معظم المشاركات كأنها بيان حكومي في نشرة الثامنة يندد بالأعمال التخريبية المعزولة و يتهم أيادي أجنبية بالوقوف وراء الأحداث . و تتجاهل الأسباب العميقة رواء اندلاع هذه الاحتجاجات و هي فشل النظام في بناء دولة محترمة و تحقيق النمو الاقتصادي و تقليص البطالة بالنظر للإمكانيات المادية المتاحة لنا . السلطة هي المسؤول الاول و الاخير عن ما يحدث , هي التي فككت المجتمع السياسي و خلقت أحزابا أليفة لا تعبر عن إنشغالات المواطن , و نصبت لنا برلمان مهزلة و عاثت في المال العام فسادا و نهبا . السلطة التي واجهت مظاهرة سلمية للاطباء بكل أشكال القمع و الإهانة السلطة التي لا تحترم المواطن و تسخر منه كل يوم في بياناتها و عبر الإعلام الرسمي . هؤلاء لا يحسون بمعاناة الفقراء و البطالين و لا يهمهم ان يعيش الشعب في البؤس ما لم يتحرك هذا الأخير لإسماع صوته . و عندما تفشل النخب و الخطاب الرصين في تحريك هؤلاء المجرمين لا يبقى للمواطن البسيط سوى لغة العنف ليعبر بها عن سخطه . و مهما كانت ردود الفعل عنيفة فالمفروض ان يتوجه الإخوة باللوم للسلطة لأنها هي من تسبب في ذلك لا ان نردد نفس الخطاب الرسمي بأن الدولة فعلت ما عليها و ان هناك اياد أجنبية وراء الاحداث . و بدل ان نلوم المراهق الذي كسر و خرب كان يجب ان نلوم الحكومة التي أوصلت الاوضاع لهذه الحالة من التعفن و الإهمال و الإستهزاء بالمواطنين ..... و العجيب هو أن أحد الإخوة يقول أن الأحداث خلفت خسائر بمليارات الدولارات و صاحب الموضوع يعقب عليه ليصفه بالمثقف .... و شخص أخر علق في موضوع مشابه انه لا يجب دفع منكر بمنكر اكبر منه , فهل تخريب بعض الممتلكات العمومية و الشعبية أكبر من تخريب هؤلاء المفسدين للدولة ؟؟ ..... ثم تجد من ينشر لنا الفتاوى الجاهزة بتحريم المظاهرات و المسيرات و الإضرابات .
هنا اود أن أشير للمفكر الإجتماعي الإيطالي أنطونيو غرامشي الذي شرح لنا كيف أن كل نظام سياسي حاكم لابد له من نخب مثقفة تساعد على تبرير وجوده و إعطاءه الشرعية . فعمدت السلطة الاموية مثلا إلى تشجيع عقيدة الجبر و شجعت الكنيسة على تكريس سلطة الملوك و النبلاء بنظرية الحق الإلهي و عندما نشات طيقة بورجوازية معادية لسلطة النبلاء إستعانت بطبقة من المثقفين المعادين للكنيسة لإسقاط الشرعية عن حكم الملوك و خدم الفكر الوهابي و لا يزال نظام الحكم الوراثي لآل سعود . و اطلق غرامشي على هذه النخب المبررة للنظم السياسية الحاكمة بالنخب التقليدية التي لا تنتقد النظام و تشيطن كل حركة تهدده . و مثل ذلك وسائل الإعلام الرسمية و البرامج الدراسية و خطباء الجمعة و الأقلام المأجورة التي تدافع عن الوضع القائم . هؤلاء يدافعون من حيث يدرون أو لا يدرون على مصالح الفئات الحاكمة التي تستغل المواطن و تأكل حقوقه و في الجهة المقابلة يعتبر غرامشي ان المثقف العضوي هو المثقف الذي يعبر عن مصالح الشعب و الفئات المحرومة ..... تعمل الفتاوى الجاهزة لفقهاء السلاطين والإعلام الرسمي عمل المخدر و المهدأ لإمتصاص الغضب الشعبي عندما تجعل الأيادي الخارجية مسؤولة عن كوارث الانظمة الحاكمة و تشيد بإنجازات الحكومة و تصف المعترضين بالجهل و الخيانة و العمالة و مخالفة الأوامر الإلهية . إن أي تحليل للأحداث لا يتجه بإصابع الإتهام للسلطة الفاسدة و يجعل الامر مؤامرة خارجية هو خطاب النخب العميلة للسلطة . التحليل الذي يلقي بالمسؤولية على الشباب المتهور الجاهل هو تحليل سطحي , فالمسالة اكبر من مجرد طيش مراهقين . كل خطاب يحرم التظاهر و الاحتجاج و الإضراب هو خطاب لتكريس الظلم و الإهانة و الذل و السكوت على المنكر . و من السذاجة ان نلكف نظاما فاسدا مسؤولية تغيير نفسه و نكتفي بالدعاء في المساجد بأن يهدي الله ولاة أمورنا ..... و لا يعني هذا أنني اطالب بالتخريب و الفوضى لكنني لا احتمل ان نفسر الامور بشكل سطحي ...... كنت اتمنى ان تركز المشاركات على الاسباب الفعلية و تتوجه بالنقد اللاذع للسلطة و تفكر في انجع السبل للتغيير و إسماع صوت الشعب . لا ان نعيد إنتاج الخطاب التقليدي و نلقي كل اللوم على المحتجين .