اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة جمال البليدي
بسم الله الرحمان الرحيم:
تحرير معاني المصطلحات التي يدندن حولها القائلين بالتكفير :
1-معنى مصطلح"التشريع":
كلمة التشريع تعود للفعل "شرع" وَلَهُ معانٍ:
◄الْمَعْنَى الأَوَّل: البيان والإظهار، قَالَ القَاضِي عياض فِي مَشَارِق الأَنْوَارِ(2/248) : «وشرع لكم من الدين أي بينه وأظهره».
◄الْمَعْنَى الثَّانِي: البدء كَقَوْلِهِم : شرع فِي البناء، أيْ: بدأ بِهِ.
والشريعة الأَمْر الظاهر البَيِّنُ، أَوْ الطَّرِيْقُ المسلوكة المستقيمة.
◄وَفِي الشرع(وهذا ما يهمنا في هذا القام): الدين الَّذِي أمر الله عباده أن يتقربوا بِهِ إِلَيْهِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي تهذيب الأَسْمَاءِ(3/153) : «الشَّرِيْعَةُ: ما شرع الله تعالى لعباده من الدين، وقد شرع لهم شرعاً أيْ: سَنَّ.
قال الهروي: قال ابن عرفة: الشرعة والشريعة سواء، وهو الظاهر المستقيم من المذهب، يقال: شرع الله تعالى هذا أي جعله مذهباً ظَاهِراً))
و قد ذكر الواحدي وغيره عن أهل اللغة في قول الله عز وجل: {ثم جعلناك على شريعة من الأَمْر} أقوالاً؛ فَقَالُوا: الشَّرِيْعَةُ: الدين، والملة، والمنهاج، والطريقة، والسُّنَّة، والقصد. قَالُوا: وبذلك سميت شريعة النهر لأَنَّهُ يوصل منها إلى الانتفاع.
والشرائع في الدين: المذاهب التي شرعها الله تعالى لخلقه» انْتَهَى كلام النَّوَوِيِّ.
وقَالَ ابن منظور فِي لِسَان العَرَبِ(8/176) : «والشريعة والشرعة: ما سَنَّ اللهُ من الدينِ وأمر به كالصوم والصلاة والحج والزكاة وسائر أعمال البِرِّ».
بل يَدْخُلُ فِي الشرع جَمِيْعُ أمور الدين الَّذِي أمر الله بِهِ ومنه أمور الاعتقاد لأَنَّ الله -عَزَّ وَجَلَّ- وضح ذَلِكَ وَبَيْنَهُ فِي كتابه، وَفِي سنه رسوله -صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم-.
لِذَلِكَ نجد من العُلَمَاء من سمى كتابه فِي المعتقد بـ"الشَّرِيْعَةِ" وَهُوَ الإمَام أبُو الْحُسَيْن الآجُرِّيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-.
قَالَ تَعَالَى: { لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} أيْ: سبيلاً وسنة، كَمَا فسرها بِذَلِكَ عبدالله بن عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- وَهُوَ صَحِيْحٌ عَنْهُ.
وَقَالَ تَعَالَى: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً} الآية أيْ: وَضَّحَ وَبَيَّنَ لَكُمْ من الدين..
وَقَالَ تَعَالَى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }الشورى21
علق البُخَارِيُّ فِي صَحِيْحِهِ-كِتَابُ التَّفْسِيْرِ-تَفْسِيْر سورة الشورى عن مُجَاهِدٍ -رَحِمَهُ اللهُ- : {شرعوا} : ابتدعوا.
قال ابن جرير -رحمهُ اللهُ- فِي تفسيره ( 25/21 ) : "يقول تعالى ذكره: أم لهؤلاء المشركين بالله {شركاء} في شركهم وضلالتهم ، {شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} يقول: ابتدعوا لهم من الدين ما لم يبح الله لهم ابتداعه " .
وَقَالَ تَعَالَى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ }الجاثية18
قَالَ ابن جَرِيْرٍ فِي تَفْسِيْرِهِ(25/146) : «{عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ} يَقُول: على طريقة وسنة ومنهاج من أمرنا الذي أمرنا به مَنْ قبلك مِنْ رُسُلِنَا، {فاتبعها} يَقُول: فاتبع تلك الشريعة التي جعلناها لَكَ، {ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون} يَقُول: ولا تتبع ما دعاك إليه الجاهلون بالله الذين لا يعرفون الحق من الباطل فتعمل به فتهلك إن عملت بِهِ».
2-معنى الطاغوت وكيف يكون الكفر بالطاغوت :
الطاغوت هو« كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع » قاله ابن القيم رحمه الله ( أعلام الموقعين 1/50 ) .
قال الإمام ابن عثيمين تعليقاً على كلام ابن القيم - رحمهما الله - ( القول المفيد 1/30 ) :
« ومراده : من كان راضياً . أو يقال : هو طاغوت باعتبار عابده , وتابعه , ومطيعه ؛ لأنه تجاوز به حده حيث نزّله فوق منزلته التي جعلها الله لـه , فتكون عبادته لهذا المعبود , واتباعه لمتبوعه , وطاعته لمطاعه : طغياناً ؛ لمجاوزته الحد بذلك » انتهى .
◄هل كل طاغوت كافر ؟
الجواب : لا.. فقد يكون الطاغوت ليس كافرا لكنه رأس في الضلالة والبدعة وقد يكون من الجمادات وقد يكون كافرا كذلك.
◄بيان أن الطاغوت يطلق على كل رأس في الضلال:
قال العلامة القرطبي - رحمه الله - ( تفسيره 5/75 ، تحت آية النحل 36 : ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) :
« أي : اتركوا كل معبود دون الله ؛ كالشيطان , والكاهن , والصنم , وكل من دعا إلى الضلال » انتهى .
وقال العلامة الفيروز آبادي - رحمه الله - ( القاموس ، مادة : طغا ) :
« والطاغوت : اللات , والعزى , والكاهن , والشيطان , وكل رأس ضلال , والأصنام، وما عبد من دون الله , ومردة أهل الكتاب » انتهى .
◄بيان إطلاق بعض أهل العلم وصف الطاغوت على بعض أهل الذنوب غير المكفرة:
قال العلامة الراغب الأصفهاني - رحمه الله - ( مفرداته ص 108 ، مادة : طغى ) :
« الطاغوت عبارة عن : كل متعدٍّ , وكل معبود من دون الله . . .
ولما تقدم : سُمّي الساحر , والكاهن , والمارد من الجن , والصارف عن طريق الخير : طاغوتاً » انتهى .
وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - ( الدرر 1/137 ) :
« والطواغيت كثيرة , والمتبين لنا منهم خمسة : أولهم الشيطان , وحاكم الجور , وآكل الرشوة , ومن عُبدَ فرضِيَ , والعامل بغير علم » انتهى .
◄كيف يكون الكفر بالطاغوت ؟
إن الكفر بالطاغوت أحد ركني شهادة لا إِلَهَ إلاَّ اللهُ.
قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أنِ اعْبُدُوا اللهَ واجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلِيهِ الضَّلالَةُ}، {فمنْ يكفُرْ بالطَّاغُوتِ ويؤمنْ باللهِ فقدِ استمسكَ بالعُرْوةِ الوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا واللهُ سميعٌ عليمٌ}.
والكفر بالطاغوت يكون بالقلب واللسان والجوارح :
◄أما الكفر بالطاغوت بالقلب: فأن يعتقد أن لا ربَّ وأن لا إِلَهَ يعبد بحقٍّ إلاَّ اللهُ ، وأنَّ كلَّ ما سواه من أرباب وآلهةٍ ومعبودات فهي باطلة ، وأن يعتقد أنه لا يجوز صرف شيء من العبادة لغير الله الواحد القهار .
ويبغض الطواغيت سواء من كان كافراً منهم أو رأساً في الضلالة، ويعتقد كفر من كفره الله ورسوله .
◄وأما الكفر بالطاغوت باللسان: فيكون بالتبرؤ من الطواغيت ، والتبرؤ من عبادتها، وبمعاداة الكفار، والتبرؤ منهم.
ويكفي في الأصل النطق بالشهادة في البراءة القولية من الطاغوت إلا إذا كان متلبساً بشيء من ذلك ويكون قد لزمه البيان بعد التوبة، أو ممن رأى منكراً فيغيره بلسانه إذا لم يقم غيره بهذا الإنكار.
◄وأما الكفر بالطاغوت بالجوارح: فهو بالابتعاد عن عبادة الطواغيت، وبعدم صرف شيء من العبادة لغير الله ، وبمجاهدة عبدة الطواغيت على قدر استطاعته.
3-معنى "الدين":
الدين شرعاً: هو اعتقاد قداسة ذات ، ومجموعة السلوك الذي يدل على الخضوع لتلك الذات ذلاً وحباً ، ورغبة ورهبة (انظر: دراسات في الأديان للدكتور سعود الخلف(ص/7) .)
وعرفه الكثير بأنه : الشرع الإلهي المتلقى عن طريق الوحي .
والأول أصح لأنه يشمل الدين الحق والباطل كما قال تعالى: {لكم دينكم ولي دين}.
ودين الإسلام هو : الاستسلام لله بالتوحيد ، والانقياد له بالطاعة ، والخلوص من الشرك والبراءة منه ومن أهله.
فمعنى الدين راجع إلى معنى العبادة التي لا تكون إلا مع الخضوع ، والخوف والرجاء والمحبة كما يظهر ذلك من تعريف الدين في الشرع ، ومما سبق بيانه في الفصل الأول عند بيان معنى العبادة.
فلا بد من التفريق بين معنى "الدين" في اللغة ، وبين الدين في الشرع .
فقوله تعالى: {ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله} ليس معناه في دينه الشركي الكفري ، وإنما في مُلْك الملك وتحت سلطانه .
فكونه في دين الملك وتحت سلطانه ليس كفراً ولا شركاً إذا كان موحداً غير متدين بدين غير الإسلام.
قال ابن جرير الطبري -رحمَهُ اللهُ- : "يقول ما كان يوسف ليأخذ أخاه في حكم ملك مصر وقضائه وطاعته منهم ، لأنه لم يكن من حكم ذلك الملك وقضائه أن يسترق أحد بالسرق ، فلم يكن ليوسف أخذ أخيه في حكم ملك أرضه إلا أن يشاء الله بكيده الذي كاده له ، حتى أسلم من وجد في وعائه الصواع إخوته ورفقاؤه بحكمهم عليه ، وطابت أنفسهم بالتسليم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل" تفسير الطبري(13/24) .
4-معنى لفظ"التبديل":
مصطلح "التبديل" في لغة الفقهاء وعرف العلماء معناه الحكم بغير ما أنزل الله على أنه من شرع الله، وفي ذلك يقول ابن العربي في "أحكام القرآن" (2/624): "إن حكم بما عنده على أنه من عند الله، فهو تبديل يوجب الكفر"
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (الشرع المبدل وهو الكذب على الله ورسوله، أو على الناس بشهادات الزور، ونحوها من الظلم البين؛ فمن قال إن هذا من شرع الله، فقد كفر بلا نزاع) (الفتاوى 3/268)
وقال القرطبي -رحمَهُ اللهُ- في تفسير قوله تعالى: {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون} : "في هذه الآية والتي قبلها التحذير من التبديل والتغيير والزيادة في الشرع ، فكل من بدَّل وغيَّرَ ، أو ابتدع في دين الله ما ليس منه ولا يجوز فيه : داخل تحت هذا الوعيد الشديد ، والعذاب الأليم ، وقد حذر رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أمته لما قد علم ما يكون في آخر الزمان فقال: ((ألا إنَّ من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة ، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة…)) الحديث ، فحذرهم أن يحدثوا من تلقاء أنفسهم في الدين خلاف كتاب الله أو سنته أو سنة أصحابه فيضلوا به الناس ، وقد وقع ما حذره وشاع ، وكثر وذاع ؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون".
5-معنى شرك الطاعة :
شرك الطاعة أي الطاعة في المعصية مع اعتقاد حلها أما الطَّاعَة بِمَعْنَى المتابعة مَعَ اعتقادهم بحرمة مَا حرمه الشرع، وحل مَا أحله الشرع فَهَذَا لَيْسَ كفراً أَكْبَ وليس شركا.
قالَ الشَّيْخُ سليمانُ بنُ عبدِاللهِ بنِ شيخِ الإسلامِ محمدِ بنِ عبدِالوهابِ -رَحِمَهُمُ اللهُ- فِي تَيْسِيْرِ العَزِيْزِ الْحَمِيْدِ فِي شَرْحِ كتابِ التَّوْحِيْدِ: قَالَ شيخُ الإسْلاَمِ -رَحِمَهُ اللهُ-: «وهَؤلاَءِ الَّذِيْنَ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُوْنِ اللهِ حَيْثُ أَطَاعُوهُمْ فِي تَحْلِيلِ مَا حَرَّمَ اللهُ، وَعَكْسُهُ؛ يَكُونُونَ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أنَّهُم يَعْلَمُونَ أنَّهُمْ بَدَّلُوا دِيَْنَ اللهِ، فَيَتَّبِعُونَهُمْ عَلَى التَّبْدِيْلِ فَيَعْتَقِدُونَ تَحْلِيلَ مَا حَرَّمُ اللهُ، وَتَحْرِيْمَ مَا أَحَلَّ اللهُ اتِّبَاعاً لِرُؤسَائِهِمْ مَعَ عِلْمِهِمْ أنَّهُمْ خَالَفُوا دِيْنَ الرُّسُلِ؛ فَهَذَا كُفْرٌ، وَقَدْ جَعَلَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ شِرْكاً، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا يُصَلُّونَ لَهُمْ وَيَسْجُدُونَ.
الثَّانِي: أنْ يَكُونَ اعْتِقَادُهُمْ وَإِيْمَانُهُمْ بِتَحْرِيْمِ الْحَلالِ، وَتَحْلِيْلِ الْحَرَامِ ثَابِتاً ، لَكِنَّهُمْ أطَاعُوهُمْ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، كَمَا يَفْعَلُ الْمُسْلِمُ مَا يَفْعَلُهُ مِنَ الْمَعَاصِي الَّتِي يَعْتَقِدُ أنَّهَا مَعَاصِي؛ فَهَؤُلاَءِ لَهُمْ حُكْمُ أَمْثَالِهِمْ مِنْ أَهْلِ اِلذُّنُوبِ كَمَا ثَبَتَ فِي «الصَّحِيْحَيْنِ» عَنِ النَّبِيِّ- صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم- أنَّهُ قَالَ: ((إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ )) (رَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيْحِهِ(رقم6830)، ومُسْلِمٌ(رقم1840) عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِب -رَضِيَ اللهُ عنهُ-.) .
6-معنى مصطلح" الإلتزام":
فالالتزام في اصطلاح العلماء وعرف الفقهاء هو الإيجاب على النفس. فقولهم: التزم أحكام الإسلام، معناه أوجب على نفسه الأخذ بها، وإن لم يعمل بها((أنظر: معجم لغة الفقهاء للدكتور محمد رواس قلعجي:ص86)
. وقد أوضح ذلك أيضا الشيخ السعدي رحمه الله في تفسير الآية نفسها، فقال: (ومن ترك التحكيم المذكور، غير ملتزم له، فهو كافر، ومن تركه مع التزامه، فله حكم أمثاله من العاصين).
فقوله: (ومن تركه مع التزامه) يعني مع إذعانه لها وعدم ردها وإن لم يعمل بها، وإلا تناقض كلامه.
ومما يؤكد ذلك: استعمال ابن تيمية لهذا المصطلح في عامة كتبه، ومن ذلك قوله في مسألة تكفير تارك الصلاة:
وتكفير تارك الصلاة هو المشهور المأثور عن جمهور السلف من الصحابة والتابعين . ومورد النزاع هو فيمن أقر بوجوبها والتزم فعلها ولم يفعلها ا.هـ
لاحظ قوله " التزم فعلها ولم يفعلها " يفيد أن معنى الالتزام غير معنى المداومة على الفعل فقد يكون الرجل ملتزماً لها لكنه لا يفعلها ، فالالتزام الذي ينبني على تركه الكفر أمر عقدي قلبي لا فعلي ؛ لذا لما أراد ابن تيميه التعبير بالالتزام الفعلي قيده بوصف ( الفعلي ) ثم لم يجعله مكفراً لذاته بل لأمر آخر عقدي فقال – بعد النقل المتقدم -: أن لا يجحد وجوبها ، لكنه ممتنع من التزام فعلها كبراً أو حسداً أو بغضاً لله ورسوله ، فيقول: اعلم أن الله أوجبها على المسلمين ، والرسول صادق في تبليغ القرآن ، ولكنه ممتنع عن التزام الفعل استكباراً أو حسداً للرسول ، أو عصبية لدينه ، أو بغضاً لما جاء به الرسول ، فهذا أيضاً كفر بالاتفاق ، فإن إبليس لما ترك السجود المأمور به لم يكن جاحداً للإيجاب ، فإن الله تعالى باشره بالخطاب ، وإنما أبى واستكبر وكان من الكافرين ا.هـ فلاحظ أنه لم يجعل ترك الالتزام الفعلي مكفراً لذاته ، بل لما احتف به اعتقاد كفري ، وهو الكبر والحسد أو بغض الله ورسوله . مجموع الفتاوى: الثالث(20/95).
7-معنى"ترك الإنقياد":
معناه عند أهل العلم الخضوع للأمر، وإن لم يفعل المأمور به؛ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " كلام الله خبر، والخبر يستوجب تصديق المخبر، والأمر يستوجب الانقياد له والاستسلام، وهو عمل في القلب، جماعه: الخضوع والانقياد للأمر، وإن لم يفعل المأمور به، فإذا قوبل الخبر بالتصديق، والأمر بالانقياد، فقد حصل أصل الإيمان في القلب، وهو الطمأنينة والإقرار )) الصارم المسلول(3/967).
|
كل مانقلته هو حجة عليك كيف توالي الطاغوت وفي نفس الوقت تكفر به
والكفر بالطاغوت يكون بالقلب واللسان والجوارح :
◄أما الكفر بالطاغوت بالقلب: فأن يعتقد أن لا ربَّ وأن لا إِلَهَ يعبد بحقٍّ إلاَّ اللهُ ، وأنَّ كلَّ ما سواه من أرباب وآلهةٍ ومعبودات فهي باطلة ، وأن يعتقد أنه لا يجوز صرف شيء من العبادة لغير الله الواحد القهار .
ويبغض الطواغيت سواء من كان كافراً منهم أو رأساً في الضلالة، ويعتقد كفر من كفره الله ورسوله .
◄وأما الكفر بالطاغوت باللسان: فيكون بالتبرؤ من الطواغيت ، والتبرؤ من عبادتها، وبمعاداة الكفار، والتبرؤ منهم.
ويكفي في الأصل النطق بالشهادة في البراءة القولية من الطاغوت إلا إذا كان متلبساً بشيء من ذلك ويكون قد لزمه البيان بعد التوبة، أو ممن رأى منكراً فيغيره بلسانه إذا لم يقم غيره بهذا الإنكار.
◄وأما الكفر بالطاغوت بالجوارح: فهو بالابتعاد عن عبادة الطواغيت، وبعدم صرف شيء من العبادة لغير الله ، وبمجاهدة عبدة الطواغيت على قدر استطاعته.