجديد في هذا المعمار بالوظيفة التي يؤديها، والأفكار التي يتأسس عليها فالفكرة قائمة ((على ترقية التاجر وتبديد شعوره بالغبن والإرهاق، وعلى التقريب الفكري بينه وبين أنظمة الحكومة ومقرراتها، ونصيب الفلسفة الإنسانية في هذا واضح بيّن)) ([138">).


الحمدان عبقرية إدارية تخطّت مفاهيم “ الإدارة الجامدة، إلى الإدارة بالأهداف ”، فكان وجوده دفعاً لعجلة التنمية، وتحقيقاً عملياً للمواطنة الحقة. لم يكن الحمدان مشغولاً بذاته، وإنما كان مهموماً بإنجازاته، وكانت إنجازاته دائماً مرتبطة بالخيريّة والنفع العام، وهذا هو الإيمان بقيمة التكليف وأهميته في صنع الشهود الحضاري للأمة، وهذا ما أدركه الحمدان وآمن به، وحقق به ما حقق من تميز ومكانة اجتماعية.

وبهذا يكشف حمزة شحاتة عن أنَّ البناء الحضاري أساسه الإنسان، فما حدث للجزيرة لم يكن ليتحقق لولا توفيق الله، ثم حنكة القائد “صقر الجزيرة ”، الذي لمَّ الشتات، وأقام كيان الوحدة، وأسس لحركة التنمية، وقاد معركة البناء بالعقول المبدعة.

وأما المرأة الأولى التي كان يرى فيها حمزة “ الأمل الممكن ” فهي ابنته شيرين التي تتجلى في رسائل والدها إليها، مثابرة، ذكية، مليئة بالطموح ومع كل هذا يظل يتعهدها برعايته ونصحه وتوجيهه، لتكون مثالاً للإنسان الصالح، المتطلع لغدٍ أفضل لا يعبأ بالعوائق، ولا يلين أمام الملمات([139">).

وأما الأخرى، فهي نفيسة الفتاة المصرية الجميلة التي كتب فيها قصيدة نشرت في الديوان باسم نفيسة، ونشرت مفردة بعنوان “ غادة بولاق ” وقد أضفى عليها أسمى صفات الجمال، فكانت نفيسة نموذجاً “ للجمال الأعلى ” في المرأة كما يتصوره حمزة شحاتة، وقد امتلأت القصيدة بالتساؤلات التي بعثتها فتنة الجمال، فوقف الشاعر يتملى هذا الكيان الأسطوري وقفة المتسائل الذاهل :

يا منحة النيل ما أحلى روائعه

هل أنت من سحره أم قد تبنّاك

وهل ترعرعتِ طفلاً في معابده

أم كاهن في ربى سيناء ربّاك

أم كنت لؤلؤة في يمه سُحرت

فصاغك اليم مخلوقاً وأنشاك

أم أنت حورية ضاقت بموطنها

فهاجرته صنيع المضنك الشاكي

فضمّك الليل في رفقٍ فهمت به

حبا، ووثقت نجواه بنجواك

أم أنت أسطورة قامت بفكرته

تحوّلت غادة لما تمناكِ

أم أنت من كرم ياخوسٍ معتقةٍ

قد انتفضت حياة حين صفاكِ

بل أنت من كل هذا جوهر عجبٌ

قضى فقدرك الباري فسوّاك([140">)



2 - الأسرة :

الأسرة هي “ قاعدة الحياة البشرية ” ([141">)، ولهذا فلابد أن تؤسس هذه القاعدة على أرض صلبة، حتى لا يتهاوى البناء ويتصدّع، واستراتيجية التأسيس تقوم على معايير ثابتة في اختيار العنصر الآخر الذي يشارك في بناء هذا الكيان، تضمن - بمشيئة الله - التناغم والانسجام وتكفل قوة البنية، وتطاول البناء. وحمزة شحاتة أقام كيانه الأسري “ ثلاث مرّات ” ولكن الكيان يتصدع، مرة تلو أخرى، وليس مهمتنا هنا “ الحفر الأركيولوجي ” عن أسرة حمزة شحاتة كيف قامت؟ ولماذا دب الخلاف بين الزوجين في كلّ مرة؟ المهمة هنا تقتضي الكشف عن فلسفة حمزة الجماليّة في وصف هذه القاعدة، وتأمل ذلك البناء، كما عاشه وكما أبدعه فنّاً جميلاً.

الشراكة التي عقدهـا حمزة شحاتة لبناء كيان أسرته كانت نتيجتها الندامة ((... أما المتزوجون فندامتهم على الزوجيّة فقط)) ([142">) هذا الندم نتيجة فشل حمزة في مهمته، وهو فشل لا يجد له تفسيراً إلا سوء الطالع ((لقد تزوجت ثلاث نساء على التعاقب، وأنا الآن أعزب، وولد لي من إحداهن أربع بنات باطراد، وبنت من الأخرى، وبقيت وحدي المسئول عن خمس بنات محرومات من الأمومة.

أليـس في حاجة إلى تفسـير؟! إنّ حسـن الطالـع أو سوءه هو التفسير)) ([143">).

هذه الزيجات الثلاث كانت إشكالات مميتة ((الزواج الأول غلطة، والثاني حماقة، أما الثالث فإنه انتحار)) ([144">)، وهذا الإشكال الذي وقع فيه حمزة ثلاث مرّات لا حل له إلا الموت أو الطلاق([145">) ولأن حمزة لم يمت اختار الطلاق حلاً لذلك الإشكال المتكرر.

إن الرجل أو المرأة عندما يتزوج أحدهما، فإنه يستجيب لنداء الفطرة، ويبحث عن السعادة والعفاف، لكن الزواج استحال عند حمزة إلى نكدٍ وعذاب دائم تظلّ جدران السجن أرحم من العشق والزواج ((حتى السجن أرحم من فتاة عشقتها، ثم حوّلتها حماقتك إلى زوجة)) ([146">).

لقد ضحى حمزة شحاتة بكل أمجاده في سبيل القيام بدور الأم في تربية بناتـها عندما ذهبت لتتزوج، فلو قالت لبناتـها : إنه شيطان لصدقت لسوء ما فعل، ولكنها ضريبة تلك الشراكـة، حيث أمضـى عمره “ مربية لخمس بنات ” ([147">).

الزواج لا يكون ناجحاً إلاّ بالتكافؤ الفكري على الأقلّ، وهذا المفكر يطلب طرازاً خاصاً من النساء يشاركه في أفكاره التي هي أقرب ما تكون إلى المثالية ولهذا لم ينجح، كان يطمح حمزة شحاتة إلى أن يجعل من بيته مختبراً لبناء الأفكار فلم تنم الأفكار ؛ لأنـها لم تجد قراراً مكيناً تتلاقح فيه مع أفكار مخصبة ((إن الزوجة الكاملة لا تقل قيمة عن اكتشاف علمي عظيم، فإذا جاء يوم تغدو فيه الحياة سخية بالاكتشافات العلمية العظمى، فإنه لن يأتي اليوم الذي تغدو فيه سخيّة بالزوجات الكاملات ؛ لأن هذه سعادة لا يستحقها نقصنا البشري فيما يظهر)) ([148">).

من هنا كان الزواج “ همّاً وغمّاً ” ((الزوجة والأولاد غمٌّ في الليل، وهمٌّ في النهار)) ([149">).

هذا الهم والغمّ سببه القصور الفكري والوجداني، أو “ صغر الكبار ” الذي يؤول بالسفينة إلى “ الغرق ” ((عندما يصغر الكبار فليس للأسرة أن تنتظر سـوى الغرق)) ([150">) و((صورة الكبيـر تصغر كلما قلّ نفعه للآخرين)) ([151">).


لقد احتفظ حمزة بحب أسرته ووضع ((ذاته وإمكانياته تحت تصرف الجميع لا يستثني أحداً إلا نفسه)) ([152">)، ومع هذا فلم يستطع أن يحقق رغباتـها فكانت النهاية و((عندما يعجز رب الأسرة عن تحقيق رغباتـها يكون موته أفضل)) ([153">).

لقد أنـهار البنـاء ولم يبق إلا ضريبة “ المغامرة الخاسرة ” “ البنات الخمس ” اللاتي حاول حمزة أن يكون لهن الأب المثال، وظل يصارع المتاعب حتى سـقط إعياءً، ولم آيبـق سـوى الأمـاني بتحقيـق النصـيب من العلم والمعرفة([154">).

هذه أحلام المفكر، أن يعدّ الأبناء للحياة، لا أن يُعِد الحياة للأبناء لقد كانت إشكالية حمزة الكبرى هي نبوغه، وإشراق عقله في محيط لا يشاركه وجدانياً هذا التدفق ((والعقول التي تتوازن كفاءاتها في غير أجوائها هي خير العقول وأقواها وأتمها نضوجاً)) ([155">).

ولأنه كان يرى العالم حوله بمنظار أسود لما لقيه في أكنافه من ويلات، كان همّ تربية بناته عذاباً أبدياً ((لا تصدق أن هناك شيئاً أسوأ من أن تكون أباً لبضع بنات إلا إذا كنت لا تسمع ولا ترى ولا تشعر أو إذا كنت سوائياً تستوي عندك الأشياء مهما تناقضت وتباينت)) ([156">).

لقد عانى من المرأة كثيراً، وابتلي بخمس فتيات أراد أن يصنع منهن “ المرأة النموذج ” التي يتمناها، وهنا تأتي مشكلة التربية وانعدام التفاهم بين عقليتين مختلفتين أبناء يريدون الانطلاق، وآباء يخشون من انطلاقهم عليه وينتصر المنطلقون دائماً ؛ لأن الحركة أقوى من السكون، وهذه أكثر صور الشقاء شيوعاً كما يعبر حمزة شحاتة([157">).

وبناءً على هذا يـحذرنا المفكر الكبيـر : افهم أبناءك كما يريدون هم، لا كما تريـد أنـت، ((فبهذا يمكـن أن تتذوق حـلاوة حبهم واحترامهم، وإلا فليخطفك الشيطان ليلقي بك في أقرب مزبلة)) ([158">).

هكذا كانت حياة حمزة مع أسرته، كان الزواج يمثل قيداً لا يطاق فنفذ الصبر، وفارق زوجته الأولى، وبحث عن شَرَكٍ آخر فوقع فيه، فنفذ صبره مرة ثانية وثالثة ((الطلاق دليل نفاذ الصبر، أما الزواج مرة أخرى، فبرهان على عمى البصيرة)) ([159">).

لقد سئل العقاد عن سبب عدم إقدامه على الزواجه، فقال : خيّرت بين أن أكون زوجاً أو أكون رجلاً فاخترت أن أكون رجلاً، وحمزة شحاتة اختار أن يكون مفكرّاً حرّاً طليقاً لا يحدّه مدى ((الحب والمال والزواج أقدم أسباب التعاسة في العالم)) ([160">). اقترن بالمرأة فلم يعش سعيداً، وإنما عاش فيلسوفاً.

كان يرى حمزة شحاتة في الزواج قدراً محتوماً لا مجال للاختيار فيه ((ليس الزواج عملية اختيار إنه قدر)) ([161">)، وهذا القدر المحتوم الذي يُقحم الرجل في هذا العالم هو الذي يجعل منه فراشة طائشة تدور حول النار حتى تحترق([162">)، يُعمي القدر بصيرته فيجّره إلى سوء العاقبة جاهلاً بمصيره الذي ينتظره ((أرحم تفسير لمن يتزوج أنه يجهل الخطر)) ([163">) و((أشجع كثيراً ممن يقتل نفسه الرجل الذي يتزوج)) ([164">).

والمرأة في “ جمالياتها ” العامة كائن بشري فيه ما يسر ومالا يسر ((في كل امرأة تسرك، امرأة أخرى تسوءك)) ([165">)، وهذا يعني في ظاهره التوازن بين الجمال والقبح، ككلّ البشر، والمرأة خلقت من ضلع أعوج، ولهذا كان الهدي النبوي للعلاقة الزوجية عظيماً للاستعلاء على هذا التنابذ النفسي عند الشريك في الحياة الزوجية، فقد قال رسول الله r : ((لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي منها آخر)) ([166">).

ما أن يبدأ شهر العسل أو “ فترة تخفيف آثار الصدمة ” كما يسميه حمزة شحاتة([167">)، حتى يبدأ الجمال يتكشف عن صورة غير مقبولة، فالمظهر أصباغ ومساحيق صار جمال المرأة معها مجالاً للشك، وفقدت بسببه المرأة سحر الأنوثة ((الذين جمّلوا المرأة بالوسائل الصناعيّة لم يفقدوها سحر الأنوثة فقط، بل جعلوا منها صدمة لعواطف الرجل وخيالـه)) ([168">)، وانكشـف عالمـها فلم يبق فيها - بعد سفورها - ما يثير فضولاً، ويغري بمتعة الاكتشاف([169">).

وأما المَخْبَر “ فعَالم ”من الشك والخـداع والخشـع، والرذائـل. وتطغى على صورة المرأة “ الخيانة ” فهـي تغمض عينيها لتستحضر صورة رجل آخر([170">)، و((تبيت في هدوء مع صديقك الذي يمدّك بكل أخبارهـا)) ([171">) و((لا تعرف للشرف والعفة معنى عندما تحب)) ([172">) وتحب لتتزوج وتتزوج لتحب، ولهذا يجعل من دقة الفطنة دعوة البدو المشهورة ((جعل الله ولدك من ظهرك)) ([173">) فهي ((دعوة تدل على دقة الفطنة لحرج مركز الرجل تجاه زوجته إذا قدر له أن يتلقى أبناءها باعتبارهم أبناءه)) ([174">).

وهكذا تتحول السعادة إلى شقاء “ واللباس ” إلى عُري، والسكن والمودة والرحمة إلى معركة دامية غير متكافئة ((المعركة الأبديّة بين الرجل والمرأة غير متكافئة ينتصر فيها الرجل باستمرار، ولكنه الضحيّة دائماً)) ([175">).

وينتهي الأمر بالطلاق وهو الذي يكون فيه الرجل الضحيّة ((سمعت أحدهما يقول : إنـها تحبني وتخلص لي، ما في ذلك ريب ولكنها لا تقدم غذاءً لفكري وإحساسي بالحياة، فالعيش معها كزوجة لا يكون إلاّ محدوداً كعيش البهائم والحب وحده لا يستطيع أن ينهض بأعباء الدوام لعشرتنا.

وقال الآخر : هناك من تلهب فكرك وإحساسك، ولكنها تـهب قلبها غيرك، فهي صالحة لأن تكون صديقة أو حبيبة كل شيء إلا الزوجة المخلصة الأمينة فهل يكفيك هذا لدوام العشرة؟!

وزفر الأوَّل زفرة كانت صك اعترافه بحيرته وقال : ألا ليت الزواج لم يكن ضرورّياً)) ([176">).

3 - المجتمع :

المجتمع ليس كتلة بشرية وإنما هو نسيج علاقات وفي هذا يقول مالك بن نبي ((المجتمع ليس مجرد مجموعة من الأفراد، بل هو تنظيم معين ذو طابع إنساني، يتم طبقاً لنظام معين وهذا النظام في خطوطه العريضة يقوم بناءً على ما تقدّم على عناصر ثلاثة :

1 - حركة يتسم بها المجموع الإنساني.

2 - إنتاج لأسباب هذه الحركة.

3 - تحديد لاتجاهها)) ([177">).

وبتناغم هذه العناصر الثلاثة “ الحركة ” و“ المنتج ” و“ المنهج ” يصنع المجتمع شهوده الحضاري، وبتنافرها ونشاز نغمها يظل راسفاً في قيود التخلف والتبعيّة.

والمجتمع بوصفه “ شبكة علاقات ” كان أحد محاور البحث والتأمل في الفلسفة الجمالية عند حمزة شحاتة، حيث أعلن “ حرباً أهلية ” على “ عوامل القبح ” في المجتمع، وكان مناضلاً جعل من مقاومة الانحطاط رسالته الأولى، وكانت قيمته بوصفه أحد عقد هذه الشبكة أن يكون منتجاً وفعّالاً، وليس عالة عليه ((إن حياة المجتمع كالحرب تماماً لا عبرة فيها بما يسقط، ولكن بما يظلّ قائماً، ومع ذلك فإن كل شيء سيخبو وينطوي، إنني منذ ولجت باب العيش، وحتى هذه اللحظة، لم أكن عالة على المجتمع، ألا يكفي هذا، فوق أنّه مبرر لوجودي، أن يجعلني مواطناً أقاوم عوامل الانحطاط)) ([178">).

وحين يتأمل الصحافة السعودّية بين الماضي والحاضر يجدها صورة للمجتمع، حين تحوّل من مجتمع عشائري إلى مجتمع موحد على يدي الملك عبد العزيز طيب الله ثراه حيث ((تكامل عمران المدن، وامتدادها، وتكدس منتجات الحضارة وشيوعها، وتكاثر وسائل النقل، والمواصلات، وبروز معالم الحياة، وامتلاء المشاعر بها، والتعلق، والتململ، والصراع، تعبير عن توهج الرغبة في التخلص من آثار الشعور بالتخلف والإقبال الملتهب على أي منفذ من منافذ الحياة...)) ([179">)

لقد شهد حمزة شحاتة دخول المجتمع السعودي مرحلة الانطلاق الحضاري على يدي موحد الجزيرة، وأعجب بتلك القفزة الحضارية التي انتقل فيها المجتمع من “ قبائل متناحرة ” إلى “ دولة وحدة ”.

وأبدى إعجابه بنماذج “ اجتماعيّة ” مضيئة، لها حضورها الفاعل في البناء الاجتماعي كصديقه أحمد قنديل، ومعالي الشيخ عبد الله الحمدان أول وزير للماليّة، لكنه لم يغفل عن ممارسات بعض “ القوارض الاجتماعية ” ([180">) بحسب تعبير مالك بن نبي التي تسعى إلى خلخلة النسيج الاجتماعي، والعبث بشباكه، وذلك من خلال ممارسات تغلب فيها الذات على المجموع، ويصبح الحق أولى من الواجب إن لم ينعدم الواجب ويختفي.

إن الشهود الحضاري للمجتمع لا يكمن في تكديس منجزات الآخرين وإنما يكمن في الفعل الحضاري، والاندماج في شبكة المجتمع والعمل بروح الفريق([181">).

لقد رأى كثيراً من القيم تنتحر تحت أهواء الذات ونوازعها، فالهجرة الدينية المتتابعة إلى المجتمع السعودي، وشيوع التواكل، والانطفاء الحضاري، وانعدام التجديد، وغلبة الرتابة قوارض اجتماعية ينبغي تتبعها والقضاء عليها حتى لا تخترم ذلك النسيج، وتمزق وحدته. ويُعدّ كتابه “ رفات عقل ”، ومحاضرته الشهيرة “الرجولة عماد الخلق الفاضل” بحثاً دقيقاً في هذه المسألة.

4 - الأمة :

((المعنى الاصطلاحي المتكامل للأمة يتضمّن عناصر أربعة : الأوَّل : العنصر البشري، والثاني: العنصر الفكري، والثالث : العنصر الاجتماعي، والرابع : العنصر الزمني. فالأمة مجموعة من الناس تحمل رسالة حضاريّة نافعة للإنسانية، وتعيش طبقاً لمباديء هذه الرسالة، وتظل تحمل صفة الأمة مادامت تحمل هذه الصفات، أمّا حين تفقدها فقد يطلق عليها اسم الأمةـ ولكنها لن تكون النموذج الإسلامي الكامل للأمة)) ([182">).

والأمة الإسلاميّة تعاني نكوصاً في جميع مجالات الحياة وتفتقد لتكامل هذه العناصر الأربعة ولذا فهي تحتاج إلى وقفة جادة وشاملة لإعادة إخراجها، واسترداد دورها في الشهود الحضاري. وحمزة شحاتة كان أحد أدبائنا ومفكرينا الذين استوقفهم حال الأمة “شهود حضاريٌّ ” في الماضي و“ إفلاس حضاري ” في الحاضر.

إن التنافر الذي يدب في التجانس التركيبي للحياة هو الذي يدفعها إلى الأمام، لكنه لا يفعل ذلك في أمتنا بوصفها جسماً اجتماعيّاً حيّاً([183">).

ولهذا فالمآل هو الهلاك ((ينبغي أن لا نشك في مستقبلنا الاجتماعي كأمة كلما ارتفع ميزان الحضارة والتقدم الصناعي في الأمم البعيدة، لا معدى عن أن نرتدّ بدواً تضرب في هذه الصحاري المقفرة لتشارك الحيوانات حياتها)) ([184">).

وعلى هوان هذه الأمة ونكوصها الحضاري أنها ((كالمعدة القوية، تهضم كل شيء بسهولة)) ([185">) تهضم ما تحتاج إليه ومالا تحتاج إليه، وهذا الهضم المتكرر، يعلم الاستهلاك لا الإنتاج، ويقتل ولا ينفع، “ والمعدة بيت الداء ”، وهذا يعني أن “ الإنتقاء ” مبدأ حياة، وخيار وجود، ودليل وعي.

هذه العلة تجعل سمة كل ((من يحلم بإصلاح هذه الأمة، أن يكون مفرطاً في التشاؤم إلا إن كان لا يعبأ بالخذلان)) ([186">)

لقد أصبحت الأمـة “ حيواناً بليداً ” حين فقـدت شهودها الحضاري، ولا يعاب الأدباء - ومنهم حمزة شحاتة - في أنهم لم يستطيعوا ((تحريك هذا الحيوان البليد الذي تدعوه أمه ؛ لأن هذا لم يكن ميسوراً لكرّة الزمن نفسه في ثلاثة عشر قرناً)) ([187">).

لقد فقدت الأمة “ رشدها ” بعد معركة صفين([188">)، عندما بدأت أخلاق الأمة في الانهيار، وبدأت تطفو على الساحة أخلاقيات جديدة، وسلوكيات مغايرة لقيم الهدي الإلهي، ولهذا فنهضة الأمة لا تكون إلا بنهضة أخلاقيّة يعرف فيها الفرد والمجتمع الحقوق والواجبات، ويستشعر فيها كل فرد المسئولية، والأمة ((لا يمكن أن تنجح إلا بأخلاقها وتقاليدها النابعين من تاريخها وخصوصاً في هذا العصر)) ([189">).

هذه الأخلاق نتيجة تربية سليمة ترفع درجة الوعي لدى أبناء الأمة فتنتفي الازدواجية المميتة بين الفكرة والواقع، حين يصبح الواقع ميداناً لممارسة الأفكار واستنباتها وتطويرها، وفي ضوء هذا التناغم تنشأ سلوكيات سوّية تكشف عن ثقافة راسخة، لم تفرض برأس البندقية، وإنما تنبثقُ من نفوس مؤمنة بأصالة الموقف الذي تتبناه، والأصل الذي تنتمي إليه.

وهنا تتفـاوت الأمـم، ويتباين السـبق الحضاري بتباين أساليب التربية ((لا تحيا أمة إلا بالتربية الصالحة، وما نراه من الفروق بين الأمم الناهضة إنما مرده تفاوت أساليبها في التربية.

hano.jimi
2011-09-16, 15:18
وقد تماثل أمة أمة في قوتها الظاهرة، ولكن الغلبة تكون دائماً لأقواهما خُلقاً. وتفوق السياسة الانجليزية ليس مرده القوة الحربيّة، ولا امتياز الذكاء والإدراك، ولا قوة النفوذ، وامتداد السلطة وارتفاع ميزان الثروة ؛ لأن هذه النتائج ضمنتها قوة الخُلُق في الفرد الانجليزي.

ولقد كانت فرنسا وما تزال أقوى ذهنية، وأحدّ شعوراً، ولكن اتجاه المزاج الإفرنسي، كنتيجة لأسلوب التربية الغالب في فرنسا جعل الفرنسي، دون الانجليزي في متانة الخلق، وصدق الاتجاه، وقوة العزيمة، وضبط النفس.

والإجماع عام على أن أيّة نهضة لا تقوم على قوّة خلقيّة في أمّة، إنما تكون نهضة مقضياً عليها بالانهيار والتحيّر..)) ([190">)

والرجولة عماد الخلق الفاضل، فالرجولة هي السلاح، وهي قوّة الدفع ساعة الضعف ((ها نحن نرى أمة نكرة بين الأمم يعجزها النهضان، ويصرفها لهوها بالفضائل، عن انتهاج سبيل القوة والارتقاء، وسبيل الحياة والسمو، فأين القوّة والجمال والحق تأخذ بيدها؟

أين الرجولة تأخذ بيدها وتقيل عثرتها؟

الرجولة التي كانت رمز القوة الفعالة في الإنسان القديم!

ورمز سجاياه ومحاسنه في أولى وثباته إلى التطور!

ورمز الحياء والرحمة والعدالة في فجر مدنيته المنبثق!

ورمز المبدأ للعربي يوم نهض بأعباء رسالته التاريخية)) ([191">).

و “ الفضائل ” عندما يضعها حمزة شحاتة تحت مجهر التشريح، ويقوم بتجريدها، وفق فلسفته الخاصة، يقدّم لنا رؤية جديدة يتخطى بها حدود النظر الضيّق إلى آفاقٍ رحبة لا ليضعف هذه الفضائل، وإنما ليبلغ بها أبعد آماد القوة والاحتمال([192">).

وهذه مجازفة استدعتها الأمانة مع ما لهذه المجازفة من عواقب وخيمة ؛ لأن رج المعتقدات والأعراف الثابتة، يقابلها الناس بردود فعل عنيفة لا تكاد تقاوم، ولكن الحياة لا تستقيم إلا بهذه المغامرات من الطامحين لصناعة الحياة الذين يكشفون خبايا الوجود والفكر([193">).

وحمزة شحاتة يربط بين الأطوار الاجتماعية والفضائل، فالفضائل تتلبس معاني ومفاهيم خاصة في كل طور اجتماعي، ولهذا لا سبيل لتفكيك هذه المفاهيم إلا في سياقها الاجتماعي.

فالفضائل: ((صفات وأعمال تؤمن الجماعة الغالبة اصطلاحاً بفائدتها وضرورتها، أو بأنها خير..)) ([194">).

فالنفع أساس الفضائل جميعاً، لكنّ هذه المنفعة تختلف باختلاف العقول والعصور، وهذا الاختلاف في تصور بعض الحقائق وإدراكها من عصر إلى عصر وعقل إلى آخر لا ينفي الحقيقة الأصلية([195">). وهذا أمر لا يدركه كثير من الناس ((فإذا قال مفكر اليوم : إن الفضائل أوهام عقلية أو نفسية، غايتها إيجاد مثل عليا للجموع تستمد منه روح العزاء والعزيمة والأمل، لم يكن معنى هذا إنكار صحة تعاريفها أو صحة الأحكام التي أعطيت عنها..)) ([196">).

وحين يعرض لأطوار الفضيلة يذهب إلى أنها مرت بثلاث مراحل : كانت في الطور الأول ضرورة فرضتها طبيعة الحياة في عصر الإنسان البدائي. فصارت معتقدات شعورية شعرت بها الجماعة فاستجابت لأحكامها، وتحولت في طورها الثالث إلى أخلاق وملكات لا شعورية وخصائص نفسية وفكرية من خلال المحاكاة([197">).

وإذا كانت الرذائل “ أنانية عارية ” فإن الفضائل “ أنانية مهذّبة ” ([198">) ؛ لأنها ألفاظ القوي واستراتيجيته لاستغلال الضعيف وقهره([199">)، أما الحياة فلا تعرف إلا الأقوياء([200">) قديماً كان الجسد مصدر القوة، فجاء النفوذ والثروة وحلا محل القوة الجسدية([201">) وكل هذا يتم تحت مسمى “ الفضيلة ” فكم من المجازر البشرية التي انقادت لها الجماعات البشرية مأخوذة بأوهام الحق والعدالة والدفاع عن الفضائل المستباحة([202">).

ففضيلة “ الكرم ” مثلاً كانت دليلاً على القوة، فصارت دليلاً على النفوذ([203">). وهذه الفضيلة لم تنشأ كاملة السمات، وإنما تدرجت من الضرورة إلى أن صارت ملكة لا شعورية، كان الكرم في الأصل دلالة افتخار على اتساع نفوذ القوي فأصبح صفة لازمة لمن تحلهم قوتهم ونفوذهم محل الأبطال والقادة، فالكريم كثير الأعوان، عميق الأثر، رفيع المنـزلة ولهذا يمجده الناس مع أن العفيف أكثر قهراً لشهوات النفس([204">).

والبخل رذيلة بلاشك تدل على ضيق النفس، وفتور الفكر الطامح ولكنه يدل من جهة أخرى على فهم عميق لطبيعة الحياة، وحقيقة الناس، وطبائعهم المطوية([205">).

فإذا كان الكرم خيالاً جميلاً، فإن البخل حكمة وفلسفة عميقة.

فالكرم “ أنانية مهذبة ” لأن الكريم يعطي ليأخذ، يكرم ليستعبد النفوس ويسترق الألسنة، ويستمتع بلذة الثناء، وبهرج الاستعلاء([206">).

وهذه حقيقة، يؤكدها واقع الحياة المعاصرة، وجدل الفكر الشعري الذي يتجلى بين الشاعر الباحث عن “ الخيال الجميل ” والثناء السائر، وزوجته الحكيمة التي تتحدث بلغة الحياة، ورؤية الإنسان الخائف، ولا ينفيها ترغيب الإسلام في الكرم والحث عليه كقوله صلوات الله وسلامه عليه : ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه)) ([207">).

فالإسلام يسمو بهذه الفضيلة كغيرها من الفضائل فلا يجعل الميزان فيها للأخذ والعطاء، وحسابات الربح والخسارة، والمصالح الضيّقة، ولهذا يسميها حمزة شحاتة “ محاسن ومعايب ”([208">)، ((أما الفضائل التي نراها خليقة بهذه التسمية، فهي التي نزل بها القرآن ودعا إليها. تلك فضائل لا يكون للمتصف بها، والمؤمن بقوانينها، نظر إلى مصلحة أو سمعة، وإن كان شيء من ذلك فالمثوبة عند الله والزلفى إليه. فالكرم فيها إحسان إلى مستحقه، ينزل منزلة الحق المفروض له. وخروج من سلطان المادة وحدودها في سبيل الله)) ([209">).

والانحراف بهذه الفضائل ضرورة اقتضاها سير الحياة وقوانينها([210">).

وذلك ((أن النظرة العامة إلى الفضائل أصبحت نظرة خيالية لا نظرة إيمان وتحتيم. وإنها لم تعد سلاحاً يضمن الحماية لمتقلّده)) ([211">).

والعودة بهذه الفضائل إلى ما كانت عليه هو سبب النجاة، والأمل في الشهود الحضاري، وسبيل القوة والظفر([212">).

هذه الرؤية الفلسفية العميقة للفضائل وربطها بتطور الحياة الاجتماعية عند حمزة شحاتة كما تجلت في محاضرته “ الرجولة عماد الخلق الفاضل ” ذهب الأستاذ الكبير محمد حسن زيدان إلى أنـها مستمـدة من كتاب علم الاجتماع لنقولا حدّاد([213">) ولكن عزيز ضياء يرى فرقاً بين اسـتنساخ المعرفـة و“ ابتكارها ”، فقد يكون حمزة شحاتة وقف على ما قاله “ نقولا حداد ” وأفاد منه، ولكن الإفادة شيءٌ، والتقليـد شيءٌ آخر، وحمزة شحاتة في كل ما يكتب كان من أبرز خصائصه ((التعشق الملهوف للاستقلال الفكري والحرص الممضّ على الابتداع، والترفع عن الاتباع..))([214">).

وقد جهدت في البحث عن كتاب “ نقولا حدّاد ” فلم أجده، لكن الذي أراه هو أن حمزة شحاتة لديه قدرة مدهشة على الإبداع والإضافة في محاضرته هذه، وفيما عرض له من قضايا فكريّة وأدبيّة، الأمر الذي يعزز روح النبوغ لديه.

واعتقد أن حمزة شحاتة أفضل من قدّم رؤى خصبة من روادنا الكبار فيما يسمى “ بالنقد الثقافي ” الذي يبحث في الدلالة المضمرة للخطاب الجمالي، ويكشف بعض عيوبه المنسربة تحت قشرته الظاهرة([215">).



جماليات المكان

علاقة الإنسان بالمكان علاقة قديمة تمتد بالإنسان إلى أبيه الأوَّل آدم عليه السلام الذي كان خلقه قبضة من الطين ونفخة من الرُّوح، فمن الأرض تشكّل أبوه بقضاء الخلاّق العليم، وصارت الأرض له بيتاً كبيراً يحنو عليه وأُمّاً تعذق بما سخر الله فيها من طاقات الحنوّ والخصوبة.

وبدأ الإنسان يشكل مكانه الخاص به، وفي إطار من الإحساس بالمدنية بدأت دوائـر المكـان تتسـع من البيت الصغير “ المنـزل ” إلى البيت الكبير “ الوطن ” إلى المنـزل الأكبر “ الأمة ” ثم “ العالم ” الذي أصبح بيتاً للجميع، لا حياة إلا فيه، ولا بقاء إلا بالحفاظ على نظافته ونقائه.

والمكان في رؤية الإنسان يكتسب خصوصيته وقيمته وجماليته من خلال علاقة الكائن به، وألفته له، وليس من خلال وجوده الموضوعي ((إن المكان الذي ينجذب نحوه الخيال لا يمكن أن يبقى مكاناً لامبالياً، ذا أبعاد هندسيّة وحسب. فهو مكان قد عاش فيه بشر ليس بشكل موضوعي فقط، بل بكل ما في الخيال من تحيّز. إننا ننجذب نحوه ؛ لأنه يكثف الوجود في حدود تتسم بالحماية)) ([216">).

والمكان في الفلسفة الجماليّة عند حمزة شحاتة له حضوره الخاص، تأملاً وتآلفاً أو تنافراً، بمقتضى رؤية خاصة تشكل للمكان وجوداً جديداً، وتضفي عليه ألواناً وظلالاً “ شـحاتّية ” تنقـله من وجـوده “ الموضوعي ” إلى وجود “ جمالي ” جديد لا نجده إلا في هذه الفلسفة الجماليّة.

وحين نستقرئ آثار حمزة شحاتة نجد عدداً من الأماكن استوقفت حمزة وصبغها بروحه ومشاعره فنقلها إلى عالمه الخاص ومنها :

1 - البيت.

2 - المدرسة.

3 - المدينة.

4 - الوطن.



1 - البيت :

((البيت هو ركننا في العالم، إنه كما قيل مراراً، كوننا الأوَّل، كون حقيقي بكل ما للكلمـة من معـنى، وإذا طالـعنا بألفـة فسيبـدو أبأس بيت جميلاً)) ([217">).

في هذا الكون الصغير تتآلف الأشياء، وتجتمع الأسرة، وتكتب الأحلام، ولهذا يظل البيت عالقاً في الأذهان لما ينطوي عليه من ذكريات جميلة، ولما حفظ لنا بوصفه مكاناً من مواقف لا تُنسى.

في البيت تتشكل عقلية الطفل، وتتحدد شخصيته، وحمزة شحاتة يرى أن البيت لدينا يمارس سلطة قمع على الطفل، فالطفل لا يشعر بوجوده إلا بالحركة والشغب وإلا أصبح قطعة أثاث جامدة لا روح فيها، فينشأ شعور الحريّة مع الطفل فيقابل بزواجر القانون “ استح ” ([218">). هذا القانون الذي يحاول أن يجعل الطفـل في غده إنسـاناً ((متسقاً، مؤدباً، هادئاً، فلا يلتهم الطعام، ولا يصرخ من الألم)) ([219">).

و“ المجلس ” في البيت عندنا يمثل المدرسة الأولى، لكننا نمارس فيه إرهاباً تربوياً على الطفل، فالطفل إذا ما دخل المجلس، وأحدث حركة، أو حاول المشاركة في الحديث قيل له : “ استح ” ليكتشف في رحلة الحياة بعد ذلك أن الحياء الذي رُبيّ عليه “ عقدته العصبية الخطرة ” ((يرى خطيباً يخطب ويتلعثم. يقول في نفسه هو : لا يحسن الخطابة. يسمع الناس يقولون : يستحي! يدخل إلى مجلس غاصّ فيرتعد، يعرق، يبتسم الناس، ويسألونه لماذا تستحي؟ يسمعهم يقولون: فلان يستحي كالنساء. يرى الذين لا يستحون يتصدرون المجالس، والذين يتوقحون يسيطرون عليها ولو سيطرة ظاهرة، ويضحك الناس لهم تشجيعاً)) ([220">).

والبيت في كثير من رؤى حمزة شحاتة كون مليء بالمتاعب ((في البيوت التي انهدمت كما في البيوت القائمة، نفس الأسرار والمتاعب والكوارث.. والفرق في الظهـور والخفاء مع اختلاف يسير في الكم والكيف إذا روعيت الدقة)) ([221">)

السعادة عند حمزة شحاتة لا تحب البيوت إذ ((لو كانت السعادة تحب البيوت لما امتلأت المقاهي والملاهي بروّادها)) ([222">).

هكذا يفقد البيت حميميته ويفقد معه حمزة وجوده فبدون البيت يصبح الإنسان كائناً مقتتاً كما يقول باشيلار([223">).

وحين يكتب حمزة شحاتة رسائله إلى ابنته تظل هذه الصورة النمطية للبيت حيّة في كلماته، فالبيت هو المكان الذي تتسلّل إليه التفاهات([224">). ولكنه في مواطن كثيرة يحث ابنته على التفاؤل والبحث عن السعادة مع زوجها في طريقهما الطويل، وكأنه بهذا الإلحاح الدائم عليهما في رسائله يقدّم صورة جديدة للبيت على الأقل كما ينبغي أن يكون.

إن البيت حلم لا ينقطع، يولد به الإنسان، ويحمل عنه الذكريات، ويظل حلمه عن البيت القديم، وما أن يستقر به القرار حتى يلوح في خياله “ بيت التراب ” القبر الذي يظل شغله الشاغل حتى يوارى بالتراب.

والبيت ليس بجدرانه وغرفه وألوانه، وإنما بمشاعر صاحبه، وأحاسيس قاطنيه، ولهذا تتولد العلاقة بين البيت والإنسان من خلال تلك الأحاسيس، فيكون ملاذاً للتفاهات، والتفتت كما عند حمزة شحاتة، أو يكون نبعاً للمشاعر الفياضة يقول باشيلار : ((إن عمل ربة البيت في تنظيم قطع الأثاث في الحجرة، والانتقال من هذه الحجرة إلى تلك ينسج علاقات توجد ماضياً قديماً جداً مع عهد جديد، إن ربّة البيت توقظ قطع الأثاث من نومها)) ([225">).

وهذه الصورة الكابية للبيت عند حمزة شحاتة نتيجة لعلاقة خاصة به، فالبيت كان العالم الذي جرّب البحث فيه حمزة عن السعادة فلم يجدها من خلال ثلاث زيجات انتهت كلها بالفشل. كان ((الزواج الأول غلطة، والثاني حماقة، أما الثالث فإنه انتحار)) ([226">).

2 - المدرسة :

المدرسة هي القابلة الثانية بعد “ البيت ”، تترسخ فيها قيم البيت، أو تنشأ فيها إشكالية الازدواج بين المفاهيم والممارسات.

المدرسة تُعلم الفضائل من صدق، وعفّة، ورحمة، وصبر، وحلم، وتضرب النماذج على ذلك كله في كتب الدين والتاريخ والأخلاق، لكن هذا التعليم النظري يصطدم بالواقع، فالطفل يرى أستاذه يكذب، ويخاف، ويرى أباه وأمه يكذبان، ولا ينجو من عقاب الجميع إلا باصطناع الأكاذيب، وهنا تتكشف الحياة عن ازدواجية بين مُثُل البيت والمدرسة وواقع الممارسة فيهما، يرى من يقول شيئاً، ويفعل ضدّه، ومن يخاف القانون، ولا يخشى تأنيب الضمير فتنشأ عقدة عصبية أخرى([227">).

ولهذا تفشل المدرسة في بناء الرجال الفضلاء، وإن علمتهم الأخلاق([228">). والسبب “ الجهل بعلم التربية ” ((الدراسة عندنا لا تزال قائمة على حشو الذهن بالمعلومات والقواعد، وعلى إرهاق الطفل، وكبت نزعاته النفسية والوجدانية، وها نحن نرى آثار هذه العيوب في “ انمحاء آثار الشخصية ” من جميع من تخرجهم المدارس، وفي كلال أذهانهم، وأعصابهم، وفتور حيويتهم الفكرية. فلا نكاد نجد أثراً لنشاط الفتوّة في نفوس أبنائنا.. فالغلام عندنا مطبوع بطابع الكهل، والشاب مطبوع بطابع الشيخ الهرم)) ([229">).

المدرسة بهذه الصورة القاتمة نتيجة للفراغ بين الكائن والمكان، وانعدام التفاعل وفتور العلاقة بين المعلم والمدرسة، فاختيار المربي الفاضل مسألة في غاية الخطورة، ((وإذا كانت طبيعة حياتنا قد أفقدتنا الأب والأم الرشيدين فلا أقلّ من أن تعوّضنا التربية المدرسية أساتذة يقودوننا بحكمة وخبرة ليعدّلوا ما فينا من اعوجاج)) ([230">).

هذا الفراغ الوجداني جعل مدارسنا ((معامل تفريخ كل غايتها أن تدفع عدداً من حملة الشهادات، لا يعرفون فناً تجريبياً، ولا علماً عمليّاً، ولا صناعات يدوية، تفتح في الحياة ميادين نشاط جديدة، غير ميدان الوظيفة، والمكتب، والديوان)) ([231">).

وجعل الحياة فيها ضرباً من “ ضروب النعاس الثقيل ” ([232">).

وجمالية المكان إنما تتحقق بعلاقة جديدة بين كائنات المكان، حيث تصبح تربية البيت حرّية فاضلة، لا زواجر فضة، وتربية المدرسة عملاً وإدراكاً وممارسة لا آليات فكريّة، وقواعد مكرورة([233">).

هذه العلاقة الجديدة هي التي حشدت لها إنجلترا أعظم رجالها من ساسة وأدباء وفلاسفة وعلماء وفنانين فكان القرار في عشرين مجلداً ضخماً([234">).

والنتيجة شهود حضاري للإنسان، وجمالية في المكان، واتساق واعتدال وتوازن في كل شيء([235">).



3 - المدينة :

المدينة في الوعي الثقافي المعاصر في الغرب والشرق ذات صورة قاتمة، فهي أحد نتائج العلم الحديث بكل مساوئه ومحاسنه، إذ شهدت المدن الحديثة في العالم ويلات الحروب، واصطدمت بلهيبها المحرق، وغاصت في دخان المصانع، ونفاياتها، وقام التصميم العمراني فيها على “ الوحدة ” أكثر من الاندماج الذي كان موجوداً في القرية بامتدادها الأفقي، وأفنيتها المفتوحة، وبيوتها المتلاحمة، فانكمشت العلاقات الإنسانية، وتقطعت أواصر القربى. ولهذا حين نفتش عن صورة المدينة في الوعي الشعري - مثلاً - وهو بطبيعته وعي مرهف - نجدها تعجّ بالاغتراب، والجدران العالية والبهرج الخادع، والإيقاع اللاّهث، والخوف، وأوكار البغايا، وشريعة الغاب([236">).

وهذه هي صورة المدينة عند حمزة شحاتة ((منطق الغابة هو واقع المدينة بزيادة طفيفة هي القانون)) ([237">).

منطق الغابة هو الذي سوّغ لبعض أقارب حمزة الاستيلاء على أمواله في ((صفقتين ماديتين فادحتين في حياته)) ([238">)، حيث وضع ما يدخر من المال في يد أحد أقاربه ليقوم باستثماره فغدر به، وما إن استرد أنفاسه حتى وقع في قبضة أحد أصدقائه. هذا المنطق هو الذي أوقعه في حبائل الاقتران بالمرأة ثلاث مرّات تنتهي جميعها بالطلاق([239">).

المدينة في رؤيته بلا مدينة ولهذا لا تستحق الحب ((إن الحب في بلد مايزال نصيبه من المدينة ضئيلاً - كالقاهرة مثلاً - أشبه بلعبة الثلاث ورقات لا يؤخذ بها إلا الساذج العزير، ترى ما الأمر في لندن وباريس ونيويورك؟!)) ([240">).

وهي كائن جامد لا يتغيّر - والجمود في عرف الفنان هو الموت - فالمدينة بهذه الصفة ((عاجزة عن استفزاز مشاعرك الفنية وتغذيتها)) ([241">).

لم يجد حمزة في المدينة قلباً رحيماً، ولا زوجاً حانية، ولا صديقاً مخلصاً، ولا حركة تستفز المشاعر، فانكفأ على ذاته باحثاً عن مدينة فاضلة في أعماقه البعيدة.

وحين نستقريءُ صورة المدينة في شعره نجد حنيناً إلى المدينة، كما في قصيدة “ وُج ” التي يذكر فيها ماضيه الجميل في رحاب ذلك الوادي، ويجعل العيش بعيداً عنه ضرباً من الكذب والفجاجة :

كذب العيش بعد يومك يا وُجُّ

مريراً، والعمرُ بعدك فجا([242">)



ولا يكاد يردُ حديثه عن المكان إلا في سياق الإحساس بالغربة، والضيق والقيود، والعقوق والنقائص كما في قصيدته جدة التي دفن العقل بين شاطئيها في أول بين عندما قال :

النُّهى بين شاطئين غريق

والهوى فيك حالم لا يُفيق([243">)



وقصيدته “ أبيس ” التي قالها في مصر، وتذكر فيها مكة المكرمة مسقط رأسه، فتجلت أحاسيسه مثقلة بالتحديّ للأعداء الذين طال صمته عن سفاهاتهم :

يا حنايا أم القرى فيك قرّت

مهج ما انطوت على شحناء

بيد أن الأذى، وعدوانه السا

در، قد أججا لهيب العداء

فليكن وزره على رأس جانيـ

سه هجيراً يلوب في رمضاء



قد بلغنا بالصمت آخر حدّيـه لياذاً بشيمة الكرماء([244">)



4- الوطن :

الوطن في الإبداع له حضوره الخاص، وتشكلاته الجماليّة المتعددة، بتعدد رؤى المبدعين، وخبراتهم الجماليّة، ومواقفهم الشعورية. يظل الوطن محتفظاً بقيمته، فهو المكان الذي يشعر فيه الإنسان بالانتماء، ويلتذ فيه بالبذل والعطاء، واختلاف الصور أيّاً كانت ألوانها وظلالها، وخلفياتها، تشكل في النهاية موقفاً وجدانياً من الوطن لا خلاف حوله، وهو أن الوطن مدار العشق، وقصيدة الشعر التي لم تكتب أيّاً كان ذلك الوطن فميسون بنت حميد بن بجدل تلك البدوية التي تزوجها معاوية بن أبي سفيان ونقلها إلى حاضرة الشام، رفضت هذا العالم الجديد لعدم إحساسها بالانتماء إليه، فحنت إلى وطنها القديم وطلبت من معاوية أن يعيدها إلى أحضانه قائلة :

للبس عباءةٍ وتقّر عيني

أحبّ إليّ من لبس الشُّفوف

وبيت تخفق الأرياح فيه

أحبّ إليّ من قصر منيفِ([245">)

وحين نتتبع صورة الوطن عند حمزة شحاتة في فلسفته نجدها إلى الحياد أقرب منها إلى التآلف أو العــداء، فالوطـن عنده ((عبارة عن مصلحة، أو ضرورة وفي بعض الأحيان تعليم يُفرض كي يُنشيء الشعور بها)) ([246">).

ولا خلاف في أنّ الوطن مصلحة، وضرورة، فالإنسان مدنيٌّ بطبعه، والوطن هو المكان الذي تنشأ في ظلاله المدنية وتقوى، ويشعر الإنسان بوجوده، ومكانته، فالوطن الذي يحقق شهوداً حضارياً، يمنح أبناءه مكانة لا تتحقق لأبناء بلد يغطّ في غياهب الجهل والانطفاء الحضاري.

وانتماء الإنسان إلى الوطن عند حمزة “ ضريبة ” يجب أن يدفع الإنسان ثمنها، ولا مـجال للتنصل من تبعاتـها ؛ لأن الوطــن لا يستبدل به غيره ((ولا معدى من الصبر، والإذعان، في وسعك أن تترك منزلاً لا يرضيك إلى غيره، ولكن المسألة بالنسبة لوطنـك ومجتمعك مختلفة، أيها المواطن الحرّ الصالح)) ([247">).

والمواطن الصالح لكي يكون صالحاً، وفعّالاً في بناء وطنه، لابّد أن يشعر بقيمته بوصفه إنساناً، فإذا كان للوطن حقوق على المواطن، فإن على الوطن واجبات ينبغي أن يقوم بها، حتى لا تموت المواطنة في نفوس الأبناء و((كيف لا تنعدم الوطنية، وتموت الدوافع الشريفة في وطن، القوت الضروري هو شغل أهله الشاغل. إن الفاقة تقتل أشرف الدواعي في النفس))([248">).

ويرسم حمزة شحاتة صورة كابية للزقاق، وللمحاكم، لا تخرج عمّا وجدناه في البيت والمدرسة والمدينة. وهذه السوداوية القاتمة لا تكاد تستثني شيئاً من هذا العالم، فالحياة على الأرض عقوبة كبرى ((إن أية عقوبة لا تبلغ شدة النفي إلى الأرض)) ([249">).

ولهذا تآزرت أفكاره ورؤاه الشعرية على النفور من هذا المنفى، وكيف يرضى المدان بزنزانته والعصفور بقفصه. يقول في قصيدته التي تختصر معاناته مع هذا العالم :

رحلةٌ تثمر اللغوب وخيط

من حرير يقتادُنا للشقاءِ

وشجون لا تنتهي وصراعٌ

يسحق الصبر دائم الغلواء

الحجى فيه حائرٌ في ظلام

والأماني موؤدة الأصداءِ

والخيالات في دُجاه شمو

عٌ ثرة الدّمع ذابلاتُ الضياء

والأسى فيه للجراح يغنيّ

عبرتيه محولك الأرجاء

ينشد الفجر وهو ناءٍ غريب

ضائع مثله شهيد الدعاءِ

ألهذا تشقى النفوس بما تهوى

وتكبو الغايات بالعُقلاءِ؟

ويهيم الخيال في ظلمة الحيرة

يسري على بصيص الرّجاء

وتفيض القلوب منطوياتٍ

بجراح الأسى على البُرحاء

يا بريق السراب أسرفت في الجور

وأثخنت في قلوب الظماء([250">)



الأرض بكل ما فيها من “ أماكن ” ليس بينها وبين حمزة شحاتة ألفة، فهي “ أماكن ” معادية، وقد جعل الدكتور الغذامي الأرض محوراً من محاور النموذج الدلالي لأدب حمزة شحاتة الذي يقوم على ثنائية الخطيئة والتكفير([251">).

“ فالمكان ” هو الجحيم، وقبح المكان وجحيمه ليس شيئاً لازماً له، ولكنه نتيجة علاقة مختلة، أو لنقل علاقة غير جميلة أذهبت بهاء المكان، وأفسدت جمالياته، هذه العلاقة غير المتكافئة بين “ مكان جميل ” و“ إنسان غير جميل ” فرضت هذه النتيجة التي رأينا انعكاساتها على أدب حمزة وفكره وحياته، فقد كان أحد قرابين هذا التنافر البغيض. يرى الكسيس كاريل أن الانفعالات التي تنتاب الإنسان متباينة حيث السعادة والتعاسة، والفرح والحزن، ومرد ذلك الرغبة في تحقيق الأحلام والتطلعات فتتخذ الحياة مظهراً مختلفاً تبعاً لحالته النفسية الأمر الذي يشيع الحب والبغض في منطقه([252">).

إن عبقرية حمزة شحاتة تكمن في “ لغة الهدم ” كما يقول، فقد عمد إلى أماكن جميلة، كالوطن، والمدينة، والبيت، والمدرسة، فجعل من الجميل “ قبيحاً ” ونحن بلاشك نختلف معه في هذه الرؤية السوداوية القاتمة، ولكن الفن إنما يكون فناً بقدرته على التأثير، حيث يقلب الفنان معادلات الأشياء، ويشكك في الإلف - في أمور يمكن أن نقبل فيها الشك بالطبع وليس في مسلمات دينية ثابتة - ليرينا الأشياء من زاوية أخرى قد نختلف معها ونمقتها، لكننا نؤكد عبقريته وتفرّده، وإذا كان الفنان يمكن أن يجعل من القبيح جميلاً كما ذهب تين وغيره من فلاسفة الجمال، فإنه يمكن أن يجعل من الجميل قبيحاً، والاتفاق والاختلاف مع الفنان في مواقفه شيء، وتقدير فنّه شيء آخر، مع إيماننا بأصالة الفن أولاً، وحقنا في الاختلاف معه بعد تقدير الإبداع فيه([253">).

المكان في الفلسفة الجماليّة عند حمزة شحاتة ذو “ معطى سلبـي ” في الغالب الأعم، إلا في صورة الوطن حيث يتوازى معطيان “ إيجابي وسلبـي ” يتفوّق أحدهما على الآخر بسبب من “ العلاقة التبادلية ” بين الوطن والمواطن، فالوطن والمواطنة حقوق وواجبات، متى أحس المواطن بوجوده وانتمائه وحصل على حقوقه كاملة كانت المواطنة الحقة، وحين تختل هذه المعادلة تذبل العلاقة، وتظهر الصورة الكابية والمعطى السلبـي للمكان، فلا يجد المواطن لدلالة الوطن معنى في نفسه.

أما الأماكن الأخرى “ المدينة - البيت - المدرسة ” فكلها ذات معطيات سلبيّة. المدينة شريعة غاب، تموت فيها العلاقات الإنسانية، وتتخشب المشاعر، وتتوقف الإثارة.

و“ البيت ” مدار للقمع والتفاهات، والمدرسة عالمٌ مليء بالأكاذيب، وملاذ للنعاس الثقيل، ومعامل لتفريخ الأذهان الصدئة، والأفكار البليدة.

والذي لاشك فيه “ أن معاناة ” حمزة مع الزوجة، والأصدقاء، أضف إلى ذلك “ فرط الحساسيّة ” و“ النبوغ ” كانت مجتمعة خلف تلوين المكان بهذه الألوان الكابية، وصبغه بتلك المعطيات السلبيّة. وكل هذا بحثاً عن “ مكان أجمل ” وإنسان أكثر جمالاً، يظل يبحث عنه الفنان فلا يجده، لأن الفن بحث في المستحيل وحديث عن الممكن.



جماليات الحيوان

الكون بنية محكمة، غاية في الجمال، جمال في الطبيعة، وجمال في الإنسان، وجمال في الحيوان، وجمال في الأفكار، وجمالٌ في علاقات الأشياء، وعلاقات الأفكار.

والحيوان مفردة جميلة في هذه البنية المحكمة الجميلة، ((حيث التركيب المدهش، والألوان المثيرة، والوظائف البديعة، والغرائز المحكمة، والحركة التي تأخذ ألف إيقاع وإيقاع)) ([254">)، ولهذا قال تعالى :) والأنعام خلقها لكم فيـها دفءٌ ومنافع ومنها تأكلون، ولكم فيها جمالٌ حين تريحون وحين تسرحون (([255">).

يقول محمـد قطب : ((إن توجيه نظر الإنسان إلى الجمال في الأنعام ذات “ المنافع ” المتعددة، له دلالته فيما ينبغي أن يكون عليه الإنسان في التصور الإسلامي، فهو مخلوق واسع الأفق، متعدّد الجوانب، ومن جوانبه الحسيّ الذي يرى منافع الأشياء، والمعنوي الذي يدرك من هذه الأشياء ما فيها من جمال، وهو مطالب ألا تستغرق حسه المنافع، وألا يقضي حياته بجانب واحد من نفسه، ويهمل بقية الجوانب، فكما أن الحياة فيها منافع وجمال، فكذلك نفسه فيها القدرة على استيعاب المنفعة، والقدرة على التفتح للجمال..)) ([256">)

والحيوان عند حمزة شحاتة ((جزء من الطبيعة التي نرتاح إليها، ونحبها، ونربي كثيراً من ملكاتنا الفكرية، ومشاعرنا النفسية على حسابها، وفي الحيوانات بعد أكثر جوداً علينا من الطبيعة، وآمن مفتتناً ونحن بها أكثر امتزاجاً)) ([257">).

الحمار :

وحمزة شحاتة وهو يتأمل بفكره النافذ مكونات هذه البنية استوقفه “ الحمار ” فقدم لنا - في ثلاث مقالات نشرت بجريدة صوت الحجاز عام 1355 هـ ثم جمعها الأستاذ عبد الحميد مشخص بعد ذلك مع عدد من المقالات الأخرى في كتاب سمّاه “ حمار حمزة شحاتة ” - رؤية جمالية متميزة عن الحمار، وكان سابقاً بها لتوفيق الحكيم صاحب “ حمار الحكيم ” و“ حماري قال لي ” ([258">).

والحمار رمزٌ للحسّ البليد، والصوت المنكر، في القرآن الكريم وفي تراثنا العربي، لكن حمزة شحاتة يقدمه لنا في صورة نابضة بالأحاسيس المرهفة، والمشاعر المتدفقـة، والأفكار الخلاّقـة، وقد عمد الأديـب الرائد عبد الله عبد الجبار إلى استقراء هذه المقالات الثلاث، في دراسة لا تخلو من المتعة والرؤى الفذة التي تدل على فكر نقدي بارع.

وتلك المقالات - كما ذكر الأستاذ عبد الله عبد الجبار - يمكن تقسيمها إلى قسمين :

1 - مرافعة عامة عن الحمير ضد ابن آدم المستبد.

2 - وصف خاص لحمار المؤلف في نزهة قصيرة([259">).

وحين نتناول “ الجانب الجمالي ” في تلك المرافعة نجد أن الحمار يبدو طيباً، نشيطاً، قويّ الاحتمال، لكن الإنسان أساء فهمه، وظلمه، ودنس سمعته فكان أحد ضحايا الظلم البشري([260">).

الحمار له جاذبيّة خاصة لا يمكن تفسيرها بتناسب أعضائه، ولطف حجمه وفراهته، ولا بشيء خفي وراء شياته الظاهرة، وهو ذو أناقة ووجاهة يفتقدها بعض بني آدم، وله ابتسامة لا يدرك سحرها إلا من عناه من أمر الحمير ما عنى حمزة([261">).

وهو جم التواضع، يتنكر لذاته، شبيه بالإنسان في كماله البشري من حيث الأخلاق والمزاج النفسي، ولا يمكن أن تجتمع فيه هذه الفضائل الثابتة، مع رذائل ألصقها به بنو آدم.

وفيه خفّة، وفي حركاتــه حـلاوة، وفي نظراته معانٍ تفيض بالعذوبة. “ ديموقراطيٌّ ” منصرفٌ عن الخيلاء، مطيع لراكبه الذي يصادر إرادته، ويجهده ويفسد تقاليده وآدابه([262">).

أما صوته فهو منكرٌ بمقاييس “ النعومة والاعتدال ” إذا جعلناها كل مقومات الصوت الحسن، أما حين نحكم في صوته “ الذوق الجديد ” الذي يُعنى بالقدرة الفنية على التنويع والتأليف، وإحكام النسب وتحريرها ويعد النعومة أنوثة لا تليق بفن إنساني يقود العواطف والأفكار كالغناء سلكناه في طليعة الموسيقيين الموهوبين([263">).

وهو في غنائه ذو ذوق رفيع، فلا يغني إلاّ إذا كان المجال مهيئاً له، بخلاف الإنسان الذي يقوده خياله المريض للغناء في كل وقت([264">).

وبمقتضى “ النهج الجديد ” في نقد الأصوات يصبح نهيق الحمار أو غناؤه كما يعبر حمزة شعراً يأمن فيه صاحبه من اللحن وتشويه الألفاظ، ومسخ المعاني، وتترامى “ شعرية الصوت ” إلى “ شاعرية الإدراك ” فالحمار من أكثر الحيوانات ولعاً بالطبيعة وشعوراً بمفاتنها، وهذا دليل شاعريته([265">).

ونحن حين نتأمل صورة الحمار في الفكر الشعري نجدها لا ترد إلاّ في سياق الطبيعة الحافلة بمعاني الخصب والحياة، حتى إذا صوّح النبت واشتد الحرّ عليه ساق أتنه، واتجه إلى موارد المياه بحثاً عن شربة ماء يطفىء بها عطشه([266">).

وإذا كانت هذه الصورة التي رسمها حمزة للحمار تبدو في غاية الجمال في الظاهر والباطن، وفي العواطف والإدراك فإن صورة “ حماره ” تبدو أكثر جمالاً، فحماره “ نمط خاص ” بين الحمير ((لو كان إنساناً لكان مكانه بين من تشتغل الدنيا بذكرهم من العظماء والفنانين ظاهراً مرموقاً)) ([267">).

يأنس لصاحبه، فيتلقاه بابتسامة فاتنة، وما أن يبدأ حمزة يداعب أذني حماره، كما يداعب الأب ابنه، يأخذ صدر الحمار في العلو والانخفاض، وإطلاق الشهقات الحارة تأثراً بتلك العواطف الجيّاشة([268">).

وحين امتطى حمزة الحمار أحس بنـزوعه إلى الاستقلال، ومهارته في المشي ووجاهة تصرفاته، ودقة تقديراته لمسالك الطريق، حيث كانت حمير القوم تتجه يميناً، ويأبى هو إلاّ أن يخالفها فيختصر ربع الطريق بعمق خبرته مع حداثة سنه([269">)

وينشأ بين حمزة وحماره “ توافق سيكلوجي ” و“ حدس ” يقرأ به كل واحدٍ أفكار صاحبه، فإذا كان حمزة مُحباً للطبيعة، عاشقاً لمكوناتها الجمالية عشقاً خاصاً، فإن حماره يملك هذا الحس الجمالي المتفرد، ولهذا حين صاح بعض رفاق حمزة في الرحلة قائلاً وصلنا، ثم ترجل عن حماره، رفض حمار حمزة الوقوف، وأوغل بين الجبال حتى انفرجت تلك الراسيات عن صخور يتفجر منها الماء، وتجللها الأعشاب، ويعطرها الشذى الفواح، وتكسوها السكينة بأردية من السحر والجمال([270">).

وظل حمزة يراقب الحمير، فرأى الحمير البدوية منصرفة عن جمال الطبيعة ؛ بسببٍ من الألفة الطويلة التي أطفأت جذوة الإحساس بالجمال، أما حماره فكان ((متنبهاً لدقائق واديه الفتان، وكانت تدور في رأسه خواطر وتتجلى في نظراته النشوى معان لعلها من خير الشعر وأروعه، لو كان إلى تصويرها من سبيل)) ([271">).

هذه الصفات الإنسانية التي يسقطها حمزة على حماره، تنـزع إلى الكمال والتفرد في الظاهر والباطن، وهي لا تكشف عن شيء بمقدار ما تؤكد عبقرية هذا المفكر، وخصوصيته في الإدراك، وقد ذهب عبد الله عبد الجبار إلى الربط بين شخصية الحمار وشخصية حمزة شحاتة في كثير من التصرفات ((والذين أتيح لهم أن يخالطوا حمزة شحاتة - من كثب - خليق بهم أن يلاحظوا تلك المشابهة بين شخصيته وشخصية حماره)) ([272">).

فإذا كان حمزة مولعاً بالتميّز، وكسر المألوف، ومحباً للانطواء، وشاعراً مرهف الحس، ومفكراً يشن حرباً أهلية ضد الزيـف والجمود فإننا نجد حماره ((يميل إلى التفرد والانطواء ومخالفة التيار العام تماماً مثل صاحبه حينما يتقوقع في حدود ذاته، وينطوي على نفسه وكتبه ويتأمل في الكون والحياة ويشرح المجتمع الذي يعيـش فيه، ويعري الإنسانية من أرديتها الزائفة حتى تغدو بشريّة سـافلة خيرٌ منها ألف مرّة تلك الحيوانيـة التي لا يحكمها إلا قانون الغاب)) ([273">).

لقد كان حمزة مولعاً بهدم قواعد الإلف وجمالياته، وبناء قواعد وجماليات جديدة تكشف عن خصوصية في التأمل، وتفرد في الإدراك، فالحمار الذي استقر في الوعي الجمالي رمزاً للقبح، والبلادة، يصبح عند حمزة “ كنزاً ” من كنوز الجمال، طمره الإنسان بجهله، وقضى عليه بحكمه الجائر، وهنا تكمن عبقرية الفيلسوف، وبلاغة الأديب، حيث تنهض الحقيقة الجمالية عنده على أنقاض حقيقة أخرى.

جماليات الحياة

الحياة - في كل ما سبق - “ قيمة جمالية ”، وهذه القيمة نتاج بنية مادية أحكمها الخالق عز وجل، وبنية أخلاقية روحيّة أنزلت من أجلها الكتب السماويّة، وأرسل الرسل، ووضعت القوانين، وشرّعت القيم.

وإذا كانت جماليات الكون ظاهرة لا تخفى، فإن جماليات “ النفوس ” و“ القيم ” ممّا لا يكاد يبين ؛ لما يحصل فيها من تلونات، ويطغى عليها من تحريفات وتطورات، قد تخرج الشيء عن أصله.

“ والحياة ” دار ابتلاء، يكون للجمال الخادع فيها - كما يعبر القرآن الكريم “ في مواضع عدّة ” أكبر الأثر في التردي والسقوط. من هنا يأتي “ جمال الجوهر ” الذي يتجلى في تحقيق الاستخلاف، وإعمار الأرض، وحراسة القيم النبيلة، وهذا “ الرصيد الجمالي ” هو الذي تعاني من مديونيته وعجزه أمم، ودول، وأفراد.

والدين، أساس هذا الرصيد، والفن والفكر أكبر مصادر دعمه وتعزيزه.

وحين نقف على الفلسفة الجمالية “ للحياة ” عند حمزة شحاتة نجدها مجالاً خصباً لكشف جانب آخر من جوانب وعيه الشمولي، وحسه الحيّ. فالحياة عنده كلمة تشع بالدلالات المتعددة وربما المتضاربة نتيجة ارتباطها بسياقات وحمولات ومواقف متباينة، كان فيها حمزة محباً تارة وكارهاً تارة أخرى، وكان في الحالين مفكراً كبيراً، وفناناً مبدعاً.

فالحياة ((هي مجموعة ما تحتويه حياة الإنسان من الصـغائر، والتفاهـات في شكل متاعـب ومسرات)) ([274">) وهـي ((كميادين الحروب، لا اهتمام فيها بمن يسقط، وإنما بمن يبقى قبل انتهاء المعركة..)) ([275">). وهي ((عبارة عن عملية احتراق، حتى في حالة السكون)) ([276">).

وهي بذل وعطاء وتضحية ((أن تبذل كل جهدك، وكل وقتك للعمل هذه هي الحياة))([277">).

وهذا البذل ليس للمصالح الشخصية، واستبقاء الحياة الخاصة، وإنما لبناء مجتمع فاضل يـمارس حياة كريمـة ((أي عمل رائع في أن تناضل لاستبقاء حياتك؟!

العمل الرائع أن تناضل لاستبقاء حياة الآخرين ؛ عندما يفرضهم ضعفهم عليك)) ([278">).

هذا النضال هو الذي يجعل للحياة قيمة، فالأنانية، والأَثَرة لا تصنع حياة إنسانية ؛ لأن البحث عن الحقوق وإغفال الواجبات، وتقديم الذات على المجموع، هدم لمعنى الحياة الذي لا يتحقق إلا بالتناغم والتشاكل والانسجام، وحين تكون الحياة حياة لا يكون لها ثمن ((لكل شيء في العالم ثمنه إلا الحياة والفكر والحريّة)) ([279">).

والحياة رغبة وتطلعات، ولهذا كانت الرغبة أقوى أسباب الحياة([280">). وحين تموت الرغبة في الحياة، وتتلاشى التطلعات لا يبقى للحياة معنى ((إن كل شيء يتحطم، إذا لم يبق في حياتنا ما نتطلع إليه)) ([281">).

والرغبات والتطلعات في الحياة كثيرة، ومختلفة باختلاف الوعي الجمالي، فالذي يروقه البهرج الخادع، واللذات الزائلة ينساق وراء السراب حتى لا يجد في النهاية إلا الخسران المبين. والذي يفتش عن الجمال الحقيقي، ويبحث عن الجوهر تعلو عنده القيم، فتتوازن مطالب الروح مع رغائب الجسد، والحقوق والواجبات ((إذا وسعك أن تضع في ميزان عملك لآخرتك مقدار ما تضع في ميزان عملك لدنياك فقد نجوت)) ([282">). ولهذا لا يتوقى شرك الجمال

الكاذب، ولا يحقق المعادلة إلا قلة من الناس، يتأسس وعيهم الجمالي على فطنة بحقائق الأشياء والأفكار ((ما غالبت الدنيا إنساناً إلا غلبته، إلاّ من أشاح عنها وزهد فيها، وذلك هو الانتصار)) ([283">).

وبسبب اخـتلاف الرغائب، وتباين المواقف تتحول الحياة إلى ساحة نزال ((تغير معنى الكفاف في البلاد المتقدمة، فلم يعد من حق الإنسان أن يعيش، بل أن يحيا، ويدخـر، ويقتني، ويستمتع بكل منتجـات الحضارة على نحوٍ مُرضٍ. فطبيعي إذن أن يتسع نطاق الصراع بين الأفراد والجماعات، وأن تتغير معاني المباديء والمثل العليا، والقيم الأخلاقية، فهذا منطق المعركة، والحاجة البشرية))([284">).

والبطل والضحية هو الإنسان، ((من بداية الحياة حتى نهايتها، كانت هناك حرب واحدة، متصلة هي الإنسان، وكل المعارك والأحداث في تاريخها آثار صور مصغرة لـها، وباختصـار، الحرب المدمـرة والباقيـة هـي الإنسان)) ([285">).

إن للحياة منطقها الخاص الذي يعيه العقلاء وأولو الألباب، وللعقلاء منطقهم الخاص الذي تعيه الحياة، فالزينة الزائفة لا تستوقف ذا اللّب، وإن كان هذا هو الخيط الذي يمسك به العشاق. ولهذا فالعقلاء لا يحبون الحياة حين تكون زيفاً، والحياة كذلك لا تحب العقلاء ((الحياة كالمرأة كلتاهما تحب الذكي، وتكره العاقل)) ([286">).

الحياة في منطق العقلاء شبكة من الصغائر والتفاهات ((ما أكثر صغائر الحياة، وما أكثر التفاهات فيها ؛ لأنها نسيج الحياة)) ([287">).

ولكن “ جمال الحياة ” مرتبط ارتباطاً وثيقاً بوجود هذه التفاهات والصغائر؛ لأنها أوهام تبعث السعادة في النفوس، حين تظل متعلقة بها، وباحثة عنها، وحاثة الخطى إليها، وإن اكتشفت في نهاية الأمر أنها صغائر وتفاهات ((كم هو شريف أن تخلو الحياة من الأوهام، والنفاق، والكذب، ولكن لم تصبح قبيحة، مريرة، إذا غدت هكذا؟!

إننا نقضي على سعادتنا عندما نطرد آخر الأوهام من نفوسنا)) ([288">).

هذه هي الحياة بكل تناقضاتها، علينا أن نفقه حقيقتها، فالحديث عن “ المثاليات ” في الحياة، والبحث عن “ اليوتوبيا ”، وحياة بلا منغصات أو صغائر أمر مستحيل، فعلينا أن نؤمن بهذه الحقيقة، وأن نتوازن داخلياً للسير في طريق مليء بالأشواك ؛ لأن صدمة هذه الحقيقة أخف من صدمة الإيمان بوجود حياة مثالية لا وجود لها ((الحياة في إجمالها ليست اختياراً، ولكنها شيء فرض علينا فلابد من استقبال متطلباته على أي نحو، وإذن فعلينا أن نحتفظ بكل قوانا وحواسنا وأعصابنا في حالة توازن واستعداد للسير مع السائرين.

في مسألة الحياة قبولها وتقبلها لا يستطيع الإنسان أن يهرب ليعيش وحده، إنه حيث يعيش منفرداً، سيقابل الحياة وتناقضاتها وصراعها ومرارتها، وسيجد من البداية وفي النهاية أن وجوده بين الناس ومعهم أكثر من ضروري، وأن أي تعقيد في الحياة وسوء انعكاساته على النفس والمشاعر أهون من تعقيد حياة يختارها ويحسبها خالية من المؤثرات والضنك)) ([289">).

الحياة مليئـة بالمحاسـن والمساويء، وفيها الجمال وفيها القبح، هذه حقيقتها. والعقلاء من يدركون هذه الحقيقة، ويدعون إلى اكتشافها وهذه هي غاية المفكرين والأدباء التي ((يجب أن تكون دعوة إلى اكتشاف مسرات الحياة ومحاسنها ؛ لأن النظـرة السلبـيـة إلى الحياة دليل الفتور وضيق مدى الخيال)) ([290">).

إن المتشائمين من واقع الحياة ليسوا ثائرين على الحياة، ولا كارهين لمباهجها ((إنما هي ثورة الراغب المستزيد، لا ثورة الكاره المجتوي)) ([291">).

وفي هذا المعنى يقول :

آمالنا ملء النفوس فهل ترى

صفرت من الآمال نفسُ الزاهد؟

وأرى الزهادة في مظاهرها تقي

من تحته لهب الطِّماح الخامد([292">)

والحياة قوامـها التجدّد، فليس للحياة “ جمال ” إذا كانت إيقاعاً رتيباً، لا جديد فيه، ((فالحياة-كما قلنا-حياة بالتغيير الدائم، والتجدد المستمر، والتطور هو معنى الجمال وسره فيها، والسعادة في رأينا هي المسرّة المتجددة)) ([293">).

فمعنى الحياة في ذاتها هو ((الزمن والحركة والتغيّر والتحوّل، وإلا كانت متحفاً جامداً لا فرق بين الصور القاتمة فيه، والصخور النائمة فيه)) ([294">).

والزمن الذي هو معنى الحياة لا يكمن في الدقائق والساعات والأيام والشهور والدهور وإنما يكمن في الشعور بها ((والزمن ليس إلا إحساسنا بالحركة والتحوّل ولو وقف كل شيء في أعيننا لا يريم مكانه لما كان الجمال، ولا كان الشعور بالسعادة)) ([295">).

والشعور الفياض بحركة الحياة وتحولها، هو الذي يدفع الإنسان للحركة الدائمة لفهم هذه التحوّلات، والاستعداد لها، ولهذا يختلف الأفراد، والأمم في قوة هذا الشعور، فالذي تكون الطاقة الشعورية لديه طاقة مشبوبة يكون مهيأ لإدراك طبيعة الحـياة، وما عدا هذا تدوسه عجلة الحياة، ويتخطاه الركب. والكثير من الناس يظل معلقاً بالقديم ؛ لأن للجديد مشقاته، وأيسر الحلول معاداة الجديد، ولكن يظل الثمن باهضاً لهذا العداء الأحمق ((إن الشعوب التي تتوقف عن السير مع تيار الحياة والتغيير، تضطر بعد إلى أن تعدو لاهثة، وبجنون، لكي تعوّض ما فاتها من الوقت، وفي هذا العدو الاضطراري مزالق الخطأ، وكبواته)) ([296">).

صنمية القديم، وعبودية الإرث. صنيع العقول الميتة، والأفكار المجدبة، أما العقول الحيّة، والأفكار المخصبة فهي التي تنفر من التقليد، وتكره الاجترار، وتأبى العبوديّة.

والجديد ينتزع المعتقدات، ويهزّ النفوس، ولهذا لا يتقبله كثير من الناس، لأنه يشكك في معارفهم، وهذا ما نجده مع دعوات الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه عليه، ومع كل دعوة جديدة ((ومازالت النفوس أضعف استعداداً لقبول المفاجآت التي تحاول أن تنتزع من معتقداتها ومشاعرها، شيئاً له قيمته وقداسته، وله صلابته العنيدة.

وشأن الجديد في هذه السبيل، أن يكون رمز الإقلاق والبعثرة، وما يهون على النفوس والأفكار، أن تنزل عن قوانينها الأدبية، وتقاليدها وعقائدها، إلا مكرهة..)) ([297">).

الحياة حركة دائبة، وتطلع متوثب، ولا سبيل لفهم الحياة، والاستمتاع بـها، وتحقيق الوجود الإنساني فيها، إلا بالسعي في أكنافها، والتأمل في حركتها، والتوازن مع إيقاعها الذي لا يهدأ، توازناً دقيقاً لا تكون الحركة فيه تهوراً وإيقاعاً ناشزاً، ولا يكون الوقوف نوماً عميقاً، وموتاً أبدياً.

بهذا المقياس الدقيق تكون الحياة حياة حقيقية، ويكون الإنسان “ عملاً صالحاً ”، وعاشقاً للجمال في جوهره، والله جميل يحب الجمال.

وحمزة شحاتة كان يحدثنا عن الحياة في حقيقتها، لا عن حياته الخاصة، وعن شقاية العقل الحيّ، وجهاده لاستيعاب هذه الحقيقة، والتوازن معها، حتى أصبح رأس المفكّر هو مشكلته ((ذلك العبء الثقيل، هو رأسي الذي أنوء بحمله منذ تفطنت للحياة، وغُرست بتجاربها القاسية، ولو أن لي في موضعه من عاتقي رأس حيوان أعجم لما أخطأت العزاء في محنة فمن لي بذاك)) ([298">).

يقول عن إشكالية العقل النابض :

أرى عقلاء القوم فاضت صدورهم

أسىً، وأرى الجُهّال قد مُلئوا بشرا

قدحت زنادَ العزم في راجح النُّهى

وناشدته عهد الجهادِ، فما أورى

فأيقنت أن العقل أبطأ مركب

إلى غاية تستعجل الواثب البكرا

وما العقل إلا يومة طال جُهدها

فما نورت ليلاً، ولا أظلمت فجرا([299">)



إنها شكاية ابن مقبل، الذي أدرك هذه الحقيقة واصطلى بنارها فقال :

ما أطيب العيش لو أن الفتى حجر

تنبو الحوادث عنه وهو ملموم([300">)

يقول حمزة شحاتة :

وهي دنيا الشذوذ يرتفع الجاهل فيها ويستذل الحصيف([301">)

ومع هذا فالمفكر العظيم لا يجد المتعة، ولا يكتشف الجمال إلاّ في هذا النصب القاتل ((ليس أحبّ إلي من النصب في سبيل تعديل الموازين ومعاناة الحقائق واحتمال مشقة الهدم والبناء في نفسي وفكري، فإن كانت الحياة حياة باستمرار حركتها، وتجدد دواعيها، وتعدد صورها، فالنفس ما تكون النفس العميقة إلا بما يجيش بها من أسباب التغيير والتحول والتقدم

والتقهقر))([302">).

وجميع مجالات الفلسفة الجماليّة التي عرض لها حمزة شحاتة، تنوّع الحديث عنها بتنوع الجنس الأدبي الذي جسدّها شعراً ونثراً، فالفلسفة الجماليّة خلاصة أدب متنوع، فيه القصيدة، والمحاضرة، والمقالة، والرسالة، ولكل جنس أدبيّ خصائصه الفنية التي يستقل بها عما سواه، ممّا يجعل الحديث عن تلك الخصائص فوق طاقة هذه الدراسة، لثراء أدب حمزة شحاتة، ودقة صنعته، وتنوّع أسلوبه، وخصوبة معجمه اللغوي، وصوره الفنية، ولهذا نقول على وجه الإجمال إنّ أبرز خصائص الفن عنده تتمثّل فيما يأتي :

hano.jimi
2011-09-16, 15:19
وقد تماثل أمة أمة في قوتها الظاهرة، ولكن الغلبة تكون دائماً لأقواهما خُلقاً. وتفوق السياسة الانجليزية ليس مرده القوة الحربيّة، ولا امتياز الذكاء والإدراك، ولا قوة النفوذ، وامتداد السلطة وارتفاع ميزان الثروة ؛ لأن هذه النتائج ضمنتها قوة الخُلُق في الفرد الانجليزي.

ولقد كانت فرنسا وما تزال أقوى ذهنية، وأحدّ شعوراً، ولكن اتجاه المزاج الإفرنسي، كنتيجة لأسلوب التربية الغالب في فرنسا جعل الفرنسي، دون الانجليزي في متانة الخلق، وصدق الاتجاه، وقوة العزيمة، وضبط النفس.

والإجماع عام على أن أيّة نهضة لا تقوم على قوّة خلقيّة في أمّة، إنما تكون نهضة مقضياً عليها بالانهيار والتحيّر..)) ([190">)

والرجولة عماد الخلق الفاضل، فالرجولة هي السلاح، وهي قوّة الدفع ساعة الضعف ((ها نحن نرى أمة نكرة بين الأمم يعجزها النهضان، ويصرفها لهوها بالفضائل، عن انتهاج سبيل القوة والارتقاء، وسبيل الحياة والسمو، فأين القوّة والجمال والحق تأخذ بيدها؟

أين الرجولة تأخذ بيدها وتقيل عثرتها؟

الرجولة التي كانت رمز القوة الفعالة في الإنسان القديم!

ورمز سجاياه ومحاسنه في أولى وثباته إلى التطور!

ورمز الحياء والرحمة والعدالة في فجر مدنيته المنبثق!

ورمز المبدأ للعربي يوم نهض بأعباء رسالته التاريخية)) ([191">).

و “ الفضائل ” عندما يضعها حمزة شحاتة تحت مجهر التشريح، ويقوم بتجريدها، وفق فلسفته الخاصة، يقدّم لنا رؤية جديدة يتخطى بها حدود النظر الضيّق إلى آفاقٍ رحبة لا ليضعف هذه الفضائل، وإنما ليبلغ بها أبعد آماد القوة والاحتمال([192">).

وهذه مجازفة استدعتها الأمانة مع ما لهذه المجازفة من عواقب وخيمة ؛ لأن رج المعتقدات والأعراف الثابتة، يقابلها الناس بردود فعل عنيفة لا تكاد تقاوم، ولكن الحياة لا تستقيم إلا بهذه المغامرات من الطامحين لصناعة الحياة الذين يكشفون خبايا الوجود والفكر([193">).

وحمزة شحاتة يربط بين الأطوار الاجتماعية والفضائل، فالفضائل تتلبس معاني ومفاهيم خاصة في كل طور اجتماعي، ولهذا لا سبيل لتفكيك هذه المفاهيم إلا في سياقها الاجتماعي.

فالفضائل: ((صفات وأعمال تؤمن الجماعة الغالبة اصطلاحاً بفائدتها وضرورتها، أو بأنها خير..)) ([194">).

فالنفع أساس الفضائل جميعاً، لكنّ هذه المنفعة تختلف باختلاف العقول والعصور، وهذا الاختلاف في تصور بعض الحقائق وإدراكها من عصر إلى عصر وعقل إلى آخر لا ينفي الحقيقة الأصلية([195">). وهذا أمر لا يدركه كثير من الناس ((فإذا قال مفكر اليوم : إن الفضائل أوهام عقلية أو نفسية، غايتها إيجاد مثل عليا للجموع تستمد منه روح العزاء والعزيمة والأمل، لم يكن معنى هذا إنكار صحة تعاريفها أو صحة الأحكام التي أعطيت عنها..)) ([196">).

وحين يعرض لأطوار الفضيلة يذهب إلى أنها مرت بثلاث مراحل : كانت في الطور الأول ضرورة فرضتها طبيعة الحياة في عصر الإنسان البدائي. فصارت معتقدات شعورية شعرت بها الجماعة فاستجابت لأحكامها، وتحولت في طورها الثالث إلى أخلاق وملكات لا شعورية وخصائص نفسية وفكرية من خلال المحاكاة([197">).

وإذا كانت الرذائل “ أنانية عارية ” فإن الفضائل “ أنانية مهذّبة ” ([198">) ؛ لأنها ألفاظ القوي واستراتيجيته لاستغلال الضعيف وقهره([199">)، أما الحياة فلا تعرف إلا الأقوياء([200">) قديماً كان الجسد مصدر القوة، فجاء النفوذ والثروة وحلا محل القوة الجسدية([201">) وكل هذا يتم تحت مسمى “ الفضيلة ” فكم من المجازر البشرية التي انقادت لها الجماعات البشرية مأخوذة بأوهام الحق والعدالة والدفاع عن الفضائل المستباحة([202">).

ففضيلة “ الكرم ” مثلاً كانت دليلاً على القوة، فصارت دليلاً على النفوذ([203">). وهذه الفضيلة لم تنشأ كاملة السمات، وإنما تدرجت من الضرورة إلى أن صارت ملكة لا شعورية، كان الكرم في الأصل دلالة افتخار على اتساع نفوذ القوي فأصبح صفة لازمة لمن تحلهم قوتهم ونفوذهم محل الأبطال والقادة، فالكريم كثير الأعوان، عميق الأثر، رفيع المنـزلة ولهذا يمجده الناس مع أن العفيف أكثر قهراً لشهوات النفس([204">).

والبخل رذيلة بلاشك تدل على ضيق النفس، وفتور الفكر الطامح ولكنه يدل من جهة أخرى على فهم عميق لطبيعة الحياة، وحقيقة الناس، وطبائعهم المطوية([205">).

فإذا كان الكرم خيالاً جميلاً، فإن البخل حكمة وفلسفة عميقة.

فالكرم “ أنانية مهذبة ” لأن الكريم يعطي ليأخذ، يكرم ليستعبد النفوس ويسترق الألسنة، ويستمتع بلذة الثناء، وبهرج الاستعلاء([206">).

وهذه حقيقة، يؤكدها واقع الحياة المعاصرة، وجدل الفكر الشعري الذي يتجلى بين الشاعر الباحث عن “ الخيال الجميل ” والثناء السائر، وزوجته الحكيمة التي تتحدث بلغة الحياة، ورؤية الإنسان الخائف، ولا ينفيها ترغيب الإسلام في الكرم والحث عليه كقوله صلوات الله وسلامه عليه : ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه)) ([207">).

فالإسلام يسمو بهذه الفضيلة كغيرها من الفضائل فلا يجعل الميزان فيها للأخذ والعطاء، وحسابات الربح والخسارة، والمصالح الضيّقة، ولهذا يسميها حمزة شحاتة “ محاسن ومعايب ”([208">)، ((أما الفضائل التي نراها خليقة بهذه التسمية، فهي التي نزل بها القرآن ودعا إليها. تلك فضائل لا يكون للمتصف بها، والمؤمن بقوانينها، نظر إلى مصلحة أو سمعة، وإن كان شيء من ذلك فالمثوبة عند الله والزلفى إليه. فالكرم فيها إحسان إلى مستحقه، ينزل منزلة الحق المفروض له. وخروج من سلطان المادة وحدودها في سبيل الله)) ([209">).

والانحراف بهذه الفضائل ضرورة اقتضاها سير الحياة وقوانينها([210">).

وذلك ((أن النظرة العامة إلى الفضائل أصبحت نظرة خيالية لا نظرة إيمان وتحتيم. وإنها لم تعد سلاحاً يضمن الحماية لمتقلّده)) ([211">).

والعودة بهذه الفضائل إلى ما كانت عليه هو سبب النجاة، والأمل في الشهود الحضاري، وسبيل القوة والظفر([212">).

هذه الرؤية الفلسفية العميقة للفضائل وربطها بتطور الحياة الاجتماعية عند حمزة شحاتة كما تجلت في محاضرته “ الرجولة عماد الخلق الفاضل ” ذهب الأستاذ الكبير محمد حسن زيدان إلى أنـها مستمـدة من كتاب علم الاجتماع لنقولا حدّاد([213">) ولكن عزيز ضياء يرى فرقاً بين اسـتنساخ المعرفـة و“ ابتكارها ”، فقد يكون حمزة شحاتة وقف على ما قاله “ نقولا حداد ” وأفاد منه، ولكن الإفادة شيءٌ، والتقليـد شيءٌ آخر، وحمزة شحاتة في كل ما يكتب كان من أبرز خصائصه ((التعشق الملهوف للاستقلال الفكري والحرص الممضّ على الابتداع، والترفع عن الاتباع..))([214">).

وقد جهدت في البحث عن كتاب “ نقولا حدّاد ” فلم أجده، لكن الذي أراه هو أن حمزة شحاتة لديه قدرة مدهشة على الإبداع والإضافة في محاضرته هذه، وفيما عرض له من قضايا فكريّة وأدبيّة، الأمر الذي يعزز روح النبوغ لديه.

واعتقد أن حمزة شحاتة أفضل من قدّم رؤى خصبة من روادنا الكبار فيما يسمى “ بالنقد الثقافي ” الذي يبحث في الدلالة المضمرة للخطاب الجمالي، ويكشف بعض عيوبه المنسربة تحت قشرته الظاهرة([215">).



جماليات المكان

علاقة الإنسان بالمكان علاقة قديمة تمتد بالإنسان إلى أبيه الأوَّل آدم عليه السلام الذي كان خلقه قبضة من الطين ونفخة من الرُّوح، فمن الأرض تشكّل أبوه بقضاء الخلاّق العليم، وصارت الأرض له بيتاً كبيراً يحنو عليه وأُمّاً تعذق بما سخر الله فيها من طاقات الحنوّ والخصوبة.

وبدأ الإنسان يشكل مكانه الخاص به، وفي إطار من الإحساس بالمدنية بدأت دوائـر المكـان تتسـع من البيت الصغير “ المنـزل ” إلى البيت الكبير “ الوطن ” إلى المنـزل الأكبر “ الأمة ” ثم “ العالم ” الذي أصبح بيتاً للجميع، لا حياة إلا فيه، ولا بقاء إلا بالحفاظ على نظافته ونقائه.

والمكان في رؤية الإنسان يكتسب خصوصيته وقيمته وجماليته من خلال علاقة الكائن به، وألفته له، وليس من خلال وجوده الموضوعي ((إن المكان الذي ينجذب نحوه الخيال لا يمكن أن يبقى مكاناً لامبالياً، ذا أبعاد هندسيّة وحسب. فهو مكان قد عاش فيه بشر ليس بشكل موضوعي فقط، بل بكل ما في الخيال من تحيّز. إننا ننجذب نحوه ؛ لأنه يكثف الوجود في حدود تتسم بالحماية)) ([216">).

والمكان في الفلسفة الجماليّة عند حمزة شحاتة له حضوره الخاص، تأملاً وتآلفاً أو تنافراً، بمقتضى رؤية خاصة تشكل للمكان وجوداً جديداً، وتضفي عليه ألواناً وظلالاً “ شـحاتّية ” تنقـله من وجـوده “ الموضوعي ” إلى وجود “ جمالي ” جديد لا نجده إلا في هذه الفلسفة الجماليّة.

وحين نستقرئ آثار حمزة شحاتة نجد عدداً من الأماكن استوقفت حمزة وصبغها بروحه ومشاعره فنقلها إلى عالمه الخاص ومنها :

1 - البيت.

2 - المدرسة.

3 - المدينة.

4 - الوطن.



1 - البيت :

((البيت هو ركننا في العالم، إنه كما قيل مراراً، كوننا الأوَّل، كون حقيقي بكل ما للكلمـة من معـنى، وإذا طالـعنا بألفـة فسيبـدو أبأس بيت جميلاً)) ([217">).

في هذا الكون الصغير تتآلف الأشياء، وتجتمع الأسرة، وتكتب الأحلام، ولهذا يظل البيت عالقاً في الأذهان لما ينطوي عليه من ذكريات جميلة، ولما حفظ لنا بوصفه مكاناً من مواقف لا تُنسى.

في البيت تتشكل عقلية الطفل، وتتحدد شخصيته، وحمزة شحاتة يرى أن البيت لدينا يمارس سلطة قمع على الطفل، فالطفل لا يشعر بوجوده إلا بالحركة والشغب وإلا أصبح قطعة أثاث جامدة لا روح فيها، فينشأ شعور الحريّة مع الطفل فيقابل بزواجر القانون “ استح ” ([218">). هذا القانون الذي يحاول أن يجعل الطفـل في غده إنسـاناً ((متسقاً، مؤدباً، هادئاً، فلا يلتهم الطعام، ولا يصرخ من الألم)) ([219">).

و“ المجلس ” في البيت عندنا يمثل المدرسة الأولى، لكننا نمارس فيه إرهاباً تربوياً على الطفل، فالطفل إذا ما دخل المجلس، وأحدث حركة، أو حاول المشاركة في الحديث قيل له : “ استح ” ليكتشف في رحلة الحياة بعد ذلك أن الحياء الذي رُبيّ عليه “ عقدته العصبية الخطرة ” ((يرى خطيباً يخطب ويتلعثم. يقول في نفسه هو : لا يحسن الخطابة. يسمع الناس يقولون : يستحي! يدخل إلى مجلس غاصّ فيرتعد، يعرق، يبتسم الناس، ويسألونه لماذا تستحي؟ يسمعهم يقولون: فلان يستحي كالنساء. يرى الذين لا يستحون يتصدرون المجالس، والذين يتوقحون يسيطرون عليها ولو سيطرة ظاهرة، ويضحك الناس لهم تشجيعاً)) ([220">).

والبيت في كثير من رؤى حمزة شحاتة كون مليء بالمتاعب ((في البيوت التي انهدمت كما في البيوت القائمة، نفس الأسرار والمتاعب والكوارث.. والفرق في الظهـور والخفاء مع اختلاف يسير في الكم والكيف إذا روعيت الدقة)) ([221">)

السعادة عند حمزة شحاتة لا تحب البيوت إذ ((لو كانت السعادة تحب البيوت لما امتلأت المقاهي والملاهي بروّادها)) ([222">).

هكذا يفقد البيت حميميته ويفقد معه حمزة وجوده فبدون البيت يصبح الإنسان كائناً مقتتاً كما يقول باشيلار([223">).

وحين يكتب حمزة شحاتة رسائله إلى ابنته تظل هذه الصورة النمطية للبيت حيّة في كلماته، فالبيت هو المكان الذي تتسلّل إليه التفاهات([224">). ولكنه في مواطن كثيرة يحث ابنته على التفاؤل والبحث عن السعادة مع زوجها في طريقهما الطويل، وكأنه بهذا الإلحاح الدائم عليهما في رسائله يقدّم صورة جديدة للبيت على الأقل كما ينبغي أن يكون.

إن البيت حلم لا ينقطع، يولد به الإنسان، ويحمل عنه الذكريات، ويظل حلمه عن البيت القديم، وما أن يستقر به القرار حتى يلوح في خياله “ بيت التراب ” القبر الذي يظل شغله الشاغل حتى يوارى بالتراب.

والبيت ليس بجدرانه وغرفه وألوانه، وإنما بمشاعر صاحبه، وأحاسيس قاطنيه، ولهذا تتولد العلاقة بين البيت والإنسان من خلال تلك الأحاسيس، فيكون ملاذاً للتفاهات، والتفتت كما عند حمزة شحاتة، أو يكون نبعاً للمشاعر الفياضة يقول باشيلار : ((إن عمل ربة البيت في تنظيم قطع الأثاث في الحجرة، والانتقال من هذه الحجرة إلى تلك ينسج علاقات توجد ماضياً قديماً جداً مع عهد جديد، إن ربّة البيت توقظ قطع الأثاث من نومها)) ([225">).

وهذه الصورة الكابية للبيت عند حمزة شحاتة نتيجة لعلاقة خاصة به، فالبيت كان العالم الذي جرّب البحث فيه حمزة عن السعادة فلم يجدها من خلال ثلاث زيجات انتهت كلها بالفشل. كان ((الزواج الأول غلطة، والثاني حماقة، أما الثالث فإنه انتحار)) ([226">).

2 - المدرسة :

المدرسة هي القابلة الثانية بعد “ البيت ”، تترسخ فيها قيم البيت، أو تنشأ فيها إشكالية الازدواج بين المفاهيم والممارسات.

المدرسة تُعلم الفضائل من صدق، وعفّة، ورحمة، وصبر، وحلم، وتضرب النماذج على ذلك كله في كتب الدين والتاريخ والأخلاق، لكن هذا التعليم النظري يصطدم بالواقع، فالطفل يرى أستاذه يكذب، ويخاف، ويرى أباه وأمه يكذبان، ولا ينجو من عقاب الجميع إلا باصطناع الأكاذيب، وهنا تتكشف الحياة عن ازدواجية بين مُثُل البيت والمدرسة وواقع الممارسة فيهما، يرى من يقول شيئاً، ويفعل ضدّه، ومن يخاف القانون، ولا يخشى تأنيب الضمير فتنشأ عقدة عصبية أخرى([227">).

ولهذا تفشل المدرسة في بناء الرجال الفضلاء، وإن علمتهم الأخلاق([228">). والسبب “ الجهل بعلم التربية ” ((الدراسة عندنا لا تزال قائمة على حشو الذهن بالمعلومات والقواعد، وعلى إرهاق الطفل، وكبت نزعاته النفسية والوجدانية، وها نحن نرى آثار هذه العيوب في “ انمحاء آثار الشخصية ” من جميع من تخرجهم المدارس، وفي كلال أذهانهم، وأعصابهم، وفتور حيويتهم الفكرية. فلا نكاد نجد أثراً لنشاط الفتوّة في نفوس أبنائنا.. فالغلام عندنا مطبوع بطابع الكهل، والشاب مطبوع بطابع الشيخ الهرم)) ([229">).

المدرسة بهذه الصورة القاتمة نتيجة للفراغ بين الكائن والمكان، وانعدام التفاعل وفتور العلاقة بين المعلم والمدرسة، فاختيار المربي الفاضل مسألة في غاية الخطورة، ((وإذا كانت طبيعة حياتنا قد أفقدتنا الأب والأم الرشيدين فلا أقلّ من أن تعوّضنا التربية المدرسية أساتذة يقودوننا بحكمة وخبرة ليعدّلوا ما فينا من اعوجاج)) ([230">).

هذا الفراغ الوجداني جعل مدارسنا ((معامل تفريخ كل غايتها أن تدفع عدداً من حملة الشهادات، لا يعرفون فناً تجريبياً، ولا علماً عمليّاً، ولا صناعات يدوية، تفتح في الحياة ميادين نشاط جديدة، غير ميدان الوظيفة، والمكتب، والديوان)) ([231">).

وجعل الحياة فيها ضرباً من “ ضروب النعاس الثقيل ” ([232">).

وجمالية المكان إنما تتحقق بعلاقة جديدة بين كائنات المكان، حيث تصبح تربية البيت حرّية فاضلة، لا زواجر فضة، وتربية المدرسة عملاً وإدراكاً وممارسة لا آليات فكريّة، وقواعد مكرورة([233">).

هذه العلاقة الجديدة هي التي حشدت لها إنجلترا أعظم رجالها من ساسة وأدباء وفلاسفة وعلماء وفنانين فكان القرار في عشرين مجلداً ضخماً([234">).

والنتيجة شهود حضاري للإنسان، وجمالية في المكان، واتساق واعتدال وتوازن في كل شيء([235">).



3 - المدينة :

المدينة في الوعي الثقافي المعاصر في الغرب والشرق ذات صورة قاتمة، فهي أحد نتائج العلم الحديث بكل مساوئه ومحاسنه، إذ شهدت المدن الحديثة في العالم ويلات الحروب، واصطدمت بلهيبها المحرق، وغاصت في دخان المصانع، ونفاياتها، وقام التصميم العمراني فيها على “ الوحدة ” أكثر من الاندماج الذي كان موجوداً في القرية بامتدادها الأفقي، وأفنيتها المفتوحة، وبيوتها المتلاحمة، فانكمشت العلاقات الإنسانية، وتقطعت أواصر القربى. ولهذا حين نفتش عن صورة المدينة في الوعي الشعري - مثلاً - وهو بطبيعته وعي مرهف - نجدها تعجّ بالاغتراب، والجدران العالية والبهرج الخادع، والإيقاع اللاّهث، والخوف، وأوكار البغايا، وشريعة الغاب([236">).

وهذه هي صورة المدينة عند حمزة شحاتة ((منطق الغابة هو واقع المدينة بزيادة طفيفة هي القانون)) ([237">).

منطق الغابة هو الذي سوّغ لبعض أقارب حمزة الاستيلاء على أمواله في ((صفقتين ماديتين فادحتين في حياته)) ([238">)، حيث وضع ما يدخر من المال في يد أحد أقاربه ليقوم باستثماره فغدر به، وما إن استرد أنفاسه حتى وقع في قبضة أحد أصدقائه. هذا المنطق هو الذي أوقعه في حبائل الاقتران بالمرأة ثلاث مرّات تنتهي جميعها بالطلاق([239">).

المدينة في رؤيته بلا مدينة ولهذا لا تستحق الحب ((إن الحب في بلد مايزال نصيبه من المدينة ضئيلاً - كالقاهرة مثلاً - أشبه بلعبة الثلاث ورقات لا يؤخذ بها إلا الساذج العزير، ترى ما الأمر في لندن وباريس ونيويورك؟!)) ([240">).

وهي كائن جامد لا يتغيّر - والجمود في عرف الفنان هو الموت - فالمدينة بهذه الصفة ((عاجزة عن استفزاز مشاعرك الفنية وتغذيتها)) ([241">).

لم يجد حمزة في المدينة قلباً رحيماً، ولا زوجاً حانية، ولا صديقاً مخلصاً، ولا حركة تستفز المشاعر، فانكفأ على ذاته باحثاً عن مدينة فاضلة في أعماقه البعيدة.

وحين نستقريءُ صورة المدينة في شعره نجد حنيناً إلى المدينة، كما في قصيدة “ وُج ” التي يذكر فيها ماضيه الجميل في رحاب ذلك الوادي، ويجعل العيش بعيداً عنه ضرباً من الكذب والفجاجة :

كذب العيش بعد يومك يا وُجُّ

مريراً، والعمرُ بعدك فجا([242">)



ولا يكاد يردُ حديثه عن المكان إلا في سياق الإحساس بالغربة، والضيق والقيود، والعقوق والنقائص كما في قصيدته جدة التي دفن العقل بين شاطئيها في أول بين عندما قال :

النُّهى بين شاطئين غريق

والهوى فيك حالم لا يُفيق([243">)



وقصيدته “ أبيس ” التي قالها في مصر، وتذكر فيها مكة المكرمة مسقط رأسه، فتجلت أحاسيسه مثقلة بالتحديّ للأعداء الذين طال صمته عن سفاهاتهم :

يا حنايا أم القرى فيك قرّت

مهج ما انطوت على شحناء

بيد أن الأذى، وعدوانه السا

در، قد أججا لهيب العداء

فليكن وزره على رأس جانيـ

سه هجيراً يلوب في رمضاء



قد بلغنا بالصمت آخر حدّيـه لياذاً بشيمة الكرماء([244">)



4- الوطن :

الوطن في الإبداع له حضوره الخاص، وتشكلاته الجماليّة المتعددة، بتعدد رؤى المبدعين، وخبراتهم الجماليّة، ومواقفهم الشعورية. يظل الوطن محتفظاً بقيمته، فهو المكان الذي يشعر فيه الإنسان بالانتماء، ويلتذ فيه بالبذل والعطاء، واختلاف الصور أيّاً كانت ألوانها وظلالها، وخلفياتها، تشكل في النهاية موقفاً وجدانياً من الوطن لا خلاف حوله، وهو أن الوطن مدار العشق، وقصيدة الشعر التي لم تكتب أيّاً كان ذلك الوطن فميسون بنت حميد بن بجدل تلك البدوية التي تزوجها معاوية بن أبي سفيان ونقلها إلى حاضرة الشام، رفضت هذا العالم الجديد لعدم إحساسها بالانتماء إليه، فحنت إلى وطنها القديم وطلبت من معاوية أن يعيدها إلى أحضانه قائلة :

للبس عباءةٍ وتقّر عيني

أحبّ إليّ من لبس الشُّفوف

وبيت تخفق الأرياح فيه

أحبّ إليّ من قصر منيفِ([245">)

وحين نتتبع صورة الوطن عند حمزة شحاتة في فلسفته نجدها إلى الحياد أقرب منها إلى التآلف أو العــداء، فالوطـن عنده ((عبارة عن مصلحة، أو ضرورة وفي بعض الأحيان تعليم يُفرض كي يُنشيء الشعور بها)) ([246">).

ولا خلاف في أنّ الوطن مصلحة، وضرورة، فالإنسان مدنيٌّ بطبعه، والوطن هو المكان الذي تنشأ في ظلاله المدنية وتقوى، ويشعر الإنسان بوجوده، ومكانته، فالوطن الذي يحقق شهوداً حضارياً، يمنح أبناءه مكانة لا تتحقق لأبناء بلد يغطّ في غياهب الجهل والانطفاء الحضاري.

وانتماء الإنسان إلى الوطن عند حمزة “ ضريبة ” يجب أن يدفع الإنسان ثمنها، ولا مـجال للتنصل من تبعاتـها ؛ لأن الوطــن لا يستبدل به غيره ((ولا معدى من الصبر، والإذعان، في وسعك أن تترك منزلاً لا يرضيك إلى غيره، ولكن المسألة بالنسبة لوطنـك ومجتمعك مختلفة، أيها المواطن الحرّ الصالح)) ([247">).

والمواطن الصالح لكي يكون صالحاً، وفعّالاً في بناء وطنه، لابّد أن يشعر بقيمته بوصفه إنساناً، فإذا كان للوطن حقوق على المواطن، فإن على الوطن واجبات ينبغي أن يقوم بها، حتى لا تموت المواطنة في نفوس الأبناء و((كيف لا تنعدم الوطنية، وتموت الدوافع الشريفة في وطن، القوت الضروري هو شغل أهله الشاغل. إن الفاقة تقتل أشرف الدواعي في النفس))([248">).

ويرسم حمزة شحاتة صورة كابية للزقاق، وللمحاكم، لا تخرج عمّا وجدناه في البيت والمدرسة والمدينة. وهذه السوداوية القاتمة لا تكاد تستثني شيئاً من هذا العالم، فالحياة على الأرض عقوبة كبرى ((إن أية عقوبة لا تبلغ شدة النفي إلى الأرض)) ([249">).

ولهذا تآزرت أفكاره ورؤاه الشعرية على النفور من هذا المنفى، وكيف يرضى المدان بزنزانته والعصفور بقفصه. يقول في قصيدته التي تختصر معاناته مع هذا العالم :

رحلةٌ تثمر اللغوب وخيط

من حرير يقتادُنا للشقاءِ

وشجون لا تنتهي وصراعٌ

يسحق الصبر دائم الغلواء

الحجى فيه حائرٌ في ظلام

والأماني موؤدة الأصداءِ

والخيالات في دُجاه شمو

عٌ ثرة الدّمع ذابلاتُ الضياء

والأسى فيه للجراح يغنيّ

عبرتيه محولك الأرجاء

ينشد الفجر وهو ناءٍ غريب

ضائع مثله شهيد الدعاءِ

ألهذا تشقى النفوس بما تهوى

وتكبو الغايات بالعُقلاءِ؟

ويهيم الخيال في ظلمة الحيرة

يسري على بصيص الرّجاء

وتفيض القلوب منطوياتٍ

بجراح الأسى على البُرحاء

يا بريق السراب أسرفت في الجور

وأثخنت في قلوب الظماء([250">)



الأرض بكل ما فيها من “ أماكن ” ليس بينها وبين حمزة شحاتة ألفة، فهي “ أماكن ” معادية، وقد جعل الدكتور الغذامي الأرض محوراً من محاور النموذج الدلالي لأدب حمزة شحاتة الذي يقوم على ثنائية الخطيئة والتكفير([251">).

“ فالمكان ” هو الجحيم، وقبح المكان وجحيمه ليس شيئاً لازماً له، ولكنه نتيجة علاقة مختلة، أو لنقل علاقة غير جميلة أذهبت بهاء المكان، وأفسدت جمالياته، هذه العلاقة غير المتكافئة بين “ مكان جميل ” و“ إنسان غير جميل ” فرضت هذه النتيجة التي رأينا انعكاساتها على أدب حمزة وفكره وحياته، فقد كان أحد قرابين هذا التنافر البغيض. يرى الكسيس كاريل أن الانفعالات التي تنتاب الإنسان متباينة حيث السعادة والتعاسة، والفرح والحزن، ومرد ذلك الرغبة في تحقيق الأحلام والتطلعات فتتخذ الحياة مظهراً مختلفاً تبعاً لحالته النفسية الأمر الذي يشيع الحب والبغض في منطقه([252">).

إن عبقرية حمزة شحاتة تكمن في “ لغة الهدم ” كما يقول، فقد عمد إلى أماكن جميلة، كالوطن، والمدينة، والبيت، والمدرسة، فجعل من الجميل “ قبيحاً ” ونحن بلاشك نختلف معه في هذه الرؤية السوداوية القاتمة، ولكن الفن إنما يكون فناً بقدرته على التأثير، حيث يقلب الفنان معادلات الأشياء، ويشكك في الإلف - في أمور يمكن أن نقبل فيها الشك بالطبع وليس في مسلمات دينية ثابتة - ليرينا الأشياء من زاوية أخرى قد نختلف معها ونمقتها، لكننا نؤكد عبقريته وتفرّده، وإذا كان الفنان يمكن أن يجعل من القبيح جميلاً كما ذهب تين وغيره من فلاسفة الجمال، فإنه يمكن أن يجعل من الجميل قبيحاً، والاتفاق والاختلاف مع الفنان في مواقفه شيء، وتقدير فنّه شيء آخر، مع إيماننا بأصالة الفن أولاً، وحقنا في الاختلاف معه بعد تقدير الإبداع فيه([253">).

المكان في الفلسفة الجماليّة عند حمزة شحاتة ذو “ معطى سلبـي ” في الغالب الأعم، إلا في صورة الوطن حيث يتوازى معطيان “ إيجابي وسلبـي ” يتفوّق أحدهما على الآخر بسبب من “ العلاقة التبادلية ” بين الوطن والمواطن، فالوطن والمواطنة حقوق وواجبات، متى أحس المواطن بوجوده وانتمائه وحصل على حقوقه كاملة كانت المواطنة الحقة، وحين تختل هذه المعادلة تذبل العلاقة، وتظهر الصورة الكابية والمعطى السلبـي للمكان، فلا يجد المواطن لدلالة الوطن معنى في نفسه.

أما الأماكن الأخرى “ المدينة - البيت - المدرسة ” فكلها ذات معطيات سلبيّة. المدينة شريعة غاب، تموت فيها العلاقات الإنسانية، وتتخشب المشاعر، وتتوقف الإثارة.

و“ البيت ” مدار للقمع والتفاهات، والمدرسة عالمٌ مليء بالأكاذيب، وملاذ للنعاس الثقيل، ومعامل لتفريخ الأذهان الصدئة، والأفكار البليدة.

والذي لاشك فيه “ أن معاناة ” حمزة مع الزوجة، والأصدقاء، أضف إلى ذلك “ فرط الحساسيّة ” و“ النبوغ ” كانت مجتمعة خلف تلوين المكان بهذه الألوان الكابية، وصبغه بتلك المعطيات السلبيّة. وكل هذا بحثاً عن “ مكان أجمل ” وإنسان أكثر جمالاً، يظل يبحث عنه الفنان فلا يجده، لأن الفن بحث في المستحيل وحديث عن الممكن.



جماليات الحيوان

الكون بنية محكمة، غاية في الجمال، جمال في الطبيعة، وجمال في الإنسان، وجمال في الحيوان، وجمال في الأفكار، وجمالٌ في علاقات الأشياء، وعلاقات الأفكار.

والحيوان مفردة جميلة في هذه البنية المحكمة الجميلة، ((حيث التركيب المدهش، والألوان المثيرة، والوظائف البديعة، والغرائز المحكمة، والحركة التي تأخذ ألف إيقاع وإيقاع)) ([254">)، ولهذا قال تعالى :) والأنعام خلقها لكم فيـها دفءٌ ومنافع ومنها تأكلون، ولكم فيها جمالٌ حين تريحون وحين تسرحون (([255">).

يقول محمـد قطب : ((إن توجيه نظر الإنسان إلى الجمال في الأنعام ذات “ المنافع ” المتعددة، له دلالته فيما ينبغي أن يكون عليه الإنسان في التصور الإسلامي، فهو مخلوق واسع الأفق، متعدّد الجوانب، ومن جوانبه الحسيّ الذي يرى منافع الأشياء، والمعنوي الذي يدرك من هذه الأشياء ما فيها من جمال، وهو مطالب ألا تستغرق حسه المنافع، وألا يقضي حياته بجانب واحد من نفسه، ويهمل بقية الجوانب، فكما أن الحياة فيها منافع وجمال، فكذلك نفسه فيها القدرة على استيعاب المنفعة، والقدرة على التفتح للجمال..)) ([256">)

والحيوان عند حمزة شحاتة ((جزء من الطبيعة التي نرتاح إليها، ونحبها، ونربي كثيراً من ملكاتنا الفكرية، ومشاعرنا النفسية على حسابها، وفي الحيوانات بعد أكثر جوداً علينا من الطبيعة، وآمن مفتتناً ونحن بها أكثر امتزاجاً)) ([257">).

الحمار :

وحمزة شحاتة وهو يتأمل بفكره النافذ مكونات هذه البنية استوقفه “ الحمار ” فقدم لنا - في ثلاث مقالات نشرت بجريدة صوت الحجاز عام 1355 هـ ثم جمعها الأستاذ عبد الحميد مشخص بعد ذلك مع عدد من المقالات الأخرى في كتاب سمّاه “ حمار حمزة شحاتة ” - رؤية جمالية متميزة عن الحمار، وكان سابقاً بها لتوفيق الحكيم صاحب “ حمار الحكيم ” و“ حماري قال لي ” ([258">).

والحمار رمزٌ للحسّ البليد، والصوت المنكر، في القرآن الكريم وفي تراثنا العربي، لكن حمزة شحاتة يقدمه لنا في صورة نابضة بالأحاسيس المرهفة، والمشاعر المتدفقـة، والأفكار الخلاّقـة، وقد عمد الأديـب الرائد عبد الله عبد الجبار إلى استقراء هذه المقالات الثلاث، في دراسة لا تخلو من المتعة والرؤى الفذة التي تدل على فكر نقدي بارع.

وتلك المقالات - كما ذكر الأستاذ عبد الله عبد الجبار - يمكن تقسيمها إلى قسمين :

1 - مرافعة عامة عن الحمير ضد ابن آدم المستبد.

2 - وصف خاص لحمار المؤلف في نزهة قصيرة([259">).

وحين نتناول “ الجانب الجمالي ” في تلك المرافعة نجد أن الحمار يبدو طيباً، نشيطاً، قويّ الاحتمال، لكن الإنسان أساء فهمه، وظلمه، ودنس سمعته فكان أحد ضحايا الظلم البشري([260">).

الحمار له جاذبيّة خاصة لا يمكن تفسيرها بتناسب أعضائه، ولطف حجمه وفراهته، ولا بشيء خفي وراء شياته الظاهرة، وهو ذو أناقة ووجاهة يفتقدها بعض بني آدم، وله ابتسامة لا يدرك سحرها إلا من عناه من أمر الحمير ما عنى حمزة([261">).

وهو جم التواضع، يتنكر لذاته، شبيه بالإنسان في كماله البشري من حيث الأخلاق والمزاج النفسي، ولا يمكن أن تجتمع فيه هذه الفضائل الثابتة، مع رذائل ألصقها به بنو آدم.

وفيه خفّة، وفي حركاتــه حـلاوة، وفي نظراته معانٍ تفيض بالعذوبة. “ ديموقراطيٌّ ” منصرفٌ عن الخيلاء، مطيع لراكبه الذي يصادر إرادته، ويجهده ويفسد تقاليده وآدابه([262">).

أما صوته فهو منكرٌ بمقاييس “ النعومة والاعتدال ” إذا جعلناها كل مقومات الصوت الحسن، أما حين نحكم في صوته “ الذوق الجديد ” الذي يُعنى بالقدرة الفنية على التنويع والتأليف، وإحكام النسب وتحريرها ويعد النعومة أنوثة لا تليق بفن إنساني يقود العواطف والأفكار كالغناء سلكناه في طليعة الموسيقيين الموهوبين([263">).

وهو في غنائه ذو ذوق رفيع، فلا يغني إلاّ إذا كان المجال مهيئاً له، بخلاف الإنسان الذي يقوده خياله المريض للغناء في كل وقت([264">).

وبمقتضى “ النهج الجديد ” في نقد الأصوات يصبح نهيق الحمار أو غناؤه كما يعبر حمزة شعراً يأمن فيه صاحبه من اللحن وتشويه الألفاظ، ومسخ المعاني، وتترامى “ شعرية الصوت ” إلى “ شاعرية الإدراك ” فالحمار من أكثر الحيوانات ولعاً بالطبيعة وشعوراً بمفاتنها، وهذا دليل شاعريته([265">).

ونحن حين نتأمل صورة الحمار في الفكر الشعري نجدها لا ترد إلاّ في سياق الطبيعة الحافلة بمعاني الخصب والحياة، حتى إذا صوّح النبت واشتد الحرّ عليه ساق أتنه، واتجه إلى موارد المياه بحثاً عن شربة ماء يطفىء بها عطشه([266">).

وإذا كانت هذه الصورة التي رسمها حمزة للحمار تبدو في غاية الجمال في الظاهر والباطن، وفي العواطف والإدراك فإن صورة “ حماره ” تبدو أكثر جمالاً، فحماره “ نمط خاص ” بين الحمير ((لو كان إنساناً لكان مكانه بين من تشتغل الدنيا بذكرهم من العظماء والفنانين ظاهراً مرموقاً)) ([267">).

يأنس لصاحبه، فيتلقاه بابتسامة فاتنة، وما أن يبدأ حمزة يداعب أذني حماره، كما يداعب الأب ابنه، يأخذ صدر الحمار في العلو والانخفاض، وإطلاق الشهقات الحارة تأثراً بتلك العواطف الجيّاشة([268">).

وحين امتطى حمزة الحمار أحس بنـزوعه إلى الاستقلال، ومهارته في المشي ووجاهة تصرفاته، ودقة تقديراته لمسالك الطريق، حيث كانت حمير القوم تتجه يميناً، ويأبى هو إلاّ أن يخالفها فيختصر ربع الطريق بعمق خبرته مع حداثة سنه([269">)

وينشأ بين حمزة وحماره “ توافق سيكلوجي ” و“ حدس ” يقرأ به كل واحدٍ أفكار صاحبه، فإذا كان حمزة مُحباً للطبيعة، عاشقاً لمكوناتها الجمالية عشقاً خاصاً، فإن حماره يملك هذا الحس الجمالي المتفرد، ولهذا حين صاح بعض رفاق حمزة في الرحلة قائلاً وصلنا، ثم ترجل عن حماره، رفض حمار حمزة الوقوف، وأوغل بين الجبال حتى انفرجت تلك الراسيات عن صخور يتفجر منها الماء، وتجللها الأعشاب، ويعطرها الشذى الفواح، وتكسوها السكينة بأردية من السحر والجمال([270">).

وظل حمزة يراقب الحمير، فرأى الحمير البدوية منصرفة عن جمال الطبيعة ؛ بسببٍ من الألفة الطويلة التي أطفأت جذوة الإحساس بالجمال، أما حماره فكان ((متنبهاً لدقائق واديه الفتان، وكانت تدور في رأسه خواطر وتتجلى في نظراته النشوى معان لعلها من خير الشعر وأروعه، لو كان إلى تصويرها من سبيل)) ([271">).

هذه الصفات الإنسانية التي يسقطها حمزة على حماره، تنـزع إلى الكمال والتفرد في الظاهر والباطن، وهي لا تكشف عن شيء بمقدار ما تؤكد عبقرية هذا المفكر، وخصوصيته في الإدراك، وقد ذهب عبد الله عبد الجبار إلى الربط بين شخصية الحمار وشخصية حمزة شحاتة في كثير من التصرفات ((والذين أتيح لهم أن يخالطوا حمزة شحاتة - من كثب - خليق بهم أن يلاحظوا تلك المشابهة بين شخصيته وشخصية حماره)) ([272">).

فإذا كان حمزة مولعاً بالتميّز، وكسر المألوف، ومحباً للانطواء، وشاعراً مرهف الحس، ومفكراً يشن حرباً أهلية ضد الزيـف والجمود فإننا نجد حماره ((يميل إلى التفرد والانطواء ومخالفة التيار العام تماماً مثل صاحبه حينما يتقوقع في حدود ذاته، وينطوي على نفسه وكتبه ويتأمل في الكون والحياة ويشرح المجتمع الذي يعيـش فيه، ويعري الإنسانية من أرديتها الزائفة حتى تغدو بشريّة سـافلة خيرٌ منها ألف مرّة تلك الحيوانيـة التي لا يحكمها إلا قانون الغاب)) ([273">).

لقد كان حمزة مولعاً بهدم قواعد الإلف وجمالياته، وبناء قواعد وجماليات جديدة تكشف عن خصوصية في التأمل، وتفرد في الإدراك، فالحمار الذي استقر في الوعي الجمالي رمزاً للقبح، والبلادة، يصبح عند حمزة “ كنزاً ” من كنوز الجمال، طمره الإنسان بجهله، وقضى عليه بحكمه الجائر، وهنا تكمن عبقرية الفيلسوف، وبلاغة الأديب، حيث تنهض الحقيقة الجمالية عنده على أنقاض حقيقة أخرى.

جماليات الحياة

الحياة - في كل ما سبق - “ قيمة جمالية ”، وهذه القيمة نتاج بنية مادية أحكمها الخالق عز وجل، وبنية أخلاقية روحيّة أنزلت من أجلها الكتب السماويّة، وأرسل الرسل، ووضعت القوانين، وشرّعت القيم.

وإذا كانت جماليات الكون ظاهرة لا تخفى، فإن جماليات “ النفوس ” و“ القيم ” ممّا لا يكاد يبين ؛ لما يحصل فيها من تلونات، ويطغى عليها من تحريفات وتطورات، قد تخرج الشيء عن أصله.

“ والحياة ” دار ابتلاء، يكون للجمال الخادع فيها - كما يعبر القرآن الكريم “ في مواضع عدّة ” أكبر الأثر في التردي والسقوط. من هنا يأتي “ جمال الجوهر ” الذي يتجلى في تحقيق الاستخلاف، وإعمار الأرض، وحراسة القيم النبيلة، وهذا “ الرصيد الجمالي ” هو الذي تعاني من مديونيته وعجزه أمم، ودول، وأفراد.

والدين، أساس هذا الرصيد، والفن والفكر أكبر مصادر دعمه وتعزيزه.

وحين نقف على الفلسفة الجمالية “ للحياة ” عند حمزة شحاتة نجدها مجالاً خصباً لكشف جانب آخر من جوانب وعيه الشمولي، وحسه الحيّ. فالحياة عنده كلمة تشع بالدلالات المتعددة وربما المتضاربة نتيجة ارتباطها بسياقات وحمولات ومواقف متباينة، كان فيها حمزة محباً تارة وكارهاً تارة أخرى، وكان في الحالين مفكراً كبيراً، وفناناً مبدعاً.

فالحياة ((هي مجموعة ما تحتويه حياة الإنسان من الصـغائر، والتفاهـات في شكل متاعـب ومسرات)) ([274">) وهـي ((كميادين الحروب، لا اهتمام فيها بمن يسقط، وإنما بمن يبقى قبل انتهاء المعركة..)) ([275">). وهي ((عبارة عن عملية احتراق، حتى في حالة السكون)) ([276">).

وهي بذل وعطاء وتضحية ((أن تبذل كل جهدك، وكل وقتك للعمل هذه هي الحياة))([277">).

وهذا البذل ليس للمصالح الشخصية، واستبقاء الحياة الخاصة، وإنما لبناء مجتمع فاضل يـمارس حياة كريمـة ((أي عمل رائع في أن تناضل لاستبقاء حياتك؟!

العمل الرائع أن تناضل لاستبقاء حياة الآخرين ؛ عندما يفرضهم ضعفهم عليك)) ([278">).

هذا النضال هو الذي يجعل للحياة قيمة، فالأنانية، والأَثَرة لا تصنع حياة إنسانية ؛ لأن البحث عن الحقوق وإغفال الواجبات، وتقديم الذات على المجموع، هدم لمعنى الحياة الذي لا يتحقق إلا بالتناغم والتشاكل والانسجام، وحين تكون الحياة حياة لا يكون لها ثمن ((لكل شيء في العالم ثمنه إلا الحياة والفكر والحريّة)) ([279">).

والحياة رغبة وتطلعات، ولهذا كانت الرغبة أقوى أسباب الحياة([280">). وحين تموت الرغبة في الحياة، وتتلاشى التطلعات لا يبقى للحياة معنى ((إن كل شيء يتحطم، إذا لم يبق في حياتنا ما نتطلع إليه)) ([281">).

والرغبات والتطلعات في الحياة كثيرة، ومختلفة باختلاف الوعي الجمالي، فالذي يروقه البهرج الخادع، واللذات الزائلة ينساق وراء السراب حتى لا يجد في النهاية إلا الخسران المبين. والذي يفتش عن الجمال الحقيقي، ويبحث عن الجوهر تعلو عنده القيم، فتتوازن مطالب الروح مع رغائب الجسد، والحقوق والواجبات ((إذا وسعك أن تضع في ميزان عملك لآخرتك مقدار ما تضع في ميزان عملك لدنياك فقد نجوت)) ([282">). ولهذا لا يتوقى شرك الجمال

الكاذب، ولا يحقق المعادلة إلا قلة من الناس، يتأسس وعيهم الجمالي على فطنة بحقائق الأشياء والأفكار ((ما غالبت الدنيا إنساناً إلا غلبته، إلاّ من أشاح عنها وزهد فيها، وذلك هو الانتصار)) ([283">).

وبسبب اخـتلاف الرغائب، وتباين المواقف تتحول الحياة إلى ساحة نزال ((تغير معنى الكفاف في البلاد المتقدمة، فلم يعد من حق الإنسان أن يعيش، بل أن يحيا، ويدخـر، ويقتني، ويستمتع بكل منتجـات الحضارة على نحوٍ مُرضٍ. فطبيعي إذن أن يتسع نطاق الصراع بين الأفراد والجماعات، وأن تتغير معاني المباديء والمثل العليا، والقيم الأخلاقية، فهذا منطق المعركة، والحاجة البشرية))([284">).

والبطل والضحية هو الإنسان، ((من بداية الحياة حتى نهايتها، كانت هناك حرب واحدة، متصلة هي الإنسان، وكل المعارك والأحداث في تاريخها آثار صور مصغرة لـها، وباختصـار، الحرب المدمـرة والباقيـة هـي الإنسان)) ([285">).

إن للحياة منطقها الخاص الذي يعيه العقلاء وأولو الألباب، وللعقلاء منطقهم الخاص الذي تعيه الحياة، فالزينة الزائفة لا تستوقف ذا اللّب، وإن كان هذا هو الخيط الذي يمسك به العشاق. ولهذا فالعقلاء لا يحبون الحياة حين تكون زيفاً، والحياة كذلك لا تحب العقلاء ((الحياة كالمرأة كلتاهما تحب الذكي، وتكره العاقل)) ([286">).

الحياة في منطق العقلاء شبكة من الصغائر والتفاهات ((ما أكثر صغائر الحياة، وما أكثر التفاهات فيها ؛ لأنها نسيج الحياة)) ([287">).

ولكن “ جمال الحياة ” مرتبط ارتباطاً وثيقاً بوجود هذه التفاهات والصغائر؛ لأنها أوهام تبعث السعادة في النفوس، حين تظل متعلقة بها، وباحثة عنها، وحاثة الخطى إليها، وإن اكتشفت في نهاية الأمر أنها صغائر وتفاهات ((كم هو شريف أن تخلو الحياة من الأوهام، والنفاق، والكذب، ولكن لم تصبح قبيحة، مريرة، إذا غدت هكذا؟!

إننا نقضي على سعادتنا عندما نطرد آخر الأوهام من نفوسنا)) ([288">).

هذه هي الحياة بكل تناقضاتها، علينا أن نفقه حقيقتها، فالحديث عن “ المثاليات ” في الحياة، والبحث عن “ اليوتوبيا ”، وحياة بلا منغصات أو صغائر أمر مستحيل، فعلينا أن نؤمن بهذه الحقيقة، وأن نتوازن داخلياً للسير في طريق مليء بالأشواك ؛ لأن صدمة هذه الحقيقة أخف من صدمة الإيمان بوجود حياة مثالية لا وجود لها ((الحياة في إجمالها ليست اختياراً، ولكنها شيء فرض علينا فلابد من استقبال متطلباته على أي نحو، وإذن فعلينا أن نحتفظ بكل قوانا وحواسنا وأعصابنا في حالة توازن واستعداد للسير مع السائرين.

في مسألة الحياة قبولها وتقبلها لا يستطيع الإنسان أن يهرب ليعيش وحده، إنه حيث يعيش منفرداً، سيقابل الحياة وتناقضاتها وصراعها ومرارتها، وسيجد من البداية وفي النهاية أن وجوده بين الناس ومعهم أكثر من ضروري، وأن أي تعقيد في الحياة وسوء انعكاساته على النفس والمشاعر أهون من تعقيد حياة يختارها ويحسبها خالية من المؤثرات والضنك)) ([289">).

الحياة مليئـة بالمحاسـن والمساويء، وفيها الجمال وفيها القبح، هذه حقيقتها. والعقلاء من يدركون هذه الحقيقة، ويدعون إلى اكتشافها وهذه هي غاية المفكرين والأدباء التي ((يجب أن تكون دعوة إلى اكتشاف مسرات الحياة ومحاسنها ؛ لأن النظـرة السلبـيـة إلى الحياة دليل الفتور وضيق مدى الخيال)) ([290">).

إن المتشائمين من واقع الحياة ليسوا ثائرين على الحياة، ولا كارهين لمباهجها ((إنما هي ثورة الراغب المستزيد، لا ثورة الكاره المجتوي)) ([291">).

وفي هذا المعنى يقول :

آمالنا ملء النفوس فهل ترى

صفرت من الآمال نفسُ الزاهد؟

وأرى الزهادة في مظاهرها تقي

من تحته لهب الطِّماح الخامد([292">)

والحياة قوامـها التجدّد، فليس للحياة “ جمال ” إذا كانت إيقاعاً رتيباً، لا جديد فيه، ((فالحياة-كما قلنا-حياة بالتغيير الدائم، والتجدد المستمر، والتطور هو معنى الجمال وسره فيها، والسعادة في رأينا هي المسرّة المتجددة)) ([293">).

فمعنى الحياة في ذاتها هو ((الزمن والحركة والتغيّر والتحوّل، وإلا كانت متحفاً جامداً لا فرق بين الصور القاتمة فيه، والصخور النائمة فيه)) ([294">).

والزمن الذي هو معنى الحياة لا يكمن في الدقائق والساعات والأيام والشهور والدهور وإنما يكمن في الشعور بها ((والزمن ليس إلا إحساسنا بالحركة والتحوّل ولو وقف كل شيء في أعيننا لا يريم مكانه لما كان الجمال، ولا كان الشعور بالسعادة)) ([295">).

والشعور الفياض بحركة الحياة وتحولها، هو الذي يدفع الإنسان للحركة الدائمة لفهم هذه التحوّلات، والاستعداد لها، ولهذا يختلف الأفراد، والأمم في قوة هذا الشعور، فالذي تكون الطاقة الشعورية لديه طاقة مشبوبة يكون مهيأ لإدراك طبيعة الحـياة، وما عدا هذا تدوسه عجلة الحياة، ويتخطاه الركب. والكثير من الناس يظل معلقاً بالقديم ؛ لأن للجديد مشقاته، وأيسر الحلول معاداة الجديد، ولكن يظل الثمن باهضاً لهذا العداء الأحمق ((إن الشعوب التي تتوقف عن السير مع تيار الحياة والتغيير، تضطر بعد إلى أن تعدو لاهثة، وبجنون، لكي تعوّض ما فاتها من الوقت، وفي هذا العدو الاضطراري مزالق الخطأ، وكبواته)) ([296">).

صنمية القديم، وعبودية الإرث. صنيع العقول الميتة، والأفكار المجدبة، أما العقول الحيّة، والأفكار المخصبة فهي التي تنفر من التقليد، وتكره الاجترار، وتأبى العبوديّة.

والجديد ينتزع المعتقدات، ويهزّ النفوس، ولهذا لا يتقبله كثير من الناس، لأنه يشكك في معارفهم، وهذا ما نجده مع دعوات الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه عليه، ومع كل دعوة جديدة ((ومازالت النفوس أضعف استعداداً لقبول المفاجآت التي تحاول أن تنتزع من معتقداتها ومشاعرها، شيئاً له قيمته وقداسته، وله صلابته العنيدة.

وشأن الجديد في هذه السبيل، أن يكون رمز الإقلاق والبعثرة، وما يهون على النفوس والأفكار، أن تنزل عن قوانينها الأدبية، وتقاليدها وعقائدها، إلا مكرهة..)) ([297">).

الحياة حركة دائبة، وتطلع متوثب، ولا سبيل لفهم الحياة، والاستمتاع بـها، وتحقيق الوجود الإنساني فيها، إلا بالسعي في أكنافها، والتأمل في حركتها، والتوازن مع إيقاعها الذي لا يهدأ، توازناً دقيقاً لا تكون الحركة فيه تهوراً وإيقاعاً ناشزاً، ولا يكون الوقوف نوماً عميقاً، وموتاً أبدياً.

بهذا المقياس الدقيق تكون الحياة حياة حقيقية، ويكون الإنسان “ عملاً صالحاً ”، وعاشقاً للجمال في جوهره، والله جميل يحب الجمال.

وحمزة شحاتة كان يحدثنا عن الحياة في حقيقتها، لا عن حياته الخاصة، وعن شقاية العقل الحيّ، وجهاده لاستيعاب هذه الحقيقة، والتوازن معها، حتى أصبح رأس المفكّر هو مشكلته ((ذلك العبء الثقيل، هو رأسي الذي أنوء بحمله منذ تفطنت للحياة، وغُرست بتجاربها القاسية، ولو أن لي في موضعه من عاتقي رأس حيوان أعجم لما أخطأت العزاء في محنة فمن لي بذاك)) ([298">).

يقول عن إشكالية العقل النابض :

أرى عقلاء القوم فاضت صدورهم

أسىً، وأرى الجُهّال قد مُلئوا بشرا

قدحت زنادَ العزم في راجح النُّهى

وناشدته عهد الجهادِ، فما أورى

فأيقنت أن العقل أبطأ مركب

إلى غاية تستعجل الواثب البكرا

وما العقل إلا يومة طال جُهدها

فما نورت ليلاً، ولا أظلمت فجرا([299">)



إنها شكاية ابن مقبل، الذي أدرك هذه الحقيقة واصطلى بنارها فقال :

ما أطيب العيش لو أن الفتى حجر

تنبو الحوادث عنه وهو ملموم([300">)

يقول حمزة شحاتة :

وهي دنيا الشذوذ يرتفع الجاهل فيها ويستذل الحصيف([301">)

ومع هذا فالمفكر العظيم لا يجد المتعة، ولا يكتشف الجمال إلاّ في هذا النصب القاتل ((ليس أحبّ إلي من النصب في سبيل تعديل الموازين ومعاناة الحقائق واحتمال مشقة الهدم والبناء في نفسي وفكري، فإن كانت الحياة حياة باستمرار حركتها، وتجدد دواعيها، وتعدد صورها، فالنفس ما تكون النفس العميقة إلا بما يجيش بها من أسباب التغيير والتحول والتقدم

والتقهقر))([302">).

وجميع مجالات الفلسفة الجماليّة التي عرض لها حمزة شحاتة، تنوّع الحديث عنها بتنوع الجنس الأدبي الذي جسدّها شعراً ونثراً، فالفلسفة الجماليّة خلاصة أدب متنوع، فيه القصيدة، والمحاضرة، والمقالة، والرسالة، ولكل جنس أدبيّ خصائصه الفنية التي يستقل بها عما سواه، ممّا يجعل الحديث عن تلك الخصائص فوق طاقة هذه الدراسة، لثراء أدب حمزة شحاتة، ودقة صنعته، وتنوّع أسلوبه، وخصوبة معجمه اللغوي، وصوره الفنية، ولهذا نقول على وجه الإجمال إنّ أبرز خصائص الفن عنده تتمثّل فيما يأتي :

hano.jimi
2011-09-16, 15:20
1 - صفاء اللغة، فلغته واضحة الدلالة، سهلة البناء، وجمله تميل إلى القصر وكثرة المعطوفات، الأمر الذي يبعدها عن الإبهام والتعقيد، وعباراته منتقاةٌ بعناية، حيث تتجلى فيها دقة العالم، وحس الفنان، يعضد ذلك ثقافة وحسّ رفيع يمكنه من تطويع لغته لحمل تجاربه وأفكاره. ووضوح اللغة هنا هو وضوح الفن الذي يشف ولا يكشف، ولذلك فلغته على سهولتها، عميقة الغور، ثرية المضمون، واسعة الدلالة.

2 - بروز عنصر المفارقة حيث تتجلى الأضداد بصورة جليّة ؛ لأن حمزة شحاتة مولع بالبحث عن حقائق الأشياء، وهدم كثير من الأعراف والأفكار، ليقيم على أنقاضها قيماً جديدة، فكانت اللغة مساوقة لهذا النظر العميق.

3 - التكرار فهناك قضايا ذات حضور خاص عند حمزة شحاتة، كالشعور بعدم الانتماء للمجتمع، وخيانة المرأة، وضمور الوعي الإنساني. وهذا التكرار أدى به إلى تكرار مفردات بعينها، وأساليب ذات جرس موسيقي بارز كالمطابقـة، ورد العجـز على الصدر، والسخرية ويتجلّى هذا في “ رفات عقل ”.

4 - شيوع أسلوب الاستفهام في شعره ورسائله، وحكمه، ومقالاته، ولعلّ ذلك يعود إلى شكّه في كثير من المسلّمات والأعراف الاجتماعيّة، وخبرته بأحوال الناس، مما يتيح له تصورات كثيرة، ومعاني متعددة، يصبح الاستفهام معها هو الجواب الوحيد.

هكذا تجلّت “ الفلسفة الجماليّة ” عند حمزة شحاتة، فلسفة شاملة تقف على أدق خصائص الفن الجميل، وتتأسس على رؤية شاملة لقضايا الإنسان والعالم، وجوهر هذه الفلسفة الانغماس تحت قشور الأشياء والأفكار إلى الأعماق، لاستجلاء المكنون، والمضنون به على كثير من الخلق، الذين لا يجتهدون في الكشف عن غوامض المعرفة، ولا يتلذذون بالانغماس فيها، ولا يتحرقون لاستجلاء أسرارها الخبيئة.

لقد كان حمزة شحاتة، رجلاً نبيلاً، وإنساناً شريفاً، قبل أن يكون فيلسوفاً، ومبدعاً، فإنسانية الإنسان كانت المحرك الأول لنشاطه الفكري والإبداعي، وكثيراً ما نجد المثقف يتلون بحسب المواقف والغايات، يلبس في كل يوم قناعاً جديداً، لكن حمزة شحاتة ظلّ مصابراً وباحثاً عن واقع أفضل، وغد أجمل، تمتليء فيه الأرض بشراً، وتنشرح النفوس بسرور لا ينقطع. ويستعيد الإنسان جوهره المفقود، وقدّم كل ما يملك من أجل إيمانه العميق بهذا المبدأ العظيم.

رُبما يكون قد خسر أشياء كثيرة، خسر الراحة، والاستقرار الأسري، والأصدقاء غير الصادقين، ولكنه كسب الأهمّ من هذا كُلّه، كسب راحة الضمير، وأمانة الكلمة، ولحظة التاريخ، وإكبار الأجيال الجديدة التي وجدت في عطائه الشعري والفلسفي نموذجاً للمثقف الأمين على شرف الكلمة، ومباديء الإنسانية.

إنَّ صـــبري بما يؤود ضليعٌ

وفــؤادي بما أريـــغ كفيل

وورائي من الـــهوى والمودّا

ت شكولٌ مـضت، ودوني شكول

إنما نعشــق الجمــال لمعنا

ه، وحسن السمات ضيفٌ عجولُ([303">)



الهوامش والتعليقات

-----------------------------------------

([1">) حمزة شحاتة قمة عرفت ولم تكتشف، عزيز ضياء، الرياض : المكتبة الصغيرة، الطبعة الأولى، 1397 هـ / 1977 م، ص 5.

([2">) مباديء في نظرية الشعر والجمال، أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري، حائل : النادي الأدبي بمنطقة حائل، ط1، 1418 هـ، ص 53.

([3">) علم الجمال، دني هويسمان، ترجمة : ظافر الحسن، بيروت : منشورات عويدات، ط4، 1983 م، ص 196.

([4">) لسان العرب، ابن منظور الإفريقي، القاهرة : دار المعارف “ مادة جمل ”.

([5">) مفاهيم الجمالية والنقد في أدب الجاحظ، الدكتور ميشال عاصي، بيروت : دار العلم للملايين، ط1، 1974 م، ص 17.

([6">) حمار حمزة شحاتة، حمزة شحاتة، الرياض : دار المريخ، ط1، 1397 هـ / 1977 م، ص 86.

([7">) المرجع نفسه ص 67، 68.

([8">) الرجولة عماد الخلق الفاضل، حمزة شحاتة، جدة : تهامة، ط1، 1401 هـ / 1981 م ص 25.

([9">) جريدة صوت الحجاز 2 صفر 1359 هـ الموافق 11 مارس 1940 م، ص 3.

([10">) المرجع نفسه ص 3.

([11">) نفسه ص 3.

([12">) نفسه ص 3.

([13">) نفسه ص 3.

([14">) نفسه ص 3.

([15">) حمار حمزة شحاتة ص 76.

([16">) المرجع نفسه ص 76.

([17">) نفسه ص 68.

([18">) نفسه ص 69.

([19">) نفسه ص 70.

([20">) نفسه ص 70.

([21">) نفسه ص 71.

([22">) نفسه ص 72.

([23">) نفسه ص 73.

([24">) نفسه ص 73.

([25">) نفسه ص 74.

([26">) السابق ص 78.

([27">) نفسه ص 78.

([28">) ديوان حمزة شحاتة، جدة، دار الأصفهاني، ط1، 1408 هـ / 1988 م، ص 159

([29">) جريدة صوت الحجاز 2 صفر 1359 هـ، الموافق 11 مارس 1940 م، ص 3.

([30">) المرجع السابق ص 3، وانظر ديوان حمزة شحاتة ص 26.

([31">) الرجولة عماد الخلق الفاضل ص 22.

([32">) حمار حمزة شحاتة ص 84.

([33">) المرجع نفسه ص 84، 85.

([34">) جريدة صوت الحجاز الأحد 24 محرم 1359 هـ، الموافق 4 مارس 1940 م، ص 4

([35">) حمار حمزة شحاتة ص 69.

([36">) المرجع نفسه ص 91.

([37">) نفسه ص 61.

([38">) نفسه ص 61.

([39">) نفسه ص 66.

([40">) نفسه ص 89.

([41">) علم الجمال هويسمان ص 199.

([42">) المرجع السابق ص

([43">) المعجم الفلسفي، الدكتور جميل صليبا، بيروت : دار الكتاب اللبناني، ط1، 1971 م 1 / 247.

([44">) الرجولة عماد الخلق الفاضل ص 22.

([45">) المرجع نفسه ص 22.

([46">) نفسه ص 24.

([47">) نفسه ص 37.

([48">) نفسه ص 23.

([49">) نفسه ص 64.

([50">) رفات عقل ص 96.

([51">) الرجولة عماد الخلق الفاضل ص 22.

([52">) القيم الجماليّة، الدكتـورة راويــة عباس عمارة، الاسكندرية، دار المعرفة الجامعية، 1987 م، ص 193.

([53">) الرجولة عماد الخلق الفاضل ص 21، ص 22.

([54">) حمزة شحاتة قمة عرفت ولم تكتشف ص 85.

([55">) الخطيئة والتكفير من البنيوية إلى التشريحية قراءة نقدية لنموذج إنساني معاصر، الدكتور عبد الله الغذامي، جدة : النادي الأدبي الثقافي بجدة، ط1، 1405 هـ / 1985 م، ص 202، ص 203.

([56">) المرجع نفسه ص 194 وما بعدها.

([57">) رفات عقل ص 24.

([58">) نفسه ص 24.

([59">) نفسه ص 24.

([60">) نفسه ص 24.

([61">) نفسه ص 24.

([62">) نفسه ص 24.

([63">) نفسه ص 24.

([64">) نفسه ص 25.

([65">) رفات عقل ص 22.

([66">) الرجولة عماد الخلق الفاضل ص 102.

([67">) المرجع نفسه ص 19.

([68">) نفسه ص 16.

([69">) نفسه ص 23.

([70">) نفسه ص 76.

([71">) نفسه ص 77.

([72">) نفسه ص 76.

([73">) نفسه ص 77.

([74">) نفسه ص 77.

([75">) رفات عقل ص 77.

([76">) حمار حمزة شحاتة ص 81.

([77">) المرجع نفسه ص 77.

([78">) نفسه ص 79.

([79">) رفات عقل ص 25، ص 26.

([80">) الرجولة عماد الخلق الفاضل ص 30.

([81">) رفات عقل ص 29.

([82">) المرجع نفسه ص 30 وفيه بالغموض المتوخى، ولعلّها الموحي.

([83">) نفسه ص 29.

([84">) تاريخ النقد الأدبي عند العرب، الدكتور إحسان عباس، بيروت : دار الثقافة، ط4، 1404 هـ / 1984 م، ص 257 في حديثه عن الحاتمي صاحب المقولة الشهيرة في تشبيه النص بالجسد.

([85">) رفات عقل ص 29.

([86">) المرجع نفسه ص 30.

([87">) نفسه ص 26.

([88">) مقدمة شعراء الحجاز في العصر الحديث ص 14، ورفات عقل ص 26.

([89">) الخطيئة والتكفير ص 290 وما بعدها.

([90">) رفات عقل ص 45.

([91">) المرجع نفسه ص 45.

([92">) نفسه ص 17.

([93">) نفسه ص 16.

([94">) الكلّيات معجم في المصطلحات والفروق اللُّغوية، أبو البقاء الكفوي، تحقيق : عدنان درويش ومحمد المصري، دمشق، ط2، 1982 م، 2، 256.

([95">) المصدر نفسه 2 / 256.

([96">) نفسه 2 / 256.

([97">) إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالي 4 / 297 نقلاً عن العقل في التراث الجمالي عند العرب د. علي شلق، بيروت دار المدى، ط1، 1985 م، ص 190.

([98">) الهوامل والشوامل لأبي حيان التوحيدي ومسكويه، نشره أحمد أمين والسيد صقر القاهرة، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1370 هـ / 1951 م، ص 142.

([99">) الإمتاع والمؤانسة، أبو حيان التوحيدي، صححه وضبطه وشرح غريبه : أحمد أمين وأحمد الزين، نسخة مصورة عن طبعة لجنة التأليف والنشر بالقاهرة، بيروت : دار مكتبة الحياة بدون تاريخ 1 / 148، 149.

([100">) علم الجمال لدني هويسمان ص 197.

([101">) المرجع نفسه ص 197.

([102">) نفسه ص 196.

([103">) رفات عقل ص 75.

([104">) المرجع نفسه ص 12.

([105">) المرجع نفسه ص 12.

([106">) حمزة شحاتة قمة عرفت ولم تكتشف ص 12.

([107">) حمار حمزة شحاتة ص 23.

([108">) الديوان ص 50، ص 51.

([109">) المرجع نفسه ص 78.

([110">) نفسه ص 18.

([111">) رفات عقل ص 44.

([112">) المرجع نفسه ص 81.

([113">) حمار حمزة شحاتة ص 50.

([114">) المرجع نفسه ص 51.

([115">) نفسه ص 51.

([116">) رفات عقل ص 15.

([117">) المرجع نفسه ص 15.

([118">) حمار حمزة شحاتة ص 60، ص 61.

([119">) رفات عقل ص 13.

([120">) المرجع السابق ص 14.

([121">) بنية التخلف، إبراهيم البليهي، الرياض، مؤسسة اليمامة الصحفية، كتاب الرياض، ط1، 1415 هـ / 1995 م ص 191.

([122">) الديوان ص 175.

([123">) في النقد الذاتي ضرورة النقد الذاتي للحركة الإسلامية، خالص جلبـي، بيروت : مؤسسة الرسالة، ط3، 1405 هـ / 1985 م، ص 365.

([124">) رفات عقل ص 65.

([125">) المرجع نفسه ص 64.

([126">) نفسه ص 89.

([127">) نفسه ص 89.

([128">) نفسه ص 65.

([129">) حمار حمزة شحاتة ص 39.

([130">) المرجع نفسه ص 40.

([131">) نفسه ص 39.

([132">) نفسه ص 42.

([133">) نفسه ص 54.

([134">) نفسه ص 54.

([135">) نفسه ص 55.

([136">) نفسه ص 55.

([137">) نفسه ص 54، ص 55.

([138">) نفسه ص 56.

([139">) إلى ابنتي شيرين، حمزة شحاتة، جدة، تهامة، ط1، 1400 هـ / 1980 م.

([140">) الديوان ص 56.

([141">) في ظلال القرآن، سيد قطب، بيروت، دار الشروق، ط7، 1398 هـ / 1978 م 1 / 574.

([142">) رفات عقل ص 37.

([143">) المرجع نفسه ص 81.

([144">) نفسه ص 95.

([145">) نفسه ص 81.

([146">) نفسه ص 51.

([147">) إلى ابنتي شيرين، المقدمة ص 16.

([148">) رفات عقل ص 83.

([149">) المرجع نفسه ص 51.

([150">) نفسه ص 78.

([151">) نفسه ص 79.

([152">) نفسه ص 79.

([153">) نفسه ص 78.

([154">) نفسه ص 23.

([155">) حمار حمزة شحاتة ص 53.

([156">) رفات عقل ص 94.

([157">) المرجع نفسه ص 97.

([158">) نفسه ص 98.

([159">) نفسه ص 99.

([160">) نفسه ص 58.

([161">) نفسه ص 73.

([162">) نفسه ص 73.

([163">) نفسه ص 63.

([164">) نفسه ص 63.

([165">) نفسه ص 55.

([166">) صحيح مسلم، الإمام أبو الحسين مسلم النيسابوري، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، نشر رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية 1400 هـ / 1980 م، كتاب الرضاع باب الوصية بالنساء 2 / 1091.

([167">) رفات عقل ص 38.

([168">) المرجع نفسه ص 55.

[169">) نفسه ص 55.

([170">) نفسه ص 42.

([171">) نفسه ص 57.

([172">) نفسه ص 61.

([173">) المرجع السابق ص 62.

([174">) نفسه ص 68.

([175">) نفسه ص 59.

([176">) نفسه ص 82، ص 83.

([177">) ميلاد مجتمـع، مالك بن نبي – الجـزء الأول شبكة العلاقــات الاجتماعية، ترجمة عبد الصبور شاهين، طرابلس، دار الإنشاء، طربلس، دار الإنشاء، ط2، 1974 م ص 15.

([178">) رفات عقل ص 15.

([179">) المرجع نفسه ص 20.

([180">) مخطط الانحدار وإعادة البناء، الدكتور خالص جلبـي، الرياض، مؤسسة اليمامة الصحفية، كتاب الرياض، 1417 هـ ص 99، ص 121.

([181">) بنية التخلف ص 86.

([182">) الأمة المسلمة مفهومها، مقوماتها، إخراجها، ماجد عرسان الكيلاني، بيروت : العصر الحديث 1412 هـ / 1992 م، ص 20.

([183">) رفات عقل ص 47.

([184">) المرجع نفسه ص 47.

([185">) نفسه ص 49.

([186">) نفسه ص 48.

([187">) نفسه ص 46.

([188">) شروط النهضة، مالك بن نبـي، ترجمة عمر مسقاوي وعبد الصبور شاهين، بيروت : دار الفكر، ص 19.

([189">) رفات عقل ص 70.

([190">) الر جولة عماد الخلق الفاضل ص 106.

([191">) المرجع نفسه ص 120.

([192">) نفسه ص 24.

([193">) نفسه ص 24.

([194">) نفسه ص 33.

([195">) نفسه ص 31.

([196">) نفسه ص 31

([197">) نفسه ص 51 - 56.

([198">) نفسه ص 64.

([199">) نفسه ص 66، ص 67.

([200">) نفسه ص 68.

([201">) نفسه ص 64.

([202">) المرجع السابق ص 68.

([203">) نفسه ص 70.

([204">) نفسه ص 70.

([205">) نفسه ص 71.

([206">) نفسه ص 71.

([207">) صحيح مسلم، كتاب الإيمان باب الحث على إكرام الجار والضيف 1 / 70.

([208">) الرجولة عماد الخلق الفاضل ص 78.

([209">) المرجع نفسه ص 79.

([210">) نفسه ص 81.

([211">) نفسه ص 81.

([212">) نفسه ص 85.

([213">) حمزة شحاتة قمة عرفت ولم تكتشف ص 47.

([214">) المرجع نفسه ص 47، ص 48.

([215">) انظر بتوسع النقد الثقافي قراءة في الأنساق الثقافية العربيّة الدكتور عبد الله الغذّامي، بيروت : المركز الثقافي العربي، ط1، 2000 م.

([216">) جماليات المكان، غاستون باشيلار، ترجمة : غالب هلسا، بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ط3، 1407 هـ / 1987 م، ص 31.

([217">) المرجع نفسه ص 36.

([218">) الرجولة عماد الخلق الفاضل ص 87.

([219">) المرجع نفسه ص 90.

([220">) نفسه ص 90.

([221">) رفات عقل ص 39.

([222">) المرجع نفسه ص 64.

([223">) جماليات المكان ص 38.

([224">) إلى ابنتي شيرين ص 136.

([225">) جماليات المكان ص 83.

([226">) رفات عقل ص 95.

([227">) الرجولة عماد الخلق الفاضل ص 89، ص 90.

([228">) المرجع نفسه ص 92.

([229">) نفسه ص 110 - 111.

([230">) نفسه ص 111.

([231">) نفسه ص 111.

([232">) حمار حمزة شحاتة ص 41.

([233">) الرجولة عماد الخلق الفاضل ص 92.

([234">) المرجع نفسه ص 111.

([235">) نفسه ص 91.

([236">) انظر على سبيل المثال المدينة في الشعر العربي الحديث، الدكتور : مختار علي أبو غالي، الكويت : عالم المعرفة 1415 هـ / 1995 م، ص 14 وما بعدها.

([237">) رفات عقل ص 45.

([238">) الخطيئة والتكفير ص 210.

([239">) المرجع نفسه ص 208 - 211.

([240">) رفات عقل ص 88.

([241">) حمار حمزة شحاتة ص 53.

([242">) الديوان ص 32.

([243">) المرجع نفسه ص 67.

([244">) نفسه ص 198.

([245">) انظر أعلام النساء في عالمي العرب والإسلام، عمر رضا كحالة، بيروت، مؤسسة الرسالة، بدون تاريخ 6 / 136.

([246">) رفات عقل ص 70.

([247">) المرجع السابق ص 40.

([248">) نفسه ص 47.

([249">) إلى ابنتي شيرين ص 111.

([250">) الديوان ص 187 من قصيدة طويلة عنوانها “ أبيس ”.

([251">) الخطيئة والتكفير ص 148.

([252">) الإنسان ذلك المجهول، ألكسيس كاريل، تعريب شفيق أسعد فريد، بيروت، مكتبة المعارف، 1419 هـ / 1998 م ص 150.

([253">) مبادي في نظرية الشعر والجمال ص 11.

([254">) المدخل إلى نظرية الأدب الإسلامي، نجيب الكيلاني، بيروت : مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية، 1408 هـ / 1988 م، ص 13.

([255">) النحل آية 5 - 6.

([256">) منهج الفن الإسلاميّ، محمد قطب، بيروت : دار الشروق، ط5، 1401 هـ / 1981 م، ص 29.

([257">) حمار حمزة شحاتة، ص 32.

([258">) المرجع نفسه المقدّمة ص 5.

([259">) نفسه المقدمة ص 6.

([260">) نفسه ص 29.

([261">) نفسه ص 28.

([262">) نفسه ص 29.

([263">) نفسه ص 30.

([264">) نفسه ص 30.

([265">) نفسه ص 31.

([266">) الصورة في الشعر العربي حتى آخر القرن الثاني الهجري - دراسة في أصولها وتطورها، الدكتور : علي البطل، بيروت : دار الأندلس، ط1، 1980 م، ص 138 وما بعدها.

([267">) حمار حمزة شحاتة ص 31.

([268">) المرجع نفسه ص 32.

([269">) نفسه ص 33.

([270">) نفسه ص 36.

([271">) نفسه ص 36.

([272">) نفسه المقدمة ص 13.

([273">) نفسه المقدمة ص 97.

([274">) رفات عقل ص 97.

([275">) المرجع نفسه ص 64.

([276">) نفسه ص 74.

([277">) نفسه ص 46.

([278">) نفسه ص 50.

([279">) نفسه ص 49.

([280">) نفسه ص 49.

([281">) نفسه ص 74.

([282">) نفسه ص 52.

([283">) نفسه ص 52.

([284">) نفسه ص 67.

([285">) نفسه ص 54.

([286">) نفسه ص 43.

([287">) نفسه ص 90.

([288">) نفسه ص 86.

([289">) إلى ابنتي شيرين ص 190، ص 191.

([290">) الرجولة عماد الخلق الفاضل ص 112.

([291">) حمار حمزة شحاتة ص 76.

([292">) الديوان ص 159.

([293">) المرجع السابق ص 66.

([294">) نفسه ص 87.

([295">) نفسه ص 67.

([296">) رفات عقل ص 41.

([297">) الرجولة عماد الخلق الفاضل ص 23.

([298">) حمار حمزة شحاتة ص 52.

([299">) الديوان ص 162.

([300">) ديوان ابن مقبل، عني بتحقيقه : عزة حسن، دمشق، مديرية إحياء التراث القديم، 1381 هـ / 1962 م، ص 273.

([301">) الديوان ص 40.

([302">) حمار حمزة شحاتة ص 60.

([303">) الديوان ص 63.





المصادر والمراجع

1 - أعلام النساء في عالمي العربي والإسلام، عمر رضا كحالة، بيروت، مؤسسة الرسالة، بدون تاريخ.

2 - إلى ابنتي شيرين، حمزة شحاتة، جدة، تهامة، ط 1، 1400 هـ / 1980 م.

3 - الإمتاع والمؤانسة، أبو حيان التوحيدي، صححه وضبطه، وشرح غريبه : أحمد أمين وأحمد الزين، نسخة مصورة عن طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة، بيروت : دار مكتبة الحياة، بدوت تاريخ.

4 - الأمة المسلمة، مفهومها، مقوماتها، إخراجها، ماجد عرسان الكيلاني، بيروت، العصر الحديث، 1412 هـ / 1992 م.

5 - الإنسان ذلك المجهول، ألكسيس كاريل، تعريب : شفيق أسعد فريد، بيروت، مكتبة المعارف، 1419 هـ / 1998 م.

6 - بنية التخلّف، إبراهيم البليــهي، الرياض، مؤسسة اليمامة الصحفية، كتاب الرياض، ط 1، 1415 هـ / 1995 م.

7 - تاريخ النقد الأدبي عند العرب - نقد الشعر من الجاهلية حتى نهاية القرن الثامن الهجري - الدكتور إحسان عباس، بيروت : دار الثقافة، ط 4، 1404 هـ / 1984 م.

8 - جماليات المكان، غاستون باشيلار، ترجمة : غالب هلسا، بيروت : المؤسسة الجامعيّة للدراسات والنشر والتوزيع، ط 3، 1407 هـ / 1987 م.

9 - حمار حمزة شحاتة، قام بجمعه عبد الحميد مشخص، الرياض، دار المريخ، ط 1، 1397 هـ / 1977 م.

10 - حمزة شحاتة قمة عرفت ولم تكتشف، عزيز ضياء، الرياض، المكتبة الصغيرة، ط 1، 1397 هـ / 1977 م.

11 - الخطيئة والتكفير من البنيوية إلى التشريحية نموذج إنساني معاصر، الدكتور: عبد الله الغذامي، جدة : النادي الأدبي الثقافي بجدة، ط 1، 1405 هـ / 1985م.

12 - ديوان ابن مقبل، عني بتحقيقه : عزة حسن، دمشق، مديرية إحياء التراث القديم، 1381 هـ / 1962 م.

13 - ديوان حمزة شحاتة، جدة : دار الأصفهاني، ط 1، 1408 هـ / 1988 م.

14 - الرجولة عماد الخلـق الفاضل، حمزة شحاتة، جدة : تهامة، ط 1، 1401 هـ / 1988 م.

15 - رفات عقل، حمزة شحاتة، قام بجمعه وتنسيقه : عبد الحميد مشخص، جدة : تهامة، الطبعة الأولى، 1400 هـ / 1980 م.

16 - شروط النهضة، مالك بن نبـي، ترجمة : عمر مسقاوي، وعبد الصبور شاهين، بيروت دار الفكر.

17 - شعراء الحجاز في العصر الحديث، عبد السلام الساسي، راجعه وصححه : علي العبادي الطائف، مطبوعات النادي الأدبي بالطائف، ط 2، 1402 هـ.

18 - صحيح مسلم، الإمام أبو الحسين مسلم النيسابوري، تحقيق : محمد فؤاد عبد الباقي، نشر رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، المملكة العربية السعودية، 1400هـ / 1980 م.

19 - صوت الحجاز 2 صفر 1359 هـ، الموافق 11 مارس 1940 م.

20 - الصورة في الشعر العربي حتى آخر القرن الثاني الهجري، دراسة في أصولها وتطورها، علي البطل، بيروت : دار الأندلس، ط 1، 1980 م.

21 – العقــل في التراث الجمالي عند العرب، علي شلق، بيروت : دار المدى، ط 1، 1985 م.

22 - علم الجمال، دني هويسمان، ترجمة : ظافر الحسن، بيروت : منشورات عويدات، ط 4 1983 م.

23 - في ظلال القرآن، سيد قطب، بيروت : دار الشروق، ط 7، 1398 هـ / 1978 م

24 - في النقد الذاتي، ضرورة النقد الذاتي للحركة الإسلامية، خالص جلبـي، بيروت : مؤسسة الرسالة، ط 3، 1405 هـ / 1985 م.

25 - القيم الجمالية، الدكتورة راوية عباس عمارة، الاسكندرية : دار المعرفة الجامعية، 1987 م.

26 - الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، أبو البقاء الكفوي، تحقيق : عدنان درويش ومحمد المصري، دمشق، ط 2، 1982 م.

27 - لسان العرب، ابن منظور الإفريقي، القاهرة : دار المعارف، بدون تاريخ.

28 - مباديء في نظرية الشعر والجمال، أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري، حائل : النادي الأدبي بمنطقة حائل، ط 1، 1418 هـ

29 - مخطط الانحدار وإعادة البناء، الدكتور خالص جلبـي، الرياض، مؤسسة اليمامة الصحفية، كتاب الرياض، 1417 هـ.

30 - المدخل إلى نظرية الأدب الإسلامي، نجيب الكيلاني، بيروت : مؤسسة الرسالة، ط 2، 1408 هـ / 1988 م.

31 - المدينة في الشعر العربي الحديث، الدكتور : مختار أبو غالي، الكويت : عالم المعرفة، 1415 هـ / 1995 م.

32 - المعجم الفلسفي، الدكتور جميل صليبا، بيروت : دار الكتاب اللبناني، ط 1، 1971 م

33 - مفاهيم الجمالية والنقد في أدب الجاحظ، الدكتور : ميشال عاصي، بيروت : دار العلم للملايين، ط 1، 1974 م.

34 - منهج الفن الإسلامي، محمد قطب، بيروت : دار الشروق، ط 5، 1401 هـ / 1981 م.

35 - ميلاد مجتمع - الجزء الأول شبكة العلاقات الاجتماعية - مالك بن نبـي، ترجمة : عبد الصبور شاهين، طرابلس، دار الإنشاء، ط 2، 1974 م.

36 - النقد الثقافي قراءة في الأنساق الثقافية العربيّة، الدكتور عبد الله الغذامي، بيروت : المركز الثقافي العربي، ط 1، 2000 م.

37 - الهوامل والشوامل، أبو حيان التوحيدي، ومسكويه، نشره : أحمد أمين، والسيد صقر، القاهرة : مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر،1370 هـ / 1951م

uqu.edu.sa/majalat/shariaramag/mag24/f19.htm
http://www.dahsha.com/old/viewarticle.php?id=30756موقع المستخذم

hano.jimi
2011-09-16, 15:38
HALIM
..((الفلسفة الجمالية عند سقراط))..
« في: أغسطس 01, 2011, 03:01:44 pm »
** يرى سقراط ان هناك نوعين من الاشياء في الوجود
اولهما: (الصور ) او (المثل العليا) وثانيهما: (الاشياء المحسوسة) في عالمنا الحسي الذي نتعامل به.
والاختلاف بين الاثنين هو:
الاشياء (المحسوسة) قابلة (للتغيير) تتكون وتضمحل اما الصور (المثل العليا) لاتنفى ولاتتغير فهي ازلية وخالدة انها خاضعة لنضام المطلق وتشكل جزء منه.
**ان الشياء المحسوسة تسعى الى الاقتراب من الصور(المثل المطلقة) وكلما اقتربت اصبحت اكثر جمالآ وكلما ابتعدت اصبحت اكثر قبحآ
** اكد سقراط في فلسفته الجمالية على (التفسير الغائي)للاشياء والموجودات ويقوم التفسير بالاعتقاد بأن :لكل شيء غاية بسعى الى بلوغها ولكن هذه الغاية يجب ان تكون موجه نحو الخير والقيم الاخلاقية العليا
وهنى يتبين ان الجمال عند سقراط هو هادف ويؤكد سقراط على القيم التربوية للفن في بناء مجتمع متقدم وان يؤدي الى الخير لا الى اللذة الحسية الزائلة
**يؤكد على ربط الفن بالطبيعة فالفن هو خلق ايجابي لموجودات الطبيعة وهذا الخلق
مرتبط بالطبيعة بفعل التحليل العقلاني للفنان و للموجودات في الطبيعية ففي حديث عن النحات الاغريقي يقول:
ان من الصعب ان تجد انسانآ كاملا من الناحية الجمالية ، فأنت عندما ترسم انسانآ جميلا فأنك تأمن عددمن الناس اجمل ما عندهم وتجمعه في رسمك لتحصل على الانسان الذي تسميه جميلا

اذآ ان (الفنان المبدع) عند سقراط هو ذاك النسان الذي حررنفسه من شوائب المادة الحسية وتوجه نحوعالم المثل

وهذه مواقع اتمنى ان تعجبك
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=525292.0

http://alwaei.com/topics/view/article_new.php?sdd=747&issue=466
http://pulpit.alwatanvoice.com/articles/2005/12/18/33158.html
http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=199843
http://www.fnonarabia.com/vb/archive/index.php/t-1026.html

minna
2011-09-16, 16:40
بارك الله فيك ربي يجازيك اختي شكرا
جعلها الله في ميزان حسناتك
ممكن ايضا معلومات عن تسيير الموارد البشرية او حتى مدكرات وشكرا

hano.jimi
2011-09-16, 20:04
بارك الله فيك ربي يجازيك اختي شكرا
جعلها الله في ميزان حسناتك
ممكن ايضا معلومات عن تسيير الموارد البشرية او حتى مدكرات وشكرا

رد: مذكرة تخرج اختصاص ادارة تسيير الموارد البشرية
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لقد استفدت كثيراً من السيد الأستاذ / محمد أحمد اسماعيل - المشرف العام - بشأن الموضوع التالى والذى اطرحه بين ايدى سيادتكم لعل به الإفاده :
مفهوم تسيير الموارد البشرية

المطلب الأول : تعريف تسيير الموارد البشرية

قبل التطرق إلى تعريف تسيير الموارد البشرية نقوم بتعريف :

- التسيير .

- الموارد البشرية .

- تسيير الموارد البشرية .

الفرع الأول : تعريف التسيير

" التسيير هو تدبير شؤون الناس و قيادتهم و توجيههم و تنظيمهم بغية تمكينهم من تنفيذ الخطط الموضوعية لهم بهدف المحافظة على كيانهم و .1استمرار وجودهم "

التسيير هو عملية تنفيذ الأنشطة مع الأفراد ، و تسيير هذه العملية إلى أنشطة التخطيط و التنظيم و القيادة و التقييم التي يجب القيام بها لتحقيق الأهداف .

إن أي تعريف للتسيير يجب أن يتضمن ثلاثة عوامل مشتركة و هي الأهداف ، الأفراد و الموارد المتاحة المحدودة ، و بالرجوع إلى تعريفنا للتسيير فالأهداف هي الأنشطة المنفذة ، و الموارد المحدودة متضمنة في كلمة كفاءة ، و الأفراد هم الأشخاص أو الموظفون .2

الفرع الثاني : تعريف الموارد البشرية

" إن الموارد البشرية هي المحور الأساسي الذي تدور .3حوله التنمية في كل المستويات و الوسيلة المحركة التي تحقق أهدافها "

تعتبر الموارد البشرية موردا و استثمارا بالنسبة إلى المنظمة ، و لكي تستطيع استخدام و استغلال و تنمية هذا الاستثمار فعليها تسييره ، بمعنى أنه يتطلب تخطيط و تنظيم و توجيه و تقييم مثلما يتطلب ذلك استخدام العوامل المادية للإنتاج .

إن الموارد البشرية كما سبق القول يجب تخطيطها و تنظيمها و تقييمها ، بمعنى أنه يجب تسييرها .4





و قد تعني الموارد البشرية جميع سكان الدولة المدنيين منهم و العسكريين ، و يدخل في حكم ذلك الذين يعملون لقاء اجر و المرأة غير العاملة و المحالون على المعاش و ذوي العاهات و المتعطلون ( القادرون و الراغبون و المستعدون للعمل ) لكن لا يجدون عملا ، و الأطفال و جميع من تضمهم .1مراحل التعليم المختلفة

الأفراد المختلفون :

بمعنى أنه إذا توجهنا للعمل و نظرنا إلى الناس لوجدناهم مختلفون في الظاهر و الباطن ، الظاهر يشير إلى أننا مختلفون في ملامحنا و أعمالنا و خبراتنا و تعليمنا و جنسنا ، و الباطن يشير إلى أننا مختلفون في قدراتنا العقلية و طريقة فهمنا و إدراكنا للأمور و في طريقة تعلمنا و اكتسابنا للقدرات و المهارات ، و في مشاعرنا و حتى في اتجاهاتنا النفسية و تفضيل الأشياء ، فهذه الاختلافات كلها توضح كيف أن سلوكنا مختلف عن بعضنا البعض ، و يختلف الناس أيضا في صفاتهم و تكويناتهم الشخصية و مزاجهم ، حتى في الاهتمامات و الميول المهنية نلمس الفروقات كذلك ، و في تفضيلهم للعمل ، كما نجد أيضا اختلاف في الدوافع فالبعض مدفوع ماليا و البعض الآخر اجتماعيا ، و الآخر نحو الشعور بالتقدير و تحقيق الذات ، و كذلك يمكن القول أن مهارات الاتصال الحديث ، المناقشة ، التفاوض ، الإقناع و الابتكار و التأثير في الآخرين تختلف جميعا من شخص لآخر .

الوظائف المختلفة :

تختلف الوظائف من حيث طبيعة النشاط ( إدارية ، مالية ، تسويقية ،... ) ، و تختلف أيضا من حيث النوعية ، الحجم و عظم المسؤولية الملقاة على عاتقها ، و كذلك من حيث المواصفات المطلوبة لأدائها : التعليم ، الخبرة ، المهارة ، التدريب ، ... الخ ، و تختلف أيضا ظروف أدائها من حيث ظروف العمل المادية ، من إضاءة و حرارة و رطوبة و غيرها .

فمنها من يناسب أشخاصا معينين و منها من يناسب أشخاص آخرين و بالتالي يتطلب الأمر تحليل الوظائف قبل شغلها بالإفراد .


و تعددت التعاريف المقدمة في الموارد البشرية ، و نذكر منها :

" هي دراسة السياسات المتعلقة بالاختيار و التعيين و التدريب و معاملة الأفراد في الأفراد في جميع المستويات و العمل على تنظيم القوى العاملة في المؤسسة ، و زيادة ثقتها في عدالة الإدارة و خلق روح تعاونية بينها للوصول بالمؤسسة إلى أعلى طاقاتها .1الإنتاجية "

" هي الإدارة المتخصصة بكل الأمور المرتبطة بالعنصر البشري في المنظمات ، من البحث عن مصادر القوى البشرية و اختيارها ، تصنيفها و تدريبها ، و تهيئة المناخ الإنساني الملائم الذي من شانه أن يدفع إلى .2بذل أقصى طاقاتهم داخل المنظمات "

" وظيفتها تتمثل في اختيار العاملين ذوي الكفاءات المناسبة و تسيير جهودهم و توجه طاقاتهم و تنمي مهاراتهم و تحفز هؤلاء العاملين و تقييم أعمالهم و تبحث مشاكلهم و تقوي علاقات التعاون بينهم زو بين زملائهم و رؤسائهم و بذلك تساهم في تحقيق الهدف الكلي للمنظمة من حيث زيادة الإنتاجية و بلوغ النمط المطلوب للأعمال و الأفراد " .3

تعنى الموارد البشرية اليوم بجانب كبير من الأهمية نظرا لقربها من جميع أوجه النشاط الإنساني ، فالإدارة تعمل على تحديد و تحقيق الأهداف و بالتالي تقوم بالتجميع الفعال لمهارات و كفاءات الأفراد ، مع استخدام كافة الموارد المادية ، فهي تطبق على الجماعة و ليس على الفرد .

أولا: خطوات في تزويد المنظمة بالموارد البشرية

- يتبع المسيرون أربع خطوات متتالية من أجل تزويد المنظمة بالموارد البشرية لتعبئة الوظائف الشاغرة, وهذه الخطوات :

1) الاستقطاب . 2) الاختيار 3) التكوين . 4) تقييم الأداء .




1. الاستقطاب : هو عملية اكتشاف مرشحين محتملين للوظائف الشاغرة الحالية أو المتوقعة

في المنظمة .

2. الاختيار : هو عملية تتكون من سلسلة من الخطوات المرتبة ترتيبا منطقيا لتنتهي بتعين أفضل المرشحين للمناصب الشاغرة .

3. التكوين : هو عملية تعلم سلسلة من السلوك المبرمج والمحدد مسبقا .

4. تقييم الأداء : تقييم .1الأداء هو قياس أداء الفرد لوظيفة في المنظمة

الفرع الثالث : تعريف تسيير الموارد البشرية

" إن تسيير الموارد البشرية هو التسيير الذي يقوم بشؤون الاستخدام الأمثل للموارد لبشرية على .2جميع المستويات بالمنظمة , قصد تحقيق أهداف هذه الأخيرة "

إن بقاء أي منظمة يتطلب وجود مسيرين وأفراد متمكنين يقومون بتنسيق جهودهم وتوجيهها لتحقيق غاية عليا مشتركة .

- إن الحصول على الموارد البشرية وتنميتها وتحفيزها وصيانتها يعتبر ضروري لإنجاز أهداف المنظمة.

الفرع الرابع : وظيفة تسيير الموارد البشرية

إن تسيير الموارد البشرية يجب النظر إليها وظيفة تتكون من أربعة مهام رئيسية :

• توظيف الأفراد : و تبدأ بتخطيط القوى العاملة و يتضمن التوظيف أيضا أنشطة الاستقطاب و الاختيار و التوجيه للأفراد .

• تنمية الأفراد : يمكن النظر إليها من بعدين :

- بعد يتعلق بالفرد الذي يخص بالتكوين .

- بعد يتعلق بالمسير الذي يختص بالتعليم .

• تحفيز الأفراد : و ذلك من خلال أنظمة الأجور و الحوافز .

• المحافظة على الأفراد : تهتم هذه الوظيفة بتوفير مزايا و خدمات و ظروف عمل ، يرى الأفراد أنها ضرورة للمحافظة على التزاماتهم .3تجاه المنظمة



أن استخدام مدخل الوظيفة يقدم هيكل ممتازا يسمح بتفهم الأنشطة المختلفة التي يقوم عليها تسيير الموارد البشرية
http://www.hrdiscussion.com/hr19386.html

hano.jimi
2011-09-16, 20:07
مذكرات في تسيير الموارد البشرية

تسيير الموارد البشرية
http://www.4shared.com/file/gz4JzZZ1/___.html

إدارة الموارد البشرية
http://www.4shared.com/document/e5lj2cvT/___online.html


إدارة الأفراد الوظيفة الأولى الحصول على الموارد البشرية
http://www.4shared.com/document/vXujcxrW/_______.html

تسيير الموارد البشرية وفق معايير الإيزو وإدارة الجودة الشاملة
http://www.4shared.com/file/Lx7QEKLg/________.html
الموقع الذي استخذمته

http://grh-management.blogspot.com/2011/03/memoires-de-gestion-de-ressources.html

hano.jimi
2011-09-16, 20:11
http://www.djelfa.info/vb/showthread.php?t=585774

http://www.djelfa.info/vb/showthread.php?t=78699 مواقع اخرى


http://elmajd.maktoobblog.com/

مذكرة-تسيير-الموارد-البشرية-كعنصر-أساسي-لرفع-الروح-المعنوية
http://www.bahr-D9%84%D%1%D9%81%Dansab.com/vb/showthread.php/1083-


http://univ-sba.7olm.org/t4262-topic

zatar
2011-09-18, 16:03
اريد مراجع في علم النفس و خاصة في موضوعي تصميم الذات و في موضوع صعوبات التعلم عند الأطفال

lamiaken
2011-09-21, 10:03
بسم الله الرحمن الرحيم
ارجو منكم هذه المراجع لانني بصدد التحضير للمشاركة في مسابقة الدخول للماجستير في اللسانيات، بعد 15 يوم فقط
ندوة تقدم اللسانيات في الاقطار العربية- قضايا في علم اللسانيات الحديثة لمازن الوعر- المناهج اللسانية و تحليل الخطاب- النظريات اللسانية و تطبيقها على اللغة العربية ..
اشكركم جزيل الشكر مسبقا و جزاكم الله بخير من اعمالكم و رحم موتاكم و ثبتهم على السؤال .
و السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته

beno2
2011-09-21, 11:49
طلب عاجل لمحاظرات مادة التنمية و السكان لكل طلبة علوم الاجتماع اارجاء المساعدة في القريب العاجل
البريد :abeille.swat/ arobaze/hotmail.com
شكرا للمساعدة
رحم الله موتانا و جعل مساعدتك للاعضاء في ميزان حسنات فقيدك

ماستر
2011-09-21, 22:38
اختي الكريمة جازاك الله خيرا هل بامكانك توفير بعض المراجع التي تتحدث عن الفن القصصي الجزائري و كذلك بعض المذكرات التي تخدم نفس الموضوع ؟ انا بحاجة ماسة لها و شكرا.

ماستر
2011-09-21, 23:24
لكل من يبحث عن مرجع ساساعده في جمع مراجع من خلال الانترنت لتكون صدقة جارية لشخص عزيز لدي متوفي رحمه الله


جازاك الله خيرا اريد مراجع عن الفن القصصي الجزائري و مذكرات في هذا الموضوع عاجلا

سامي86
2011-09-24, 21:28
جزاك الله خيرا وبركة اريد مراجع في تخصص نظرية الادب والمناهج النقدية والادب والانواع الادبية عاجل لم يبقى على مسابقة الماجستار عدة ايام وشكراااااااا

hano.jimi
2011-09-25, 10:52
انا اتأسف من الجميع لان جهاز الحاسوب كان متعطل اليوم صنعته ساعمل قصارى جهدي لاساعدكم ولتكون صدقة جارية للمرحوم ربي يرحمه

hano.jimi
2011-09-25, 11:07
بسم الله الرحمن الرحيم
ارجو منكم هذه المراجع لانني بصدد التحضير للمشاركة في مسابقة الدخول للماجستير في اللسانيات، بعد 15 يوم فقط
ندوة تقدم اللسانيات في الاقطار العربية- قضايا في علم اللسانيات الحديثة لمازن الوعر- المناهج اللسانية و تحليل الخطاب- النظريات اللسانية و تطبيقها على اللغة العربية ..
اشكركم جزيل الشكر مسبقا و جزاكم الله بخير من اعمالكم و رحم موتاكم و ثبتهم على السؤال .
و السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته

الف مبروك امنى لك التوفيق
ص1 الفهرس 91-100
ملاحظات أولى عن تطور البحث اللساني بالمغرب

ص1 الفهرس 91-100 ‏عبد القادر الفاسي الفهري
من السنن الحميدة في سوسيولوجيا المعرفة ونقدها والتأريخ لها أن يقف العلماء وقفة تأملية ورَجْعية للنظر فيما أنجزوه (وما لم ينجزوه)، كما وكيفا، خلال مدة معينة من الزمن، ويرصدوا عناصر التقدم أو التباطؤ في إنجاز ما هو مرتقب أو مطلوب. والهدف هو تشكيل الذاكرة، وتحويلها إلى ذاكرة حية في المجال وتوجهاته، وخلق شروط التراكم التي بدونها لا تثبت معرفة، ولا يقع تجاوز، ولا تتجدد أبحاث. وأذكر أن جمعية اللسانيات بالمغرب خصصت أيامها الوطنية الثامنة والتاسعة في يونيو 2005 ويونيو 2006 لموضوعين ملامسين: الأول هو "تحديث العلوم اللسانية بالمغرب الحصيلة والآفاق"، والثاني هو "عشرون سنة من البحث اللساني المقارن". وقد قدمت عروض مفيدة في هاتين المناسبتين، إلا أنها لم تجد بعد طريقها إلى النشر. ولو خرجت لمكنتنا من التقدم خطوة جديدة على سبيل التراكم. وأذكر في سياق ذي صلة أن كلية الآداب بالرباط في إطار الاحتفاء بخمسينيتها طلبت مني في السنة الماضية أن أقوم بتقييم ما أنجز في المجال. إلا أن وجودي خارج الوطن لم يسمح بذلك.
ولعل الذي يسهل عملية التأريخ لفترة المهد اللساني بالمغرب، ففترة الانتشار والتوسع، أن المدة التاريخية قصيرة، قد لا تصل إلى أربعين عاما، بل أقل من ذلك، إن نحن قصرنا الكلام على العلم اللساني الحديث. ولأننا عايشناها، بل شكَّلناها، وجل الفاعلين ما زالوا على قيد الحياة. وبغية الرصد، أبدأ ببعض التواريخ، تواريخ ذات دلالة.
1. تواريخ في أقل من أربعة عقود
في سنة 1967، كنت طالبا في شهادة فقه اللغة بكلية الآداب بفاس. كان الأستاذ محمد بنتاويت (التطواني) رحمه الله يدرس مادة فقه اللغة المقارن، فيها بعض أوصاف الفارسية والتركية والعربية، والأستاذ تقي الدين الهلالي رحمه الله يدرس العبرية، مع بعض المقارنة بالعربية، والأستاذ أحمد الأخضر يدرس الأصواتياتphonétique ، يسميها "الإصاتة". لكننا معشر الطلبة في ذلك الوقت لم يكن لنا اتصال باللسانيات العامة، ولم يكن كثير منا قد سمع بـ De Saussure. في نفس السنة، عثرت مصادفة على كتاب دي سوسير في مكتبة بفاس، وقرأته، ولكنني وجدته صعبا.
في سنة 1976، نظمنا أول لقاء لساني سيميائي وطني بكلية الآداب بالرباط، نظمه الفاسي وكليطو ومنيار والمتوكل وكولان، بإيعاز من الفاسي، مثل الانطلاق الفعلي للبحوث اللسانية السيميائية بالمغرب، وشاركت فيه جماعة من أجود الأطر في فاس والرباط.
في ربيع 1981، نظمت أول حلقة تناظرية حول أصول المعرفة في العلوم الإنسانية، شارك فيها أربعة أسماء هي: العروي، وكليطو، والفاسي، والجابري، بتنظيم من الفاسي. وفي سنة 1981 كذلك، نظمت ندوة دولية واسعة للبحث اللساني والسيميائي بكلية الآداب بالرباط.
في سنة 1986، تأسست جمعية اللسانيات بالمغرب. ونظمت في السنة الموالية 1987 أول ندوة دولية كبرى شارك فيها ما يقرب من 60 متدخلا. وفي نفس السنة 1987، طلبت مني اليونسكو تنظيم أول ندوة عربية حول"تقدم اللسانيات في الأقطار العربية"، نشرت وقائعها دار الغرب الإسلامي ببيروت. وهو اعتراف دولي أول بمكانة المغاربة في تشكيل المجال اللساني في العالم العربي.
في سنة 1997، انتخب المغرب في شخص الفاسي رئيسا للجمعية الدولية للسانيات التوليدية GLOW، ونظمت ندوة GLOW لأول (وآخر) مرة خارج أوروبا. وهو اعتراف آخر بما ساهم به المغاربة في تبييء اللسانيات التوليدية في العالم في سنة 2006، اختير أحد المغاربة لنيل أول جائزة للملك فيصل تخصص للغة العربية في اللسانيات الحديثة. وفي نفس السنة، اختير المغرب في شخص الفاسي لتنظيم مؤتمر DIGS للسانيات التوليدية التطورية سنة 2010، وقد غيرت الجمعية نظامها الأساسي ليسمح للمغرب بتنظيم هذا اللقاء.
فهذه بعض التواريخ التي تترجم إنجازات، ولها دلالات في تاريخ البحث اللساني المغربي، واللسانيات التوليدية على وجه الخصوص. وأذكر مما تحقق للمغاربة في المجال أن في الندوة الدولية للسانيات السامية الحامية بسوفيا أنتيبوليس بنيس سنة 1996، كان أكبر عدد من المشاركين مغاربة، ومثلوا حوالي نصف المشاركين في الندوة. وهذا أيضا إنجاز ليس باليسير.
2. التكوين
على مستوى التكوين في اللسانيات، ومأسسة الدرس اللساني في الجامعة، أذكر بعض التواريخ والمعلومات كذلك. حتى سنة 1970، لم يكن هناك أي درس في اللسانيات الحديثة في القسم العربي. أعرف أن دروسا أولى للسانيات كانت تلقى في أقسام الفرنسية والإنجليزية بضع سنين قبل هذا التاريخ، تناولت اللسانيات الوظيفية عند Martinet بالخصوص، وعناصر التحليل الدلالي عند كريماس Greimas، وبعض سيميائيات بارتBarthes ، وكذلك بعض لسانيات فيرتFirth وHalliday في القسم الإنجليزي. إلا أن هذه البدايات كانت غير معممة وخجولة. اللسانيات التوليدية بدأت أولا في القسم العربي في كلية الآداب بفاس في سنة 1972، وعممت على الأسلاك الثلاثة في عام 1974. وأذكر أن اللسانيات التوليدية لم تدخل إلا هامشا سنة 1976 في القسم الفرنسي على يد ميشل كولان. فالقسم الفرنسي وحتى القسم الإنجليزي ظلا محكومين بلسانيات "التمفصل المزدوج" double articulation، ويذكر بعض الزملاء أننا قرنا المصطلح بالنكت والسخرية. لقد كان الأساتذة الفرنسيون في فاس آنذاك أكثر ليبرالية من الفرنسيين في الرباط، فيما يخص المرجعيات، التي لم يحصروها في المراجع الفرنسية، ولكن غالبهم كان مبدعا في الآداب أو السيمياء الأدبية، وكان القسم الفرنسي يعاني من فقر في الأطر اللسانية، ومثل ذلك مناسبة للبحث عن أطر مغربية لسد الفراغ، فوظفنا أطرا ابتداء من 1976-1977.
ابتداء من سنة 1980، شرعنا لأول مرة في إحداث تخصص في اللسانيات في القسم العربي بالرباط في السلك الثاني. وقد عمم هذا الاختيار على الشعب الأخرى فيما بعد.
في سنة 1982، تم إحداث تكوين المكونين في اللسانيات العربية.
في سنة 1997، تم إحداث وحدة التكوين والبحث في اللسانيات المقارنة العربية، في مستوى الدكتوراه والدراسات المعمقة. ومعلوم أننا طالبنا في عدة مناسبات، ابتداء من 1980، بإحداث شعبة أو معهد للسانيات، ولقي هذا المطلب استجابة في رئاسة الجامعة، لكن الصراعات الجانبية حالت دون تحقيقه.
3. الأنشطة العلمية والنشر
على المستوى التنظيمي، لجأنا إلى تنظيم معاهد لسانية صيفية دولية ابتداء من 1979، تم تمويلها من طرف مؤسسات دولية لصالح المغاربة والعرب. ونظمنا ندوات وطنية ودولية ابتداء من سنة 1987 بالجمعية، وكذلك معاهد على هامش الندوات أيضا.
وعلى مستوى النشر، تم إحداث سلسلة المعرفة اللسانية بدار توبقال سنة 1985 لنشر ثقافة لسانية حديثة باللغة العربية، وتم تأسيس عدد من المجلات اللسانية، أذكر منها مجلة أبحاث لسانية التي أسسناها بمعهد التعريب سنة 1995، و لغات و لسانيات التي أسسنها الآستاذ موحى الناجي بفاس.
4. الرسائل الجامعية ومشاريع البحث
نوقش عدد كبير من الرسائل الجامعية المختصة في معالجة القضايا اللغوية، وتم توظيف عدد كبير من حاملي هذه الشهادات، مما جعل الجامعة المغربية تتوفر على كتلة متميزة من الأطر في المجال. ولاستكمال الخبرة، تم تشجيع عدد من الطلبة لولوج الجامعات العربية والغربية. إلى جانب هذا، أحدثت الدولة تمويلا لعدد من مشاريع البحث اللساني على المستوى الوطني في إطار PARS أو PROTARS.
5. تبييء اللسانيات بالمغرب
هذه معطيات أولى إذن عن تشكل المجال في المغرب، وتشكل أطره. وأول ملاحظة يمكن الإشارة إليها هو أن اللسانيات الحديثة توطنت في المغرب بشكل مقبول، إن لم يكن جيدا، مقارنة مع ما حدث في الدول العربية. ففي جل هذه الدول، لا تدرس اللسانيات إلا هامشا، وليس هناك تخصصات في اللسانيات في السلكين الثاني والثالث كما في المغرب. ثم إن اللسانيات لم تتبيأ باللغة العربية وفي القسم العربي إلا هامشا. وقد ظلت اللسانيات التوليدية والمرجعيات الأنجلوساكسونية هامشا في بلدان المغرب العربي، التي تطغى فيها اللسانيات الوظيفية الفرنسية إلى الآن.
على مستوى المنهج، اتخذ المغاربة عموما قرارات ساعدت على تقدم اللسانيات. أول هذه القرارات ضرورة التمييز بين اللسانيات و"فقه اللغة". فقه اللغة عموما هو دراسة النصوص، خاصة القديمة، أو ما يسميه البعض بإعادة قراءة التراث اللغوي النحوي. فقه اللغة أو التأريخ للفكر اللغوي العربي يجب العناية به في استقلال عن المقاربة اللسانية الحديثة للظواهر اللغوية، قديمها وحديثها. هذا المبدأ سمي بلسانيات الظواهر. صراع لسانيات التراث اللغوي التي مثلتها رسالة الأستاذ أحمد المتوكل سنة 1980 ولسانيات الظواهر التي مثلتها رسالة الفاسي سنة 1981 آل إلى انتقال الأستاذ أحمد المتوكل نفسه إلى العناية بوصف الظاهرة اللغوية في لسانياته الوظيفية الديكية (نسبة إلى Dik). مزج تحاليل التراث اللغوي العربي باللسانيات الحديثة كان موضوع رسائل عديدة بالولايات المتحدة، أذكر منها رسالة بريم (1970)Brame عن الصواتة العربية، ورسالة ميلين (1973)Maling عن العروض العربي. من رواد فقه اللغة بالمعنى الذي ذكرت الأستاذ محمد بوطالب رحمه الله (في القسم الإنجليزي)، والأستاذ أحمد العلوي (في القسم العربي).
على مستوى المرجعيات، تميز المغاربة بعدم حصرهم للمراجع فيما هو فرنسي، وهو خطوة تفرد بها أولا القسم العربي. وقد لاقى هذا القرار صدى في الأقسام الأخرى فيما بعد. ولابد أن أذكر في المرجعيات أن المغاربة قَصَّروا عموما في الاستفادة من تراكمات العلماء الألمان، على الخصوص فيما يخص الدراسات السامية المقارنة. وهم مازالوا مقصرين في الاستفادة من إنجازات الدلاليين الألمان في الدلالة الصورية، حتى عندما انتشرت هذه الدراسات باللغة الإنجليزية.
على مستوى المصطلح اللساني، أوجد المغاربة اصطلاحا لسانيا جديدا ودقيقا، يخرج عن مصطلحات القدماء، وإن كانت النزعة في البداية (وعند بعض الزملاء الجزائريين حتى الآن) هو الخلط بين المصطلح العربي (القديم) والمصطلح الدخيل الجديد. لقد تميز المصطلح المتعدد عند المغاربة بالدقة والنسقية، وكذلك بكونه خرج ثلاثيا في غالب الأحيان (انجليزي-فرنسي-عربي)، خلافا لما حصل في جل الدول العربية، إذ المصطلح فيها ثنائي فقط، إما إنجليزي-عربي، أو فرنسي-عربي. الاصطلاح أُهِّلَ في القسم العربي وباللغة العربية، وهذا إنجاز كبير بالنسبة للغة العربية.
6. بعض "الرجائع"
تميز تاريخ تبييء اللسانيات بالمغرب وباللغة العربية على الخصوص بمد وجزر، بحيث لم يكن التقدم خطيا ولا مستويا. وإذا كانت حصيلة المسار إيجابية مقارنة مع عدد من الدول العربية، والإفريقية كذلك، فإن وضع اللسانيات بالمغرب مازال لم يستقر بعد، ومازالت المعركة دائمة، ومازلنا نحتاج إلى إعادة تأهيل المجال وأصحابه باستمرار في مستويات متعددة. وأدلي هنا ببعض الملاحظات جملة، وقد تراكمت في مناسبات متعددة خلال سنوات الممارسة (انظر المراجع المذكورة).
أول هذه الملاحظات أننا لم نغط اختصاصات المجال بصفة كافية. فإذا كانت الدراسات التركيبية والصواتية والمعجمية قد أفرزت مواكبة لا بأس بها، فإن فروعا أخرى ظلت مقصرة. أذكر من هذه الفروع الدلالة الصورية واللسانيات النفسية ولسانيات المتون واللسانيات المقارنة واللسانيات التاريخية، على الخصوص. لقد اتضح أننا لم نصف اللغة العربية بمعطيات جديدة بما يكفي، ولم نستعمل تقنيات المتون لفرز أمثلة وشواهد جديدة، وتراكيب جديدة، ومعان جديدة، ولم نستفد من ذلك في تجديد صناعة المعاجم، الخ. ثم إننا نحتاج إلى متون مربوطة بحقبة تاريخية محددة لفصل السانكرونية عن الدياكرونية، الخ. ولم تحظ الدراسات المقارنة بين العاميات والفصحى من جهة، وبين اللغة العربية واللغات الأخرى من جهة أخرى، بما يكفي من العناية. فطالب اللغة العربية يكاد يجهل كل شيء عن علاقة الفصيحة بالعاميات تاريخا وحاضرا.
ثاني الملاحظات أن الأوصاف التي نقدمها غير كافية في كثير من الأحيان، مقارنة مع ما يحدث في لغات أخرى. حاول أن تجد وصفا للتنكير في العربية، أو للتأنيث، أو للجمع، أو لاسم التفضيل، أو للزمن والجهة، أو لطبقة من الأفعال، أو للمصادر، الخ، فإن ما يطالعك هو أن الأوصاف غير واضحة، ولا تنبني على مادة كافية، الخ. ثم إنك تجد تكرارا لكلام القدماء، أو لكلام بعض المحدثين، دون أن يتساءل الباحث أين الوصف الجديد، وأين المعطيات الجديدة، الخ. حتى الوصفيون الجدد، مثل الأستاذ تمام حسان، نجده يكرر أمثلة القدماء وشواهد القرآن الخ، لا يخرج عنها.
وثالث الملاحظات هو ضعف التمثل النظري وضعف بناء الاستدلال المؤدي إلى إقامة النتائج. فما زلنا نخلط بين ترداد ما يقوله غيرنا وبين الكلام النظري، ولا نقيم الدليل على ما ندعيه، ولا نبني المعرفة بالتدرج، وبطريقة استنتاجية.
رابع هذه الملاحظات هو التسطيح المرجعي. نجد إحالات على مراجع كثيرة تذهب أحيانا مذاهب مختلفة، دون أن يكون لهذه المراجع علاقة موثوقة مع ما يريد أن يستدل عليه الباحث. وهناك إكثار للمراجع الغربية على الخصوص دون هضم، وعدم تدبر النتائج المترتبة عن الإحالات.
خامس هذه الملاحظات هو التكرار والاستنساخ، حتى لا نتحدث عن الانتحال. الأبحاث تكرر بعضها بعضا، مادة ومواضيع ونتائج، وليس هناك ما يكفي من النشاط التحليلي أو التركيبي فيها، أو فتح باب للتراكم أو للاعتراف، الخ. انظر كم من أبحاث أنجزت حول الزمن في اللغة العربية، أو حول الحدود، أو الضمائر، الخ، ومالجديد الذي جاءت به؟
وأخيرا، وليس آخرا، هناك شبه غياب للمتابعة والنقد الموضوعيين. تصدر كتب كثيرة فلا يتابعها أحد. وإذا تابع، فإنه يجامل أكثر مما ينتقد. لنقارن بين متابعة كتاب اللسانيات واللغة العربية الصادر بالعربية وكتاب Issues الصادر بالإنجليزية. ادخلوا على أنترنيت وقارنوا. لا مجال للمقارنة النوعية! فهذا يطرح إشكالات متعددة على من يكتب بالعربية!.
إن وقفة مثل هذه التي نقفها اليوم من شأنها أن تحثنا على أن نرصد التراكمات في مختلف المواضيع والأبواب، وأن نتجاوز حاجز الاعتراف، وأن ندفع بالبحث إلى مسارات جديدة، حتى نتلافى البرهنة على ما سبق وأن أثبته غيرنا، أو نكتشف ما توصل إليه غيرنا من نتائج، أو نضعف أمام ما يرد من أفكار وتقنيات أبدعها الغير.
7. تقويمات مرتقبة
إن الرسائل التي نوقشت في مجال اللسانيات تمثل رصيدا بحثيا ووثائقيا لابد أن تقوم الإرادة من أجل تجميعه وتقييمه في قاعدة وثائقية على صعيد كل جامعة، ثم على الصعيد الوطني، من أجل خلق الشروط الموضوعية للدفع بالبحوث إلى الأمام.
إن إقامة قواعد للمتون العربية أصبح يفرض نفسه كأداة أساسية للبحث والتوثيق في المواد اللغوية، ورصد تطور اللغة، الخ.
إن تأهيل التكوين في اللسانيات بحاجة إلى مراجعة دائمة، حتى يواكب التطورات الحديثة. إن الدلالة الصورية واللسانيات النفسية والمعرفية عادت مواد ضرورية في التكوين اللساني الفاعل.
إن التفاعل مع العلماء الغربيين بالخصوص، والعرب كذلك، عاد أساسيا لإفراز التقدم المرجو. لذلك وجب أن نعمل على تكثيف بعث طلبتنا وأساتذتنا إلى الخارج من أجل استكمال الخبرة، وكذلك استقدام الأساتذة الغربيين، على الخصوص، من أجل دعم التكوين المحلي. وينبغي أن لا ننسى أن إنجازات كثيرة في اللسانيات حققها المغاربة في بيئات أخرى غير المغرب، بل قد أقول إن الاحتفاء بإنجازاتهم تم خارج المغرب أكثر مما تم داخله. إن التبييء الخارجي وبالخارجي أمر لا مفر منه للمواكبة.
إن نشر اللسانيات باللغة العربية ينبغي أن لا يكون على حساب المواكبة والمتابعة، والنقد الموضوعي، وهي كلها آليات أساسية لتقدم البحث.
إن المعارف وأدواتها المنهجية والنظرية والفلسفية عادت متكاملة اليوم أكثر من أي وقت مضى، وتكامل المعارف وتداخلها مازال ينقصنا، رغم مجهودات فردية للتجسير المعرفي.
إننا بحاجة إلى مداخل فعلية في المستوى المطلوب، تطبق اللسانيات على اللغة العربية بصفة مقنعة، وليس إلى تأليف "مدرسي" يكرر كلاما غربيا بصيغ غامضة غير مفهومة.
وأخيرا، أذكر أن اللسانيات في عقودها الأولى خلقت فرصا كثيرة للتشغيل بالجامعة وخارجها، لما حملته من حركية وتطلع إلى تحليلية جديدة وإلى تطبيقات جديدة، علاوة على التنظير. وواكب اللسانيات في بدايتها إقبال كبير على هذه المادة. جماهير بالمئات، بل بالآلاف أحيانا، كانت تحضر المحاضرات في المدرجات، وتواكب أعمال الندوات. فهل من إمكان لإعادة الحماس، وتنمية فرص شغل اللسانيين؟
إن عصر اللسانيات لم يول بعد في الغرب، بل مازال الإقبال على هذه المادة في كثير من المراكز الجامعية ومراكز الأبحاث ضعيفا. فلنا أن نتدبر كيف نعيد النفس إلى برامجنا ومشاريعنا، والحماس إلى باحثينا وطلبتنا في المجال.

بعض المراجع:
- البحث اللساني والسيميائي 1981، كلية الآداب الرباط .
العروي، ع.، كليطو، ع، الفاسي، ع، والجابري، م.ع. 1981، المنهجية في الآداب والعلوم الإنسانية. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر.
- الفاسي الفهري عبد القادر 1984، ملاحظات حول الكتابة اللسانية، تكامل المعرفة، ص.9-25.
- الفاسي الفهري عبد القادر 1986، عن أساسيات الخطاب العلمي والخطاب اللساني، المنهجية في الآداب والعلوم الإنسانية، ص. 43-63.
- الفاسي الفهري، ع. والسغروشني، إ. 1984، تكامل المعرفة في اللسانيات، مجلة تكامل المعرفة، الرباط: جمعية الفلسفة بالمغرب.
- الفاسي الفهري، عبد القادر 1985، اللسانيات واللغة العربية، نماذج تركيبية ودلالية، الدار البيضاء. دار توبقال للنشر.
- الفاسي الفهري، عبد القادر 1987، تحت إشراف، تقدم اللسانيات في الأقطار العربية، بيروت: دار الغرب الإسلامي-
لسانيات وسيميائيات 1976، منشورات كلية الآداب بالرباط.
- Brame, M. 1970. Arabic Phonology. Cambridge, Mass: MIT PhD.
- Fassi Fehri, A. 1981. Complémentation et anaphore en arabe moderne. Une approche lexicale fonctionnelle. Thèse de Doctorat d’Etat. Paris-Sorbonne.
- Fassi Fehri, A. 1987. Proceedings of the First International Conference of the Linguistic Socety of Morocco. Rabat: Okad Publishers.
- Fassi Fehri, A 1993. Issues in the Structure of Arabic Clauses and Words. Dordrecht: Kluwer Academic Publishers.
- Fassi Fehri, A. 1996 ed. Linguistique comparée et langues au Maroc. Rabat: Publications de la Faculté des Lettres.
Maling, J. 1973. The theory of classical Arabic metrics. Cambridge, Mass: MIT PhD.
- McCarthy, J. (1979). Formal Problems in Semitic Phonology and Morphology. Cambridge, Mass: MIT PhD.
Moutaouakil, A. 1982. Théorie de la signification dans la pensée linguistique arabe. Rabat: Publications de la Faculté des Lettres.
الموقع http://www.aljabriabed.net/n96_03fasi.htm


محمد صغير نبيل
عضو جديد


تاريخ التسجيل
May 2010
المشاركات
4
معدل تقييم المستوى
0
اللسانيات الحديثة و النحو العربي : بين المعيارية والوصفية.
محمد الصغير نبيل

اللسانيات الحديثةو النحو العربي:بين المعيارية والوصفية.
مقدمة:
في مولج الحديث أريد أن أبيٌن بأنٌ هذه المحاولة لا تعد دراسة من أجل إثبات حقيقة علمية أو نفيها, وإنما من أجل إثارة نقاش لا بد منه، وتوضيح بعض الأمور الضرورية في مجال البحث اللساني قديما كان أم حديثا , خصوصا في ظل الاستفهامات والتساؤلات التي تحوم حول علاقة الموضوعين- اللسانيات الحديثة والنحو العربي- ببعضهما البعض.
كما أنٌني أريد أن أُصرح بأنٌ محاولتي لإثارة هذا النقاش لم تولد من عدم, فقد تلاعبت في ذهني عدٌة أفكار أثناء قراءتي لمؤلفات بعض النٌحويين و اللٌسانيين ،تبيّن لي منها أنٌ البعض منهم يلمح إلى ضرورة إزالة النحو ,ومنهم من يصرح بذلك علانية ,و آخرين ذهبوا إلى أنٌ النحو قد مات منذ زمن وما على اللٌغويين اليوم سوى إعادة إحيائه,أو استبداله بنظريات لغوية أجنبية, مما جعل بعض النٌحويين يصوب أصابع الاتٌهام إلى اللٌسانيات الحديثة التي تقاسمت نفس الموضوع و النحو، ألا وهو اللغة و اختلفت معه في كيفية دراسته, فهل لهذه الأقوال من أدلٌة شافية كافية تدين اللسانيات الحديثة؟ ، أم أنٌ ما يُقال و يُعتقد مجرّد افتراءات نسبت إلى اللّسانيات رغبة إيقاف تقدٌمها , خصوصاو أنٌها من ضمن العلوم اللّغوية الفتيّة التي تريد أن تنظر إلى النحو العربي نظرة مغايرة لنظرية واحدة كانت سائدة من قبل , وذلك من خلال استعمالها لمنهجيات جديدة ,فلا خوف إذن من هذه اللسانيات الحديثة على النحو العربي .


الواقع أريد أن أطرح هذه الاستفسارات والتساؤلات , وأن أحاول الإجابة عليها في إطار أشمل و أوسع ليكون حديثنا حول الموضوعين السالفين أكثر دقة وموضوعية , فقد ارتأيت أن أوضح حقيقة اللسانيات الحديثة وتاريخها , كما قصدت بعد ذلك تحديد أولى بدايات التيارات اللسانية العربية الحديثة وأنواعها، منتقلا فيما بعد إلى الطرف الثاني من البحث و المتضمن حقيقة النحو العربي وماهيته، محاولا بعد ذلك تفنيد قول بعض المستشرقين بموت النحو العربي وبوجوب الاستغناء عنه, ذلك أنٌ هذه القضية تعتبر من أهم قضايا النحو الراهنة,منتقلا بعد كل هذا إلى دراسة منهجيتي النحو واللسانيات, و مشيرا من خلال ذلك إلى الاختلاف الموجود بينهما كما عمدت بعد ذلك الى نفي علاقة التنافر والتضاد المزعومتين لهما, وإثبات أن اللسانيات والنحو علمان ضروريان لا سبيل للاستغناء عنهما إذا أردنا مواكبة الحضارة, و مختتما هذا البحث بمحاولة تبرئة ساحة اللسانيات من كل التحديات والعوائق التي تعترض النحو العربي, ونافيا المقولة الزاعمة بخطر اللسانيات الحديثة عامة, ومنهجيتها بصفة جد خاصة على النحو العربي.



أولا: ماذا نعني باللسانيات الحديثة "علم اللغة الحديث"؟:
اللسانيات هي " الدراسة العلمية للسان"[1] وبتعريف أكثر دقة و شمولية, هي الدراسة العلمية للغات البشرية كافة من خلال الألسن الخاصة بكل قوم من الاقوام "سواء أتعلق الأمر بالشعوب البدائية أم الحضارية, بالحقب القديمة أم بحقب الانحطاط"[2] .
إنٌ هذه الدراسة تشمل ما يليالأصوات اللغوية –حروفا و كلمات- التراكيب النحوية , الدلالات والمعاني اللغوية , علاقة اللغات البشرية بالعالم المحيط بالإنسان ) , كما تعتمد هذه الدراسة على اللغة المحكية, و ليس على اللغة المكتوبة على أساس أنٌ الإنسان يتكلم أولا, ثم يدوٌن ذلك الكلام.
ونعني بالدراسة العلمية البحث الذي يستخدم فيه الأسلوب العلمي المعتمد على المقاييس التالية : ملاحظة الظواهر اللغوية - التجريب و الاستقراء المستمر- ومن ثم بناء نظريات لسانية من خلال وضع نماذج لسانية قابلة لتطور- ضبط النظريات اللسانية الكلية ثم ضبط الظواهر التي تعمل عليها –استعمال العلائق الرياضية الحديثة –الموضوعية المطلقة , مع وجوب الامتناع كليا عن "اقتراح اختيار ما ضمن تلك الأحداث باسم بعض المبادئ الجمالية أو الأخلاقية"[3] مثلا كأن نرفض نتيجة ما, توصٌلت إليها الدراسة العلمية , بسبب تناقضها و مبدأ جمالي كان يراعى في غالب الأحيان في الدراسات اللغوية القديمة على سبيل المثال .
فالواجب علينا أثناء البحث العلمي أن " نستند إلى آليات منطقية تسمح للذهن بترتيب إجراءاته, بعيدا عن التسليم بالحقائق و التلقي السطحي والأحادي للمعرفة "[4], فهذه الأسباب وغيرها تبعدنا الأسس العلمية للبحث اللساني.
وكما أن اللغات البشرية لها ارتباطات متعددة متنوعة سواء أكانت إنسانية أم طبيعية , كذلك فإن لعلم اللغة الحديث فروعا مختلفة, يختص كل واحد منها بناحية جزئية من هذا الكل الذي يسمى "اللغة" ومن هذه الفروع نجد :
آ-اللسانيات النظرية (العامة) تبحث بالنظريات اللغوية ونماذجهاالمتفرعة عنها وكيفية معالجتها للبنية اللغوية سواء أكانت تلك النظريات اللغوية فيالماضي أم الحاضر. ومن العلوم المتفرعة عن اللسانيات النظرية ما يلي:‏
1-الصوتيات التي تتفرع بدورها إلى: الصوتيات الفيزيائية , الصوتيات الوظيفية.‏
2-النحويات أو علم التراكيب الذي يتفرع بدوره إلى: علم بناء الجملة –علم بناء الكلمة- علم التقديم والتأخير في العناصر اللغوية- علم القواعد اللغويةالعالمية- علم القواعد اللغوية الخاصة- علم الضوابط العامة والخاصة المفروضة علىالقواعد.‏
3-الدلاليات أو علم المعنى الٌذي يتفرع بدوره إلى: علم المعنى الخاصوعلم المعنى العام- علم بنية الدلالة في الدماغ البشري- علم التعرف على اللغةعندما تخزن في الدماغ دون معرفتها –علم فهم اللغة عندما تخزن في الدماغ معفهمها- علم المشترك والترادف- علم تقطيع اللغات للواقع وتسميته- علم أنواع الدلالةوالمعنى.‏
ومن الملاحظ أنٌ بعض اللسانيين يدمجون علم الصرف بعلم النحو فيما يفضل البعض الآخر الفصل بينهما, أمثال الدكتور مصطفى حركات الذي عرٌف علم الصرف بكونه يدرس " قواعد تركيب المرفيمات لتكوين الكلمات " [5] , كما عرٌفه كذلك الدكتور عبد العزيز عتيق بأنٌه" تغيير في بنية الكلمة لغرض معنوي أو لفظي , ويراد ببنية الكلمة هيأتها أو صورتها الملحوضة من حيث حركتها أو سكونها وعدد حروفها"[6], مؤكدين أنٌ مجال دراسته يشمل الكلمة فقط.
ب-واللسانيات التطبيقية تبحث في التطبيقات الوظيفية التربوية للٌغةمن أجل تعليمها وتعلٌمها للناطقين ولغير الناطقين بها، وتبحث أيضاً في الوسائلالبيداغوجية المنهجية لتقنيات تعليم اللغات البشرية وتعلٌمها (أصول التدريس –مناهجالتدريس- وضع النصوص اللغوية وانسجامها مع المتعلمين- وضع الامتحان- امتحانالامتحان- علاقة التعلم والتعليم بالبيئة الاجتماعية)." ‏ولعلٌ كتاب (نظريات التٌعليم ) من أهمٌ الكتب الٌتي ظهرت حديثا في مجال البحث في موضوع التعليم "[7]
ج-واللسانيات الأنثروبولوجية تبحث بالصٌلة التي تربط اللٌغة بأصلالإنسان. فاللٌغة عضو بيولوجي كبقية الأعضاء البيولوجية الأخرى عند الإنسان، ولكن،على الرغم من ذلك فإنٌ اللٌغات البشريٌة متفاوتة من حيث الرقي الحضاري ومن حيث أنظمتهاالداخلية وقدرتها على تقطيع العالم الذي يحيط بالإنسان.‏
د-واللسانيات الاجتماعية تبحث في العلاقة القائمة بين اللٌغةوالمجتمع "باعتبار أنٌ اللٌغة منظومة اجتماعية"[8]ذلك لأنٌ اللغة لها صلة بالمجتمع الذي ينظمها ويؤطرها على نحو يجعلهامختلفة عن اللغات الأخرى نظاماً وعادة وسلوكاً. فاللغة ظاهرة اجتماعية تتفق عليهاالجماعات البشرية، وهي تعكس كل ما يموج فيها من عادات وتقاليد وثقافة ودين وتنوعاتجغرافية وإقليمية. إنٌ من مهمة اللسانيات الاجتماعية البحث في التالي: اللغة واللهجة –الأطلس اللغوي الجغرافي- العلاقات الاجتماعية والثقافية في المجتمع الواحد وأثرذلك في تعليم اللغة القومية وتعلمها- الفروق القائمة بين لغة النساء ولغة الرجال- المستويات الكلامية اللغوية حسب سياقاتها الاجتماعية- اللغة المنطوقة واللغةالمكتوبة.‏
هـ-واللسانيات الأدبية تبحث بالعلاقات القائمة بين اللسانيات والأدبوالنقد والسيميائيات والأسلوبيات. و ماهي أفضل التقنيات اللسانية التي يمكن للأديبوالكاتب أن يستخدمها ليكون عمله أكثر تأثيراً وفهماً في المجتمع؟و كيف يستطيع الأدبأن يقدم عينات وشرائح أدبية متنوعة للسانيات من أجل أن تدرسها وتبني عليها فرضياتيمكن أن تساهم في بناء صيغة علمية دقيقة للنقد الأدبي الحديث؟.‏
و-واللسانيات البيولوجية تبحث في العلاقة القائمة بين اللغةوالدماغ. إن مهمة هذا العلم معرفة البنية اللغوية الدماغية عند الإنسان ومقارنتهابالبنية الإدراكية عند الحيوان. أضف إلى ذلك أن هذا العلم يريد معرفة التطور اللغويالبيولوجي عند الأطفال وكيف يمكن أن ينشأ المرض اللغوي عندهم؟.‏
ز-واللسانيات الرياضية تنظر إلى اللغة على أنها ظاهرة حسابية مركٌبةصوتاً وتركيباً ودلالة، ومنظمة على نحو متشابك من أجل تطويعها ووضعها في أطر وصيغرياضية من أجل معرفتها معرفة دقيقة جداً لإثبات الفرضية التي وضعها تشومسكي من أناللغة عبارة عن آلة مولدة ذات أدوات محددة قادرة على توليد ما لا نهاية له منالرموز اللغوية من خلال طرق محددة.‏
ح-واللسانيات الحاسوبية –المعلوماتية (الكومبيوترية) تبحث عن وضعاللغات البشرية في صيغ وأطر رياضية وذلك لمعالجتها في الحاسبات الإلكترونية من أجلالسرعة والدقة العلميتين في البحوث اللغوية ومن أجل ترجمة النصوص اللغوية ترجمةآلية فورية.‏
لقد كان تاريخ اللسانيات مرتبطا بالمحاضرات التي كان يلقيها عالم اللغة فيردنان دي سوسير,الٌذي يُعد الأب الحقيقي للسانيات الحديثة ,و الٌذي نُشرت له محاضراته بعد مماته سنة (1919) في كتاب اسمه
" محاضرات في اللسانيات العامة ", فقد كان جوهر هذه المحاضرات يدور حول طرح منهج لساني علمي جديد لدراسة اللغات البشرية دراسة آنية , فقد كان المنهج الٌذي استعمله ردة فعل على المناهج اللغوية الماضية التي كان يستخدمها العلماء في الهند لمقاربة اللغات الهندية بالغات الاوروبية وذلك باِستعمال المنهج التاريخي الذي "يدرس اللغة دراسة طولية ؛ بمعنى أن يتتبع الظاهرة اللغوية في عصور مختلفة وأماكن متعددة ليرى ما أصابها من التطور" [9] .
لقدانتقل منهج دي سوسور اللساني إلى الولايات المتحدة, وطُوّر تطويراً يختلف عما كانعليه في أوربا. من هنا نشأت "البنيوية" اللسانية(Structuralism) على يد عالمأمريكي هو بلومفيلد في كتابه "اللغة (********) فقد تطورت النظرية البنيوية من خلالنماذج عديدة جداً , واستمرت في التطور حتى عام 1957 حيث جاء عالم اللسانيات الأمريكينوم تشومسكي الذي كان انعطافاً وحدثاً عظيماً في تاريخ العلوم الإنسانية والطبيعيةفي العالم. فقد استطاع هذا العالم أن يقلب المفاهيم الطبيعية والإنسانية رأساً علىعقب كالمفاهيم المطروحة في علم النفس والمنطق والفلسفة وعلم الأنثروبولوجياوالرياضيات وعلم البيولوجيا وعلم الحاسبات الإلكترونية وعلم الفيزياء.

ثانيا:متى كانت أولى بدايات التيارات اللسانية العربية الحديثة؟ وما هي أنواعها؟ :

"من الصٌعب تحديد البدايات الأولى لانتقال الفكر اللغوي الحديث إلى ميدان التفكير اللغوي في العلم العربي"[10], فلم يكد يمضي نصف قرن علي ظهور اللسانيات حتى كان بعض اللسانيين العرب يدرسونها في الغرب مثل إبراهيم أنيس وداود عبده و تمام حسان وكمال بشر و غيرهم ، وهذا يعني أنٌ الغرب قد سبق العرب بحوالي نصف قرن من الجهود اللسانية الحقيقية ، وكان بالإمكان تجسير هذه الهوة بسرعة بهضم اللسانيات العالمية , بل وبالإسهام الحقيقي في تطويرها و المشاركة في المجهود العالمي في الدراسات اللسانية ،لأن وسائل الاتصال السريع كانت تحمل بشرى بناء علاقة لسانية إيجابية بين اللسانيات من جهة, و الثقافة العربية من جهة أخرى .
لقد كان الرواد الأوائل على مستوى عال من الإدراك العلمي ، مما يسر لهم فهم المعطيات اللسانية غير العربية بسرعة, و إتقان ، بصفتهم الشخصية العلمية لما يمتلكونه من مؤهلات نجاح الخطاب اللساني في الثقافة العربية ، وسيرتهم العلمية تؤكد أنٌ كلٌ واحد منهم مؤهل تأهيلا عاليا ليكون في المستقبل عالم لسانيات ، لأنٌ معضمهم إن لم يكن كلهم كانوا مبتعثين من جامعاتهم لإكمال دراساتهم العليا، وعادةً مايكون المتعثون من أوائل الأقسام، و هذا الابتعاث يشير إلى وعي مبكر إيجابي من المسؤولين عن التعليم العالي آنذاك, لأهمية دراسة اللسانيات بفروعها المتعددة.
ومن المثير للاهتمام أن ٌ هؤلاء اللسانيين قد انقسموا إلى تيارين أساسيين هما :
1- تيار لساني عربي محافظ مدين للنحو العربي: متمثٌٌل في باحثين حاولوا عوربة اللسانيات و أسلمتها, بمعنى محاولة إيجاد صيغة لسانية تنطلق من الموروث العربيٌ لا من معطيات علم اللسان الحديثة، فأخذوا من اللسانيات ما وجدوا له مثيلا في الموروث العربي، و ما ناقضه درسوه تحت عنوان" التناقض بين المذاهب اللسانية الحديثة" للوصول إلى معادلة (لسانيات حديثة) , في مقابل( نحو واحد).
2- تيار لساني عربي متخصص أصلا في الموروث اللغوي –النحو- لكنهم قرؤوا عن اللسانيات وتثقٌفوا بها مجاراة لموضة العصر الحديث ، وطرحوا أنفسهم بوصفهم لسانيين، وما هم بذلك لأنٌ معرفتهم اللسانية لا تتٌسم بالعلمية.
و على الرغم من جهود هؤلاء اللسانيين العرب وأعمالهم القيٌمة فاللسانيات العربية لم تلق الرواج الذي حظيت به في الغرب فقد ظلٌت مهمٌشة في المؤسسات التي أوكلت إليها مهام الإطٌلاع على البحث اللساني[11] .

ثالثا: ما نعني بالنحو العربي؟
-النحو لغة: هو القصد والطريق, وقد يكون ظرفا أو اسما.
اصطلاحا: هو ذلك العلم الذي يعرف به أواخر الكلمات إعرابا و بناء ,كما يعرف به النظام النحوي للجملة ,وهو ترتيبها ترتيبا خاصا ؛ بحيث تؤدي كل كلمة فيها وظيفة معينة حتى إذا اختل الترتيب اختل المعنى.
فغاية النحو" بيان الإعراب و تفصيل أحكامه حتى سماه بعضهم علم الإعراب "[12]
وكان هذا المصطلح أوٌل ما ظهر يشير إلى مجموعة القواعد التعليمية التي يتعلٌمها الناس كي يلحقوا بالعرب الفصحاء في إجادتهم العربية[13].
كان العرب قبل الإسلام ينطقون العربية سليقة, حيث لم تكن مدوٌنة , ولما سُمع اللحن في قراءة القرآن الكريم,ففكٌر أولوا الألباب و الأمر في وضع قواعد تصونه من الزيغ الذي بدأ يلحق به ,وهذا بهدف المحافظة على اللسان العربي , من خلال وضع قوانين تضبطه.
وتكاد الروايات تتٌفق على أنٌ أبا الأسود الدؤلي هو الٌذي وضع النحو العربي بعد أن أخذه عن علي بن أبي طالب؛ [14]وهذا ما تجمع عليه أغلب المصادر القديمة , وزاد فيه علماء العربية الذين أسسوا العربية وفتحوا أبوابها و نهجوا سبيلها ووضعوا قياسها, فقد ظهرت مدرستان نحويتان في العراق سبب ذلك أن العراق كان من أسبق الأقاليم العربية مدنية و حضارة , فقد قامت بالبصرة مدرسة تهتم بوضع قواعد النحو العربي, وكان من أعلامها الخليل بت أحمد الفراهيدي 175هجري , وسبويه 180هجري وتجسدت أفكار هذه المدرسة في ( الكتاب) الذي أخرجه سبويه , وكما قامت إثرها مدرسة أخرى لا تقل أهمية عن سابقتها وهي مدرسة الكوفة و التي تأخرت عن مسائل النحو لاشتغالها بمسائل الفقه.

رابعا : قول بعض علماء اللغة المستشرقين والغربيين بموت النحو:
لقد كان من المهم أن نتطرق الى هذه المشكلة الحديثة التي خلقها بعض علماء اللغة المستشرقين و الغربين لنحاول أن نوضٌح بعض النقاط وأن نفنٌد الحجج التي قدمها هؤلاء الناقمين على النحو العربي , وذلك بعد أن نعرض لهم بعض حججهم المفتعلة وهي:
-1 القول الشائع الذي يقضي بأنٌ من أراد أن يؤلف شيأ بعد سبويه فليستحي وهو ما يعني أن البحث الجدي في النحو قد انتهى عند سبويه .

2-القول الشائع الأخر الذي يقضي بأنٌ النحو قد طبخ حتى احترق وهو ما يشير بالنسبة لهم الى القناعة الأكيدة بأن النحو العربي لا يمكن أن يقال فيه أكثر مما قيل .

3- وقف الاحتجاج للغة والنحو وهو الذي قطع الصلة بين النحو بصفته جملة من القوانين المعيارية التي تضبط اللغة وبين اللغة التي يستمد الإنسان حياته منها .
4- استدلالهم بالذين يكتبون في النحو فهم يرون في أعمالهم فارغة المكنون لا تحمل أي جديد البتٌة , وملاحظتهم الدراسات الأكاديمية التي تدور في غالب الأحيان حول تحقيق بعض المخطوطات , ودراسة بعض أراء النحويين التي لا تقدم أي جديد بحسبهم .
فقد رأوا في هذه الأسباب دليلهم الواضح و القاطع بأن النحو قد مات وانقضى وقته , إلا أن الملاحظ في هذه الحجج المستعملة – لمحاولة التقليل من قيمة النحو العربي و ثني النحاة المعاصرين على العمل والاجتهاد في سبيل الرقي بالنحو العربي, سواء من أصحاب التيار المتعصب للنحو العربي أم من أصحاب التيار المستعمل للمنهجيات اللسانية الحديثة- أنها نابعة من عاطفة البغض والحسد التي يكنها بعض المستشرقين والغربين للغة العربية عامة ونحوها على وجه الخصوص , فبشهادة عالم اللسانيات الأمريكي نوم شومسكي الذي رأى في التراث اللغوي العربي ومن ضمنه النحو كنزا عظيما – لا يمكن أن يموت- وأنه لو التفت إليه الغرب مبكرا لكانت اللسانيات في مرحلة متقدمة عن الزمن التي هي فيه.[15]
هذا الكلام وإن دلٌ على شيئ, فإنٌقه يدل على عظمة التراث اللغوي العربي غير القابل للفناء.
وكما أنٌ هؤلاء المدعين بموته قد أساؤا فهم قصد كلٌ من الدكتورين إبراهيم مصطفى (رحمه الله تعالى ) ,و الدكتور الفاضل شوقي ضيف اللذين ألفا كتابين هما على التوالي "إحياء النحو", " وتجديد النحو" اللذان وإن اختلفا في عدة أراء فإنهما اشتركا في هدف عظيم وهو تيسير قواعد النحو العربي وإعادة تبويبه تبويبا محكما, فقد حاول د: شوقي ضيف "تجديد النحو بعرضه عرضا حديثا على أسس قوية تصفيه و تروقه وتجعله داني القطوف للناشئة "[16]
فالقول إذن بموت النحو أمر غير مقبول و القول بصعوبة تعليمه أمر واقعي ملحوظ في مؤسساتنا التعليمية وجامعاتنا إلاٌ أن هذا الأمر لا يعتبر مأخذا على نحونا العربي , بل يعتبر مزيٌة تحثٌ الباحثين على العمل فيه بكد و على السير به قدما وفق مناهجه, وبالاعتماد على النتائج التي توصلت إليها اللسانيات النظرية عامة والتعليمية خاصة, ومن المحاولات الناجحة نذكر عمل الدكتورة سلوى محمد عزازي في كتابها : "النحو العربي وأساليب الترغيب فيه" أن تذليل هذه الصعوبات مقترحة عدة حلول من بينها :" جعل النحو وظيفيا باستخدامه في مواقف الحياة المختلفة, وتعويد الطفل على فهم معنى الجملة أولا حتى يستطيع إعرابها , و استغلال هوايته المفضلة لترغيبه في النحو ..الخ.."[17].

خامسا:مشكلة الفرق القائم بين وصفية اللسانيات و معيارية النحو العربي:
"من أخطر ما عاق ازدهار الوعي اللساني في أوساطنا العلمية معركة الوصفية والمعيارية في المعرفة اللغوية , بل على وجه التحديد ما لابسهما من خلط منهجي و تحريف مبدئي تولدت عنهما مجموعة من المشاكل الزائفة أربكت دعاة المعيارية وأرهقة أنصار الو صفية فاستنزفت طاقت من هؤلاء و أولئك وقد ساهم في خلق عقدة الإشكال كل من اللسانيين دعاة الوصفية , وفقهاء اللغة دعاة المعيارية فلا أنصف العربية من ظنوا أنهم حراسها ولا خدم اللسانيات من انبروا روادا لها"[18].
ما يتوجب علينا في هذا الموضع هو محاولة فهمنا لهذه المشكلة من خلال طرحنا لمنهجيتي البحث في اللسانيات الوصفية وعلم النحو المعياري , ودراستنا لكيفية تعاملهما مع اللغة المدروسة خاصة وأنٌ منهجية اللسانيات كانت من أهم النقاط التي وجٌهت لها اتهامات عديدة من طرف بعض علماء اللغة بخصوص خطرها على النحو العربي.
تقوم منهجية اللسانيات على الاعتماد على المنهج الوصفي ( descriptive) , من خلال دراستها للغة باعتبارها ظاهرة إنسانية, فهي تأتي إلى اللغات البشرية كلٌها تفككها و تحللها إلى قطع دلالية,من خلال البحث عن القوانين التي تتحكم في ربط الوحدات الدلالية[19] بعضها ببعض و كيفية تشكل البنية الداخلية لأيٌة لغة ما محاولة بذلك معرفة كيفية توزعها في النظام العام لتلك اللغة وثم تنتقل لدراسة لغة أخرى بنفس المنهجية المتبعة سالفا , وهكذا دواليك .
ومن خلال هذه الدراسات التي يجريها على لغات مختلفة تتكون عند اللساني عدة أنظمة حول الظاهرة اللغوية , منتقلا بهذا إلى محاولة الكشف عن الخصائص التي تشترك فيها هذه اللغات المختلفة وتفسيرها في إطار أعم , وذلك من اجل إيجاد لغة عالمية يشترك فيها جميع البشر من خلال اكتشاف المبادئ العامة( General principles(التي تربط لغة ما بأخرى .
أما بالنسبة لمنهجية البحث في النحو العربي " فيجمع اللسانيون اليوم على أنٌ هذا العلم علم معياري ؛أي أنٌه يبحث في جوانب الصواب والخطأ في استعمال المفردات من حيث الدلالة والبنية , لا مجرد علم وصفي يصف المفردات اللغوية في ذاتها دون البحث عن الصواب و الخطأ في الاستعمال " [20]

فالنحو إضافة عن اختباريته و تقصيه سبل الحصر والوصف و الشمول فهو تقريري[21] تقنيني في إصداره للأحكام بشأن الاستعمال اللغوي , فالنحوي يعمل جاهدا إلى اكتشاف الأساليب و التراكيب اللغوية السليمة من جميع الأخطاء على اختلافها ( النحوية,اللغوية, الإملائية , الصرفية , وحتى الدلالية ) من أجل تصحيحها و إبداء رأيه فيها , أما اللساني فيحاول فقط ضبط نواميس الظواهر اللغوية على اختلاف مستوياتها ,و لكن دون إبداء رأيه فيها سواء كانت تلك الظاهرة اللغوية صائبة أم خاطئة .

خاتمة:
إنٌه لمن التٌلقي السطحي والأحادي للمعرفة اعتبار الوصفية و المعيارية شحنتين متنافرتين , كما أن التسليم بفكرة أن اللساني عند التزامه بالوصفية عليه الطعن في المعيارية تفكير خاطئ بالمرة , فهو حين يعمل بهذه الفكرة يكون قد خرج أساسا عن مبدئه الوصفي داخلا بهذا التفكير إلى حيز المعيارية –كأن يخطأ الصواب مثلا – في تحسٌسه لنواميس الظاهرة اللغوية , بالإضافة إلى أنٌه هناك حقيقة كبرى قد خفيت عن النحويين, و اللٌسانيين أنفسهم هي أنٌ الوصفية و المعيارية مقولتان لا تنتميان على صعيد فلسفة المعارف إلى نفس المنطلق المبدئي لأنٌهما ليستا من طبيعة واحدة أصلا , كما أنٌ النحو واللسانيات ليسا ضدين بالمعنى المبدئي للتضاد , كيف والنحو كان في القديم إلى جانب أنٌه يبحث عن مجموعة النواميس التي تحرك الظاهرة اللغوية , يُعرٌف بكونه عملية تفسير الانسان لنظام اللغة بمعطيات المنطق من العلل و الأسباب والقرائن , إذن فإنٌ ادعاء خطر اللسانيات على النحو العربي وإن كان هذا الخطر بشكل ضعيف جدا فإنٌه يرجع إلى تناول الباحث لأدوات المناهج الحديثة تناولا خطأ , فالعلوم تكمل بعضها ولا تنسف بعضها البعض .

قائمة المراجع :
1 -إبراهيم مصطفى,إحياء النحو ,دار الكتاب الإسلامي, القاهرة , ط 2
2-آمنة بلعلى , أسئلة المنهجية العلمية في اللغة والأدب , دار الأمل , تيزي وزو , الجزائر , سنة 2005
3-أندري مارتني, مبادئ في اللسانيات العامة , ترجمة د الزبير سعدي , دار الأفاق ,الجزائر
4-سلوى محمد أحمد عزازي , النحو العربي و أساليب الترغيب فيه, المكتبة الالكترونية, سنة 2006
5-شوقي ضيف, تجديد النحو, دار المعارف, القاهرة , ط 5 ,سنة 2003
6-عبد السلام المسدي , اللسانيات و أسسها المعرفية , المكتبة الفلسفية,الدار التونسية للنشر, المؤسسة الوطنية للكتاب,ص13,14
7فردنان دي سوسير, محاضرات في الألسنية العامة , ترجمة يوسف غازي و مجيد النصر, سنة 1986
8-محمد حسن عبد العزيز , مصادر البحث اللغوي , دار الكتاب الجامعي, الكويت , ط1,سنة 1997
9- مصطفى حركات, اللسانيات العامة و قضايا العربية, المكتبة العصرية, بيروت,لبنان , الطبعة 1, سنة 1998
10نعمان بو قرة , المدارس اللسانية المعاصرة , مكتبة الأداب , القاهرة ,2004
11مجلة التراث العربي , اتحاد الكتاب العرب , العدد 48, السنة 1992
12منضمة الأمم المتحدة للعلوم و الثقافة اليونيسكو : تقدم اللسانيات في الأقطار العربية،دار المغرب الإعلامي,الرباط

)- مصطفى حركات, اللسانيات العامة و قضايا العربية, المكتبة العصرية, بيروت,لبنان , الطبعة 1, سنة 1998, ص 13 [1] (

)- فردنان دي سوسير, محاضرات في الألسنية العامة , ترجمة يوسف غازي و مجيد النصر, سنة 1986 ,ص 17. [2] (

)- أندري مارتني, مبادئ في اللسانيات العامة , ترجمة د الزبير سعدي , دار الأفاق ,الجزائر , ص12. [3] (

)- آمنة بلعلى , أسئلة المنهجية العلمية في اللغة والأدب , دار الأمل , تيزي وزو , الجزائر , سنة 2005 , ص 26 [4] (

)- لمزيد من التفصيل يراجع: مصطفى حركات , اللسانيات العامة و قضايا العربية , ص41[5] (

)- عبد العزيز عتيق , المدخل إلى علم الصرف , دار النهضة العربية , سنة 1974, ص1[6] (

)- د علي حسين حجاج و د عطية محمود هنا , نظريات التعليم , علم المعرفة ,الكويت, سنة1990,الجزء الثاني , ص8 [7] (

)- مصطفى حركات , اللسانيات العامة و قضايا العربية, ص 9 [8] (

) - نعمان بو قرة , المدارس اللسانية المعاصرة , مكتبة الأداب , القاهرة ,2004 , ص 70[9] (

) المرجع نفسه ص: 28[10](

(11)- منضمة الأمم المتحدة للعلوم و الثقافة اليونيسكو : تقدم اللسانيات في الأقطار العربية،دار المغرب الإعلامي, الرباط ,1987,ص: 11 بتصرف

) إبراهيم مصطفى,إحياء النحو ,دار الكتاب الإسلامي, القاهرة , ط 2 , ص 1 . [12](

) نعمان بوقرة , المدارس اللسانية المعاصرة, مكتبة الآداب , القاهرة,ص9.[13] (

) محمد حسن عبد العزيز , مصادر البحث اللغوي , دار الكتاب الجامعي, الكويت , ط1,سنة 1997, ص 73[14] (

)- في حوار أجراه مع الدكتور مازن الوعر, مجلة التراث العربي , اتحاد الكتاب العرب , ص18 , العدد 48, السنة 1992.[15] (

)- د: شوقي ضيف, تجديد النحو, دار المعارف, القاهرة , ط 5 ,سنة 2003 , ص 3. [16] (

)- د: سلوى محمد أحمد عزازي , النحو العربي و أساليب الترغيب فيه, المكتبة الالكترونية, سنة 2006 , ص4,3,2 بتصرف[17] (

)- عبد السلام المسدي , اللسانيات و أسسها المعرفية , المكتبة الفلسفية,الدار التونسية للنشر, المؤسسة الوطنية للكتاب,ص13,14[18] (

)- الوحدات الدلالية نفسها هي القطع الدلالية من كلمات وجمل.[19] (

)- نعمان بوقرة , المدارس السانية الحديثة,مكتبة الآداب , القاهرة , ص 10[20] (

([21])- المعيارية هي بنفس مفهوم التقريرية prescriptive) ) الذي يقوم فيه الباحث بإبداء رأيه من الصحة
أو الخطأ.

hano.jimi
2011-09-25, 11:34
13 مايو, 2011
العضو
lamiaken
الكتابة اللسانية العربية وإشكاليات المصطلح التداولي
الكتابة اللسانية العربية وإشكاليات المصطلح التداولي ------------------------------------------------------------------------------------ د. نعمان بوقرة جامعة الملك سعود- الرياض- المملكة العربية السعودية namanboug@hotmail.com ------------------------------------------------------------------------------------ قال الجاحظ: « لا بد للترجمان من أن يكون بيانه في نفس الترجمة في وزن علمه في نفس المعرفة ، وينبغي أن يكون أعلم الناس باللغة المنقولة والمنقول إليها حتى يكون فيهما سواء وغاية (...) ، وكلما كان الباب من العلم أعسر وأضيق والعلماء به أقل كان أشد على المترجم وأجدر أن يخطئ فيه ، ولن تجد البتة مترجما يفي بواحد من هؤلاء من العلماء » ([1]). توطئة لقد أثمر الفكر التداولي الحديث في سياق التطور النظري للسانيات والفلسفة الحديثة ، وبتفاعل معرفي ومنهجي مع المسألة الأدبية وقضايا تحليل الخطاب ثلة من المصطلحات والمفاهيم التي تسارع نموها وانتشارها في الأوساط البحثية الغربية، حتى أضحى تعددها وتداخلها من أخص خصائص الفكر العلمي الحديث في تجلياته العولمية، وكان لهذا المشهد أثره في توجيه الكتابة اللسانية العربية في البعد التداولي في مستوى عرض النظريات والتمثيل لها من اللغة العربية، أو على الصعيد التعليمي الذي حاول استيعاب المعرفة اللسانية الحديثة وتبسيطها للقارئ العربي، وجريا وراء هذه الغاية كان لابد من السعي إلى تذليل العقبة الاصطلاحية التي أدت أحيانا إلى سوء فهم وعرض للمفاهيم الأساسية التي تعد مداخل بنائية للمعارف، وربما تحاول هذه الدراسة تسليط الضوء على بعض جوانب المشكلة من خلال عرضها وتحليلها لعينة من المصطلحات التداولية المستعملة باطراد أو بشذوذ عند رواد الكتابة اللسانية التداولية العرب ، من أمثال: طه عبد الرحمن ، ، ومحمد الشاوش، وفالح العجمي،وأحمد المتوكل، والحواس مسعودي ،و خولة طالب الإبراهيمي وغيرهم ناهيك عن إمكانية الانخراط في توصيف ما قدمه بعض المترجمين العرب الذين قدموا أعمالا غربية إلى القارئ العربي، من أمثال محمد لطفي الزليطني، وأحمد نور عوض وغيرهما ، وهذا بالتركيز على أسس الوضع الاصطلاحي، ومشكلات الفهم المترتبة عن الفوضى الاصطلاحية التي تميز بها الكتابة اللسانية العربية في وضعا الراهن. لسانيات العربية ومشكلة المصطلح إن الخطوة الأساسية لأي نظام معرفي تتمثل في تحديد موضوعات المعرفة فيه ، مما يعني السعي إلى تحديد الحدود والتعريفات المرتبطة بذلك النظام وصياغتها في قوالب مصطلحية ، تعد مفاتيح العلم المقربة لقضاياه ونظرياته ، فالمصطلحات مجامع للحقائق المعرفية وعنوان ما به تتميز كل واحدة منها عما سواها ، وليس من مسلك يتوسل به الإنسان إلى منطق العلم غير ألفاظه الاصطلاحية ([2]) فالمصطلحات من حيث هي مفاهيم مفردة أو عبارات مركبة استقر معناها بالاستخدام تكتسب وجودها الشرعي في بيئتها بمقدار التحديد الذي توسم به فيجعلها تعابير خاصة و ضيقة في دلالتها على الفكرة الواحدة ، فيتحقق لها وضوحها ومن ثم اطّرادها ([3])، هذا وقد عدت اللسانيات بمختلف مجالاتها البحثية الموضوع المفضل بالنسبة إلى المترجمين والنقلة ، فكثرت الأبحاث التعريفية بالعلم والمنتهجة لسبيل التيسير والعرض، وإذا كانت الدراسات اللسانية العربية الحديثة قد بذلت جهدا لا يستهان بها في أقطار عربية من أبرزها منطقة المغرب العربي ولبنان ومصر التي تولت جانب الترجمة والكتابة التعريفية فإن ما بذل من جهود لا يمكن أن يحقق الطموح في نضج هذا العلم ناهيك عن المشاركة الفعلية في إثرائه فلم نتعد بعد إطار التعليم وتقريب العلم واكتشافه ،وعقد الصلة الحميمة بينه وبين المثقف العربي لكي يتذوق هذا العلم الحديث ويلم به ([4]).لقد أدرك اللسانيون العرب المحدثون أهمية هذا العلم وضرورة الإلمام بأسبابه إلماما واسعا والإحاطة بنتائجه إحاطة شاملة بغية تقويم العمل اللغوي العربي القديم ([5]) ، ولهذا لم يتوانوا في التعريف بهذا العلم والقيام بترجمة المؤلفات اللسانية المهمة ، فالاهتمام بالألسنية في العالم العربي بصورة عامة أمر حديث العهد نسبيا ، إذ لا نكاد نجد منه أمرا يذكر قبيل الستينيات سواء في ميدان التدريس أو البحث ([6])، وفي السياق ذاته يقدم عبد الرحمن الحاج صالح وصفا للحالة اللسانية العربية فيقول : » يتصف البحث العلمي في اللغة العربية في زماننا هذا بصفات جد سلبية، بالإضافة إلى ما يعرفه العصر من تكنولوجيا حديثة تطبق على البحوث اللغوية بنجاح تام في البلدان الراقية ، ويعرف كل واحد البطء الذي يسير به وضع المصطلحات وإقرارها وحرفية هذا العمل وفرديته ومشكل ذيوع هذه المصطلحات في الاستعمال « ([7]) .وفي هذا السياق التعريفي كثرت المصطلحات اللسانية في ميدان بسط المفاهيم المحدثة في هذا العلم الغض في ثقافتنا اللغوية المعاصرة إذ لا يتجاوز عمره في كثير من البلاد العربية عشرين سنة[8] وفي بعضها الخمسين مثل مصر وبلدان المغرب العربي،وكان لهذه التعددية الاصطلاحية المرتبطة رأسا بتعددية المصدر والاستمداد أثرها في المستوى التطبيقي، فاختلفت أنظار الباحثين في سياق استثمار المفاهيم اللسانية المحدثة في إعادة وصف اللغة العربية ،ونقد التراث اللغوي والنحوي بشكل خاص، إلى الحد الذي جعل من الفكر اللغوي العربي القديم رهين محابس النظريات الغربية المعاصرة فمرة هو بنوي في عيون أنصار هذا الفكر ومرة هو توليدي وأخرى هو تداولي وظيفي!!، لقد وقع الفكر اللغوي العربي في أزمة هوية الذات، فكان المشكل الاصطلاحي عنوانا ظاهرا لهذا المشهد المرتبك الذي حاول الخطاب اللساني العربي الوصفي التعبير عنه ، مبينا أسبابه ومحاولا اقتراح الحلول ،وهو وصف في نظرنا ثابت لا خلاف حوله إلا في العبارة،ولنا أن ننظر فيما كتبه أحمد مختار عمر وسمير ستيتية و مازن الوعر و عبد الرحمن الحاج صالح وعبد القادر الفاسي الفهري[9] وعبد السلام المسدي وغيرهم ممن سبقهم أو جاء بعدهم سعى إلى مناقشة المسألة الاصطلاحية في اللسانيات بوصفها العقبة الكأداء التي تواجه مشروعية استقرار العلم في المؤسسة العلمية العربية،وفي هذا السياق يذهب تمام حسان إلى أن الذين تصدوا للكتابة اللسانية بعامة ووضع مصطلحاتها بخاصة لم ينتبهوا إلى ضرورة النظر في المحاولات السابقة مما أدى إلى افتقاد شرط العرفية الواجبة للمصطلح ، ومن ثم التشتت والتعدد اللذين يمثلان أكبر خطر يواجه مستقبل العربية[10]،إن هذا التصور على ما يقرره حمزة المزيني يصرف المسألة الحضارية عند العرب من سياقها الحقيقي المتمثل في متابعة الاكتشافات العلمية والمساهمة فيها إلى الغرق في موجة المواضعات الاصطلاحية فتتحول أزمتنا الحضارية إلى أزمة في المصطلح[11]، وبوجه عام يمكن أن ترد المشكلة الاصطلاحية في الخطاب اللساني العربي المعاصر إلى الأسباب الآتية : 1-التحيز اللغوي، وارتباطه بالتعصب المدرسي و الجهوي، وهذا السبب في نظرنا تؤطره عقلية القبيلة التي تهيمن على التفكير والموقف العربي العلمي. 2-مشكلات تتعلق بإجرائية الوضع الاصطلاحي من حيث كيفية التعامل مع المفاهيم المستحدثة في اللسانيات بعامة واللسانيات التداولية بخاصة، ولعل سبب هذه المشكلة بالذات يعود إلى طرائق التوليد الدلالي التي تنماز بها اللغة العربية فقد ألمع الأوائل إلى آليات شتى تتطور بها اللغة مثل الدخيل و الاشتقاق والنقل المجازي والنحت والشرح المعنوي وتعريب المصطلح أو الاقتراض المعجمي أو الاستعارة[12]، وغيرها مما أخذ به المحدثون فظهرت للوجود مترادفات عديدة بإزاء المفهوم الواحد ربما وصلت إلى حد التعارض والتضاد[13] ، وخروجا من هذا المأزق طفق بعض المتحمسين إلى الابتكار الفردي علّهم يقعون على المراد غافلين عن حقيقة مهمة هي أن المطرد في الاستعمال والشائع على الألسنة والدارج في الكتابة أفضل من المبتكر من حيث الجانب الوظيفي بالرغم من سلامة إجراءات وضعه الفنية[14] ،ناهيك عن كون الاصطلاح مرتبط رأسا بالحاجة إليه أثناء الاختراع أو اكتشاف الحقائق العلمية،يقول المزيني :"إن المصطلح وليد مهارة التخيل والإبداع عند واضعه ، وليس وليد شروط لغوية معينة تلزم باقتراحه بدل غيره"[15]، ولنا فيما عرضه عبد الملك مرتاض في كتابه "نظرية القراءة" الشاهد الحيَ على ما نقول إذ لم يكتف بنبذ ما هو شائع من مصطلحات لسانية متداولة في ميدان اللسانيات وتحليل الخطاب بل راح يضع بدائل عنها مثل : السيمائية وجمعها السيمائيات عوضا عن السيميائية والسيمياء[16]، والسمة بمعنى (signe) عوضا عن الدليل ، والمماثل عوضا عن الأيقون والشعريات قياسا على اللسانيات بدلا عن الشعرية في مقابل المصطلح الأجنبي (la poetique) ذلك إن الشعريات نشاط نقدي يسعى إلى فهم وظيفة الكتابة الشعرية بينما تعني الشعرية جملة المواصفات التي تتلمس في نص شعري ما [17]، والتقويضية بدلا عن التفكيكية [18] ، 3- ضعف الاتصال الثقافي بين الأقطار العربية وواقع التبادل العلمي الجامعي العربي شاهد حي على هذه الوضعية، وهذا ما يمكن أن نسمه بالنعرة القطرية الضيقة[19]. 4- غياب المرجعية العلمية في اللسانيات إذ يفترض وجودها باعتبارها تقليدا راسخا في الحضارات الأخرى، واعتقاد البعض أن القواميس المصطلحية المتخصصة يمكن أن تحل محل هذه المرجعية العلمية، وهذا التصور علته عدم فهم الغاية من صناعة المعجمات[20]. 5-غياب سياسة لغوية شاملة ، وتخطيط علمي يضع ضمن أهم اهتماماته توحيد الخطاب اللساني العربي في مستوى تداول النظريات والمصطلحات[21]، ولعل أهم خطوة عملية في سبيل حل هذه المشكلة دعوة الجامعات والأفراد إلى تسويق جهودهم العلمية في ميدان المصطلح اللساني التداولي بخاصة واللساني بعامة عبر شبكةالانترنيت الدولية ، أو من خلال استحداث بنوك معلوماتية تتيح للدارسين الإطلاع على ما جد من كتابات وابتكارات اصطلاحية تفي بتلافي التكرار والتعددية السلبية. 6 - اعتباطية العمل عند الكثير من اللغويين ، أي عدم خضوعه لضوابط علمية ، وذلك بعدم مراعاته لمعطيات العلوم اللسانية الحديثة بصفة خاصة ، ومنهجية العلوم الاجتماعية بصفة عامة . 7 - حرفيته ، أي اقتصاره على البحوث الفردية ، التي هي أشبه شيء بالصناعات التقليدية يعتمد فيه على المعالجة اليدوية كالنظر الجزئي في القواميس والاقتصار على جرد العديد من المعلومات بالأيدي العزلاء ، بالإضافة إلى عدم شموليته بعدم الرجوع إلى كل المصادر العربية التي يمكن الاستقاء منها بخاصة المخطوط منها ،وجميع المراجع الأجنبية التي يمكن استغلالها لتحديد المفاهيم الحديثة ([22]) . 8 - اتساع المجال المعرفي للسانيات في توجهاتها النصية والتواصلية وتعدد مستوياتها وفروعها ، وما يفرضه ذلك على المصطلح من تعدد وجوه الاستعمال ، والدخول في مجالات بعيدة عن مركز الاختصاص في اللغة ، على عكس العلوم الأخرى التي ما فتئت تضيق من مجالاتها ، وتحدث علوما فرعية مشتقة منها[23] . المصطلح اللساني و مشكلات الترجمة والوضع لقد كان لحركة الترجمة التي ظهرت بوادرها في المجال اللساني مع الأربعينات من القرن المنصرم آثار سلبية على نمو المصطلح اللساني ووضوحه في الكتابة اللسانية العربية بعامة والكتابة التداولية بخاصة ، ولعل من المشكلات الأساسة التي عاناها المصطلح في أطوار تشكله الزخم الهائل من الألفاظ المصطلح عليها من لدن الأفراد غالبا وأحيانا من طرف بعض المؤسسات العلمية التي لم تكتسب شرعيتها الكافية تلبية للحاجة العلمية الملحة نحو تحديد المفاهيم اللسانية الحديثة والمتجددة في اللسانيات الغربية بشقيها الأوربي والأمريكي ،مما يعكس تعدد المشارب المدرسية والنزعات الفكرية التي تجتذب المصطلح يمنة ويسرة فينشأ المصطلح اللساني في وسط ألماني ثم ينمو ويترعرع في أماكن أخرى فرنسية أو إنجليزية أو روسية تضفي عليه ضلالا جديدة من التحديد المفهومي غير تلك التي اكتسبها أثناء ولادته الأولى ، ناهيك عن سرعة تطور المعرفة اللسانية المعاصرة ، وتشعب قضاياها المعرفية والتطبيقية إلى درجة يعجز فيها المفكر العربي التابع على مواكبة المستجدات ، فينحرف به المسار إلى مناقشة جدوى الأخذ بهذه المعرفة أو تركها ، كما أن تراكب الأدوات التعريفية والمفردات الاصطلاحية يثيرا مشكلات جمة على صعيد الوضع الاصطلاحي نفسه ،كل ذلك قد تضافر، فعقّد المصطلح اللساني بعامة ،والتداولي بخاصة ، فجعله إلى الاستعصاء والتخالف أقرب إلى التسوية والتماثل ([24]) ، وربما وقفت هذه المشكلات في نظر الواصف للكتابة اللسانية العربية أمام كفاية العلم الإنتاجية ، وتزداد المشكلة تعقيدا إذا ما حاول الباحث تشريحها في العملية التعليمية ، فالخطاب التعليمي في الجامعات العربية يشهدا مأساة في تلقين اللسانيات وفروعها ، تزداد المأساة عمقا بتشعب تفاصيل المعرفة نحو التداوليات والسيميائيات والأسلوبيات وتحليل الخطاب واللسانيات النصية وغيرها فترجمة المصطلح اللساني بعامة والتداولي بخاصة في نمو متزايد من حيث الكم والتعدد[25] إلى درجة يمكن أن ننعت بها هذا المشهد بكونه حالة من البربرية اللغوية [26] غير أن ما يمكن الزعم به كونها نشأت نشأة عشوائية فردية ، بحيث يقترح كل باحث بشكل فردي قائمة المصطلحات دون أن يعتمد في ذلك طريقة علمية مدروسة ، معتمدا حدسه الشخصي والرجوع إلى المعجمات اللغوية ، التي لا تقدم إليه سوى جانبا لغويا محضا من الكلمة ، ذلك أن المصطلحات العلمية تتحدد دلالتها وعباراتها في إطار نظرية متكاملة، وهي لا تظهر إلا بوصفها عناصر متكاملة للنظرية ، ومن ثم، فإن المصطلح الذي يكوّنه ذلك التخصص هو جزء من منظومة اصطلاحية كاملة ([27]) . نشأة المصطلح التداولي في الخطاب اللساني العربي الحديث غني عن الذكر أن يشار إلى أن نشأة المصطلح اللساني العربي تعود إلى أيام رفاعة رافع الطهطاوي ، ثم شق طريقه نحو التطور والتجذر في الساحة العلمية العربية، فظهرت الدراسات المستفيضة التي تبتغي معالجة مسائل توليده وتشكيله وآليات توظيفه في البحث العلمي والعملية التعليمية[28]،ثم طفقت الدراسات اللسانيات في المشرق العربي ومغربه تتعدد وتتكاثر مشكلة ملامح خطاب لساني عربي تمهيدي يعرف باللسانيات موضوعا وعلما مستقلا ، ومع هذه النشأة توالدت من رحم الكتابة اللسانية العربية مئات المصطلحات اللسانية حاولت الجهود المعجمية الفردية والمؤسساتية استيعابها من خلال عشرات المعاجم المتخصصة في المصطلح اللساني[29]،هذا وقد شقت هذه المصطلحات طريقها في عباب الاختلافات المذهبية والنظريات المختلفة التي توسلت اللغة موضوعا للدراسة من نواحيها الشكلية والوظيفية ، وفي هذا السياق الوظيفي الذي يعطي للبعد الاستخدامي التداولي الأهمية في حركية اللغة نشأ المصطلح التداولي بكل حمولاته المعرفية والفلسفية والإجرائية متأثرا بالمصطلح التداولي الغربي الذي نشأ بين أحضان الفلسفة الوضعية التحليلية في إكسفورد ثم شق سبيله نحو معانقة اللغة في مظهرها العادي ، معبرا عن أهم المفاهيم التي تصف كيفية استخدام المتكلمين للعلامة اللغوية قصد التعبير عن أفكارهم والتأثير في المستمعين[30].وفي الثقافة اللسانية العربية المعاصرة يرجع الفضل في تشكيل وتمكين مصطلح التداولية مصطلحا دالا على العلم (la pragmatique) إلى المفكر المغربي طه عبد الرحمن في بداية السبعينات من القرن المنصرم مفضلا إياه على الترجمة الحرفية التي ظهرت في بعض الكتابات العربية[31].لقد اختلف الدارسون في تحديد المصطلح الرئيس الدال على هذا المجال العلمي من اللسانيات الحديثة أي (اللسانيات التداولية) ، فقد وردت مصطلحات مختلفة في دراسات أساسية تعرف بهذا الموضوع أي (pragmatics) أو ( pragmatique)، مثل :التداولية ، التداوليات ، الذرعية ، الذرائعية ، مذهب الذرائع ، النفعية ، المقاميية ، السياقية ، البراغماتية ، البراجماتية[32] ، البراغماتكس ، البراغماتزم ، البراكماتية[33] وعلم التخاطب و دراسة استعمالية [34]غيرها ، وربما قاد هذا الاختلاف الاصطلاحي إلى الانصراف عن مضمون هذا المجال العلمي من حيث موضوعه وإشكالاته البحثية، وعلاقته بالدرس اللساني المعاصر، وما يمكن أن يفاد منه في دراسة التراث العربي ، وتحليل الخطاب لقد سلك كثير من الدارسين في مقابلتهم للمصطلح اللساني التداولي منهجا واحدا بقوم على كتابة المصطلح الأجنبي الإنجليزي أو الفرنسي بالحروف الغربية مقترنا بالترجمة المقترحة ،من مثل ما يلاحظ في ترجمة سعيد حسن بحيري لكتاب فان دايك ، علم النص ، مدخل متداخل الاختصاصات [35] اضطراب الدلالة الاصطلاحية لو جاز لنا التغاضي عن المشكلة الاصطلاحية في مستواها اللفظي فإنه لا يجوز لنا ذلك حينما يتصل الأمر باضطراب الدلالة التي يشير إليها المصطلح[36] ، وما ذاك الاضطراب إلا لعدم التمييز أحيانا كثيرة بين المعنى المعجمي الوضعي والمعنى الاصطلاحي المؤطر بالسياق ،وهذا بالاعتماد على ما تقدمه المعاجم العامة من تحديدات مفهومية عامة غير مؤطرة بأسباب استعمال المفهوم ثقافيا وعلميا[37] ،ومن الاضطراب الذي يلحق الدلالة الاصطلاحية ما ينجم بسبب اللجوء إلى التعبير عن المصطلح بجملة بدل وضع لفظة واحدة مما يعني الإبقاء على المصطلح الأجنبي في الاستعمال، ومن أمثلة العبارات الشارحة المفسرة لدلالة المصطلح التداولي الأجنبي ما وضع بإزاء مصطلح (acte perlocutoire) عمل التأثير بالقول[38]،والفعل الاستلزامي عند بحيري و لازم فعل الكلام[39] ، ويشاركه في هذه الترجمة عبد القادر قنيني في ترجمته لكتاب "النص والسياق" لفان دايك[40]،وما وضع بإزاء المصطلحات الدالة على الفعل اللغوي عند أوستين،(verdictifs) الأفعال الدالة على الحكم و(exercitifs) الأفعال الدالة على الممارسة و(commissifs) الأفعال الدالة على الوعد و(conductifs) الأفعال الدالة على السيرة[41] ناهيك عن غرابة مصطلحيالممارسة والسيرة في الاستعمال اللساني العربي في سياق التعريف بنظرية أوستين.ومن الجونب المتصلة باضطراب الدلالة الاصطلاحية الخلط بين الوضع الاصطلاحي القديم وما يشي به من معنى خاص والوضع الاصطلاحي المحدث في ميدان اللسانيات بعامة والتداوليات بخاصة ، وليس أدل على هذا الخلط من محاولة الجمع بين مفهوم الإنشاء في التراث العربي والفعل الإنشائي بالرغم من اختلاف الأسس الفلسفية التي أقيم عليها كلا النظرين مما يعلمه كثير من الدارسين ، وفي هذا السياق يظهر مصطلح نظرية الإنشاء مقابلا للمصطلح الأجنبي (la theorie des performatifs) ومصطلحا الإنشاء الصريح(performatif explicite) و الإنشاء الأولي( performatif primaire)[42]،وفي هذا السياق لابد من يشار إلى أن محاولة الربط بين المصطلح التراثي ونظيره الأجنبي في الرؤية العامة والاستخدام ممكن لمن توضحت لديه الفروق السياقية المؤطرة لفعل النشأة المصطلحية[43] ، واتساقا مع هذه الرؤية نفسها يمكن الاستئناس بما ذهب إليه مصطفى غلفان من أن وضع المصطلح يقتضي بالضرورة الرجوع إلى السياق الطبيعي الذي وردت فيه ضمن إطار نظرية لسانية معينة [44]،وعلى صعيد آخر تجدر الإشارة إلى وجود نوع من التداخل المصطلحي في الثقافة اللسانية الغربية نفسها إذ يبدو أن مصطلحات تداولية مهمة لم يقع اتفاق على ترجمتها في اللغات الأوربية ذاتها فقد اختلف اللغويون في فرنسا في ترجمة المصطلح الإنجليزي (speech acts) إذ ظهرت مقبلات متعددة مثل: (les actes de langage) و(les actes de parole) و (les actes de discourse) ونجم عن ذلك تعدد في ترجمة هذه المصطلحات إلى العربية فقد ترجمت على التوالي إلى : أفعال لغوية ، أفعال كلامية ، أفعال خطابية ، أعمال لغوية ، أعمال كلامية ، أعمال خطابية[45]،ويذهب بعض الدارسين العرب إلى إمكان استعمال الأعمال القولية والأعمال الكلامية[46]. إن نظرة عابرة في بعض الكتابات اللسانية العربية التي عنيت بالتعريف بالفكر التداولي وقضاياه الراهنة تكشف عن تعددية في استعمال المصطلح في المستوى اللفظي ، والمضموني كذلك ، والجدول التالي يصف هذه الصورة[47]: المقابل العربي المصطلح الأجنبي تداولية ، نفعية ، براجماتية، براكمتية، سياقية ، مقامية ،علم المقاصد، دراسة استعمالية ،ذريعيات[48] ، تداوليات ، علم اللغة الذرعي[49] ، علم اللغة الذرائعي ، مذهب الذرائع ، اللسانيات التداولية. Pragmatique/Pragmatics-Pragmatik فعل كلامي – عمل كلامي-فعل لغوي[50]- عمل لغوي-عمل قولي[51] Act de Parole-act de langage- إنشائي- إنجازي- إيقاعي- فعل الإنشاء- فعل أدائي_ فعل إخباري[52] performatif تأثير بالقول- تأثيري- العمل اللاقولي- فعل التأثير Perlocutoire تسجيلي constatif حديث- كلام Parole لا قولي – متضمن في القول Illocutoire مفهم Conceptualiser مضمر القول- Sousentendu العمل القولي Acte locutoire البعد الذرائعي pragmatitien usage استعمال[53] Presupposition الافتراض المسبق verdictifs الأفعال الدالة على الحكم- الحكميات exercitife الأفعال الدالة على الممارسة-الإيقاعيات- الإنفاذيات commissifs الأفعال الدالة على الوعد- الوعديات conductifs الأفعال الدالة على السيرة- السلوكيات L acte de locution عمل القول- فعل القول Acte d illocution عمل مقصود بالقول Acte de perlocution عمل التأثير بالقول- الناتج عن القول Enunciation فعل القول[54] التبيينيات Assertives التقريريات Directives الأمريات- الطلبيات declaratives الإيقاعيات expressives البوحيات[55] Argumentation theorie نظرية الحجاج[56]- الحجاج Argumentation استدلال -احتجاج[57] الخاتمة إن الحاجة إلى توحيد المصطلح أصبحت ملحة إلى أقصى درجاتها، بخاصة ونحن في عصر الإنترنيت ، وهو ما من شأنه تسهيل الاتصال وبناء الروابط بين اللسانيين والمترجمين العرب ليتبادلوا تجاربهم في هذا المجال ، وهو ما من شأنه تقليص الفوارق والاختلاف ، على أننا نشايع من ذهب إلى أن وضع المصطلح بعامة واللساني منه بخاصة ليس رهين مواصفات مواضعاتية معينة بل هو خاضع للاستعمال العادي للغة في تعبيرها عن المفاهيم العلمية بكل سلاسة وطلاقة لا يجيدها كثير من اللغويين ، أن ما أدى إلى انتشار اللغة العربية في عصرها الذهبي ليس مرده إلى تسامح معجمها اللغوي مع كل لفظة جديدة فحسب بل للريادة العلمية والعملية التي كانت للحضارة الإسلامية في ذلك الزمان. الهوامش والإحالات: [1] - الجاحظ ، الحيوان ، ج 5 ص 289 . [2] - عبد السلام المسدي ، قاموس اللسانيات ، الدار العربية للكتاب ، تونس ، ليبيا ، 1984 ، ص 11،وانظر إدريس الطراح ، تحديد مفهوم المصطلح ، ضمن قضايا المصطلح في الآداب والعلوم الإنسانية ، إعداد عز الدين البوشيخي ومحمد الوادي ، سلسلة الندوات ، جامعة مولاي إسماعيل ، مكناس ، المغرب ، 12 ، 2000 ، 1/91. [3] - محمود فهمي حجازي ، الأسس اللغوية لعلم المصطلح ، ص11 وانظر مصطفى طاهر الحيادرة ، من قضايا المصطلح اللغوي العربي، ص13 وعبد الرحمن بن حسن العارف ، في المصطلح اللغوي عند تمام حسان ، مجلة علوم اللغة ، العدد الأول ، مجلد 10 ، 2007 مطبوعات دار غريب ، مصر، ص11 . [4] - أحمد يوسف ، اللسانيات وواقع اللغة العربية ، ص 258 . [5] - صالح الكشو ، مدخل في اللسانيات ، الدار العربية للكتاب ، تونس - ليبيا ، 1985 ، ص 05 [6] - صالح القرمادي ، مقدمة ترجمة كتاب "دروس في الألسنية العامة "لسوسير، الدار العربية للكتاب تونس - ليبيا ، 1985 ، ص 08 . [7] - عبد الرحمن الحاج صالح ، اللغة العربية وتحديات العصر في البحث اللغوي وترقية اللغات ، ص 25. [8] - أحمد محمد قدور ، من أثر اللسانيات في الدرس اللغوي العربي ومناهجه ، المجلة العربية للعلوم الإنسانية ، الكويت ، عدد27 ، مجلد 7 ، صيف 1987 ، ص158 و167.وانظر أحمد محمد قدور ، اللسانيات وآفاق الدرس اللغوي ، دار الفكر المعاصر ، بيروت ، ودار الفكر ، دمشق ، ط1 ، 2001، ص15. [9] - انظر على التوالي الأعمال التالية ، سمير ستيتية ، نحو معجم لساني شامل موحد، مجلة أبحاث اليرموك ،جامعة اليرموك ، إربد ،عدد2 ، مجلد ،10، سنة 1992، ص143 -193وأحمد مختار عمر ، المصطلح اللسني وضبط المنهجية ، مجلة عالم الفكر ، الكويت ، عدد3 ، مجلد 20،1989،ص5-24 ومازن الوعر ، أزمة اللسانيات واللسانيين في الوطن العربي ، مجلة المعرفة ، دمشق ، العدد251، 1983 ، ص52-108 وانظر محمد رشاد الحمزاوي ، مشاكل وضع المصطلحات اللغوية ، أشغال ندوة اللسانيات ، تونس ، 1981 ، ص259 وعبد السلام المسدي ، قاموس اللسانيات ، ص11-96.هذا ولا ننس جهود اللغويين الأوائل من جيل الرواد أمثال محمود السعران وكمال بشر وعبد الصبور شاهين فقد كانت لهم جهودهم المشهودة في وضع المصطلح والدفع به نحو النضج والتطور . [10] - تمام حسان ، مقالات في اللغة والأدب ، 2-330-332 [11] - انظر تعليقه على كلام محمد رشاد الحمزازي في كتابه التحيز اللغوي وقضايا أخرى ، كتاب الرياض ، 125 ، مؤسسة اليمامة الصحفية ، 2004 ، ص204 [12] - محمود فهمي حجازي ، الأسس اللغوية لعلم المصطلح ، ص226 ومحمد رشاد الحمزاوي ، مشاكل وضع المصطلحات اللغوية ، ص265،وانظر حمزة بن قبلان المزيني ، التحيز اللغوي وقضايا أخرى ، ص206-207، وانظر في أهمية الاستعارة في بناء المصطلح :Anne Eisenberg,****phor in the ******** of science,scientific American,vol.266,no.5,May,1992,p95 [13] - يمكن التمثيل في هذا السياق بترجمتين مختلفتين لمصطلح واحد في الدرس السيميائي المعاصر وهو (Narataire)الذي ترجمه عبد الملك مرتاض بالمتلقي أو المسرود له وترجمه محمد أديوان بالراوي فأيهما أصح بالنسبة للقارئ العادي؟ ، انظر عبد الملك مرتاض ، نظرية القراءة ، ص168 وانظر محمد أديوان ،الفكر العربي المعاصر ، عدد60-61 ، بيروت ، 1989 [14] - أحمد محمد قدور ، اللسانيات وآفاق الدرس اللغوي ، ص27ربما ما حمل على هذه الاجتهادات دقة المصطلح الأجنبي الذي لم تستطع اللغة المترجم إليها استيعابه لعدم كفايتها الدلالية في هذا الجانب في الوقت الراهن ، انظر محمود السعران ، علم اللغة ، ص26. [15] - حمزة المزيني ، التحيز اللغوي ، ص209 [16] - يذهب مرتاض إلى أن الكلام العربي كما هو غيره قائم على التيسير في النطق والاقتصاد وكثيرا ما يسكن الناطق العربي الأول الميم فيجمع بين ساكنين لطول الكلمة المذكورة والتي لم يؤت منها في العربية إلا بثلاثة أمثلة ، انظر نظرية القراءة ، ، تأسيس للنظرية العامة للقراءة الأدبية ، دار الغرب للنشر والتوزيع ، 2003 ، ص32 [17] - عبد الملك مرتاض ، نظرية القراءة ن ص170. [18] - المرجع نفسه ، ص206 ويذهب في هذا السياق إلى أن مصطلح التقويض هو الأكثر دلالة على أصل المعنى الفلسفي عند جاك دريدا فهو تقويض يعقبه بناء على أنقاضه بينما تدل كلمة التفكيكية على عزل قطع جهاز عن بعضها البعض دون إيذائها كتفكيك قطع محرك ، والخيمة في العربية تطب إذا بنيت وتقوض إذا أسقطت أعمدتها [19] - حمزة المزيني ، التحيز اللغوي وقضايا أخرى ، ص214 [20] - المرجع نفسه ، ص216 [21] - في قضية تعريب المصطلح والدعوة إلى توحيده يمكن مراجعة عباس الصوري ، بين التعريب والتوحيد ، ضمن قضايا المصطلح في الآداب والعلوم الإنسانية ن 1/99 وما بعدها . [22] - عبد الرحمن الحاج صالح ، اللغة العربية وتحديات العصر ، ص 25 - 26 .وانظر أيضا أمينة فنان ، من قضايا توليد المصطلح ، ضمن قضايا المصطلح في الآداب والعلوم الإنسانية ، 1/68 [23] - حمزة المزيني ، التحيز اللغوي وقضايا أخرى ، ص217 [24] - عبد السلام المسدي ، قاموس اللسانيات ، ص 55 . [25] - يمكن الرجوع في سياق مشابه إلى عبد الرحيم الرحموني ، من قضايا ترجمة المصطلح الأدبي ، ضمن قضايا المصطلح في الآداب والعلوم الإنسانية ، 2/21 [26] - حمزة المزيني ، التحيز اللغوي وقضايا أخرى ، ص218 نقلا عن مقالة ليندا هيتشيون [27] - محمود فهمي حجازي ، الأسس اللغوية لعلم المصطلح ، دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع ، القاهرة ( د . ت ) ، ص 13 . [28] - عبد الرحمن بن حسن العرف ، في المصطلح اللغوي عند الدكتور تمام حسان ، ص11 [29] - محمد حلمي هليل ، دراسة تقويمية لحصبلة المصطلح اللساني في الوطن العربي ،ضمن ندوة تقدم اللسانيات في الأقطار العربية ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت ، ط1 ، 1991 ص 287. [30] - المصطلح التداولي مدين في نشاته للبراغماتية ونظرية أفعال الكلام التي ظهرت على يد وليام جيمس وشارل موريس وشارل سندريس بيرس ثم أوستين وسيريل وكارناب ولودفيج فتجنشتين ، وتعني التداولية (Pragmatique) دراسة استعمال اللغة في الخطاب ، شاهدة في ذلك على مقدرتها الخطابية فهي إذن تهتم بالمعنى كالدلالية وبعض الأشكال اللسانية التي لا يتحدد معناها إلا من خلال استعمالها ،وعرفها " فرانسيس جاك (f.jak" بقوله : ”تتطرق التداولية إلى اللغة الخطابية والتواصلية والاجتماعية معا “ ،فاللغة استعمال بين شخصين للعلامات استنادا إلى قواعد موزعة تخضع لشروط إمكانية الخطاب ، وفي الدرس النقدي العربي يعرفها صلاح فضل بأنها ذلك الفرع العلمي المتكون من مجموعة العلوم اللغوية التي تختص بتحليل عمليات الكلام بصفة خاصة، ووظائف الأقوال اللغوية وخصائصها خلال إجراءات التواصل بشكل عام،فاللسانيات التداولية تخصص لساني يدرس العلاقة بين مستخدمي الأدلة اللغوية (المرسل، المرسل إليه) وعلاقات التأثر والتأثير بينهما في ضوء ما ينتجانه من تحاور متصل، مما يعنى كونها علما تلفيقيا أو موسوعيا يجمع بين اختصاصات متعددة ، فليست التداولية بهذه المفاهيم المتعددة علما لسانيا صرفا يقف عند البنية الظاهرة للغة بل هي على ما يؤكده جاك موشلار(J.Mochlar) علم جديد للتواصل يسنح بوصف و تحليل وبناء إستراتجيات التخاطب اليومي والمتخصص بين المتكلمين في ظروف مختلفة . [31] - استخدم هذا المصطلح سنة1970للدلالة على البراكسيس(praxis) ،ولهذا المصطلح مقابلات عربية أخرى أقل شهرة في نظرنا مثل الذرائعية والنفعية والتخاطبية والمقاماتية والوظائفية لما يتضمنه مصطلح تداول من دلالة على التفاعل والواقعية والممارسة والتعالق وكلها معان يسعى هذا العلم إلى استكشافها في نظام اللغة واستعمالها، أما المعنى المعجمي للتداولية فهو الانتقال من حال إلى أخرى، يقال دال يدول دوْلا و أدال الشيء جعله متداولا،وتداولت الأيدي الشيء، أخذته مرة تلو مرة ،انظر ابن منظور ، لسان العرب ، مادة دول. [32] - من صور المقابلات الفضفاضة لهذا المصطلح ما وجدناه في كتاب اللسانيات وآفاق الدرس اللغوي ،ص 34 من شرح للمصطلح بعبارة وصفية هي الحاجات العملية . [33] - نخبة من الباحثين ، معجم مصطلحات علم اللغة الحديث ، مكتبة لبنان ناشرون ، ص70 [34] - المعجم الموحد لمصطلحات اللسانيات ، المنظمة العربية للتربية والثقافة ، تونس ، 1989، ص111، فقد ورد تحت مادة pragmatics دراسة استعمالية ( دراسة كيفية استعمال الناطقين للغة في حالات الخطاب الملموسة [35] - فان دايك ، علم النص ، مدخل متداخل الاختصاصات ، دار القاهرة ، ط1 ، 2001 ، ص415 وغيرها [36] - لا يرى كثير من الدارسين العرب في المقابل أي أزمة لسانية نتيجة تعدد المصطلحات الدالة ،مرجعين ذلك إلى سمة تمتاز بها اللغات الحية التي إنشاء ألفاظ جديدة كثيرة كل يوم في كل حقل من حقول المعرفة ، انظر عبد الملك مرتاض ، نظرية القراءة ، هامش ص 208. [37] - سمير ستيتية ، نحو معجم لغوي شامل موحد ، ص164. [38] - فيليب بلانشيه ، التداولية من أوستين إلى غوفمان ، ترجمة صابر الحباشة ، دار الحوار ، سوريا ، ط1 ، 2007 ، ص48 وانظر خالد ميلاد ، الإنشاء في العربية بين التركيب والدلالة ، دراسة نحوية تداولية ،المؤسسة العربية للطباعة والنشر ، تونس ، ط1 ، 2001 ، ص499. [39] - كلاوس برينكر ، التحليل اللغوي للنصوص ، مدخل إلى المفاهيم الأساسية والمناهج ، ترجمة سعيد حسن بحيري ، شركة المختار للنشر ، ط1 ، سنة 2005 ، ص207 وانظر فان دايك ، علم النص ، مدخل متداخل الاختصاصات ، ص415. [40] - فان دايك ، النص والسياق ، استقصاء البحث في الخطاب الدلالي والتداولي ، ترجمة عبد القادر قنيني ، إفريقيا الشرق ، المغرب ، 2000، ص342، كما ترجم مصطلح (macro-action) بفعل كلي شامل فسوى بين الوظيفة والفعل في ترجمة هذا المصطلح بحسب ما يظهر . [41] - الجيلالي دلاش ، مدخل إلى اللسانيات التداولية ، ترجمة محمد يحياتن ، ديوان المطبوعات الجامعية ، الجزائر ، سنة 1992 ، ص25 [42] - خالد ميلاد ، الإنشاء في العربية بين التركيب والدلالة ، ص498 [43] - انظر تفصيلا حمزة بن قبلان المزيني ، التحيز اللغوي وقضايا أخرى ، ص 217 -220. [44] - مصطفى غلفان ، المعجم الموحد لمصطلحات اللسانيات ، أي مصطلحات لأي لسانيات ؟ مجلة اللسان العربي ، العدد46 ، 1419 -1998، ص159 . [45] - المرجع نفسه ، ص499 ويذهب الباحث في هذا السياق إلى تغليب كونها أعمالا لغوية فالإثبات والنهي والتعجب والوعد معان لغوية لاوجود لها في الواقع الشيئي ،إنها أعمال تنجز في اللغة وباللغة ، ويبدو أن نسبتها للغة أو الكلام كان نتاجا للتمييز السوسيري بين ماهو لغوي وما هو كلامي . [46] - عبد القادر قنيني ، نظرية أفعال الكلام العامة ، سنة 1991 [47] - راجع هذه المصطلحات عند أصحابها في فيليب بلانشييه ، التداولية من أوستن إلى غوفمان ، ترجمة صابر الحباشة ، دار الحوار للنشر والتوزيع ، سوريا ، ط1 ، 2007 ،ص 48 و209 وانظر الجيلالي دلاش ، مدخل إلى اللسانيات التداولية ، ترجمة محمد يحياتن ، ديوان المطبوعات الجامعية ، الجزائر ، سنة 1992 ، ص25 [48] - عبد القادر الفاسي الفهري ، اللسانيات واللغة العربية ، منشورات عويدات ، بيروت ، باريس ، دار توبقال، المغرب ،ط1 ، 1986،ص433 [49] - فولفجانج هاينه من وديتر فيهفيجر ن مدخل إلى علم اللغة النصي ، ترجم فالح بن شبيب العجمي ن منشورات جامعة الملك سعود ، ص421 وغيرها [50] - المرجع نفسه ، ص400 وانظر ترجمة بحيري للكتاب نفسه فهو يستعمل مصطلحين للدلالة على المفهوم نفسه : الفعل اللغوي والفعل الكلامي ، انظر مدخل إلى علم اللغة النصي ، ترجمة بحيري ، مكتبة زهراء الشرق ، ط1 ، 2004 ، ص369. [51] - راجع نظرية أفعال الكلام العامة ، ترجمة عبد القادر قنيني ، 1991 وطالب هاشم طبطبائي، نظرية الأفعال الكلامية بين فلاسفة اللغة المعاصرين والبلاغيين العرب ، مطبوعات جامعة الكويت ، 1994، [52] - محمود نحلة ، آفاق جديدة في البحث اللغوي المعاصر ، دار المعرفة الجامعية ، ط1 ، سنة 2002 ، ص44 [53] - جان كلود **** ، السيميائية ، مدرسة باريس ، ترجمة رشيد بن مالك ، دار الغرب الجزائرية ، 2003 . [54] - وردت هذه الترجمة في كتاب خالد ميلاد ، الإنشاء في العربية بين التركيب والدلالة ، دراسة نحوية تداولية ، ص499 [55] - طالب هاشم طبطبائي ، نظرية الأفعال الكلامية ، ص10 [56] - فان دايك ، علم النص ، ترجمة سعيد حسن بحيري ، ص415 [57] - فان دايك ، النص والسياق ، ترجمة عبد القادر قنيني ، ص420 - مجلة علوم انسانية - المشاهدات:2578
http://brahmiblogspotcom.blogspot.com/2011/05/blog-post_2949.html

hano.jimi
2011-09-25, 11:38
13 مايو, 2011
العضو
lamiaken
الكتابة اللسانية العربية وإشكاليات المصطلح التداولي
الكتابة اللسانية العربية وإشكاليات المصطلح التداولي ------------------------------------------------------------------------------------ د. نعمان بوقرة جامعة الملك سعود- الرياض- المملكة العربية السعودية namanboug@hotmail.com ------------------------------------------------------------------------------------ قال الجاحظ: « لا بد للترجمان من أن يكون بيانه في نفس الترجمة في وزن علمه في نفس المعرفة ، وينبغي أن يكون أعلم الناس باللغة المنقولة والمنقول إليها حتى يكون فيهما سواء وغاية (...) ، وكلما كان الباب من العلم أعسر وأضيق والعلماء به أقل كان أشد على المترجم وأجدر أن يخطئ فيه ، ولن تجد البتة مترجما يفي بواحد من هؤلاء من العلماء » ([1]). توطئة لقد أثمر الفكر التداولي الحديث في سياق التطور النظري للسانيات والفلسفة الحديثة ، وبتفاعل معرفي ومنهجي مع المسألة الأدبية وقضايا تحليل الخطاب ثلة من المصطلحات والمفاهيم التي تسارع نموها وانتشارها في الأوساط البحثية الغربية، حتى أضحى تعددها وتداخلها من أخص خصائص الفكر العلمي الحديث في تجلياته العولمية، وكان لهذا المشهد أثره في توجيه الكتابة اللسانية العربية في البعد التداولي في مستوى عرض النظريات والتمثيل لها من اللغة العربية، أو على الصعيد التعليمي الذي حاول استيعاب المعرفة اللسانية الحديثة وتبسيطها للقارئ العربي، وجريا وراء هذه الغاية كان لابد من السعي إلى تذليل العقبة الاصطلاحية التي أدت أحيانا إلى سوء فهم وعرض للمفاهيم الأساسية التي تعد مداخل بنائية للمعارف، وربما تحاول هذه الدراسة تسليط الضوء على بعض جوانب المشكلة من خلال عرضها وتحليلها لعينة من المصطلحات التداولية المستعملة باطراد أو بشذوذ عند رواد الكتابة اللسانية التداولية العرب ، من أمثال: طه عبد الرحمن ، ، ومحمد الشاوش، وفالح العجمي،وأحمد المتوكل، والحواس مسعودي ،و خولة طالب الإبراهيمي وغيرهم ناهيك عن إمكانية الانخراط في توصيف ما قدمه بعض المترجمين العرب الذين قدموا أعمالا غربية إلى القارئ العربي، من أمثال محمد لطفي الزليطني، وأحمد نور عوض وغيرهما ، وهذا بالتركيز على أسس الوضع الاصطلاحي، ومشكلات الفهم المترتبة عن الفوضى الاصطلاحية التي تميز بها الكتابة اللسانية العربية في وضعا الراهن. لسانيات العربية ومشكلة المصطلح إن الخطوة الأساسية لأي نظام معرفي تتمثل في تحديد موضوعات المعرفة فيه ، مما يعني السعي إلى تحديد الحدود والتعريفات المرتبطة بذلك النظام وصياغتها في قوالب مصطلحية ، تعد مفاتيح العلم المقربة لقضاياه ونظرياته ، فالمصطلحات مجامع للحقائق المعرفية وعنوان ما به تتميز كل واحدة منها عما سواها ، وليس من مسلك يتوسل به الإنسان إلى منطق العلم غير ألفاظه الاصطلاحية ([2]) فالمصطلحات من حيث هي مفاهيم مفردة أو عبارات مركبة استقر معناها بالاستخدام تكتسب وجودها الشرعي في بيئتها بمقدار التحديد الذي توسم به فيجعلها تعابير خاصة و ضيقة في دلالتها على الفكرة الواحدة ، فيتحقق لها وضوحها ومن ثم اطّرادها ([3])، هذا وقد عدت اللسانيات بمختلف مجالاتها البحثية الموضوع المفضل بالنسبة إلى المترجمين والنقلة ، فكثرت الأبحاث التعريفية بالعلم والمنتهجة لسبيل التيسير والعرض، وإذا كانت الدراسات اللسانية العربية الحديثة قد بذلت جهدا لا يستهان بها في أقطار عربية من أبرزها منطقة المغرب العربي ولبنان ومصر التي تولت جانب الترجمة والكتابة التعريفية فإن ما بذل من جهود لا يمكن أن يحقق الطموح في نضج هذا العلم ناهيك عن المشاركة الفعلية في إثرائه فلم نتعد بعد إطار التعليم وتقريب العلم واكتشافه ،وعقد الصلة الحميمة بينه وبين المثقف العربي لكي يتذوق هذا العلم الحديث ويلم به ([4]).لقد أدرك اللسانيون العرب المحدثون أهمية هذا العلم وضرورة الإلمام بأسبابه إلماما واسعا والإحاطة بنتائجه إحاطة شاملة بغية تقويم العمل اللغوي العربي القديم ([5]) ، ولهذا لم يتوانوا في التعريف بهذا العلم والقيام بترجمة المؤلفات اللسانية المهمة ، فالاهتمام بالألسنية في العالم العربي بصورة عامة أمر حديث العهد نسبيا ، إذ لا نكاد نجد منه أمرا يذكر قبيل الستينيات سواء في ميدان التدريس أو البحث ([6])، وفي السياق ذاته يقدم عبد الرحمن الحاج صالح وصفا للحالة اللسانية العربية فيقول : » يتصف البحث العلمي في اللغة العربية في زماننا هذا بصفات جد سلبية، بالإضافة إلى ما يعرفه العصر من تكنولوجيا حديثة تطبق على البحوث اللغوية بنجاح تام في البلدان الراقية ، ويعرف كل واحد البطء الذي يسير به وضع المصطلحات وإقرارها وحرفية هذا العمل وفرديته ومشكل ذيوع هذه المصطلحات في الاستعمال « ([7]) .وفي هذا السياق التعريفي كثرت المصطلحات اللسانية في ميدان بسط المفاهيم المحدثة في هذا العلم الغض في ثقافتنا اللغوية المعاصرة إذ لا يتجاوز عمره في كثير من البلاد العربية عشرين سنة[8] وفي بعضها الخمسين مثل مصر وبلدان المغرب العربي،وكان لهذه التعددية الاصطلاحية المرتبطة رأسا بتعددية المصدر والاستمداد أثرها في المستوى التطبيقي، فاختلفت أنظار الباحثين في سياق استثمار المفاهيم اللسانية المحدثة في إعادة وصف اللغة العربية ،ونقد التراث اللغوي والنحوي بشكل خاص، إلى الحد الذي جعل من الفكر اللغوي العربي القديم رهين محابس النظريات الغربية المعاصرة فمرة هو بنوي في عيون أنصار هذا الفكر ومرة هو توليدي وأخرى هو تداولي وظيفي!!، لقد وقع الفكر اللغوي العربي في أزمة هوية الذات، فكان المشكل الاصطلاحي عنوانا ظاهرا لهذا المشهد المرتبك الذي حاول الخطاب اللساني العربي الوصفي التعبير عنه ، مبينا أسبابه ومحاولا اقتراح الحلول ،وهو وصف في نظرنا ثابت لا خلاف حوله إلا في العبارة،ولنا أن ننظر فيما كتبه أحمد مختار عمر وسمير ستيتية و مازن الوعر و عبد الرحمن الحاج صالح وعبد القادر الفاسي الفهري[9] وعبد السلام المسدي وغيرهم ممن سبقهم أو جاء بعدهم سعى إلى مناقشة المسألة الاصطلاحية في اللسانيات بوصفها العقبة الكأداء التي تواجه مشروعية استقرار العلم في المؤسسة العلمية العربية،وفي هذا السياق يذهب تمام حسان إلى أن الذين تصدوا للكتابة اللسانية بعامة ووضع مصطلحاتها بخاصة لم ينتبهوا إلى ضرورة النظر في المحاولات السابقة مما أدى إلى افتقاد شرط العرفية الواجبة للمصطلح ، ومن ثم التشتت والتعدد اللذين يمثلان أكبر خطر يواجه مستقبل العربية[10]،إن هذا التصور على ما يقرره حمزة المزيني يصرف المسألة الحضارية عند العرب من سياقها الحقيقي المتمثل في متابعة الاكتشافات العلمية والمساهمة فيها إلى الغرق في موجة المواضعات الاصطلاحية فتتحول أزمتنا الحضارية إلى أزمة في المصطلح[11]، وبوجه عام يمكن أن ترد المشكلة الاصطلاحية في الخطاب اللساني العربي المعاصر إلى الأسباب الآتية : 1-التحيز اللغوي، وارتباطه بالتعصب المدرسي و الجهوي، وهذا السبب في نظرنا تؤطره عقلية القبيلة التي تهيمن على التفكير والموقف العربي العلمي. 2-مشكلات تتعلق بإجرائية الوضع الاصطلاحي من حيث كيفية التعامل مع المفاهيم المستحدثة في اللسانيات بعامة واللسانيات التداولية بخاصة، ولعل سبب هذه المشكلة بالذات يعود إلى طرائق التوليد الدلالي التي تنماز بها اللغة العربية فقد ألمع الأوائل إلى آليات شتى تتطور بها اللغة مثل الدخيل و الاشتقاق والنقل المجازي والنحت والشرح المعنوي وتعريب المصطلح أو الاقتراض المعجمي أو الاستعارة[12]، وغيرها مما أخذ به المحدثون فظهرت للوجود مترادفات عديدة بإزاء المفهوم الواحد ربما وصلت إلى حد التعارض والتضاد[13] ، وخروجا من هذا المأزق طفق بعض المتحمسين إلى الابتكار الفردي علّهم يقعون على المراد غافلين عن حقيقة مهمة هي أن المطرد في الاستعمال والشائع على الألسنة والدارج في الكتابة أفضل من المبتكر من حيث الجانب الوظيفي بالرغم من سلامة إجراءات وضعه الفنية[14] ،ناهيك عن كون الاصطلاح مرتبط رأسا بالحاجة إليه أثناء الاختراع أو اكتشاف الحقائق العلمية،يقول المزيني :"إن المصطلح وليد مهارة التخيل والإبداع عند واضعه ، وليس وليد شروط لغوية معينة تلزم باقتراحه بدل غيره"[15]، ولنا فيما عرضه عبد الملك مرتاض في كتابه "نظرية القراءة" الشاهد الحيَ على ما نقول إذ لم يكتف بنبذ ما هو شائع من مصطلحات لسانية متداولة في ميدان اللسانيات وتحليل الخطاب بل راح يضع بدائل عنها مثل : السيمائية وجمعها السيمائيات عوضا عن السيميائية والسيمياء[16]، والسمة بمعنى (signe) عوضا عن الدليل ، والمماثل عوضا عن الأيقون والشعريات قياسا على اللسانيات بدلا عن الشعرية في مقابل المصطلح الأجنبي (la poetique) ذلك إن الشعريات نشاط نقدي يسعى إلى فهم وظيفة الكتابة الشعرية بينما تعني الشعرية جملة المواصفات التي تتلمس في نص شعري ما [17]، والتقويضية بدلا عن التفكيكية [18] ، 3- ضعف الاتصال الثقافي بين الأقطار العربية وواقع التبادل العلمي الجامعي العربي شاهد حي على هذه الوضعية، وهذا ما يمكن أن نسمه بالنعرة القطرية الضيقة[19]. 4- غياب المرجعية العلمية في اللسانيات إذ يفترض وجودها باعتبارها تقليدا راسخا في الحضارات الأخرى، واعتقاد البعض أن القواميس المصطلحية المتخصصة يمكن أن تحل محل هذه المرجعية العلمية، وهذا التصور علته عدم فهم الغاية من صناعة المعجمات[20]. 5-غياب سياسة لغوية شاملة ، وتخطيط علمي يضع ضمن أهم اهتماماته توحيد الخطاب اللساني العربي في مستوى تداول النظريات والمصطلحات[21]، ولعل أهم خطوة عملية في سبيل حل هذه المشكلة دعوة الجامعات والأفراد إلى تسويق جهودهم العلمية في ميدان المصطلح اللساني التداولي بخاصة واللساني بعامة عبر شبكةالانترنيت الدولية ، أو من خلال استحداث بنوك معلوماتية تتيح للدارسين الإطلاع على ما جد من كتابات وابتكارات اصطلاحية تفي بتلافي التكرار والتعددية السلبية. 6 - اعتباطية العمل عند الكثير من اللغويين ، أي عدم خضوعه لضوابط علمية ، وذلك بعدم مراعاته لمعطيات العلوم اللسانية الحديثة بصفة خاصة ، ومنهجية العلوم الاجتماعية بصفة عامة . 7 - حرفيته ، أي اقتصاره على البحوث الفردية ، التي هي أشبه شيء بالصناعات التقليدية يعتمد فيه على المعالجة اليدوية كالنظر الجزئي في القواميس والاقتصار على جرد العديد من المعلومات بالأيدي العزلاء ، بالإضافة إلى عدم شموليته بعدم الرجوع إلى كل المصادر العربية التي يمكن الاستقاء منها بخاصة المخطوط منها ،وجميع المراجع الأجنبية التي يمكن استغلالها لتحديد المفاهيم الحديثة ([22]) . 8 - اتساع المجال المعرفي للسانيات في توجهاتها النصية والتواصلية وتعدد مستوياتها وفروعها ، وما يفرضه ذلك على المصطلح من تعدد وجوه الاستعمال ، والدخول في مجالات بعيدة عن مركز الاختصاص في اللغة ، على عكس العلوم الأخرى التي ما فتئت تضيق من مجالاتها ، وتحدث علوما فرعية مشتقة منها[23] . المصطلح اللساني و مشكلات الترجمة والوضع لقد كان لحركة الترجمة التي ظهرت بوادرها في المجال اللساني مع الأربعينات من القرن المنصرم آثار سلبية على نمو المصطلح اللساني ووضوحه في الكتابة اللسانية العربية بعامة والكتابة التداولية بخاصة ، ولعل من المشكلات الأساسة التي عاناها المصطلح في أطوار تشكله الزخم الهائل من الألفاظ المصطلح عليها من لدن الأفراد غالبا وأحيانا من طرف بعض المؤسسات العلمية التي لم تكتسب شرعيتها الكافية تلبية للحاجة العلمية الملحة نحو تحديد المفاهيم اللسانية الحديثة والمتجددة في اللسانيات الغربية بشقيها الأوربي والأمريكي ،مما يعكس تعدد المشارب المدرسية والنزعات الفكرية التي تجتذب المصطلح يمنة ويسرة فينشأ المصطلح اللساني في وسط ألماني ثم ينمو ويترعرع في أماكن أخرى فرنسية أو إنجليزية أو روسية تضفي عليه ضلالا جديدة من التحديد المفهومي غير تلك التي اكتسبها أثناء ولادته الأولى ، ناهيك عن سرعة تطور المعرفة اللسانية المعاصرة ، وتشعب قضاياها المعرفية والتطبيقية إلى درجة يعجز فيها المفكر العربي التابع على مواكبة المستجدات ، فينحرف به المسار إلى مناقشة جدوى الأخذ بهذه المعرفة أو تركها ، كما أن تراكب الأدوات التعريفية والمفردات الاصطلاحية يثيرا مشكلات جمة على صعيد الوضع الاصطلاحي نفسه ،كل ذلك قد تضافر، فعقّد المصطلح اللساني بعامة ،والتداولي بخاصة ، فجعله إلى الاستعصاء والتخالف أقرب إلى التسوية والتماثل ([24]) ، وربما وقفت هذه المشكلات في نظر الواصف للكتابة اللسانية العربية أمام كفاية العلم الإنتاجية ، وتزداد المشكلة تعقيدا إذا ما حاول الباحث تشريحها في العملية التعليمية ، فالخطاب التعليمي في الجامعات العربية يشهدا مأساة في تلقين اللسانيات وفروعها ، تزداد المأساة عمقا بتشعب تفاصيل المعرفة نحو التداوليات والسيميائيات والأسلوبيات وتحليل الخطاب واللسانيات النصية وغيرها فترجمة المصطلح اللساني بعامة والتداولي بخاصة في نمو متزايد من حيث الكم والتعدد[25] إلى درجة يمكن أن ننعت بها هذا المشهد بكونه حالة من البربرية اللغوية [26] غير أن ما يمكن الزعم به كونها نشأت نشأة عشوائية فردية ، بحيث يقترح كل باحث بشكل فردي قائمة المصطلحات دون أن يعتمد في ذلك طريقة علمية مدروسة ، معتمدا حدسه الشخصي والرجوع إلى المعجمات اللغوية ، التي لا تقدم إليه سوى جانبا لغويا محضا من الكلمة ، ذلك أن المصطلحات العلمية تتحدد دلالتها وعباراتها في إطار نظرية متكاملة، وهي لا تظهر إلا بوصفها عناصر متكاملة للنظرية ، ومن ثم، فإن المصطلح الذي يكوّنه ذلك التخصص هو جزء من منظومة اصطلاحية كاملة ([27]) . نشأة المصطلح التداولي في الخطاب اللساني العربي الحديث غني عن الذكر أن يشار إلى أن نشأة المصطلح اللساني العربي تعود إلى أيام رفاعة رافع الطهطاوي ، ثم شق طريقه نحو التطور والتجذر في الساحة العلمية العربية، فظهرت الدراسات المستفيضة التي تبتغي معالجة مسائل توليده وتشكيله وآليات توظيفه في البحث العلمي والعملية التعليمية[28]،ثم طفقت الدراسات اللسانيات في المشرق العربي ومغربه تتعدد وتتكاثر مشكلة ملامح خطاب لساني عربي تمهيدي يعرف باللسانيات موضوعا وعلما مستقلا ، ومع هذه النشأة توالدت من رحم الكتابة اللسانية العربية مئات المصطلحات اللسانية حاولت الجهود المعجمية الفردية والمؤسساتية استيعابها من خلال عشرات المعاجم المتخصصة في المصطلح اللساني[29]،هذا وقد شقت هذه المصطلحات طريقها في عباب الاختلافات المذهبية والنظريات المختلفة التي توسلت اللغة موضوعا للدراسة من نواحيها الشكلية والوظيفية ، وفي هذا السياق الوظيفي الذي يعطي للبعد الاستخدامي التداولي الأهمية في حركية اللغة نشأ المصطلح التداولي بكل حمولاته المعرفية والفلسفية والإجرائية متأثرا بالمصطلح التداولي الغربي الذي نشأ بين أحضان الفلسفة الوضعية التحليلية في إكسفورد ثم شق سبيله نحو معانقة اللغة في مظهرها العادي ، معبرا عن أهم المفاهيم التي تصف كيفية استخدام المتكلمين للعلامة اللغوية قصد التعبير عن أفكارهم والتأثير في المستمعين[30].وفي الثقافة اللسانية العربية المعاصرة يرجع الفضل في تشكيل وتمكين مصطلح التداولية مصطلحا دالا على العلم (la pragmatique) إلى المفكر المغربي طه عبد الرحمن في بداية السبعينات من القرن المنصرم مفضلا إياه على الترجمة الحرفية التي ظهرت في بعض الكتابات العربية[31].لقد اختلف الدارسون في تحديد المصطلح الرئيس الدال على هذا المجال العلمي من اللسانيات الحديثة أي (اللسانيات التداولية) ، فقد وردت مصطلحات مختلفة في دراسات أساسية تعرف بهذا الموضوع أي (pragmatics) أو ( pragmatique)، مثل :التداولية ، التداوليات ، الذرعية ، الذرائعية ، مذهب الذرائع ، النفعية ، المقاميية ، السياقية ، البراغماتية ، البراجماتية[32] ، البراغماتكس ، البراغماتزم ، البراكماتية[33] وعلم التخاطب و دراسة استعمالية [34]غيرها ، وربما قاد هذا الاختلاف الاصطلاحي إلى الانصراف عن مضمون هذا المجال العلمي من حيث موضوعه وإشكالاته البحثية، وعلاقته بالدرس اللساني المعاصر، وما يمكن أن يفاد منه في دراسة التراث العربي ، وتحليل الخطاب لقد سلك كثير من الدارسين في مقابلتهم للمصطلح اللساني التداولي منهجا واحدا بقوم على كتابة المصطلح الأجنبي الإنجليزي أو الفرنسي بالحروف الغربية مقترنا بالترجمة المقترحة ،من مثل ما يلاحظ في ترجمة سعيد حسن بحيري لكتاب فان دايك ، علم النص ، مدخل متداخل الاختصاصات [35] اضطراب الدلالة الاصطلاحية لو جاز لنا التغاضي عن المشكلة الاصطلاحية في مستواها اللفظي فإنه لا يجوز لنا ذلك حينما يتصل الأمر باضطراب الدلالة التي يشير إليها المصطلح[36] ، وما ذاك الاضطراب إلا لعدم التمييز أحيانا كثيرة بين المعنى المعجمي الوضعي والمعنى الاصطلاحي المؤطر بالسياق ،وهذا بالاعتماد على ما تقدمه المعاجم العامة من تحديدات مفهومية عامة غير مؤطرة بأسباب استعمال المفهوم ثقافيا وعلميا[37] ،ومن الاضطراب الذي يلحق الدلالة الاصطلاحية ما ينجم بسبب اللجوء إلى التعبير عن المصطلح بجملة بدل وضع لفظة واحدة مما يعني الإبقاء على المصطلح الأجنبي في الاستعمال، ومن أمثلة العبارات الشارحة المفسرة لدلالة المصطلح التداولي الأجنبي ما وضع بإزاء مصطلح (acte perlocutoire) عمل التأثير بالقول[38]،والفعل الاستلزامي عند بحيري و لازم فعل الكلام[39] ، ويشاركه في هذه الترجمة عبد القادر قنيني في ترجمته لكتاب "النص والسياق" لفان دايك[40]،وما وضع بإزاء المصطلحات الدالة على الفعل اللغوي عند أوستين،(verdictifs) الأفعال الدالة على الحكم و(exercitifs) الأفعال الدالة على الممارسة و(commissifs) الأفعال الدالة على الوعد و(conductifs) الأفعال الدالة على السيرة[41] ناهيك عن غرابة مصطلحيالممارسة والسيرة في الاستعمال اللساني العربي في سياق التعريف بنظرية أوستين.ومن الجونب المتصلة باضطراب الدلالة الاصطلاحية الخلط بين الوضع الاصطلاحي القديم وما يشي به من معنى خاص والوضع الاصطلاحي المحدث في ميدان اللسانيات بعامة والتداوليات بخاصة ، وليس أدل على هذا الخلط من محاولة الجمع بين مفهوم الإنشاء في التراث العربي والفعل الإنشائي بالرغم من اختلاف الأسس الفلسفية التي أقيم عليها كلا النظرين مما يعلمه كثير من الدارسين ، وفي هذا السياق يظهر مصطلح نظرية الإنشاء مقابلا للمصطلح الأجنبي (la theorie des performatifs) ومصطلحا الإنشاء الصريح(performatif explicite) و الإنشاء الأولي( performatif primaire)[42]،وفي هذا السياق لابد من يشار إلى أن محاولة الربط بين المصطلح التراثي ونظيره الأجنبي في الرؤية العامة والاستخدام ممكن لمن توضحت لديه الفروق السياقية المؤطرة لفعل النشأة المصطلحية[43] ، واتساقا مع هذه الرؤية نفسها يمكن الاستئناس بما ذهب إليه مصطفى غلفان من أن وضع المصطلح يقتضي بالضرورة الرجوع إلى السياق الطبيعي الذي وردت فيه ضمن إطار نظرية لسانية معينة [44]،وعلى صعيد آخر تجدر الإشارة إلى وجود نوع من التداخل المصطلحي في الثقافة اللسانية الغربية نفسها إذ يبدو أن مصطلحات تداولية مهمة لم يقع اتفاق على ترجمتها في اللغات الأوربية ذاتها فقد اختلف اللغويون في فرنسا في ترجمة المصطلح الإنجليزي (speech acts) إذ ظهرت مقبلات متعددة مثل: (les actes de langage) و(les actes de parole) و (les actes de discourse) ونجم عن ذلك تعدد في ترجمة هذه المصطلحات إلى العربية فقد ترجمت على التوالي إلى : أفعال لغوية ، أفعال كلامية ، أفعال خطابية ، أعمال لغوية ، أعمال كلامية ، أعمال خطابية[45]،ويذهب بعض الدارسين العرب إلى إمكان استعمال الأعمال القولية والأعمال الكلامية[46]. إن نظرة عابرة في بعض الكتابات اللسانية العربية التي عنيت بالتعريف بالفكر التداولي وقضاياه الراهنة تكشف عن تعددية في استعمال المصطلح في المستوى اللفظي ، والمضموني كذلك ، والجدول التالي يصف هذه الصورة[47]: المقابل العربي المصطلح الأجنبي تداولية ، نفعية ، براجماتية، براكمتية، سياقية ، مقامية ،علم المقاصد، دراسة استعمالية ،ذريعيات[48] ، تداوليات ، علم اللغة الذرعي[49] ، علم اللغة الذرائعي ، مذهب الذرائع ، اللسانيات التداولية. Pragmatique/Pragmatics-Pragmatik فعل كلامي – عمل كلامي-فعل لغوي[50]- عمل لغوي-عمل قولي[51] Act de Parole-act de langage- إنشائي- إنجازي- إيقاعي- فعل الإنشاء- فعل أدائي_ فعل إخباري[52] performatif تأثير بالقول- تأثيري- العمل اللاقولي- فعل التأثير Perlocutoire تسجيلي constatif حديث- كلام Parole لا قولي – متضمن في القول Illocutoire مفهم Conceptualiser مضمر القول- Sousentendu العمل القولي Acte locutoire البعد الذرائعي pragmatitien usage استعمال[53] Presupposition الافتراض المسبق verdictifs الأفعال الدالة على الحكم- الحكميات exercitife الأفعال الدالة على الممارسة-الإيقاعيات- الإنفاذيات commissifs الأفعال الدالة على الوعد- الوعديات conductifs الأفعال الدالة على السيرة- السلوكيات L acte de locution عمل القول- فعل القول Acte d illocution عمل مقصود بالقول Acte de perlocution عمل التأثير بالقول- الناتج عن القول Enunciation فعل القول[54] التبيينيات Assertives التقريريات Directives الأمريات- الطلبيات declaratives الإيقاعيات expressives البوحيات[55] Argumentation theorie نظرية الحجاج[56]- الحجاج Argumentation استدلال -احتجاج[57] الخاتمة إن الحاجة إلى توحيد المصطلح أصبحت ملحة إلى أقصى درجاتها، بخاصة ونحن في عصر الإنترنيت ، وهو ما من شأنه تسهيل الاتصال وبناء الروابط بين اللسانيين والمترجمين العرب ليتبادلوا تجاربهم في هذا المجال ، وهو ما من شأنه تقليص الفوارق والاختلاف ، على أننا نشايع من ذهب إلى أن وضع المصطلح بعامة واللساني منه بخاصة ليس رهين مواصفات مواضعاتية معينة بل هو خاضع للاستعمال العادي للغة في تعبيرها عن المفاهيم العلمية بكل سلاسة وطلاقة لا يجيدها كثير من اللغويين ، أن ما أدى إلى انتشار اللغة العربية في عصرها الذهبي ليس مرده إلى تسامح معجمها اللغوي مع كل لفظة جديدة فحسب بل للريادة العلمية والعملية التي كانت للحضارة الإسلامية في ذلك الزمان. الهوامش والإحالات: [1] - الجاحظ ، الحيوان ، ج 5 ص 289 . [2] - عبد السلام المسدي ، قاموس اللسانيات ، الدار العربية للكتاب ، تونس ، ليبيا ، 1984 ، ص 11،وانظر إدريس الطراح ، تحديد مفهوم المصطلح ، ضمن قضايا المصطلح في الآداب والعلوم الإنسانية ، إعداد عز الدين البوشيخي ومحمد الوادي ، سلسلة الندوات ، جامعة مولاي إسماعيل ، مكناس ، المغرب ، 12 ، 2000 ، 1/91. [3] - محمود فهمي حجازي ، الأسس اللغوية لعلم المصطلح ، ص11 وانظر مصطفى طاهر الحيادرة ، من قضايا المصطلح اللغوي العربي، ص13 وعبد الرحمن بن حسن العارف ، في المصطلح اللغوي عند تمام حسان ، مجلة علوم اللغة ، العدد الأول ، مجلد 10 ، 2007 مطبوعات دار غريب ، مصر، ص11 . [4] - أحمد يوسف ، اللسانيات وواقع اللغة العربية ، ص 258 . [5] - صالح الكشو ، مدخل في اللسانيات ، الدار العربية للكتاب ، تونس - ليبيا ، 1985 ، ص 05 [6] - صالح القرمادي ، مقدمة ترجمة كتاب "دروس في الألسنية العامة "لسوسير، الدار العربية للكتاب تونس - ليبيا ، 1985 ، ص 08 . [7] - عبد الرحمن الحاج صالح ، اللغة العربية وتحديات العصر في البحث اللغوي وترقية اللغات ، ص 25. [8] - أحمد محمد قدور ، من أثر اللسانيات في الدرس اللغوي العربي ومناهجه ، المجلة العربية للعلوم الإنسانية ، الكويت ، عدد27 ، مجلد 7 ، صيف 1987 ، ص158 و167.وانظر أحمد محمد قدور ، اللسانيات وآفاق الدرس اللغوي ، دار الفكر المعاصر ، بيروت ، ودار الفكر ، دمشق ، ط1 ، 2001، ص15. [9] - انظر على التوالي الأعمال التالية ، سمير ستيتية ، نحو معجم لساني شامل موحد، مجلة أبحاث اليرموك ،جامعة اليرموك ، إربد ،عدد2 ، مجلد ،10، سنة 1992، ص143 -193وأحمد مختار عمر ، المصطلح اللسني وضبط المنهجية ، مجلة عالم الفكر ، الكويت ، عدد3 ، مجلد 20،1989،ص5-24 ومازن الوعر ، أزمة اللسانيات واللسانيين في الوطن العربي ، مجلة المعرفة ، دمشق ، العدد251، 1983 ، ص52-108 وانظر محمد رشاد الحمزاوي ، مشاكل وضع المصطلحات اللغوية ، أشغال ندوة اللسانيات ، تونس ، 1981 ، ص259 وعبد السلام المسدي ، قاموس اللسانيات ، ص11-96.هذا ولا ننس جهود اللغويين الأوائل من جيل الرواد أمثال محمود السعران وكمال بشر وعبد الصبور شاهين فقد كانت لهم جهودهم المشهودة في وضع المصطلح والدفع به نحو النضج والتطور . [10] - تمام حسان ، مقالات في اللغة والأدب ، 2-330-332 [11] - انظر تعليقه على كلام محمد رشاد الحمزازي في كتابه التحيز اللغوي وقضايا أخرى ، كتاب الرياض ، 125 ، مؤسسة اليمامة الصحفية ، 2004 ، ص204 [12] - محمود فهمي حجازي ، الأسس اللغوية لعلم المصطلح ، ص226 ومحمد رشاد الحمزاوي ، مشاكل وضع المصطلحات اللغوية ، ص265،وانظر حمزة بن قبلان المزيني ، التحيز اللغوي وقضايا أخرى ، ص206-207، وانظر في أهمية الاستعارة في بناء المصطلح :Anne Eisenberg,****phor in the ******** of science,scientific American,vol.266,no.5,May,1992,p95 [13] - يمكن التمثيل في هذا السياق بترجمتين مختلفتين لمصطلح واحد في الدرس السيميائي المعاصر وهو (Narataire)الذي ترجمه عبد الملك مرتاض بالمتلقي أو المسرود له وترجمه محمد أديوان بالراوي فأيهما أصح بالنسبة للقارئ العادي؟ ، انظر عبد الملك مرتاض ، نظرية القراءة ، ص168 وانظر محمد أديوان ،الفكر العربي المعاصر ، عدد60-61 ، بيروت ، 1989 [14] - أحمد محمد قدور ، اللسانيات وآفاق الدرس اللغوي ، ص27ربما ما حمل على هذه الاجتهادات دقة المصطلح الأجنبي الذي لم تستطع اللغة المترجم إليها استيعابه لعدم كفايتها الدلالية في هذا الجانب في الوقت الراهن ، انظر محمود السعران ، علم اللغة ، ص26. [15] - حمزة المزيني ، التحيز اللغوي ، ص209 [16] - يذهب مرتاض إلى أن الكلام العربي كما هو غيره قائم على التيسير في النطق والاقتصاد وكثيرا ما يسكن الناطق العربي الأول الميم فيجمع بين ساكنين لطول الكلمة المذكورة والتي لم يؤت منها في العربية إلا بثلاثة أمثلة ، انظر نظرية القراءة ، ، تأسيس للنظرية العامة للقراءة الأدبية ، دار الغرب للنشر والتوزيع ، 2003 ، ص32 [17] - عبد الملك مرتاض ، نظرية القراءة ن ص170. [18] - المرجع نفسه ، ص206 ويذهب في هذا السياق إلى أن مصطلح التقويض هو الأكثر دلالة على أصل المعنى الفلسفي عند جاك دريدا فهو تقويض يعقبه بناء على أنقاضه بينما تدل كلمة التفكيكية على عزل قطع جهاز عن بعضها البعض دون إيذائها كتفكيك قطع محرك ، والخيمة في العربية تطب إذا بنيت وتقوض إذا أسقطت أعمدتها [19] - حمزة المزيني ، التحيز اللغوي وقضايا أخرى ، ص214 [20] - المرجع نفسه ، ص216 [21] - في قضية تعريب المصطلح والدعوة إلى توحيده يمكن مراجعة عباس الصوري ، بين التعريب والتوحيد ، ضمن قضايا المصطلح في الآداب والعلوم الإنسانية ن 1/99 وما بعدها . [22] - عبد الرحمن الحاج صالح ، اللغة العربية وتحديات العصر ، ص 25 - 26 .وانظر أيضا أمينة فنان ، من قضايا توليد المصطلح ، ضمن قضايا المصطلح في الآداب والعلوم الإنسانية ، 1/68 [23] - حمزة المزيني ، التحيز اللغوي وقضايا أخرى ، ص217 [24] - عبد السلام المسدي ، قاموس اللسانيات ، ص 55 . [25] - يمكن الرجوع في سياق مشابه إلى عبد الرحيم الرحموني ، من قضايا ترجمة المصطلح الأدبي ، ضمن قضايا المصطلح في الآداب والعلوم الإنسانية ، 2/21 [26] - حمزة المزيني ، التحيز اللغوي وقضايا أخرى ، ص218 نقلا عن مقالة ليندا هيتشيون [27] - محمود فهمي حجازي ، الأسس اللغوية لعلم المصطلح ، دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع ، القاهرة ( د . ت ) ، ص 13 . [28] - عبد الرحمن بن حسن العرف ، في المصطلح اللغوي عند الدكتور تمام حسان ، ص11 [29] - محمد حلمي هليل ، دراسة تقويمية لحصبلة المصطلح اللساني في الوطن العربي ،ضمن ندوة تقدم اللسانيات في الأقطار العربية ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت ، ط1 ، 1991 ص 287. [30] - المصطلح التداولي مدين في نشاته للبراغماتية ونظرية أفعال الكلام التي ظهرت على يد وليام جيمس وشارل موريس وشارل سندريس بيرس ثم أوستين وسيريل وكارناب ولودفيج فتجنشتين ، وتعني التداولية (Pragmatique) دراسة استعمال اللغة في الخطاب ، شاهدة في ذلك على مقدرتها الخطابية فهي إذن تهتم بالمعنى كالدلالية وبعض الأشكال اللسانية التي لا يتحدد معناها إلا من خلال استعمالها ،وعرفها " فرانسيس جاك (f.jak" بقوله : ”تتطرق التداولية إلى اللغة الخطابية والتواصلية والاجتماعية معا “ ،فاللغة استعمال بين شخصين للعلامات استنادا إلى قواعد موزعة تخضع لشروط إمكانية الخطاب ، وفي الدرس النقدي العربي يعرفها صلاح فضل بأنها ذلك الفرع العلمي المتكون من مجموعة العلوم اللغوية التي تختص بتحليل عمليات الكلام بصفة خاصة، ووظائف الأقوال اللغوية وخصائصها خلال إجراءات التواصل بشكل عام،فاللسانيات التداولية تخصص لساني يدرس العلاقة بين مستخدمي الأدلة اللغوية (المرسل، المرسل إليه) وعلاقات التأثر والتأثير بينهما في ضوء ما ينتجانه من تحاور متصل، مما يعنى كونها علما تلفيقيا أو موسوعيا يجمع بين اختصاصات متعددة ، فليست التداولية بهذه المفاهيم المتعددة علما لسانيا صرفا يقف عند البنية الظاهرة للغة بل هي على ما يؤكده جاك موشلار(J.Mochlar) علم جديد للتواصل يسنح بوصف و تحليل وبناء إستراتجيات التخاطب اليومي والمتخصص بين المتكلمين في ظروف مختلفة . [31] - استخدم هذا المصطلح سنة1970للدلالة على البراكسيس(praxis) ،ولهذا المصطلح مقابلات عربية أخرى أقل شهرة في نظرنا مثل الذرائعية والنفعية والتخاطبية والمقاماتية والوظائفية لما يتضمنه مصطلح تداول من دلالة على التفاعل والواقعية والممارسة والتعالق وكلها معان يسعى هذا العلم إلى استكشافها في نظام اللغة واستعمالها، أما المعنى المعجمي للتداولية فهو الانتقال من حال إلى أخرى، يقال دال يدول دوْلا و أدال الشيء جعله متداولا،وتداولت الأيدي الشيء، أخذته مرة تلو مرة ،انظر ابن منظور ، لسان العرب ، مادة دول. [32] - من صور المقابلات الفضفاضة لهذا المصطلح ما وجدناه في كتاب اللسانيات وآفاق الدرس اللغوي ،ص 34 من شرح للمصطلح بعبارة وصفية هي الحاجات العملية . [33] - نخبة من الباحثين ، معجم مصطلحات علم اللغة الحديث ، مكتبة لبنان ناشرون ، ص70 [34] - المعجم الموحد لمصطلحات اللسانيات ، المنظمة العربية للتربية والثقافة ، تونس ، 1989، ص111، فقد ورد تحت مادة pragmatics دراسة استعمالية ( دراسة كيفية استعمال الناطقين للغة في حالات الخطاب الملموسة [35] - فان دايك ، علم النص ، مدخل متداخل الاختصاصات ، دار القاهرة ، ط1 ، 2001 ، ص415 وغيرها [36] - لا يرى كثير من الدارسين العرب في المقابل أي أزمة لسانية نتيجة تعدد المصطلحات الدالة ،مرجعين ذلك إلى سمة تمتاز بها اللغات الحية التي إنشاء ألفاظ جديدة كثيرة كل يوم في كل حقل من حقول المعرفة ، انظر عبد الملك مرتاض ، نظرية القراءة ، هامش ص 208. [37] - سمير ستيتية ، نحو معجم لغوي شامل موحد ، ص164. [38] - فيليب بلانشيه ، التداولية من أوستين إلى غوفمان ، ترجمة صابر الحباشة ، دار الحوار ، سوريا ، ط1 ، 2007 ، ص48 وانظر خالد ميلاد ، الإنشاء في العربية بين التركيب والدلالة ، دراسة نحوية تداولية ،المؤسسة العربية للطباعة والنشر ، تونس ، ط1 ، 2001 ، ص499. [39] - كلاوس برينكر ، التحليل اللغوي للنصوص ، مدخل إلى المفاهيم الأساسية والمناهج ، ترجمة سعيد حسن بحيري ، شركة المختار للنشر ، ط1 ، سنة 2005 ، ص207 وانظر فان دايك ، علم النص ، مدخل متداخل الاختصاصات ، ص415. [40] - فان دايك ، النص والسياق ، استقصاء البحث في الخطاب الدلالي والتداولي ، ترجمة عبد القادر قنيني ، إفريقيا الشرق ، المغرب ، 2000، ص342، كما ترجم مصطلح (macro-action) بفعل كلي شامل فسوى بين الوظيفة والفعل في ترجمة هذا المصطلح بحسب ما يظهر . [41] - الجيلالي دلاش ، مدخل إلى اللسانيات التداولية ، ترجمة محمد يحياتن ، ديوان المطبوعات الجامعية ، الجزائر ، سنة 1992 ، ص25 [42] - خالد ميلاد ، الإنشاء في العربية بين التركيب والدلالة ، ص498 [43] - انظر تفصيلا حمزة بن قبلان المزيني ، التحيز اللغوي وقضايا أخرى ، ص 217 -220. [44] - مصطفى غلفان ، المعجم الموحد لمصطلحات اللسانيات ، أي مصطلحات لأي لسانيات ؟ مجلة اللسان العربي ، العدد46 ، 1419 -1998، ص159 . [45] - المرجع نفسه ، ص499 ويذهب الباحث في هذا السياق إلى تغليب كونها أعمالا لغوية فالإثبات والنهي والتعجب والوعد معان لغوية لاوجود لها في الواقع الشيئي ،إنها أعمال تنجز في اللغة وباللغة ، ويبدو أن نسبتها للغة أو الكلام كان نتاجا للتمييز السوسيري بين ماهو لغوي وما هو كلامي . [46] - عبد القادر قنيني ، نظرية أفعال الكلام العامة ، سنة 1991 [47] - راجع هذه المصطلحات عند أصحابها في فيليب بلانشييه ، التداولية من أوستن إلى غوفمان ، ترجمة صابر الحباشة ، دار الحوار للنشر والتوزيع ، سوريا ، ط1 ، 2007 ،ص 48 و209 وانظر الجيلالي دلاش ، مدخل إلى اللسانيات التداولية ، ترجمة محمد يحياتن ، ديوان المطبوعات الجامعية ، الجزائر ، سنة 1992 ، ص25 [48] - عبد القادر الفاسي الفهري ، اللسانيات واللغة العربية ، منشورات عويدات ، بيروت ، باريس ، دار توبقال، المغرب ،ط1 ، 1986،ص433 [49] - فولفجانج هاينه من وديتر فيهفيجر ن مدخل إلى علم اللغة النصي ، ترجم فالح بن شبيب العجمي ن منشورات جامعة الملك سعود ، ص421 وغيرها [50] - المرجع نفسه ، ص400 وانظر ترجمة بحيري للكتاب نفسه فهو يستعمل مصطلحين للدلالة على المفهوم نفسه : الفعل اللغوي والفعل الكلامي ، انظر مدخل إلى علم اللغة النصي ، ترجمة بحيري ، مكتبة زهراء الشرق ، ط1 ، 2004 ، ص369. [51] - راجع نظرية أفعال الكلام العامة ، ترجمة عبد القادر قنيني ، 1991 وطالب هاشم طبطبائي، نظرية الأفعال الكلامية بين فلاسفة اللغة المعاصرين والبلاغيين العرب ، مطبوعات جامعة الكويت ، 1994، [52] - محمود نحلة ، آفاق جديدة في البحث اللغوي المعاصر ، دار المعرفة الجامعية ، ط1 ، سنة 2002 ، ص44 [53] - جان كلود **** ، السيميائية ، مدرسة باريس ، ترجمة رشيد بن مالك ، دار الغرب الجزائرية ، 2003 . [54] - وردت هذه الترجمة في كتاب خالد ميلاد ، الإنشاء في العربية بين التركيب والدلالة ، دراسة نحوية تداولية ، ص499 [55] - طالب هاشم طبطبائي ، نظرية الأفعال الكلامية ، ص10 [56] - فان دايك ، علم النص ، ترجمة سعيد حسن بحيري ، ص415 [57] - فان دايك ، النص والسياق ، ترجمة عبد القادر قنيني ، ص420 - مجلة علوم انسانية - المشاهدات:2578
http://brahmiblogspotcom.blogspot.com/2011/05/blog-post_2949.html

hano.jimi
2011-09-25, 11:49
minna
http://www.4shared.com/document/zOcQiRuW/___.htmlهذا كتاب اتمنى ان يفيدك



بمشاركة نخبة من الباحثين العرب والأجانب
ندوة علمية كبرى حول قضايا المنهج في الدراسات اللغوية بآد اب جامعة الملك سعود
الرياض - سحر الرملاوي

ينظم قسم اللغة العربية بكلية الاداب جامعة الملك سعود ندوة علمية دولية كبرى اعتبارا من الاحد المقبل في الفترة من 21 الى 25/3/1431ه بعنوان (قضايا المنهج في الدراسات اللغوية والادبية النظرية والتطبيقية) لعدد من الباحثين المتخصصين والمتميزين في الدراسات الادبية واللغوية من العرب والاجانب من جميع دول العالم، حيث سيتاح للرجال حضور فعالياتها مباشرة في كلية الآداب جامعة الملك سعود بالدرعية فيما ستتمكن المرأة من حضورها بمركز الدراسات الجامعية للبنات بعليشة عبر النقل الحي المباشر والمشاركة في الفعاليات..

وقالت الدكتورة نورة الشملان رئيسة الندوة: إن فعاليات الندوة ستبدأ في اليوم الاول بحفل افتتاح مسائي تنطلق بعدها الانشطة العلمية بدءا من التاسعة صباح اليوم التالي وفق الترتيب التالي:

يوم الاثنين الجلسة الأولى تناقش المحور الأول للندوة: مفهوم المنهج بين النظرية والتطبيق برئاسة أ.د. أحمد الطامي ويقدم فيها أ.د. سعيد علوش ورقة عمل بعنوان «علاقة النظرية بالمنهج» يليه د. محمد صاري بورقة «خطاب المنهج في اللغة والأدب المكاسب والآفاق» ثم تطرح أ.د. يمنى طريف الخولي ورقتها بعنوان «مفهوم المنهج: دراسة تحليلية أولية» بعدها يقدم د. يوسف وغليسي ورقة عمل بعنوان «استراتيجية اللامنهج في الخطاب النقدي العربي» ثم يفتح باب النقاش والمداخلات..

لتبدأ بعد الظهر الجلسة الثانية التي تناقش المحور الثاني للندوة بعنوان «المناهج الحديثة ودراسة التراث اللغوي» برئاسة د. الجوهرة بنت فهد حيث يستعرض فيها أ.د. إبراهيم الشمسان ورقته بعنوان «تعميم النمط في النحو العربي» ويقدم بعده أ.د. عبد القادر الفاسي الفهري ورقة «اللسانيات العربية بين التنظير والتجريب والتجسير» ثم يقدم أ.د. محمد صلاح الدين الشريف ورقة عمل بعنوان «قضايا المنهج في دراسة البُنْية الحدثيّة ومستويات التجريد النحويّ» وينهي أ.د. نهاد الموسى الجلسة بورقة بعنوان «تطبيقات المناهج اللغوية الحديثة في دراسة التراث اللغوي عند العرب» ويفتح الباب للنقاش.

وفي السادسة والنصف من مساء يوم الاثنين من المقرر ان تعقد الجلسة الثالثة التي تناقش بدورها المحور الثالث «مناهج اللسانيات الحديثة وتطبيقاتها» برئاسة أ.د. وسمية المنصور ويتناول فيها أ.د. أحمد الضبيب موضوع «القضايا اللغوية عند الباحثين السعوديين» ثم يقدم أ.د. عبد الجبار بن غربية ورقته بعنوان «علم الدلالة في اللسانيات الغربية» يليه أ.د. فالح العجمي بورقة «وظائف اللغة في إطار نظرية التواصل» بعده تقدم د. نادية عمري ورقة بعنوان «اسم المرة ومصدره: تحليل مواز عبر السمات» وتختتم الجلسة بنقاش مفتوح.

- وفي التاسعة من صباح يوم الثلاثاء تبدأ الجلسة الرابعة التي تناقش المحور الرابع «المناهج والشعر القديم» برئاسة أ.د. منصور الحازمي وفيها يقدم أ.د. أيمن ميدان «التعالق النصي في شعرنا القديم» تعقبه أ.د. سوزان ستيكتفيش بورقة «قضايا القصيدة العربية: المناهج والمنهجية» فالدكتورة ليلى با يزيد بورقة «الاتساق في دالية جميل: السبك المعجمي» ثم ورقة د. مباركة بنت البراء بعنوان «القصيدة عند ابن زيدون: نظرة في المعجم والتركيب».

وبعد الظهر تبدأ الجلسة الخامسة التي تناقش المحور الخامس بعنوان «المناهج في تحليل الخطاب» برئاسة د. الجازي الشبيكي ويستعرض فيها أ.د. أحمد يوسف ورقته المعنونة «التلفظ وإنتاج المعنى: مقاربة في سيميائيات الخطاب» يليه د. حسام أحمد فرج بورقة «الأداء النصي واختلاف طرق التأويل» بعد ذلك يقدم أ.د. شكري المبخوت ورقة «معايير تحديد الأعمال اللّغويّة غير المباشرة مناقشة منهجيّة لوهم شائع في نظريّة الأعمال اللّغويّة» ويقدم أ.د. عبد القادر فيدوح ورقة «المنهج التأويلي في تحليل الخطاب» ويختتم الاوراق د. نعمان أبوقرة بورقة «المناهج التداولية المعاصرة وإشكالية تحليل الخطاب الأدبي».

وعند السادسة والنصف مساء تبدأ الجلسة السادسة التي تناقش المحور السادس «مناهج البلاغة والبلاغيات الجديدة» برئاسة أ.د. عبد الله العثيمين وفيها يقدم أ.د. حمادي صمود ورقة «مناهج دراسة الفكر البلاغي العربي: التجربة التونسية نموذجاً» يليه ورقة أ.د. سعد مصلوح «بين الأسلوبيات المعاصرة والأسلوبيات العربية أبعاد الفجوة وآفاق التجاوز» ثم ورقة د. فهد سنبل «مصطفى ناصف من البلاغة إلى البلاغة» وتختتم الاوراق بورقة أ.د. محيي الدين محسب «منهجية دراسة الاستعارة من الأساس اللغوي إلى التأسيس الإدراكي».

- وفي التاسعة من صباح يوم الاربعاء تبدأ الجلسة السابعة التي تناقش المحور السابع للندوة «النقد النسوي» برئاسة أ.د. عثمان صيني يقدم فيها د. إبراهيم الشتوي ورقة بعنوان «النسوية في الخطاب النقدي في المملكة» يليه أ.د. عبد الله الغذامي بورقة «نظرية الفروق الجندرية» فورقة أ.د. عبد النور خراقي بعنوان «اللغة والنوع الاجتماعي» ويختتم الاوراق أ.د. ميجان الرويلي بورقة «منهجية الحركة النسائية وتحيز الحياد العلمي»

وبعد الظهر تبدأ الجلسة الثامنة لتناقش المحور الثامن بعنوان «في الدلالة والمنهج السيميائي» برئاسة أ.د. محمد الربيع ويقدم فيها أ.د. زياد الزعبي ورقة «المنهج السيميائي: إشكاليات التنظير ومتاهات التطبيق» فورقة د. عزة شبل محمد بعنوان «السياق وإنتاج الدلالة» ثم ورقة د. محمد القويزاني بعنوان «نظريات ما بعد الاستعمار وتحليل الآداب المحلية» ويختتم الجلسة أ.د. موسى ربابعة بورقة «آليات التأويل السيميائي».

وفي السادسة والنصف مساء تبدأ الجلسة التاسعة للمحور التاسع «المناهج والنص السردي» برئاسة أ.د. سعد البازعي ويقدم فيها أ.د. العادل خضر ورقة «الحيلة في الأدب العربي القديم» كما تقدم د. بسمة عروس ورقة بعنوان «المناهج الحديثة والنثر القديم» فيما يقدم د. ضياء الكعبي ورقة بعنوان «منهجية النقد الثقافي وتطبيقاته [النص السردي القديم]» ويختتم الجلسة أ.د. عبد الله إبراهيم بورقة «الدراسات السردية في النقد العربي الحديث المكاسب والرهانات» ليعقب المناقشات والمداخلات وتلاوة توصيات الندوة.


حفظطباعةتكبيير
12345قيّم هذا الموضوع


التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "الرياض" الإلكتروني ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر، وللإبلاغ عن أي تعليق مخالف يرجى الضغط على زر "التنبيه" أسفل كل تعليق

عدد التعليقات : 3
(جديد) ترتيب التعليقات : الأحدث أولا , الأقدم أولا , حسب التقييم
1
جهد مشكور للدكتورة نورة الشملان فقد كانت منذ عام ونصف العام تعمل على ظهور هذه الندوة. وهي من اقترح إقامتها من البداية وظلت تعمل على ذلك فلها الشكر من كل الأدباء والمثقفين.
أبو نايف (زائر)
UP0DOWN
11:23 صباحاً 2010/03/03
2
نأمل من المشاركين في تلك الندوة الخروج بأسس علمية لبناء المنهج اللغوي العصري...
مهل المطيري (زائر)
UP0DOWN
01:38 مساءً 2010/03/03
3
بارك الله في القسم وإن شاء الله تكون ندوه علمية مميزة وبإذن الله أحضرها.
بدر المرشدي
UP0DOWN
03:20 مساءً 2010/03/03

اضف تعليقك
المعقب الصحفي
ارسل لصديق
الشبكات الإجتماعية

التعليق مقفل لانتهاء الفترة المحددة له


إعلانات



محليات
الأمير خالد بن سلطان يفتتح مبنى قيادة قوة الصواريخ الاستراتيجية بالرياض
الأمير منصور : الأمانات دورها الأساسي التخطيط والمتابعة .. ولا بد من تفهم احتياجات المواطن والصبر والحلم
مدير الطرق بتبوك يوضح:محاول الانتحار تم إيقافه أربع مرات لنقله المعلمات بدون رخصة
أمير الشرقية يستقبل السفير الفنزويلي ومدير فرع هيئة الرقابة بالمنطقة
أمير جازان يتسلم مليون ريال دعماً للنازحين من أسمنت نجران
الأمير مشعل بن ماجد يستقبل مدير جوازات منطقة مكة المكلف
الأمير تركي بن ناصر يعلن اكتمال الاستعدادات لانطلاق المنتدى والمعرض الدولي للبيئة والتنمية المستدامة
نائب أمير الشرقية يرعى معرض «كن واعياً».. الشهر المقبل
إعلانات

http://www.alriyadh.com/2010/03/03/article503248.htmlموقع المستخذم














ندوة/مؤتمر "لسانيات النص وتحليل الخطاب"، أغادير، المغرب
22-24 مارس/آذار 2010

ورقة الندوة/المؤتمر

شهد القرن العشرون تحوّلات حاسمة، في طرق النظر ومعالجة الظاهرة اللغوية، غيرَ مستقلة عمّا حدث من تراكم في مجالي الفلسفة والعلوم المادية. وربما كانت الآفاق التي فُتِحت أمام منهجيات المعالجة والإشكاليات النظرية ذات الصلة باكتساب اللغة ووصفها قدرةً وإنجازاً... من بين المنجزات التي أحدثت ثورة في تصوّر اللغة وما يرتبط بها من إنتاج.
سرعان ما انتقلت "عدوى" هذه التحوّلات إلى مجال كان شبه مستقل، أو هكذا كان يُدرَك، نعني النص. كان هذا المجال شبه "مؤمَّم" من قبل نظريات الأدب ونقده بحكم طبيعة الإنتاج الذي يُعتبَر ميدان اختبارهما أو اختصاصهما. غير أن الطمأنينة إلى ما استقرّ وطال أمده من آراء في هذا الباب أصابها رذاذ ما تحقّق في حقل المقاربات المؤسّسة في اللسانيات

وكان من ثمار ذلك بروز مصطلحين استحوذا على المناقشات والأسئلة والمقاربات، نعني مصطلحي "الخطاب" و"النص". فأثمر تخصيصهما بالتفكير والمعالجة أسئلة حقيقية هي أقرب إلى التحديات منها إلى ترَف التفكير وتمرين الذهن. بل إن الانكباب عليهما قاد إلى مساءلة مدى فعالية اللسانيات الحديثة، بناء على أن التواصل لا يَتوسّل الكلمات والجمل وإنما النصوص والخطابات.

ونظراً لما أضحت تخضع له طبيعة التفكير في الظواهر وتأمّلها في العصر الحديث علاوة على ضوابط إنتاج المعرفة، كان "من اللازم" تكوين فريق عمل ينكبّ على دراسة الوحدة التي اتُّخِذت موضوع بحث وتحليلِها ووصفِها. وقد كان لجامعة كونسطانس بألمانيا قصب السبق في هذا المنحى؛ غير أن تنوُّع وحدة البحث وتلوُّنها بجنس الإنتاج الذي تستمد منه تقاليدها وهويتها من ناحية، واستعصاءها على النظر اللساني -بحصر المعنى- من ناحية ثانية عجّلا بأن تتفرّق السّبل بفريق العمل فنحتَ كلٌّ طريقه وارتضاه وِجهةً للبحث والتدقيق.

وتأسيساً على هذا ظهرت مصطلحات غدَت أعلاماً على توجّهات في البحث واختلاف في المرامي، من قبيل "نحو النص" و "لسانيات النص" و "علم النص" و "تحليل الخطاب" و"اللسانيات النقدية" و"النظرية السميوطيقية للنص"... ولمّا كان هذا هكذا صار من المستساغ وضع مصطلحات وثيقة الصلة بمفاهيم المقاربات والتصورات التي توجّه خطاها. وما هي إلا أن استفادت الأبحاث مما تحقق في حقول العلوم الإنسانية والمادية وفي مقدمتها علم النفس المعرفي والذكاء الاصطناعي وما جاورهما. وبذلك تفرّعت الإشكاليات وتعدّدت أوجه استثمار ما تحقّق ومساءلته.

وعلى نحو ما هو معتاد انفتحت الأبحاث المنجزة في العالم العربي على هذه الانشغالات العلمية تأليفاً وترجمةً وتمحيصاً. وهكذا طفقت المؤلّفات والمقالات تتْرى مقتدية بما تقدّم تارةً، مجتهدةً تارة أخرى. وعلى الجملة بات هذا الاختصاص ينحت له طريقاً في مجال المعرفة العربية الحديثة باحثاً عن استقرار محتمل.

وبناء على ما تقدّم نقترح أن تنكبّ أعمال هذه الندوة/المؤتمر على ما يلي:

1- تاريخ مقاربة النص (ما قبل لسانيات النص/الخطاب)؛

2- أسئلة التأسيس ودواعيه؛

3- لسانيات الجملة/ لسانيات (أنحاء) النص والخطاب؛

4- اللسانيات النقدية؛

5- لسانيات النص والخطاب وإسهامها في حقل الترجمة؛

6- حصيلة الترجمة: ما الذي تُرجم إلى اللغة العربية وكيف تُرجم؛

7- التأليف: ما الذي تحقّق في هذا الباب؟ هل هو تأليف متقدّم (=يوسّع مجال البحث ويجدّد أسئلته ويختبر طرقاً جديدة...) أم تُراه يراوح مكانه؟

8- مسألة المفاهيم والمصطلحات في التأليف والترجمة (مدى وجاهتها)؛

9- ما حدود انفتاح (استفادة) التأليف العربي على (من) اللسانيات العربية؟

تلك هي المحاور التي نقترحها لأعمال هذه الندوة.

توضيحات تنظيمية:

ستنعقد الندوة في كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة ابن زهر، أكادير؛

أ- ضرورة التزام المشاركة بمحور من المحاور السالفة؛

ب- إرسال ملخص البحث: 30 شتنبر/أيلول 2009؛

ج- الإخبار بقبول البحث: 31 أكتوبر/تشرين الأول 2009؛

د- تسليم البحث كاملاً مرقوناً بنظام "وورد" خط Traditional Arabic قياس 16 (عدد الصفحات عشرين): 31 يناير/كانون الأول 2010؛

هـ وضع الحواشي في أسفل الصفحة متسلسلة الترقيم.

و- الندوة/المؤتمر أيام 22، 23، 24 مارس/آذار 2010

واجبات المشاركة في الندوة/ المؤتمر: 500 أورو

ويشمل مصاريف الإقامة والتغذية ووثائق المؤتمر والتنقل داخل المدينة، علاوة على رحلة سياحية/ثقافية إلى مدينة مراكش.

زيارة مراكش (اختيارية): يوم 25 مارس/آذار 2010 (85 أورو= تذكرة السفر ذهاباً وإياباً+ التغذية + الإقامة. يحقّ للراغب عنها خصمُ هذا المبلغ من واجب المشاركة).

لجنة التنظيم:

المنسق: محمد خطابي

محمد حفيضي

حافظ اسماعيلي علوي

عبد المجيد الزهير

حسن حمائز

محمد ناجي بنعمر

إبراهيم السوسي

للاتصال: tidrarines@live.fr

الفاكس: + 212 528 22 16 20

http://www.univ-ibnzohr.ac.ma/portail_flsh/index.php?option=com_*******&task=view&id=111&Itemid=1

hano.jimi
2011-09-25, 12:16
minna

مشاهدة النسخة كاملة : ندوة اللغة العربية معالم الحاضر و آفاق المستقبل دمشق 26-29/10/1997


ابن حوران
05-15-2008, 01:36 PM
ندوة اللغة العربية معالم الحاضر و آفاق المستقبل دمشق 26-29/10/1997 ـــ د. محمد حسان الطيان

أقام مجمع اللغة العربية بدمشق ندوة للغة العربية عنوانها :" اللغة العربية معالم الحاضر وآفاق المستقبل" شارك فيها نحو من خمسة وعشرين باحثاً من الأٌقطار العربية الشقيقة، ومن القطر العربي السوري، وحضرها لفيف من العلماء والباحثين من أعضاء مجمع اللغة العربية وأساتذة الجامعة. وقد عقدت الندوة في قاعة المحاضرات في رحاب مجمع اللغة العربية بدمشق في المدة من 26/10/ حتى 29/ 10/ 1997. واستُهِلَّت بحفل افتتاح تمَّ في مكتبة الأسد الوطنية تحت رعاية الدكتورة صالحة سنقر وزيرة التعليم العالي، وكانت الكلمة الأولى فيه للأستاذ الدكتور شاكر الفحام رئيس مجمع اللغة العربية بدمشق، والكلمة الثانية للأستاذ الدكتور عبد الله الطيب رئيس المجمع السوداني ممثلاً للوفود المشاركة، ثم ختمت السيدة الوزيرة راعية الندوة بكلمة رحَّبت فيها بالضيوف العلماء ورجت لهم التوفيق والسداد في ندوتهم.‏

حدَّد القائمون على الندوة مسارَ بحوثها في محاور خمسة هي:‏

1- مشكلة الأداء في اللغة العربية.‏

2- التعريب والمصطلح.‏

3- تيسير مباحث العربية.‏

4- المعجم العربي.‏

5- مستقبل اللغة العربية.‏

واستجابت البحوث لهذا فتناولت محاور الندوة على نحوٍ استغرقها، وطرح فيها العديد من وجهات النظر، إذ تعاقب على كل محور غير ما بحث ، فكان في ذلك غنىً للمحور، وتوسعٌ في مناقشة ما يمكن أن يرد فيه من أفكار. هذا وقد توزعت بحوث الندوة على ستّ جلسات علمية، تمَّ في أولها انتخاب الأستاذ الدكتور شاكر الفحام رئيساً للندوة والأستاذ الدكتور عبد الكريم الأشتر مقرراً لها . ثم بدأ إلقاء البحوث المشاركة تباعاً ، وخصص وقت في آخر كل جلسة للمناقشات والمداخلات والتعقيبات.‏

وسأعرض فيما يلي لعناوين البحوث في كل محورٍ مقتصراً في العرض والتحليل على بحثٍ متخيّرٍٍ من كل محور منها بما يقتضيه المقام في هذا المقال:‏

المحور الأول: مشكلة الأداء في اللغة العربية‏

والمراد من هذا المحور تحديداً أسباب الضعف في أداء العربية الفصحى وبيان أنجع الوسائل للقضاء على هذه الأسباب بغية الوصول إلى سلامة في الأداء وتمكّن من العربية. وقد ألقيت فيه البحوث التالية:‏

1- مشكلة الأداء في اللغة العربية، أسباب الضعف ووسائل العلاج . للأستاذ الدكتور عبد الله الطيب رئيس مجمع اللغة العربية في السودان ورئيس مجلس جامعة الخرطوم- من السودان.‏

2- مشكلة الأداء في اللغة العربية. للأستاذ الدكتور عبد الكريم الأشتر الأستاذ في جامعة دمشق، ورئيس قسم اللغة العربية فيها سابقاً- من سورية.‏

3- مشكلة الأداء في اللغة العربية. للأستاذ الدكتور مسعود بوبو رئيس الموسوعة العربية وعضو مجمع اللغة العربيية بدمشق - من سورية.‏

4- مشكلة الأداء في اللغة العربية للأستاذ الدكتور محمد مختار ولد أبّاه أستاذ الدراسات الإسلامية في دار الحديث الحسنية بالرباط- من موريتانيا.‏

5- مشكلة الأداء في اللغة العربية. للأستاذ الدكتور محمود أحمد السيد الأستاذ بكلية التربية بجامعة دمشق، والمدير الأسبق لإدارة التربية في المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم- من سورية.‏

6- مشكلة الأداء في اللغة العربية في المغرب . للأستاذ الدكتور محمد بن شريفة الأمين العام لأكاديمية المملكة المغربية . من المغرب.‏

7- الإعلان وأثره في اللغة العربية. للأستاذ الدكتور عصام نور الدين أستاذ العلوم اللغوية بالجامعة اللبنانية - من لبنان.‏

في محاضرته "مشكلة الأداء في اللغة العربية، أسباب الضعف ووسائل العلاج " تناول الدكتور مسعود بوبو مفهوم الأداء فبيَّن أنه لا يقتصر على الإيصال والتلاوة والإتقان وإنما يتجاوز ذلك إلى كل ما من شأنه أن يؤثّر في اللغة العربية نطقاً وكتابةً وتعبيراً، مما يجعل المشكلة تتصدر همومنا العلمية والتعليمية وتمتد حتى تلامس الخطر القومي.ومن ثمّ بحث الدكتور بوبو عن أسباب المشكلة وحاول تحديدها موسِّعاً من دائرة هذه الأسباب ومخرجاً لها عن حيز الاقتصار على المدرسة أو الجامعة أو التعليم عموماً ، فهو يشرك كل هذه المؤسسات بالمسؤولية ويبرز جانباً آخر له تأثير كبير في ضعف الأداء وهو غياب الحافز القديم على إتقان العربية، فقد كانت العربية مطلباً حيوياً أثيراً... وكان تحصيلها استجابة لمتطلبات العقيدة الإسلامية ، وهو خير سبيل لصون لغة القرآن من فساد الألسنة.‏

وبعد ذلك عرض الدكتور بوبو لمحاولات التجديد والتيسير في النحو قديماً وحديثاً وأشار إلى أسلوب تناول المادة العلمية الذي يجري بطريقة إلقائية أو إملائية تلقينية كالقوالب الثابتة من جهة المدرّس، وحفظيةٍ خالصةٍ من جهة المتعلِّم، من غير حوار أو محاكمة أو اسستفسار، وبمعزل عن التذوق وتفجير الطاقات الكامنة... وجعل من أسباب الضعف في الأداء أيضاً تأثر بعض الأقطار العربية لغوياً بالاستعمار ، وازدحام بعض الأقطار بالدخلاء الأجانب:‏

" في هذا المضطرب زاحم العربية الدخيلُ واللغات الهجينة والتعدُّد اللغوي فوق ما تعانيه من ازدواج لغوي وجهل وأمية أحياناً ، فخفَّت جهارة صوتها القديم"‏

ثم عرض الباحث لمظهر من أعظم مظاهر هذا الضعف في الأداء يتجلَّى في وسائل الإعلام، حيث مثّل بأمثلة عملية تبدّى فيها مبلغ الجناية على العربية لدى بعض العاملين في الإعلام: " فإنّ هناك ضعفاً ملحوظاً في الأداء اللغوي الإعلامي: قراءةً، وإلقاءً، وصياغة أخبار وافتتاحيات، وتعليقات، وتحقيقات، ضعف يصل حدود الخطأ في القرآن الكريم...".‏

ولم يغفل الباحث ما للحكومات والهيئات والمؤسسات العلمية من عناية باللغة القومية تبدّت في إقامة ندوات واجتماعات ومحاضرات وبحوث، ومواجهة الغزو اللغوي بالحدَِّ من تفشِّي التسميات الأجنبية.‏

وقد أشار إلى الإجراءات التنفيذية التي تفرض العقوبات على المخالفين معتبراً هذه الإجراءات محرِّضاً لفعل شيء في طريق صون لغتنا ، وداعياً إلى عدم قصر المسألة على جهة معينة، بل لابدّ من تحمل الممسؤولية كاملة واشتراك كل المؤسسات (العلمية وغير العلمية) في هذه المسؤولية.‏

هذا وقد ختم الدكتور بوبو بحثه بجملة من الحلول نشير إلى أبرز ما جاء فيها:‏


1- مشكلة الأداء في اللغة العربية، أسباب الضعف ووسائل العلاج . للأستاذ الدكتور عبد الله الطيب رئيس مجمع اللغة العربية في السودان ورئيس مجلس جامعة الخرطوم- من السودان.‏

2- مشكلة الأداء في اللغة العربية. للأستاذ الدكتور عبد الكريم الأشتر الأستاذ في جامعة دمشق، ورئيس قسم اللغة العربية فيها سابقاً- من سورية.‏

3- مشكلة الأداء في اللغة العربية. للأستاذ الدكتور مسعود بوبو رئيس الموسوعة العربية وعضو مجمع اللغة العربيية بدمشق - من سورية.‏

4- مشكلة الأداء في اللغة العربية للأستاذ الدكتور محمد مختار ولد أبّاه أستاذ الدراسات الإسلامية في دار الحديث الحسنية بالرباط- من موريتانيا.‏

5- مشكلة الأداء في اللغة العربية. للأستاذ الدكتور محمود أحمد السيد الأستاذ بكلية التربية بجامعة دمشق، والمدير الأسبق لإدارة التربية في المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم- من سورية.‏

6- مشكلة الأداء في اللغة العربية في المغرب . للأستاذ الدكتور محمد بن شريفة الأمين العام لأكاديمية المملكة المغربية . من المغرب.‏

7- الإعلان وأثره في اللغة العربية. للأستاذ الدكتور عصام نور الدين أستاذ العلوم اللغوية بالجامعة اللبنانية - من لبنان.‏

في محاضرته "مشكلة الأداء في اللغة العربية، أسباب الضعف ووسائل العلاج " تناول الدكتور مسعود بوبو مفهوم الأداء فبيَّن أنه لا يقتصر على الإيصال والتلاوة والإتقان وإنما يتجاوز ذلك إلى كل ما من شأنه أن يؤثّر في اللغة العربية نطقاً وكتابةً وتعبيراً، مما يجعل المشكلة تتصدر همومنا العلمية والتعليمية وتمتد حتى تلامس الخطر القومي.ومن ثمّ بحث الدكتور بوبو عن أسباب المشكلة وحاول تحديدها موسِّعاً من دائرة هذه الأسباب ومخرجاً لها عن حيز الاقتصار على المدرسة أو الجامعة أو التعليم عموماً ، فهو يشرك كل هذه المؤسسات بالمسؤولية ويبرز جانباً آخر له تأثير كبير في ضعف الأداء وهو غياب الحافز القديم على إتقان العربية، فقد كانت العربية مطلباً حيوياً أثيراً... وكان تحصيلها استجابة لمتطلبات العقيدة الإسلامية ، وهو خير سبيل لصون لغة القرآن من فساد الألسنة.‏

وبعد ذلك عرض الدكتور بوبو لمحاولات التجديد والتيسير في النحو قديماً وحديثاً وأشار إلى أسلوب تناول المادة العلمية الذي يجري بطريقة إلقائية أو إملائية تلقينية كالقوالب الثابتة من جهة المدرّس، وحفظيةٍ خالصةٍ من جهة المتعلِّم، من غير حوار أو محاكمة أو اسستفسار، وبمعزل عن التذوق وتفجير الطاقات الكامنة... وجعل من أسباب الضعف في الأداء أيضاً تأثر بعض الأقطار العربية لغوياً بالاستعمار ، وازدحام بعض الأقطار بالدخلاء الأجانب:‏

" في هذا المضطرب زاحم العربية الدخيلُ واللغات الهجينة والتعدُّد اللغوي فوق ما تعانيه من ازدواج لغوي وجهل وأمية أحياناً ، فخفَّت جهارة صوتها القديم"‏

ثم عرض الباحث لمظهر من أعظم مظاهر هذا الضعف في الأداء يتجلَّى في وسائل الإعلام، حيث مثّل بأمثلة عملية تبدّى فيها مبلغ الجناية على العربية لدى بعض العاملين في الإعلام: " فإنّ هناك ضعفاً ملحوظاً في الأداء اللغوي الإعلامي: قراءةً، وإلقاءً، وصياغة أخبار وافتتاحيات، وتعليقات، وتحقيقات، ضعف يصل حدود الخطأ في القرآن الكريم...".‏

ولم يغفل الباحث ما للحكومات والهيئات والمؤسسات العلمية من عناية باللغة القومية تبدّت في إقامة ندوات واجتماعات ومحاضرات وبحوث، ومواجهة الغزو اللغوي بالحدَِّ من تفشِّي التسميات الأجنبية.‏

وقد أشار إلى الإجراءات التنفيذية التي تفرض العقوبات على المخالفين معتبراً هذه الإجراءات محرِّضاً لفعل شيء في طريق صون لغتنا ، وداعياً إلى عدم قصر المسألة على جهة معينة، بل لابدّ من تحمل الممسؤولية كاملة واشتراك كل المؤسسات (العلمية وغير العلمية) في هذه المسؤولية.‏

هذا وقد ختم الدكتور بوبو بحثه بجملة من الحلول نشير إلى أبرز ما جاء فيها:‏

1- البدء بحملة لتعميم القراءة في خطة منهجية شاملة.‏

2- إخراج الكتب التعليمية مشكولة الكلم، والحرص على تخيّر النصوص فيها، مما يمتع ويفيد من القديم والحديث، مع تعزيز منهج حفظ النصوص.‏

3- العمل على إرساء تقاليد الأداء اللغوي السليم في المؤسسات والإعلام، وتعميم الخطاب بالعربية الفصيحة قدر الإمكان، وتدريب الأجيال على ذلك.‏

4- التركيز على النحو الوظيفي، واستقراء النصوص واستخلاص الأحكام بالتأمل والمحاكمة لا بالوعظ والعقاب.‏

5- إخضاع فكرة تسهيل النحو لضوابط موضوعية حتى لا يؤول الأمر إلى التخلّي عن أصالة العربية وأسسها.‏

6- إخضاع الكتب والمناهج التعليمية إلى اختبارا وتقويم، وعقد دورات جادّة مطوّلة للمدرّسين بغية إعدادهم الإعداد المطلوب، والتركيز على التكامل في تحصيل العربية، نحواً وصرفاً وبلاغةً وإملاءً وأساليبَ....‏

7- قصر التجديد اللغوي أو التطور اللغوي على أرباب اللغة العالمين بها.‏

8- الإقبال على استخدام التقنيات الحديثة كالحواسيب والمخابر اللغوية وبرامج المعلوماتية الحديثة في الترجمة وتخزين المعاجم أو تصنيف القواعد....‏

المحور الثاني : التعريب والمصطلح‏

تناول هذا المحورَ بحوثٌ أربعة هي:‏

1- المصطلح العربي في عصر العولمة: للأستاذ الدكتور أحمد محمد الضبيب- من المملكة العربية السعودية.‏

2- نحو منهجية للتعريب اللفظي . للدكتور ممدوح خسارة المدرّس في جامعة الكويت- من سورية.‏

(وقد اعتذر عن عدم الحضور ولكن بحثه وزّع على المشاركين).‏

3- التعريب والمصطلح . للأستاذ شحادة الخوري الخبير السابق في المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم- من سورية.‏

4- من تاريخ التعريب والمعرّب : تقريب الشيخ طاهر الجزائري - تهذيب الدكتور أحمد عيسى للأستاذ الدكتور عزّ الديّن البدوي النجار- من سورية.‏

في بحثه "المصطلح العربي في عصر العولمة" نبَّه د. أحمد الضبيب على الخطر المحدق بالعربية في عصرنا هذا عصر العولمة (Mondialisation ويقصد بها جعل الشيء في دائرة اهتمام العالم أجمع وفي متناول أهله أجمعين)، ليعالج الجانب الأكثر خطورة وهو المصطلح العربي، داعياً إلى مواجهة هذا السيل الجارف من المصطلحات الدخيلة باستنفار قدرات لغتنا العربية في كلِّ مجال قبل أن نستقبل الدخيل ونضمه إلى معجمنا اللغوي.‏

وقد استعرض جملة من الجهود التي بذلها علماء عصر النهضة وخالفِوهم من المجمعيين، وهي جهود تراوح بين دعوة إلى إحياء المصطلح العربي القديم، وتساهل وتوسع في استعمال الدخيل، ليخلص إلى أن الاتجاه عند معظم المتأخرين يسير نحو الترجمة الحرفية والتعريب دون تتبع للأصيل من الألفاظ في ثنايا كتب التراث، وضرب لذلك أمثلة، اقتصر على واحد منها وهو مصطلح ورد في معجم مصطلحات النفط ونصّه:" ادفع وتسلم " ترجمة للمصطلح الإنكليزي: Caeey Cash and . يقول:" وعندي أن هذه الترجمة الحرفية لا تجري على العرف العربي، بل إن العجمة بادية عليها وكان بالإمكان ترجمة المصطلح "بالمناجزة" وهو مصطلح يستعمله فقهاء المالكية في أبواب المعاملات المالية، ويعنون به قبض العوض عند العقد . ويقول العرب: بعته ناجزاً بناجز أي يداً بيد....".‏

مما يؤكد أن الترجمة - إن وجدت- يمكن أن تعدّ مرحلة أولى يلجأ إليها كسباً للوقت ولا بد أن تتبعها مرحلة تالية يردد العلماء والمختصون واللغويون النظر فيما ترجم من مصطلحات كي يصوبوا ما قد يكون اعتورها من قصور، ويضعوها في مكانها من اللغة العربية السائغة، فالمصطلح الأصيل المستمد من التراث أو ذلك المسكوك بالوسائل المتاحة للغة من قياس أو اشتقاق أو مجاز يجب أن يكون الهدف الأسمى لوضع المصطلح العربي.‏

يعرض الباحث بعد ذلك للشبهات التي واجهت هذا النوع من المصطلح الذي يدعو إليه فيناقشها واحدة واحدة مفنِّداً ما جاء فيها من ادعاءات لا تثبت على النظر.‏

ويختم بحثه بربط مشكلة المصطلح بمشكلة أكثر خطورة وأشدّ تأثيراً وهي مشكلة البحث العلمي الذي لم يأخذ بعد مكانه اللائق به عندنا. ثم يوصى بأمور أبرز ما جاء فيها:‏

1- بثّ الوعي اللغوي بين أبناء الأمة وإيقاظ غيرتهم على اللغة.‏

2- إنشاء مؤسسات متخصصة في حقول الترجمة تشبه بيت الحكمة العباسي.‏

3- تكوين أجيال من العلماء مزدوجي اللغة تمكنوا من ناصية العلم ومن اللغتين العربية والأجنبية .‏

4- تيسير المادة اللغوية العربية بتصنيف التراث اللغوي في كل العلوم حسب المعاني والاستعانة بالحاسوب لتذليل ذلك.‏

المحور الثالث: تيسير مباحث العربية:‏

النحو، والصرف، والبلاغة، والعروض، والإملاء‏

تناول هذا المحورَ بحوثٌ تسعةٌ هي:‏

1- إحياء العروض . للدكتور محمد حسان الطيان مدرّس اللسانيات في جامعة دمشق والباحث في مركز الدراسات والبحوث العلمية بدمشق.- من سورية.‏

2- العروض بين اللسانيات والإيقاع . للدكتور إسماعيل الكفري رئيس قسم اللغة العربية بجامعة دمشق (سابقاً) - من سورية.‏

3 - تيسير البلاغة. للأستاذ الدكتور أحمد مطلوب الأمين العام للمجمع العلمي ببغداد- من العراق.‏

(وقد وزِّع البحث على المشاركين دون أن يلقى لاعتذار الأستاذ الباحث عن الحضور).‏

4- نحو تيسير قواعد اللغة العربية. للأستاذ الدكتور أحمد حامد عضو مجمع اللغة العربية الفلسطيني ببيت المقدس- من فلسطين. (وقد وزِّع البحث على المشاركين دون إلقاء أيضاً لتخلّف صاحبه عن الحضور).‏

5- تيسير مباحث النحو والصرف. للأستاذ الدكتور سامي عوض رئيس قسم اللغة العربية بجامعة تشرين باللاذقية- من سورية.‏

6- نظرات في قواعد الإملاء العربية. للأستاذ الدكتور عمر الدقاق رئيس اللغة العربية بجامعة حلب (سابقاً) - من سورية.‏

7- إعادة صوغ قواعد العربية. للأستاذ يوسف الصيداوي الباحث المعروف وصاحب البرنامج التلفزيوني (اللغة والناس) - من سورية.‏

8- إعادة بناء مفاهيم النحو. للأستاذة الدكتورة حورية الخياط أستاذة طرائق تدريس اللغة العربية بكلية التربية بجامعة دمشق- من سورية.‏

9- العلل التعليمية وأهميتها في النحو العربي. للدكتور سعد الكردي مدرس النحو والصرف بجامعة البعث بحمص - من سورية.‏

ونظراً لكثرة بحوث هذا المحور فسأعرض لاثنين منها:‏

الأول بحثي " إحياء العروض" الذي مهَّدتُ له بعرض أسباب صعوبة هذا الفن، فذكرت منها:‏


1- إغفال الصلة بين العروض والموسيقا والنغم والإيقاع.‏

2- التوسل إلى تقطيع الأبيات بوضع الإشارات المختلفة التي تمثل المتحرك والساكن ولا تفيد شيئاً في معرفة الوزن.‏

3- ربط تعلم العروض بفهم البحور التي لا تجدي شيئاً في تيسير معرفة الوزن.‏

4- مواجهة الطالب بحشد من المباحث والمصطلحات العروضية المتداخلة.‏

5- البدء بالصعب من البحور والتدرج نحو الأسهل.‏

ثمّ بيّنت أن في تجنب أسباب الصعوبة هذه تيسيراً لتعليم العروض وتذليلاً لكثير من العقبات المعترضة طريقه، وأوليت السبب الأول اهتمام البحث الأساسي فحاولت أن أعيد الصلة القديمة بين العروض والغناء من جهة، وبين العروض والإيقاع من جهة أخرى.‏

أمّا الغناء أو النغم فقد أوضحت أن كل بحر من بحور الشعر المشهورة يمكن أن ينطبق على أغنيةٍ محفوظة أو أكثر، فيغَّني كما تغنَّي، أو ينطبق على نشيد محفوظ فيُنشَد كما يُنشَد، ومن ثمَّ تكون هذه الأغنية أو النشيد بمنزلة المفتاح لهذا البحر، فإذا ما حاول الطالب أداء بيت من الشعر ينتمي إلى هذا البحر على لحن تلك الأغنية طاوعه اللحن وانقاد له الغناء ، وإذا كان البيت من بحر آخر تأبّى عليه اللحن ولم ينقد له الغناء. وقد ضربت مثالاً على ذلك بالبحر المتدارك الذي يمكن أن ينطبق على لحن قصيدة " يا ليلُ الصبُّ" بأداء فيروز ، أو لحن قصيدة " مضناك جفاه مرقدهُ" بأداء الموسيقار محمد عبد الوهاب، أو لحن قصيدة" يا صاح الصبر وهى مني" بأداء الأستاذ صباح فخري.‏

وأما الإيقاع فيقتضي أن نقابل كل حرف متحرك بنقرة، وكل حرف ساكن بعدم النقرة، فإذا تتابعت لحروف المتحركة تتابعت النقرات ، وإذا جاء الساكن انقطعت، فتفعيلة: (فاعلن) تقابلها النقرات: تك تتكْ، و (فعولن) تقابلها : تِتِكْ تِكْ وهكذا. وما أيسر أن نطِّبق ذلك على البيت التالي:‏

زرنا يوماً قوماً عُربْاً * * * * * * * * * قالوا أهْلاً سهْلا رحبا‏

تِكْ تِكْ تِكْ تِكْ تِكْ تِكْ تِكْ تِكْ * * * * * تِكْ تِكْ تِكْ تِكْ تِكْ تِكْ تِكْ تِكْ‏
ولا يقتصر الإيقاع على معرفة تقطيع البيت- بعد معرفة بحره غناءً- وإنما يعين إلى ذلك على تحديد ما اعتراه من جوازات، وما أصابه من علل وزحافات.‏

والبحت الثاني الذي سأعرض له في هذا المحور هو بحث الأستاذ يوسف الصيداوي:" إعادة صوغ قواعد العربية" الذي قصد منه إلى قراءة تراثنا النحوي واستلال القاعدة منه خالصة " من كل ما يحيط بها من تشعّب الآراء وكلّ ما يلابسها من التحيز لهذا المذهب أو ذاك . ثم إعادة صوغها بأسهل الألفاظ وأقربها وصولاً إلى العقل. وهو عمل شاقٌّ طويل، وجهد مبارك عظيم، أمضى الباحث فيه نحواً من خمس سنوات، انقطع فيها إليه انقطاع المستغرق المفتون- على حدِّ تعبيره- ثم بيّن مخطط عمله مشيراً إلى أنه كسر كتابه على ثلاثة أقسام:‏

الأول: فيه قواعد العربية، خالصةً من كل ما عداها وسماه (الكفاف) ليطابق اسمه مسمّاه.‏

والثاني : نماذج فصيحة، تلحق بكل بحث، بيّن فيها موضع القاعدة، وبسطها.‏

والثالث: تبينٌ لما استرشد به من المعالم والصُّوى، في ذهابه نحو القاعدة، ودفاع عن تجنبه ما تجنب ، وأخذه بما أخذ، مع ذكر للمصادر والمراجع. وسمّاه (الصُّوى إلى الكفاف).‏

وعرض الأستاذ الباحث لخمسة نماذج من كتابه ، نقتصر هنا على واحد منها وهو (المستثنى بـإلاَّ ) ففيه منبهةٌ على ما وراءه:‏

" المستثنى اسم يذكر بعد (إلاَّ ) مخالفاً ما قبلها نحو: (جاء الطّلاب إلآّ خالداً).‏

وهو منصوب قولاً واحداً، غير أنه إذا سبقه نفي أو شبهه، جاز مع النصب، إتباعه على البدلية مما قبله.‏

حُكمان:‏

الأول: قد يتقدم المستثنى على المستثنى منه، نحو: (لم يسافر إلاّ خالداً أحدٌ).‏

والثاني : قد يأتي المستثنى ولا صلة له بجنس ما قبله ، نحو : (وصلَ المسافرُ إلاّ أمتعتَه).‏

تمّ البحث فهذه هي قواعد المستثنى بـ (إلاّ) تامّة".‏

المحور الرابع: المعجم العربي‏

رمى هذا المحور، كما جاء في نصّ ما تدور حوله الندوة من محاور، إلى وصف المعجمات المتوافرة في الوقت الحاضر، وبيان ما فيها من مآخذ ، ووضع مشروع معجم عربي حديث يفي بجميع المتطلبات.‏

وقد تناول موضوع هذا المحور بحوثٌ أربعة وهي:‏

1- المعجم العربي. للدكتور جورج متري عبد المسيح المشرف على القسم العربي في دائرة النشر والمعاجم في مكتبة لبنان. من لبنان.‏

2- المعجم اللغوي المنشود بين معاجمنا القديمة والحديثة. للأستاذ محمود فاخوري أستاذ النحو والصرف في قسم اللغة العربية بجامعة حلب- من سورية.‏

3- المعجم العربي اللااشتقاقي. للأستاذ الدكتور عبد الإله نبهان الاستاذ في قسم اللغة العربية بجامعة البعث في حمص - من سورية.‏

4- المعجم الحاسوبي للعربية. للأستاذ مروان البوّاب رئيس مجموعة اللغة العربية في المعهد العالي للعلوم التطبيقية والتكنولوجيا بدمشق- من سورية.‏

ولما كان هذا البحث الأخير مشتركاً بين المحور الرابع والخامس فسأقتصر في العرض عليه بعد ذكر بحوث المحور الخامس.‏

المحور الخامس : مستقبل اللغة العربية‏

والمراد من هذا المحور دراسة وسائل تحديث اللغة العربية، واستغلال الإمكانات التقنية، ومنها الحاسوب ، لتستطيع هذه اللغة مسايرة التطور العلمي والتقني المتسارع.‏

وقد تناول موضوعَ هذا المحور بحوثٌ أربعة وهي:‏

1- اللغة العربية في القرن الحادي والعشرين. للأستاذ الدكتور محمود فهمي حجازي عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ورئيس قسم اللغة العربية بجامعة القاهرة- من مصر.‏

2- الحاسوب في خدمة اللغة العرب
2- الحاسوب في خدمة اللغة العربية. للأستاذ الدكتور محمد مراياتي مدير المعهد العالي للعلوم التطبيقية والتكنولوجيا بدمشق (سابقاً) - من سورية.‏

3- المعجم الحاسوبي للعربية. للأستاذ مروان البوّاب.‏

4- أبواب الفعل الثلاثي. دراسة لغوية تحليلية إحصائية باستخدام الحاسوب . للأستاذ الدكتور محمد جواد النوري نائب رئيس مجمع اللغة العربية الفلسطيني ببيت المقدس- من فلسطين.‏

وهذا أوان الكلام على المعجم الحاسوبي.‏

عرّف الأستاذ الباحث مروان البوّاب المعجم الحاسوبي بأنه معجم للغة العربية يعمل بالحواسيب الشخصية على اختلاف أنواعها ، يحتوي على بيانات وجداول وقواعد تمكنه من عرض جميع المعارف المعجمية بسهولة ويسر، كما تمكِّن من إجراء عمليات بحثٍ متنوعة . فهو بذلك يلبّي حاجة المعلمين والمتعلمين، والمختصين ، وغير المختصين على حدٍّ سواء.‏

ثم ذكر الأستاذ الباحث أهم مزايا هذا المعجم ، فمن ذلك : تضمنه جميع المعجمات المطبوعة، وقدرته على تصريف الأفعال والأسماء في جميع حالاتها الصرفية، وإيراده جميع المفردات القياسية والسماعية ، واعتماده في عرضه للمعارف اللغوية على الوسائل الحاسوبية الحديثة Multmedia، ومما يمتاز به أخيراً سهولة التعامل وسرعة الأداء.‏

أما ما يتعلق بالنقاط التي ينبغي مراعاتها عند أعداد المعجم الحاسوبي ، فقد عرض الأستاذ الباحث ثلاث نقاط هي:‏

1- حسم أوجه الخلاف بين المعجمات، واعتماد الراجح واستبعاد المرجوح.‏

2- استغراق المعجم جميع مواد العربية، والشواهد والأمثلة والتراكيب اللغوية والعبارات الاصطلاحية.‏

3- تحديد المعارف الصرفية والنحوية والدلالية ، كلزوم الفعل وتعديته، ونوع الكلمة، وجموع التصحيح والتكسير، والاستعمال الصحيح للكلمة.‏

ثم ختَم البحثَ بعرض إحصاءٍ للإفعال العربية في المعجم الحاسوبي، ذكر فيه طائفةً من النتائج الإحصائية تعكس دقة العمل في هذا المعجم وجانباً من وجوه الإفادة منه.‏

لقد\ آتت بحوث الندوة أكلها على خير وجه، إذ عرضت لكل ما جاء في محاور الندوة من موضوعات، وكان الخير كل الخير في تعاقب أكثر من بحث على موضوع واحد، إذ أتاح المزيد من الإغناء وتعدد وجهات النظر، ومن ثم الخروج بمقترحات تغطي جميع الجوانب المطروقة. ولا شكَّ أن في اجتماع هذا اللفيف من العلماء والباحثين على اختلاف أوطانهم وثقافاتهم ومواردهم النفعَ العميمَ للعربية في حاضرها الزاهر ومستقبلها المشرق.‏

وبعد انتهاء أعمال الندوة عقدت جلسة ختامية للمقررات والتوصيات ترأسها الأستاذ الدكتور شاكر الفحام نوقشت فيها التوصيات والمقترحات التي انتهت إليها الندوة ، وفيما يلي نصها الكامل:‏

أولاً :توجيه الشكر العميق إلى مجمع اللغة العربية والقائمين من أعضائه بتنظيم الندوة تقديراً للجهود التي بذلت في الإعداد للندوة وتنظيمها.‏

ثانياً : يسعى مجمع اللغة العربية بدمشق بالتعاون مع اتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية في تأليف لجنة من كبار المختصين في البلاد العربية مهمتها تأليف مرجع ميسر لقواعد النحو والصرف والإملاء بمعزل عن تشعب الآراء والتعقيد ، ثم إخراجه في طبعة رخيصة الثمن ليكون في متناول الناشئة والطلاب.‏

ثالثاً : يسعى مجمع اللغة العربية بدمشق بالتعاون مع اتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية في تأليف لجنة من المختصين بالتراث العربي لوضع كتاب يضم مختارات من كتب التراث موزعة على جملة المعارف الإنسانية لتعريف الباحثين والطلاب بعيون التراث العربي. وإصدار هذا الكتاب في طبعة رخيصة ليكون في متناول المعنيين بالتراث العربي.‏

رابعاً : بذل مزيد من العناية في أعداد مدرس اللغة العربية، وتقويم أساليب تعليم اللغة العربية باستغلال الوسائل التقنية الحديثة والوسائل السمعية والبصرية ، وإقامة ندوات لمدرسي اللغة العربية تطلعهم على أنجع طرق التدريس وتدريبهم على استعمالها.‏

خامساً : السعي في جعل اللغة العربية المبسطة تعلم في رياض الأطفال والمدارس الابتدائية وتشجيع الأطفال على استعمالها والتماس الوسائل المعينة على تعليمها لهم. وكذلك تشجيع الطلاب في المراحل الثانوية والعالية على استعمالها.‏

سادساً : السعي لدى وزارة الإعلام في الأقطار العربية ولدى المسؤولين فيها لتوجيه مؤلفي المسلسلات والمسرحيات المذاعة أو المتلفزة إلى استخدام اللغة العربية المبسطة فيما يؤلفونه، وكذلك الحد من طغيان العامية في الإعلانات التي تنشر في الصحف أو تعلن في الشوارع.‏

سابعاً : إلزام المحال التجارية والمطاعم ودور الملاهي والمؤسسات العامة والخاصة وغيرها باستعمال الألفاظ العربية في تسمية محالّهم وعدم اللجوء إلى اللغات الأجنبية.‏

ثامناً : مطالبة الحكومات العربية باتخاذ القرارات التنفيذية الحاسمة بتعريب التعليم العالي والجامعي تعريباً كاملاً . دون إغفال إلزام الطلاب في مختلف الكليات والمعاهد العلمية بتعلم إحدى اللغات الأجنبية الحية.‏

تاسعاً : توجيه المعلمين والمدرسين في مراحل التعليم كافة إلى استخدام اللغة العربية المبسطة في مختلف المواد الدراسية لدى إلقائهم دروسهم ومحاضراتهم، وتشجيع طلبتهم على استخدامها.‏

عاشراً : حث المجامع اللغوية العلمية العربية على بذل مزيد من العناية في وضع المصطلحات العلمية والتقنية وفي مختلف مناحي المعرفة باستخدام المنهجية السليمة في وضعها واستخدام جميع الطرائق المتاحة كالاشتقاق والوضع والتعريب والنحت وغيرها.والسعي في توحيد هذه المصطلحات بالتعاون مع اتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية، ثم إصدار هذه المصطلحات الموحدة في كتب أو نشرات توزع على أوسع نطاق ولا سيما وزارات الاعلام مع التماس الوسائل الكفيلة باستخدام هذه المصطلحات في جميع المؤلفات والكتب المترجمة ووسائل الإعلام المختلفة.‏

حادي عشر: أن يعمل اتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية في إصدار معجم اشتقاقي حديث يفي بجميع المتطلبات على أن يراعى فيه سهولة المراجعة وتطور دلالات الألفاظ واستقصاء ما أقرّ من المصطلحات الموحدة وفاءً بحاجة الباحث المعاصر.‏

ثاني عشر: الاستفادة من الحاسوب والوسائل التقنية الحديثة في المجامع العربية واتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية لاختزان جميع الألفاظ العربية والمصطلحات والمواد المعرفية وتسجيلها في الاسطوانات والحافظات وأجهزة التسجيل لتمكين الباحثين من الاستفادة منها بطريقة ميسرة سريعة.‏

ثالث عشر: السعي في إصدار معجمات متخصصة في مختلف العلوم والمعارف وكذلك إصدار معجم تاريخي يبين تطور دلالات الألفاظ منذ العصور القديمة حتى الوقت الحاضر.‏

رابع عشر: دعوة المجامع اللغوية العلمية العربية إلى متابعة عقد ندوات حول اللغة العربية تعالج مشكلاتها ومستقبلها‏

خامس عشر: إيصال توصيات هذه الندوة إلى المسؤولين في الأقطار العربية كافة ومناشدتهم السعي في إنفاذها.‏

سادس عشر: جمع بحوث هذه الندوة وإصدارها في كتاب يوزع على أوسع نطاق لتتم الاستفادة منها.‏

سابع عشر : توجيه الشكر إلى الحكومة السورية لعقدها هذه الندوة في رحاب مجمع اللغة العربية بدمشق وتحملها نفقاتها وعنايتها باللغة العربية وسعيها في ارتقائها، وتوجيه برقية شكر إلى القائد حافظ الأسد رئيس الجمهورية العربية السورية لرعايته الكريمة للغة العربية وعلمائها.‏

إنَّ ما بذله مجمع اللغة العربية بدمشق من جهودٍ في سبيل عقد هذه الندوة والعمل على إنجاحها ، والسهر على متابعة بحوثها وتوزيعها كاملة على جميع المشاركين قبل إلقائها لخليق بالثناء والتقدير ، كيف لا وقد استنفر في سيبل ذلك كل الجهود، واستنفر كل الطاقات، بدءاً برئيسه الأستاذ الدكتور شاكر الفحام ونائبه الدكتور إحسان النص وأعضائه الموقرين، وانتهاء بكل عاملٍ فيه، فلهم جميعاً كل الشكر على ما بذلوه خدمةً للعربية وصوناً لها، وإبقاءً على رايتها خفاقةً عاليةً في دنيا العروبة والإسلام.‏
--------------
نشر هذا البحث في :
مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العددان 71 - 72 - السنة 18 - تموز "يوليو" 1998 - ربيع الأول
يمامة الفرات
06-07-2008, 03:18 AM
جميل جدا
مثل هذه الندوات واللقاءات تسهم في الحفاظ على العربية
وتبيسطها لكل عربي

الموقع المستخذم http://www.dzodz.com/vb/archive/index.php/t-5104.html

hano.jimi
2011-09-25, 12:17
عضو
lamiaken
الكاتب صوت العربية
السبت, 28 يونيو 2008 18:32
ندوة اللغة العربية معالم الحاضر و آفاق المستقبل دمشق 26-29/10/1997 ـــ د. محمد حسان الطيان

أقام مجمع اللغة العربية بدمشق ندوة للغة العربية عنوانها :" اللغة العربية معالم الحاضر وآفاق المستقبل" شارك فيها نحو من خمسة وعشرين باحثاً من الأٌقطار العربية الشقيقة، ومن القطر العربي السوري، وحضرها لفيف من العلماء والباحثين من أعضاء مجمع اللغة العربية وأساتذة الجامعة. وقد عقدت الندوة في قاعة المحاضرات في رحاب مجمع اللغة العربية بدمشق في المدة من 26/10/ حتى 29/ 10/ 1997. واستُهِلَّت بحفل افتتاح تمَّ في مكتبة الأسد الوطنية تحت رعاية الدكتورة صالحة سنقر وزيرة التعليم العالي، وكانت الكلمة الأولى فيه للأستاذ الدكتور شاكر الفحام رئيس مجمع اللغة العربية بدمشق، والكلمة الثانية للأستاذ الدكتور عبد الله الطيب رئيس المجمع السوداني ممثلاً للوفود المشاركة، ثم ختمت السيدة الوزيرة راعية الندوة بكلمة رحَّبت فيها بالضيوف العلماء ورجت لهم التوفيق والسداد في ندوتهم.‏

حدَّد القائمون على الندوة مسارَ بحوثها في محاور خمسة هي:‏

1- مشكلة الأداء في اللغة العربية.‏

2- التعريب والمصطلح.‏

3- تيسير مباحث العربية.‏

4- المعجم العربي.‏

5- مستقبل اللغة العربية.‏



واستجابت البحوث لهذا فتناولت محاور الندوة على نحوٍ استغرقها، وطرح فيها العديد من وجهات النظر، إذ تعاقب على كل محور غير ما بحث ، فكان في ذلك غنىً للمحور، وتوسعٌ في مناقشة ما يمكن أن يرد فيه من أفكار. هذا وقد توزعت بحوث الندوة على ستّ جلسات علمية، تمَّ في أولها انتخاب الأستاذ الدكتور شاكر الفحام رئيساً للندوة والأستاذ الدكتور عبد الكريم الأشتر مقرراً لها . ثم بدأ إلقاء البحوث المشاركة تباعاً ، وخصص وقت في آخر كل جلسة للمناقشات والمداخلات والتعقيبات.‏

وسأعرض فيما يلي لعناوين البحوث في كل محورٍ مقتصراً في العرض والتحليل على بحثٍ متخيّرٍٍ من كل محور منها بما يقتضيه المقام في هذا المقال:‏

المحور الأول: مشكلة الأداء في اللغة العربية‏

والمراد من هذا المحور تحديداً أسباب الضعف في أداء العربية الفصحى وبيان أنجع الوسائل للقضاء على هذه الأسباب بغية الوصول إلى سلامة في الأداء وتمكّن من العربية. وقد ألقيت فيه البحوث التالية:‏

1- مشكلة الأداء في اللغة العربية، أسباب الضعف ووسائل العلاج . للأستاذ الدكتور عبد الله الطيب رئيس مجمع اللغة العربية في السودان ورئيس مجلس جامعة الخرطوم- من السودان.‏

2- مشكلة الأداء في اللغة العربية. للأستاذ الدكتور عبد الكريم الأشتر الأستاذ في جامعة دمشق، ورئيس قسم اللغة العربية فيها سابقاً- من سورية.‏

3- مشكلة الأداء في اللغة العربية. للأستاذ الدكتور مسعود بوبو رئيس الموسوعة العربية وعضو مجمع اللغة العربيية بدمشق - من سورية.‏

4- مشكلة الأداء في اللغة العربية للأستاذ الدكتور محمد مختار ولد أبّاه أستاذ الدراسات الإسلامية في دار الحديث الحسنية بالرباط- من موريتانيا.‏

5- مشكلة الأداء في اللغة العربية. للأستاذ الدكتور محمود أحمد السيد الأستاذ بكلية التربية بجامعة دمشق، والمدير الأسبق لإدارة التربية في المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم- من سورية.‏

6- مشكلة الأداء في اللغة العربية في المغرب . للأستاذ الدكتور محمد بن شريفة الأمين العام لأكاديمية المملكة المغربية . من المغرب.‏

7- الإعلان وأثره في اللغة العربية. للأستاذ الدكتور عصام نور الدين أستاذ العلوم اللغوية بالجامعة اللبنانية - من لبنان.‏

في محاضرته "مشكلة الأداء في اللغة العربية، أسباب الضعف ووسائل العلاج " تناول الدكتور مسعود بوبو مفهوم الأداء فبيَّن أنه لا يقتصر على الإيصال والتلاوة والإتقان وإنما يتجاوز ذلك إلى كل ما من شأنه أن يؤثّر في اللغة العربية نطقاً وكتابةً وتعبيراً، مما يجعل المشكلة تتصدر همومنا العلمية والتعليمية وتمتد حتى تلامس الخطر القومي.ومن ثمّ بحث الدكتور بوبو عن أسباب المشكلة وحاول تحديدها موسِّعاً من دائرة هذه الأسباب ومخرجاً لها عن حيز الاقتصار على المدرسة أو الجامعة أو التعليم عموماً ، فهو يشرك كل هذه المؤسسات بالمسؤولية ويبرز جانباً آخر له تأثير كبير في ضعف الأداء وهو غياب الحافز القديم على إتقان العربية، فقد كانت العربية مطلباً حيوياً أثيراً... وكان تحصيلها استجابة لمتطلبات العقيدة الإسلامية ، وهو خير سبيل لصون لغة القرآن من فساد الألسنة.‏

وبعد ذلك عرض الدكتور بوبو لمحاولات التجديد والتيسير في النحو قديماً وحديثاً وأشار إلى أسلوب تناول المادة العلمية الذي يجري بطريقة إلقائية أو إملائية تلقينية كالقوالب الثابتة من جهة المدرّس، وحفظيةٍ خالصةٍ من جهة المتعلِّم، من غير حوار أو محاكمة أو اسستفسار، وبمعزل عن التذوق وتفجير الطاقات الكامنة... وجعل من أسباب الضعف في الأداء أيضاً تأثر بعض الأقطار العربية لغوياً بالاستعمار ، وازدحام بعض الأقطار بالدخلاء الأجانب:‏

" في هذا المضطرب زاحم العربية الدخيلُ واللغات الهجينة والتعدُّد اللغوي فوق ما تعانيه من ازدواج لغوي وجهل وأمية أحياناً ، فخفَّت جهارة صوتها القديم"‏

ثم عرض الباحث لمظهر من أعظم مظاهر هذا الضعف في الأداء يتجلَّى في وسائل الإعلام، حيث مثّل بأمثلة عملية تبدّى فيها مبلغ الجناية على العربية لدى بعض العاملين في الإعلام: " فإنّ هناك ضعفاً ملحوظاً في الأداء اللغوي الإعلامي: قراءةً، وإلقاءً، وصياغة أخبار وافتتاحيات، وتعليقات، وتحقيقات، ضعف يصل حدود الخطأ في القرآن الكريم...".‏

ولم يغفل الباحث ما للحكومات والهيئات والمؤسسات العلمية من عناية باللغة القومية تبدّت في إقامة ندوات واجتماعات ومحاضرات وبحوث، ومواجهة الغزو اللغوي بالحدَِّ من تفشِّي التسميات الأجنبية.‏

وقد أشار إلى الإجراءات التنفيذية التي تفرض العقوبات على المخالفين معتبراً هذه الإجراءات محرِّضاً لفعل شيء في طريق صون لغتنا ، وداعياً إلى عدم قصر المسألة على جهة معينة، بل لابدّ من تحمل الممسؤولية كاملة واشتراك كل المؤسسات (العلمية وغير العلمية) في هذه المسؤولية.‏

هذا وقد ختم الدكتور بوبو بحثه بجملة من الحلول نشير إلى أبرز ما جاء فيها:‏

1- البدء بحملة لتعميم القراءة في خطة منهجية شاملة.‏

2- إخراج الكتب التعليمية مشكولة الكلم، والحرص على تخيّر النصوص فيها، مما يمتع ويفيد من القديم والحديث، مع تعزيز منهج حفظ النصوص.‏

3- العمل على إرساء تقاليد الأداء اللغوي السليم في المؤسسات والإعلام، وتعميم الخطاب بالعربية الفصيحة قدر الإمكان، وتدريب الأجيال على ذلك.‏

4- التركيز على النحو الوظيفي، واستقراء النصوص واستخلاص الأحكام بالتأمل والمحاكمة لا بالوعظ والعقاب.‏

5- إخضاع فكرة تسهيل النحو لضوابط موضوعية حتى لا يؤول الأمر إلى التخلّي عن أصالة العربية وأسسها.‏

6- إخضاع الكتب والمناهج التعليمية إلى اختبارا وتقويم، وعقد دورات جادّة مطوّلة للمدرّسين بغية إعدادهم الإعداد المطلوب، والتركيز على التكامل في تحصيل العربية، نحواً وصرفاً وبلاغةً وإملاءً وأساليبَ....‏

7- قصر التجديد اللغوي أو التطور اللغوي على أرباب اللغة العالمين بها.‏

8- الإقبال على استخدام التقنيات الحديثة كالحواسيب والمخابر اللغوية وبرامج المعلوماتية الحديثة في الترجمة وتخزين المعاجم أو تصنيف القواعد....‏

المحور الثاني : التعريب والمصطلح‏

تناول هذا المحورَ بحوثٌ أربعة هي:‏

1- المصطلح العربي في عصر العولمة: للأستاذ الدكتور أحمد محمد الضبيب- من المملكة العربية السعودية.‏

2- نحو منهجية للتعريب اللفظي . للدكتور ممدوح خسارة المدرّس في جامعة الكويت- من سورية.‏

(وقد اعتذر عن عدم الحضور ولكن بحثه وزّع على المشاركين).‏

3- التعريب والمصطلح . للأستاذ شحادة الخوري الخبير السابق في المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم- من سورية.‏

4- من تاريخ التعريب والمعرّب : تقريب الشيخ طاهر الجزائري - تهذيب الدكتور أحمد عيسى للأستاذ الدكتور عزّ الديّن البدوي النجار- من سورية.‏

في بحثه "المصطلح العربي في عصر العولمة" نبَّه د. أحمد الضبيب على الخطر المحدق بالعربية في عصرنا هذا عصر العولمة (Mondialisation ويقصد بها جعل الشيء في دائرة اهتمام العالم أجمع وفي متناول أهله أجمعين)، ليعالج الجانب الأكثر خطورة وهو المصطلح العربي، داعياً إلى مواجهة هذا السيل الجارف من المصطلحات الدخيلة باستنفار قدرات لغتنا العربية في كلِّ مجال قبل أن نستقبل الدخيل ونضمه إلى معجمنا اللغوي.‏

وقد استعرض جملة من الجهود التي بذلها علماء عصر النهضة وخالفِوهم من المجمعيين، وهي جهود تراوح بين دعوة إلى إحياء المصطلح العربي القديم، وتساهل وتوسع في استعمال الدخيل، ليخلص إلى أن الاتجاه عند معظم المتأخرين يسير نحو الترجمة الحرفية والتعريب دون تتبع للأصيل من الألفاظ في ثنايا كتب التراث، وضرب لذلك أمثلة، اقتصر على واحد منها وهو مصطلح ورد في معجم مصطلحات النفط ونصّه:" ادفع وتسلم " ترجمة للمصطلح الإنكليزي: Caeey Cash and . يقول:" وعندي أن هذه الترجمة الحرفية لا تجري على العرف العربي، بل إن العجمة بادية عليها وكان بالإمكان ترجمة المصطلح "بالمناجزة" وهو مصطلح يستعمله فقهاء المالكية في أبواب المعاملات المالية، ويعنون به قبض العوض عند العقد . ويقول العرب: بعته ناجزاً بناجز أي يداً بيد....".‏

مما يؤكد أن الترجمة - إن وجدت- يمكن أن تعدّ مرحلة أولى يلجأ إليها كسباً للوقت ولا بد أن تتبعها مرحلة تالية يردد العلماء والمختصون واللغويون النظر فيما ترجم من مصطلحات كي يصوبوا ما قد يكون اعتورها من قصور، ويضعوها في مكانها من اللغة العربية السائغة، فالمصطلح الأصيل المستمد من التراث أو ذلك المسكوك بالوسائل المتاحة للغة من قياس أو اشتقاق أو مجاز يجب أن يكون الهدف الأسمى لوضع المصطلح العربي.‏

يعرض الباحث بعد ذلك للشبهات التي واجهت هذا النوع من المصطلح الذي يدعو إليه فيناقشها واحدة واحدة مفنِّداً ما جاء فيها من ادعاءات لا تثبت على النظر.‏

ويختم بحثه بربط مشكلة المصطلح بمشكلة أكثر خطورة وأشدّ تأثيراً وهي مشكلة البحث العلمي الذي لم يأخذ بعد مكانه اللائق به عندنا. ثم يوصى بأمور أبرز ما جاء فيها:‏

1- بثّ الوعي اللغوي بين أبناء الأمة وإيقاظ غيرتهم على اللغة.‏

2- إنشاء مؤسسات متخصصة في حقول الترجمة تشبه بيت الحكمة العباسي.‏

3- تكوين أجيال من العلماء مزدوجي اللغة تمكنوا من ناصية العلم ومن اللغتين العربية والأجنبية .‏

4- تيسير المادة اللغوية العربية بتصنيف التراث اللغوي في كل العلوم حسب المعاني والاستعانة بالحاسوب لتذليل ذلك.‏

المحور الثالث: تيسير مباحث العربية:‏

النحو، والصرف، والبلاغة، والعروض، والإملاء‏

تناول هذا المحورَ بحوثٌ تسعةٌ هي:‏

1- إحياء العروض . للدكتور محمد حسان الطيان مدرّس اللسانيات في جامعة دمشق والباحث في مركز الدراسات والبحوث العلمية بدمشق.- من سورية.‏

2- العروض بين اللسانيات والإيقاع . للدكتور إسماعيل الكفري رئيس قسم اللغة العربية بجامعة دمشق (سابقاً) - من سورية.‏

3 - تيسير البلاغة. للأستاذ الدكتور أحمد مطلوب الأمين العام للمجمع العلمي ببغداد- من العراق.‏

(وقد وزِّع البحث على المشاركين دون أن يلقى لاعتذار الأستاذ الباحث عن الحضور).‏

4- نحو تيسير قواعد اللغة العربية. للأستاذ الدكتور أحمد حامد عضو مجمع اللغة العربية الفلسطيني ببيت المقدس- من فلسطين. (وقد وزِّع البحث على المشاركين دون إلقاء أيضاً لتخلّف صاحبه عن الحضور).‏

5- تيسير مباحث النحو والصرف. للأستاذ الدكتور سامي عوض رئيس قسم اللغة العربية بجامعة تشرين باللاذقية- من سورية.‏

6- نظرات في قواعد الإملاء العربية. للأستاذ الدكتور عمر الدقاق رئيس اللغة العربية بجامعة حلب (سابقاً) - من سورية.‏

7- إعادة صوغ قواعد العربية. للأستاذ يوسف الصيداوي الباحث المعروف وصاحب البرنامج التلفزيوني (اللغة والناس) - من سورية.‏

8- إعادة بناء مفاهيم النحو. للأستاذة الدكتورة حورية الخياط أستاذة طرائق تدريس اللغة العربية بكلية التربية بجامعة دمشق- من سورية.‏

9- العلل التعليمية وأهميتها في النحو العربي. للدكتور سعد الكردي مدرس النحو والصرف بجامعة البعث بحمص - من سورية.‏

ونظراً لكثرة بحوث هذا المحور فسأعرض لاثنين منها:‏

الأول بحثي " إحياء العروض" الذي مهَّدتُ له بعرض أسباب صعوبة هذا الفن، فذكرت منها:‏

1- إغفال الصلة بين العروض والموسيقا والنغم والإيقاع.‏

2- التوسل إلى تقطيع الأبيات بوضع الإشارات المختلفة التي تمثل المتحرك والساكن ولا تفيد شيئاً في معرفة الوزن.‏

3- ربط تعلم العروض بفهم البحور التي لا تجدي شيئاً في تيسير معرفة الوزن.‏

4- مواجهة الطالب بحشد من المباحث والمصطلحات العروضية المتداخلة.‏

5- البدء بالصعب من البحور والتدرج نحو الأسهل.‏

ثمّ بيّنت أن في تجنب أسباب الصعوبة هذه تيسيراً لتعليم العروض وتذليلاً لكثير من العقبات المعترضة طريقه، وأوليت السبب الأول اهتمام البحث الأساسي فحاولت أن أعيد الصلة القديمة بين العروض والغناء من جهة، وبين العروض والإيقاع من جهة أخرى.‏

أمّا الغناء أو النغم فقد أوضحت أن كل بحر من بحور الشعر المشهورة يمكن أن ينطبق على أغنيةٍ محفوظة أو أكثر، فيغَّني كما تغنَّي، أو ينطبق على نشيد محفوظ فيُنشَد كما يُنشَد، ومن ثمَّ تكون هذه الأغنية أو النشيد بمنزلة المفتاح لهذا البحر، فإذا ما حاول الطالب أداء بيت من الشعر ينتمي إلى هذا البحر على لحن تلك الأغنية طاوعه اللحن وانقاد له الغناء ، وإذا كان البيت من بحر آخر تأبّى عليه اللحن ولم ينقد له الغناء. وقد ضربت مثالاً على ذلك بالبحر المتدارك الذي يمكن أن ينطبق على لحن قصيدة " يا ليلُ الصبُّ" بأداء فيروز ، أو لحن قصيدة " مضناك جفاه مرقدهُ" بأداء الموسيقار محمد عبد الوهاب، أو لحن قصيدة" يا صاح الصبر وهى مني" بأداء الأستاذ صباح فخري.‏

وأما الإيقاع فيقتضي أن نقابل كل حرف متحرك بنقرة، وكل حرف ساكن بعدم النقرة، فإذا تتابعت لحروف المتحركة تتابعت النقرات ، وإذا جاء الساكن انقطعت، فتفعيلة: (فاعلن) تقابلها النقرات: تك تتكْ، و (فعولن) تقابلها : تِتِكْ تِكْ وهكذا. وما أيسر أن نطِّبق ذلك على البيت التالي:‏

زرنا يوماً قوماً عُربْاً * * * * * * * * * قالوا أهْلاً سهْلا رحبا‏

تِكْ تِكْ تِكْ تِكْ تِكْ تِكْ تِكْ تِكْ * * * * * تِكْ تِكْ تِكْ تِكْ تِكْ تِكْ تِكْ تِكْ‏

ولا يقتصر الإيقاع على معرفة تقطيع البيت- بعد معرفة بحره غناءً- وإنما يعين إلى ذلك على تحديد ما اعتراه من جوازات، وما أصابه من علل وزحافات.‏

والبحت الثاني الذي سأعرض له في هذا المحور هو بحث الأستاذ يوسف الصيداوي:" إعادة صوغ قواعد العربية" الذي قصد منه إلى قراءة تراثنا النحوي واستلال القاعدة منه خالصة " من كل ما يحيط بها من تشعّب الآراء وكلّ ما يلابسها من التحيز لهذا المذهب أو ذاك . ثم إعادة صوغها بأسهل الألفاظ وأقربها وصولاً إلى العقل. وهو عمل شاقٌّ طويل، وجهد مبارك عظيم، أمضى الباحث فيه نحواً من خمس سنوات، انقطع فيها إليه انقطاع المستغرق المفتون- على حدِّ تعبيره- ثم بيّن مخطط عمله مشيراً إلى أنه كسر كتابه على ثلاثة أقسام:‏

الأول: فيه قواعد العربية، خالصةً من كل ما عداها وسماه (الكفاف) ليطابق اسمه مسمّاه.‏

والثاني : نماذج فصيحة، تلحق بكل بحث، بيّن فيها موضع القاعدة، وبسطها.‏

والثالث: تبينٌ لما استرشد به من المعالم والصُّوى، في ذهابه نحو القاعدة، ودفاع عن تجنبه ما تجنب ، وأخذه بما أخذ، مع ذكر للمصادر والمراجع. وسمّاه (الصُّوى إلى الكفاف).‏

وعرض الأستاذ الباحث لخمسة نماذج من كتابه ، نقتصر هنا على واحد منها وهو (المستثنى بـإلاَّ ) ففيه منبهةٌ على ما وراءه:‏

" المستثنى اسم يذكر بعد (إلاَّ ) مخالفاً ما قبلها نحو: (جاء الطّلاب إلآّ خالداً).‏

وهو منصوب قولاً واحداً، غير أنه إذا سبقه نفي أو شبهه، جاز مع النصب، إتباعه على البدلية مما قبله.‏

حُكمان:‏

الأول: قد يتقدم المستثنى على المستثنى منه، نحو: (لم يسافر إلاّ خالداً أحدٌ).‏

والثاني : قد يأتي المستثنى ولا صلة له بجنس ما قبله ، نحو : (وصلَ المسافرُ إلاّ أمتعتَه).‏

تمّ البحث فهذه هي قواعد المستثنى بـ (إلاّ) تامّة".‏

المحور الرابع: المعجم العربي‏

رمى هذا المحور، كما جاء في نصّ ما تدور حوله الندوة من محاور، إلى وصف المعجمات المتوافرة في الوقت الحاضر، وبيان ما فيها من مآخذ ، ووضع مشروع معجم عربي حديث يفي بجميع المتطلبات.‏

وقد تناول موضوع هذا المحور بحوثٌ أربعة وهي:‏

1- المعجم العربي. للدكتور جورج متري عبد المسيح المشرف على القسم العربي في دائرة النشر والمعاجم في مكتبة لبنان. من لبنان.‏

2- المعجم اللغوي المنشود بين معاجمنا القديمة والحديثة. للأستاذ محمود فاخوري أستاذ النحو والصرف في قسم اللغة العربية بجامعة حلب- من سورية.‏

3- المعجم العربي اللااشتقاقي. للأستاذ الدكتور عبد الإله نبهان الاستاذ في قسم اللغة العربية بجامعة البعث في حمص - من سورية.‏

4- المعجم الحاسوبي للعربية. للأستاذ مروان البوّاب رئيس مجموعة اللغة العربية في المعهد العالي للعلوم التطبيقية والتكنولوجيا بدمشق- من سورية.‏

ولما كان هذا البحث الأخير مشتركاً بين المحور الرابع والخامس فسأقتصر في العرض عليه بعد ذكر بحوث المحور الخامس.‏

المحور الخامس : مستقبل اللغة العربية‏

والمراد من هذا المحور دراسة وسائل تحديث اللغة العربية، واستغلال الإمكانات التقنية، ومنها الحاسوب ، لتستطيع هذه اللغة مسايرة التطور العلمي والتقني المتسارع.‏

وقد تناول موضوعَ هذا المحور بحوثٌ أربعة وهي:‏

1- اللغة العربية في القرن الحادي والعشرين. للأستاذ الدكتور محمود فهمي حجازي عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ورئيس قسم اللغة العربية بجامعة القاهرة- من مصر.‏

2- الحاسوب في خدمة اللغة العربية. للأستاذ الدكتور محمد مراياتي مدير المعهد العالي للعلوم التطبيقية والتكنولوجيا بدمشق (سابقاً) - من سورية.‏

3- المعجم الحاسوبي للعربية. للأستاذ مروان البوّاب.‏

4- أبواب الفعل الثلاثي. دراسة لغوية تحليلية إحصائية باستخدام الحاسوب . للأستاذ الدكتور محمد جواد النوري نائب رئيس مجمع اللغة العربية الفلسطيني ببيت المقدس- من فلسطين.‏

وهذا أوان الكلام على المعجم الحاسوبي.‏

عرّف الأستاذ الباحث مروان البوّاب المعجم الحاسوبي بأنه معجم للغة العربية يعمل بالحواسيب الشخصية على اختلاف أنواعها ، يحتوي على بيانات وجداول وقواعد تمكنه من عرض جميع المعارف المعجمية بسهولة ويسر، كما تمكِّن من إجراء عمليات بحثٍ متنوعة . فهو بذلك يلبّي حاجة المعلمين والمتعلمين، والمختصين ، وغير المختصين على حدٍّ سواء.‏

ثم ذكر الأستاذ الباحث أهم مزايا هذا المعجم ، فمن ذلك : تضمنه جميع المعجمات المطبوعة، وقدرته على تصريف الأفعال والأسماء في جميع حالاتها الصرفية، وإيراده جميع المفردات القياسية والسماعية ، واعتماده في عرضه للمعارف اللغوية على الوسائل الحاسوبية الحديثة Multmedia، ومما يمتاز به أخيراً سهولة التعامل وسرعة الأداء.‏

أما ما يتعلق بالنقاط التي ينبغي مراعاتها عند أعداد المعجم الحاسوبي ، فقد عرض الأستاذ الباحث ثلاث نقاط هي:‏

1- حسم أوجه الخلاف بين المعجمات، واعتماد الراجح واستبعاد المرجوح.‏

2- استغراق المعجم جميع مواد العربية، والشواهد والأمثلة والتراكيب اللغوية والعبارات الاصطلاحية.‏

3- تحديد المعارف الصرفية والنحوية والدلالية ، كلزوم الفعل وتعديته، ونوع الكلمة، وجموع التصحيح والتكسير، والاستعمال الصحيح للكلمة.‏

ثم ختَم البحثَ بعرض إحصاءٍ للإفعال العربية في المعجم الحاسوبي، ذكر فيه طائفةً من النتائج الإحصائية تعكس دقة العمل في هذا المعجم وجانباً من وجوه الإفادة منه.‏

لقد\ آتت بحوث الندوة أكلها على خير وجه، إذ عرضت لكل ما جاء في محاور الندوة من موضوعات، وكان الخير كل الخير في تعاقب أكثر من بحث على موضوع واحد، إذ أتاح المزيد من الإغناء وتعدد وجهات النظر، ومن ثم الخروج بمقترحات تغطي جميع الجوانب المطروقة. ولا شكَّ أن في اجتماع هذا اللفيف من العلماء والباحثين على اختلاف أوطانهم وثقافاتهم ومواردهم النفعَ العميمَ للعربية في حاضرها الزاهر ومستقبلها المشرق.‏

وبعد انتهاء أعمال الندوة عقدت جلسة ختامية للمقررات والتوصيات ترأسها الأستاذ الدكتور شاكر الفحام نوقشت فيها التوصيات والمقترحات التي انتهت إليها الندوة ، وفيما يلي نصها الكامل:‏

أولاً :توجيه الشكر العميق إلى مجمع اللغة العربية والقائمين من أعضائه بتنظيم الندوة تقديراً للجهود التي بذلت في الإعداد للندوة وتنظيمها.‏

ثانياً : يسعى مجمع اللغة العربية بدمشق بالتعاون مع اتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية في تأليف لجنة من كبار المختصين في البلاد العربية مهمتها تأليف مرجع ميسر لقواعد النحو والصرف والإملاء بمعزل عن تشعب الآراء والتعقيد ، ثم إخراجه في طبعة رخيصة الثمن ليكون في متناول الناشئة والطلاب.‏

ثالثاً : يسعى مجمع اللغة العربية بدمشق بالتعاون مع اتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية في تأليف لجنة من المختصين بالتراث العربي لوضع كتاب يضم مختارات من كتب التراث موزعة على جملة المعارف الإنسانية لتعريف الباحثين والطلاب بعيون التراث العربي. وإصدار هذا الكتاب في طبعة رخيصة ليكون في متناول المعنيين بالتراث العربي.‏

رابعاً : بذل مزيد من العناية في أعداد مدرس اللغة العربية، وتقويم أساليب تعليم اللغة العربية باستغلال الوسائل التقنية الحديثة والوسائل السمعية والبصرية ، وإقامة ندوات لمدرسي اللغة العربية تطلعهم على أنجع طرق التدريس وتدريبهم على استعمالها.‏

خامساً : السعي في جعل اللغة العربية المبسطة تعلم في رياض الأطفال والمدارس الابتدائية وتشجيع الأطفال على استعمالها والتماس الوسائل المعينة على تعليمها لهم. وكذلك تشجيع الطلاب في المراحل الثانوية والعالية على استعمالها.‏

سادساً : السعي لدى وزارة الإعلام في الأقطار العربية ولدى المسؤولين فيها لتوجيه مؤلفي المسلسلات والمسرحيات المذاعة أو المتلفزة إلى استخدام اللغة العربية المبسطة فيما يؤلفونه، وكذلك الحد من طغيان العامية في الإعلانات التي تنشر في الصحف أو تعلن في الشوارع.‏

سابعاً : إلزام المحال التجارية والمطاعم ودور الملاهي والمؤسسات العامة والخاصة وغيرها باستعمال الألفاظ العربية في تسمية محالّهم وعدم اللجوء إلى اللغات الأجنبية.‏

ثامناً : مطالبة الحكومات العربية باتخاذ القرارات التنفيذية الحاسمة بتعريب التعليم العالي والجامعي تعريباً كاملاً . دون إغفال إلزام الطلاب في مختلف الكليات والمعاهد العلمية بتعلم إحدى اللغات الأجنبية الحية.‏

تاسعاً : توجيه المعلمين والمدرسين في مراحل التعليم كافة إلى استخدام اللغة العربية المبسطة في مختلف المواد الدراسية لدى إلقائهم دروسهم ومحاضراتهم، وتشجيع طلبتهم على استخدامها.‏

عاشراً : حث المجامع اللغوية العلمية العربية على بذل مزيد من العناية في وضع المصطلحات العلمية والتقنية وفي مختلف مناحي المعرفة باستخدام المنهجية السليمة في وضعها واستخدام جميع الطرائق المتاحة كالاشتقاق والوضع والتعريب والنحت وغيرها.والسعي في توحيد هذه المصطلحات بالتعاون مع اتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية، ثم إصدار هذه المصطلحات الموحدة في كتب أو نشرات توزع على أوسع نطاق ولا سيما وزارات الاعلام مع التماس الوسائل الكفيلة باستخدام هذه المصطلحات في جميع المؤلفات والكتب المترجمة ووسائل الإعلام المختلفة.‏

حادي عشر: أن يعمل اتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية في إصدار معجم اشتقاقي حديث يفي بجميع المتطلبات على أن يراعى فيه سهولة المراجعة وتطور دلالات الألفاظ واستقصاء ما أقرّ من المصطلحات الموحدة وفاءً بحاجة الباحث المعاصر.‏

ثاني عشر: الاستفادة من الحاسوب والوسائل التقنية الحديثة في المجامع العربية واتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية لاختزان جميع الألفاظ العربية والمصطلحات والمواد المعرفية وتسجيلها في الاسطوانات والحافظات وأجهزة التسجيل لتمكين الباحثين من الاستفادة منها بطريقة ميسرة سريعة.‏

ثالث عشر: السعي في إصدار معجمات متخصصة في مختلف العلوم والمعارف وكذلك إصدار معجم تاريخي يبين تطور دلالات الألفاظ منذ العصور القديمة حتى الوقت الحاضر.‏

رابع عشر: دعوة المجامع اللغوية العلمية العربية إلى متابعة عقد ندوات حول اللغة العربية تعالج مشكلاتها ومستقبلها‏

خامس عشر: إيصال توصيات هذه الندوة إلى المسؤولين في الأقطار العربية كافة ومناشدتهم السعي في إنفاذها.‏

سادس عشر: جمع بحوث هذه الندوة وإصدارها في كتاب يوزع على أوسع نطاق لتتم الاستفادة منها.‏

سابع عشر : توجيه الشكر إلى الحكومة السورية لعقدها هذه الندوة في رحاب مجمع اللغة العربية بدمشق وتحملها نفقاتها وعنايتها باللغة العربية وسعيها في ارتقائها، وتوجيه برقية شكر إلى القائد حافظ الأسد رئيس الجمهورية العربية السورية لرعايته الكريمة للغة العربية وعلمائها.‏

إنَّ ما بذله مجمع اللغة العربية بدمشق من جهودٍ في سبيل عقد هذه الندوة والعمل على إنجاحها ، والسهر على متابعة بحوثها وتوزيعها كاملة على جميع المشاركين قبل إلقائها لخليق بالثناء والتقدير ، كيف لا وقد استنفر في سيبل ذلك كل الجهود، واستنفر كل الطاقات، بدءاً برئيسه الأستاذ الدكتور شاكر الفحام ونائبه الدكتور إحسان النص وأعضائه الموقرين، وانتهاء بكل عاملٍ فيه، فلهم جميعاً كل الشكر على ما بذلوه خدمةً للعربية وصوناً لها، وإبقاءً على رايتها خفاقةً عاليةً في دنيا العروبة والإسلام.‏
--------------
نشر هذا البحث في :
مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العددان 71 - 72 - السنة 18 - تموز "يوليو" 1998 - ربيع الأول 1418

إضافة إلى المفضلة المشاهدات: 5595
روابط معادة(0)
روابط تشير إلى هذا التعليق
التعليقات (0)
RSS

أضف تعليقاً
الاسم

البريد الإلكتروني

الموقع الإلكتروني

العنوان

التعليق

تصغير | تكبير
الإشتراك بواسطة البريد الإلكتروني (الأعضاء المسجلين فقط)

الرجاء إدخال الحروف الظاهرة.


أضف تعليقاً إستعراض

< السابق التالي >

استعراض المقالات الأخرى للكاتب

الأخبار
القرآن الكريم
النادي اللغوي
خصائص العربية
بحوث لغوية
بحوث نحوية
بحوث صوتية
منظومات لغوية
قالوا عن العربية
التصحيح اللغوي
مؤتمرات لغوية
مجموعات من اللغويين
بحوث بلاغية
اللغة العربية والتقنية
النادي الأدبي
المعجمية العربية
التعريب والترجمة
قاعة المصطلحات
اللغة العربية في قرارات
حوارات مع
تعليم العربية للعرب
تعليم العربية لغير العرب
نادي البحث العلمي
خدمات الباحثين
شركاء في الميدان
قضايا ساخنة
فهارس وكشافات
قاعة التعليم
تقويم علمي ومراجعات
العربيّة واللغات الأخرى
متواصلون من وراء البحار
العربيّة خلف الحدود
في وجه الغزو اللغويّ
مشاركات عامّة من الزوّار
الاستشراق
الموقع المستخذم http://www.voiceofarabic.net/index.php?option=com_*******&view=article&id=87:218&catid=11:2008-06-07-09-37-53&Itemid=342

hano.jimi
2011-09-25, 12:19
عضو
lamiaken

تصنيفات: مؤتمرات لغوية
تقييم المستخدمين: / 2
سيئجيد
الكاتب صوت العربية
السبت, 28 يونيو 2008 18:32
ندوة اللغة العربية معالم الحاضر و آفاق المستقبل دمشق 26-29/10/1997 ـــ د. محمد حسان الطيان

أقام مجمع اللغة العربية بدمشق ندوة للغة العربية عنوانها :" اللغة العربية معالم الحاضر وآفاق المستقبل" شارك فيها نحو من خمسة وعشرين باحثاً من الأٌقطار العربية الشقيقة، ومن القطر العربي السوري، وحضرها لفيف من العلماء والباحثين من أعضاء مجمع اللغة العربية وأساتذة الجامعة. وقد عقدت الندوة في قاعة المحاضرات في رحاب مجمع اللغة العربية بدمشق في المدة من 26/10/ حتى 29/ 10/ 1997. واستُهِلَّت بحفل افتتاح تمَّ في مكتبة الأسد الوطنية تحت رعاية الدكتورة صالحة سنقر وزيرة التعليم العالي، وكانت الكلمة الأولى فيه للأستاذ الدكتور شاكر الفحام رئيس مجمع اللغة العربية بدمشق، والكلمة الثانية للأستاذ الدكتور عبد الله الطيب رئيس المجمع السوداني ممثلاً للوفود المشاركة، ثم ختمت السيدة الوزيرة راعية الندوة بكلمة رحَّبت فيها بالضيوف العلماء ورجت لهم التوفيق والسداد في ندوتهم.‏

حدَّد القائمون على الندوة مسارَ بحوثها في محاور خمسة هي:‏

1- مشكلة الأداء في اللغة العربية.‏

2- التعريب والمصطلح.‏

3- تيسير مباحث العربية.‏

4- المعجم العربي.‏

5- مستقبل اللغة العربية.‏



واستجابت البحوث لهذا فتناولت محاور الندوة على نحوٍ استغرقها، وطرح فيها العديد من وجهات النظر، إذ تعاقب على كل محور غير ما بحث ، فكان في ذلك غنىً للمحور، وتوسعٌ في مناقشة ما يمكن أن يرد فيه من أفكار. هذا وقد توزعت بحوث الندوة على ستّ جلسات علمية، تمَّ في أولها انتخاب الأستاذ الدكتور شاكر الفحام رئيساً للندوة والأستاذ الدكتور عبد الكريم الأشتر مقرراً لها . ثم بدأ إلقاء البحوث المشاركة تباعاً ، وخصص وقت في آخر كل جلسة للمناقشات والمداخلات والتعقيبات.‏

وسأعرض فيما يلي لعناوين البحوث في كل محورٍ مقتصراً في العرض والتحليل على بحثٍ متخيّرٍٍ من كل محور منها بما يقتضيه المقام في هذا المقال:‏

المحور الأول: مشكلة الأداء في اللغة العربية‏

والمراد من هذا المحور تحديداً أسباب الضعف في أداء العربية الفصحى وبيان أنجع الوسائل للقضاء على هذه الأسباب بغية الوصول إلى سلامة في الأداء وتمكّن من العربية. وقد ألقيت فيه البحوث التالية:‏

1- مشكلة الأداء في اللغة العربية، أسباب الضعف ووسائل العلاج . للأستاذ الدكتور عبد الله الطيب رئيس مجمع اللغة العربية في السودان ورئيس مجلس جامعة الخرطوم- من السودان.‏

2- مشكلة الأداء في اللغة العربية. للأستاذ الدكتور عبد الكريم الأشتر الأستاذ في جامعة دمشق، ورئيس قسم اللغة العربية فيها سابقاً- من سورية.‏

3- مشكلة الأداء في اللغة العربية. للأستاذ الدكتور مسعود بوبو رئيس الموسوعة العربية وعضو مجمع اللغة العربيية بدمشق - من سورية.‏

4- مشكلة الأداء في اللغة العربية للأستاذ الدكتور محمد مختار ولد أبّاه أستاذ الدراسات الإسلامية في دار الحديث الحسنية بالرباط- من موريتانيا.‏

5- مشكلة الأداء في اللغة العربية. للأستاذ الدكتور محمود أحمد السيد الأستاذ بكلية التربية بجامعة دمشق، والمدير الأسبق لإدارة التربية في المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم- من سورية.‏

6- مشكلة الأداء في اللغة العربية في المغرب . للأستاذ الدكتور محمد بن شريفة الأمين العام لأكاديمية المملكة المغربية . من المغرب.‏

7- الإعلان وأثره في اللغة العربية. للأستاذ الدكتور عصام نور الدين أستاذ العلوم اللغوية بالجامعة اللبنانية - من لبنان.‏

في محاضرته "مشكلة الأداء في اللغة العربية، أسباب الضعف ووسائل العلاج " تناول الدكتور مسعود بوبو مفهوم الأداء فبيَّن أنه لا يقتصر على الإيصال والتلاوة والإتقان وإنما يتجاوز ذلك إلى كل ما من شأنه أن يؤثّر في اللغة العربية نطقاً وكتابةً وتعبيراً، مما يجعل المشكلة تتصدر همومنا العلمية والتعليمية وتمتد حتى تلامس الخطر القومي.ومن ثمّ بحث الدكتور بوبو عن أسباب المشكلة وحاول تحديدها موسِّعاً من دائرة هذه الأسباب ومخرجاً لها عن حيز الاقتصار على المدرسة أو الجامعة أو التعليم عموماً ، فهو يشرك كل هذه المؤسسات بالمسؤولية ويبرز جانباً آخر له تأثير كبير في ضعف الأداء وهو غياب الحافز القديم على إتقان العربية، فقد كانت العربية مطلباً حيوياً أثيراً... وكان تحصيلها استجابة لمتطلبات العقيدة الإسلامية ، وهو خير سبيل لصون لغة القرآن من فساد الألسنة.‏

وبعد ذلك عرض الدكتور بوبو لمحاولات التجديد والتيسير في النحو قديماً وحديثاً وأشار إلى أسلوب تناول المادة العلمية الذي يجري بطريقة إلقائية أو إملائية تلقينية كالقوالب الثابتة من جهة المدرّس، وحفظيةٍ خالصةٍ من جهة المتعلِّم، من غير حوار أو محاكمة أو اسستفسار، وبمعزل عن التذوق وتفجير الطاقات الكامنة... وجعل من أسباب الضعف في الأداء أيضاً تأثر بعض الأقطار العربية لغوياً بالاستعمار ، وازدحام بعض الأقطار بالدخلاء الأجانب:‏

" في هذا المضطرب زاحم العربية الدخيلُ واللغات الهجينة والتعدُّد اللغوي فوق ما تعانيه من ازدواج لغوي وجهل وأمية أحياناً ، فخفَّت جهارة صوتها القديم"‏

ثم عرض الباحث لمظهر من أعظم مظاهر هذا الضعف في الأداء يتجلَّى في وسائل الإعلام، حيث مثّل بأمثلة عملية تبدّى فيها مبلغ الجناية على العربية لدى بعض العاملين في الإعلام: " فإنّ هناك ضعفاً ملحوظاً في الأداء اللغوي الإعلامي: قراءةً، وإلقاءً، وصياغة أخبار وافتتاحيات، وتعليقات، وتحقيقات، ضعف يصل حدود الخطأ في القرآن الكريم...".‏

ولم يغفل الباحث ما للحكومات والهيئات والمؤسسات العلمية من عناية باللغة القومية تبدّت في إقامة ندوات واجتماعات ومحاضرات وبحوث، ومواجهة الغزو اللغوي بالحدَِّ من تفشِّي التسميات الأجنبية.‏

وقد أشار إلى الإجراءات التنفيذية التي تفرض العقوبات على المخالفين معتبراً هذه الإجراءات محرِّضاً لفعل شيء في طريق صون لغتنا ، وداعياً إلى عدم قصر المسألة على جهة معينة، بل لابدّ من تحمل الممسؤولية كاملة واشتراك كل المؤسسات (العلمية وغير العلمية) في هذه المسؤولية.‏

هذا وقد ختم الدكتور بوبو بحثه بجملة من الحلول نشير إلى أبرز ما جاء فيها:‏

1- البدء بحملة لتعميم القراءة في خطة منهجية شاملة.‏

2- إخراج الكتب التعليمية مشكولة الكلم، والحرص على تخيّر النصوص فيها، مما يمتع ويفيد من القديم والحديث، مع تعزيز منهج حفظ النصوص.‏

3- العمل على إرساء تقاليد الأداء اللغوي السليم في المؤسسات والإعلام، وتعميم الخطاب بالعربية الفصيحة قدر الإمكان، وتدريب الأجيال على ذلك.‏

4- التركيز على النحو الوظيفي، واستقراء النصوص واستخلاص الأحكام بالتأمل والمحاكمة لا بالوعظ والعقاب.‏

5- إخضاع فكرة تسهيل النحو لضوابط موضوعية حتى لا يؤول الأمر إلى التخلّي عن أصالة العربية وأسسها.‏

6- إخضاع الكتب والمناهج التعليمية إلى اختبارا وتقويم، وعقد دورات جادّة مطوّلة للمدرّسين بغية إعدادهم الإعداد المطلوب، والتركيز على التكامل في تحصيل العربية، نحواً وصرفاً وبلاغةً وإملاءً وأساليبَ....‏

7- قصر التجديد اللغوي أو التطور اللغوي على أرباب اللغة العالمين بها.‏

8- الإقبال على استخدام التقنيات الحديثة كالحواسيب والمخابر اللغوية وبرامج المعلوماتية الحديثة في الترجمة وتخزين المعاجم أو تصنيف القواعد....‏

المحور الثاني : التعريب والمصطلح‏

تناول هذا المحورَ بحوثٌ أربعة هي:‏

1- المصطلح العربي في عصر العولمة: للأستاذ الدكتور أحمد محمد الضبيب- من المملكة العربية السعودية.‏

2- نحو منهجية للتعريب اللفظي . للدكتور ممدوح خسارة المدرّس في جامعة الكويت- من سورية.‏

(وقد اعتذر عن عدم الحضور ولكن بحثه وزّع على المشاركين).‏

3- التعريب والمصطلح . للأستاذ شحادة الخوري الخبير السابق في المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم- من سورية.‏

4- من تاريخ التعريب والمعرّب : تقريب الشيخ طاهر الجزائري - تهذيب الدكتور أحمد عيسى للأستاذ الدكتور عزّ الديّن البدوي النجار- من سورية.‏

في بحثه "المصطلح العربي في عصر العولمة" نبَّه د. أحمد الضبيب على الخطر المحدق بالعربية في عصرنا هذا عصر العولمة (Mondialisation ويقصد بها جعل الشيء في دائرة اهتمام العالم أجمع وفي متناول أهله أجمعين)، ليعالج الجانب الأكثر خطورة وهو المصطلح العربي، داعياً إلى مواجهة هذا السيل الجارف من المصطلحات الدخيلة باستنفار قدرات لغتنا العربية في كلِّ مجال قبل أن نستقبل الدخيل ونضمه إلى معجمنا اللغوي.‏

وقد استعرض جملة من الجهود التي بذلها علماء عصر النهضة وخالفِوهم من المجمعيين، وهي جهود تراوح بين دعوة إلى إحياء المصطلح العربي القديم، وتساهل وتوسع في استعمال الدخيل، ليخلص إلى أن الاتجاه عند معظم المتأخرين يسير نحو الترجمة الحرفية والتعريب دون تتبع للأصيل من الألفاظ في ثنايا كتب التراث، وضرب لذلك أمثلة، اقتصر على واحد منها وهو مصطلح ورد في معجم مصطلحات النفط ونصّه:" ادفع وتسلم " ترجمة للمصطلح الإنكليزي: Caeey Cash and . يقول:" وعندي أن هذه الترجمة الحرفية لا تجري على العرف العربي، بل إن العجمة بادية عليها وكان بالإمكان ترجمة المصطلح "بالمناجزة" وهو مصطلح يستعمله فقهاء المالكية في أبواب المعاملات المالية، ويعنون به قبض العوض عند العقد . ويقول العرب: بعته ناجزاً بناجز أي يداً بيد....".‏

مما يؤكد أن الترجمة - إن وجدت- يمكن أن تعدّ مرحلة أولى يلجأ إليها كسباً للوقت ولا بد أن تتبعها مرحلة تالية يردد العلماء والمختصون واللغويون النظر فيما ترجم من مصطلحات كي يصوبوا ما قد يكون اعتورها من قصور، ويضعوها في مكانها من اللغة العربية السائغة، فالمصطلح الأصيل المستمد من التراث أو ذلك المسكوك بالوسائل المتاحة للغة من قياس أو اشتقاق أو مجاز يجب أن يكون الهدف الأسمى لوضع المصطلح العربي.‏

يعرض الباحث بعد ذلك للشبهات التي واجهت هذا النوع من المصطلح الذي يدعو إليه فيناقشها واحدة واحدة مفنِّداً ما جاء فيها من ادعاءات لا تثبت على النظر.‏

ويختم بحثه بربط مشكلة المصطلح بمشكلة أكثر خطورة وأشدّ تأثيراً وهي مشكلة البحث العلمي الذي لم يأخذ بعد مكانه اللائق به عندنا. ثم يوصى بأمور أبرز ما جاء فيها:‏

1- بثّ الوعي اللغوي بين أبناء الأمة وإيقاظ غيرتهم على اللغة.‏

2- إنشاء مؤسسات متخصصة في حقول الترجمة تشبه بيت الحكمة العباسي.‏

3- تكوين أجيال من العلماء مزدوجي اللغة تمكنوا من ناصية العلم ومن اللغتين العربية والأجنبية .‏

4- تيسير المادة اللغوية العربية بتصنيف التراث اللغوي في كل العلوم حسب المعاني والاستعانة بالحاسوب لتذليل ذلك.‏

المحور الثالث: تيسير مباحث العربية:‏

النحو، والصرف، والبلاغة، والعروض، والإملاء‏

تناول هذا المحورَ بحوثٌ تسعةٌ هي:‏

1- إحياء العروض . للدكتور محمد حسان الطيان مدرّس اللسانيات في جامعة دمشق والباحث في مركز الدراسات والبحوث العلمية بدمشق.- من سورية.‏

2- العروض بين اللسانيات والإيقاع . للدكتور إسماعيل الكفري رئيس قسم اللغة العربية بجامعة دمشق (سابقاً) - من سورية.‏

3 - تيسير البلاغة. للأستاذ الدكتور أحمد مطلوب الأمين العام للمجمع العلمي ببغداد- من العراق.‏

(وقد وزِّع البحث على المشاركين دون أن يلقى لاعتذار الأستاذ الباحث عن الحضور).‏

4- نحو تيسير قواعد اللغة العربية. للأستاذ الدكتور أحمد حامد عضو مجمع اللغة العربية الفلسطيني ببيت المقدس- من فلسطين. (وقد وزِّع البحث على المشاركين دون إلقاء أيضاً لتخلّف صاحبه عن الحضور).‏

5- تيسير مباحث النحو والصرف. للأستاذ الدكتور سامي عوض رئيس قسم اللغة العربية بجامعة تشرين باللاذقية- من سورية.‏

6- نظرات في قواعد الإملاء العربية. للأستاذ الدكتور عمر الدقاق رئيس اللغة العربية بجامعة حلب (سابقاً) - من سورية.‏

7- إعادة صوغ قواعد العربية. للأستاذ يوسف الصيداوي الباحث المعروف وصاحب البرنامج التلفزيوني (اللغة والناس) - من سورية.‏

8- إعادة بناء مفاهيم النحو. للأستاذة الدكتورة حورية الخياط أستاذة طرائق تدريس اللغة العربية بكلية التربية بجامعة دمشق- من سورية.‏

9- العلل التعليمية وأهميتها في النحو العربي. للدكتور سعد الكردي مدرس النحو والصرف بجامعة البعث بحمص - من سورية.‏

ونظراً لكثرة بحوث هذا المحور فسأعرض لاثنين منها:‏

الأول بحثي " إحياء العروض" الذي مهَّدتُ له بعرض أسباب صعوبة هذا الفن، فذكرت منها:‏

1- إغفال الصلة بين العروض والموسيقا والنغم والإيقاع.‏

2- التوسل إلى تقطيع الأبيات بوضع الإشارات المختلفة التي تمثل المتحرك والساكن ولا تفيد شيئاً في معرفة الوزن.‏

3- ربط تعلم العروض بفهم البحور التي لا تجدي شيئاً في تيسير معرفة الوزن.‏

4- مواجهة الطالب بحشد من المباحث والمصطلحات العروضية المتداخلة.‏

5- البدء بالصعب من البحور والتدرج نحو الأسهل.‏

ثمّ بيّنت أن في تجنب أسباب الصعوبة هذه تيسيراً لتعليم العروض وتذليلاً لكثير من العقبات المعترضة طريقه، وأوليت السبب الأول اهتمام البحث الأساسي فحاولت أن أعيد الصلة القديمة بين العروض والغناء من جهة، وبين العروض والإيقاع من جهة أخرى.‏

أمّا الغناء أو النغم فقد أوضحت أن كل بحر من بحور الشعر المشهورة يمكن أن ينطبق على أغنيةٍ محفوظة أو أكثر، فيغَّني كما تغنَّي، أو ينطبق على نشيد محفوظ فيُنشَد كما يُنشَد، ومن ثمَّ تكون هذه الأغنية أو النشيد بمنزلة المفتاح لهذا البحر، فإذا ما حاول الطالب أداء بيت من الشعر ينتمي إلى هذا البحر على لحن تلك الأغنية طاوعه اللحن وانقاد له الغناء ، وإذا كان البيت من بحر آخر تأبّى عليه اللحن ولم ينقد له الغناء. وقد ضربت مثالاً على ذلك بالبحر المتدارك الذي يمكن أن ينطبق على لحن قصيدة " يا ليلُ الصبُّ" بأداء فيروز ، أو لحن قصيدة " مضناك جفاه مرقدهُ" بأداء الموسيقار محمد عبد الوهاب، أو لحن قصيدة" يا صاح الصبر وهى مني" بأداء الأستاذ صباح فخري.‏

وأما الإيقاع فيقتضي أن نقابل كل حرف متحرك بنقرة، وكل حرف ساكن بعدم النقرة، فإذا تتابعت لحروف المتحركة تتابعت النقرات ، وإذا جاء الساكن انقطعت، فتفعيلة: (فاعلن) تقابلها النقرات: تك تتكْ، و (فعولن) تقابلها : تِتِكْ تِكْ وهكذا. وما أيسر أن نطِّبق ذلك على البيت التالي:‏

زرنا يوماً قوماً عُربْاً * * * * * * * * * قالوا أهْلاً سهْلا رحبا‏

تِكْ تِكْ تِكْ تِكْ تِكْ تِكْ تِكْ تِكْ * * * * * تِكْ تِكْ تِكْ تِكْ تِكْ تِكْ تِكْ تِكْ‏

ولا يقتصر الإيقاع على معرفة تقطيع البيت- بعد معرفة بحره غناءً- وإنما يعين إلى ذلك على تحديد ما اعتراه من جوازات، وما أصابه من علل وزحافات.‏

والبحت الثاني الذي سأعرض له في هذا المحور هو بحث الأستاذ يوسف الصيداوي:" إعادة صوغ قواعد العربية" الذي قصد منه إلى قراءة تراثنا النحوي واستلال القاعدة منه خالصة " من كل ما يحيط بها من تشعّب الآراء وكلّ ما يلابسها من التحيز لهذا المذهب أو ذاك . ثم إعادة صوغها بأسهل الألفاظ وأقربها وصولاً إلى العقل. وهو عمل شاقٌّ طويل، وجهد مبارك عظيم، أمضى الباحث فيه نحواً من خمس سنوات، انقطع فيها إليه انقطاع المستغرق المفتون- على حدِّ تعبيره- ثم بيّن مخطط عمله مشيراً إلى أنه كسر كتابه على ثلاثة أقسام:‏

الأول: فيه قواعد العربية، خالصةً من كل ما عداها وسماه (الكفاف) ليطابق اسمه مسمّاه.‏

والثاني : نماذج فصيحة، تلحق بكل بحث، بيّن فيها موضع القاعدة، وبسطها.‏

والثالث: تبينٌ لما استرشد به من المعالم والصُّوى، في ذهابه نحو القاعدة، ودفاع عن تجنبه ما تجنب ، وأخذه بما أخذ، مع ذكر للمصادر والمراجع. وسمّاه (الصُّوى إلى الكفاف).‏

وعرض الأستاذ الباحث لخمسة نماذج من كتابه ، نقتصر هنا على واحد منها وهو (المستثنى بـإلاَّ ) ففيه منبهةٌ على ما وراءه:‏

" المستثنى اسم يذكر بعد (إلاَّ ) مخالفاً ما قبلها نحو: (جاء الطّلاب إلآّ خالداً).‏

وهو منصوب قولاً واحداً، غير أنه إذا سبقه نفي أو شبهه، جاز مع النصب، إتباعه على البدلية مما قبله.‏

حُكمان:‏

الأول: قد يتقدم المستثنى على المستثنى منه، نحو: (لم يسافر إلاّ خالداً أحدٌ).‏

والثاني : قد يأتي المستثنى ولا صلة له بجنس ما قبله ، نحو : (وصلَ المسافرُ إلاّ أمتعتَه).‏

تمّ البحث فهذه هي قواعد المستثنى بـ (إلاّ) تامّة".‏

المحور الرابع: المعجم العربي‏

رمى هذا المحور، كما جاء في نصّ ما تدور حوله الندوة من محاور، إلى وصف المعجمات المتوافرة في الوقت الحاضر، وبيان ما فيها من مآخذ ، ووضع مشروع معجم عربي حديث يفي بجميع المتطلبات.‏

وقد تناول موضوع هذا المحور بحوثٌ أربعة وهي:‏

1- المعجم العربي. للدكتور جورج متري عبد المسيح المشرف على القسم العربي في دائرة النشر والمعاجم في مكتبة لبنان. من لبنان.‏

2- المعجم اللغوي المنشود بين معاجمنا القديمة والحديثة. للأستاذ محمود فاخوري أستاذ النحو والصرف في قسم اللغة العربية بجامعة حلب- من سورية.‏

3- المعجم العربي اللااشتقاقي. للأستاذ الدكتور عبد الإله نبهان الاستاذ في قسم اللغة العربية بجامعة البعث في حمص - من سورية.‏

4- المعجم الحاسوبي للعربية. للأستاذ مروان البوّاب رئيس مجموعة اللغة العربية في المعهد العالي للعلوم التطبيقية والتكنولوجيا بدمشق- من سورية.‏

ولما كان هذا البحث الأخير مشتركاً بين المحور الرابع والخامس فسأقتصر في العرض عليه بعد ذكر بحوث المحور الخامس.‏

المحور الخامس : مستقبل اللغة العربية‏

والمراد من هذا المحور دراسة وسائل تحديث اللغة العربية، واستغلال الإمكانات التقنية، ومنها الحاسوب ، لتستطيع هذه اللغة مسايرة التطور العلمي والتقني المتسارع.‏

وقد تناول موضوعَ هذا المحور بحوثٌ أربعة وهي:‏

1- اللغة العربية في القرن الحادي والعشرين. للأستاذ الدكتور محمود فهمي حجازي عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ورئيس قسم اللغة العربية بجامعة القاهرة- من مصر.‏

2- الحاسوب في خدمة اللغة العربية. للأستاذ الدكتور محمد مراياتي مدير المعهد العالي للعلوم التطبيقية والتكنولوجيا بدمشق (سابقاً) - من سورية.‏

3- المعجم الحاسوبي للعربية. للأستاذ مروان البوّاب.‏

4- أبواب الفعل الثلاثي. دراسة لغوية تحليلية إحصائية باستخدام الحاسوب . للأستاذ الدكتور محمد جواد النوري نائب رئيس مجمع اللغة العربية الفلسطيني ببيت المقدس- من فلسطين.‏

وهذا أوان الكلام على المعجم الحاسوبي.‏

عرّف الأستاذ الباحث مروان البوّاب المعجم الحاسوبي بأنه معجم للغة العربية يعمل بالحواسيب الشخصية على اختلاف أنواعها ، يحتوي على بيانات وجداول وقواعد تمكنه من عرض جميع المعارف المعجمية بسهولة ويسر، كما تمكِّن من إجراء عمليات بحثٍ متنوعة . فهو بذلك يلبّي حاجة المعلمين والمتعلمين، والمختصين ، وغير المختصين على حدٍّ سواء.‏

ثم ذكر الأستاذ الباحث أهم مزايا هذا المعجم ، فمن ذلك : تضمنه جميع المعجمات المطبوعة، وقدرته على تصريف الأفعال والأسماء في جميع حالاتها الصرفية، وإيراده جميع المفردات القياسية والسماعية ، واعتماده في عرضه للمعارف اللغوية على الوسائل الحاسوبية الحديثة Multmedia، ومما يمتاز به أخيراً سهولة التعامل وسرعة الأداء.‏

أما ما يتعلق بالنقاط التي ينبغي مراعاتها عند أعداد المعجم الحاسوبي ، فقد عرض الأستاذ الباحث ثلاث نقاط هي:‏

1- حسم أوجه الخلاف بين المعجمات، واعتماد الراجح واستبعاد المرجوح.‏

2- استغراق المعجم جميع مواد العربية، والشواهد والأمثلة والتراكيب اللغوية والعبارات الاصطلاحية.‏

3- تحديد المعارف الصرفية والنحوية والدلالية ، كلزوم الفعل وتعديته، ونوع الكلمة، وجموع التصحيح والتكسير، والاستعمال الصحيح للكلمة.‏

ثم ختَم البحثَ بعرض إحصاءٍ للإفعال العربية في المعجم الحاسوبي، ذكر فيه طائفةً من النتائج الإحصائية تعكس دقة العمل في هذا المعجم وجانباً من وجوه الإفادة منه.‏

لقد\ آتت بحوث الندوة أكلها على خير وجه، إذ عرضت لكل ما جاء في محاور الندوة من موضوعات، وكان الخير كل الخير في تعاقب أكثر من بحث على موضوع واحد، إذ أتاح المزيد من الإغناء وتعدد وجهات النظر، ومن ثم الخروج بمقترحات تغطي جميع الجوانب المطروقة. ولا شكَّ أن في اجتماع هذا اللفيف من العلماء والباحثين على اختلاف أوطانهم وثقافاتهم ومواردهم النفعَ العميمَ للعربية في حاضرها الزاهر ومستقبلها المشرق.‏

وبعد انتهاء أعمال الندوة عقدت جلسة ختامية للمقررات والتوصيات ترأسها الأستاذ الدكتور شاكر الفحام نوقشت فيها التوصيات والمقترحات التي انتهت إليها الندوة ، وفيما يلي نصها الكامل:‏

أولاً :توجيه الشكر العميق إلى مجمع اللغة العربية والقائمين من أعضائه بتنظيم الندوة تقديراً للجهود التي بذلت في الإعداد للندوة وتنظيمها.‏

ثانياً : يسعى مجمع اللغة العربية بدمشق بالتعاون مع اتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية في تأليف لجنة من كبار المختصين في البلاد العربية مهمتها تأليف مرجع ميسر لقواعد النحو والصرف والإملاء بمعزل عن تشعب الآراء والتعقيد ، ثم إخراجه في طبعة رخيصة الثمن ليكون في متناول الناشئة والطلاب.‏

ثالثاً : يسعى مجمع اللغة العربية بدمشق بالتعاون مع اتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية في تأليف لجنة من المختصين بالتراث العربي لوضع كتاب يضم مختارات من كتب التراث موزعة على جملة المعارف الإنسانية لتعريف الباحثين والطلاب بعيون التراث العربي. وإصدار هذا الكتاب في طبعة رخيصة ليكون في متناول المعنيين بالتراث العربي.‏

رابعاً : بذل مزيد من العناية في أعداد مدرس اللغة العربية، وتقويم أساليب تعليم اللغة العربية باستغلال الوسائل التقنية الحديثة والوسائل السمعية والبصرية ، وإقامة ندوات لمدرسي اللغة العربية تطلعهم على أنجع طرق التدريس وتدريبهم على استعمالها.‏

خامساً : السعي في جعل اللغة العربية المبسطة تعلم في رياض الأطفال والمدارس الابتدائية وتشجيع الأطفال على استعمالها والتماس الوسائل المعينة على تعليمها لهم. وكذلك تشجيع الطلاب في المراحل الثانوية والعالية على استعمالها.‏

سادساً : السعي لدى وزارة الإعلام في الأقطار العربية ولدى المسؤولين فيها لتوجيه مؤلفي المسلسلات والمسرحيات المذاعة أو المتلفزة إلى استخدام اللغة العربية المبسطة فيما يؤلفونه، وكذلك الحد من طغيان العامية في الإعلانات التي تنشر في الصحف أو تعلن في الشوارع.‏

سابعاً : إلزام المحال التجارية والمطاعم ودور الملاهي والمؤسسات العامة والخاصة وغيرها باستعمال الألفاظ العربية في تسمية محالّهم وعدم اللجوء إلى اللغات الأجنبية.‏

ثامناً : مطالبة الحكومات العربية باتخاذ القرارات التنفيذية الحاسمة بتعريب التعليم العالي والجامعي تعريباً كاملاً . دون إغفال إلزام الطلاب في مختلف الكليات والمعاهد العلمية بتعلم إحدى اللغات الأجنبية الحية.‏

تاسعاً : توجيه المعلمين والمدرسين في مراحل التعليم كافة إلى استخدام اللغة العربية المبسطة في مختلف المواد الدراسية لدى إلقائهم دروسهم ومحاضراتهم، وتشجيع طلبتهم على استخدامها.‏

عاشراً : حث المجامع اللغوية العلمية العربية على بذل مزيد من العناية في وضع المصطلحات العلمية والتقنية وفي مختلف مناحي المعرفة باستخدام المنهجية السليمة في وضعها واستخدام جميع الطرائق المتاحة كالاشتقاق والوضع والتعريب والنحت وغيرها.والسعي في توحيد هذه المصطلحات بالتعاون مع اتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية، ثم إصدار هذه المصطلحات الموحدة في كتب أو نشرات توزع على أوسع نطاق ولا سيما وزارات الاعلام مع التماس الوسائل الكفيلة باستخدام هذه المصطلحات في جميع المؤلفات والكتب المترجمة ووسائل الإعلام المختلفة.‏

حادي عشر: أن يعمل اتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية في إصدار معجم اشتقاقي حديث يفي بجميع المتطلبات على أن يراعى فيه سهولة المراجعة وتطور دلالات الألفاظ واستقصاء ما أقرّ من المصطلحات الموحدة وفاءً بحاجة الباحث المعاصر.‏

ثاني عشر: الاستفادة من الحاسوب والوسائل التقنية الحديثة في المجامع العربية واتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية لاختزان جميع الألفاظ العربية والمصطلحات والمواد المعرفية وتسجيلها في الاسطوانات والحافظات وأجهزة التسجيل لتمكين الباحثين من الاستفادة منها بطريقة ميسرة سريعة.‏

ثالث عشر: السعي في إصدار معجمات متخصصة في مختلف العلوم والمعارف وكذلك إصدار معجم تاريخي يبين تطور دلالات الألفاظ منذ العصور القديمة حتى الوقت الحاضر.‏

رابع عشر: دعوة المجامع اللغوية العلمية العربية إلى متابعة عقد ندوات حول اللغة العربية تعالج مشكلاتها ومستقبلها‏

خامس عشر: إيصال توصيات هذه الندوة إلى المسؤولين في الأقطار العربية كافة ومناشدتهم السعي في إنفاذها.‏

سادس عشر: جمع بحوث هذه الندوة وإصدارها في كتاب يوزع على أوسع نطاق لتتم الاستفادة منها.‏

سابع عشر : توجيه الشكر إلى الحكومة السورية لعقدها هذه الندوة في رحاب مجمع اللغة العربية بدمشق وتحملها نفقاتها وعنايتها باللغة العربية وسعيها في ارتقائها، وتوجيه برقية شكر إلى القائد حافظ الأسد رئيس الجمهورية العربية السورية لرعايته الكريمة للغة العربية وعلمائها.‏

إنَّ ما بذله مجمع اللغة العربية بدمشق من جهودٍ في سبيل عقد هذه الندوة والعمل على إنجاحها ، والسهر على متابعة بحوثها وتوزيعها كاملة على جميع المشاركين قبل إلقائها لخليق بالثناء والتقدير ، كيف لا وقد استنفر في سيبل ذلك كل الجهود، واستنفر كل الطاقات، بدءاً برئيسه الأستاذ الدكتور شاكر الفحام ونائبه الدكتور إحسان النص وأعضائه الموقرين، وانتهاء بكل عاملٍ فيه، فلهم جميعاً كل الشكر على ما بذلوه خدمةً للعربية وصوناً لها، وإبقاءً على رايتها خفاقةً عاليةً في دنيا العروبة والإسلام.‏
--------------
نشر هذا البحث في :
مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العددان 71 - 72 - السنة 18 - تموز "يوليو" 1998 - ربيع الأول 1418

إضافة إلى المفضلة المشاهدات: 5595
روابط معادة(0)
روابط تشير إلى هذا التعليق
التعليقات (0)
RSS

أضف تعليقاً
الاسم

البريد الإلكتروني

الموقع الإلكتروني

العنوان

التعليق

تصغير | تكبير
الإشتراك بواسطة البريد الإلكتروني (الأعضاء المسجلين فقط)

الرجاء إدخال الحروف الظاهرة.


أضف تعليقاً إستعراض

< السابق التالي >

استعراض المقالات الأخرى للكاتب

الأخبار
القرآن الكريم
النادي اللغوي
خصائص العربية
بحوث لغوية
بحوث نحوية
بحوث صوتية
منظومات لغوية
قالوا عن العربية
التصحيح اللغوي
مؤتمرات لغوية
مجموعات من اللغويين
بحوث بلاغية
اللغة العربية والتقنية
النادي الأدبي
المعجمية العربية
التعريب والترجمة
قاعة المصطلحات
اللغة العربية في قرارات
حوارات مع
تعليم العربية للعرب
تعليم العربية لغير العرب
نادي البحث العلمي
خدمات الباحثين
شركاء في الميدان
قضايا ساخنة
فهارس وكشافات
قاعة التعليم
تقويم علمي ومراجعات
العربيّة واللغات الأخرى
متواصلون من وراء البحار
العربيّة خلف الحدود
في وجه الغزو اللغويّ
مشاركات عامّة من الزوّار
الاستشراق
الموقع المستخذم http://www.voiceofarabic.net/index.php?option=com_*******&view=article&id=87:218&catid=11:2008-06-07-09-37-53&Itemid=342

hano.jimi
2011-09-25, 12:41
شر الموضوع : أبو العز

صلة التراث اللغوي العربي باللسانيات - د.مازن الوعر

مدخل: الحديث عن صلة التراث اللغوي العربي باللسانيات ذو شجون، ونحن نعلم أن البحث عن هذه الصلة يشغل اللغويين العرب، ويكاد يكون برهاناً على رؤيتهم المعاصرة للسانيات العربية.‏

ولكن ماهي طبيعة هذه الصلة؟ ثم كيف ننظر إليها؟‏

الواقع أحب أن أجيب عن هذين السؤالين في إطار أشمل وأوسع ليكون حديثنا أكثر دقة وموضوعية ذلك أنني أعتقد أن التراث اللغوي العربي ليس ملكاً للعرب وحدهم، ولكنه ملك حضارة الإنسان المعاصر. والإنسان دائماً وأبداً خارج عن نطاق الجنس والعرق والتاريخ. ومن ثم يمكنني أن أجيب عن هذين السؤالين في إطار ما يلي:‏

1-ماذا نعني بالتراث اللغوي العالمي؟‏

2-أين يقع التراث اللغوي العربي في خارطة التراث اللغوي العالمي؟‏

3-ماذا نعني باللسانيات الحديثة؟‏

4-أين تقع البحوث اللغوية العربية القديمة في خارطة اللسانيات الحديثة؟‏

5-وأخيراً، هل هناك صلة بين ما فعله العرب في مجال الدراسات اللغوية القديمة وبين هذا العلم الجديد المسمى "اللسانيات"؟ ثم ما طبيعة هذه العلاقة؟‏

1-التراث اللغوي العالمي:‏

من يطلع على الكتاب القيم الذي كتبه الباحث اللساني الإنكليزي ر.روبنز (R. Robins) والمسمى "التاريخ الوجيز للسانيات (A short History of linguistics) سيكتشف أن تاريخ الأمم السالفة حافل وغني بالدراسات اللغوية التي تبحث في الظاهرة اللغوية من الوجهة الصوتية والتركيبية والدلالية، ثم علاقة هذه المكونات اللغوية بالعالم الذي يحيط بالإنسان. فقد لفتت الظاهرة اللغوية انتباه الإنسان منذ قديم الأزل، وجعلته يطرح الأسئلة تلو الأسئلة حولها. وسواء أقاده حدسه الطبيعي إلى الجواب الصحيح أم تجاربه العلمية المتوافرة آنذاك، فإنه قد توصل إلى حقائق عدة حول اللغة بشكل عام.‏

فالحضارة الهندية القديمة بحثت في الظاهرة اللغوية بحثاً مستفيضاً ولاسيما في وجهها الصوتي (Phonetic) والحق يقال: يُعدّ الباحث الهندي الكبير بانيني (Panini) أبا الصوتيات في العالم. فمن رجع إلى بحوث هذا الرجل منذ حوالي أربعة آلاف سنة فإنه سيدهش من الدراسة الصوتية العميقة التي قام بها سواء أكانت هذه الدراسة مبنية على اللغات الهندية أم على لغات بشرية أخرى.‏

وقد فعل اليونانيون في الحضارة الإغريقية الشيء نفسه، إذ استفادوا من البحوث اللغوية التي سبقتهم وبنوا على تلك الدراسات ثم طلعوا بنظرات جديدة حول الظاهرة اللغوية. وما البحوث اللغوية التي قدمها أفلاطون وأرسطو والمدرسة الرواقية إلا دليل واضح على اهتمام الحضارة الإغريقية بالظاهرة اللغوية.‏

وإذا كانت الحضارة الرومانية قد تبنت كل الحقائق اللغوية التي أتت بها الحضارة الإغريقية فإنها قد ساهمت قليلاً في تطوير الدراسات اللغوية ولاسيما في وجهها الدلالي والبلاغي. أضف إلى ذلك أن هناك دراسات لغوية قيّمة ونافعة قامت بها الحضارات الشرقية القديمة وبالتحديد اليابان والصين وغيرهما، تلك الدراسات التي لم تصل إلينا نحن –العرب- لنتعرفها ونأخذ بها. ومن يطلع على كتاب ر.روبنز الآنف الذكر يكتشف أن هناك حقائق كثيرة أتت بها الدراسات الشرقية حول الظاهرة اللغوية.‏

والخلاصة: لا يمكن لظاهرة من الظواهر الإنسانية أو الفيزيائية أن تكون طفرة في تاريخ الجنس البشري وإنما هي تحول من ظاهرة إلى ظاهرة أخرى متعاقبة. وهكذا فإن السابق هو نتاج اللاحق. اللغة ظاهرة فيزيولوجية –إنسانية لاحظها الإنسان منذ أن خُلق على وجه الأرض، وقد حاول وما يزال يحاول سبرها. وهكذا فإن تاريخ الإنسان (بغض النظر عن جنسه وعرقه وأصله وفصله) مليء بالدراسات التي تناولت الظاهرة اللغوية. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: ما مدى صحة هذه الدراسات اللغوية التراثية العالمية وشرعيتها؟ الإجابة عن هذا السؤال تحتاج إلى رواية ودراية لا تقل مدتها عن عشر سنوات من البحث والاستقصاء العلمييْن.‏

2-التراث اللغوي العربي في خارطة التراث اللغوي العالمي:‏

لا أريد أن أقول –لأنني عربي- إن التراث اللغوي يُعد تحولاً كبيراً في مسيرة التراث اللغوي العالمي، ولكنني أقول هذا لأن الحقائق العلمية حول هذا الموضوع مثبتة تاريخياً. وأكرر ما كنت قد ذكرته في مقالات عديدة أنه لو التفت الغرب المعاصر إلى التأريخ اللغوي التراثي العربي لكان علم اللسانيات الحديث في مرحلة متقدمة عن الزمن الذي هو فيه. هذه الحقيقة شاركني فيها عالم اللسانيات الأمريكي نوم تشومسكي خلال حوار كنت أجريته معه 1982. وقد نشرت ما قاله تشومسكي حول هذا الموضوع في مجلة اللسانيات الصادرة عن معهد العلوم الإنسانية والصوتية التابع لجامعة الجزائر (المجلد 6-1984). ولكن ماذا نعني بالتراث اللغوي العربي؟ الواقع أن الذي فعله النحاة العرب حول اللغة العربية يُعد جزءاً من التراث اللغوي العربي وليس كله. ذلك أن التراث اللغوي العربي هو أشمل وأوسع مما قدمه النحاة العرب أمثال الخليل بن أحمد وسيبويه وابن يعيش وغيرهم. فهذا التراث هو كل عمل عربي وضعه العرب القدماء من أجل تفسير النص القرآني. وهذا يعني أننا إذا أردنا إعادة تركيب التراث اللغوي العربي فإنه ينبغي أن نبحث في المصادر التالية:‏

-كتب النحو والشروح التي تناولته (نحويات أو علم التراكيب).‏

-كتب التجويد وفق قراءة القرآن الكريم (صوتيات أو علم الصوت).‏

-كتب البلاغة والفلسفة والمنطق (دلاليات أو علم المعنى).‏

-كتب التفاسير القرآنية والنبوية.‏

-دواوين العرب الشعرية والنثرية والشروح التي تناولتها.‏

-كتب الموسوعات المعرفية المختلفة التي كتبها عظماء الكتّاب العرب، أمثال الجاحظ وابن عبد ربه وابن حزم الأندلسي وغيرهم.‏

-كتب المعاجم واللغة كما هي الحال عند ابن منظور وابن فارس والأصمعي والقالي وغيرهم.‏

-كتب التاريخ كما هي الحال عند الطبري وياقوت الحموي وغيرهما.‏

وبكلمة أخرى؛ إن ما نعنيه بالتراث اللغوي العربي هو كل هذا الركام المعرفي المتناثر في تاريخ الفكر العربي والذي وجد من أجل خدمة النص القرآني. ونحن لا نستطيع معرفة النظرية اللغوية العربية بأبعادها الكاملة إلا إذا أعدنا تركيب هذا الفكر اللغوي العربي المتناثر بعد سبر دقيق وعميق لكل ما قاله العرب حول المسألة اللغوية.‏

إن الشرعية العلمية التي تدفعنا إلى تنفيذ هذا العمل ليست نابعة من تجميع ركام معرفي لا يربطه رابط معين، وإنما هو ركام معرفي انطلق من مبدأ فلسفي متماسك واضح من أجل تفسير الكون والحياة. فالنظرة الفلسفية الإسلامية أرادت أن تفسر مشكلة الإنسان على الأرض، ولأن اللغة مكوّن جوهري من مكونات الإنسان فإنها أرادت معرفة هذه اللغة وسبرها وتفسيرها وربطها بالنظرة الفلسفية الكونية.‏

صحيح أن تاريخ العالم وحضارته مملوء بالنظرات اللغوية التي تناولت اللغة درساً وتمحيصاً، إلا أن معظمها لم ينطلق من منطلق فلسفي شامل وعام. من هنا فإن تجميع الركام المعرفي اللغوي انطلاقاً من هذه الحقيقة وفي إطار يفقد صفته العلمية.‏

إن شرعية إعادة بناء الركام اللغوي العربي القديم تأتي من حقيقة أن العرب القدماء أرادوا تفسير الظاهرة اللغوية، كما فسروا بقية الظواهر الإنسانية والطبيعية، من أجل خدمة النص القرآني. وبمعنى أدق من أجل خدمة المنطلق الفلسفي الإسلامي.‏

3-اللسانيات الحديثة:‏

اللسانيات هي الدراسة العلمية للغات البشرية كافة من خلال الألسنة الخاصة بكل قوم من الأقوام. هذه الدراسة تشمل ما يلي: الأصوات اللغوية –التراكيب النحوية- الدلالات والمعاني اللغوية- علاقة اللغات البشرية بالعالم الفيزيائي الذي يحيط بالإنسان.‏

ونعني بالدراسة العلمية البحث الذي يستخدم الأسلوب العلمي المعتمد على المقاييس التالية: ملاحظة الظواهر اللغوية –التجريب والاستقراء المستمر- بناء نظريات لسانية كلية من خلال وضع نماذج لسانية قابلة للتطوير- ضبط النظريات اللسانية الكلية ثم ضبط الظواهر اللغوية التي تعمل عليها- استعمال النماذج والعلائق الرياضية الحديثة- التحليل الرياضي الحديث للغة- الموضوعية المطلقة. وبما أن اللغات البشرية لها ارتباطاتها الإنسانية والطبيعية المتفرعة، كذلك فإن لعلم اللسانيات فروعاً متعددة يختص كل منها بناحية جزئية من هذا الكل الذي اسمه "اللغات".‏

آ-فاللسانيات النظرية (العامة) تبحث بالنظريات اللغوية ونماذجها المتفرعة عنها وكيفية معالجتها للبنية اللغوية سواء أكانت تلك النظريات اللغوية في الماضي أم الحاضر. ومن العلوم المتفرعة عن اللسانيات النظرية ما يلي:‏

1-الصوتيات التي تتفرع بدورها إلى: الصوتيات الفيزيولوجية النطقية- الصوتيات الفيزيائية –الصوتيات السمعية الدماغية.‏

2-النحويات أو علم التراكيب الذي يتفرع بدوره إلى: علم بناء الجملة –علم بناء الكلمة- علم التقديم والتأخير في العناصر اللغوية- علم القواعد اللغوية العالمية- علم القواعد اللغوية الخاصة- علم الضوابط العامة والخاصة المفروضة على القواعد.‏

3-الدلاليات أو علم المعنى الذي يتفرع بدوره إلى: علم المعنى الخاص وعلم المعنى العام- علم بنية الدلالة في الدماغ البشري- علم التعرف على اللغة (عندما تخزن في الدماغ دون معرفتها) –علم فهم اللغة (عندما تخزن في الدماغ مع فهمها)- علم المشترك والترادف- علم تقطيع اللغات للواقع وتسميته- علم أنواع الدلالة والمعنى.‏

ب-واللسانيات التطبيقية تبحث في التطبيقات الوظيفية التربوية للغة من أجل تعليمها وتعلمها للناطقين ولغير الناطقين بها، وتبحث أيضاً في الوسائل البيداغوجية المنهجية لتقنيات تعليم اللغات البشرية وتعلمها (أصول التدريس –مناهج التدريس- وضع النصوص اللغوية وانسجامها مع المتعلمين- وضع الامتحان- امتحان الامتحان- علاقة التعلم والتعليم بالبيئة الاجتماعية).‏

ج-واللسانيات الأنثروبولوجية تبحث بالصلة التي تربط اللغة بأصل الإنسان. فاللغة عضو بيولوجي كبقية الأعضاء البيولوجية الأخرى عند الإنسان، ولكن، على الرغم من ذلك فإن اللغات البشرية متفاوتة من حيث الرقي الحضاري ومن حيث أنظمتها الداخلية وقدرتها على تقطيع العالم الذي يحيط بالإنسان.‏

د-واللسانيات الاجتماعية تبحث في العلاقة القائمة بين اللغة والمجتمع. ذلك لأن اللغة لها صلة بالمجتمع الذي ينظمها ويؤطرها على نحو يجعلها مختلفة عن اللغات الأخرى نظاماً وعادة وسلوكاً. فاللغة ظاهرة اجتماعية تتفق عليها الجماعات البشرية، وهي تعكس كل ما يموج فيها من عادات وتقاليد وثقافة ودين وتنوعات جغرافية وإقليمية. إن من مهمة اللسانيات الاجتماعية البحث في التالي: اللغة واللهجة –الأطلس اللغوي الجغرافي- العلاقات الاجتماعية والثقافية في المجتمع الواحد وأثر ذلك في تعليم اللغة القومية وتعلمها- الفروق القائمة بين لغة النساء ولغة الرجال- المستويات الكلامية اللغوية حسب سياقاتها الاجتماعية- اللغة المنطوقة واللغة المكتوبة.‏

هـ-واللسانيات الأدبية تبحث بالعلاقات القائمة بين اللسانيات والأدب والنقد والسيميائيات والأسلوبيات. ماهي أفضل التقنيات اللسانية التي يمكن للأديب والكاتب أن يستخدمها ليكون عمله أكثر تأثيراً وفهماً في المجتمع؟ كيف يستطيع الأدب أن يقدم عينات وشرائح أدبية متنوعة للسانيات من أجل أن تدرسها وتبني عليها فرضيات يمكن أن تساهم في بناء صيغة علمية دقيقة للنقد الأدبي الحديث؟.‏

و-واللسانيات البيولوجية تبحث في العلاقة القائمة بين اللغة والدماغ. إن مهمة هذا العلم معرفة البنية اللغوية الدماغية عند الإنسان ومقارنتها بالبنية الإدراكية عند الحيوان. أضف إلى ذلك أن هذا العلم يريد معرفة التطور اللغوي البيولوجي عند الأطفال وكيف يمكن أن ينشأ المرض اللغوي عندهم؟.‏

ز-واللسانيات الرياضية تنظر إلى اللغة على أنها ظاهرة حسابية مركبة صوتاً وتركيباً ودلالة، ومنظمة على نحو متشابك من أجل تطويعها ووضعها في أطر وصيغ رياضية من أجل معرفتها معرفة دقيقة جداً لإثبات الفرضية التي وضعها تشومسكي من أن اللغة عبارة عن آلة مولدة ذات أدوات محددة قادرة على توليد ما لا نهاية له من الرموز اللغوية من خلال طرق محددة.‏

ح-واللسانيات الحاسوبية –المعلوماتية (الكومبيوترية) تبحث عن وضع اللغات البشرية في صيغ وأطر رياضية وذلك لمعالجتها في الحاسبات الإلكترونية من أجل السرعة والدقة العلميتين في البحوث اللغوية ومن أجل ترجمة النصوص اللغوية ترجمة آلية فورية.‏

والواقع أن تاريخ اللسانيات يبدأ بالمحاضرات اللسانية التي كان يلقيها عالم لساني سويسري يدعى فرديناند دي سوسور الذي يعتبر الأب الحقيقي للسانيات. وقد نشرت هذه المحاضرات اللسانية بعد مماته (1919) في كتاب اسمه "محاضرات في اللسانيات العامة" إن جوهر هذه المحاضرات يدور حول طرح منهج لساني علمي جديد لدراسة اللغات يدعى باللسانيات السنكروفية الآنية التي تدرس اللغات البشرية كما هي الآن. وقد كان هذا المنهج ردة فعل علمية على المناهج اللغوية الماضية التي كان يستخدمها العلماء في الهند لمقارنة اللغات الهندية باللغات الأوربية الأمر الذي دعاهم لدراسة تاريخ هذه اللغات ومقارنتها مع بعضها بعضاً طبقاً لمنهج لغوي دعوه بالمنهج الدياكروني التطوري (التاريخي).‏

وقد انتقل منهج دي سوسور اللساني إلى الولايات المتحدة وطُوّر تطويراً يختلف عما كان عليه في أوربة. من هنا نشأت "البنيوية" اللسانية (Structuralism) على يد عالم أمريكي هو بلومفيلد في كتابه "اللغة" (********) وقد طورت النظرية البنيوية من خلال نماذج عديدة جداً استمرت في التطور حتى عام 1957 حيث جاء عالم اللسانيات الأمريكي نوم تشومسكي الذي كان انعطافاً وحدثاً عظيماً في تاريخ العلوم الإنسانية والطبيعية في العالم. فقد استطاع هذا العالم أن يقلب المفاهيم الطبيعية والإنسانية رأساً على عقب كالمفاهيم المطروحة في علم النفس والمنطق والفلسفة وعلم الأنثروبولوجيا والرياضيات وعلم البيولوجيا وعلم الحاسبات الإلكترونية وعلم الفيزياء. ومن أراد التفصيل فلينظر في دائرة المعارف البريطانية ليرى ماذا فعل هذا العالم في تاريخ العلم الحديث والمعاصر. لقد قلب كثيراً من المفاهيم في هذه العلوم من خلال الثورة اللسانية التي قام بها عام 1957 عندما نشر كتابه الأول المسمى "المباني التركيبية" والذي يدور حول طرح نظرية جديدة تدعى "نظرية القواعد التوليدية والتحويلية" وما زال هذا العالم يطور في نظريته هذه حتى الآن وذلك من خلال تطبيقها على لغات بشرية عديدة. ولكن هذا لم يمنع من ظهور اتجاهات ومدارس لسانية أخرى في الولايات المتحدة وأوربة رافقت النظرية التوليدية والتحويلية كمدرسة "الدلاليات التوليدية" لمكولي ومدرسة "الدلاليات العلامية" لغيلمور ومدرسة "تحليل الخطاب" لـ لابوف وجمبرز وجودي، ولكن إذا أردنا فعلاً معرفة جوهر اللسانيات فإننا نستطيع القول إن هوية هذا العلم تتسم بصفتين اثنتين: الأولى هي العلمية (تطبيق المقاييس العلمية على اللغات) والثانية هي الاستقلالية (أصبح لهذا العلم قوانينه وأنظمته الخاصة به). هاتان السمتان اكتملتا بظهور علماء لسانيين في القرن العشرين أمثال دي سوسور وبلومفيلد وسابير ومارتينه وتشومسكي وغيرهم كثير.‏

4-موقع البحوث اللغوية العربية القديمة في اللسانيات الحديثة:‏

لاشك في أن كل أمة من الأمم عندما تفرز حضارة ما فإن هذه الحضارة ستكون مكتملة الجوانب ومتعددة الظواهر غالباً. فالحضارة العربية الإسلامية هي حضارة تتسم بسمة الكلية (Universal) هذه السمة الكلية التي كانت جوهر الدعوة الإسلامية دفعت العرب والمسلمين في كل مكان وزمان للبحث عن جوهر الإنسان ضمن بوتقة الكون والحياة. من هنا لم يكن من همِّ الأيديولوجية الإسلامية أن تجعل الإسلام يعتقد بالإسلام فقط وإنما كان همها إضافة إلى ذلك البحث والاستقصاء عن الإنسان أولاً (الانطلاق من معرفة الإنسان) وعن الكون الذي يحيط بالإنسان ثانياً (الانطلاق من المحيط الخارجي للإنسان). لذلك نرى القرآن الكريم يركز على قضية الاكتشاف عندما يقول "هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون". وكذلك الحديث النبوي الذي حث على هذا الاكتشاف عندما قال الرسول الكريم: "اطلبوا العلم ولو في الصين". وانطلاقاً من هذا المفهوم الفلسفي الإسلامي كان الرسول الكريم يفك أسر كافر إذا علَّم عشرة صبية من المسلمين.‏

نستطيع أن نقول إذن بأن الحضارة العربية الإسلامية لم تكن استمراراً لتطور حضاري سابق على الرغم من أنها كانت قد تأثرت بالخط العام لمسيرة الحضارات السابقة، وإنما كانت "طفرة" أو "انعطافاً" أو "حدثاً ثورياً" في تاريخ الحضارات الإنسانية. من هنا فإن ما توصلت إليه هذه الحضارات من خلال دراسة الظواهر الإنسانية والطبيعية إنما يستحق الروية والدراية والتأمل والعمق.‏

ومن الظواهر التي وقفت عندها الفلسفة العربية الإسلامية ظاهرة "اللغة". وعندما نقول "اللغة" لا نعني اللغة العربية فقط وإنما "اللغة" التي ينبغي أن تكون كونية، كلية، شاملة، صالحة لكل زمان ومكان حسب المفهوم الفلسفي العربي الإسلامي. إنها "اللغة" التي هي ركن أساسي من أركان الحضارة العربية الإسلامية. من هنا فإن خدمة العرب والمسلمين لهذه "اللغة" لم تنطلق من المفهوم القومي للغة وإنما انطلقت من المفهوم الإسلامي الكلي والإنساني والشمولي. فكما أن الإسلام هو الحل الوحيد لمشكلة الإنسان على هذه الأرض حسب المفهوم العربي الإسلامي فإن اللغة العربية هي اللغة التي يجب أن تحمل كل المعارف التي حصل عليها الإنسان ويريد أن يحصل عليها، وذلك من أجل حل مشكلاته في هذا الكون. إذن المفهوم العربي الإسلامي اعتبر "اللغة" ظاهرة عربية كونية كلية. لذلك أقدم العرب والمسلمون على دراستها انطلاقاً من هاتين السمتين: السمة القومية والسمة العالمية أو الكلية. وما بحثه العرب في "اللغة" كثير جداً ومتعب جداً، ولكن يمكن حصره بما يلي:‏

أ-أصوات اللغة العربية:‏

1-الفيزيولوجية –النطقية (النحاة والأطباء العرب أمثال الخليل بن أحمد وسيبويه وابن سينا في كتابه أسباب حدوث الحروف).‏

2-الفيزيائية (علماء الرياضيات العرب أمثال الحسن بن الهيثم والخوارزمي).‏

3-السمعية –الدماغية (علماء التجويد أمثال الشاطبي ومكي بن أبي طالب القيسي وعلماء الموسيقى أمثال زرياب وإبراهيم الموصلي).‏

فقد درس العرب والمسلمون الظاهرة الصوتية دراسة نطقية –فيزيولوجية ودراسة فيزيائية ثم دراسة سمعية دماغية، ولكن معلوماتهم حول هذه الظاهرة جاءت مبعثرة لا يجمعها منهج أو نموذج واحد متماسك.‏

ب-تراكيب اللغة العربية:‏

وهذا كثير عند النحاة العرب أمثال الخليل بن أحمد وسيبويه والكسائي والفراء والشراح الذين فصلوا ما أتى به هؤلاء المتقدمون أمثال ابن يعيش وغيره. ويُعد كتاب سيبويه "الكتاب" منطلق التحليل النحوي العربي في تاريخ الدراسات النحوية التركيبية. وفي اعتقادي أنه لو استطاع العرب فهم كتاب سيبويه فهم رواية ودراية وعمق لنبشوا حقائق نحوية من هذا الكتاب لا تقل أهمية عن الحقائق النحوية التي أتى بها عالم اللسانيات الأمريكي نوم تشومسكي ولكن هذا يحتاج إلى جهد كبير جداً ليس هناك مؤشرات لحوافزه، في مناخ الدراسات اللغوية العربية المعاصرة.‏

ج-دلالات اللغة العربية ومعانيها:‏

ونجد هذه الدراسات في أعمال البلاغيين العرب الذين كانوا يتحدثون عن معاني اللغة العربية ودلالاتها في إطار البلاغة "الممنطقة" أمثال الجرجاني والسكاكي والقزويني وغيرهم. ولعلنا نجد بعض النظرات الدلالية العميقة في أعمال النحاة العرب عندما كانوا يتحدثون عن تراكيب اللغة العربية ونحوها. وهذا كثير عند ابن يعيش في كتابه "شرح المفصل". ثم إن دلالات اللغة العربية ومعانيها أخذت حظاً كبيراً من الدراسة على أيدي الفلاسفة وعلماء المنطق العرب والمسلمين أمثال الفارابي وابن سينا والتوحيدي وابن حزم الأندلسي وابن رشد وغيرهم، حتى أن هناك نظرات دلالية عميقة جداً مبعثرة هنا وهناك ولاسيما في أعمال المفسرين العرب والمسلمين الذين تناولوا القرآن الكريم والأحاديث النبوية تفسيراً وشرحاً.‏

د-ارتباط اللغة بالمجتمع:‏

ونجد مثل هذه الدراسات عند الجاحظ في مؤلفاته جميعها ولاسيما "البيان والتبيين" و"الحيوان" وكذلك نجد بعض هذه الدراسات حول العلاقة بين اللغة والمجتمع عند بعض الشعراء في نثرهم أمثال أبي العلاء المعري في "رسالة الغفران"، وكذلك نجد هذه الأعمال عند من بحثوا في قضية اللغة العربية واللهجات المتفرعة عنها وأنظمة التفرع وضوابطه.‏

هـ-ارتباط اللغة بفيزيولوجية الإنسان وبيولوجيته:‏

وهذا نراه عند المؤلفين العرب الذين بحثوا في قضية الأمراض اللغوية والتطور اللغوي عند الإنسان ولاسيما عند الجاحظ في كتابه "البيان والتبيين".‏

و-نشأة اللغة واللغات:‏

وهذا الموضوع تناوله المؤلفون العرب إجمالاً لأنه يرتبط ارتباطاً وثيقاً بأصل الإنسان عندما خلقه الله تعالى ليكون خليفته في الأرض. ومن المؤلفين العرب الذين تناولوا هذا الموضوع ابن جني في "الخصائص" وابن فارس في "المجمل" و "المقاييس"، ثم نراه عند بعض الفرق الفلسفية كالمعتزلة مثلاً. ولكن هذه الدراسات اللغوية التي قام بها العرب والمسلمون إنما هي دراسات إنسانية مستطردة لم تبن على نماذج معينة تخضع لنظريات علمية تجريبية مثبتة اللهم إلا في مجال الصوتيات والنحويات والدلاليات وحتى هذه تحتاج إلى غربلة "علمية" صارمة.‏

5-الصلة بين التراث اللغوي العربي واللسانيات:‏

لا أجد حرجاً في أن أكرر، هنا، شيئاً كنتُ قلته، وسأبقى أقوله، هو أن صلة القربى ليست فقط بين التراث اللغوي العربي واللسانيات، وإنما هي موجودة أصلاً بين التراث اللغوي العالمي واللسانيات. هذه الحقيقة هي قانون علمي للظواهر الحضارية، ذلك لأن اللسانيات لم تنشأ في فراغ لتخدم في فراغ، وإنما هي شيء لاحق لشيء سابق. فعملية التأثير والتأثر موجودة، ليس بين اللسانيات وبين الدراسات التي سبقتها، وإنما بين الظواهر الحضارية كلها.‏

ولكن السر في تقدم الظواهر الحضارية بعضها على بعض إنما يكمن في حقيقة مفادها أن الشيء اللاحق يجب أن يكتشف جديداً لم يكن في السابق. هذا هو سر تقدم العلوم الإنسانية والطبيعية، وسر تقدم الحضارات في تاريخ الإنسان.‏

اللسانيات، بصفتها علماً، جاءت من أجل تبني صيغة علمية بمفهوم العلم الفيزيائي، وذلك من أجل معرفة كيفية عمل اللغات البشرية بدقة وضبط وموضوعية مطلقة، وذلك للاستفادة من نتائج هذه المعرفة اللغوية وتوظيفها في مجال الحضارة والتكنولوجيا المعاصرة. ولكي تستطيع اللسانيات أن تكون علماً قائماً برأسه مستقلاً عن بقية العلوم الإنسانية والطبيعية الأخرى، فلابد لها من أن تستفيد من المعارف والنظرات اللغوية والتراثية سواء أكانت عربية أم غير عربية.‏

وهكذا فإن المعارف اللغوية الموجودة في التراث الهندي والبابلي والإغريقي والروماني والعربي ثم جهود الباحثين في القرن الثامن والتاسع عشر إنما كانت معارف لغوية مهمة جداً للسانيات.‏

ولكن فضيلة التراث اللغوي العربي تأتي من حقيقة أن الأيديولوجية الحضارية العربية الإسلامية كانت أعلى في الوتيرة الفكرية وأنفذ في الرؤية المستقبلية. لذلك كانت استفادة اللسانيات من التراث اللغوي العربي أكثر من غيره على الرغم من أن بعض الباحثين اللسانيين الغربيين لا يعترفون بهذه الحقيقية، ذلك لأن حجتهم هي أن التراث اللغوي العربي إنما هو انعكاس وحفظ للتراث اللغوي الإغريقي إلا في بعض فرضياته الدلالية الجديدة.‏

على أية حال، لقد أثبت باحثون لسانيون غربيون معتدلون ومنصفون (أمثال روبنز وتشومسكي وكوك) تأثر اللسانيات الحديثة بالتراث اللغوي العربي وذلك عن طريق وسائل مختلفة سواء أكانت مباشرة (الاطلاع على التراث اللغوي العربي باللغة العربية) أم غير مباشرة (عن طريق ترجمة أعمال النحاة واللغويين والبلاغيين العرب إلى لغات أجنبية كثيرة وخاصة اللغة الألمانية).‏

إن الفكرة الرئيسية في قانون البحث العلمي هي أنه لا سابق دون لاحق ولا لاحق دون سابق، وكل من ينكر هذا القانون العلمي إنما نظرته إلى الظواهر هي نظرة شخصية وليست نظرة موضوعية. لنأخذ على سبيل المثال عالم اللسانيات الأمريكي نوم تشومسكي فسوف نجد برهاناً على ما نقول. فعلى الرغم من أن هذا العالم قد رفض كل شيء أتت به البنيوية، ولكنه في صميم أعماله التوليدية والتحويلية إنما هو بنيوي. إن ما فعله تشومسكي هو أنه قلب البنيوية رأساً على عقب وأتى بشيء جديد لم تلتفت إليه البنيوية وهو دراسة "اللغة" على أنها ظاهرة فيزيائية –رياضية- آلية- بيولوجية تعمل داخل الدماغ البشري. أنت ترى ظاهرة معينة منذ مدة وأنا أرى الظاهرة نفسها الآن، ولكن رؤيتي لهذه الظاهرة يمكن أن تكشف شيئاً جديداً لم يسترع انتباهك أنت. ولنقل ما نقول: أهي الوسائل البدائية التي استخدمتها ولم تجعلك تكتشف هذا الشيء الجديد أم أنه القصور في التحليل العلمي لهذه الظاهرة؟‏

المهم في الأمر هو "الاكتشاف الجديد"، هذا هو سر اللسانيات الحديثة التي اكتشفت في اللغات البشرية أشياء جديدة لم تستطع الدراسات اللغوية القديمة اكتشافها وذلك بسبب ظهور التكنولوجيا الحديثة والأساليب العلمية المذهلة. ما تفعله اللسانيات هو أنها تأتي إلى اللغات البشرية كافة، تفككها وتحللها قطعة قطعة لتكشف وظيفة كل قطعة لغوية وكيفية توزعها في النظام العام. وهكذا فإنها ستكشف أن هناك نظاماً معيناً فتسجله، ثم تنتقل إلى قطع لغوية أخرى لتدرس وظيفتها وتوزعها ضمن النظام العام، وهكذا دواليك. فمن خلال هذه الدراسة تتكون عند اللساني أنظمة كثيرة حول الظاهرة اللغوية. وهذه الأنظمة لابد لها من نظام معين من أجل ضبطها.‏

إن الفكرة الرئيسية هنا هي أن اللساني ينطلق من الجزء لينتهي بالكل. الجزء هو اللغات البشرية كلها. الكل هو أنظمة هذه اللغات البشرية وقوانينها. إن الجزء والكل هما اللذان يعطيان اللسانيات الحديثة شرعيتها لتكون علماً قائماً برأسه.‏

في التراث اللغوي القديم (عربياً كان أم غير عربي) لم تكن هناك وسائل علمية سريعة لفحص اللغات البشرية كلها وتحليلها ومعرفة سر حركيتها وعملها من أجل أن نستفيد منها تقنياً وتكنولوجياً، وإلا فكيف يمكننا الآن وبفضل اللسانيات الحديثة أن نصمم آلات تكنولوجية (مخابر صوتية) أو حاسبات الكترونية (كومبيوتر) لتلائم مثلاً لغتين أو لغات عدة من أجل أن نقوم بعملية الترجمة الآلية كما هو الحال في مشروع لغات السوق الأوربية المشتركة؟ ثم كيف يمكننا وبفضل اللسانيات الحديثة أن نصوغ جميع اللغات البشرية صياغة رياضية صوتياً وتركيبياً ودلالياً؟. لم يكن هذا الأمر ممكناً في القديم ذلك لأن إمكانات فقه اللغة أو الدراسات اللغوية القديمة إمكانات بدائية تتلاءم مع العصر الذي أفرزها.‏

هذه الحقيقة العلمية تؤيد حقيقة أخرى فلسفية كان وضعها الفيلسوف اليوناني القديم هيرقليطس وهي "انك لا تستطيع أن تستحم بماء النهر مرتين". من هنا فإنه من الخطأ العلمي أن نحمّل التاريخ الحضاري وزراً فوق وزره. لندع التاريخ الحضاري يفرز حقائقه من الواقع والزمن الذي كان يعايشه دون أن نسقط عليه حقائق معاصرة لرغبة قومية أو نزعة دينية أو تحمس عاطفي.‏

والخلاصة أن الدراسات اللغوية القديمة هي دراسات إنسانية (علاقة اللغة بالإنسان الذي يتكلمها). وبهذا فإنها في الغالب دراسات شخصية (Subjective) شارحة كيف يمكن للصفات المهمة للغة أن تكون لها علاقة في أنا (كشخص). أما الدراسات اللغوية الحديثة أو اللسانيات فهي دراسات علمية (علاقة اللغة ببعضها بعضاً). وبهذا فإن هذه الدراسات أكثر موضوعية (Objective) شارحة كيف يمكن للصفات المهمة للغة أن تكون لها علاقة ببعضها بعضاً.‏

الدراسات اللغوية القديمة تبدو وكأنها تستخدم معيار السببية (لماذا مثلاً تحدث صفات نحوية معينة في اللغة؟ وكيف يجب على هذه الصفات النحوية أن تعمل؟). وبالمقابل فإن اللسانيات الحديثة تبدو وكأنها تستخدم معيار الماهية (فهي تسجل الحقائق الملحوظة للغة فقط دون محاولة شرحها. وإذا كان هناك شرح لساني فإنه عبارة عن الشرح الذي يتناول العلاقة بين الحقائق الملحوظة للغة وبين النظرية اللسانية العامة والتجريبية). الدراسات اللغوية القديمة خلطت بين مستويات التحليل اللغوي فهي لم تميز بشكل دقيق هذه المستويات وتفرزها عن بعضها بعضاً لكي يكون التحليل أكثر دقة وموضوعية. أما اللسانيات الحديثة فقد فصلت بين مستويات لسانية عديدة مكّنها من اكتشاف العملية اللغوية وكيفية عملها ووظيفتها.‏

إن حقيقة فهم الناس للدراسات اللغوية القديمة إنما يعود إلى التاريخ الثقافي الذي حمل التراث اللغوي القديم من جيل إلى جيل وعلى مدد زمنية طويلة وعريضة، ذلك التاريخ الذي صبغ الدراسات اللغوية القديمة بالتيارات الفلسفية والنفسية والدينية والبلاغية والنقدية والأدبية. ومن جهة أخرى فإن اللسانيات الحديثة هي وليدة العصر وليس لها تاريخ ثقافي طويل وعريض. أضف إلى ذلك أن اللسانيات حاولت جهدها أن تصرف النظر عن المناقشات الجدلية النفسية والمنطقية والميتافيزيقية العقيمة وأن تركز على الوصف والشرح اللغويين المبنيين على الوصف التجريبي للغة.‏

وبكلمة أخرى؛ إن اللسانيات الحديثة هي استمرار للخط الحضاري الحديث ذي الطابع العلمي التكنولوجي الذي يجعلها مرتبطة بالعلوم الطبيعية والتقنية الصارمة كالفيزياء والبيولوجيا والحاسبات الإلكترونية والرياضيات. أما الدراسات اللغوية القديمة فإنها استمرار للخط الحضاري القديم ذي الطابع الإنساني الذي يجعلها تدور في فلك العلوم الإنسانية كالأدب والنقد والفلسفة والتاريخ.‏

وهكذا فإن الفرق بين الدراسات اللغوية القديمة وبين الدراسات اللسانية الحديثة هو الفرق بين الهدف الإنساني والهدف العلمي.



مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 48 - السنة 12 - تموز "يوليو" 1992 - المحرم 1413

« استعرض الموضوع السابق · استعرض الموضوع التالي »
موقع المستخذم http://maamri-ilm2010.yoo7.com/t212-topic

hano.jimi
2011-09-25, 12:44
الى
lamiaken
صلة التراث اللغوي العربي باللسانيات - د.مازن الوعر

مدخل: الحديث عن صلة التراث اللغوي العربي باللسانيات ذو شجون، ونحن نعلم أن البحث عن هذه الصلة يشغل اللغويين العرب، ويكاد يكون برهاناً على رؤيتهم المعاصرة للسانيات العربية.‏

ولكن ماهي طبيعة هذه الصلة؟ ثم كيف ننظر إليها؟‏

الواقع أحب أن أجيب عن هذين السؤالين في إطار أشمل وأوسع ليكون حديثنا أكثر دقة وموضوعية ذلك أنني أعتقد أن التراث اللغوي العربي ليس ملكاً للعرب وحدهم، ولكنه ملك حضارة الإنسان المعاصر. والإنسان دائماً وأبداً خارج عن نطاق الجنس والعرق والتاريخ. ومن ثم يمكنني أن أجيب عن هذين السؤالين في إطار ما يلي:‏

1-ماذا نعني بالتراث اللغوي العالمي؟‏

2-أين يقع التراث اللغوي العربي في خارطة التراث اللغوي العالمي؟‏

3-ماذا نعني باللسانيات الحديثة؟‏

4-أين تقع البحوث اللغوية العربية القديمة في خارطة اللسانيات الحديثة؟‏

5-وأخيراً، هل هناك صلة بين ما فعله العرب في مجال الدراسات اللغوية القديمة وبين هذا العلم الجديد المسمى "اللسانيات"؟ ثم ما طبيعة هذه العلاقة؟‏

1-التراث اللغوي العالمي:‏

من يطلع على الكتاب القيم الذي كتبه الباحث اللساني الإنكليزي ر.روبنز (R. Robins) والمسمى "التاريخ الوجيز للسانيات (A short History of linguistics) سيكتشف أن تاريخ الأمم السالفة حافل وغني بالدراسات اللغوية التي تبحث في الظاهرة اللغوية من الوجهة الصوتية والتركيبية والدلالية، ثم علاقة هذه المكونات اللغوية بالعالم الذي يحيط بالإنسان. فقد لفتت الظاهرة اللغوية انتباه الإنسان منذ قديم الأزل، وجعلته يطرح الأسئلة تلو الأسئلة حولها. وسواء أقاده حدسه الطبيعي إلى الجواب الصحيح أم تجاربه العلمية المتوافرة آنذاك، فإنه قد توصل إلى حقائق عدة حول اللغة بشكل عام.‏

فالحضارة الهندية القديمة بحثت في الظاهرة اللغوية بحثاً مستفيضاً ولاسيما في وجهها الصوتي (Phonetic) والحق يقال: يُعدّ الباحث الهندي الكبير بانيني (Panini) أبا الصوتيات في العالم. فمن رجع إلى بحوث هذا الرجل منذ حوالي أربعة آلاف سنة فإنه سيدهش من الدراسة الصوتية العميقة التي قام بها سواء أكانت هذه الدراسة مبنية على اللغات الهندية أم على لغات بشرية أخرى.‏

وقد فعل اليونانيون في الحضارة الإغريقية الشيء نفسه، إذ استفادوا من البحوث اللغوية التي سبقتهم وبنوا على تلك الدراسات ثم طلعوا بنظرات جديدة حول الظاهرة اللغوية. وما البحوث اللغوية التي قدمها أفلاطون وأرسطو والمدرسة الرواقية إلا دليل واضح على اهتمام الحضارة الإغريقية بالظاهرة اللغوية.‏

وإذا كانت الحضارة الرومانية قد تبنت كل الحقائق اللغوية التي أتت بها الحضارة الإغريقية فإنها قد ساهمت قليلاً في تطوير الدراسات اللغوية ولاسيما في وجهها الدلالي والبلاغي. أضف إلى ذلك أن هناك دراسات لغوية قيّمة ونافعة قامت بها الحضارات الشرقية القديمة وبالتحديد اليابان والصين وغيرهما، تلك الدراسات التي لم تصل إلينا نحن –العرب- لنتعرفها ونأخذ بها. ومن يطلع على كتاب ر.روبنز الآنف الذكر يكتشف أن هناك حقائق كثيرة أتت بها الدراسات الشرقية حول الظاهرة اللغوية.‏

والخلاصة: لا يمكن لظاهرة من الظواهر الإنسانية أو الفيزيائية أن تكون طفرة في تاريخ الجنس البشري وإنما هي تحول من ظاهرة إلى ظاهرة أخرى متعاقبة. وهكذا فإن السابق هو نتاج اللاحق. اللغة ظاهرة فيزيولوجية –إنسانية لاحظها الإنسان منذ أن خُلق على وجه الأرض، وقد حاول وما يزال يحاول سبرها. وهكذا فإن تاريخ الإنسان (بغض النظر عن جنسه وعرقه وأصله وفصله) مليء بالدراسات التي تناولت الظاهرة اللغوية. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: ما مدى صحة هذه الدراسات اللغوية التراثية العالمية وشرعيتها؟ الإجابة عن هذا السؤال تحتاج إلى رواية ودراية لا تقل مدتها عن عشر سنوات من البحث والاستقصاء العلمييْن.‏

2-التراث اللغوي العربي في خارطة التراث اللغوي العالمي:‏

لا أريد أن أقول –لأنني عربي- إن التراث اللغوي يُعد تحولاً كبيراً في مسيرة التراث اللغوي العالمي، ولكنني أقول هذا لأن الحقائق العلمية حول هذا الموضوع مثبتة تاريخياً. وأكرر ما كنت قد ذكرته في مقالات عديدة أنه لو التفت الغرب المعاصر إلى التأريخ اللغوي التراثي العربي لكان علم اللسانيات الحديث في مرحلة متقدمة عن الزمن الذي هو فيه. هذه الحقيقة شاركني فيها عالم اللسانيات الأمريكي نوم تشومسكي خلال حوار كنت أجريته معه 1982. وقد نشرت ما قاله تشومسكي حول هذا الموضوع في مجلة اللسانيات الصادرة عن معهد العلوم الإنسانية والصوتية التابع لجامعة الجزائر (المجلد 6-1984). ولكن ماذا نعني بالتراث اللغوي العربي؟ الواقع أن الذي فعله النحاة العرب حول اللغة العربية يُعد جزءاً من التراث اللغوي العربي وليس كله. ذلك أن التراث اللغوي العربي هو أشمل وأوسع مما قدمه النحاة العرب أمثال الخليل بن أحمد وسيبويه وابن يعيش وغيرهم. فهذا التراث هو كل عمل عربي وضعه العرب القدماء من أجل تفسير النص القرآني. وهذا يعني أننا إذا أردنا إعادة تركيب التراث اللغوي العربي فإنه ينبغي أن نبحث في المصادر التالية:‏

-كتب النحو والشروح التي تناولته (نحويات أو علم التراكيب).‏

-كتب التجويد وفق قراءة القرآن الكريم (صوتيات أو علم الصوت).‏

-كتب البلاغة والفلسفة والمنطق (دلاليات أو علم المعنى).‏

-كتب التفاسير القرآنية والنبوية.‏

-دواوين العرب الشعرية والنثرية والشروح التي تناولتها.‏

-كتب الموسوعات المعرفية المختلفة التي كتبها عظماء الكتّاب العرب، أمثال الجاحظ وابن عبد ربه وابن حزم الأندلسي وغيرهم.‏

-كتب المعاجم واللغة كما هي الحال عند ابن منظور وابن فارس والأصمعي والقالي وغيرهم.‏

-كتب التاريخ كما هي الحال عند الطبري وياقوت الحموي وغيرهما.‏

وبكلمة أخرى؛ إن ما نعنيه بالتراث اللغوي العربي هو كل هذا الركام المعرفي المتناثر في تاريخ الفكر العربي والذي وجد من أجل خدمة النص القرآني. ونحن لا نستطيع معرفة النظرية اللغوية العربية بأبعادها الكاملة إلا إذا أعدنا تركيب هذا الفكر اللغوي العربي المتناثر بعد سبر دقيق وعميق لكل ما قاله العرب حول المسألة اللغوية.‏

إن الشرعية العلمية التي تدفعنا إلى تنفيذ هذا العمل ليست نابعة من تجميع ركام معرفي لا يربطه رابط معين، وإنما هو ركام معرفي انطلق من مبدأ فلسفي متماسك واضح من أجل تفسير الكون والحياة. فالنظرة الفلسفية الإسلامية أرادت أن تفسر مشكلة الإنسان على الأرض، ولأن اللغة مكوّن جوهري من مكونات الإنسان فإنها أرادت معرفة هذه اللغة وسبرها وتفسيرها وربطها بالنظرة الفلسفية الكونية.‏

صحيح أن تاريخ العالم وحضارته مملوء بالنظرات اللغوية التي تناولت اللغة درساً وتمحيصاً، إلا أن معظمها لم ينطلق من منطلق فلسفي شامل وعام. من هنا فإن تجميع الركام المعرفي اللغوي انطلاقاً من هذه الحقيقة وفي إطار يفقد صفته العلمية.‏

إن شرعية إعادة بناء الركام اللغوي العربي القديم تأتي من حقيقة أن العرب القدماء أرادوا تفسير الظاهرة اللغوية، كما فسروا بقية الظواهر الإنسانية والطبيعية، من أجل خدمة النص القرآني. وبمعنى أدق من أجل خدمة المنطلق الفلسفي الإسلامي.‏

3-اللسانيات الحديثة:‏

اللسانيات هي الدراسة العلمية للغات البشرية كافة من خلال الألسنة الخاصة بكل قوم من الأقوام. هذه الدراسة تشمل ما يلي: الأصوات اللغوية –التراكيب النحوية- الدلالات والمعاني اللغوية- علاقة اللغات البشرية بالعالم الفيزيائي الذي يحيط بالإنسان.‏

ونعني بالدراسة العلمية البحث الذي يستخدم الأسلوب العلمي المعتمد على المقاييس التالية: ملاحظة الظواهر اللغوية –التجريب والاستقراء المستمر- بناء نظريات لسانية كلية من خلال وضع نماذج لسانية قابلة للتطوير- ضبط النظريات اللسانية الكلية ثم ضبط الظواهر اللغوية التي تعمل عليها- استعمال النماذج والعلائق الرياضية الحديثة- التحليل الرياضي الحديث للغة- الموضوعية المطلقة. وبما أن اللغات البشرية لها ارتباطاتها الإنسانية والطبيعية المتفرعة، كذلك فإن لعلم اللسانيات فروعاً متعددة يختص كل منها بناحية جزئية من هذا الكل الذي اسمه "اللغات".‏

آ-فاللسانيات النظرية (العامة) تبحث بالنظريات اللغوية ونماذجها المتفرعة عنها وكيفية معالجتها للبنية اللغوية سواء أكانت تلك النظريات اللغوية في الماضي أم الحاضر. ومن العلوم المتفرعة عن اللسانيات النظرية ما يلي:‏

1-الصوتيات التي تتفرع بدورها إلى: الصوتيات الفيزيولوجية النطقية- الصوتيات الفيزيائية –الصوتيات السمعية الدماغية.‏

2-النحويات أو علم التراكيب الذي يتفرع بدوره إلى: علم بناء الجملة –علم بناء الكلمة- علم التقديم والتأخير في العناصر اللغوية- علم القواعد اللغوية العالمية- علم القواعد اللغوية الخاصة- علم الضوابط العامة والخاصة المفروضة على القواعد.‏

3-الدلاليات أو علم المعنى الذي يتفرع بدوره إلى: علم المعنى الخاص وعلم المعنى العام- علم بنية الدلالة في الدماغ البشري- علم التعرف على اللغة (عندما تخزن في الدماغ دون معرفتها) –علم فهم اللغة (عندما تخزن في الدماغ مع فهمها)- علم المشترك والترادف- علم تقطيع اللغات للواقع وتسميته- علم أنواع الدلالة والمعنى.‏

ب-واللسانيات التطبيقية تبحث في التطبيقات الوظيفية التربوية للغة من أجل تعليمها وتعلمها للناطقين ولغير الناطقين بها، وتبحث أيضاً في الوسائل البيداغوجية المنهجية لتقنيات تعليم اللغات البشرية وتعلمها (أصول التدريس –مناهج التدريس- وضع النصوص اللغوية وانسجامها مع المتعلمين- وضع الامتحان- امتحان الامتحان- علاقة التعلم والتعليم بالبيئة الاجتماعية).‏

ج-واللسانيات الأنثروبولوجية تبحث بالصلة التي تربط اللغة بأصل الإنسان. فاللغة عضو بيولوجي كبقية الأعضاء البيولوجية الأخرى عند الإنسان، ولكن، على الرغم من ذلك فإن اللغات البشرية متفاوتة من حيث الرقي الحضاري ومن حيث أنظمتها الداخلية وقدرتها على تقطيع العالم الذي يحيط بالإنسان.‏

د-واللسانيات الاجتماعية تبحث في العلاقة القائمة بين اللغة والمجتمع. ذلك لأن اللغة لها صلة بالمجتمع الذي ينظمها ويؤطرها على نحو يجعلها مختلفة عن اللغات الأخرى نظاماً وعادة وسلوكاً. فاللغة ظاهرة اجتماعية تتفق عليها الجماعات البشرية، وهي تعكس كل ما يموج فيها من عادات وتقاليد وثقافة ودين وتنوعات جغرافية وإقليمية. إن من مهمة اللسانيات الاجتماعية البحث في التالي: اللغة واللهجة –الأطلس اللغوي الجغرافي- العلاقات الاجتماعية والثقافية في المجتمع الواحد وأثر ذلك في تعليم اللغة القومية وتعلمها- الفروق القائمة بين لغة النساء ولغة الرجال- المستويات الكلامية اللغوية حسب سياقاتها الاجتماعية- اللغة المنطوقة واللغة المكتوبة.‏

هـ-واللسانيات الأدبية تبحث بالعلاقات القائمة بين اللسانيات والأدب والنقد والسيميائيات والأسلوبيات. ماهي أفضل التقنيات اللسانية التي يمكن للأديب والكاتب أن يستخدمها ليكون عمله أكثر تأثيراً وفهماً في المجتمع؟ كيف يستطيع الأدب أن يقدم عينات وشرائح أدبية متنوعة للسانيات من أجل أن تدرسها وتبني عليها فرضيات يمكن أن تساهم في بناء صيغة علمية دقيقة للنقد الأدبي الحديث؟.‏

و-واللسانيات البيولوجية تبحث في العلاقة القائمة بين اللغة والدماغ. إن مهمة هذا العلم معرفة البنية اللغوية الدماغية عند الإنسان ومقارنتها بالبنية الإدراكية عند الحيوان. أضف إلى ذلك أن هذا العلم يريد معرفة التطور اللغوي البيولوجي عند الأطفال وكيف يمكن أن ينشأ المرض اللغوي عندهم؟.‏

ز-واللسانيات الرياضية تنظر إلى اللغة على أنها ظاهرة حسابية مركبة صوتاً وتركيباً ودلالة، ومنظمة على نحو متشابك من أجل تطويعها ووضعها في أطر وصيغ رياضية من أجل معرفتها معرفة دقيقة جداً لإثبات الفرضية التي وضعها تشومسكي من أن اللغة عبارة عن آلة مولدة ذات أدوات محددة قادرة على توليد ما لا نهاية له من الرموز اللغوية من خلال طرق محددة.‏

ح-واللسانيات الحاسوبية –المعلوماتية (الكومبيوترية) تبحث عن وضع اللغات البشرية في صيغ وأطر رياضية وذلك لمعالجتها في الحاسبات الإلكترونية من أجل السرعة والدقة العلميتين في البحوث اللغوية ومن أجل ترجمة النصوص اللغوية ترجمة آلية فورية.‏

والواقع أن تاريخ اللسانيات يبدأ بالمحاضرات اللسانية التي كان يلقيها عالم لساني سويسري يدعى فرديناند دي سوسور الذي يعتبر الأب الحقيقي للسانيات. وقد نشرت هذه المحاضرات اللسانية بعد مماته (1919) في كتاب اسمه "محاضرات في اللسانيات العامة" إن جوهر هذه المحاضرات يدور حول طرح منهج لساني علمي جديد لدراسة اللغات يدعى باللسانيات السنكروفية الآنية التي تدرس اللغات البشرية كما هي الآن. وقد كان هذا المنهج ردة فعل علمية على المناهج اللغوية الماضية التي كان يستخدمها العلماء في الهند لمقارنة اللغات الهندية باللغات الأوربية الأمر الذي دعاهم لدراسة تاريخ هذه اللغات ومقارنتها مع بعضها بعضاً طبقاً لمنهج لغوي دعوه بالمنهج الدياكروني التطوري (التاريخي).‏

وقد انتقل منهج دي سوسور اللساني إلى الولايات المتحدة وطُوّر تطويراً يختلف عما كان عليه في أوربة. من هنا نشأت "البنيوية" اللسانية (Structuralism) على يد عالم أمريكي هو بلومفيلد في كتابه "اللغة" (********) وقد طورت النظرية البنيوية من خلال نماذج عديدة جداً استمرت في التطور حتى عام 1957 حيث جاء عالم اللسانيات الأمريكي نوم تشومسكي الذي كان انعطافاً وحدثاً عظيماً في تاريخ العلوم الإنسانية والطبيعية في العالم. فقد استطاع هذا العالم أن يقلب المفاهيم الطبيعية والإنسانية رأساً على عقب كالمفاهيم المطروحة في علم النفس والمنطق والفلسفة وعلم الأنثروبولوجيا والرياضيات وعلم البيولوجيا وعلم الحاسبات الإلكترونية وعلم الفيزياء. ومن أراد التفصيل فلينظر في دائرة المعارف البريطانية ليرى ماذا فعل هذا العالم في تاريخ العلم الحديث والمعاصر. لقد قلب كثيراً من المفاهيم في هذه العلوم من خلال الثورة اللسانية التي قام بها عام 1957 عندما نشر كتابه الأول المسمى "المباني التركيبية" والذي يدور حول طرح نظرية جديدة تدعى "نظرية القواعد التوليدية والتحويلية" وما زال هذا العالم يطور في نظريته هذه حتى الآن وذلك من خلال تطبيقها على لغات بشرية عديدة. ولكن هذا لم يمنع من ظهور اتجاهات ومدارس لسانية أخرى في الولايات المتحدة وأوربة رافقت النظرية التوليدية والتحويلية كمدرسة "الدلاليات التوليدية" لمكولي ومدرسة "الدلاليات العلامية" لغيلمور ومدرسة "تحليل الخطاب" لـ لابوف وجمبرز وجودي، ولكن إذا أردنا فعلاً معرفة جوهر اللسانيات فإننا نستطيع القول إن هوية هذا العلم تتسم بصفتين اثنتين: الأولى هي العلمية (تطبيق المقاييس العلمية على اللغات) والثانية هي الاستقلالية (أصبح لهذا العلم قوانينه وأنظمته الخاصة به). هاتان السمتان اكتملتا بظهور علماء لسانيين في القرن العشرين أمثال دي سوسور وبلومفيلد وسابير ومارتينه وتشومسكي وغيرهم كثير.‏

4-موقع البحوث اللغوية العربية القديمة في اللسانيات الحديثة:‏

لاشك في أن كل أمة من الأمم عندما تفرز حضارة ما فإن هذه الحضارة ستكون مكتملة الجوانب ومتعددة الظواهر غالباً. فالحضارة العربية الإسلامية هي حضارة تتسم بسمة الكلية (Universal) هذه السمة الكلية التي كانت جوهر الدعوة الإسلامية دفعت العرب والمسلمين في كل مكان وزمان للبحث عن جوهر الإنسان ضمن بوتقة الكون والحياة. من هنا لم يكن من همِّ الأيديولوجية الإسلامية أن تجعل الإسلام يعتقد بالإسلام فقط وإنما كان همها إضافة إلى ذلك البحث والاستقصاء عن الإنسان أولاً (الانطلاق من معرفة الإنسان) وعن الكون الذي يحيط بالإنسان ثانياً (الانطلاق من المحيط الخارجي للإنسان). لذلك نرى القرآن الكريم يركز على قضية الاكتشاف عندما يقول "هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون". وكذلك الحديث النبوي الذي حث على هذا الاكتشاف عندما قال الرسول الكريم: "اطلبوا العلم ولو في الصين". وانطلاقاً من هذا المفهوم الفلسفي الإسلامي كان الرسول الكريم يفك أسر كافر إذا علَّم عشرة صبية من المسلمين.‏

نستطيع أن نقول إذن بأن الحضارة العربية الإسلامية لم تكن استمراراً لتطور حضاري سابق على الرغم من أنها كانت قد تأثرت بالخط العام لمسيرة الحضارات السابقة، وإنما كانت "طفرة" أو "انعطافاً" أو "حدثاً ثورياً" في تاريخ الحضارات الإنسانية. من هنا فإن ما توصلت إليه هذه الحضارات من خلال دراسة الظواهر الإنسانية والطبيعية إنما يستحق الروية والدراية والتأمل والعمق.‏

ومن الظواهر التي وقفت عندها الفلسفة العربية الإسلامية ظاهرة "اللغة". وعندما نقول "اللغة" لا نعني اللغة العربية فقط وإنما "اللغة" التي ينبغي أن تكون كونية، كلية، شاملة، صالحة لكل زمان ومكان حسب المفهوم الفلسفي العربي الإسلامي. إنها "اللغة" التي هي ركن أساسي من أركان الحضارة العربية الإسلامية. من هنا فإن خدمة العرب والمسلمين لهذه "اللغة" لم تنطلق من المفهوم القومي للغة وإنما انطلقت من المفهوم الإسلامي الكلي والإنساني والشمولي. فكما أن الإسلام هو الحل الوحيد لمشكلة الإنسان على هذه الأرض حسب المفهوم العربي الإسلامي فإن اللغة العربية هي اللغة التي يجب أن تحمل كل المعارف التي حصل عليها الإنسان ويريد أن يحصل عليها، وذلك من أجل حل مشكلاته في هذا الكون. إذن المفهوم العربي الإسلامي اعتبر "اللغة" ظاهرة عربية كونية كلية. لذلك أقدم العرب والمسلمون على دراستها انطلاقاً من هاتين السمتين: السمة القومية والسمة العالمية أو الكلية. وما بحثه العرب في "اللغة" كثير جداً ومتعب جداً، ولكن يمكن حصره بما يلي:‏

أ-أصوات اللغة العربية:‏

1-الفيزيولوجية –النطقية (النحاة والأطباء العرب أمثال الخليل بن أحمد وسيبويه وابن سينا في كتابه أسباب حدوث الحروف).‏

2-الفيزيائية (علماء الرياضيات العرب أمثال الحسن بن الهيثم والخوارزمي).‏

3-السمعية –الدماغية (علماء التجويد أمثال الشاطبي ومكي بن أبي طالب القيسي وعلماء الموسيقى أمثال زرياب وإبراهيم الموصلي).‏

فقد درس العرب والمسلمون الظاهرة الصوتية دراسة نطقية –فيزيولوجية ودراسة فيزيائية ثم دراسة سمعية دماغية، ولكن معلوماتهم حول هذه الظاهرة جاءت مبعثرة لا يجمعها منهج أو نموذج واحد متماسك.‏

ب-تراكيب اللغة العربية:‏

وهذا كثير عند النحاة العرب أمثال الخليل بن أحمد وسيبويه والكسائي والفراء والشراح الذين فصلوا ما أتى به هؤلاء المتقدمون أمثال ابن يعيش وغيره. ويُعد كتاب سيبويه "الكتاب" منطلق التحليل النحوي العربي في تاريخ الدراسات النحوية التركيبية. وفي اعتقادي أنه لو استطاع العرب فهم كتاب سيبويه فهم رواية ودراية وعمق لنبشوا حقائق نحوية من هذا الكتاب لا تقل أهمية عن الحقائق النحوية التي أتى بها عالم اللسانيات الأمريكي نوم تشومسكي ولكن هذا يحتاج إلى جهد كبير جداً ليس هناك مؤشرات لحوافزه، في مناخ الدراسات اللغوية العربية المعاصرة.‏

ج-دلالات اللغة العربية ومعانيها:‏

ونجد هذه الدراسات في أعمال البلاغيين العرب الذين كانوا يتحدثون عن معاني اللغة العربية ودلالاتها في إطار البلاغة "الممنطقة" أمثال الجرجاني والسكاكي والقزويني وغيرهم. ولعلنا نجد بعض النظرات الدلالية العميقة في أعمال النحاة العرب عندما كانوا يتحدثون عن تراكيب اللغة العربية ونحوها. وهذا كثير عند ابن يعيش في كتابه "شرح المفصل". ثم إن دلالات اللغة العربية ومعانيها أخذت حظاً كبيراً من الدراسة على أيدي الفلاسفة وعلماء المنطق العرب والمسلمين أمثال الفارابي وابن سينا والتوحيدي وابن حزم الأندلسي وابن رشد وغيرهم، حتى أن هناك نظرات دلالية عميقة جداً مبعثرة هنا وهناك ولاسيما في أعمال المفسرين العرب والمسلمين الذين تناولوا القرآن الكريم والأحاديث النبوية تفسيراً وشرحاً.‏

د-ارتباط اللغة بالمجتمع:‏

ونجد مثل هذه الدراسات عند الجاحظ في مؤلفاته جميعها ولاسيما "البيان والتبيين" و"الحيوان" وكذلك نجد بعض هذه الدراسات حول العلاقة بين اللغة والمجتمع عند بعض الشعراء في نثرهم أمثال أبي العلاء المعري في "رسالة الغفران"، وكذلك نجد هذه الأعمال عند من بحثوا في قضية اللغة العربية واللهجات المتفرعة عنها وأنظمة التفرع وضوابطه.‏

هـ-ارتباط اللغة بفيزيولوجية الإنسان وبيولوجيته:‏

وهذا نراه عند المؤلفين العرب الذين بحثوا في قضية الأمراض اللغوية والتطور اللغوي عند الإنسان ولاسيما عند الجاحظ في كتابه "البيان والتبيين".‏

و-نشأة اللغة واللغات:‏

وهذا الموضوع تناوله المؤلفون العرب إجمالاً لأنه يرتبط ارتباطاً وثيقاً بأصل الإنسان عندما خلقه الله تعالى ليكون خليفته في الأرض. ومن المؤلفين العرب الذين تناولوا هذا الموضوع ابن جني في "الخصائص" وابن فارس في "المجمل" و "المقاييس"، ثم نراه عند بعض الفرق الفلسفية كالمعتزلة مثلاً. ولكن هذه الدراسات اللغوية التي قام بها العرب والمسلمون إنما هي دراسات إنسانية مستطردة لم تبن على نماذج معينة تخضع لنظريات علمية تجريبية مثبتة اللهم إلا في مجال الصوتيات والنحويات والدلاليات وحتى هذه تحتاج إلى غربلة "علمية" صارمة.‏

5-الصلة بين التراث اللغوي العربي واللسانيات:‏

لا أجد حرجاً في أن أكرر، هنا، شيئاً كنتُ قلته، وسأبقى أقوله، هو أن صلة القربى ليست فقط بين التراث اللغوي العربي واللسانيات، وإنما هي موجودة أصلاً بين التراث اللغوي العالمي واللسانيات. هذه الحقيقة هي قانون علمي للظواهر الحضارية، ذلك لأن اللسانيات لم تنشأ في فراغ لتخدم في فراغ، وإنما هي شيء لاحق لشيء سابق. فعملية التأثير والتأثر موجودة، ليس بين اللسانيات وبين الدراسات التي سبقتها، وإنما بين الظواهر الحضارية كلها.‏

ولكن السر في تقدم الظواهر الحضارية بعضها على بعض إنما يكمن في حقيقة مفادها أن الشيء اللاحق يجب أن يكتشف جديداً لم يكن في السابق. هذا هو سر تقدم العلوم الإنسانية والطبيعية، وسر تقدم الحضارات في تاريخ الإنسان.‏

اللسانيات، بصفتها علماً، جاءت من أجل تبني صيغة علمية بمفهوم العلم الفيزيائي، وذلك من أجل معرفة كيفية عمل اللغات البشرية بدقة وضبط وموضوعية مطلقة، وذلك للاستفادة من نتائج هذه المعرفة اللغوية وتوظيفها في مجال الحضارة والتكنولوجيا المعاصرة. ولكي تستطيع اللسانيات أن تكون علماً قائماً برأسه مستقلاً عن بقية العلوم الإنسانية والطبيعية الأخرى، فلابد لها من أن تستفيد من المعارف والنظرات اللغوية والتراثية سواء أكانت عربية أم غير عربية.‏

وهكذا فإن المعارف اللغوية الموجودة في التراث الهندي والبابلي والإغريقي والروماني والعربي ثم جهود الباحثين في القرن الثامن والتاسع عشر إنما كانت معارف لغوية مهمة جداً للسانيات.‏

ولكن فضيلة التراث اللغوي العربي تأتي من حقيقة أن الأيديولوجية الحضارية العربية الإسلامية كانت أعلى في الوتيرة الفكرية وأنفذ في الرؤية المستقبلية. لذلك كانت استفادة اللسانيات من التراث اللغوي العربي أكثر من غيره على الرغم من أن بعض الباحثين اللسانيين الغربيين لا يعترفون بهذه الحقيقية، ذلك لأن حجتهم هي أن التراث اللغوي العربي إنما هو انعكاس وحفظ للتراث اللغوي الإغريقي إلا في بعض فرضياته الدلالية الجديدة.‏

على أية حال، لقد أثبت باحثون لسانيون غربيون معتدلون ومنصفون (أمثال روبنز وتشومسكي وكوك) تأثر اللسانيات الحديثة بالتراث اللغوي العربي وذلك عن طريق وسائل مختلفة سواء أكانت مباشرة (الاطلاع على التراث اللغوي العربي باللغة العربية) أم غير مباشرة (عن طريق ترجمة أعمال النحاة واللغويين والبلاغيين العرب إلى لغات أجنبية كثيرة وخاصة اللغة الألمانية).‏

إن الفكرة الرئيسية في قانون البحث العلمي هي أنه لا سابق دون لاحق ولا لاحق دون سابق، وكل من ينكر هذا القانون العلمي إنما نظرته إلى الظواهر هي نظرة شخصية وليست نظرة موضوعية. لنأخذ على سبيل المثال عالم اللسانيات الأمريكي نوم تشومسكي فسوف نجد برهاناً على ما نقول. فعلى الرغم من أن هذا العالم قد رفض كل شيء أتت به البنيوية، ولكنه في صميم أعماله التوليدية والتحويلية إنما هو بنيوي. إن ما فعله تشومسكي هو أنه قلب البنيوية رأساً على عقب وأتى بشيء جديد لم تلتفت إليه البنيوية وهو دراسة "اللغة" على أنها ظاهرة فيزيائية –رياضية- آلية- بيولوجية تعمل داخل الدماغ البشري. أنت ترى ظاهرة معينة منذ مدة وأنا أرى الظاهرة نفسها الآن، ولكن رؤيتي لهذه الظاهرة يمكن أن تكشف شيئاً جديداً لم يسترع انتباهك أنت. ولنقل ما نقول: أهي الوسائل البدائية التي استخدمتها ولم تجعلك تكتشف هذا الشيء الجديد أم أنه القصور في التحليل العلمي لهذه الظاهرة؟‏

المهم في الأمر هو "الاكتشاف الجديد"، هذا هو سر اللسانيات الحديثة التي اكتشفت في اللغات البشرية أشياء جديدة لم تستطع الدراسات اللغوية القديمة اكتشافها وذلك بسبب ظهور التكنولوجيا الحديثة والأساليب العلمية المذهلة. ما تفعله اللسانيات هو أنها تأتي إلى اللغات البشرية كافة، تفككها وتحللها قطعة قطعة لتكشف وظيفة كل قطعة لغوية وكيفية توزعها في النظام العام. وهكذا فإنها ستكشف أن هناك نظاماً معيناً فتسجله، ثم تنتقل إلى قطع لغوية أخرى لتدرس وظيفتها وتوزعها ضمن النظام العام، وهكذا دواليك. فمن خلال هذه الدراسة تتكون عند اللساني أنظمة كثيرة حول الظاهرة اللغوية. وهذه الأنظمة لابد لها من نظام معين من أجل ضبطها.‏

إن الفكرة الرئيسية هنا هي أن اللساني ينطلق من الجزء لينتهي بالكل. الجزء هو اللغات البشرية كلها. الكل هو أنظمة هذه اللغات البشرية وقوانينها. إن الجزء والكل هما اللذان يعطيان اللسانيات الحديثة شرعيتها لتكون علماً قائماً برأسه.‏

في التراث اللغوي القديم (عربياً كان أم غير عربي) لم تكن هناك وسائل علمية سريعة لفحص اللغات البشرية كلها وتحليلها ومعرفة سر حركيتها وعملها من أجل أن نستفيد منها تقنياً وتكنولوجياً، وإلا فكيف يمكننا الآن وبفضل اللسانيات الحديثة أن نصمم آلات تكنولوجية (مخابر صوتية) أو حاسبات الكترونية (كومبيوتر) لتلائم مثلاً لغتين أو لغات عدة من أجل أن نقوم بعملية الترجمة الآلية كما هو الحال في مشروع لغات السوق الأوربية المشتركة؟ ثم كيف يمكننا وبفضل اللسانيات الحديثة أن نصوغ جميع اللغات البشرية صياغة رياضية صوتياً وتركيبياً ودلالياً؟. لم يكن هذا الأمر ممكناً في القديم ذلك لأن إمكانات فقه اللغة أو الدراسات اللغوية القديمة إمكانات بدائية تتلاءم مع العصر الذي أفرزها.‏

هذه الحقيقة العلمية تؤيد حقيقة أخرى فلسفية كان وضعها الفيلسوف اليوناني القديم هيرقليطس وهي "انك لا تستطيع أن تستحم بماء النهر مرتين". من هنا فإنه من الخطأ العلمي أن نحمّل التاريخ الحضاري وزراً فوق وزره. لندع التاريخ الحضاري يفرز حقائقه من الواقع والزمن الذي كان يعايشه دون أن نسقط عليه حقائق معاصرة لرغبة قومية أو نزعة دينية أو تحمس عاطفي.‏

والخلاصة أن الدراسات اللغوية القديمة هي دراسات إنسانية (علاقة اللغة بالإنسان الذي يتكلمها). وبهذا فإنها في الغالب دراسات شخصية (Subjective) شارحة كيف يمكن للصفات المهمة للغة أن تكون لها علاقة في أنا (كشخص). أما الدراسات اللغوية الحديثة أو اللسانيات فهي دراسات علمية (علاقة اللغة ببعضها بعضاً). وبهذا فإن هذه الدراسات أكثر موضوعية (Objective) شارحة كيف يمكن للصفات المهمة للغة أن تكون لها علاقة ببعضها بعضاً.‏

الدراسات اللغوية القديمة تبدو وكأنها تستخدم معيار السببية (لماذا مثلاً تحدث صفات نحوية معينة في اللغة؟ وكيف يجب على هذه الصفات النحوية أن تعمل؟). وبالمقابل فإن اللسانيات الحديثة تبدو وكأنها تستخدم معيار الماهية (فهي تسجل الحقائق الملحوظة للغة فقط دون محاولة شرحها. وإذا كان هناك شرح لساني فإنه عبارة عن الشرح الذي يتناول العلاقة بين الحقائق الملحوظة للغة وبين النظرية اللسانية العامة والتجريبية). الدراسات اللغوية القديمة خلطت بين مستويات التحليل اللغوي فهي لم تميز بشكل دقيق هذه المستويات وتفرزها عن بعضها بعضاً لكي يكون التحليل أكثر دقة وموضوعية. أما اللسانيات الحديثة فقد فصلت بين مستويات لسانية عديدة مكّنها من اكتشاف العملية اللغوية وكيفية عملها ووظيفتها.‏

إن حقيقة فهم الناس للدراسات اللغوية القديمة إنما يعود إلى التاريخ الثقافي الذي حمل التراث اللغوي القديم من جيل إلى جيل وعلى مدد زمنية طويلة وعريضة، ذلك التاريخ الذي صبغ الدراسات اللغوية القديمة بالتيارات الفلسفية والنفسية والدينية والبلاغية والنقدية والأدبية. ومن جهة أخرى فإن اللسانيات الحديثة هي وليدة العصر وليس لها تاريخ ثقافي طويل وعريض. أضف إلى ذلك أن اللسانيات حاولت جهدها أن تصرف النظر عن المناقشات الجدلية النفسية والمنطقية والميتافيزيقية العقيمة وأن تركز على الوصف والشرح اللغويين المبنيين على الوصف التجريبي للغة.‏

وبكلمة أخرى؛ إن اللسانيات الحديثة هي استمرار للخط الحضاري الحديث ذي الطابع العلمي التكنولوجي الذي يجعلها مرتبطة بالعلوم الطبيعية والتقنية الصارمة كالفيزياء والبيولوجيا والحاسبات الإلكترونية والرياضيات. أما الدراسات اللغوية القديمة فإنها استمرار للخط الحضاري القديم ذي الطابع الإنساني الذي يجعلها تدور في فلك العلوم الإنسانية كالأدب والنقد والفلسفة والتاريخ.‏

وهكذا فإن الفرق بين الدراسات اللغوية القديمة وبين الدراسات اللسانية الحديثة هو الفرق بين الهدف الإنساني والهدف العلمي.



مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 48 - السنة 12 - تموز "يوليو" 1992 - المحرم 1413

« استعرض الموضوع السابق · استعرض الموضوع التالي »
موقع المستخذم http://maamri-ilm2010.yoo7.com/t212-topic

hano.jimi
2011-09-25, 13:04
عضو
lamiaken

مدخل: الحديث عن صلة التراث اللغوي العربي باللسانيات ذو شجون، ونحن نعلم أن البحث عن هذه الصلة يشغل اللغويين العرب، ويكاد يكون برهاناً على رؤيتهم المعاصرة للسانيات العربية.‏

ولكن ماهي طبيعة هذه الصلة؟ ثم كيف ننظر إليها؟‏

الواقع أحب أن أجيب عن هذين السؤالين في إطار أشمل وأوسع ليكون حديثنا أكثر دقة وموضوعية ذلك أنني أعتقد أن التراث اللغوي العربي ليس ملكاً للعرب وحدهم، ولكنه ملك حضارة الإنسان المعاصر. والإنسان دائماً وأبداً خارج عن نطاق الجنس والعرق والتاريخ. ومن ثم يمكنني أن أجيب عن هذين السؤالين في إطار ما يلي:‏

1-ماذا نعني بالتراث اللغوي العالمي؟‏


2-أين يقع التراث اللغوي العربي في خارطة التراث اللغوي العالمي؟‏


3-ماذا نعني باللسانيات الحديثة؟‏


4-أين تقع البحوث اللغوية العربية القديمة في خارطة اللسانيات الحديثة؟‏


5-وأخيراً، هل هناك صلة بين ما فعله العرب في مجال الدراسات اللغوية القديمة وبين هذا العلم الجديد المسمى "اللسانيات"؟ ثم ما طبيعة هذه العلاقة؟‏


1-التراث اللغوي العالمي:‏

من يطلع على الكتاب القيم الذي كتبه الباحث اللساني الإنكليزي ر.روبنز (R. Robins) والمسمى "التاريخ الوجيز للسانيات (A short History of linguistics) سيكتشف أن تاريخ الأمم السالفة حافل وغني بالدراسات اللغوية التي تبحث في الظاهرة اللغوية من الوجهة الصوتية والتركيبية والدلالية، ثم علاقة هذه المكونات اللغوية بالعالم الذي يحيط بالإنسان. فقد لفتت الظاهرة اللغوية انتباه الإنسان منذ قديم الأزل، وجعلته يطرح الأسئلة تلو الأسئلة حولها. وسواء أقاده حدسه الطبيعي إلى الجواب الصحيح أم تجاربه العلمية المتوافرة آنذاك، فإنه قد توصل إلى حقائق عدة حول اللغة بشكل عام.‏

فالحضارة الهندية القديمة بحثت في الظاهرة اللغوية بحثاً مستفيضاً ولاسيما في وجهها الصوتي (Phonetic) والحق يقال: يُعدّ الباحث الهندي الكبير بانيني (Panini) أبا الصوتيات في العالم. فمن رجع إلى بحوث هذا الرجل منذ حوالي أربعة آلاف سنة فإنه سيدهش من الدراسة الصوتية العميقة التي قام بها سواء أكانت هذه الدراسة مبنية على اللغات الهندية أم على لغات بشرية أخرى.‏


وقد فعل اليونانيون في الحضارة الإغريقية الشيء نفسه، إذ استفادوا من البحوث اللغوية التي سبقتهم وبنوا على تلك الدراسات ثم طلعوا بنظرات جديدة حول الظاهرة اللغوية. وما البحوث اللغوية التي قدمها أفلاطون وأرسطو والمدرسة الرواقية إلا دليل واضح على اهتمام الحضارة الإغريقية بالظاهرة اللغوية.‏


وإذا كانت الحضارة الرومانية قد تبنت كل الحقائق اللغوية التي أتت بها الحضارة الإغريقية فإنها قد ساهمت قليلاً في تطوير الدراسات اللغوية ولاسيما في وجهها الدلالي والبلاغي. أضف إلى ذلك أن هناك دراسات لغوية قيّمة ونافعة قامت بها الحضارات الشرقية القديمة وبالتحديد اليابان والصين وغيرهما، تلك الدراسات التي لم تصل إلينا نحن –العرب- لنتعرفها ونأخذ بها. ومن يطلع على كتاب ر.روبنز الآنف الذكر يكتشف أن هناك حقائق كثيرة أتت بها الدراسات الشرقية حول الظاهرة اللغوية.‏


والخلاصة: لا يمكن لظاهرة من الظواهر الإنسانية أو الفيزيائية أن تكون طفرة في تاريخ الجنس البشري وإنما هي تحول من ظاهرة إلى ظاهرة أخرى متعاقبة. وهكذا فإن السابق هو نتاج اللاحق. اللغة ظاهرة فيزيولوجية –إنسانية لاحظها الإنسان منذ أن خُلق على وجه الأرض، وقد حاول وما يزال يحاول سبرها. وهكذا فإن تاريخ الإنسان (بغض النظر عن جنسه وعرقه وأصله وفصله) مليء بالدراسات التي تناولت الظاهرة اللغوية. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: ما مدى صحة هذه الدراسات اللغوية التراثية العالمية وشرعيتها؟ الإجابة عن هذا السؤال تحتاج إلى رواية ودراية لا تقل مدتها عن عشر سنوات من البحث والاستقصاء العلمييْن.‏

2-التراث اللغوي العربي في خارطة التراث اللغوي العالمي:‏

لا أريد أن أقول –لأنني عربي- إن التراث اللغوي يُعد تحولاً كبيراً في مسيرة التراث اللغوي العالمي، ولكنني أقول هذا لأن الحقائق العلمية حول هذا الموضوع مثبتة تاريخياً. وأكرر ما كنت قد ذكرته في مقالات عديدة أنه لو التفت الغرب المعاصر إلى التأريخ اللغوي التراثي العربي لكان علم اللسانيات الحديث في مرحلة متقدمة عن الزمن الذي هو فيه. هذه الحقيقة شاركني فيها عالم اللسانيات الأمريكي نوم تشومسكي خلال حوار كنت أجريته معه 1982. وقد نشرت ما قاله تشومسكي حول هذا الموضوع في مجلة اللسانيات الصادرة عن معهد العلوم الإنسانية والصوتية التابع لجامعة الجزائر (المجلد 6-1984). ولكن ماذا نعني بالتراث اللغوي العربي؟ الواقع أن الذي فعله النحاة العرب حول اللغة العربية يُعد جزءاً من التراث اللغوي العربي وليس كله. ذلك أن التراث اللغوي العربي هو أشمل وأوسع مما قدمه النحاة العرب أمثال الخليل بن أحمد وسيبويه وابن يعيش وغيرهم. فهذا التراث هو كل عمل عربي وضعه العرب القدماء من أجل تفسير النص القرآني. وهذا يعني أننا إذا أردنا إعادة تركيب التراث اللغوي العربي فإنه ينبغي أن نبحث في المصادر التالية:‏


-كتب النحو والشروح التي تناولته (نحويات أو علم التراكيب).‏


-كتب التجويد وفق قراءة القرآن الكريم (صوتيات أو علم الصوت).‏


-كتب البلاغة والفلسفة والمنطق (دلاليات أو علم المعنى).‏


-كتب التفاسير القرآنية والنبوية.‏


-دواوين العرب الشعرية والنثرية والشروح التي تناولتها.‏


-كتب الموسوعات المعرفية المختلفة التي كتبها عظماء الكتّاب العرب، أمثال الجاحظ وابن عبد ربه وابن حزم الأندلسي وغيرهم.‏


-كتب المعاجم واللغة كما هي الحال عند ابن منظور وابن فارس والأصمعي والقالي وغيرهم.‏


-كتب التاريخ كما هي الحال عند الطبري وياقوت الحموي وغيرهما.‏


وبكلمة أخرى؛ إن ما نعنيه بالتراث اللغوي العربي هو كل هذا الركام المعرفي المتناثر في تاريخ الفكر العربي والذي وجد من أجل خدمة النص القرآني. ونحن لا نستطيع معرفة النظرية اللغوية العربية بأبعادها الكاملة إلا إذا أعدنا تركيب هذا الفكر اللغوي العربي المتناثر بعد سبر دقيق وعميق لكل ما قاله العرب حول المسألة اللغوية.‏


إن الشرعية العلمية التي تدفعنا إلى تنفيذ هذا العمل ليست نابعة من تجميع ركام معرفي لا يربطه رابط معين، وإنما هو ركام معرفي انطلق من مبدأ فلسفي متماسك واضح من أجل تفسير الكون والحياة. فالنظرة الفلسفية الإسلامية أرادت أن تفسر مشكلة الإنسان على الأرض، ولأن اللغة مكوّن جوهري من مكونات الإنسان فإنها أرادت معرفة هذه اللغة وسبرها وتفسيرها وربطها بالنظرة الفلسفية الكونية.‏


صحيح أن تاريخ العالم وحضارته مملوء بالنظرات اللغوية التي تناولت اللغة درساً وتمحيصاً، إلا أن معظمها لم ينطلق من منطلق فلسفي شامل وعام. من هنا فإن تجميع الركام المعرفي اللغوي انطلاقاً من هذه الحقيقة وفي إطار يفقد صفته العلمية.‏


إن شرعية إعادة بناء الركام اللغوي العربي القديم تأتي من حقيقة أن العرب القدماء أرادوا تفسير الظاهرة اللغوية، كما فسروا بقية الظواهر الإنسانية والطبيعية، من أجل خدمة النص القرآني. وبمعنى أدق من أجل خدمة المنطلق الفلسفي الإسلامي.‏


3-اللسانيات الحديثة:‏


اللسانيات هي الدراسة العلمية للغات البشرية كافة من خلال الألسنة الخاصة بكل قوم من الأقوام. هذه الدراسة تشمل ما يلي: الأصوات اللغوية –التراكيب النحوية- الدلالات والمعاني اللغوية- علاقة اللغات البشرية بالعالم الفيزيائي الذي يحيط بالإنسان.‏


ونعني بالدراسة العلمية البحث الذي يستخدم الأسلوب العلمي المعتمد على المقاييس التالية: ملاحظة الظواهر اللغوية –التجريب والاستقراء المستمر- بناء نظريات لسانية كلية من خلال وضع نماذج لسانية قابلة للتطوير- ضبط النظريات اللسانية الكلية ثم ضبط الظواهر اللغوية التي تعمل عليها- استعمال النماذج والعلائق الرياضية الحديثة- التحليل الرياضي الحديث للغة- الموضوعية المطلقة. وبما أن اللغات البشرية لها ارتباطاتها الإنسانية والطبيعية المتفرعة، كذلك فإن لعلم اللسانيات فروعاً متعددة يختص كل منها بناحية جزئية من هذا الكل الذي اسمه "اللغات".‏


آ-فاللسانيات النظرية (العامة) تبحث بالنظريات اللغوية ونماذجها المتفرعة عنها وكيفية معالجتها للبنية اللغوية سواء أكانت تلك النظريات اللغوية في الماضي أم الحاضر. ومن العلوم المتفرعة عن اللسانيات النظرية ما يلي:‏


1-الصوتيات التي تتفرع بدورها إلى: الصوتيات الفيزيولوجية النطقية- الصوتيات الفيزيائية –الصوتيات السمعية الدماغية.‏


2-النحويات أو علم التراكيب الذي يتفرع بدوره إلى: علم بناء الجملة –علم بناء الكلمة- علم التقديم والتأخير في العناصر اللغوية- علم القواعد اللغوية العالمية- علم القواعد اللغوية الخاصة- علم الضوابط العامة والخاصة المفروضة على القواعد.‏


3-الدلاليات أو علم المعنى الذي يتفرع بدوره إلى: علم المعنى الخاص وعلم المعنى العام- علم بنية الدلالة في الدماغ البشري- علم التعرف على اللغة (عندما تخزن في الدماغ دون معرفتها) –علم فهم اللغة (عندما تخزن في الدماغ مع فهمها)- علم المشترك والترادف- علم تقطيع اللغات للواقع وتسميته- علم أنواع الدلالة والمعنى.‏


ب-واللسانيات التطبيقية تبحث في التطبيقات الوظيفية التربوية للغة من أجل تعليمها وتعلمها للناطقين ولغير الناطقين بها، وتبحث أيضاً في الوسائل البيداغوجية المنهجية لتقنيات تعليم اللغات البشرية وتعلمها (أصول التدريس –مناهج التدريس- وضع النصوص اللغوية وانسجامها مع المتعلمين- وضع الامتحان- امتحان الامتحان- علاقة التعلم والتعليم بالبيئة الاجتماعية).‏


ج-واللسانيات الأنثروبولوجية تبحث بالصلة التي تربط اللغة بأصل الإنسان. فاللغة عضو بيولوجي كبقية الأعضاء البيولوجية الأخرى عند الإنسان، ولكن، على الرغم من ذلك فإن اللغات البشرية متفاوتة من حيث الرقي الحضاري ومن حيث أنظمتها الداخلية وقدرتها على تقطيع العالم الذي يحيط بالإنسان.‏
د-واللسانيات الاجتماعية تبحث في العلاقة القائمة بين اللغة والمجتمع. ذلك لأن اللغة لها صلة بالمجتمع الذي ينظمها ويؤطرها على نحو يجعلها مختلفة عن اللغات الأخرى نظاماً وعادة وسلوكاً. فاللغة ظاهرة اجتماعية تتفق عليها الجماعات البشرية، وهي تعكس كل ما يموج فيها من عادات وتقاليد وثقافة ودين وتنوعات جغرافية وإقليمية. إن من مهمة اللسانيات الاجتماعية البحث في التالي: اللغة واللهجة –الأطلس اللغوي الجغرافي- العلاقات الاجتماعية والثقافية في المجتمع الواحد وأثر ذلك في تعليم اللغة القومية وتعلمها- الفروق القائمة بين لغة النساء ولغة الرجال- المستويات الكلامية اللغوية حسب سياقاتها الاجتماعية- اللغة المنطوقة واللغة المكتوبة.‏


هـ-واللسانيات الأدبية تبحث بالعلاقات القائمة بين اللسانيات والأدب والنقد والسيميائيات والأسلوبيات. ماهي أفضل التقنيات اللسانية التي يمكن للأديب والكاتب أن يستخدمها ليكون عمله أكثر تأثيراً وفهماً في المجتمع؟ كيف يستطيع الأدب أن يقدم عينات وشرائح أدبية متنوعة للسانيات من أجل أن تدرسها وتبني عليها فرضيات يمكن أن تساهم في بناء صيغة علمية دقيقة للنقد الأدبي الحديث؟.‏


و-واللسانيات البيولوجية تبحث في العلاقة القائمة بين اللغة والدماغ. إن مهمة هذا العلم معرفة البنية اللغوية الدماغية عند الإنسان ومقارنتها بالبنية الإدراكية عند الحيوان. أضف إلى ذلك أن هذا العلم يريد معرفة التطور اللغوي البيولوجي عند الأطفال وكيف يمكن أن ينشأ المرض اللغوي عندهم؟.‏


ز-واللسانيات الرياضية تنظر إلى اللغة على أنها ظاهرة حسابية مركبة صوتاً وتركيباً ودلالة، ومنظمة على نحو متشابك من أجل تطويعها ووضعها في أطر وصيغ رياضية من أجل معرفتها معرفة دقيقة جداً لإثبات الفرضية التي وضعها تشومسكي من أن اللغة عبارة عن آلة مولدة ذات أدوات محددة قادرة على توليد ما لا نهاية له من الرموز اللغوية من خلال طرق محددة.‏


ح-واللسانيات الحاسوبية –المعلوماتية (الكومبيوترية) تبحث عن وضع اللغات البشرية في صيغ وأطر رياضية وذلك لمعالجتها في الحاسبات الإلكترونية من أجل السرعة والدقة العلميتين في البحوث اللغوية ومن أجل ترجمة النصوص اللغوية ترجمة آلية فورية.‏


والواقع أن تاريخ اللسانيات يبدأ بالمحاضرات اللسانية التي كان يلقيها عالم لساني سويسري يدعى فرديناند دي سوسور الذي يعتبر الأب الحقيقي للسانيات. وقد نشرت هذه المحاضرات اللسانية بعد مماته (1919) في كتاب اسمه "محاضرات في اللسانيات العامة" إن جوهر هذه المحاضرات يدور حول طرح منهج لساني علمي جديد لدراسة اللغات يدعى باللسانيات السنكروفية الآنية التي تدرس اللغات البشرية كما هي الآن. وقد كان هذا المنهج ردة فعل علمية على المناهج اللغوية الماضية التي كان يستخدمها العلماء في الهند لمقارنة اللغات الهندية باللغات الأوربية الأمر الذي دعاهم لدراسة تاريخ هذه اللغات ومقارنتها مع بعضها بعضاً طبقاً لمنهج لغوي دعوه بالمنهج الدياكروني التطوري (التاريخي).‏


وقد انتقل منهج دي سوسور اللساني إلى الولايات المتحدة وطُوّر تطويراً يختلف عما كان عليه في أوربة. من هنا نشأت "البنيوية" اللسانية (Structuralism) على يد عالم أمريكي هو بلومفيلد في كتابه "اللغة" (********) وقد طورت النظرية البنيوية من خلال نماذج عديدة جداً استمرت في التطور حتى عام 1957 حيث جاء عالم اللسانيات الأمريكي نوم تشومسكي الذي كان انعطافاً وحدثاً عظيماً في تاريخ العلوم الإنسانية والطبيعية في العالم. فقد استطاع هذا العالم أن يقلب المفاهيم الطبيعية والإنسانية رأساً على عقب كالمفاهيم المطروحة في علم النفس والمنطق والفلسفة وعلم الأنثروبولوجيا والرياضيات وعلم البيولوجيا وعلم الحاسبات الإلكترونية وعلم الفيزياء. ومن أراد التفصيل فلينظر في دائرة المعارف البريطانية ليرى ماذا فعل هذا العالم في تاريخ العلم الحديث والمعاصر. لقد قلب كثيراً من المفاهيم في هذه العلوم من خلال الثورة اللسانية التي قام بها عام 1957 عندما نشر كتابه الأول المسمى "المباني التركيبية" والذي يدور حول طرح نظرية جديدة تدعى "نظرية القواعد التوليدية والتحويلية" وما زال هذا العالم يطور في نظريته هذه حتى الآن وذلك من خلال تطبيقها على لغات بشرية عديدة. ولكن هذا لم يمنع من ظهور اتجاهات ومدارس لسانية أخرى في الولايات المتحدة وأوربة رافقت النظرية التوليدية والتحويلية كمدرسة "الدلاليات التوليدية" لمكولي ومدرسة "الدلاليات العلامية" لغيلمور ومدرسة "تحليل الخطاب" لـ لابوف وجمبرز وجودي، ولكن إذا أردنا فعلاً معرفة جوهر اللسانيات فإننا نستطيع القول إن هوية هذا العلم تتسم بصفتين اثنتين: الأولى هي العلمية (تطبيق المقاييس العلمية على اللغات) والثانية هي الاستقلالية (أصبح لهذا العلم قوانينه وأنظمته الخاصة به). هاتان السمتان اكتملتا بظهور علماء لسانيين في القرن العشرين أمثال دي سوسور وبلومفيلد وسابير ومارتينه وتشومسكي وغيرهم كثير.‏


4-موقع البحوث اللغوية العربية القديمة في اللسانيات الحديثة:‏


لاشك في أن كل أمة من الأمم عندما تفرز حضارة ما فإن هذه الحضارة ستكون مكتملة الجوانب ومتعددة الظواهر غالباً. فالحضارة العربية الإسلامية هي حضارة تتسم بسمة الكلية (Universal) هذه السمة الكلية التي كانت جوهر الدعوة الإسلامية دفعت العرب والمسلمين في كل مكان وزمان للبحث عن جوهر الإنسان ضمن بوتقة الكون والحياة. من هنا لم يكن من همِّ الأيديولوجية الإسلامية أن تجعل الإسلام يعتقد بالإسلام فقط وإنما كان همها إضافة إلى ذلك البحث والاستقصاء عن الإنسان أولاً (الانطلاق من معرفة الإنسان) وعن الكون الذي يحيط بالإنسان ثانياً (الانطلاق من المحيط الخارجي للإنسان). لذلك نرى القرآن الكريم يركز على قضية الاكتشاف عندما يقول "هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون". وكذلك الحديث النبوي الذي حث على هذا الاكتشاف عندما قال الرسول الكريم: "اطلبوا العلم ولو في الصين". وانطلاقاً من هذا المفهوم الفلسفي الإسلامي كان الرسول الكريم يفك أسر كافر إذا علَّم عشرة صبية من المسلمين.‏


نستطيع أن نقول إذن بأن الحضارة العربية الإسلامية لم تكن استمراراً لتطور حضاري سابق على الرغم من أنها كانت قد تأثرت بالخط العام لمسيرة الحضارات السابقة، وإنما كانت "طفرة" أو "انعطافاً" أو "حدثاً ثورياً" في تاريخ الحضارات الإنسانية. من هنا فإن ما توصلت إليه هذه الحضارات من خلال دراسة الظواهر الإنسانية والطبيعية إنما يستحق الروية والدراية والتأمل والعمق.‏


ومن الظواهر التي وقفت عندها الفلسفة العربية الإسلامية ظاهرة "اللغة". وعندما نقول "اللغة" لا نعني اللغة العربية فقط وإنما "اللغة" التي ينبغي أن تكون كونية، كلية، شاملة، صالحة لكل زمان ومكان حسب المفهوم الفلسفي العربي الإسلامي. إنها "اللغة" التي هي ركن أساسي من أركان الحضارة العربية الإسلامية. من هنا فإن خدمة العرب والمسلمين لهذه "اللغة" لم تنطلق من المفهوم القومي للغة وإنما انطلقت من المفهوم الإسلامي الكلي والإنساني والشمولي. فكما أن الإسلام هو الحل الوحيد لمشكلة الإنسان على هذه الأرض حسب المفهوم العربي الإسلامي فإن اللغة العربية هي اللغة التي يجب أن تحمل كل المعارف التي حصل عليها الإنسان ويريد أن يحصل عليها، وذلك من أجل حل مشكلاته في هذا الكون. إذن المفهوم العربي الإسلامي اعتبر "اللغة" ظاهرة عربية كونية كلية. لذلك أقدم العرب والمسلمون على دراستها انطلاقاً من هاتين السمتين: السمة القومية والسمة العالمية أو الكلية. وما بحثه العرب في "اللغة" كثير جداً ومتعب جداً، ولكن يمكن حصره بما يلي:‏


أ-أصوات اللغة العربية:‏


1-الفيزيولوجية –النطقية (النحاة والأطباء العرب أمثال الخليل بن أحمد وسيبويه وابن سينا في كتابه أسباب حدوث الحروف).‏


2-الفيزيائية (علماء الرياضيات العرب أمثال الحسن بن الهيثم والخوارزمي).‏


3-السمعية –الدماغية (علماء التجويد أمثال الشاطبي ومكي بن أبي طالب القيسي وعلماء الموسيقى أمثال زرياب وإبراهيم الموصلي).‏


فقد درس العرب والمسلمون الظاهرة الصوتية دراسة نطقية –فيزيولوجية ودراسة فيزيائية ثم دراسة سمعية دماغية، ولكن معلوماتهم حول هذه الظاهرة جاءت مبعثرة لا يجمعها منهج أو نموذج واحد متماسك.‏


ب-تراكيب اللغة العربية:‏


وهذا كثير عند النحاة العرب أمثال الخليل بن أحمد وسيبويه والكسائي والفراء والشراح الذين فصلوا ما أتى به هؤلاء المتقدمون أمثال ابن يعيش وغيره. ويُعد كتاب سيبويه "الكتاب" منطلق التحليل النحوي العربي في تاريخ الدراسات النحوية التركيبية. وفي اعتقادي أنه لو استطاع العرب فهم كتاب سيبويه فهم رواية ودراية وعمق لنبشوا حقائق نحوية من هذا الكتاب لا تقل أهمية عن الحقائق النحوية التي أتى بها عالم اللسانيات الأمريكي نوم تشومسكي ولكن هذا يحتاج إلى جهد كبير جداً ليس هناك مؤشرات لحوافزه، في مناخ الدراسات اللغوية العربية المعاصرة.‏


ج-دلالات اللغة العربية ومعانيها:‏


ونجد هذه الدراسات في أعمال البلاغيين العرب الذين كانوا يتحدثون عن معاني اللغة العربية ودلالاتها في إطار البلاغة "الممنطقة" أمثال الجرجاني والسكاكي والقزويني وغيرهم. ولعلنا نجد بعض النظرات الدلالية العميقة في أعمال النحاة العرب عندما كانوا يتحدثون عن تراكيب اللغة العربية ونحوها. وهذا كثير عند ابن يعيش في كتابه "شرح المفصل". ثم إن دلالات اللغة العربية ومعانيها أخذت حظاً كبيراً من الدراسة على أيدي الفلاسفة وعلماء المنطق العرب والمسلمين أمثال الفارابي وابن سينا والتوحيدي وابن حزم الأندلسي وابن رشد وغيرهم، حتى أن هناك نظرات دلالية عميقة جداً مبعثرة هنا وهناك ولاسيما في أعمال المفسرين العرب والمسلمين الذين تناولوا القرآن الكريم والأحاديث النبوية تفسيراً وشرحاً.‏


د-ارتباط اللغة بالمجتمع:‏


ونجد مثل هذه الدراسات عند الجاحظ في مؤلفاته جميعها ولاسيما "البيان والتبيين" و"الحيوان" وكذلك نجد بعض هذه الدراسات حول العلاقة بين اللغة والمجتمع عند بعض الشعراء في نثرهم أمثال أبي العلاء المعري في "رسالة الغفران"، وكذلك نجد هذه الأعمال عند من بحثوا في قضية اللغة العربية واللهجات المتفرعة عنها وأنظمة التفرع وضوابطه.‏


هـ-ارتباط اللغة بفيزيولوجية الإنسان وبيولوجيته:‏


وهذا نراه عند المؤلفين العرب الذين بحثوا في قضية الأمراض اللغوية والتطور اللغوي عند الإنسان ولاسيما عند الجاحظ في كتابه "البيان والتبيين".‏


و-نشأة اللغة واللغات:‏


وهذا الموضوع تناوله المؤلفون العرب إجمالاً لأنه يرتبط ارتباطاً وثيقاً بأصل الإنسان عندما خلقه الله تعالى ليكون خليفته في الأرض. ومن المؤلفين العرب الذين تناولوا هذا الموضوع ابن جني في "الخصائص" وابن فارس في "المجمل" و "المقاييس"، ثم نراه عند بعض الفرق الفلسفية كالمعتزلة مثلاً. ولكن هذه الدراسات اللغوية التي قام بها العرب والمسلمون إنما هي دراسات إنسانية مستطردة لم تبن على نماذج معينة تخضع لنظريات علمية تجريبية مثبتة اللهم إلا في مجال الصوتيات والنحويات والدلاليات وحتى هذه تحتاج إلى غربلة "علمية" صارمة.‏


5-الصلة بين التراث اللغوي العربي واللسانيات:‏


لا أجد حرجاً في أن أكرر، هنا، شيئاً كنتُ قلته، وسأبقى أقوله، هو أن صلة القربى ليست فقط بين التراث اللغوي العربي واللسانيات، وإنما هي موجودة أصلاً بين التراث اللغوي العالمي واللسانيات. هذه الحقيقة هي قانون علمي للظواهر الحضارية، ذلك لأن اللسانيات لم تنشأ في فراغ لتخدم في فراغ، وإنما هي شيء لاحق لشيء سابق. فعملية التأثير والتأثر موجودة، ليس بين اللسانيات وبين الدراسات التي سبقتها، وإنما بين الظواهر الحضارية كلها.‏


ولكن السر في تقدم الظواهر الحضارية بعضها على بعض إنما يكمن في حقيقة مفادها أن الشيء اللاحق يجب أن يكتشف جديداً لم يكن في السابق. هذا هو سر تقدم العلوم الإنسانية والطبيعية، وسر تقدم الحضارات في تاريخ الإنسان.‏


اللسانيات، بصفتها علماً، جاءت من أجل تبني صيغة علمية بمفهوم العلم الفيزيائي، وذلك من أجل معرفة كيفية عمل اللغات البشرية بدقة وضبط وموضوعية مطلقة، وذلك للاستفادة من نتائج هذه المعرفة اللغوية وتوظيفها في مجال الحضارة والتكنولوجيا المعاصرة. ولكي تستطيع اللسانيات أن تكون علماً قائماً برأسه مستقلاً عن بقية العلوم الإنسانية والطبيعية الأخرى، فلابد لها من أن تستفيد من المعارف والنظرات اللغوية والتراثية سواء أكانت عربية أم غير عربية.‏


وهكذا فإن المعارف اللغوية الموجودة في التراث الهندي والبابلي والإغريقي والروماني والعربي ثم جهود الباحثين في القرن الثامن والتاسع عشر إنما كانت معارف لغوية مهمة جداً للسانيات.‏


ولكن فضيلة التراث اللغوي العربي تأتي من حقيقة أن الأيديولوجية الحضارية العربية الإسلامية كانت أعلى في الوتيرة الفكرية وأنفذ في الرؤية المستقبلية. لذلك كانت استفادة اللسانيات من التراث اللغوي العربي أكثر من غيره على الرغم من أن بعض الباحثين اللسانيين الغربيين لا يعترفون بهذه الحقيقية، ذلك لأن حجتهم هي أن التراث اللغوي العربي إنما هو انعكاس وحفظ للتراث اللغوي الإغريقي إلا في بعض فرضياته الدلالية الجديدة.‏


على أية حال، لقد أثبت باحثون لسانيون غربيون معتدلون ومنصفون (أمثال روبنز وتشومسكي وكوك) تأثر اللسانيات الحديثة بالتراث اللغوي العربي وذلك عن طريق وسائل مختلفة سواء أكانت مباشرة (الاطلاع على التراث اللغوي العربي باللغة العربية) أم غير مباشرة (عن طريق ترجمة أعمال النحاة واللغويين والبلاغيين العرب إلى لغات أجنبية كثيرة وخاصة اللغة الألمانية).‏


إن الفكرة الرئيسية في قانون البحث العلمي هي أنه لا سابق دون لاحق ولا لاحق دون سابق، وكل من ينكر هذا القانون العلمي إنما نظرته إلى الظواهر هي نظرة شخصية وليست نظرة موضوعية. لنأخذ على سبيل المثال عالم اللسانيات الأمريكي نوم تشومسكي فسوف نجد برهاناً على ما نقول. فعلى الرغم من أن هذا العالم قد رفض كل شيء أتت به البنيوية، ولكنه في صميم أعماله التوليدية والتحويلية إنما هو بنيوي. إن ما فعله تشومسكي هو أنه قلب البنيوية رأساً على عقب وأتى بشيء جديد لم تلتفت إليه البنيوية وهو دراسة "اللغة" على أنها ظاهرة فيزيائية –رياضية- آلية- بيولوجية تعمل داخل الدماغ البشري. أنت ترى ظاهرة معينة منذ مدة وأنا أرى الظاهرة نفسها الآن، ولكن رؤيتي لهذه الظاهرة يمكن أن تكشف شيئاً جديداً لم يسترع انتباهك أنت. ولنقل ما نقول: أهي الوسائل البدائية التي استخدمتها ولم تجعلك تكتشف هذا الشيء الجديد أم أنه القصور في التحليل العلمي لهذه الظاهرة؟‏


المهم في الأمر هو "الاكتشاف الجديد"، هذا هو سر اللسانيات الحديثة التي اكتشفت في اللغات البشرية أشياء جديدة لم تستطع الدراسات اللغوية القديمة اكتشافها وذلك بسبب ظهور التكنولوجيا الحديثة والأساليب العلمية المذهلة. ما تفعله اللسانيات هو أنها تأتي إلى اللغات البشرية كافة، تفككها وتحللها قطعة قطعة لتكشف وظيفة كل قطعة لغوية وكيفية توزعها في النظام العام. وهكذا فإنها ستكشف أن هناك نظاماً معيناً فتسجله، ثم تنتقل إلى قطع لغوية أخرى لتدرس وظيفتها وتوزعها ضمن النظام العام، وهكذا دواليك. فمن خلال هذه الدراسة تتكون عند اللساني أنظمة كثيرة حول الظاهرة اللغوية. وهذه الأنظمة لابد لها من نظام معين من أجل ضبطها.‏


إن الفكرة الرئيسية هنا هي أن اللساني ينطلق من الجزء لينتهي بالكل. الجزء هو اللغات البشرية كلها. الكل هو أنظمة هذه اللغات البشرية وقوانينها. إن الجزء والكل هما اللذان يعطيان اللسانيات الحديثة شرعيتها لتكون علماً قائماً برأسه.‏


في التراث اللغوي القديم (عربياً كان أم غير عربي) لم تكن هناك وسائل علمية سريعة لفحص اللغات البشرية كلها وتحليلها ومعرفة سر حركيتها وعملها من أجل أن نستفيد منها تقنياً وتكنولوجياً، وإلا فكيف يمكننا الآن وبفضل اللسانيات الحديثة أن نصمم آلات تكنولوجية (مخابر صوتية) أو حاسبات الكترونية (كومبيوتر) لتلائم مثلاً لغتين أو لغات عدة من أجل أن نقوم بعملية الترجمة الآلية كما هو الحال في مشروع لغات السوق الأوربية المشتركة؟ ثم كيف يمكننا وبفضل اللسانيات الحديثة أن نصوغ جميع اللغات البشرية صياغة رياضية صوتياً وتركيبياً ودلالياً؟. لم يكن هذا الأمر ممكناً في القديم ذلك لأن إمكانات فقه اللغة أو الدراسات اللغوية القديمة إمكانات بدائية تتلاءم مع العصر الذي أفرزها.‏


هذه الحقيقة العلمية تؤيد حقيقة أخرى فلسفية كان وضعها الفيلسوف اليوناني القديم هيرقليطس وهي "انك لا تستطيع أن تستحم بماء النهر مرتين". من هنا فإنه من الخطأ العلمي أن نحمّل التاريخ الحضاري وزراً فوق وزره. لندع التاريخ الحضاري يفرز حقائقه من الواقع والزمن الذي كان يعايشه دون أن نسقط عليه حقائق معاصرة لرغبة قومية أو نزعة دينية أو تحمس عاطفي.‏


والخلاصة أن الدراسات اللغوية القديمة هي دراسات إنسانية (علاقة اللغة بالإنسان الذي يتكلمها). وبهذا فإنها في الغالب دراسات شخصية (Subjective) شارحة كيف يمكن للصفات المهمة للغة أن تكون لها علاقة في أنا (كشخص). أما الدراسات اللغوية الحديثة أو اللسانيات فهي دراسات علمية (علاقة اللغة ببعضها بعضاً). وبهذا فإن هذه الدراسات أكثر موضوعية (Objective) شارحة كيف يمكن للصفات المهمة للغة أن تكون لها علاقة ببعضها بعضاً.‏


الدراسات اللغوية القديمة تبدو وكأنها تستخدم معيار السببية (لماذا مثلاً تحدث صفات نحوية معينة في اللغة؟ وكيف يجب على هذه الصفات النحوية أن تعمل؟). وبالمقابل فإن اللسانيات الحديثة تبدو وكأنها تستخدم معيار الماهية (فهي تسجل الحقائق الملحوظة للغة فقط دون محاولة شرحها. وإذا كان هناك شرح لساني فإنه عبارة عن الشرح الذي يتناول العلاقة بين الحقائق الملحوظة للغة وبين النظرية اللسانية العامة والتجريبية). الدراسات اللغوية القديمة خلطت بين مستويات التحليل اللغوي فهي لم تميز بشكل دقيق هذه المستويات وتفرزها عن بعضها بعضاً لكي يكون التحليل أكثر دقة وموضوعية. أما اللسانيات الحديثة فقد فصلت بين مستويات لسانية عديدة مكّنها من اكتشاف العملية اللغوية وكيفية عملها ووظيفتها.‏


إن حقيقة فهم الناس للدراسات اللغوية القديمة إنما يعود إلى التاريخ الثقافي الذي حمل التراث اللغوي القديم من جيل إلى جيل وعلى مدد زمنية طويلة وعريضة، ذلك التاريخ الذي صبغ الدراسات اللغوية القديمة بالتيارات الفلسفية والنفسية والدينية والبلاغية والنقدية والأدبية. ومن جهة أخرى فإن اللسانيات الحديثة هي وليدة العصر وليس لها تاريخ ثقافي طويل وعريض. أضف إلى ذلك أن اللسانيات حاولت جهدها أن تصرف النظر عن المناقشات الجدلية النفسية والمنطقية والميتافيزيقية العقيمة وأن تركز على الوصف والشرح اللغويين المبنيين على الوصف التجريبي للغة.‏


وبكلمة أخرى؛ إن اللسانيات الحديثة هي استمرار للخط الحضاري الحديث ذي الطابع العلمي التكنولوجي الذي يجعلها مرتبطة بالعلوم الطبيعية والتقنية الصارمة كالفيزياء والبيولوجيا والحاسبات الإلكترونية والرياضيات. أما الدراسات اللغوية القديمة فإنها استمرار للخط الحضاري القديم ذي الطابع الإنساني الذي يجعلها تدور في فلك العلوم الإنسانية كالأدب والنقد والفلسفة والتاريخ.‏


وهكذا فإن الفرق بين الدراسات اللغوية القديمة وبين الدراسات اللسانية الحديثة هو الفرق بين الهدف الإنساني والهدف العلمي.





مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 48 - السنة 12 - تموز "يوليو" 1992 - المحرم 1413

الموقع المستخذم
http://www.dahsha.com/old/viewarticle.php?id=26851

hano.jimi
2011-09-25, 13:34
lamiaken



صلة التراث اللغوي العربي باللسانيات
د. مازن الوعر



الحديث عن صلة التراث اللغوي العربي باللسانيات ذو شجون، ونحن نعلم أن البحث عن هذه الصلة يشغل اللغويين العرب، ويكاد يكون برهاناً على رؤيتهم المعاصرة للسانيات العربية.‏

ولكن ماهي طبيعة هذه الصلة؟ ثم كيف ننظر إليها؟‏

الواقع أحب أن أجيب عن هذين السؤالين في إطار أشمل وأوسع ليكون حديثنا أكثر دقة وموضوعية ذلك أنني أعتقد أن التراث اللغوي العربي ليس ملكاً للعرب وحدهم، ولكنه ملك حضارة الإنسان المعاصر. والإنسان دائماً وأبداً خارج عن نطاق الجنس والعرق والتاريخ. ومن ثم يمكنني أن أجيب عن هذين السؤالين في إطار ما يلي:‏

1-ماذا نعني بالتراث اللغوي العالمي؟‏

2-أين يقع التراث اللغوي العربي في خارطة التراث اللغوي العالمي؟‏

3-ماذا نعني باللسانيات الحديثة؟‏

4-أين تقع البحوث اللغوية العربية القديمة في خارطة اللسانيات الحديثة؟‏

5-وأخيراً، هل هناك صلة بين ما فعله العرب في مجال الدراسات اللغوية القديمة وبين هذا العلم الجديد المسمى "اللسانيات"؟ ثم ما طبيعة هذه العلاقة؟‏

1-التراث اللغوي العالمي

من يطلع على الكتاب القيم الذي كتبه الباحث اللساني الإنكليزي ر.روبنز (R. Robins) والمسمى "التاريخ الوجيز للسانيات (A short History of linguistics) سيكتشف أن تاريخ الأمم السالفة حافل وغني بالدراسات اللغوية التي تبحث في الظاهرة اللغوية من الوجهة الصوتية والتركيبية والدلالية، ثم علاقة هذه المكونات اللغوية بالعالم الذي يحيط بالإنسان. فقد لفتت الظاهرة اللغوية انتباه الإنسان منذ قديم الأزل، وجعلته يطرح الأسئلة تلو الأسئلة حولها. وسواء أقاده حدسه الطبيعي إلى الجواب الصحيح أم تجاربه العلمية المتوافرة آنذاك، فإنه قد توصل إلى حقائق عدة حول اللغة بشكل عام.‏

فالحضارة الهندية القديمة بحثت في الظاهرة اللغوية بحثاً مستفيضاً ولاسيما في وجهها الصوتي (Phonetic) والحق يقال: يُعدّ الباحث الهندي الكبير بانيني (Panini) أبا الصوتيات في العالم. فمن رجع إلى بحوث هذا الرجل منذ حوالي أربعة آلاف سنة فإنه سيدهش من الدراسة الصوتية العميقة التي قام بها سواء أكانت هذه الدراسة مبنية على اللغات الهندية أم على لغات بشرية أخرى.‏

وقد فعل اليونانيون في الحضارة الإغريقية الشيء نفسه، إذ استفادوا من البحوث اللغوية التي سبقتهم وبنوا على تلك الدراسات ثم طلعوا بنظرات جديدة حول الظاهرة اللغوية. وما البحوث اللغوية التي قدمها أفلاطون وأرسطو والمدرسة الرواقية إلا دليل واضح على اهتمام الحضارة الإغريقية بالظاهرة اللغوية.‏

وإذا كانت الحضارة الرومانية قد تبنت كل الحقائق اللغوية التي أتت بها الحضارة الإغريقية فإنها قد ساهمت قليلاً في تطوير الدراسات اللغوية ولاسيما في وجهها الدلالي والبلاغي. أضف إلى ذلك أن هناك دراسات لغوية قيّمة ونافعة قامت بها الحضارات الشرقية القديمة وبالتحديد اليابان والصين وغيرهما، تلك الدراسات التي لم تصل إلينا نحن –العرب- لنتعرفها ونأخذ بها. ومن يطلع على كتاب ر.روبنز الآنف الذكر يكتشف أن هناك حقائق كثيرة أتت بها الدراسات الشرقية حول الظاهرة اللغوية.‏

والخلاصة: لا يمكن لظاهرة من الظواهر الإنسانية أو الفيزيائية أن تكون طفرة في تاريخ الجنس البشري وإنما هي تحول من ظاهرة إلى ظاهرة أخرى متعاقبة. وهكذا فإن السابق هو نتاج اللاحق. اللغة ظاهرة فيزيولوجية –إنسانية لاحظها الإنسان منذ أن خُلق على وجه الأرض، وقد حاول وما يزال يحاول سبرها. وهكذا فإن تاريخ الإنسان (بغض النظر عن جنسه وعرقه وأصله وفصله) مليء بالدراسات التي تناولت الظاهرة اللغوية. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: ما مدى صحة هذه الدراسات اللغوية التراثية العالمية وشرعيتها؟ الإجابة عن هذا السؤال تحتاج إلى رواية ودراية لا تقل مدتها عن عشر سنوات من البحث والاستقصاء العلمييْن.‏

2-التراث اللغوي العربي في خارطة التراث اللغوي العالمي

لا أريد أن أقول _لأنني عربي_ إن التراث اللغوي يُعد تحولاً كبيراً في مسيرة التراث اللغوي العالمي، ولكنني أقول هذا لأن الحقائق العلمية حول هذا الموضوع مثبتة تاريخياً. وأكرر ما كنت قد ذكرته في مقالات عديدة أنه لو التفت الغرب المعاصر إلى التأريخ اللغوي التراثي العربي لكان علم اللسانيات الحديث في مرحلة متقدمة عن الزمن الذي هو فيه. هذه الحقيقة شاركني فيها عالم اللسانيات الأمريكي نوم تشومسكي خلال حوار كنت أجريته معه 1982. وقد نشرت ما قاله تشومسكي حول هذا الموضوع في مجلة اللسانيات الصادرة عن معهد العلوم الإنسانية والصوتية التابع لجامعة الجزائر (المجلد 6-1984). ولكن ماذا نعني بالتراث اللغوي العربي؟ الواقع أن الذي فعله النحاة العرب حول اللغة العربية يُعد جزءاً من التراث اللغوي العربي وليس كله. ذلك أن التراث اللغوي العربي هو أشمل وأوسع مما قدمه النحاة العرب أمثال الخليل بن أحمد وسيبويه وابن يعيش وغيرهم. فهذا التراث هو كل عمل عربي وضعه العرب القدماء من أجل تفسير النص القرآني. وهذا يعني أننا إذا أردنا إعادة تركيب التراث اللغوي العربي فإنه ينبغي أن نبحث في المصادر التالية:‏

-كتب النحو والشروح التي تناولته (نحويات أو علم التراكيب).‏

-كتب التجويد وفق قراءة القرآن الكريم (صوتيات أو علم الصوت).‏

-كتب البلاغة والفلسفة والمنطق (دلاليات أو علم المعنى).‏

-كتب التفاسير القرآنية والنبوية.‏

-دواوين العرب الشعرية والنثرية والشروح التي تناولتها.‏

-كتب الموسوعات المعرفية المختلفة التي كتبها عظماء الكتّاب العرب، أمثال الجاحظ وابن عبد ربه وابن حزم الأندلسي وغيرهم.‏

-كتب المعاجم واللغة كما هي الحال عند ابن منظور وابن فارس والأصمعي والقالي وغيرهم.‏

-كتب التاريخ كما هي الحال عند الطبري وياقوت الحموي وغيرهما.‏

وبكلمة أخرى؛ إن ما نعنيه بالتراث اللغوي العربي هو كل هذا الركام المعرفي المتناثر في تاريخ الفكر العربي والذي وجد من أجل خدمة النص القرآني. ونحن لا نستطيع معرفة النظرية اللغوية العربية بأبعادها الكاملة إلا إذا أعدنا تركيب هذا الفكر اللغوي العربي المتناثر بعد سبر دقيق وعميق لكل ما قاله العرب حول المسألة اللغوية.‏

إن الشرعية العلمية التي تدفعنا إلى تنفيذ هذا العمل ليست نابعة من تجميع ركام معرفي لا يربطه رابط معين، وإنما هو ركام معرفي انطلق من مبدأ فلسفي متماسك واضح من أجل تفسير الكون والحياة. فالنظرة الفلسفية الإسلامية أرادت أن تفسر مشكلة الإنسان على الأرض، ولأن اللغة مكوّن جوهري من مكونات الإنسان فإنها أرادت معرفة هذه اللغة وسبرها وتفسيرها وربطها بالنظرة الفلسفية الكونية.‏

صحيح أن تاريخ العالم وحضارته مملوء بالنظرات اللغوية التي تناولت اللغة درساً وتمحيصاً، إلا أن معظمها لم ينطلق من منطلق فلسفي شامل وعام. من هنا فإن تجميع الركام المعرفي اللغوي انطلاقاً من هذه الحقيقة وفي إطار يفقد صفته العلمية.‏

إن شرعية إعادة بناء الركام اللغوي العربي القديم تأتي من حقيقة أن العرب القدماء أرادوا تفسير الظاهرة اللغوية، كما فسروا بقية الظواهر الإنسانية والطبيعية، من أجل خدمة النص القرآني. وبمعنى أدق من أجل خدمة المنطلق الفلسفي الإسلامي.‏

3-اللسانيات الحديثة

اللسانيات هي الدراسة العلمية للغات البشرية كافة من خلال الألسنة الخاصة بكل قوم من الأقوام. هذه الدراسة تشمل ما يلي: الأصوات اللغوية _التراكيب النحوية_ الدلالات والمعاني اللغوية_ علاقة اللغات البشرية بالعالم الفيزيائي الذي يحيط بالإنسان.‏

ونعني بالدراسة العلمية البحث الذي يستخدم الأسلوب العلمي المعتمد على المقاييس التالية: ملاحظة الظواهر اللغوية _التجريب والاستقراء المستمر_ بناء نظريات لسانية كلية من خلال وضع نماذج لسانية قابلة للتطوير _ ضبط النظريات اللسانية الكلية ثم ضبط الظواهر اللغوية التي تعمل عليها_ استعمال النماذج والعلائق الرياضية الحديثة- التحليل الرياضي الحديث للغة- الموضوعية المطلقة. وبما أن اللغات البشرية لها ارتباطاتها الإنسانية والطبيعية المتفرعة، كذلك فإن لعلم اللسانيات فروعاً متعددة يختص كل منها بناحية جزئية من هذا الكل الذي اسمه "اللغات".‏

آ-فاللسانيات النظرية (العامة) تبحث بالنظريات اللغوية ونماذجها المتفرعة عنها وكيفية معالجتها للبنية اللغوية سواء أكانت تلك النظريات اللغوية في الماضي أم الحاضر. ومن العلوم المتفرعة عن اللسانيات النظرية ما يلي:‏

1-الصوتيات التي تتفرع بدورها إلى: الصوتيات الفيزيولوجية النطقية _الصوتيات الفيزيائية_ الصوتيات السمعية الدماغية.‏

2-النحويات أو علم التراكيب الذي يتفرع بدوره إلى: علم بناء الجملة _ علم بناء الكلمة _ علم التقديم والتأخير في العناصر اللغوية _علم القواعد اللغوية العالمية_ علم القواعد اللغوية الخاصة- علم الضوابط العامة والخاصة المفروضة على القواعد.‏

3-الدلاليات أو علم المعنى الذي يتفرع بدوره إلى: علم المعنى الخاص وعلم المعنى العام _ علم بنية الدلالة في الدماغ البشري _ علم التعرف على اللغة (عندما تخزن في الدماغ دون معرفتها) _علم فهم اللغة (عندما تخزن في الدماغ مع فهمها) _ علم المشترك والترادف _ علم تقطيع اللغات للواقع وتسميته _ علم أنواع الدلالة والمعنى.‏

ب-واللسانيات التطبيقية تبحث في التطبيقات الوظيفية التربوية للغة من أجل تعليمها وتعلمها للناطقين ولغير الناطقين بها، وتبحث أيضاً في الوسائل البيداغوجية المنهجية لتقنيات تعليم اللغات البشرية وتعلمها (أصول التدريس _مناهج التدريس_ وضع النصوص اللغوية وانسجامها مع المتعلمين _ وضع الامتحان _ امتحان الامتحان _ علاقة التعلم والتعليم بالبيئة الاجتماعية).‏

ج-واللسانيات الأنثروبولوجية تبحث بالصلة التي تربط اللغة بأصل الإنسان. فاللغة عضو بيولوجي كبقية الأعضاء البيولوجية الأخرى عند الإنسان، ولكن، على الرغم من ذلك فإن اللغات البشرية متفاوتة من حيث الرقي الحضاري ومن حيث أنظمتها الداخلية وقدرتها على تقطيع العالم الذي يحيط بالإنسان.‏

د-واللسانيات الاجتماعية تبحث في العلاقة القائمة بين اللغة والمجتمع. ذلك لأن اللغة لها صلة بالمجتمع الذي ينظمها ويؤطرها على نحو يجعلها مختلفة عن اللغات الأخرى نظاماً وعادة وسلوكاً. فاللغة ظاهرة اجتماعية تتفق عليها الجماعات البشرية، وهي تعكس كل ما يموج فيها من عادات وتقاليد وثقافة ودين وتنوعات جغرافية وإقليمية. إن من مهمة اللسانيات الاجتماعية البحث في التالي: اللغة واللهجة _ الأطلس اللغوي الجغرافي _ العلاقات الاجتماعية والثقافية في المجتمع الواحد وأثر ذلك في تعليم اللغة القومية وتعلمها _ الفروق القائمة بين لغة النساء ولغة الرجال _ المستويات الكلامية اللغوية حسب سياقاتها الاجتماعية _ اللغة المنطوقة واللغة المكتوبة.‏

هـ-واللسانيات الأدبية تبحث بالعلاقات القائمة بين اللسانيات والأدب والنقد والسيميائيات والأسلوبيات. ماهي أفضل التقنيات اللسانية التي يمكن للأديب والكاتب أن يستخدمها ليكون عمله أكثر تأثيراً وفهماً في المجتمع؟ كيف يستطيع الأدب أن يقدم عينات وشرائح أدبية متنوعة للسانيات من أجل أن تدرسها وتبني عليها فرضيات يمكن أن تساهم في بناء صيغة علمية دقيقة للنقد الأدبي الحديث؟.‏

و-واللسانيات البيولوجية تبحث في العلاقة القائمة بين اللغة والدماغ. إن مهمة هذا العلم معرفة البنية اللغوية الدماغية عند الإنسان ومقارنتها بالبنية الإدراكية عند الحيوان. أضف إلى ذلك أن هذا العلم يريد معرفة التطور اللغوي البيولوجي عند الأطفال وكيف يمكن أن ينشأ المرض اللغوي عندهم؟.‏

ز-واللسانيات الرياضية تنظر إلى اللغة على أنها ظاهرة حسابية مركبة صوتاً وتركيباً ودلالة، ومنظمة على نحو متشابك من أجل تطويعها ووضعها في أطر وصيغ رياضية من أجل معرفتها معرفة دقيقة جداً لإثبات الفرضية التي وضعها تشومسكي من أن اللغة عبارة عن آلة مولدة ذات أدوات محددة قادرة على توليد ما لا نهاية له من الرموز اللغوية من خلال طرق محددة.‏

ح-واللسانيات الحاسوبية _ المعلوماتية (الكومبيوترية) تبحث عن وضع اللغات البشرية في صيغ وأطر رياضية وذلك لمعالجتها في الحاسبات الإلكترونية من أجل السرعة والدقة العلميتين في البحوث اللغوية ومن أجل ترجمة النصوص اللغوية ترجمة آلية فورية.‏

والواقع أن تاريخ اللسانيات يبدأ بالمحاضرات اللسانية التي كان يلقيها عالم لساني سويسري يدعى فرديناند دي سوسور الذي يعتبر الأب الحقيقي للسانيات. وقد نشرت هذه المحاضرات اللسانية بعد مماته (1919) في كتاب اسمه "محاضرات في اللسانيات العامة" إن جوهر هذه المحاضرات يدور حول طرح منهج لساني علمي جديد لدراسة اللغات يدعى باللسانيات السنكروفية الآنية التي تدرس اللغات البشرية كما هي الآن. وقد كان هذا المنهج ردة فعل علمية على المناهج اللغوية الماضية التي كان يستخدمها العلماء في الهند لمقارنة اللغات الهندية باللغات الأوربية الأمر الذي دعاهم لدراسة تاريخ هذه اللغات ومقارنتها مع بعضها بعضاً طبقاً لمنهج لغوي دعوه بالمنهج الدياكروني التطوري (التاريخي).‏

وقد انتقل منهج دي سوسور اللساني إلى الولايات المتحدة وطُوّر تطويراً يختلف عما كان عليه في أوربة. من هنا نشأت "البنيوية" اللسانية (Structuralism) على يد عالم أمريكي هو بلومفيلد في كتابه "اللغة" (********) وقد طورت النظرية البنيوية من خلال نماذج عديدة جداً استمرت في التطور حتى عام 1957 حيث جاء عالم اللسانيات الأمريكي نوم تشومسكي الذي كان انعطافاً وحدثاً عظيماً في تاريخ العلوم الإنسانية والطبيعية في العالم. فقد استطاع هذا العالم أن يقلب المفاهيم الطبيعية والإنسانية رأساً على عقب كالمفاهيم المطروحة في علم النفس والمنطق والفلسفة وعلم الأنثروبولوجيا والرياضيات وعلم البيولوجيا وعلم الحاسبات الإلكترونية وعلم الفيزياء. ومن أراد التفصيل فلينظر في دائرة المعارف البريطانية ليرى ماذا فعل هذا العالم في تاريخ العلم الحديث والمعاصر. لقد قلب كثيراً من المفاهيم في هذه العلوم من خلال الثورة اللسانية التي قام بها عام 1957 عندما نشر كتابه الأول المسمى "المباني التركيبية" والذي يدور حول طرح نظرية جديدة تدعى "نظرية القواعد التوليدية والتحويلية" وما زال هذا العالم يطور في نظريته هذه حتى الآن وذلك من خلال تطبيقها على لغات بشرية عديدة. ولكن هذا لم يمنع من ظهور اتجاهات ومدارس لسانية أخرى في الولايات المتحدة وأوربة رافقت النظرية التوليدية والتحويلية كمدرسة "الدلاليات التوليدية" لمكولي ومدرسة "الدلاليات العلامية" لغيلمور ومدرسة "تحليل الخطاب" لـ لابوف وجمبرز وجودي، ولكن إذا أردنا فعلاً معرفة جوهر اللسانيات فإننا نستطيع القول إن هوية هذا العلم تتسم بصفتين اثنتين: الأولى هي العلمية (تطبيق المقاييس العلمية على اللغات) والثانية هي الاستقلالية (أصبح لهذا العلم قوانينه وأنظمته الخاصة به). هاتان السمتان اكتملتا بظهور علماء لسانيين في القرن العشرين أمثال دي سوسور وبلومفيلد وسابير ومارتينه وتشومسكي وغيرهم كثير.‏

4-موقع البحوث اللغوية العربية القديمة في اللسانيات الحديثة

لاشك في أن كل أمة من الأمم عندما تفرز حضارة ما فإن هذه الحضارة ستكون مكتملة الجوانب ومتعددة الظواهر غالباً. فالحضارة العربية الإسلامية هي حضارة تتسم بسمة الكلية (Universal) هذه السمة الكلية التي كانت جوهر الدعوة الإسلامية دفعت العرب والمسلمين في كل مكان وزمان للبحث عن جوهر الإنسان ضمن بوتقة الكون والحياة. من هنا لم يكن من همِّ الأيديولوجية الإسلامية أن تجعل الإسلام يعتقد بالإسلام فقط وإنما كان همها إضافة إلى ذلك البحث والاستقصاء عن الإنسان أولاً (الانطلاق من معرفة الإنسان) وعن الكون الذي يحيط بالإنسان ثانياً (الانطلاق من المحيط الخارجي للإنسان). لذلك نرى القرآن الكريم يركز على قضية الاكتشاف عندما يقول "هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون". وكذلك الحديث النبوي الذي حث على هذا الاكتشاف عندما قال الرسول الكريم: "اطلبوا العلم ولو في الصين". وانطلاقاً من هذا المفهوم الفلسفي الإسلامي كان الرسول الكريم يفك أسر كافر إذا علَّم عشرة صبية من المسلمين.‏

نستطيع أن نقول إذن بأن الحضارة العربية الإسلامية لم تكن استمراراً لتطور حضاري سابق على الرغم من أنها كانت قد تأثرت بالخط العام لمسيرة الحضارات السابقة، وإنما كانت "طفرة" أو "انعطافاً" أو "حدثاً ثورياً" في تاريخ الحضارات الإنسانية. من هنا فإن ما توصلت إليه هذه الحضارات من خلال دراسة الظواهر الإنسانية والطبيعية إنما يستحق الروية والدراية والتأمل والعمق.‏

ومن الظواهر التي وقفت عندها الفلسفة العربية الإسلامية ظاهرة "اللغة". وعندما نقول "اللغة" لا نعني اللغة العربية فقط وإنما "اللغة" التي ينبغي أن تكون كونية، كلية، شاملة، صالحة لكل زمان ومكان حسب المفهوم الفلسفي العربي الإسلامي. إنها "اللغة" التي هي ركن أساسي من أركان الحضارة العربية الإسلامية. من هنا فإن خدمة العرب والمسلمين لهذه "اللغة" لم تنطلق من المفهوم القومي للغة وإنما انطلقت من المفهوم الإسلامي الكلي والإنساني والشمولي. فكما أن الإسلام هو الحل الوحيد لمشكلة الإنسان على هذه الأرض حسب المفهوم العربي الإسلامي فإن اللغة العربية هي اللغة التي يجب أن تحمل كل المعارف التي حصل عليها الإنسان ويريد أن يحصل عليها، وذلك من أجل حل مشكلاته في هذا الكون. إذن المفهوم العربي الإسلامي اعتبر "اللغة" ظاهرة عربية كونية كلية. لذلك أقدم العرب والمسلمون على دراستها انطلاقاً من هاتين السمتين: السمة القومية والسمة العالمية أو الكلية. وما بحثه العرب في "اللغة" كثير جداً ومتعب جداً، ولكن يمكن حصره بما يلي:‏

أ-أصوات اللغة العربية:‏

1-الفيزيولوجية –النطقية (النحاة والأطباء العرب أمثال الخليل بن أحمد وسيبويه وابن سينا في كتابه أسباب حدوث الحروف).‏

2-الفيزيائية (علماء الرياضيات العرب أمثال الحسن بن الهيثم والخوارزمي).‏

3-السمعية –الدماغية (علماء التجويد أمثال الشاطبي ومكي بن أبي طالب القيسي وعلماء الموسيقى أمثال زرياب وإبراهيم الموصلي).‏

فقد درس العرب والمسلمون الظاهرة الصوتية دراسة نطقية –فيزيولوجية ودراسة فيزيائية ثم دراسة سمعية دماغية، ولكن معلوماتهم حول هذه الظاهرة جاءت مبعثرة لا يجمعها منهج أو نموذج واحد متماسك.‏

ب-تراكيب اللغة العربية:‏

وهذا كثير عند النحاة العرب أمثال الخليل بن أحمد وسيبويه والكسائي والفراء والشراح الذين فصلوا ما أتى به هؤلاء المتقدمون أمثال ابن يعيش وغيره. ويُعد كتاب سيبويه "الكتاب" منطلق التحليل النحوي العربي في تاريخ الدراسات النحوية التركيبية. وفي اعتقادي أنه لو استطاع العرب فهم كتاب سيبويه فهم رواية ودراية وعمق لنبشوا حقائق نحوية من هذا الكتاب لا تقل أهمية عن الحقائق النحوية التي أتى بها عالم اللسانيات الأمريكي نوم تشومسكي ولكن هذا يحتاج إلى جهد كبير جداً ليس هناك مؤشرات لحوافزه، في مناخ الدراسات اللغوية العربية المعاصرة.‏

ج-دلالات اللغة العربية ومعانيها:‏

ونجد هذه الدراسات في أعمال البلاغيين العرب الذين كانوا يتحدثون عن معاني اللغة العربية ودلالاتها في إطار البلاغة "الممنطقة" أمثال الجرجاني والسكاكي والقزويني وغيرهم. ولعلنا نجد بعض النظرات الدلالية العميقة في أعمال النحاة العرب عندما كانوا يتحدثون عن تراكيب اللغة العربية ونحوها. وهذا كثير عند ابن يعيش في كتابه "شرح المفصل". ثم إن دلالات اللغة العربية ومعانيها أخذت حظاً كبيراً من الدراسة على أيدي الفلاسفة وعلماء المنطق العرب والمسلمين أمثال الفارابي وابن سينا والتوحيدي وابن حزم الأندلسي وابن رشد وغيرهم، حتى أن هناك نظرات دلالية عميقة جداً مبعثرة هنا وهناك ولاسيما في أعمال المفسرين العرب والمسلمين الذين تناولوا القرآن الكريم والأحاديث النبوية تفسيراً وشرحاً.‏

د-ارتباط اللغة بالمجتمع:‏

ونجد مثل هذه الدراسات عند الجاحظ في مؤلفاته جميعها ولاسيما "البيان والتبيين" و"الحيوان" وكذلك نجد بعض هذه الدراسات حول العلاقة بين اللغة والمجتمع عند بعض الشعراء في نثرهم أمثال أبي العلاء المعري في "رسالة الغفران"، وكذلك نجد هذه الأعمال عند من بحثوا في قضية اللغة العربية واللهجات المتفرعة عنها وأنظمة التفرع وضوابطه.‏

هـ-ارتباط اللغة بفيزيولوجية الإنسان وبيولوجيته:‏

وهذا نراه عند المؤلفين العرب الذين بحثوا في قضية الأمراض اللغوية والتطور اللغوي عند الإنسان ولاسيما عند الجاحظ في كتابه "البيان والتبيين".‏

و-نشأة اللغة واللغات:‏

وهذا الموضوع تناوله المؤلفون العرب إجمالاً لأنه يرتبط ارتباطاً وثيقاً بأصل الإنسان عندما خلقه الله تعالى ليكون خليفته في الأرض. ومن المؤلفين العرب الذين تناولوا هذا الموضوع ابن جني في "الخصائص" وابن فارس في "المجمل" و "المقاييس"، ثم نراه عند بعض الفرق الفلسفية كالمعتزلة مثلاً. ولكن هذه الدراسات اللغوية التي قام بها العرب والمسلمون إنما هي دراسات إنسانية مستطردة لم تبن على نماذج معينة تخضع لنظريات علمية تجريبية مثبتة اللهم إلا في مجال الصوتيات والنحويات والدلاليات وحتى هذه تحتاج إلى غربلة "علمية" صارمة.‏

5-الصلة بين التراث اللغوي العربي واللسانيات

لا أجد حرجاً في أن أكرر، هنا، شيئاً كنتُ قلته، وسأبقى أقوله، هو أن صلة القربى ليست فقط بين التراث اللغوي العربي واللسانيات، وإنما هي موجودة أصلاً بين التراث اللغوي العالمي واللسانيات. هذه الحقيقة هي قانون علمي للظواهر الحضارية، ذلك لأن اللسانيات لم تنشأ في فراغ لتخدم في فراغ، وإنما هي شيء لاحق لشيء سابق. فعملية التأثير والتأثر موجودة، ليس بين اللسانيات وبين الدراسات التي سبقتها، وإنما بين الظواهر الحضارية كلها.‏

ولكن السر في تقدم الظواهر الحضارية بعضها على بعض إنما يكمن في حقيقة مفادها أن الشيء اللاحق يجب أن يكتشف جديداً لم يكن في السابق. هذا هو سر تقدم العلوم الإنسانية والطبيعية، وسر تقدم الحضارات في تاريخ الإنسان.‏

اللسانيات، بصفتها علماً، جاءت من أجل تبني صيغة علمية بمفهوم العلم الفيزيائي، وذلك من أجل معرفة كيفية عمل اللغات البشرية بدقة وضبط وموضوعية مطلقة، وذلك للاستفادة من نتائج هذه المعرفة اللغوية وتوظيفها في مجال الحضارة والتكنولوجيا المعاصرة. ولكي تستطيع اللسانيات أن تكون علماً قائماً برأسه مستقلاً عن بقية العلوم الإنسانية والطبيعية الأخرى، فلابد لها من أن تستفيد من المعارف والنظرات اللغوية والتراثية سواء أكانت عربية أم غير عربية.‏

وهكذا فإن المعارف اللغوية الموجودة في التراث الهندي والبابلي والإغريقي والروماني والعربي ثم جهود الباحثين في القرن الثامن والتاسع عشر إنما كانت معارف لغوية مهمة جداً للسانيات.‏

ولكن فضيلة التراث اللغوي العربي تأتي من حقيقة أن الأيديولوجية الحضارية العربية الإسلامية كانت أعلى في الوتيرة الفكرية وأنفذ في الرؤية المستقبلية. لذلك كانت استفادة اللسانيات من التراث اللغوي العربي أكثر من غيره على الرغم من أن بعض الباحثين اللسانيين الغربيين لا يعترفون بهذه الحقيقية، ذلك لأن حجتهم هي أن التراث اللغوي العربي إنما هو انعكاس وحفظ للتراث اللغوي الإغريقي إلا في بعض فرضياته الدلالية الجديدة.‏

على أية حال، لقد أثبت باحثون لسانيون غربيون معتدلون ومنصفون (أمثال روبنز وتشومسكي وكوك) تأثر اللسانيات الحديثة بالتراث اللغوي العربي وذلك عن طريق وسائل مختلفة سواء أكانت مباشرة (الاطلاع على التراث اللغوي العربي باللغة العربية) أم غير مباشرة (عن طريق ترجمة أعمال النحاة واللغويين والبلاغيين العرب إلى لغات أجنبية كثيرة وخاصة اللغة الألمانية).‏

إن الفكرة الرئيسية في قانون البحث العلمي هي أنه لا سابق دون لاحق ولا لاحق دون سابق، وكل من ينكر هذا القانون العلمي إنما نظرته إلى الظواهر هي نظرة شخصية وليست نظرة موضوعية. لنأخذ على سبيل المثال عالم اللسانيات الأمريكي نوم تشومسكي فسوف نجد برهاناً على ما نقول. فعلى الرغم من أن هذا العالم قد رفض كل شيء أتت به البنيوية، ولكنه في صميم أعماله التوليدية والتحويلية إنما هو بنيوي. إن ما فعله تشومسكي هو أنه قلب البنيوية رأساً على عقب وأتى بشيء جديد لم تلتفت إليه البنيوية وهو دراسة "اللغة" على أنها ظاهرة فيزيائية –رياضية- آلية- بيولوجية تعمل داخل الدماغ البشري. أنت ترى ظاهرة معينة منذ مدة وأنا أرى الظاهرة نفسها الآن، ولكن رؤيتي لهذه الظاهرة يمكن أن تكشف شيئاً جديداً لم يسترع انتباهك أنت. ولنقل ما نقول: أهي الوسائل البدائية التي استخدمتها ولم تجعلك تكتشف هذا الشيء الجديد أم أنه القصور في التحليل العلمي لهذه الظاهرة؟‏

المهم في الأمر هو "الاكتشاف الجديد"، هذا هو سر اللسانيات الحديثة التي اكتشفت في اللغات البشرية أشياء جديدة لم تستطع الدراسات اللغوية القديمة اكتشافها وذلك بسبب ظهور التكنولوجيا الحديثة والأساليب العلمية المذهلة. ما تفعله اللسانيات هو أنها تأتي إلى اللغات البشرية كافة، تفككها وتحللها قطعة قطعة لتكشف وظيفة كل قطعة لغوية وكيفية توزعها في النظام العام. وهكذا فإنها ستكشف أن هناك نظاماً معيناً فتسجله، ثم تنتقل إلى قطع لغوية أخرى لتدرس وظيفتها وتوزعها ضمن النظام العام، وهكذا دواليك. فمن خلال هذه الدراسة تتكون عند اللساني أنظمة كثيرة حول الظاهرة اللغوية. وهذه الأنظمة لابد لها من نظام معين من أجل ضبطها.‏

إن الفكرة الرئيسية هنا هي أن اللساني ينطلق من الجزء لينتهي بالكل. الجزء هو اللغات البشرية كلها. الكل هو أنظمة هذه اللغات البشرية وقوانينها. إن الجزء والكل هما اللذان يعطيان اللسانيات الحديثة شرعيتها لتكون علماً قائماً برأسه.‏

في التراث اللغوي القديم (عربياً كان أم غير عربي) لم تكن هناك وسائل علمية سريعة لفحص اللغات البشرية كلها وتحليلها ومعرفة سر حركيتها وعملها من أجل أن نستفيد منها تقنياً وتكنولوجياً، وإلا فكيف يمكننا الآن وبفضل اللسانيات الحديثة أن نصمم آلات تكنولوجية (مخابر صوتية) أو حاسبات الكترونية (كومبيوتر) لتلائم مثلاً لغتين أو لغات عدة من أجل أن نقوم بعملية الترجمة الآلية كما هو الحال في مشروع لغات السوق الأوربية المشتركة؟ ثم كيف يمكننا وبفضل اللسانيات الحديثة أن نصوغ جميع اللغات البشرية صياغة رياضية صوتياً وتركيبياً ودلالياً؟. لم يكن هذا الأمر ممكناً في القديم ذلك لأن إمكانات فقه اللغة أو الدراسات اللغوية القديمة إمكانات بدائية تتلاءم مع العصر الذي أفرزها.‏

هذه الحقيقة العلمية تؤيد حقيقة أخرى فلسفية كان وضعها الفيلسوف اليوناني القديم هيرقليطس وهي "انك لا تستطيع أن تستحم بماء النهر مرتين". من هنا فإنه من الخطأ العلمي أن نحمّل التاريخ الحضاري وزراً فوق وزره. لندع التاريخ الحضاري يفرز حقائقه من الواقع والزمن الذي كان يعايشه دون أن نسقط عليه حقائق معاصرة لرغبة قومية أو نزعة دينية أو تحمس عاطفي.‏

والخلاصة أن الدراسات اللغوية القديمة هي دراسات إنسانية (علاقة اللغة بالإنسان الذي يتكلمها). وبهذا فإنها في الغالب دراسات شخصية (Subjective) شارحة كيف يمكن للصفات المهمة للغة أن تكون لها علاقة في أنا (كشخص). أما الدراسات اللغوية الحديثة أو اللسانيات فهي دراسات علمية (علاقة اللغة ببعضها بعضاً). وبهذا فإن هذه الدراسات أكثر موضوعية (Objective) شارحة كيف يمكن للصفات المهمة للغة أن تكون لها علاقة ببعضها بعضاً.‏

الدراسات اللغوية القديمة تبدو وكأنها تستخدم معيار السببية (لماذا مثلاً تحدث صفات نحوية معينة في اللغة؟ وكيف يجب على هذه الصفات النحوية أن تعمل؟). وبالمقابل فإن اللسانيات الحديثة تبدو وكأنها تستخدم معيار الماهية (فهي تسجل الحقائق الملحوظة للغة فقط دون محاولة شرحها. وإذا كان هناك شرح لساني فإنه عبارة عن الشرح الذي يتناول العلاقة بين الحقائق الملحوظة للغة وبين النظرية اللسانية العامة والتجريبية). الدراسات اللغوية القديمة خلطت بين مستويات التحليل اللغوي فهي لم تميز بشكل دقيق هذه المستويات وتفرزها عن بعضها بعضاً لكي يكون التحليل أكثر دقة وموضوعية. أما اللسانيات الحديثة فقد فصلت بين مستويات لسانية عديدة مكّنها من اكتشاف العملية اللغوية وكيفية عملها ووظيفتها.‏

إن حقيقة فهم الناس للدراسات اللغوية القديمة إنما يعود إلى التاريخ الثقافي الذي حمل التراث اللغوي القديم من جيل إلى جيل وعلى مدد زمنية طويلة وعريضة، ذلك التاريخ الذي صبغ الدراسات اللغوية القديمة بالتيارات الفلسفية والنفسية والدينية والبلاغية والنقدية والأدبية. ومن جهة أخرى فإن اللسانيات الحديثة هي وليدة العصر وليس لها تاريخ ثقافي طويل وعريض. أضف إلى ذلك أن اللسانيات حاولت جهدها أن تصرف النظر عن المناقشات الجدلية النفسية والمنطقية والميتافيزيقية العقيمة وأن تركز على الوصف والشرح اللغويين المبنيين على الوصف التجريبي للغة.‏

وبكلمة أخرى؛ إن اللسانيات الحديثة هي استمرار للخط الحضاري الحديث ذي الطابع العلمي التكنولوجي الذي يجعلها مرتبطة بالعلوم الطبيعية والتقنية الصارمة كالفيزياء والبيولوجيا والحاسبات الإلكترونية والرياضيات. أما الدراسات اللغوية القديمة فإنها استمرار للخط الحضاري القديم ذي الطابع الإنساني الذي يجعلها تدور في فلك العلوم الإنسانية كالأدب والنقد والفلسفة والتاريخ.‏

وهكذا فإن الفرق بين الدراسات اللغوية القديمة وبين الدراسات اللسانية الحديثة هو الفرق بين الهدف الإنساني والهدف العلمي.‏

المصدر: مجلة التراث العربي

تاريخ النشر:2010-02-21 14:38:30 الموافق:1431-03-07 14:38:30ـ | تمت قراءته: 387 مرة

Copyrights © moslimonline.com
المصدر: http://www.moslimonline.com/?page=artical&id=442

hano.jimi
2011-09-25, 13:44
lamiaken



صلة التراث اللغوي العربي باللسانيات
د. مازن الوعر



الحديث عن صلة التراث اللغوي العربي باللسانيات ذو شجون، ونحن نعلم أن البحث عن هذه الصلة يشغل اللغويين العرب، ويكاد يكون برهاناً على رؤيتهم المعاصرة للسانيات العربية.‏

ولكن ماهي طبيعة هذه الصلة؟ ثم كيف ننظر إليها؟‏

الواقع أحب أن أجيب عن هذين السؤالين في إطار أشمل وأوسع ليكون حديثنا أكثر دقة وموضوعية ذلك أنني أعتقد أن التراث اللغوي العربي ليس ملكاً للعرب وحدهم، ولكنه ملك حضارة الإنسان المعاصر. والإنسان دائماً وأبداً خارج عن نطاق الجنس والعرق والتاريخ. ومن ثم يمكنني أن أجيب عن هذين السؤالين في إطار ما يلي:‏

1-ماذا نعني بالتراث اللغوي العالمي؟‏

2-أين يقع التراث اللغوي العربي في خارطة التراث اللغوي العالمي؟‏

3-ماذا نعني باللسانيات الحديثة؟‏

4-أين تقع البحوث اللغوية العربية القديمة في خارطة اللسانيات الحديثة؟‏

5-وأخيراً، هل هناك صلة بين ما فعله العرب في مجال الدراسات اللغوية القديمة وبين هذا العلم الجديد المسمى "اللسانيات"؟ ثم ما طبيعة هذه العلاقة؟‏

1-التراث اللغوي العالمي

من يطلع على الكتاب القيم الذي كتبه الباحث اللساني الإنكليزي ر.روبنز (R. Robins) والمسمى "التاريخ الوجيز للسانيات (A short History of linguistics) سيكتشف أن تاريخ الأمم السالفة حافل وغني بالدراسات اللغوية التي تبحث في الظاهرة اللغوية من الوجهة الصوتية والتركيبية والدلالية، ثم علاقة هذه المكونات اللغوية بالعالم الذي يحيط بالإنسان. فقد لفتت الظاهرة اللغوية انتباه الإنسان منذ قديم الأزل، وجعلته يطرح الأسئلة تلو الأسئلة حولها. وسواء أقاده حدسه الطبيعي إلى الجواب الصحيح أم تجاربه العلمية المتوافرة آنذاك، فإنه قد توصل إلى حقائق عدة حول اللغة بشكل عام.‏

فالحضارة الهندية القديمة بحثت في الظاهرة اللغوية بحثاً مستفيضاً ولاسيما في وجهها الصوتي (Phonetic) والحق يقال: يُعدّ الباحث الهندي الكبير بانيني (Panini) أبا الصوتيات في العالم. فمن رجع إلى بحوث هذا الرجل منذ حوالي أربعة آلاف سنة فإنه سيدهش من الدراسة الصوتية العميقة التي قام بها سواء أكانت هذه الدراسة مبنية على اللغات الهندية أم على لغات بشرية أخرى.‏

وقد فعل اليونانيون في الحضارة الإغريقية الشيء نفسه، إذ استفادوا من البحوث اللغوية التي سبقتهم وبنوا على تلك الدراسات ثم طلعوا بنظرات جديدة حول الظاهرة اللغوية. وما البحوث اللغوية التي قدمها أفلاطون وأرسطو والمدرسة الرواقية إلا دليل واضح على اهتمام الحضارة الإغريقية بالظاهرة اللغوية.‏

وإذا كانت الحضارة الرومانية قد تبنت كل الحقائق اللغوية التي أتت بها الحضارة الإغريقية فإنها قد ساهمت قليلاً في تطوير الدراسات اللغوية ولاسيما في وجهها الدلالي والبلاغي. أضف إلى ذلك أن هناك دراسات لغوية قيّمة ونافعة قامت بها الحضارات الشرقية القديمة وبالتحديد اليابان والصين وغيرهما، تلك الدراسات التي لم تصل إلينا نحن –العرب- لنتعرفها ونأخذ بها. ومن يطلع على كتاب ر.روبنز الآنف الذكر يكتشف أن هناك حقائق كثيرة أتت بها الدراسات الشرقية حول الظاهرة اللغوية.‏

والخلاصة: لا يمكن لظاهرة من الظواهر الإنسانية أو الفيزيائية أن تكون طفرة في تاريخ الجنس البشري وإنما هي تحول من ظاهرة إلى ظاهرة أخرى متعاقبة. وهكذا فإن السابق هو نتاج اللاحق. اللغة ظاهرة فيزيولوجية –إنسانية لاحظها الإنسان منذ أن خُلق على وجه الأرض، وقد حاول وما يزال يحاول سبرها. وهكذا فإن تاريخ الإنسان (بغض النظر عن جنسه وعرقه وأصله وفصله) مليء بالدراسات التي تناولت الظاهرة اللغوية. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: ما مدى صحة هذه الدراسات اللغوية التراثية العالمية وشرعيتها؟ الإجابة عن هذا السؤال تحتاج إلى رواية ودراية لا تقل مدتها عن عشر سنوات من البحث والاستقصاء العلمييْن.‏

2-التراث اللغوي العربي في خارطة التراث اللغوي العالمي

لا أريد أن أقول _لأنني عربي_ إن التراث اللغوي يُعد تحولاً كبيراً في مسيرة التراث اللغوي العالمي، ولكنني أقول هذا لأن الحقائق العلمية حول هذا الموضوع مثبتة تاريخياً. وأكرر ما كنت قد ذكرته في مقالات عديدة أنه لو التفت الغرب المعاصر إلى التأريخ اللغوي التراثي العربي لكان علم اللسانيات الحديث في مرحلة متقدمة عن الزمن الذي هو فيه. هذه الحقيقة شاركني فيها عالم اللسانيات الأمريكي نوم تشومسكي خلال حوار كنت أجريته معه 1982. وقد نشرت ما قاله تشومسكي حول هذا الموضوع في مجلة اللسانيات الصادرة عن معهد العلوم الإنسانية والصوتية التابع لجامعة الجزائر (المجلد 6-1984). ولكن ماذا نعني بالتراث اللغوي العربي؟ الواقع أن الذي فعله النحاة العرب حول اللغة العربية يُعد جزءاً من التراث اللغوي العربي وليس كله. ذلك أن التراث اللغوي العربي هو أشمل وأوسع مما قدمه النحاة العرب أمثال الخليل بن أحمد وسيبويه وابن يعيش وغيرهم. فهذا التراث هو كل عمل عربي وضعه العرب القدماء من أجل تفسير النص القرآني. وهذا يعني أننا إذا أردنا إعادة تركيب التراث اللغوي العربي فإنه ينبغي أن نبحث في المصادر التالية:‏

-كتب النحو والشروح التي تناولته (نحويات أو علم التراكيب).‏

-كتب التجويد وفق قراءة القرآن الكريم (صوتيات أو علم الصوت).‏

-كتب البلاغة والفلسفة والمنطق (دلاليات أو علم المعنى).‏

-كتب التفاسير القرآنية والنبوية.‏

-دواوين العرب الشعرية والنثرية والشروح التي تناولتها.‏

-كتب الموسوعات المعرفية المختلفة التي كتبها عظماء الكتّاب العرب، أمثال الجاحظ وابن عبد ربه وابن حزم الأندلسي وغيرهم.‏

-كتب المعاجم واللغة كما هي الحال عند ابن منظور وابن فارس والأصمعي والقالي وغيرهم.‏

-كتب التاريخ كما هي الحال عند الطبري وياقوت الحموي وغيرهما.‏

وبكلمة أخرى؛ إن ما نعنيه بالتراث اللغوي العربي هو كل هذا الركام المعرفي المتناثر في تاريخ الفكر العربي والذي وجد من أجل خدمة النص القرآني. ونحن لا نستطيع معرفة النظرية اللغوية العربية بأبعادها الكاملة إلا إذا أعدنا تركيب هذا الفكر اللغوي العربي المتناثر بعد سبر دقيق وعميق لكل ما قاله العرب حول المسألة اللغوية.‏

إن الشرعية العلمية التي تدفعنا إلى تنفيذ هذا العمل ليست نابعة من تجميع ركام معرفي لا يربطه رابط معين، وإنما هو ركام معرفي انطلق من مبدأ فلسفي متماسك واضح من أجل تفسير الكون والحياة. فالنظرة الفلسفية الإسلامية أرادت أن تفسر مشكلة الإنسان على الأرض، ولأن اللغة مكوّن جوهري من مكونات الإنسان فإنها أرادت معرفة هذه اللغة وسبرها وتفسيرها وربطها بالنظرة الفلسفية الكونية.‏

صحيح أن تاريخ العالم وحضارته مملوء بالنظرات اللغوية التي تناولت اللغة درساً وتمحيصاً، إلا أن معظمها لم ينطلق من منطلق فلسفي شامل وعام. من هنا فإن تجميع الركام المعرفي اللغوي انطلاقاً من هذه الحقيقة وفي إطار يفقد صفته العلمية.‏

إن شرعية إعادة بناء الركام اللغوي العربي القديم تأتي من حقيقة أن العرب القدماء أرادوا تفسير الظاهرة اللغوية، كما فسروا بقية الظواهر الإنسانية والطبيعية، من أجل خدمة النص القرآني. وبمعنى أدق من أجل خدمة المنطلق الفلسفي الإسلامي.‏

3-اللسانيات الحديثة

اللسانيات هي الدراسة العلمية للغات البشرية كافة من خلال الألسنة الخاصة بكل قوم من الأقوام. هذه الدراسة تشمل ما يلي: الأصوات اللغوية _التراكيب النحوية_ الدلالات والمعاني اللغوية_ علاقة اللغات البشرية بالعالم الفيزيائي الذي يحيط بالإنسان.‏

ونعني بالدراسة العلمية البحث الذي يستخدم الأسلوب العلمي المعتمد على المقاييس التالية: ملاحظة الظواهر اللغوية _التجريب والاستقراء المستمر_ بناء نظريات لسانية كلية من خلال وضع نماذج لسانية قابلة للتطوير _ ضبط النظريات اللسانية الكلية ثم ضبط الظواهر اللغوية التي تعمل عليها_ استعمال النماذج والعلائق الرياضية الحديثة- التحليل الرياضي الحديث للغة- الموضوعية المطلقة. وبما أن اللغات البشرية لها ارتباطاتها الإنسانية والطبيعية المتفرعة، كذلك فإن لعلم اللسانيات فروعاً متعددة يختص كل منها بناحية جزئية من هذا الكل الذي اسمه "اللغات".‏

آ-فاللسانيات النظرية (العامة) تبحث بالنظريات اللغوية ونماذجها المتفرعة عنها وكيفية معالجتها للبنية اللغوية سواء أكانت تلك النظريات اللغوية في الماضي أم الحاضر. ومن العلوم المتفرعة عن اللسانيات النظرية ما يلي:‏

1-الصوتيات التي تتفرع بدورها إلى: الصوتيات الفيزيولوجية النطقية _الصوتيات الفيزيائية_ الصوتيات السمعية الدماغية.‏

2-النحويات أو علم التراكيب الذي يتفرع بدوره إلى: علم بناء الجملة _ علم بناء الكلمة _ علم التقديم والتأخير في العناصر اللغوية _علم القواعد اللغوية العالمية_ علم القواعد اللغوية الخاصة- علم الضوابط العامة والخاصة المفروضة على القواعد.‏

3-الدلاليات أو علم المعنى الذي يتفرع بدوره إلى: علم المعنى الخاص وعلم المعنى العام _ علم بنية الدلالة في الدماغ البشري _ علم التعرف على اللغة (عندما تخزن في الدماغ دون معرفتها) _علم فهم اللغة (عندما تخزن في الدماغ مع فهمها) _ علم المشترك والترادف _ علم تقطيع اللغات للواقع وتسميته _ علم أنواع الدلالة والمعنى.‏

ب-واللسانيات التطبيقية تبحث في التطبيقات الوظيفية التربوية للغة من أجل تعليمها وتعلمها للناطقين ولغير الناطقين بها، وتبحث أيضاً في الوسائل البيداغوجية المنهجية لتقنيات تعليم اللغات البشرية وتعلمها (أصول التدريس _مناهج التدريس_ وضع النصوص اللغوية وانسجامها مع المتعلمين _ وضع الامتحان _ امتحان الامتحان _ علاقة التعلم والتعليم بالبيئة الاجتماعية).‏

ج-واللسانيات الأنثروبولوجية تبحث بالصلة التي تربط اللغة بأصل الإنسان. فاللغة عضو بيولوجي كبقية الأعضاء البيولوجية الأخرى عند الإنسان، ولكن، على الرغم من ذلك فإن اللغات البشرية متفاوتة من حيث الرقي الحضاري ومن حيث أنظمتها الداخلية وقدرتها على تقطيع العالم الذي يحيط بالإنسان.‏

د-واللسانيات الاجتماعية تبحث في العلاقة القائمة بين اللغة والمجتمع. ذلك لأن اللغة لها صلة بالمجتمع الذي ينظمها ويؤطرها على نحو يجعلها مختلفة عن اللغات الأخرى نظاماً وعادة وسلوكاً. فاللغة ظاهرة اجتماعية تتفق عليها الجماعات البشرية، وهي تعكس كل ما يموج فيها من عادات وتقاليد وثقافة ودين وتنوعات جغرافية وإقليمية. إن من مهمة اللسانيات الاجتماعية البحث في التالي: اللغة واللهجة _ الأطلس اللغوي الجغرافي _ العلاقات الاجتماعية والثقافية في المجتمع الواحد وأثر ذلك في تعليم اللغة القومية وتعلمها _ الفروق القائمة بين لغة النساء ولغة الرجال _ المستويات الكلامية اللغوية حسب سياقاتها الاجتماعية _ اللغة المنطوقة واللغة المكتوبة.‏

هـ-واللسانيات الأدبية تبحث بالعلاقات القائمة بين اللسانيات والأدب والنقد والسيميائيات والأسلوبيات. ماهي أفضل التقنيات اللسانية التي يمكن للأديب والكاتب أن يستخدمها ليكون عمله أكثر تأثيراً وفهماً في المجتمع؟ كيف يستطيع الأدب أن يقدم عينات وشرائح أدبية متنوعة للسانيات من أجل أن تدرسها وتبني عليها فرضيات يمكن أن تساهم في بناء صيغة علمية دقيقة للنقد الأدبي الحديث؟.‏

و-واللسانيات البيولوجية تبحث في العلاقة القائمة بين اللغة والدماغ. إن مهمة هذا العلم معرفة البنية اللغوية الدماغية عند الإنسان ومقارنتها بالبنية الإدراكية عند الحيوان. أضف إلى ذلك أن هذا العلم يريد معرفة التطور اللغوي البيولوجي عند الأطفال وكيف يمكن أن ينشأ المرض اللغوي عندهم؟.‏

ز-واللسانيات الرياضية تنظر إلى اللغة على أنها ظاهرة حسابية مركبة صوتاً وتركيباً ودلالة، ومنظمة على نحو متشابك من أجل تطويعها ووضعها في أطر وصيغ رياضية من أجل معرفتها معرفة دقيقة جداً لإثبات الفرضية التي وضعها تشومسكي من أن اللغة عبارة عن آلة مولدة ذات أدوات محددة قادرة على توليد ما لا نهاية له من الرموز اللغوية من خلال طرق محددة.‏

ح-واللسانيات الحاسوبية _ المعلوماتية (الكومبيوترية) تبحث عن وضع اللغات البشرية في صيغ وأطر رياضية وذلك لمعالجتها في الحاسبات الإلكترونية من أجل السرعة والدقة العلميتين في البحوث اللغوية ومن أجل ترجمة النصوص اللغوية ترجمة آلية فورية.‏

والواقع أن تاريخ اللسانيات يبدأ بالمحاضرات اللسانية التي كان يلقيها عالم لساني سويسري يدعى فرديناند دي سوسور الذي يعتبر الأب الحقيقي للسانيات. وقد نشرت هذه المحاضرات اللسانية بعد مماته (1919) في كتاب اسمه "محاضرات في اللسانيات العامة" إن جوهر هذه المحاضرات يدور حول طرح منهج لساني علمي جديد لدراسة اللغات يدعى باللسانيات السنكروفية الآنية التي تدرس اللغات البشرية كما هي الآن. وقد كان هذا المنهج ردة فعل علمية على المناهج اللغوية الماضية التي كان يستخدمها العلماء في الهند لمقارنة اللغات الهندية باللغات الأوربية الأمر الذي دعاهم لدراسة تاريخ هذه اللغات ومقارنتها مع بعضها بعضاً طبقاً لمنهج لغوي دعوه بالمنهج الدياكروني التطوري (التاريخي).‏

وقد انتقل منهج دي سوسور اللساني إلى الولايات المتحدة وطُوّر تطويراً يختلف عما كان عليه في أوربة. من هنا نشأت "البنيوية" اللسانية (Structuralism) على يد عالم أمريكي هو بلومفيلد في كتابه "اللغة" (********) وقد طورت النظرية البنيوية من خلال نماذج عديدة جداً استمرت في التطور حتى عام 1957 حيث جاء عالم اللسانيات الأمريكي نوم تشومسكي الذي كان انعطافاً وحدثاً عظيماً في تاريخ العلوم الإنسانية والطبيعية في العالم. فقد استطاع هذا العالم أن يقلب المفاهيم الطبيعية والإنسانية رأساً على عقب كالمفاهيم المطروحة في علم النفس والمنطق والفلسفة وعلم الأنثروبولوجيا والرياضيات وعلم البيولوجيا وعلم الحاسبات الإلكترونية وعلم الفيزياء. ومن أراد التفصيل فلينظر في دائرة المعارف البريطانية ليرى ماذا فعل هذا العالم في تاريخ العلم الحديث والمعاصر. لقد قلب كثيراً من المفاهيم في هذه العلوم من خلال الثورة اللسانية التي قام بها عام 1957 عندما نشر كتابه الأول المسمى "المباني التركيبية" والذي يدور حول طرح نظرية جديدة تدعى "نظرية القواعد التوليدية والتحويلية" وما زال هذا العالم يطور في نظريته هذه حتى الآن وذلك من خلال تطبيقها على لغات بشرية عديدة. ولكن هذا لم يمنع من ظهور اتجاهات ومدارس لسانية أخرى في الولايات المتحدة وأوربة رافقت النظرية التوليدية والتحويلية كمدرسة "الدلاليات التوليدية" لمكولي ومدرسة "الدلاليات العلامية" لغيلمور ومدرسة "تحليل الخطاب" لـ لابوف وجمبرز وجودي، ولكن إذا أردنا فعلاً معرفة جوهر اللسانيات فإننا نستطيع القول إن هوية هذا العلم تتسم بصفتين اثنتين: الأولى هي العلمية (تطبيق المقاييس العلمية على اللغات) والثانية هي الاستقلالية (أصبح لهذا العلم قوانينه وأنظمته الخاصة به). هاتان السمتان اكتملتا بظهور علماء لسانيين في القرن العشرين أمثال دي سوسور وبلومفيلد وسابير ومارتينه وتشومسكي وغيرهم كثير.‏

4-موقع البحوث اللغوية العربية القديمة في اللسانيات الحديثة

لاشك في أن كل أمة من الأمم عندما تفرز حضارة ما فإن هذه الحضارة ستكون مكتملة الجوانب ومتعددة الظواهر غالباً. فالحضارة العربية الإسلامية هي حضارة تتسم بسمة الكلية (Universal) هذه السمة الكلية التي كانت جوهر الدعوة الإسلامية دفعت العرب والمسلمين في كل مكان وزمان للبحث عن جوهر الإنسان ضمن بوتقة الكون والحياة. من هنا لم يكن من همِّ الأيديولوجية الإسلامية أن تجعل الإسلام يعتقد بالإسلام فقط وإنما كان همها إضافة إلى ذلك البحث والاستقصاء عن الإنسان أولاً (الانطلاق من معرفة الإنسان) وعن الكون الذي يحيط بالإنسان ثانياً (الانطلاق من المحيط الخارجي للإنسان). لذلك نرى القرآن الكريم يركز على قضية الاكتشاف عندما يقول "هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون". وكذلك الحديث النبوي الذي حث على هذا الاكتشاف عندما قال الرسول الكريم: "اطلبوا العلم ولو في الصين". وانطلاقاً من هذا المفهوم الفلسفي الإسلامي كان الرسول الكريم يفك أسر كافر إذا علَّم عشرة صبية من المسلمين.‏

نستطيع أن نقول إذن بأن الحضارة العربية الإسلامية لم تكن استمراراً لتطور حضاري سابق على الرغم من أنها كانت قد تأثرت بالخط العام لمسيرة الحضارات السابقة، وإنما كانت "طفرة" أو "انعطافاً" أو "حدثاً ثورياً" في تاريخ الحضارات الإنسانية. من هنا فإن ما توصلت إليه هذه الحضارات من خلال دراسة الظواهر الإنسانية والطبيعية إنما يستحق الروية والدراية والتأمل والعمق.‏

ومن الظواهر التي وقفت عندها الفلسفة العربية الإسلامية ظاهرة "اللغة". وعندما نقول "اللغة" لا نعني اللغة العربية فقط وإنما "اللغة" التي ينبغي أن تكون كونية، كلية، شاملة، صالحة لكل زمان ومكان حسب المفهوم الفلسفي العربي الإسلامي. إنها "اللغة" التي هي ركن أساسي من أركان الحضارة العربية الإسلامية. من هنا فإن خدمة العرب والمسلمين لهذه "اللغة" لم تنطلق من المفهوم القومي للغة وإنما انطلقت من المفهوم الإسلامي الكلي والإنساني والشمولي. فكما أن الإسلام هو الحل الوحيد لمشكلة الإنسان على هذه الأرض حسب المفهوم العربي الإسلامي فإن اللغة العربية هي اللغة التي يجب أن تحمل كل المعارف التي حصل عليها الإنسان ويريد أن يحصل عليها، وذلك من أجل حل مشكلاته في هذا الكون. إذن المفهوم العربي الإسلامي اعتبر "اللغة" ظاهرة عربية كونية كلية. لذلك أقدم العرب والمسلمون على دراستها انطلاقاً من هاتين السمتين: السمة القومية والسمة العالمية أو الكلية. وما بحثه العرب في "اللغة" كثير جداً ومتعب جداً، ولكن يمكن حصره بما يلي:‏

أ-أصوات اللغة العربية:‏

1-الفيزيولوجية –النطقية (النحاة والأطباء العرب أمثال الخليل بن أحمد وسيبويه وابن سينا في كتابه أسباب حدوث الحروف).‏

2-الفيزيائية (علماء الرياضيات العرب أمثال الحسن بن الهيثم والخوارزمي).‏

3-السمعية –الدماغية (علماء التجويد أمثال الشاطبي ومكي بن أبي طالب القيسي وعلماء الموسيقى أمثال زرياب وإبراهيم الموصلي).‏

فقد درس العرب والمسلمون الظاهرة الصوتية دراسة نطقية –فيزيولوجية ودراسة فيزيائية ثم دراسة سمعية دماغية، ولكن معلوماتهم حول هذه الظاهرة جاءت مبعثرة لا يجمعها منهج أو نموذج واحد متماسك.‏

ب-تراكيب اللغة العربية:‏

وهذا كثير عند النحاة العرب أمثال الخليل بن أحمد وسيبويه والكسائي والفراء والشراح الذين فصلوا ما أتى به هؤلاء المتقدمون أمثال ابن يعيش وغيره. ويُعد كتاب سيبويه "الكتاب" منطلق التحليل النحوي العربي في تاريخ الدراسات النحوية التركيبية. وفي اعتقادي أنه لو استطاع العرب فهم كتاب سيبويه فهم رواية ودراية وعمق لنبشوا حقائق نحوية من هذا الكتاب لا تقل أهمية عن الحقائق النحوية التي أتى بها عالم اللسانيات الأمريكي نوم تشومسكي ولكن هذا يحتاج إلى جهد كبير جداً ليس هناك مؤشرات لحوافزه، في مناخ الدراسات اللغوية العربية المعاصرة.‏

ج-دلالات اللغة العربية ومعانيها:‏

ونجد هذه الدراسات في أعمال البلاغيين العرب الذين كانوا يتحدثون عن معاني اللغة العربية ودلالاتها في إطار البلاغة "الممنطقة" أمثال الجرجاني والسكاكي والقزويني وغيرهم. ولعلنا نجد بعض النظرات الدلالية العميقة في أعمال النحاة العرب عندما كانوا يتحدثون عن تراكيب اللغة العربية ونحوها. وهذا كثير عند ابن يعيش في كتابه "شرح المفصل". ثم إن دلالات اللغة العربية ومعانيها أخذت حظاً كبيراً من الدراسة على أيدي الفلاسفة وعلماء المنطق العرب والمسلمين أمثال الفارابي وابن سينا والتوحيدي وابن حزم الأندلسي وابن رشد وغيرهم، حتى أن هناك نظرات دلالية عميقة جداً مبعثرة هنا وهناك ولاسيما في أعمال المفسرين العرب والمسلمين الذين تناولوا القرآن الكريم والأحاديث النبوية تفسيراً وشرحاً.‏

د-ارتباط اللغة بالمجتمع:‏

ونجد مثل هذه الدراسات عند الجاحظ في مؤلفاته جميعها ولاسيما "البيان والتبيين" و"الحيوان" وكذلك نجد بعض هذه الدراسات حول العلاقة بين اللغة والمجتمع عند بعض الشعراء في نثرهم أمثال أبي العلاء المعري في "رسالة الغفران"، وكذلك نجد هذه الأعمال عند من بحثوا في قضية اللغة العربية واللهجات المتفرعة عنها وأنظمة التفرع وضوابطه.‏

هـ-ارتباط اللغة بفيزيولوجية الإنسان وبيولوجيته:‏

وهذا نراه عند المؤلفين العرب الذين بحثوا في قضية الأمراض اللغوية والتطور اللغوي عند الإنسان ولاسيما عند الجاحظ في كتابه "البيان والتبيين".‏

و-نشأة اللغة واللغات:‏

وهذا الموضوع تناوله المؤلفون العرب إجمالاً لأنه يرتبط ارتباطاً وثيقاً بأصل الإنسان عندما خلقه الله تعالى ليكون خليفته في الأرض. ومن المؤلفين العرب الذين تناولوا هذا الموضوع ابن جني في "الخصائص" وابن فارس في "المجمل" و "المقاييس"، ثم نراه عند بعض الفرق الفلسفية كالمعتزلة مثلاً. ولكن هذه الدراسات اللغوية التي قام بها العرب والمسلمون إنما هي دراسات إنسانية مستطردة لم تبن على نماذج معينة تخضع لنظريات علمية تجريبية مثبتة اللهم إلا في مجال الصوتيات والنحويات والدلاليات وحتى هذه تحتاج إلى غربلة "علمية" صارمة.‏

5-الصلة بين التراث اللغوي العربي واللسانيات

لا أجد حرجاً في أن أكرر، هنا، شيئاً كنتُ قلته، وسأبقى أقوله، هو أن صلة القربى ليست فقط بين التراث اللغوي العربي واللسانيات، وإنما هي موجودة أصلاً بين التراث اللغوي العالمي واللسانيات. هذه الحقيقة هي قانون علمي للظواهر الحضارية، ذلك لأن اللسانيات لم تنشأ في فراغ لتخدم في فراغ، وإنما هي شيء لاحق لشيء سابق. فعملية التأثير والتأثر موجودة، ليس بين اللسانيات وبين الدراسات التي سبقتها، وإنما بين الظواهر الحضارية كلها.‏

ولكن السر في تقدم الظواهر الحضارية بعضها على بعض إنما يكمن في حقيقة مفادها أن الشيء اللاحق يجب أن يكتشف جديداً لم يكن في السابق. هذا هو سر تقدم العلوم الإنسانية والطبيعية، وسر تقدم الحضارات في تاريخ الإنسان.‏

اللسانيات، بصفتها علماً، جاءت من أجل تبني صيغة علمية بمفهوم العلم الفيزيائي، وذلك من أجل معرفة كيفية عمل اللغات البشرية بدقة وضبط وموضوعية مطلقة، وذلك للاستفادة من نتائج هذه المعرفة اللغوية وتوظيفها في مجال الحضارة والتكنولوجيا المعاصرة. ولكي تستطيع اللسانيات أن تكون علماً قائماً برأسه مستقلاً عن بقية العلوم الإنسانية والطبيعية الأخرى، فلابد لها من أن تستفيد من المعارف والنظرات اللغوية والتراثية سواء أكانت عربية أم غير عربية.‏

وهكذا فإن المعارف اللغوية الموجودة في التراث الهندي والبابلي والإغريقي والروماني والعربي ثم جهود الباحثين في القرن الثامن والتاسع عشر إنما كانت معارف لغوية مهمة جداً للسانيات.‏

ولكن فضيلة التراث اللغوي العربي تأتي من حقيقة أن الأيديولوجية الحضارية العربية الإسلامية كانت أعلى في الوتيرة الفكرية وأنفذ في الرؤية المستقبلية. لذلك كانت استفادة اللسانيات من التراث اللغوي العربي أكثر من غيره على الرغم من أن بعض الباحثين اللسانيين الغربيين لا يعترفون بهذه الحقيقية، ذلك لأن حجتهم هي أن التراث اللغوي العربي إنما هو انعكاس وحفظ للتراث اللغوي الإغريقي إلا في بعض فرضياته الدلالية الجديدة.‏

على أية حال، لقد أثبت باحثون لسانيون غربيون معتدلون ومنصفون (أمثال روبنز وتشومسكي وكوك) تأثر اللسانيات الحديثة بالتراث اللغوي العربي وذلك عن طريق وسائل مختلفة سواء أكانت مباشرة (الاطلاع على التراث اللغوي العربي باللغة العربية) أم غير مباشرة (عن طريق ترجمة أعمال النحاة واللغويين والبلاغيين العرب إلى لغات أجنبية كثيرة وخاصة اللغة الألمانية).‏

إن الفكرة الرئيسية في قانون البحث العلمي هي أنه لا سابق دون لاحق ولا لاحق دون سابق، وكل من ينكر هذا القانون العلمي إنما نظرته إلى الظواهر هي نظرة شخصية وليست نظرة موضوعية. لنأخذ على سبيل المثال عالم اللسانيات الأمريكي نوم تشومسكي فسوف نجد برهاناً على ما نقول. فعلى الرغم من أن هذا العالم قد رفض كل شيء أتت به البنيوية، ولكنه في صميم أعماله التوليدية والتحويلية إنما هو بنيوي. إن ما فعله تشومسكي هو أنه قلب البنيوية رأساً على عقب وأتى بشيء جديد لم تلتفت إليه البنيوية وهو دراسة "اللغة" على أنها ظاهرة فيزيائية –رياضية- آلية- بيولوجية تعمل داخل الدماغ البشري. أنت ترى ظاهرة معينة منذ مدة وأنا أرى الظاهرة نفسها الآن، ولكن رؤيتي لهذه الظاهرة يمكن أن تكشف شيئاً جديداً لم يسترع انتباهك أنت. ولنقل ما نقول: أهي الوسائل البدائية التي استخدمتها ولم تجعلك تكتشف هذا الشيء الجديد أم أنه القصور في التحليل العلمي لهذه الظاهرة؟‏

المهم في الأمر هو "الاكتشاف الجديد"، هذا هو سر اللسانيات الحديثة التي اكتشفت في اللغات البشرية أشياء جديدة لم تستطع الدراسات اللغوية القديمة اكتشافها وذلك بسبب ظهور التكنولوجيا الحديثة والأساليب العلمية المذهلة. ما تفعله اللسانيات هو أنها تأتي إلى اللغات البشرية كافة، تفككها وتحللها قطعة قطعة لتكشف وظيفة كل قطعة لغوية وكيفية توزعها في النظام العام. وهكذا فإنها ستكشف أن هناك نظاماً معيناً فتسجله، ثم تنتقل إلى قطع لغوية أخرى لتدرس وظيفتها وتوزعها ضمن النظام العام، وهكذا دواليك. فمن خلال هذه الدراسة تتكون عند اللساني أنظمة كثيرة حول الظاهرة اللغوية. وهذه الأنظمة لابد لها من نظام معين من أجل ضبطها.‏

إن الفكرة الرئيسية هنا هي أن اللساني ينطلق من الجزء لينتهي بالكل. الجزء هو اللغات البشرية كلها. الكل هو أنظمة هذه اللغات البشرية وقوانينها. إن الجزء والكل هما اللذان يعطيان اللسانيات الحديثة شرعيتها لتكون علماً قائماً برأسه.‏

في التراث اللغوي القديم (عربياً كان أم غير عربي) لم تكن هناك وسائل علمية سريعة لفحص اللغات البشرية كلها وتحليلها ومعرفة سر حركيتها وعملها من أجل أن نستفيد منها تقنياً وتكنولوجياً، وإلا فكيف يمكننا الآن وبفضل اللسانيات الحديثة أن نصمم آلات تكنولوجية (مخابر صوتية) أو حاسبات الكترونية (كومبيوتر) لتلائم مثلاً لغتين أو لغات عدة من أجل أن نقوم بعملية الترجمة الآلية كما هو الحال في مشروع لغات السوق الأوربية المشتركة؟ ثم كيف يمكننا وبفضل اللسانيات الحديثة أن نصوغ جميع اللغات البشرية صياغة رياضية صوتياً وتركيبياً ودلالياً؟. لم يكن هذا الأمر ممكناً في القديم ذلك لأن إمكانات فقه اللغة أو الدراسات اللغوية القديمة إمكانات بدائية تتلاءم مع العصر الذي أفرزها.‏

هذه الحقيقة العلمية تؤيد حقيقة أخرى فلسفية كان وضعها الفيلسوف اليوناني القديم هيرقليطس وهي "انك لا تستطيع أن تستحم بماء النهر مرتين". من هنا فإنه من الخطأ العلمي أن نحمّل التاريخ الحضاري وزراً فوق وزره. لندع التاريخ الحضاري يفرز حقائقه من الواقع والزمن الذي كان يعايشه دون أن نسقط عليه حقائق معاصرة لرغبة قومية أو نزعة دينية أو تحمس عاطفي.‏

والخلاصة أن الدراسات اللغوية القديمة هي دراسات إنسانية (علاقة اللغة بالإنسان الذي يتكلمها). وبهذا فإنها في الغالب دراسات شخصية (Subjective) شارحة كيف يمكن للصفات المهمة للغة أن تكون لها علاقة في أنا (كشخص). أما الدراسات اللغوية الحديثة أو اللسانيات فهي دراسات علمية (علاقة اللغة ببعضها بعضاً). وبهذا فإن هذه الدراسات أكثر موضوعية (Objective) شارحة كيف يمكن للصفات المهمة للغة أن تكون لها علاقة ببعضها بعضاً.‏

الدراسات اللغوية القديمة تبدو وكأنها تستخدم معيار السببية (لماذا مثلاً تحدث صفات نحوية معينة في اللغة؟ وكيف يجب على هذه الصفات النحوية أن تعمل؟). وبالمقابل فإن اللسانيات الحديثة تبدو وكأنها تستخدم معيار الماهية (فهي تسجل الحقائق الملحوظة للغة فقط دون محاولة شرحها. وإذا كان هناك شرح لساني فإنه عبارة عن الشرح الذي يتناول العلاقة بين الحقائق الملحوظة للغة وبين النظرية اللسانية العامة والتجريبية). الدراسات اللغوية القديمة خلطت بين مستويات التحليل اللغوي فهي لم تميز بشكل دقيق هذه المستويات وتفرزها عن بعضها بعضاً لكي يكون التحليل أكثر دقة وموضوعية. أما اللسانيات الحديثة فقد فصلت بين مستويات لسانية عديدة مكّنها من اكتشاف العملية اللغوية وكيفية عملها ووظيفتها.‏

إن حقيقة فهم الناس للدراسات اللغوية القديمة إنما يعود إلى التاريخ الثقافي الذي حمل التراث اللغوي القديم من جيل إلى جيل وعلى مدد زمنية طويلة وعريضة، ذلك التاريخ الذي صبغ الدراسات اللغوية القديمة بالتيارات الفلسفية والنفسية والدينية والبلاغية والنقدية والأدبية. ومن جهة أخرى فإن اللسانيات الحديثة هي وليدة العصر وليس لها تاريخ ثقافي طويل وعريض. أضف إلى ذلك أن اللسانيات حاولت جهدها أن تصرف النظر عن المناقشات الجدلية النفسية والمنطقية والميتافيزيقية العقيمة وأن تركز على الوصف والشرح اللغويين المبنيين على الوصف التجريبي للغة.‏

وبكلمة أخرى؛ إن اللسانيات الحديثة هي استمرار للخط الحضاري الحديث ذي الطابع العلمي التكنولوجي الذي يجعلها مرتبطة بالعلوم الطبيعية والتقنية الصارمة كالفيزياء والبيولوجيا والحاسبات الإلكترونية والرياضيات. أما الدراسات اللغوية القديمة فإنها استمرار للخط الحضاري القديم ذي الطابع الإنساني الذي يجعلها تدور في فلك العلوم الإنسانية كالأدب والنقد والفلسفة والتاريخ.‏

وهكذا فإن الفرق بين الدراسات اللغوية القديمة وبين الدراسات اللسانية الحديثة هو الفرق بين الهدف الإنساني والهدف العلمي.‏

المصدر: مجلة التراث العربي

تاريخ النشر:2010-02-21 14:38:30 الموافق:1431-03-07 14:38:30ـ | تمت قراءته: 387 مرة

Copyrights © moslimonline.com
المصدر: http://www.moslimonline.com/?page=artical&id=442

hano.jimi
2011-09-25, 13:53
ى البحث في الخطاب الأدبي وصلته بالنقد يستحوذ على اهتمامات دارسي اللغة والأدب منذ بداية القرن العشرين، بفضل ما تقدمه الحقول المعرفية الجديدة كاللسانيات والأسلوبية والسيميولوجية من مصطلحات وأدوات إجرائية، تسهم في مقاربة الأثر الأدبي، بعيدا عن المقولات النقدية التي كانت مستعارة من كل الحقول إلا حقل الأدب.‏

ولذلك ألفينا اليوم تراجعا عن القيم والخصائص الجمالية التي كان يطلقها النقد العربي الكلاسيكي على الخطاب الأدبي من منظور انطباعي سطحي، منذ عرفت مناهج الدراسات اللسانية والأسلوبية والسيميولوجية الانتشار في العالم العربي عن طريق الترجمات.‏

وللوقوف على تطور اتجاهات الخطاب من منظور المناهج النقدية الحديثة، لا بد أن نربط راهن هذا النقد بالخطاب النقدي الكلاسيكي الذي لم يلغ صلته بالبلاغة العربية القديمة، وما آل إليه بعد تراكم المعارف النقدية والعلمية والثقافية التي تربطه بها صلات التأثير والتأثّر، مهدت لظهور خطاب نقدي جديد.‏

1 ـ اتجاه الخطاب النقدي الكلاسيكي وخصائصه:‏

ركزت أكثر مناهج تحليل النصوص الأدبية في النصف الأول من القرن العشرين في الوطن العربي عنايتها على دراسة محيط الخطاب وأسبابه الخارجية، وهي لم تقتصر على تحليل النصوص القديمة فحسب، وإنما كانت تسعى إلى تحليل النصوص الحديثة بالمنهجية الكلاسيكية نفسها، وما ذاك إلا لأن الموروث النقدي عبر مراحله المتعاقبة لم يرق إلى معالجة النص الأدبي معالجة كلية، وبقي في معظمه في حدود اللفظة والتراكيب، وطغت عليه النزعة الانطباعية، ولجأ أصحابه إلى احتذاء نماذج معينة، وأنماط تعبيرية جاهزة، يتخذونها مقاييس نقدية، قليلا ما يرضون بالخروج عنها.‏

ولعل هذا ما جعل الموروث النقدي حبيس معايير لم يستطع التخلص منها إلا في بداية القرن العشرين، وكانت نظرته بعيدة عن احتواء النص كاملا، لأنها (النظرة الكلاسيكية) لم تكن ترى في الأثر الأدبي سوى اللفظ أو الجملة أو الشطر أو الفقرة. وهو أسلوب النقد العربي القديم الذي كان يصدر أحكاما عامة من خلال معاينة الجزء.‏

وعلى الرغم من النتائج التي حققتها هذه الدراسات، والمناهج، في تفسير النصوص الأدبية، وتحليلها في ضوء سياقاتها المختلفة: الاجتماعية والتاريخية والدينية، فإنها لا تخرج عادة على التفسير التعليلي، ومحاولة البحث عن الأصول التي انبثقت عنها النصوص الإبداعية، دون مقاربة النص ذاته، ولذلك عجزت عن تحليل بنيات الأثر الأدبي ودلالاته العميقة، واكتفت في أغلب الأحيان بوصف المظهر النصي السطحي، وملابساته التاريخية والسياسية. (1)‏

ومما لا شك فيه أن صياغة الأثر الأدبي لا تنفصل عن عوامل المحيط كلها أو بعضها، وتطرح الخاصية الأدبية بعنف حين نعزل العوامل الفردية في تحديد العمل الأدبي عن العوامل التي تحدد إطاره الخارجي. (2) وهنا يبدو عجز هذا الاتجاه في مقاربة الخاصية الأدبية، وتفكيك عناصرها الداخلية الدالة على فرادتها، والتي لا تخضع ـ في كل الحالات ـ إلى الظروف الخارجية المحيطة بالعمل الأدبي.‏

وبحثا عن منهج ملائم ظل النقاد الكلاسيكيون يتوسلون بشتى أنواع الآليات في دراسة النص الأدبي، وينتقلون من منهج إلى آخر، وفق مرجعيات معينة، ولكن ـ في أغلب الأحيان ـ انطلاقا من المناهج المعيارية التذوقية، نحو: النظرية المدرسية التي تقسم الأدب العربي إلى عصور، ونظرية الفنون الأدبية، ونظرية خصائص الجنس، والنظرية الإقليمية، والنظرية النفسية، والنظرية الاجتماعية. (3)‏

كما سعت المناهج الخارجية التي اهتمت بدراسة النصوص الأدبية إلى تأسيس نوع من العلاقة السببية أو الحتمية، بين الأثر الأدبي وكاتبه وبيئته، وهي تأمل من ذلك كله الوصول إلى تحديد العلاقة بين الأثر الفني ومحيطه. (4)‏

وهكذا عرف النصف الأول من القرن العشرين نصوصا نقدية تعتبر الأدب صورة عاكسة لإنتاج الفرد، ومن ثم ركزت على سيرة الكاتب ونفسيته. (5) كما ظهرت دراسات للنصوص الإبداعية متأثرة بالعوامل الاقتصادية، والاجتماعية والسياسية. كما حلل بعض النقاد النص الأدبي في ضوء علاقته بالابتكارات الجماعية للعقل البشري، كتاريخ الأفكار واللاهوت، والفنون. (6)‏

ويرجع ظهور المناهج الخارجية في تحليل النصوص الأدبية إلى العوامل والأسباب الآتية:‏

ـ تأثر النقد في تحليل النصوص الأدبية بالعلوم الطبيعية.‏

ـ ظهور تاريخ الأدب الحديث وعلاقته الوثيقة بالحركة الرومانسية التي لم تستطع أن تحطم الرؤية النقدية للكلاسيكية إلا بالحجة القائلة : "إن الأزمنة المختلفة تتطلب مقاييس نقدية مختلفة. "(7)‏

ـ انهيار النظريات الشعرية القديمة، وما رافق ذلك من تحول في الاهتمام بالذوق الفردي للقارئ، حيث أصبح الاعتقاد الراسخ لدى معظم الدارسين أن أساس الفن لا يخضع للعقل، ومن ثم فإن الذوق هو المقياس الوحيد للتقويم، والنقد.‏

ـ تطور الخطاب النقدي في أوربا في الخمسينيات من القرن العشرين بفضل المنهج البنيوي الذي اعتمد على مقاربات ( كلود ليفي ستروس) في تحليل النصوص، انطلاقا من وجود أبنية عقلية لا شعورية عامة، تشترك فيها كل الثقافات الإنسانية، على الرغم مما بينها من اختلاف وتباين، وكانت الوسيلة الوحيدة للكشف عن هذه الأبنية اللاشعورية هي اللغة. (8)‏

وقد تأثرت عدة حقول معرفية بهذا المنهج العلمي، الذي أحدث ثورة في مناهج تحليل الخطاب الأدبي وغير الأدبي.‏

2 ـ اتجاهات الخطاب النقدي الحديث وتطوره في ضوء المناهج الحداثية:‏

تقف اتجاهات الخطاب النقدي الحديث "عند الدوال الشكلية الأساس التي تلعب دور المنتج للنص الأدبي بين الاختبارات اللسانية، والمحددات السيميائية، بما يؤدي إلى وضع الكتابة في إطار الأدبية، ويساعد على استخلاص هذه القيمة بالدرجة الأولى. " (9) كما أنها تنظر إلى النص الأدبي لا كرجع انعكاسي لأدبية خارجية، ولكن كمجال يمتلك دواله القادرة وحدها على ربط العلاقة مع المدلولات، ثم مقدرة هذه الأخيرة انطلاقا من أسس لسانية باتت معروفة، على توظيف وصياغة الدوال. (10)‏

ومن شأن هذه النظرة النقدية الحداثية، تحويل مادة الأدب إلى حقل مستقل، لـه عناصر واقعه الذاتية؛ كاللغة والعلامة والوحدات الصغرى والكبرى، وبرصد هذه العناصر وتفكيكها، وتحديد البنيات التي تؤلف النص وتعيين السنن التي تقوم عليها في علاقاتها وتنظيمها، نكون قد وقفنا على أسباب تراجع الخطاب النقدي الكلاسيكي، لأنه لا يمتلك آليات، وأدوات إجرائية تمكنه من إعادة بناء النص، وتحديد مكوناته عبر تفكيكه. كما تتراجع النزعة التفسيرية القائمة على مبدأ المحاور والموضوعات التيمية، ذات الطبيعة التلقينية "Didactique". (11)‏

يلغي الخطاب النقدي الحديث من مجال اشتغاله كل تشريع مهما كانت طبيعته، ولا يبقي سوى على التشريع الذي يقدر عليه النص بوصفه صناعة كلام، ولكن أيضا بوصفه إنتاجا لخطاب هو خطابه. (12)‏

أ ـ الاتجاه اللساني في تحليل الخطاب الأدبي:‏

عرف مطلع القرن العشرين ثورة على المناهج التي ظهرت في الفترات السابقة، وكان من أهمها تلك التي ألحت على دراسة الأثر الأدبي من الداخل، وركزت على النص أولا، وسبب ذلك هو أن المناهج التي تأسس عليها الخطاب النقدي الكلاسيكي، غدت غير مجدية، لا تجيب عن الأسئلة الكثيرة التي يطرحها النقاد، فكان لا بد من إعادة النظر فيها في ضوء الاكتشافات وتأثير العلوم الحديثة، وخاصة علم اللغة العام أو كما يطلق عليه اللسانيات La Linguistique. (13)‏

ويوضح روجر فاولر (FOWLER R.)في بحثه (نظرية اللسانيات ودراسة الأدب) أن اللغة والأدب شهدا نمو دراسة علمية جديدة في القرن العشرين، بلغت مرحلة من النضج النسبي تجلت في علم اللسانيات، والتي تميز نموها بازدياد مطرد، في عدد البحوث المنشورة، وفي عدد الأشخاص المهتمين بها، فكان أن تبوأ هذا الحقل المعرفي الجديد من الموضوعات مكانته بامتياز بين الدراسات الإنسانية الراسخة. (14)‏

ويكشف البحث اللساني سلسلة الجهود التجريبية على المستوى العالمي، وفي اللغات الأوربية التي اهتمت بتحليل الخطاب، فظهرت مدارس لسانية، نذكر منها:‏

ـ المدرسة السلوكية، ورائدها بلوم فيلد (1887 ـ 1949)‏

ـ المدرسة التوزيعية لهاريس.‏

ـ المدرسة التحويلية والتوليدية ورائدها شو مسكي، وهو عالم لسانيات معاصر، متعدد الاهتمامات، أخضع اللسانيات للمنطق الرياضي والفلسفي، أحدثت كتاباته ثورة في اللسانيات، وتعرف مدرسته بالمدرسة التحويلية التوليدية. (15)‏

وكانت التوجهات اللسانية في تحليل النصوص الأدبية من اهتمامات الشكلانيين الروس (Formalistes Russes ) الذين رفضوا اعتبار الأدب صورة عاكسة لحياة الأدباء، وتصويرا للبيئات والعصور، وصدى للمقاربات الفلسفية، والدينية. ودعوا إلى البحث عن الخصائص التي تجعل من الأثر الأدبي أدبا؛ أي: ما يحصل نتيجة تفاعل البنى الحكائية، والأسلوبية، والإيقاعية في النص. (16)‏

ويثبت تراكم البحوث النقدية اللسانية التأثير الذي مارسه المنهج الشكلاني في دراسة النص الأدبي من الداخل، بحيث مكن النقد الأدبي من الانفصال في تحليل الخطاب الأدبي عن نظريات علم النفس، وعلم الاجتماع، والأيديولوجيات الدينية والسياسية حتى غدا الخطاب النقدي يتمتع باستقلال ذاتي، لأن المادة الأساسية في بناء الأدب هي اللغة، وأما اللسانيات فهي الدراسة العلمية لها، ولمظهرها الحسي الذي يتجلى من خلال الكلام. (17)‏

ومثلما هو الأمر شائع في مجالات التأثير والتأثر بين العلوم والاتجاهات الفكرية والأدبية، فقد استفاد الخطاب النقدي الحديث من الأدوات الإجرائية التي وفرتها مختلف مباحث وأطروحات اللسانيات على صعيد اللفظة، والجملة، وفي فترة حديثة: النص، وتجلى ذلك في ما أكدته الدراسات اللسانية الحديثة من تداخل وترابط بين المستويات (الصوتية، والتركيبية، والدلالية) والتي سعت إلى الكشف عن وظيفة كل مستوى ودلالته منفردا ومجتمعا مع غيره من المستويات على صعيد النص الأدبي. (18)‏

غير أن البحث المتقدم في العلاقات الداخلية التي تحكم الأثر الأدبي، وتحفظ توازنه وانسجامه، لم يكن ليمحو من برنامج البحث المشاكل المعقدة، والمتصلة أساسا بالعلاقة بين الفن الأدبي والقطاعات الثقافية الأخرى، والواقع الاجتماعي والنفسي.‏

ولا حاجة للتأكيد على أن واحدا من أبرز رواد الشكلانية الروسية، وهو: "ر. ياكبسون" قد أشار في مقال، عنوانه: "نحو علم للفن الشعري" أن الاتجاه الجديد للشكلانية في مقاربة الأثر الأدبي والبحث عن أدبيته، لم يحل الإشكال بعد، فما زالت نظريات تحليل النص الأدبي تؤكد ترابط الأدب بغيره من القطاعات الأخرى الثقافية والاجتماعية والفكرية والعقائدية. (19)‏

وفي قراءة تقويمية لحصيلة المدرسة الشكلانية، يميل ياكبسون إلى الاعتقاد أن باحثي هذه المدرسة كثيرا ما كانوا يخلطون بين الشعارات الطامحة، والساذجة أحيانا لمبشريها، والإجراءات النقدية الموجهة نحو النص أساسا. ولذلك نراه يحسم هذا الإشكال عندما يتبين لـه أن كل حركة أدبية أو علمية إنما تحاسب قبل كل شيء اعتمادا على العمل الذي أنتجته، وليس من خلال بلاغة بياناتها. (20)‏

وإذا كان الشكلانيون الروس قد فرضوا منهجهم في تحليل النصوص الأدبية ابتداء من النصف الأول من القرن العشرين، فإن التفكير في تلك الفترة كان قد تجاوز النظرية التي كانت تهتم بقضايا المضمون والمعنى انطلاقا من الصورة باعتبارها قوة ملازمة للأدب، وأصبح مفهوم الشكل منذئذ يعرف رواجا وامتزج شيئا فشيئا بمفهوم الأدب، ومفهوم الواقعية الأدبية. (21)‏

وتأسيسا على ما قدمنا، فإن ما أحدثته اللسانيات وما تفرع عنها من مناهج نقدية في تحليل الخطاب الأدبي تركت آثارا واضحة في مسار النقد الأدبي واتجاهاته.‏

ويلاحظ موريس أبو ناضر أن الفرق واضح بين الخطاب النقدي الكلاسيكي، والخطاب النقدي الحديث، لأن بؤرة التفكير آلت إلى التركيز على آليات وحدة هذا النسق البنياني أو ذاك من خلال مواد مختلفة. (22)‏

غير أن كثرة الأبحاث ورواج المفاهيم، وحيرة المختص والمبتدئ على حد سواء أمام هذا الركام المعرفي، شكلت تداخلا في المفاهيم والمصطلحات، أشار إلى جانب منها رابح بوحوش في مقاله الموسوم بـ: "الخطاب والخطاب الأدبي وثورته اللغوية على ضوء اللسانيات وعلم النص"، حيث حدد الانتهاكات التي تحدث في التعامل مع المصطلحات الحديثة التي وفرتها علوم اللغة والأسلوبيات، والمناهج اللغوية والأدبية المعاصرة، ويبرز ذلك في مصطلحات مركزية تداخلت فيها المفاهيم، وحادت استخداماتها عن الصواب، منها: اللسانيات، الأسلوبيات، الخطاب، والنص. فهو يلاحظ مثلا أن مصطلح اللسانيات، وهو العلم الصارم الذي يدرس اللغة دراسة مخبرية، ما هو في الواقع سوى دراسة اللغة في مستوياتها النحوية والصرفية والعروضية. (23)‏

وأما مصطلح الأسلوبية فيوحي استخدامه باصطناع منهجية صارمة في دراسة الظاهرة الأدبية، وعدم خضوع النص الأدبي عموما، والخطاب خصوصا للأحكام المعيارية والذوقية، ويهدف إلى دراسة الظاهرة الأسلوبية دراسة علمية، واقتحام عالم الذوق، وكشف سر ضروب الانفعال التي يخلقها الأثر الأدبي في متلقيه.. غير أن القصد لا يعدو أن يكون سوى بلاغة، أو دراسة للأسلوب الفردي. (24)‏

إن ما قدمه رابح بوحوش في هذا الطرح ظل حبيس التخمين والتصور، فلا نكاد نعثر في تحليله على أية إشارة أو إحالة أو دراسة انحرفت عن المفاهيم الصحيحة، أو على الأقل التي يراها هو كذلك، ثم إنه لم يعلل مسألة ذكرها في صدر مقاله والمتعلقة بالخطر الذي تمثله الأبحاث الكثيرة في الموضوع نتيجة التراكم الكبير للمفاهيم، وسوء استخدامها أحيانا، ونراه اكتفى في هذا الصدد بالإشارة إلى الظاهرة دون عناء مناقشتها، وما يفترض أن تكون فيها من إيجابيات أو سلبيات.‏

ومما لاشك فيه أن كثرة الدراسات، وتعدد المفاهيم يغني الحقول المعرفية التي تساهم في توسيع دائرة البحث وتعدد الاختصاصات التي يمكن أن تشتق منها، وهذا ما يلاحظ في العلوم كلها التي استرعت اهتمام الدارسين، إذ توسع مجال اشتغالها، وعرفت مطردا، ورقيا بارزا.‏

إن ما يؤكد صلة النقد الأدبي باللسانيات هو أن النص الأدبي في جوهره وحدة متكاملة، تتضافر فيها عدة عناصر صوتية وصرفية ومفرداتية وتركيبية ودلالية، وهي الوحدات التي تشمل أي نص. ومن ثم فإن أي دراسة أدبية يفترض فيها أن تقف على الجزئيات المكونة للنص، والمتدرجة من أصغرها وهي اللفظ إلى أكبرها وهي الخطاب أو النص.‏

وما يلاحظ اليوم هو أن التوجهات الحديثة والمعاصرة لخطاب النقد الأدبي أصبحت تستخدم المنهج التكاملي الذي يستعير مجموعة من النظريات المتباينة من العلوم المختلفة، ولكن السمة البارزة لتلك التوجهات تبدو لسانية وأسلوبية أكثر من غيرهما، وقد تجلى هذا المظهر ابتداء من الخمسينيات من القرن العشرين في أعمال كثير من الباحثين، مثل دي سوسير الذي اعتبر اللغة نظاما من الإشارات التي تعبر عن الأفكار، وقوض بذلك أصول الدرس التقليدي للغة الذي كان يرى فيها وسيلة تعبير عن الأشياء. (25)‏

ومن أجل استقراء الظاهرة اللغوية لجأ دي سوسير إلى اشتقاق بضع ثنائيات، عُدت مرتكزات أساسية في البحث اللغوي الحديث، وأهمها: اللغة /الكلام، التزامن/التعاقب، الدال/المدلول، وعلاقات التتابع. (26)‏

وكان اهتمام دي سوسير في معالجته لمكونات العملية الكلامية باللغة دون الكلام، لأن الكلام في رأيه فعل فردي لا يمثل سوى بداية اللسان أو الجزء الفيزيائي، وهو مستوى خارج الواقعة الاجتماعية. (27) غير أنّ أتباع دي سوسير أولوا عناية خاصة للكلام باعتباره فعلا فرديا، وقد كان ذلك بدءاً من شارل بالي، فياكبسون، ثم تشومسكي إلى رولان بارت وغيرهم. الأمر الذي جعل النظرة إلى مفهوميْ:اللغة والكلام تتغيّر، وطبعت النظرة الجديدة باتجاهات مختلفة، بحيث تحول الثنائي (اللغة ـ الكلام) إلى (الجهاز ـ النص) عند يمسليف، و (الطاقة ـ الإنجاز) عند نوام شومسكي، و (السنن ـ الرسالة) عند ياكبسون، و (اللغة ـ الخطاب) ق. غيوم، و (اللغة ـ الأسلوب) عند رولان بارت. (28)‏

واتضح فيما بعد أن ما كان هامشيا عند دي سوسير تحوّل إلى موضوع رئيسي عند المتأخرين، وأضحى الكلام (Parole) نصّاً أو إنجازاً، أو رسالةً، أو خطاباً في الدراسات الأسلوبية.‏

كما طور هاريس المنهج التوزيعي من خلال البحث عن العلاقات بين الوحدات اللسانية، ونوام شومسكي رائد المنهج التوليدي التحويلي الذي ميز بين الكفاية اللغوية والأداء اللغوي. (29)‏

ب ـ الاتجاه الأسلوبي في تحليل الخطاب الأدبي:‏

تهتم الأسلوبية بدراسة الخطاب الأدبي باعتباره بناء على غير مثال مسبق، وهي لذلك تبحث في كيفية تشكيله حتى يصير خطابا لـه خصوصيته الأدبية والجمالية. فالخطاب الأدبي مفارق لمألوف القول، ومخالف للعادة، وبخروجه هذا يكتسب أدبيته، ويحقق خصوصيته.‏

فاختلاف الخطاب الأدبي عن صنوف "الأخطاب" الأخرى يكون بما يركبه فيه صاحبه من خصائص أسلوبية، تفعل في المتلقي فعلا يقرره الكاتب مسبقا ويحمله عليه، مستخدما ما تقتضيه الكتابة من وسائل تختلف عن مقتضيات المشافهة، ولذلك كان ريفاتير يرى أن الخطاب الأدبي لا يرقى إلى حكم الأدب إلا إذا كان كالطود الشامخ والمعلم الأثري المنيف يشد انتباهنا شكله، ويسلب لبنا هيكله. (30)‏

كما يعرف "مانقينو " الخطاب الأدبي، ويشير إلى تعدد دلالاته: فالخطاب عنده مرادف للكلام لدى دي سوسير، وهو المعنى الجاري في اللسانيات البنيوية، ولذلك يعتبره ملفوظا طويلا أو متتالية من الجمل تكون مجموعة منغلقة يمكن من خلالها معاينة بنية سلسلة العناصر بواسطة المنهجية التوزيعية. ويقيم في النهاية معارضة بين اللسان والخطاب ؛ فاللسان ينظر إليه ككل منته وثابت العناصر نسبيا، أما الخطاب فهو مفهوم باعتباره المآل الذي تمارس فيه الإنتاجية، وهذا المآل هو" الطابع السياقي" غير المتوقع الذي يحدد قيما جديدة لوحدات اللسان، فتعدد دلالات وحدة معجمية هو أثر للخطاب الذي يتحول باستمرار إلى أثر للسان يصبح الخطاب فيه خاصا بالاستعمال والمعنى مع زيادة مقام الواصل وخاصية الإنتاج والدلالية. (31)‏

لقد أحدث ظهور الأسلوبية في حقل العلوم الإنسانية واللسانية مشكلا قبل أن تتحول ـ الأسلوبية ـ إلى منهج نقدي لمقاربة الأثر الأدبي، فرضته التطورات والاكتشافات العلمية والثقافية والأدبية في القرن العشرين. ذلك أن مصطلح الأسلوبية استخدم في بداية القرن الماضي للدلالة على الحدود الموجودة بين الأدب واللسانيات، وهو المجال الذي كانت تحتله البلاغة القديمة، وبقي شاغرا بعد انحلالها"Effondrement "مما نتج عنه طرح عدة قضايا نقدية، اتجه بعضها إلى التشكيك أصلا في مدى جدوى هذا الحقل المعرفي الجديد. (32)‏

إن انشطار الأسلوبية بين المجالين: الأدبي واللسانيات، بقدر ما كان يمثل إشكالا عند طرحه، بقدر ما حفّز الدارسين على استجلاء خفايا هذا الحقل، وكشف أسرار النص الأدبي الذي ظل معناه العميق مجهولا، لم تستطع المقاربات النقدية، والبحوث البلاغية القديمة استكناه جوهره، ومعرفة السر الذي يحكم بناءه اللغوي، وعناصره الدلالية الأخرى، والوصول إلى معرفة ما يميز كل أسلوب، والبحث عما يربطه بالكتابات المعاصرة لـه والسابقة عليه أو اللاحقة به، وهو الأمر الذي دفع ببعض الباحثين إلى المطالبة بضرورة إلحاق الأسلوبية بمختلف توجهاتها وفروعها بأحد المجالين: الأدب أو اللسانيات. (33)‏

غير أن هذا الحل لم يكن يعبّر عن طموح البحث الأسلوبي الذي لقي رواجا كبيرا بفضل ما ألف فيه من بحوث أكاديمية، قدمت للقراء رصيدا معرفيا كبيرا. وظهر بعد شارل بالي اتجاه نقدي جديد يدعو إلى ضرورة فصل الأسلوبية عن المجال الأدبي واللسانيات لغرض فسح المجال لها لتحقيق ذاتها واستقلالها. (34)‏

ونظرا لارتباط هذا المنهج بـ"شارل بالي"، فإنه يستحسن أن نعرف ما يصله بأستاذه دي سوسير، في رؤيته للغة، وقضايا اللسانيات بصفة عامة.‏

يعتبر "شارل بالي" اللغة نظاما من الرموز التعبيرية تؤدي محتوى فكريا تمتزج فيه العناصر العقلية والعناصر العاطفية، فتصبح حدثا اجتماعيا محضا. كما أن اللغة تكشف في كل مظاهرها وجها فكريا ووجها وجدانيا ويتفاوت الوجهان كثافة بحسب ما للمتكلم من استعداد فطري، وبحسب وسطه الاجتماعي، والحالة النفسية التي يكون عليها. (35)‏

والملاحظ أن هذا التعريف للغة لا يختلف كثيرا عن التعريف الذي جاء به دي سوسير حيث يعتبر اللغة منظومة من العلامات. (36) ولعل هذا من بين ما دفع إلى القول: إن أسلوبية شارل بالي امتداد لمجال اللسانيات التي بحثها دي سوسير في مؤلفه الشهير"Cours de linguistique générale " (دروس في اللسانيات العامة).‏

ولما كانت اللغة تعكس السمات الفكرية للمجتمع، لا سيما اللغة اليومية فإن (ش. بالي) كان يرى أنه لا ُيبحث عن هذه الأفكار في النصوص الأدبية القديمة، أو في اللغة العالمة، "لأن الكلام يترجم أفكار الإنسان ومشاعره، ولكنه يبقى حديثا اجتماعيا، فاللغة ليست منظومة من العلامات تحدد موقف الفرد من المجتمع فحسب، بل هي تحمل أثر الجهد الذي يكابده ليتلاءم اجتماعيا وبقية أفراد المجتمع. "(37) كما يؤكد في مؤلفه:‏

(Traité de Stylistique قضايا أسلوبية) أن تعبير الإنسان يتأرجح في مضمونه بين مدارين: مدار العاطفة الذاتية، ومدار الإحساس الاجتماعي، وهما عنصران متصارعان دوما يتوق كل عنصر إلى شحن الفكرة المعبر عنها، فيؤول الأمر إلى ضرب من التوازن غير المستقر. (38)‏

وينتهي الباحث ش. بالي في آخر حياته إلى تأكيد سلطان العاطفة في اللغة وأثرها البارز في التأثير على المتلقي وتراجع سلطان العقل إلى المستويات الخلفية، معللا ذلك بأن الإنسان في جوهره كائن عاطفي قبل كل شيء واللغة الكاشفة عن جوهر هذا الإنسان هي لغة التخاطب بتعبيراته المألوفة. (39)‏

والمتتبع لتعريف الأسلوب والأسلوبية لشارل بالي يلاحظ أنه يبعد "الخطاب الأدبي" من مجال الأسلوبية، إذ يعتبره خطابا ناتجا عن وعي وقصدية من قبل المؤلف، يفضي إلى اصطناع وتحوير لا يعبران عن طبيعة اللغة وعلاقتها بمستخدمها، ولذلك كانت لغة التخاطب اليومي هي العينة التي يصلح التعامل معها لاستخلاص حقائق موضوعية، بعيدا عن كل تأمل معقد. (40)‏

1 ـ الأسلوبية والنقد الأدبي من منظور شارل بالي:‏

يعتقد شارل بالي أن على الأسلوبية أن تشن حربا ضد المناهج القديمة في الدراسات النقدية واللغوية، حتى تزيل كل عمل آلي في دراسة الظواهر اللغوية والنصوص الأدبية انطلاقا من التحليل التاريخي، ويؤكد أن دراسة اللغة لا تقتصر على ملاحظة العلاقات القائمة بين الرموز اللسانية فقط، وإنما هي اكتشاف العلاقات الجامعة بين التفكير والتعبير، لذلك لا يمكن إدراك هذه الروابط إلا بالنظر في الفكرة وفي التعبير معا. (41)‏

ويستخلص مما سبق أننا لا نستطيع إبراز ما نفكر فيه أو ما نحس به إلا بواسطة أدوات تعبيرية يفهمها عنا الآخرون، وقد تكون الأفكار ذاتية لكن الرموز المستعملة في أدائها تبقى مشتركة بين مجموعة بشرية معينة. (42) لذلك فإن الأسلوبية تدرس ظواهر التعبير، وتأثيرها على المتلقي، فكل فكرة تتجسد كلاما؛ إنما تحل فيه من خلال وضع عاطفي، سواء كان ذلك من منظور من يبثها، أو من منظور من يتلقاها، فكلاهما ينزلها منزلا ذاتيا. (43)‏

فالعمل الأسلوبي في نظر بالي ينبغي أن يركز على تتبع الشحنات العاطفية في الكلام بثًّا واستقبالا، وعلى هذا الأساس يكون من الأجدى البحث عن الوسائل التعبيرية الحاملة لهذه الشحنات الوجدانية ودراسة خصائص أدائها.‏

وتقوم الأسلوبية كمنهاج في تحليل النص الأدبي عند بالي على مقاربتين:‏

المقاربة الأولى:مقاربة نفسية تبحث في ظروف البث النفسية، وظروف الاستقبال.‏

أما الثانية، فمقاربة لسانية لغوية بحتة، تدرس الجانب اللغوي للتعبير عن الفكرة وتلغي كلية الجانب الذهني، وتبعده من مجال درسها وبحثها. (44)‏

2 ـ الأسلوبية وتحليل الخطاب الأدبي:‏

استفادت الدراسات الأسلوبية من إنجازات اللسانيين سواء على مستوى المناهج أو على مستوى الرصيد المصطلحاتي وتجلى معظم ذلك في الأبحاث الأسلوبية. وإذا كانت اللسانيات تحدد موضوعها انطلاقا من الجملة باعتبارها أكبر وحدة قابلة للوصف اللساني، وهو الحد الذي اتفق حوله أغلب الدارسين في اللسانيات، فإن موضوع الأسلوبية هو الخطاب الأدبي، وإن كان الخطاب يتضمن الجمل ووحدات أخرى يطالها الدرس الأسلوبي بالضرورة.‏

لذلك ألفينا بعض الأسلوبيين يؤكدون أن النص مزيج من الخطاب والنظام، أو مزيج من الخاص والعام، والخطاب هو الخاص، والنظام اللغوي هو العام، والنص في مجمله يقوم على ركيزتين أساسيتين تكونانه من الداخل، وهما:‏

أ ـ المعنى الاصطلاحي (Dénotation ):‏

عناصره لغوية، وأشكاله الصغرى لم يطرأ عليها تغيير دلالي، فهي مازالت تحتفظ بمعناها المعجمي ولا تعترف بالتغيرات اللسانية سلبا أو إيجابا.‏

ب ـ المعنى الإيحائي (Connotation):‏

عناصره الشكلية تحمل دلالات(45) متعارف عليها في مجموعة لسانية مهنية معينة، ويمكن أن يطلق على هذا المعنى "المعنى المجازي"، بينما يطلق على المعنى الأول "المعنى الحقيقي" للأشكال اللغوية. (46)‏

وبصفة عامة، فإن النص ينقلب في الآخر إلى ثنائية بين الشكل والمضمون، أو كما عبر عنها "يمسليف" (بثنائية رباعية)، حيث إن كل تعبير لـه شكل وجوهر، وعلى العالم اللغوي الأسلوبي أن يعرف هذه القضايا حتى تتأتى لـه إمكانية التحليل العلمي للأساليب. (47)‏

وقد أدرك منذر عياشي فضل هذا الاتجاه في مقاربة الأثر الأدبي، فقال: " إن الدارس المهتم بالخطاب الأدبي ولسانيات النص يدرك أن لهذا الاتجاه فضلا في بناء نظام نقدي ومعرفي لم تعرف الإنسانية مثيلا لـه إلا في أيامنا هذه على يد نقاد زاوجوا بين الدرس اللساني والأدبي، أمثال جاكبسون، غريماس، رولان بارث، تودوروف وغيرهم. "(48)‏

ولعل أهمية هذا الاتجاه تبدو أيضا في نظرة الأسلوبية للخطاب الأدبي، فهي تعتبره إنجازا لغويا يقوم من خلفه نظام حضاري، لأن الصلة بينهما هي الاشتراك في اللغة، ولذلك كان النقد الأسلوبي ينظر إلى موضوعه على أنه فكر دون إحالة النص على غير ذاته لتحديد معناه، وهذا ما يؤكده ميشال آدم‏

(Adam M.) في قولـه: " إن النقد اللغوي الجديد لا يهدف إلى تفضيل الشكل على المعنى، ولكنه يهدف إلى اعتبار المعنى شكلا. "(49)‏

وتعنى الأسلوبية بالمتغيرات اللسانية إزاء المعيار البلاغي، ولعل هذا ما جعل النقاد يضعون البلاغة في مواجهة القواعد، والقواعد هي اللغة عند اللسانيين المحدثين، يسمها بعضهم بالجمود والماضوية والسلطوية، لأنها تفرض سلطتها وهيمنتها بموجب النظام اللغوي الذي يسلط على المستخدم، فلا يدع لـه مجالا من الحرية والانعتاق من القواعد الصارمة. أما المتغيرات اللسانية، فهي الفوضى والحرية والتمرد على تلك السلطة وقوانينها، وهذا ما أكدته البحوث اللسانية لدى دراستها لمصطلح "الكلام". (50) أما الخطاب الأدبي فهو العلامة على انعدام السلطة، لأنه يحمل في طياته قوة الانفلات اللانهائي من الكلام الإيقاعي حتى ولو أراد هذا الكلام أن يعيد بناء ذاته. (51)‏

كما تركز الأسلوبية في تحليلها للخطاب على النص بذاته بمعزل عن المؤثرات الخارجية مهما كانت طبيعتها، والخطاب بهذا المعنى يصبح اختراقا لعنصري الزمان والمكان، فهو يحمل زمانه في ذاته، ويتجلى مكانه فيه، وهو ما يعبر عنه إنجازه الأسلوبي وتشكيله البنيوي الوظيفي.‏

ومما لاشك فيه أن التعرض لمفهوم الخطاب في الدراسات الأسلوبية سيساعدنا كثيرا على إحصاء الإجراءات التحليلية التي انتهجها أصحاب هذا المنهج في تحليل النصوص الأدبية، لأن تحديدهم للمفهوم هو الذي سيكشف طبيعة التعامل مع الشيء المحدد، ولا نعتقد أن عملية التحليل إجراء مبتور عن أية خلفية نظرية أو تصور سابق، وإلا فإن هذا المنهج غريب عن صفة العلمية التي تقتضي أن يكون التصور سابقا للحكم، كما يقر بذلك المناطقة.‏

3 ـ مفهوم الخطاب في الدراسات الأسلوبية :‏

يعتبر أنطوان مقدسي أن"الخطاب الأدبي جملة علائقية إحالية مكتفية بذاتها حتى تكاد تكون مغلقة، ومعنى كونها علائقية أنها مجموعة حدود لا قوام لكل منها بذاتها، وهي مكتفية بذاتها، أي أنها –مكانا وزمانا وجودا ومقاييس ـ لا تحتاج إلى غيرها فالروابط التي تقيمها مع غيرها تؤلف جملة أخرى وهكذا بلا نهاية…فالخطاب الأدبي بهذا المنظور لا تنطبق عليه الثنائيات التي أربكت الفكر الكلاسيكي كالذات والموضوع، والداخل والخارج، والشرط والمشروط، والصورة والمضمون، والروح والمادة، فهو إذن يؤخذ في حضوره، لذاته وبذاته. "(52)‏

ويقدم عبد السلام المسدي في كتابه " الأسلوبية والأسلوب" عدة تعاريف للخطاب الأدبي، وهي لا تكاد تختلف في جوهرها، فهو يشير ـ مثلا ـ في بعضها إلى انقطاع الوظيفة المرجعية للخطاب، " لأن ما يميز الخطاب الأدبي، هو انقطاع وظيفته المرجعية، لأنه لا يرجعنا إلى شيء، ولا يبلغنا أمرا خارجيا، وإنما هو يبلغ ذاته، وذاته هي المرجع المنقول في الوقت نفسه. ولما كف الخطاب الأدبي، عن أن يقول شيئا عن شيء إثباتا أو نفيا، فإنه غدا هو نفسه قائلا ومقولا، وأصبح الخطاب الأدبي من مقولات الحداثة التي تدك تبويب أرسطو للمقولات مطلقا. "(53)‏

وغير بعيد عن هذا المفهوم يقول نور الدين السد :"إن الخطاب الأدبي يأخذ استقراره بعد إنجازه لغة، ويأخذ انسجامه وفق النظام الذي يضبط كيانه، ويحقق أدبيته بتحقيق انزياحه، ولا يؤتى لـه عدوله عن مألوف القول دون صنعة فنية، وهذا ما يحقق للخطاب الأدبي تأثيره، ويمكنه من إبلاغ رسالته الدلالية، غير أن دلالة الخطاب الأدبي ليست دلالة عارية، يمكن القبض عليها دون عناء، بل الذي يميز الخطاب هو التلميح وعدم التصريح. "(54)‏

وإذا كان الخطاب عند نور الدين السد يقوم على محورين: محور الاستعمال النفعي، ومحور الاستعمال الفني. فإنه في عرف اللسانيين يتجاوز هذا التصنيف الثنائي، حيث أقيم تصنيف توليدي لا يتحدد عددا، وإنما ينحصر نوعا وكيفاً، وأضحى الخطاب الأدبي لا يمثل إلاّ نوعا من الخطابات والتي منها: الخطاب الديني والقضائي، والإشهاري، ومعنى هذا أن كل خطاب يحمل خصوصيات ثابتة تحدد هويته.‏

ويميز الخطاب بما ليس خطابا في عرف اللغويين أحد أمرين: إما أنه يشكل كلا موحدا، وإما أنه مجرد جمل غير مترابطة. وعندما استعار الأسلوبيون هذا التعريف نراهم اشترطوا صفة الاتساق والترابط للتعرف على ما هو خطاب وما ليس خطابا. (55)‏

وتبدو هذه العلاقة في الترسيمة الآتية:‏



ويتضح من الترسيمة المعروضة ـ أعلاه ـ أن الخطاب الأدبي: هو ما توافرت فيه خصائص مميزة؛ كالكلية والاتساق والترابط بين الأجزاء المشكلة له، دون اعتبار شرط الطول والقصر.‏

وتأسيسا على ما سبق فإن الخطاب ليس مرهونا بكم محدد؛ يطول ويقصر بحسب مقتضى الحال، وبحسب المقام، وكما يصدق أن يكون جملة، قد يكون كتابا في عدد من المجلدات، ولنا في روايات الغربيين الكلاسيكيين مثال على ذلك، فالحرب والسلام وآنا كاترينا وسواهما من الخطابات الروائية تقع في عدد من الأجزاء، وهذا يدل على أن الخطاب ليس لـه كم محدد تحديدا صارما. (56)‏

وأما الخطاب عند "سعد مصلوح" فهو رسالة موجهة من المنشئ إلى المتلقي، تستخدم فيها الشفرة اللغوية المشتركة بينهما، ولا يقتضي ذلك أن يكون كلاهما على علم بمجموع الأنماط والعلاقات الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية التي تكون نظام اللغة، أي الشفرة المشتركة، وهذا النظام يلبي متطلبات عملية الاتصال بين آراء الجماعة اللغوية، وتتشكل علاقاته من خلال ممارستهم كافة ألوان النشاط الفردي والاجتماعي في حياتهم. (57)‏

ينتقد نور الدين السد هذا التعريف مشيرا إلى ما يطبعه من نقائص من بينها: أنه تعريف أحادي، ينظر إلى الخطاب كمنتوج لغايات عملية نفعية، تتمحور حول الوظيفة التواصلية. ويلاحظ أن هناك وظائف أخرى للخطاب الأدبي تتجاوز حدود التوصيل، وذلك نظرا لما يميز الخطاب الأدبي من نظام خاص به، ومن تمايزه من غيره من الخطابات، كما أن الاشتراك في معرفة الشفرة لا تؤهل عارفها استجلاء كنه الخطاب، لأن هناك خطابات مستغلقة عن الفهم، وإن كان المتلقي يعرف اللغة التي أنشئت فيها. (58)‏

(1) موريس أبو ناضر، الألسنية والنقد الأدبي، دار النهار، بيروت، 1989، ص. 89‏

(2) المرجع السابق، ص. 10‏

(3) شكري فيصل، مناهج الدراسة الأدبية في الأدب العربي، دار العلم للملايين، بيروت، 1978، ص. 7‏

(4) الألسنية والنقد الأدبي، ص. 10‏

(5) المرجع السابق، ص. 11‏

(6) محمد عبد المطلب، البلاغة والأسلوبية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1985، ص. 7‏

(7) رولان بارت، درس السيميولوجيا، ترجمة: عبد السلام بنعبد العالي، تقديم عبد الفتاح كيليطو، دار توبقال للنشر، ط. 2، الدار البيضاء، 1986ص. 12‏

(8) المرجع السابق، ص. 86‏

(9) ت. تودوروف، رولان بارت، أمبرتو أكسو، مارك أنجينو، في أصول الخطاب النقدي الجديد، ترجمة وتقديم: أحمد المدني، عيون المقالات، الدار البيضاء، ط. 2، 1989، ص. 5 من المقدمة.‏

(10) المرجع السابق، ص. 5‏

(11) المرجع السابق، ص. 6‏

(12) المرجع السابق، ص. 6‏

(13) J. Lyons , Linguistique générale, Tr. François Dubois, Larousse. Paris. 1970. P. 39‏

(14) روجر فاولر، نظرية اللسانيات ودراسة الأدب ، في: مجلة الآداب الأجنبية، العدد:2، بغداد1985، ص. 83‏

(15) المرجع السابق، ص. 92‏

(16) بوريس إيخنباوم، نظرية المنهج الشكلي، في:نظرية المنهج الشكلي ، نصوص الشكلانيين الروس، ترجمة: إبراهيم الخطيب، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، 1982، ص. 3036‏

(17) المرجع السابق، ص. 3031‏

(18) سعيد يقطين، تحليل الخطاب الروائي، الزمن السرد التبئير، المركز الثقافي العربي ، بيروت، 1989، ص. 1626‏

(19) ر. ياكبسون، نحو علم للفن الشعري، في: نظرية المنهج الشكلي، نصوص الشكلانيين الروس، ص. 2627‏

(20) المرجع السابق، ص. 27‏

(21) تودوروف، نظرية المنهج الشكلي، نصوص الشكلانيين الروس، ص. 44‏

(22) موريس أبو ناضر ، الألسنية والنقد الأدبي، ص. 13‏

(23) رابح بوحوش، الخطاب والخطاب الأدبي وثورته اللغوية على ضوء اللسانيات وعلم النص/ مجلة معهد اللغة وآدابها ، جامعة الجزائر، العدد:12، السنة، 1997، ص. 107‏

(24) المرجع السابق، ص. 107‏

(25) F. De SAUSSURE,Cours de linguistique générale, PP. 2126.‏

(26) Ibid. PP. 179185.‏

(27) Ibid. P. 181.‏

(28) رابح بوحوش، الخطاب والخطاب الأدبي. . ، ص. 160.‏

(29) محمد يحي نون، وآخرون، اللسانيات العامة الميسرة، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، [د. ت ]، ص. 86‏

(30) الأسلوبية في النقد العربي الحديث، ص. 211‏

(31) R. BARTHES , Introduction à l'analyse structurale des récits ,In: Communication n°8, Paris,1966,P. 612.‏

(32) Pierre GUIRAUD et Pierre KUENTZ, La stylistique, lecture, Klincksieck, Paris, 1970,P. 15‏

(33) Ibid. P. 13.‏

(34) Ibid. PP. 1415‏

(35) Charles BALLY , Traité de stylistique française, Klincksieck ,(2 vol) Paris, P. 17‏

(36) F. De SAUSSURE, Cours de linguistique générale, Op. Cit. P. 2125‏

(37) عبد السلام المسدي، الأسلوبية والنقد الأدبي، ص. 36‏

(38) C. BALLY, Traité de stylistique française, P. 19‏

(39) Ibid. P. 19‏

(40) C. Bally, Traité de stylistique française, P. 2126‏

(41) Ibid. 1926‏

(42) عبد السلام المسدي ، الأسلوبية والنقد الأدبي، ص. 37‏

(43) المرجع السابق، ص. 37‏

(44) الأسلوبية والنقد الأدبي، مرجع سابق، ص. 37.‏

(45) C. KerbratOrecchioni, La connotation, Presses Universitaires de Lyon,1977,P. 11 .‏

(46) نور الدين السد ، الأسلوبية في النقد الأدبي الحديث، ص. 3638‏

(47) المرجع السابق، ص. 3638‏

(48) منذر عياشي، الخطاب الأدبي والنقد اللغوي الجديد، جريدة البعث رقم:7813، بتاريخ:21. 11. 1988، دمشق، ص. 5‏

(49) M. ADDAM, Linguistique et discours littéraire, P. U. F. Paris, 1970,P. 44‏

(50) بوحوش، الخطاب والخطاب الأدبي ، مرجع سابق، ص. 161‏

(51) المرجع السابق، ص. 162‏

(52) أنطوان مقدسي، الحداثة والأدب ، الموقف الأدبي، عدد: التاسع، جانفي 1975، دمشق ، ص. 225‏

(53) عبد السلام المسدي، الأسلوبية والأسلوب، ص. 116‏

(54) نور الدين السد، الأسلوبية في النقد الأدبي الحديث، ص. 246‏

(55) المرجع السابق، ص. 249.‏

(56) عبد الملك مرتاض ، دراسة سيميائية تفكيكية لقصيدة " أين ليلاي" لمحمد العيد آل خليفة، مرجع سابق، ص. 16‏

(57) سعد مصلوح، الأسلوب، ص. 23‏

(58) نور الدين السد، الأسلوبية في النقد الأدبي الحديث، ص. 252‏


موقع المستخذمhttp://178.238.232.238/~awu/book/06/study06/1-a-s/book06-sd004.htm

hano.jimi
2011-09-25, 13:55
ى البحث في الخطاب الأدبي وصلته بالنقد يستحوذ على اهتمامات دارسي اللغة والأدب منذ بداية القرن العشرين، بفضل ما تقدمه الحقول المعرفية الجديدة كاللسانيات والأسلوبية والسيميولوجية من مصطلحات وأدوات إجرائية، تسهم في مقاربة الأثر الأدبي، بعيدا عن المقولات النقدية التي كانت مستعارة من كل الحقول إلا حقل الأدب.‏

ولذلك ألفينا اليوم تراجعا عن القيم والخصائص الجمالية التي كان يطلقها النقد العربي الكلاسيكي على الخطاب الأدبي من منظور انطباعي سطحي، منذ عرفت مناهج الدراسات اللسانية والأسلوبية والسيميولوجية الانتشار في العالم العربي عن طريق الترجمات.‏

وللوقوف على تطور اتجاهات الخطاب من منظور المناهج النقدية الحديثة، لا بد أن نربط راهن هذا النقد بالخطاب النقدي الكلاسيكي الذي لم يلغ صلته بالبلاغة العربية القديمة، وما آل إليه بعد تراكم المعارف النقدية والعلمية والثقافية التي تربطه بها صلات التأثير والتأثّر، مهدت لظهور خطاب نقدي جديد.‏

1 ـ اتجاه الخطاب النقدي الكلاسيكي وخصائصه:‏

ركزت أكثر مناهج تحليل النصوص الأدبية في النصف الأول من القرن العشرين في الوطن العربي عنايتها على دراسة محيط الخطاب وأسبابه الخارجية، وهي لم تقتصر على تحليل النصوص القديمة فحسب، وإنما كانت تسعى إلى تحليل النصوص الحديثة بالمنهجية الكلاسيكية نفسها، وما ذاك إلا لأن الموروث النقدي عبر مراحله المتعاقبة لم يرق إلى معالجة النص الأدبي معالجة كلية، وبقي في معظمه في حدود اللفظة والتراكيب، وطغت عليه النزعة الانطباعية، ولجأ أصحابه إلى احتذاء نماذج معينة، وأنماط تعبيرية جاهزة، يتخذونها مقاييس نقدية، قليلا ما يرضون بالخروج عنها.‏

ولعل هذا ما جعل الموروث النقدي حبيس معايير لم يستطع التخلص منها إلا في بداية القرن العشرين، وكانت نظرته بعيدة عن احتواء النص كاملا، لأنها (النظرة الكلاسيكية) لم تكن ترى في الأثر الأدبي سوى اللفظ أو الجملة أو الشطر أو الفقرة. وهو أسلوب النقد العربي القديم الذي كان يصدر أحكاما عامة من خلال معاينة الجزء.‏

وعلى الرغم من النتائج التي حققتها هذه الدراسات، والمناهج، في تفسير النصوص الأدبية، وتحليلها في ضوء سياقاتها المختلفة: الاجتماعية والتاريخية والدينية، فإنها لا تخرج عادة على التفسير التعليلي، ومحاولة البحث عن الأصول التي انبثقت عنها النصوص الإبداعية، دون مقاربة النص ذاته، ولذلك عجزت عن تحليل بنيات الأثر الأدبي ودلالاته العميقة، واكتفت في أغلب الأحيان بوصف المظهر النصي السطحي، وملابساته التاريخية والسياسية. (1)‏

ومما لا شك فيه أن صياغة الأثر الأدبي لا تنفصل عن عوامل المحيط كلها أو بعضها، وتطرح الخاصية الأدبية بعنف حين نعزل العوامل الفردية في تحديد العمل الأدبي عن العوامل التي تحدد إطاره الخارجي. (2) وهنا يبدو عجز هذا الاتجاه في مقاربة الخاصية الأدبية، وتفكيك عناصرها الداخلية الدالة على فرادتها، والتي لا تخضع ـ في كل الحالات ـ إلى الظروف الخارجية المحيطة بالعمل الأدبي.‏

وبحثا عن منهج ملائم ظل النقاد الكلاسيكيون يتوسلون بشتى أنواع الآليات في دراسة النص الأدبي، وينتقلون من منهج إلى آخر، وفق مرجعيات معينة، ولكن ـ في أغلب الأحيان ـ انطلاقا من المناهج المعيارية التذوقية، نحو: النظرية المدرسية التي تقسم الأدب العربي إلى عصور، ونظرية الفنون الأدبية، ونظرية خصائص الجنس، والنظرية الإقليمية، والنظرية النفسية، والنظرية الاجتماعية. (3)‏

كما سعت المناهج الخارجية التي اهتمت بدراسة النصوص الأدبية إلى تأسيس نوع من العلاقة السببية أو الحتمية، بين الأثر الأدبي وكاتبه وبيئته، وهي تأمل من ذلك كله الوصول إلى تحديد العلاقة بين الأثر الفني ومحيطه. (4)‏

وهكذا عرف النصف الأول من القرن العشرين نصوصا نقدية تعتبر الأدب صورة عاكسة لإنتاج الفرد، ومن ثم ركزت على سيرة الكاتب ونفسيته. (5) كما ظهرت دراسات للنصوص الإبداعية متأثرة بالعوامل الاقتصادية، والاجتماعية والسياسية. كما حلل بعض النقاد النص الأدبي في ضوء علاقته بالابتكارات الجماعية للعقل البشري، كتاريخ الأفكار واللاهوت، والفنون. (6)‏

ويرجع ظهور المناهج الخارجية في تحليل النصوص الأدبية إلى العوامل والأسباب الآتية:‏

ـ تأثر النقد في تحليل النصوص الأدبية بالعلوم الطبيعية.‏

ـ ظهور تاريخ الأدب الحديث وعلاقته الوثيقة بالحركة الرومانسية التي لم تستطع أن تحطم الرؤية النقدية للكلاسيكية إلا بالحجة القائلة : "إن الأزمنة المختلفة تتطلب مقاييس نقدية مختلفة. "(7)‏

ـ انهيار النظريات الشعرية القديمة، وما رافق ذلك من تحول في الاهتمام بالذوق الفردي للقارئ، حيث أصبح الاعتقاد الراسخ لدى معظم الدارسين أن أساس الفن لا يخضع للعقل، ومن ثم فإن الذوق هو المقياس الوحيد للتقويم، والنقد.‏

ـ تطور الخطاب النقدي في أوربا في الخمسينيات من القرن العشرين بفضل المنهج البنيوي الذي اعتمد على مقاربات ( كلود ليفي ستروس) في تحليل النصوص، انطلاقا من وجود أبنية عقلية لا شعورية عامة، تشترك فيها كل الثقافات الإنسانية، على الرغم مما بينها من اختلاف وتباين، وكانت الوسيلة الوحيدة للكشف عن هذه الأبنية اللاشعورية هي اللغة. (8)‏

وقد تأثرت عدة حقول معرفية بهذا المنهج العلمي، الذي أحدث ثورة في مناهج تحليل الخطاب الأدبي وغير الأدبي.‏

2 ـ اتجاهات الخطاب النقدي الحديث وتطوره في ضوء المناهج الحداثية:‏

تقف اتجاهات الخطاب النقدي الحديث "عند الدوال الشكلية الأساس التي تلعب دور المنتج للنص الأدبي بين الاختبارات اللسانية، والمحددات السيميائية، بما يؤدي إلى وضع الكتابة في إطار الأدبية، ويساعد على استخلاص هذه القيمة بالدرجة الأولى. " (9) كما أنها تنظر إلى النص الأدبي لا كرجع انعكاسي لأدبية خارجية، ولكن كمجال يمتلك دواله القادرة وحدها على ربط العلاقة مع المدلولات، ثم مقدرة هذه الأخيرة انطلاقا من أسس لسانية باتت معروفة، على توظيف وصياغة الدوال. (10)‏

ومن شأن هذه النظرة النقدية الحداثية، تحويل مادة الأدب إلى حقل مستقل، لـه عناصر واقعه الذاتية؛ كاللغة والعلامة والوحدات الصغرى والكبرى، وبرصد هذه العناصر وتفكيكها، وتحديد البنيات التي تؤلف النص وتعيين السنن التي تقوم عليها في علاقاتها وتنظيمها، نكون قد وقفنا على أسباب تراجع الخطاب النقدي الكلاسيكي، لأنه لا يمتلك آليات، وأدوات إجرائية تمكنه من إعادة بناء النص، وتحديد مكوناته عبر تفكيكه. كما تتراجع النزعة التفسيرية القائمة على مبدأ المحاور والموضوعات التيمية، ذات الطبيعة التلقينية "Didactique". (11)‏

يلغي الخطاب النقدي الحديث من مجال اشتغاله كل تشريع مهما كانت طبيعته، ولا يبقي سوى على التشريع الذي يقدر عليه النص بوصفه صناعة كلام، ولكن أيضا بوصفه إنتاجا لخطاب هو خطابه. (12)‏

أ ـ الاتجاه اللساني في تحليل الخطاب الأدبي:‏

عرف مطلع القرن العشرين ثورة على المناهج التي ظهرت في الفترات السابقة، وكان من أهمها تلك التي ألحت على دراسة الأثر الأدبي من الداخل، وركزت على النص أولا، وسبب ذلك هو أن المناهج التي تأسس عليها الخطاب النقدي الكلاسيكي، غدت غير مجدية، لا تجيب عن الأسئلة الكثيرة التي يطرحها النقاد، فكان لا بد من إعادة النظر فيها في ضوء الاكتشافات وتأثير العلوم الحديثة، وخاصة علم اللغة العام أو كما يطلق عليه اللسانيات La Linguistique. (13)‏

ويوضح روجر فاولر (FOWLER R.)في بحثه (نظرية اللسانيات ودراسة الأدب) أن اللغة والأدب شهدا نمو دراسة علمية جديدة في القرن العشرين، بلغت مرحلة من النضج النسبي تجلت في علم اللسانيات، والتي تميز نموها بازدياد مطرد، في عدد البحوث المنشورة، وفي عدد الأشخاص المهتمين بها، فكان أن تبوأ هذا الحقل المعرفي الجديد من الموضوعات مكانته بامتياز بين الدراسات الإنسانية الراسخة. (14)‏

ويكشف البحث اللساني سلسلة الجهود التجريبية على المستوى العالمي، وفي اللغات الأوربية التي اهتمت بتحليل الخطاب، فظهرت مدارس لسانية، نذكر منها:‏

ـ المدرسة السلوكية، ورائدها بلوم فيلد (1887 ـ 1949)‏

ـ المدرسة التوزيعية لهاريس.‏

ـ المدرسة التحويلية والتوليدية ورائدها شو مسكي، وهو عالم لسانيات معاصر، متعدد الاهتمامات، أخضع اللسانيات للمنطق الرياضي والفلسفي، أحدثت كتاباته ثورة في اللسانيات، وتعرف مدرسته بالمدرسة التحويلية التوليدية. (15)‏

وكانت التوجهات اللسانية في تحليل النصوص الأدبية من اهتمامات الشكلانيين الروس (Formalistes Russes ) الذين رفضوا اعتبار الأدب صورة عاكسة لحياة الأدباء، وتصويرا للبيئات والعصور، وصدى للمقاربات الفلسفية، والدينية. ودعوا إلى البحث عن الخصائص التي تجعل من الأثر الأدبي أدبا؛ أي: ما يحصل نتيجة تفاعل البنى الحكائية، والأسلوبية، والإيقاعية في النص. (16)‏

ويثبت تراكم البحوث النقدية اللسانية التأثير الذي مارسه المنهج الشكلاني في دراسة النص الأدبي من الداخل، بحيث مكن النقد الأدبي من الانفصال في تحليل الخطاب الأدبي عن نظريات علم النفس، وعلم الاجتماع، والأيديولوجيات الدينية والسياسية حتى غدا الخطاب النقدي يتمتع باستقلال ذاتي، لأن المادة الأساسية في بناء الأدب هي اللغة، وأما اللسانيات فهي الدراسة العلمية لها، ولمظهرها الحسي الذي يتجلى من خلال الكلام. (17)‏

ومثلما هو الأمر شائع في مجالات التأثير والتأثر بين العلوم والاتجاهات الفكرية والأدبية، فقد استفاد الخطاب النقدي الحديث من الأدوات الإجرائية التي وفرتها مختلف مباحث وأطروحات اللسانيات على صعيد اللفظة، والجملة، وفي فترة حديثة: النص، وتجلى ذلك في ما أكدته الدراسات اللسانية الحديثة من تداخل وترابط بين المستويات (الصوتية، والتركيبية، والدلالية) والتي سعت إلى الكشف عن وظيفة كل مستوى ودلالته منفردا ومجتمعا مع غيره من المستويات على صعيد النص الأدبي. (18)‏

غير أن البحث المتقدم في العلاقات الداخلية التي تحكم الأثر الأدبي، وتحفظ توازنه وانسجامه، لم يكن ليمحو من برنامج البحث المشاكل المعقدة، والمتصلة أساسا بالعلاقة بين الفن الأدبي والقطاعات الثقافية الأخرى، والواقع الاجتماعي والنفسي.‏

ولا حاجة للتأكيد على أن واحدا من أبرز رواد الشكلانية الروسية، وهو: "ر. ياكبسون" قد أشار في مقال، عنوانه: "نحو علم للفن الشعري" أن الاتجاه الجديد للشكلانية في مقاربة الأثر الأدبي والبحث عن أدبيته، لم يحل الإشكال بعد، فما زالت نظريات تحليل النص الأدبي تؤكد ترابط الأدب بغيره من القطاعات الأخرى الثقافية والاجتماعية والفكرية والعقائدية. (19)‏

وفي قراءة تقويمية لحصيلة المدرسة الشكلانية، يميل ياكبسون إلى الاعتقاد أن باحثي هذه المدرسة كثيرا ما كانوا يخلطون بين الشعارات الطامحة، والساذجة أحيانا لمبشريها، والإجراءات النقدية الموجهة نحو النص أساسا. ولذلك نراه يحسم هذا الإشكال عندما يتبين لـه أن كل حركة أدبية أو علمية إنما تحاسب قبل كل شيء اعتمادا على العمل الذي أنتجته، وليس من خلال بلاغة بياناتها. (20)‏

وإذا كان الشكلانيون الروس قد فرضوا منهجهم في تحليل النصوص الأدبية ابتداء من النصف الأول من القرن العشرين، فإن التفكير في تلك الفترة كان قد تجاوز النظرية التي كانت تهتم بقضايا المضمون والمعنى انطلاقا من الصورة باعتبارها قوة ملازمة للأدب، وأصبح مفهوم الشكل منذئذ يعرف رواجا وامتزج شيئا فشيئا بمفهوم الأدب، ومفهوم الواقعية الأدبية. (21)‏

وتأسيسا على ما قدمنا، فإن ما أحدثته اللسانيات وما تفرع عنها من مناهج نقدية في تحليل الخطاب الأدبي تركت آثارا واضحة في مسار النقد الأدبي واتجاهاته.‏

ويلاحظ موريس أبو ناضر أن الفرق واضح بين الخطاب النقدي الكلاسيكي، والخطاب النقدي الحديث، لأن بؤرة التفكير آلت إلى التركيز على آليات وحدة هذا النسق البنياني أو ذاك من خلال مواد مختلفة. (22)‏

غير أن كثرة الأبحاث ورواج المفاهيم، وحيرة المختص والمبتدئ على حد سواء أمام هذا الركام المعرفي، شكلت تداخلا في المفاهيم والمصطلحات، أشار إلى جانب منها رابح بوحوش في مقاله الموسوم بـ: "الخطاب والخطاب الأدبي وثورته اللغوية على ضوء اللسانيات وعلم النص"، حيث حدد الانتهاكات التي تحدث في التعامل مع المصطلحات الحديثة التي وفرتها علوم اللغة والأسلوبيات، والمناهج اللغوية والأدبية المعاصرة، ويبرز ذلك في مصطلحات مركزية تداخلت فيها المفاهيم، وحادت استخداماتها عن الصواب، منها: اللسانيات، الأسلوبيات، الخطاب، والنص. فهو يلاحظ مثلا أن مصطلح اللسانيات، وهو العلم الصارم الذي يدرس اللغة دراسة مخبرية، ما هو في الواقع سوى دراسة اللغة في مستوياتها النحوية والصرفية والعروضية. (23)‏

وأما مصطلح الأسلوبية فيوحي استخدامه باصطناع منهجية صارمة في دراسة الظاهرة الأدبية، وعدم خضوع النص الأدبي عموما، والخطاب خصوصا للأحكام المعيارية والذوقية، ويهدف إلى دراسة الظاهرة الأسلوبية دراسة علمية، واقتحام عالم الذوق، وكشف سر ضروب الانفعال التي يخلقها الأثر الأدبي في متلقيه.. غير أن القصد لا يعدو أن يكون سوى بلاغة، أو دراسة للأسلوب الفردي. (24)‏

إن ما قدمه رابح بوحوش في هذا الطرح ظل حبيس التخمين والتصور، فلا نكاد نعثر في تحليله على أية إشارة أو إحالة أو دراسة انحرفت عن المفاهيم الصحيحة، أو على الأقل التي يراها هو كذلك، ثم إنه لم يعلل مسألة ذكرها في صدر مقاله والمتعلقة بالخطر الذي تمثله الأبحاث الكثيرة في الموضوع نتيجة التراكم الكبير للمفاهيم، وسوء استخدامها أحيانا، ونراه اكتفى في هذا الصدد بالإشارة إلى الظاهرة دون عناء مناقشتها، وما يفترض أن تكون فيها من إيجابيات أو سلبيات.‏

ومما لاشك فيه أن كثرة الدراسات، وتعدد المفاهيم يغني الحقول المعرفية التي تساهم في توسيع دائرة البحث وتعدد الاختصاصات التي يمكن أن تشتق منها، وهذا ما يلاحظ في العلوم كلها التي استرعت اهتمام الدارسين، إذ توسع مجال اشتغالها، وعرفت مطردا، ورقيا بارزا.‏

إن ما يؤكد صلة النقد الأدبي باللسانيات هو أن النص الأدبي في جوهره وحدة متكاملة، تتضافر فيها عدة عناصر صوتية وصرفية ومفرداتية وتركيبية ودلالية، وهي الوحدات التي تشمل أي نص. ومن ثم فإن أي دراسة أدبية يفترض فيها أن تقف على الجزئيات المكونة للنص، والمتدرجة من أصغرها وهي اللفظ إلى أكبرها وهي الخطاب أو النص.‏

وما يلاحظ اليوم هو أن التوجهات الحديثة والمعاصرة لخطاب النقد الأدبي أصبحت تستخدم المنهج التكاملي الذي يستعير مجموعة من النظريات المتباينة من العلوم المختلفة، ولكن السمة البارزة لتلك التوجهات تبدو لسانية وأسلوبية أكثر من غيرهما، وقد تجلى هذا المظهر ابتداء من الخمسينيات من القرن العشرين في أعمال كثير من الباحثين، مثل دي سوسير الذي اعتبر اللغة نظاما من الإشارات التي تعبر عن الأفكار، وقوض بذلك أصول الدرس التقليدي للغة الذي كان يرى فيها وسيلة تعبير عن الأشياء. (25)‏

ومن أجل استقراء الظاهرة اللغوية لجأ دي سوسير إلى اشتقاق بضع ثنائيات، عُدت مرتكزات أساسية في البحث اللغوي الحديث، وأهمها: اللغة /الكلام، التزامن/التعاقب، الدال/المدلول، وعلاقات التتابع. (26)‏

وكان اهتمام دي سوسير في معالجته لمكونات العملية الكلامية باللغة دون الكلام، لأن الكلام في رأيه فعل فردي لا يمثل سوى بداية اللسان أو الجزء الفيزيائي، وهو مستوى خارج الواقعة الاجتماعية. (27) غير أنّ أتباع دي سوسير أولوا عناية خاصة للكلام باعتباره فعلا فرديا، وقد كان ذلك بدءاً من شارل بالي، فياكبسون، ثم تشومسكي إلى رولان بارت وغيرهم. الأمر الذي جعل النظرة إلى مفهوميْ:اللغة والكلام تتغيّر، وطبعت النظرة الجديدة باتجاهات مختلفة، بحيث تحول الثنائي (اللغة ـ الكلام) إلى (الجهاز ـ النص) عند يمسليف، و (الطاقة ـ الإنجاز) عند نوام شومسكي، و (السنن ـ الرسالة) عند ياكبسون، و (اللغة ـ الخطاب) ق. غيوم، و (اللغة ـ الأسلوب) عند رولان بارت. (28)‏

واتضح فيما بعد أن ما كان هامشيا عند دي سوسير تحوّل إلى موضوع رئيسي عند المتأخرين، وأضحى الكلام (Parole) نصّاً أو إنجازاً، أو رسالةً، أو خطاباً في الدراسات الأسلوبية.‏

كما طور هاريس المنهج التوزيعي من خلال البحث عن العلاقات بين الوحدات اللسانية، ونوام شومسكي رائد المنهج التوليدي التحويلي الذي ميز بين الكفاية اللغوية والأداء اللغوي. (29)‏

ب ـ الاتجاه الأسلوبي في تحليل الخطاب الأدبي:‏

تهتم الأسلوبية بدراسة الخطاب الأدبي باعتباره بناء على غير مثال مسبق، وهي لذلك تبحث في كيفية تشكيله حتى يصير خطابا لـه خصوصيته الأدبية والجمالية. فالخطاب الأدبي مفارق لمألوف القول، ومخالف للعادة، وبخروجه هذا يكتسب أدبيته، ويحقق خصوصيته.‏

فاختلاف الخطاب الأدبي عن صنوف "الأخطاب" الأخرى يكون بما يركبه فيه صاحبه من خصائص أسلوبية، تفعل في المتلقي فعلا يقرره الكاتب مسبقا ويحمله عليه، مستخدما ما تقتضيه الكتابة من وسائل تختلف عن مقتضيات المشافهة، ولذلك كان ريفاتير يرى أن الخطاب الأدبي لا يرقى إلى حكم الأدب إلا إذا كان كالطود الشامخ والمعلم الأثري المنيف يشد انتباهنا شكله، ويسلب لبنا هيكله. (30)‏

كما يعرف "مانقينو " الخطاب الأدبي، ويشير إلى تعدد دلالاته: فالخطاب عنده مرادف للكلام لدى دي سوسير، وهو المعنى الجاري في اللسانيات البنيوية، ولذلك يعتبره ملفوظا طويلا أو متتالية من الجمل تكون مجموعة منغلقة يمكن من خلالها معاينة بنية سلسلة العناصر بواسطة المنهجية التوزيعية. ويقيم في النهاية معارضة بين اللسان والخطاب ؛ فاللسان ينظر إليه ككل منته وثابت العناصر نسبيا، أما الخطاب فهو مفهوم باعتباره المآل الذي تمارس فيه الإنتاجية، وهذا المآل هو" الطابع السياقي" غير المتوقع الذي يحدد قيما جديدة لوحدات اللسان، فتعدد دلالات وحدة معجمية هو أثر للخطاب الذي يتحول باستمرار إلى أثر للسان يصبح الخطاب فيه خاصا بالاستعمال والمعنى مع زيادة مقام الواصل وخاصية الإنتاج والدلالية. (31)‏

لقد أحدث ظهور الأسلوبية في حقل العلوم الإنسانية واللسانية مشكلا قبل أن تتحول ـ الأسلوبية ـ إلى منهج نقدي لمقاربة الأثر الأدبي، فرضته التطورات والاكتشافات العلمية والثقافية والأدبية في القرن العشرين. ذلك أن مصطلح الأسلوبية استخدم في بداية القرن الماضي للدلالة على الحدود الموجودة بين الأدب واللسانيات، وهو المجال الذي كانت تحتله البلاغة القديمة، وبقي شاغرا بعد انحلالها"Effondrement "مما نتج عنه طرح عدة قضايا نقدية، اتجه بعضها إلى التشكيك أصلا في مدى جدوى هذا الحقل المعرفي الجديد. (32)‏

إن انشطار الأسلوبية بين المجالين: الأدبي واللسانيات، بقدر ما كان يمثل إشكالا عند طرحه، بقدر ما حفّز الدارسين على استجلاء خفايا هذا الحقل، وكشف أسرار النص الأدبي الذي ظل معناه العميق مجهولا، لم تستطع المقاربات النقدية، والبحوث البلاغية القديمة استكناه جوهره، ومعرفة السر الذي يحكم بناءه اللغوي، وعناصره الدلالية الأخرى، والوصول إلى معرفة ما يميز كل أسلوب، والبحث عما يربطه بالكتابات المعاصرة لـه والسابقة عليه أو اللاحقة به، وهو الأمر الذي دفع ببعض الباحثين إلى المطالبة بضرورة إلحاق الأسلوبية بمختلف توجهاتها وفروعها بأحد المجالين: الأدب أو اللسانيات. (33)‏

غير أن هذا الحل لم يكن يعبّر عن طموح البحث الأسلوبي الذي لقي رواجا كبيرا بفضل ما ألف فيه من بحوث أكاديمية، قدمت للقراء رصيدا معرفيا كبيرا. وظهر بعد شارل بالي اتجاه نقدي جديد يدعو إلى ضرورة فصل الأسلوبية عن المجال الأدبي واللسانيات لغرض فسح المجال لها لتحقيق ذاتها واستقلالها. (34)‏

ونظرا لارتباط هذا المنهج بـ"شارل بالي"، فإنه يستحسن أن نعرف ما يصله بأستاذه دي سوسير، في رؤيته للغة، وقضايا اللسانيات بصفة عامة.‏

يعتبر "شارل بالي" اللغة نظاما من الرموز التعبيرية تؤدي محتوى فكريا تمتزج فيه العناصر العقلية والعناصر العاطفية، فتصبح حدثا اجتماعيا محضا. كما أن اللغة تكشف في كل مظاهرها وجها فكريا ووجها وجدانيا ويتفاوت الوجهان كثافة بحسب ما للمتكلم من استعداد فطري، وبحسب وسطه الاجتماعي، والحالة النفسية التي يكون عليها. (35)‏

والملاحظ أن هذا التعريف للغة لا يختلف كثيرا عن التعريف الذي جاء به دي سوسير حيث يعتبر اللغة منظومة من العلامات. (36) ولعل هذا من بين ما دفع إلى القول: إن أسلوبية شارل بالي امتداد لمجال اللسانيات التي بحثها دي سوسير في مؤلفه الشهير"Cours de linguistique générale " (دروس في اللسانيات العامة).‏

ولما كانت اللغة تعكس السمات الفكرية للمجتمع، لا سيما اللغة اليومية فإن (ش. بالي) كان يرى أنه لا ُيبحث عن هذه الأفكار في النصوص الأدبية القديمة، أو في اللغة العالمة، "لأن الكلام يترجم أفكار الإنسان ومشاعره، ولكنه يبقى حديثا اجتماعيا، فاللغة ليست منظومة من العلامات تحدد موقف الفرد من المجتمع فحسب، بل هي تحمل أثر الجهد الذي يكابده ليتلاءم اجتماعيا وبقية أفراد المجتمع. "(37) كما يؤكد في مؤلفه:‏

(Traité de Stylistique قضايا أسلوبية) أن تعبير الإنسان يتأرجح في مضمونه بين مدارين: مدار العاطفة الذاتية، ومدار الإحساس الاجتماعي، وهما عنصران متصارعان دوما يتوق كل عنصر إلى شحن الفكرة المعبر عنها، فيؤول الأمر إلى ضرب من التوازن غير المستقر. (38)‏

وينتهي الباحث ش. بالي في آخر حياته إلى تأكيد سلطان العاطفة في اللغة وأثرها البارز في التأثير على المتلقي وتراجع سلطان العقل إلى المستويات الخلفية، معللا ذلك بأن الإنسان في جوهره كائن عاطفي قبل كل شيء واللغة الكاشفة عن جوهر هذا الإنسان هي لغة التخاطب بتعبيراته المألوفة. (39)‏

والمتتبع لتعريف الأسلوب والأسلوبية لشارل بالي يلاحظ أنه يبعد "الخطاب الأدبي" من مجال الأسلوبية، إذ يعتبره خطابا ناتجا عن وعي وقصدية من قبل المؤلف، يفضي إلى اصطناع وتحوير لا يعبران عن طبيعة اللغة وعلاقتها بمستخدمها، ولذلك كانت لغة التخاطب اليومي هي العينة التي يصلح التعامل معها لاستخلاص حقائق موضوعية، بعيدا عن كل تأمل معقد. (40)‏

1 ـ الأسلوبية والنقد الأدبي من منظور شارل بالي:‏

يعتقد شارل بالي أن على الأسلوبية أن تشن حربا ضد المناهج القديمة في الدراسات النقدية واللغوية، حتى تزيل كل عمل آلي في دراسة الظواهر اللغوية والنصوص الأدبية انطلاقا من التحليل التاريخي، ويؤكد أن دراسة اللغة لا تقتصر على ملاحظة العلاقات القائمة بين الرموز اللسانية فقط، وإنما هي اكتشاف العلاقات الجامعة بين التفكير والتعبير، لذلك لا يمكن إدراك هذه الروابط إلا بالنظر في الفكرة وفي التعبير معا. (41)‏

ويستخلص مما سبق أننا لا نستطيع إبراز ما نفكر فيه أو ما نحس به إلا بواسطة أدوات تعبيرية يفهمها عنا الآخرون، وقد تكون الأفكار ذاتية لكن الرموز المستعملة في أدائها تبقى مشتركة بين مجموعة بشرية معينة. (42) لذلك فإن الأسلوبية تدرس ظواهر التعبير، وتأثيرها على المتلقي، فكل فكرة تتجسد كلاما؛ إنما تحل فيه من خلال وضع عاطفي، سواء كان ذلك من منظور من يبثها، أو من منظور من يتلقاها، فكلاهما ينزلها منزلا ذاتيا. (43)‏

فالعمل الأسلوبي في نظر بالي ينبغي أن يركز على تتبع الشحنات العاطفية في الكلام بثًّا واستقبالا، وعلى هذا الأساس يكون من الأجدى البحث عن الوسائل التعبيرية الحاملة لهذه الشحنات الوجدانية ودراسة خصائص أدائها.‏

وتقوم الأسلوبية كمنهاج في تحليل النص الأدبي عند بالي على مقاربتين:‏

المقاربة الأولى:مقاربة نفسية تبحث في ظروف البث النفسية، وظروف الاستقبال.‏

أما الثانية، فمقاربة لسانية لغوية بحتة، تدرس الجانب اللغوي للتعبير عن الفكرة وتلغي كلية الجانب الذهني، وتبعده من مجال درسها وبحثها. (44)‏

2 ـ الأسلوبية وتحليل الخطاب الأدبي:‏

استفادت الدراسات الأسلوبية من إنجازات اللسانيين سواء على مستوى المناهج أو على مستوى الرصيد المصطلحاتي وتجلى معظم ذلك في الأبحاث الأسلوبية. وإذا كانت اللسانيات تحدد موضوعها انطلاقا من الجملة باعتبارها أكبر وحدة قابلة للوصف اللساني، وهو الحد الذي اتفق حوله أغلب الدارسين في اللسانيات، فإن موضوع الأسلوبية هو الخطاب الأدبي، وإن كان الخطاب يتضمن الجمل ووحدات أخرى يطالها الدرس الأسلوبي بالضرورة.‏

لذلك ألفينا بعض الأسلوبيين يؤكدون أن النص مزيج من الخطاب والنظام، أو مزيج من الخاص والعام، والخطاب هو الخاص، والنظام اللغوي هو العام، والنص في مجمله يقوم على ركيزتين أساسيتين تكونانه من الداخل، وهما:‏

أ ـ المعنى الاصطلاحي (Dénotation ):‏

عناصره لغوية، وأشكاله الصغرى لم يطرأ عليها تغيير دلالي، فهي مازالت تحتفظ بمعناها المعجمي ولا تعترف بالتغيرات اللسانية سلبا أو إيجابا.‏

ب ـ المعنى الإيحائي (Connotation):‏

عناصره الشكلية تحمل دلالات(45) متعارف عليها في مجموعة لسانية مهنية معينة، ويمكن أن يطلق على هذا المعنى "المعنى المجازي"، بينما يطلق على المعنى الأول "المعنى الحقيقي" للأشكال اللغوية. (46)‏

وبصفة عامة، فإن النص ينقلب في الآخر إلى ثنائية بين الشكل والمضمون، أو كما عبر عنها "يمسليف" (بثنائية رباعية)، حيث إن كل تعبير لـه شكل وجوهر، وعلى العالم اللغوي الأسلوبي أن يعرف هذه القضايا حتى تتأتى لـه إمكانية التحليل العلمي للأساليب. (47)‏

وقد أدرك منذر عياشي فضل هذا الاتجاه في مقاربة الأثر الأدبي، فقال: " إن الدارس المهتم بالخطاب الأدبي ولسانيات النص يدرك أن لهذا الاتجاه فضلا في بناء نظام نقدي ومعرفي لم تعرف الإنسانية مثيلا لـه إلا في أيامنا هذه على يد نقاد زاوجوا بين الدرس اللساني والأدبي، أمثال جاكبسون، غريماس، رولان بارث، تودوروف وغيرهم. "(48)‏

ولعل أهمية هذا الاتجاه تبدو أيضا في نظرة الأسلوبية للخطاب الأدبي، فهي تعتبره إنجازا لغويا يقوم من خلفه نظام حضاري، لأن الصلة بينهما هي الاشتراك في اللغة، ولذلك كان النقد الأسلوبي ينظر إلى موضوعه على أنه فكر دون إحالة النص على غير ذاته لتحديد معناه، وهذا ما يؤكده ميشال آدم‏

(Adam M.) في قولـه: " إن النقد اللغوي الجديد لا يهدف إلى تفضيل الشكل على المعنى، ولكنه يهدف إلى اعتبار المعنى شكلا. "(49)‏

وتعنى الأسلوبية بالمتغيرات اللسانية إزاء المعيار البلاغي، ولعل هذا ما جعل النقاد يضعون البلاغة في مواجهة القواعد، والقواعد هي اللغة عند اللسانيين المحدثين، يسمها بعضهم بالجمود والماضوية والسلطوية، لأنها تفرض سلطتها وهيمنتها بموجب النظام اللغوي الذي يسلط على المستخدم، فلا يدع لـه مجالا من الحرية والانعتاق من القواعد الصارمة. أما المتغيرات اللسانية، فهي الفوضى والحرية والتمرد على تلك السلطة وقوانينها، وهذا ما أكدته البحوث اللسانية لدى دراستها لمصطلح "الكلام". (50) أما الخطاب الأدبي فهو العلامة على انعدام السلطة، لأنه يحمل في طياته قوة الانفلات اللانهائي من الكلام الإيقاعي حتى ولو أراد هذا الكلام أن يعيد بناء ذاته. (51)‏

كما تركز الأسلوبية في تحليلها للخطاب على النص بذاته بمعزل عن المؤثرات الخارجية مهما كانت طبيعتها، والخطاب بهذا المعنى يصبح اختراقا لعنصري الزمان والمكان، فهو يحمل زمانه في ذاته، ويتجلى مكانه فيه، وهو ما يعبر عنه إنجازه الأسلوبي وتشكيله البنيوي الوظيفي.‏

ومما لاشك فيه أن التعرض لمفهوم الخطاب في الدراسات الأسلوبية سيساعدنا كثيرا على إحصاء الإجراءات التحليلية التي انتهجها أصحاب هذا المنهج في تحليل النصوص الأدبية، لأن تحديدهم للمفهوم هو الذي سيكشف طبيعة التعامل مع الشيء المحدد، ولا نعتقد أن عملية التحليل إجراء مبتور عن أية خلفية نظرية أو تصور سابق، وإلا فإن هذا المنهج غريب عن صفة العلمية التي تقتضي أن يكون التصور سابقا للحكم، كما يقر بذلك المناطقة.‏

3 ـ مفهوم الخطاب في الدراسات الأسلوبية :‏

يعتبر أنطوان مقدسي أن"الخطاب الأدبي جملة علائقية إحالية مكتفية بذاتها حتى تكاد تكون مغلقة، ومعنى كونها علائقية أنها مجموعة حدود لا قوام لكل منها بذاتها، وهي مكتفية بذاتها، أي أنها –مكانا وزمانا وجودا ومقاييس ـ لا تحتاج إلى غيرها فالروابط التي تقيمها مع غيرها تؤلف جملة أخرى وهكذا بلا نهاية…فالخطاب الأدبي بهذا المنظور لا تنطبق عليه الثنائيات التي أربكت الفكر الكلاسيكي كالذات والموضوع، والداخل والخارج، والشرط والمشروط، والصورة والمضمون، والروح والمادة، فهو إذن يؤخذ في حضوره، لذاته وبذاته. "(52)‏

ويقدم عبد السلام المسدي في كتابه " الأسلوبية والأسلوب" عدة تعاريف للخطاب الأدبي، وهي لا تكاد تختلف في جوهرها، فهو يشير ـ مثلا ـ في بعضها إلى انقطاع الوظيفة المرجعية للخطاب، " لأن ما يميز الخطاب الأدبي، هو انقطاع وظيفته المرجعية، لأنه لا يرجعنا إلى شيء، ولا يبلغنا أمرا خارجيا، وإنما هو يبلغ ذاته، وذاته هي المرجع المنقول في الوقت نفسه. ولما كف الخطاب الأدبي، عن أن يقول شيئا عن شيء إثباتا أو نفيا، فإنه غدا هو نفسه قائلا ومقولا، وأصبح الخطاب الأدبي من مقولات الحداثة التي تدك تبويب أرسطو للمقولات مطلقا. "(53)‏

وغير بعيد عن هذا المفهوم يقول نور الدين السد :"إن الخطاب الأدبي يأخذ استقراره بعد إنجازه لغة، ويأخذ انسجامه وفق النظام الذي يضبط كيانه، ويحقق أدبيته بتحقيق انزياحه، ولا يؤتى لـه عدوله عن مألوف القول دون صنعة فنية، وهذا ما يحقق للخطاب الأدبي تأثيره، ويمكنه من إبلاغ رسالته الدلالية، غير أن دلالة الخطاب الأدبي ليست دلالة عارية، يمكن القبض عليها دون عناء، بل الذي يميز الخطاب هو التلميح وعدم التصريح. "(54)‏

وإذا كان الخطاب عند نور الدين السد يقوم على محورين: محور الاستعمال النفعي، ومحور الاستعمال الفني. فإنه في عرف اللسانيين يتجاوز هذا التصنيف الثنائي، حيث أقيم تصنيف توليدي لا يتحدد عددا، وإنما ينحصر نوعا وكيفاً، وأضحى الخطاب الأدبي لا يمثل إلاّ نوعا من الخطابات والتي منها: الخطاب الديني والقضائي، والإشهاري، ومعنى هذا أن كل خطاب يحمل خصوصيات ثابتة تحدد هويته.‏

ويميز الخطاب بما ليس خطابا في عرف اللغويين أحد أمرين: إما أنه يشكل كلا موحدا، وإما أنه مجرد جمل غير مترابطة. وعندما استعار الأسلوبيون هذا التعريف نراهم اشترطوا صفة الاتساق والترابط للتعرف على ما هو خطاب وما ليس خطابا. (55)‏

وتبدو هذه العلاقة في الترسيمة الآتية:‏



ويتضح من الترسيمة المعروضة ـ أعلاه ـ أن الخطاب الأدبي: هو ما توافرت فيه خصائص مميزة؛ كالكلية والاتساق والترابط بين الأجزاء المشكلة له، دون اعتبار شرط الطول والقصر.‏

وتأسيسا على ما سبق فإن الخطاب ليس مرهونا بكم محدد؛ يطول ويقصر بحسب مقتضى الحال، وبحسب المقام، وكما يصدق أن يكون جملة، قد يكون كتابا في عدد من المجلدات، ولنا في روايات الغربيين الكلاسيكيين مثال على ذلك، فالحرب والسلام وآنا كاترينا وسواهما من الخطابات الروائية تقع في عدد من الأجزاء، وهذا يدل على أن الخطاب ليس لـه كم محدد تحديدا صارما. (56)‏

وأما الخطاب عند "سعد مصلوح" فهو رسالة موجهة من المنشئ إلى المتلقي، تستخدم فيها الشفرة اللغوية المشتركة بينهما، ولا يقتضي ذلك أن يكون كلاهما على علم بمجموع الأنماط والعلاقات الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية التي تكون نظام اللغة، أي الشفرة المشتركة، وهذا النظام يلبي متطلبات عملية الاتصال بين آراء الجماعة اللغوية، وتتشكل علاقاته من خلال ممارستهم كافة ألوان النشاط الفردي والاجتماعي في حياتهم. (57)‏

ينتقد نور الدين السد هذا التعريف مشيرا إلى ما يطبعه من نقائص من بينها: أنه تعريف أحادي، ينظر إلى الخطاب كمنتوج لغايات عملية نفعية، تتمحور حول الوظيفة التواصلية. ويلاحظ أن هناك وظائف أخرى للخطاب الأدبي تتجاوز حدود التوصيل، وذلك نظرا لما يميز الخطاب الأدبي من نظام خاص به، ومن تمايزه من غيره من الخطابات، كما أن الاشتراك في معرفة الشفرة لا تؤهل عارفها استجلاء كنه الخطاب، لأن هناك خطابات مستغلقة عن الفهم، وإن كان المتلقي يعرف اللغة التي أنشئت فيها. (58)‏

(1) موريس أبو ناضر، الألسنية والنقد الأدبي، دار النهار، بيروت، 1989، ص. 89‏

(2) المرجع السابق، ص. 10‏

(3) شكري فيصل، مناهج الدراسة الأدبية في الأدب العربي، دار العلم للملايين، بيروت، 1978، ص. 7‏

(4) الألسنية والنقد الأدبي، ص. 10‏

(5) المرجع السابق، ص. 11‏

(6) محمد عبد المطلب، البلاغة والأسلوبية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1985، ص. 7‏

(7) رولان بارت، درس السيميولوجيا، ترجمة: عبد السلام بنعبد العالي، تقديم عبد الفتاح كيليطو، دار توبقال للنشر، ط. 2، الدار البيضاء، 1986ص. 12‏

(8) المرجع السابق، ص. 86‏

(9) ت. تودوروف، رولان بارت، أمبرتو أكسو، مارك أنجينو، في أصول الخطاب النقدي الجديد، ترجمة وتقديم: أحمد المدني، عيون المقالات، الدار البيضاء، ط. 2، 1989، ص. 5 من المقدمة.‏

(10) المرجع السابق، ص. 5‏

(11) المرجع السابق، ص. 6‏

(12) المرجع السابق، ص. 6‏

(13) J. Lyons , Linguistique générale, Tr. François Dubois, Larousse. Paris. 1970. P. 39‏

(14) روجر فاولر، نظرية اللسانيات ودراسة الأدب ، في: مجلة الآداب الأجنبية، العدد:2، بغداد1985، ص. 83‏

(15) المرجع السابق، ص. 92‏

(16) بوريس إيخنباوم، نظرية المنهج الشكلي، في:نظرية المنهج الشكلي ، نصوص الشكلانيين الروس، ترجمة: إبراهيم الخطيب، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، 1982، ص. 3036‏

(17) المرجع السابق، ص. 3031‏

(18) سعيد يقطين، تحليل الخطاب الروائي، الزمن السرد التبئير، المركز الثقافي العربي ، بيروت، 1989، ص. 1626‏

(19) ر. ياكبسون، نحو علم للفن الشعري، في: نظرية المنهج الشكلي، نصوص الشكلانيين الروس، ص. 2627‏

(20) المرجع السابق، ص. 27‏

(21) تودوروف، نظرية المنهج الشكلي، نصوص الشكلانيين الروس، ص. 44‏

(22) موريس أبو ناضر ، الألسنية والنقد الأدبي، ص. 13‏

(23) رابح بوحوش، الخطاب والخطاب الأدبي وثورته اللغوية على ضوء اللسانيات وعلم النص/ مجلة معهد اللغة وآدابها ، جامعة الجزائر، العدد:12، السنة، 1997، ص. 107‏

(24) المرجع السابق، ص. 107‏

(25) F. De SAUSSURE,Cours de linguistique générale, PP. 2126.‏

(26) Ibid. PP. 179185.‏

(27) Ibid. P. 181.‏

(28) رابح بوحوش، الخطاب والخطاب الأدبي. . ، ص. 160.‏

(29) محمد يحي نون، وآخرون، اللسانيات العامة الميسرة، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، [د. ت ]، ص. 86‏

(30) الأسلوبية في النقد العربي الحديث، ص. 211‏

(31) R. BARTHES , Introduction à l'analyse structurale des récits ,In: Communication n°8, Paris,1966,P. 612.‏

(32) Pierre GUIRAUD et Pierre KUENTZ, La stylistique, lecture, Klincksieck, Paris, 1970,P. 15‏

(33) Ibid. P. 13.‏

(34) Ibid. PP. 1415‏

(35) Charles BALLY , Traité de stylistique française, Klincksieck ,(2 vol) Paris, P. 17‏

(36) F. De SAUSSURE, Cours de linguistique générale, Op. Cit. P. 2125‏

(37) عبد السلام المسدي، الأسلوبية والنقد الأدبي، ص. 36‏

(38) C. BALLY, Traité de stylistique française, P. 19‏

(39) Ibid. P. 19‏

(40) C. Bally, Traité de stylistique française, P. 2126‏

(41) Ibid. 1926‏

(42) عبد السلام المسدي ، الأسلوبية والنقد الأدبي، ص. 37‏

(43) المرجع السابق، ص. 37‏

(44) الأسلوبية والنقد الأدبي، مرجع سابق، ص. 37.‏

(45) C. KerbratOrecchioni, La connotation, Presses Universitaires de Lyon,1977,P. 11 .‏

(46) نور الدين السد ، الأسلوبية في النقد الأدبي الحديث، ص. 3638‏

(47) المرجع السابق، ص. 3638‏

(48) منذر عياشي، الخطاب الأدبي والنقد اللغوي الجديد، جريدة البعث رقم:7813، بتاريخ:21. 11. 1988، دمشق، ص. 5‏

(49) M. ADDAM, Linguistique et discours littéraire, P. U. F. Paris, 1970,P. 44‏

(50) بوحوش، الخطاب والخطاب الأدبي ، مرجع سابق، ص. 161‏

(51) المرجع السابق، ص. 162‏

(52) أنطوان مقدسي، الحداثة والأدب ، الموقف الأدبي، عدد: التاسع، جانفي 1975، دمشق ، ص. 225‏

(53) عبد السلام المسدي، الأسلوبية والأسلوب، ص. 116‏

(54) نور الدين السد، الأسلوبية في النقد الأدبي الحديث، ص. 246‏

(55) المرجع السابق، ص. 249.‏

(56) عبد الملك مرتاض ، دراسة سيميائية تفكيكية لقصيدة " أين ليلاي" لمحمد العيد آل خليفة، مرجع سابق، ص. 16‏

(57) سعد مصلوح، الأسلوب، ص. 23‏

(58) نور الدين السد، الأسلوبية في النقد الأدبي الحديث، ص. 252‏


موقع المستخذمhttp://178.238.232.238/~awu/book/06/study06/1-a-s/book06-sd004.htm

hano.jimi
2011-09-25, 20:57
اريد مراجع في علم النفس و خاصة في موضوعي تصميم الذات و في موضوع صعوبات التعلم عند الأطفال



ماهي صعوبات التعل

الرئيسية

مواصفات اختيار مربية الاطفال
ماهي صعوبات التعلم
انواع(انماط)صعوبة التعلم

ما الفرق بين صعوبات التعلم ، بطيئو التعلم ، المتأخرون دراسياً ؟

المظاهر العامة لذوي الصعوبات التعلميّة





الرئيسية

مواصفات اختيار مربية الاطفال
ماهي صعوبات التعلم
انواع(انماط)صعوبة التعلم

ما الفرق بين صعوبات التعلم ، بطيئو التعلم ، المتأخرون دراسياً ؟

المظاهر العامة لذوي الصعوبات التعلميّة

كيف التعرف على من لدية صعوبات تعلم

DYSLEXIA
الديسلكسيا
طريقتي في معاملة التلاميذ الذين يعانون من الديسلكسيا( صعوبة القراءة )

الاسلوب الأمثل لمواجهة صعوبات التعلم لدي الاطفال
اضطراب القراءة النمائي

أساليب لتنمية مهارات القراءة ( المطالعة)

تطوير مهارات التصور في عملية التهجئة

مقترحات علاجية للضعف القرائي والكتابي

اضطراب مهارة الحساب النمائي
بعض الاستراتيجيات المستخدمة في جدول الضرب

القصور التعليمي و الفشل المدرسي

اللعب يحقق للطفل توازنه النفسي

التعلم باللعب

اللعب والنمو التطوري للطفل

طريقة تمثيل الأدوار Role .playing method

كيفية اختيار لعبة الطفل
كيف تقوي ذاكرتك

تنـمـية الذكاء عند الأطفال
للمختصين فقط

الاسلوب الأمثل لمواجهة صعوبات التعلم لدي الاطفال


إدراك الوالدين للصعوبات أو المشكلات التي تواجه الطفل منذ ولادته من الأهمية حيث يمكن علاجها والتقليل من الآثار السلبية الناتجة عنها‏.‏
وصعوبات التعلم لدي الأطفال من الأهمية اكتشافها والعمل علي علاجها فيقول د‏.‏ بطرس حافظ بطرس مدرس رياض الأطفال بجامعة القاهرة‏:‏ إن مجال صعوبات التعلم من المجالات الحديثة نسبيا في ميدان التربية الخاصة‏,‏ حيث يتعرض الاطفال لانواع مختلفة من الصعوبات تقف عقبة في طريق تقدمهم العملي مؤدية الي الفشل التعليمي أو التسرب من المدرسة في المراحل التعليمية المختلفة اذا لم يتم مواجهتها والتغلب عليها‏..‏ والاطفال ذوو صعوبات التعلم أصبح لهم برامج تربوية خاصة بهم تساعدهم علي مواجهة مشكلاتهم التعليمية والتي تختلف في طبيعتها عن مشكلات غيرهم من الأطفال‏.‏

وقد حددت الدراسة التي قام بها د‏.‏ بطرس حافظ مظاهر صعوبات التعلم لطفل ما قبل المدرسة في عدة نقاط‏:‏

من حيث الادراك الحسي‏:‏ فإنه مثلا قد لا يستطيع التمييز بين أصوات الكلمات مثل‏[‏ اشجار ــ اشجان‏,‏ سيف ــ صيف‏]‏ ولا يركز أثناء القراءة‏.‏

‏*‏ مشكلة اكمال الصور والاشكال الناقصة والعاب الفك والتركيب‏.‏
‏*‏ قد لا يستطيع تصنيف الاشكال وفقا للون أو الحجم أو الشكل أو الملمس‏.‏
‏*‏ قد لا يستطيع التركيز علي ما يقال له أثناء تشغيل المذياع أو التليفزيون وقد يكون غير قادر علي التركيز علي ما يقوله المعلم بالفصل‏.‏

من حيث القدرة علي التذكر‏:‏ يأخذ فترة أطول من غيره في حفظ المعلومات وتعلمها كحفظ الالوان وأيام الاسبوع‏:‏
‏*‏ لا يستطيع تقديم معلومات عن نفسه أو أسرته‏.‏
‏*‏ قد ينسي ادواته وكتبه أو ينسي أن يكمل واجباته
‏*‏ قد يقرأ قصة ومع نهايتها يكون قد نسي ما قرأه في البداية‏.‏

من حيث التنظيم‏:‏ تظهر غرفة نومه في فوضي
‏*‏ عندما يعطي تعليمات معينة لا يعرف من أين وكيف يبدأ‏.‏
‏*‏ وقد يصعب عليه تعلم وفهم اليمين واليسار‏,‏ فوق وتحت وقبل وبعد‏,‏ الأول والآخر‏,‏ الأمس واليوم‏.‏
‏*‏ عدم ادراكه مدي مساحة المنضدة وحدودها فيضع الاشياء علي الطرف مما يسبب وقوعها كذلك اصطدامه بالاشياء واثناء الحركة‏.‏ وقد يكون اكثر حركة أو أقل حركة من غيره من الأطفال أما من حيث اللغة فقد يكون بطيئا في تعلم الكلام أو النطق بطريقة غير صحيحة‏[‏ ابدال حروف الكلمة‏]‏
‏*‏ وقد يكون متقلب المزاج ورد فعله عنيفا غير متوافق مع الموقف فمثلا يصيح بشكل مفاجئ وعنيف عندما يصاب بالاحباط‏.‏
‏*‏ قد يقوم بكتابة واجباته بسرعة ولكن بشكل غير صحيح أو يكتبها ببطء بدون إكمالها‏.‏

بالنسبة لحل المشكلات‏:‏

قد يصعب عليه تعلم المراحل المتتابعة التي يحتاجها لحل المشكلات الرياضية مثل الضرب والقسمة الطويلة والمعادلات الجبرية وقد لا يجد طرقا مختلفة لحل المشكلة فلا يجد غير طريقة واحدة لحلها‏.‏
‏*‏ وقد يصعب عليه النقل من السبورة أو من الكتاب فيحذف الكلمات أو الحروف‏.‏
‏*‏ قد يتميز خطه بالرداءة وقد يقوم بعمل أخطاء إملائية بسيطة لا تتناسب مع مرحلته العمرية‏.‏

من حيث القدرة علي التذكر‏:‏
‏*‏ تأكد من أن أجهزة السمع لدي طفلك تعمل بشكل جيد
‏*‏ أعطه بعض الرسائل الشفهية ليوصلها لغيره كتدريب لذاكرته ثم زودها تدريجيا‏.‏
‏*‏ دع الطفل يلعب ألعابا تحتاج الي تركيز وبها عدد قليل من النماذج ثم زود عدد النماذج تدريجيا‏.‏
‏*‏ أعط الطفل مجموعة من الكلمات‏[‏ كاشياء‏,‏ أماكن‏,‏ اشخاص‏.‏
‏*‏ دعه يذكر لك كلمات تحمل نفس المعني

‏*‏ في نهاية اليوم أو نهاية رحلة أو بعد قراءة قصة دع الطفل يذكر ما مر به من أحداث‏.‏
‏*‏ تأكد أنه ينظر الي مصدر المعلومة المعطاة ويكون قريبا منها أثناء إعطاء التوجيهات
‏[‏ كالنظر الي عينيه وقت اعطائه المعلومة‏]‏
‏*‏ تكلم بصوت واضح ومرتفع بشكل كاف يمكنه من سماعك بوضوح ولا تسرع في الحديث‏.‏

‏*‏ علم الطفل مهارات الاستماع الجيد والانتباه‏,‏ كأن تقول له‏(‏ اوقف ما يشغلك‏,‏ انظر الي الشخص الذي يحدثك‏,‏ حاول أن تدون بعض الملاحظات‏,‏ اسأل عن أي شيء لا تفهمه‏)‏
‏*‏ استخدم مصطلحات الاتجاهات بشكل دائم في الحديث مع الطفل امثال فوق‏,‏ تحت‏,‏ ادخل في الصندوق‏.‏

من حيث الادراك البصري‏:‏ تحقق من قوة إبصار الطفل بشكل مستمر بعرضه علي طبيب عيون لقياس قدرته البصرية‏.‏
‏*‏ دعه يميز بين احجام الاشياء وأشكالها والوانها مثال الباب مستطيل والساعة مستديرة

القدرة علي القراءة‏:‏
التأكد من أن ما يقرؤه الطفل مناسبا لعمره وامكانياته وقدراته واذا لم يحدث يجب مناقشة معلمه لتعديل المطلوب قراءته‏,‏ أطلب من المعلم أن يخبرك بالاعمال التي يجب أن يقوم بها في المواد المختلفة مثل العلوم والتاريخ و الجغرافيا قبل أعطائه اياها في الفصل حتي يتسني لك مراجعتها معه‏.‏

الممارسات الاجتماعية‏:‏ قد لا يستطيع تقويم نفسه علي حقيقتها فيظن انه قد أجاب بشكل جيد في الامتحان ويصاب بعد ذلك بخيبة أمل‏..‏ وهناك صفات مشتركة بين هؤلاء الأطفال فقد يكون تحصيله ومستواه في بعض المواد جيدا ويكون البعض الآخر ضعيفا‏..‏ وقد يكون قادرا علي التعلم من خلال طريقة واحدة مثلا باستخدام الطريقة المرئية وليست السمعية وقد يتذكر ما قرأه وليس ما سمعه.


ويضيف د‏.‏ بطرس حافظ بطرس ــ مدرس رياض الأطفال أن صعوبات التعلم تعد من الإعاقة التي تؤثر في مجالات الحياة المختلفة وتلازم الإنسان مدي الحياة وعدم القدرة علي تكوين صداقات وحياة اجتماعية ناجحة وهذا ما يجب أن يدركه الوالدان والمعلم والاخصائي وجميع من يتعامل مع الطفل‏,‏ فمعلم الطفل عليه أن يعرف نقاط الضعف والقوة لديه من أجل اعداد برنامج تعلميي خاص به الي جانب ذلك علي الوالدين التعرف علي القدرات والصعوبات التعليمية لدي طفلهما ليعرفا أنواع الأنشطة التي تقوي لديه جوانب الضعف وتدعم القوة وبالتالي تعزز نمو الطفل وتقلل من الضغط وحالات الفشل التي قد يقع فيها‏.‏

‏‏ دور الوالدين تجاه طفلهما ذي صعوبات التعلم‏:‏

‏*‏ القراءة المستمرة عن صعوبات التعلم والتعرف علي أسس التدريب والتعامل المتبعة للوقوف علي الاسلوب الامثل لفهم المشكلة‏.‏
‏*‏ التعرف علي نقاط القوة والضعف لدي الطفل بالتشخيص من خلال الاخصائيين أو معلم صعوبات التعلم ولا يخجلان من أن يسألا عن أي مصطلحات أو أسماء لا يعرفانها‏.‏

‏*‏ إيجاد علاقة قوية بينهما وبين معلم الطفل أو أي اخصائي له علاقة به‏.‏
‏*‏ الاتصال الدائم بالمدرسة لمعرفة مستوي الطفل ويقول د‏.‏ بطرس حافظ‏:‏إن الوالدين لهما تأثير مهم علي تقدم الطفل من خلال القدرة والتنظيم مثلا‏:‏
‏*‏ لا تعط الطفل العديد من الأعمال في وقت واحد واعطه وقتا كافيا لإنهاء العمل ولا تتوقع منه الكمال

‏*‏ وضح له طريقة القيام بالعمل بأن تقوم به أمامه واشرح له ما تريد منه وكرر العمل عدة مرات قبل أن تطلب منه القيام به‏.‏
‏*‏ ضع قوانين وأنظمة في البيت بأن كل شيء يجب أن يرد الي مكانه بعد استخدامه وعلي جميع أفراد الاسرة اتباع تلك القوانين حيث إن الطفل يتعلم من القدوة
‏*‏ تنبه لعمر الطفل عندما تطلب منه مهمة معينة حتي تكون مناسبة لقدراته‏.‏

‏*‏ احرم طفلك من الاشياء التي لم يعدها الي مكانها مدة معينة اذا لم يلتزم بإعادتها أو لا تشتر له شيئا جديدا أو دعه يدفع قيمة ما أضاعه‏.‏
‏*‏ كافئه اذا أعاد ما استخدمه واذا انتهي من العمل المطلوب منه

‏*‏ لا تقارن الطفل بإخوانه أو أصدقائه خاصة أمامهم
‏*‏ دعه يقرأ بصوت مرتفع كل يوم لتصحح له أخطاءه وأخيرا يضيف د‏.‏ بطرس حافظ بطرس أن الدراسات والابحاث المختلفة قد أوضحت أن العديد من ذوي صعوبات التعلم الذين حصلوا علي تعليم اكاديمي فقط خلال حياتهم المدرسية وتخرجوا في المرحلة الثانوية لن يكونوا مؤهلين بشكل كاف لدخول الجامعة ولا دخول المدارس التأهيلية المختلفة أو التفاعل مع الحياة العملية‏,‏ ولهذا يجب التخطيط مسبقا لعملية الانتقال التي سوف يتعرض لها ذوو صعوبات التعلم عند الخروج من الحياة المدرسية الي العالم الخارجي
الخيارات المتعددة لتوجيه الطالب واتخاذ القرار الذي يساعد علي إلحاقه بالجامعة أو حصوله علي عمل وانخراطه في الحياة العملية أو توجيه نحو التعليم المهني‏,‏ وعند اتخاذ مثل هذا القرار يجب أن يوضع في الاعتبار ميول الطالب ليكون مشاركا في قرار كهذا‏.‏

اعدتها للانترنت:الاتاذة طوق الياسمين .المرجع كتبت ـ ميرفت عثمان من جريدة الاهرام المصرية.المصدر

http://www.werathah.com/special/school/learning_difficulty1.htm


كيف التعرف على من لدية صعوبات تعلم

DYSLEXIA
الديسلكسيا
طريقتي في معاملة التلاميذ الذين يعانون من الديسلكسيا( صعوبة القراءة )

الاسلوب الأمثل لمواجهة صعوبات التعلم لدي الاطفال
اضطراب القراءة النمائي

أساليب لتنمية مهارات القراءة ( المطالعة)

تطوير مهارات التصور في عملية التهجئة

مقترحات علاجية للضعف القرائي والكتابي

اضطراب مهارة الحساب النمائي
بعض الاستراتيجيات المستخدمة في جدول الضرب

القصور التعليمي و الفشل المدرسي

اللعب يحقق للطفل توازنه النفسي

التعلم باللعب

اللعب والنمو التطوري للطفل

طريقة تمثيل الأدوار Role .playing method

كيفية اختيار لعبة الطفل
كيف تقوي ذاكرتك

تنـمـية الذكاء عند الأطفال
للمختصين فقط


ماهي صعوبات التعلم


الواقع أن هناك العديد من التعاريف لصعوبات التعلم، ومن أشهرها أنها الحالة التي يظهر صاحبها مشكلة أو أكثر في الجوانب التالية:
القدرة على استخدام اللغة أو فهمها، أو القدرة على الإصغاء والتفكير والكلام أو القراءة أو الكتابة أو العمليات الحسابية البسيطة، وقد تظهر هذه المظاهر مجتمعة وقد تظهر منفردة. أو قد يكون لدى الطفل مشكلة في اثنتين أو ثلاث مما ذكر.

فصعوبات التعلم تعني وجود مشكلة في التحصيل الأكاديمي (الدراسي) في مواد القراءة / أو الكتابة / أو الحساب، وغالبًا يسبق ذلك مؤشرات، مثل صعوبات في تعلم اللغة الشفهية (المحكية)، فيظهر الطفل تأخرًا في اكتساب اللغة، وغالبًا يكون ذلك متصاحبًا بمشاكل نطقية، وينتج ذلك عن صعوبات في التعامل مع الرموز، حيث إن اللغة هي مجموعة من الرموز (من أصوات كلامية وبعد ذلك الحروف الهجائية) المتفق عليها بين متحدثي هذه اللغة والتي يستخدمها المتحدث أو الكاتب لنقل رسالة (معلومة أو شعور أو حاجة) إلى المستقبل، فيحلل هذا المستقبل هذه الرموز، ويفهم المراد مما سمعه أو قرأه. فإذا حدث خلل أو صعوبة في فهم الرسالة بدون وجود سبب لذلك (مثل مشاكل سمعية أو انخفاض في القدرات الذهنية)، فإن ذلك يتم إرجاعه إلى كونه صعوبة في تعلم هذه الرموز، وهو ما نطلق عليه صعوبات التعلم.

إذن الشرط الأساسي لتشخيص صعوبة التعلم هو وجود تأخر ملاحظ، مثل الحصول على معدل أقل عن المعدل الطبيعي المتوقع مقارنة بمن هم في سن الطفل، وعدم وجود سبب عضوي أو ذهني لهذا التأخر (فذوي صعوبات التعلم تكون قدراتهم الذهنية طبيعية)، وطالما أن الطفلة لا يوجد لديها مشاكل في القراءة والكتابة، فقد يكون السبب أنها بحاجة لتدريب أكثر منكم حتى تصبح قدرتها أفضل، وربما يعود ذلك إلى مشكلة مدرسية، وربما (وهذا ما أميل إليه) أن يكون هذا جزء من الفروق الفردية في القدرات الشخصية، فقد يكون الشخص أفضل في الرياضيات منه في القراءة أو العكس. ثم إن الدرجة التي ذكرتها ليست سيئة، بل هي في حدود الممتاز.

ويعتقد أن ذلك يرجع إلى صعوبات في عمليات الإدراك نتيجة خلل بسيط في أداء الدماغ لوظيفته، أي أن الصعوبات في التعلم لا تعود إلى إعاقة في القدرة السمعية أو البصرية أو الحركية أو الذهنية أو الانفعالية لدى الفرد الذي لديه صعوبة في التعلم، ولكنها تظهر في صعوبة أداء هذه الوظائف كما هو متوقع.

ورغم أن ذوي الإعاقات السابق ذكرها يظهرون صعوبات في التعلم، ولكننا هنا نتحدث عن صعوبات التعلم المنفردة أو الجماعية، وهي الأغلب التي يعاني منها طفلك.

و تشخيص صعوبات التعلم قد لا يظهر إلا بعد دخول الطفل المدرسة، وإظهار الطفل تحصيلاً متأخرًا عن متوسط ما هو متوقع من أقرانه -ممن هم في نفس العمر والظروف الاجتماعية والاقتصادية والصحية- حيث يظهر الطفل تأخرًا ملحوظًا في المهارات الدراسية من قراءة أو كتابة أو حساب.

وتأخر الطفل في هذه المهارات هو أساس صعوبات التعلم، وما يظهر بعد ذلك لدى الطفل من صعوبات في المواد الدراسية الأخرى يكون عائدًا إلى أن الطفل ليست لديه قدرة على قراءة أو كتابة نصوص المواد الأخرى، وليس إلى عدم قدرته على فهم أو استيعاب معلومات تلك المواد تحديدًا.

والمتعارف عليه هو أن الطفل يخضع لفحص صعوبات تعلم إذا تجاوز الصف الثاني الابتدائي واستمر وجود مشاكل دراسية لديه. ولكن هناك بعض المؤشرات التي تمكن اختصاصي النطق واللغة أو اختصاصي صعوبات التعلم من توقع وجود مشكلة مستقبلية، ومن أبرزها ما يلي:

- التأخر في الكلام أي التأخر اللغوي.
- وجود مشاكل عند الطفل في اكتساب الأصوات الكلامية أو إنقاص أو زيادة أحرف أثناء الكلام.
-ضعف التركيز أو ضعف الذاكرة.
-صعوبة الحفظ.
-صعوبة التعبير باستخدام صيغ لغوية مناسبة.
-صعوبة في مهارات الرواية.
-استخدام الطفل لمستوى لغوي أقل من عمره الزمني مقارنة بأقرانه.
-وجود صعوبات عند الطفل في مسك القلم واستخدام اليدين في أداء مهارات مثل: التمزيق، والقص، والتلوين، والرسم.

وغالبًا تكون القدرات العقلية للأطفال الذين يعانون من صعوبات التعلم طبيعية أو أقرب للطبيعية وقد يكونون من الموهوبين.

- أما بعض مظاهر ضعف التركيز، فهي::

-صعوبة إتمام نشاط معين وإكماله حتى النهاية.
-صعوبة المثابرة والتحمل لوقت مستمر (غير متقطع).
-سهولة التشتت أو الشرود، أي ما نسميه السرحان.
-صعوبة تذكر ما يُطلب منه (ذاكرته قصيرة المدى).
-تضييع الأشياء ونسيانها.
-قلة التنظيم.
-الانتقال من نشاط لآخر دون إكمال الأول.
-عند تعلم الكتابة يميل الطفل للمسح (الإمحاء) باستمرار.
-أن تظهر معظم هذه الأعراض في أكثر من موضع، مثل: البيت، والمدرسة، ولفترة تزيد عن ثلاثة أشهر.
-عدم وجود أسباب طارئة مثل ولادة طفل جديد أو الانتقال من المنزل؛ إذ إن هذه الظروف من الممكن أن تسبب للطفل انتكاسة وقتية إذا لم يهيأ الطفل لها.

وقد تظهر أعراض ضعف التركيز مصاحبة مع فرط النشاط أو الخمول الزائد، وتؤثر مشكلة ضعف التركيز بشكل واضح على التعلم، حتى وإن كانت منفردة، وذلك للصعوبة الكبيرة التي يجدها الطفل في الاستفادة من المعلومات؛ بسبب عدم قدرته على التركيز للفترة المناسبة لاكتساب المعلومات. ويتم التعامل مع هذه المشكلة بعمل برنامج تعديل سلوك.

ورغم أن هذه المشكلة تزعج الأهل أو المعلمين في المدرسة العادية، فإن التعامل معها بأسلوب العقاب قد يفاقم المشكلة؛ لأن إرغام الطفل على أداء شيء لا يستطيع عمله يضع عليه عبئًا سيحاول بأي شكل التخلص منه، وهذا ما يؤدي ببعض الأطفال الذين لا يتم اكتشافهم أو تشخيصهم بشكل صحيح للهروب من المدرسة (وهذا ما يحدث غالبًا مع ذوي صعوبات التعلم أيضًا إذا لم يتم تشخيصهم في الوقت المناسب).

وليست المشاكل الدراسية هي المشكلة الوحيدة، بل إن العديد من المظاهر السلوكية أيضًا تظهر لدى هؤلاء الأطفال؛ بسبب عدم التعامل معهم بشكل صحيح مثل العدوان اللفظي والجسدي، الانسحاب والانطواء، مصاحبة رفاق السوء والانحراف، نعم سيدي.. فرغم أن المشكلة تبدو بسيطة، فإن عدم النجاح في تداركها وحلِّها مبكرًا قد ينذر بمشاكل حقيقية. ولكن ولله الحمد فإن توفر الاهتمام بهذه المشاكل، والوعي بها، وتوفر الخدمات المناسبة والاختصاصيين المناسبين والمؤهلين يبشر بحال أفضل سواء للطفل أو لأهله.
مع أصدق دعواتي، ورجاء موافاتنا بالتطورات.

اعدها للانترنت:د.عبدالرحمن السويد.منقول من اسلام اونلين.

http://www.werathah.com/special/school/learning_difficulty2.htm

hano.jimi
2011-09-25, 21:02
صعوبات التعلم في القراءة



إعداد:د. جميل البابلى



المشاركة الأصلية كتبت بواسطة zatar
اريد مراجع في علم النفس و خاص




أثر برنامج تدريبي معرفي في تنمية مهارات الوعي الصوتي على سرعة القراءة والاستيعاب القرائي لدى طلبة صعوبات التعلم في المرحلة الأساسية بدولة قطر



إعداد: جميل شريف أحمد بابلي



إشراف: الأستاذ الدكتور أحمد أحمد عـواد



نوقشت بجامعة عمان العربية للدراسات العليا، الأردن، 2009م



مقدمة :نوقشت بجامعة عمان العربية للدراسات العليا، الأردن، 2009م



مقدمة :



تشير التقديرات إلى أن الضعف في القراءة ينتشر بنسبة 20 % تقريبا لدى أطفال المدارس الابتدائية، وأن نسبة انتشار هذا الاضطراب لدى البنين أكثر من نسبة انتشاره لدى البنات، وبنسبة تصل إلى الضعف تقريبا ً، وتبلغ نسبة انتشار هذه المشكلة ذروتها في الصفوف الثلاثة الأولى من المرحلة الابتدائية ( الخطيب وأخرون ، 2009 ) وهو ما يمثل خطورة بالغة ومشكلة تستدعي الانتباه والاهتمام، ولأن هذه الصفوف الثلاثة تتسم بالنمو السريع في القراءة مقارنة ببقية الصفوف الأخرى مما يجعل من هذا الاضطراب معطلاً لطاقات فطرية متفجرة لدى هؤلاء الأطفال .



وقد يرجع تزايد نسبة الصعوبات في القراءة والضعف فيها إلى طبيعة عملية القراءة وما تتطلبه من عمليات ومهارات . بحيث يعد من المتعارف عليه في التراث النفسي أن القراءة عملية معرفية مركبة حيث تتطلب كفاءة ذهنية عامة وحدة إدراكية Perceptual Acuity )) وتناسقا حركيا وذاكرة وتركيزا ودافعية وثقافة، وقدرة تعبيرية، ودعما أسريا كما تعد القراءة متطلبا رئيسيا للتحصيل الدراسي، ولذلك فإن الأطفال الضعاف في القراءة عادة ما يكونون ضعافا في التحصيل .



وتعتمد القدرة على القراءة على عمليتين أساسيتين لكي يكون الطفل قارئا جيدا ،وهاتان العمليتان هما القدرة على التمييز الصوتي والقدرة على التمييز الشكلي ( Phonological & Form Discrimination) وقد لوحظ أن الأطفال ذوي صعوبات تعلم القراءة غالبا ما يعانون من صعوبة في تمييز الأصوات رغم سلامة السمع لديهم، مثل هؤلاء ما من شك سوف يعانون من عدم القدرة على التركيز فيما يخص المثيرات السمعية ، وهو ما يشير إلى اضطراب سمعي فيما يخص المثيرات السمعية و فيما يخص الشكل والأرضية ، الأمر الذي ينتج عنه صعوبة لدى هؤلاء الأطفال في التمييز بين الكلمات المتشابهة صوتيا ً، حتى ولو كان هذا التشابه يخص التشابه في الوحدات الصوتية الصغرى (الفونيم ) بين الكلمات المتشابهة كصعوبة التمييز بين كلمتين مثل :( سيف صيف ).







ومن هنا فإننا نجد أن من نتائج العديد من الدراسات والبحوث أن الأطفال الجيدين في القراءة يتسمون بالكفاءة والسرعة في التمييز بين أصوات الحروف والكلمات وبخاصة المتشابهة منها وإذا كانت القدرة على القراءة تتوقف على الكفاءة في سرعة التمييز بين الحروف والكلمات المتشابهة في بعضها أو معظمها، فإننا نود الإشارة إلى أن القدرة على التمييز يوجد بينها وبين عمليتي التحليل والتركيب الصوتي علاقة ارتباطية عالية وموجبة، وهما من العمليات اللازمة للقدرة على القراءة، ولذلك تجد الأطفال ذوي صعوبات القراءة يعانون من قصور واضح في هذه العمليات .( Samuels , 2001 )



ومن الأدلة الأخرى على أن عملية القراءة عملية مركبة نجد حركة العين و النشاط العقلي بنفس الوقت فبالرغم من أن العين تتحرك من اليمين إلى اليسار في النصوص العربية أو من اليسار إلى اليمين في النصوص الإنجليزية ، حيث لا تكتمل الأفكار ولا يتم التمكن من الكلمات إلا بعد أن يتم استكمال أفكار ما تم قراءته Lerner , 2003 ) ) وأن هذه الأفكار وما يتوصل إليها من معان واستنتاجات إنما يتوقف على الوفرة اللغوية لهاديات أوالإطناب في النص المقروء Redundancies ) ( والتي تعني التعبير عن نفس ما في الرسالة من مضمون في صور وأشكال متنوعة، حيث تساهم مثل هذه الاستطرادات في تعزيز وإثراء الرسالة التي يتم التفكير فيها أثناء القراءة، أي أن هذه الوفرة اللغوية هي في حقيقة الأمر هاديات وإلماحات تساعد القارئ في بناء المعنى، ولعل هذا الذي يمكن أن يفسر في ضوئه – في بعض الأحيان – لماذا بعض الأطفال ذوي صعوبات التعلم يقرأون ولايستوعبون ؟



إنهم ببساطة لا يستفيدون مما يوفره سياق النص المقروء من هاديات و إلماحات (Cues) كاشفة للمعنى أو موضحة له، وهذا الأمر يمكن قبوله في مجال صعوبات القراءة إذ غالبا ما يشار إلى أن هؤلاء الأطفال الذين يعانون من اضطراب في واحد أو أكثر من العمليات الأساسية والتي تظهر أثرها في العديد من المجالات ومنها فهم المادة المقروءة والمسموعة .



ومن هنا لا غرو إذا قلنا أن القراءة هي الفهم، وسيلة وغرضا ً ، إذ عادة ما يُعبـَّر عن القراءة بالفهم ، ويعبر عن الفهم القرائي أوالاستيعاب القرائي بالقدرة على الوصول إلى المعنى أو الوصول إلى استنتاج .



وقد وجد من خلال تحليل الأدب النفسي ونتائج البحوث أن الأطفال ذوي صعوبات التعلم في القراءة يعانون من قصور في فهم المادة المقروءة وكذا المسموعة، ولعل ذلك يفسر في ضوء مشكلات العمليات اللغوية لديهم Carlisle , 1990 ) ) حيث يعاني هؤلاء الأطفال من قصور في عمليات :



أولها: التشفير لنظام الرموز الكتابي، أي حساسية ودقة وسرعة الوعي الشعوري بالخصائص الفارقة المميزة بين الأشكال الكتابية أو الإملائية المتشابهة سواء كان ذلك على مستوى الحرف أو الكلمـة .



وثانيها: التشفير الفونيمي ( الصوتي ) أي حساسية ودقة وسرعة الوعي الشعوري بالخصائص الفارقة والمميزة بين الأصوات المتشابهة على مستوى الحرف أو الحرفين أو المقطع الصوتي أو الكلمة،أو التحليل الصوتي، أي الدقة والسرعة في تجزئ الوحدات الصوتية إلى أجزاء صغيرة يمكن التجميع والمزج بينها بسهولة وسرعة، والتوليف الصوتي، وتجهيز السمانتي أو الدلالي أو التجهيز السينتاكتي أي النحوي أو التراكيب اللغوية ( سليمان ، 1996).



( Lerner ,2003 ).



ويشير ستانوفيتش ( Stanovich , 1982 ) إلى أن تشخيص أسباب قصور الفهم لدى الأطفال ذوي صعوبات التعلم في القراءة لا يقف عند حد ما ذكر، بل إن من أسباب قصور الفهم لدى هؤلاء الأطفال إنما يرجع إلى القصور في عمليات ما وراء المعرفة **** Cognitive Process ويبدو أن مهارات التجهيز غير المناسبة التي يعتمد عليها الأطفال ذوو صعوبات التعلم في القراءة تؤثر تأثيرا ً سلبيا ًومطردا ً في تطور ونمو الاستراتيجيات الأساسية في تجهيز اللغة .



وهو ما يفسر أيضا ً لماذا مثل هؤلاء الطلاب يعانون من قصور واضح في فهم المادة المقروءة ، ( Carlisle , 1990 ) ؛ لأنه من المعروف أن فهم المادة المقروءة إنما يعتمد على مكونين رئيسيين : المكون الأول هو القيام بعمل تمثيلات عقلية لقضايا النص، وهو ما يمثل الجانب التطبيقي لعمليات فهم اللغة، أما المكون الثاني: فهو مكون المعالجة العقلية Cognitive Procees وهو المكون الذي يتمثل في تفعيل الاستراتيجيات المناسبة لفهم النص ، وذلك كما يتم تمثل معلوماته في الذاكرة ( Talada , 2007 ) وهو ما يشير إلى أن عملية القراءة عملية نشطة يكون القارئ خلالها مشاركا ً فاعلا ً، بحيث يتفاعل ما هو موجود في النص ومخزون لديه من معلومات ومعرفة سابقة حول ما يقرأه ومن هنا تشير ليرنر (Lerner , 1997 ) إلى أن فهم النص يتضمن تفاعلا نشطا مع النص .



ويرى العديد من الباحثين أنه توجد عمليتان تستخدمان في القراءة وأن اتباع الفرد لأي من العمليتين إنما يتوقف على طبيعة وخصائص ما يتم قراءته، وما إذا كان المقروء بسيطا ومألوفا ً أم مركبا وغريبا ، وهاتان العمليتان تتمثلان في :







أولا ً: التعرف المباشر على الكلمة ككل ( Direct Recognition ) :



وفي هذه الطريقة فإن القارئ عادةً ما يلجأ إليها في القراءة عندما تكون الكلمة المطلوب قراءتها كلمة مألوفة، هنالك فإن القارئ يتعرف عليها من خلال السرعة الفائقة للإدراك الكلي لشكلها ونطقها وذلك من خلال قراءة الكلمة ككل .



ثانيا ً: القراءة الصوتية أو الفونيمية للكلمة Phonetic Reading ) ):



وهي طريقة القراءة الصوتية أو الفونيمية حيث عادة ما يلجأ القارئ إلى هذه الطريقة عندما تواجهه كلمة غير شائعة، هنالك يعمد القارئ إلى التعرف على حروف هذه الكلمة حرفاً حرفاَ ، ورد هذه الرموز الحرفية إلى مقابلها الصوتي ، ثم محاولة القارئ تجميع الفونيمات ، أي أصوات الحروف في وحدات صوتية ، ثم التوليف بين هذه الوحدات الصوتية تمهيدا ً للنطق النهائي للكلمة .



ولعل خير مثال كي نفرّق بين الطريقة الأولى والثانية هو أن تقارن بنفسك كيفية قراءتك لكلمة مألوفة مثل : سيارة وكلمة غير مألوفة مثل : أنلزمكموها.



2010-11-24 22:16:06
اضيف بواسطة : الاستاذ الدكتور احمد احمد عواد - الاردن


http://www.spjou.com/newslist.php?id=86

hano.jimi
2011-09-25, 21:05
صعوبات التعلم في القراءة



إعداد:د. جميل البابلى



المشاركة الأصلية كتبت بواسطة zatar
اريد مراجع في علم النفس و خاص




أثر برنامج تدريبي معرفي في تنمية مهارات الوعي الصوتي على سرعة القراءة والاستيعاب القرائي لدى طلبة صعوبات التعلم في المرحلة الأساسية بدولة قطر



إعداد: جميل شريف أحمد بابلي



إشراف: الأستاذ الدكتور أحمد أحمد عـواد



نوقشت بجامعة عمان العربية للدراسات العليا، الأردن، 2009م



مقدمة :نوقشت بجامعة عمان العربية للدراسات العليا، الأردن، 2009م



مقدمة :



تشير التقديرات إلى أن الضعف في القراءة ينتشر بنسبة 20 % تقريبا لدى أطفال المدارس الابتدائية، وأن نسبة انتشار هذا الاضطراب لدى البنين أكثر من نسبة انتشاره لدى البنات، وبنسبة تصل إلى الضعف تقريبا ً، وتبلغ نسبة انتشار هذه المشكلة ذروتها في الصفوف الثلاثة الأولى من المرحلة الابتدائية ( الخطيب وأخرون ، 2009 ) وهو ما يمثل خطورة بالغة ومشكلة تستدعي الانتباه والاهتمام، ولأن هذه الصفوف الثلاثة تتسم بالنمو السريع في القراءة مقارنة ببقية الصفوف الأخرى مما يجعل من هذا الاضطراب معطلاً لطاقات فطرية متفجرة لدى هؤلاء الأطفال .



وقد يرجع تزايد نسبة الصعوبات في القراءة والضعف فيها إلى طبيعة عملية القراءة وما تتطلبه من عمليات ومهارات . بحيث يعد من المتعارف عليه في التراث النفسي أن القراءة عملية معرفية مركبة حيث تتطلب كفاءة ذهنية عامة وحدة إدراكية Perceptual Acuity )) وتناسقا حركيا وذاكرة وتركيزا ودافعية وثقافة، وقدرة تعبيرية، ودعما أسريا كما تعد القراءة متطلبا رئيسيا للتحصيل الدراسي، ولذلك فإن الأطفال الضعاف في القراءة عادة ما يكونون ضعافا في التحصيل .



وتعتمد القدرة على القراءة على عمليتين أساسيتين لكي يكون الطفل قارئا جيدا ،وهاتان العمليتان هما القدرة على التمييز الصوتي والقدرة على التمييز الشكلي ( Phonological & Form Discrimination) وقد لوحظ أن الأطفال ذوي صعوبات تعلم القراءة غالبا ما يعانون من صعوبة في تمييز الأصوات رغم سلامة السمع لديهم، مثل هؤلاء ما من شك سوف يعانون من عدم القدرة على التركيز فيما يخص المثيرات السمعية ، وهو ما يشير إلى اضطراب سمعي فيما يخص المثيرات السمعية و فيما يخص الشكل والأرضية ، الأمر الذي ينتج عنه صعوبة لدى هؤلاء الأطفال في التمييز بين الكلمات المتشابهة صوتيا ً، حتى ولو كان هذا التشابه يخص التشابه في الوحدات الصوتية الصغرى (الفونيم ) بين الكلمات المتشابهة كصعوبة التمييز بين كلمتين مثل :( سيف صيف ).







ومن هنا فإننا نجد أن من نتائج العديد من الدراسات والبحوث أن الأطفال الجيدين في القراءة يتسمون بالكفاءة والسرعة في التمييز بين أصوات الحروف والكلمات وبخاصة المتشابهة منها وإذا كانت القدرة على القراءة تتوقف على الكفاءة في سرعة التمييز بين الحروف والكلمات المتشابهة في بعضها أو معظمها، فإننا نود الإشارة إلى أن القدرة على التمييز يوجد بينها وبين عمليتي التحليل والتركيب الصوتي علاقة ارتباطية عالية وموجبة، وهما من العمليات اللازمة للقدرة على القراءة، ولذلك تجد الأطفال ذوي صعوبات القراءة يعانون من قصور واضح في هذه العمليات .( Samuels , 2001 )



ومن الأدلة الأخرى على أن عملية القراءة عملية مركبة نجد حركة العين و النشاط العقلي بنفس الوقت فبالرغم من أن العين تتحرك من اليمين إلى اليسار في النصوص العربية أو من اليسار إلى اليمين في النصوص الإنجليزية ، حيث لا تكتمل الأفكار ولا يتم التمكن من الكلمات إلا بعد أن يتم استكمال أفكار ما تم قراءته Lerner , 2003 ) ) وأن هذه الأفكار وما يتوصل إليها من معان واستنتاجات إنما يتوقف على الوفرة اللغوية لهاديات أوالإطناب في النص المقروء Redundancies ) ( والتي تعني التعبير عن نفس ما في الرسالة من مضمون في صور وأشكال متنوعة، حيث تساهم مثل هذه الاستطرادات في تعزيز وإثراء الرسالة التي يتم التفكير فيها أثناء القراءة، أي أن هذه الوفرة اللغوية هي في حقيقة الأمر هاديات وإلماحات تساعد القارئ في بناء المعنى، ولعل هذا الذي يمكن أن يفسر في ضوئه – في بعض الأحيان – لماذا بعض الأطفال ذوي صعوبات التعلم يقرأون ولايستوعبون ؟



إنهم ببساطة لا يستفيدون مما يوفره سياق النص المقروء من هاديات و إلماحات (Cues) كاشفة للمعنى أو موضحة له، وهذا الأمر يمكن قبوله في مجال صعوبات القراءة إذ غالبا ما يشار إلى أن هؤلاء الأطفال الذين يعانون من اضطراب في واحد أو أكثر من العمليات الأساسية والتي تظهر أثرها في العديد من المجالات ومنها فهم المادة المقروءة والمسموعة .



ومن هنا لا غرو إذا قلنا أن القراءة هي الفهم، وسيلة وغرضا ً ، إذ عادة ما يُعبـَّر عن القراءة بالفهم ، ويعبر عن الفهم القرائي أوالاستيعاب القرائي بالقدرة على الوصول إلى المعنى أو الوصول إلى استنتاج .



وقد وجد من خلال تحليل الأدب النفسي ونتائج البحوث أن الأطفال ذوي صعوبات التعلم في القراءة يعانون من قصور في فهم المادة المقروءة وكذا المسموعة، ولعل ذلك يفسر في ضوء مشكلات العمليات اللغوية لديهم Carlisle , 1990 ) ) حيث يعاني هؤلاء الأطفال من قصور في عمليات :



أولها: التشفير لنظام الرموز الكتابي، أي حساسية ودقة وسرعة الوعي الشعوري بالخصائص الفارقة المميزة بين الأشكال الكتابية أو الإملائية المتشابهة سواء كان ذلك على مستوى الحرف أو الكلمـة .



وثانيها: التشفير الفونيمي ( الصوتي ) أي حساسية ودقة وسرعة الوعي الشعوري بالخصائص الفارقة والمميزة بين الأصوات المتشابهة على مستوى الحرف أو الحرفين أو المقطع الصوتي أو الكلمة،أو التحليل الصوتي، أي الدقة والسرعة في تجزئ الوحدات الصوتية إلى أجزاء صغيرة يمكن التجميع والمزج بينها بسهولة وسرعة، والتوليف الصوتي، وتجهيز السمانتي أو الدلالي أو التجهيز السينتاكتي أي النحوي أو التراكيب اللغوية ( سليمان ، 1996).



( Lerner ,2003 ).



ويشير ستانوفيتش ( Stanovich , 1982 ) إلى أن تشخيص أسباب قصور الفهم لدى الأطفال ذوي صعوبات التعلم في القراءة لا يقف عند حد ما ذكر، بل إن من أسباب قصور الفهم لدى هؤلاء الأطفال إنما يرجع إلى القصور في عمليات ما وراء المعرفة **** Cognitive Process ويبدو أن مهارات التجهيز غير المناسبة التي يعتمد عليها الأطفال ذوو صعوبات التعلم في القراءة تؤثر تأثيرا ً سلبيا ًومطردا ً في تطور ونمو الاستراتيجيات الأساسية في تجهيز اللغة .



وهو ما يفسر أيضا ً لماذا مثل هؤلاء الطلاب يعانون من قصور واضح في فهم المادة المقروءة ، ( Carlisle , 1990 ) ؛ لأنه من المعروف أن فهم المادة المقروءة إنما يعتمد على مكونين رئيسيين : المكون الأول هو القيام بعمل تمثيلات عقلية لقضايا النص، وهو ما يمثل الجانب التطبيقي لعمليات فهم اللغة، أما المكون الثاني: فهو مكون المعالجة العقلية Cognitive Procees وهو المكون الذي يتمثل في تفعيل الاستراتيجيات المناسبة لفهم النص ، وذلك كما يتم تمثل معلوماته في الذاكرة ( Talada , 2007 ) وهو ما يشير إلى أن عملية القراءة عملية نشطة يكون القارئ خلالها مشاركا ً فاعلا ً، بحيث يتفاعل ما هو موجود في النص ومخزون لديه من معلومات ومعرفة سابقة حول ما يقرأه ومن هنا تشير ليرنر (Lerner , 1997 ) إلى أن فهم النص يتضمن تفاعلا نشطا مع النص .



ويرى العديد من الباحثين أنه توجد عمليتان تستخدمان في القراءة وأن اتباع الفرد لأي من العمليتين إنما يتوقف على طبيعة وخصائص ما يتم قراءته، وما إذا كان المقروء بسيطا ومألوفا ً أم مركبا وغريبا ، وهاتان العمليتان تتمثلان في :







أولا ً: التعرف المباشر على الكلمة ككل ( Direct Recognition ) :



وفي هذه الطريقة فإن القارئ عادةً ما يلجأ إليها في القراءة عندما تكون الكلمة المطلوب قراءتها كلمة مألوفة، هنالك فإن القارئ يتعرف عليها من خلال السرعة الفائقة للإدراك الكلي لشكلها ونطقها وذلك من خلال قراءة الكلمة ككل .



ثانيا ً: القراءة الصوتية أو الفونيمية للكلمة Phonetic Reading ) ):



وهي طريقة القراءة الصوتية أو الفونيمية حيث عادة ما يلجأ القارئ إلى هذه الطريقة عندما تواجهه كلمة غير شائعة، هنالك يعمد القارئ إلى التعرف على حروف هذه الكلمة حرفاً حرفاَ ، ورد هذه الرموز الحرفية إلى مقابلها الصوتي ، ثم محاولة القارئ تجميع الفونيمات ، أي أصوات الحروف في وحدات صوتية ، ثم التوليف بين هذه الوحدات الصوتية تمهيدا ً للنطق النهائي للكلمة .



ولعل خير مثال كي نفرّق بين الطريقة الأولى والثانية هو أن تقارن بنفسك كيفية قراءتك لكلمة مألوفة مثل : سيارة وكلمة غير مألوفة مثل : أنلزمكموها.



2010-11-24 22:16:06
اضيف بواسطة : الاستاذ الدكتور احمد احمد عواد - الاردن


http://www.spjou.com/newslist.php?id=86






صعوبات التعلم عند الاطفال
تضطرب الاسرة كثيرا وتقلق عندماتكتشف ان احد ابنائها يعاني من مشكلة في التحصيل الدراسي ويخافوا يلجاءوا في هذه الحالات الي المختصين خوفا علي سمعه ابنهم فصعوبات التعلم تختلف تمتمت عن المرض العقلي ويقصد بصعوبات التعلم هو وجود مشكلة في التحصيل الدراسي
" في مواد القراءة / أو الكتابة / أو الحساب، وفي الغالب يكون هناك مؤشرات تدل علي ذلك في الماضي مؤشرات، ‏مثل عدم تمكنه من تعلم اللغة الشفوية "المحادثة "، فيظهر الطفل تأخرًا في اكتساب ‏اللغة،
ويعتبرهؤلاء أطفال ليسوا من ضمن فئات الاطفال المعاقين ولكنهم بحاجه الي المساعده لاكتساب المهارات المدرسيه
واهم المشاكل والاعراض التي تظهر عليهم
الاضطراب في عملية أو أكثر من العمليات الفكرية .
الاضطراب في فهم أو استخدام اللغة المكتوبة أو المنطوقة .
الاضطراب في الاستماع ، التفكير ،الكلام .
الاضطراب في القراءة والإملاء والرياضيات .
أن لا تكون الإعاقات الأخرى كالعوق العقلي أو السمعي أو البصري أو غيرها سبباً في ذلك الاضطراب .
أن لا يكون التخلف العقلي سبباً في ذلك الاضطراب.
ويوجد عده عوامل تكون من اسباب صعوبات التعلم
عوامل فسيلوجيه
العامل الجيني
اذا كان احد الوالدين لديه صعوبه تعلم
عوامل ما قبل الولاده
ومن اسباب صعوبه التعلم
اسباب اثناء الحمل
تعرض الام وهي حامل بعض الامراض كقصور في الغده الدرقيه والسكرواختلاف وعدم تطابق دمها مع دم الطفل او تسمم الد او النزف او تعرض الام للاشعه وسن الام والادويه التي تناولتها في الحمل ونمط غذاء الام في الحمل او شربالكحوليات اثناء الحمل
اما الاسباب التي تسبب صعوبات التعلم
بعد الولاده
معانه الطفل من احد الاعاقات مثل
ضعف البصر
صعوبه الرؤيه عند بعض الاطفال وعدم قرائتهم للوحه في المدرسه ونقلهم مها خطأ كنقل سطر مكان سطر أخر اوتركم سطر اوتكرار السطر كل ذلك يدل علي وجود مشاكل في الرؤيه
اعاقه سمعيه
كانه يسمع الكلام خطأ او بطئ فيادخال المعلومات وليس لديهم القدره علي متابعه الحوار
وجود مشاكل تؤثر علي التذكر
فان المعلومات تركز في الذاكره القريبه وعند تكرارها عدده مرات تركز في الذاكره البعيده ويحتاج الطلاب تكرارالمعلومه اكثر من مره لتركز في الذاكره البعيده
عمليه اخراج المعلومات
اعاقات لغويه وعدم القدره علي الحفظ
اعاقات حركيه
ظروف بيئيه
كالتعرض بالتسمم بالرصاص
اسباب اخري
اضطراب انفعالي او عاطفي
تخلف عقلي
حرمان بيئي
خلل وظيفي طفيف في الدماغ نتيجخ لوجود اختلالات في تخطيط الدماغ الكهربائي
عدم نضج الجهاز العصبي نتيجه لسبب وجود مضاعفات للام وهي حاملاو سوء تغذيه
سوء تغذيه للام في فتره الحمل مما يؤثر علي نمو الجهاز العصبي المركزي وعلي نضج الدماغ
عمليه ترابط المعلومات
عدم القدره علي التسلسل
فاذا سألته عن يوم الثلاثاء فانه يبدأ في الحساب من يوم السبت
عدم القدره علي التجريد
اي ادراك المعاني
وجود صعوبات عند الطفل في مسك القلم واستخدام اليدين في أداء مهارات مثل: التمزيق، والقص، والتلوين، والرسم.
و لتشخيص صعوبة التعلم يجب ان يكون وجود تأخر ملاحظ، مثل الحصول على معدل أقل عن المعدل الطبيعي المتوقع مقارنة بمن هم في سن الطفل، وعدم وجود سبب عضوي أو ذهني لهذا التأخر (فذوي صعوبات التعلم تكون قدراتهم الذهنية طبيعية)، وطالما أن الطفل لا يوجد لديها مشاكل في القراءة والكتابة، فقد يكون السبب أنها بحاجة لتدريب أكثر منكم حتى تصبح قدرتها أفضل،
وقد يرجع ذلك الي ذلك إلى مشكلة مدرسية،او أن يكون السبب الفروق الفردية في القدرات الشخصيةالتي تميز طفل عن اخر ، فقد يكون الشخص أفضل في الرياضيات منه في القراءة أو العكس. ثم إن الدرجة التي ذكرتها ليست سيئة، بل هي في حدود الممتاز.
ويفسر الاطباء ان السبب العلمي لصعوبات التعلم لدي الطفل يرجع إلى صعوبات في عمليات الإدراك نتيجة خلل بسيط في أداء الدماغ لوظيفتهويفسر الاطباء والتربوين
الاعراض المبكره لصعوبات التعلم قبل دخولة المدرسه
عدم الضحك
تعثر في المشي والسقوط كثير
عدم القدره علي التعرف علي الاصوات او الوجوه المعروفه
نظراته بارده خاليه من اي تعبير
الاخفاق في النطق لغايه سن الثالثه
عدم المشي وتأخره حتي سن 18 الي 24 شهر
ويتميز الاطفل ب
الفشل في ماده دراسيه او اكثر
اضطراب في الذاكره القصيره والبعيده
الاندفاعيه
النشاط الزائد
اضطراب في الانتباه
عدم الاستقرار الانفعالي
صعوبة إتمام نشاط معين وإكماله حتى النهاية.
صعوبة المثابرة والتحمل لوقت مستمر .
-سهولة التشتت أو الشرود، أي ما نسميه السرحان.
-صعوبة تذكر ما يُطلب منه (ذاكرته قصيرة المدى.
-تضييع الأشياء ونسيانها. -قلة التنظيم.
-الانتقال من نشاط لآخر دون إكمال الأول.
-عند تعلم الكتابة يميل الطفل للمسح
المشاكل الدراسية ليست المشكلة الوحيدة، بل هناك العديد من المظاهر السلوكية أيضًا؛ بسبب عدم التعامل معهم بشكل صحيح واستخدام اسلوب العقاب الذي يفاقم المشكله مثل العدوان اللفظي والجسدي، والانطواء
دور الوالدين تجاه طفلهما ذي صعوبات التعلم‏:‏
‏*‏ القراءة المستمرة عن صعوبات التعلم والتعرف علي أسس التدريب والتعامل المتبعة للوقوف علي الاسلوب الامثل لفهم المشكلة‏.‏
‏*‏ التعرف علي نقاط القوة والضعف لدي الطفل بالتشخيص من خلال الاخصائيين أو معلم صعوبات التعلم ولا يخجلان من أن يسألا عن أي مصطلحات أو أسماء لا يعرفانها‏.‏
‏*‏ إيجاد علاقة قوية بينهما وبين معلم الطفل أو أي اخصائي له علاقة به‏.‏
‏*‏ الاتصال الدائم بالمدرسة لمعرفة مستوي الطفل ويقول د‏.‏ بطرس حافظ‏:‏إن الوالدين لهما تأثير مهم علي تقدم الطفل من خلال القدرة والتنظيم مثلا‏:‏
‏*‏ لا تعط الطفل العديد من الأعمال في وقت واحد واعطه وقتا كافيا لإنهاء العمل ولا تتوقع منه الكمال
‏*‏ وضح له طريقة القيام بالعمل بأن تقوم به أمامه واشرح له ما تريد منه وكرر العمل عدة مرات قبل أن تطلب منه القيام به‏.‏
‏*‏ ضع قوانين وأنظمة في البيت بأن كل شيء يجب أن يرد الي مكانه بعد استخدامه وعلي جميع أفراد الاسرة اتباع تلك القوانين حيث إن الطفل يتعلم من القدوة
‏*‏ تنبه لعمر الطفل عندما تطلب منه مهمة معينة حتي تكون مناسبة لقدراته‏.‏
‏*‏ احرم طفلك من الاشياء التي لم يعدها الي مكانها مدة معينة اذا لم يلتزم بإعادتها أو لا تشتر له شيئا جديدا أو دعه يدفع قيمة ما أضاعه‏.‏
‏*‏ كافئه اذا أعاد ما استخدمه واذا انتهي من العمل المطلوب منه
‏*‏ لا تقارن الطفل بإخوانه أو أصدقائه خاصة أمامهم
‏*‏ دعه يقرأ بصوت مرتفع كل يوم لتصحح له أخطاءه وأخيرا يضيف د‏.‏ بطرس حافظ بطرس أن الدراسات والابحاث المختلفة قد أوضحت أن العديد من ذوي صعوبات التعلم الذين حصلوا علي تعليم اكاديمي فقط خلال حياتهم المدرسية وتخرجوا في المرحلة الثانوية لن يكونوا مؤهلين بشكل كاف لدخول الجامعة ولا دخول المدارس التأهيلية المختلفة أو التفاعل مع الحياة العملية‏,‏ ولهذا يجب التخطيط مسبقا لعملية الانتقال التي سوف يتعرض لها ذوو صعوبات التعلم عند الخروج من الحياة المدرسية الي العالم الخارجي
الخيارات المتعددة لتوجيه الطالب واتخاذ القرار الذي يساعد علي إلحاقه بالجامعة أو حصوله علي عمل وانخراطه في الحياة العملية أو توجيه نحو التعليم المهني‏,‏ وعند اتخاذ مثل هذا القرار يجب أن يوضع في الاعتبار ميول الطالب ليكون مشاركا في قرار كهذا‏.‏
الصعوبات المحددة في التعلم
الدسلكسيا
الدسلكسيا عبارة عن حالة من الحالات الخاصة في صعوبة التعلم

ما يميز مرض الدسلكسيا:
" لا علاقة بين الذكاء و الدسلكسيا ، فهناك نسبة عالية من الذكاء عند بعض من يعانون من الدسلكسيا.
" الدسلكسيا نتيجة لاختلاف خلقي في المخ عنه في الشخص العادي.
" الدسلكسيا في معظمها تكون نتيجة للتوارث في العائلة.
" تظهر الدسلكسيا لدي الأولاد أكثر عنها لدي البنات.
" ممكن تحسن القدرات الكتابية والإملائية لدي من هم مصابين بالدسلكسيا وخاصة عند استعمال الكمبيوتر.
" يحتاج مرضى الدسلكسيا أن يكشف عليهم أخصائيون نفسانيون متخصصون لتقييم كل حالة على حده ثم وضع الحل الملائم لها ، على أنه ليس هناك دواء أو وسيلة للشفاء التام منها.
" لابد من تعاون الشخص نفسه مع أقربائه ومدرسيه في تقليل آثار حالة الدسلكسيا لديه.
" الصبر وطول البال مع من يعاني منهم ضروري للتعامل معهم.
" لابد من إعطاء من يعاني من الدسلكسيا الوقت الملائم له في الامتحانات والواجبات المنزلية.
" عدم إعطاء من يعاني من الدسلكسيا مواد كثيرة مثل اللغة الأجنبية والرياضيات المتقدمة والمعلومات الكثيرة.
" التعرف على الإمكانية الخاصة في أفراد الدسلكسيا والتركيز عليها مثل علوم الكمبيوتر والحرف ، لملاءمتها لتركيبهم الدماغي.
" تقوية الثقة بالنفس لدي من هو دسلكسك.
" إعطاء من هو دسلكسك الوقت الكافي لكتابة المعلومات سواء المكتوبة أو الشفهية واستيعاب الأسئلة والتعليمات.
توعية الوالدين والمدرسين والمدرسات والموجه الاجتماعي ورب العمل بحالة الدسلكسيا وتفهم حالة من يعاني منها.

اعراض مرض الدسلكسيا
كيف نلاحظ من يعاني من الدسلكسيا ؟
إن هناك دلالات تظهر قبل سن التعلم وتدل على أن الطفل في حالة خطر وهي:
" التأخر أو عدم الكلام بوضوح أو خلط الكلمات أو الجمل.
" الصعوبة في تنفيذ بعض الأعمال مثل ارتداء الملابس بصورة طبيعية مثل ربطة العنق وربط الحذاء واستعمال الأزرار.
" طريقة استعمال الأدوات كأن تقع من يده الأغراض أو عندما يحمل كوب الماء يهتز الكوب ويتناثر ما فيه وصعوبة التنسيق فيما يقوم به من أعمال مثل مسك الكرات أو تنطيطها أو رميها بصورة عادية.
" صعوبة التركيز عند الاستماع للقصص أو عندما يقرأ لهم من قصص.
" حالات عائلية سابقة مشابهة.
مع ملاحظة أن ليس كل من هو مصاب بدسلكسيا تظهر عليه كل هذه الدلالات كما أنه ليس كل من يعاني من بعض هذه الدلالات يعتبر أنه يعاني من الدسلكسيا بل قد يكون طفلا عاديا.

هل من الممكن القيام بعمل قبل بدء الدراسة للطفل؟
و هناك طرق متعددة لمساعدة الطفل بتحسين مهاراته كي لا يتعرض للرسوب في المدرسة الموضوع.


الدلائل بالنسبة لأطفال المدارس؟

واحدة من أهم الدلائل للأطفال المصابين بالدسلكسيا هي الصعوبة الغير متوقعة عندهم في التحصيل العلمي في المدرسة مع أنه يظهر عندهم نفس قدرات الطلبة الآخرين الذين ليس لديهم صعوبة في التحصيل العلمي ، ويظهر عليهم أحيانا أن استيعابهم العلمي بطئ مقابل أوقات أخرى يظهروا بحالة لا بأس بها، كما أن الاختلاف في العمر يظهر مشاكل بطرق مختلفة.
الدلالات في الأطفال حتى 9 سنوات :
" صعوبة خاصة في تعلم القراءة والكتابة والتهجئة.
" تكرار واستمرار التبدل في الأرقام مثل 15 لرقم 51 أو ج بحرف خ .
" صعوبة تحديد الاتجاه يمينا أو شمالا.
" صعوبة تعلم حروف الهجاء ، و جداول الضرب وتذكر الأشياء المتتالية مثل أيام الأسبوع والأشهر.
" استمرار صعوبة ربط الأحذية ومسك الكرة أو رميها.
" صعوبة التركيز والمتابعة.
" صعوبة تنفيذ ومتابعة التعليمات سواء كتابة أو قراءة.
" التذمر المؤدي إلى مشاكل سلوكية.
الدلالات في الأطفال ما بين 9 إلى 12 سنة ومنها :
" استمرار الأخطاء في القراءة.
" أخطاء إملائية غريبة كنسيان حروف من كلمات أو وضع الحروف في غير مكانها.
" يحتاج إلى وقت أكثر من المتوسط في الكتابة.
" غير منظم في المدرسة والبيت.
" صعوبة نقل وكتابة المعلومات من السبورة في الفصل أو من الكتاب بصورة دقيقة.
" صعوبة في تذكر أو تحليل التعليمات الشفهية وفهمها.
" يزداد ضعف الثقة بالنفس المؤدية إلى زيادة التذمر.
الدلالات للتلاميذ من هم أكبر من 12 سنة:
" استمرارية القراءة بصورة غير دقيقة أو بتعابير ملائمة.
" أخطاء إملائية متكررة لكن بصور مختلفة.
" صعوبة التخطيط وكتابة المواضيع.
" حصول التخبط في تلقي التعليمات الشفوية أو الأرقام الهاتفية.
" الصعوبة الشديدة في تعلم اللغة الأجنبية.
" قلة المثابرة وقلة الثقة بالنفس.


المصدر
مراجع اجنبية
موقع ذو الاحتياجات الخاصة




http://www.hi-mama.com/forum/%D8%B5%D8%B9%D9%88%D8%A8%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%

hano.jimi
2011-09-25, 21:10
صعوبات التعلم في القراءة



إعداد:د. جميل البابلى



المشاركة الأصلية كتبت بواسطة zatar
اريد مراجع في علم النفس و خاص




أثر برنامج تدريبي معرفي في تنمية مهارات الوعي الصوتي على سرعة القراءة والاستيعاب القرائي لدى طلبة صعوبات التعلم في المرحلة الأساسية بدولة قطر



إعداد: جميل شريف أحمد بابلي



إشراف: الأستاذ الدكتور أحمد أحمد عـواد



نوقشت بجامعة عمان العربية للدراسات العليا، الأردن، 2009م



مقدمة :نوقشت بجامعة عمان العربية للدراسات العليا، الأردن، 2009م



مقدمة :



تشير التقديرات إلى أن الضعف في القراءة ينتشر بنسبة 20 % تقريبا لدى أطفال المدارس الابتدائية، وأن نسبة انتشار هذا الاضطراب لدى البنين أكثر من نسبة انتشاره لدى البنات، وبنسبة تصل إلى الضعف تقريبا ً، وتبلغ نسبة انتشار هذه المشكلة ذروتها في الصفوف الثلاثة الأولى من المرحلة الابتدائية ( الخطيب وأخرون ، 2009 ) وهو ما يمثل خطورة بالغة ومشكلة تستدعي الانتباه والاهتمام، ولأن هذه الصفوف الثلاثة تتسم بالنمو السريع في القراءة مقارنة ببقية الصفوف الأخرى مما يجعل من هذا الاضطراب معطلاً لطاقات فطرية متفجرة لدى هؤلاء الأطفال .



وقد يرجع تزايد نسبة الصعوبات في القراءة والضعف فيها إلى طبيعة عملية القراءة وما تتطلبه من عمليات ومهارات . بحيث يعد من المتعارف عليه في التراث النفسي أن القراءة عملية معرفية مركبة حيث تتطلب كفاءة ذهنية عامة وحدة إدراكية Perceptual Acuity )) وتناسقا حركيا وذاكرة وتركيزا ودافعية وثقافة، وقدرة تعبيرية، ودعما أسريا كما تعد القراءة متطلبا رئيسيا للتحصيل الدراسي، ولذلك فإن الأطفال الضعاف في القراءة عادة ما يكونون ضعافا في التحصيل .



وتعتمد القدرة على القراءة على عمليتين أساسيتين لكي يكون الطفل قارئا جيدا ،وهاتان العمليتان هما القدرة على التمييز الصوتي والقدرة على التمييز الشكلي ( Phonological & Form Discrimination) وقد لوحظ أن الأطفال ذوي صعوبات تعلم القراءة غالبا ما يعانون من صعوبة في تمييز الأصوات رغم سلامة السمع لديهم، مثل هؤلاء ما من شك سوف يعانون من عدم القدرة على التركيز فيما يخص المثيرات السمعية ، وهو ما يشير إلى اضطراب سمعي فيما يخص المثيرات السمعية و فيما يخص الشكل والأرضية ، الأمر الذي ينتج عنه صعوبة لدى هؤلاء الأطفال في التمييز بين الكلمات المتشابهة صوتيا ً، حتى ولو كان هذا التشابه يخص التشابه في الوحدات الصوتية الصغرى (الفونيم ) بين الكلمات المتشابهة كصعوبة التمييز بين كلمتين مثل :( سيف صيف ).







ومن هنا فإننا نجد أن من نتائج العديد من الدراسات والبحوث أن الأطفال الجيدين في القراءة يتسمون بالكفاءة والسرعة في التمييز بين أصوات الحروف والكلمات وبخاصة المتشابهة منها وإذا كانت القدرة على القراءة تتوقف على الكفاءة في سرعة التمييز بين الحروف والكلمات المتشابهة في بعضها أو معظمها، فإننا نود الإشارة إلى أن القدرة على التمييز يوجد بينها وبين عمليتي التحليل والتركيب الصوتي علاقة ارتباطية عالية وموجبة، وهما من العمليات اللازمة للقدرة على القراءة، ولذلك تجد الأطفال ذوي صعوبات القراءة يعانون من قصور واضح في هذه العمليات .( Samuels , 2001 )



ومن الأدلة الأخرى على أن عملية القراءة عملية مركبة نجد حركة العين و النشاط العقلي بنفس الوقت فبالرغم من أن العين تتحرك من اليمين إلى اليسار في النصوص العربية أو من اليسار إلى اليمين في النصوص الإنجليزية ، حيث لا تكتمل الأفكار ولا يتم التمكن من الكلمات إلا بعد أن يتم استكمال أفكار ما تم قراءته Lerner , 2003 ) ) وأن هذه الأفكار وما يتوصل إليها من معان واستنتاجات إنما يتوقف على الوفرة اللغوية لهاديات أوالإطناب في النص المقروء Redundancies ) ( والتي تعني التعبير عن نفس ما في الرسالة من مضمون في صور وأشكال متنوعة، حيث تساهم مثل هذه الاستطرادات في تعزيز وإثراء الرسالة التي يتم التفكير فيها أثناء القراءة، أي أن هذه الوفرة اللغوية هي في حقيقة الأمر هاديات وإلماحات تساعد القارئ في بناء المعنى، ولعل هذا الذي يمكن أن يفسر في ضوئه – في بعض الأحيان – لماذا بعض الأطفال ذوي صعوبات التعلم يقرأون ولايستوعبون ؟



إنهم ببساطة لا يستفيدون مما يوفره سياق النص المقروء من هاديات و إلماحات (Cues) كاشفة للمعنى أو موضحة له، وهذا الأمر يمكن قبوله في مجال صعوبات القراءة إذ غالبا ما يشار إلى أن هؤلاء الأطفال الذين يعانون من اضطراب في واحد أو أكثر من العمليات الأساسية والتي تظهر أثرها في العديد من المجالات ومنها فهم المادة المقروءة والمسموعة .



ومن هنا لا غرو إذا قلنا أن القراءة هي الفهم، وسيلة وغرضا ً ، إذ عادة ما يُعبـَّر عن القراءة بالفهم ، ويعبر عن الفهم القرائي أوالاستيعاب القرائي بالقدرة على الوصول إلى المعنى أو الوصول إلى استنتاج .



وقد وجد من خلال تحليل الأدب النفسي ونتائج البحوث أن الأطفال ذوي صعوبات التعلم في القراءة يعانون من قصور في فهم المادة المقروءة وكذا المسموعة، ولعل ذلك يفسر في ضوء مشكلات العمليات اللغوية لديهم Carlisle , 1990 ) ) حيث يعاني هؤلاء الأطفال من قصور في عمليات :



أولها: التشفير لنظام الرموز الكتابي، أي حساسية ودقة وسرعة الوعي الشعوري بالخصائص الفارقة المميزة بين الأشكال الكتابية أو الإملائية المتشابهة سواء كان ذلك على مستوى الحرف أو الكلمـة .



وثانيها: التشفير الفونيمي ( الصوتي ) أي حساسية ودقة وسرعة الوعي الشعوري بالخصائص الفارقة والمميزة بين الأصوات المتشابهة على مستوى الحرف أو الحرفين أو المقطع الصوتي أو الكلمة،أو التحليل الصوتي، أي الدقة والسرعة في تجزئ الوحدات الصوتية إلى أجزاء صغيرة يمكن التجميع والمزج بينها بسهولة وسرعة، والتوليف الصوتي، وتجهيز السمانتي أو الدلالي أو التجهيز السينتاكتي أي النحوي أو التراكيب اللغوية ( سليمان ، 1996).



( Lerner ,2003 ).



ويشير ستانوفيتش ( Stanovich , 1982 ) إلى أن تشخيص أسباب قصور الفهم لدى الأطفال ذوي صعوبات التعلم في القراءة لا يقف عند حد ما ذكر، بل إن من أسباب قصور الفهم لدى هؤلاء الأطفال إنما يرجع إلى القصور في عمليات ما وراء المعرفة **** Cognitive Process ويبدو أن مهارات التجهيز غير المناسبة التي يعتمد عليها الأطفال ذوو صعوبات التعلم في القراءة تؤثر تأثيرا ً سلبيا ًومطردا ً في تطور ونمو الاستراتيجيات الأساسية في تجهيز اللغة .



وهو ما يفسر أيضا ً لماذا مثل هؤلاء الطلاب يعانون من قصور واضح في فهم المادة المقروءة ، ( Carlisle , 1990 ) ؛ لأنه من المعروف أن فهم المادة المقروءة إنما يعتمد على مكونين رئيسيين : المكون الأول هو القيام بعمل تمثيلات عقلية لقضايا النص، وهو ما يمثل الجانب التطبيقي لعمليات فهم اللغة، أما المكون الثاني: فهو مكون المعالجة العقلية Cognitive Procees وهو المكون الذي يتمثل في تفعيل الاستراتيجيات المناسبة لفهم النص ، وذلك كما يتم تمثل معلوماته في الذاكرة ( Talada , 2007 ) وهو ما يشير إلى أن عملية القراءة عملية نشطة يكون القارئ خلالها مشاركا ً فاعلا ً، بحيث يتفاعل ما هو موجود في النص ومخزون لديه من معلومات ومعرفة سابقة حول ما يقرأه ومن هنا تشير ليرنر (Lerner , 1997 ) إلى أن فهم النص يتضمن تفاعلا نشطا مع النص .



ويرى العديد من الباحثين أنه توجد عمليتان تستخدمان في القراءة وأن اتباع الفرد لأي من العمليتين إنما يتوقف على طبيعة وخصائص ما يتم قراءته، وما إذا كان المقروء بسيطا ومألوفا ً أم مركبا وغريبا ، وهاتان العمليتان تتمثلان في :







أولا ً: التعرف المباشر على الكلمة ككل ( Direct Recognition ) :



وفي هذه الطريقة فإن القارئ عادةً ما يلجأ إليها في القراءة عندما تكون الكلمة المطلوب قراءتها كلمة مألوفة، هنالك فإن القارئ يتعرف عليها من خلال السرعة الفائقة للإدراك الكلي لشكلها ونطقها وذلك من خلال قراءة الكلمة ككل .



ثانيا ً: القراءة الصوتية أو الفونيمية للكلمة Phonetic Reading ) ):



وهي طريقة القراءة الصوتية أو الفونيمية حيث عادة ما يلجأ القارئ إلى هذه الطريقة عندما تواجهه كلمة غير شائعة، هنالك يعمد القارئ إلى التعرف على حروف هذه الكلمة حرفاً حرفاَ ، ورد هذه الرموز الحرفية إلى مقابلها الصوتي ، ثم محاولة القارئ تجميع الفونيمات ، أي أصوات الحروف في وحدات صوتية ، ثم التوليف بين هذه الوحدات الصوتية تمهيدا ً للنطق النهائي للكلمة .



ولعل خير مثال كي نفرّق بين الطريقة الأولى والثانية هو أن تقارن بنفسك كيفية قراءتك لكلمة مألوفة مثل : سيارة وكلمة غير مألوفة مثل : أنلزمكموها.



2010-11-