نقض أصول العقلانيين - منتديات الجلفة لكل الجزائريين و العرب

العودة   منتديات الجلفة لكل الجزائريين و العرب > منتديات الدين الإسلامي الحنيف > القسم الاسلامي العام

القسم الاسلامي العام للمواضيع الإسلامية العامة كالآداب و الأخلاق الاسلامية ...

في حال وجود أي مواضيع أو ردود مُخالفة من قبل الأعضاء، يُرجى الإبلاغ عنها فورًا باستخدام أيقونة تقرير عن مشاركة سيئة ( تقرير عن مشاركة سيئة )، و الموجودة أسفل كل مشاركة .

آخر المواضيع

نقض أصول العقلانيين

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 2012-09-25, 15:14   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
فقير إلى الله
عضو محترف
 
الصورة الرمزية فقير إلى الله
 

 

 
إحصائية العضو










B11 العقل في الحديث النبوي:

العقل في الحديث النبوي:

لا يكاد يوجد لفظ العقل المصدر في كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث صحيح إلا في مثل الحديث الذي في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري قال: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أضحى أو فطر إلى المصلى فمر على النساء فقال: ((يا معشر النساء تصدقن فإني أريتكن أكثر أهل النار)) فقلنا: وبم يا رسول الله؟ قال: ((تكثرن اللعن وتكفرن العشير ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن)) . قلنا: وما نقصان عقلنا وديننا يا رسول الله؟ فقال: ((أليس شهادة المرأة نصف شهادة الرجل؟)) قلنا: بلى. قال: ((هذا من نقصان عقلها)) . قال: ((وإذا حاضت لم تصل ولم تصم)) . قلنا: بلى. قال: ((فهذا من نقصان دينها)) (1) .
وبالنظر في الأحاديث الوارد فيها ذكر (العقل) نجدها ثلاثة أنواع:
قسم ورد فيه العقل بمعنى الدية وهذا لا يدخل في بحثنا.
قسم ورد فيه لفظ العقل بصيغة الفعل ومثال ذلك ما رواه علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ وعن المعتوه - أو قال المجنون - حتى يعقل وعن الصغير حتى يشب (2) .
قسم ورد فيه لفظ العقل بصيغة المصدر وهو المقصود هنا كما في حديث أبي سعيد السابق. وأما غيره من الأحاديث فقد ضعفها العلماء كما سيأتي
__________
(1) البخاري (1/116) ومسلم (1/86) .
(2) صحيح أبي داود (3701) بعدة ألفاظ. وانظر الإرواء (2/5) .









 


رد مع اقتباس
قديم 2012-09-25, 15:18   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
فقير إلى الله
عضو محترف
 
الصورة الرمزية فقير إلى الله
 

 

 
إحصائية العضو










افتراضي العقل عند العلماء:

العقل عند العلماء:
قال القاضي أبو يعلى ((العقل ضرب من العلوم الضرورية وهو مثل العلم باستحالة اجتماع الضدين وكون الجسم في مكانين ونقصان الواحد عن الاثنين)) ثم ذكر تعريفات بعض العلماء له فقال: ((وقال أبو الحسن التميمي.. العقل ليس بجسم ولا صورة ولا جوهر وإنما هو نور فهو كالعلم. وقال أبو محمد البربهاري: وليس العقل باكتساب وإنما هو فضل من الله)) ((وقال بعضهم: قوة يفصل بها بين حقائق المعلومات. وقال أبو بكر بن فورك: هو العلم الذي يمتنع به من فعل القبيح. وقال بعضهم ما حسن معه التكليف)) ثم قال أبو يعلى ((ومعنى ذلك كله متقارب ولكن ما ذكرناه أولى لأنه مفسر وهو قول الجمهور من المتكلمين)) .
... وعن أحمد بن حنبل رحمه الله قال: ((العقل غريزة)) قال القاضي ((ومعنى قوله غريزة أنه خلق لله تعالى ابتداءً وليس باكتساب للعبد خلافاً لما حكي عن بعض الفلاسفة أنه اكتساب)) (1) .
... وقال الإمام أبو عبد الله المازري رحمه الله ((اختلف الناس في العقل ما هو فقيل هو العلم وقيل بعض العلوم الضرورية وقيل قوة يميز بها بين حقائق المعلومات)) (2) .
... وقال الإمام أبو القاسم الأصبهاني ((وقال بعضهم العقل على ثلاثة أوجه عقل مولود مطبوع وهو عقل ابن آدم الذي به فضل على أهل الأرض وهو محل التكليف والأمر والنهي وبه يكون التدبير والتمييز.
... والعقل الثاني: ((عقل التأييد الذي يكون مع الإيمان معاً. وهو عقل الأنبياء والصديقين وذلك تفضل من الله تعالى. والعقل الثالث: هو عقل التجارب والعبر وذلك ما يأخذه الناس بعضهم من بعض)) (3)
.
... قلت: والشاهد من قوله: العقل الأول.
__________
(1) العدة في أصول الفقه (1/83-86)

... وانظر: الأحياء 1/117 وكشاف الاصطلاحات 4/1027 والحدود للباجي 31 والتعريفات 157 والمسودة 556 وغيرها وكلها لا تخرج عما ذكرت.
(2) شرح النووي على مسلم (2/68) .
(3) الحجة في بيان المحجة (1/320) .
_____________________________________________
.. وقال ابن الجوزي ((إن أعظم النعم على الإنسان العقل. لأنه الآلة في معرفة الإله سبحانه والسبب الذي يتوصل به إلى تصديق الرسل)) (1) .
... وقال النسفي ((هو قوة للنفس بها تستعد للعلوم والادراكات)) (2) .
... وقال شيخ الإسلام ((العقل في لغة العرب يتناول العلم والعمل بالعلم جميعاً ومن أهل الكلام من يجعله اسماً لنوع من العلم فقط فيقول هو نوع من العلوم الضرورية ومن الناس من يريد به العمل بالعلم كما ذكره أبو البركات. وقد يراد بالعقل القوة التي في الإنسان وهي الغريزة التي بها يحصل له ذلك العلم والعمل به ولهذا كان في كلام السلف كأحمد والحارث المحاسبي وغيرهما اسم العقل يتناول هذه الغريزة)) (3) .
... وقال في موضع آخر ((العقل في لغة المسلمين مصدر عقل يعقل عقلاً وهو أيضاً غريزة في الإنسان فمسماه من باب الأعراض)) (4) . وقال ((العقل قد يراد به القوة الغريزية في الإنسان التي بها يفعل وقد يراد به نفس أن يعقل ويعي ويعلم فالأول قول الإمام أحمد وغيره من السلف: العقل غريزة والحكمة فطنة. والثاني قول طوائف من أصحابنا وغيرهم: العقل ضرب من العلوم الضرورية. وكلاهما صحيح فإن العقل في القلب مثل البصر في العين يراد به الإدراك تارة ويراد به القوة التي جعلها الله في العين يحصل بها الإدراك. فإن كل واحد من علم العبد وإدراكه، ومن علمه وحركته حول. ولكل منهما قوة ولا قوة إلا بالله)) (5) .

__________
(1) تلبيس إبليس (3) .
(2) نقلاً عن: العقل في مجرى التاريخ (30) .
(3) الصفدية (2/257) .
(4) الرد على المنطقيين (196) .
(5) الاستقامة (2/161) .
__________________________________________________ __
.. قلت: هذه بعض تعريفات العقل عند علماء المسلمين تُفيد في مجملها بأن العقل غريزة قد وهبها الله سبحانه وتعالى لمخلوقه (الإنسان) ليتميز بها عن غيره من المخلوقات في إدراك عالمه الذي يحيط به أو إن شئت فقل ((هو ملكة في النفس تستعد بها للعلوم والإدراكات)) (1) مستعيناً بمجموعة من الحواس التي تشكل نافذة له على هذا العالم الرحيب ومعتمداً في أعماله على عدة ملكات وهبها الله للإنسان ليستقيم بها عمل العقل، حصرها بعض العلماء في خمس ملكات هي:
ملكة الإرادة.
ملكة الإدراك.
ملكة الاستنتاج.
ملكة الحافظة.
ملكة الذاكرة (2) .

محل العقل:
أما محل العقل فقد قال القاضي أبو يعلى ((محل العقل القلب ذكره أبو الحسن التميمي في كتاب العقل فقال: الذي نقول به أن العقل في القلب يعلو نوره إلى الدماغ فيفيض منه إلى الحواس ما جرى في العقل. ومن الناس من قال هو في الدماغ. وقد نص أحمد رحمه الله على مثل هذا القول فيما ذكره أبو حفص ابن شاهين في الجزء الثاني من أخبار أحمد بإسناده عن فضيل بن زياد وقد سأله رجل عن العقل أين منتهاه من البدن؟ فقال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: العقل في الرأس أما سمعت إلى قولهم: وافر الدماغ والعقل واحتج هذا القائل بأن الرأس إذا ضرب زال العقل. ولأن الناس يقولون: فلان خفيف الرأس وخفيف الدماغ ويريدون به العقل.
وهذا غير صحيح لقوله تعالى: (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب) وأراد به العقل فدل على أن القلب محله. لأن العرب تسمي الشيء باسم الشيء إذا كان مجاوراً له أو كان بسبب منه.

__________
(1) العقل في مجرى التاريخ (10) .
(2) العقل والنفس والروح - الوائلي (115) .










رد مع اقتباس
قديم 2012-09-25, 15:47   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
فقير إلى الله
عضو محترف
 
الصورة الرمزية فقير إلى الله
 

 

 
إحصائية العضو










B11 العقل عند الفلاسفة (1) :

العقل عند الفلاسفة (1) :
فأما الفلاسفة فقد كثر اضطرابهم في ذلك كحالهم في كل قضية يناقشونها فالعقل عندهم يطلق على عدة معاني منها:
العقل جوهر بسيط مدرك للأشياء بحقائقها (2) .
وهذا الجوهر ليس مركباً من قوة قابلة للفساد، وإنما هو مجرد عن المادة في ذاته مقارن لها في فعله.
العقل قوة النفس التي بها يحصل تصور المعاني، وتأليف القضايا، فهو قوة تجديد تنتزع الصور من المادة، وتدرك المعاني الكلية ولهذه القوة عندهم مراتب:
مرتبة العقل الهيولاني وهو الاستعداد المحض لإدراك المعقولات، ونسب إلى الهيولي لأن النفس في هذه المرتبة تشبه الهيولي الأولى الخالية في حد ذاتها من الصور كلها والعقل الهيولاني مرادف للعقل بالقوة، وهو العقل الذي يشبه الصفحة البيضاء التي لم ينقش عليها شيء بالفعل.
مرتبة العقل بالملكة، وهو العلم بالضروريات واستعداد النفس بذلك لاكتساب النظريات.
مرتبة العقل بالفعل: وهو أن تصير النظريات مخزونة عند القوة العاقلة بتكرار الاكتساب بحيث يحصل لها ملكة الاستحضار متى شاءت من غير تجشم كسب جديد لكنها لا تشاهدها بالفعل.
مرتبة العقل المستفاد: وهو أن تكون النظريات حاضرة عند العقل لا تغيب عنه (3) .

__________
(1) استفدت كثيراً مما جاء في هذا المبحث من مقدمة الدكتور: موسى الدويش لكتاب شيخ الإسلام (بغية المرتاد) مع ما تيسر من إضافات.
(2) رسالة في حدود الأشياء للكندي، تحقيق يوحنا مخيمر ص 33 دار المشرق بيروت.
(3) انظر المعجم الفلسفي د- جميل صليبا 2/86.
____________________________________
وعند هذا العقل الأخير يتم النوع الإنساني، وكل عقل من هذه العقول قد يكون عقلاً بالقوة بالنسبة إلى ما فوقه، وعقلاً بالفعل بالنسبة إلى ما تحته، ولا يتم له الانتقال من القوة إلى الفعل إلا بواسطة عقل مفارق هو دائماً بالفعل، وهو العقل الفعال (1) ، ومنزلته فوق العقل الإنساني تفيض عنه الصور على عالم الكون والفساد فتكون موجودة فيه من حيث هي فاعلة، أما في عالم الكون والفساد فهي لا توجد إلا من جهة الانفعال،، وإذا أصبح العقل الإنساني شديد الاتصال بالعقل الفعال كأنه يعرف كل شيء من نفسه سمي بالعقل القدسي.
وهذا كله مأخوذ من قول أرسطو (2) (إن العقل الفاعل هو العقل الذي يجرد المعاني أو الصور الكلية من لواحقها الحسية الجزئية على حين أن العقل المنفعل هو الذي تنطبع فيه هذه الصور) .
وقد اختلف شراح أرسطو في هذا العقل الفاعل، أو الفعال المفارق للمادة.
فذهب الاسكندر الأفروديسي إلى أن هذا العقل الفعال هو الله، لأن الله عقل محض مفارق للمادة عند أرسطو، وكذلك هذا العقل، وهو التأويل الذي اختارته المدرسة الأوغسطينية عامة في العصور الوسطى.
وذهب متفلسفة الإسلام إلى أن هذا العقل هو أحد العقول أو الجواهر المفارقة التي تحرك الأجرام السماوية وبناء عليه أسندوا إليه ثلاث وظائف كبرى: تحريك عالم ما تحت القمر، إفاضة الصور العقلية على النفس، فإفاضة الصور الجوهرية على الموجودات مطلقين عليه من جراء ذلك اسم ((واهب الصور)) .
وذهب فريق ثالث، وعلى رأسهم ثامسطيوس (317-388م) والقديس توما الاكويني (1225-1274م) إلى أنه قوة من قوى النفس (3) .
__________
(1) تاريخ الفلسفة العربية: د- جميل صليبا 255.
(2) المعجم الفلسفي د- جميل صليبا ص 86، شروح على أرسطو ص 31 وما بعدها تحقيق د- عبد الرحمن بدوي.
(3) أرسطو المعلم الأول، لماجد فخري 73-74 ط الثانية 1977م الأهلية للنشر والتوزيع بيروت.

___________________________
وذهب يوسف كرم إلى أن عبارة العقل الفعال من كلام الشراح وابتداعهم بسبب غموض كلام أرسطو في هذا المجال (1) . ومهما يكن فالخلاف حاصل بينهم لا محالة لأنهم يمشون على غير هدى من الله.
وينتهي أرسطو إلى القول بأن هناك علة أولى أو المبدأ الأول ويصفه بأنه عقل محض وعاقل ومعقول. وقد عجز في نهاية الأمر عن بيان كيفية الاتصال بين العالم الحسي والعقل الإلهي الذي تصوره، وهذا شأن الفلاسفة كلهم فهم يبنون أفكارهم على خيالات ذهنية لأنهم اعتمدوا على عقولهم وتركوا دعوة الرسل جانباً.
ولهذا نرى من جاء بعد أرسطو من الاسكندرانيين وعلى رأسهم أفلوطين وجدوا هذا التناقض العظيم بين الفلاسفة فكل منهم يخطئ الآخر، فحاولوا إصلاح تلك الفلسفة الفاسدة، وانتهى أمرهم إلى الإخفاق مثل غيرهم، وكان من ضمن محاولات أفلوطين للجمع بين رأي أفلاطون وأرسطو، القول بنظرية الفيض، وهي النظرية التي تبناها الفارابي فيما بعد ثم ابن سينا، حتى شاعت بين فلاسفة التصوف أمثال ابن عربي وابن سبعين.
ونظرية الفيض: عبارة عن تصوير صدور الموجودات عن الله أو صدور الكثرة عن الواحد.
ويرى هؤلاء (2) . أن إحداث الأشياء ما هو إلا انتشار ما في العلة الأولى من القدرة على التعقل والتأثير مع بقاء ذاتها على ما كانت عليه من السكون والكمال المتعالي عن كل نوع من التغيير والحركة، فإذا قيل: وما الباعث الذي حمل تلك العلة على إحداث العالم؟
الجواب: أنها لم تكن محتاجة إلى العالم، بل كان ذلك لما فيها من الجود وإفراط القدرة.
ثم قال أفلوطين (3) : لو لم يكن للعالم وجود، لما وجد في ذات المبدأ فرق.
__________
(1) تاريخ الفلسفة اليونانية، يوسف كرم ص 213.
(2) انظر كتاب الوجد الإلهي بين انتصار العقل وتهافت المادة - ص 163 لسانتلانا.
(3) المصدر نفسه 164.

_________________________________
فهو إذاً غير محتاج إلى العالم، مع شدة احتياج العالم إليه، غير أنه لا يتصور في القدرة إذا بلغت أشدها وأدركت من الكمال غايته أن تبقى في نفسها منحازة معطلة، بل لا تأثير لها ولا فعل، وهذا حال العلة الأولى فإنها لما لها من الكمال لا تبقى معطلة بل لابد أن تفيض قوتها فيضان الماء من العين الغزيرة وانتشار النور من الشمس.
فالوجود عند أفلوطين وشيعته ينحصر في أصل واحد هو: العقل الفائض من العلة الأولى، وما يفيض من العقل من مراتب الموجودات، فالكل أنوار عقلية أي: قوى إلهية انعكست ببعضها عن بعض يتناقص نورها شيئاً فشيئاً بقدر ما تباعدت عن المنبع الأولى إلى أن ينتهي هبوطها إلى رتبة يكاد أن ينعدم فيها النور بالكلية وهي المادة، وتلك عبارة عن الظلام وهو العدم، أي سلب التعيين وفقدان الوجود، فما العالم إلا إبراز ما كان مكنوناً من القوى في العلة الأولى، لا زال معلقاً بها كالظل بالشخص، وكالنور بالشمس، والإله محيط به من جميع أكنافه، حال في جميع أجزائه كما يقع نور الشمس على الأرض.
ويقول أفلوطين أيضاً: ينبغي أن نعلم أن الأشياء الطبيعية متعلق بعضها ببعض، فإذا فسد بعضها صار إلى صاحبه علو إلى أن يأتي الأجرام السماوية، ثم النفس، ثم العقل، فالأشياء كلها ثابتة في العقل، والعقل ثابت بالعلة الأولى، والعلة الأولى بدء لجميع الأشياء ومنتهاها (1) .
تلك هي نظرة هؤلاء الفلاسفة إلى الله سبحانه وتعالى، وهي نظرة تخالف عقيدة التوحيد وتناقضها ولا تلتقي معها أبداً، فهم قد جردوا الإله عن أسمائه الحسنى وصفاته العلى وخاصة صفة الخلق وجعلوا وجوده مجرد وجود في الذهن فقط.
__________
(1) الوجود الإلهي، سانتلانا 121-122.
_________________________________________
وقد أخذ متفلسفة الإسلام تلك الآراء الفلسفية وهذبوها وشرحوها وحاولوا مزجها بالشريعة الإسلامية، ومن ذلك نظرية الفيض أو الصدور التي قال بها أفلوطين وشيعته من الاسكندرانيين، وأخذها عنهم هؤلاء المتفلسفة ممن حاول الجمع بين الشريعة والفلسفة وجعلوا الفيض أو الصدور الذي عناه هؤلاء الفلاسفة هو معنى صفة الخلق لله التي نزل بها القرآن، ومن هؤلاء الفارابي، وابن سينا.
يرى ابن سينا أن الإله عقل محض، يعقل ذاته، ففعله الأول أنه يعقل نظام الخير في الوجود وكيف ينبغي أن يكون، لا عقلاً خارجاً من القوة إلى الفعل، ولا عقلاً متنقلاً من معقول إلى معقول بل عقلاً واحداً معاً، ولما كان التعقل علة للوجود كان من الضروري أن يصدر عن تعقل الإله لذاته معلول أول هو أيضاً عقل، وهذا العقل الأول واجب بالإله ممكن بذاته وهو أيضاً يعقل الإله ويعقل ذاته، فإذا عقل الإله لزم عنه بما يعقله وجود عقل ثان تحته، وإذا عقل ذاته صدر عن تعقله لها وجود صورة الفلك الأقصى وكمالها وهي النفس، ووجود جرمية الفلك الأقصى، فالنفس تصدر عن تعقله لذاته واجبة الوجود بالإله، والجسم يصدر عن طبيعة إمكان الوجود المتدرجة من تعقله لذاته، فهناك إذن ثلاثة أشياء تفيض عن العقل الأول، العقل الثاني، وجرم الفلك الأقصى، وصورته التي هي النفس، فتحت كل عقل ثلاثة أشياء في الوجود.
والعقول المفارقة كثيرة العدة، إلا أنها ليست موجودة معاً عن الإله بل يجب أن يكون أعلاها العقل الأول، ثم يتلوه عقل ثان وثالث، ولا يزال هذا التعقل ينتج عقولاً، ونفوساً، وأفلاكاً، حتى ينتهي الإبداع عند العقل العاشر، وهو العقل الفعال المدبر لعالم الكون والفساد.
فالأمور السماوية تؤلف إذن سلسلة، كل حلقة منها تتضمن ثلاثة أشياء: العقل، والنفس، والفلك.
والإله لا يبدع إلا العقل الأول، وهذا العقل الأول يلزم عنه ثلاثة أشياء: العقل الثاني، والفلك الأقصى، ونفسه.
________________________________
والعقل الثاني يلزم عنه ثلاثة أشياء: العقل الثالث، وفلك الكواكب الثابتة وصورته التي هي النفس وهكذا إلى أن ينتهي الفيض إلى فلك القمر وكرة الهواء المحيطة بالأرض (1) .
فابن سينا كغيره من الفلاسفة يرى أن الموجودات صدرت عن الله لا على سبيل القصد والاختيار بل ضرورة.
ولا شك أن كل عاقل يدرك بطلان تلك النظرية وفسادها ومنافاتها للفطرة السليمة التي لم تتلوث بالآراء الفلسفية، وقد قوبلت تلك النظرية وغيرها بالاستخفاف والاستهزاء من جانب العلماء فنجد مثلاً ابن خلدون يقول (2) : (إن هذا الذي ذهبوا إليه باطل بجميع وجوهه، فأما إسنادهم الموجودات كلها إلى العقل الأول، واكتفاؤهم به في الترقي إلى الواجب، فهو قصور عما وراء ذلك من رتب خلق الله، فالوجود أوسع نطاقاً من ذلك، ويخلق ما لا تعلمون) .
__________
(1) انظر النجاة لابن سينا 454؛ وانظر أيضاً من أفلاطون إلى ابن سينا مجموعة محاضرات للدكتور جميل صليبا ص88-89.
(2) مقدمة ابن خلدون ص 516.

_____________________________________
ونجد الغزالي مع أخذه بالفلسفة أحياناً، يستنكر تلك النظرية فيقول (1) : (ما ذكرتموه تحكمات، وهو على التحقيق ظلمات فوق ظلمات لو حكاه الإنسان في نومه عن منام رآه لاستدل به على سوء مزاجه) .
والحق أن تلك الآراء ما هي إلا امتداد للوثنية القديمة التي ترى أن الكواكب أجسام سماوية، وأن لها نفوساً تحركها وأن لحركاتها تأثيراً في نفوسنا وأجسامنا، وكل كوكب يعتبر إلهاً عندهم، فالمريخ مثلاً إله الغضب، والشمس إله الحرارة، والقمر إله الرطوبة، وقد حكى القرآن ذلك عن قوم إبراهيم قال تعالى: (إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون* أئفكاً ألهة دون الله تريدون* فما ظنكم برب العالمين* فنظر نظرة في النجوم * فقال إني سقيم) .
قلت: والذي عليه علماء المسلمين من أقوالهم -أي الفلاسفة- أن العقل جوهر مجرد قائم بنفسه. قال شيخ الإسلام عنهم ((ولفظ العقل والمادة ونحوهما في كلامهم غير معناه في لغة العرب فإنهم يعنون بالعقل جوهراً مجرداً قائماً بنفسه. والعقل في لغة العرب عَرَض هو علم أو عمل بالعلم وغريزة تقتضي ذلك)) (2) .
__________
(1) تهافت الفلاسفة للغزالي ص 29، وانتقدها من العلماء أيضاً ابن رشد في كتابه التهافت، وفخر الدين الرازي في كتابيه ((محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين)) ، و ((الأربعين في أصول الدين)) والشهرستاني في كتابه ((نهاية الاقدام في علم الكلام)) وأبي البركات البغدادي في كتابه ((المعتبر في الحكمة)) وانتقدها من المحدثين: البيرنصري نادر، في مقدمته لتحقيق كتاب الفارابي: آراء أهل المدينة الفاضلة، وسليمان دنيا في مقدمته للجزء الأول من الإشارات لابن سينا، وحمودة غرابة في كتابه ((ابن سينا بين الدين والفلسفة)) وغيرهم، انظر كتاب دراسات في الفكر الفلسفي الإسلامي ص 149-156 للدكتور حسام الألوسي وقد استوفى غالب الأقوال التي انتقدت تلك النظرية.
(2) درء التعارض (10/302) .
________________________________________
وهذا القول الذي امتاز به فلاسفة اليونان في العقل دعاهم إليه دعوى تنزيه الإله أو الخالق عن أن تصدر عنه الكثرة المشاهدة في المحسوسات فاخترعوا لأجل ذلك قضية توالد العقول وتعاقبها والتي منها هذا العقل المزعوم الذي يشترك فيه الناس. ثم جاء فلاسفتنا فزادوا طينة هذا القول المضحك بلّة فتعسفوا التأويلات واحتجوا بالمأثورات الشاذة والموضوعة ليدللوا على أقوال أولئك الفلاسفة الوثنيين بدعوى الجمع بين الدين والفلسفة لئلا يعارض أحدهما الآخر فالأصل عندهم هو أقوال البشر من الفلاسفة فهي الأقوال المقدمة التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها. فينبغي حمل ما تيسر من النصوص الإسلامية وقسرها كرهاً على أن تدل على تلك الأقوال ذراً للرماد في أعين عامة المسلمين أن لا يتهمونا بشيء من المروق والإلحاد إن نحن أعرضنا عن نصوصهم ومأثوراتهم كلية!
قال الدكتور موسى الدويش ((حيث أن هؤلاء المتفلسفة أمثال الفارابي وابن سينا وابن رشد ومن هو على شاكلتهم مؤمنون بالفلسفة إيماناً كاملاً وكأنها وحي منزل لذا قاموا بإبراز أفكار من سبقهم من الفلاسفة وخاصة أرسطو وأتباعه أصحاب الفلسفة المشائية، ولما كانت تلك الآراء الفلسفية تناقض الحقائق الدينية ولا تلتقي معها أبداً حاول هؤلاء المتفلسفة التوفيق بينهما وذلك بإخضاع النصوص الشرعية وتأويلها وتحريفها حسب أهوائهم ومحاولة تطبيق الاصطلاحات الفلسفية على المسميات النبوية وكان أفضل طريق يحقق هدفهم هذا هو سلوكهم طريق الباطنية في تحريف النصوص فجمع هؤلاء بين التفلسف والقرمطة)) (1) .

__________
(1) بغية المرتاد (المقدمة 58) .










رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
التعريب, العلمانيين, نقض أصول العقلانيين


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 11:29

المشاركات المنشورة تعبر عن وجهة نظر صاحبها فقط، ولا تُعبّر بأي شكل من الأشكال عن وجهة نظر إدارة المنتدى
المنتدى غير مسؤول عن أي إتفاق تجاري بين الأعضاء... فعلى الجميع تحمّل المسؤولية


2006-2024 © www.djelfa.info جميع الحقوق محفوظة - الجلفة إنفو (خ. ب. س)

Powered by vBulletin .Copyright آ© 2018 vBulletin Solutions, Inc