السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
إخوتي الأعزّاء!
لعلّكم، كلّكم، يعلم أنّ هدفنا، جميعا، البحث عن الحقيقة، ومن ثمّ إيصالها إلى النّاس. فتلكم الغاية من مشاركاتنا؛ ومداخلاتنا؛ ومناقشاتنا، الّتي أدّت بنا في كثير من الأحيان، حتّى، إلى الخروج عن الموضوع، لتعصّب كلّ منّا لفكرته، ومُحاولة ترويجها، هذا عبر نقل ما قاله الجهابذة، وهذا عبر فلسفاته الشّخصيّة، وهذا عبر مراوغاته وتلاعبه، وهكذا. ليس العلم أو البحث عن الحقيقة أن يدلي كلّ منّا بما لديه، وبما في جعبته، متبجّحا، ولسان حاله: إنّها ديموقراطيّة، وحرّيّة الرأي! ضاربا عرض الحائط أقوال العلماء وتقعيداتهم والجهد الّذي بذلوه عبر الأجيال حتّى يصل إلينا ما وصلنا. وإنّما الغاية من مداخلاتنا ومناقشاتنا معلوم، كما ذكرناه. فإن تبيّن لأحدنا الحقيقة عند إخوته وجب عليه، غير محمود ولا مشكور، الأخذ بها وتبنيها. ومن كان عنده رأي فاسد، وجب التّخلّي عليه فورا، لصالح رأي صالح. لا أن يُخْرَسَ أحدهم، ويُسقط في يده، لما يجده من الحجج والبراهين، فيُطْبِقُ ساكتا؛ ثمّ يتحيّن الفُرص لأعادة بثّ أفكاره من جديد، وكأنّ شيئا لم يحدث!!!
- من قال بأنّ من الشّاويّة عرب؟!
- حدّدنا لكم، فيما سبق، أنّ مجالات الشّاويّة تشمل الضّواحي الأفريقيّة (نوميديا الشّرقيّة) وشرقيّ وجنوبيّ عمالة قُسنطينة (نوميديا الغربيّة).أي النّاطقون بالشّاويّة والشّاويّة المستعربون الموطّنون ما بين المسيلة وبسكرة وسوف وقُسنطينة وقالمة وباجة وتخوم القيروان. وكذلك تامسنا، من بلاد المغرب الأقصى. قال الحسن الوزّان: يتحدّث بعضهم [بعض الشّاويّة] باللّغة العربيّة، لمجاورتهم للعرب، وعلاقتهم معهم، كسكّان بوادي الأربُس، في ضواحي تونس. وهُناك جماعة أُخْرى [من الشّاويّة] تُقيم في التّخوم، بين تونس وبلاد الجريد [شاويّة الأوراس] إهـ.
- انتساب بعض الشّاويّة في العرب أمر معلوم، لا نقاش فيه؛ ذكره ابن خلدون وغيره من الأقدمون؛ ولاحظه المتأخّرون! وما كان ولن يكون تفسيره، إطلاقا، تحدّر الشّاويّة من العرب. قال ابن خلدون: من كان معاشه في الزّراعة والقيام بالفلح، كان المَقام به أولى من الظّعن؛ وهؤلاء سكّان المدر والقرى والجبال؛ وهم عامّة البربر والأعاجم. ومن كان معاشه في السائمة، مثل الغنم والبقر، فهم ظُعْن في الأغلب .. ويسمّون شاويّة، ومعناه القائمون على الشّاء والبقر، ولا يبعدون في القفر، لفقدان المسارح الطّيّبة؛ وهؤلاء مثل البربر والترك وإخوانهم من التّركمان والصّقالبة. وأمّا من كان معاشهم في الإبل، فهم أكثر ظعنا وأبعد في القفر مجالا ..؛ وهؤلاء، هم العرب وفي معناهم ظُعون البربر وزاناتة إهـ. وله، أيضا: كما أنّ الشّاويّة، أهل القيام على الشّاة والبقر، لمّا كان معاشهم فيها، فلهذا لا يختصّون بنسب واحد بعينه، إلاّ بالعَرض؛ ولذلك كان النّسب، في بعضهم، مجهولا عند الأكثر؛ وفي بعضهم، خفيّا على الجُمهور. وربما تكون هذه السّمات والشّعائر في أهل نسب آخر، فيدعون باسم العرب؛ إلا أنّهم في الغالب يكونون أقرب إلى الأوّلين [البربر العجم] من غيرهم. وهذا الانتقال لا يكون إلاّ في أزمنة متطاولة وأحقاب متداولة؛ ولذلك يعرض في الأنساب ما يعرض من الجهل والخفاء إهـ. وله، كذلك: من لواتة أوزاع، مُفترقون بمصر وقرى الصّعيد، شاويّة وفلاّحين إهـ. وله، أيضا: من هوّارة، لهذا العهد، بمصر، أوزاع، متفرقّون، أوطنوها أُكَرة وعبّارة وشاويّة إهـ. وأيضا: من قبائل هوّارة، هؤلاء، بالمغرب، أمم كثيرة، في مواطن، من أعمال، تعرف بهم؛ وظواعن شاويّة، تنتجع لمسرحها، في نواحيها إهـ. وكذا: سار، بمَرين، أميرهم، أبو سعيد عُثمان بن عبد الحقّ، في نواحي المغرب .. فبايعه، من الظّواعن الشاويّة والقبائل الآهلة، هوّارة وزْكارة إهـ.
- قال Monchicourt: في القرن 16م، تمّ انصهار العرقين، العربيّ والبربريّ. ومنذ ذلك الحين صار التّمايز في طريقة العيش. ففي تونس لم يعد هنالك بربريّ وعربيّ، بل صار هنالك نجوع وشاويّة. فالنّجوع، هم كبار الظّواعن (دريد وأولاد يعقوب وأولاد يحيى وغيرهم)؛ والشّاويّة، وتعني الرّعاة (من الشّاة)، هم جمهور الآهلين الجبليّين (أولاد عيّار والشّقطمة وغيرهم) وموالي النّجوع الّذين لا يركبون الخيول للحرب. ويتكوّن النّجوع بخاصّة إمّا من عرب أو من بربر مستعربين؛ بينما لا يضمّ الشّاويّة إلاّ برابر لا يزال بعضهم محافظا على لغة أجداده. إلاّ أنّ جميع أهل الرّيف، عربا أو بربرا، نجوعا أو شاويّة، صاروا يسمّون عربا إهـ.
- الشّاويّة، كانت كما ترون، تعبّر عن حالة من العيش عند طائفة من البربر، اختصّ بها أهل أوراس و؛ إلاّ أنّها أصبحت بعد ذلك علمًا على هؤلاء البربر، ومن انصهر فيهم، وتشبّه بهم، وتزيّى بزيّهم. فعندنا، في أوراس: من تكلّم الشّاويّة (الأمازيغيّة)، فهو شاويّ، لا محالة! والعكس، عند جُهّالنا، من لم يتكلّم الشّاويّة، قال: أنا لست شاويّ! فإن قيل له إنّ أبائك كانوا شاويّة يتكلّمون الشّاويّة؟ رجع إلى القول: أصلي شاويّ؛ ولست حاليّا شاويّا.
- فالشّاويّة، عندنا، في أوراس، لها ارتباط وثيق باللّغة! قال الدّكتور العربيّ عگّون: اختزل العامّة، في منطقة الشّاويّة، الانتماء إلى الأصل الأمازيغيّ في اللّغة؛ توهّما منهم أنّ البربريّ هو من يتكلّم الشّاويّة لا غير. وهذه الفكرة السّاذجة تقودها الجماعات العشائريّة والحضريّة الّتي استعربت منذ أجيال؛ ظنّا منهم أنّ الوضع الّذي هي فيه أرقى، ولا يمكن لها أن ترجع إلى الوراء بعد أن حقّقت ذلك الرّقيّ العظيم. ولذلك نرى هؤلاء يصطنعون لأنفسهم الانتماء إلى المدن، الّتي يقيمون بها. مع أنّ الانتماء إلى المدينة، هو انتماء إقامة؛ وليس انتماءَ إثنيّا. أي أنّه انتماء لا يُلغي الانتماء الإثنيّ إهـ.
- كثير من ساكنات بلاد المغرب، الحاليّ، ممّن يدّعون إلى العرب أو البربر، يعيشون عيشة الشّاويّة (اتّخاذ البقر والشّاء وعدم الإبعاد في الرّحلة)؛ فهل تجرأ أحد ووصمهم بالشّاويّة! في شاويّة أوراس من هم من أصل كتاميّ! لماذا لا يتسمّى كتامة، خارج مجالات أوراس، شاويّة! في شاويّة أوراس من هم من أصل لواتيّ! وقد وجدنا أنّ من لواتة من يتسمّون شاويّة، خارج أوراس (الصّعيد)! في شاويّة أوراس من هم من أصل هوّاريّ! وقد وجدنا أنّ من هوّارة من يتسمّون شاويّة، خارج أوراس (الضّواحي الأفريقيّة وتامسنا والصّعيد وغيرها)! في الشّاويّة، من هم من أصل عربيّ! هل وجد من العرب (من غير أهل أوراس وتامسنا) من يتسمّون شاويّة؟ هل في عرب الزّاب وريغة ووارگلا ومُصاب والهضاب العُليا وصحراء وهران وتلولها ودكّالة والهبط وأزغار من يتسمّون شاويّة! اتّقوا الله.
- كان بلد تامسنا (الشّاويّة)، كما هو معلوم، بلد برغواطة، من المصامدة؛ كما ذكره البكريّ وغيره. وهم بلا شكّ Bacuataï أو Bacavates أو Bacuates أو Mauri Bacautes، عند الكتّاب اللاّتين والإغريق.
- وكان انقراض أمر برغُواطة وقطع دابرهم على يد المرابطين، في القرن 11م؛ كما ذكره ابن خلدون.
- وكان تواجد هوّارة بنواحي أزيلا، منذ زمان البكريّ، ويُعرفون بهوّارة زلّول، ومن أشهر قبائلهم بنو زيّاد (الزّيايدة) وهوّارة السّاحل!
- وبقيت من برغواطة بقيّة مع مطماطة وزكارة وغيرهم؛ ذكرهم الإدريسيّ، في القرن 12م.
- ثمّ انحصرت سكنى برغواطة بمدينة فضالة؛ كما ذكره ابن سعيد المغربيّ، في القرن 13م.
- ثمّ اختفى اسم برغواطة، لمّا كان علما على الزّندقة والكفر؛ مثلما اختفى اسم كتامة، لمّا كان علما على التّشيّع والرّفض. وصار الكلّ يستهجن هذه الأسماء، ويفرّ إلى الانتساب في العرب.
- وفي القرن 12م، كان عرب أفريقيا قد أجلبوا في فتنة ابن غانيّة وانحرفوا عن الموحّدين؛ ثمّ راجعوا طاعة المنصور الموحّديّ، فنقل جمهورا منهم إلى المغرب الأقصى؛ فنقل عاصم ومقدّم، من الأثبج، وجشم، الّذين غلب اسمهم على من معهم، وأنزلهم تامسنا؛ ونقل من رياح، وأنزلهم الهبط إلى أزغار؛ ذكره ابن خلدون.
- ولمّا ذهب الملك عن آل المنصور الموحّديّ، كان ذلك كارثة عُظمى على أعراب تامسنا؛ فقد طردهم ملوك بني مرين من هذا الإقليم؛ وأعطوه لقبائل زاناتة وهوّارة، لمؤازرتهم ومناصرتهم لهم على ملوك مرّاكش الموحّدين؛ ذكره الحسن الوزّان، في القرن 16م.
- ومن ثمّ تسمّى الأقليم شاويّة. وكان ابن خلدون أوّل من ذكر ذلك!
- وكان حسّان، من قبيلة صبيح، من أفاريق سويد، من زغبة، جاء مع عبد الله بن گندوز الگُمّي، من بني عبد الواد، وفد على السّلطان المرينيّ، ابن عبد الحقّ؛ ونشأ في ظلّ الدّولة، وانفردوا بالشّاويّة، فلم تزل ولايتها متوارثة فيهم، منقسمة بينهم لهذا العهد (القرن 14م)؛ ذكره ابن خلدون. فكان بنو صبيح أمراء الشّاويّة، على عكس ما يُفهَمُ من كلام السَّلاويّ من أنّهم عمروها طولا وعرضا مع البربر!!!
- وتكاثر الزّاناتيّون والهوّاريّون، في إقليم تامسنا، حتّى إنّهم كانوا، في القرن 16م، أو ربما كان ذلك منذ مائة سنة، يخيفون ملوك فاس ويرعدون فرائصهم؛ إذ يقدّر أنّ عددهم يصل إلى ستّين ألف فارس ومائتي ألف راجل .. وهم أحرار، ذوو شوكة، يتكلّمون اللّغة الأفريقيّة؛ ذكره الحسن الوزّان.
- وهم يتكلّمون بعربيّة رديئة، ولو أنّهم أفارقة (بربر) .. وقد انحطّوا جرّاء الحروب المتواصلة، ضدّ ملوك فاس ومرّاكش والبرتغاليّين، فضلا عن ثلاث سنوات من الطّاعون والمجاعة؛ إلى درجة أنّهم لا يستطيعون الآن أن يعبّئوا أكثر من ثمانية آلاف فارس خمسين ألف راجل .. متعجرفون، لا يطيقون تحمّل الخضوع، ويثورون في كلّ المناسبات؛ ذكره Marmol، في القرن 16م.
- والشّاويّة، اليوم، ظواعن، ويتكلّمون العربيّة [وأيّ عربيّة]؛ ويضمّون قبائل عديدة، خاضعة للسّلطان، وهي أولاد امحمّد (بطونهم، أولاد زيرگ وأولاد شعيب والخلوط وأولاد عمامة)؛ والخژاژرة (بطونهم، أولاد بو بكر وأولاد العصريّ والبرعصيّون وأولاد منيسف) والأولاد وأولاد بو عريف وبنو يمّان ومُژاب (بطونهم، حمداوة وبنو سْقَتْن والألف وبنو إبراهيم ومنيّا والجموع وأولاد فرس وأولاد سنجج) وأولاد سيّدي ابن داود وأولاد بو زيري وأولاد سعيد والمژامژة وأولاد حريز ومدغرة وأولاد زيّان ومديونة والزّيّايدة وزاناتة؛ ذكره De Foucauld.
- وفي بداية القرن 19م، كان الشّاويّة ينقسمون إلى أربع فئات وخمسة عشر قبيلة، وهم الشّهاونة، ويضمّون مديونة وأولاد زيّان والزّيايدة وبني ورا؛ وأولاد بو عطيّة، ويضمّون أولاد حريز وأولاد عليّ والمداكرة؛ ومُژاب، ويضمّون أولاد مراح والأعشاش وملاّل؛ وأولاد بو رزق، ويضمّون أولاد سعيد والمژامژة وأولاد بو زيري وأولاد سي ابن داود وزاناتة؛ ذكره Mourez.
- وصار الشّاويّة خليطا من عناصر بربريّة غير متجانسة مستعربة جدّا وهجينة، مع قليل من الدّماء العربيّة الهلاليّة؛ ذكره Mourez.
- وأصبح الشّاويّة، اليوم، ينقسمون إلى اثنتي عشرة قبيلة موطّنة على أراضيها الحاليّة، وهي مديونة وزاناتة وأولاد زيّان والزّيايدة وأولاد عليّ والمداكرة وأولاد حريز والمژامژة وأولاد سعيد وأولاد بو زيري وأولاد سي ابن داود ومُژاب؛ ذكره Mourez.
شكرا.