المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فهرس القرآن وعلومة وتفسير القرآن الكريم


الصفحات : [1] 2 3

*عبدالرحمن*
2018-03-09, 15:21
الحمد لله الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً ، الحمد لله علم القران ، خلق الإنسان ، علمه البيان ، الحمد لله الذي علم بالقلم ، علم الإنسان ما لم يعلم ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، جعل القرآن هداية للناس ، ونبراساً يضيء لهم الطريق ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله النبي الأكرم ، علم القرآن فكان خير معلم ، فصلوات الله وسلامه عليه ، وعلى آله وأصحابه أجمعين . . أما بعد :
اخوة الاسلام

أحييكم بتحية الإسلام
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته

https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)


https://d.top4top.net/p_798uex5w1.jpeg (https://up.top4top.net/)


القرآن هو كلام الله منزل غير مخلوق ، الذي أنزله على نبيه محمد
صلى الله عليه وسلم باللفظ والمعنى ، القرآن الكريم كتاب الإسلام الخالد ، ومعجزته الكبرى ، وهداية للناس أجمعين ، قال تعالى : " كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ "، ولقد تعبدنا الله بتلاوته آناء الليل وأطراف النهار ، قال تعالى : " إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ "

فيه تقويم للسلوك، وتنظيم للحياة، من استمسك به فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها، ومن أعرض عنه وطلب الهدى في غيره فقد ضل ضلالاً بعيداً ، ولقد أعجز الله الخلق عن الإتيان بمثل أقصر سورة منه ، قال تعالى : " وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة ممن مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين "

القرآن مكتوب في المصاحف ، محفوظ في الصدور ، مقروء بالألسنة ، مسموع بالآذان ، فالاشتغال بالقرآن من أفضل العبادات ، ومن أعظم القربات ، كيف لا يكون ذلك ، وفي كل حرف منه عشر حسنات ، وسواء أكان بتلاوته أم بتدبر معانيه ، وقد أودع الله فيه علم كل شىء ، ففيه الأحكام والشرائع ، والأمثال والحكم ، والمواعظ والتأريخ ، والقصص ونظام الأفلاك ، فما ترك شيئا من الأمور إلا وبينها

وما أغفل من نظام في الحياة إلا أوضحه ، قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ نَبَأُ مَا قَبْلَكُمْ ، وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ ، هُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ ، هُوَ الَّذِي مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ ، وَمَنِ ابْتَغَى الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ ، فَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ ، وَهُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ ، وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ ،

وَهُوَ الَّذِي لَا تَزِيغُ بِهِ الْأَهْوَاءُ ، وَلَا تَلْتَبِسُ بِهِ الْأَلْسِنَة ، وَلَا يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ ، وَلَا يَخْلَقُ عَنْ كَثْرَةِ الرَّدِّ ، وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَنْتَهِ الْجِنُّ إِذْ سَمِعَتْهُ أَنْ قَالُوا ( إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا ) ، هُوَ الَّذِي مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ ، وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ " [ أخرجه الدارمي ]

اخوة الاسلام

هذا هو كتابنا ، هذا هو دستورنا ، هذا هو نبراسنا ، إن لم نقرأه نحن معاشر المسلمين ، فهل ننتظر من اليهود والنصارى أن يقرؤوه ، قال تعالى : " وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا " ، فما أعظمه من أجر لمن قرأ كتاب الله ، وعكف على حفظه ، فله بكل حرف عشر حسنات ، والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم .

اخوة الاسلام

هذه الموسوعه الشامله ليست ك مثيلتها
الغرض النشر فقط

بل وارحب بكل من لاديه استفسار او سؤال وسوف ابذل قصاري

جهدي لتوضيحه او احضاره من كبار العلماء والائمة

.....
خيركم من تعلم القرآن وعلمه

https://www.djelfa.info/vb/showthread.php?t=2133075

أحكام المصاحف

https://www.djelfa.info/vb/showthread.php?t=2133487

فضائل القرآن

https://www.djelfa.info/vb/showthread.php?t=2133636

تفسير القرآن

https://www.djelfa.info/vb/showthread.php?t=2133238
.


واخيرا

أسألكم الدعاء بظهر الغيب

*عبدالرحمن*
2018-03-09, 15:25
تفسير قوله تعالى: {فما لكم في المنافقين
فئتين)، وبيان سبب نزولها .

السؤال :

برجاء تفسير بعض الآيات من سورة النساء بداية من قوله تعالى : ( فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا ) الآية إلى قوله تعالى : ( وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا) ، وهل هناك سبب نزول لهذه الآيات؟

الجواب :

الحمد لله

أولًا:

سياق الآيات، وسبب نزولها:

يقول تعالى: (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا * وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا *

إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا * سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا) [سورة: النساء/88-91].

أورد جمهور المفسرين عدة أسباب لهذه الآيات، وأصحها، ما قال مجاهد - رحمه الله -: (نزلت في قوم خرجوا من أهل مكة حتى أتوا المدينة يزعمون أنهم مهاجرون فارتدوا واستأذنوا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الرجوع إلى مكة ليأتوا ببضائع، فاختلف فيهم المؤمنون، ففرقة تقول إنهم منافقون وفرقة تقول هم مؤمنون فبين الله - عَزَّ وَجَلَّ - نفاقهم)، وانظر لمزيد من التحرير حول أسباب نزول الآيات، المحرر في أسباب النزول، للدكتور خالد المزيني: (1/ 414).

ثانيًا:

معنى الآيات الكريمة:

جاء في المختصر في تفسير القرآن، في تفسير هذه الآيات: " 88 - ما شأنكم -أيها المؤمنون- صرتم فريقيْن مختلفيْن في شأن التعامل مع المنافقين: فريق يقول بقتالهم لكفرهم، وفريق يقول بترك قتالهم لإيمانهم؟! فما كان لكم أن تختلفوا بشأنهم، والله ردهم إلى الكفر والضلال بسبب أعمالهم، أتريدون أن تهدوا من لم يوفقه الله إلى الحق؟! ومن يضلل الله فلن تجد له طريقًا إلى الهداية.

89- تمنَّى المنافقون لو تكفرون بما أنزل عليكم ، كما كفروا ، فتكونون مستوين معهم في الكفر، فلا تتخذوا منهم أولياء ، لعداوتهم ، حتى يهاجروا في سبيل الله من دار الشرك ، إلى بلاد الإسلام ، دلالة على إيمانهم، فإن أعرضوا واستمروا على حالهم ، فخذوهم واقتلوهم أينما وجدتموهم، ولا تتخذوا منهم وليًّا يواليكم على أموركم، ولا نصيرًا يعينكم على أعدائكم.

90- إلا من وصل منهم إلى قوم بينكم وبينهم عقد مؤكد على ترك القتال، أو من جاؤوكم وقد ضاقت صدورهم ، فلا يريدون قتالكم ، ولا قتال قومهم، ولو شاء الله لمكنهم منكم فقاتلوكم، فاقبلوا من الله عافيته، ولا تتعرضوا لهم بقتل ولا أسر، فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم، وانقادوا إليكم مصالحين تاركين قتالكم، فما جعل الله لكم عليهم طريقًا بقتلهم أو أسرهم.

91 - ستجدون -أيها المؤمنون- فريقًا آخر من المنافقين يظهرون لكم الإيمان ليأمنوا على أنفسهم، ويظهرون لقومهم من الكفار الكفر ، إذا رجعوا إليهم ، ليأمنوهم، كلما دُعُوا إلى الكفر بالله والشرك به : وقعوا فيه أشد الوقوع، فهؤلاء إذا لم يتركوا قتالكم، وينقادوا إليكم مصالحين، ويكفوا أيديهم عنكم؛ فخذوهم واقتلوهم أينما وجدتموهم، وأولئك الذين هذه صفتهم جعلنا لكم على أخذهم وقتلهم حجة واضحة؛ لغدرهم ومكرهم ".

يقول الشيخ السعدي: " المراد بالمنافقين المذكورين في هذه الآيات: المنافقون المظهرون إسلامهم، ولم يهاجروا مع كفرهم، وكان قد وقع بين الصحابة رضوان الله عليهم فيهم اشتباه، فبعضهم تحرج عن قتالهم، وقطع موالاتهم بسبب ما أظهروه من الإيمان، وبعضهم علم أحوالهم بقرائن أفعالهم فحكم بكفرهم.

فأخبرهم الله تعالى أنه لا ينبغي لكم أن تشتبهوا فيهم ، ولا تشكوا، بل أمرهم واضح غير مشكل، إنهم منافقون قد تكرر كفرهم، وودوا مع ذلك كفركم ، وأن تكونوا مثلهم.

فإذا تحققتم ذلك منهم (فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ) وهذا يستلزم عدم محبتهم لأن الولاية فرع المحبة.

ويستلزم أيضا بغضهم وعداوتهم ، لأن النهي عن الشيء أمر بضده، وهذا الأمر موقت بهجرتهم فإذا هاجروا : جرى عليهم ما جرى على المسلمين، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يجري أحكام الإسلام لكل مَنْ كان معه ، وهاجر إليه، وسواء كان مؤمنا حقيقة أو ظاهر الإيمان.

وأنهم إن لم يهاجروا وتولوا عنها (فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) أي: في أي وقت وأي محل كان، وهذا من جملة الأدلة الدالة على نسخ القتال في الأشهر الحرم، كما هو قول جمهور العلماء، والمنازعون يقولون: هذه نصوص مطلقة، محمولة على تقييد التحريم في الأشهر الحرم.

ثم إن الله استثنى من قتال هؤلاء المنافقين ثلاث فِرَق:

فرقتين أمر بتركهم ، وحتم على ذلك، إحداهما : من يصل إلى قوم بينهم وبين المسلمين عهد وميثاق بترك القتال ، فينضم إليهم، فيكون له حكمهم في حقن الدم والمال.

والفرقة الثانية: قوم (حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ) أي: بقوا، لا تسمح أنفسهم بقتالكم، ولا بقتال قومهم، وأحبوا ترك قتال الفريقين، فهؤلاء أيضا أمر بتركهم، وذكر الحكمة في ذلك في قوله: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ) .

فإن الأمور الممكنة ثلاثة أقسام:

إما أن يكونوا معكم ويقاتلوا أعداءكم، وهذا متعذر من هؤلاء .

فدار الأمر بين قتالكم مع قومهم ، وبين ترك قتال الفريقين، وهو أهون الأمرين عليكم .

والله قادر على تسليطهم عليكم، فاقبلوا العافية، واحمدوا ربكم الذي كف أيديهم عنكم مع التمكن من ذلك.

(فَـ) هؤلاء : (إن اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلا).

الفرقة الثالثة: قوم يريدون مصلحة أنفسهم بقطع النظر عن احترامكم، وهم الذين قال الله فيهم: (سَتَجِدُونَ آخَرِينَ) أي: من هؤلاء المنافقين. (يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ) أي: خوفا منكم (وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا) أي: لا يزالون مقيمين على كفرهم ونفاقهم، وكلما عرض لهم عارض من عوارض الفتن أعماهم ونكسهم على رءوسهم، وازداد كفرهم ونفاقهم، وهؤلاء في الصورة كالفرقة الثانية، وفي الحقيقة مخالفة لها.

فإن الفرقة الثانية تركوا قتال المؤمنين احترامًا لهم ، لا خوفا على أنفسهم، وأما هذه الفرقة فتركوه خوفا لا احتراما، بل لو وجدوا فرصة في قتال المؤمنين، فإنهم مستعدون لانتهازها، فهؤلاء إن لم يتبين منهم ويتضح اتضاحًا عظيمًا اعتزال المؤمنين ، وترك قتالهم، فإنهم يقاتَلون، ولهذا قال: (فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ) أي: المسالمة والموادعة (وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا) أي: حجة بينة واضحة، لكونهم معتدين ظالمين لكم تاركين للمسالمة، فلا يلوموا إلا أنفسهم"

تفسير السعدي: (191).

الخلاصة :

أن هذه الآيات نزلت في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوم كانوا ارتدوا عن الإسلام بعد إسلامهم من أهل مكة.

وقد نهى الله أهل الإيمان أن يوالوهم إلا بعد أن يهاجروا من دار الكفر إلى دار الإسلام، (فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا) [النساء: 89]، والهجرة لا بد أن تكون في سبيل الله !

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2018-03-09, 15:30
اختلاف القراءات، وأثرها في اختلاف المعاني

السؤال :

في علم القراءات تقرأ كلمة "ملكين" في الآية رقم 102 من سورة البقرة بفتح اللام ، وفي قراءة أخرى بكسر حرف اللام ، مما يؤدي إلى اختلاف المعنى ، فكيف يمكن التوفيق بينهما؟

وكيف يمكن أن يكون هناك اختلاف في كتاب الله تعالى ؟

الجواب :

الحمد لله

أولًا:

اختلاف الألفاظ يقع على ثلاثة أنواع :

" أحدها: اختلاف اللفظ ، والمعنى واحد .

والثاني: اختلاف اللفظ والمعنى جميعا ، مع جواز أن يجتمعا في شيء واحد لعدم تضادّ اجتماعهما فيه.

والثالث: اختلاف اللفظ والمعنى مع امتناع جواز أن يجتمعا في شيء واحد لاستحالة اجتماعهما فيه "

انتهى من "جامع البيان " للداني (1/ 120).

والاختلاف بين القراءات القرآنية، هو من اختلاف التنوع والتغاير، لا اختلاف التضاد والتناقض، فهذا لا يكون في نصوص الوحي المنزل ، بعضها مع بعض أبدا ؛ فضلا عن أن يكون بين قراءتين ، للفظ واحد ، أو آية واحدة .

وقد قال الله عز وجل : (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) النساء/82 .

قال الإمام الطبري رحمه الله : " يعني جل ثناؤه بقوله : (أفلا يتدبرون القرآن) : أفلا يتدبر المبيتون غير الذي تقول لهم، يا محمد كتاب الله، فيعلموا حجّة الله عليهم في طاعتك واتباع أمرك، وأن الذي أتيتهم به من التنزيل من عند ربهم، لاتِّساق معانيه، وائتلاف أحكامه، وتأييد بعضه بعضًا بالتصديق، وشهادة بعضه لبعض بالتحقيق .

فإن ذلك لو كان من عند غير الله ، لاختلفت أحكامه، وتناقضت معانيه، وأبان بعضه عن فساد بعض "

انتهى من "تفسير الطبري" (8/567) .

وهذا شأن القراءات القرآنية ، كما ذكرنا .

يقول ابن تيمية: " ولا نزاع بين المسلمين أن الحروف السبعة التي أنزل القرآن عليها لا تتضمن تناقض المعنى وتضاده؛ بل قد يكون معناها متفقا أو متقاربا .

.... فهذه القراءات التي يتغاير فيها المعنى كلها حق، وكل قراءة منها مع القراءة الأخرى بمنزلة الآية مع الآية ؛ يجب الإيمان بها كلها ، واتباع ما تضمنته من المعنى ، علما وعملا، لا يجوز ترك موجب إحداهما لأجل الأخرى ، ظنا أن ذلك تعارض"

انتهى من "مجموع الفتاوى" (13/ 393).

وتعدد القراءات يستفاد منه تعدد المعاني، إذ كل قراءة زادت معنى جديدًا لم تبينه أو توضحه القراءة الأخرى، وبهذا اتسعت المعاني بتعدد القراءات، إذ تعدد القراءات يقوم مقام تعدد الآيات القرآنية .

والاختلاف والتنوع في القراءات القرآنية ، يشبه إلى حدٍ كبير ظاهرة تكرار القصص القرآني، فكل آية أو واقعة تبين معنى جديدًا لم تبينه الآية أو الواقعة السابقة .

ثانيًا:

تفسير القرآن منه ما هو مجمع عليه، ومنه ما اختلف فيه، وهذا الاختلاف راجع لحكمة الله سبحانه في ابتلاء الإنسان، وبحمد الله تعالى، فإن أكثر اختلاف الأئمة في التفسير راجع لاختلاف التنوع، واختلاف التضاد فيه قليل، وهناك قواعد يحتكم إليها العلماء في فهم كتاب الله سبحانه وتعالى .

يقول ابن تيمية: " الخلاف بين السلف في التفسير قليل، وخلافهم في الأحكام أكثر من خلافهم في التفسير، وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد " انتهى من "مقدمة في أصول التفسير" (11).

واختلاف "فهم" الآية من كتاب الله تعالى ، والاختلاف في تفسيرها ، بالغا ما بلغ ، ليس هو اختلافا في نفس "كتاب الله" ، بل هو راجع إلى أحوال المختلفين ، وفهومهم ، وما أصابوه من معنى كتاب الله ، والمراد بكلامه سبحانه .

وفي صحيح مسلم (1731) عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ : " قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ، أَوْ سَرِيَّةٍ، أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللهِ، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، ثُمَّ قَالَ:

( .... وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ ، فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ، فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ، وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ ؛ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللهِ فِيهِمْ أَمْ لَا ) .

قال الراغب الأصفهاني رحمه الله :

" إن قيل: كيف قال: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا)، وما من كلام لعل فيه من الاختلاف ما في القرآن، فما من آية إلا وقد اختلف فيها الناس؟

قيل: لم يعن بالاختلاف ما يرجع إلى أحوال المختلفين، لاختلاف تصورهم لمعناه، أو اختلاف نظرتهم .

ولا الاختلاف الذي يرجع إلى تباين الألفاظ ، والمعنى ، والإِيجاز ، والبسط .

وإنما قصد إلى معنى التناقض، وهو إثبات ما نفى ، أو نفيُ ما أثبت .

نحو أن يقال: زيد خارج، زيد ليس بخارج ، والمخبر عنه ، والخبر ، والزمان ، والمكان = فيهما واحد.

[ وما ] ادعت الملحدة - لعنهم الله - فيه التناقض، من نحو قوله: (لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ)، وقوله: (فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ) ؛ فذلك خبران قد اختلفا، إما في الزمان ، أو في المكان ، أو في المخبر عنه، أو في الخبر .

وهذا ظاهر " انتهى من "تفسير الراغب الأصفهاني" (3/1348) .

ثالثًا:

أما قوله تعالى: (وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ) البقرة/ 102.

فإن القراءة الصحيحة ، المتواترة ، للآية الكريمة أن يكون (الملكين) من الملائكة، بفتح الميم واللام والكاف، وتسكين الياء .

وأما القراءة التي ذكرتها، فإنها قراءة شاذة، فقد قرأ الضحاك بن مزاحم: «وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلِكَيْنِ» - بكسر اللام - أي: داود وسليمان - عليهما السلام – .

وسبب الحكم على هذه القراءة الشذوذ : أنها غير متواترة، والقراءة المتواترة هي قوله تعالى: (وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ) البقرة/ 102.

انظر: "المحتسب " لابن جني (1/ 101).

ويكون معنى الآية على هذه القراءة، أن " ما " بمعنى: النفي، فيكون نفي من الله تعالى أن يكون قد أنزل السحر على داود وسليمان عليهما السلام .

وإن قيل إن الملكين، غير داود وسليمان، فتكون " ما " غير نافية .

قال ابن عطية: " وقرأ ابن عباس والحسن والضحاك وابن أبزى «الملكين» بكسر اللام، وقال ابن أبزى: هما داود وسليمان، وعلى هذا القول أيضا فـ (ما) نافية.

وقال الحسن: هما عِلجان كانا ببابل ملكين، فـ (ما) على هذا القول غير نافية.

وقرأها كذلك أبو الأسود الدؤلي، وقال: هما هاروت وماروت، فهذا كقول الحسن" انتهى من"المحرر الوجيز"(1/ 186).

وقال ابن عاشور: " وفي قراءة ابن عباس والحسن (الملكين) بكسر اللام ، وهي قراءة صحيحة المعنى ؛ فمعنى ذلك : أن ملكين كانا يملكان ببابل قد علما علم السحر "

انتهى من "التحرير والتنوير" (1/ 641).

ويمكن اجتماع القراءتين فيكون المقصود بالملكين بفتح اللام وكسرها، هاروت وماروت، كما جاء في بعض الآثار .

فوصفهما الله بصفتهما الأصلية، التي هي الملائكية .

ووصفهما بصفتهما التي كانا عليها ، حين أنزلا إلى الرض ، وهي أنهما صارا ملكين عل أهل بابل، كما في رواية عند الطبري: (2/ 344) ، وأشار إليه ابن عاشور في كلامه السابق .

وينظر ، لزيادة الفائدة "آثار الشيخ المعلمي اليماني" (2/ 369 - 382).

والله أعلم

*عبدالرحمن*
2018-03-09, 15:33
تفسير قوله تعالى: ( وجاعل الذين اتبعوك
فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة )

السؤال :

لديّ سؤالٌ من نصرانيٍّ عن الآية 55 من سورة آل عمران ، حيث يسأل لماذا أتباع عيسى ليسوا فوق الكافرين عندما وَعَدَ الله ؟

الجواب :

الحمد لله

قوله تعالى: ( إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) آل عمران/ 55.

وعدٌ من الله تعالى لأتباع عيسى عليه السلام أن يجعلهم فوق أهل الكفر إلى يوم القيامة .

وقد اختلف أهل العلم فيمن عناهم الله تعالى بالذين اتبعوا عيسى عليه السلام ، في هذه الآية:

1- فقال بعضهم : إن أتباعه هم أهل الإيمان في زمانه، وأهل الإسلام بعد بعثة رسول الله. وبيان ذلك : أن اتباع عيسى عليه السلام يقتضي الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وهذه الفوقية بحسبها .

يقول ابن عطية : " قال جمهور المفسرين بعموم اللفظ في المتبعين ، فيدخل في ذلك أمة محمد لأنها متبعة لعيسى ... ، وكذلك قالوا بعموم اللفظ في الكافرين .

فمقتضى الآية : إعلام عيسى عليه السلام أن أهل الإيمان به - كما يجب - هم فوق الذين كفروا ، بالحجة والبرهان، وبالعزة والغلبة " .

2- وقال بعضهم، وجاعل النصارى فوق اليهود، وهو ظاهر .

فتكون الآية مخبرة عن: " إذلال اليهود وعقوبتهم ، بأن النصارى فوقهم في جميع أقطار الأرض إلى يوم القيامة " .

وقال بعض أهل التفسير: " إن المراد : المتبعون له في وقت استنصاره ، وهم الحواريون جعلهم الله فوق الكافرين ، لأنه شرفهم وأبقى لهم في الصالحين ذكرا، فهم فوقهم بالحجة والبرهان، وما ظهر عليهم من أمارات رضوان الله ".

انظر: "تفسير الطبري" (5/ 453 - 455) ، و"تفسير ابن عطية" (1/ 444 - 445).

ثم اختلف العلماء أيضًا في المراد بالفوقية هنا :

1- فقال بعضهم: أنها فوقية دينية، وهي فضلهم عليهم في حسن الأخلاق، وكمال الآداب، والقرب من الحق، والبعد من الباطل.

2- وقال بعضهم: إنها فوقية دنيوية: وهي كونهم أصحاب السيادة عليهم.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمة: " وأما قوله تعالى: ( إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) آل عمران/ 55 ، فهذا حق كما أخبر الله به ؛ فمن اتبع المسيح - عليه السلام - جعله الله فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ، وكان الذين اتبعوه على دينه الذي لم يبدل ، قد جعلهم الله فوق اليهود .

وأيضا : فالنصارى فوق اليهود الذين كفروا به إلى يوم القيامة.

وأما المسلمون فهم مؤمنون به ، ليسوا كافرين به ، بل لما بدل النصارى دينه ، وبعث الله محمدا - صلى الله عليه وسلم - بدين الله الذي بعث به المسيح وغيره من الأنبياء ، جعل الله محمدا وأمته فوق النصارى إلى يوم القيامة ...

فكل من كان أتم إيمانا بالله ورسله كان أحق بنصر الله تعالى" انتهى من "الجواب الصحيح"(2/ 178).

ويقول الإمام ابن كثير: " ( وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ):

وهكذا وقع؛ فإن المسيح، عليه السلام، لما رفعه الله إلى السماء تفرقت أصحابه شيعا بعده؛ فمنهم من آمن بما بعثه الله به على أنه عبد الله ورسوله وابن أمته، ومنهم من غلا فيه فجعله ابن الله، وآخرون قالوا: هو الله. وآخرون قالوا: هو ثالث ثلاثة. وقد حكى الله مقالاتهم في القرآن، ورد على كل فريق .

فاستمروا كذلك قريبا من ثلاثمائة سنة، ثم نبغ لهم ملك من ملوك اليونان، يقال له: قسطنطين، فدخل في دين النصرانية، قيل: حيلة ليفسده، فإنه كان فيلسوفا، وقيل: جهلا منه، إلا أنه بدل لهم دين المسيح وحرفه، وزاد فيه ونقص منه . ووضعت له القوانين والأمانة الكبيرة -التي هي الخيانة الحقيرة-وأحل في زمانه لحم الخنزير، وصلوا له إلى المشرق ، وصوروا له الكنائس، وزادوا في صيامهم عشرة أيام من أجل ذنب ارتكبه، فيما يزعمون.

وصار دين المسيح ، دين قسطنطين إلا أنه بنى لهم من الكنائس والمعابد والصوامع والديارات ما يزيد على اثني عشر ألف معبد، وبنى المدينة المنسوبة إليه، واتبعه الطائفة الملكية منهم.

وهم في هذا كله قاهرون لليهود، أيدهم الله عليهم لأنهم أقرب إلى الحق منهم، وإن كان الجميع كفارا، عليهم لعائن الله.

فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم، فكان من آمن به يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله على الوجه الحق ، كانوا هم أتباع كل نبي على وجه الأرض ؛ إذ قد صدقوا الرسول النبي الأمي، خاتم الرسل، وسيد ولد آدم، الذي دعاهم إلى التصديق بجميع الحق، فكانوا أولى بكل نبي من أمته، الذين يزعمون أنهم على ملته وطريقته، مع ما قد حرفوا وبدلوا.

ثم لو لم يكن شيء من ذلك ، لكان قد نسخ الله بشريعته شريعة جميع الرسل ، بما بعث به محمدا صلى الله عليه وسلم من الدين الحق، الذي لا يغير ولا يبدل إلى قيام الساعة، ولا يزال قائما منصورا ظاهرا على كل دين.

فلهذا فتح الله لأصحابه مشارق الأرض ومغاربها، واحتازوا جميع الممالك، ودانت لهم جميع الدول، وكسروا كسرى، وقصروا قيصر، وسلبوهما كنوزهما، وأنفقت في سبيل الله، كما أخبرهم بذلك نبيهم عن ربهم، عز وجل، في قوله: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا} الآية [النور: 65] .

ولهذا لما كانوا هم المؤمنين بالمسيح حقا ، سلبوا النصارى بلاد الشام ، وأجلوهم إلى الروم، فلجؤوا إلى مدينتهم القسطنطينية، ولا يزال الإسلام وأهله فوقهم إلى يوم القيامة.

وقد أخبر الصادق المصدوق أمته : بأن آخرهم سيفتحون القسطنطينية، ويستفيؤون ما فيها من الأموال، ويقتلون الروم مقتلة عظيمة جدا، لم ير الناس مثلها ، ولا يرون بعدها نظيرها"

انتهى من "تفسير ابن كثير" (2/ 48). وينظر : "هداية الحيارى" (1/ 340).

والحاصل :

أن الله أخبر أن من اتبع عيسى عليه السلام حق الاتباع، وهم من آمن به في حياته، وآمن برسول الله محمد بعد بعثته، أنهم فوق الذين كفروا بالحجة والبرهان إلى يوم القيام ؛ فحجتهم أتم، وغلبتهم ظاهرة .

وأنهم ، إن اتبعوا الرسول حقًا، فإن الله سينصرهم ويؤيدهم بالعزة والغلبة على الذين كفروا .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2018-03-09, 15:37
الموالاة بين أهل الإيمان، وهل يفهم
منها جواز الصداقة بين الجنسين ؟

السؤال :

قرأت في سورة التوبة ، آية رقم 71، (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)، ولكني لم أفهم معناها؟ هل تعني أنه يجوز في الإسلام الصداقة بين الجنسين!؟ وبهذا وبناءً على هذه الآية هل نستطيع القول بجواز إضافة الأصدقاء من الجنس الآخر (من غير المحارم) على موقع "الفيس بوك" ونحوه؟

الجواب :

الحمد لله

أولًا:

أما قوله تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)[التوبة: 71] ، فإن معناها:

وأما المؤمنون والمؤمنات، وهم المصدقون بالله ورسوله وآيات كتابه، فإن صفتهم :

أن بعضهم أنصار بعض وأعوانهم.

(يأمرون بالمعروف) يقول: يأمرون الناس بالإيمان بالله ورسوله، وبما جاء به من عند الله.

(ويقيمون الصلاة} ، يقول: ويؤدون الصلاة المفروضة .

(ويؤتون الزكاة) يقول: ويعطون الزكاة المفروضة أهلها.

(يطيعون الله ورسوله) : فيأتمرون لأمر الله ورسوله ، وينتهون عما نهيناهم عنه.

(أولئك سيرحمهم الله) يقول: هؤلاء الذين هذه صفتهم : الذين سيرحمهم الله، فينقذهم من عذابه ويدخلهم جنته .

لا أهلُ النفاق والتكذيب بالله ورسوله، الناهون عن المعروف، الآمرون بالمنكر، القابضون أيديهم عن أداء حق الله من أموالهم.

(إن الله عزيز حكيم) يقول: إن الله ذو عزة في انتقامه ، ممن انتقم منه ، من خلقه ، على معصيته ، وكفره به ؛ لا يمنعه من الانتقام منه مانع ، ولا ينصره منه ناصر .

حكيم في انتقامه منهم في جميع أفعاله.

انظر: " تفسير الطبري" (11/ 556).

ويقول الشيخ السعدي: " لما ذكر أن المنافقين بعضهم أولياء بعض ، ذكر أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض، ووصفهم بضد ما وصف به المنافقين .
فقال: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ} أي: ذكورهم وإناثهم {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} في المحبة والموالاة، والانتماء والنصرة.

{يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ} وهو: اسم جامع، لكل ما عرف حسنه، من العقائد الحسنة، والأعمال الصالحة، والأخلاق الفاضلة، وأول من يدخل في أمرهم أنفسهم .

{وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} وهو: كل ما خالف المعروف وناقضه من العقائد الباطلة، والأعمال الخبيثة، والأخلاق الرذيلة "

انتهى من " تفسير السعدي" (343).

فمعنى ولاية أهل الإيمان بعضهم لبعض:

1- أن بعضهم ينصر بعضًا .

2- أنهم يتعاونون فيما بينهم على الخير، فيأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويقيمون الصلاة، ويؤدون الزكاة، ويفعلون الطاعات .

3- محبة الخير لبعضهم البعض .

4- التراحم فيما بينهم .

5- احترام حقوقهم فيما بينهم .

إلى غير هذه المعاني التي تشملها هذه الآية .

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " فالواجب على أهل الإسلام التعاون على البر والتقوى، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر والبر، واتباع شرائع الإسلام، وكبت هذه الطرق الجاهلية ، والضلالات الخارجية، ورد ما تنازع الناس فيه إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله، وهو الطريق المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وتجنب طريق المغضوب عليهم اليهود ومن شابههم في بعض أمورهم من غواة المنتسبين إلى الفقه والحكمة، ومن طريق الغالين المنتسبين إلى التعبد والتصوف والفقر.

وعلى أهل الإسلام أن ينصح بعضهم لبعض كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة"، قالوا: [لمن؟، قال:] "لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم".

وقد قال تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون)، وقال تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر).

فهؤلاء الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر : أطباء الأديان، الذين تشفى بهم القلوب المريضة، وتهتدي بهم القلوب الضالة، وترشد بهم القلوب الغاوية، وتستقيم بهم القلوب الزائغة، وهم أعلام الهدى ومصابيح الدجى.

والهدى والمعروف : اسم لكل ما أمر به من الإيمان ودعائمه وشعبه، كالتوبة والصبر والشكر والرجاء والخوف والمحبة والإخلاص والرضا والإنابة وذكر الله تعالى ودعائه والصدق والوفاء وصلة الأرحام وحسن الجوار وأداء الأمانة والعدل والإحسان والشجاعة والصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد وغير ذلك.

والمنكر : اسم لكل ما نهى الله عنه من الكفر والكذب والخيانة والفواحش والظلم والجور والبخل والجبن والكبر والرياء والقطيعة وسوء المسألة واتباع الهوى وغير ذلك " انتهى من " جامع المسائل- المجموعة الخامسة" (238).

والحاصل :

أن الموالاة بين المؤمنين : قوامها الحب في الله ، والموالاة عليه ، وعلى دين ، وتحقق الأخوة الإيمانية في القلوب ، ومقتضياتها في النفوس والأقوال والأفعال .

ولا يشترط في ذلك : أن يكونوا عربا ، أو عجما ، يسكنون بلدا واحدا ، أو بلدانا شتى .. ، التقوا في الدنيا ، أو لا يعلم أحدهم عن أخيه شيئا ...

فالأخوة الإيمانية ثابتة على تلك الحالات جميعا ، لا يشترط لها : لون ، ولا جنس ، ولا سن ، ولا عرب ، ولا عجم ، وشرق ، ولا غرب ...

ولا علاقة لذلك كله : بالعلاقات بين الجنسين ، سواء كان ذلك في عالم الفضاء والإنترنت ، أو كان في عالم الواقع ؛ فإن الأخوة الإيمانية بمعزل عن ذلك كله .

*عبدالرحمن*
2018-03-09, 15:40
سبب نزول قوله تعالى:
( طه . ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى )، ومعناها .

السؤال :

أريد التأكد من صحة هذه الرواية : أسند القاضي عياض في كتابه " الشفاء" من طريق عبد بن حميد في تفسيره : حدثنا هاشم بن القاسم عن ابن جعفر ، عن الربيع بن أنس قال : " كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى قَامَ عَلَى رِجْلٍ وَرَفَعَ الْأُخْرَى، فأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {طه} ، يَعْنِي: طَأِ الْأَرْضَ يَا مُحَمَّدُ، {مَا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى} " ، ثم قال : ولا خفاء بما في هذا من الإكرام وحسن المعاملة "

الجواب :

الحمد لله

أولًا:

أسند القاضي عياض في كتابه "الشفا" من طريق عبد بن حميد ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى قَامَ عَلَى رِجْلٍ وَرَفَعَ الْأُخْرَى، فأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {طه} ، يَعْنِي: طَأِ الْأَرْضَ يَا مُحَمَّدُ، (مَا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) ".

"الشفا بحاشية الشمني" (1/42) ، وينظر : "تفسير ابن كثير" (5/271) .

وهذا ، مع ضعف إسناده : منقطع ، لا تقوم به حجة ، الربيع بن أنس روايته عن النبي صلى الله عليه وسلم معضلة ، والسند إليه أيضا : ضعيف .

وينظر: "الاستيعاب في بيان الأسباب" (2/ 485) ، "موسوعة التفسير بالمأثور" (14/234-237) .

لكن المعنى الإجمالي مما يمكن قبوله، وهو أن الآيات نزلت بسبب ما كان يلقى من النصب والعناء والسهر في قيام الليل ، انظر: "تفسير الطبري" (16/ 7).

ثانيًا:

أما معنى قوله تعالى ( طه )، فمما اختلف فيه أهل العلم . فاختار الإمام الطبري أن معناه ( يا رجل )، قال: " والذي هو أولى بالصواب عندي من الأقوال فيه: قول من قال: معناه: يا رجل، لأنها كلمة معروفة في عك فيما بلغني، وأن معناها فيهم: يا رجل ..

فإذا كان ذلك معروفا فيهم على ما ذكرنا، فالواجب أن يوجه تأويله إلى المعروف فيهم من معناه، ولا سيما إذا وافق ذلك تأويل أهل العلم من الصحابة والتابعين.

فتأويل الكلام إذن: يا رجل ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى، ما أنزلناه عليك فنكلفك ما لا طاقة لك به من العمل.

وذكر أنه قيل له ذلك بسبب ما كان يلقى من النصب والعناء والسهر في قيام الليل . " تفسير الطبري"(16/ 7).

وينظر : "أضواء البيان" (4/3) .

وأصح ما قيل فيها، أن ( طه ) : من الحروف المقطعة، وعليه: فقد ذكر أهل العلم ما يناسب هذه الحروف .

قال ابن عاشور رحمه الله :

" وهذان الحرفان من حروف فواتح بعض السور مثل الم، ويس.

ورسما في خط المصحف بصورة حروف التهجي التي هي مسمى (طا) و (ها) كما رسم جميع الفواتح التي بالحروف المقطعة.

وقرئا لجميع القراء كما قرئت بقية فواتح السور.

فالقول فيهما كالقول المختار في فواتح تلك السور ...

وقيل مقتضبان من فعل (طأ) أمرا من الوطء، ومن (ها) ضمير المؤنثة الغائبة ، عائد إلى الأرض.

وفسر بأن النبيء صلى الله عليه وسلم كان في أول أمره إذا قام في صلاة الليل قام على رجل واحدة ، فأمره الله بهذه الآية أن يطأ الأرض برجله الأخرى ؛ ولم يصح "

انتهى من"التحرير والتنوير" (16/ 183).

والله أعلم

*عبدالرحمن*
2018-03-09, 15:46
هل الصدقة على المسكين بشيء لا يستخدمه
الإنسان يعتبر من التصدق بالرديء؟

السؤال:

قرأت تفسير الآية الكريمة : (وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بضب فلم يأكله ولم ينه عنه . قلت : يا رسول الله ، نطعمه المساكين ؟

قال : ( لا تطعموهم مما لا تأكلون ) " . فالرجل إذا لم يستخدم شيئا كيف يفعل ، وهو يعرف أنه إذا أعطاه مسكينا سيتفيد منه ؟

الجواب :

الحمد لله

روى الإمام أحمد (24736) ، والبيهقي (19426) ، والطيالسي (1487) من طريق حَمَّاد بْن سَلَمَةَ، عَنْ حَمَّادٍ - وهو ابن أبي سليمان- عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ : " أُتِيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِضَبٍّ، فَلَمْ يَأْكُلْهُ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا نُطْعِمُهُ الْمَسَاكِينَ؟ قَالَ: (لَا تُطْعِمُوهُمْ مِمَّا لَا تَأْكُلُونَ) ".

وهذا إسناد ضعيف ، منقطع .

قال محققو مسند الإمام أحمد :

" حديث صحيح دون قوله: (لا تطعموهم مما لا تأكلون)، وهذا إسناد اختلف فيه على حماد بن أبي سليمان وهو الراوي عن إبراهيم النخعي:

فرواه حماد بن سلمة - كما في هذه الرواية - عنه، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، به.

ورواه سفيان الثوري - فيما أخرجه ابن أبي حاتم في "العلل" (2 / 11) والبيهقي في "السنن" (9 / 325 - 326 ) عنه ، عن إبراهيم ، عن عائشة به ، فلم يذكر الأسود في الإسناد، وهو الصحيح فيما ذكره أبو زرعة الرازي والدارقطني في "العلل" (5/63) .

قلنا: وإبراهيم النخعي لم يسمع من عائشة.

وأخرجه ابن أبي شيبة (8 / 267 - 268) - ومن طريقه أبو يعلى (4461) عن عبيد الله بن سعيد - وهو الأموي -، عن الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة.

قال أبو زرعة الرازي - كما في "العلل" لابن أبي حاتم (2 / 11)-: هذا خطأ أخطأ فيه عبيد، قال: عن منصور وإنما هو: عن حماد، والصحيح حديث الثوري، عن حماد، عن إبراهيم، عن عائشة.

وأخرجه إسحاق (1621) عن يحيى بن آدم، عن قيس، عن منصور، عن عمرو بن عبد الله، عن عمرو بن حرملة السلمي، عن عائشة، بنحوه.

وهذا إسناد ضعيف لضعف قيس وهو ابن الربيع، وعمرو بن عبد الله وشيخه لم نقف على ترجمتهما
.
وقوله : " أتي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بضب فلم يأكله ولم ينه عنه " ، له شاهد من حديث ابن عباس، سلف برقم (2299) ، وآخر من حديث خالد بن الوليد ، سلف برقم (16812) ، وإسنادهما صحيحان " انتهى .

وقد أشار البيهقي إلى الاختلاف في رواية الحديث بقوله : " تَفَرَّدَ بِهِ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ مَوْصُولًا ، وَقِيلَ عَنْهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَائِشَةَ مُرْسَلًا "

فبان بهذا : أن قوله : ( لَا تُطْعِمُوهُمْ مِمَّا لَا تَأْكُلُونَ ) لا يصح ، لأن الحديث معلول بالانقطاع ؛ لأن الراجح في روايته : أنه من رواية إبراهيم النخعي عن عائشة ، وهو لم يسمع منها.

وعلى فرض القول بثبوت الحديث ، فهو محمول على استحباب إطعام المساكين والخدم ونحوهم مما يأكل الإنسان ، وأنه لا يطعمهم مما لا يأكل ، وهذا على وجه الاستحباب ، وهو من طيب النفس وكرمها .

وقد روى البيهقي هذا الحديث في سننه (19427) بلفظ : أُهْدِيَ لَنَا ضَبٌّ فَقَدَّمْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلَا تُطْعِمُهُ السُّؤَّالَ؟ فَقَالَ: ( إِنَّا لَا نُطْعِمُهُمْ مِمَّا لَا نَأْكُلُ ) وقال :

" وَهُوَ -إِنْ ثَبَتَ - فِي مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ ، مِنَ امْتِنَاعِهِ مِنْ أَكْلِهِ ، ثُمَّ فِيهِ أَنَّهُ اسْتَحَبَّ أَنْ لَا يُطْعِمَ الْمَسَاكِينَ مِمَّا لَا يَأْكُلُ ".
فيكون هذا على سبيل الاستحباب والكمال في الكرم أن المتصدق ينزل الفقير منزلة نفسه ، فيطعمه من طعامه الذي يأكله .

ويشبه هذا : أمر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل بأن يطعم عبده مما يأكل ، وذلك هو الأكمل والأحسن ولكنه غير واجب .

روى مسلم (1661) عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن العبيد : (هُمْ إِخْوَانُكُمْ ، جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ ، فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ ، وَأَلْبِسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ) .

قال النووي رحمه الله :

"قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( هُمْ إِخْوَانكُمْ جَعَلَهُمْ اللَّه تَحْت أَيْدِيكُمْ فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ ، وَأَلْبِسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ) الضَّمِير فِي ( هُمْ إِخْوَانكُمْ ) يَعُود إِلَى الْمَمَالِيك ، وَالْأَمْر بِإِطْعَامِهِمْ مِمَّا يَأْكُل السَّيِّد ، وَإِلْبَاسهمْ مِمَّا يَلْبَس مَحْمُول عَلَى الِاسْتِحْبَاب لَا عَلَى الْإِيجَاب ، وَهَذَا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ ...

وَإِنَّمَا يَجِب عَلَى السَّيِّد نَفَقَة الْمَمْلُوك وَكِسْوَته بِالْمَعْرُوفِ بِحَسَبِ الْبُلْدَان وَالْأَشْخَاص ، سَوَاء كَانَ مِنْ جِنْس نَفَقَة السَّيِّد وَلِبَاسه ، أَوْ دُونه ، أَوْ فَوْقه ، حَتَّى لَوْ قَتَّرَ السَّيِّد عَلَى نَفْسه تَقْتِيرًا خَارِجًا عَنْ عَادَة أَمْثَاله ، إِمَّا زُهْدًا ، وَإِمَّا شُحًّا ، لَا يَحِلّ لَهُ التَّقْتِير عَلَى الْمَمْلُوك ، وَإِلْزَامه وَمُوَافَقَته إِلَّا بِرِضَاهُ" انتهى .

ومن الأدلة ـ أيضا ـ على أن ذلك الأمر إنما هو من باب الندب والإرشاد ، وليس على سبيل الوجوب : ما رواه مسلم في صحيحه (2004) عن ابْنَ عَبَّاسٍ، رضي الله عنهما ، قال : " كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنْتَبَذُ لَهُ أَوَّلَ اللَّيْلِ، فَيَشْرَبُهُ إِذَا أَصْبَحَ يَوْمَهُ ذَلِكَ، وَاللَّيْلَةَ الَّتِي تَجِيءُ، وَالْغَدَ وَاللَّيْلَةَ الْأُخْرَى، وَالْغَدَ إِلَى الْعَصْرِ، فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ سَقَاهُ الْخَادِمَ، أَوْ أَمَرَ بِهِ فَصُبَّ "

قال الملا علي القاري رحمه الله :

" (سَقَاهُ الْخَادِمَ) : لِكَوْنِهِ دُرْدِيًّا لَا لِكَوْنِهِ مُسْكِرًا (أَوْ أَمَرَ بِهِ) : أَيْ بِالْمَنْبُوذِ الْبَاقِي (فَصُبَّ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: كُبَّ لِمَخَافَةِ التَّغَيُّرِ، أَوْ إِذَا بَلَغَ حَدَّ الْإِسْكَارِ، فَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلشَّكِّ. قَالَ الْمُظْهِرُ: إِنَّمَا لَمْ يَشْرَبْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ كَانَ دُرْدِيًّا وَلَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الْإِسْكَارِ، فَإِذَا بَلَغَ صَبَّهُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ شُرْبِ الْمَنْبُوذِ مَا لَمْ يَكُنْ مُسْكِرًا، وَعَلَى جَوَازِ أَنْ يُطْعِمَ السَّيِّدُ مَمْلُوكَهُ طَعَامًا أَسْفَلَ وَيَطْعَمَ هُوَ طَعَامًا أَعْلَى" انتهى من "مرقاة المفاتيح" (7/2756) .

وأما قوله تعالى : ( وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ) البقرة/ 267 .

فمعناه : " لَا تَقْصِدُوا الْمَالَ الْخَبِيثَ مُخَصِّصِينَ الْإِنْفَاقَ بِهِ، قَاصِرِينَ لَهُ عَلَيْهِ، وَالْحَالُ أَنَّكُمْ لَا تَأْخُذُونَهُ فِي مُعَامَلَاتِكُمْ فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ، إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ، وهُوَ مِنْ أَغْمَضَ الرَّجُلُ فِي أَمْرِ كَذَا: إِذَا تَسَاهَلَ وَرَضِيَ بِبَعْضِ حَقِّهِ وَتَجَاوَزَ وَغَضَّ بَصَرَهُ عَنْهُ ".

انتهى من "فتح القدير" (1/ 332)

وروى الحاكم (1461) عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ لَوْنَيْنِ مِنَ التَّمْرِ: الْجُعْرُورِ، وَلَوْنِ الْحُبَيْقِ " قَالَ:

" وَكَانَ نَاسٌ يَتَيَمَّمُونَ شَرَّ ثِمَارِهِمْ ، فَيُخْرِجُونَهَا فِي الصَّدَقَةِ فَنُهُوا عَنْ لَوْنَيْنِ مِنَ التَّمْرِ، فَنَزَلَتْ: (وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ) وقال الحاكم : " هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ ".

فنهى الله عباده المؤمنين عن قصد الرديء في الزكاة ، وتعمد إخراجها منه ، مع أن عنده من الطيب ما يمكن أن يخرجه .

قال ابن عطية رحمه الله :

" هذا الخطاب هو لجميع أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه صيغة أمر من الإنفاق، واختلف المتأولون هل المراد بهذا الإنفاق، الزكاة المفروضة أو التطوع ؟

فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعبيدة السلماني ومحمد بن سيرين: هي في الزكاة المفروضة ؛ نهى الناسَ عن إنفاق الرديء فيها بدل الجيد، وأما التطوع فكما للمرء أن يتطوع بقليل ، فكذلك له أن يتطوع بنازل في القدر، ودرهم زائف خير من تمرة .

فالأمر على هذا القول للوجوب .

والظاهر من قول البراء بن عازب والحسن بن أبي الحسن وقتادة، أن الآية في التطوع .

وروى البراء بن عازب، وعطاء بن أبي رباح ما معناه : أن الأنصار كانوا أيام الجداد يعلقون أقناء التمر في حبل بين أسطوانتين في المسجد ، فيأكل من ذلك فقراء المهاجرين ، فعلق رجل حشفا ، فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بئسما علق هذا، فنزلت الآية.

قال القاضي أبو محمد [ هو : ابن عطية ] : والأمر على هذا القول على الندب، وكذلك ندبوا إلى أن لا يتطوعوا إلا بجيد مختار .

والآية تعم الوجهين، لكن صاحب الزكاة يتلقاها على الوجوب ، وصاحب التطوع يتلقاها على الندب .

وهؤلاء كلهم ، وجمهور المتأولين ، قالوا : معنى ( مِنْ طَيِّباتِ ) : من جيد ومختار ما كَسَبْتُمْ، وجعلوا الْخَبِيثَ بمعنى الرديء والرذالة .

وقال ابن زيد معناه: من حلال ما كسبتم، قال: وقوله: ( وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ ) : أي الحرام.

قال القاضي أبو محمد: وقول ابن زيد ليس بالقوي من جهة نسق الآية لا من معناه في نفسه"

انتهى من "تفسير ابن عطية" (1/361) .

وقال ابن القيم رحمه الله :

" فنهى سبحانه عن قصد إخراج الرديء كما هو عادة أكثر النفوس ، تمسك الجيد لها ، وتخرج الرديء للفقير، ونهيه سبحانه عن قصد ذلك وتيممه فيه ما يشبه العذر لمن فعل ذلك لا عن قصد وتيمم بل إما عن اتفاق، إذا كان هو الحاضر إذ ذاك أو كان ماله من جنسه، فإن هذا لم يتيمم الخبيث بل تيمم إخراج بعض ما منَّ الله عليه"

انتهى من "طريق الهجرتين" (374) .

والحاصل :

أن النهي عن إخراج الخبيث الرديء في هذه الآية : إما أن يكون في الزكاة المفروضة ، يتعمد رديء المال ، ولا يخرج الزكاة من الطيب ، والواجب عليه أن يخرج زكاة المال من جنسه . وهو أظهر القولين في الآية .

أو يكون ذلك في صدقة النافلة ، لكن على وجه الندب ، أو يتقصد المرء ألا يخرج من ماله إلا الخبيث منه ، ويبخل بالطيب ، ويدخره لنفسه .

وقد سئل ابن عثيمين رحمه الله:

" ذكرت التصدق بالثوب الخلق، فهل يعارض قول الله عز وجل: (وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تنفقون)؟

فأجاب :

" لا يعارض؛ لأن الآية في الزكاة، لا يجوز للإنسان أن يقصد الرديء من ماله ويخرجه في الزكاة، وأما ما ليس واجباً عليه إخراجه فليخرج ما شاء، ولا شك أن التصدق بهذا خير من إتلافه " انتهى .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2018-03-09, 15:51
قبول توبة من تكررت منه الردة

السؤال :

ذكرت الآية 90 من سورة آل عمران أن توبة المرتد لن تقبل ، ولكن ذكر المفسرون أن عدم قبول التوبة يكون إن مات على كفره ، ولكن هذه الآيات جاءت في مجموعة من الأشخاص ارتدوا أكثر من مرة ، فقد جاء في " تفسير ابن كثير" ما يلي: " قال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع ، حدثنا يزيد بن زريع ، حدثنا ابن أبي هند ، عن عكرمة ، عن ابن عباس

أن قوما أسلموا ثم ارتدوا ، ثم أسلموا ثم ارتدوا ، فأرسلوا إلى قومهم يسألون لهم ، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنزلت هذه الآية : ( إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم ) هكذا رواه ، وإسناده جيد" ، ولكن لم يذكر ما إن كانت توبتهم قد قبلت أم لا ، فكما أعلم فالمفسرون يفسرون القرآن باجتهاداتهم الشخصية ، وإلا فما هو سبب اختلافهم ؟

وعندي سؤال آخر : بخصوص إجماع العلماء على قبول توبة المرتد من كل المعاصي وإن ارتد 50 مرة إن أخلص التوبة ، فهل هناك أثر أو حديث في رجل ارتد أكثر من 3 مرات وقبلت توبته؟ وسؤالي الآخير هو هل لو كان في قلب الرجل نفاق ، وسأل الله أن يشفيه منه فهل سيزيله الله تعالى من قلبه؟

الجواب :

الحمد لله

أولا :

من ارتد ثم تاب، قبل الله تعالى توبته، فقد فتح الله باب التوبة لكل من تاب .

وأما من تكررت منه الردة، فإنه إن أخلص في توبته بينه وبين الله، فإن الله يقبل توبته، ويقيل عثرته .

وأما في أحكام الظاهر، فإن الفقهاء اختلفوا، هل تقبل توبة من تكررت منه الردة في الظاهر أم لا ؟ على قولين .

والصحيح من قولي أهل العلم أن توبة من تكررت ردته : مقبولة في أحكام الظاهر أيضا ، وتجري عليه أحكام الإسلام .

وهذا هو قول جماهير أهل العلم : الحنفية والشافعية والمشهور عند المالكية ، وآخر قولي أحمد بن حنبل .

ثانيا :

وأما الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ )آل عمران/ 90، ومثلها قوله تعالى في سورة النساء: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا ) النساء/ 137 .

فإن عدم قبول التوبة قد ذكر العلماء مواطنه، وهي:

1- عند الموت، فإن التوبة لا تقبل عند الموت .

2- عند استمراره على الكفر، فإن الله لا يقبل التوبة بعد الموت، فالمراد بالازدياد هنا : الاستمرار ، وعدم الإقلاع .

3- وقال الطبري في آية: النساء: " وأما قوله: {لم يكن الله ليغفر لهم} [النساء: 137] : فإنه يعني: لم يكن الله ليستر عليهم كفرهم وذنوبهم ، بعفوه عن العقوبة لهم عليه , ولكنه يفضحهم على رءوس الأشهاد ".

انظر في هذه الأوجه: " تفسير الطبري" (5/ 563)، " تفسير ابن كثير" (2/ 71)، " التحرير والتنوير" (3/ 304 - 305).

قال ابن كثير: " يقول تعالى ، متوعدا ومتهددا لمن كفر بعد إيمانه ، ثم ازداد كفرا، أي: استمر عليه إلى الممات، ومخبرا بأنه لا يقبل لهم توبة عند مماتهم "

انتهى من "تفسير ابن كثير" (2/ 71).

وقال: " يخبر تعالى عمن دخل في الإيمان ثم رجع عنه، ثم عاد فيه ، ثم رجع، واستمر على ضلاله ، وازداد حتى مات = فإنه لا توبة بعد موته، ولا يغفر الله له، ولا يجعل له مما هو فيه فرجا ولا مخرجا، ولا طريقا إلى الهدى؛ ولهذا قال: {لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا} "

انتهى من "تفسير ابن كثير" (2/ 434).

ويقول القاسمي: " وقد أشكل على كثير قوله تعالى: {لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} ، مع أن التوبة عند الجمهور مقبولة كما في الآية قبلها، وقوله سبحانه: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ} [الشورى: 25] . وغير ذلك.

فأجابوا: بأن المراد عند حضور الموت. قال الواحديّ في (الوجيز): لن تقبل توبتهم لأنهم لا يتوبون إلا عند حضور الموت، وتلك التوبة لا تقبل - انتهى -، أي كما قال تعالى: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ} [النساء: 18] ، الآية.

وقيل : عدم قبول توبتهم : كناية عن عدم توبتهم، أي: لا يتوبون" انتهى من "تفسير القاسمي" (2/ 348).

وقال في آية النساء: " في الآية وجوه:

الأول: أن المراد الذين تكرر منهم الارتداد، وعهد منهم ازدياد الكفر والإصرار عليه : يستبعد منهم أن يحدثوا ما يستحقون به المغفرة ، ويستوجبون اللطف، من إيمان صحيح ثابت يرضاه الله. لأن قلوب أولئك الذين هذا ديدنهم : قلوب قد ضريت بالكفر ، ومرنت على الردّة. وكان الإيمان أهون شيء عندهم ، وأدونه ، حيث يبدو لهم فيه كرة بعد أخرى.

وليس المعنى : أنهم لو أخلصوا الإيمان بعد تكرار الردة، ونصحت توبتهم : لم يقبل منهم ، ولم يغفر لهم ؛ لأن ذلك مقبول ، حيث هو بذل للطاقة واستفراغ الوسع، ولكنه استبعاد له واستغراب، وإنه أمر لا يكاد يكون.

وهكذا نرى الفاسق الذي يتوب ثم يرجع، ثم يتوب ثم يرجع، فإنه لا يكاد يرجى منه الثبات. والغالب أنه يموت على الفسق. فكذا هنا

"انتهى من "تفسير القاسمي" (3/ 370).

ثالثا :

وأما الأثر المروي عن ابن عباس ، فقال الحافظ ابن كثير رحمه الله :

"قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيع، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيع، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ قَوْمًا أَسْلَمُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا، ثُمَّ أَسْلَمُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا، فَأَرْسَلُوا إِلَى قَوْمِهِمْ يَسْأَلُونَ لَهُمْ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} . هَكَذَا رَوَاهُ، وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ "

انتهى من "تفسير ابن كثير" (2/72) .

فقد ضعفه الحافظ ابن حجر رحمه الله ، كما في "العجاب" (2/ 709) ، قال : "والبزار كان يحدث من حفظه فَيَهِمُ، والمحفوظ ما رواه ابن جرير ومن وافقه " .

وتبعه السيوطي في "الدر المنثور" (2/ 258): "هذا خطأ من البزار" .

وانظر: ا"لاستيعاب في بيان الأسباب": (1/ 270) ، وحاشية محقق "العجاب في بيان الأسباب" .

والمراد بالمحفوظ ، ما وراه ابن جرير عن ابن عباس قال: كان رجل من الأنصار أسلم ثم ارتد ولحق بالشرك، ثم ندم فأرسل إلى قومه: أرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، هل لي من توبة؟ قال: فنزلت:"كيف يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم" إلى قوله:"وجاءَهم البيناتُ والله لا يهدي القوم الظالمين إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم"، فأرسل إليه قومه فأسلم.

"تفسير ابن جرير" (6/572) ، وينظر : "العجاب" الموضع السابق .

وحمله الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله على اليهود الذين كفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم ، واستمروا على كفرهم ذلك ؛ ثم ازدادوا كفرا على كفرهم الأول . قال :

" وأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل هذه الآية قول من قال: عنى بها اليهود، وأن يكون تأويله : إن الذين كفروا من اليهود بمحمد صلى الله عليه وسلم عند مبعثه بعد إيمانهم به قبل مبعثه، ثم ازدادوا كفرا ، بما أصابوا من الذنوب في كفرهم ومقامهم على ضلالتهم .

لن تقبل توبتهم من ذنوبهم التي أصابوها في كفرهم، حتى يتوبوا من كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، ويراجعوا التوبة منه بتصديق ما جاء به من عند الله..." ، ثم أطال في تقرير ما اختاره رحمه الله

. ينظر : "تفسير الطبري: (5/ 567).

والله أعلم

*عبدالرحمن*
2018-03-09, 15:57
السؤال :

لماذا ذكر الله المجادله بالفعل بقوله (وجادلهم)، وعن الحكمه والموعظة (بالاسم) ؟

الجواب :

الحمد لله

أولًا:

فإن معنى الآية الكريمة: " أي: ليكن دعاؤك للخلق مسلمهم وكافرهم إلى سبيل ربك المستقيم المشتمل على العلم النافع والعمل الصالح (بِالْحِكْمَةِ) أي: كل أحد على حسب حاله وفهمه وقوله وانقياده.

ومن الحكمة الدعوة بالعلم لا بالجهل والبداءة بالأهم فالأهم، وبالأقرب إلى الأذهان والفهم، وبما يكون قبوله أتم، وبالرفق واللين، فإن انقاد بالحكمة، وإلا فينتقل معه بالدعوة بالموعظة الحسنة، وهو الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب.

إما بما تشتمل عليه الأوامر من المصالح وتعدادها، والنواهي من المضار وتعدادها، وإما بذكر إكرام من قام بدين الله وإهانة من لم يقم به.

وإما بذكر ما أعد الله للطائعين من الثواب العاجل والآجل ، وما أعد للعاصين من العقاب العاجل والآجل .

فإن كان المدعو يرى أن ما هو عليه حق. أو كان داعيه إلى الباطل، فيجادل بالتي هي أحسن، وهي الطرق التي تكون أدعى لاستجابته عقلا ونقلا.

ومن ذلك الاحتجاج عليه بالأدلة التي كان يعتقدها، فإنه أقرب إلى حصول المقصود، وأن لا تؤدي المجادلة إلى خصام أو مشاتمة تذهب بمقصودها، ولا تحصل الفائدة منها بل يكون القصد منها هداية الخلق إلى الحق لا المغالبة ونحوها.

وقوله: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ) علم السبب الذي أداه إلى الضلال، وعلم أعماله المترتبة على ضلالته وسيجازيه عليها.

(وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) علم أنهم يصلحون للهداية ، فهداهم ، ثم منَّ عليهم فاجتباهم "

انتهى من "تفسير السعدي" (452.

وقال ابن القيم رحمه الله : " والعظة يراد بها أمران: الأمر والنهي المقرونان بالرغبة والرهبة .

ونفس الرغبة والرهبة.

فالمنيب المتذكر : شديد الحاجة إلى الأمر والنهي .

والمعرض الغافل : شديد الحاجة إلى الترغيب والترهيب .

والمعارض المتكبر : شديد الحاجة إلى المجادلة .

فجاءت هذه الثلاثة ، في حق هؤلاء الثلاثة ، في قوله: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) [النحل: 125] .

أطلق الحكمة ، ولم يقيدها بوصف الحسنة، إذ كلها حسنة، ووصف الحسن لها ذاتي.

وأما الموعظة : فقيدها بوصف الإحسان، إذ ليس كل موعظة حسنة.

وكذلك الجدل : قد يكون بالتي هي أحسن، وقد يكون بغير ذلك . وهذا يحتمل أن يرجع إلى حال المجادل وغلظته، ولينه وحدته ورفقه، فيكون مأمورا بمجادلتهم بالحال التي هي أحسن.

ويحتمل أن يكون صفة لما يجادل به من الحجج والبراهين، والكلمات التي هي أحسن شيء وأبينه، وأدله على المقصود، وأوصله إلى المطلوب.

والتحقيق: أن الآية تتناول النوعين.

وأما ما ذكره بعض المتأخرين : أن هذا إشارة إلى أنواع القياسات ؛ فالحكمة هي طريقة البرهان، والموعظة الحسنة هي طريقة الخطابة، والمجادلة بالتي هي أحسن طريقة الجدل . فالأول: بذكر المقدمات البرهانية لمن لا يرضى إلا بالبرهان، ولا ينقاد إلا له، وهم خواص الناس. والثاني: بذكر المقدمات الخطابية التي تثير رغبة ورهبة لمن يقنع بالخطابة ، وهم الجمهور. والثالث: بذكر المقدمات الجدلية للمعارض الذي يندفع بالجدل، وهم المخالفون =

فتنزيل القرآن على قوانين أهل المنطق اليوناني واصطلاحهم، وذلك باطل قطعا من وجوه عديدة ليس هذا موضع ذكرها "

انتهى من "مدارج السالكين" (1/444)

ثانيًا:

عبر بالفعل في قوله " وجادلهم " ولم يعبر بالمصدر، لينبه على أن المجادلة مقيدة بأن تكون بالتي هي أحسن .

قال ابن عاشور: " لم يعطف مصدر المجادلة على الحكمة والموعظة بأن يقال: والمجادلة بالتي هي أحسن، بل جيء بفعلها، تنبيها على أن المقصود تقييد الإذن فيها ، بأن تكون بالتي هي أحسن، كما قال: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن) [سورة العنكبوت: 46].

والمجادلة: الاحتجاج لتصويب رأي وإبطال ما يخالفه أو عمل كذلك.

ولما كان ما لقيه النبيء صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين قد يبعثه على الغلظة عليهم في المجادلة ، أمره الله بأن يجادلهم بالتي هي أحسن "

انتهى من "التحرير والتنوير" (14/ 328(.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " فالقرآن ليس فيه أنه قال: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة والجدل !!

وذلك لأن الإنسان له ثلاثة أحوال: إما أن يعرف الحق ويعمل به ، وأما أن يعرفه ولا يعمل به ، وإما أن يجحده .

فأفضلها : أن يعرف الحق ويعمل به .

والثاني: أن يعرفه ، لكن نفسه تخالفه ؛ فلا توافقه على العمل به .

والثالث: من لا يعرفه ، بل يعارضه .

فصاحب الحال الأول : هو الذي يدعى بالحكمة ؛ فإن الحكمة هي العلم بالحق ، والعمل به ؛ فالنوع الأكمل من الناس : من يعرف الحق ، ويعمل به ؛ فيدعون بالحكمة .

والثاني: من يعرف الحق ، لكن تخالفه نفسه ؛ فهذا يوعظ الموعظة الحسنة .

فهاتان هما الطريقان : الحكمة ، والموعظة .

وعامة الناس يحتاجون إلى هذا وهذا ؛ فإن النفس لها أهواء تدعوها إلى خلاف الحق وإن عرفته؛ فالناس يحتاجون إلى الموعظة الحسنة ، وإلى الحكمة ؛ فلا بد من الدعوة بهذا وهذا.

وأما الجدل : فلا يدعى به ، بل هو من باب دفع الصائل ؛ فإذا عارض الحق معارض : جودل بالتي هي أحسن .

ولهذا قال : ( وجادلهم ) ؛ فجعله "فعلا" مأمورا به ، مع قوله : ( ادعهم ) .

فأمره : بالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة ، وأمره : أن يجادل بالتي هي أحسن ؛ وقال ، في الجدال : ( بالتي هي أحسن ) ، ولم يقل بالحسنة ، كما قال في الموعظة ؛ لأن الجدال فيه مدافعة ، ومغاضبة ؛ فيحتاج أن يكون بالتي هي أحسن ، حتى يُصلح ما فيه من الممانعة والمدافعة . والموعظةُ : لا تُدَافَع ، كما يُدافَع المجادِل .

فما دام الرجل قابلا للحكمة ، أو الموعظة الحسنة ، أو لهما جميعا : لم يحتج إلى مجادلة ؛ فإذا مانع جودل بالتي هي أحسن.

والمجادلة بعلم ، كما أن الحكمة بعلم .

وقد ذم الله من يجادل بغير علم ، فقال تعالى: (هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ) .

والله لا يأمر المؤمنين أن يجادلوا بمقدمة يسلمها الخصم ، إن لم تكن علما . فلو قدر أنه قال باطلا ، لم يأمر الله أن يحتج عليهم بالباطل "

انتهى من "الرد على المنطقيين"(468) .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2018-03-09, 16:02
تفسير البهتان المفترى بين الأيدي والأرجل

السؤال :

في بيعة العقبة الأولي قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: ( ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ) ما معني هذه الجملة؟ جزاكم الله كل خير

الجواب :

الحمد لله

روى عُبَادَةُ بْن الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا ، وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ، وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ:

«بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لاَ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلاَ تَسْرِقُوا، وَلاَ تَزْنُوا، وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ ، وَلاَ تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلاَ تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ» .

فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ .

رواه البخاري (18) ومسلم (1709) ، واللفظ للبخاري .

وأما الإتيان ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم، فقد ورد أيضًا في قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) [الممتحنة: 12] .

وعن عَائِشَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَتْ: كَانَتِ الْمُؤْمِنَاتُ إِذَا هَاجَرْنَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُمْتَحَنَّ بِقَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ} [الممتحنة: 12] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ .

قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَنْ أَقَرَّ بِهَذَا مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ، فَقَدْ أَقَرَّ بِالْمِحْنَةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَقْرَرْنَ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِنَّ، قَالَ لَهُنَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «انْطَلِقْنَ، فَقَدْ بَايَعْتُكُنَّ» وَلَا وَاللهِ مَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ، غَيْرَ أَنَّهُ يُبَايِعُهُنَّ بِالْكَلَامِ قَالَتْ عَائِشَةُ: وَاللهِ، مَا أَخَذَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى النِّسَاءِ قَطُّ إِلَّا بِمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى، وَمَا مَسَّتْ كَفُّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَفَّ امْرَأَةٍ قَطُّ، وَكَانَ يَقُولُ لَهُنَّ إِذَا أَخَذَ عَلَيْهِنَّ: «قَدْ بَايَعْتُكُنَّ» كَلَامًا .

رواه البخاري (4891) ومسلم (1866) .

فبالجمع بين الآية والحديثين يتبين أن هذا البهتان ليس مما يختص به النساء .

والصحيح أن "البهتان" : اسم عام ، يدخل فيه كل ما بهت صاحبه ، وحيره ، وأدهشه ، من قول أو فعل لم يكن في حسابه فهو بهتان .

وبعضه أشد من بعض، فيدخل فيه:

1- الزنا - عياذًا بالله - .

2- الغيبة، والنميمة .

3- قذف المحصنات .

4- قول الزور أو شهادة الزور .

وغيرها من أنواع البهتان .

قال الراغب الأصفهاني ، رحمه الله : " قال عزّ وجل: ( هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ ) [النور/ 16] . أي: كذب يبهت سامعه لفظاعته . قال تعالى: ( وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ ) [الممتحنة/ 12] ، كناية عن الزنا .

وقيل: بل ذلك لكل فعل مستبشع ، يتعاطينه باليد والرّجل ، من تناول ما لا يجوز ، والمشي إلى ما يقبح، ويقال: جاء بالبَهِيتَةِ، أي: بالكذب " . انتهى، من "المفردات" (148) .

وقال ابن عطية في تفسير الآية: "قال أكثر المفسرين معناه: أن تنسب إلى زوجها ولدا ليس هو له .
واللفظ أعم من هذا التخصيص" .

انتهى، من المحرر الوجيز: (5/ 299) .

وقال الطاهر: " وهذا من الكلام الجامع لمعان كثيرة ، باختلاف محامله"

انتهى، من التحرير والتنوير: (28/ 167).

وقال ابن رجب: " وقد اختلف المفسرون في البهتان المذكور في آية بيعة النساء:

فأكثرهم فسروه بإلحاق المرأة بزوجها ولدا من غيره ... .

واختلفوا في معنى قوله: "بين أيديهن وأرجلهن": فقيل لأن الولد إذا ولدته أمه سقط بين يديها ورجليها.

وقيل: بل أراد بما تفتريه بين يديها: أن تأخذ لقيطا فتلحقه بزوجها، وبما تفتريه بين رجليها: أن تلده من زنا ثم تلحقه بزوجها.

ومن المفسرين من فسر البهتان المفترى : بالسحر .

ومنهم من فسره بالمشي بالنميمة ، والسعي في الفساد .

ومنهم من فسره بالقذف والرمي بالباطل.

وقيل: البهتان المفترى يشمل ذلك كله ، وما كان في معناه . ورجحه ابن عطية وغيره. وهو الأظهر، فيدخل فيه كذب المرأة فيما اؤتمنت عليه من حمل وحيض وغير ذلك.

ومن هؤلاء من قال: أراد بما بين يديها: حفظ لسانها وفمها ووجهها عما لا يحل لها .

وبما بين رجليها: حفظ فرجها، فيحرم عليها الافتراء ببهتان في ذلك كله.

ولو قيل: إن من الافتراء ببهتان بين يديها خيانة الزوج في ماله الذي في بيتها : لم يبعد ذلك.

وقد دل مبايعة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرجال على أن لا يأتوا ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم: أن ذلك لا يختص بالنساء .

وجميع ما فسر به البهتان في حق النساء يدخل فيه الرجال - أيضًا -، فيدخل فيه استلحاق الرجل ولد غيره ، سواء كان لاحقًا غيره أو غير لاحق ، كولد الزنا .

ويدخل فيه الكذب والغيبة ....

ولكن ذكر مما فسر به البهتان المذكور في القرآن عدة خصال: السحر، والمشي ببريء على السلطان، وقذف المحصنات.

وهذا يشعر بدخول ذلك كله في اسم البهتان.

وكذلك الأحاديث التي ذكر فيها عدد الكبائر ، ذكر في بعضها القذف، وفي بعضها قول الزور أو شهادة الزور، وفي بعضها اليمين الغموس والسحر .

وهذا كله من البهتان المفترى" .

وانظر: فتح الباري، لابن رجب: (1/ 73 - 76)، بتصرف.

والخلاصة :

أن الصحيح أن البهتان اسم عام يدخل فيه كل ما بهت صاحبه وحيره وأدهشه من قول أو فعل لم يكن في حسابه فهو بهتان .

والله أعلم

*عبدالرحمن*
2018-03-09, 16:06
في ذكر اسم "الرحمن" في سورة مريم، ويس، والزخرف

السؤال

: اقترن نفي الولد وتوحيد الله في القرآن بالرحمن في آيات كثيرة ، كسورة الزخرف/45 ، والأنبياء /26 ، ومريم/ 88،91،92 ، ويس /23 ، والزخرف/81 . فما الحكمة في هذا ؟ ولماذا لم يتم استخدام مثل لفظ جبار أو القوي ؛ ليخيف الكفار ، أرجو الإجابة ؟

الجواب :

الحمد لله

أولًا:

أما آيات سورة مريم، فإن الاسم الكريم "الرحمن" ذكر في السورة الكريمة، في عدة مواضع، منها:

1- قال تعالى: ( وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا ) [مريم: 88، 89].

يخبر تعالى عن زعم المشركين ، العظيم البطلان: أنه اتخذ من عباده ولدًا!!

وهم بهذه المقالة الشنيعة جاءوا منكراً عظيمًا ؛ فناسب أن يذكر هنا اسم (الرحمن) دون سواه من الأسماء الحسنى ؛ إغاظة لهم بذكر اسمٍ جحدوه.

قال ابن عاشور: " وذكر ( الرَّحْمَنُ ) [مريم: 88] هنا حكاية لقولهم بالمعنى، وهم لا يذكرون اسم الرحمن ، ولا يقرون به، وقد أنكروه كما حكى الله عنهم ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ ) [الفرقان: من الآية60].

فهم إنما يقولون: ( اتخذ الله ولدا ) ، كما حكي عنهم في آيات كثيرة منها آية سورة الكهف.

فذكرُ ( الرَّحْمَنُ ) هنا : وضع للمرادف ، في موضع مرادفه. فذكر اسم ( الرَّحْمَنُ ) لقصد إغاظتهم بذكر اسم أنكروه.

وفيه أيضا إيماء إلى اختلال قولهم ، لمنافاة وصف الرحمن ، اتخاذَ الولد ، كما سيأتي في قوله: ( وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا ) [مريم: 92] " التحرير والتنوير (16/ 84).

2- قال تعالى: ( تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا ) [مريم: 90 - 92].

يعني: تقرب السماوات أن تتشقق، والأرض أن تتصدع، والجبال أن تسقط سقوطًا عظيمًا من فظاعة هذه المقالة الزاعمة اتخاذَ الله ولداً تعالى الله .

وهنا أيضا لطيفة أخرى ، ذكرها بعض المفسرين ، وهي ما فيه من التنبيه على سعة رحمة الله في إمهال المشركين إذ لم يعاجلهم بالعقوبة على هذه الفرية، بل حلم عليهم.

قال النيسابوري:" من فوائد ذكر اسم الرحمن ههنا: أن الرحمانية أمهلتهم ، حتى قالوا ما قالوا، وإلا فالألوهية مقتضية لإعدامهم في الحال

" تفسير النيسابوري (5/ 260).

وقال أبو السعود: " والمعنى: أن هول تلك الشنعاء وعِظَمها ، بحيث لو تصورت بصورة محسوسة : لم تطق بها هاتيك الأجرام العظام وتفتت من شدتها .

أو أن فظاعتها ، في استجلاب الغضب واستيجاب السخط : بحيث ، لولا حلمه تعالى ، لخرب العالم ، وبددت قوائمه؛ غضبًا على من تفوه بها "

تفسير أبي السعود (5/ 282)، وينظر: البحر المديد (4/ 367).

3- قال تعالى: ( وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا ) [مريم: 92].

ومعنى هذا: لا يصح لله تعالى أن يتخذ لنفسه ولداً؛ لكمال غناه وحمده سبحانه وتعالى، وقد أفرد الرحمن بالذكر في هذه القضية ، لكون رحمته تأبى ما نسبوه إليه؛ لعدم حاجته، ولتنزهه عن النقص، وللعدل بين عباده كلهم.

قال أبو السعود: " ووضع الرحمن موضع الضمير : للإشعار بعِلَّة الحكم ، بالتنبيه على أن كل ما سواه تعالى ، إما نعمة ، أو منعم عليه، فكيف يتسنَّى أن يجانس من هو مبدأ النعم ، ومُولِي أصولها وفروعها ، حتى يتوهم أن يتخذه ولدا؟!" تفسير أبي السعود (5/ 283)، وينظر: روح المعاني (16/ 142).

4- قال تعالى: ( إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ) [مريم: 93].

والمراد: أن كل من في السماوات ومن في الأرض سيلاقي الله تعالى يوم القيامة عبداً ذليلاً ، ليس بينه وبين الله تعالى قرابة، فكلهم لديه سواء في العبودية له.

وناسب هنا الإتيان باسم (الرحمن) ؛ لكون البعث مظهراً من مظاهر رحمته، وأن رحمته اقتضت أن يحشروا إليه عبيداً خاضعين، ليس بينه وبينهم نسب ولا سبب.

ينظر : " زهرة التفاسير" ، لمحمد أبو زهرة (ص: 4692).

قال ابن عاشور رحمه الله : "وتكرير اسم ( الرَّحْمَنِ ) [مريم: 93] في هذه الآية أربع مرات إيماء إلى أن وصف الرحمن الثابت لله، والذي لا ينكر المشركون ثبوت حقيقته لله ، وإن أنكروا لفظه = ينافي ادعاء الولد له؛ لأن الرحمن وصف يدل على عموم الرحمة ، وتكثرها . ومعنى ذلك : أنها شاملة لكل موجود ، فذلك يقتضي أن كل موجود مفتقر إلى رحمة الله تعالى .

ولا يتقوم ذلك إلا بتحقيق العبودية فيه؛ لأنه لو كان بعض الموجودات ابنًا لله تعالى ، لاستغنى عن رحمته؛ لأنه يكون بالبنوة مساويًا له في الإلهية ، المقتضية الغنى المطلق .

ولأن اتخاذ الابن يتطلب به متخذه بر الابن به ورحمته له، وذلك ينافي كون الله مفيض كل رحمة.

فذكر هذا الوصف عند قوله: ( وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا ) [مريم: 88] وقوله: ( أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا ) [مريم: 91] : تسجيل لغباوتهم.

وذكره عند قوله: ( وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا ) [مريم: 92] : إيماء إلى دليل عدم لياقة اتخاذ الابن بالله.

وذكره عند قوله: ( إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ) [مريم: 93] : استدلال على احتياج جميع الموجودات إليه ، وإقرارها له بملكه إياها" التحرير والتنوير (16/ 173).

وهذه النكات ، يمكن إجراؤها أيضا ، على ما يناسب سياقاتها من الآيات والسور الأخرى .

ثانيًا:

أما موضع سورة "يس"، وهو قوله تعالى: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (23)}.

فقد أورد الرازي سؤاله فيه ، فقال : " قال هاهنا: إن يردن الرحمن ، وقال في الزمر: {إن أرادني الله} [الزمر: 38] فما الحكمة في اختيار ذكر المريد باسم الرحمن هنا وذكر المريد باسم الله هناك؟ " .

ثم قال في جوابه :

" وأما قوله هناك: {إن أرادني الله} [الزمر: 38] فنقول : قد ذكرنا أن الاسمين المختصين بواجب الوجود : (الله) و(الرحمن) ، كما قال تعالى: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن} [الإسراء: 110] . و(الله) : للهيبة والعظمة ، و(الرحمن) : للرأفة والرحمة .

وهناك وصف الله بالعزة ، والانتقام ، في قوله: {أليس الله بعزيز ذي انتقام} [الزمر: 37] ، وذكر ما يدل على العظمة ... فذكر الاسم الدال على العظمة .

وقال هاهنا ما يدل على الرحمة بقوله: {الذي فطرني} [يس: 22] ؛ فإنه نعمة، والرحمة هي شرط سائر النعم ، فقال: {إن يردن الرحمن بضر} "، تفسير الرازي: (26/ 266).

وينظر : "التحرير والتنوير" (22/ 361).

ثالثًا:

أما الموضع الأخير من سورة الزخرف، وهو: قوله تعالى: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (45)} [الزخرف: 45] ، فيقول الدكتور الخطيب :

" كثر في هذه السورة ذكر الاسم الكريم «الرَّحْمنِ» الذي تكرر في سبعة مواضع من السورة ..

ولذكر «الرَّحْمنِ» موقعه في الآية التي ذكر فيها، كما له حكمته التي تلتمس من هذا الذكر في هذا الموضع..

فحيث ذكر «الرحمن» جلّ وعلا، كانت تجليات الرحمة، ورحمات الرحمن، مبسوطة لكل طالب، طالبة لكل معرض ، فمن فاته حظه من رحمة الله في هذا المقام فهو الشقي المحروم من كل خير..

ولكن الذي نريد أن نقف بين يديه موقف النظر والاعتبار، هو هذا الإكثار من ذكر هذا الاسم الكريم في تلك السورة..

وبادئ ذي بدء، فإن تكرار هذا الذكر للاسم الكريم «الرَّحْمنِ» : هو تأكيد لتلك الدعوة التي يدعو إليها الرحمن عباده، ويبسط بها يده تبارك وتعالى إليهم بالرحمة، يلقاهم بها على كل طريق من طرق الغواية والضلال التي يركبونها..

فهذا الذكر نداءات متتابعة، إلى موارد هذه الرحمة الواسعة..

وهذا التكرار في ذاته، هو رحمة من رحمة الله..

ثم إنه- من جهة أخرى- كانت السورة كلها معرضا لمواجهة المشركين بعبادتهم الملائكة، على أنهم أبناء الله، وأنهم كانوا يعرفون الله تعالى، ويعترفون بأنه خالق السموات والأرض- كما أنه كان من أكثر أسماء الله عندهم هو اسم «الرَّحْمنِ» ، ولهذا كان الحديث إليهم عن الله باسم (الرحمن) : إشارة إلى أنه هو الإله لذى يدعون إلى عبادته، وأن اسمه «الرَّحْمنِ» ، وأنه ليس له ولد..

ومن جهة ثالثة، فإن موقف هذه السورة من المشركين، هو موقف ملاطفة، وموادعة، على مسيرة الدعوة التي كثرت فيها القوارع التي يقرع بها القرآن عناد المشركين، ويسفّه أحلامهم، ويفضح جهلهم.. فكانت هذه السورة أشبه بالهدنة التي يراجع فيها المتحاربون موقفهم، وقد ينتهى الأمر إلى الصلح، والسلام.

ومن أجل هذا كثر في السورة ذكر الرحمن الذي يذكّر بالرحمة التي ينبغي أن تكون بين النبي وأهله.. ولهذا دعي النبي إلى أن يصفح عنهم، وأن يلقاهم بالموادعة والسلام، وقد وعد بأنهم سيعلمون بعد الجهل، ويؤمنون بعد الكفر، فكان ختام السورة قوله تعالى: «فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ.. فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ» "، التفسير القرآني: (13/ 178).

والله أعلم

و اخيرا

الحمد لله الذي بفضلة تتم الصالحات

اخوة الاسلام

اكتفي بهذا القدر و لنا عوده
ان قدر الله لنا البقاء و اللقاء

و اسال الله ان يجمعني بكم دائما
علي خير

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين

*عبدالرحمن*
2018-03-10, 15:21
اخوة الاسلام

أحييكم بتحية الإسلام
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته

https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)

شبهة حول الحجاب وأنه إنما شرع لدفع الأذى وقد زال

السؤال :

قال تعالى :( ياأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما * لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا ) واجهتني بعض الشبه ، ولم أستطع الإجابة بجواب وافي وشافي

. 1 : أن هذه الآيات تختص في المدينة فقط أي لعلة وجود المنافقون ، ويقولون قول الله تعالى ( في المدينة ) أي فقط نساء المدينة ، وأن هذا التشريع لزمان معين لغرض معين انتهى وزال ؛ لأن المنافقين آذوا المسلمات في المدينة ، وليس في مكان آخر

2 : أن هناك علة أخرى هي وجود الأذية ، ويقولون في أوربا لا يوجد أذية مثلا ، فيحق لهن لبس مايردن من لباس أهل البلد ، فمثلا في أوربا يرتدين لباس أهل أوربا ، وفي مكة لباس أهل مكة . أرجو الرد على الشبه ، والتي يتداولها الكثير من الناس ، وتلقى قبولا واسعا لدى من في نفسه مرض ، ومن يحبون أن تشيع الفاحشة .

الجواب :

الحمد لله

أولا:

أمر الله النساء بالحجاب في آية الأحزاب، وآية النور، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) الأحزاب / 59

وقال سبحانه: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) النور/31

وقد امتثل المسلمون لذلك الأمر الشرعي، وسارعت نساء المؤمنين إلى تطبيقه.

قال البخاري رحمه الله في صحيحه :" بَاب ( وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ) وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ يُونُسَ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : يَرْحَمُ اللَّهُ نِسَاءَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلَ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ : ( وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ شَقَّقْنَ مُرُوطَهُنَّ فَاخْتَمَرْنَ بِهَا ).

قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (8/ 489): " وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الَّذِي صَنَعَ ذَلِكَ نِسَاء الْمُهَاجِرَات ، لَكِنْ فِي رِوَايَة صَفِيَّة بِنْت شَيْبَة عَنْ عَائِشَة أَنَّ ذَلِكَ فِي نِسَاء الْأَنْصَار كَمَا سَأُنَبِّهُ عَلَيْهِ . قَوْله : ( مُرُوطهنَّ ) جَمْع مِرْط وَهُوَ الْإِزَار ، وَفِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة " أُزُرهنَّ " وَزَادَ : " شَقَقْنَهَا مِنْ قِبَلِ الْحَوَاشِي " . قَوْله : ( فَاخْتَمَرْنَ ) أَيْ غَطَّيْنَ وُجُوهَهُنَّ ; وَصِفَة ذَلِكَ أَنْ تَضَع الْخِمَار عَلَى رَأْسهَا وَتَرْمِيه مِنْ الْجَانِب الْأَيْمَن عَلَى الْعَاتِق الْأَيْسَر وَهُوَ التَّقَنُّع ، قَالَ الْفَرَّاء : كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة تُسْدِل الْمَرْأَة خِمَارهَا مِنْ وَرَائِهَا وَتَكْشِف مَا قُدَّامهَا ، فَأُمِرْنَ بِالِاسْتِتَارِ " انتهى .

ثانيا:

قوله تعالى : (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ) معناه أن لبسهن للحجاب أقرب إلى أن يعرفن أنهن حرائر لا إماء، وكان بعض الفجار في المدينة يتعرضون للمؤمنات يظنون أنهن من الإماء.

قال القرطبي رحمه الله: "لما كانت عادة العربيات التبذل، وكن يكشفن وجوههن كما يفعل الإماء، وكان ذلك داعية إلى نظر الرجال إليهن، وتشعب الفكرة فيهن، أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يأمرهن بإرخاء الجلابيب عليهن إذا أردن الخروج إلى حوائجهن، وكن يتبرزن في الصحراء قبل أن تتخذ الكنف فيقع الفرق بينهن وبين الإماء، فتعرف الحرائر بسترهن، فيكف عن معارضتهن من كان عزبًا أو شابا. وكانت المرأة من نساء المؤمنين قبل نزول هذه الآية تتبرز للحاجة فيتعرض لها بعض الفجار يظن أنها أمة، فتصيح به فيذهب، فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ونزلت الآية بسبب ذلك. قال معناه الحسن وغيره"

انتهى من تفسير القرطبي (14/ 243).

وقال ابن الجوزي رحمه الله: "قوله تعالى: (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ) الآية. سبب نزولها:

أن الفُسَّاق كانوا يؤذون النساء إِذا خرجن بالليل، فاذا رأوا المرأة عليها قناع تركوها وقالوا: هذه حُرَّة، وإِذا رأوها بغير قناع قالوا: أَمَة، فآذَوها، فنزلت هذه الآية، قاله السدي.

قوله تعالى: (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) قال ابن قتيبة: يَلْبَسْنَ الأردية. وقال غيره: يغطين رؤوسهنّ ووجوههنّ ليُعلَم أنهنَّ حرائر (ذلِكَ أَدْنى) أي: أحرى وأقرب (أَنْ يُعْرَفْنَ) أنهنَّ حرائر (فَلا يُؤْذَيْنَ) "

انتهى من زاد المسير (3/ 484).

فهذا هو سبب نزول الآية، وأن الحجاب شرع لحماية المؤمنات وصيانتهن وإظهار عفافهن ومنع الفساق من التعرض لهن.

ولا يعني هذا انتهاء الحكم بانتهاء السبب الذي شرع ابتداء له، فإن من القواعد المقررة عند أهل العلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

والمراد بذلك أن الآية إذا كانت عامة بلفظها ، فلا يقصر حكمها على السبب الخاص الذي شرعت ابتداء لأجله.

فقوله تعالى: (ونساء المؤمنين) لفظ عام يشمل كل مؤمنة إلى قيام الساعة ، فلا يجوز قصره على النساء الموجودات في عهد النبي صلى الله عليه وسلم اعتمادا على سبب نزول الآية السابق.

ولو قيل بقصر الآيات العامة على أسبابها الخاصة لأدى ذلك إلى تعطيل كثير من الأحكام ، ولما كان القرآن عاما لجميع الخلق صالحا لكل زمان ومكان . فآيات الظهار - مثلا- سبب نزولها هو ظهار أوس بن الصامت من زوجته ، فلا يقال إن حكمها مختص به وبزوجته . وهكذا آيات المواريث والجهاد واللعان والقذف والمحاربة نزلت على أسباب معينة، وقد اتفقت الأمة على أن حكمها عام باق إلى قيام الساعة.

ينظر: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام (31/ 28)، وشرح الأصول من علم الأصول للشيخ ابن عثيمين ص 262).

ولو قيل بقصر هذه الآيات على سببها، لما كان الحجاب واجبا على المؤمنات بعد تمكن الإسلام في المدينة، وانتفاء الأذى للنساء، وهذا لا قائل به، ولا شاهد عليه، فلم ينقل عن مؤمنة أنها تركت الحجاب في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم، أو في عهد أبي أو عمر بحجة انتفاء الأذى!

مع أننا لا نسلم بزوال السبب الذي شرع الحجاب له ابتداء، وهو تعرض الفجار للنساء الكاشفات، وانكفافهن عن النساء المستورات، فإن هذا باق إلى اليوم، فمن أبدت زينتها وكشفت عن مفاتنها، فقد أغرت بها الفساق، ودعتهم إلى النظر إليها والافتتان بها. ومن كانت محتجبة بجلبابها الساتر كانت أبعد عن الأذى والملاحقة بالنظر وغيره.

ثم إن آية الأحزاب ليست هي الأمر الوحيد بالحجاب، فثمة آية النور، وليس فيها ذكر سبب الحكم، وكذلك ما جاء في السنة، كقوله صلى الله عليه وسلم : ( صنفان من أهل النار لم أرهما قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ، ولا يجدن ريحها ، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا) رواه مسلم (2128).

وفيه تحريم التبرج، ووجوب الستر، والوعيد الشديد على تركه.

والحاصل أن هذه الشبهة يمكن إيردها على عشرات الأحكام التي شرعت ابتداء لسبب معين، فيدعى انتهاؤها بانتهاء السبب، فتكون الشريعة قاصرة خاصة بزمن معين أو مكان معين، وهذا

باطل قطعا.

ثالثا:

الأدلة على وجوب الحجاب للنساء كثيرة ، من الكتاب ، والسنة ، وإجماع أهل العلم ، وأقوال السلف والعلماء ، قديما وحديثا .

والذي يعنينا أن نقرره هنا : أن فريضة الحجاب على النساء : ثابتة ، بمختلف الأدلة الشرعية ، وهي فريضة محكمة ، لم تنسخ ، ولم تُغير ، بإجماع المسلمين .

قال الإمام محمد بن إبراهيم الوزير رحمه الله ، في "الروض الباسم" ( 1/ 202) : " وأجمعوا على وجوب الحجاب للنساء" . انتهى .

وقد توارد عمل المسلمين قاطبة ، في الأمصار كلها ، وعلى مر الأزمان بالحجاب ، يرونه فريضة شرعية لازمة للمرأة .

وتوارد تأكيده على التزام الحجاب الكامل ، بتغطية الوجه والكفين ، عند خوف الفتنة ، مع وجود الخلاف المعتبر في أصل المسألة ؛ دون نظر إلى حال دون حال ، أو شخص دون شخص .

قال الإمام أبو المعالي الجويني رحمه الله :

" والنظر إلى الوجه والكفين : يحرم عند خوف الفتنة ، إجماعاً .

فإن لم يظهر خوف الفتنة : فالجمهور يرفعون التحريم، لقوله تعالى: {إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور: 31] قال أكثر المفسرين: الوجه والكفان، لأن المعتبر الإفضاء في الصلاة، ولا يلزمهن ستره، فيلحق بما يظهر من الرجال.

وذهب العراقيون وغيرهم إلى تحريمه من غير حاجة.

قال : وهو قوي عندي، مع اتفاق المسلمين على منع النساء من التبرج والسفور وترك التنقب . ولو جاز النظر إلى وجوههنّ لكُنَّ كالمُرد ، ولأنهنّ حبائل الشيطان، واللائق بمحاسن الشريعة حسم الباب وترك تفصيل الأحوال، كتحريم الخلوة تعمّ الأشخاص والأحوال ، إذا لم تكن محرميّة. وهو حسن "

انتهى ، من "نهاية المطلب" (12/31) .

وقال تلميذه ، أبو حامد الغزالي : ".. لم يزل الرجال على ممر الأزمان مكشوفي الوجوه ، والنساء يخرجن متنقبات "

انتهى ، من "إحياء علوم الدين" ( 2/53 ) .

وقال الموزعي الشافعي ، اليماني : " ولم يزلْ عملُ الناسِ على ذلك قديماً وحديثاً في جميعِ الأمصارِ والأقطارِ : فيتسامحون للعجوزِ في كَشْفِ وَجْهِها، ولا يتسامَحون للشابَّةِ، ويرونَهُ عورة مُنْكَراً. " . انتهى ، من "تيسير البيان لأحكام القرآن" (4/77) .

وقال الإمام أبو حيان الأندلسي : " .. وكذا عادة بلاد الأندلس ؛ لا يظهر من المرأة إلا عينها الواحدة " .

انتهى ، من البحر المحيط ( 7/ 240 ) .

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله : " ولم تزل عادة النساء قديما وحديثا يسترن وجوههن عن الأجانب " .

انتهى، من "فتح الباري" (4/324) .

فانظر إلى توارد العلماء ، من مختلف الأقطار ، من العراق ، وخراسان ، واليمن ، ومصر والأندلس ، وغيرها من بلاد الإسلام ، على حكاية التزام نساء الملسمين بالحجاب التام .

وهذا وحده كاف في رد هذه الشبهة الباطلة .

وقد قال الله تعالى : (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) النساء/115

وينظر حول حجية الإجماع في تلقي الدين ، وفهمه : جواب السؤال رقم (197937) ورقم (220616).

والله أعلم.

*عبدالرحمن*
2018-03-10, 15:25
لماذا ذكر في سورة مريم لفظ "يوم يموت" في صيغه الماضي؟

السؤال :

لماذا ذكر الله تعالى في سوره مريم (وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) يوم ولد في الماضي ، ويوم يموت ويوم يبعث حيا في المستقبل ، هل سيدنا يحيى لم يمت حين أنزلت هذه الآية ؟

الجواب :

الحمد لله

أولا :

ثبوت قتل يحيى في كلام كثير من السلف :

ذكر ابن كثير رحمه الله في كتابه "البداية والنهاية" (2/411) تحت عنوان : "بيان سبب قتل يحيى عليه السلام " قصة مقتله واختلاف السلف في مكان قتله، وذكر بعض الآثار عن السلف في ذلك. وقال ابن جرير الطبري في تفسيره (6/284) :

"وأما قوله: (ويقتلون النبيين بغير حقّ)، فإنه يعني بذلك - أنهم كانوا يقتلون رُسل الله الذين كانوا يُرسَلون إليهم بالنهي عما يأتون من معاصي الله، وركوب ما كانوا يركبونه من الأمور التي قد تقدم الله إليهم في كتبهم بالزجر عنها، نحو زكريا وابنه يحيى، وما أشبههما من أنبياء الله" انتهى .

وقال ابن القيم رحمه الله:

"فهذه الأمة الغضبية معروفة بعداوة الأنبياء قديما ، وأسلافهم وأحبارهم قد أخبر الله سبحانه وتعالى عن أذاهم لموسى ، ونهانا عن التشبه بهم في ذلك .. وأما خلفهم فهم قتلة الأنبياء اليهود : قتلوا زكريا وابنه يحيى ، وخلقا كثيرا من الأنبياء ، حتى قتلوا في يوم سبعين نبيا ، وأقاموا السوق في آخر النهار كأنهم لم يصنعوا شيئا . واجتمعوا على قتل المسيح وصلبه فصانه الله تعالى وأكرمه أن يهينه على أيديهم ، وألقى شبهه على غيره فقتلوه وصلبوه . وراموا قتل خاتم النبيين مرارا عديدة ، والله يعصمه منهم" انتهى من "هداية الحيارى" (251).

ثانيا:

معنى السلام المذكور في الآية :

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله:

"وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : (وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا) قال ابن جرير: وسلام عليه، أي: أمان له .

وقال ابن عطية : والأظهر عندي أنها التحية المتعارفة ، فهي أشرف من الأمان ; لأن الأمان متحصل له بنفي العصيان عنه ، وهو أقل درجاته ، وإنما الشرف في أن سلم الله عليه وحياه ، في المواطن التي الإنسان فيها في غاية الضعف والحاجة وقلة الحيلة ، والفقر إلى الله تعالى عظيم الحول . انتهى كلام ابن عطية بواسطة نقل القرطبي في تفسير هذه الآية .

ومرجع القولين إلى شيء واحد" انتهى من "أضواء البيان" (3/381).

وقال الشيخ الطاهر بن عاشور رحمه الله:

" فالمعنى: أن إكرام الله متمكن من أحواله الثلاثة المذكورة .

وهذه الأحوال الثلاثة المذكورة هنا أحوال ابتداء أطوار : طور الورود على الدنيا ، وطور الارتحال عنها ، وطور الورود على الآخرة . وهذا كناية على أنه بمحل العناية الإلهية في هذه الأحوال .

والمراد باليوم : مطلق الزمان الواقع فيه تلك الأحوال .

وجيء بالفعل المضارع في ( ويوم يموت ) لاستحضار الحالة التي مات فيها ، ولم تذكر قصة قتله في القرآن إلا إجمالا " انتهى من "التحرير والتنوير" (16/78).

وقد استدل بعض العلماء أن في هذه الآية إشارة وتنبيها على قتل يحي عليه السلام .

قال أبو حيان :

" (ويوم يبعث حيا) فيه تنبيه على كونه من الشهداء ؛ لقوله تعالى فيهم: (بل أحياء عند ربهم يرزقون) [آل عمران/169]" انتهى من"البحر المحيط" (7/246).

قال الشيخ الأمين الشنقيطي:

"وجه هذا الاستنباط أن الحال قيدٌ لعاملها ، وصفٌ لصاحبها ، وعليه فبعثه مقيدٌ بكونه حيًّا ، وتلك حياة الشهداء .

وليس بظاهرٍ كل الظهور "

انتهى من"أضواء البيان" (3/383).

ثالثا:

الانتقال في الخطاب القرآني من صيغة الماضي (يوم ولد) إلى صيغة المضارع (ويوم يموت) لا يدل – بحال – على ما ورد في السؤال ، من حياة يحي عليه السلام عند نزول هذه الآية ؛ فإن "من شأن العرب أن تبتدئ الكلام أحيانًا على وجه الخبر عن غائب ، ثم تعود إلى الخبر عن المخاطب ، والعكس . وتارةً تبتدئ الكلام على وجه الخبر عن المتكلم ، ثم تنتقل إلى الخبر عن الغائب ، والعكس . وأحيانًا تبتدئ الكلام على وجه الخبر عن المتكلم ، ثم تنتقل إلى الخبر عن المخاطب . كما تنتقل من خطاب الواحد أو الاثنين أو الجمع إلى خطاب الآخر . وتنتقل من الإخبار بالفعل المستقبل إلى الأمر، ومن الماضي إلى المضارع , والعكس".

"قواعد التفسير" (1/271).

فهذا أسلوب عظيم من أساليب البلاغة يسمى بـ "الالتفات" .

قال السيوطي رحمه الله :

"وحقيقته : نقل الكلام من أسلوب إلى آخر ، أعني : من التكلم أو الخطاب أو الغيبة إلى آخر منها بعد التعبير بالأول ، وهذا هو المشهور .

وقال السكاكي: إما ذلك ، أو : التعبير بأحدهما فيما حقه التعبير بغيره .

وله فوائد ؛ منها: تطرية الكلام ، وصيانة السمع عن الضجر والملال ؛ لما جبلت عليه النفوس من حب التنقلات ، والسآمة من الاستمرار على منوال واحد ، وهذه فائدته العامة ، ويختص كل موضعٍ بنكتٍ ولطائف باختلاف محله"

انتهى من "الإتقان" (3/289).

وقال الضياء ابن الأثير:

"واعلم أيها المتوشح لمعرفة علم البيان أن العدول عن صيغة من الألفاظ إلى صيغة أخرى لا يكون إلا لنوع خصوصيةٍ اقتضت ذلك ، وهو لا يتوخاه في كلامه إلا العارف برموز الفصاحة والبلاغة ، الذي اطلع على أسرارها ، وفتش عن دفائنها ، ولا تجد ذلك في كل كلامٍ ؛ فإنه من أشكل ضروب علم البيان وأدقها فهمًا ، وأغمضها طريقًا" انتهى من "المثل السائر" (2/12).

ثم قال: "القسم الثالث: في الإخبار عن الفعل الماضي بالمستقبل ، وعن المستقبل بالماضي ، فالأول الإخبار بالفعل المستقبل عن الماضي:

اعلم أن الفعل المستقبل إذا أُتي به في حالة الإخبار عن وجود الفعل ، كان ذلك أبلغ من الإخبار بالفعل الماضي ؛ وذاك لأن الفعل المستقبل يوضح الحال التي يقع فيها ، ويستحضر تلك الصورة حتى كأن السامع يشاهدها ، وليس كذلك الفعل الماضي ...

كقوله تعالى: (والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور) فإنه إنما قال: (فتثير) مستقبلا ، وما قبله وما بعده ماض ؛ لذلك المعنى الذي أشرنا إليه ، وهو حكاية الحال التي يقع فيها إثارة الريح السحاب ، واستحضار تلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الباهرة .

وهكذا يفعل بكل فعل فيه نوع تمييزٍ وخصوصيةٍ ، كحال تستغرب ، أو تهمّ المخاطب ، أو غير ذلك.

وعلى هذا الأسلوب ما ورد من حديث الزبير بن العوام رضي الله عنه في غزوة بدر ؛ فإنه قال: (لقيت عبيدة بن سعيد بن العاص ، وهو على فرس وعليه لَأْمَةٌ كاملةٌ ، لا يُرَى منه إلا عيناه ، وهو يقول: أنا أبو ذات الكؤوس! وفي يدي عنزة ، فَأَطْعُنُ بها في عينه ، فوقع ، وأطأ برجلي على خده ، حتى خرجت العنزة متعقّفة) .

فقوله: «فأطعن بها في عينه، وأطأ برجلي» : معدول به عن لفظ الماضي إلى المستقبل ؛ ليمثل للسامع الصورة التي فعل فيها ما فعل ، من الإقدام والجراءة على قتل ذلك الفارس المستلئم !

ألا ترى أنه قال أولا: (لقيت عبيدة) بلفظ الماضي، ثم قال بعد ذلك: (فأطعن بها في عينه) ؟!

ولو عطف كلامه على أوله لقال: فطعنت بها في عينه.

وعلى هذا ورد قول تأبّط شرّا :

بأنِّي قَدْ لَقِيتُ الغُولَ تَهْوي ... بسَهْبٍ كالصَّحِيفةِ صَحْصَحان

فَأَضْرِبها بلا دهَشٍ فَخرَّتْ ... صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ وللجِرانِ

فإنه قصد أن يصوّر لقومه الحال التي تشجّع فيها على ضرب الغول ، كأنه يبصرهم إياها مشاهدةً ؛ للتعجب من جراءته على ذلك الهول، ولو قال: (فضربتها) عطفا على الأول ، لزالت هذه الفائدة المذكورة.

فإن قيل: إن الفعل الماضي أيضا يتخيّل منه السامع ما يتخيله من المستقبل ؟

قلت في الجواب: إن التخيل يقع في الفعلين معًا ، لكنه في أحدهما -وهو المستقبل- أوكد وأشد تَخَيُّلا ؛ لأنه يستحضر صورة الفعل، حتى كأن السامع ينظر إلى فاعلها في حال وجود الفعل منه؛ ألا ترى أنه لما قال تأبط شرا : «فأضربها»، تخيل السامع أنه مباشرٌ للفعل، وأنه قائمٌ بإزاء الغول ، وقد رفع سيفه ليضربها ؟! وهذا لا يوجد في الفعل الماضي ؛ لأنه لا يتخيل السامع منه إلا فعلا قد مضى ، من غير إحضارٍ للصورة في حالة سماع الكلام الدال عليه . وهذا لا خلاف فيه .

وهكذا يجري الحكم في جميع الآيات المذكورة ، وفي الأثر عن الزبير رضي الله عنه ، وفي الأبيات الشعرية.

وعليه ورد قوله تعالى أيضًا وهو: (ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق)

فقال أولا: (خرّ من السّماء) بلفظ الماضي ، ثم عطف عليه المستقبل الذي هو (فتخطفه) و (تهوي) ، وإنما عدل في ذلك إلى المستقبل لاستحضار صورة خطف الطير إياه وهويّ الريح به ، والفائدة في ذلك ما أشرت إليه فيما تقدم ، وكثيرا ما يراعى أمثال هذا في القرآن "

انتهى، باختصار، من "المثل السائر" (2/12).

وقال الطوفي :

"موضعه : ما إذا كان في بعض أحوال القضية الخبرية مشتملا على نوع تميزٍ وخصوصيةٍ ، لاستغرابٍ أو أهميةٍ ، فَيُعْدَلُ فيها إلى المضارع المستعمل للحال ؛ إيهامًا للسامع حضورَها حال الإخبار ومشاهدتَها ؛ ليكون أبلغ في تحققها له" انتهى من "الإكسير" (145).

وقال الشيخ خالد السبت ، حفظه الله :

"والفعل المضارع يدل على الحال أي على وقوع الحدث الآن، وهذه دلالته الأصيلة، ومن هنا كانت صيغته أقدر الصيغ على تصوير الأحداث؛ لأنها تحضر مشهد حدوثها، وكأن العين تراها وهي تقع، ولهذا الفعل مواقع جاذبة في كثير من الأساليب حين يقصد به إلى ذلك، وترى المتكلمين من ذوي الخبرة بأسرار الكلمات يعبرون به عن الأحداث الهامة التي يريدون إبرازها، وتقريرها في خيال السامع ...

وهذا كثير جدا، ومما يبلغ فيه الغاية قوله تعالى: {إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ} ، قال: يسبحن والسياق أن يقول: مسبحات؛ لأن التسبيح قد وقع في زمن داود عليه السلام، ولكن لما كان تسبيح الجبال من أعجب الأحداث، وأدلها على قدرة العزيز الرحيم عبر عنها بصيغة المضارع التي نقلت الحدث من الماضي السحيق، وأحضرته في مقام المشاهدة، وكأنه يقع الآن، وكأنك ترى هذا المشهد الجليل من مشاهد القدرة الباهرة.

قال الزمخشري: "فإن قلت: هل من فرق بين يسبحن ومسحبات؟ قلت: نعم وما اختير يسبحن على مسبحات إلا لذلك، وهو الدلالة على حدوث التسبيح من الجبال شيئا بعد شيء، وحالا بعد حال، وكأن السامع حاضر تلك الحال يراها تسبح".

فـ "من شأن العرب التعبير عن الماضي بالمضارع؛ لإفادة تصوير الحال الواقع عند حدوث الحدث" انتهى من "قواعد التفسير" (1/290).

وبذلك يتبين الجواب ، لمن جهل أساليب العرب في بيانها ، ومجاري البلاغة في لسانها ، فأنكر أن يعبر عن موت يحي عليه السلام بـ : ( يوم يموت ) ؛ وظن أن التعبير بالفعل المضارع "يموت" ، يقتضي أنه لم يمت بعد ؟!

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2018-03-10, 15:28
أسلوب التعظيم في كلام الله تعالى

السؤال :

عند قراءة سورة مريم برواية خلف عن حمزه هناك اختلاف في كلمة قد تغيرت ، كقوله تعالى وقد خلقناك من قبل ولم تك شيا ، وفي رواية حفص عن عاصم تصبح وقد خلقتك من قبل ، فهل يجوز التغيير في حروف الكلمات القرآنيه ، أرجو التوضيح مع ذكر السبب ؟

الجواب :

الحمد لله

قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم: (خلقتك) بالتاء من غير ألف. وقرأ: حمزة، والكسائي: (خلقناك) بالنون والألف.

انظر: "السبعة" ص 408، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 195، "التبصرة" ص 255، "النشر" 2/ 317.

وكلاهما يدلان على " الله " تبارك وتعالى .

فأما الأولى فلا خلاف عليها .

وأما الثانية فهو أسلوب من أساليب العرب، والمراد منه التعظيم، والتعظيم للرب سبحانه وتعالى لأنه المستحق للعظمة التامة الكاملة .

فمجيء النون والألف : لأن فيه الفخامة والتعظيم لاسم الله - عز وجل - وله المثل الأعلى.

قال البغوي: " قرأ حمزة والكسائي "خلقناك" بالنون والألف على التعظيم "، تفسير البغوي: (5/ 220) .

وقال ابن تيمية: " وأما قوله: {نتلوا}، و {نقص} ونحوه؛ فهذه الصيغة في كلام العرب للواحد العظيم؛ الذي له أعوان يطيعونه ، فإذا فعل أعوانه فعلا بأمره، قال: نحن فعلنا. كما يقول الملك: نحن فتحنا هذا البلد. وهو منا هذا الجيش ، ونحو ذلك "

مجموع الفتاوى: (5/ 128)، وانظر: مجموع الفتاوى: (5/ 233) .

قال العكبري: " النون من حروف الزيادة، لشبهها بالواو، وقد زيدت أولًا للمضارعة نحو نذهب .

وتدل على المتكلم ومن معه اثنين كانوا أو جماعة .

وتكون للواحد العظيم، لأن الآمر إذا كان مطاعا توبع على الفعل " .

انتهى، من "اللباب في علل البناء والإعراب" (2/ 260).

ثانيا :

ليس في قراءة الكلمة ، على أي من الوجهين : مخالفة لما كتب به المصحف العثماني ، بل الكتابة واحدة ، وإن اختلفت طريقة الأداء .

وليس هناك ، إشكال أيضا في هذا اللون من الخلاف في قراءة الآية .

قال الإمام الواحدي رحمه الله :

" {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ} يحيى. قرئ: خلقناك ، لكثرة ما جاء من لفظ الخلق ، مضافا إلى لفظ الجمع ، كقوله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ} [الحجر: 26]، في مواضع ، وقوله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ} [الأعراف: 11] .

ولغة الجمع : قد جاء بعد لفظ الإفراد ، كقوله: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى} [الإسراء: 1]، ثم قال: {وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} [الإسراء: 2].

واختار أبو عبيد التاء؛ لأنها تشاكل الياء في: {عَلَيَّ هَيِّنُ} .

وقال أحمد بن يحيى [ ثعلب ] : الاختيار : النون والألف؛ لأن فيه زيادة حرف ، وبكل حرف عشر حسنات .

والقراءة غير مخالفة خط المصحف؛ لأنهم يسقطون الألف من الهجاء في مثل هذا البناء .

ولأن فيه الفخامة والتعظيم لاسم الله -عز وجل- ، وله المثل الأعلى. "

انتهى، من "التفسير البسيط" (14/203) .

والله أعلم

*عبدالرحمن*
2018-03-10, 15:31
أسباب النزول في سورة الحجرات

السؤال :

لماذا نزلت سورة الحجرات ؟

الجواب :

الحمد لله

في سورة الحجرات، عدة آيات نزلت لأسباب مختلفة، وإليك بيانها:

1- فأما أول السورة الكريمة، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ). الحجرات/1-5

فنزل في قصة أبي بكر وعمر .

فعَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: " كَادَ الخَيِّرَانِ أَنْ يَهْلِكَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، رَفَعَا أَصْوَاتَهُمَا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِ رَكْبُ بَنِي تَمِيمٍ، فَأَشَارَ أَحَدُهُمَا بِالأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ أَخِي بَنِي مُجَاشِعٍ، وَأَشَارَ الآخَرُ بِرَجُلٍ آخَرَ - قَالَ نَافِعٌ لاَ أَحْفَظُ اسْمَهُ - فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ: مَا أَرَدْتَ إِلَّا خِلاَفِي، قَالَ: مَا أَرَدْتُ خِلاَفَكَ فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا فِي ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ) [الحجرات: 2] " الآيَةَ .

قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: «فَمَا كَانَ عُمَرُ يُسْمِعُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ عَنْ أَبِيهِ يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ» . رواه البخاري: (4845).

2- قول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (4)).

عن البراء بن عازب، في قوله تعالى: (إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون) [الحجرات: 4] قال: قام رجل فقال: يا رسول الله إن حمدي زين وإن ذمي شين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ذاك الله عز وجل»، رواه الترمذي: (5/ 387)، وقال: «هذا حديث حسن غريب».

وفي مسند الروياني (307) : ( فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) ) . فصرح بأنها سبب النزول .

وينظر : "موسوعة : التفسير بالمأثور" (20/376-381) .

3- قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ * وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) الحجرات/ 6-8.

روى الإمام أحمد في مسنده (18459) عن الْحَارِث بْن أَبِي ضِرَارٍ الْخُزَاعِيِّ، قَالَ:

قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَدَعَانِي إِلَى الْإِسْلَامِ، فَدَخَلْتُ فِيهِ، وَأَقْرَرْتُ بِهِ، فَدَعَانِي إِلَى الزَّكَاةِ، فَأَقْرَرْتُ بِهَا، وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرْجِعُ إِلَى قَوْمِي، فَأَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَدَاءِ الزَّكَاةِ، فَمَنْ اسْتَجَابَ لِي جَمَعْتُ زَكَاتَهُ، فَيُرْسِلُ إِلَيَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَسُولًا لِإِبَّانِ كَذَا وَكَذَا ، لِيَأْتِيَكَ مَا جَمَعْتُ مِنَ الزَّكَاةِ .

فَلَمَّا جَمَعَ الْحَارِثُ الزَّكَاةَ مِمَّنْ اسْتَجَابَ لَهُ، وَبَلَغَ الْإِبَّانَ الَّذِي أَرَادَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُبْعَثَ إِلَيْهِ، احْتَبَسَ عَلَيْهِ الرَّسُولُ، فَلَمْ يَأْتِهِ، فَظَنَّ الْحَارِثُ أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ فِيهِ سَخْطَةٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَرَسُولِهِ !!

فَدَعَا بِسَرَوَاتِ قَوْمِهِ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ وَقَّتَ لِي وَقْتًا يُرْسِلُ إِلَيَّ رَسُولَهُ لِيَقْبِضَ مَا كَانَ عِنْدِي مِنَ الزَّكَاةِ، وَلَيْسَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخُلْفُ، وَلَا أَرَى حَبْسَ رَسُولِهِ إِلَّا مِنْ سَخْطَةٍ كَانَتْ، فَانْطَلِقُوا، فَنَأْتِيَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

وَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ إِلَى الْحَارِثِ لِيَقْبِضَ مَا كَانَ عِنْدَهُ مِمَّا جَمَعَ مِنَ الزَّكَاةِ، فَلَمَّا أَنْ سَارَ الْوَلِيدُ حَتَّى بَلَغَ بَعْضَ الطَّرِيقِ، فَرِقَ، فَرَجَعَ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الْحَارِثَ مَنَعَنِي الزَّكَاةَ، وَأَرَادَ قَتْلِي !!

فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَعْثَ إِلَى الْحَارِثِ، فَأَقْبَلَ الْحَارِثُ بِأَصْحَابِهِ ، إِذْ اسْتَقْبَلَ الْبَعْثَ ، وَفَصَلَ مِنَ الْمَدِينَةِ، لَقِيَهُمُ الْحَارِثُ، فَقَالُوا: هَذَا الْحَارِثُ !!

فَلَمَّا غَشِيَهُمْ، قَالَ لَهُمْ: إِلَى مَنْ بُعِثْتُمْ؟ قَالُوا: إِلَيْكَ، قَالَ: وَلِمَ؟

قَالُوا: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ بَعَثَ إِلَيْكَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ، فَزَعَمَ أَنَّكَ مَنَعْتَهُ الزَّكَاةَ، وَأَرَدْتَ قَتْلَهُ !! قَالَ: لَا، وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ، مَا رَأَيْتُهُ بَتَّةً، وَلَا أَتَانِي .

فَلَمَّا دَخَلَ الْحَارِثُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " مَنَعْتَ الزَّكَاةَ، وَأَرَدْتَ قَتْلَ رَسُولِي؟ " قَالَ: لَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا رَأَيْتُهُ، وَلَا أَتَانِي، وَمَا أَقْبَلْتُ إِلَّا حِينَ احْتَبَسَ عَلَيَّ رَسُولُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، خَشِيتُ أَنْ تَكُونَ كَانَتْ سَخْطَةً مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَرَسُولِهِ.

قَالَ: فَنَزَلَتِ الْحُجُرَاتُ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ، فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) [الحجرات: 6] إِلَى هَذَا الْمَكَانِ: (فَضْلًا مِنَ اللهِ وَنِعْمَةً وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [الحجرات: 8] .

والحديث المذكور وإن كان في إسناده مقال، إلا أنه مشهور سائر بين أهل العلم .

قال محققو المسند (30/405) : " حسن بشواهده، دون قصة إسلام الحارث" .

4- قال الله تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9)).

عن أنس رضي الله عنه، قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: لو أتيت عبد الله بن أبي، «فانطلق إليه النبي صلى الله عليه وسلم وركب حمارا، فانطلق المسلمون يمشون معه وهي أرض سبخة»، فلما أتاه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إليك عني، والله لقد آذاني نتن حمارك، فقال رجل من الأنصار منهم: والله لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحا منك، فغضب لعبد الله رجل من قومه، فشتمه، فغضب لكل واحد منهما أصحابه، فكان بينهما ضرب بالجريد والأيدي والنعال، فبلغنا أنها أنزلت: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما) [الحجرات: 9]، رواه البخاري: (3/ 183).

5- قول اللَّه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11)).

عن أبي جَبِيرَةَ بْنُ الضَّحَّاكِ قَالَ: فِينَا نَزَلَتْ فِي بَنِي سَلِمَةَ (وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ) [الحجرات: 11] قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ، وَلَيْسَ مِنَّا رَجُلٌ إِلَّا وَلَهُ اسْمَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ، فَكَانَ إِذَا دَعَا أَحَدًا مِنْهُمْ بِاسْمٍ مِنْ تِلْكَ الْأَسْمَاءِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُ يَغْضَبُ مِنْ هَذَا: قَالَ: فَنَزَلَتْ: (وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ) رواه أحمد: (18288)، وأبو داود: (4962) ، وصححه الألباني .

6- قول اللَّه تعالى: (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (17)).

عن ابن عباس، قال: قدم وفد بني أسد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتكلموا ، فقالوا: قاتلتك مضر ، ولسنا بأقلهم عددا، ولا أكلهم شوكة، وصلنا رحمك، فقال لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما: «تكلموا هكذا»، قالوا: لا، قال: «إن فقه هؤلاء قليل، وإن الشيطان ينطق على ألسنتهم»، قال عطاء في حديثه: فأنزل الله جل وعز (يمنون عليك أن أسلموا) [الحجرات: 17] الآية، رواه النسائي في الكبرى: (11455).

وانظر في كلام المفسرين حول هذه الأسباب: المحرر في أسباب النزول، د. خالد المزيني: (2/ 911 - 930).

والله أعلم

*عبدالرحمن*
2018-03-10, 15:33
تفسير قوله تعالى: (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء)

السؤال :

هل عاقب النبي من أجبر الجارية على البغاء ؟ ولماذا لم تأت الآية بالتهديد والوعيد له وبنص يوضح عقاب من يرتكب هذا ؟!

الجواب :

الحمد لله

أولًا:

الآية المقصودة هي قوله تعالى: (وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [النور: 33].

وسبب نزول هذه الآية ما أخرجه الإمام مسلم (3029)، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: " كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ يَقُولُ لِجَارِيَةٍ لَهُ: اذْهَبِي فَابْغِينَا شَيْئًا، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ} [النور: 33] لَهُنَّ {غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 173] "

قال الإمام الطبري: " يقول تعالى ذكره: زوجوا الصالحين من عبادكم وإمائكم ، ولا تكرهوا إماءكم على البغاء، وهو الزنا؛ (إن أردن تحصنا) [النور: 33] ، يقول: إن أردن تعففا عن الزنا. (لتبتغوا عرض الحياة الدنيا) [النور: 33] ، يقول: لتلتمسوا بإكراهكم إياهن على الزنا: عرض الحياة، وذلك ما تعرض لهم إليه الحاجة ، من رِياشها وزينتها، وأموالها. (ومن يكرههن) [النور: 33] يقول: ومن يكره فتياته على البغاء، فإن الله من بعد إكراهه إياهن على ذلك، لهُن (غفور رحيم) ، ووزر ما كان من ذلك عليهم ، دونهن.

وذُكر أن هذه الآية أنزلت في عبد الله بن أبي ابن سلول ، حين أكره أمته مسيكة على الزنا ". انتهى ، تفسير الطبري: (17/ 290).

وقال الإمام ابن كثير: " وقوله: (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا) الآية: كان أهل الجاهلية إذا كان لأحدهم أمة، أرسلها تزني، وجعل عليها ضريبة يأخذها منها كل وقت. فلما جاء الإسلام، نهى الله المسلمين عن ذلك.

وكان سبب نزول هذه الآية الكريمة -فيما ذكره غير واحد من المفسرين، من السلف والخلف -في شأن عبد الله بن أبي بن سلول المنافق ، فإنه كان له إماء، فكان يكرههن على البغاء ، طلبا لخراجهن، ورغبة في أولادهن، ورئاسة منه ، فيما يزعم ، قبحه الله ولعنه "، تفسير ابن كثير: (6/ 54).

ثانيا :

وأما عقاب النبي صلى الله عليه وسلم لمن أكره أمته على الزنا ، فيقال فيه :

إنه لم يثبت ، بعد نزول هذه الآيات ، عن أحد من أهل المدينة : أنه أكره أمته على الزنا ، في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، حتى يسأل عن عقاب النبي صلى الله عليه وسلم له ، وإنما ثبت التحريم بهذه الآيات ، ودلت عليه .

وفي الآية إشارة لحال من أكره أمته ، وإيماء إلى وعيده ، وسوء منزلته .

قال الطيبي رحمه الله :

".. وعيدٌ شديد، وتهديدٌ عظيمٌ للمكرِه .

وذلك الغفران والرحمة تعريضٌ ...

يعني : انتبهوا أيها المكرهون، أنهن مع كونهن مكرَهاتٍ بنحو القتل وإتلاف العضو، يؤاخذن على ما أُكْرهن ؛ لولا أن الله غفورٌ رحيمٌ ، فيتجاوز عنهن ؛ فكيف بمن يكرههن ". انتهى، من "حاشية الطيبي على الكشاف" (11/84) .

وقال ابن عجيبة ، رحمه الله :

يقول الحق جل جلاله : (ولا تُكْرهُوا فتياتكم) أي : إِمَاءَكُمْ ، يقال للعبد : فتى ، وللأمة : فتاة. والجمع : فتيات .

(على البغاء) أي : الزنا ، وهو خاص بزنا النساء.

كان لابن أُبيِّ ست جوار : مُعَاذَة، ومُسَيْكَة ، وأميمة، وعَمْرَة ، وأَرْوَى ، وقُتَيْلَة ، وكان يكرههن ، ويضرب عليهن الضرائب لذلك ، فشكتِ ثنتان منهن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنزلت الآية.

وقوله تعالى : (إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً) أي : تعففاً ؛ ليس قيداً في النهي عن الإكراه ، بل جرى على سبب النزول .

فالإكراه : إنما يُتَصَوَّرُ مع إرادة التَّحَصُّنِ ؛ لأن المطيعة لا تسمى مكرهة .

ثم خصوص السبب ، لا يُوجب تخصيص الحُكم على صورة السبب ؛ فلا يختص النهي عن الإكراه بإرادة التعفف ، وكذلك الأمر بالزنا ، والإذن فيه : لا يُبَاحُ ، ولا يجوز شيء من ذلك للسيد ، وما يقبض من تلك الناحية سُحْتٌ وربا.

وفيه توبيخ للموالي ؛ لأن الإماء إذا رغبن في التحصن ؛ فأنتم أولى بذلك .

ثم علل الإكراه بقوله : (لتبتغوا عَرَض الحياةِ الدنيا) أي : لتبتغوا بإكراههن على الزنا أجورهن ، وأولادهن ؛ جيءَ به ؛ تشنيعاً لهم ، على ما هم عليه من احتمال الوزر الكبير ، لأجل النزر الحقير ؛ أي : لا تفعلوا ذلك لطلب المتاع السريع الزوال ، الوشيك الاضمحلال.

(ومن يُكْرِههُنَّ) ؛ على ما ذُكِرَ من البغاء ، (فإن الله من بعد إكرَاهِهِنَّ غفورٌ) لهن (رحيمٌ) بهن . وفي مصحف ابن مسعود كذلك. وكان الحسن يقول : لهن والله.

وقيل : للسيد إذا تاب.

واحتياجهن إلى المغفرة ، المنبئة عن سابقة الإثم : إما اعتبار أنهن - وإن كن مُكْرَهَاتٍ - لا يخلون في تضاعيف الزنا من شائبة مطاوعة ما ، بحكم الجِبِلَّةِ البشرية .

وإما لغاية تهويل أمر الزنا ، وحث المكرهات على التثبت في التجافي عنه .

والتشديد في تحذير المكرِهِينَ ، ببيان أنهن حَيْثُ كُنَّ عُرْضَةً للعقوبة ، لولا أن تداركهن المغفرة ، الرحمة ، مع قيام العذر في حقهن ، فما بالك بحال من يكرههن في استحقاق العقاب ؟" .

"البحر المديد" لابن عجيبة (5/116) .

وقال الإمام أبو أحمد الكرجي ، رحمه الله :

"وقوله: ( وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) :

دليل على أن، إثم الزنا مدفوع عن المكرهة، وَلاَحَد عليها فيه...

فمن فعل هذا بجاريته ، فهو في سخط الله ولعنته حتى تنزع عنه ...

وعلى الجارية أن تقاتل من أراد ذلك منها ، وتفرغ مجهودها في المنع عنها، ولا تسلم فرجها قبل بذل المجهود في الدفع عن نفسها ، بسلاحها ويدها، وأسنانها ، واضطرابها ، حتى تنقطع حيلها، وتُغلب ، ثم تكون حينئذِ مكرهة ، مستوجبة ما وُعدت من الغفران والرحمة .

بل عليها أن تكره مَا لا تملكه من لحُوقِ الحلاوة بالبشر عند الوقاع ؛ لتستكمل اسم الإكراه . .

"النكت الدالة على البيان" للقصاب (2/471-472) .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2018-03-10, 15:36
فسير قوله تعالى: ( ألم يجدك يتيمًا فآوى

السؤال :

عندى سؤال بخصوص قول الله تعالى : ( أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ) ، أرجو منكم المعذرة لجهلى ، فأنا لست فقيها فى اللغة العربية ، ولكن يحيرنى قليلا مصطلح ( يجدك ) ، بناء عن فهمى لمعنى الكلمة ، من وجد الشئ على حال معين ليس هو من سبب هذا الحال ، فكلمة يجدك فيها من التفاجؤ بالشئ

مثال ( حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا ) وجد القوم فى فهمى معناها أنه لم يكن يعلم من قبل بوجودهم فى هذا المكان فهو تفاجئ بالعثور عليهم ، لكن الله سبحانه وتعالى هو من خلق الرسول صلى الله عليه وسلم يتيما ، وكان على علم بحاله ، فكيف يفسر لفظ ( وجدك) فى هذه الحالة ؟

الجواب :

الحمد لله

لا شك أن الأمر ، على ما ذكرت : أننا نحتاج إلى معرفة لغات العرب ومعانيها ، وأساليبها في بيانها ، ومعاني مفرداتها، وهذا من أعظم الأسباب المعينة على تدبر كتاب الله ، ومعرفة معانيه.

وبعد ، فإن الفعل (وجد) يأتي في القرآن على معان، يجمعها: تحصل شيء ذي بال ، في حوزة كانت خالية منه .

1- فقد يأتي بمعنى تحصل الشيء دون معرفة مسبقة، وهو ما وصفته (بالمفاجأة)، ومنه في القرآن: (قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ) [يوسف: 75] ، (وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا) [آل عمران: 37] ، (فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا) [الكهف: 65] ، (فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) [النساء: 89] وفي كل هذه (وجد) فعل تام معناه إصابة ذات الشيء أي العثور عليه في الحيز.

2- وفي آيات أخرى تكون بمعنى العلم (وجود الشيء على صفَةٍ ، أو حال ، أي العلم بوجودها فيه) ؛ مثل قوله تعالى : (ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ) [النساء: 65] ، وقوله سبحانه : (قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا) [الكهف: 69]. وكثير غيرهما يتيسر تمييزها من الأولى.

انظر: المعجم الاشتقاقي المؤصل، د. جبل: (1/ 286).

وهذا المعنى – أي العلم – هو المراد في عامة ما ينسب إلى الله تعالى ، في مثل هذه السياقات.

قال الراغب الأصفهاني رحمه الله : " وما يُنسب إلى الله تعالى ، من الوجود : فبمعنى العلم المجرد .."

انتهى، من "المفردات" (512) .

ثانيًا:

الفعل (وجد) في الآية المذكورة من سورة الضحى : هو من الوجود الذي بمعنى العلم .

والمعنى: ألم تكن يتيما، وانظر: الكشاف، للزمخشري: (4/ 767)، وتفسير الرازي: (31/ 196).

قال ابن جزي رحمه الله: " ووجد في هذه المواضع تتعدى إلى مفعولين، وهي بمعنى علم "، التسهيل: (2/ 490).

والحكمة من ذلك التذكير : تعداد نعم الله على نبيه ، وتقوية قلبه بصنع الله له ، ولطفه به ، وحياطته له ، وأنه ناصره ، ومعينه ، ومعليه ومظهره على أعدائه ، وكابت عدوه ، ومخزيهم ، وتلك عادته فيه ، وفيهم .

قال ابن كثير رحمه الله : " ثم قال تعالى يعدد نعمه عل عبده ورسوله محمد، صلوات الله وسلامه عليه: (ألم يجدك يتيما فآوى) : وذلك أن أباه توفي وهو حمل في بطن أمه، وقيل: بعد أن ولد، عليه السلام، ثم توفيت أمه آمنة بنت وهب وله من العمر ست سنين. ثم كان في كفالة جده عبد المطلب، إلى أن توفي وله من العمر ثمان سنين، فكفله عمه أبو طالب. ثم لم يزل يحوطه وينصره ويرفع من قدره ويوقره، ويكف عنه أذى قومه بعد أن ابتعثه الله على رأس أربعين سنة من عمره، هذا وأبو طالب على دين قومه من عبادة الأوثان

وكل ذلك بقدر الله وحسن تدبيره، إلى أن توفي أبو طالب قبل الهجرة بقليل، فأقدم عليه سفهاء قريش وجهالهم، فاختار الله له الهجرة من بين أظهرهم إلى بلد الأنصار من الأوس والخزرج، كما أجرى الله سنته على الوجه الأتم والأكمل. فلما وصل إليهم آووه ونصروه وحاطوه وقاتلوا بين يديه، رضي الله عنهم أجمعين، وكل هذا من حفظ الله له وكلاءته وعنايته به "

التفسير: (8/ 426).

والله أعلم

*عبدالرحمن*
2018-03-10, 15:41
تفسير قوله تعالى: (تكاد السماوات يتفطرن منه، وتنشق الأرض)، وسبب تنويع الفعل

السؤال :

يقول الله عز وجل في سوره مريم ( تكاد السموات يتفطرن منه ) فما تفسير هذه الآية ؟

وهل معناها أن السماء صلبة ؟

ولماذا استخدم الله عز وجل تتفطر مع السماء وتنشق مع الأرض ؟

الجواب :

الحمد لله

أولًا:

معنى قوله تعالى : (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا) يقول تعالى ذكره : وقال هؤلاء الكافرون بالله (اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا) مريم/88- 89 يقول تعالى ذكره للقائلين ذلك من خلقه: لقد جئتم أيها الناس شيئا عظيما من القول منكرا.

وقوله: ( تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا ) أي: يكاد يكون ذلك عند سماعهن هذه المقالة من فجرة بني آدم، إعظاما للرب وإجلالا؛ لأنهن مخلوقات ومؤسسات على توحيده، وأنه لا إله إلا هو، وأنه لا شريك له، ولا نظير له ولا ولد له، ولا صاحبة له، ولا كفء له، بل هو الأحد الصمد ، لم يلد ولم يولد .

انظر: "تفسير الطبري" (15/ 635)، و"تفسير ابن كثير"(5/ 266).

يقول الشيخ السعدي: " وهذا تقبيح وتشنيع لقول المعاندين الجاحدين، الذين زعموا أن الرحمن اتخذ ولدا، كقول النصارى: المسيح ابن الله، واليهود: عزير ابن الله، والمشركين: الملائكة بنات الله، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا.

( لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا ) أي: عظيما وخيما.

من عظيم أمره أنه (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ) على عظمتها وصلابتها ( يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ ) أي: من هذا القول ( وَتَنْشَقُّ الأرْضُ ) منه، أي: تتصدع وتنفطر ( وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا ) أي: تندك الجبال "

انتهى من "تفسير السعدي" (501).

ثانيًا:

أما تنويع استخدام الفعل مع السماء والأرض:

1- ذهب أكثر العلماء أن الانفطار والانشقاق بمعنى واحد، وأنهما ذُكرا هنا على سبيل التنويع، يقول ابن عاشور: " والتفطر: الانشقاق .

والجمع بينه وبين وتنشق الأرض : تفنن في استعمال المترادف ، لدفع ثقل تكرير اللفظ "

انتهى من "التحرير والتنوير"(16/ 170).

2- وقيل: أن الانفطار هنا بمعنى: السقوط، والانشقاق بمعنى: الخسف .

انظر: "البحر المحيط" (7/ 301) .

وقد يرجع هذا المعنى إلى الأول من وجه .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2018-03-10, 15:44
رجل قال في دعائه ربنا يرزقني وأعطي الفقراء، فتصدق وقصّر في زكاته

السؤال :

لقد كنت قد دعوت الله منذ فترة طويلة ، وقلت : ربنا يرزقني وأعطي الفقراء ، وقد نسيت هذا الدعاء ، ورزقني الله من فضله إلا إننى لم ألتزم بنصاب الزكاة كاملا ؛ لأننى كنت أجمع هذه الأموال من لأجل شراء شقة ، مع العلم إننى لم أرد سائلا ، ولم أتأخر عن مساعدة محتاج ، أو المساهمة فى تعمير المساجد بالصدقات ، ومؤخرا بدأت أتحرى النسب الدقيقة للزكاة وإخراجها مع ما فاتنى من زكاة لم أؤديها

ومنذ يومين قرأت تفسير آيات سورة التوبة ، بِسْم الله الرحمن الرحيم ( ومنهم من عاهد الله لئن أتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين ، فأعقبهم نفاقا فى قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون ) ، وعند قراءتي لأسباب نزول هذه الآيات وتفسيرها وجدت أن النبى رفض بعد ذلك قبول صدقاتهم بأمر من الله عقابا على عدم الإلتزام بعهدهم مع الله . فهل بذلك أكون من هؤلاء المنافقين الذين ليس لهم توبة مثلما جاء فى الآيات ، خصوصا أن الله لم يعطهم فرصة للتوبة كما وضح من الآيات ؟

أرجو الرد سريعا ؛ لأننى منذ قراءة الآيات وأنا فى حالة سيئة جدا .

الجواب :

الحمد لله

أولا:

قال الله تعالى:

( وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ، فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ، فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ) التوبة (75 - 77).

فهذه الآيات دلت على أمرين:

الأمر الأول: أن إخلاف العهد صفة لأهل النفاق.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( آيَةُ المُنَافِقِ ثَلاَثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ )

رواه البخاري (33) ومسلم (59).

الأمر الثاني: أن إخلاف العهد قد يعاقب الله عليه بأن يورث في قلب هذا المخلف نفاقا في قلبه يموت عليه.

وليس في هذه الآيات ما ينفي قبول توبة التائب من إخلاف الوعد، فإخلاف الوعد ذنب من الذنوب، إذا تاب منه صاحبه تاب الله عليه.

قال الله تعالى:

( قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ، وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ ، وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ) الزمر (53 - 55).

فالتوبة الصادقة تزيل حتى ذنب الشرك.

قال الله تعالى:

( وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ، إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ، وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ) الفرقان (68 – 71).

والمنافق نفسه الذي من طبعه إخلاف الوعود والكذب في الحديث ، إذا تاب ، فإن الله تعالى أخبر أنه يقبل توبته.

قال الله تعالى:

( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ) النساء (145 - 146).

وما ذكر في أسباب نزول الآيات السابقة أن صحابيا عاهد الله على الصدقة ، ثم أخلف ، ثم جاء تائبا فلم تقبل توبته : فهذا حديث باطل قد تتابع أهل العلم المحققون على بيان ضعفه وبطلانه.

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى:

" يقول: إنها نزلت في ثعلبة بن حاطب في قصة طويلة، وأنه جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام يريد التوبة، ولكنه لم يحصل له ذلك، والقصة مذكورة في التفسير، ولكنها لا صحة لها في ثعلبة بن حاطب، وهذه قصة غير صحيحة، وذلك لأن الرجل مهما أذنب من الذنوب إذا تاب ورجع إلى الله فإن الله يقبل منه، فهذه القصة مخالفة لما علم من الضرورة، وهو قبول توبة الله تعالى من التائبين "

انتهى. "شرح أصول في التفسير" (ص 83).

فالحاصل؛ أن المسلم إذا وقع منه ذنب فعليه أن يسارع إلى التوبة فإن الله يتوب على من تاب، ولا يجوز للمسلم أن ييأس، فإنه بذلك يهرب من ذنب إلى ذنب أعظم منه ، لأن اليأس من رحمة الله تعالى ذنب عظيم.

قال الله تعالى:

( إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ) يوسف (87).

وقال الله تعالى:

( وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ ) الحجر (56).

ثانيا:

دعاؤك بأن قلت: ربنا يرزقني وأعطى الفقراء : ظاهر هذا الكلام أنه نذر يجب الوفاء به، لأن العبرة بمقاصد هذا اللفظ.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى:

" الاعتبار بالمعاني والمقاصد في الأقوال والأفعال، فإن الألفاظ إذا اختلفت عباراتها أو مواضعها بالتقدم والتأخر والمعنى واحد؛ كان حكمها واحدا، ولو اتفقت ألفاظها واختلفت معانيها كان حكمها مختلفا، وكذلك الأعمال، ومن تأمل الشريعة حق التأمل علم صحة هذا بالاضطرار "

انتهى. "اعلام الموقعين" (4 / 552).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

" وإن قصد الجزاء عند الشرط : لزمه مطلقا عند أحمد .

ولو قال : إن قدم فلان أصوم كذا ، فهذا نذر يجب الوفاء به مع القدرة.

قال أبو العباس: لا أعلم فيه نزاعا، ومن قال هذا ليس بنذر فقد أخطأ، وقول القائل: لئن ابتلاني الله لأصبرن، ولئن لقيت عدوا لأجاهدن، ولو علمت أي العمل أحب إلى الله لعملته فهو نذر معلق بشرط كقول الله تعالى: ( لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ) الآية "

انتهى. "الفتاوى الكبرى" (5 / 553 – 554).

ونذر الطاعة يجب الوفاء به.

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلاَ يَعْصِهِ ) رواه البخاري (6696).

والذي يظهر من سؤالك أنك قد حققت ما نذرته وأديته؛ فقد ذكرت أنك تعطي المحتاجين والسؤّال، ولم تبخل بما أعطاك الله من فضله، وهذا كاف في الوفاء بنذرك ، ولا يظهر إشكال في هذه الحالة.

وأما تقصيرك في بعض الزكاة، فهذا أمر محرم، وقد انتبهت له وشرعت في إصلاحه، نسأل الله تعالى لنا ولك التوفيق والسداد.

والذي ننصحك به ألا تلتفت إلى الوساوس وهواجس النفس ، وتمضي في عبادة ربك على ما بينه لك في كتابه ، وسنة نبيه ؛ فإنما بعث النبي صلى الله عليه وسلم ، بالحنيفية السمحة .

والله أعلم.

*عبدالرحمن*
2018-03-10, 15:48
تفسير قوله تعالى: (كأنهن بيض مكنون) .

السؤال :

بالنسبة لتفسير القرآن عن الحور ( كأنهن بيض مكنون) سمعت بعض السلف مثل ابن زيد والحسن يقولون : إن لون الحورية هو أبيض مصفر ، وكثير من العلماء قالوا بذلك ، كنت أتساءل ، قيل لي : إن ذلك يعني اللون الحنطي باللغة العربية ، وكنت أتساءل ، هل هذا متناقض مع الآية الكريمة ، وتفسيرها الذي يقول أن بياضهن كاللؤلؤ ، والذي قد قال به ابن زيد والحسن أيضاً ؟

الجواب :

الحمد لله

اختلف العلماء في سبب تشبيه الحور العين بالبيض المكنون في قوله تعالى: (كأنهن بيض مكنون) [الصافات: 49]:

1- فقيل: شُبِّهن ببطن البيض في البياض، وهو الذي داخل القشر، وذلك أن ذلك لم يمسه شيء.

2- وقيل: بل شُبهن بالبيض الذي يحضنه الطائر، فهو إلى الصفرة، فشبه بياضهن في الصفرة بذلك .

فلونها أبيض في صفرة، ويقال: هذا أحسن ألوان النساء : أن تكون المرأة بيضاء مشربة صفرة، والعرب تشبهها ببيضة النعامة.

3- وقال آخرون: بل عنى بالبيض في هذا الموضع: اللؤلؤ، وبه شبهن في بياضه وصفائه .

قال الطبري: " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي قول من قال: شبهن في بياضهن، وأنهن لم يمسهن قبل أزواجهن إنس ولا جان ؛ ببياض البيض الذي هو داخل القشر، وذلك هو الجلدة الملبسة المح ، قبل أن تمسه يد أو شيء غيرها، وذلك لا شك هو المكنون؛ فأما القشرة العليا فإن الطائر يمسها، والأيدي تباشرها، والعش يلقاها.

والعرب تقول لكل مصون: مكنون ، ما كان ذلك الشيء ، لؤلؤا كان أو بيضا أو متاعا "

تفسير الطبري: (19/ 541)، وتفسير البغوي: (7/ 40).

وهذا لا يتعارض مع الآية، فإن الأبيض قد يكون مشربًا بحمرة، وقد يكون مشربًا بصفرة، ومع هذا فهو أبيض، والعرب تعرف ذلك .

قال ابن عطية: " وأما قوله كأنهن بيض مكنون : فاختلف الناس في الشيء المشبه به :ما هو؟ فقال السدي وابن جبير: شبه ألوانهن بلون قشر البيضة الداخلي ، وهو الغِرْقِيّ [= القشرة الرقيقة الملتزقة ببياض البيض ] . وهو المكنون : أي : المصون في كِنٍّ ، ورجحه الطبري ...

وقال الجمهور : شبه ألوانهن بلون قشر بيض النعام ، وهو بياض قد خالطته صفرة حسنة .

قالوا: و«البيض» نفسه ، في الأغلب ، هو المكنون بالرِّيش ، ومتى شَذَّت به حال ، فلم يكن مكنونا : خرج عن أن يُشَبَّه به، وهذا قول الحسن وابن زيد ... ؛ وهذا المعنى كثير في أشعار العرب ...

وقالت فرقة إنما شبههن تعالى بـ «البيض المكنون» : تشبيها عامّا جملةَ المرأة ، بجملة البيضة ؛ وأراد بذلك تناسب أجزاء المرأة ، وأن كل جزء منها نسبته في الجودة إلى نوعه ، نسبة الآخر من أجزائه إلى نوعه ، فنسبة شعرها إلى عينها مستوية إذ هما غاية في نوعهما، والبيضة أشد الأشياء تناسب أجزاء، لأنك من حيث جئتها فالنظر فيها واحد "،

المحرر الوجيز: (12/356-358).

ونقل القاسمي عن الشهاب قوله: " وهذا على عادة العرب في تشبيه النساء بها.

وخصت ببيض النعام، لصفائه وكونه أحسن منظرا من سائره. ولأنها تبيض في الفلاة وتبعد ببيضها عن أن يمس ؛ ولذا قالت العرب للنساء (بيضات الخدور) .

ولأن بياضه يشوبه قليل صفرة ، مع لمعان، كما في الدرّ. وهو لون محمود جدا ؛ إذ البياض الصِّرف غير محمود ؛ وإنما يحمد إذا شابهُ قليلُ حُمرة في الرجال، وصُفرة في النساء "

تفسير القاسمي: (8/ 209).

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2018-03-10, 15:52
تفسير قوله تعالى: ( لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ) وعلاقته بالكسوف والخسوف

السؤال :

قال تعالى :( لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ) قرأت لأحد الناس على الإنترنت يقول : إن هذا يعارض ـ استغفر الله ـ الكسوف فهنا الشمس أدركت القمر ، والليل جاء في النهار، أعلم أن هذا ليس صحيحا ، لذلك أردت أن تعطوني إجابه تنهي هذه الشبهة

الجواب :

الحمد لله

أولًا:

اعلم أخانا الكريم أن الله تعالى هو الذي خلق فسوى، وقدر وهدى، وأن ما في الكون شاهد على عظمة الله تعالى وكبريائه .

وأنه أخبر عن خلقه، والصانع أدرى بصنعته، فالله تعالى أدرى بخلقه : ( أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) الملك/14 .

ثم اعلم أن هذه الآيات مرت على العرب، وهم أشد الناس معارضة، وكان الكسوف والخسوف يحدث في زمان العرب، ولم يرد أن أحدًا منهم اعترض على البي صلى الله عليه وسلم، بأن الشمس أدركت القمر، فأنى له أن يزعم أنها لا تدركه ؟!!

نعم ! لم يعترض واحد منهم بهذه الحجة، فدل أنها ليست كذلك ، وإنما هي من سوء فهم الآيات ، وسوء فهم الظواهر الكونية أيضا .

ثانيًا:

المراد بالآية الكريمة - أخي الكريم -: أن الشمس لا ينبغي لها أن تطلع بالليل، لأن الليل وقت طلوع القمر، ولا ينبغي للقمر أن يطلع بالنهار لأن هذا وقت طلوع الشمس .

يقول الإمام ابن جرير رحمه الله :

" لا الشمس يصلح لها إدراك القمر، فيذهب ضوؤها بضوئه، فتكون الأوقات كلها نهارا لا ليل فيها ، ( ولا الليل سابق النهار) [يس: 40] : يقول تعالى ذكره: ولا الليل بفائت النهار ، حتى تذهب ظلمته بضيائه، فتكون الأوقات كلها ليلا "،

الطبري: (19/ 438).

وقال ابن كثير رحمه الله: " وقال (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب) الآية [يونس: 5] ، وقال: (وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا) [الإسراء: 12] ، فجعل الشمس لها ضوء يخصها، والقمر له نور يخصه، وفاوت بين سير هذه وهذا، فالشمس تطلع كل يوم ، وتغرب في آخره على ضوء واحد، ولكن تنتقل في مطالعها ومغاربها صيفا وشتاء، يطول بسبب ذلك النهار ويقصر الليل، ثم يطول الليل ويقصر النهار، وجعل سلطانها بالنهار، فهي كوكب نهاري.

وأما القمر، فقدره منازل، يطلع في أول ليلة من الشهر ضئيلا قليل النور، ثم يزداد نورا في الليلة الثانية، ويرتفع منزلة، ثم كلما ارتفع ازداد ضياء، وإن كان مقتبسا من الشمس، حتى يتكامل نوره في الليلة الرابعة عشرة، ثم يشرع في النقص إلى آخر الشهر، حتى يصير كالعرجون القديم.

وقوله: (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر) : قال مجاهد: لكل منهما حد لا يعدوه ولا يقصر دونه، إذا جاء سلطان هذا ، ذهب هذا، وإذا ذهب سلطان هذا ، جاء سلطان هذا "

تفسير ابن كثير: (6/ 578).

وذكر الطاهر ابن عاشور رحمه الله : أن المعنى: نفي الاصطدام، فالشمس لا ينبغي لها أن تصطدم بالقمر، ولا العكس .

قال: " والمعنى: نفي أن تصطدم الشمس بالقمر، خلافا لما يبدو من قرب منازلهما "

التحرير والتنوير: (23/ 24).

وعلى أي من هذه المعاني فلا تعارض بين الآية وبين الخسوف أو الكسوف، لأن ذلك ليس هو الإدراك المقصود من الآية الكريمة .

ملخص الجواب :

المراد بالآية الكريمة أن الشمس لا ينبغي لها أن تطلع بالليل، لأن الليل وقت طلوع القمر، ولا ينبغي للقمر أن يطلع بالنهار لأن هذا وقت طلوع الشمس .

والكسوف والخسوف ليسا من الإدراك المقصود في الآية .

والله أعلم .

و اخيرا

الحمد لله الذي بفضلة تتم الصالحات

اخوة الاسلام

اكتفي بهذا القدر و لنا عوده
ان قدر الله لنا البقاء و اللقاء

و اسال الله ان يجمعني بكم دائما
علي خير

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين

*عبدالرحمن*
2018-03-13, 00:48
اخوة الاسلام

أحييكم بتحية الإسلام
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته

https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)

كيفية تأييد الروح القدس لعيسى عليه السلام

السؤال :

في القرآن يقول الله تعالى:( وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ) كيف بالتحديد قام الروح القدس جبريل بتأييد عيسى ؟ هل من الممكن توضيح هذه الآية لي ؟

الجواب :

الحمد لله

أولًا:

روح القدس هو جبريل عليه السلام، وهو الرسول الكريم الموصوف في القرآن بالقوة، والمكانة عند الله تعالى، قال الله: ( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ) سورة التكوير/19-21 .

انظر: تفسير الطبري: (2/ 223)، وتفسير الرازي: (3/ 596).

وفي سبب تسميته بروح القدس، يقول الإمام الواحدي: " وإنّما سُمي جبريل رُوحًا؛ لأنه بمنزلة الأرواح للأبدان ؛ يحيا بما يأتي من البيان عن الله عز وجل : من يُهدَى به، كما قال عز وجل: ( أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ ) [الأنعام: 122]، أي: كان كافرًا فهديناه "

التفسير البسيط: (3/ 130).

ثانيًا:

ومعنى قوله تعالى: ( أيدناه )، أي: قويناه، وأعناه .

ومن وجوه التأييد:

أن جبريل ربَّى عيسى عليهما السلام، وكان معه في جميع أحواله، وصعد به إلى السماء .

والتأييد في دعوته إلى الدين، لأنه الذي يلقي إلى عيسى ما يأمره الله بتبليغه.

انظر: تفسير الطبري: (2/ 221)، تفسير الرازي: (3/ 596)، والتحرير والتنوير: (7/ 101).

على أن أعظم وجوه التأييد مطلقا ، تأييد بوحي الله جل جلاله ، وخبر السماء ؛ وإنما خص جبريل بذلك ، لأنه ملك الوحي الموكل به .

قال شيخ الإسلام: " وروح القدس: قد يراد بها الملك المقدس كجبريل، ويراد بها الوحي، والهدى والتأييد الذي ينزله الله بواسطة الملك أو بغير واسطته، وقد يكونان متلازمين، فإن الملك ينزل بالوحي، والوحي ينزل به الملك، والله - تعالى - يؤيد رسله بالملائكة وبالهدى، كما قال - تعالى -: عن نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -: ( فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها ) [التوبة: 40] "

الجواب الصحيح: (3/ 195) ، وينظر أيضا : "الجواب الصحيح" (3/271) وما بعدها .

وقال الشيخ الطاهر ابن عاشور رحمه الله :

" وقوله: وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس البينات هي المعجزات الظاهرة البينة، وروح القدس هو جبريل، فإن الروح هنا بمعنى الملك الخاص ، كقوله: (تنزل الملائكة والروح فيها) [القدر: 4] .

والقدس ، بضم القاف ، وبضم الدال عند أهل الحجاز ، وسكونها عند بني تميم ؛ بمعنى : الخلوص والنزاهة، فإضافة روح إلى القدس من إضافة الموصوف إلى الصفة، ولذلك يقال الروح القدس .

وقيل القدس اسم الله كالقدوس ، فإضافة روح إليه إضافة أصلية، أي روح من ملائكة الله.

وروح القدس هو جبريل قال تعالى: ( قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ ) [النحل:10] .

وفي الحديث: (إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل أجلها) .

وفي الحديث : أن النبيء صلى الله عليه وسلم قال لحسان: (اهجهم ومعك روح القدس) .

وإنما وصف عيسى بهذين ، مع أن سائر الرسل أيدوا بالبينات وبروح القدس ؛ للرد على اليهود الذين أنكروا رسالته ومعجزاته، وللرد على النصارى الذين غلوا فزعموا ألوهيته، ولأجل هذا ذكر معه اسم أمه- مهما ذكر- للتنبيه على أن ابن الإنسان لا يكون إلها، وعلى أن مريم أمة الله تعالى ، لا صاحبة ؛ لأن العرب لا تذكر أسماء نسائها وإنما تكني، فيقولون ربة البيت، والأهل، ونحو ذلك ، ولا يذكرون أسماء النساء إلا في الغزل، أو أسماء الإماء."

انتهى، من "التحرير والتنوير" (3/9) .

لمعرفه المزيد في اجابه السؤال القادم
اسره منتدي الحلقه الاسلامي

والله أعلم

*عبدالرحمن*
2018-03-13, 00:52
من هو روح القدس

السؤال

ورد في سورة البقرة آية 87 النص التالي : ( ولقد آتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ) ، ما هو الروح القدس ؟.

الجواب

الحمد لله

روح القدس هو جبريل عليه السلام ، قال الشيخ الشنقيطي : قوله تعالى : ( وأيدناه بروح القُدس ) هو جبريل على الأصح ، ويدل لذلك قوله تعالى : ( نزل به الروح الأمين ) الشعراء/193 وقوله ( فأرسلنا إليها روحنا ) مريم/17

أخرج ابن أبي حاتم عن أحمد بن سنان .... حدثنا أبو الزعراء قال : قال عبدالله : روح القدس جبريل ، ثم قال : وروي عن محمد بن كعب القرظي وقتادة وعطية العوفي والسدي والربيع بن أنس نحو ذلك .

ويؤيد هذا القول ما تقدم وما رواه الشيخان بسنديهما عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أنه سمع حسان بن ثابت الأنصاري يستشهد أبا هريرة : أنشدك الله هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " يا حسَّان أجب عن رسول الله ، اللهم أيِّده بروح القدس " قال أبو هريرة : نعم .

التفسير المسبور للدكتور حكمت بشير 1/192- 193

قال شيخ الإسلام ابن تيمية : قال جماهير العلماء إنه جبريل عليه السلام فإن الله سماه الروح الأمين وسماه روح القدس وسماه جبريل . دقائق التفسير ج: 1 ص: 310

وعقد فصلاً في ذلك فقال :

فصل في معنى روح القدس قال تعالى : ( يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس ) ... فإن الله أيد المسيح عليه السلام بروح القدس كما ذكر ذلك في هذه الآية وقال تعالى في البقرة : ( وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس )

وقال تعالى : ( تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ) وهذا ليس مختصا بالمسيح بل قد أيَّد غيره بذلك وقد ذكروا هم أنه قال لداود روحك القدس لا تنزع مني ، وقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت : " اللهم أيده بروح القدس وفي لفظ روح القدس معك ما دمت تنافح عن نبيه " وكلا اللفظين في الصحيح

وعند النصارى أن الحواريين حلت فيهم روح القدس وكذلك عندهم روح القدس حدث في جميع الأنبياء وقد قال تعالى سورة النحل : ( قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ) وقد قال تعالى في موضع آخر : ( نزل به الروح الأمين على قلبك ) وقال : ( قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله ) فقد تبين أن روح القدس هنا جبريل . .. قال : ولم يقل أحد أن المراد بذلك حياة الله ولا اللفظ يدل على ذلك ولا استعمل فيه .

دقائق التفسير ج: 2 ص: 92

الشيخ محمد صالح المنجد

*عبدالرحمن*
2018-03-13, 01:08
دفع التعارض بين قوله تعالى:
(ولقد يسرنا القرآن للذكر)
وقوله: (إنا ستلقي عليك قولًا ثقيلًا)

السؤال :

كيف يجمع بين قوله تعالى : (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا) ، وبين قوله : ( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) ؟ وما رأيكم في من يقول : العلم سهل ؛ لأنني أذكر أن أحد أئمة المذاهب الأربعة يقول : بأنه ليس في العلم شيء سهل ، فلو تكرمتم بالتوضيح لي ؟

الجواب :

الحمد لله

أولًا:

أما قوله تعالى: (ولقد يسرنا القرآن للذكر) [القمر: 17] من وجوه تسهيله:

1- تيسير ألفاظه للحفظ .

2- تيسير معانيه للفهم .

وأن هذا التيسير يحصل لمن أخذ القرآن بحقه، وأقبل عليه إقبال المحب الطالب، ولم يعرض عنه إعراض الجافي .

وإن من وجوه هذا التيسير = أن الله قيض له من العلماء، من يبينه للناس، امتدادًا لما كلف الله به نبيه من بيان القرآن، وتيسير معانيه لهم .

ولك أن تعلم أيها القارئ الكريم أن القرآن جمع في أسلوبه بين خطاب العامة والخاصة، " فلو أنك خاطبت الأذكياء بالواضح المكشوف الذي تخاطب به الأغبياء ، لنزلت بهم إلى مستوًى لا يرضونه لأنفسهم في الخطاب، ولو أنك خاطبت العامة باللمحة والإشارة التي تخاطب بها الأذكياء ، لجئتهم من ذلك بما لا تطيقه عقولهم .

فلا غنى لك -إن أردت أن تعطي كلتا الطائفتين حظها كاملًا من بيانك- أن تخاطب كل واحدة منها بغير ما تخاطب به الأخرى؛ كما تخاطب الأطفال بغير ما تخاطب به الرجال .

فأما أن جملة واحدة تلقى إلى العلماء والجهلاء، وإلى الأذكياء والأغبياء، وإلى السوقة والملوك ، فيراها كل منهم كأنها مُقَدَّرة على مقياس عقله ، وعلى وفق حاجته : فذلك ما لا تجده على أتمه إلا في القرآن الكريم.

فهو قرآن واحد ؛ يراه البلغاء أوفى كلام بلطائف التعبير، ويراه العامة أحسن كلام وأقربه إلى عقولهم ، لا يلتوي على أفهامهم، ولا يحتاجون فيه إلى ترجمان وراء وضع اللغة، فهو متعة العامة والخاصة على السواء، ميسر لكل من أراد "، النبأ العظيم ، د. محمد عبد الله دراز (148).

ثانيًا:

وأما قوله تعالى: (إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا) [المزمل: 5]، فقد اختلف العلماء في بيان نوع الثِّقَل على أقوال:

1- فذهب بعضهم إلى أن الثقل إنما هو في نزوله على النبي صلى الله عليه وسلم، حيث كان يعرق عرقًا شديدًا حال نزول الوحي عليه .

2- وذهب بعضهم إلى أن الثقل في العمل به .

3- وقال بعضهم إن الثقل إنما هو على المنافقين .

4- وذهب آخرون إلى أن الثقل في الميزان، أي في ثواب القرآن .

ولا تنافي بين هذه الأقوال جميعا ؛ بل هي كلها من معاني "الثقل" في ذلك الكتاب المبين ، والنبأ العظيم .

قال الطبري: " وأولى الأقوال بالصواب في ذلك أن يقال: إن الله وصفه بأنه قول ثقيل، فهو كما وصفه به ؛ ثقيل محمله ، ثقيل العمل بحدوده وفرائضه"، تفسير الطبري: (23/ 366).

وقال السعدي: " أي: نوحي إليك هذا القرآن الثقيل، أي: العظيمة معانيه، الجليلة أوصافه، وما كان بهذا الوصف، حقيق أن يُتهيأ له، ويُرتل، ويُتفكر فيما يشتمل عليه "، التفسير: (892).

ثالثًا:

أنت ترى أن الثقل هنا قد وصف به القرآن المجيد في طريقة نزوله، وفي عظمه وقدره ، وفي حمله وأمانته ، وما جاء به من امور يجب العمل بها، وأخذها بحقها .

ولكن هذا الثقل يخففه الله تعالى لمن أقبل على القرآن طالبًا الهدى، كما قال تعالى في آية أخرى: (واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين) [البقرة: 45]، فالصبر والصلاة والاستمساك بهما صعب، ولكن الله ييسره على الخاشعين، المنفذين لأوامر الله، المجتنبين نواهيه .

وهكذا القرآن، فإنه ثقيل، ولكن الله ييسره لمن أقبل عليه ، طالبا له ، متذكرا ، مذاكرا ، متدارسا له .

رابعًا:

مما ينبغي أن يُعْلم : أن العلم صعب سهل، وذلك: أن العلم الشرعي من معالي الأمور، ومعالي الأمور لا تنال إلى على جسر من التعب، والنعيم لا يدرك بالنعيم، ومن طلب الراحة فاتته الراحة.

لكن طالب العلم حقًا، يشعر في هذا الطريق بلذة العلم الذي يتمنى ألا يُشغل عنها بشاغل، فالعلم يسير سهل على من أخذ بمنهجه، وطلبه من بابه ، ومن عند أهله، ولكن الطريق إليه محفوف بالصعوبات التي يجب على الإنسان أن يقطعها .

يقول الشيخ صالح آل الشيخ حفظه الله :

" وطلب العلم له أصوله، وله رتبُه، فمن فاته طلب العلم على رتبِه وأصوله، فإنه يحرم الوصول. وهذه مسألة كثيرًا ما نكررها رغبة في أن تَقَرَّ في قلوب طلبة العلم ومحبِّي العلم، ألا وهي: أنْ يُطلب العلم شيئًا فشيئًا ، على مر الأيام والليالي، كما قال ذلك ابن شهاب الزهري الإمام المعروف، إذ قال: "من رام العلم جملة ، ذهب عنه جملة، وإنما يُطلب العلم على مر الأيام والليالي" .

وهذا كما تُدَرِّس صغيرًا أصول الكتابة، أو أصول نُطق الكلمات، فإنه لا بد أن يأخذه شيئًا فشيئًا، ثم إذا استمرّ على ذلك أحكم الكتابة، وأحكم النطق حتى تمكّن من ذلك، والعلم كذلك .

فالعلم منه صِغار ، ومنه كِبار ، باعتبار الفهم ، وباعتبار العمل ، وباعتبار كون العلم من الله جل جلاله ، وعن رسوله - صلى الله عليه وسلم - .

فإنه ليس في العلم شيء سهل، كما قال مالك رحمه الله تعالى ، إذ قيل له: هذا من العلم السهل، قال: ليس في علم القرآن والسنة شيء سهل، وإنما كما قال الله جل وعلا ( إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ) [المزمل:5] .

فالعلم : من أخذه على أنه ثقيل صعب : أدركه .

وأما من أخذ المسائل على أنها سهلة، وهذه سهلة، وهذه مُتصوّرة، وهذه مفهومة، ويمرّ عليها مرور السريع : فإن هذا يفوته شيء كثير.

فإذًا لا بد لنا في طلب العلم من تدرج فيه، على أصوله، وعلى منهجية واضحة، ولا بد لنا أن نأخذ العلم على أنه ليس فيه شيء سهل؛ بل كلُّه ثقيل من حيث فهمُه، ومن حيثُ تثبيتُه، ومن حيث استمرارُه مع طالب العلم، فهو ثقيل ؛ لا بد له من مواصلة ومتابعة، فالعلم يُنسى إذا تُرِك، وإذا تواصل معه طالب العلم فإنه يبقى .
وهذا يُعظِّم التبعة على طالب العلم ، في ألا يتساهل في طلبه للعلم، فلا يقولن قائل مثلا: هذا الكتاب سهل، وهذا المتن ما يشرح لأنه سهل واضح، أحاديث معروفة، فإن هذا يُؤتى من هذه الجهة، حيث استسهل الأصول ، وعُقَد العلم .

وقد قال طائفة من أهل العلم: "العلم عُقَد وملح، فمن أحكم العقد سهل عليه العلم، ومن فاته حل العقد فاته العلم" .

وهذا إنما يكون بإحكام أصول العلوم. وإذا ضبط طالب العلم المتون المعروفة في الحديث، وفي العلوم المختلفة، فإنه يكون مهيئًا للانتقال إلى درجات أعلى ، بفهمٍ وتأسيس لما سبق . " انتهى ، من مقدمة "شرح الأربعين للنووية" للشيخ صالح آل الشيخ ، ن الشاملة .

وننصحك أن تطالع كتاب (حلية طالب العلم) للشيخ بكر أبي زيد رحمه الله ، و"صفحات من الصبر" ، للشيخ عبد الفتاح أبو غدة ، رحمه الله ، وكتاب "المشوق" للشيخ علي العمران .

والخلاصة

العلم يسير لمن أخذه بحقه، والقرآن يسير لمن أقبل عليه وتدبره، صعب لمن أدبر عنه، وابتعد عن العلم، وطريقه .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2018-03-13, 01:28
بيان آية سورة الكهف :
( إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم
في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبداً )

السؤال :

عندما قال أصحاب الكهف:(إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا)سورة الكهف/ 20

لماذا ساووا بين شيئين :

1- رجم قومهم لهم

. 2- إعادتهم لملتهم حيث أن بين الشيئين "أو" ، والمساواة بقولهم :

إن نتيجة هذين الشيئين هو: عدم الفلاح أبدا ، بقولهم : ولن تفلحوا إذا أبدا "

مع أن المعلوم أن إعادتهم لملتهم الكفرية بالفعل ليس فيه فلاح أبدا لا في الدنيا ولا في الآخرة ، وأن الرجم بل والرجم حتى الموت مع عدم تغيير الملة والبقاء على الإسلام ، وإن لم يكن فلاح في الدنيا فهو بالتأكيد كما علمنا في كتاب الله فلاح في الآخرة ، فلم قيل ولن تفلحوا إذا (أبدا) ؟

الجواب :

الحمد لله

أولًا:

لا شك أن التدبر في كتاب الله تعالى مشروع، يؤجر صاحبه عليه، وقد دعا الله تعالى الناس إلى تدبر القرآن وتعقله، فقال سبحانه: (أفلا يتدبرون القرآن) ..

وسورة الكهف من السور العظيمة التي يحسن بكل مسلم أن يتدبرها، ففيها بيان سبيل النجاة من الفتن، وفي أولها طريق للنجاة من الفتنة في الدين بذكر قصة الفتية أصحاب الكهف .

ثانيًا :

معنى الآية الكريمة: " يقول تعالى: (وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا * إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا ) الكهف/19-20

أي: وكما أرقدناهم ، بعثناهم ، صحيحة أبدانهم وأشعارهم وأبشارهم، لم يفقدوا من أحوالهم وهيئاتهم شيئا، وذلك بعد ثلاثمائة سنة وتسع سنين؛ ولهذا تساءلوا بينهم: (كم لبثتم) ؟ أي: كم رقدتم؟

(قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم) : كان دخولهم إلى الكهف في أول نهار، واستيقاظهم كان في آخر نهار؛ ولهذا استدركوا فقالوا: (أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم) أ

ي: الله أعلم بأمركم، وكأنه حصل لهم نوع تردد في كثرة نومهم، فالله أعلم، ثم عدلوا إلى الأهم في أمرهم إذ ذاك ، وهو احتياجهم إلى الطعام والشراب، فقالوا: (فابعثوا أحدكم بورقكم) أي: فضتكم هذه. وذلك أنهم كانوا قد استصحبوا معهم دراهم من منازلهم لحاجتهم إليها، فتصدقوا منها وبقي منها؛ فلهذا قالوا: (فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة) أي: مدينتكم التي خرجتم منها ، والألف واللام للعهد.

(فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا) : أي: أطيب طعاما .

وقوله (وَلْيَتَلَطَّفْ) أي: في خروجه وذهابه، وشرائه وإيابه، يقولون: ولْيتَخَفَّ، كل ما يقدر عليه. (ولا يشعرن) أي: ولا يُعلمن (بكم أحدا * إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم) أي: إن علموا بمكانكم، (يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم) ، يعنون : أصحاب دقيانوس ؛ يخافون منهم أن يطلعوا على مكانهم، فلا يزالون يعذبونهم بأنواع العذاب إلى أن يعيدوهم في ملتهم التي هم عليها أو يموتوا .

وإن واتَوْهُم على العود في الدين : فلا فلاح لهم في الدنيا ولا في الآخرة، ولهذا قال (ولن تفلحوا إذا أبدا) "

انظر تفسير ابن كثير: (5/ 145).

ويقول الشيخ السعدي في بيان الآية: " يقول تعالى: (وكذلك بعثناهم) أي: من نومهم الطويل (ليتساءلوا بينهم) أي: ليتباحثوا للوقوف على الحقيقة من مدة لبثهم.

(قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) وهذا مبني على ظن القائل، وكأنهم وقع عندهم اشتباه. في طول مدتهم، فلهذا (قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ) فردوا العلم إلى المحيط علمه بكل شيء، جملة وتفصيلا .

ولعل الله تعالى -بعد ذلك- أطلعهم على مدة لبثهم، لأنه بعثهم ليتساءلوا بينهم، وأخبر أنهم تساءلوا، وتكلموا بمبلغ ما عندهم، وصار آخر أمرهم، الاشتباه، فلا بد أن يكون قد أخبرهم يقينا، علمنا ذلك من حكمته في بعثهم، وأنه لا يفعل ذلك عبثا.

ومن رحمته بمن طلب علم الحقيقة في الأمور المطلوب علمها، وسعى لذلك ما أمكنه، فإن الله يوضح له ذلك، وبما ذكر فيما بعده من قوله. (وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا) ؛ فلولا أنه حصل العلم بحالهم، لم يكونوا دليلا على ما ذكر .

ثم إنهم لما تساءلوا بينهم، وجرى منهم ما أخبر الله به، أرسلوا أحدهم بورقهم، أي: بالدراهم، التي كانت معهم، ليشتري لهم طعاما يأكلونه، من المدينة التي خرجوا منها، وأمروه أن يتخير من الطعام أزكاه، أي: أطيبه وألذه، وأن يتلطف في ذهابه وشرائه وإيابه، وأن يختفي في ذلك، ويخفي حال إخوانه، ولا يشعرن بهم أحدا.

وذكروا المحذور من اطلاع غيرهم عليهم، وظهورهم عليهم، أنهم بين أمرين :

إما الرجم بالحجارة، فيقتلونهم أشنع قتلة، لحنقهم عليهم وعلى دينهم .

وإما أن يفتنوهم عن دينهم، ويردوهم في ملتم، وفي هذه الحال : لا يفلحون أبدا، بل يخسرون في دينهم ودنياهم وأخراهم "

تفسير السعدي: (473).

ثالثًا:

قوله تعالى: (ولن تفلحوا إذا أبدا) [الكهف: 20]، عائد على الرجوع في ملة الكافرين، ولذلك قال الطبري: " ولن تدركوا الفلاح، وهو البقاء الدائم والخلود في الجنان، إذن ؛ أي : إن أنتم عدتم في ملتهم "

جامع البيان: (15/ 215).

فالآية الكريمة تتحدث عن هؤلاء الفتية أن أحد الأمرين سيحصل لهم، إما أن يُرجموا (يقتلوا)، أو يرجعوا إلى ملتهم القديمة، ثم رتبوا على الرجوع في ملتهم فقط : نفي الفلاح في المستقبل .

قال الزجاج: "(إذا) : يدل على الشرط، أي: ولن تفلحوا إن رجعتم إلى ملتهم أبدًا"

. "معاني القرآن" (13/ 570).

والخلاصة

أن هؤلاء الفتية خافوا على أنفسهم ، من ظهور القوم عليهم : أحد الأمرين : إما القتل ، وفيه الهلاك .

وإما أن يكرهوهم على العود إلى ملة الكفر ؛ وفي هذا العود : خسران الدنيا والآخرة .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2018-03-13, 01:36
التوفيق بين قوله تعالى :
( ولا تمسكوهن ضرارا)
وقوله تعالى :
( وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا) .

السؤال :

( ولا تُمسكوهن ضراراً لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه) فيه دليل على تحريم الزوجة المعلقة ، ( وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً والصلح خير )

فيه دليل على جواز التنازل عن بعض حقوقها كالنفقة والكسوة والمبيت

وقد طلبت سودة بنت زمعة رضي الله عنها من النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يطلقها وأن يبيت ليلتها في بيت عائشة رضي الله عنها . السؤال : كيف أوفّق بين الآيتين ، فالمراد بالآية الأولى تحريم الزوجة المعلقة

بينما في الآية الثانية فيها أنه يجوز للزوج أن لا يبيت عند زوجته إذا تنازلت عن المبيت ، فكأن المسألة هنا أن الزوجة تصبح معلقة أيضاً في الآية الثانية ، وقد أشكلت علي المسألة بين الآيتين ؟

الجواب :

الحمد لله

أولًا:

لقد حرم الله تعالى الإضرار بالمرأة، وقوله تعالى: (ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا) [البقرة: 231]، فقد كان الرجل يطلق المرأة، فإذا قاربت انقضاء العدة راجعها ضرارا، لئلا تذهب إلى غيره، ثم يطلقها فتعتد، فإذا شارفت على انقضاء العدة طلق لتطول عليها العدة، فنهاهم الله عن ذلك، وتوعدهم عليه فقال: (ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه) أي: بمخالفته أمر الله تعالى.

قال الإمام ابن كثير، في تفسير قوله تعالى: ( وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات الله هزوا واذكروا نعمت الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم ) :

" هذا أمر من الله عز وجل للرجال إذا طلق أحدهم المرأة طلاقا له عليها فيه رجعة، أن يحسن في أمرها إذا انقضت عدتها، ولم يبق منها إلا مقدار ما يمكنه فيه رجعتها، فإما أن يمسكها، أي: يرتجعها إلى عصمة نكاحه بمعروف، وهو أن يشهد على رجعتها، وينوي عشرتها بالمعروف، أو يسرحها، أي: يتركها حتى تنقضي عدتها، ويخرجها من منزله بالتي هي أحسن، من غير شقاق ولا مخاصمة ولا تقابح "

تفسير ابن كثير: (1/ 629).

وفي آية ناهية عن العضل، يقول سبحانه: (لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف) [النساء: 19].

وقال سبحانه: ( الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون * فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون)[البقرة/229-230].

قال ابن كثير: " وقوله: (ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله) أي: لا يحل لكم أن تُضاجروهن وتضيقوا عليهن، ليفتدين منكم بما أعطيتموهن من الأصدقة أو ببعضه، كما قال تعالى: (ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) [النساء:19] .

فأما إن وهبته المرأة شيئا عن طيب نفس منها. فقد قال تعالى: (فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا) [النساء:4] .

وأما إذا تشاقق الزوجان، ولم تقم المرأة بحقوق الرجل ، وأبغضته ، ولم تقدر على معاشرته : فلها أن تفتدي منه بما أعطاها، ولا حرج عليها في بذلها، ولا عليه في قبول ذلك منها؛ ولهذا قال تعالى: (ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به) الآية"

تفسير ابن كثير: (1/ 613).

وقال الشيخ السعدي: " كانوا في الجاهلية إذا مات أحدهم عن زوجته، رأى قريبُه كأخيه وابن عمه ونحوهما أنه أحق بزوجته من كل أحد، وحماها عن غيره، أحبت أو كرهت.

فإن أحبها تزوجها على صداق يحبه دونها، وإن لم يرضها ، عضلها ، فلا يزوجها إلا من يختاره هو، وربما امتنع من تزويجها حتى تبذل له شيئًا من ميراث قريبه أو من صداقها .

وكان الرجل أيضا يعضل زوجته التي يكون يكرهها ليذهب ببعض ما آتاها، فنهى الله المؤمنين عن جميع هذه الأحوال ، إلا حالتين: إذا رضيت ، واختارت نكاح قريب زوجها الأول، كما هو مفهوم قوله: (كَرْهًا) ، وإذا أتين بفاحشة مبينة كالزنا والكلام الفاحش وأذيتها لزوجها فإنه في هذه الحال يجوز له أن يعضلها، عقوبة لها على فعلها لتفتدي منه إذا كان عضلا بالعدل.

ثم قال: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) : وهذا يشمل المعاشرة القولية والفعلية، فعلى الزوج أن يعاشر زوجته بالمعروف، من الصحبة الجميلة، وكف الأذى وبذل الإحسان، وحسن المعاملة، ويدخل في ذلك النفقة والكسوة ونحوهما، فيجب على الزوج لزوجته المعروف من مثله لمثلها ، في ذلك الزمان والمكان، وهذا يتفاوت بتفاوت الأحوال.

(فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) أي: ينبغي لكم -أيها الأزواج- أن تمسكوا زوجاتكم مع الكراهة لهن، فإن في ذلك خيرًا كثيرًا. من ذلك امتثال أمر الله، وقبولُ وصيته التي فيها سعادة الدنيا والآخرة.

ومنها أن إجباره نفسَه -مع عدم محبته لها- فيه مجاهدة النفس، والتخلق بالأخلاق الجميلة. وربما أن الكراهة تزول وتخلفها المحبة، كما هو الواقع في ذلك. وربما رزق منها ولدا صالحا نفع والديه في الدنيا والآخرة.

وهذا كله مع الإمكان في الإمساك ، وعدم المحذور.

فإن كان لا بد من الفراق، وليس للإمساك محل، فليس الإمساك بلازم"، التفسير: (172).

فتبين بهذا أنه لا يجوز للرجل أن يعضل المرأة ، لكي يذهب ببعض مالها .

ثانيًا:

أما في الحالة الأخرى، فإن المرأة إن تنازلت عن شيء من حقها ، طوعا منها ، من غير إلجاء له ، ولا استكراه عليه ، خوفًا من الطلاق = فإن ذلك مشروع، للإبقاء على الزوجية بينها وبين زوجها .

يقول ابن قدامة: " وإذا خافت المرأة نشوز زوجها وإعراضه عنها، لرغبة عنها، إما لمرض بها، أو كبر، أو دمامة، فلا بأس أن تضع عنه بعض حقوقها ، تسترضيه بذلك؛ لقول الله تعالى (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا) [النساء: 128]"

المغني: (7/ 319).

وفي الموسوعة الفقهية الكويتية: " اتفق الفقهاء على أنه يجوز لإحدى زوجات الرجل أن تتنازل عن قسمها، أو تهب حقها من القسم لزوجها ، أو لبعض ضرائرها ، أو لهن جميعا، وذلك برضا الزوج؛ لأن حقه في الاستمتاع بها لا يسقط إلا برضاه ، لأنها لا تملك إسقاط حقه في الاستمتاع بها، فإذا رضيت هي والزوج : جاز؛ لأن الحق في ذلك لهما ، لا يخرج عنهما .

فإن أبت الموهوبة قبول الهبة لم يكن لها ذلك لأن حق الزوج في الاستمتاع بها في كل وقت ثابت ، وإنما منعته المزاحمة بحق صاحبتها، فإن زالت المزاحمة بهبتها ، ثبت حقه في الاستمتاع بها ، وإن كرهت ؛ كما لو كانت منفردة .
وقد ثبت أن سودة بنت زمعة رضي الله تعالى عنها وهبت يومها لعائشة رضي الله تعالى عنها، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم لعائشة بيومها ويوم سودة "

الموسوعة: (33/ 203).

فتبين مما سبق أن للزوجة أن تتنازل عن بعض حقها، وليس هذا من قبيل التعليق، لأن هذا لم يكن منه على وجه المضارة لها ، ولا هو علقها عن الطلاق ، وحرمها النكاح ؛ بل هي تنازلت عن بعض حقها ، برضاها، استصلاحا للعشرة بينهما ؛ وقد كان يمكنها أن تطلب الطلاق ، لو شاءت ؛ فانتقت شبهة "المعلقة" هنا .

الخلاصة

للزوجة أن تتنازل عن بعض حقها، وليس هذا من قبيل التعليق، لأنها تنازلت برضاها، وقد كان يمكنها أن تطلب الطلاق، ولا يجوز للرجل أن يعضل المرأة لكي يذهب ببعض مالها .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2018-03-13, 01:42
كيف بقي الرجل الذي ورد ذكره في آية
( فأماته الله مائة عام ثم بعثه ) مخفياً عن الناس؟

السؤال :

في قصة العزير أود أن أسأل عندما أمات الله العزير ، هل أماته وهو قائم في مكانه ومكث 100عام ؟

وهل لم يمر أحد في هذا المكان ليرى أن هناك رجلا ميت وبجانبه حماره وهو ميت أيضا ؟

أم أن الله خبأه عن أعين الناس فلا يبصرونه لحكمته جلا وعلا ؟

أم أن هناك تفسير آخر؟

الجواب :

الحمد لله

أولا:

قال الله تعالى:

( أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) البقرة (259).

في القول المشهور عند أهل التفسير : أن هذا الرّجل المار هو عزير، وقيل غيره .

وأما القرية فالقول المشهور أنها بيت المقدس بعد تخريب بختنصر لها.

قال ابن كثير رحمه الله تعالى:

" اختلفوا في هذا المار من هو؟ فروى ابن أبي حاتم عن عصام بن رواد، عن آدم بن أبي إياس، عن إسرائيل عن أبي إسحاق، عن ناجية بن كعب، عن علي بن أبي طالب أنه قال: هو عزير.

ورواه ابن جرير، عن ناجية نفسه. وحكاه ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وسليمان بن بريدة وهذا القول هو المشهور...

وأما القرية: فالمشهور أنها بيت المقدس، مر عليها بعد تخريب بختنصر لها وقتل أهلها "

انتهى. "تفسير ابن كثير" (1 / 687 - 688).

لكن لم يقم دليل من الخبر الصحيح ، يقطع بذلك.

قال الطبري رحمه الله تعالى:

" ولا بيان عندنا من الوجه الذي يصح من قِبَله البيان عن اسم قائل ذلك، وجائز أن يكون عزيرا، وجائز أن يكون إرميا .

ولا حاجة بنا إلى معرفة اسمه، إذ لم يكن المقصود بالآية تعريف الخلق اسم قائل ذلك، وإنما المقصود بها تعريف المنكرين قدرة الله على إحيائه خلقه بعد مماتهم، وإعادته إيّاهم بعد فنائهم، وأنه الذي بيده الحياة والموت، من قريش

ومن كان يكذب بذلك من سائر العرب، وتثبيت الحجة بذلك على من كان بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم من يهود بني إسرائيل، بإطلاعه نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم على ما يزيل شكهم في نبوته، ويقطع عذرهم في رسالته، إذ كانت هذه الأنباء التي أوحاها الله إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم في كتابه

من الأنباء التي لم يكن يعلمها محمد صلى الله عليه وسلم وقومه، ولم يكن علم ذلك إلا عند أهل الكتاب، ولم يكن محمد صلى الله عليه وسلم وقومه منهم، بل كان أميا وقومه أميون .

فكان معلوما بذلك -عند أهل الكتاب من اليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجره- أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يعلم ذلك إلا بوحي من الله تعالى ذكره إليه .

ولو كان المقصود بذلك الخبر عن اسم قائل ذلك، لكانت الدلالة منصوبة عليه نصبا يقطع العذر، ويزيل الشك، ولكن القصد كان إلى ذم قيله، فأبان ذلك جلّ ثناؤه لخلقه.

واختلف أهل التأويل في القرية التي مر عليها القائل: ( أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ) :

فقال بعضهم: هي بيت المقدس ...

والصواب من القول في ذلك كالقول في اسم القائل: ( أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا )، سواء لا يختلفان "

انتهى، من "تفسير الطبري" (4 / 581 - 584).

ثانيا:

ما ذكره السائل في سؤاله : هو من هذا الجنس الذي قال عنه الإمام الطبري ، وغيره من الأئمة: لا حاجة بنا إلى العلم به ، وليس في الجهل به تضييع لفريضة ولا فضيلة ، ولا في العلم به إدراك لشيء من ذلك ؛ بل هو أقرب إلى مسالك التكلف ، والانشغال بما لا طائل وراءه .

يقول الإمام الطبري رحمه الله ، في ذكر اختلاف القائلين : في مبلغ الثمن الذي بيع به يوسف عليه السلام :

" والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أنهم باعُوه بدراهم معدودة غير موزونة، ولم يحدَّ مبلغَ ذلك بوزن ولا عدد، ولا وضع عليه دلالة في كتاب ولا خبر من الرسول صلى الله عليه وسلم. وقد يحتمل أن يكون كان عشرين = ويحتمل أن يكون كان اثنين وعشرين = وأن يكون كان أربعين

وأقل من ذلك وأكثر، وأيُّ ذلك كان، فإنها كانت معدودة غير موزونة ; وليس في العلم بمبلغ وزن ذلك فائدة تقع في دين، ولا في الجهل به دخول ضرّ فيه. والإيمان بظاهر التنزيل فرضٌ، وما عَداه فموضوعٌ عنا تكلُّفُ علمه."

انتهى، من "تفسير الطبري" (15/16) .

وبحسب المسلم من ذلك أن يقف على محل الحجة والشاهد في الآيات ، وموطن العبرة والعظة في القصة ، ويتدبر معنى ما قص الله على عباده من ذلك .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2018-03-13, 01:46
تفسير قول الله تعالى :
( ومن كل شيء خلقنا زوجين )

السؤال :

هل الملائكة مشمولين بهذه الآية (ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون)؟

الجواب :

الحمد لله

فقد اختلف أهل التفسير في تأويل هذه الآية على قولين:

أرجحهما: أن الزوجين هنا ، بمعنى : الصنفين ، والنوعين المختلفين، كالسعادة والشقاء، والهدى والضلال، والملائكة والجن، والجن والإنس .

وعليه؛ فلا إشكال في دخول الملائكة في معنى الآية .

الثاني: أن المراد بالزوجين (الذكر والأنثى)، وعلى ذلك يقال في الجواب :

إن عموم كل بحسبه، ويعرف ذلك بالقرائن، فلو تأملت قوله تعالى: (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ) الأحقاف/25، لوجدت أن الآية الكريمة نصت على هلاك كل شيء، ومع ذلك (أصبحوا لا يرى إلا مساكنهم)! فعلمنا أن مساكنهم مستثناة من عموم (كل) هنا، ولا يحتاج هذا إلى تنبيه بعد ذلك : أن السموات والأرض استثنيتا من هذا الدمار الذي حصل لهؤلاء القوم .

فإذا تأملت ما سبق، علمت أن عموم كل بحسبه، وأن الملائكة الكرام غير مشمولين بهذا العموم الموجود في الآية ؛ وإنما الإشارة هنا إلى هذه الأشياء المخلوقة في "عالم الشهادة" ، ليحصل ارتفاق الناس ، وانتفاعهم به ، وتظهر الحكمة من هذه النعم ، فيتذكر الناس ما أمروا به من طاعة رب العالمين .

قال العلامة ابن عاشور رحمه الله : " لما أشعر قوله: ( فرشناها فنعم الماهدون ) ، [الذاريات: 48] بأن في ذلك نعمة على الموجودات التي على الأرض، أتبع ذلك بصفة خلق تلك الموجودات ، لما فيه من دلالة على تفرد الله تعالى بالخلق المستلزم لتفرده بالإلهية .

فقال: ( ومن كل شيء خلقنا زوجين ) . والزوج: الذكر والأنثى. والمراد بالشيء: النوع من جنس الحيوان. وتثنية زوج هنا لأنه أريد به ما يزوج من ذكر وأنثى.

وهذا الاستدلال عليهم بخلق يشاهدون كيفياته وأطواره ، كلما لفتوا أبصارهم، وقدحوا أفكارهم، وهو خلق الذكر والأنثى ليكون منهما إنشاء خلق جديد يخلف ما سلفه ، وذلك أقرب تمثيل لإنشاء الخلق بعد الفناء، وهو البعث الذي أنكروه؛ لأن الأشياء تقرب بما هو واضح من أحوال أمثالها.

ولذلك أتبعه بقوله: ( لعلكم تذكرون ) ، أي تتفكرون في الفروق بين الممكنات والمستحيلات، وتتفكرون في مراتب الإمكان، فلا يختلط عليكم الاستبعاد ، وقلة الاعتياد ، بالاستحالة ؛ فتتوهموا الغريب محالا.

فالتذكر مستعمل في إعادة التفكر في الأشياء ، ومراجعة أنفسهم فيما أحالوه ، ليعلموا بعد إعادة النظر : أن ما أحالوه ممكن ، ولكنهم لم يألفوه ؛ فاشتبه عليهم الغريب بالمحال ، فأحالوه .

فلما كان تجديد التفكر المغفول عنه ، شبيها بتذكر الشيء المنسي : أطلق عليه : ( لعلكم تذكرون ) ، وهذا في معنى قوله تعالى: ( وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون * ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون ) [الواقعة: 60- 62] ؛ فقد ذيل هنالك بالحث على التذكر، كما ذيل هنا برجاء التذكر، فأفاد : أن خلق الذكر والأنثى من نطفة ، هو النشأة الأولى ، وأنها الدالة على النشأة الآخرة.

وجملة : ( لعلكم تذكرون ) : تعليل لجملة : ( خلقنا زوجين ) ؛ أي : رجاء أن يكون في الزوجين تذكر لكم، أي : دلالة مغفول عنها." انتهى، من "التحرير والتنوير" (27/18) .

هذا؛ مع أن الراجح الأول، كما سننقل نصوص أهل العلم عليه .

يقول الطبري: " القول في تأويل قوله تعالى: (ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون) [الذاريات: 49] يقول تعالى ذكره: وخلقنا من كل شيء خلقنا زوجين، وترك خلقنا الأولى استغناء بدلالة الكلام عليها .

واختلف في معنى (خلقنا زوجين) [الذاريات: 49] فقال بعضهم: عنى به: ومن كل شيء خلقنا نوعين مختلفين كالشقاء والسعادة والهدى والضلالة، ونحو ذلك ... قال مجاهد، في قوله: (ومن كل شيء خلقنا زوجين) [الذاريات: 49] قال: «الكفر والإيمان، والشقاوة والسعادة، والهدى والضلالة، والليل والنهار، والسماء والأرض، والإنس والجن» .

... وقال آخرون: عنى بالزوجين: الذكر والأنثى.

.. وأولى القولين في ذلك قول مجاهد، وهو أن الله تبارك وتعالى، خلق ، لكل ما خلق من خلقه: ثانيا له ، مخالفا في معناه، فكل واحد منهما زوج للآخر، ولذلك قيل: خلقنا زوجين. "

تفسير الطبري: (21/ 547 - 549).

وقال ابن عطية: " (ومن كل شيء خلقنا زوجين) أي: مصطحبين ومتلازمين .

فقال مجاهد: معناه أن هذه إشارة إلى المتضادات والمتقابلات من الأشياء ، كالليل والنهار ، والشقوة والسعادة ، والهدى والضلالة ، والأرض والسماء ، والسواد والبياض ، والصحة والمرض ، والكفر والإيمان ونحو هذا"، المحرر: (5/ 181).

وقال ابن كثير: " (ومن كل شيء خلقنا زوجين) أي: جميع المخلوقات أزواج: سماء وأرض، وليل ونهار، وشمس وقمر، وبر وبحر، وضياء وظلام، وإيمان وكفر، وموت وحياة، وشقاء وسعادة، وجنة ونار، حتى الحيوانات جن وإنس، ذكور وإناث والنباتات، ولهذا قال: (لعلكم تذكرون) أي: لتعلموا أن الخالق واحد لا شريك له"

تفسير ابن كثير: (7/ 424).

والخلاصة

لا تدخل الملائكة في عموم الآية، لأن معناها: أن الله تعالى خلق من جميع الكائنات زوجين ، أي : صنفين متقابلين . كالذكر والأنثى ، والليل والنهار ، والحر والبرد ..إلخ . وذلك يدل على كمال قدرة الله تعالى الذي يخلق ما يشاء ، فيخلق الشيء ويخلق ما يخالفه في الصفات .

والله أعلم

*عبدالرحمن*
2018-03-13, 01:57
طريقة اخري لتفسير .. ازياده الشرح والتوضيح

تفسير قوله تعالى :
( وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ )

السؤال:

سؤالي حول الآية " وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ" : هل معنى كلمة الزوجين يشمل ما كان من نفس النوع كالتفاح مثلاً ؟

وهل أتت الكلمة " الزوجين " في نفس السياق في جميع الآيات التي تتحدث عن خلق كل شيء أزواجاً ، فهل يمكنكم ذكر بعض الأمثلة على استخدامات الكلمة مع ذكر الدليل ؟

الجواب :

الحمد لله

قال الله عز وجل : ( وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) الذاريات/ 49 .

ومعنى الآية : أن الله تعالى خلق من جميع الكائنات زوجين ، أي : صنفين متقابلين . كالذكر والأنثى ، والليل والنهار ، والحر والبرد ..إلخ . وذلك يدل على كمال قدرة الله تعالى الذي يخلق ما يشاء ، فيخلق الشيء ويخلق ما يخالفه في الصفات .

قال الطبري رحمه الله :

" واختلف في معنى (خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ) فقال بعضهم : عنى به : ومن كلّ شيء خلقنا نوعين مختلفين كالشقاء والسعادة ، والهدى والضلالة ، ونحو ذلك .

قال مجاهد : الكفر والإيمان ، والشقاوة والسعادة ، والهدى والضلالة ، والليل والنهار ، والسماء والأرض ، والإنس والجنّ .

وقال آخرون : عنى بالزوجين : الذكر والأنثى .

وأولى القولين في ذلك قول مجاهد ، وهو أن الله تبارك وتعالى ، خلق لكلِّ ما خَلَقَ من خلقه ثانياً له مخالفاً في معناه ، فكلّ واحد منهما زوج للآخر ، ولذلك قيل : خلقنا زوجين . وإنما نبه جلّ ثناؤه بذلك على قُدرته على خلق ما يشاء خلقه من شيء ، وأنه ليس كالأشياء التي شأنها فعل نوع واحد دون خلافه ، إذ كلّ ما صفته فعل نوع واحد دون ما عداه كالنار التي شأنها التسخين ، ولا تصلح للتبريد ، وكالثلج الذي شأنه التبريد ، ولا يصلح للتسخين ، فلا يجوز أن يوصف بالكمال ، وإنما كمال المدح للقادر على فعل كلّ ما شاء فعله من الأشياء المختلفة والمتفقة "

انتهى من " تفسير الطبري " (22/439-440) .

وقال ابن كثير رحمه الله :

" ( وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ ) أَيْ : جَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ أَزْوَاجٌ : سَمَاءٌ وَأَرْضٌ ، وَلَيْلٌ وَنَهَارٌ ، وَشَمْسٌ وَقَمَرٌ ، وَبَرٌّ وَبَحْرٌ ، وَضِيَاءٌ وَظَلَامٌ ، وَإِيمَانٌ وَكُفْرٌ ، وَمَوْتٌ وَحَيَاةٌ ، وَشَقَاءٌ وَسَعَادَةٌ ، وَجَنَّةٌ وَنَارٌ ، حَتَّى الْحَيَوَانَاتُ ، جِنٌّ وَإِنْسٌ ، ذُكُورٌ وَإِنَاثٌ ، وَالنَّبَاتَاتُ ، وَلِهَذَا قَالَ : ( لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) أَيْ : لِتَعْلَمُوا أَنَّ الْخَالِقَ واحدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ "

انتهى من " تفسير ابن كثير " (7/ 424) .

وقال القرطبي رحمه الله :

" قوله تَعَالَى : (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ) : أَيْ صِنْفَيْنِ وَنَوْعَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ. قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : أَيْ ذَكَرًا وَأُنْثَى ، وَحُلْوًا وَحَامِضًا وَنَحْوَ ذَلِكَ. وقال مُجَاهِدٌ: يَعْنِي الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى، وَالسَّمَاءَ وَالْأَرْضَ، وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، وَاللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَالنُّورَ وَالظَّلَامَ، وَالسَّهْلَ وَالْجَبَلَ، وَالْجِنَّ وَالْإِنْسَ، وَالْخَيْرَ وَالشَّرَّ، وَالْبُكْرَةَ وَالْعَشِيَّ، وَكَالْأَشْيَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ الألوان مِنَ الطُّعُومِ وَالْأَرَايِيحِ وَالْأَصْوَاتِ. أَيْ جَعَلْنَا هَذَا كَهَذَا دَلَالَةً عَلَى قُدْرَتِنَا، وَمَنْ قَدَرَ عَلَى هَذَا فَلْيَقْدِرْ عَلَى الْإِعَادَةِ" انتهى من "

تفسير القرطبي " (17/53) .

وقال ابن جزي رحمه الله :

" أي نوعين مختلفين ، كالليل والنهار ، والسواد والبياض ، والصحة والمرض وغير ذلك "

انتهى من " تفسير ابن جزي " (2/310) .

وأما قوله تعالى : (وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) الرعد/ 3 .

قال ابن كثير : " أَيْ : مِنْ كُلِّ شَكْلٍ صِنْفَانِ "

انتهى من " تفسير ابن كثير " (4/431) .

وقال القرطبي :

" بِمَعْنَى صِنْفَيْنِ . قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الزَّوْجُ وَاحِدٌ، وَيَكُونُ اثْنَيْنِ.

وَقِيلَ: مَعْنَى" زَوْجَيْنِ" نَوْعَانِ ، كَالْحُلْوِ وَالْحَامِضِ ، وَالرَّطْبِ وَالْيَابِسِ ، وَالْأَبْيَضِ وَالْأَسْوَدِ ، وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ "

انتهى من " تفسير القرطبي " (9/280) .

وقال ابن عطية رحمه الله :

" الزوج في هذه الآية : الصنف والنوع ... ومنه قوله تعالى : ( سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ ) يس/ 36 ، ومثل هذه الآية : (وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) ق/ 7 .

وهذه الآية تقتضي أن كل ثمرة فموجود منها نوعان، فإن اتفق أن يوجد في ثمرة أكثر من نوعين فغير ضار في معنى الآية ... ويقال: إن في كل ثمرة ذكراً وأنثى "

انتهى من " تفسير ابن عطية " (3/293) .

وقال تعالى : ( وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ) ق/ 7 .

قال ابن كثير : " أَيْ : مِنْ جَمِيعِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ وَالنَّبَاتِ وَالْأَنْوَاعِ "

انتهى من " تفسير ابن كثير " (7/ 396) .

وقال السعدي رحمه الله :

" أي : من كل صنف من أصناف النبات ، التي تسر ناظرها ، وتعجب مبصرها ، وتقر عين رامقها ، لأكل بني آدم ، وأكل بهائمهم ومنافعهم "

انتهى من " تفسير السعدي " (ص/804) .

فالزوج : الصنف ، والزوجان الصنفان المتقابلان ، كالحلو والحامض ، والعذب والملح ، فالتفاح صنف ، والبرتقال صنف ، ولكل صنف طعم ولون .

ويمكن أن يكون الزوجان من الصنف الواحد ، كالبرتقال والتفاح والبلح والعنب ، ففيها الذكر والأنثى ، والصغير والكبير ، والأنواع المختلفة اللون والطعم .

وأما قوله تعالى : (وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا) النبأ/ 8 ، فهو كقوله عز وجل : (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا ) النحل/ 72 ، وقوله : ( وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا ) فاطر/ 11 ، وقوله : (جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا ) الشورى/11 .

فالخطاب هنا لبني آدم ، والمعنى : خلقناكم ذكورا وإناثا من جنس واحد ، ليسكن كل منهما إلى الآخر ، فتكون المودة والرحمة ، وتنشأ عنهما الذرية .

" تفسير ابن كثير " (8/302)

" تفسير السعدي " (ص/906) .

والله أعلم .

و اخيرا

الحمد لله الذي بفضلة تتم الصالحات

اخوة الاسلام

اكتفي بهذا القدر و لنا عوده
ان قدر الله لنا البقاء و اللقاء

و اسال الله ان يجمعني بكم دائما
علي خير

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين

*عبدالرحمن*
2019-01-08, 13:34
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)
اخوة الاسلام

أحييكم بتحية الإسلام
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)


قوله تعالى: (ياأيها الذين آمنوا آمنوا}، وهل هي طلب تحصيل حاصل ؟

السؤال

من شروط التكليف المتعلقة بالفعل المكلف به : أن يكون الفعل معدوما

هل يتعارض على أن يكون الفعل معدوما في قوله تعالى (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ) ؟

الجواب

الحمد لله

لا تتعارض الآية الكريمة مع ما قرره العلماء من كون شرط الفعل المكلف به أن يكون معدومًا، فـ"الإيمان" المطلوب في هذه الآية ، ليس هو الإيمان الحاصل ، الذي يمتنع طلبه ، كما تبين ذلك من معرفة وجوه تفسير هذه الآية :

الأول : أن الإيمان المطلوب في هذه الآية : هو إيمان أهل الكتاب بمحمد صلى الله عليه وسلم، بعدما آمنوا بنبيهم . وإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم لم يكن "حاصلا" في هذا الوقت .

يقول الطبري في معنى الآية:

" يعني بذلك جل ثناؤه: يا أيها الذين آمنوا ، بمن قبل محمد من الأنبياء والرسل، وصدَّقوا بما جاؤوهم به من عند الله آمِنوا بالله ورسوله يقول: صدّقوا بالله وبمحمد رسوله، أنه لله رسولٌ، مرسل إليكم وإلى سائر الأمم قبلكم .

والكتاب الذي نزل على رسوله ، يقول: وصدّقوا بما جاءكم به محمد من الكتاب الذي نزله الله عليه، وذلك القرآن.

والكتاب الذي أنزل من قبل ، يقول: وآمنوا بالكتاب الذي أنزل الله من قبل الكتاب الذي نزله على محمد صلى الله عليه وسلم، وهو التوراة والإنجيل.

فإن قال قائل:

وما وجه دعاء هؤلاء إلى الإيمان بالله ورسوله وكتبه، وقد سماهم"مؤمنين"؟

قيل: إنه جل ثناؤه لم يسمِّهم"مؤمنين"، وإنما وصفهم بأنهم "آمنوا"، وذلك وصف لهم بخصوصٍ من التصديق.

وذلك أنهم كانوا صنفين:

أهل توراة مصدّقين بها وبمن جاء بها، وهم مكذبون بالإنجيل والقرآن وعيسى ومحمد صلوات الله عليهما .

وصنف أهل إنجيل، وهم مصدّقون به وبالتوراة وسائر الكتب، مكذِّبون بمحمد صلى الله عليه وسلم والفرقان .

فقال جل ثناؤه لهم : يا أيها الذين آمنوا ، يعني: بما هم به مؤمنون من الكتب والرسل .

آمنوا بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم .

والكتاب الذي نزل على رسوله ، فإنكم قد علمتم أن محمدًا رسول الله، تجدون صفته في كتبكم .

وبـ : الكتاب الذي أنزل من قبلُ

الذي تزعمون أنكم به مؤمنون، فإنكم لن تكونوا به مؤمنين وأنتم بمحمد مكذبون، لأن كتابكم يأمركم بالتصديق به وبما جاءكم به، فآمنوا بكتابكم في اتّباعكم محمدًا، وإلا فأنتم به كافرون.

فهذا وجه أمرهم بالإيمان بما أمرهم بالإيمان به، بعد أن وصفهم بما وصفهم بقوله : ( يا أيها الذين آمنوا )"

انتهى من "تفسير الطبري" (التفسير: (9/312)

وينظر : "الهداية"، لمكي بن طالب(2/ 1499).

الوجه الثاني : أن المطلوب من المؤمنين هنا ليس هو الإيمان الحاصل عندهم وقت الخطاب

بل المطلوب منهم أن يثبتوا على الإيمان ، وأن يحصلوا من درجات الإيمان ، والزيادة فيه ، ما لم يكن حاصلا لهم ؛ فالإيمان يزيد وينقص ، كما هو معلوم مقرر .

وعلى ذلك ؛ فطلب الزيادة : طلب لأمر معدوم ، لا يزل العبد ساعيا في تحصيله ما عاش ، وليس تحصيلا لأمر حاصل .

انظر: "التفسير البسيط" (7/ 145) .

قال الإمام ابن كثير رحمه الله :

" يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بالدخول في جميع شرائع الإيمان وشعبه وأركانه ودعائمه، وليس هذا من باب تحصيل الحاصل، بل من باب تكميل الكامل وتقريره وتثبيته والاستمرار عليه.

كما يقول المؤمن في كل صلاة: اهدنا الصراط المستقيم الفاتحة/6 أي: بصرنا فيه، وزدنا هدى، وثبتنا عليه. فأمرهم بالإيمان به وبرسوله

كما قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله الحديد/28 "التفسير"(2/ 434).

وقد قال أيضا في تفسير سورة الفاتحة ، الآية المشار إليها هنا :

" فإن قيل: كيف يسأل المؤمن الهداية في كل وقت من صلاة وغيرها، وهو متصف بذلك؟ فهل هذا من باب تحصيل الحاصل أم لا؟

فالجواب: أن لا ؛ ولولا احتياجه ليلا ونهارا إلى سؤال الهداية لما أرشده الله إلى ذلك .

فإن العبد مفتقر في كل ساعة وحالة إلى الله تعالى في تثبيته على الهداية، ورسوخه فيها، وتبصره، وازدياده منها، واستمراره عليها .

فإن العبد لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله، فأرشده تعالى إلى أن يسأله في كل وقت أن يمده بالمعونة والثبات والتوفيق .

فالسعيد من وفقه الله تعالى لسؤاله؛ فإنه تعالى قد تكفل بإجابة الداعي إذا دعاه، ولا سيما المضطر المحتاج المفتقر إليه آناء الليل وأطراف النهار .

وقد قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل الآية النساء/136

فقد أمر الذين آمنوا بالإيمان، وليس في ذلك تحصيل الحاصل؛ لأن المراد الثبات والاستمرار والمداومة على الأعمال المعينة على ذلك "

انتهى من "تفسير ابن كثير" (1/139) .

وقد أجمل الإمام أبو المظفر السمعاني رحمه الله ، وجوه الجواب عن ذلك . فقال :

" قَول تَعَالَى: يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا آمنُوا بِاللَّه وَرَسُوله أَكثر الْمُفَسّرين على أَنه فِي الْمُؤمنِينَ، وَمَعْنَاهُ: يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا آمنُوا، أَي اثبتوا على الْإِيمَان، كَمَا يُقَال: قف حَتَّى أرجع إِلَيْك للرجل الْوَاقِف أَي: أثبت وَاقِفًا.

وَقَالَ مُجَاهِد: هُوَ خطاب لِلْمُنَافِقين، وَمَعْنَاهُ: يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا بِاللِّسَانِ آمنُوا بِالْقَلْبِ .

وَقَالَ الضَّحَّاك وَهُوَ رِوَايَة الْكَلْبِيّ عَن ابْن عَبَّاس: هُوَ خطاب لأهل الْكتاب

وَمَعْنَاهُ: يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا بمُوسَى وَعِيسَى آمنُوا بِمُحَمد وَالْكتاب الَّذِي نزل على رَسُوله يَعْنِي: الْقُرْآن وَالْكتاب الَّذِي أنزل من قبل يَعْنِي: الْكتب الْمنزلَة من قبل الْقُرْآن."

انتهى من "تفسير السمعاني" (1/490) .

وفي كل واحد من هذه الوجوه ما يكفي لرد الشبهة المذكورة .

والله أعلم.

*عبدالرحمن*
2019-01-08, 13:38
هل الإنفاق في قوله تعالى: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) عام ؟

السؤال

هل يمكن أن يتسع معنى قوله تعالى : (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) ليشمل الإنفاق من الوقت والجهد ، ومن أى شيء يحبه الإنسان، استدلالا بعموم اللفظ ؛ لأن الله تعالى لم يقل من أموالكم مثلا ؟

وهل يمكن تدبرها وليس تفسيرها على هذا النحو؟

الجواب

الحمد لله

أولًا:

إن معنى الآية الكريمة : " لن تدركوا أيها المؤمنون البر، وهو البر من الله الذي يطلبونه منه بطاعتهم إياه وعبادتهم له، ويرجونه منه، وذلك تفضله عليهم بإدخاله جنته، وصرف عذابه عنهم؛

ولذلك قال كثير من أهل التأويل: البر الجنة؛ لأن بر الرب بعبده في الآخرة وإكرامه إياه بإدخاله الجنة .. حتى تتصدقوا مما تحبون وتهوون أن يكون لكم من نفيس أموالكم "

انظر: " تفسير الطبري"(5/ 572 - 573).

وقال العلامة السعدي رحمه الله :

" هذا حث من الله لعباده على الإنفاق في طرق الخيرات، فقال : لن تنالوا أي: تدركوا وتبلغوا البر ، الذي هو كل خير من أنواع الطاعات وأنواع المثوبات ، الموصل لصاحبه إلى الجنة، حتى تنفقوا مما تحبون

أي: من أموالكم النفيسة التي تحبها نفوسكم، فإنكم إذا قدمتم محبة الله على محبة الأموال فبذلتموها في مرضاته، دل ذلك على إيمانكم الصادق ، وبر قلوبكم ويقين تقواكم

فيدخل في ذلك إنفاق نفائس الأموال، والإنفاق في حال حاجة المنفق إلى ما أنفقه، والإنفاق في حال الصحة .

ودلت الآية أن العبد بحسب إنفاقه للمحبوبات يكون بره، وأنه ينقص من بره بحسب ما نقص من ذلك .

ولما كان الإنفاق على أي: وجه كان مثابا عليه العبد، سواء كان قليلا أو كثيرا، محبوبا للنفس أم لا ، وكان قوله لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون مما يوهم أن إنفاق غير هذا المقيد

غير نافع احترز تعالى عن هذا الوهم بقوله وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم ؛ فلا يضيق عليكم، بل يثيبكم عليه على حسب نياتكم ونفعه "

انتهى من "تفسير السعدي" (138) .

ثانيًا:

إن أولى ما يدخل في هذه الآية الإنفاق من المال، كما ورد في حديث أبي طلحة رضي الله عنه، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، أنه سمع أنس بن مالك، يقول

: " كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالا، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب،

قال أنس: فلما نزلت هذه الآية: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ آل عمران/92

قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله يقول في كتابه: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ آل عمران/92 ، وإن أحب أموالي إلي بيرحى، وإنها صدقة لله

أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها، يا رسول الله، حيث شئت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بخ، ذلك مال رابح، ذلك مال رابح

قد سمعت ما قلت فيها، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه "، رواه البخاري: (1461)، ومسلم: (998)، واللفظ له .

ثالثًا:

لا بأس بتعميم وجوه الإنفاق، وذلك بقياسها على الإنفاق من المال، أو بتعميم لفظ الإنفاق، فإنها من أعمال القرب والبر، يقول شيخ الإسلام: " فالتصدق بما يحبه الإنسان جنس تحته أنواع كثيرة "

"منهاج السنة" (7/ 184).

يقول ابن عجيبة: " حتى تنفقوا بعض ما تحبون من المال وغيره، كبذل الجاه في معاونة الناس، إن صحبه الإخلاص، وكبذل البدن فى طاعة الله، وكبذل المهج في سبيل الله " .

انتهى من "البحر المديد"(1/ 381).

وقد سبق في جواب السؤال رقم: (239520): أن الهدية إحسان ومعروف ، والمسلم يثاب على كل إحسان ومعروف يبذله للناس ، فتدخل الهدية في الآية ، والله أعلم .

رابعًا:

ننبه السائلة الكريمة، إلى أن التدبر فرع التفسير، فلا تدبر بدون معرفة معنى الآية، ويبقى للمفسر – وهو العالم الذي ملك أدوات النظر والاستنباط - الاجتهاد في إلحاق بعض الاستنباطات ونحوها مما يقع له بالاجتهاد .

وينظر للفائدة جواب السؤال القادم

والله أعلم

*عبدالرحمن*
2019-01-08, 13:42
هل الهدية من جملة الإنفاق ، الذي يُنال به البر ؟

السؤال

هل الهدية تدخل في النفقة التي ذكرت في الآية : ( لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) ؛ أي إذا أهدى شخص شيئاً مما يحب إلى شخص آخر فهل يدخل هذا في البر المقصود في الآية ؟

الجواب

الحمد لله

قال الله تعالى : ( لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ) آل عمران/ 92
" هذا حث من الله لعباده على الإنفاق في طرق الخيرات

فقال (لن تنالوا) أي: تدركوا وتبلغوا البر الذي هو كل خير ، من أنواع الطاعات ، وأنواع المثوبات الموصل لصاحبه إلى الجنة، (حتى تنفقوا مما تحبون) أي: من أموالكم النفيسة التي تحبها نفوسكم

فإنكم إذا قدمتم محبة الله على محبة الأموال ، فبذلتموها في مرضاته، دل ذلك على إيمانكم الصادق ، وبر قلوبكم ، ويقين تقواكم

فيدخل في ذلك إنفاق نفائس الأموال ، والإنفاق في حال حاجة المنفق إلى ما أنفقه ، والإنفاق في حال الصحة .

ودلت الآية أن العبد بحسب إنفاقه للمحبوبات يكون بره ، وأنه ينقص من بره بحسب ما نقص من ذلك ، ولما كان الإنفاق ، على أي وجه كان

مثابا عليه العبد، سواء كان قليلا أو كثيرا، محبوبا للنفس أم لا ، وكان قوله (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) ، مما يوهم أن إنفاق غير هذا المقيَّد [ يعني : غير المحبوب للنفس ]

غير نافع، احترز تعالى عن هذا الوهم بقوله ( وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم ) فلا يضيق عليكم ، بل يثيبكم عليه على حسب نياتكم ونفعه "

انتهى من " تفسير السعدي " (ص 138) .

وهذه هي النفقة في سبيل الله ، فلا ينال العبد البر في الدنيا والآخرة حتى ينفق مما يحب في سبيل الله .

وفي المراد بهذه النفقة ثلاثة أقوال لأهل العلم :

أحدها: أنها الصدقة المفروضة ، قاله ابن عباس، والحسن، والضحاك.

والثاني: أنها جميع الصدقات ، قاله ابن عمر.

والثالث: أنها جميع النفقات التي يُبتغى بها وجه الله تعالى ، سواء كانت صدقة، أو لم تكن، نُقل عن الحسن، واختاره القاضي أبو يعلى .

انظر : "زاد المسير" (1/ 303) .

وقال القرطبي رحمه الله :

" قِيلَ: الْمَعْنَى حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ فِي سَبِيلِ الْخَيْرِ ، مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الطَّاعَاتِ، وَهَذَا جَامِعٌ "

انتهى من "تفسير القرطبي" (4/ 133) .

وعلى ذلك ؛ فمن أهدى إلى مسلم هدية ، يبتغي بها وجها من وجوه الخير ، كالتقرب إليه لمحبته في الله ، أو لكونه من ذوي رحمه ، فهو يحب أن يصله ، أو لكونه فقيرا

فهو يحب أن يعينه ، أو غير ذلك من وجوه البر المشروعة : فهي نفقة في سبيل الله ، وتدخل في معنى البر المذكور في قوله تعالى : ( لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ) .

وقد روى البخاري في "الأدب المفرد" (594) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (تَهَادوا تَحَابُّوا)، وحسنه الألباني في "الإرواء" (6/44) .

وروى أحمد (23252) عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْمَعْرُوفُ كُلُّهُ صَدَقَةٌ ) وصححه محققو المسند .

وقال ابن عبد البر رحمه الله :

" كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَنَدَبَ أُمَّتَهُ إِلَيْهَا، وَفِيهِ الْأُسْوَةُ الْحَسَنَةُ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَمِنْ فَضْلِ الْهَدِيَّةِ ، مَعَ اتِّبَاعِ السُّنَّةِ : أَنَّهَا تُورِثُ الْمَوَدَّةِ ، وَتُذْهِبُ الْعَدَاوَةَ " .

انتهى من "التمهيد" (21/ 18) .

وقال ابن قدامة رحمه الله :

" مَنْ أَعْطَى شَيْئًا ـ يَنْوِي بِهِ التقرب إلَى اللَّهِ تَعَالَى ـ لِلْمُحْتَاجِ، فَهُوَ صَدَقَةٌ.

وَمَنْ دَفَعَ إلَى إنْسَانٍ شَيْئًا لِلتَّقَرُّبِ إلَيْهِ، وَالْمَحَبَّةِ لَهُ، فَهُوَ هَدِيَّةٌ.

وَجَمِيعُ ذَلِكَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ، وَمَحْثُوثٌ عَلَيْهِ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: (تَهَادَوْا تَحَابُّوا) "

انتهى من "المغني" (6/ 41) .

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :

" يثاب الإنسان على الهدية ؛ لأنها إحسان، والله تعالى يحب المحسنين ، ولأنها سبب للألفة والمودة ، وكل ما كان سبباً للألفة والمودة بين المسلمين

فإنه مطلوب ، وقد تكون أحياناً أفضل من الصدقة ، وقد تكون الصدقة أفضل منها " .

انتهى من "فتاوى نور على الدرب" (16/ 2) بترقيم الشاملة .

*عبدالرحمن*
2019-01-08, 13:46
لطائف في آيتي المسارعة والمسابقة

السؤال

في قوله تعالى : ( وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ) سورة آل عمران/١٣٣

وقوله تعالى : ( سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ...) سورة الحديد/٢١

لماذا بالآية الأولى كلمة ( السماء ) كانت جمع ، وبالآيه الثانية كانت مفردة ، فمالحكمة من ذلك ؟

السؤال الثاني : قرأت بأن تفسير هذه الآيه أن الله جل وعلا أراد بذلك أوسع شيء رأيتموه أيها الناس ، حيث كانت العرب قديماً تستخدم نفس المصطلح كناية عن عظمة الشيء

. فهل يعني ذلك بأن العرب كانوا يقولون : (عرض السماوات والأرض) ؟

هل كانوا يعلمون أن هناك أكثر من سماء ؟

الجواب

الحمد لله

أولًا:

للعلماء قولان في تفسير الآية :

قول الجمهور : أن المراد هنا العرض الحقيقي ، وفي ضمنه تنبيه على الطول .

والقول الثاني أن المراد بيان سعة الجنة ، دون خصوص ذكر الطول والعرض ، وإنما جرى التعبير على عادة العرب في مثل ذلك .

ثانيًا:

قال الله تعالى ، في سورة آل عمران /133

قال سبحانه: (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ).

وقال في سورة الحديد/21 ، قال: (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) .

وقد ذكر بعض أهل العلم أن القصد في آية آل عمران : المبالغة، والمبالغة تقتضي الإيجاز، وقد وقع الإيجاز هنا بالحذف، فلم يُذكر فيها كعرض ، كما ذكر في الآية الأخرى .

ولما كان القصد المبالغة جاء اللفظ بالجمع (السماوات) .

وإنما قصد المبالغة في آية آل عمران دون آية الحديد، لأن سورة آل عمران في الحض على الجهاد وذكر عظيم فضله، بخلاف سورة الحديد .

انظر: "ملاك التأويل"(1/ 90 - 92).

وبعض أهل العلم ذكر أن " السماء" في آية "الحديد" ، يراد بها "الجنس" ، وهو صادق على "السموات" المجموعة في الآية الأخرى .

قال العلامة أحمد بن إسماعيل الكوراني :

" (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) إنما ذكر العرض؛ لأنه أقصر الامتدادين، فإذا كان حاله كذلك فما ظنك بالطول؟!

والمراد جنس السماء، لقوله: (عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ)"

انتهى من "غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني" للكوراني (97) .

وقال العلامة الأمين الشنقيطي رحمه الله :

"قوله تعالى: وجنة عرضها السماوات والأرض يعني: عرضها كعرض السماوات والأرض ، كما بينه قوله تعالى في سورة الحديد: ( سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض ) . [57 /21] .

وآية آل عمران هذه تبين أن المراد بالسماء في آية الحديد : جنسها ، الصادق بجميع السماوات ، كما هو ظاهر، والعلم عند الله تعالى "

انتهى من "أضواء البيان" (1/207) .

ثالثًا:

كانت العرب تعرف السماوات والأرض، ولعل هذا من بقايا دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ولذلك لم يرد أن اححدهم اعترض على ذكر السماوات والأرض في القرآن بالجمع، ومما ينسب لورقة بن نوفل قوله:

(وَمن عَرْشه فَوق السَّمَاوَات كلهَا ... وأقضاؤه فِي خلقه لَا تبدّل)، "خزانة الأدب"(3/ 396).

والله أعلم

*عبدالرحمن*
2019-01-08, 13:50
العلاقة بين يأجوج ومأجوج وبين بني إسرائيل

السؤال

هنالك من يروج أن القرية في قوله تعالى: (وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ) الأنبياء/95 ، إسرائيل لأنها القرية الوحيدة التي حرم على أهلها الرجوع

ولكن يستدل بالآية التي تليها أن أهل هذه القرية سيعودون حين يفتح سد باجوج وماجوح ، فيروج صاحب التأويل هذا أنه بما أن إسرائيل عادت فمن المحتم أن يأجوج ومأجوج قد خرجوا ،

وهو ما يخالف ظاهر الأحاديث الصحيحة ، وتفاسير الآية ، فما رأيكم بهذا التأويل؟

الجواب

الحمد لله

أولًا:

أما قوله تعالى: (وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ) الأنبياء/95 ، فلا يدل على ما ذهب إليه هذا المستدل من كون يأجوج ومأجوج هم بنو إسرائيل ، وذلك لأن معناها: أن من طبع الله على قلبه

وختم على سمعه ، وجعل على بصره غشاوة ، وكفر بالله ورسوله ، وصد عن آياته، فإن الله قد كتب عليه ألا يتوب، وكتب عليه أن لا يرجع إلى الإيمان .

قال مكي: " أي: وحرام على قرية أهلكهم الله بالطبع على قلوبهم ، والتمادي على الكفر، أن يرجعوا إلى الإيمان والتوبة. هذا معنى قول عكرمة وهو اختيار الطبري "

انتهى من "الهداية" (7/ 7813)، وانظر: "تفسير الطبري"(16/ 394).

وقيل معناها: يمتنع على القرى المهلكة المعذبة، الرجوع إلى الدنيا، ليستدركوا ما فرطوا فيه

فلا سبيل إلى الرجوع لمن أهلك وعذب، فليحذر المخاطبون، أن يستمروا على ما يوجب الإهلاك فيقع بهم، فلا يمكن رفعه، وليقلعوا وقت الإمكان والإدراك.

انظر: "تفسير ابن كثير"(5/ 372)، و"تفسير السعدي"(531).

قال ابن جزي: " واختلف في معنى الآية، فقيل حرام بمعنى ممتنع على قرية أراد الله إهلاكها أن يرجعوا إلى الله بالتوبة، أو ممتنع على قرية أهلكها الله ، أن يرجعوا إلى الدنيا، ...

وقيل: المعنى ممتنع على قرية أهلكها الله أنهم لا يرجعون إليه في الآخرة .." .

انتهى من "التسهيل"(2/ 29).

إذًا: فليس في هذه الآية الكريمة دليل على ما ذهب إليه هذا المستدل، ولا يوجد دليل يدل على الربط بين ظهور يأجوج ومأجوج، وبين رجوع بني إسرائيل .

بل إن الأدلة تدل على خلاف ذلك، فإن الأدلة تدل على أن يأجوج ومأجوج يخرجون في آخر الزمان وقت نزول المسيح عيسى عليه السلام ، وبنو إسرائيل ما زالوا معروفين منذ أزمان بعيدة ، وتاريخهم ظاهر مشهور .

ثانيًا:

لا شك أن يأجوج ومأجوج أمتان عظيمتان من بني آدم ، والناظر في قصة ذي القرنين مع هذه الأمة ، في سورة الكهف ، يعلم قطعا أنهما موجودتان

وأن السد الذي بني ليس سدّا معنويا ، أو خياليا ، بل هو سد حسي ، مبني من الحديد والنحاس المذاب .

والأصل أن تؤخذ هذه النصوص القرآنية على ظواهرها ، دون أن يتعرض لها بأيّ نوع من أنواع التحريف ، أو التأويل البعيد الذي يخرجها عن معناها المقصود .

وقد فصّل لنا القرآن طريقة البناء ، بل ومادته أيضا ؛ فلا يصح بعد ذلك إنه يقال أنه سد معنوي، أو وهمي ؛ قال الله تعالى في سورة الكهف في قصة الملك المسلم

والقائد العظيم ذي القرنين رحمه الله : ( حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا * قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا *

قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا * ءَاتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ ءَاتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا *

فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا * قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا ) الكهف/93-97

ومما يدل على أن هذه الأمة موجودة الآن ، بل وتحاول يوميًا الخروج على الناس :

ما جاء عند ابن ماجة بسند صحيح ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ

: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ يَحْفِرُونَ كُلَّ يَوْمٍ ، حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ الشَّمْسِ ، قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمْ : ارْجِعُوا فَسَنَحْفِرُهُ غَدًا . فَيُعِيدُهُ اللَّهُ أَشَدَّ مَا كَانَ .

حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ مُدَّتُهُمْ ، وَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَهُمْ عَلَى النَّاسِ : حَفَرُوا ، حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ الشَّمْسِ ، قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمْ ارْجِعُوا ، فَسَتَحْفِرُونَهُ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَاسْتَثْنَوْا ، فَيَعُودُونَ إِلَيْهِ وَهُوَ كَهَيْئَتِهِ حِينَ تَرَكُوهُ

فَيَحْفِرُونَهُ ، وَيَخْرُجُونَ عَلَى النَّاسِ ، فَيُنْشِفُونَ الْمَاءَ ، وَيَتَحَصَّنُ النَّاسُ مِنْهُمْ فِي حُصُونِهِمْ

فَيَرْمُونَ بِسِهَامِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ ، فَتَرْجِعُ عَلَيْهَا الدَّمُ الَّذِي اجْفَظَّ ( أي ترجع سهامهم وقد امتلأت دما ، فتنة لهم ) ؛ فَيَقُولُونَ قَهَرْنَا أَهْلَ الأرْضِ ، وَعَلَوْنَا أَهْلَ السَّمَاءِ !!

فَيَبْعَثُ اللَّهُ نَغَفًا ( أي دودا ) فِي أَقْفَائِهِمْ ، فَيَقْتُلُهُمْ بِهَا .

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ دَوَابَّ الأَرْضِ لَتَسْمَنُ وَتَشْكَرُ شَكَرًا ( أي تمتلىء شحما ) مِنْ لُحُومِهِمْ . "صحيح ابن ماجه" (3298).

وكذلك حديث أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ

أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهَا فَزِعًا ، يَقُولُ : ( لا إِلَهَ إِلاّ اللَّهُ وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدْ اقْتَرَبَ ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ ، وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا .

قَالَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ ؟

قَالَ نَعَمْ ؛ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ ) رواه البخاري (3097).

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-01-08, 13:56
و يمكن متابعة المزيد عن يأجوج ومأجوج في

أشراط الساعة (https://www.djelfa.info/vb/showthread.php?t=2135032)

........

تفسىر قوله تعالى: (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية)

السؤال

ما تفسير قوله تعالى : ( وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ )؟

الجواب

الحمد لله

يقول تعالى مخبرا عن أهوال يوم القيامة، وأول ذلك نفخة الفزع، ثم يعقبها نفخة الصعق ، حين يصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم بعدها نفخة القيام لرب العالمين والبعث والنشور.

ثم أخبر الله عن تبدل الأرض، وانشقاق السماء، وأخبر الله أن الملائكة تكون على أرجاء السماء، ثم قال: ( وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ ) أي: يوم القيامة يحمل العرش ثمانية من الملائكة.

يقول ابن تيمية: " وأما العرش : فالأخبار تدل على مباينته لغيره من المخلوقات، وأنه ليس نسبته إلى بعضها

كنسبة بعضها إلى بعض، قال الله تعالى: ( الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ ) غافر/7، وقال سبحانه: (وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ) الحاقة/17 .

فأخبر أن للعرش حملة اليوم ، ويوم القيامة، وأن حملته ، ومن حوله : يسبحون ويستغفرون للمؤمنين "انتهى من "الرسالة العرشية" (7) .

واختلف في المراد بقوله تعالى: ثمانية:

1- فقال بعض العلماء: عني به ثمانية صفوف من الملائكة، لا يعلم عدتهن إلا الله.

2- وقال بعضهم: بل عني به ثمانية أملاك .

انظر:"تفسير الطبري" (23/ 227 - 230).

قال شيخ الإسلام رحمه الله :

" وقوله وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ [الحاقة 17]

: يوجب أن لله عرشًا يحمل ، ويوجب أن ذلك العرش ليس هو الملك ، كما تقوله طائفة من الجهمية ، فإن الملك هو مجموع الخلق ، فهنا دلت الآية على أن لله ملائكة من جملة خلقه ، يحملون عرشه ، وآخرون يكونون حوله .

وعلى أنه يوم القيامة يحمله ثمانية ، إما ثمانية أملاك ، وإما ثمانية أصناف وصنوف .." .

انتهى من "بيان تلبيس الجهمية" (3/278) .

قال القاسمي رحمه الله ، بعد حكاية الخلاف في ذلك :

" ومثله، من الغيوب التي يؤمن بها، ولا يجب اكتناهها. "

انتهى من "محاسن التأويل" (9/310) .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-01-08, 14:01
منزلة تفسير الصحابة وهل هو بيان لمراد الله تعالى من كلامه؟

السؤال

هل تفاسير الصحابة والتابعين وعلماء التفسير عموما يمكن اعتبارها هي مراد الله تعالى من الآيات القرآنية أو هي على نحو قريب من مراد الله تعالى؟ وجزاكم الله خيرا..

الجواب

الحمد لله

إذا كان "التفسير" من كلام الصحابة ، ولم ينسبوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، -ولم يكن له حكم الرفع ولم يجمعوا عليه، كما سيأتي- فهو بيان لمراد الله تعالى بحسب ما ظهر لهم، أو لقائل ذلك منهم .

وهم ، رضوان الله عليهم : بشر ، ليسوا بأنبياء ولا معصومين ؛ وقد يصيبون ويخطئون

لكنهم لمعايشتهم لنزول الوحي، وبيان النبي صلى الله عليه وسلم لهم ما يحتاجون إليه، ومعرفتهم للغة العرب التي نزل بها القرآن، أتم المعرفة

ولرسوخهم في مقامات العلم والإيمان = فهم لذلك كله : أقرب الناس لمعرفة المراد من كلام الله تعالى، لا سيما من دعا له النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (وعلمه التأويل) وهو ابن عباس رضي الله عنه .

وقد أخذ عنه جماعة من التابعين، كمجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وغيرهم، وقال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه عند كل آية

وأسأله عنها. ولهذا قال سفيان الثوري رحمه الله: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به.

قال ابن كثير رحمه الله في مقدمة تفسيره (1/ 7): " والغرض : أنك تطلب تفسير القرآن منه، فإن لم تجده فمن السنة...

وحينئذ، إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة، رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلك، لما شاهدوا من القرائن والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح

والعمل الصالح، لا سيما علماؤهم وكبراؤهم، كالأئمة الأربعة والخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين، وعبد الله بن مسعود، رضي الله عنه.

قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير حدثنا أبو كريب، حدثنا جابر بن نوح، حدثنا الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، قال: قال عبد الله -يعني ابن مسعود

-: والذي لا إله غيره، ما نزلت آية من كتاب الله : إلا وأنا أعلم فيمن نزلت؟ وأين نزلت؟ ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا : لأتيته .

وقال الأعمش أيضا، عن أبي وائل، عن ابن مسعود قال: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن، والعمل بهن.

وقال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا أنهم كانوا يستقرئون من النبي صلى الله عليه وسلم، فكانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يخلفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل، فتعلمنا القرآن والعمل جميعا.

ومنهم الحبر البحر عبد الله بن عباس، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وترجمان القرآن وببركة دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم له حيث قال: (اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل) .

وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن مسلم قال قال عبد الله -يعني ابن مسعود-: نعم ترجمان القرآن ابن عباس .

ثم رواه عن يحيى بن داود، عن إسحاق الأزرق، عن سفيان، عن الأعمش، عن مسلم بن صبيح أبي الضحى، عن مسروق، عن ابن مسعود أنه قال: نعم الترجمان للقرآن ابن عباس .

ثم رواه عن بندار، عن جعفر بن عون، عن الأعمش به كذلك.

فهذا إسناد صحيح إلى ابن مسعود: أنه قال عن ابن عباس هذه العبارة.

وقد مات ابن مسعود، رضي الله عنه، في سنة اثنتين وثلاثين على الصحيح، وعمّر بعده ابن عباس ستا وثلاثين سنة، فما ظنك بما كسبه من العلوم بعد ابن مسعود؟

وقال الأعمش عن أبي وائل: استخلف عليٌّ عبدَ الله بن عباس على الموسم، فخطب الناس، فقرأ في خطبته سورة البقرة، وفي رواية: سورة النور، ففسرها تفسيرا لو سمعته الروم والترك والديلم لأسلموا".

ثم قال ابن كثير رحمه الله: " فصل: إذا لم تجد التفسير في القرآن، ولا في السنة ، ولا وجدته عن الصحابة : فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين، كمجاهد بن جبر ، فإنه كان آية في التفسير .

كما قال محمد بن إسحاق: حدثنا أبان بن صالح، عن مجاهد، قال: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات، من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه عند كل آية منه، وأسأله عنها.

وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا طلق بن غنام، عن عثمان المكي، عن ابن أبي مليكة قال: رأيت مجاهدا سأل ابن عباس عن تفسير القرآن، ومعه ألواحه، قال: فيقول له ابن عباس: اكتب، حتى سأله عن التفسير كله .

ولهذا كان سفيان الثوري يقول: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به .

وكسعيد بن جبير، وعكرمة مولى ابن عباس، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، ومسروق ابن الأجدع

وسعيد بن المسيب، وأبي العالية، والربيع بن أنس، وقتادة، والضحاك بن مزاحم، وغيرهم من التابعين وتابعيهم ومن بعدهم .

فتذكر أقوالهم في الآية ، فيقع في عباراتهم تباين في الألفاظ، يحسبها من لا علم عنده اختلافا، فيحكيها أقوالا ، وليس كذلك؛ فإن منهم من يعبر عن الشيء بلازمه ، أو بنظيره

ومنهم من ينص على الشيء بعينه، والكل بمعنى واحد في كثير من الأماكن، فليتفطن اللبيب لذلك، والله الهادي.

وقال شعبة بن الحجاج وغيره: أقوال التابعين في الفروع ليست حجة؟ فكيف تكون حجة في التفسير؟

يعني: أنها لا تكون حجة على غيرهم ممن خالفهم، وهذا صحيح، أما إذا أجمعوا على الشيء فلا يُرتاب في كونه حجة، فإن اختلفوا ،

فلا يكون بعضهم حجة على بعض، ولا على من بعدهم، ويُرجع في ذلك إلى لغة القرآن ، أو السنة ، أو عموم لغة العرب، أو أقوال الصحابة في ذلك" انتهى.

وقال ابن القيم رحمه الله في "إعلام الموقعين" (4/ 117):

" فإن قيل: فإذا كان هذا حكم أقوالهم في أحكام الحوادث، فما تقولون في أقوالهم في تفسير القرآن؟ هل هي حجة يجب المصير إليها؟

قيل: لا ريب أن أقوالهم في التفسير أصوب من أقوال من بعدهم .

وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن تفسيرهم في حكم المرفوع، قال أبو عبد الله الحاكم في مستدركه: وتفسير الصحابي عندنا في حكم المرفوع .

ومراده : أنه في حكمه ، في الاستدلال به والاحتجاج، لا أنه إذا قال الصحابي في الآية قولا ، فلنا أن نقول هذا القول قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

وله وجه آخر، وهو أن يكون في حكم المرفوع ؛ بمعنى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين لهم معاني القرآن وفسره لهم ، كما وصفه تعالى بقوله: لتبين للناس ما نزل إليهم [النحل: 44]

فبين لهم القرآن بيانا شافيا كافيا، وكان إذا أشكل على أحد منهم معنى سأله عنه ، فأوضحه له، كما سأله الصديق عن قوله تعالى من يعمل سوءا يجز به [النساء: 123]

فبين له المراد، وكما سأله الصحابة عن قوله تعالى: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم [الأنعام: 82]

فبين لهم معناها، وكما سألته أم سلمة عن قوله تعالى فسوف يحاسب حسابا يسيرا [الانشقاق: 8] فبين لها أنه العرض، وكما سأله عمر عن الكلالة، فأحاله على آية الصيف التي في آخر السورة .

وهذا كثير جدا . فإذا نقلوا لنا تفسير القرآن فتارة ينقلونه عنه بلفظه، وتارة بمعناه، فيكون ما فسروا بألفاظهم من باب الرواية بالمعنى، كما يروون عنه السنة تارة بلفظها، وتارة بمعناها

وهذا أحسن الوجهين، والله أعلم" انتهى.

والمقصود من هذا : بيان أن الصحابة هم أعلم الناس بتفسير القرآن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

*عبدالرحمن*
2019-01-08, 14:02
ثانيا:

أما حجية قول الصحابي في التفسير، ووجوب الأخذ بقوله فيه، ففي ذلك تفصيل .

قالت الباحثة سناء عبد الرحيم عبد الله حلواني في بحثها "حجية قول الصحابي في التفسير":

" حكم تفسير الصحابي :

المسألة فيها تفصيل:

أولاً : ما كان له حكم المرفوع ، لأنه لا مجال للرأي وإعمال العقل فيها ، بل لابد من النقل فيها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويشمل :

أسباب النزول: مثاله ما رواه جابر رضي الله عنه قال : كانت اليهود تقول : إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول ، فنزلت ( نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم) .

قال الحاكم بعد أن ساق الحديث : هذا الحديث وأشباهه مسندة عن آخرها ، وليست بموقوفة ، فإن الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل ، فأخبر عن آية من القرآن أنها نزلت في كذا وكذا ، فإنه حديث مسند .

الغيبيات: مثاله : ما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : الكرسي موضع القدمين ، والعرش لا يقدر أحد قدره .

قصص الآيات وأحوال الناس الذي نزل فيهم القرآن ، فإنها من المنقول الذي لا سبيل للاجتهاد والرأي فيه .

مثاله : قصة إبراهيم عليه السلام مع النمروذ بن كنعان

في قوله تعالى : (ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر) .

ثانياً : ماله حكم الإسرائيليات: فإنه ينظر في الروايات :

فما كان موافقاً لما في القرآن الكريم والسنة المطهرة ، فحكمه القبول .

وإن كان مخالفاً للقرآن والسنة فحكمه الرد والرفض ولا تجوز روايته إلا لبيان زيفه وبطلانه.

وإن لم يرد في القرآن ولا في السنة ما يؤيده أو يخالفه فحكمه التوقف فيه .

ثالثاً : الاجتهاد: إذا أجمع الصحابة على قول واحد في تفسير آية

فيكون قولهم حجة يجب قبوله. وإذا وقع بينهم خلاف في تفسير آية : فلا يكون قول أحدهم حجة على الآخر ؛ بل لابد من العمل بالمرجحات ، والأخذ بدليل صالح للترجيح "

وأما التابعون ومن بعدهم، فإن أجمعوا على التفسير، إجماعا صحيحا : فالحجة هي إجماعهم، كما تقدم في النقل عن ابن كثير، ويصح الجزم حينئذ بأن كلامهم بيان لمراد الله تعالى.

وإن اختلفوا لم يكن قول بعضهم حجة على بعض، ولزم طلب الدليل المرجح.

والله أعلم.

و اخيرا

الحمد لله الذي بفضلة تتم الصالحات

اخوة الاسلام

اكتفي بهذا القدر و لنا عوده
ان قدر الله لنا البقاء و اللقاء

و اسال الله ان يجمعني بكم دائما
علي خير

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين

ام ريم1
2019-01-08, 15:54
جزاك الله خير

*عبدالرحمن*
2019-01-10, 14:16
جزاك الله خير

الحمد لله الذي بفضلة تتم الصالحات

اسعدني حضورك الطيب مثلك
في انتظار مرورك العطر دائما

بارك الله فيكِ
و جزاكِ الله عنا كل خير

*عبدالرحمن*
2019-01-10, 14:26
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)
اخوة الاسلام

أحييكم بتحية الإسلام
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)


هل وضع عيسى عليه السلام على الصليب؟

السؤال

هناك مسألة ستفجر رأسي من التفكير ، وهي كلمة شبه لهم ، أولا قبل أي شئ أنا اعتقادي هو ما جاء في القرآن وليس شيئا آخر : (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ)

عندما جئت لكتب التفسير وجدت أن شبه لهم فسروها علي قول الرواة أنه هناك شبيه ، وعندما كنت أبحث في المسألة وجدت كتاب أحمد ديدات "صلب المسيح حقيقة أم افتراء"

ووجدت مناظراته ، وهنا بدأ الإشكال حيث في كتابه يثبت أن عيسي عليه السلام وضع بنفسه

وكل ما قاله سليم ومنطقي لكن يتعارض مع التفاسير ، فقلت : لعله يستخدم ذلك ضد النصارى ، لكن المشكلة أن الأقوال التي في الكتاب المقدس ليست مختلقة ، وخاصة في قصة صعود المسيح لتلاميذه الغرفة

وأثبت لهم أنه ليس روحا ، فكيف سيكذب التلاميذ في شئ رأوه بأنفسهم ؟

ومما زاد الإشكال في نفسي تعليق شيخ الأزهر السابق الشيخ شلتوت رحمه الله على آية ( وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) ، أريد أن أعرف الحقيقة لأن الروايتين تتوافقان مع القرآن

والقرآن لم يبين المراد بقوله (شبه لهم)، والمشكلة أن رواة الأحاديث أقوالهم متضاربة ، وليس منهم أحد من الحواريين تلاميذ المسيح عيسى عليه السلام ، والكلام المذكور في الإنجيل هو للحواريين أنفسهم

وأنا أميل أكثر للحديث ، لكن عقلي لا يقبل إلا الموجود في كتاب ديدات ، والذي يؤكد فيه صحته وأنه ليس يستخدمه ضدهم فقط ، بالإضافة لتعليق شيخ الأزهر السابق ، أرشدوني إلى الصواب .

الجواب

الحمد لله

أولا:

قال الله تعالى:( وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا ، بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ) النساء /157 - 158.

فالقرآن نص بوضوح على أن عيسى عليه السلام لم يقتل ولم يصلب، والذي حصل أنه شبه لهم، وإنما وقع الخلاف في صفة التشبيه.

قال الإمام الطبري رحمه الله تعالى:

" فقال: ( وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ )، يعني: وما قتلوا عيسى، وما صلبوه، ولكن شبه لهم.

واختلف أهل التأويل في صفة التشبيه الذي شبه لليهود في أمر عيسى ... " انتهى من "تفسير الطبري" (7 / 650).

وصفة التشبيه، معرفتها ليست بذات أهمية؛ لذا لم تفصّلها نصوص الوحي من القرآن والسنة.

وما يذكره المفسرون من أخبار في كيفية نجاة عيسى عليه السلام؛ فهذه الأخبار

: الظاهر من بعضها والمقطوع به في بعضها الآخر أنها مأخوذة عن أهل الكتاب من النصارى؛ لأن الوحي أذن في سماع أخبارهم التي لا تعارض ما جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ :

( كَانَ أَهْلُ الكِتَابِ يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ بِالعِبْرَانِيَّةِ، وَيُفَسِّرُونَهَا بِالعَرَبِيَّةِ لِأَهْلِ الإِسْلاَمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الكِتَابِ وَلا تُكَذِّبُوهُمْ، وَقُولُوا: ( آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا ) الآيَةَ ) رواه البخاري (4485).

وعن ابْنُ أَبِي نَمْلَةَ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ ، وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ، وَقُولُوا:

آمَنَّا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، فَإِنْ كَانَ بَاطِلًا لَمْ تُصَدِّقُوهُ، وَإِنْ كَانَ حَقًّا لَمْ تُكَذِّبُوهُ ) رواه أبوداود (3644)، وصححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (6 / 712).

وهذا خاص بما لم ينص الوحي على كذبه.

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى :

"وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أذن لأمته أن تحدث عن بني إسرائيل، ونهاهم عن تصديقهم وتكذيبهم، خوف أن يصدقوا بباطل، أو يكذبوا بحق.

ومن المعلوم أن ما يروى عن بني إسرائيل من الأخبار المعروفة بالإسرائيليات له ثلاث حالات؛ في واحدة منها يجب تصديقه، وهي ما إذا دل الكتاب أو السنة الثابتة على صدقه

وفي واحدة يجب تكذيبه، وهي ما إذا دل القرآن أو السنة أيضا على كذبه، وفي الثالثة لا يجوز التكذيب ولا التصديق، كما في الحديث المشار إليه آنفا: وهي ما إذا لم يثبت في كتاب ولا سنة صدقه ولا كذبه "

انتهى من "أضواء البيان" (4 / 238).

وأما ما يذكره النصارى من حصول الصلب لعيسى عليه السلام؛ فهذه أخبار لا شك في كذبها؛ لأنها معارضة لنص كلام الله تعالى، والله هو الذي قدّر هذه الحادثة وتفاصيلها فهو أعلم بها، ومن أصدق من الله حديثا.

قال ابن كثير رحمه الله تعالى:

" وقد أوضح الله الأمر وجلاه وبينه وأظهره في القرآن العظيم، الذي أنزله على رسوله الكريم، المؤيد بالمعجزات والبينات والدلائل الواضحات، فقال تعالى وهو أصدق القائلين، ورب العالمين

المطلع على السرائر والضمائر، الذي يعلم السر في السموات والأرض، العالم بما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون-: ( وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ )، أي: رأوا شبهه فظنوه إياه "

انتهى من "تفسير ابن كثير" (2 / 449).

وينضاف إلى كونها مخالفة لنص القرآن؛ أن كتبهم هذه قد لحقها التغيير والتبديل والتحريف، وهذا أمر متفق عليه.

فكيف نعارض القرآن الذي حفظه الله تعالى من التبديل والتغيير بكتب قد وقع الإتفاق وقامت الأدلة على أنه قد لحقها التحريف والتبديل؟!

وينضاف إلى أدلة ضعف خبر الصلب؛ أن الأناجيل نصت على أن كل أصحاب عيسى عليه السلام اختفوا، فلم يشهد عملية الصلب أحد منهم فكيف يثبتون أنه قد صلب حقيقة؟!

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

" قال تعالى: ( وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ).

وأضاف هذا القول إليهم -أي إلى اليهود- وذمهم عليه.

ولم يذكر النصارى؛ لأن الذين تولوا صلب المصلوب المشبه به هم اليهود، ولم يكن أحد من النصارى شاهدا هذا معهم، بل كان الحواريون خائفين غائبين، فلم يشهد أحد منهم الصلب،

وإنما شهده اليهود وهم الذين أخبروا الناس أنهم صلبوا المسيح، والذين نقلوا أن المسيح صلب من النصارى وغيرهم، إنما نقلوه عن أولئك اليهود وهم شُرَطٌ من أعوان الظلمة، لم يكونوا خلقا كثيرا يمتنع تواطؤهم على الكذب "

انتهى من " الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح" (4 / 33 - 34).

ومقالة النصارى في "صلب المسيح" عليه السلام : مقالة مضطربة غاية الاضطراب ، متعارضة، متناقضة في نفسها ، وهي باطلة بطلانا معلوما بالضرورة من دين الإسلام .

ويمكنك مراجعة ما كتبه الإمام الكبير أبو محمد ابن حزم ، رحمه الله حول هذه المسألة في كتابه "الفصل في الملل والأهواء والنحل"

وما كتبه العلامة رحمة الله الهندي في كتابه "إظهار الحق"، وما جاء في كتاب " مناظرة بين الإسلام والنصرانية" للدكتور محمد جميل غازي رحمه الله ، وآخرين معه .

*عبدالرحمن*
2019-01-10, 14:27
ثانيا:

الشيخ أحمد ديدات رحمه الله تعالى، لم يثبت الصلب لعيسى عليه السلام، بل هو ينص صراحة أن عقيدته في هذا الموضوع هو ما نص عليه القرآن في آية سورة النساء؛

حيث قال في خاتمة كتابه "مسألة صلب المسيح" (ص 182):

" ولا أتوقع أن يسألني أي شخص عن عقيدتي كمسلم فيما يتعلق بموضوع الصلب.

عقيدتي هي عقيدة القرآن كما وردت بدقة في الآية (157) من سورة النساء " انتهى.

وقال أيضا في الصفحة (12 - 14):

" ماذا نقول كمسلمين إزاء مثل هذا الإدعاء المسيحي؟

ليست هناك – في نظري- إجابة أكثر إقناعا من قوله تعالى:

( وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا ).

هل يمكن لأحد أن يكون أكثر وضوحا وأكثر تأكيدا وأكثر يقينا وأكثر رفضا للمساومة تجاه معتقد

من معتقدات الإيمان عن هذه الإجابة؟ الإجابة هي: مستحيل! إن الله هو وحده العليم القدير البصير مالك الملك. إنه الله سبحانه وتعالى.

ويؤمن المسلم أن هذه الإجابة الكاملة إنما هي من الله سبحانه وتعالى. ومن ثم لا يثير سؤالا ولا يتطلب دليلا. يقول المسلم: آمنا وصدقنا.

ولو كان المسيحيون قد قبلوا بالقرآن الكريم باعتبار أنه وحي الله لما ثارت مشكلة صلب المسيح " انتهى.

وما عرضه الشيخ أحمد ديدات من قصة الصلب من الأناجيل، الهدف منه ليس إثبات حدوث الصلب، فهو يعتقد عدم حدوثه، وإنما أراد الشيخ منه شيئا آخرا،

وهو التدليل على أن الأناجيل الموجودة الآن هي نفسها تثبت أن عيسى عليه السلام لم يمت على الصليب؛ ويرى أن بنفي موته تنتفي المسيحية كليا؛ حيث قال الشيخ رحمه الله تعالى:

" انتفاء الصلب نفي للمسيحية:

إن وفاة عيسى على الصليب هي عصب كل العقيدة المسيحية. إن كل النظريات المسيحية عن الله

وعن الخليقة ، وعن الخطيئة، وعن الموت، تستمد محورها من المسيح المصلوب، وكل النظريات المسيحية عن التاريخ، وعن الكنيسة، وعن الإيمان، وعن التطهر، وعن المستقبل، وعن الأمل إنما تنبع من "المسيح المصلوب" ...

ومجمل القول هو أن انتفاء الصلب انتفاء للمسيحية! وتلك هي تجربتنا نحن المسلمين الذين نعيش في خضم المسيحية في جنوب إفريقيا ... "

انتهى من "مسألة صلب المسيح" (10 – 11).

ويظهر بوضوح مقصد الشيخ من كتابه من ملخصه الذي أودعه في الفصل الثامن عشر.

ثالثا:

والشيخ محمود شلتوت رغم شذوذه ، وخرقه للإجماع الثابت ، والنص الواضح

في مسألة وفاة عيسى عليه السلام التي ضمنها في فتواه التي أشرت إليها، إلا أنه مقر أن عيسى عليه السلام لم يصلب أصلا؛ حيث قال في فتواه المذكورة:

" ... وأن مكرهم في اغتيال عيسى قد ضاع أمام مكر الله في حفظه وعصمته إذ قال: ( يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) .

فهو يبشره بإنجائه من مكرهم ، ورد كيدهم في نحورهم، وأنه سيستوفي أجله حتى يموت حتف أنفه ، من غير قتل ولا صلب، ثم يرفعه الله إليه "

انتهى من "مسألة صلب المسيح" (ص 202).

ويجب التنبه إلى أن هذه الفتوى للشيخ محمود شلتوت في مسألة موت عيسى عليه السلام

وعدم نزوله في آخر الزمان : هي فتوى باطلة ، قد تتابع أهل العلم على ردّها وإنكارها وبيان ضعفها؛ لأنها مخالفة لما جاء به القرآن والسنة.

وكلام أهل العلم من قديم ، واضح في ردها ، وبيان بطلانها ، والرد على أهل البدع المخالفين فيها.

قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى:

" وأهل السنة مصدقون بنزول عيسى في الآثار الثابتة بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ... "

انتهى من "الاستذكار" (26 / 236).

وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى:

" ونزول عيسى المسيح وقتله الدجال حق صحيح عند أهل السنة؛ لصحيح الآثار الواردة في ذلك؛ ولأنه لم يرد ما يبطله ويضعفه، خلافاً لبعض المعتزلة والجهمية، ومن رأى رأيهم من إنكار ذلك " .

انتهى من "إكمال المعلم" (8 / 492 - 493).

وقال ابن كثير رحمه الله تعالى بعد سياقه لنصوص الوحي الدالة على نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان:

" فهذه أحاديث متواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من رواية أبي هريرة، وابن مسعود، وعثمان بن أبي العاص، وأبي أمامة، والنواس بن سمعان

وعبد الله بن عمرو بن العاص، ومجمع بن جارية وأبي سريحة حذيفة بن أسيد، رضي الله عنهم.

وفيها دلالة على صفة نزوله ومكانه ...

فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويضع الجزية، فلا يقبل إلا الإسلام كما تقدم في الصحيحين، وهذا إخبار من النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وتقرير وتشريع وتسويغ له على ذلك في ذلك الزمان

حيث تنزاح عللهم، وترتفع شبههم من أنفسهم؛ ولهذا كلهم يدخلون في دين الإسلام متابعة لعيسى، عليه السلام، وعلى يديه، ولهذا قال تعالى: ( وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ).

وهذه الآية كقوله تعالى: ( وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ ) وقرئ: "عَلَم" بالتحريك، أي إشارة ودليل على اقتراب الساعة "

انتهى من"تفسير ابن كثير" (2 / 464 - 465).

وقال الشيخ المفسر محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى:

" والحق الذي لا شك فيه أن الأخبار متواترة عن الصادق المصدوق -صلوات الله وسلامه عليه- أن الله رفع عيسى إليه حيا، وأنه حي عند الله ، وأنه ينزل في هذه الأمة في آخر الزمان ...

والتحقيق أن القرآن دل على أنه حي، وأنه سينزل، وأن أهل الكتاب يؤمنون به؛

لأن الضمير في قوله: ( وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ) :

التحقيق أنه عيسى، والمعنى: أنهم يؤمنون بعيسى قبل موت عيسى بعد نزوله، هذا التفسير هو الصحيح، وسياق القرآن يدل عليه، والأحاديث المتواترة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - تدل عليه .

والدليل على أنه سياق القرآن: أن الله قال: ( وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا ، وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ ) أي: عيسى ( وَمَا صَلَبُوهُ )

أي: عيسى ( وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ) أي: عيسى ( وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا ) أي: عيسى ( بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ) أي: عيسى ( وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ ) أي: عيسى، لتكون الضمائر على نسق واحد "

انتهى من "العذب النمير" (2 / 396 - 397).

والله أعلم.

*عبدالرحمن*
2019-01-10, 14:30
تفسير قوله تعالى: ( إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم ) .

السؤال

سؤالي يتعلّق ببعض آيات القرآن الكريم، على سبيل المثال قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ۖ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) الأعراف/194

عندما قرأت تفسير ابن كثير لهذه الآية، إنّها تتكلم عن عبادة (الأصنام)، وآياتٌ مماثلةٌ أخرى ، فهذه الآيات قد تمّ تفسير هذه الآيات بعبادة الأصنام. لكن، الأصنام ليسوا عباداً للّه

هذه الأشياء قد تمّ إنشاؤها من قِبَلِ الإنسان ، في المعنى الظاهر، إنّها تعبّر بوضوحٍ ( عباد)؟ في آياتٍ أخرى قال الله: (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ ۚ...) يونس/28

فهل الأصنام عبادٌ للّه ؟

وهل سيبعثون في اليوم الآخر ويحاسبون؟ في رأيي المتواضع، هذه الآيات تتكلّم بوضوحٍ عن الذين جعلوا شركاء للّه ، عن طريق عبادة القبور، الأولياء، الأموات والأصنام، الاستغاثة بالنبي، مثل الصوفيين ، فهل بالإمكان التوضيح؟

الجواب

الحمد لله

المقصود بالعبودية هنا، أي: الملك، فالأصنام مملوكة لله تعالى، لأن الخلق كلهم ملك لله عز وجل، وهو المتصرف فيهم،

يقول الطبري: " يقول جل ثناؤه لهؤلاء المشركين من عبدة الأوثان

موبخهم على عبادتهم ما لا يضرهم ولا ينفعهم من الأصنام: إن الذين تدعون أيها المشركون آلهة من دون الله ، وتعبدونها ، شركا منكم وكفرا بالله، عباد أمثالكم [الأعراف: 194] يقول:

هم أملاك لربكم، كما أنتم له مماليك ، فإن كنتم صادقين أنها تضر وتنفع وأنها تستوجب منكم العبادة لنفعها إياكم ، فليستجيبوا لدعائكم إذا دعوتموهم

فإن لم يستجيبوا لكم لأنها لا تسمع دعاءكم، فأيقنوا بأنها لا تنفع ولا تضر؛ لأن الضر والنفع إنما يكونان ممن إذا سئل سمع مسألة سائل وأعطى وأفضل

ومن إذا شكي إليه من شيء سمع فضر من استحق العقوبة ونفع من لا يستوجب الضر"

"تفسير الطبري" (10/ 635)

و"التفسير البسيط" (3/ 315).

وقال أبو حيان في ذكر أوجه أخرى: " وسمى الأصنام عبادًا وإن كانت جمادات:

1- لأنهم كانوا يعتقدون فيها أنها تضر وتنفع، فاقتضى ذلك أن تكون عاقلة وأمثالكم.

2- قال الحسن: في كونها مملوكة لله .

3- وقال التبريزي: في كونها مخلوقة .

4- وَقَالَ مُقَاتِلٌ: الْمُرَادُ طَائِفَةٌ مِنَ الْعَرَبِ مِنْ خُزَاعَةَ كَانَتْ تَعْبُدُ الْمَلَائِكَةَ فَأَعْلَمَهُمْ تَعَالَى أَنَّهُمْ عِبَادٌ أَمْثَالُهُمْ لَا آلِهَةٌ " "البحر المحيط" (5/ 249).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " وقد يطلق لفظ العبد على المخلوقات كلها، كقوله: إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم " انتهى من "مجموع الفتاوى" (1/44) .

وقال العلامة الشنقيطي رحمه الله :

" إنما أطلق على الأصنام اسم العباد وعبّر عنها بضمائر العقلاء؛ لأن الكفار يصفونها بصفات من هو خير من مطلق العقلاء، أنها معبودات، وأنها تشفع وتقرِّبُ إلى اللهِ زُلْفَى

فبهذا الاعتبار أجرى عليها ضمائر العقلاء، وعبّر عنها بالعباد. ووجه مماثلتهم هنا: أن الكفار العابدين، والأصنام المعبودات كلهم مخلوقات لله لا تقدر أن تجلب لنفسها نفعًا ولا أن تدفع عنها ضرًّا.

فهم من قبيل تَسْخِيرِ الله لهم، وخلقه للجميع ، وقدرته على الجميع ، بهذا الاعتبار هم سواء ؛ ولذا قال:

عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ بهذا الاعتبار، وفي الآية التي بعدها سيبيّن انحطاط درجة المعبودين عن العابدين، كما سيأتي إيضاحه قريبًا إن شاء الله. "

انتهى من "العذب النمير" (4/425) .

وينظر أيضا : "تفسير ابن كثير"(3/ 529).

وقال العلامة ابن عاشور ، رحمه الله ، في تقرير وجه الإنكار عليهم ، وتوجيه إطلاق "عباد" ، على "أصنامهم" :

" .. المراد بـ : ( الذين تدعون من دون الله ) : الأصنام .

فتعريفها بالموصول : لتنبيه المخاطَبين على خطأ رأيهم ، في دعائهم إياها من دون الله، في حين هي ليست أهلا لذلك !! ...

و (العبد) أصله المملوك، ضد الحر، كما في قوله تعالى: ( الحر بالحر والعبد بالعبد ) [البقرة: 178] .

وقد أطلق في اللسان على المخلوق ، كما في قوله تعالى: ( إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا ) [مريم: 93] ...

والمشهور أنه لا يطلق إلا على المخلوقات من الآدميين ؛ فيكون إطلاق العباد على الأصنام ، كإطلاق ضمير جمع العقلاء عليها ؛ بناء على الشائع في استعمال العرب يومئذ من الإطلاق .

وجعله صاحب الكشاف : إطلاق تهكم واستهزاء بالمشركين ؛ يعني : أن قصارى أمرهم أن يكونوا أحياء عقلاء ؛ فلو بلغوا تلك الحالة ، لما كانوا إلا مخلوقين مثلكم !!

قال : ولذلك أبطل أن يكونوا عبادا بقوله : ( ألهم أرجل ) [الأعراف: 195] إلى آخره.

والأحسن عندي أن يكون إطلاق العباد عليهم : مجازا ؛ بعلاقة : الإطلاق عن التقييد .

روعي في حُسنه المشاكلة التقديرية ؛ لأنه لما ماثلهم بالمخاطبين ، في المخلوقية ، وكان المخاطبون عبادا لله ؛ أطلق العباد على مماثليهم ، مشاكلة.

وفرع على المماثلة : أمر التعجيز ، بقوله : ( فادعوهم ) ؛ فإنه مستعمل في التعجيز ، باعتبار ما تفرع عليه من قوله : ( فليستجيبوا لكم ) ، المضمَّن : إجابة الأصنام إياهم .

لأن نفس الدعاء : ممكن ؛ ولكن استجابته لهم : ليست ممكنة .

فإذا دعوهم ، فلم يستجيبوا لهم : تبين عجز الآلهة عن الاستجابة لهم، وعجز المشركين عن تحصيلها ، مع حرصهم على تحصيلها لإنهاض حجتهم .

فآل ظهور عجز الأصنام عن الاستجابة لعبادها ، إلى إثبات عجز المشركين عن نهوض حجتهم ؛ لتلازم العجزين، قال تعالى: ( إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ) . [فاطر: 14] ..."

انتهى ، مختصرا من "التحرير والتنوير" (9/220-221) .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-01-10, 14:34
تفسير (الجسد) في قوله تعالى: ( ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب )

السؤال

قال تعالى : (لَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ ) ص/34 ، آمل منكم توضيح هذه الآية ؛ لأن التفاسير كثيرة لهذة الآية ، ولا تتفقق مع العقل .

الجواب

الحمد لله

أولًا:

الجسد في هذه الآية ، على قول المتقدمين من المفسرين : (شيطان) .

قال الطبري رحمه الله : " يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ( وَلَقَدِ ابْتَلَيْنَا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ) : شَيْطَانًا ، مُتَمَثِّلًا بِإِنْسَانٍ ... وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ "

انتهى من "تفسير الطبري" (20/87) .

وممن ورد عنه هذا حمل الجسد على الشيطان : ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة والسدي وغيرهم.

انظر: "تفسير الطبري" (21/ 196- 199 )، و"تفسير ابن أبي حاتم" (10/ 3241 - 3243 ).

يقول الدكتور مساعد الطيار: " فالجسد - كما ورد عن مفسري السلف - هو الشيطان الذي تسلط على ملك سليمان عليه السلام، وهذا القدر من القصة له ما يشهد له من جهة وقوعه كوناً

فأيوب عليه السلام يقول: أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ [ص: 41] فقد مسَّه الشيطان وتسلط عليه

والرسول صلّى الله عليه وسلّم سُحر، والسِّحرُ من الشيطان، وهذا فيه تسلط، لكنه تسلطٌ في أمور مادية دنيوية، وليس تسليطاً على الجانب النبوي...

ويجوز أن نذكر هذا القدر من هذه الرواية من باب الاحتمال، وليس من باب الثبوت ، ولا يخالف هذا عصمة سليمان عليه السلام.

وما عدا ذلك مما في القصة من التفاصيل فإنه لا يمكن إثباتها إلا بحجة من الشارع .

وبهذا نفرق بين إثبات أصل القصة ، وإثبات تفاصيلها؛ كمُدَّةِ هذا التسلُّط ومقداره، فهذا لا يمكن أن يُثبت من الرواية الإسرائيلية الموجودة إطلاقاً، لذا يدخل فيما لا يصدق ولا يكذب.

أما إذا كان مما يُتفَق عليه : أنه يخالف ما عُرف من حال الأنبياء ، كما يذكر في الرواية هذه أن الشيطان تسلَّط على نساء سليمان بنكاحهنَّ ؛ فهذا مما يُعلم بطلانه؛ لمخالفته لحال الأنبياء، وهذا مما وقع الإجماع على إنكاره.

ونحن نحتاج إلى التعامل مع القصص بطريقة علمية لا عاطفية "

انتهى من " شرح مقدمة ابن جزي" (121).

ثانيًا:

قد يرد في بعض الروايات الإسرائيلية ما يتفق الجميع على أنه قادح في الرواية، وأنه كذب بلا ريب، وفي مثل هذه الحال يعترض المفسر على مثل هذه الرواية،

وإن كان الناقل لها من السلف لم يتعرض لذلك، إما مكتفيًا بوضوح نكارتها، وإما متأوِّلًا لجواز التحديث بمثل هذا، إذ مثل هذه الجزئية التي فيها خلل لا تقدح في أصل القصة عنده.

ولذلك قال الإمام ابن كثير في تفسير الآيات، وهي قوله تعالى: ( ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب) :

" يقول تعالى: ولقد فتنا سليمان أي: اختبرناه ، بأن سلبناه الملك مرة، وألقينا على كرسيه جسدا قال ابن عباس، ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وغيرهم: يعني شيطانًا.

ثم أناب أي: رجع إلى ملكه وسلطانه وأبهته " .

فأثبت أصل القصة، والتي ترفع الإبهام عن الآية، وأقرها .

ثم أنكر التفاصيل التي تقدح في سليمان عليه السلام، فقال: بعد ذكره لقصص الآية، وذكر أشدها نكارة:

" إسناده إلى ابن عباس قوي ، ولكن الظاهر أنه إنما تلقاه ابن عباس - إن صح عنه - من أهل الكتاب، وفيهم طائفة لا يعتقدون نبوة سليمان عليه السلام

فالظاهر أنهم يكذبون عليه ، ولهذا كان في السياق منكرات ، من أشدها ذكر النساء ؛ فإن المشهور أن ذلك الجني لم يسلط على نساء سليمان بل عصمهن الله منه ، تشريفا وتكريما لنبيه صلى الله عليه وسلم .

وقد رويت هذه القصة مطولة عن جماعة من السلف، كسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم وجماعة آخرين ، وكلها متلقاة من قصص أهل الكتاب . والله أعلم بالصواب " انتهى من "تفسير ابن كثير" (7/ 69).

فقد تبين أن مراد من ذكر القصة من السلف : العناية بأصلها ، لا التسليم بكل تفاصيلها .

وبعض السلف يكتفون بظهور نكارتها ، أو يترخصون بالتحديث عن أهل الكتاب في مثل ذلك .

ثالثا :

قد تبين أن هذه الإسرائيليات : ليس منها شيء تقوم به الحجة في دين الله ، وإنما قصاراها أن يُحدث بها ، على ما سبق ذكره .

ولذلك : من أهل العلم من لم يفسر الآية بها أصلا ، ولم يرها حجة في المقام ، بل أعرض عنها لنكارتها ، أو غرابة ما فيها من القصص والروايات .

واختار غير واحد من أهل العلم : أن المراد بـ"الجسد" هنا : الغلام الذي ولد لسليمان عليه السلام ، غير كامل ، لما نسي أن يقول : " إن شاء الله " .

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: ( قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ: لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ بِمِائَةِ امْرَأَةٍ، تَلِدُ كُلُّ امْرَأَةٍ غُلاَمًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ المَلَكُ: قُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَمْ يَقُلْ وَنَسِيَ

فَأَطَافَ بِهِنَّ، وَلَمْ تَلِدْ مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَةٌ نِصْفَ إِنْسَانٍ " قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ، وَكَانَ أَرْجَى لِحَاجَتِهِ ) رواه البخاري (5242) ، ومسلم (1654) .

قال الإمام أبو حيان رحمه الله :

" نَقَلَ الْمُفَسِّرُونَ فِي هَذِهِ الْفِتْنَةِ وَإِلْقَاءِ الْجَسَدِ أَقْوَالًا يَجِبُ بَرَاءَةُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْهَا، يُوقَفُ عَلَيْهَا فِي كُتُبِهِمْ، وَهِيَ مِمَّا لا يحل نقلها، وهِيَ مِنْ أَوْضَاعِ الْيَهُودِ وَالزَّنَادِقَةِ .

وَلَمْ يُبَيِّنِ اللَّهُ الْفِتْنَةَ مَا هِيَ، وَلَا الْجَسَدَ الَّذِي أَلْقَاهُ عَلَى كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ.

وَأَقْرَبُ مَا قِيلَ فِيهِ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفِتْنَةِ كَوْنُهُ لَمْ يَسْتَثْنِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَالَ: «لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى سَبْعِينَ امْرَأَةٍ .. " انتهى من "البحر المحيط" (9/155) .

وقال العلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله :

" فإذا علمت هذا فاعلم أن هذا الحديث الصحيح بين معنى قوله تعالى: ( ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ) ، الآية .

وأن فتنة سليمان كانت بسبب تركه قوله إن شاء الله .

وأنه لم يلد من تلك النساء إلا واحدة نصف إنسان .

وأن ذلك الجسد ، الذي هو نصف إنسان : هو الذي ألقي على كرسيه بعد موته ، في قوله تعالى: وألقينا على كرسيه جسدا الآية .

فما يذكره المفسرون في تفسير قوله تعالى: ( ولقد فتنا سليمان ) الآية، من قصة الشيطان الذي أخذ الخاتم

وجلس على كرسي سليمان، وطرد سليمان عن ملكه ؛ حتى وجد الخاتم في بطن السمكة التي أعطاها له من كان يعمل عنده بأجر ، مطرودا عن ملكه ، إلى آخر القصة لا يخفى أنه باطل لا أصل له، وأنه لا يليق بمقام النبوة.

فهي من الإسرائيليات التي لا يخفى أنها باطلة.

والظاهر في معنى الآية هو ما ذكرنا، وقد دلت السنة الصحيحة عليه في الجلة ، واختاره بعض المحققين، والعلم عند الله تعالى."

انتهى من "أضواء البيان" (3/254) .

وقال العلامة ابن عاشور ، رحمه الله ، عن هذا القول : إنه " أظهر أقوالهم .. "

كما في "التحرير والتنوير" (23/260) ، واستظهره أيضا قبله ، الإمام البيضاوي في "تفسيره" (5/46) ، والعلامة أبو السعود في "تفسيره" (7/226) ، وغيرهم .

وفي "التفسير الوسيط" ، لعلماء الأزهر (8/500) : أن هذا القول : " خير ما ورد في تفسير هذه القصة .. " انتهى .

وأما الإمام أبو محمد ابن حزم ، رحمه الله ، فقد رد الروايات الإسرائيلية جميعها ، واقتصر على بيان معنى "الفتنة" ، وأنها : اختبار الله لنبيه سليمان عليه السلام

بما اختبره ، وابتلاه به ، دون أن يقطع في "ماهية" هذه الفتنة ، وما وقع به الاختبار بشيء ؛ إذ لم يصح بتعيينه خبر تقوم به الحجة ، أو يجب التسليم به :

" فتْنَة الله تَعَالَى لِسُلَيْمَان : إِنَّمَا هِيَ اختباره ، حَتَّى ظهر فَضله ؛ فَقَط !!

وَمَا عدا هَذَا : فخرافات ، وَلَدهَا زنادقة الْيَهُود ، وأشباههم .

وَأما الْجَسَد الْملقى على كرسيه : فقد أصَاب الله تَعَالَى بِهِ مَا أَرَادَ !!

نؤمن بِهَذَا كَمَا هُوَ ، ونقول : صدق الله عز وَجل ؛ كل من عِنْد الله رَبنَا .

وَلَو جَاءَ نَص صَحِيح فِي الْقُرْآن ، أَو عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ، بتفسير هَذَا الْجَسَد : مَا هُوَ ؛ لقلنا بِهِ .

فَإِذ لم يَأْتِ بتفسيره ، مَا هُوَ ، نَص ، وَلَا خبر صَحِيح ؛ فَلَا يحل لأحد القَوْل بِالظَّنِّ ، الَّذِي هُوَ أكذب الحَدِيث فِي ذَلِك ، فَيكون كَاذِبًا على الله عز وَجل .

إِلَّا أننا لَا نشك الْبَتَّةَ فِي بطلَان قَول من قَالَ : إنه كَانَ جنيا ، تصور بصورته !!

بل نقطع على أَنه كذب ، وَالله تَعَالَى لَا يهتك ستر رَسُوله صلى الله عليه وسلم هَذَا الهتك .

وَكَذَلِكَ نبعد قَول من قَالَ : إنه كَانَ ولدا لَهُ ، أرْسلهُ إِلَى السَّحَاب ليربيه !!

فسليمان عَلَيْهِ السَّلَام : كَانَ أعلم من أَن يُربي ابْنه ، بِغَيْر مَا طبع الله عز وَجل بِنية الْبشر عَلَيْهِ، من اللَّبن وَالطَّعَام .

وَهَذِه كلهَا خرافات مَوْضُوعَة مكذوبة ؛ لم يَصح اسنادها قطّ !! "

انتهى من "الفصل في الملل والنحل" (4/15) .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-01-10, 14:37
تفسير قوله تعالى: ( ألم يجدك يتيمًا فآوى )

السؤال

عندى سؤال بخصوص قول الله تعالى : ( أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ) ، أرجو منكم المعذرة لجهلى ، فأنا لست فقيها فى اللغة العربية ، ولكن يحيرنى قليلا مصطلح ( يجدك )

بناء عن فهمى لمعنى الكلمة ، من وجد الشئ على حال معين ليس هو من سبب هذا الحال

فكلمة يجدك فيها من التفاجؤ بالشئ ، مثال ( حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا ) وجد القوم فى فهمى معناها أنه لم يكن يعلم من قبل بوجودهم فى هذا المكان فهو تفاجئ بالعثور عليهم

لكن الله سبحانه وتعالى هو من خلق الرسول صلى الله عليه وسلم يتيما ، وكان على علم بحاله ، فكيف يفسر لفظ ( وجدك) فى هذه الحالة ؟

الجواب

الحمد لله

لا شك أن الأمر ، على ما ذكرت : أننا نحتاج إلى معرفة لغات العرب ومعانيها ، وأساليبها في بيانها ، ومعاني مفرداتها، وهذا من أعظم الأسباب المعينة على تدبر كتاب الله ، ومعرفة معانيه.

وبعد ، فإن الفعل (وجد) يأتي في القرآن على معان، يجمعها: تحصل شيء ذي بال ، في حوزة كانت خالية منه .

1- فقد يأتي بمعنى تحصل الشيء دون معرفة مسبقة، وهو ما وصفته (بالمفاجأة)، ومنه في القرآن: (قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ) [يوسف: 75] ، (وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا) [آل عمران: 37]

(فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا) [الكهف: 65] ، (فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) [النساء: 89] وفي كل هذه (وجد) فعل تام معناه إصابة ذات الشيء أي العثور عليه في الحيز.

2- وفي آيات أخرى تكون بمعنى العلم (وجود الشيء على صفَةٍ ، أو حال

أي العلم بوجودها فيه) ؛ مثل قوله تعالى : (ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ) [النساء: 65] ، وقوله سبحانه : (قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا) [الكهف: 69]. وكثير غيرهما يتيسر تمييزها من الأولى.

انظر: المعجم الاشتقاقي المؤصل، د. جبل: (1/ 286).

وهذا المعنى – أي العلم – هو المراد في عامة ما ينسب إلى الله تعالى ، في مثل هذه السياقات.

قال الراغب الأصفهاني رحمه الله : " وما يُنسب إلى الله تعالى ، من الوجود : فبمعنى العلم المجرد .." ا

نتهى، من "المفردات" (512) .

ثانيًا:

الفعل (وجد) في الآية المذكورة من سورة الضحى : هو من الوجود الذي بمعنى العلم .

والمعنى: ألم تكن يتيما

وانظر: الكشاف، للزمخشري: (4/ 767)

وتفسير الرازي: (31/ 196).

قال ابن جزي رحمه الله:

" ووجد في هذه المواضع تتعدى إلى مفعولين، وهي بمعنى علم "

التسهيل: (2/ 490).

والحكمة من ذلك التذكير : تعداد نعم الله على نبيه ، وتقوية قلبه بصنع الله له ، ولطفه به ، وحياطته له ، وأنه ناصره ، ومعينه ، ومعليه ومظهره على أعدائه ، وكابت عدوه ، ومخزيهم ، وتلك عادته فيه ، وفيهم .

قال ابن كثير رحمه الله :

" ثم قال تعالى يعدد نعمه عل عبده ورسوله محمد، صلوات الله وسلامه عليه: (ألم يجدك يتيما فآوى) :

وذلك أن أباه توفي وهو حمل في بطن أمه، وقيل: بعد أن ولد، عليه السلام، ثم توفيت أمه آمنة بنت وهب وله من العمر ست سنين. ثم كان في كفالة جده عبد المطلب

إلى أن توفي وله من العمر ثمان سنين، فكفله عمه أبو طالب. ثم لم يزل يحوطه وينصره ويرفع من قدره ويوقره، ويكف عنه أذى قومه بعد أن ابتعثه الله على رأس أربعين سنة من عمره، هذا

وأبو طالب على دين قومه من عبادة الأوثان، وكل ذلك بقدر الله وحسن تدبيره، إلى أن توفي أبو طالب قبل الهجرة بقليل، فأقدم عليه سفهاء

قريش وجهالهم، فاختار الله له الهجرة من بين أظهرهم إلى بلد الأنصار من الأوس والخزرج

كما أجرى الله سنته على الوجه الأتم والأكمل. فلما وصل إليهم آووه ونصروه وحاطوه وقاتلوا بين يديه، رضي الله عنهم أجمعين، وكل هذا من حفظ الله له وكلاءته وعنايته به "

التفسير: (8/ 426).

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-01-10, 14:40
تفسير قوله تعالى: (تكاد السماوات يتفطرن منه، وتنشق الأرض)، وسبب تنويع الفعل

السؤال

يقول الله عز وجل في سوره مريم ( تكاد السموات يتفطرن منه ) فما تفسير هذه الآية ؟

وهل معناها أن السماء صلبة ؟

ولماذا استخدم الله عز وجل تتفطر مع السماء وتنشق مع الأرض ؟

الجواب

الحمد لله

أولًا:

معنى قوله تعالى : (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا) يقول تعالى ذكره :

وقال هؤلاء الكافرون بالله (اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا) مريم/88- 89 يقول تعالى ذكره للقائلين ذلك من خلقه: لقد جئتم أيها الناس شيئا عظيما من القول منكرا.

وقوله: ( تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا *

أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا ) أي: يكاد يكون ذلك عند سماعهن هذه المقالة من فجرة بني آدم، إعظاما للرب وإجلالا؛

لأنهن مخلوقات ومؤسسات على توحيده، وأنه لا إله إلا هو، وأنه لا شريك له، ولا نظير له ولا ولد له، ولا صاحبة له، ولا كفء له، بل هو الأحد الصمد ، لم يلد ولم يولد .

انظر: "تفسير الطبري" (15/ 635)، و"تفسير ابن كثير"(5/ 266).

يقول الشيخ السعدي:

" وهذا تقبيح وتشنيع لقول المعاندين الجاحدين، الذين زعموا أن الرحمن اتخذ ولدا، كقول النصارى: المسيح ابن الله، واليهود: عزير ابن الله، والمشركين: الملائكة بنات الله، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا.

( لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا ) أي: عظيما وخيما.

من عظيم أمره أنه (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ) على عظمتها وصلابتها ( يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ ) أي: من هذا القول ( وَتَنْشَقُّ الأرْضُ ) منه، أي: تتصدع وتنفطر ( وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا ) أي: تندك الجبال "

انتهى من "تفسير السعدي" (501).

ثانيًا:

أما تنويع استخدام الفعل مع السماء والأرض:

1- ذهب أكثر العلماء أن الانفطار والانشقاق بمعنى واحد، وأنهما ذُكرا هنا على سبيل التنويع، يقول ابن عاشور: " والتفطر: الانشقاق .

والجمع بينه وبين وتنشق الأرض : تفنن في استعمال المترادف ، لدفع ثقل تكرير اللفظ "

انتهى من "التحرير والتنوير"(16/ 170).

2- وقيل: أن الانفطار هنا بمعنى: السقوط، والانشقاق بمعنى: الخسف .

انظر: "البحر المحيط" (7/ 301) .

وقد يرجع هذا المعنى إلى الأول من وجه .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-01-10, 14:43
رجل قال في دعائه ربنا يرزقني وأعطي الفقراء، فتصدق وقصّر في زكاته

السؤال

لقد كنت قد دعوت الله منذ فترة طويلة ، وقلت : ربنا يرزقني وأعطي الفقراء ، وقد نسيت هذا الدعاء ، ورزقني الله من فضله إلا إننى لم ألتزم بنصاب الزكاة كاملا ؛ لأننى كنت أجمع هذه الأموال من لأجل شراء شقة

مع العلم إننى لم أرد سائلا ، ولم أتأخر عن مساعدة محتاج ، أو المساهمة فى تعمير المساجد بالصدقات ، ومؤخرا بدأت أتحرى النسب الدقيقة للزكاة وإخراجها مع ما فاتنى من زكاة لم أؤديها

ومنذ يومين قرأت تفسير آيات سورة التوبة ، بِسْم الله الرحمن الرحيم ( ومنهم من عاهد الله لئن أتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين ، فأعقبهم نفاقا فى قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون )

وعند قراءتي لأسباب نزول هذه الآيات وتفسيرها وجدت أن النبى رفض بعد ذلك قبول صدقاتهم بأمر من الله عقابا على عدم الإلتزام بعهدهم مع الله .

فهل بذلك أكون من هؤلاء المنافقين الذين ليس لهم توبة مثلما جاء فى الآيات ، خصوصا أن الله لم يعطهم فرصة للتوبة كما وضح من الآيات ؟ أرجو الرد سريعا ؛ لأننى منذ قراءة الآيات وأنا فى حالة سيئة جدا .

الجواب

الحمد لله

أولا:

قال الله تعالى:

( وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ

فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ، فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ) التوبة (75 - 77).

فهذه الآيات دلت على أمرين:

الأمر الأول: أن إخلاف العهد صفة لأهل النفاق.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( آيَةُ المُنَافِقِ ثَلاَثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ ) رواه البخاري (33) ومسلم (59).

الأمر الثاني: أن إخلاف العهد قد يعاقب الله عليه بأن يورث في قلب هذا المخلف نفاقا في قلبه يموت عليه.

وليس في هذه الآيات ما ينفي قبول توبة التائب من إخلاف الوعد، فإخلاف الوعد ذنب من الذنوب، إذا تاب منه صاحبه تاب الله عليه.

قال الله تعالى:

( قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ، وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ

وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ) الزمر (53 - 55).

فالتوبة الصادقة تزيل حتى ذنب الشرك.

قال الله تعالى:

( وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا

يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ، إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ، وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ) الفرقان (68 – 71).

والمنافق نفسه الذي من طبعه إخلاف الوعود والكذب في الحديث ، إذا تاب ، فإن الله تعالى أخبر أنه يقبل توبته.

قال الله تعالى:

( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ) النساء (145 - 146).

وما ذكر في أسباب نزول الآيات السابقة أن صحابيا عاهد الله على الصدقة ، ثم أخلف ، ثم جاء تائبا فلم تقبل توبته : فهذا حديث باطل قد تتابع أهل العلم المحققون على بيان ضعفه وبطلانه.

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى:

" يقول: إنها نزلت في ثعلبة بن حاطب في قصة طويلة، وأنه جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام يريد التوبة، ولكنه لم يحصل له ذلك، والقصة مذكورة في التفسير، ولكنها لا صحة لها في ثعلبة بن حاطب

وهذه قصة غير صحيحة، وذلك لأن الرجل مهما أذنب من الذنوب إذا تاب ورجع إلى الله فإن الله يقبل منه، فهذه القصة مخالفة لما علم من الضرورة، وهو قبول توبة الله تعالى من التائبين "

انتهى. "شرح أصول في التفسير" (ص 83).

وينظر جواب السؤال القادم

فالحاصل؛ أن المسلم إذا وقع منه ذنب فعليه أن يسارع إلى التوبة فإن الله يتوب على من تاب، ولا يجوز للمسلم أن ييأس، فإنه بذلك يهرب من ذنب إلى ذنب أعظم منه ، لأن اليأس من رحمة الله تعالى ذنب عظيم.

قال الله تعالى:

( إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ) يوسف (87).

وقال الله تعالى:

( وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ ) الحجر (56).

ثانيا:

دعاؤك بأن قلت: ربنا يرزقني وأعطى الفقراء : ظاهر هذا الكلام أنه نذر يجب الوفاء به، لأن العبرة بمقاصد هذا اللفظ.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى:

" الاعتبار بالمعاني والمقاصد في الأقوال والأفعال، فإن الألفاظ إذا اختلفت عباراتها أو مواضعها بالتقدم والتأخر والمعنى واحد؛ كان حكمها واحدا، ولو اتفقت ألفاظها واختلفت معانيها كان حكمها مختلفا

وكذلك الأعمال، ومن تأمل الشريعة حق التأمل علم صحة هذا بالاضطرار "

انتهى. "اعلام الموقعين" (4 / 552).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

" وإن قصد الجزاء عند الشرط : لزمه مطلقا عند أحمد .

ولو قال : إن قدم فلان أصوم كذا ، فهذا نذر يجب الوفاء به مع القدرة.

قال أبو العباس: لا أعلم فيه نزاعا، ومن قال هذا ليس بنذر فقد أخطأ، وقول القائل:

لئن ابتلاني الله لأصبرن، ولئن لقيت عدوا لأجاهدن، ولو علمت أي العمل أحب إلى الله لعملته فهو نذر معلق بشرط كقول الله تعالى: ( لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ) الآية "

انتهى. "الفتاوى الكبرى" (5 / 553 – 554).

ونذر الطاعة يجب الوفاء به.

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلاَ يَعْصِهِ ) رواه البخاري (6696).

والذي يظهر من سؤالك أنك قد حققت ما نذرته وأديته؛ فقد ذكرت أنك تعطي المحتاجين والسؤّال، ولم تبخل بما أعطاك الله من فضله، وهذا كاف في الوفاء بنذرك ، ولا يظهر إشكال في هذه الحالة.

وأما تقصيرك في بعض الزكاة، فهذا أمر محرم، وقد انتبهت له وشرعت في إصلاحه، نسأل الله تعالى لنا ولك التوفيق والسداد.

والذي ننصحك به ألا تلتفت إلى الوساوس وهواجس النفس ، وتمضي في عبادة ربك على ما بينه لك في كتابه ، وسنة نبيه ؛ فإنما بعث النبي صلى الله عليه وسلم ، بالحنيفية السمحة .

والله أعلم.

*عبدالرحمن*
2019-01-10, 14:45
قصة ثعلبة (حمامة المسجد) غير صحيحة

السؤال

هل قصة ثعلبة ونزول قوله تعالى : ( ومنهم من عاهد الله ... الآيات ) صحيحة ؟

علماً بأنهم كانوا يسمونه حمامة المسجد .

الجواب

الحمد لله

"ما ورد في سبب نزول قوله تعالى : (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ) التوبة/74

أنه ثعلبة بن حاطب – لا يصح سنده ، وثعلبة بن حاطب أنصاري معدود في البدريين ، استشهد يوم أحد ، كما حقق ذلك جماعة من أهل العلم ، منهم الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى .

وبالله التوفيق ، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى .

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء .

الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ... الشيخ عبد الله بن غديان ... الشيخ صالح الفوزان ... الشيخ بكر أبو زيد .

"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء" (26/49) .

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : "قوله تعالى : (ومنهم من عاهد الله ....)

الآيات نزلت في بيان حال بعض المنافقين . وأما ما اشتهر من أنها نزلت في ثعلبة بن حاطب في قصة طويلة ذكرها كثير من المفسرين وروجها كثير من الوعاظ فضعيف لا صحة له

وهي مخالفة لما هو معلوم من الدين بالضرورة من أن الله يقبل توبة التائب من أي ذنب كان "

انتهى من شرح رسالة "أصول في التفسير"

*عبدالرحمن*
2019-01-10, 14:48
تفسير قوله تعالى: (كأنهن بيض مكنون) .

السؤال

بالنسبة لتفسير القرآن عن الحور ( كأنهن بيض مكنون) سمعت بعض السلف مثل ابن زيد والحسن يقولون : إن لون الحورية هو أبيض مصفر ، وكثير من العلماء قالوا بذلك

كنت أتساءل ، قيل لي : إن ذلك يعني اللون الحنطي باللغة العربية ، وكنت أتساءل ، هل هذا متناقض مع الآية الكريمة ، وتفسيرها الذي يقول أن بياضهن كاللؤلؤ ، والذي قد قال به ابن زيد والحسن أيضاً ؟

الجواب

الحمد لله

اختلف العلماء في سبب تشبيه الحور العين بالبيض المكنون في قوله تعالى: (كأنهن بيض مكنون) [الصافات: 49]:

1- فقيل: شُبِّهن ببطن البيض في البياض، وهو الذي داخل القشر، وذلك أن ذلك لم يمسه شيء.

2- وقيل: بل شُبهن بالبيض الذي يحضنه الطائر، فهو إلى الصفرة، فشبه بياضهن في الصفرة بذلك .

فلونها أبيض في صفرة، ويقال: هذا أحسن ألوان النساء : أن تكون المرأة بيضاء مشربة صفرة، والعرب تشبهها ببيضة النعامة.

3- وقال آخرون: بل عنى بالبيض في هذا الموضع: اللؤلؤ، وبه شبهن في بياضه وصفائه .

قال الطبري:

" وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي قول من قال: شبهن في بياضهن، وأنهن لم يمسهن قبل أزواجهن إنس ولا جان ؛ ببياض البيض الذي هو داخل القشر، وذلك هو الجلدة الملبسة المح

قبل أن تمسه يد أو شيء غيرها، وذلك لا شك هو المكنون؛ فأما القشرة العليا فإن الطائر يمسها، والأيدي تباشرها، والعش يلقاها.

والعرب تقول لكل مصون: مكنون ، ما كان ذلك الشيء ، لؤلؤا كان أو بيضا أو متاعا "

تفسير الطبري: (19/ 541)، وتفسير البغوي: (7/ 40).

وهذا لا يتعارض مع الآية، فإن الأبيض قد يكون مشربًا بحمرة، وقد يكون مشربًا بصفرة، ومع هذا فهو أبيض، والعرب تعرف ذلك .

قال ابن عطية: " وأما قوله كأنهن بيض مكنون : فاختلف الناس في الشيء المشبه به :ما هو؟ فقال السدي وابن جبير: شبه ألوانهن بلون قشر البيضة الداخلي

وهو الغِرْقِيّ [= القشرة الرقيقة الملتزقة ببياض البيض ] . وهو المكنون : أي : المصون في كِنٍّ ، ورجحه الطبري ...

وقال الجمهور : شبه ألوانهن بلون قشر بيض النعام ، وهو بياض قد خالطته صفرة حسنة .

قالوا: والبيض نفسه ، في الأغلب ، هو المكنون بالرِّيش ، ومتى شَذَّت به حال ، فلم يكن مكنونا : خرج عن أن يُشَبَّه به، وهذا قول الحسن وابن زيد ... ؛ وهذا المعنى كثير في أشعار العرب ...

وقالت فرقة إنما شبههن تعالى بـ البيض المكنون : تشبيها عامّا جملةَ المرأة ، بجملة البيضة ؛ وأراد بذلك تناسب أجزاء المرأة ، وأن كل جزء منها نسبته في الجودة إلى نوعه ، نسبة الآخر من أجزائه إلى نوعه

فنسبة شعرها إلى عينها مستوية إذ هما غاية في نوعهما، والبيضة أشد الأشياء تناسب أجزاء، لأنك من حيث جئتها فالنظر فيها واحد "

المحرر الوجيز: (12/356-358).

ونقل القاسمي عن الشهاب قوله: " وهذا على عادة العرب في تشبيه النساء بها.

وخصت ببيض النعام، لصفائه وكونه أحسن منظرا من سائره. ولأنها تبيض في الفلاة وتبعد ببيضها عن أن يمس ؛ ولذا قالت العرب للنساء (بيضات الخدور) .

ولأن بياضه يشوبه قليل صفرة ، مع لمعان، كما في الدرّ. وهو لون محمود جدا ؛ إذ البياض الصِّرف غير محمود ؛ وإنما يحمد إذا شابهُ قليلُ حُمرة في الرجال، وصُفرة في النساء "

تفسير القاسمي: (8/ 209).

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-01-10, 14:50
تفسير قوله تعالى: ( لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ) وعلاقته بالكسوف والخسوف

السؤال

قال تعالى :( لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ) قرأت لأحد الناس على الإنترنت يقول : إن هذا يعارض ـ استغفر الله

الكسوف فهنا الشمس أدركت القمر ، والليل جاء في النهار، أعلم أن هذا ليس صحيحا ، لذلك أردت أن تعطوني إجابه تنهي هذه الشبهة .

الجواب :

الحمد لله

أولًا:

اعلم أخانا الكريم أن الله تعالى هو الذي خلق فسوى، وقدر وهدى، وأن ما في الكون شاهد على عظمة الله تعالى وكبريائه .

وأنه أخبر عن خلقه، والصانع أدرى بصنعته، فالله تعالى أدرى بخلقه : ( أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) الملك/14 .

ثم اعلم أن هذه الآيات مرت على العرب، وهم أشد الناس معارضة

وكان الكسوف والخسوف يحدث في زمان العرب، ولم يرد أن أحدًا منهم اعترض على البي صلى الله عليه وسلم، بأن الشمس أدركت القمر، فأنى له أن يزعم أنها لا تدركه ؟!!

نعم ! لم يعترض واحد منهم بهذه الحجة، فدل أنها ليست كذلك ، وإنما هي من سوء فهم الآيات ، وسوء فهم الظواهر الكونية أيضا .

ثانيًا:

المراد بالآية الكريمة - أخي الكريم -: أن الشمس لا ينبغي لها أن تطلع بالليل، لأن الليل وقت طلوع القمر، ولا ينبغي للقمر أن يطلع بالنهار لأن هذا وقت طلوع الشمس .

يقول الإمام ابن جرير رحمه الله :

" لا الشمس يصلح لها إدراك القمر، فيذهب ضوؤها بضوئه، فتكون الأوقات كلها نهارا لا ليل فيها

( ولا الليل سابق النهار) [يس: 40] : يقول تعالى ذكره: ولا الليل بفائت النهار ، حتى تذهب ظلمته بضيائه، فتكون الأوقات كلها ليلا "

الطبري: (19/ 438).

وقال ابن كثير رحمه الله:

" وقال (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب) الآية [يونس: 5]

وقال: (وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا) [الإسراء: 12]

فجعل الشمس لها ضوء يخصها، والقمر له نور يخصه، وفاوت بين سير هذه وهذا، فالشمس تطلع كل يوم

وتغرب في آخره على ضوء واحد، ولكن تنتقل في مطالعها ومغاربها صيفا وشتاء، يطول بسبب ذلك النهار ويقصر الليل، ثم يطول الليل ويقصر النهار، وجعل سلطانها بالنهار، فهي كوكب نهاري.

وأما القمر، فقدره منازل، يطلع في أول ليلة من الشهر ضئيلا قليل النور، ثم يزداد نورا في الليلة الثانية

ويرتفع منزلة، ثم كلما ارتفع ازداد ضياء، وإن كان مقتبسا من الشمس، حتى يتكامل نوره في الليلة الرابعة عشرة، ثم يشرع في النقص إلى آخر الشهر، حتى يصير كالعرجون القديم.

وقوله: (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر) : قال مجاهد: لكل منهما حد لا يعدوه ولا يقصر دونه، إذا جاء سلطان هذا ، ذهب هذا، وإذا ذهب سلطان هذا ، جاء سلطان هذا "

تفسير ابن كثير: (6/ 578).

وذكر الطاهر ابن عاشور رحمه الله : أن المعنى: نفي الاصطدام، فالشمس لا ينبغي لها أن تصطدم بالقمر، ولا العكس .

قال: " والمعنى: نفي أن تصطدم الشمس بالقمر، خلافا لما يبدو من قرب منازلهما "

التحرير والتنوير: (23/ 24).

وعلى أي من هذه المعاني فلا تعارض بين الآية وبين الخسوف أو الكسوف، لأن ذلك ليس هو الإدراك المقصود من الآية الكريمة .

والله أعلم

و اخيرا

الحمد لله الذي بفضلة تتم الصالحات

اخوة الاسلام

اكتفي بهذا القدر و لنا عوده
ان قدر الله لنا البقاء و اللقاء

و اسال الله ان يجمعني بكم دائما
علي خير

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين

engdev
2019-01-11, 08:04
موضوعك الصراحة جميل استفدت منه شكرا

*عبدالرحمن*
2019-01-12, 14:06
موضوعك الصراحة جميل استفدت منه شكرا

الحمد لله الذي بفضلة تتم الصالحات

اسعدني حضورك الطيب مثلك
في انتظار مرورك العطر دائما

بارك الله فيك

*عبدالرحمن*
2019-01-12, 14:12
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)
اخوة الاسلام

أحييكم بتحية الإسلام
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)


كيفية تأييد الروح القدس لعيسى عليه السلام

السؤال

في القرآن يقول الله تعالى:( وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ) كيف بالتحديد قام الروح القدس جبريل بتأييد عيسى ؟

هل من الممكن توضيح هذه الآية لي ؟

الجواب

الحمد لله

أولًا:

روح القدس هو جبريل عليه السلام، وهو الرسول الكريم الموصوف في القرآن بالقوة، والمكانة عند الله تعالى، قال الله: ( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ) سورة التكوير/19-21 .

انظر: تفسير الطبري: (2/ 223)، وتفسير الرازي: (3/ 596).

وفي سبب تسميته بروح القدس، يقول الإمام الواحدي: " وإنّما سُمي جبريل رُوحًا؛ لأنه بمنزلة الأرواح للأبدان

يحيا بما يأتي من البيان عن الله عز وجل : من يُهدَى به، كما قال عز وجل: ( أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ ) [الأنعام: 122]، أي: كان كافرًا فهديناه "،

التفسير البسيط: (3/ 130).

ثانيًا:

ومعنى قوله تعالى: ( أيدناه )، أي: قويناه، وأعناه .

ومن وجوه التأييد:

أن جبريل ربَّى عيسى عليهما السلام، وكان معه في جميع أحواله، وصعد به إلى السماء .

والتأييد في دعوته إلى الدين، لأنه الذي يلقي إلى عيسى ما يأمره الله بتبليغه.

انظر: تفسير الطبري: (2/ 221)

تفسير الرازي: (3/ 596)

والتحرير والتنوير: (7/ 101).

على أن أعظم وجوه التأييد مطلقا ، تأييد بوحي الله جل جلاله ، وخبر السماء ؛ وإنما خص جبريل بذلك ، لأنه ملك الوحي الموكل به .

قال شيخ الإسلام:

" وروح القدس: قد يراد بها الملك المقدس كجبريل، ويراد بها الوحي، والهدى والتأييد الذي ينزله الله بواسطة الملك أو بغير واسطته، وقد يكونان متلازمين، فإن الملك ينزل بالوحي، والوحي ينزل به الملك

والله - تعالى - يؤيد رسله بالملائكة وبالهدى، كما قال - تعالى -: عن نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -:

( فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها ) [التوبة: 40] "

الجواب الصحيح: (3/ 195)

وينظر أيضا : "الجواب الصحيح" (3/271) وما بعدها .

وقال الشيخ الطاهر ابن عاشور رحمه الله :

" وقوله: وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس البينات هي المعجزات الظاهرة البينة، وروح القدس هو جبريل، فإن الروح هنا بمعنى الملك الخاص ، كقوله: (تنزل الملائكة والروح فيها) [القدر: 4] .

والقدس ، بضم القاف ، وبضم الدال عند أهل الحجاز ، وسكونها عند بني تميم ؛ بمعنى : الخلوص والنزاهة، فإضافة روح إلى القدس من إضافة الموصوف إلى الصفة، ولذلك يقال الروح القدس .

وقيل القدس اسم الله كالقدوس ، فإضافة روح إليه إضافة أصلية، أي روح من ملائكة الله.

وروح القدس هو جبريل قال تعالى: ( قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ ) [النحل:10] .

وفي الحديث: (إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل أجلها) .

وفي الحديث : أن النبيء صلى الله عليه وسلم قال لحسان: (اهجهم ومعك روح القدس) .

وإنما وصف عيسى بهذين ، مع أن سائر الرسل أيدوا بالبينات وبروح القدس ؛ للرد على اليهود الذين أنكروا رسالته ومعجزاته، وللرد على النصارى الذين غلوا فزعموا ألوهيته، ولأجل هذا ذكر معه اسم أمه- مهما ذكر-

للتنبيه على أن ابن الإنسان لا يكون إلها، وعلى أن مريم أمة الله تعالى ، لا صاحبة

لأن العرب لا تذكر أسماء نسائها وإنما تكني، فيقولون ربة البيت، والأهل، ونحو ذلك ، ولا يذكرون أسماء النساء إلا في الغزل، أو أسماء الإماء."

انتهى، من "التحرير والتنوير" (3/9) .

وراجع جواب السؤال القادم لمزيد من الفائدة .

والله أعلم

*عبدالرحمن*
2019-01-12, 14:15
من هو روح القدس

السؤال

ورد في سورة البقرة آية 87 النص التالي : ( ولقد آتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ) ، ما هو الروح القدس ؟.

الجواب

الحمد لله

روح القدس هو جبريل عليه السلام

قال الشيخ الشنقيطي :

قوله تعالى : ( وأيدناه بروح القُدس ) هو جبريل على الأصح ، ويدل لذلك قوله تعالى : ( نزل به الروح الأمين ) الشعراء/193 وقوله ( فأرسلنا إليها روحنا ) مريم/17

أخرج ابن أبي حاتم عن أحمد بن سنان .... حدثنا أبو الزعراء قال : قال عبدالله : روح القدس جبريل ، ثم قال : وروي عن محمد بن كعب القرظي وقتادة وعطية العوفي والسدي والربيع بن أنس نحو ذلك .

ويؤيد هذا القول ما تقدم وما رواه الشيخان بسنديهما عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أنه سمع حسان بن ثابت الأنصاري يستشهد أبا هريرة : أنشدك الله هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول

: " يا حسَّان أجب عن رسول الله ، اللهم أيِّده بروح القدس " قال أبو هريرة : نعم .

التفسير المسبور للدكتور حكمت بشير 1/192- 193

قال شيخ الإسلام ابن تيمية : قال جماهير العلماء إنه جبريل عليه السلام فإن الله سماه الروح الأمين وسماه روح القدس وسماه جبريل .

دقائق التفسير ج: 1 ص: 310

وعقد فصلاً في ذلك فقال :

فصل في معنى روح القدس قال تعالى : ( يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس ) ... فإن الله أيد المسيح عليه السلام بروح القدس كما ذكر ذلك في هذه الآية وقال تعالى في البقرة :

( وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ) وقال تعالى : ( تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس )

وهذا ليس مختصا بالمسيح بل قد أيَّد غيره بذلك وقد ذكروا هم أنه قال لداود روحك القدس لا تنزع مني ، وقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت :

" اللهم أيده بروح القدس وفي لفظ روح القدس معك ما دمت تنافح عن نبيه " وكلا اللفظين في الصحيح

وعند النصارى أن الحواريين حلت فيهم روح القدس وكذلك عندهم روح القدس حدث في جميع الأنبياء

وقد قال تعالى سورة النحل : ( قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ) وقد قال تعالى في موضع آخر : ( نزل به الروح الأمين على قلبك )

وقال : ( قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله ) فقد تبين أن روح القدس هنا جبريل . .. قال : ولم يقل أحد أن المراد بذلك حياة الله ولا اللفظ يدل على ذلك ولا استعمل فيه .

دقائق التفسير ج: 2 ص: 92

: الشيخ محمد صالح المنجد

*عبدالرحمن*
2019-01-12, 14:20
دفع التعارض بين قوله تعالى: (ولقد يسرنا القرآن للذكر) وقوله: (إنا ستلقي عليك قولًا ثقيلًا)

السؤال

كيف يجمع بين قوله تعالى : (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا) ، وبين قوله : ( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) ؟

وما رأيكم في من يقول : العلم سهل ؛ لأنني أذكر أن أحد أئمة المذاهب الأربعة يقول : بأنه ليس في العلم شيء سهل ، فلو تكرمتم بالتوضيح لي ؟

الجواب

الحمد لله

أولًا:

أما قوله تعالى: (ولقد يسرنا القرآن للذكر) [القمر: 17]، فقد بينا معناه، وذكرنا وجوه تسهيله منها

1- تيسير ألفاظه للحفظ .

2- تيسير معانيه للفهم .

وأن هذا التيسير يحصل لمن أخذ القرآن بحقه، وأقبل عليه إقبال المحب الطالب، ولم يعرض عنه إعراض الجافي .

وإن من وجوه هذا التيسير = أن الله قيض له من العلماء، من يبينه للناس، امتدادًا لما كلف الله به نبيه من بيان القرآن، وتيسير معانيه لهم .

ولك أن تعلم أيها القارئ الكريم أن القرآن جمع في أسلوبه بين خطاب العامة والخاصة،

" فلو أنك خاطبت الأذكياء بالواضح المكشوف الذي تخاطب به الأغبياء ، لنزلت بهم إلى مستوًى لا يرضونه لأنفسهم في الخطاب

ولو أنك خاطبت العامة باللمحة والإشارة التي تخاطب بها الأذكياء ، لجئتهم من ذلك بما لا تطيقه عقولهم .

فلا غنى لك -إن أردت أن تعطي كلتا الطائفتين حظها كاملًا من بيانك- أن تخاطب كل واحدة منها بغير ما تخاطب به الأخرى؛ كما تخاطب الأطفال بغير ما تخاطب به الرجال .

فأما أن جملة واحدة تلقى إلى العلماء والجهلاء، وإلى الأذكياء والأغبياء، وإلى السوقة والملوك ، فيراها كل منهم كأنها مُقَدَّرة على مقياس عقله ، وعلى وفق حاجته : فذلك ما لا تجده على أتمه إلا في القرآن الكريم.

فهو قرآن واحد ؛ يراه البلغاء أوفى كلام بلطائف التعبير، ويراه العامة أحسن كلام وأقربه إلى عقولهم

لا يلتوي على أفهامهم، ولا يحتاجون فيه إلى ترجمان وراء وضع اللغة، فهو متعة العامة والخاصة على السواء، ميسر لكل من أراد "، النبأ العظيم

د. محمد عبد الله دراز (148).

ثانيًا:

وأما قوله تعالى: (إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا) [المزمل: 5]، فقد اختلف العلماء في بيان نوع الثِّقَل على أقوال:

1- فذهب بعضهم إلى أن الثقل إنما هو في نزوله على النبي صلى الله عليه وسلم، حيث كان يعرق عرقًا شديدًا حال نزول الوحي عليه .

2- وذهب بعضهم إلى أن الثقل في العمل به .

3- وقال بعضهم إن الثقل إنما هو على المنافقين .

4- وذهب آخرون إلى أن الثقل في الميزان، أي في ثواب القرآن .

ولا تنافي بين هذه الأقوال جميعا ؛ بل هي كلها من معاني "الثقل" في ذلك الكتاب المبين ، والنبأ العظيم .

قال الطبري: " وأولى الأقوال بالصواب في ذلك أن يقال: إن الله وصفه بأنه قول ثقيل، فهو كما وصفه به ؛ ثقيل محمله ، ثقيل العمل بحدوده وفرائضه"، تفسير الطبري: (23/ 366).

وقال السعدي:

" أي: نوحي إليك هذا القرآن الثقيل، أي: العظيمة معانيه، الجليلة أوصافه، وما كان بهذا الوصف، حقيق أن يُتهيأ له، ويُرتل، ويُتفكر فيما يشتمل عليه "

، التفسير: (892).

ثالثًا:

أنت ترى أن الثقل هنا قد وصف به القرآن المجيد في طريقة نزوله، وفي عظمه وقدره ، وفي حمله وأمانته ، وما جاء به من امور يجب العمل بها، وأخذها بحقها .

ولكن هذا الثقل يخففه الله تعالى لمن أقبل على القرآن طالبًا الهدى،

كما قال تعالى في آية أخرى: (واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين) [البقرة: 45]، فالصبر والصلاة والاستمساك بهما صعب

ولكن الله ييسره على الخاشعين، المنفذين لأوامر الله، المجتنبين نواهيه .

وهكذا القرآن، فإنه ثقيل، ولكن الله ييسره لمن أقبل عليه ، طالبا له ، متذكرا ، مذاكرا ، متدارسا له .

رابعًا:

مما ينبغي أن يُعْلم : أن العلم صعب سهل، وذلك: أن العلم الشرعي من معالي الأمور، ومعالي الأمور لا تنال إلى على جسر من التعب، والنعيم لا يدرك بالنعيم، ومن طلب الراحة فاتته الراحة.

لكن طالب العلم حقًا، يشعر في هذا الطريق بلذة العلم الذي يتمنى ألا يُشغل عنها بشاغل، فالعلم يسير سهل على من أخذ بمنهجه، وطلبه من بابه ،

ومن عند أهله، ولكن الطريق إليه محفوف بالصعوبات التي يجب على الإنسان أن يقطعها .

يقول الشيخ صالح آل الشيخ حفظه الله :

" وطلب العلم له أصوله، وله رتبُه، فمن فاته طلب العلم على رتبِه وأصوله، فإنه يحرم الوصول. وهذه مسألة كثيرًا ما نكررها رغبة في أن تَقَرَّ في قلوب طلبة العلم ومحبِّي العلم، ألا وهي

: أنْ يُطلب العلم شيئًا فشيئًا ، على مر الأيام والليالي، كما قال ذلك ابن شهاب الزهري الإمام المعروف، إذ قال: "من رام العلم جملة ، ذهب عنه جملة، وإنما يُطلب العلم على مر الأيام والليالي" .

وهذا كما تُدَرِّس صغيرًا أصول الكتابة، أو أصول نُطق الكلمات، فإنه لا بد أن يأخذه شيئًا فشيئًا، ثم إذا استمرّ على ذلك أحكم الكتابة، وأحكم النطق حتى تمكّن من ذلك، والعلم كذلك .

فالعلم منه صِغار ، ومنه كِبار ، باعتبار الفهم ، وباعتبار العمل ، وباعتبار كون العلم من الله جل جلاله ، وعن رسوله - صلى الله عليه وسلم - .

فإنه ليس في العلم شيء سهل، كما قال مالك رحمه الله تعالى ، إذ قيل له: هذا من العلم السهل، قال: ليس في علم القرآن والسنة شيء سهل، وإنما كما قال الله جل وعلا ( إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ) [المزمل:5] .

فالعلم : من أخذه على أنه ثقيل صعب : أدركه .

وأما من أخذ المسائل على أنها سهلة، وهذه سهلة، وهذه مُتصوّرة، وهذه مفهومة، ويمرّ عليها مرور السريع : فإن هذا يفوته شيء كثير.

فإذًا لا بد لنا في طلب العلم من تدرج فيه، على أصوله، وعلى منهجية واضحة، ولا بد لنا أن نأخذ العلم على أنه ليس فيه شيء سهل؛ بل كلُّه ثقيل من حيث فهمُه

ومن حيثُ تثبيتُه، ومن حيث استمرارُه مع طالب العلم، فهو ثقيل ؛ لا بد له من مواصلة ومتابعة، فالعلم يُنسى إذا تُرِك، وإذا تواصل معه طالب العلم فإنه يبقى .

وهذا يُعظِّم التبعة على طالب العلم ، في ألا يتساهل في طلبه للعلم، فلا يقولن قائل مثلا: هذا الكتاب سهل

وهذا المتن ما يشرح لأنه سهل واضح، أحاديث معروفة، فإن هذا يُؤتى من هذه الجهة، حيث استسهل الأصول ، وعُقَد العلم .

وقد قال طائفة من أهل العلم: "العلم عُقَد وملح، فمن أحكم العقد سهل عليه العلم، ومن فاته حل العقد فاته العلم" .

وهذا إنما يكون بإحكام أصول العلوم. وإذا ضبط طالب العلم المتون المعروفة في الحديث، وفي العلوم المختلفة، فإنه يكون مهيئًا للانتقال إلى درجات أعلى ، بفهمٍ وتأسيس لما سبق . "

انتهى ، من مقدمة "شرح الأربعين للنووية" للشيخ صالح آل الشيخ ، ن الشاملة .

وننصحك أن تطالع كتاب (حلية طالب العلم) للشيخ بكر أبي زيد رحمه الله ، و"صفحات من الصبر" ، للشيخ عبد الفتاح أبو غدة ، رحمه الله ، وكتاب "المشوق" للشيخ علي العمران .

وراجع السؤال القادم

والخلاصة

العلم يسير لمن أخذه بحقه، والقرآن يسير لمن أقبل عليه وتدبره، صعب لمن أدبر عنه، وابتعد عن العلم، وطريقه .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-01-12, 14:25
آداب طالب العلم

السؤال

لقد من الله عليَّ بطلب العلم ، فما هي الآداب التي تنصحونني بالتحلي بها ؟.

الجواب

الحمد لله

إن لطلب العلم جملةً من الآداب ينبغي على من طلب العلم أن يتحلى بها فإليك هذه الوصايا والآداب في طريق الطلب لعل الله أن ينفعك بها :

أولاً : الصبر :

أيها الأخ الكريم .. إن طلب العلم من معالي الأمور ، والعُلَى لا تُنال إلا على جسر من التعب . قال أبو تمام مخاطباً نفسه :

ذريني أنالُ ما لا يُنال من العُلى
فصَعْبُ العلى في الصعب والسَّهْلُ في السَّهل

تريدين إدراك المعالي رخيـصة
ولا بد دون الشهد من إبَر النحـــل (الشَّهد هو العسل )

وقال آخر :

دببت للمجد والساعون قد بلغوا
جُهد النفوس وألقـوا دونـه الأُزرا

وكابدوا المجد حتى ملَّ أكثرُهُم
وعانق المجد من أوفى ومن صبرا

لا تحسبن المجد تمراً أنت آكله
لن تبلغ المجد حتى تَلْعَقَ الصَـبِرَا (الصَبِردواءٌ مُرٌّ)

فاصبر وصابر ، فلئن كان الجهاد ساعةً من صبر ، فصبر طالب العلم إلى نهاية العمر . قال الله تعالى :

يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(200) سورة آل عمران .

ثانياً : إخلاص العمل :

الزم الإخلاص في عملك ، وليكن قصدك وجه الله والدار الآخرة ، وإياك والرياء ، وحب الظهور والاستعلاء على الأقران فقد قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

" مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُجَارِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ أَوْ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ أَوْ يَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ " رواه النسائي (2654) وحسنه الألباني في صحيح النسائي .

وبالجملة : عليك بطهارة الظاهر والباطن من كل كبيرة وصغيرة .

ثالثاً : العمل بالعلم :

اعلم بأن العمل بالعلم هو ثمرة العلم ، فمن علم ولم يعمل فقد أشبه اليهود الذين مثلهم الله بأقبح مثلٍ في كتابه فقال : مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا

كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(5) سورة الجمعة .

ومن عمل بلا علم فقد أشبه النصارى ، وهم الضالون المذكورون في سورة الفاتحة .

وبالنسبة للكتب التي تدرسها فقد ذُكِرَت في السؤال رقم (20191) فليُراجع للأهمية .

رابعاً : دوام المراقبة :

عليك بالتحلي بدوام المراقبة لله تعالى في السر والعلن ، سائراً إلى ربك بين الخوف والرجاء ، فإنهما للمسلم كالجناحين للطائر ، فأقبل على الله بكليتك

وليمتلئ قلبك بمحبته ، ولسانك بذكره ، والاستبشار والفرح والسرور بأحكامه وحِكَمِه سبحانه .

وأكثر من دعاء الله في كل سجود ، أن يفتح عليك ، وأن يرزقك علماً نافعاً ، فإنك إن صدقت مع الله ، وفقك وأعانك ، وبلغك مبلغ العلماء الربانين .

خامساً : اغتنام الأوقات :

أيها اللبيب ... " بادر شبابك ، وأوقات عمرك بالتحصيل ، ولا تغتر بخدع التسويف والتأميل ، فإن كل ساعة تمضي من عمرك لا بدل لها ولا عوض عنها ، واقطع ما تقدر عليه من العلائق الشاغلة

والعوائق المانعة عن تمام الطلب وابذل الاجتهاد وقوة الجد في التحصيل ؛ فإنها كقواطع الطريق ، ولذلك استحب السلف التغرب عن الأهل ، والبعد عن الوطن ؛

لأن الفكرة إذا توزعت قصرت عن درك الحقائق وغموض الدقائق ، وما جعل الله لرجلٍ من قلبين في جوفه ، وكذلك يُقال العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كُلَّك .

سادساً : تحذير .

إياك أن تشتغل في بداية الطلب بالاختلاف بين العلماء ، أو بين الناس مطلقاً ، فإنه يحير الذهن ، ويدهش العقل ، وكذلك الحذر من المصنفات ؛ فإنه يضيع زمانك ويفرق ذهنك

بل أعطِ الكتاب الذي تقرؤه أو الفن الذي تأخذه كليتك حتى تُتقنه ، واحذر من التنقل من كتاب إلى كتاب من غير موجب ؛ فإنه علامة الضجر وعدم الفلاح . وعليك أن تعتني من كل علم بالأهم فالأهم .

سابعاً : الضبط والإتقان :

احرص على تصحيح ما تريد حفظه تصحيحاً متقناً ؛ إما على شيخ أو على غيره مما يعينك ، ثم احفظه حفظاً محكماً ثم أكثر من تكراره وتعاهده في أوقات معينه يومياً ، لئلا تنسى ما حفظته .

ثامناً : مطالعة الكتب :

بعد أن تحفظ المختصرات وتتقنها مع شرحها وتضبط ما فيها من الإشكالات والفوائد المهمات ، انتقل إلى بحث المبسوطات ، مع المطالعة الدائمة ، وتعليق ما يمر بك من الفوائد النفيسة

والمسائل الدقيقة ، والفروع الغريبة ، وحل المشكلات ، والفروق بين أحكام المتشابهات ، من جميع أنواع العلوم ، ولا تستقل بفائدة تسمعها ، أو قاعدة تضبطها ، بل بادر إلى تعليقها وحفظها .

ولتكن همتك في طلب العلم عالية ؛ فلا تكتفِ بقليل العلم مع إمكان كثيره ، ولا تقنع من إرث الأنبياء صلوات الله عليهم بيسيره ، ولا تؤخر تحصيل فائدة تمكنت منها ولا يشغلك الأمل والتسويف عنها

فإن للتأخير آفات ، ولأنك إذا حصلتها في الزمن الحاضر ؛ حصل في الزمن الثاني غيرها .

واغتنم وقت فراغك ونشاطك ، وزمن عافيتك ، وشرخ شبابك ، ونباهة خاطرك ، وقلة شواغلك ، قبل عوارض البطالة أو موانع الرياسة .

وينبغي لك أن تعتني بتحصيل الكتب المحتاج إليها ما أمكنك ؛ لأنها آلة التحصيل ، ولا تجعل تحصيلها وكثرتها (بدون فائدة) حظك من العلم ، وجمعها نصيبك من الفهم ، بل عليك أن تستفيد منها بقدر استطاعتك .

تاسعاً : اختيار الصاحب:

احرص على اتخاذ صاحب صالح في حاله ، كثير الاشتغال بالعلم ، جيد الطبع ، يعينك على تحصيل مقاصدك ، ويساعدك على تكميل فوائدك ، وينشطك على زيادة الطلب ،ويخفف عنك الضجر والنصب

موثوقاً بدينه وأمانته ومكارم أخلاقه ، ويكون ناصحاً لله غير لاعبٍ ولا لاه ." انظر تذكرة السامع لابن جماعة .

" وإياك وقرين السوء ؛ فإن العرق دساس ، والطبيعة نقالة ، والطباع سراقة ، والناس كأسراب القطا مجبولون على تشبه بعضهم ببعض ، فاحذر معاشرة من كان كذلك فإنه المرض ، والدفع أسهل من الرفع .

عاشراً وأخيراً : التأدب مع الشيخ :

بما أن العلم لا يؤخذ ابتداءً من الكتب ، بل لابد من شيخ تتقن عليه مفاتيح الطلب ، لتأمن من الزلل ، فعليك إذاً بالأدب معه ، فإن ذلك عنوان الفلاح والنجاح ، والتحصيل والتوفيق .

فليكن شيخك محل إجلال منك وإكرام وتقدير وتلطف ، فخذ بمجامع الأدب مع شيخك في جلوسك معه ، والتحدث إليه ، وحسن السؤال ، والاستماع ، وحسن الأدب في تصفح الكتاب أمامه

وترك التطاول والمماراة أمامه ، وعدم التقدم عليه بكلام أو مسير أو إكثار الكلام عنده ، أو مداخلته في حديثه ودرسه بكلام منك ، أو الإلحاح عليه في جواب

متجنباً الإكثار من السؤال لا سيما مع شهود الملأ ؛ فإن هذا يوجب لك الغرور وله الملل ، ولا تناديه باسمه مجرداً ، أو مع لقبه بل قل : " يا شيخي ، أو يا شيخنا " .

وإذا بدا لك خطأ من الشيخ ، أو وهم فلا يسقطه ذلك من عينك ، فإنه سبب لحرمانك من علمه ، ومن ذا الذي ينجو من الخطأ سالماً ." . انظر حلية طالب العلم للشيخ بكر أبو زيد .

نسأل الله لنا ولك التوفيق والثبات ، وأن يُرينا اليوم الذي تكون فيه عالماً من علماء المسلمين ، مرجعاً في دين الله ، إماماً من أئمة المتقين ، آمين .. آمين .. وإلى لقاء قريب ، والسلام .

: الشيخ محمد صالح المنجد

*عبدالرحمن*
2019-01-12, 14:33
بيان آية سورة الكهف : ( إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبداً )

السؤال

عندما قال أصحاب الكهف:(إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا)سورة الكهف/ 20 ، لماذا ساووا بين شيئين : 1- رجم قومهم لهم . 2- إعادتهم لملتهم حيث أن بين الشيئين "أو" ، والمساواة بقولهم :

إن نتيجة هذين الشيئين هو: عدم الفلاح أبدا ، بقولهم : ولن تفلحوا إذا أبدا " ، مع أن المعلوم أن إعادتهم لملتهم الكفرية بالفعل ليس فيه فلاح أبدا لا في الدنيا ولا في الآخرة

وأن الرجم بل والرجم حتى الموت مع عدم تغيير الملة والبقاء على الإسلام ، وإن لم يكن فلاح في الدنيا فهو بالتأكيد كما علمنا في كتاب الله فلاح في الآخرة ، فلم قيل ولن تفلحوا إذا (أبدا) ؟

الجواب

الحمد لله

أولًا:

لا شك أن التدبر في كتاب الله تعالى مشروع، يؤجر صاحبه عليه، وقد دعا الله تعالى الناس إلى تدبر القرآن وتعقله، فقال سبحانه: (أفلا يتدبرون القرآن) ..

وسورة الكهف من السور العظيمة التي يحسن بكل مسلم أن يتدبرها، ففيها بيان سبيل النجاة من الفتن، وفي أولها طريق للنجاة من الفتنة في الدين بذكر قصة الفتية أصحاب الكهف .

ثانيًا :

معنى الآية الكريمة: " يقول تعالى: (وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا

فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا * إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا ) الكهف/19-20،

أي: وكما أرقدناهم ، بعثناهم ، صحيحة أبدانهم وأشعارهم وأبشارهم، لم يفقدوا من أحوالهم وهيئاتهم شيئا، وذلك بعد ثلاثمائة سنة وتسع سنين؛ ولهذا تساءلوا بينهم: (كم لبثتم) ؟ أي: كم رقدتم؟

(قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم) : كان دخولهم إلى الكهف في أول نهار، واستيقاظهم كان في آخر نهار؛ ولهذا استدركوا فقالوا: (أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم)

أي: الله أعلم بأمركم، وكأنه حصل لهم نوع تردد في كثرة نومهم، فالله أعلم، ثم عدلوا إلى الأهم في أمرهم إذ ذاك ، وهو احتياجهم إلى الطعام والشراب، فقالوا: (فابعثوا أحدكم بورقكم) أي: فضتكم هذه.

وذلك أنهم كانوا قد استصحبوا معهم دراهم من منازلهم لحاجتهم إليها، فتصدقوا منها وبقي منها؛ فلهذا قالوا: (فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة) أي: مدينتكم التي خرجتم منها ، والألف واللام للعهد.

(فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا) : أي: أطيب طعاما .

وقوله (وَلْيَتَلَطَّفْ) أي: في خروجه وذهابه، وشرائه وإيابه، يقولون: ولْيتَخَفَّ، كل ما يقدر عليه. (ولا يشعرن)

أي: ولا يُعلمن (بكم أحدا * إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم) أي: إن علموا بمكانكم، (يرجموكم

أو يعيدوكم في ملتهم) ، يعنون : أصحاب دقيانوس ؛ يخافون منهم أن يطلعوا على مكانهم، فلا يزالون يعذبونهم بأنواع العذاب إلى أن يعيدوهم في ملتهم التي هم عليها أو يموتوا .

وإن واتَوْهُم على العود في الدين : فلا فلاح لهم في الدنيا ولا في الآخرة، ولهذا قال (ولن تفلحوا إذا أبدا) "

انظر تفسير ابن كثير: (5/ 145).

ويقول الشيخ السعدي في بيان الآية: " يقول تعالى: (وكذلك بعثناهم) أي: من نومهم الطويل (ليتساءلوا بينهم) أي: ليتباحثوا للوقوف على الحقيقة من مدة لبثهم.

(قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) وهذا مبني على ظن القائل، وكأنهم وقع عندهم اشتباه. في طول مدتهم، فلهذا (قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ) فردوا العلم إلى المحيط علمه بكل شيء، جملة وتفصيلا .

ولعل الله تعالى -بعد ذلك- أطلعهم على مدة لبثهم، لأنه بعثهم ليتساءلوا بينهم، وأخبر أنهم تساءلوا،

وتكلموا بمبلغ ما عندهم، وصار آخر أمرهم، الاشتباه، فلا بد أن يكون قد أخبرهم يقينا، علمنا ذلك من حكمته في بعثهم، وأنه لا يفعل ذلك عبثا.

ومن رحمته بمن طلب علم الحقيقة في الأمور المطلوب علمها، وسعى لذلك ما أمكنه،

فإن الله يوضح له ذلك، وبما ذكر فيما بعده من قوله. (وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا) ؛ فلولا أنه حصل العلم بحالهم، لم يكونوا دليلا على ما ذكر .

ثم إنهم لما تساءلوا بينهم، وجرى منهم ما أخبر الله به، أرسلوا أحدهم بورقهم، أي: بالدراهم، التي كانت معهم، ليشتري لهم طعاما يأكلونه، من المدينة التي خرجوا منها، وأمروه أن يتخير من الطعام أزكاه،

أي: أطيبه وألذه، وأن يتلطف في ذهابه وشرائه وإيابه، وأن يختفي في ذلك، ويخفي حال إخوانه، ولا يشعرن بهم أحدا.

وذكروا المحذور من اطلاع غيرهم عليهم، وظهورهم عليهم، أنهم بين أمرين :

إما الرجم بالحجارة، فيقتلونهم أشنع قتلة، لحنقهم عليهم وعلى دينهم .

وإما أن يفتنوهم عن دينهم، ويردوهم في ملتم، وفي هذه الحال : لا يفلحون أبدا، بل يخسرون في دينهم ودنياهم وأخراهم "

تفسير السعدي: (473).

ثالثًا:

قوله تعالى: (ولن تفلحوا إذا أبدا) [الكهف: 20]، عائد على الرجوع في ملة الكافرين، ولذلك قال الطبري: " ولن تدركوا الفلاح، وهو البقاء الدائم والخلود في الجنان، إذن ؛ أي : إن أنتم عدتم في ملتهم "

جامع البيان: (15/ 215).

فالآية الكريمة تتحدث عن هؤلاء الفتية أن أحد الأمرين سيحصل لهم، إما أن يُرجموا (يقتلوا)، أو يرجعوا إلى ملتهم القديمة، ثم رتبوا على الرجوع في ملتهم فقط : نفي الفلاح في المستقبل .

قال الزجاج: "(إذا) : يدل على الشرط، أي: ولن تفلحوا إن رجعتم إلى ملتهم أبدًا" .

"معاني القرآن" (13/ 570).

والخلاصة

أن هؤلاء الفتية خافوا على أنفسهم ، من ظهور القوم عليهم : أحد الأمرين : إما القتل ، وفيه الهلاك .

وإما أن يكرهوهم على العود إلى ملة الكفر ؛ وفي هذا العود : خسران الدنيا والآخرة .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-01-12, 14:38
التوفيق بين قوله تعالى : ( ولا تمسكوهن ضرارا) وقوله تعالى : ( وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا) .

السؤال

( ولا تُمسكوهن ضراراً لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه) فيه دليل على تحريم الزوجة المعلقة

( وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً والصلح خير ) فيه دليل على جواز التنازل عن بعض حقوقها كالنفقة والكسوة والمبيت

وقد طلبت سودة بنت زمعة رضي الله عنها من النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يطلقها وأن يبيت ليلتها في بيت عائشة رضي الله عنها . السؤال : كيف أوفّق بين الآيتين ، فالمراد بالآية الأولى تحريم الزوجة المعلقة

بينما في الآية الثانية فيها أنه يجوز للزوج أن لا يبيت عند زوجته إذا تنازلت عن المبيت ، فكأن المسألة هنا أن الزوجة تصبح معلقة أيضاً في الآية الثانية ، وقد أشكلت علي المسألة بين الآيتين ؟

الجواب

الحمد لله

أولًا:

لقد حرم الله تعالى الإضرار بالمرأة، وقوله تعالى: (ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا) [البقرة: 231]،

فقد كان الرجل يطلق المرأة، فإذا قاربت انقضاء العدة راجعها ضرارا، لئلا تذهب إلى غيره، ثم يطلقها فتعتد، فإذا شارفت على انقضاء العدة طلق لتطول

عليها العدة، فنهاهم الله عن ذلك، وتوعدهم عليه فقال: (ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه) أي: بمخالفته أمر الله تعالى.

قال الإمام ابن كثير،

في تفسير قوله تعالى: ( وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه

ولا تتخذوا آيات الله هزوا واذكروا نعمت الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم ) :

" هذا أمر من الله عز وجل للرجال إذا طلق أحدهم المرأة طلاقا له عليها فيه رجعة، أن يحسن في أمرها إذا انقضت عدتها، ولم يبق منها إلا مقدار ما يمكنه فيه رجعتها، فإما أن يمسكها

أي: يرتجعها إلى عصمة نكاحه بمعروف، وهو أن يشهد على رجعتها، وينوي عشرتها بالمعروف، أو يسرحها، أي: يتركها حتى تنقضي عدتها، ويخرجها من منزله بالتي هي أحسن، من غير شقاق ولا مخاصمة ولا تقابح "

تفسير ابن كثير: (1/ 629).

وفي آية ناهية عن العضل، يقول سبحانه: (لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف) [النساء: 19].

وقال سبحانه: ( الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود

الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون

* فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون)[البقرة/229-230].

قال ابن كثير:

" وقوله: (ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله) أي: لا يحل لكم أن تُضاجروهن وتضيقوا عليهن، ليفتدين منكم بما أعطيتموهن من الأصدقة أو ببعضه

كما قال تعالى: (ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) [النساء:19] .

فأما إن وهبته المرأة شيئا عن طيب نفس منها. فقد قال تعالى: (فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا) [النساء:4] .

وأما إذا تشاقق الزوجان، ولم تقم المرأة بحقوق الرجل ، وأبغضته ، ولم تقدر على معاشرته :

فلها أن تفتدي منه بما أعطاها، ولا حرج عليها في بذلها، ولا عليه في قبول ذلك منها؛ ولهذا

قال تعالى: (ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به) الآية"

تفسير ابن كثير: (1/ 613).

*عبدالرحمن*
2019-01-12, 14:39
وقال الشيخ السعدي:

" كانوا في الجاهلية إذا مات أحدهم عن زوجته، رأى قريبُه كأخيه وابن عمه ونحوهما أنه أحق بزوجته من كل أحد، وحماها عن غيره، أحبت أو كرهت.

فإن أحبها تزوجها على صداق يحبه دونها، وإن لم يرضها ، عضلها ، فلا يزوجها إلا من يختاره هو، وربما امتنع من تزويجها حتى تبذل له شيئًا من ميراث قريبه أو من صداقها .

وكان الرجل أيضا يعضل زوجته التي يكون يكرهها ليذهب ببعض ما آتاها، فنهى الله المؤمنين عن جميع هذه الأحوال ، إلا حالتين: إذا رضيت ، واختارت نكاح قريب زوجها الأول، كما هو مفهوم قوله: (كَرْهًا) ،

وإذا أتين بفاحشة مبينة كالزنا والكلام الفاحش وأذيتها لزوجها فإنه في هذه الحال يجوز له أن يعضلها، عقوبة لها على فعلها لتفتدي منه إذا كان عضلا بالعدل.

ثم قال: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) : وهذا يشمل المعاشرة القولية والفعلية، فعلى الزوج أن يعاشر زوجته بالمعروف، من الصحبة الجميلة، وكف الأذى وبذل الإحسان،

وحسن المعاملة، ويدخل في ذلك النفقة والكسوة ونحوهما، فيجب على الزوج لزوجته المعروف من مثله لمثلها ، في ذلك الزمان والمكان، وهذا يتفاوت بتفاوت الأحوال.

(فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) أي: ينبغي لكم -أيها الأزواج- أن تمسكوا زوجاتكم مع الكراهة لهن، فإن في ذلك خيرًا كثيرًا.

من ذلك امتثال أمر الله، وقبولُ وصيته التي فيها سعادة الدنيا والآخرة.

ومنها أن إجباره نفسَه -مع عدم محبته لها- فيه مجاهدة النفس، والتخلق بالأخلاق الجميلة. وربما أن الكراهة تزول وتخلفها المحبة، كما هو الواقع في ذلك. وربما رزق منها ولدا صالحا نفع والديه في الدنيا والآخرة.

وهذا كله مع الإمكان في الإمساك ، وعدم المحذور.

فإن كان لا بد من الفراق، وليس للإمساك محل، فليس الإمساك بلازم"

التفسير: (172).

فتبين بهذا أنه لا يجوز للرجل أن يعضل المرأة ، لكي يذهب ببعض مالها .

ثانيًا:

أما في الحالة الأخرى، فإن المرأة إن تنازلت عن شيء من حقها ، طوعا منها ، من غير إلجاء له ، ولا استكراه عليه ، خوفًا من الطلاق = فإن ذلك مشروع، للإبقاء على الزوجية بينها وبين زوجها .

يقول ابن قدامة: " وإذا خافت المرأة نشوز زوجها وإعراضه عنها، لرغبة عنها، إما لمرض بها، أو كبر

أو دمامة، فلا بأس أن تضع عنه بعض حقوقها ، تسترضيه بذلك؛ لقول الله تعالى (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا) [النساء: 128]"

المغني: (7/ 319).

وفي الموسوعة الفقهية الكويتية: " اتفق الفقهاء على أنه يجوز لإحدى زوجات الرجل أن تتنازل عن قسمها، أو تهب حقها من القسم لزوجها ، أو لبعض ضرائرها

أو لهن جميعا، وذلك برضا الزوج؛ لأن حقه في الاستمتاع بها لا يسقط إلا برضاه ، لأنها لا تملك إسقاط حقه في الاستمتاع بها، فإذا رضيت هي والزوج : جاز؛ لأن الحق في ذلك لهما ، لا يخرج عنهما .

فإن أبت الموهوبة قبول الهبة لم يكن لها ذلك لأن حق الزوج في الاستمتاع بها في كل وقت ثابت ، وإنما منعته المزاحمة بحق صاحبتها

فإن زالت المزاحمة بهبتها ، ثبت حقه في الاستمتاع بها ، وإن كرهت ؛ كما لو كانت منفردة .

وقد ثبت أن سودة بنت زمعة رضي الله تعالى عنها وهبت يومها لعائشة رضي الله تعالى عنها، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم لعائشة بيومها ويوم سودة "

الموسوعة: (33/ 203).

فتبين مما سبق أن للزوجة أن تتنازل عن بعض حقها، وليس هذا من قبيل التعليق، لأن هذا لم يكن منه على وجه المضارة لها ، ولا هو علقها عن الطلاق ، وحرمها النكاح ؛ بل هي تنازلت عن بعض حقها

برضاها، استصلاحا للعشرة بينهما ؛ وقد كان يمكنها أن تطلب الطلاق ، لو شاءت ؛ فانتقت شبهة "المعلقة" هنا .

الخلاصة

للزوجة أن تتنازل عن بعض حقها، وليس هذا من قبيل التعليق، لأنها تنازلت برضاها، وقد كان يمكنها أن تطلب الطلاق، ولا يجوز للرجل أن يعضل المرأة لكي يذهب ببعض مالها .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-01-12, 14:41
كيف بقي الرجل الذي ورد ذكره في آية ( فأماته الله مائة عام ثم بعثه ) مخفياً عن الناس؟

السؤال

في قصة العزير أود أن أسأل عندما أمات الله العزير ، هل أماته وهو قائم في مكانه ومكث 100عام ؟

وهل لم يمر أحد في هذا المكان ليرى أن هناك رجلا ميت وبجانبه حماره وهو ميت أيضا ؟

أم أن الله خبأه عن أعين الناس فلا يبصرونه لحكمته جلا وعلا ؟

أم أن هناك تفسير آخر؟

الجواب

الحمد لله

أولا:

قال الله تعالى:

( أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ

لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) البقرة (259).

في القول المشهور عند أهل التفسير : أن هذا الرّجل المار هو عزير، وقيل غيره .

وأما القرية فالقول المشهور أنها بيت المقدس بعد تخريب بختنصر لها.

قال ابن كثير رحمه الله تعالى:

" اختلفوا في هذا المار من هو؟ فروى ابن أبي حاتم عن عصام بن رواد، عن آدم بن أبي إياس، عن إسرائيل عن أبي إسحاق، عن ناجية بن كعب، عن علي بن أبي طالب أنه قال: هو عزير.

ورواه ابن جرير، عن ناجية نفسه. وحكاه ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وسليمان بن بريدة وهذا القول هو المشهور...

وأما القرية: فالمشهور أنها بيت المقدس، مر عليها بعد تخريب بختنصر لها وقتل أهلها "

انتهى. "تفسير ابن كثير" (1 / 687 - 688).

لكن لم يقم دليل من الخبر الصحيح ، يقطع بذلك.

قال الطبري رحمه الله تعالى:

" ولا بيان عندنا من الوجه الذي يصح من قِبَله البيان عن اسم قائل ذلك، وجائز أن يكون عزيرا، وجائز أن يكون إرميا .

ولا حاجة بنا إلى معرفة اسمه، إذ لم يكن المقصود بالآية تعريف الخلق اسم قائل ذلك، وإنما المقصود بها تعريف المنكرين قدرة الله على إحيائه خلقه بعد مماتهم، وإعادته إيّاهم بعد فنائهم

وأنه الذي بيده الحياة والموت، من قريش ، ومن كان يكذب بذلك من سائر العرب، وتثبيت الحجة بذلك على من كان بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم من يهود بني إسرائيل

بإطلاعه نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم على ما يزيل شكهم في نبوته، ويقطع عذرهم في رسالته، إذ كانت هذه الأنباء التي أوحاها الله إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم في كتابه

من الأنباء التي لم يكن يعلمها محمد صلى الله عليه وسلم وقومه، ولم يكن علم ذلك إلا عند أهل الكتاب، ولم يكن محمد صلى الله عليه وسلم وقومه منهم، بل كان أميا وقومه أميون .

فكان معلوما بذلك -عند أهل الكتاب من اليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجره- أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يعلم ذلك إلا بوحي من الله تعالى ذكره إليه .

ولو كان المقصود بذلك الخبر عن اسم قائل ذلك، لكانت الدلالة منصوبة عليه نصبا يقطع العذر، ويزيل الشك، ولكن القصد كان إلى ذم قيله، فأبان ذلك جلّ ثناؤه لخلقه.

واختلف أهل التأويل في القرية التي مر عليها القائل: ( أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ) :

فقال بعضهم: هي بيت المقدس ...

والصواب من القول في ذلك كالقول في اسم القائل: ( أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا )، سواء لا يختلفان "

انتهى، من "تفسير الطبري" (4 / 581 - 584).

ثانيا:

ما ذكره السائل في سؤاله : هو من هذا الجنس الذي قال عنه الإمام الطبري ، وغيره من الأئمة: لا حاجة بنا إلى العلم به ، وليس في الجهل به تضييع لفريضة ولا فضيلة

ولا في العلم به إدراك لشيء من ذلك ؛ بل هو أقرب إلى مسالك التكلف ، والانشغال بما لا طائل وراءه .

يقول الإمام الطبري رحمه الله ، في ذكر اختلاف القائلين : في مبلغ الثمن الذي بيع به يوسف عليه السلام :

" والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أنهم باعُوه بدراهم معدودة غير موزونة، ولم يحدَّ مبلغَ ذلك بوزن ولا عدد، ولا وضع عليه دلالة في كتاب ولا خبر من الرسول صلى الله عليه وسلم.

وقد يحتمل أن يكون كان عشرين = ويحتمل أن يكون كان اثنين وعشرين = وأن يكون كان أربعين، وأقل من ذلك وأكثر، وأيُّ ذلك كان، فإنها كانت معدودة غير موزونة ;

وليس في العلم بمبلغ وزن ذلك فائدة تقع في دين، ولا في الجهل به دخول ضرّ فيه. والإيمان بظاهر التنزيل فرضٌ، وما عَداه فموضوعٌ عنا تكلُّفُ علمه."

انتهى، من "تفسير الطبري" (15/16) .

وبحسب المسلم من ذلك أن يقف على محل الحجة والشاهد في الآيات ، وموطن العبرة والعظة في القصة ، ويتدبر معنى ما قص الله على عباده من ذلك .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-01-12, 14:48
تفسير قول الله تعالى : ( ومن كل شيء خلقنا زوجين )

السؤال

هل الملائكة مشمولين بهذه الآية (ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون)؟

الجواب

الحمد لله

فقد اختلف أهل التفسير في تأويل هذه الآية على قولين:

أرجحهما: أن الزوجين هنا ، بمعنى : الصنفين ، والنوعين المختلفين، كالسعادة والشقاء، والهدى والضلال، والملائكة والجن، والجن والإنس .

وعليه؛ فلا إشكال في دخول الملائكة في معنى الآية .

الثاني: أن المراد بالزوجين (الذكر والأنثى)، وعلى ذلك يقال في الجواب :

إن عموم كل بحسبه، ويعرف ذلك بالقرائن، فلو تأملت قوله تعالى: (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ

رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ) الأحقاف/25

لوجدت أن الآية الكريمة نصت على هلاك كل شيء

ومع ذلك (أصبحوا لا يرى إلا مساكنهم)! فعلمنا أن مساكنهم مستثناة من عموم (كل) هنا، ولا يحتاج هذا إلى تنبيه بعد ذلك : أن السموات والأرض استثنيتا من هذا الدمار الذي حصل لهؤلاء القوم .

فإذا تأملت ما سبق، علمت أن عموم كل بحسبه، وأن الملائكة الكرام غير مشمولين بهذا العموم الموجود في الآية ؛ وإنما الإشارة هنا إلى هذه الأشياء المخلوقة في "عالم الشهادة"

ليحصل ارتفاق الناس ، وانتفاعهم به ، وتظهر الحكمة من هذه النعم ، فيتذكر الناس ما أمروا به من طاعة رب العالمين .

قال العلامة ابن عاشور رحمه الله :

" لما أشعر قوله: ( فرشناها فنعم الماهدون ) ، [الذاريات: 48] بأن في ذلك نعمة على الموجودات التي على الأرض، أتبع ذلك بصفة خلق تلك الموجودات ، لما فيه من دلالة على تفرد الله تعالى بالخلق المستلزم لتفرده بالإلهية .

فقال: ( ومن كل شيء خلقنا زوجين ) . والزوج: الذكر والأنثى. والمراد بالشيء: النوع من جنس الحيوان. وتثنية زوج هنا لأنه أريد به ما يزوج من ذكر وأنثى.

وهذا الاستدلال عليهم بخلق يشاهدون كيفياته وأطواره ، كلما لفتوا أبصارهم، وقدحوا أفكارهم، وهو خلق الذكر والأنثى ليكون منهما إنشاء خلق جديد يخلف ما سلفه

وذلك أقرب تمثيل لإنشاء الخلق بعد الفناء، وهو البعث الذي أنكروه؛ لأن الأشياء تقرب بما هو واضح من أحوال أمثالها.

ولذلك أتبعه بقوله: ( لعلكم تذكرون ) ، أي تتفكرون في الفروق بين الممكنات والمستحيلات، وتتفكرون في مراتب الإمكان، فلا يختلط عليكم الاستبعاد ، وقلة الاعتياد ، بالاستحالة ؛ فتتوهموا الغريب محالا.

فالتذكر مستعمل في إعادة التفكر في الأشياء ، ومراجعة أنفسهم فيما أحالوه ، ليعلموا بعد إعادة النظر : أن ما أحالوه ممكن ، ولكنهم لم يألفوه ؛ فاشتبه عليهم الغريب بالمحال ، فأحالوه .

فلما كان تجديد التفكر المغفول عنه ، شبيها بتذكر الشيء المنسي : أطلق عليه :

( لعلكم تذكرون ) ، وهذا في معنى قوله تعالى: ( وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون * ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون ) [الواقعة: 60- 62]

فقد ذيل هنالك بالحث على التذكر، كما ذيل هنا برجاء التذكر، فأفاد : أن خلق الذكر والأنثى من نطفة ، هو النشأة الأولى ، وأنها الدالة على النشأة الآخرة.

وجملة : ( لعلكم تذكرون ) : تعليل لجملة : ( خلقنا زوجين ) ؛ أي : رجاء أن يكون في الزوجين تذكر لكم، أي : دلالة مغفول عنها."

انتهى، من "التحرير والتنوير" (27/18) .

هذا؛ مع أن الراجح الأول، كما سننقل نصوص أهل العلم عليه .

يقول الطبري: " القول في تأويل قوله تعالى: (ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون) [الذاريات: 49] يقول تعالى ذكره: وخلقنا من كل شيء خلقنا زوجين، وترك خلقنا الأولى استغناء بدلالة الكلام عليها .

واختلف في معنى (خلقنا زوجين) [الذاريات: 49] فقال بعضهم: عنى به: ومن كل شيء خلقنا نوعين مختلفين كالشقاء والسعادة والهدى والضلالة، ونحو ذلك ...

قال مجاهد، في قوله: (ومن كل شيء خلقنا زوجين) [الذاريات: 49] قال: الكفر والإيمان، والشقاوة والسعادة، والهدى والضلالة، والليل والنهار، والسماء والأرض، والإنس والجن .

... وقال آخرون: عنى بالزوجين: الذكر والأنثى.

.. وأولى القولين في ذلك قول مجاهد، وهو أن الله تبارك وتعالى، خلق ، لكل ما خلق من خلقه: ثانيا له ، مخالفا في معناه، فكل واحد منهما زوج للآخر، ولذلك قيل: خلقنا زوجين. "

تفسير الطبري: (21/ 547 - 549).

وقال ابن عطية: " (ومن كل شيء خلقنا زوجين) أي: مصطحبين ومتلازمين .

فقال مجاهد: معناه أن هذه إشارة إلى المتضادات والمتقابلات من الأشياء

كالليل والنهار ، والشقوة والسعادة ، والهدى والضلالة ، والأرض والسماء ، والسواد والبياض ، والصحة والمرض ، والكفر والإيمان ونحو هذا"، المحرر: (5/ 181).

وقال ابن كثير: " (ومن كل شيء خلقنا زوجين) أي: جميع المخلوقات أزواج: سماء وأرض، وليل ونهار

وشمس وقمر، وبر وبحر، وضياء وظلام، وإيمان وكفر، وموت وحياة، وشقاء وسعادة، وجنة ونار، حتى الحيوانات جن وإنس، ذكور وإناث والنباتات، ولهذا قال: (لعلكم تذكرون) أي: لتعلموا أن الخالق واحد لا شريك له"

تفسير ابن كثير: (7/ 424).

وللمزيد انظر الإجابة التالية:

والخلاصة

لا تدخل الملائكة في عموم الآية، لأن معناها: أن الله تعالى خلق من جميع الكائنات زوجين ، أي : صنفين متقابلين . كالذكر والأنثى ، والليل والنهار

والحر والبرد ..إلخ . وذلك يدل على كمال قدرة الله تعالى الذي يخلق ما يشاء ، فيخلق الشيء ويخلق ما يخالفه في الصفات .

والله أعلم

*عبدالرحمن*
2019-01-12, 14:53
تفسير قوله تعالى : ( وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ )

السؤال

سؤالي حول الآية " وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ" : هل معنى كلمة الزوجين يشمل ما كان من نفس النوع كالتفاح مثلاً ؟

وهل أتت الكلمة " الزوجين " في نفس السياق في جميع الآيات التي تتحدث عن خلق كل شيء أزواجاً ، فهل يمكنكم ذكر بعض الأمثلة على استخدامات الكلمة مع ذكر الدليل ؟

الجواب

الحمد لله

قال الله عز وجل : ( وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) الذاريات/ 49 .

ومعنى الآية : أن الله تعالى خلق من جميع الكائنات زوجين ، أي : صنفين متقابلين .

كالذكر والأنثى ، والليل والنهار ، والحر والبرد ..إلخ . وذلك يدل على كمال قدرة الله تعالى الذي يخلق ما يشاء ، فيخلق الشيء ويخلق ما يخالفه في الصفات .

قال الطبري رحمه الله :

" واختلف في معنى (خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ) فقال بعضهم : عنى به : ومن كلّ شيء خلقنا نوعين مختلفين كالشقاء والسعادة ، والهدى والضلالة ، ونحو ذلك .

قال مجاهد : الكفر والإيمان ، والشقاوة والسعادة ، والهدى والضلالة ، والليل والنهار ، والسماء والأرض ، والإنس والجنّ .

وقال آخرون : عنى بالزوجين : الذكر والأنثى .

وأولى القولين في ذلك قول مجاهد ، وهو أن الله تبارك وتعالى ، خلق لكلِّ ما خَلَقَ من خلقه ثانياً له مخالفاً في معناه ، فكلّ واحد منهما زوج للآخر ، ولذلك قيل : خلقنا زوجين

. وإنما نبه جلّ ثناؤه بذلك على قُدرته على خلق ما يشاء خلقه من شيء ، وأنه ليس كالأشياء التي شأنها فعل نوع واحد دون خلافه ، إذ كلّ ما صفته فعل نوع واحد دون ما عداه كالنار التي شأنها التسخين ،

ولا تصلح للتبريد ، وكالثلج الذي شأنه التبريد ، ولا يصلح للتسخين ، فلا يجوز أن يوصف بالكمال ، وإنما كمال المدح للقادر على فعل كلّ ما شاء فعله من الأشياء المختلفة والمتفقة "

انتهى من " تفسير الطبري " (22/439-440) .

وقال ابن كثير رحمه الله :

" ( وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ ) أَيْ : جَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ أَزْوَاجٌ : سَمَاءٌ وَأَرْضٌ ، وَلَيْلٌ وَنَهَارٌ ، وَشَمْسٌ وَقَمَرٌ ، وَبَرٌّ وَبَحْرٌ ، وَضِيَاءٌ وَظَلَامٌ ، وَإِيمَانٌ وَكُفْرٌ ، وَمَوْتٌ وَحَيَاةٌ ، وَشَقَاءٌ وَسَعَادَةٌ ، وَجَنَّةٌ وَنَارٌ ، حَتَّى الْحَيَوَانَاتُ

جِنٌّ وَإِنْسٌ ، ذُكُورٌ وَإِنَاثٌ ، وَالنَّبَاتَاتُ ، وَلِهَذَا قَالَ : ( لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) أَيْ : لِتَعْلَمُوا أَنَّ الْخَالِقَ واحدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ "

انتهى من " تفسير ابن كثير " (7/ 424) .

وقال القرطبي رحمه الله :

" قوله تَعَالَى : (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ) : أَيْ صِنْفَيْنِ وَنَوْعَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ. قَالَ ابْنُ زَيْدٍ

: أَيْ ذَكَرًا وَأُنْثَى ، وَحُلْوًا وَحَامِضًا وَنَحْوَ ذَلِكَ. وقال مُجَاهِدٌ: يَعْنِي الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى، وَالسَّمَاءَ وَالْأَرْضَ، وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، وَاللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَالنُّورَ وَالظَّلَامَ، وَالسَّهْلَ وَالْجَبَلَ

وَالْجِنَّ وَالْإِنْسَ، وَالْخَيْرَ وَالشَّرَّ، وَالْبُكْرَةَ وَالْعَشِيَّ، وَكَالْأَشْيَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ الألوان مِنَ الطُّعُومِ وَالْأَرَايِيحِ وَالْأَصْوَاتِ. أَيْ جَعَلْنَا هَذَا كَهَذَا دَلَالَةً عَلَى قُدْرَتِنَا، وَمَنْ قَدَرَ عَلَى هَذَا فَلْيَقْدِرْ عَلَى الْإِعَادَةِ"

انتهى من " تفسير القرطبي " (17/53) .

وقال ابن جزي رحمه الله :

" أي نوعين مختلفين ، كالليل والنهار ، والسواد والبياض ، والصحة والمرض وغير ذلك "

انتهى من " تفسير ابن جزي " (2/310) .

وأما قوله تعالى : (وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) الرعد/ 3 .

قال ابن كثير : " أَيْ : مِنْ كُلِّ شَكْلٍ صِنْفَانِ "

انتهى من " تفسير ابن كثير " (4/431) .

وقال القرطبي :

" بِمَعْنَى صِنْفَيْنِ . قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الزَّوْجُ وَاحِدٌ، وَيَكُونُ اثْنَيْنِ.

وَقِيلَ: مَعْنَى" زَوْجَيْنِ" نَوْعَانِ ، كَالْحُلْوِ وَالْحَامِضِ ، وَالرَّطْبِ وَالْيَابِسِ ، وَالْأَبْيَضِ وَالْأَسْوَدِ ، وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ "

انتهى من " تفسير القرطبي " (9/280) .

وقال ابن عطية رحمه الله :

" الزوج في هذه الآية : الصنف والنوع ... ومنه قوله تعالى : ( سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ ) يس/ 36

ومثل هذه الآية : (وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) ق/ 7 .

وهذه الآية تقتضي أن كل ثمرة فموجود منها نوعان، فإن اتفق أن يوجد في ثمرة أكثر من نوعين فغير ضار في معنى الآية ... ويقال: إن في كل ثمرة ذكراً وأنثى "

انتهى من " تفسير ابن عطية " (3/293) .

وقال تعالى : ( وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ) ق/ 7 .

قال ابن كثير :

" أَيْ : مِنْ جَمِيعِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ وَالنَّبَاتِ وَالْأَنْوَاعِ "

انتهى من " تفسير ابن كثير " (7/ 396) .

وقال السعدي رحمه الله
:
" أي : من كل صنف من أصناف النبات ، التي تسر ناظرها ، وتعجب مبصرها ، وتقر عين رامقها ، لأكل بني آدم ، وأكل بهائمهم ومنافعهم "

انتهى من " تفسير السعدي " (ص/804) .

فالزوج : الصنف ، والزوجان الصنفان المتقابلان ، كالحلو والحامض ، والعذب والملح ، فالتفاح صنف ، والبرتقال صنف ، ولكل صنف طعم ولون .

ويمكن أن يكون الزوجان من الصنف الواحد ، كالبرتقال والتفاح والبلح والعنب ، ففيها الذكر والأنثى ، والصغير والكبير ، والأنواع المختلفة اللون والطعم .

وأما قوله تعالى : (وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا) النبأ/ 8 ، فهو كقوله عز وجل

: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا ) النحل/ 72 ، وقوله : ( وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا ) فاطر/ 11 ، وقوله : (جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا ) الشورى/11 .

فالخطاب هنا لبني آدم ، والمعنى : خلقناكم ذكورا وإناثا من جنس واحد ، ليسكن كل منهما إلى الآخر ، فتكون المودة والرحمة ، وتنشأ عنهما الذرية .

" تفسير ابن كثير " (8/302)

" تفسير السعدي " (ص/906) .

والله أعلم .

و اخيرا

الحمد لله الذي بفضلة تتم الصالحات

اخوة الاسلام

اكتفي بهذا القدر و لنا عوده
ان قدر الله لنا البقاء و اللقاء

و اسال الله ان يجمعني بكم دائما
علي خير

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين

*عبدالرحمن*
2019-01-15, 14:29
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)
اخوة الاسلام

أحييكم بتحية الإسلام
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)


تفسير قوله تعالى: (فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات).

السؤال

جائتني رسالة على الواتس أب مجهولة المصدر هذه هي الرسالة : ‏( ﺇِﻟَّﺎ ﻣَﻦْ ﺗَﺎﺏَ ﻭَﺁﻣَﻦَ ﻭَﻋَﻤِﻞَ ﻋَﻤَﻠًﺎ ﺻَﺎﻟِﺤًﺎ ﻓَﺄُﻭﻟَٰﺌِﻚَ ﻳُﺒَﺪِّﻝُ ﺍﻟﻠَّﻪُ ﺳَﻴِّﺌَﺎﺗِﻬِﻢْ ﺣَﺴَﻨَﺎﺕٍ ۗ ﻭَﻛَﺎﻥَ ﺍﻟﻠَّﻪُ ﻏَﻔُﻮﺭًﺍ ﺭَﺣِﻴﻤًﺎ ‏) ‏[ ﺳﻮﺭﺓ ﺍﻟﻔﺮﻗﺎﻥ : 70 ‏] ﻟﻴﻌﻠﻢ ﺃﻧﻪ ﻻ ﻳﺠﻮﺯ ﺃﻥ ﻳﻌﺘﻘﺪ ﺃﺣﺪ

ﺃﻥ ﺍﻟﺴﻴﺌﺔ ﺗﻨﻘﻠﺐ ﺣﺴﻨﺔ ﺑﺤﺎﻝ ﻣﻦ ﺍﻷﺣﻮﺍﻝ ﻭﻟﻴﺲ ﻣﻌﻨﻰ ﻫﺬﻩ ﺍﻵﻳﺔ ﺃﻥ ﺍﻟﻜﺎﻓﺮ ﺇﻥ ﺃﺳﻠﻢ ﺃﻭ ﺍﻟﻌﺎﺻﻲ ﺇﻥ ﺗﺎﺏ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﺴﻴﺌﺎﺕ ﺑﻌﻴﻨﻬﺎ ﺗﻨﻘﻠﺐ ﺣﺴﻨﺎﺕ ﺑﻞ ﻳﻜﻔﺮ ﻣﻦ ﺍﻋﺘﻘﺪ ﺫﻟﻚ ﻓﺈﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻻﻋﺘﻘﺎﺩ ﺍﻟﺴﻔﻴﻪ ﻣﻌﻨﺎﻩ ﻟﻮ ﺃﻥ ﻛﺎﻓﺮﺍ

ﻛﺎﻥ ﻻ ﻳﺆﺫﻱ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻭﻛﺎﻓﺮﺍ ﻛﺎﻥ ﻳﺆﺫﻱ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻭﻳﺘﻤﺎﺩى ﻓﻲ ﺍﻟﻔﺴﺎﺩ ﺛﻢ ﺃﺳﻠﻤﺎ ﻓﺈﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻜﺎﻓﺮ ﺍﻟﺬﻱ ﻛﺎﻥ ﻳﺆﺫﻱ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻭﻳﺘﻤﺎﺩى ﻓﻲ ﺍﻟﻔﺴﺎﺩ ﻟﻪ ﺑﺈﺳﻼﻣﻪ ﺃﺟﺮ ﺃﻋﻈﻢ ﻣﻦ ﺍﻷﺟﺮ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻜﻮﻥ

ﺑﺈﺳﻼﻡ ﺫﺍﻙ ﺑﺰﻋﻢ ﻣﻦ ﺍﺩﻋﻰ ﺃﻥ ﺍﻟﺴﻴﺌﺎﺕ ﺑﺬﺍﺗﻬﺎ ﺗﺒﺪﻝ ﺣﺴﻨﺎﺕ ﻓﻜﻠﻤﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﺍﻟﺴﻴﺌﺎﺕ ﺃﻛﺜﺮ ﻛﺎﻧﺖ ﺍﻟﺤﺴﻨﺎﺕ ﺃﻛﺜﺮ ﺑﺰﻋﻢ ﻣﻦ ﺍﺩﻋﻰ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﻌﻨﻰ ﻭﻫﺬﺍ ﻣﻌﺘﻘﺪ ﻓﺎﺳﺪ ﻳﺠﺐ ﻋﻠﻰ ﻣﻦ ﺍﻋﺘﻘﺪﻩ ﺃﻥ ﻳﺘﺒﺮﺃ ﻣﻨﻪ ﻟﻠﺨﻼﺹ ﻣﻦ ﺍﻟﻜﻔﺮ

ﺑﻘﻮﻝ ؛ ﺃﺷﻬﺪ ﺃﻥ ﻻ ﺇﻟﻪ ﺇﻻ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﺃﺷﻬﺪ ﺃﻥ ﻣﺤﻤﺪﺍ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ. هل هذا الكلام صحيح وهل يكفر معتقد هذا الكلام.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

الواجب على المسلم : أن يكون وقافا عند حدود الله ، معظما لأمر الله

وخبره ، وخبر رسوله صلى الله عليه وسلم ، ممسكا عن الجرأة على الخوض فيما لا علم له به ، حافظا لسانه ، ضنينا بدينه أن يضيعه في حصائد الألسن ، بالسب تارة ، والتجهيل تارة ، والتكفير والتفسيق تارة ...

وما ذكر السائل عن هذه الرسالة ، وأن من اعتقد كذا : وجب عليه أن يتبرأ منه للخلاص من الكفر ؟

فأي كفر يعنيه هذا القائل هداه الله ، وهل قوله هذا : إلا من غاية الجهل ، والجرأة على رب العالمين ، ودينه : أن يتكلم فيه بغير علم ، ولا هدى ، وكتاب منير ؟!!

ثانيًا:

اختلف أهل العلم في تفسير قوله تعالى: (فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات) [الفرقان: 70]، على أقوال:

1- أن الله يبدل الأعمال التي كانوا عليها حال شركهم، بأعمال صالحة .

فيبدل الشرك إيمانًا، والزنا إحصانًا وعفة، وهكذا سائر الأعمال، تنقلب حال الإيمان إلى أعمال صالحة يثيب الله تعالى عليها .

2- وقال بعض العلماء أن التبديل يقع في الآخرة، فيبدل الله السيئات التي وقعت في الدنيا حسنات يوم القيامة .

ورجح الطبري القول الأول فقال: " قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالصواب في ذلك تأويل من تأوله: فأولئك يبدل الله سيئاتهم: أعمالهم في الشرك حسنات في الإسلام

بنقلهم عما يسخطه الله من الأعمال إلى ما يرضى. وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية ، لأن الأعمال السيئة قد كانت مضت على ما كانت عليه من القبح ، وغير جائز تحويل عين قد مضت بصفة إلى خلاف ما كانت عليه

إلا بتغييرها عما كانت عليه من صفتها في حال أخرى

فيجب إن فعل ذلك كذلك أن يصير شرك الكافر الذي كان شركا في الكفر بعينه إيمانا يوم القيامة بالإسلام ومعاصيه كلها بأعيانها طاعة ، وذلك ما لا يقوله ذو حجا "،

تفسير الطبري: (17/ 520).

انظر: تفسير الطبري: (17/ 516)

والمحرر الوجيز، لابن عطية: (4/ 221)

وزاد المسير: (3/ 330).

وقال الإمام ابن كثير: " في معنى قوله: (يبدل الله سيئاتهم حسنات) قولان:

أحدهما: أنهم بدلوا مكان عمل السيئات بعمل الحسنات. قال علي بن أبي طلحة

عن ابن عباس في قوله: (فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات) قال: هم المؤمنون، كانوا من قبل إيمانهم على السيئات، فرغب الله بهم عن ذلك فحولهم إلى الحسنات، فأبدلهم مكان السيئات الحسنات.

... وقال سعيد بن جبير: أبدلهم بعبادة الأوثان عبادة الله، وأبدلهم بقتال المسلمين قتالا مع المسلمين للمشركين، وأبدلهم بنكاح المشركات نكاح المؤمنات.

وقال الحسن البصري: أبدلهم الله بالعمل السيئ العمل الصالح، وأبدلهم بالشرك إخلاصا، وأبدلهم بالفجور إحصانا وبالكفر إسلاما.

وهذا قول أبي العالية، وقتادة، وجماعة آخرين.

والقول الثاني: أن تلك السيئات الماضية تنقلب بنفس التوبة النصوح حسنات، وما ذاك إلا أنه كلما تذكر ما مضى ندم واسترجع واستغفر، فينقلب الذنب طاعة بهذا الاعتبار. فيوم القيامة

وإن وجده مكتوبا عليه لكنه لا يضره وينقلب حسنة في صحيفته، كما ثبتت السنة بذلك، وصحت به الآثار المروية عن السلف، رحمهم الله تعالى .

... وعن أبي ذر، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لأعرف آخر أهل النار خروجا من النار، وآخر أهل الجنة دخولا إلى الجنة: يؤتى برجل فيقول: نحوا كبار ذنوبه وسلوه عن صغارها،

قال: فيقال له: عملت يوم كذا وكذا كذا، وعملت يوم كذا وكذا كذا؟ فيقول: نعم -لا يستطيع أن ينكر من ذلك شيئا - فيقال: فإن لك بكل سيئة حسنة. فيقول: يا رب، عملت أشياء لا أراها هاهنا"

قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه "

تفسير ابن كثير: (6/ 127)، بتصرف.

وانظر للترجيح بين القولين، تفسير القاسمي: (7/ 439)

وأصله في طريق الهجرتين: (245).

*عبدالرحمن*
2019-01-15, 14:30
قال ابن القيم بعد أن ذكر حجج الطائفتين:

" فالصواب إن شاءَ الله في هذه المسألة أن يقال: لا ريب أن الذنب نفسه لا ينقلب حسنة، والحسنة إنما هي أمر وجودي يقتضى ثواباً، ولهذا كان تارك المنهيات إنما يثاب على كف نفسه وحبسها عن مواقعة المنهى

وذلك الكف والحبس أمر وجودي وهو متعلق الثواب.

وأما من لم يخطر بباله الذنب أصلاً ، ولم يحدث به نفسه، فهذا كيف يثاب على تركه، ولو أُثيب مثل

هذا على ترك هذا الذنب ، لكان مثاباً على ترك ذنوب العالم التي لا تخطر بباله، وذلك أضعاف حسناته بما لا يحصى، فإن التَرك مستصحب معه، والمتروك لا ينحصر ولا ينضبط، فهل يثاب على ذلك كله؟ هذا مما لا يتوهم.

وإذا كانت الحسنة لا بد أن تكون أمراً وجودياً ، فالتائب من الذنوب التي عملها : قد قارن كلَّ ذنب منها ندمٌ عليه، وكف نفسه عنه، وعزم على ترك معاودته. وهذه حسنات بلا ريب .

وقد محت التوبة أثر الذنب ، وخلفه هذا الندم والعزم، وهو حسنة قد بدلت تلك السيئة حسنة.

وهذا معنى قول بعض المفسرين: يجعل مكان السيئة التوبة، والحسنة مع التوبة.

فإذا كانت كل سيئة من سيئاته قد تاب منها ، فتوبته منها حسنة حلت مكانها، فهذا معنى التبديل، لا أن السيئة نفسها تنقلب حسنة.

وقال بعض المفسرين في هذه الآية: يعطيهم بالندم على كل سيئة أساؤوها حسنة، وعلى هذا فقد زال بحمد الله الإشكال، واتضح الصواب، وظهر أن كل واحدة من الطائفتين ما خرجت عن موجب العلم والحجة.

وأما حديث أبى ذر - وإن كان التبديل فيه في حق المصرّ الذى عذب على سيئاته - فهو يدل بطريق الأولى على حصول التبديل للتائب المقلع النادم على سيئاته، فإن الذنوب التي عذب عليها المصر

لما زال أثرها بالعقوبة ، بقيت كأن لم تكن، فأعطاه الله مكان كل سيئة منها حسنة

لأن ما حصل له يوم القيامة من الندم المفرط عليها ، مع العقوبة : اقتضى زوال أثرها وتبديلها حسنات، فإن الندم لم يكن في وقت ينفعه، فلما عوقب عليها ، وزال أثرها : بدلها الله له حسنات.

فزوال أثرها بالتوبة النصوح : أعظم من زوال أثرها بالعقوبة، فإذا بدلت بعد زوالها بالعقوبة حسنات ؛ فلأن تبدل بعد زوالها بالتوبة حسنات أولى وأحرى.

وتأثير التوبة في هذا المحو والتبديل : أقوى من تأْثير العقوبة ؛ لأن التوبة فعل اختياري أَتى به العبد طوعاً ، ومحبة لله ، وفرقاً منه.

وأما العقوبة : فالتكفير بها من جنس التكفير بالمصائب التي تصيبه بغير اختياره

بل بفعل الله، ولا ريب أن تأْثير الأفعال الاختيارية التي يحبها الله ويرضاها ، في محو الذنوب ، أعظم من تأْثير المصائب التي تناله بغير اختياره".

والخلاصة

أن في تفسير التبديل في الآية قولان:

أحدهما: أنهم بدلوا مكان عمل السيئات بعمل الحسنات.

والقول الثاني: أن تلك السيئات الماضية تنقلب بنفس التوبة النصوح حسنات، وما ذاك إلا أنه كلما تذكر ما مضى ندم واسترجع واستغفر، فينقلب الذنب طاعة بهذا الاعتبار.

وينظر للفائدة ، ما سبق حول هذه المسألة ، في جواب السؤال القادم

فالمسألة خلافية بين أهل العلم، ولكن نقول: لا يصح أن يكفر أحدٌ أحدًا في مثل هذه المسائل، بل المكفر يكون قد شابه الخوارج، وأثم إثمًا عظيمًا، بتجرؤه على القول بلا علم .

والله أعلم

*عبدالرحمن*
2019-01-15, 14:34
شبهة حول تبديل سيئات الكافر حسنات إذا أسلم

السؤال

هل الكافر إذا كان يؤذي الناس ، ويتمادى في الفساد ، وكافر آخر لا يؤذي الناس ، فهل الكافر الذي يؤذي الناس ويتمادى في الفساد يكن عند إسلامه أعظم أجرا من الكافر الذي لا يؤذي الناس إذا أسلم هو أيضا

لأن الكافر الذي يؤذي الناس له سيئات كثيرة فتصبح عند إسلامه وتوبته كلها حسنات، يعني هل تبدل سيئاته التي عملها أثناء ارتداده إلى حسنات يعني إذا عنده ألف سيئة تصبح ألف حسنة ؟

والدليل ما أخرجه الطبراني من حديث عبد الرحمن بن جبير بن نفير ، عن أبي فروة شطب أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أرأيت رجلا عمل الذنوب كلها ، ولم يترك حاجة ولا داجة ، فهل له من توبة ؟

فقال : ( أسلمت ؟

) فقال : نعم ، قال : ( فافعل الخيرات ، واترك السيئات ، فيجعلها الله لك خيرات كلها ) ، قال : وغدراتي وفجراتي ؟

قال : ( نعم ) قال : فما زال يكبر حتى توارى .

وفي صحيح مسلم عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إِنِّي لَأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ، وَآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، رَجُلٌ يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ،

فَيُقَالُ: اعْرِضُوا عَلَيْهِ صِغَارَ ذُنُوبِهِ، وَارْفَعُوا عَنْهُ كِبَارَهَا، فَتُعْرَضُ عَلَيْهِ صِغَارُ ذُنُوبِهِ، فَيُقَالُ: عَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا، وَعَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: نَعَمْ، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْكِرَ وَهُوَ مُشْفِقٌ مِنْ كِبَارِ ذُنُوبِهِ

أَنْ تُعْرَضَ عَلَيْهِ، فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً، فَيَقُولُ: رَبِّ، قَدْ عَمِلْتُ أَشْيَاءَ لَا أَرَاهَا هَا هُنَا ) فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ .

وحديث آخر ليتمنين أقوما لو أكثروا من السيئات إلى نهاية الحديث ، فهل هذا الكلام صحيح ؟

الجواب

الحمد لله

دلت النصوص على أن الكافر إذا أسلم بدلت سيئاته حسنات

ومن ذلك قوله تعالى: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً

إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ) الفرقان/68- 70.

ومن ذلك حديث أبي فروة الذي ذكرت، وهو حديث حسن صحيح

كما قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في المطالب العالية (2847).

وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله: " وقد وردت أحاديث صريحة في أن الكافر إذا أسلم ، وحسن إسلامه ، تبدلت سيئاته في الشرك حسنات ، فخرج الطبراني من حديث عبد الرحمن بن جبير بن نفير

عن أبي فروة شطب أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أرأيت رجلا عمل الذنوب كلها ، ولم يترك حاجة ولا داجة ، فهل له من توبة ؟ فقال : " أسلمت ؟ " فقال : نعم ، قال : " فافعل الخيرات

واترك السيئات ، فيجعلها الله لك خيرات كلها " قال : وغدراتي وفجراتي ؟

قال : " نعم " قال : فما زال يكبر حتى توارى"

انتهى من جامع العلوم والحكم (2/ 300).

وأما حديث: "ليتمنين أقوام..." فقد رواه الحاكم في المستدرك (7718) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -

: " ليتمنين أقوام لو أكثروا من السيئات " ، قالوا : بم يا رسول الله ؟ قال : ( الذين بدل الله سيئاتهم حسنات ) " وصححه الحاكم، والألباني في السلسلة الصحيحة (5/ 209).

وهذا الحديث وحديث أبي ذر عند مسلم هو في شأن المسلم المذنب، فإنه تبدل سيئاته حسنات أيضا ، بالتوبة

فإن قيل: كيف ينال الكافر المؤذي للمسلمين أجرا أكثر من الكافر الذي كان لا يؤذيهم، أي إذا أسلم هذا وهذا؟

فالجواب من وجوه:

الأول: أن هذا الكافر الفاجر المؤذي لو أسلم كان ذلك عملا عظيما كبيرا؛ لما فيه من تخليه عن دينه، وشهواته وجرائمه، وكلما عظمت جرائمه ، كان تخليه عنها

أعظم من تخلي من قلت جرائمه وموبقاته، فلا عجب أن يكون أجره أعظم وأكبر حين تبدل سيئاته حسنات.

الثاني: أن الشأن كله في توفيق هذا الكافر الفاجر للإسلام، فلا يوفق لذلك كل أحد، والله أعلم

بمن يستحق الهداية والإكرام، ممن لا يستحق ذلك، كما قال تعالى: (وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ) الأنعام/53

الثالث : أن هذا التبديل في الدنيا ، بمعنى أنَّ الله يُبَدِّلُ من أسلم وتاب إليه بَدَلَ ما كان عليه من الكفر والمعاصي : الإيمانَ والأعمالَ الصالحةَ . وحكى هذا القول إبراهيم الحربي في

" غريب الحديث " عن أكثر المفسرين ، وسمى منهم : ابنَ عباس ، وعطاء ، وقتادة ، والسُّدي ، وعِكرمة . وهو المشهورُ عن الحسن.

ينظر : "جامع العلوم والحكم" لابن رجب" (1/319) .

الرابع : وهو ما ارتضاه ابن رجب الحنبلي رحمه الله ، تقريرا ، في جواب من قال : " يَلْزَمُ من ذلك أنْ يكون مَنْ كَثُرَت سيئاتُه أحسنَ حالاً ممن قلَّتْ سيئاتُهُ " ؟

فيقال : إنَّما التبديلُ في حقِّ مَنْ نَدِمَ على سيئاته ، وجعلها نصبَ عينيه ، فكلما ذكرها ازداد خوفاً ووجلاً وحياء من الله ، ومسارعة إلى الأعمال الصالحة المكفرة

كما قال تعالى : ( إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً ) ، وما ذكرناه كله داخل في العمل الصالح ، ومن كانت هذه حاله فإنَّه يتجرَّعُ من مرارة الندم والأسف على ذنوبه أضعافَ ما ذاق من حلاوتها عندَ فعلها

ويصيرُ كلُّ ذنبٍ من ذنوبه سبباً لأعمال صالحةٍ ماحية له ، فلا يُستنكر بعد هذا تبديل هذه الذنوب حسنات."

انتهى، من "جامع العلوم والحكم" (1/322) .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-01-15, 14:41
يعترض على مغفرة الله لسيئات الكافر إن هو أسلم ، ومحاسبة الله للمسلم العاصي!

السؤال

إنني قد ولدت مسلماً - والحمد لله - ، أريد أن أسأل سؤالاً أزعجني كثيراً في الآونة الأخيرة ، كنت أتناقش وزميل لي في العمل حول مغفرة الله للكافر إذا ما أسلم عند موته ، فقال زميلي

: بأن الله يغفر للكافر إذا ما نطق بالشهادة عند موته ، وقد قلت له : كيف يغفر الله له كل هذه الآثام ؟ وأقصد بقولي أنه قد جمع جميع الملذات أيام كفره ، فلا حصر لما مارسه من زنا ، مع نساء ، أو رجال

وقد كان يشرب الخمر ، ويقتل ، ثم إنه بعد ذلك يسلم عند موته ؟ فلماذا يغفر الله له ؟! فهذا ليس عدلاً في منظور أي فرد وخاصة المسلمين ، أليس كذلك ؟

وإنني أعني أنه لو قال كافر : " إنني سوف أشرب الخمر ، وأزني بالنساء دونما زواج ، وإذا ما قرُبت منيتي : أسلمت لله " ، أو إنه حتى لم يفكر في ذلك ، ولكنه أسلم في النهاية

على أية حال ( وكان إسلامه صادقاً ) ، فلماذا يغفر الله له ؟

كما أنني مسلم صادق ، وأعبد الله وحده ، وقد قال زميلي : إن الله سوف يغفر له لأنه لم يكن على معرفة بالإسلام ، ولكنني لم أصدق مثل هذا القول

ولا أرضى به ؛ لأنه لو غفر الله له فماذا عن سيئاتي أنا وهل يغفرها الله ؟

وإذا ما كان الله يغفر للكافر في آخر لحظات حياته : فإن هذا غير عادل تماماً بأن لا يحاسبه على جميع أعماله ، ولماذا أُسأل أنا ( المسلم ) عن سيئاتي بينما يغفر للكافر ؟ .

برجاء الإجابة على هذا السؤال ؛ حيث إنه أقضَّ مضجعي ، ليلاً ، ونهاراً ، ولا أريد أن تجيبني بأنه ليس لنا أن نحكم في هذا ، لأن هذه كانت ضمن الإجابات التي قيلت لي كثيراً

ولكنني أريد إجابة أفضل ، وأكثر إيضاحاً . جزاك الله خيراً .

الجواب

الحمد لله

أولاً :

قبل الإجابة لا بد من التنبيه على أمرٍ جلل ، وهو أنه يحرم الكلام في دين الله تعالى بغير علم وهدى .

قال تعالى : ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ) الأعراف/ 33 .

كما أنه يحرم الاعتراض على شرع الله في أحكامه ، بل يجب التسليم ، ولا مانع من السؤال عما خفي حكمه ، أو حكمته ، لكن ليس أن يبدأ بالاعتراض والرد ، فيقول القائل : كيف هذا

وأنا لا أرضى به ؟! حتى لكأنه يتحكم في أمر من ملكه ، أو يحكم على صبي من بني جنسه ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .

قال تعالى : ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) النساء/ 65 .

فنحن وإن كنا فرحين بمراسلتك لنا ، واستفسارك عن المسألة ، لكن قد أحزننا ، بل أفزعنا ، ذلك الكلام ، وذلك الحوار بينك وبين صاحبك ، فهلا سألتما ـ قبل الاعتراض ، والرد والتكذيب ـ عما جهلتما ؛ فإنما شفاء العيّ السؤال ؟!

وهل علمتما خطر الرد والتكذيب بأمر ، لم تحيطا به علماً ؟!

قال الله تعالى : ( بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ) يونس/39 .

قال الشيخ ابن سعدي رحمه الله :

" والذي حملهم على التكذيب بالقرآن المشتمل على الحق الذي لا حق فوقه ، أنهم لم يحيطوا به علمًا ؛ فلو أحاطوا به علمًا وفهموه حق فهمه ، لأذعنوا بالتصديق به ..

. وهذا التكذيب الصادر منهم، من جنس تكذيب من قبلهم ، ولهذا قال: كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ وهو الهلاك الذي لم يبق منهم أحدًا .

فليحذر هؤلاء أن يستمروا على تكذيبهم ، فيحل بهم ما أحل بالأمم المكذبين والقرون المهلكين.

وفي هذا دليل على التثبت في الأمور، وأنه لا ينبغي للإنسان أن يبادر بقبول شيء أو رده، قبل أن يحيط به علمًا " .

ثانياً :

أيها الأخ السائل :

لنا مع كلامك الذي سطرته آنفاً وقفات ، نرجو تأملها ، والتفكر بها :

1. ما كان ينبغي لك الاعتراض على رحمة الله ، وفضله ، وكرمه ، وأنت أحوج ما تكون لذلك ؛ لأنه لا بدَّ أن يقع منك تقصير في حق الله ، ما تحتاج معه لرحمة ربك تعالى

واعلم أن ما تقدمه من أعمال لا يؤهلك لدخول الجنة به ، ولا يدخل أحدٌ الجنَّة – حتى النبي محمد صلى الله عليه وسلم – إلا برحمته عز وجل .

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لَنْ يُنَجِّيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ . قَالُوا : وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : وَلا أَنَا ، إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ) . رواه البخاري (6098) ومسلم (2816) .

2. اعلم أن مقارنتك المذكورة ليست أكثر من مغالطة ، أو وسوسة لفظية من وسوسات الشيطان ؛ فالله جل جلاله لا يغفر للكافر حين كفره

: ( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً ) النساء/48 . وإنما يغفر الله تعالى للكافر إذا أسلم وآمن ، يعني : أنه حين كفره قد صار مسلماً

تائباً من أعمال الجاهلية والكفر ، قد بدأ صفحة جديدة مع ربه ، وعفا الله له عما سلف ، لأجل إسلامه ؛ فأنت توازن في حقيقة الأمر بين مسلم تاب من ذنب سابق ، ومسلم آخر مقيم على ذنب في الحاضر!!

3. اعلم أن فضل الله تعالى على الناس عظيم ، فهو يغفر الذنب مهما عظم ، ويقبل التوب من التائب ، بل ويفرح بتوبة عبده - مع استغنائه عز وجل عن جميع خلقه -

ليس هذا فحسب ، بل ويبدل سيئاته حسنات ! ولا فرق في هذا بين كافر أسلم ، وبين عاصٍ تاب .

قال تعالى : ( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً . يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً

. إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ) الفرقان/ 68 – 70 .

ومما لا شك فيه أن أمر التوبة من المعصية أهون من إسلام الكافر ، فأنت تتقلب في نعم الله تعالى ، والتوفيق للتوبة والاستغفار توجد له أسبابه الكثيرة وأنت في دائرة الإسلام

وأنَّى يكون مثل هذا لكافر يحتاج أولاً أن يتخلى عن دينه ، ثم يدخل في الإسلام ؟!

ولعظم أمر التخلي عن التدين بغير الإسلام ، وعظم التخلي عن المعصية

وعد الله تعالى جميع هؤلاء بمغفرة ذنوبهم ، وإبدالها حسنات إن هم فعلوا الصواب ، فأسلم الكافر ، وتاب العاصي ، وهذا من عظيم فضل الله تعالى ورحمته .

فاعتراضك على أن الله يسألك عن ذنوبك ، ولا يسأل الكافر إذا أسلم : في غير محله ؛ لأنه جاء بما يمحو ذنوبه كلها ، فبماذا جئت أنت ؟ وما هو مطلوب منك أنت أيسر مما هو مطلوب منه ، فمن يقال له

: دع دينك الذي أنت عليه : يُغفر لك ذنبك : أتساويه بمن يقال له من المسلمين : تب من معصيتك : يُغفر لك ذنبك ؟! فمن جاء بما يمحو به ذنبه من إسلام ، أو هجرة ، أو توبة ، أو حد يقام عليه

: غفر له ذنبه ، ومن لم يأت من ذلك بشيء فهو إلى الله إن شاء غفر له ، وإن شاء عذَّبه ، إلا أن يلقى الله تعالى بالكفر ، فمثله لا يغفر الله له .

قال تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً ) النساء/ 48 .

وهذا وجه آخر في الرد على كلامك : وهو أن لقاء المسلم ربه بذنوبه لا يعني الجزم بتعذيبه عليها ، بل قد يغفرها الله له ، بخلاف الكافر فإنه محروم من المغفرة حرماناً أبدياً ، ومخلد في النار أبد الآبدين ، إذا لم يتب من شركه .

4. وهل تظن الأمر بهذه السهولة حتى تعترض عليه ؟! فهل كل من جاء بالكفر ، والمعاصي الكبيرة والصغيرة هل تظن مثل هؤلاء يوفق للإسلام قبل وفاته ، حتى تظن أنه سوف يقول : أنا أزني ، وأقتل ..

ثم أتوب قبل أن أموت ؟

وهل يعلم أحد متى تأتيه منيته ؟ وهل يجزم أحد بتوبته قبل لقاء ربه ؟

هذا أبو طالب مثال ، فقد كان مدافعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ومقتنعاً بصدقه ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم هو بنفسه الداعي له للدخول في الإسلام بكلمة واحدة ، فهل قالها ؟

هل وُفِّق لقولها ؟ وهل انتفع والد إبراهيم بدعوة ابنه عليه السلام ؟

وهل انتفعت امرأة نوح وولدها بدعوة نبي الله نوح عليه السلام ؟ ليس الأمر كما ظننته أخي السائل بهذه السهولة ، أن يكفر الكافر ثم يسلم وقتما شاء ، أو يعصي العاصي ثم يتوب وقتما شاء

إن المسألة متعلقة بتوفيق الله ، وهدايته ، وبما تكنه صدورهم من حب الخير لأنفسهم ، والبحث عن الحق ، فاجعل قلبك معلقا بربك أن يوفقك ، ويحسن ختامك ، ويصلح لك شأنك .

*عبدالرحمن*
2019-01-15, 14:41
5. وكما أن الله تعالى يقبل توبة العاصي ، وإسلام الكافر ، قبل موتهما – ما لم يغرغرا - : فإنه يُحبط عمل المسلم إذا ختم حياته بردة ، ولو قضى عمره كله في الطاعة ، فعاد الأمر إلى صدق الباطن وكذبه عند الطرفين

ولا علاقة لحياة الأول المليئة بالكفر والمعاصي ، ولا حياة الثاني المليئة بالطاعة ، بل العبرة بالخواتيم ، ولا تغتر بما يظهر لك من نفسك ، ومن الناس ، واحرص على صلاح الباطن

فالأمر بما يعلمه الله بما في بواطن الناس لا بما ظهر لنا منها .

عَنْ سَهْل بنِ سَعْد رَضِيَ الله عَنْه قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَإِنَّهُ لَمِنْ أَهْلِ النَّارِ وَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ) .

رواه البخاري ( 2742 ) ومسلم ( 112 ) .

وفي رواية للبخاري ( 6233 ) بزيادة في آخره : ( وَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ ) .

قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله - :

وقوله ( فيما يبدو للناس ) إشارة إلى أن باطن الأمر يكون بخلاف ذلك ، وأن خاتمة السوء تكون بسبب دسيسة باطنة للعبد ، لا يطلع عليها الناس ، إما من جهة عمل سييء ، ونحو ذلك

فتلك الخصلة الخفية توجب سوء الخاتمة عند الموت ، وكذلك قد يعمل الرجل عمل أهل النار وفي باطنه خصلة خفية من خصال الخير ، فتغلب عليه تلك الخصلة في آخر عمره ، فتوجب له حسن الخاتمة .

" جامع العلوم والحِكََم " ( 1 / 57 ) .

فتأمل أخي السائل حكمة الرب الجليل من هذا التشريع ، فالطائع لا ينبغي له أن يغتر بعمله ، فإنه لا يدري بم يُختم له ، والعاصي لا يقنط من رحمة ربه ؛ فإنه لعله أن يوفق للتوبة .

قال النووي – رحمه الله – في فوائد الحديث الأخير - :

ففيه التحذير من الاغترار بالأعمال ، وأنه ينبغي للعبد أن لا يتكل عليها ، ولا يركن إليها ؛ مخافة من انقلاب الحال للقدر السابق ، وكذا ينبغى للعاصي أن لا يَقنَط ، ولغيره أن لا يقنِّطه من رحمة الله تعالى .

" شرح مسلم " ( 2 / 126 ، 127 ) .

6. واعلم أخيراً : أن ما ذكرناه من قبول الله تعالى لإسلام الكافر ، وتوبة العاصي : إنما هو في حال أن يكون ذلك منهم قبل حضور الموت ، وقبل الغرغرة .

قال تعالى : ( وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ) النساء/ 18 .

وعَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ.

رواه الترمذي ( 3537 ) وابن ماجه ( 4253 ) ، وصححه الألباني في " صحيح الترمذي " .

ومن رحمة الله تعالى بعباده أنه يقبل التوبة حتى ممن جُهزت الحجارة لرجمه ، وجهز السيف للقصاص منه ، وأصيب بمرضٍ أيس من شفائه

- كما بيناه في جواب سؤال سابق

- وكل ذلك لا يصدق عليه أنه في حال الغرغرة ، ولا حضره الموت ، وهذا من لطف الله تعالى ، ورحمته ، وعظيم فضله ، وبالغ كرمه ، وقد سبقت رحمته تعالى غضبه ، وادخر تعالى للخلق تسعاً وتسعين رحمة في الآخرة

فهذا الرب تعالى الذي آمنَّا به ، وعلمنا أسماءه وصفاته ، ونرجوه أن يغفر لنا زلاتنا ، ويستر علينا ذنوبنا ، ويتجاوز عنها ، ونرجوه عظيم فضله ، وواسع جنانه يوم نلقاه .

ولتعلم يا عبد الله أن أمر الله في عباده دائر بين العدل والفضل ؛ فالله حكم قسط ، لا يظلم الناس شيئاً

ولكن الناس أنفسهم يظلمون : ( إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً) النساء/40 ؛ فتأمل كيف أن الله جل جلاله وعد

وهو جل جلاله لا يخلف الميعاد ، ألا يظلم مثقال ذرة ، وهذا عدله سبحانه ، وأما فضله :

فيضاعف الحسنات : الحسنة بعشر أمثالها ، إلى سبعمائة ضعف ، إلى أضعاف كثيرة . فتعرض لنفحات ربك ، وتعرض لرحمته وفضله ، ودع عنك الوساوس ومغاليط الكلام .

والله أعلم

*عبدالرحمن*
2019-01-15, 14:44
هل تصح التوبة ممن أصيب بمرض لا يرجى شفاؤه ؟

السؤال

رجل له ذنوب كثيرة ، أصيب بمرض خطير وحاول العلاج فلم يستفيد وقال له الأطباء إنه لا علاج لديهم لحالته ، وهو الآن نادم ويريد التوبة

فهل تصح توبته وهو مصاب بهذا المرض القاتل الذي لا يرجى شفاؤه ؟

الجواب

الحمد لله

نعم تصح التوبة من إنسان أيس من حياته ، إما بمرض لا يرجى شفاؤه كمرض السرطان مثلاً ، وإما بتقديمه للقتل كرجل قدم ليقتص منه ، حتى ولو كان السياف على رأسه

وإما من إنسان محصن زنى واستحق الرجم ، وحتى لو كانت الحجارة قد جمعت لرجمه ، فإنه تصح توبته ، لأن الله تعالى يقبل توبة الإنسان ما لم يغرغر بروحه ، لقوله تعالى : (

إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليماً حكيماً ) ومعنى قوله : يتوبون من قريب : أي يتوبون قبل الموت ، لقوله تعالى بعد هذه الآية

: ( وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ) ، ولكن التوبة لابد لها من شروط خمسة : الإخلاص ، والندم على ما فعل ، والإقلاع عنه في الحال

والعزم على أن لا يعود في المستقبل ، وأن تكون التوبة في الوقت الذي تقبل فيه ، أي بأن تكون قبل الموت أو قبل طلوع الشمس من مغربها .

لقاء الباب المفتوح لابن عثيمين 53/73

*عبدالرحمن*
2019-01-15, 14:47
هل ( النجم إذا هوى ) علامة ليلة القدر؟

السؤال

أود أن أسأل سماحتكم عن معنى قوله تعالى في الآية الكريمة (والنجم إذا هوى) التي اختلفت معانيها على يد علمائنا الأكابر يرحمهم الله. ففي ليلة الأربعاء 26 رمضان 1438

بعد صلاة التراويح، رأيت آية في السماء تجسد الآية الكريمة تماما كما وصفها الله سبحانه في القرآن الحكيم ب"الهوي" وكما فسرها بعض أهل المعرفة بكلام العرب من أهل البصرة "والنجوم"

. وقال: ذهب إلى لفظ الواحد, وهو في المعنى الجميع. فوالله لقد رأيت بأم عيني نجوما كثيرة تهوي بنفس الوقت وبانتظام جليل، بينما كان البعض منها ثابتا لا يتحرك. فما تفسيركم لما رأيت؟

وهل يمكن أن نعتبرها كعلامة/إشارة -من الله تعالى- على الليلة المتحرى عنها "ليلة القدر المخفية"؟

بغض النظر عن قضية الاهتداء في الأسفار. فهل ما رأيته قد يعد تأويلا للآية الكريمة؟ وإن كان لا فما تفسير سماحتكم؟

أفتوني يرحمكم الله.

الجواب :

الحمد لله

أولًا:

اختلف العلماء في المراد بالنجم هنا على أقوال:

القول الأول: أن المراد به الثريا، والثريا مجموعة من نجوم السماء، واختار هذا القول الطبري وغيره .

والثاني: الرُّجوم من النُّجوم، يعني ما يرمى به الشياطين.

والثالث: أنه القرآن نزل نجوما متفرِّقة.

والرابع: نجوم السماء كُلِّها.

والخامس: أنها الزُّهَرةُ، النجم المعروف.

انظر هذه الأقوال في تفسير الطبري: (22/ 5 - 7)، وزاد المسير: (4/ 183).

فعلى قول من قال: النجم: الثريا، يكون هوى بمعنى غاب .

ومن قال: هو الرُّجوم، يكون هُوِيُّها في رمي الشياطين.

ومن قال: القرآن، يكون معنى هوى : نزل.

ومن قال: نجوم السماء كلِّها :

ففيه قولان: أحدهما: أن هُوِيَّها أن تغيب. والثاني: أن تنتثر يوم القيامة.

قال ابن كثير: " واختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: والنجم إذا هوى فقال ابن أبي نجيح،

عن مجاهد: يعني بالنجم: الثريا إذا سقطت مع الفجر. وكذا روي عن ابن عباس، وسفيان الثوري. واختاره ابن جرير. وزعم السدي أنها الزهرة.

وقال الضحاك: والنجم إذا هوى إذا رمي به الشياطين. وهذا القول له اتجاه.

وروى الأعمش، عن مجاهد في قوله: والنجم إذا هوى يعني: القرآن إذا نزل. وهذه الآية

كقوله تعالى: فلا أقسم بمواقع النجوم. وإنه لقسم لو تعلمون عظيم. إنه لقرآن كريم. في كتاب مكنون. لا يمسه إلا المطهرون. تنزيل من رب العالمين [الواقعة: 75 -80].

وقوله: ما ضل صاحبكم وما غوى هذا هو المقسم عليه، وهو الشهادة للرسول، صلوات الله وسلامه

عليه، بأنه بار راشد تابع للحق، ليس بضال، وهو: الجاهل الذي يسلك على غير طريق بغير علم، والغاوي: هو العالم بالحق العادل عنه قصدا إلى غيره .

فنزه الله سبحانه وتعالى رسوله وشرعه عن مشابهة أهل الضلال كالنصارى وطرائق اليهود، وعن علم الشيء وكتمانه والعمل بخلافه، بل هو صلوات الله وسلامه عليه

وما بعثه الله به من الشرع العظيم في غاية الاستقامة والاعتدال والسداد

ولهذا قال: وما ينطق عن الهوى أي: ما يقول قولا عن هوى وغرض، إن هو إلا وحي يوحى أي: إنما يقول ما أمر به، يبلغه إلى الناس كاملا موفرا من غير زيادة ولا نقصان"

التفسير: (7/ 442 - 443).

قال ابن تيمية:

" أهل العلم بالتفسير متفقون على أن النجم المقسم به: إما نجوم السماء، وإما نجوم القرآن، ونحو ذلك "

منهاج السنة: (7/ 67)، بتصرف .

ثانيًا:

لم نقف على أحد ربط بين هذه الآية، وبين ليلة القدر .

ثالثًا:

أما تفسير ما رأيت، فالله أعلم به، فقد تكون شهبًا، وقد يكون ذلك من الأمور الطبيعية ، وقد يكون أمرا توهمته ، لما وقر في نفسك ، أو اشتبه عليك : من علاقة ذلك بليلة القدر .

وبحسب المؤمن في مثل تلك الليالي : أن يسعى إلى اغتنامها ، وإحيائها بطاعة رب العالمين ، والإخلاص له ، وأن يفتقر إلى الرحمن الرحيم : أن يتقبل منه .

والخلاصة

لا علاقة بقوله تعالى: (والنجم إذا هوى) بليلة القدر .

والله أعلم

*عبدالرحمن*
2019-01-15, 14:51
ضرب المثل بأصحاب الجنة في سورة القلم، وعلاقته بما قبله من الآيات

السؤال

ضرب الله تعالى مثالا بأصحاب الجنة ( إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ ) ، فآمل منكم توضيح علاقة هذا المثل بالمعاني التي وردت في أول السورة .

الجواب

الحمد لله

أولًا:

قص الله تعالى علينا قصة "أصحاب الجنة" في سورة "القلم" ، وضربها ـ سبحانه

مثلا لكفار قريش ؛ فيما أهدى إليهم من الرحمة العظيمة، وأعطاهم من النعم الجسيمة، وهو بعثه محمدا صلى الله عليه وسلم إليهم، فقابلوه بالتكذيب والرد والمحاربة؛

ولهذا قال: (إنا بلوناهم) أي: اختبرناهم، (كما بلونا أصحاب الجنة) وهي البستان المشتمل على أنواع الثمار والفواكه (إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين) أي: حلفوا فيما بينهم أنهم سوف يقطعون ثمرها ليلا

لئلا يعلم بهم فقير ولا سائل، ليتوفر ثمرها عليهم ولا يتصدقوا منه بشيء.

وقد ذكر بعض السلف أن هؤلاء قوم كان أبوهم قد خلف لهم هذه الجنة، وكانوا من أهل الكتاب

وقد كان أبوهم يسير فيها سيرة حسنة، فكان ما خرج له من غلتها وثمرتها : يرد فيها ما يحتاج إليها ، ويدخر لعياله قوت سنتهم، ويتصدق بالفاضل.

فلما مات : ورثه بنوه، قالوا: لقد كان أبونا أحمق ؛ إذ كان يصرف من هذه شيئا للفقراء، ولو أنا منعناهم ، لتوفر ذلك علينا.

فلما عزموا على ذلك : عوقبوا بنقيض قصدهم، فأذهب الله ما بأيديهم بالكلية، فلم يبق لهم شيء.

وهكذا عذاب من خالف أمر الله، وبخل بما آتاه الله ، وأنعم به عليه، ومنع حق المسكين والفقراء وذوي الحاجات، وبدل نعمة الله كفرا .

(ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون) أي: هذه عقوبة الدنيا كما سمعتم، وعذاب الآخرة أشق.

انظر: تفسير ابن كثير: (8/ 197).

ويقول الشيخ السعدي: " إنا بلونا هؤلاء المكذبين، بالخير ، وأمهلناهم، وأمددناهم بما شئنا من مال وولد، وطول عمر، ونحو ذلك، مما يوافق أهواءهم، لا لكرامتهم علينا، بل ربما يكون استدراجًا لهم من حيث لا يشعرون !!

فاغترارهم بذلك : نظير اغترار أصحاب الجنة، الذين هم فيها شركاء، حين أينعت أشجارها، وزهت ثمارها

وآن وقت صرامها، وجزموا أنها في أيديهم، وطوع أمرهم، وأنه ليس ثم مانع يمنعهم منها

ولهذا أقسموا وحلفوا من غير استثناء، أنهم سيصرمونها أي: يَجُذُّونها مُصْبِحين، ولم يدروا أن الله بالمرصاد، وأن العذاب سيخلفهم عليها، ويبادرهم إليها.

(فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ) أي: عذاب نزل عليها ليلا ، (وَهُمْ نَائِمُونَ) ، فأبادها وأتلفها. (فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ) أي: كالليل المظلم، ذهبت الأشجار والثمار .

هذا ؛ وهم لا يشعرون بهذا الواقع الملم، ولهذا تنادوا فيما بينهم، لما أصبحوا ، يقول بعضهم لبعض: (أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ فَانْطَلَقُوا) : قاصدين له

(وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ) فيما بينهم، ولكن بمنع حق الله، ويقولون: (لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ)

أي: بكروا قبل انتشار الناس، وتواصوا مع ذلك، بمنع الفقراء والمساكين، ومن شدة حرصهم وبخلهم، أنهم يتخافتون بهذا الكلام مخافتة، خوفًا أن يسمعهم أحد، فيخبر الفقراء.

(وَغَدَوْا) في هذه الحالة الشنيعة، والقسوة، وعدم الرحمة (عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ) أي: على إمساك ومنع لحق الله، جازمين بقدرتهم عليها.

(فَلَمَّا رَأَوْهَا) على الوصف الذي ذكر الله ، كالصريم : (قَالُوا) ، من الحيرة والانزعاج : (إِنَّا لَضَالُّونَ) ؛ أي: تائهون عنها، لعلها غيرها!!

فلما تحققوها، ورجعت إليهم عقولهم ، قالوا: (بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ) منها، فعرفوا حينئذ أنه عقوبة، فـ (قَالَ أَوْسَطُهُمْ) أي: أعدلهم، وأحسنهم طريقة : (أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ) أي: تنزهون الله عما لا يليق به

ومن ذلك : ظنكم أن قدرتكم مستقلة، فلولا استثنيتم فقلتم: ( إن شاء الله ) ، وجعلتم مشيئتكم تابعة لمشيئة الله، لما جرى عليكم ما جرى .

فقالوا (سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ) أي: استدركوا بعد ذلك، ولكن بعد ما وقع العذاب على جنتهم، الذي لا يرفع

ولكن لعل تسبيحهم هذا، وإقرارهم على أنفسهم بالظلم، ينفعهم في تخفيف الإثم ، ويكون توبة، ولهذا ندموا ندامة عظيمة.

(فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ) : فيما أجروه وفعلوه . (قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ) أي: متجاوزين للحد في حق الله، وحق عباده.

(عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ) : فهم رجوا الله أن يبدلهم خيرًا منها، ووعدوا أنهم سيرغبون إلى الله، ويلحون عليه في الدنيا .

فإن كانوا كما قالوا، فالظاهر أن الله أبدلهم في الدنيا خيرًا منها ؛ لأن من دعا الله صادقًا، ورغب إليه ورجاه، أعطاه سؤله.

قال تعالى مبينا ما وقع: (كَذَلِكَ الْعَذَابُ) أي: الدنيوي لمن أتى بأسباب العذاب : أن يسلب اللهُ العبدَ الشيءَ الذي طغى به ، وبغى، وآثر الحياة الدنيا، وأن يزيله عنه، أحوجَ ما يكون إليه.

( وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ) من عذاب الدنيا ( لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) فإن من علم ذلك، أوجب له الانزجار عن كل سبب يوجب العذاب ، ويُحِل العقاب"

تفسير السعدي: (880) .

ثانيًا:

أما علاقة هذه القصة بما قبلها من السياق ؛ فإن الله ذكر حال الكفار بالنبي صلى الله عليه

وذكر أن ما هم فيه : ابتلاء، وأن ما هم فيه من خير ونعمة، لا لكرامتهم ، وإنما استدراج لهم من حيث لا يشعرون ؛ فاغترارهم بذلك : نظير اغترار أصحاب الجنة.

يقول الرازي: " اعلم أنه تعالى لما قال: لأجل أن كان ذا مال وبنين، جحد وكفر وعصى وتمرد

وكان هذا استفهاما على سبيل الإنكار ؛ بيَّن في هذه الآية أنه تعالى إنما أعطاه المال والبنين على سبيل الابتلاء والامتحان، وليصرفه إلى طاعة الله، وليواظب على شكر نعم الله .

فإن لم يفعل ذلك : فإنه تعالى يقطع عنه تلك النعم، ويصب عليه أنواع البلاء والآفات

فقال: ( إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة ) : أي : كلفنا هؤلاء أن يشكروا على النعم، كما كلفنا أصحاب الجنة ذات الثمار، أن يشكروا ويعطوا الفقراء حقوقهم "،

التفسير: (30/ 607).

ويقول الطاهر ابن عاشور: " والجملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا ، دعت إليه مناسبة قوله: ( أن كان ذا مال وبنين إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين ) [القلم: 14- 15] ؛ فإن الازدها

والغرور بسعة الرزق ، المفضيين إلى الاستخفاف بدعوة الحق ، وإهمال النظر في كنهها ودلائلها : قد أوقعا من قديم الزمان أصحابهما في بطر النعمة ، وإهمال الشكر، فجر ذلك عليهم شر العواقب !!

فضرب الله للمشركين مثلا بحال أصحاب هذه الجنة ، لعلهم يستفيقون من غفلتهم وغرورهم ، كما ضرب المثل بقريب منه في سورة الكهف، وضرب مثلا بقارون في سورة القصص "

التحرير والتنوير: (29/ 79).

والخلاصة :

أن الله ذكر حال الكفار بالنبي صلى الله عليه، وذكر أن ما هم فيه بلاء، وأن ما هم فيه من خير ونعمة

لا لكرامتهم وإنما استدراج لهم من حيث لا يشعرون ؛ فاغترارهم بذلك نظير اغترار أصحاب الجنة الذين حرمهم الله من ثمارها وخيرها ، جزاء طغيانهم وشحهم .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-01-15, 14:55
معنى قوله تعالى: (ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ...)

السؤال

قال إبليس : ـ متحديا رب العالمين ـ ( ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) فلماذا ذكر أربع جهات ، مع أن المعلوم في السنة ست جهات ؟

فلدي وسواس أن الشيطان يحول بيني وبين الله في الاستشعار في الصلاة من فوق رأسي ، وأنا أعاني من وسواس قهري منذ سنوات ، حيث أخبرني شخص أن الشيطان يأتي الإنسان من فوق رأسه

استدلال بالحديث ( اللهم أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة ، اللهم أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي ، اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي ... الخ ) أرجو الجواب بشكل مفصل .

الجواب

الحمد لله

أولا:

قال الله تعالى ، مخبرا عن عدو الله إبليس ، وما قاله لرب العزة والجلال :

(قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) الأعراف/16، 17

وهذه الجهات المذكورة، للمفسرين فيها قولان:

الأول: حملها على الجهات المعروفة التي تحيط بالإنسان. قالوا: ولم يذكر إبليس جهة الفوق؛ لأن الله فوقهم، أو لأنها الجهة التي تتنزل منها الرحمة من الله.

ولم يذكر جهة التحت لأنها غير ممكنة.

قال السيوطي في الدر المنثور (3/ 427):

" وأخرج عبد بن حميد وابن جرير واللالكائي في السنة عن ابن عباس في الآية قال: لم يستطع أن يقول: من فوقهم. علم أن الله فوقهم.

وفي لفظ: لأن الرحمة تنزل من فوقهم.

وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة قال: يأتيك يا ابن آدم من كل جهة ، غير أنه لا يستطيع أن يحول بينك وبين رحمة الله ؛ إنما تأتيك الرحمة من فوقك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي قال: قال إبليس: لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن إيمانهم وعن شمائلهم. قال الله: أنزل عليهم الرحمة من فوقهم" انتهى.

وقال أبو بكر الجصاص في أحكام القرآن (3/ 39):

" وقيل: "من كل جهة يمكن الاحتيال عليهم". ولم يقل من فوقهم، قال ابن عباس: لأن رحمة الله تنزل عليهم من فوقهم، ولم يقل من تحت أرجلهم لأن الإتيان منه ممتنع إذا أريد به الحقيقة" انتهى.

والقول الثاني: أن المراد بالجهات الأربعة: الدنيا والآخرة، والحسنات والسيئات.

وهذا مروي عن ابن عباس أيضا، وغيره.

قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره (3/ 394):

" وقال علي بن طلحة -في رواية -والعوفي، كلاهما عن ابن عباس: أما من بين أيديهم فمن قبل دنياهم، وأما من خلفهم فأمر آخرتهم، وأما عن أيمانهم فمن قبل حسناتهم، وأما عن شمائلهم فمن قبل سيئاتهم" انتهى.

وقال القرطبي رحمه الله في تفسيره (7/ 176): "ومن أحسن ما قيل في تأويل (ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم) أي لأصدنهم عن الحق

وأرغبنهم في الدنيا، وأشككنهم في الآخرة. وهذا غاية في الضلالة. كما قال:" ولأضلنهم" حسب ما تقدم.

وروى سفيان عن منصور عن الحكم بن عتيبة:" من بين أيديهم" من دنياهم." ومن خلفهم" من آخرتهم." وعن أيمانهم" يعني حسناتهم." وعن شمائلهم" يعني سيئاتهم.

قال النحاس: وهذا قول حسن ، وشرحه: أن معنى" ثم لآتينهم من بين أيديهم": من دنياهم، حتى يكذبوا بما فيها من الآيات وأخبار الأمم السالفة. "ومن خلفهم" : من آخرتهم حتى يكذبوا بها.

"وعن أيمانهم" : من حسناتهم وأمور دينهم. ويدل على هذا قوله: "إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين". "وعن شمائلهم" : يعني سيئاتهم، أي يتبعون الشهوات؛ لأنه يزينها لهم" انتهى.

ثانيا:

على القول الأول، فإن الشيطان لا يأتي الإنسان من فوقه.

ولا يتعارض هذا مع ما في الحديث من الاستعاذة بما يأتي من جهة الفوق، فإن المراد به ما ينزل من البلاء والصواعق ونحو ذلك، لا الشيطان.

وكذلك الاستعاذة مما يجيء من أسفل ؛ فإن المراد به الخسف.

وقد روى أحمد (4785) وأبو داود (5074) والنسائي (5529) وابن ماجه (3871)

عن ابْنِ عُمَرَ، قال: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَعُ هَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ، حِينَ يُمْسِي، وَحِينَ يُصْبِحُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ

فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَتِي، وَقَالَ عُثْمَانُ: عَوْرَاتِي وَآمِنْ رَوْعَاتِي، اللَّهُمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ، وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي، وَعَنْ شِمَالِي، وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي .

قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ وَكِيعٌ يَعْنِي الْخَسْفَ. وصححه الألباني.

قال ابن الملك في شرح المصابيح (3/ 178): " "اللهم احفظْني"؛ أي: ادفع عني المؤذِيات والبلاء.

"من بين يديَّ ومِن خلفي، وعن يميني وعن شمالي، ومن فوقي": سأل - عليه الصلاة والسلام - حفظه من البليَّات من جميع الجهات؛ لأن البلايا والآفات إنما تلحق الإنسان، وتُقبِلُ إليه من إحدى هذه الجهات.

"وأعوذُ بعظمتك أن أُغْتَال"؛ أي: أَهْلِك "من تحتي"؛ هو باقي الجهات الست" انتهى.

ثالثا:

اعلم أن كيد الشيطان ضعيف، وأنه لا سلطان له إلا على من يتولاه، كما قال تعالى: (فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) النساء/76، وقال: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ

* إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ) النحل/98- 100

فأقبل على الله تعالى، واخشع في صلاتك، واعلم أن المصلي قائم بين يدي الله، وأن الله يحفظ عبده المؤمن، ويقبل عليه، فلا ينبغي أن تلتفت إلى الشيطان في هذا المقام، فإن وسوس لك ليحول بينك وبين صلاتك

فاستعذ بالله منه، واتفل عن يسارك ثلاثا، فقد روى مسلم (2203) عن عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ، أنه أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَلَاتِي وَقِرَاءَتِي يَلْبِسُهَا عَلَيَّ،

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ خَنْزَبٌ، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْهُ، وَاتْفِلْ عَلَى يَسَارِكَ ثَلَاثًا) قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَهُ اللهُ عَنِّي.

والله أعلم.

*عبدالرحمن*
2019-01-15, 15:02
شخص يعتقد بأن الأولياء حماة لنا، ويستدل بآية من القرآن

السؤال

لدي صديق يؤمن بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس الأتقياء ـ الذين يسميهم أولياء

مثل عبد القادر الجيلاني ، هم أولياء وحماة ومساعدين لنا في هذا العالم ، بالإضافة لله سبحانه وتعالى

واستدل بقوله تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) آية/55 سورة المائدة لدعم اعتقاده. أرجو توضيح المعنى الحقيقي للآية .

الجواب

الحمد لله

أولا:

قال الله تعالى: ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) المائدة /55.

والولي: معناه المحب والصديق والنصير؛ ويدل على هذا اللغة وسياق الآية.

فأما اللغة؛ فجاء في "القاموس المحيط" (ص 1344):

" الوَلْيُ: القُرْبُ، والدُّنُوُّ ...

والوَلِيُّ: الاسمُ منه، والمُحِبُّ، والصَّدِيقُ، والنَّصيرُ " انتهى.

وأما سياق الآية؛ فإن ما سبقها من الآيات ينهى عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء؛ حيث قال الله تعالى:

( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ *

فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ *

وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ ) المائدة /51 - 53.

قال ابن عطية رحمه الله تعالى:

" الخطاب بقوله: ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ ) الآية ، للقوم الذين قيل لهم ( لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ ) "

انتهى، من "المحرر الوجيز" (2 / 208).

والنهي عن اتخاذهم أولياء؛ أي النهي عن مناصرتهم وصداقتهم ومحبتهم؛ كما قال الله تعالى:

( لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ

الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) المجادلة (22).

ولا يستقيم المعنى إذا فسرت بمعنى النهي عن طلب مساعدتهم في جلب النفع ودفع الضر، فهذا لا يتصوره عاقل.

فالحاصل؛ أن سياق الآية يدل على أن الولاية هنا بمعنى المحبة والصداقة والنصرة، وعلى هذا نص أئمة التفسير.

قال الطبري رحمه الله تعالى:

" يعني تعالى ذكره بقوله: ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ): ليس لكم أيها المؤمنون، ناصر إلا الله ورسوله، والمؤمنون الذين صفتهم ما ذكر تعالى ذكره، فأما اليهود والنصارى الذين أمركم الله أن تبرأوا من وَلايتهم،

ونهاكم أن تتخذوا منهم أولياء، فليسوا لكم أولياء ولا نُصرَاء، بل بعضهم أولياء بعض، ولا تتخذوا منهم وليًّا ولا نصيرًا "

انتهى، من "تفسير الطبري" (8 / 529).

ثانيا:

تخصيص هذا الشخص للولي في هذه الآية بأشخاص معينين اشتهروا بالصلاح كالشيخ عبد القادر الجيلاني

هو تخصيص للآية بلا دليل، وقول على الله بلا علم؛ لأن الآية نصت أن الولي من المؤمنين هو كل من آمن وأقام الصلاة وحافظ عليها وآتى الزكاة

حيث قال الله تعالى: ( وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ). المائدة/ 55.

قال القرطبي رحمه الله تعالى:

" والذين" عام في جميع المؤمنين؛ وقد سئل أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم عن معنى ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ): هل هو علي بن أبي طالب؟

فقال: علي من المؤمنين، يذهب إلى أن هذا لجميع المؤمنين. قال النحاس: وهذا قول بيِّن، لأن "الذين" لجماعة "

انتهى. "تفسير القرطبي" (8 / 54).

كما أن تفسير هذا الشخص هو تفسير شركي يبطله ما تقرر في نصوص الكتاب والسنة وما تقرر عند جميع المسلمين من عقيدة الإسلام، من أن الضر والنفع كله بيد الله تعالى، فلا يطلب نفع ولا دفع ضر إلا من الله تعالى وحده.

كما قال الله تعالى، مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم:

( قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) الأعراف /188.

قال أبو حيان الأندلسي رحمه الله تعالى :

" وهذا منه عليه السلام إظهار للعبودية ، وانتفاء عما يختص بالربوبية ، من القدرة وعلم الغيب ، ومبالغة في الاستسلام ؛ فلا أملك لنفسي اجتلاب نفع ولا دفع ضر، فكيف أملك علم الغيب؟ كما قال في سورة يونس

: ( وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ) "

انتهى، من "البحر المحيط" (4 / 552).

وقال الله تعالى:

( وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ، قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا

قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا ، قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا ، إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا

حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا ، قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا ، عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا ، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ

فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا ، لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا ) الجن /19 - 28.

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى:

" ( قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا ) فإني عبد ؛ ليس لي من الأمر ولا من التصرف شيء.

( قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ ) أي: لا أحد أستجير به ينقذني من عذاب الله .

وإذا كان الرسول الذي هو أكمل الخلق، لا يملك ضرا ولا رشدا، ولا يمنع نفسه من الله شيئا إن أراده بسوء، فغيره من الخلق من باب أولى وأحرى "

انتهى. "تفسير السعدي" (891).

والله أعلم.

و اخيرا

الحمد لله الذي بفضلة تتم الصالحات

اخوة الاسلام

اكتفي بهذا القدر و لنا عوده
ان قدر الله لنا البقاء و اللقاء

و اسال الله ان يجمعني بكم دائما
علي خير

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين

Abdelhafid2
2019-01-17, 10:30
بارك الله فيك وجزاك الله خيرا .

*عبدالرحمن*
2019-01-20, 13:44
بارك الله فيك وجزاك الله خيرا .

الحمد لله الذي بفضلة تتم الصالحات

اسعدني حضورك المميز مثلك
و في انتظار المزيد من مرورك العطر

بارك الله فيك
و جزاك الله عنا كل خير

*عبدالرحمن*
2019-01-20, 13:48
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)
اخوة الاسلام

أحييكم بتحية الإسلام
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)


التوفيق بين الآية ( كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ) وبين صلاة داود عليه السلام

السؤال

ورد في السنة عن قيام الليل لداود عليه السلام ، وأنه كان وسط نومتين ، فهل يتنافى ذلك مع قوله تعالى : ( كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ) ؟

الجواب

الحمد لله

قد صح أن نبي الله داود عليه السلام كان ينام نصف الليل الأول، ثم يصلي ثلث الليل، ثم ينام سدس الليل، وقد أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على هذا المقدار من الصلاة في الليل

ونص على أنه أحب الصلاة إلى الله تعالى.

روى البخاري (1131) ومسلم (1159) عن عَبْد اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ: ( أَحَبُّ الصَّلاَةِ إِلَى اللَّهِ صَلاَةُ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ،

وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ، وَكَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَيَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا ).

وهذا قد يشكل على البعض عند مقارنته بقول الله تعالى: ( كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ) الذاريات (17).

والهجوع هو النوم

كما في لسان العرب (6/4621) .

والجواب عن هذا الإشكال؛ أن يقال:

إن المفسرين اختلفوا في تفسير هذه الآية على أقوال، أشهرها قولان اقتصر عليهما ابن كثير رحمه الله تعالى؛ حيث قال:

" ( كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ )، اختلف المفسرون في ذلك على قولين:

أحدهما: أن "مَا" نافية، تقديره: كانوا قليلا من الليل لا يهجعونه. قال ابن عباس: لم تكن تمضي عليهم ليلة إلا يأخذون منها ؛ ولو شيئا.

وقال قتادة، عن مطرف بن عبد الله: قل ليلة تأتي عليهم لا يصلون فيها لله، عز وجل، إما من أولها وإما من أوسطها.

وقال مجاهد: قل ما يرقدون ليلة حتى الصباح لا يتهجدون. وكذا قال قتادة...

والقول الثاني: أن "مَا" مصدرية، تقديره: كانوا قليلا من الليل هجوعهم ونومهم. واختاره ابن جرير "

انتهى. "تفسير ابن كثير" (7 / 416 - 417).

فالقول الأول: وهو أنه قل أن يتركوا قيام الليل، فلا تمضي عليهم ليلة إلا وقد صلوا فيها ما يسر الله لهم. فعلى هذا القول لا إشكال بين الآية والحديث.

وأما القول الثاني: وهو أن نومهم بالليل قليل ، بجنب قيامهم واستغفارهم ، وهذا رجحه الطبري رحمه الله تعالى؛ فقال:

" وأولى الأقوال بالصحة في تأويل قوله: ( كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ).

قول من قال: كانوا قليلا من الليل هجوعهم، لأن الله تبارك وتعالى وصفهم بذلك مدحا لهم، وثناء عليهم به، فوصفُهم بكثرة العمل، وسهر الليل، ومكابدته فيما يقربهم منه، ويرضيه عنهم :

أولى وأشبه من وصفهم بقلة العمل، وكثرة النوم .

مع أن الذي اخترنا في ذلك هو أغلب المعاني على ظاهر التنزيل "

انتهى. "تفسير الطبري" (21 / 509).

وقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى على أنه أصح الأقوال،

قال رحمه الله تعالى:

" وهذا على أصح الأقوال: معناه كانوا يهجعون قليلا ؛ فـ (قَلِيلًا) منصوب بـ (يَهْجَعُونَ) ، و (مَا) مؤكدة ... "

انتهى. "مجموع الفتاوى" (23 / 85).

والجمع بين الحديث وبين الآية على هذا القول؛ هو أن يقال: إن الليل من غروب الشمس شرعا وحسا، ويستمر حتى بعد طلوع الفجر إلى أن تطلع الشمس

لأن هذا الوقت ملحق بالليل بالنسبة للنوم ؛ فمن صلى صلاة داود عليه السلام فوقت نومه أقل من وقت استيقاظه وعبادته من الليل؛ لأن ثلث الليل الذي يصليه يضاف إليه الوقت من غروب الشمس إلى

وقت نومه بعد العشاء؛ ففي هذا الوقت صلاتا المغرب والعشاء وما يعقبهما من نوافل وذكر لله تعالى

وهذا وقت كثير، ويضاف إليه أيضا الوقت من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس وما يتخلل هذا الوقت من صلاة وذكر وتسبيح.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى:

" وقيل (مَا) زائدة، وخبر "كان": (يَهْجَعُونَ)، و(قَلِيلًا) منصوب:

إما على المصدرية، أي: هجوعاً قليلاً.

وإما على الظرف، أي زمناً قليلا.

واستشكل هذا بأن نوم نصف الليل وقيام ثلثه، ثم نوم سدسه؛ أحب القيام إلى الله عزّ وجلّ، فيكون وقت الهجوع أكثر من وقت القيام، فكيف يثني عليهم بما الأفضل خلافه؟

وأجيب عن ذلك: بأن من قام هذا القيام فزمن هجوعه أقل من زمن يقظته قطعاً، فإنه مستيقظ من المغرب إلى العشاء، ومن الفجر إلى طلوع الشمس، فيبقى ما بين العشاء إلى طلوع الفجر

فيقومون نصف ذلك الوقت؛ فيكون زمن الهجوع أقل من زمن الاستيقاظ "

انتهى، من "التبيان" (1 / 443 – 444).

وقد روى البيهقي في "الصغرى" (821)

عن قتادة ، عن أنس بن مالك ، أنه قال في هذه الآية (كانوا قليلا من الليل ما يهجعون) ، قال : " كانوا يتيقظون ما بين المغرب والعشاء يصلون ما بينهما " .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-01-20, 13:52
تفسير قوله تعالى (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ...) آل عمران:195

السؤال

هل يمكنك تقديم تفسير للآية رقم (195) من سورة آل عمران ؟

الجواب

الحمد لله

هذه الآية مرتبطة بما قبلها من الآيات التي أخبر الله عز وجل فيها عن أولي الألباب ، ووصفهم سبحانه وتعالى بقوله :

(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ

* الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (*) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (*)

رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (*) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ) . آل عمران/190-194

ثم أخبر سبحانه وتعالى عن استجابته لدعائهم فقال :

(فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا

وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ) آل عمران : 95 .

قال الشيخ ابن سعدي :

" أي: أجاب الله دعاءهم، دعاء العبادة، ودعاء الطلب، وقال: إني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر وأنثى

فالجميع سيلقون ثواب أعمالهم كاملا موفرا، (بعضكم من بعض) أي: كلكم على حد سواء في الثواب والعقاب

(فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا) فجمعوا بين الإيمان والهجرة، ومفارقة المحبوبات من الأوطان والأموال، طلبا لمرضاة ربهم، وجاهدوا في سبيل الله.

)لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله) الذي يعطي عبده الثواب الجزيل على العمل القليل.

(والله عنده حسن الثواب) مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فمن أراد ذلك، فليطلبه من الله بطاعته والتقرب إليه، بما يقدر عليه العبد"

انتهى من "تفسير السعدي" ص(162) .

وهذه الآية من الأدلة على فضل الهجرة ، وما أعده الله للمهاجرين في سبيله .

والمتحصل من كلام أهل العلم أن الهجرة تجب على من عجز عن إظهار دينه ، واستطاع الهجرة .

وأما من قدر على إظهار دينه ، فلا تجب عليه الهجرة .

وكذلك من عجز عن إظهار دينه ، وعجز عن الهجرة أيضا : فهو معذور عند الله تعالى ، مأمور بأن يقيم ما استطاع من أمر دينه

وهو في بلد الكفر التي عجز عن الخروج منها إلى دار الإيمان ، إلى أن يجعل الله له فرجا ومخرجا ، فيحسن حاله في تلك الديار ، ويقدر على إظهار شعائر دينه ، أو ييسر له الهجرة إلى بلد يأمن فيه على نفسه ودينه .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-01-20, 13:57
التوفيق بين الأمر بالعفو في بعض آيات القرآن وبين آية (وانتصروا من بعد ما ظلموا) .

السؤال

بارك الله فيكم على ثباتكم على السنة في الوقت الذي نفتقد فيه كثيراً فيمن نستطيع الاعتماد عليهم في الغرب ، في سورة الفرقان يقول الله عز و جل: ( وَعِبَادُ الرَّحْمَظ°نِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ

هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63)) بينما في سورة الشعراء يقول الله عز و جل ( وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا) ، ذكر الإمام ابن كثير مع هذه الآية أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال سخروا منهم في الآية

[ فتح الباري 6/351 ] ، وأيضاً قال إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه ، والذي نفسي بيده ، لكأن ما ترمونهم به نضح النبل [أحمد 6:387] فكيف نوفق بين هذه الآيات ؟ وكيف نحقق التفسير ( سخروا منهم في الآية ) ؟

الجواب

الحمد لله

أولًا:

فإن الله سبحانه وتعالى جعل للعفو موضعًا، ولأخذ الحق موضعًا، والخلط بين المقامين يوقع في الحرج.

ولا شك أن العفو أفضل من الانتقام، لكن قد يصير العفو مفضولًا في مناطق أخرى، فمن ترتب على عفوه إضرار بغيره، أو إطلاق ليد الجاني عليه في الشر، واستمرائه له، فعليه أن يسعى في الانتصار وقتئذ

ولا تأخذه بالجاني الرأفة ولا الشفقة لأن المصلحة ثم .

وللمؤمن مع من ظلمه أحوال ثلاثة:

1- وهو أعلى المقامات أن يعفو عنه .

2- أن يمسك عن العفو عنه ليلقى الله تعالى بذنبه .

3- أن يقابل الإساءة بمثلها، وألا يزيد .

والمقام الأول أرفع وأحسن .

روى مسلم في صحيحه (587) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: الْمُسْتَبَّانِ مَا قَالَا فَعَلَى الْبَادِئِ، مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُومُ .

قال النووي رحمه الله :

" مَعْنَاهُ : أَنَّ إِثْمَ السِّبَابِ الْوَاقِعِ مِنَ اثْنَيْنِ ، مُخْتَصٌّ بِالْبَادِئِ مِنْهُمَا كُلُّهُ ، إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ الثَّانِي قَدْرَ الِانْتِصَارِ ، فَيَقُولُ لِلْبَادِئِ أَكْثَرَ مِمَّا قَالَ لَهُ .

وَفِي هَذَا جَوَازُ الِانْتِصَارِ ، وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ ، وَقَدْ تظاهرت عليه دلائل الكتاب والسنة . قال الله تَعَالَى : ( وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عليهم من سبيل )

وَقَالَ تَعَالَى : ( وَاَلَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ ينتصرون ) .

وَمَعَ هَذَا : فَالصَّبْرُ وَالْعَفْوُ أَفْضَلُ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ( وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عزم الأمور) ، وللحديث المذكور بعد هذا : ( ما زاد اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا ) .. "

انتهى ، من شرح مسلم: (16/ 141).

وقالت طائفة من أهل العلم : إن المقصود بمدح من انتصر من ظالمه : هو أن يتمكن ممن ظلمه ، ويظهر قدرته عليه ، ثم يعفو عنه ، ويكظم غيظه .

قال ابن رجب رحمه الله

: " وأمَّا قولُهُ: (وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ) ، فليس منافيًا للعفوِ، فإن الانتصارَ يكونُ بإظهارِ القُدرة على الانتقامِ، ثم يقعُ العفوُ بعد ذلك، فيكونُ أتمَّ وأكملَ، قال النخعيُّ في هذهِ الآية ِ:

كانُوا يكرهونَ أن يُستذلُّوا فإذا قَدَرُوا عَفَوْا. وقال مجاهدٌ: كانوا يكرهون للمؤمنِ أن يذلَّ نفسَهُ، فيجترئُ عليه الفُسَّاقُ، فالمؤمنُ إذا بُغِي عليهِ يُظهرُ القدرةَ

على الانتقامِ، ثم يعفوُ بعدَ ذلك، وقد جَرَى مثلُ هذا لكثيرٍ من السلفِ، منهم قتادةُ وغيرُه."

انتهى من "تفسير ابن رجب" (1/331-332)

. وينظر : "تفسير ابن كثير" (7/211) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

" قال تعالى: والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون قال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون أن يستذلوا فإذا قدروا عفوا. قال تعالى: هم ينتصرون يمدحهم بأن فيهم همة الانتصار للحق والحمية له؛ ليسوا بمنزلة الذين يعفون

عجزا وذلا؛ بل هذا مما يذم به الرجل والممدوح العفو مع القدرة والقيام لما يجب من نصر الحق لا مع إهمال حق الله وحق العباد."

انتهى، من "مجموع الفتاوى" (15/174) .

وخلاصة الجواب :

للعفو مقام، وللانتصار مقام، وقد يصير الانتقام وأخذ الحق هو الأفضل في حق الجاني، ردعًا لشره، وكفًا لأذاه .

والله أعلم

*عبدالرحمن*
2019-01-20, 14:09
سبب تكرار كلمة حرج وكلمة بيوتكم في آية سورة النور ( ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج.. )

السؤال

يقول سبحانه وتعالى في سورة النور الآية /61:( لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ

أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا ۚ فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا

عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تعقلون ). سؤالي لماذا كرر الله سبحانه وتعالى كلمة حرج وكلمة بيوتكم مع أن البلاغة تتضمن القدرة على إيصال المعنى بوضوح بأقل

عدد من الكلمات ؟ وقال أيضا في آية أخرى : (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) .

ع الملاحظة أن الله سبحانه لم يكرر كلمة حرج للضعفاء والمرضى . ارجو التوضيح لماذا كررها في الآية الأولى ولم يكررها في الآية الثانية ؟ هل من بلاغة في هاتين الآيتين حتى جعلتها تأتي بهذه الصيغة ؟

الجواب

الحمد لله

أولًا:

التكرار في القرآن الكريم جاء على طريقة العرب في البيان، فإن "للتكرار مواضع يحسن فيها، ومواضع يقبح فيها، فأكثر ما يقع التكرار في الألفاظ دون المعاني، وهو في المعاني دون الألفاظ أقلّ".

أما وجوده في القرآن " فحكمته التصرف في الكلام وإتيانه على ضروب؛ ليُعلمهم عجزهم عن جميع طرق ذلك: مبتدأ به ومتكرر".

انظر : العمدة، لابن رشيق: (2/ 73)، والبرهان، للزركشي: (1/ 112).

والبلاغة ليست هي مجرد الإيجاز في الكلام ، كما ذكر في السؤال ؛ بل هي مراعاة الكلام لمقتضى الحال، فقد يقتضي الحال طول الكلام وبسطه، فتكون البلاغة في بسطه

على طرائق البيان والفصاحة ، ومجاري لسان العرب . وقد يقتضي المقام إيجاز القول ، فتكون البلاغة في إيجازه ، مع بلوغ الغرض ، وإصابة المعنى ، وفصاحة اللفظ ، واستقامة النظم .

قال السبكي: " اعلم أن إخراج الكلام على مقتضى الحال، يكون تارة بالإيجاز والإطناب، وتارة بالمساواة، على خلاف في المساواة " عروس الأفراح: ( 1/ 575).

ثانيًا:

هذه الآية الكريمة تتحدث عن نفي الحرج عن هؤلاء الثلاثة: (الأعمى - الأعرج - المريض)، وحرج كل واحد من هؤلاء الثلاثة يختلف عن حرج الآخر، فلذلك وقع التكرار هنا .

قال العلامة ابن عاشور رحمه الله :

" هذه الآية نفي للحرج عن هؤلاء الثلاثة

فيما تجره ضرارتهم إليهم من الحرج من الأعمال ؛ فالحرج مرفوع عنهم في كل ما تضطرهم إليه أعذارهم، فتقتضي نيتهم الإتيان فيه بالإكمال ، ويقتضي العذر أن يقع منهم.

فالحرج منفي عن الأعمى في التكليف الذي يشترط فيه البصر، وعن الأعرج فيما يشترط فيه المشي والركوب، وعن المريض في التكليف الذي يؤثر المرض في إسقاطه كالصوم وشروط الصلاة والغزو"

التحرير والتنوير: (18/ 300).

و"المناسبة في ذكر هذه الرخصة عقب الاستئذان: أن المقصد الترخيص للأعمى أنه لا يتعين عليه استئذان لانتفاء السبب الموجبة، ثم ذكر الأعرج والمريض إدماجا ، وإتماما لحكم الرخصة لهما للمناسبة بينهما وبين الأعمى.

وقد أذن الله للأعمى والأعرج والمريض أن يدخلوا البيوت للأكل لأنهم محاويج ، لا يستطيعون التكسب ، وكان التكسب زمانئذ بعمل الأبدان ؛ فرخص لهؤلاء أن يدخلوا بيوت المسلمين لشبع بطونهم"، انظر: المصدر السابق .

ولم يقع هذا التكرار في الآية الأخرى لاشتراكهم في نفس الحكم، وهو نفي الحرج عنهم في النفقة والغزو .

ثالثًا:

أما تكرر كلمة (بيوت) في الآية الكريمة، فلعله - والله أعلم - لئلا يتوهم اشتراك الجميع في بيت واحد، فبيت كل واحد من الأصناف المذكورة مستقل عن بيت الآخر .

والخلاصة

نفى الله عز وجل الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض، وكرر الله ذكر الحرج، لأن الله تعالى أراد رفع التكليف

عنهم كل بحسب المشقة التي تلحقه جراء الضر الذي أصابه، ونفى الله عنهم الحرج مجتمعين في أمر الجهاد، لأنهم اشتركوا في نفس المسألة .

وكرر الله ذكر البيوت لئلا يوهم اشتراك الجميع في بيت واحد، فلكل بيته، وكل منهم يجري على بيته ذكر الحكم .

وينظر للاستزادة جواب السؤال القادم

والله أعلم

*عبدالرحمن*
2019-01-20, 14:15
أوجه البلاغة في آية سورة النور : ( ليس على الأعمى حرج ..) الآية .

السؤال

من ضمن تعاريف البلاغة ، أن تستطيع إيصال المعنى المراد بأقل عدد من الكلمات في إيجاز ووضوح وقوة أسلوب لذلك هذا المنطلق على سبيل المثال يجعلني أتساءل حول البلاغة والبيان في قوله تعالى:

"لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ

أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا ۚ فَإِذَا

دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ" ألم تكن هنالك طريقة أبسط لتوصيل المراد؟ ما الاعجاز البلاغي الموجود بالاية ؟

الجواب

الحمد لله

أولًا:

نزل القرآن الكريم ، على أمة من العرب كانت الصناعة الرائجة في وقتهم ( صناعة البيان )

ومع ذلك فقد ظهر عجزهم مع توافر هممهم آنذاك على كراهية الرسول صلى الله عليه وسلم وكراهي

ة ما جاء به، لقد جاء القرآن بما يعرفون ويفهمون، بيد أن واحدًا منهم لم يستطع أن يأتي بمثل القرآن، ولا بعشر سور مثله، بل ولا بسورة واحدة من القرآن .

وأمر آخر؛ أن واحدًا منهم لم يعترض على آية واحدة، فعاب أسلوبها، أو تنقص من فصاحتها، بل كانوا له مذعنين، ولبلاغته خاضعين .

يقول العلامة الشيخ محمد عبد الله دراز ، رحمه الله :

"ها نحن أولاء ندعو كل من يطلب الحق بإنصاف، أن ينظر معنا في القرآن من أي النواحي أحب: من ناحية أسلوبه، أو من ناحية علومه، أو من ناحية الأثر الذي أحدثه في العالم، وغيَّر به وجه التاريخ،

أو من تلك النواحي مجتمعة = على أن يكون له الخيرة بعد ذلك أن ينظر إليه في حدود البيئة، والعصر الذي ظهر فيه، أو يفترض أنه ظهر في أرقى الأوساط والعصور التاريخية.

وسواء علينا أيضًا أن ينظر إلى شخصية الداعي الذي جاء به، أو يلتمس شخصًا خياليًّا تجمعت فيه مَرانات الأدباء، وسلطات الزعماء، ودراسات العلماء بكافة العلوم الإنسانية .

ثم نسأله:

هل يجد فيه إلا قوة شاذة، تغلب كل مغالب، وتتضاءل دونها قوة كل عالم، وكل زعيم، وكل شاعر وكاتب، ثم تنقضي الأجيال والأحقاب، ولا ينقضي ما فيه من عجائب، بل قد تنقضي

الدنيا كلها ولما يُحِطِ الناس بتأويل كل ما فيه ( يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ) [الأعراف: 53]"

النبأ العظيم: (108).

وإن غبي عن بعض الناس ذلك؛ فإن دواءه :

" أن يطيل النظر في أساليب العرب، وأن يستظهر على فهمها بدراسة طرف من علوم الأدب، حتى تستحكم عنده ملكة النقد البياني، ويستبين له طريق الحكم في مراتب الكلام وطبقاته، ثم ينظر في القرآن بعد ذلك.

وأنا له زعيم، بأن كل خطوة يخطوها في هذه السبيل ستزيده معرفة بقدره، وستحل عن نفسه عقدة

من عقد الشك في أمره؛ إذ يرى هنالك أنه كلما ازداد بصيرة بأسرار اللغة، وإحسانًا في تصريف القول، وامتلاكًا لناصية البيان، ازداد بقدر ذلك هضمًا لنفسه، وإنكارًا لقوته، وخضوعًا بكليته أمام أسلوب القرآن !!

وهذا قد يبدو لك عجيبًا، أن يزداد شعور المرء بعجزه عن الصنعة، بقدر ما تتكامل فيها قوته ويتسع بها علمه ؟!!

ولكن لا عجب؛ فتلك سنة الله في آياته التي يصنعها بيديه: لا يزيدك العلم بها، والوقوف على أسرارها، إلا إذعانًا لعظمتها، وثقة بالعجز عنها. ولا كذلك صناعات الخلق، فإن فضل العلم بها، يمكنك منها

ويفتح لك الطريق إلى الزيادة عليها؛ ومن هنا: كان سحرة فرعون هم أول المؤمنين برب موسى وهارون"

النبأ العظيم: (110).

ثانيًا:

البلاغة في الكلام هي : "مطابقته لمقتضى الحال، مع فصاحته"، انظر: عروس الأفراح: (1/ 90).

وعلى ذلك :

"فيشترط في الكلام البليغ شرطان:

الشرط الأول: أن يكون فصيح المفردات والجمل.

الشرط الثاني: أن يكون مطابقاً لمقتضى حال من يُخَاطبُ به.

ولمّا كانت أحوال المخاطبين مختلفة، وكانت كلُّ حالةٍ منها تحتاج طريقةً من الكلام تلائمها، كانت البلاغة في الكلام تستدعي انتقاء الطّريقة الأكثر ملاءمة لحالة المخاطب به،

بلُوغ الكلام من نفسه مبلغ التأثير الأمْثل المرجوّ... " .

ينظر : "البلاغة العربية"، لحبنكة (1/ 130)

وفي بيان : الأحوال التي تستدعي اختلافاً في طرائق الكلام وأساليبه .

ونحن ندعوك لمطالعة كتاب ( النبأ العظيم ) لمؤلفه الشيخ محمد دراز رحمه الله، لتقف على طرف من بلاغة القرآن، وروعة أسلوبه وبيانه .

*عبدالرحمن*
2019-01-20, 14:15
ثالثًا:

أما الآية التي سألت عنها، فإن الله سبحانه " يخبر عن منته على عباده، وأنه لم يجعل عليهم في الدين من حرج؛ بل يسره غاية التيسير، فقال: ( لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ) ؛

أي: ليس على هؤلاء جناح، في ترك الأمور الواجبة، التي تتوقف على واحد منها، وذلك كالجهاد ونحوه، مما يتوقف على بصر الأعمى، أو سلامة الأعرج، أو صحة للمريض،

ولهذا المعنى العام الذي ذكرناه، أطلق الكلام في ذلك، ولم يقيد، كما قيد قوله: ( وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ ) أي: حرج (أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ) أي: بيوت أولادكم، وهذا موافق للحديث الثابت:

(أنت ومالك لأبيك)، والحديث الآخر: (إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم) .

وليس المراد من قوله: (مِنْ بُيُوتِكُمْ) بيت الإنسان نفسه، فإن هذا من باب تحصيل الحاصل، الذي ينزه عنه كلام الله، ولأنه نفى الحرج عما يظن أو يتوهم فيه الإثم من هؤلاء المذكورين، وأما بيت الإنسان نفسه فليس فيه أدنى توهم .

(أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاتِكُمْ) : وهؤلاء معروفون .

(أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ) أي: البيوت التي أنتم متصرفون فيها بوكالة، أو ولاية ونحو ذلك ...

(أَوْ صَدِيقِكُمْ) وهذا الحرج المنفي عن الأكل من هذه البيوت: كل ذلك، إذا كان بدون إذن .

والحكمة فيه معلومة من السياق، فإن هؤلاء المسمَّيْن قد جرت العادة والعرف، بالمسامحة في الأكل منها، لأجل القرابة القريبة، أو التصرف التام، أو الصداقة .

فلو قدر في أحد من هؤلاء عدم المسامحة، والشح في الأكل المذكور: لم يجز الأكل، ولم يرتفع الحرج، نظرا للحكمة والمعنى.

وقوله: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا) فكل ذلك جائز، أكل أهل البيت الواحد جميعا، أو أكل كل واحد منهم وحده . وهذا نفي للحرج، لا نفي للفضيلة؛ وإلا فالأفضل الاجتماع على الطعام.

(فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا) نكرة في سياق الشرط، يشمل بيت الإنسان وبيت غيره، سواء كان في البيت ساكن أم لا ؛

فإذا دخلها الإنسان: (فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ) أي: فليسلم بعضكم على بعض، لأن المسلمين كأنهم شخص واحد، من تواددهم، وتراحمهم، وتعاطفهم .

فالسلام مشروع لدخول سائر البيوت، من غير فرق بين بيت وبيت، والاستئذان تقدم أن فيه تفصيلا في أحكامه .

ثم مدح هذا السلام فقال: (تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً) أي: سلامكم بقولكم: (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) ، أو : (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) ؛ إذ تدخلون البيوت، (تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) أي: قد شرعها لكم

وجعلها تحيتكم، (مُبَارَكَةً)، لاشتمالها على السلامة من النقص، وحصول الرحمة والبركة والنماء والزيادة، (طَيِّبَةً) لأنها من الكلم الطيب المحبوب عند الله، الذي فيه طيب نفس للمحيا، ومحبة وجلب مودة.

لما بين لنا هذه الأحكام الجليلة : (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الآيَاتِ) الدالات على أحكامه الشرعية وحكمها، (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) عنه فتفهمونها، وتعقلونها بقلوبكم

ولتكونوا من أهل العقول والألباب الرزينة، فإن معرفة أحكامه الشرعية على وجهها، يزيد في العقل، وينمو به اللب، لكون معانيها أجل المعاني، وآدابها أجل الآداب، ولأن الجزاء من جنس العمل

فكلما استعمل عقله، للعقل عن ربه، وللتفكر في آياته التي دعاه إليها، زاده من ذلك... "

انتهى، من " تفسير الشيخ السعدي: (575).

رابعًا:

ونحن نعجز عن بيان بلاغة هذه الآية، وعظيم معانيها، غير أننا سنذكر لك طرفًا من لطائفها، فمن ذلك:

1- نص الله تعالى على نفي الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض بالتفصيل

لأن الحرج منفي عن الأعمى في التكليف الذي يشترط فيه البصر، وعن الأعرج فيما يشترط فيه المشي والركوب، وعن المريض في التكليف الذي يؤثر المرض في إسقاطه كالصوم وشروط الصلاة والغزو.

ولكن المناسبة في ذكر هذه الرخصة عقب الاستئذان: أن المقصد الترخيص للأعمى أنه لا يتعين عليه استئذان لانتفاء السبب الموجبة.

ثم ذكر الأعرج والمريض إدماجا وإتماما لحكم الرخصة لهما للمناسبة بينهما وبين الأعمى.

2- وأما مناسبة عطف هذه الرخص على رخصة الأعمى، على تقدير أنه منفصل عنه: هو تعلق كليهما بالاستئذان، والدخول للبيوت، سواء كان لغرض الطعام فيها، أو كان للزيارة ونحوها، لاشتراك الكل في رفع الحرج .

وعلى تقدير أنه متصل به على قول الجمهور، فاقتران الجميع في الحكم: هو الرخصة للجميع في الأكل، فأذن الله للأعمى والأعرج والمريض أن يدخلوا البيوت للأكل، لأنهم محاويج لا يستطيعون التكسب

وكان التكسب زمانئذ بعمل الأبدان؛ فرخص لهؤلاء أن يدخلوا بيوت المسلمين لشبع بطونهم.

3- أنه نص على الصديق، وجعل في مرتبة القرابة، لما هو موقور في النفوس من محبة الصلة مع الأصدقاء.

5- أعيدت جملة: (ليس عليكم جناح) تأكيدا للأولى في قوله: (ولا على أنفسكم) إذ الجناح والحرج كالمترادفين. وحسَّنَ هذا التأكيدَ: بُعْدُ ما بين الحال وصاحبها،

وهو واو الجماعة في قوله: (أن تأكلوا من بيوتكم)، ولأجل كونها تأكيدًا، فصلت بلا عطف.

6- وفي قوله سبحانه: (فإذا دخلتم بيوتًا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون).

تفريع على الإذن لهم في الأكل من هذه البيوت بأن ذكرهم بأدب الدخول المتقدم في قوله: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها) [النور: 27]

لئلا يجعلوا القرابة والصداقة والمخالطة مبيحة لإسقاط الآداب، فإن واجب المرء أن يلازم الآداب مع القريب والبعيد، ولا يغرنه قول الناس: إذا استوى الحب سقط الأدب.

7- وفي قوله (فسلموا) ولم يذكر غيرها، لأن لفظ السلام يجمع معنيين: لأنه مشتق من السلامة فهو دعاء بالسلامة، وتأمين بالسلام، لأنه إذا دعا له بالسلامة، فهو مسالم له، فكان الخبر كناية عن التأمين .

وإذا تحقق الأمران: حصل خير كثير، لأن السلامة لا تجامع شيئا من الشر في ذات السالم، والأمان لا يجامع شيئا من الشر يأتي من قبل المعتدي، فكانت دعاء ترجى إجابته، وعهدا بالأمن يجب الوفاء به. وفي كلمة (عليكم) :

معنى التمكن، أي السلامة مستقرة عليكم.

ولكون كلمة (السلام) جامعة لهذا المعنى، امتن الله على المسلمين بها، بأن جعلها من عند الله؛ إذ هو الذي علمها رسوله بالوحي.

8- وجملة (كذلك يبين الله لكم الآيات) تكرير للجملتين الواقعتين قبلها في آية الاستئذان

لأن في كل ما وقع قبل هذه الجملة بيانا لآيات القرآن، اتضحت به الأحكام التي تضمنتها، وهو بيان يرجى معه أن يحصل لكم الفهم، والعلم بما فيه كمال شأنكم.

يُنظر: التحرير والتنوير: (18/ 299 - 305).

وينظر أيضا ، للفائدة :

"روائع البيان في تفسير آيات الأحكام" (2/ 226 - 228) .

خلاصة الجواب :

تضمن القرآن لأعلى درجات الفصاحة والبيان، ومن ذلك آيات سورة النور ؛ غير أن إدراكها ، والتمرس ببلاغة القرآن ، يحتاج دربة من القارئ ، وإلماما بطرائق العرب في بيانها ، ومعرفة بأساليب البلغاء، وأسرار جمالها .

والله أعلم

*عبدالرحمن*
2019-01-20, 14:19
معنى قوله تعالى (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) .

السؤال

سمعت بعض المشايخ المعتبرين يقول : بأن قول الطحاوي في عقيدته المشهورة وكل أمر عليه يسير ، يعني بذلك أن ليس عند الله يسير وعسير ، وإنما استخدم اللفظة حتى نستوعب المعنى

سوال ما هو الضابط في هذا؟ وأيضاً في مثل قوله تعالى و: (هو أهون عليه ) ؟

الجواب

الحمد لله

أولا :

قول الطحاوي "وكل أمر عليه يسير" ، ليس فيه ما يحتاج إلى توضيح .

وليس في كلامه رحمه الله مفاضلة بين أمرين ، بأن هذا الأمر يسير على الله ، والأمر الآخر أيسر ، حتى نستشكل قوله .

والقرآن مليء بالآيات الدالة على يُسْر الأمور عليه سبحانه وتعالى .

وهذا اليسر عليه سبحانه بمنزلة واحدة لا تفاوت بينها

وليس هناك يسير وأيسر ، أو يسير وأعسر منه .

كما قال سبحانه تعالى (أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) سورة العنكبوت: 19.

وقال سبحانه (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا) سورة النساء/3.

والآيات في ذلك كثيرة .

ثانيا :

أما معنى قوله تعالى (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) سورة الروم/27 .

فهو من باب ضرب المثل العقلي للرد على منكري البعث وبيان تناقضهم ؛ كيف يقرون بالخلق الأول ، ويستبعدون الإعادة مرة أخرى .

وإلا فمن المعلوم أن إيجاد الخلق ابتداء وإعادة ، لا تفاوت فيه بالنسبة لقدرة الله عزو وجل (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) سوءة يس/82

وقد أحصى ابن الجوزي في هذه الآية أربعة أقوال .

قال في "زاد المسير" (3/420) :

"وفيه أربعة أقوال: أحدها: أن الإِعادة أهون عليه من البداية، وكُلُّ هيِّنٌ عليه، قاله مجاهد، وأبو العالية.

والثاني: أنّ "أهون" بمعنى "هين" عليه، فالمعنى: وهو هيِّن عليه، وقد يوضع "أفعل" في موضع "فاعل" ، ومثله قولهم في الأذان:

الله أكبر، أي: الله كبير، قال الفرزدق:

إِنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّمَاءَ بَنى لَنَا ...
بَيْتاً دعَائِمُهُ أَعَزُّ وأَطْوَلُ

وقال معن بن أوس المزني:

لَعَمْرُكَ مَا أدْري وإِنِّي لأوجَلُ ..
. على أيِّنا تغدو المَنِيَّةُ أَوَّلُ

أي: وإِنِّي لَوَجِل، وقال غيره:

أصبحتُ أمنحُك الصُّدودَ وإِنَّني ...
قسماً إِليك مع الصُّدود لأَمْيَلُ

وأنشدوا أيضاً:

تَمَنَّى رِجالٌ أنْ أموت وإن أمت ...
فتلك سبيل لست فيها بأَوْحَدِ

أي: بواحد .

هذا قول أبي عبيدة، وهو مرويّ عن الحسن، وقتادة.

وقرأ أُبيُّ بن كعب، وأبو عمران الجوني، وجعفر بن محمد: (وهو هَيِّن عليه) .

والثالث: أنه خاطب العباد بما يعقلون، فأعلمهم أنه يجب أن يكون عندهم البعث أسهل من الابتداء، في تقديرهم وحُكمهم، فمن قَدَرَ على الإِنشاء، كان البعثُ أهونَ عليه .

هذا اختيار الفراء، والمبرد، والزجاج، وهو قول مقاتل.

وعلى هذه الأقوال الثلاثة تكون الهاء في عليه عائدة إلى الله عزّ وجلّ.

والرابع: أن الهاء تعود على المخلوق، لأنه خلَقه نطفة ثم علقة ثم مضغة، ويوم القيامة يقول له كن فيكون، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وهو اختيار قطرب" انتهى .

والقول الثالث هو أقوى الوجوه ، ونسبه البغوي إلى مجاهد وعكرمة .

قال البغوي : "وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ: وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ : أَيْ : أَيْسَرُ ؛ وَوَجْهُهُ :

أَنَّهُ عَلَى طَرِيقِ ضرب المثل ، أَيْ : هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ، عَلَى مَا يَقَعُ فِي عُقُولِكُمْ، فَإِنَّ الَّذِي يَقَعُ فِي عُقُولِ النَّاسِ : أَنَّ الْإِعَادَةَ تَكُونُ أَهْوَنَ مِنَ الْإِنْشَاءِ" انتهى من "تفسير البغوي" (3/576) .

وقال ابن عاشور :

"وَلَمَّا كَانَ إِنْكَارُهُمُ الْإِعَادَةَ بَعْدَ الْمَوْتِ ، مُتَضَمِّنًا تَحْدِيدَ مَفْعُولِ الْقُدْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ

جَاءَ التَّنَازُلُ فِي الِاسْتِدْلَالِ إِلَى أَنَّ تَحْدِيدَ مَفْعُولِ الْقُدْرَةِ لَوْ سَلَمَ لَهُمْ لَكَانَ يَقْتَضِي إِمْكَانَ الْبَعْثِ بِقِيَاسِ الْأَحْرَى فَإِنَّ إِعَادَةَ الْمَصْنُوعِ مَرَّةً ثَانِيَةً أَهْوَنُ عَلَى الصَّانِعِ مِنْ صَنْعَتِهِ الْأُولَى..

فَظَاهِرُهُ أَنَّ أَهْوَنُ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَى الْمُفَاضَلَةِ عَلَى طَرِيقَةِ إِرْخَاءِ الْعِنَانَ وَالتَّسْلِيمِ الْجَدَلِيِّ، أَيِ الْخَلْقُ الثَّانِي أَسْهَلُ مِنَ الْخَلْقِ الْأَوَّلِ... وَلِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ قَوْلَهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ مُجَرَّدُ تَقْرِيبٍ لِأَفْهَامِهِمْ عَقَّبَ

بِقَولِهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، أَيْ ثَبُتَ لَهُ وَاسْتَحَقَّ الشَّأْنَ الْأَتَمَّ الَّذِي لَا يُقَاس بشؤون النَّاسِ الْمُتَعَارَفَةِ وَإِنَّمَا لِقَصْدِ التَّقْرِيبِ لِأَفْهَامِكُمْ"

انتهى من "التحرير والتنوير" (21/83) .

وقال الشيخ ابن عثيمين :

"فهذه دلالة عقلية; فالعقل يؤمن إيمانا كاملا بأن من قدر على الابتداء فهو قادر على الإعادة من باب أولى"

انتهى من "القول المفيد" (2/433) .

وقال الشيخ ابن سعدي رحمه الله في سياقه لهذه الآيات ، وتفسيره لها :

" ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ *

وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ * وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) .

أي: ومن آياته العظيمة أن قامت السماوات والأرض ، واستقرتا وثبتتا بأمره فلم تتزلزلا ولم تسقط السماء على الأرض، فقدرته العظيمة التي بها أمسك السماوات

والأرض أن تزولا يقدر بها أنه إذا دعا الخلق دعوة من الأرض إذا هم يخرجون (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ)

(وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ) الكل خلقه ومماليكه المتصرف فيهم من غير منازع ولا معاون ولا معارض وكلهم قانتون لجلاله خاضعون لكماله.

(وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ) أي: الإعادة للخلق بعد موتهم (أَهْوَنُ عَلَيْهِ) من ابتداء خلقهم وهذا بالنسبة إلى الأذهان والعقول، فإذا كان قادرا على الابتداء الذي تقرون به

كانت قدرته على الإعادة التي أهون أولى وأولى.

ولما ذكر من الآيات العظيمة ما به يعتبر المعتبرون ويتذكر المؤمنون ويتبصر المهتدون ذكر الأمر العظيم والمطلب الكبير فقال: (وَلَهُ الْمَثَلُ الأعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ) وهو كل صفة كمال

والكمال من تلك الصفة والمحبة والإنابة التامة الكاملة في قلوب عباده المخلصين والذكر الجليل والعبادة منهم. فالمثل الأعلى هو وصفه الأعلى وما ترتب عليه.

ولهذا كان أهل العلم يستعملون في حق الباري قياس الأولى، فيقولون:

كل صفة كمال في المخلوقات فخالقها أحق بالاتصاف بها على وجه لا يشاركه فيها أحد، وكل نقص في المخلوق ينزه عنه فتنزيه الخالق عنه من باب أولى وأحرى.

(وَهُوَ الْعَزِيزُ الحكيم) أي: له العزة الكاملة والحكمة الواسعة، فعزته أوجد بها المخلوقات وأظهر المأمورات، وحكمته أتقن بها ما صنعه وأحسن فيها ما شرعه. " .

انتهى، من " تفسير السعدي" (640) .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-01-20, 14:27
هل يوجد في القرآن ما يدل على عذاب محدد لقوم إبراهيم أو قوم عيسى ؟

السؤال

لدي تساؤل عن قوم إبراهيم وقوم عيسى عليهما السلام ، فهؤلاء القوم اعتدوا على رسلهم ، وحاولوا قتلهم ، ولكن لم أجد في القرآن مايبين أن الله عز وجل أنزل عذاب على هؤلاء القوم

الذين قاموا بمحاولة حرق ابراهيم ، أو الذين قاموا لصلب وقتل عيسى ، مثل مانزل من عذاب على قوم نوح ، وعاد ، وثمود ، وغيرهم إلى قوم موسى ، فماهو تعليل وتفسير هذا ؟ا

الجواب

الحمد لله

أولًا:

لم يقع في القرآن المجيد ذكر لعقوبة الله تعالى لقوم إبراهيم، ولقوم عيسى عليه السلام، إلا ما ورد مجملًا، في آيات منها، قوله سبحانه: أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ

وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (70) [التوبة: 70]، وقوله: {وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (42) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (43)

وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (44) فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (45) أَفَلَمْ يَسِيرُوا

فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)] [الحج].

وقوله تعالى عن بني إسرائيل: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ

عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80) [المائدة].

ثانيًا:

أما ما ذكره أهل التفسير والتاريخ عن عذاب هؤلاء القوم، فنذكر منه ما يلي:

1- ما ورد في عقوبة قوم إبراهيم:

أن الله تعالى سلط عليهم البعوض فأهلكهم، وأذلهم الله تعالى بتلك الحشرة، وقد ذكر هذا الطبري في التاريخ: (1/ 287)، والتفسير: (11/ 554)، وابن كثير في البداية: (1/ 345).

وذكر بعضهم، أن الله أهلك ملكهم بالأكاديين، فسلطوا عليهم، ودمروا ملكهم

انظر: موجز التاريخ: (17).

2- ما ورد في عقوبة قوم عيسى:

فقد ذكروا أن عيسى عليه السلام دعا عليهم فمسخوا قردة وخنازير

انظر: تفسير الطبري: (8/ 587 - 591)

التفسير البسيط: (7/ 490)

والمحرر الوجيز: (2/ 223) .

لكن: ذكر ابن عطية أن " ذكر المسخ ليس مما تعطيه ألفاظ الآية، وإنما تعطي ألفاظ الآية أنهم لعنهم الله ، وأبعدهم من رحمته ، وأُعلِم بذلك العباد المؤمنون على لسان داود النبي في زمنه، وعلى لسان عيسى في زمنه ".

وأما تفسير ذلك ، أو وجه الحكمة منه : فلم نقف على أحد من أهل العلم ، فسره ، أو تعرض لذكر حكمته . فالله أعلم بحقيقة الحال .

خلاصة الجواب :

لم يثبت في القرآن عقوبة مفصلة لقوم إبراهيم وعيسى صلوات الله وسلامه عليهما، لكن أورد أهل التفسير والتاريخ عقوبات مفصلة لهم .

والله أعلم

*عبدالرحمن*
2019-01-20, 14:32
يسأل : كيف وثق يعقوب عليه السلام في أبنائه مرة أخرى وأرسل معهم أخو يوسف في المرة الثانية ؟

السؤال

أريد أن أسال عن سيدنا يعقوب عليه سلام في قصته مع أولاده ويوسف عليه سلام ، وذلك أنه عندما طلب منه أولاده أن يرسل يوسف معهم وافق على ذلك

مع علمه بأنهم يغارون منه ، ثم بعد ذالك عندما طلبوا منه أن يرسل معهم أخا يوسف أيضا وافق على ذالك ، مع أنهم خانوه في المرة الأولى ، فما الحكمة وراء ذالك ؟

الجواب

الحمد لله

أولًا:

أما أخذهم ليوسف في المرة الأولى، فإنما كان بعد مراجعة ليعقوب عليه السلام، وإلحاح في أخذه معهم .

قال الله تعالى : ( قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ * أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ *

قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ * قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ ) يوسف /11-14

قال ابن كثير رحمه الله :

" وقد أخذوه من عند أبيه ، فيما يظهرونه له إكراما له، وبسطا وشرحا لصدره، وإدخالا للسرور عليه .

فيقال: إن يعقوب عليه السلام، لما بعثه معهم ضمه إليه، وقبله ودعا له...

قال الله تعال: (وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون) يقول تعالى ذاكرا لطفه ورحمته وعائدته ، وإنزاله اليسر في حال العسر: إنه أوحى إلى يوسف في ذلك الحال الضيق

تطييبا لقلبه، وتثبيتا له: إنك لا تحزن مما أنت فيه، فإن لك من ذلك فرجا ومخرجا حسنا، وسينصرك الله عليهم، ويعليك ويرفع درجتك، وستخبرهم بما فعلوا معك من هذا الصنيع" .

انتهى. "تفسير ابن كثير" : (4/ 374)

وانظر تفسير الطبري: (13/ 29).

وقال ابن عاشور: " تفريع حكاية الذهاب به والعزم على إلقائه في الجب على حكاية المحاورة بين يعقوب- عليه السلام- وبنيه في محاولة الخروج بيوسف- عليه السلام- إلى البادية يؤذن

بجمل محذوفة فيها ذكر أنهم ألحوا على يعقوب- عليه السلام- حتى أقنعوه فأذن ليوسف- عليه السلام- بالخروج معهم، وهو إيجاز"

التحرير والتنوير: (12/ 233).

ثانيًا:

وأما في المرة التالية ، فقد قص الله شأن إخوة يوسف ، مع أخيهم بنيامين، وكيف حاولوا مع أبيهم ، حتى وافقهم في نهاية الأمر ، وأسلم لهم أخاهم بنيامين ، بناء على ما ذكروه من رغبة وحاجة .

قال معين الدين الإيجي رحمه الله :

" (فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ): بعد ذلك إن لم نذهب بأخينا .

(فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ): نحن وهو الطعام، ونرفع المانع من الكيل . (وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) .

(قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلا كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ) : فإنكم ذكرتم في يوسف مثل ما ذكرتم هنا بعينه ؛ فهل يكون أماني هنا إلا كأماني هنالك ؟ أي : كما لا يحصل الأمان هناك، لا يحصل هنا!

(فَاللهُ خَيْرٌ حَافِظًا) فأعتمد عليه .. (وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ): فالله أسأل أن يرحمني بحفظه ... "

ثم قال :

" (قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ)، تعطوني، (مَوْثِقًا مِنَ اللهِ): عهدًا مؤكدًا بذكر الله تعالى، (لَتَأْتُنَّنِي بِهِ) جواب القسم إذ معناه حتى تحلفوا لَتَأْتُنَّنِي، (إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ): إلا أن تغلبوا فلا تقدروا على إتيانه أو إلا أن تهلكوا جميعًا

أي: لتأتنني على كل حال ، إلا حال الإحاطة بكم، (فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ): يعقوب، (اللهُ عَلَى مَا نَقُولُ): من العهد، (وَكِيلٌ): مطلع ويمكن أن يكون معناه الله تعالى وكيل على حفظ ذلك العهد نَكِلُ أمره إليه "

انتهى، "جامع البيان" للإيجي (2/226) .

فيعقوب عليه السلام ، إنما سلمه إليهم لما ذكروه من الحاجة إلى بعثه معهم ، وهو لم ينس ما فعلوه أول مرة

ولكنه استوثق منهم ، بما استطاع من أيمانهم ، وعهودهم ؛ وتوكل على الله في حفظ ولده ورده إليه ، فبحفظ الله وكفايته كانت ثقته ، لا بمجرد الأيمان التي بذلوها .

جاء في التفسير الوسيط ، ط مجمع البحوث الإسلامية (5/352) :

" (قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ ) :

أَي : لم يحدث منكم ما يقتضي الاطمئنان على وعودكم، فقد وعدتموني من قبل بالمحافظة على أَخيه يوسف

وجئتموني بدونه ، وزعمتم أَن الذئب أكله ؛ فهل آمنكم على بنيامين إلا بالصورة التي أَمنتكم بها على أَخيه. دون أَي يتغير حالكم، ويدعوني إلى الاطمئنان لوعودكم ؟!

(فَاللهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) : أَي فالله خير منكم

ومن سواكم ، حافظًا، وهو أَرحم الراحمين، فلذا أَكِل أَمر حفظه إِلى فضله ورحمته سبحانه، ولا أَعتمد في ذلك عليكم ، فقد جربتكم فما وجدت فيكم وفاءً بوعد، ولا حفظًا لعهد." انتهى .

وقيل : بل تغيرت حالهم ، وظهر من قرائن صدقهم : ما ساعد على أن يسلمه إليهم ، ويستأمنهم عليه ، حتى قيل : إنهم نزلت عليهم النبوة في هذا الوقت ، وإن كان الأظهر أن ذلك لم يكن

وأنهم لم يكونوا أنبياء . لكن : ليس أقل من أنهم من أهل بيت نبوة ، وأن نوازع الشر ليست مستمكنة فيهم ، وإن نزغ الشيطان بينهم وبين أخيهم يوسف ، حتى كان منهم ما كان .

قال ابن عطية رحمه الله :

" وتألم يعقوب عليه السلام من فرقة بنيامين، ولم يصرح بمنعهم من حمله، لما رأى في ذلك من المصلحة، لكنه أعلمهم بقلة طمأنينته إليهم. وأنه يخاف عليه من كيدهم، ولكن ظاهر أمرهم أنهم كانوا نبئوا

وانتقلت حالهم، فلم يخف كمثل ما خاف على يوسف من قبل، لكن أعلم بأن في نفسه شيئا، ثم استسلم لله تعالى، بخلاف عبارته في قصة يوسف."

انتهى، "المحرر الوجيز" (3/259-260) .

وقال أبو حيان رحمه الله :

" وَلَمْ يُصَرِّحْ بِمَنْعِهِ مِنْ حَمْلِهِ لَمَّا رَأَى فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَصْلَحَةِ. وَشَبَّهَ هَذَا الِائْتِمَانَ فِي ابْنِهِ هَذَا بِائْتِمَانِهِ إِيَّاهُمْ فِي حَقِّ يُوسُفَ. قُلْتُمْ فِيهِ: وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ، كَمَا قُلْتُمْ

فِي هَذَا، فَأَخَافُ أَنْ تَكِيدُوا لَهُ كَمَا كِدْتُمْ لِذَلِكَ، لَكِنَّ يَعْقُوبَ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ كَمَا خَافَ عَلَى يُوسُفَ، وَاسْتَسْلَمَ لِلَّهِ وَقَالَ: فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا"

انتهى، "البحر المحيط" (6/259) .

والحاصل :

أن الحاجة كانت داعية لإرسال أخيهم معهم في المرة الثانية ، والمصلحة كانت في ذلك ظاهرة ، وقد تغلب يعقوب عليه السلام على داعي الخوف والوجل منهم : بما أخذه عليهم من العهود والمواثيق .

مع أن حالهم مع بنيامين ، لم تكن داعية لأن يفعلوا به مثل ما فعلوا بيوسف عليه السلام ، لا سيما وقد رأوا من وجد أبيهم به ، وحزنه عليه ، ما يمنعهم من معاودة ذلك .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-01-20, 14:39
تفسير قوله تعالى : (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ)

السؤال

أرجو من فضيلتكم إجابتي عن توضيح هذه الآية في سورة الطلاق يقول الله تعالى: ( فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ

عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ) فما المراد فأمسكوهن بمعروف بعد نهاية العدة أم قبل نهايتها ؟

الجواب

الحمد لله

أولًا:

قوله: (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) الآية [الطلاق: 2].

يقول تعالى: فإذا بلغت المعتدات أجلهن، أي: شارفن على انقضاء العدة، وقاربن ذلك، ولكن لم تفرغ العدة بالكلية .

فحينئذ : إما أن يعزم الزوج على إمساكها، وهو رجعتها إلى عصمة نكاحه والاستمرار بها على ما كانت عليه عنده. (بمعروف) أي: محسنا إليها في صحبتها .

وإما أن يعزم على مفارقتها (بمعروف) أي: من غير مقابحة ولا مشاتمة ولا تعنيف، بل يطلقها على وجه جميل ، وسبيل حسن.

وقوله: (وأشهدوا ذوي عدل منكم) أي: على الرجعة إذا عزمتم عليها.

وقوله: (ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر) أي: هذا الذي أمرناكم به من الإشهاد وإقامة الشهادة، إنما يأتمر به من يؤمن بالله وأنه شرع هذا، ومن يخاف عقاب الله في الدار الآخرة.

انظر هذا المعنى في تفسير الطبري: (23/ 40)، تفسير القرطبي: (18/ 157)

زاد المعاد: (5/ 592)، تفسير ابن كثير: (8/ 154)

البرهان في علوم القرآن: (2/ 292).

يقول الشيخ السعدي رحمه الله :

" وقوله: (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ) أي: إذا قاربن انقضاء العدة، لأنهن لو خرجن من العدة، لم يكن الزوج مخيرًا بين الإمساك والفراق.

(فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) أي: على وجه المعاشرة [الحسنة] ، والصحبة الجميلة، لا على وجه الضرار، وإرادة الشر والحبس، فإن إمساكها على هذا الوجه، لا يجوز .

(أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) أي: فراقًا لا محذور فيه، من غير تشاتم ولا تخاصم، ولا قهر لها على أخذ شيء من مالها ". انتهى .

ثانيًا:

إذا طلق الرجل زوجته ، وكانت هذه الطلقة هي الأولى ، أو الثانية ، ولم تخرج من العدة [ بأن تضع حملها إن كانت حاملاً ، أو تمر عليها ثلاث حيضات ] ، فيمكن أن يراجع زوجته بقوله : راجعتك أو أمسكتك

فتصح الرجعة ، أو بفعل ينوي به الرجعة ، كما لو جامعها بنيّة الرجعة فتحصل الرجعة أيضاً .

والله أعلم .

و اخيرا

الحمد لله الذي بفضلة تتم الصالحات

اخوة الاسلام

اكتفي بهذا القدر و لنا عوده
ان قدر الله لنا البقاء و اللقاء

و اسال الله ان يجمعني بكم دائما
علي خير

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين

ERTHCEROKO
2019-01-22, 16:58
فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا

*عبدالرحمن*
2019-01-25, 14:29
افَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا


الحمد لله الذي بفضلة تتم الصالحات

بارك الله فيك

*عبدالرحمن*
2019-01-25, 14:33
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)
اخوة الاسلام

أحييكم بتحية الإسلام
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)


الحكمة من جمع اليد في قوله: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا)

السؤال

حد السرقة عند القرآنيين هو منع يد السارق وذلك بطرده من عمله أو حبسه وليس البتر فما صحة هذا وكيف الرد عليه- " وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

" ويحتجون بكلمة (أيديهما) ويقلون ليست (يديهما) لأن يد السارق ويد السارقة تساوي يديهما بالمثنى و ليست أيديهما بالجمع كما في الآية وأن الايد تدل على السلطة والنفوذ كما في آية (داوود ذو الأيد) لهذا يجب

نع سلطة السارق بطرده من عمله او حبسه ؟

مع اني اراه مجرد سؤال متلاعب لأنه كان الاولى بهم ان يدعون الى قطع كلتا يدي السارق فذلك اقرب معنى ومنطق وقرانا وسنة الا اني اريد سماع ردكم امتثالا لأمر الله حينما قال (فاسألوا اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون)

الجواب

الحمد لله

أولا:

من زعم الاكتفاء بالقرآن وأعرض عن السنة فهو ضال ضلالا بينا، وكافر بنعمة الله في إرسال رسول يفصل كتابه ، ويبين لنا ما أنزل إلينا

كما قال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) النحل/44

ومن الخطأ مناقشة هؤلاء في الفروع مع فساد الأصل، فإن ما بني على باطل فهو باطل .

وهؤلاء لما حرموا أنفسهم من السنة ، لم يكن أمامهم في فهم القرآن إلا القول على الله بلا علم، وهو كبيرة عظيمة من كبائر الذنوب،

لقوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) الأعراف/33.

وينظر في بيان ضلال من يسمون بالقرآنيين: جواب السؤال القادم

ثانيا:

ما حكيته عن هؤلاء بشأن قطع السارق : نموذج من ضلالاتهم وانحرافاتهم، ودلالة على جهلهم بالشرع، وباللغة، فإن (الأيد) في قوله تعالى: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ) مفرد ليس جمعا، والأيد: القوة.

وأما في آية السرقة، فالأيدي جميع يد، وإنما جاء التعبير بالجمع لا بالتثنية، لحِكَم، منها أنه لم يُرد سارقا واحدا أو سارقة واحدا، وإنما أراد جنس السراق.

ومنها أن لغة العرب تميز بين أعضاء الإنسان، فما يوجد في الإنسان منه عضو واحد ، أو أريد منه عضو واحد : فإنه عند التثنية يجمع، كقوله: (قد صغت قلوبكما).

قال السمعاني في تفسيره (2/ 36): " فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ قَالَ أَيْدِيهِمَا وَالْمَذْكُور اثْنَان، وَلم يقل: يديهما؟

قيل: لم يرد بِهِ سَارِقا وَاحِدًا، أَو سارقة وَاحِدَة، وَإِنَّمَا ذكر الْجِنْس؛ فَلذَلِك ذكر الْأَيْدِي.

قَالَ الْفراء، والزجاج: كل مَا يوحد فِي الْإِنْسَان، فَإِذا ذكر مِنْهُ اثْنَان يجمع؛ يَقُول الله - تَعَالَى - فقد صغت قُلُوبكُمَا وَتقول الْعَرَب: مَلَأت ظهورهما وبطونهما ضربا

وَلكُل وَاحِد ظهر وبطن وَاحِد، فَكَذَلِك الْيَمين للْإنْسَان وَاحِدَة؛ فَيجمع عِنْد التَّثْنِيَة" انتهى.

وقال الكرماني رحمه الله في غرائب التفسير (1/ 330): " وإنما جمع، لأن أعضاء الوتر ، إذا نسب إلى إنسانين : جُمع في موضع التثنية، كقوله: (صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) ، و (حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا).

قال الفراء: لأن الغالب في الأعضاء الشفع ، فأجرى الوتر مجرى الشفع .

وهذا فيه بعد؛ لأنه يؤدي إلى الالتباس. والجواب المرضي: أن التثنية في الأصل جمعٌ ، لوجود معنى الجمع فيه، فأفرد للثنية صيغة حيث يقع التباس، وحيث لم يقع : رُدّ إلى الأصل" انتهى.

وقال ابن عطية رحمه الله في تفسيره (2/ 189): " فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما :

جمع الأيدي ، من حيث كان لكل سارق يمين واحدة ، وهي المعرضة للقطع في السرقة أولا، فجاءت للسراق أيد ، وللسارقات أيد، فكأنه قال: اقطعوا أيمان النوعين، فالتثنية في الضمير إنما هي للنوعين.

قال الزجاج عن بعض النحويين: إنما جعلت تثنية ما في الإنسان منه واحد جمعا ، كقوله: صَغَتْ قُلُوبُكُما [التحريم: 4] ، لأن أكثر أعضائه فيه منه اثنان، فحمل ما كان فيه الواحد على مثال ذلك.

قال أبو إسحاق: وحقيقة هذا الباب : أن ما كان في الشيء منه واحد : لم يُثنَّ ، ولُفِظ به على لفظ الجمع ، لأن الإضافة تبينه. فإذا قلت: أشبعتُ بطونَهما، عُلم أن للاثنين بطنان.

قال القاضي أبو محمد: كأنهم كرهوا اجتماع تثنيتين في كلمة" انتهى.

وقال السمين الحلبي في الدر المصون (4/ 262): " قوله: أَيْدِيَهُمَا جمعٌ واقعٌ موقعَ التثنيةِ ، لأمْنِ اللَّبْس، لأنه معلومٌ أنه يُقْطَعُ مِنْ كلِّ سارقٍ يمينه، فهو من باب صَغَتْ قُلُوبُكُمَا [التحريم: 4] .

ويدل على ذلك قراءةُ عبد الله: فاقطعوا أيمانَهما واشترط النحويون في وقوعِ الجمع موقعَ التثنية شروطاً، ومن جملتها: ان يكون ذلك الجزءُ المضافُ مفرداً من صاحبِه ، نحو: قلوبكما

و رؤوس الكبشين ، لأمن الإِلباس بخلافِ العينين واليدين والرجلين، لو قلت: فَقَأْتُ أعينَهما ، وأنت تعني عينيهما، وكَتَّفْتُ أيديَهما ، وأنت تعني يديهما لم يَجُزْ ، لِلَّبْسِ .

فلولا أنَّ الدليل دَلَّ على أن المراد : اليدان ، اليمنيان ؛ لَما ساعَ ذلك .

وهذا مستفيضٌ في لسانهم - أعني وقوعَ الجمعِ موقعَ التثنيةِ بشروطِه - قال تعالى: فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا [التحريم: 4] " انتهى.

وقال ابن عاشور رحمه الله في التحرير والتنوير (6/ 190): " وَجُمِعَ الْأَيْدِي بِاعْتِبَارِ أَفْرَادِ نَوْعِ السَّارِقِ. وَثُنِّيَ الضَّمِيرُ بِاعْتِبَارِ الصِّنْفَيْنِ ، الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى .

فَالْجَمْعُ هُنَا : مُرَادٌ مِنْهُ التَّثْنِيَةُ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما) [التَّحْرِيم: 4] " انتهى.

وقال السيد رشيد رضا رحمه الله في المنار (6/ 314):

" وإنما جمع اليد، ولم يقل يديهما ; لأن فصحاء العرب يستثقلون إضافة المثنى إلى ضمير التثنية ; أي الجمع بين تثنيتين، ومثله قوله تعالى: (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما) (66: 4) " انتهى.

فتحصل من هذا : أن الجمع جار على لغة العرب في مثله، وأنه يفضّل على التثنية؛ لخفته، مع أمن اللبس، لأنه معلوم أنه تقطع يد واحدة، ولمراعاة الكلام على جنس السراق.

وقد بينت السنة الصحيحة من أين تقطع اليد، كما بينت النصاب الذي تقطع فيه، وهذا دليل على أنه لا يمكن الاكتفاء بالقرآن.

ثالثا:

أما تفسير القطع بالحبس أو الطرد من العمل، فهو تفسير سمج بارد، بل تحريف ظاهر لا يعرف من لغة ولا شرع .

وكان على ضلالهم وظاهريتهم أن يقولوا: تقطع اليدان من السارق، ليتم الجمع، فلم عدلوا عن هذا؟!

هل راعوا السنة ، أم الإجماع ، أم لغة العرب ، أم تفسير المفسرين ؟؟!

فالأمر كما ذكرت، وأنه يلزمهم على ظاهر هذه الكلمة أن يقولوا: تقطع يدا السارق، لا أن يحرفوا معنى القطع بما لا تدل عليه اللغة.

والله أعلم.

*عبدالرحمن*
2019-01-25, 14:40
كيف نرد على من يسمون بــ " القرآنيين " ؟

السؤال

هناك أخت لصديقتي ترمي بشبهات أنها تؤمن بالقرآن فقط ، والأحاديث تأخذ ما يوافق صريح القرآن عن طريق رأيها وعقلها كما تقول ، وتنكر الروايات وتعتبرها أساطير الأولين بحجة أنها لم تر الرواة ، فكيف نرد عليهم ؟

الجواب

الحمد لله

أولا :

لا شك أن من يطعن في السنة المطهرة وحجيتها إنما يطعن في دين الله ، ويطعن في أمانة رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمناء من بعده من أصحابه رضي الله عنهم والتابعين لهم بإحسان

وأتباعهم من السلف الكرام ، ومن تبعهم من الأئمة الأعلام ، ومن طعن في السنة طعن في القرآن ، لأن حملة القرآن وحفظته هم حملة السنة وحفظتها .

ومن طعن في السنة طعن في أركان الدين وأحكامه وشرائعه .

فالطاعن في السنة وحجيتها ضال تائه ، متبع هواه بغير علم .

ومن قال عن روايات الحديث الصحيحة أنها أساطير الأولين : فإن كان جاهلا مغفلا لا يدري ما يقول ، أو كان حديث عهد بإسلام ، أو كان في بيئة بعيدة عن أهل العلم : فإنه يعلّم

وتقام عليه الحجة ، وينكر عليه أشد النكير ، فإن أقيمت عليه الحجة فأصر على رأيه الخبيث ، أو كان يعلم إلا أنه يكابر ويتبع هواه : فهذا ضال خارج عن الملة .

ثانيا :

والرد على هذه المرأة وغيرها ممن ينحو هذا النحو الفاسد من آيات القرآن فقط : سهل ميسور ؛ لأن القرآن أوجب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يقرب من مائة آية

واعتبر طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم من طاعة الله عز وجل ، وتوعد مخالف الرسول ومشاقته بالعذاب الشديد

فقال تعالى : ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً ) سورة النساء/80

وقال عز وجل : ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً ) سورة النساء /65

وقال عز وجل : ( ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا ) النساء/115 ، وغير ذلك من الآيات .

ثالثاً :

كلام أهل العلم ، قديما وحديثا ، في الرد على منكري السنة وأعدائها : كثير متظاهر. فمن ذلك :

قال الحافظ جلال الدين السيوطي رحمه الله :

" اعلموا رحمكم الله أَن من أنكر كَون حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

قولا كَانَ أَو فعلا ، بِشَرْطِهِ الْمَعْرُوف فِي الْأُصُول = حجَّة : كفر وَخرج عَن دَائِرَة الْإِسْلَام وَحشر مَعَ الْيَهُود وَالنَّصَارَى ، أَو مَعَ من شَاءَ الله من فرق الْكَفَرَة .

روى الإِمَام الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ يَوْمًا حَدِيثا وَقَالَ إِنَّه صَحِيح

. فَقَالَ لَهُ قَائِل : أَتَقول بِهِ يَا أَبَا عبد الله ؟

فاضطرب وَقَالَ : " يَا هَذَا أرأيتني نَصْرَانِيّا ؟

أرأيتني خَارِجا من كَنِيسَة ؟ أَرَأَيْت فِي وسطي زناراً ؟ أروي حَدِيثا عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا أَقُول بِهِ ؟! " .

وأصل هَذَا الرَّأْي الْفَاسِد : أَن الزَّنَادِقَة وَطَائِفَة من غلاة الرافضة ذَهَبُوا إِلَى إِنْكَار الِاحْتِجَاج بِالسنةِ ، والاقتصار على الْقُرْآن .

وهم فِي ذَلِك مختلفو الْمَقَاصِد ، فَمنهمْ من كَانَ يعْتَقد أَن النُّبُوَّة لعَلي وَأَن جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام أَخطَأ فِي نُزُوله إِلَى سيد الْمُرْسلين صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ، تَعَالَى الله عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ علوا كَبِيرا

وَمِنْهُم من أقرّ للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالنُّبُوَّةِ وَلَكِن قَالَ: إِن الْخلَافَة كَانَت حَقًا لعَلي ، فَلَمَّا عدل بهَا الصَّحَابَة عَنهُ إِلَى أبي بكر رَضِي الله عَنْهُم أَجْمَعِينَ قَالَ هَؤُلَاءِ المخذولون - لعنهم الله -

: كفرُوا حَيْثُ جاروا وَعدلُوا بِالْحَقِّ عَن مُسْتَحقّه ، وكفَّروا - لعنهم الله - عليا رَضِي الله عَنهُ أَيْضا ، لعدم طلبه حَقه فبنوا على ذَلِك رد الْأَحَادِيث كلهَا ، لِأَنَّهَا عِنْدهم بزعمهم من رِوَايَة قوم كفار، فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون .

وَهَذِه آراء مَا كنت أستحل حكايتها ، لَوْلَا مَا دعت إِلَيْهِ الضَّرُورَة من بَيَان أصل هَذَا الْمَذْهَب الْفَاسِد الَّذِي كَانَ النَّاس فِي رَاحَة مِنْهُ من أعصار .

وَقد كَانَ أهل هَذَا الرَّأْي موجودين بِكَثْرَة فِي زمن الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة فَمن بعدهمْ ، وتصدى الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وأصحابهم فِي دروسهم ومناظراتهم وتصانيفهم للرَّدّ عَلَيْهِم ، وسأسوق إِن شَاءَ الله تَعَالَى جملَة من ذَلِك وَالله الْمُوفق :

قَالَ الإِمَام الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ فِي الرسَالَة وَنَقله عَنهُ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمدْخل

: " قد وضع الله رَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من دينه وفرضه وَكتابه الْموضع الَّذِي أبان جلّ ثَنَاؤُهُ أَنه جعله علما لدينِهِ ، بِمَا افْترض من طَاعَته ، وَحرم من مَعْصِيَته وَأَبَان من فضيلته ، بِمَا قرن بَين الْإِيمَان بِرَسُولِهِ الْإِيمَان بِهِ .

.. فَفرض الله على النَّاس اتِّباع وحيه وَسنَن رَسُوله

فَقَالَ فِي كِتَابه : ( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) ، مَعَ آي سواهَا ذكر فِيهِنَّ الْكتاب وَالْحكمَة .

قَالَ الشَّافِعِي : فَذكر الله الْكتاب ، وَهُوَ الْقُرْآن ، وَذكر الْحِكْمَة ، فَسمِعت من أرضاه من أهل الْعلم بِالْقُرْآنِ يَقُول : الْحِكْمَة سنة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم .

وَقَالَ : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ) .

. وَغَيرهَا من الْآيَات الَّتِي دلّت على اتِّبَاع أمره ، وَلُزُوم طَاعَته فَلَا يسع أحدا رد أمره لفرض الله طَاعَة نبيه .

قَالَ الْبَيْهَقِيّ بعد إحكامه هَذَا الْفَصْل : وَلَوْلَا ثُبُوت الْحجَّة بِالسنةِ ، لما قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي . خطبَته بعد تَعْلِيم من شهده أَمر دينهم : ( أَلا فليبلغ الشَّاهِد مِنْكُم الْغَائِب

فَرب مبلّغ أوعى من سامع ) ، ثمَّ أورد حَدِيث : ( نضر الله امْرَءًا سمع منا حَدِيثا فأداه كَمَا سَمعه ، فَرب مبلغ أوعى من سامع ) ، وَهَذَا الحَدِيث متواتر .

قَالَ الشَّافِعِي : فَلَمَّا ندب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى اسْتِمَاع مقَالَته وحفظها وأدائها ، دلّ على أَنه لَا يَأْمر أن يؤدَّى عَنهُ إلاَّ مَا تقوم بِهِ الْحجَّة على من أدَّى إِلَيْهِ ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يؤدَّى عَنهُ حَلَال يُؤْتى

وَحرَام يجْتَنب ، وحدّ يُقَام ، وَمَال يُؤْخَذ وَيُعْطى ، ونصيحة فِي دين وَدُنْيا .

ثمَّ أورد الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أبي رَافع قَالَ : قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم : ( لَا ألفيَنَّ أحدكُم مُتكئا على أريكته يَأْتِيهِ الْأَمر من أَمْرِي مِمَّا أمرت بِهِ أَو نهيت عَنهُ يَقُول : لَا أَدْرِي

مَا وجدنَا فِي كتاب الله اتَّبعنَا ) أخرجه أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِم ، وَمن حَدِيث الْمِقْدَام بن معدي كرب أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حرّم أَشْيَاء يَوْم خَيْبَر ، مِنْهَا الْحمار الأهلي وَغَيره

ثمَّ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم : ( يُوشك أَن يقْعد الرجل على أريكته يحدث بحديثي فَيَقُول بيني وَبَيْنكُم كتاب الله فَمَا وجدنَا فِيهِ حَلَالا استحللناه ، وَمَا وجدنَا فِيهِ حَرَامًا حرمناه

أَلا وَإِن مَا حرَّم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مثل مَا حرَّم الله ) ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَهَذَا خبر من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَمَّا يكون بعده من رد المبتدعة حديثَه

فَوجدَ تَصْدِيقه فِيمَا بعده "

انتهى ، مختصرا من " مفتاح الجنة " (ص/5-9) .

وجاء في " الموسوعة الفقهية " (1/44) :

" أَثَارَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ السُّنَّةَ لَيْسَتْ مَصْدَرًا لِلتَّشْرِيعِ ، وَسَمُّوا أَنْفُسَهُمْ بِالْقُرْآنِيِّينَ ، وَقَالُوا : إِنَّ أَمَامَنَا الْقُرْآنَ ، نُحِل حَلاَلَهُ وَنُحَرِّمُ حَرَامَهُ ، وَالسُّنَّةُ ، كَمَا يَزْعُمُونَ قَدْ دُسَّ فِيهَا أَحَادِيثُ مَكْذُوبَةٌ عَلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

وَهَؤُلاَءِ امْتِدَادٌ لِقَوْمٍ آخَرِينَ نَبَّأَنَا عَنْهُمْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ الْمِقْدَامِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال

: ( يُوشِكُ أَنْ يَقْعُدَ الرَّجُل مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يُحَدَّثُ بِحَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِي فَيَقُول : بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَلاَلٍ اسْتَحْلَلْنَاهُ ، وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَرَامٍ حَرَّمْنَاهُ ، أَلاَ وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُول اللَّهِ مِثْل مَا حَرَّمَ اللَّهُ ) .

وَهَؤُلاَءِ لَيْسُوا بِقُرْآنِيِّينَ ؛ لأِنَّ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ أَوْجَبَ طَاعَةَ الرَّسُول فِيمَا يَقْرُبُ مِنْ مِائَةِ آيَةٍ ، وَاعْتَبَرَ طَاعَةَ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَل

. بَل إِنَّ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ الَّذِي يَدَّعُونَ التَّمَسُّكَ بِهِ : نَفَى الإْيمَانَ عَمَّنْ رَفَضَ طَاعَةَ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

وَلَمْ يَقْبَل حُكْمَهُ : ( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) .

وَقَوْلُهُمْ : إِنَّ السُّنَّةَ قَدْ دُسَّتْ فِيهَا أَحَادِيثُ مَوْضُوعَةٌ : مَرْدُودٌ بِأَنَّ عُلَمَاءَ هَذِهِ الأْمَّةِ عُنُوا أَشَدَّ الْعِنَايَةِ بِتَنْقِيَةِ السُّنَّةِ مِنْ كُل دَخِيلٍ ، وَاعْتَبَرُوا الشَّكَّ فِي صِدْقِ رَاوٍ مِنْ الرُّوَاةِ ، أَوِ احْتِمَال سَهْوِهِ رَادًّا لِلْحَدِيثِ .

وَقَدْ شَهِدَ أَعْدَاءُ هَذِهِ الأْمَّةِ بِأَنَّهُ لَيْسَتْ هُنَاكَ أُمَّةٌ عُنِيَتْ بِالسَّنَدِ ، وَبِتَنْقِيحِ الأْخْبَارِ ، وَلاَ سِيَّمَا الْمَرْوِيَّةَ عَنْ رَسُول اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَهَذِهِ الأْمَّةِ .

وَيَكْفِي لِوُجُوبِ الْعَمَل بِالْحَدِيثِ غَلَبَةُ الظَّنِّ بِأَنَّهُ صَادِرٌ عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

فَقَدْ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَكْتَفِي بِإِبْلاَغِ دَعْوَتِهِ بِإِرْسَال وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ، مِمَّا يَدُل عَلَى أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ إِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُ : يَجِبُ الْعَمَل بِهِ .

ثُمَّ نَسْأَل هَؤُلاَءِ : أَيْنَ هِيَ الآْيَاتُ الَّتِي تَدُل عَلَى كَيْفِيَّةِ الصَّلاَةِ ، وَعَلَى أَنَّ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةَ خَمْسٌ ، وَعَلَى أَنْصِبَةِ الزَّكَاةِ ، وَعَلَى أَعْمَال الْحَجِّ ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الأْحْكَامِ الَّتِي لاَ يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهَا إِلاَّ مِنْ السُّنَّةِ ؟ " انتهى .

وقال الشيخ ابن باز رحمه الله :

" هؤلاء المتأخرون المنكرون للسنة أتوا منكرا عظيما ، وبلاء كبيرا ، ومعصية عظيمة

حيث قالوا : إن السنة لا يحتج بها ، وطعنوا فيها وفي رواتها وفي كتبها ، وسار على هذا المنهج وأعلنه كثير من الناس في مصر وفي غيرها

وسموا أنفسهم بالقرآنيين ، وقد جهلوا ما قاله علماء السنة ، فقد احتاطوا كثيرا للسنة تلقوها أولا عن الصحابة حفظا ـ ودرسوها وحفظوها حفظا كاملا ، حفظا دقيقا بعناية تامة

ونقلوها إلى من بعدهم ، ثم ألف العلماء في القرن الثاني وفي القرن الثالث ، وقد كثر ذلك في القرن الثالث ، فألفوا الكتب وجمعوا الأحاديث حرصا على السنة وحفظها وصيانتها

فانتقلت من الصدور إلى الكتب المحفوظة المتداولة المتناقلة ، التي لا ريب فيها ولا شك ، ثم نقبوا عن الرجال وعرفوا ثقتهم

من ضعيفهم ، من سيئ الحفظ منهم ، حتى حرروا ذلك أتم تحرير ، وبينوا من يصلح للرواية ومن لا يصلح للرواية ، ومن يحتج به ومن لا يحتج به .

واعتنوا بما قد وقع من بعض الناس من أوهام وأغلاط ، وعرفوا الكذابين والوضاعين ، فألفوا فيهم وأوضحوا أسماءهم ، فأيد الله سبحانه وتعالى بهم السنة ، وأقام بهم الحجة وقطع بهم المعذرة ، وزال تلبيس الملبسين

وانكشف ضلال الضالين ، وبقيت السنة بحمد الله جلية وواضحة لا شبهة فيها ولا غبار عليها ، وكان الأئمة يعظمون ذلك كثيرا ، وإذا رأوا من أحد تساهلا بالسنة أو إعراضا : أنكروا عليه "

انتهى من " مجموع فتاوى ابن باز " (8/141) .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-01-25, 14:46
تفسير قوله تعالى (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ) .

السؤال

في سورة الأحزاب الآية رقم 51 ، قال تعالى : (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ) من التفسيرات التي قرأتها أن الرسول صلى الله عليه وسلم ينكح من أراد من نسائه ولا ينكح من أراد فإذا كان كذلك فيكون هذا فيه ظلم ؟

أرجو التوضيح ؛ لأن هذه الآية استوقفتني كثيراً ، ولا شك أن ربنا لا يظلم أحداً .

الجواب

الحمد لله

أولا:

لا ريب أن الله تعالى منزه عن الظلم ، غني عن جميع خلقه ، قال تعالى: (وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) الكهف/49،

وقال: (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) فصلت/46 ، وهذا من أعظم الأصول الإيمانية في معرفة العبد بربه ، ومعاملته له

والإيمان بشرعه ، والتسليم لقدره ، وتصريفه لأمور عباده ، وبدون ذلك الأصل الأصيل الواضح البين : لا يستقيم لعبد إيمان ، ولا يطمئن له قلب ، ولا يقر له قرار .

ثانيا:

قوله تعالى: (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ

عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا * تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ

عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا) الأحزاب/50، 51 .

اختلف المفسرون في معنى قوله: (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ) فقال بعضهم: المراد به الواهبات أنفسهن، له أن ينكح منهن ، أو يرجئ منهن ، أي يؤخر ويترك.

وقال بعضهم: المراد به الزوجات، له أن يقسم، وألا يقسم، توسعة من الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم

ومراعاة لانشغاله بأمر الدعوة والرسالة، وإظهارا لعدله وإنصافه وكرمه مع زوجاته؛ لأن الله يعلم أنه سيقسم بينهن ويتحرى في ذلك حتى مع عدم الوجوب عليه.

والآية تحتمل القولين.

قال ابن كثير رحمه الله: " قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن بشر

حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة، رضي الله عنها؛ أنها كانت تعيّر النساء اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: ألا تستحي المرأة أن تعرض نفسها بغير صداق؟

فأنزل الله عز وجل: (ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك) قالت: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك .

وقد تقدم أن البخاري رواه من حديث أبى أسامة، عن هشام بن عروة، فدل هذا على أن المراد بقوله: (ترجي) أي: تؤخر (من تشاء منهن)

أي: من الواهبات [أنفسهن] (وتؤوي إليك من تشاء) أي: من شئت قبلتها، ومن شئت رددتها، ومن رددتها فأنت فيها أيضا بالخيار بعد ذلك، إن شئت عدت فيها فآويتها؛ ولهذا

قال: (ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك) . قال عامر الشعبي في قوله: (ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء) :

كن نساء وهبن أنفسهن للنبي صلى الله عليه وسلم فدخل ببعضهن، وأرجأ بعضهن لم ينكحن بعده، منهن أم شريك.

وقال آخرون: بل المراد بقوله: (ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء) أي: من أزواجك، لا حرج عليك أن تترك القسْم لهن، فتقدِّم من شئت، وتؤخر من شئت، وتجامع من شئت، وتترك من شئت.

هكذا يروى عن ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وأبي رزين، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيرهم .

ومع هذا كان، صلوات الله وسلامه عليه، يقسم لهن؛ ولهذا ذهب طائفة من الفقهاء من الشافعية وغيرهم إلى أنه لم يكن القسم واجبا عليه، صلوات الله وسلامه عليه، واحتجوا بهذه الآية الكريمة.

وقال البخاري: حدثنا حبان بن موسى، حدثنا عبد الله -هو ابن المبارك -أخبرنا عاصم الأحول

عن معاذة عن عائشة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستأذن في يوم المرأة منا بعد أن نزلت هذه الآية: (ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك)

فقلت لها: ما كنت تقولين؟ فقالت: كنت أقول: إن كان ذاك إلي فإني لا أريد يا رسول الله أن أؤثر عليك أحدا .

فهذا الحديث عنها يدل على أن المراد من ذلك عدم وجوب القسم، وحديثها الأول يقتضي أن الآية نزلت في الواهبات .
ومن هاهنا اختار ابن جرير أن الآية عامة في الواهبات وفي النساء

اللاتي عنده، أنه مخير فيهن، إن شاء قسم وإن شاء لم يقسم. وهذا الذي اختاره حسن جيد قوي، وفيه جمع بين الأحاديث؛

ولهذا قال تعالى: (ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن) أي: إذا علمن أن الله قد وضع عنك الحرج في القسم، فإن شئت قسمت، وإن شئت لم تقسم، لا جناح

عليك في أي ذلك فعلت، ثم مع هذا أنت تقسم لهن اختيارا منك

لا أنه على سبيل الوجوب، فرحن بذلك واستبشرن به وحملن جميلك في ذلك، واعترفن بمنتك عليهن في قسمك لهن، وتسويتك بينهن ، وإنصافك لهن ، وعدلك فيهن"

انتهى من "تفسير ابن كثير" (6/445).

*عبدالرحمن*
2019-01-25, 14:47
والله تعالى له أن يشرع ما يشاء، وأن يخص نبيه بما شاء، وقد كان شرفا للمرأة –وأي شرف- أن تكون زوجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فلو أنه أخذ بالرخصة ولم يقسم، لما ضرها ذلك. والله عليم بعباده وما يصلحهم.

وقد رضيت زوجاته صلى الله عليه وسلم وقرت أعينهن بحكم الله تعالى، وقسم رسوله صلى الله عليه وسلم، ولله الحمد.
قال القرطبي رحمه الله:

" قوله تعالى : (ذلك أدنى أن تقر أعينهن) قال قتادة وغيره : أي ذلك التخيير الذي خيرناك في صحبتهن أدنى إلى رضاهن إذ كان من عندنا؛ لأنهن إذا علمن أن الفعل من الله

قرت أعينهن بذلك ورضين، لأن المرء إذا علم أنه لا حق له في شيء ، كان راضيا بما أوتي منه وإن قل. وإن علم أن له حقا ، لم يقنعه ما أوتي منه واشتدت غيرته عليه، وعظم حرصه فيه،

فكان ما فعل الله لرسوله من تفويض الأمر إليه في أحوال أزواجه ، أقرب إلى رضاهن معه، وإلى استقرار أعينهن بما يسمح به لهن ، دون أن تتعلق قلوبهن بأكثر منه ...

وكان عليه السلام مع هذا يشدد على نفسه في رعاية التسوية بينهن

تطييبا لقلوبهن كما قدمناه، ويقول: (اللهم هذه قدرتي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك ) يعني قلبه ، لإيثاره عائشة رضي الله عنها، دون أن يكون يظهر ذلك في شيء من فعله"

انتهى من "تفسير القرطبي "(14/215).

وقد أحسنت بسؤالك عما يحيك في نفسك، فإنه لا حرج في مثل هذا السؤال

وليكن المؤمن على يقين بأن الله تعالى عدل عليم حكيم رؤوف رحيم، لا يشرع إلا ما فيه حكمة ورحمة، وإن كانت الحكمة قد تخفى على بعض الناس، مع أن الآية نصت على الحكمة من هذا التخيير.

قال السعدي رحمه الله :

" ( تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا ) :

وهذا أيضًا من توسعة اللّه على رسوله ورحمته به، أن أباح له ترك القسم بين زوجاته، على وجه الوجوب، وأنه إن فعل ذلك، فهو تبرع منه، ومع ذلك، فقد كان صلى اللّه عليه وسلم

يجتهد في القسم بينهن في كل شيء، ويقول : "اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملك" .

فقال هنا: (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ) [أي: تؤخر من أردت من زوجاتك فلا تؤويها إليك، ولا تبيت عندها] (وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ) أي: تضمها وتبيت عندها.

ومع ذلك لا يتعين هذا الأمر (مَنِ ابْتَغَيْتَ) أي: أن تؤويها (فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ) والمعنى أن الخيرة بيدك في ذلك كله
.
وقال كثير من المفسرين: إن هذا خاص بالواهبات، له أن يرجي من يشاء، ويؤوي من يشاء، أي: إن شاء قبل من وهبت نفسها له، وإن شاء لم يقبلها، واللّه أعلم .

ثم بين الحكمة في ذلك فقال: (ذَلِكَ) أي: التوسعة عليك، وكون الأمر راجعًا إليك وبيدك، وكون ما جاء منك إليهن تبرعًا منك (أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ) لعلمهن

أنك لم تترك واجبًا، ولم تفرط في حق لازم.

(وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ) أي: ما يعرض لها عند أداء الحقوق الواجبة والمستحبة، وعند المزاحمة في الحقوق، فلذلك شرع لك التوسعة يا رسول اللّه، لتطمئن قلوب زوجاتك.

(وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا) أي: واسع العلم، كثير الحلم. ومن علمه، أن شرع لكم ما هو أصلح لأموركم، وأكثر لأجوركم. ومن حلمه، أن لم يعاقبكم بما صدر منكم، وما أصرت عليه قلوبكم من الشر.

(لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا) .

وهذا شكر من اللّه، الذي لم يزل شكورًا، لزوجات رسوله، رضي اللّه عنهن، حيث اخترن اللّه ورسوله

والدار الآخرة، أن رحمهن، وقصر رسوله عليهن فقال: (لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ) زوجاتك الموجودات (وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ) أي: ولا تطلق بعضهن، فتأخذ بدلها.

فحصل بهذا، أمنهن من الضرائر، ومن الطلاق، لأن اللّه قضى أنهن زوجاته في الدنيا والآخرة، لا يكون بينه وبينهن فرقة"

انتهى من "تفسير السعدي"، 669

زادنا الله وإياك علما وهدى.

والله أعلم.

*عبدالرحمن*
2019-01-25, 14:51
تحليل شخصيات الأنبياء من خلال ما ورد في القران .

السؤال

قرأت في أحد الكتب أن الكاتب يصف أنبياء الله في القران وصفا تحليليا نفسيا من خلال مواقفهم التي ذكرها الله تعالى، فمثلا قول نبي الله يعقوب: إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون

هذا وغيره كما أوصى بنيه أن يدخلوا من أبواب متفرقة، فوصفه الكاتب في هذه الحالات بأنه شخصية قلقة وشكاكة، بينما وصف غير الأنبياء

الطبع، بصفات أخرى كوصف فرعون المتعالي بصفة النرجسية والسيكوباتية إلى غير ذلك من الأمثلةـ وسؤالي هو: هل يصح أن نحلل شخصيات الأنبياء من خلال ما ورد في القران تشخيصا نفسيا أم لا؟

وقد وجدتُ في نفسي أن في ذلك انتقاصا من قدر الأنبياء والله تعالى أعلى وأعلم.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

للنفس الإنسانية حضور كبير في القرآن المجيد، وقد برز هذا الحضور بشكل واضح في القصص القرآني

ولم تكن التفاسير غفلًا من الحديث عن الجوانب النفسية في حديث القرآن عن الإنسان، وبخاصة في ثنايا الحديث عن القصص القرآني .

وهناك عدة كتب في هذا الموضوع، من أهمها:

1- لمحات نفسية في القرآن الكريم، لعبدالحميد محمد الهاشمي، من إصدارات مجلة دعوة الحق بالرباط .

2- النماذج الإنسانية في القرآن، لأحمد محمد فارس، من نشر دار الفكر العربي، بيروت .

ولعل أهم الدراسات المقدمة في هذا الجانب،

3- التعبير القرآني، والدلالة النفسية، للدكتور عبدالله بن محمد الجيوسي رحمه الله، من إصدارات دار الغوثاني للدراسات القرآنية .

وذكر الدكتور الجيوسي عددًا من الكتب التي اهتمت بهذه القضية، كما بحثها من جهة التأصيل، وذكر عددًا من الضوابط لما أسماه " المنهج النفسي في تفسير القرآن " كان من أهمها:

- التزام الخطاب القرآني منطلقًا ومدارًا، واستقراء النصوص القرآنية في الموضوع المتحدث عنه في المواقع المختلفة .

- تتبع ما صح من التفسير المأثور للنص .

- الوقوف على بيئة نزول النص .

- الرجوع إلى الأصل اللغوي لألفاظ القرآن، واستعمالاتها ودلالاتها .

- ضرورة ملاحظة قواعد اللغة .

- النظر إلى النصوص القرآنية على أنها نصوص متكاملة في الموضوع الواحد .

- إلمام المفسر بالعلوم المتصلة بالقرآن .

- النظر في لوازم النص ومقتضياته .

- أن لا يعتمد على الذوق وحده في فهم النص .

انظر: التعبير القرآني: (559 - 592).

ثانيًا:

إن على المؤمن أن يعظم أنبياء الله تعالى وأن يتأدب في الحديث عنهم، فإن الله اصطفاهم على سائر الناس، قال الله تعالى: (وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ) [آل عمران: 179]

وقال سبحانه: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ) [الحج: 75]، وقال تعالى: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) [الأنعام: 124].

بل هم القدوة الذين أمر الله بالاقتداء بهديهم، كما قال سبحانه: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ ) [الأنعام: 90].

وقد ذكر الله تعالى يعقوب عليه السلام من هؤلاء السادة .

وفي قصة يوسف عليه السلام فضائل جمة ليعقوب عليه السلام، فمنها:

1- حكمة يعقوب عليه السلام في توجيه يوسف للأفضل .

2- صبره عليه السلام طوال تلك السنوات على فقد يوسف، وفقد ولده الآخر من بعده، فإن قال قائل؛ إنه قد حزن ؟

قلنا: وأين في ذلك ما يخالف طبيعة النفس البشرية على فقد حبيب أو عزيز، فلقد جبل الله البشر على هذا، فحزنه عليه السلام طبيعة بشرية لا ينفك عنها نبي من أنبياء الله تعالى .

3- ومن فضائله في هذه القصة العظيمة: عظيم اعتماده وتوكله على الله تعالى مع أخذه بالأسباب، وثقته في موعود ربه وخالقه، وبثه روح التفاؤل وعدم اليأس من رحمة الله .

4- حرصه على تربية أبنائه، وتعليقهم بالله تعالى .

5- ومنها: رحمته وشفقته عليه السلام .

ثالثًا:

قد علمت من الجواب السابق أن الكاتب أخطأ في أمور:

1- إخلاله بالتعظيم الواجب لأنبياء الله تعالى .

2- خطؤه في تلك القضية تحديدًا، فلقد جاء في القرآن ما يثبت أن يعقوب عليه السلام كان ذا سكينة ووقار، وبث للتفاؤل، ومن ذلك قوله لبنيه: (يَابَنِيَّ اذْهَبُوا

فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) يوسف/ 87، وقوله: (فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا

قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ * قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ * قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) يوسف/96-98

فهل هذه شخصية توصف بالقلق والشك .

أما المواقف التي ذكرها، فإنها مواقف متناغمة مع الطبيعة البشرية:

1- فقد خاف على ولده أن يذهب مع إخوته.

يقول ابن كثير في تفسيره: (4/ 373)، في بيان ذلك: " يقول تعالى مخبرا عن نبيه يعقوب أنه قال لبنيه، في جواب ما سألوا من إرسال يوسف معهم إلى الرعي في الصحراء: (إني ليحزنني

أن تذهبوا به) أي: يشق علي مفارقته، مدةَ ذهابكم به إلى أن يرجع، وذلك لفرط محبته له، لما يتوسم فيه من الخير العظيم، وشمائل النبوة والكمال في الخلق والخلق، صلوات الله وسلامه عليه.

وقوله: (وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون) يقول: وأخشى أن تشتغلوا عنه برميكم ورعيتكم، فيأتيه ذئب، فيأكله، وأنتم لا تشعرون .

فأخذوا من فمه هذه الكلمة، وجعلوها عذرهم فيما فعلوه، وقالوا مجيبين عنها في الساعة الراهنة:

(لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون) يقولون: لئن عدا عليه الذئب فأكله من بيننا، ونحن جماعة، إنا إذا لهالكون عاجزون" . انتهى .

أما الآية الثانية، وهي قوله سبحانه: ( وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ

* وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) يوسف/67-68

قال الإمام ابن كثير رحمه الله في بيانها: " يقول تعالى، إخبارا عن يعقوب، عليه السلام: إنه أمر بنيه لما جهزهم مع أخيهم بنيامين إلى مصر، ألا يدخلوا كلهم من باب واحد، وليدخلوا من أبواب متفرقة، فإنه كما

قال ابن عباس، ومحمد بن كعب، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، والسدي:

إنه خشي عليهم العين، وذلك أنهم كانوا ذوي جمال وهيئة حسنة، ومنظر وبهاء، فخشي عليهم أن يصيبهم الناس بعيونهم؛ فإن العين حق، تستنزل الفارس عن فرسه.

وروى ابن أبي حاتم، عن إبراهيم النخعي في قوله: (وادخلوا من أبواب متفرقة) قال: علم أنه سيلقى إخوته في بعض الأبواب.

وقوله: (وما أغني عنكم من الله من شيء) أي: هذا الاحتراز لا يرد قدر الله وقضاءه؛ فإن الله إذا أراد شيئا

لا يخالَف ولا يمانَع (إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها) .

قالوا: هي دفع إصابة العين لهم .

(وإنه لذو علم لما علمناه) قال قتادة والثوري: لذو عمل بعلمه. وقال ابن جرير: لذو علم لتعليمنا إياه، (ولكن أكثر الناس لا يعلمون)"، تفسير ابن كثير: (4/ 400).

وفي هذا كله: استعمال الأسباب الدافعة للعين أو غيرها من المكاره، أو الرافعة لها بعد نزولها، وليس شيء من ذلك ممنوعا ، ولا هو مما يخل بمقام صاحبه ، حاشاه من ذلك ؛ فإن الشرائع طافحة ، والفطر الإنسانية دافعة

: إلى مراعاة الأساب والأخذ بها ؛ وإن كان لا يقع شيء إلا بقضاء وقدر، فإن الأسباب أيضا من القضاء والقدر .

وينظر: تفسير السعدي: (407).

فأين هذا من القلق والشك ؟!

والحاصل :

أن مقام الأنبياء مقام عظيم ، يجب على العبد أن يتحرز في حديثه عنه ، ويعلم أن للأنبياء من حقوق المهابة والإجلال ، والتعظيم والتوقير : ما لا يخفى على مسلم ، ولا يحل له أن يجعلهم كغيرهم من الناس في ذلك

ولا أن يجعلهم ( حقلا لتجاربه ) ، حاشاهم من ذلك .

فليحذر العبد على نفسه مقام الزيغ والفتنة ، وليحذر على نفسه أن يتكلم بكلمة ، تهوي به في المهاوي ، ولا يتلقاها عنه إلا كل ضال ، وغاوي !!

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-01-25, 14:58
تفسير قوله تعالى (جنةٍ بربوة) .

السؤال

جاءت كلمة" ربوة" في سورة البقرة، الآية رقم/265 ، وقد ترجمت الكلمة لتعني الحديقة فوق الأرض العالية التي تؤتي ضعف غيرها من الثمار.

ولكن قرأت في تفسير ابن كثير أن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إنه المكان المرتفع من الأرض ، وهو أحسن ما يكون فيه النبات. فهل هناك إجماع على ذلك. لم أستطع فهم الحكمة من ذكر المكان العالي على وجه التحديد

مع وجود أماكن خصبة في الوديان، ويمكنها أن تؤتي ضعف الثمار ؟ وهل يمكن اعتبار المكان الخصب المتدني ربوة أيضًا ؟

وهل أثبت العلم فضل المكان الخصب المرتفع من الأرض على غيره من الأماكن الخصبة ؟

وأين يمكن إيجاد مثل هذه الأماكن؟

وإن كان المكان مرتفعا كثيرا، فقد يكون الجو حارا ويؤدي ذلك إلى الجفاف؟

الجواب

الحمد لله

اختلف المفسرون في تفسير كلمة (ربوة) في قول الله تعالى: (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ

أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) البقرة/ 265. وذلك على قولين:

القول الأول:

الربوة: المكان المرتفع من الأرض. وهو ما قرره جمهور المفسرين، مستندين إلى أصل المعنى اللغوي لكلمة (الربوة) التي هي المكان المرتفع من الأرض.

يقول ابن جرير الطبري رحمه الله:

"والرَّبوة من الأرض: ما نشز منها فارتفع عن السيل. وإنما وصفها بذلك جل ثناؤه

لأن ما ارتفع عن المسايل والأودية : أغلظ ، وجنان ما غلُظ من الأرض أحسنُ وأزكى ثمرًا وغرسًا وزرعًا، مما رقَّ منها، ولذلك قال أعشى بني ثعلبة في وصف روضة:

مَا رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الحَزْنِ مُعْشِبَةٌ ...
خَضْرَاءُ جَادَ عَلَيْهَا مُسْبِلٌ هَطِلُ

فوصفها بأنها من رياض الحَزن، لأن الحُزون: غرسها ونباتها أحسن وأقوى من غروس الأودية والتلاع وزروعها.
وإنما سميت (الربوة) لأنها ربت ، فغلظت وعلت، من قول القائل: ربا هذا الشيء يربو، إذا انتفخ فعظُم.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

ثم ذكر قول مجاهد :

هي الأرض المستوية المرتفعة...

وذكر نحوه عن قتادة والضحاك والسدي والربيع .

وقال : قال ابن عباس :

(كمثل جنه بربوة)، قال: المكان المرتفع الذي لا تجري فيه الأنهار" .

انتهى من "جامع البيان" (5/535-536) ، ملخصا .

ويقول ابن قتيبة رحمه الله:

"وأحسن ما تكون الجنان والرّياض: على الرّبا"

انتهى من "تأويل مشكل القرآن" (ص: 196).

ويقول أبو إسحاق الزجاج رحمه الله:

"والربوة ما ارتفع من الأرض، والجنة البستان، وكل ما نبت وكثف وكثر، وستر بعضه بعضاً فهو جنة .
والموضع المرتفع إِذا كان له ما يرويه من الماءِ : فهو أكثر ريْعاً من المستفِل .

فأعلم اللَّه عزَّ وجلَّ أن نفقة هُؤلاءِ المؤمنين ، تزْكو كما يزكو نبْتُ هذه الجنة التي هي في مكان مرتفع"

انتهى من " معاني القرآن وإعرابه" (1/ 348) .

*عبدالرحمن*
2019-01-25, 14:58
ويقول ابن قيم الجوزية رحمه الله:

"(كمثل جنة بربوة) وهي المكان المرتفع الذي تكون الجنة فيه نصب الشمس والرياح، فتتربى الأشجار هناك

أتم تربية، فنزل عليها من السماء مطر عظيم القطر، متتابع، فرواها ونماها، فآتت أكلها ضعفي ما يؤتيه غيرها ، بسبب ذلك الوابل"

انتهى من "إعلام الموقعين" (1/ 141).

ويقول أيضا:

"والجنة بربوة - وهو المكان المرتفع- لأنها أكمل من الجنة التى بالوهاد والحضيض، لأنها إذا ارتفعت كانت بمدرجة الأهوية والرياح، وكانت ضاحية للشمس وقت طلوعها واستوائها وغروبها

فكانت أنضج ثمراً، وأطيبه، وأحسنه، وأكثره، فإن الثمار تزداد طيباً وزكاءَ بالرياح والشمس، بخلاف الثمار التي تنشأُ في الظلال .

وإذا كانت الجنة بمكان مرتفع ، لم يخش عليها إلا من قلة الشرب، فقال تعالى: (أصابَها وَابِلٌ) [البقرة: 265]، وهو المطر الشديد العظيم القدر، فأدت ثمرتها وأعطت بركتها، فأخرجت ثمرتها ضعفي ما يثمر غيرها، أو ضعفي

ما كانت تثمر بسبب ذلك الوابل، فهذا حال السابقين المقربين"

انتهى من "طريق الهجرتين" (ص369)

وانظر أيضا "مدارج السالكين" (1/ 255).

ويقول العلامة السعدي رحمه الله:

"وهذه الجنة (بربوة) أي: محل مرتفع ضاحٍ للشمس في أول النهار ووسطه وآخره، فثماره أكثر الثمار وأحسنها، ليست بمحل نازل عن الرياح والشمس" .

انتهى من "تيسير الكريم الرحمن" (ص114) .

القول الثاني:

الربوة تعني الأرض المستوية السهلة ، سواء كانت مرتفعة أم نازلة في الوديان، ولكن المهم أنها لا صعوبة فيها، ولا تختلف أجزاؤها.

روى عبد الرزاق الصنعاني في "التفسير" (1/ 370) عن الحسن البصري, في قوله تعالى: (جنة بربوة) [البقرة: 265] قال: هي الأرض المستوية التي لا تعلو فوقها الماء.

وأسنده أيضا الطبري بعد أن نقل هذا الوجه الثاني قائلا: "وكان آخرون يقولون: هي المستوية".

ينظر "جامع البيان" (5/537) .

وقال الماوردي رحمه الله:

"(كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ) في الربوة قولان:

أحدهما: هي الموضع المرتفع من الأرض ، وقيل المُسْتَوِي في ارتفاعه.

والثاني: كل ما ارتفع عن مسيل الماء ، قاله اليزيدي"

انتهى من "النكت والعيون" (1/ 340) .

ويقول الرازي رحمه الله:

"واعلم أن المفسرين قالوا: البستان إذا كان في ربوة من الأرض كان أحسن وأكثر ريعا.

ولي فيه إشكال:

وهو أن البستان إذا كان في مرتفع من الأرض كان فوق الماء، ولا ترتفع إليه أنهار، وتضربه الرياح كثيرا، فلا يحسن ريعه ، وإذا كان في وهدة من الأرض انصبت مياه الأنهار

ولا يصل إليه إثارة الرياح ، فلا يحسن أيضا ريعه ، فإذن البستان إنما يحسن ريعه إذا كان على الأرض المستوية التي لا تكون ربوة ولا وهدة

فإذن ليس المراد من هذه الربوة ما ذكروه، بل المراد منه كون الأرض طينا حرا، بحيث إذا نزل المطر عليه انتفخ وربا ونما، فإن الأرض متى كانت على هذه الصفة يكثر ريعها، وتكمل الأشجار فيها.

وهذا التأويل الذي ذكرته متأكد بدليلين:

أحدهما: قوله تعالى: (وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت) [الحج: 5] والمراد من ربوها ما ذكرنا ، فكذا هاهنا.

والثاني: أنه تعالى ذكر هذا المثل في مقابلة المثل الأول، ثم كان المثل الأول هو الصفوان الذي لا يؤثر فيه المطر، ولا يربو، ولا ينمو بسبب نزول المطر عليه

فكان المراد بالربوة في هذا المثل ، كون الأرض بحيث تربو وتنمو.

فهذا ما خطر ببالي والله أعلم بمراده"

انتهى من "مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير" (7/ 49)

ويبدو أنه ترجيح الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله، فقد أيد كلام الرازي بدليل سياق الآيات، فقال:

"(كمثل جنة بربوة) أي بستان بمكان مرتفع من الأرض. قالوا: وما كان كذلك من الجنات كان عمل الشمس والهواء فيه أكمل، فيكون أحسن منظرا وأزكى ثمرا، أما الأماكن المنخفضة

التي لا تصيبها الشمس في الغالب إلا قليلا فلا تكون كذلك.

وقال بعضهم - واختاره الإمام الرازي -: إن المراد بالربوة الأرض المستوية الجيدة التربة، بحيث تربو بنزول المطر عليها وتنمو، كما قال: (فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت) الآية

ويؤيده كون المثل مقابلا لمثل الصفوان الذي لا يؤثر فيه المطر، أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين، أي فكان ثمرها مثلي ما كانت تثمر في العادة أو أربعة أمثاله على القول بأن ضعف الشيء مثله مرتين"

انتهى من " تفسير المنار" (3/ 57) .

وهكذا يتبين أن ما أورده السائل هو قول معتبر لدى المفسرين، يركز على خصوبة الأرض وسلامة تربتها وبيئتها بغض النظر عن انخفاضها أو ارتفاعها.

ونحن نقول هنا : إن هذا هو المقصد الأهم الذي وردت الآيات الكريمات تضرب فيه الأمثال .

ولكن لا مانع أن نجعل ارتفاع الأرض وإطلالتها الواسعة، وانفتاحها على الأفق، مزايا أخرى مهمة، إلى جانب خصوبتها وحيازتها أسباب النماء والبقاء.

وبهذا يمكن أن نجمع بين القولين، فالقول الأول الذي يؤكد أن الربوة مكان مرتفع من الأرض

لم يقصد بحال من الأحوال مجرد الارتفاع، بقطع النظر عن أسباب الخصوبة الأخرى، بل لا بد من اشتمالها – مع ارتفاعها – على جميع عوامل الإثمار.

والقول الثاني : لا يعارض هذه الفكرة، المهم عنده أن تكون الأرض مستوية سهلة الزرع، وبعيدة عن مسيل المياه الجارفة.

وعلى أية حال : فالمراد بذلك كله ، كما سبق : ضرب المثل على توسعة الله لأهل الإنفاق ، وإخلافه عليهم ، ومضاعفته لأجرهم ، وشكره لعملهم ؛ فلا ينبغي أن يصرفنا المثل ، وألفاظه ، عن المعنى الذي سيقت له الآيات .

والله أعلم.

*عبدالرحمن*
2019-01-25, 15:08
تفصيل الخلاف في الستة أيام التي خلقت فيها السماوات والأرض

السؤال

وجدت أنّ الكثير من الناس يفسرون مسألة خلق الله السموات والأرض في ستة أيام (أو 6000 سنة) أنّ الأيام تعني مراحل، بمعنى أنّ الله خلقهم على ست مراحل

وذلك لأنّ المسألة لا تتطابق مع العلم الحديث، (وهو بحد ذاته غير موثوق به). فهل هذا التفسير صحيح؟

الجواب

الحمد لله

أولا:

يتفق العلماء والمفسرون على أن الزمان الناتج عن حركة الأفلاك السماوية لم يكن موجودا قبل خلق السماوات والأرض

ولهذا فإخبار الله عز وجل عن خلقهما في (ستة أيام) لا يراد به أيامنا الناتجة عن حركة الأرض حول الشمس، بل المراد المقدار المماثل في الزمان بما يناسب ظرف الخلق في ذلك الحين.

قال البغوي رحمه الله :

"أراد به: في مقدار ستة أيام، لأن اليوم من لدن طلوع الشمس إلى غروبها، ولم يكن يومئذ يوم، ولا شمس، ولا سماء"

انتهى من "تفسير البغوي" (3/ 235)

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

"والرسل أخبرت بخلق الأفلاك، وخلق الزمان، الذي هو مقدار حركتها، مع إخبارها بأنها خلقت من مادة قبل ذلك، وفي زمان قبل هذا الزمان؛ فإنه سبحانه أخبر أنه خلق السموات

والأرض في ستة أيام. وسواء قيل: إن تلك الأيام بمقدار هذه الأيام المقدرة بطلوع الشمس وغروبها؛ أو قيل: إنها أكبر منها كما قال بعضهم: إن كل يوم قدره ألف سنة

فلا ريب أن تلك الأيام التي خلقت فيها السموات والأرض ، غير هذه الأيام، وغير الزمان الذي هو مقدار حركة هذه الأفلاك. وتلك الأيام مقدرة بحركة أجسام موجودة قبل خلق السموات والأرض"

انتهى من "مجموع الفتاوى" (18/ 235)

ويقول الألوسي رحمه الله:

"ولا يمكن أن يراد باليوم اليوم المعروف؛ لأنه كما قيل: عبارة عن كون الشمس فوق الأرض، وهو مما لا يتصور تحققه حين لا أرض ولا سماء"

انتهى من "روح المعاني" (6/ 62)

وهؤلاء العلماء كلهم أشاروا إلى الخلاف – الذي سيأتي التوسع فيه –

في معيار "تقدير" الستة أيام، إن كان بأيام الدنيا أم بأيام الله، ولكنهم نبهوا على أنه – على جميع الأقوال

– لا يجوز تفسير الزمان بالزمان المعروف في دنيا الناس اليوم، وهو الناتج عن حركة الأرض والشمس.

ثانيا:

ثم اختلفوا في هذا "المقدار" للستة أيام، إن كان مساويا لمقدار أيام الدنيا، أم لا، وذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنها ستة أيام كأيام الدنيا العادية

واستدلوا عليه بظاهر قول الله عز وجل: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) الأعراف/ 54

وقوله سبحانه: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ) السجدة/ 4.

كما يمكن أن يستدل عليه بحديث خلق التربة المشهور في "صحيح مسلم"،

ولكن دلالته على هذا القول محل نظر كبير؛ لأن الحديث يبين تفاصيل المخلوقات على الأرض، وليس أصل خلق السماوات والأرض، فضلا عما يكتنف هذا الحديث من كلام نقدي يطول شرحه

يقول الزمخشري رحمه الله:

"الظاهر أنها من أيام الدنيا"

انتهى من "الكشاف" (3/ 288).

ويقول ابن عطية رحمه الله :

"قال أكثر أهل التفسير: الأيام: هي من أيام الدنيا. وقالت فرقة: هي من أيام الآخرة يوم من ألف سنة. قاله كعب الأحبار، والأول أرجح"

انتهى من "المحرر الوجيز" (3/ 152) .

وقال ابن كثير رحمه الله:

"الجمهور على أنها كأيامنا هذه"

انتهى من " البداية والنهاية" (1/ 16) .

وجاء في "حاشيه الشهاب علي تفسير البيضاوي" (5/ 4):

"(فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) قيل: هي مدة مساوية لأيام الدنيا. وقيل: هي بالمعنى اللغوي، وهو مطلق الوقت. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنها من أيام الآخرة التي هي كألف سنة مما تعدون.

قيل: والأوّل أنسب بالمقام لما فيه من الدلالة على القدرة الباهرة بخلق هذه الأجرام العظيمة في مثل تلك المدّة اليسيرة، ولأنه تعريف لنا بما نعرفه" انتهى.

وهو ما اختاره الشيخ ابن عثيمين رحمه الله حين قال:

"خلقها الله عز وجل في ستة أيام، والأيام أطلقها الله عز وجل، ولم يبين أن اليوم خمسين ألف سنة، أو أقل، أو أكثر، وإذا أطلق يحمل على المعروف المعهود

وهي أيامنا هذه، وقد جاء في الحديث أنها الأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، والجمعة" انتهى من "تفسير العثيمين: الحجرات – الحديد" (ص: 364) .

هذا حاصل من قال بالقول الأول، مع التحفظ على نسبة هذا القول إلى الجمهور؛ إذ لا يبدو أن الجمهور يقولون به، بل بالقول الثاني الذي وصفه الإمام الطبري بقوله: "لا نعلم قائلا من أئمة الدين قال خلافه".

القول الثاني: مقدار كل يوم كألف سنة من أيام الدنيا

عن ابن عباس في قوله: (في ستة أيام) قال: يوم مقداره ألف سنة. رواه ابن أبي حاتم في "التفسير" (5/ 1496)، والطبري في "جامع البيان" (20/168) .

وعن مجاهد:

يوم من الستة الأيام كألف سنة مما تعدّون.

"تفسير الطبري" (12/482)

وعن الضحاك: (وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام)

قال: من أيام الآخرة، كل يوم مقداره ألف سنة. ابتدأ في الخلق يوم الأحد، وختم الخلق يوم الجمعة، فسميت "الجمعة"، وسَبَت يوم السبت فلم يخلق شيئًا".

"تفسير الطبري" (15/245)، (20/168)

ونحوه قال يحيى بن سلام كما في "تفسيره" (2/ 685) ,

ويقول الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله:

"أما قوله: (وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) [الحج: 47] فهذا من الأيام التي خلق الله فيها السموات والأرض، كل يوم كألف سنة"

انتهى من "الرد على الجهمية" (ص70)

ونسب ابن كثير هذا القول إليه أيضا في

"تفسير القرآن العظيم" (3/426) .

*عبدالرحمن*
2019-01-25, 15:08
ويقول ابن جرير الطبري رحمه الله:

"فإن قال قائل: وما دليلك على أن الأيام الستة التي خلق الله فيهن خلقه كان قدر كل يوم منهن قدر ألف عام من أعوام الدنيا، دون أن يكون ذلك كأيام أهل الدنيا التي يتعارفونها بينهم

وإنما قال الله عز وجل في كتابه: (الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام)، فلم يُعلمنا أن ذلك كما ذكرت، بل أخبرنا أنه خلق ذلك في ستة أيام

والأيام المعروفة عند المخاطبين بهذه المخاطبة ، هي أيامهم التي أول اليوم منها طلوع الفجر إلى غروب الشمس. ومن قولك: إن خطاب الله عباده بما خاطبهم به في تنزيله إنما هو موجه إلى الأشهر

والأغلب عليه من معانيه، وقد وجهت خبر الله في كتابه عن خلقه السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام إلى غير المعروف من معاني الأيام، وأمر الله عز وجل ، إذا أراد شيئا أن يكونه

: أنفذُ وأمضى من أن يوصف بأنه خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام

مقدارهن ستة آلاف عام من أعوام الدنيا، وإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له: كن فيكون، وذلك كما قال ربنا تبارك وتعالى: (وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر)؟

قيل له:

قد قلنا فيما تقدم من كتابنا هذا : إنا إنما نعتمد في معظم ما نرسمه في كتابنا هذا على الآثار والأخبار عن نبينا صلى الله عليه وسلم، وعن السلف الصالحين قبلنا

دون الاستخراج بالعقول والفكر، إذ أكثره خبر عما مضى من الأمور، وعما هو كائن من الأحداث، وذلك غير مدرك علمه بالاستنباط [و] الاستخراج بالعقول:

فإن قال: فهل من حجة على صحة ذلك من جهة الخبر؟

قيل: ذلك ما لا نعلم قائلا من أئمة الدين قال خلافه.

فإن قال: فهل من رواية عن أحد منهم بذلك؟

قيل: علم ذلك عند أهل العلم من السلف ، كان أشهر من أن يحتاج فيه إلى رواية منسوبة إلى شخص منهم بعينه، وقد روي ذلك عن جماعة منهم مسمين بأعيانهم .

فإن قال: فاذكرهم لنا.

قيل: [فأورد مجموعة آثار بأسانيده عن ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وكعب الأحبار]"

انتهى من "تاريخ الرسل والملوك" (1/ 57-59) .

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

"وقد أخبر الله أنه: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) في مواضع متعددة من القرآن. وأخبر أنه: (خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ)، وأنه: (وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ.

ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ.

فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ ... ) ، وأمثال هذه النصوص التي تدل على أن السماوات والأرض مخلوقة في أيام، وأن كل يوم كألف سنة، كما قال ذلك طائفة من السلف"

انتهى من "مسألة حدوث العالم" (ص: 152) .

ويقول العلامة محمد رشيد رضا رحمه الله:

"(وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام) من أيام الله تعالى في الخلق والتكوين وما شاء من الأطوار، لا من أيامنا في هذه الدار التي وجدت بهذا الخلق

لا قبله، فلا يصح أن تقدر أيام الله بأيامها كما توهم الغافلون عن هذا، وما يؤيده من قوله: (وإن يوما عند

ربك كألف سنة مما تعدون) (22: 47) وقوله: (تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) (70: 4)"

انتهى من " تفسير المنار" (12/ 15) .

القول الثالث: اليوم مطلق الوقت، أي : مرحلة زمنية تقديرية غير محددة .

يقول الطاهر بن عاشور رحمه الله:

"قيل المراد: في ستة أوقات، فإن اليوم يطلق على الوقت، كما في قوله تعالى: (ومن يولهم يومئذ دبره) [الأنفال: 16]

أي: حين إذ يلقاهم زحفا. ومقصود هذا القائل أن السماوات والأرض خلقت عالما بعد عالم، ولم يشترك جميعها في أوقات تكوينها"

انتهى من "التحرير والتنوير" (8-ب/ 161) .

رابعا:

إذا تبين أن المسألة يدخلها الاحتمال والاختلاف، وأن الآراء الشرعية في تناولها متنوعة بقدر كبير، وليس فيها حد قطعي ولا ترجيح جزمي

عرفنا أن خلق التعارض أو التناقض بين النقل الديني ، وعلوم الفلك والفيزياء في هذه المسألة

: ليس من الصواب ولا من المنهجية الموضوعية، وسواء ترجح لدى الفلكيين أو الفيزيائيين خلق السماوات والأرض في مدة طويلة أو قصيرة، فلا يدل ذلك بحال على بطلان المنظور الكوني في النصوص الإسلامية

لما علمت من اتساع دلالة هذه النصوص، واحتمال العلماء لمجموعة من الأقوال في تفسيرها وتأويلها، مما يعني ضرورة بذل الباحث جهده في التوفيق بين المنظورين:

الكوني والشرعي، وقراءتهما جميعا كوحدة واحدة صادرة عن الله سبحانه، الذي له الخلق والأمر، دون تكلف ادعاء تناقض، ولا تبجح باكتشاف التعارض.

وقد وجدنا في المختصين الفيزيائيين من يجمع بين النظرين، ويبين أن ادعاء الحسم في مثل هذه القضايا

على المستوى الفيزيائي والفلكي – مخاطرة ومغامرة، كما أكد الأستاذ الدكتور حسين راشد عمري – الأستاذ في قسم الفيزياء في جامعة مؤتة –

في بحث محكم منشور له في مجلة مؤتة للبحوث والدراسات، حيث يقول:

" إذا كانت مادّة خلق السّماوات السّبع والأرضين السّبع مادّة نيوكليونيّة، فإنّ طول اليوم الواحد من أيّام خلقهنّ يعدلُ ألف سنةٍ ممّا نعدُّ.

أمّا إذا كانت مادّة خلقهنّ مادّة غير نيوكليونيّة، فيرجّح أنّ أيّام خلق السّماوات السّبع والأرضين السّبع هي بطول الأيّام الأرضيّة (24 ساعة)" انتهى، وللتوسع ينظر البحث مطولا على الرابط الآتي:

https://www.mutah.edu.jo/eijaz/univcreation.htm

والله أعلم.

*عبدالرحمن*
2019-01-25, 15:13
أوجه البلاغة في آية سورة النور : ( ليس على الأعمى حرج ..) الآية .

السؤال

من ضمن تعاريف البلاغة ، أن تستطيع إيصال المعنى المراد بأقل عدد من الكلمات في إيجاز ووضوح وقوة أسلوب لذلك هذا المنطلق على سبيل المثال يجعلني أتساءل حول البلاغة والبيان في قوله تعالى:

"لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ

أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا ۚ فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ"

ألم تكن هنالك طريقة أبسط لتوصيل المراد؟

ما الاعجاز البلاغي الموجود بالاية ؟

الجواب

الحمد لله

أولًا:

نزل القرآن الكريم ، على أمة من العرب كانت الصناعة الرائجة في وقتهم

( صناعة البيان ) ومع ذلك فقد ظهر عجزهم مع توافر هممهم آنذاك على كراهية الرسول صلى الله عليه وسلم وكراهية ما جاء به

لقد جاء القرآن بما يعرفون ويفهمون، بيد أن واحدًا منهم لم يستطع أن يأتي بمثل القرآن، ولا بعشر سور مثله، بل ولا بسورة واحدة من القرآن .

وأمر آخر؛ أن واحدًا منهم لم يعترض على آية واحدة، فعاب أسلوبها، أو تنقص من فصاحتها، بل كانوا له مذعنين، ولبلاغته خاضعين .

يقول العلامة الشيخ محمد عبد الله دراز ، رحمه الله :

"ها نحن أولاء ندعو كل من يطلب الحق بإنصاف، أن ينظر معنا في القرآن من أي النواحي أحب: من ناحية أسلوبه، أو من ناحية علومه، أو من ناحية الأثر الذي أحدثه في العالم، وغيَّر به وجه التاريخ

أو من تلك النواحي مجتمعة = على أن يكون له الخيرة بعد ذلك أن ينظر إليه في حدود البيئة، والعصر الذي ظهر فيه، أو يفترض أنه ظهر في أرقى الأوساط والعصور التاريخية.

وسواء علينا أيضًا أن ينظر إلى شخصية الداعي الذي جاء به، أو يلتمس شخصًا خياليًّا تجمعت فيه مَرانات الأدباء، وسلطات الزعماء، ودراسات العلماء بكافة العلوم الإنسانية .

ثم نسأله:

هل يجد فيه إلا قوة شاذة، تغلب كل مغالب، وتتضاءل دونها قوة كل عالم، وكل زعيم، وكل شاعر وكاتب، ثم تنقضي الأجيال والأحقاب، ولا ينقضي ما فيه من عجائب

بل قد تنقضي الدنيا كلها ولما يُحِطِ الناس بتأويل كل ما فيه ( يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ) [الأعراف: 53]"، النبأ العظيم: (108).

وإن غبي عن بعض الناس ذلك؛ فإن دواءه :

" أن يطيل النظر في أساليب العرب، وأن يستظهر على فهمها بدراسة طرف من علوم الأدب، حتى تستحكم عنده ملكة النقد البياني، ويستبين له طريق الحكم في مراتب الكلام وطبقاته، ثم ينظر في القرآن بعد ذلك.

وأنا له زعيم، بأن كل خطوة يخطوها في هذه السبيل ستزيده معرفة بقدره، وستحل عن نفسه عقدة

من عقد الشك في أمره؛ إذ يرى هنالك أنه كلما ازداد بصيرة بأسرار اللغة، وإحسانًا في تصريف القول، وامتلاكًا لناصية البيان، ازداد بقدر ذلك هضمًا لنفسه، وإنكارًا لقوته، وخضوعًا بكليته أمام أسلوب القرآن !!

وهذا قد يبدو لك عجيبًا، أن يزداد شعور المرء بعجزه عن الصنعة، بقدر ما تتكامل فيها قوته ويتسع بها علمه ؟!!

ولكن لا عجب؛ فتلك سنة الله في آياته التي يصنعها بيديه: لا يزيدك العلم بها، والوقوف على أسرارها، إلا إذعانًا لعظمتها، وثقة بالعجز عنها. ولا كذلك صناعات الخلق، فإن فضل العلم بها، يمكنك منها

ويفتح لك الطريق إلى الزيادة عليها؛ ومن هنا: كان سحرة فرعون هم أول المؤمنين برب موسى وهارون" النبأ العظيم: (110).

ثانيًا:

البلاغة في الكلام هي : "مطابقته لمقتضى الحال، مع فصاحته"، انظر: عروس الأفراح: (1/ 90).

وعلى ذلك :

"فيشترط في الكلام البليغ شرطان:

الشرط الأول: أن يكون فصيح المفردات والجمل.

الشرط الثاني: أن يكون مطابقاً لمقتضى حال من يُخَاطبُ به.

ولمّا كانت أحوال المخاطبين مختلفة، وكانت كلُّ حالةٍ منها تحتاج طريقةً من الكلام تلائمها، كانت البلاغة في الكلام تستدعي انتقاء الطّريقة الأكثر ملاءمة لحالة المخاطب به، لبلُوغ الكلام من نفسه مبلغ التأثير الأمْثل المرجوّ... " .

ينظر : "البلاغة العربية"، لحبنكة (1/ 130) ، وفي بيان : الأحوال التي تستدعي اختلافاً في طرائق الكلام وأساليبه .

ونحن ندعوك لمطالعة كتاب ( النبأ العظيم ) لمؤلفه الشيخ محمد دراز رحمه الله، لتقف على طرف من بلاغة القرآن، وروعة أسلوبه وبيانه .

ثالثًا:

أما الآية التي سألت عنها، فإن الله سبحانه " يخبر عن منته على عباده، وأنه لم يجعل عليهم في الدين من حرج؛ بل يسره غاية التيسير، فقال: ( لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ )

أي: ليس على هؤلاء جناح، في ترك الأمور الواجبة، التي تتوقف على واحد منها، وذلك كالجهاد ونحوه، مما يتوقف على بصر الأعمى، أو سلامة الأعرج، أو صحة للمريض

ولهذا المعنى العام الذي ذكرناه، أطلق الكلام في ذلك، ولم يقيد، كما قيد قوله: ( وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ )

أي: حرج (أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ) أي: بيوت أولادكم، وهذا موافق للحديث الثابت: (أنت ومالك لأبيك)، والحديث الآخر: (إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم) .

وليس المراد من قوله: (مِنْ بُيُوتِكُمْ) بيت الإنسان نفسه، فإن هذا من باب تحصيل الحاصل، الذي ينزه عنه كلام الله، ولأنه نفى الحرج عما يظن أو يتوهم فيه الإثم من هؤلاء المذكورين، وأما بيت الإنسان نفسه فليس فيه أدنى توهم .

(أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاتِكُمْ) : وهؤلاء معروفون .

(أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ) أي: البيوت التي أنتم متصرفون فيها بوكالة، أو ولاية ونحو ذلك ...

(أَوْ صَدِيقِكُمْ) وهذا الحرج المنفي عن الأكل من هذه البيوت: كل ذلك، إذا كان بدون إذن .

والحكمة فيه معلومة من السياق، فإن هؤلاء المسمَّيْن قد جرت العادة والعرف، بالمسامحة في الأكل منها، لأجل القرابة القريبة، أو التصرف التام، أو الصداقة .

فلو قدر في أحد من هؤلاء عدم المسامحة، والشح في الأكل المذكور: لم يجز الأكل، ولم يرتفع الحرج، نظرا للحكمة والمعنى.

وقوله: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا) فكل ذلك جائز، أكل أهل البيت الواحد جميعا، أو أكل كل واحد منهم وحده . وهذا نفي للحرج، لا نفي للفضيلة؛ وإلا فالأفضل الاجتماع على الطعام.

(فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا) نكرة في سياق الشرط، يشمل بيت الإنسان وبيت غيره، سواء كان في البيت ساكن أم لا ؛

فإذا دخلها الإنسان: (فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ) أي: فليسلم بعضكم على بعض، لأن المسلمين كأنهم شخص واحد، من تواددهم، وتراحمهم، وتعاطفهم .

فالسلام مشروع لدخول سائر البيوت، من غير فرق بين بيت وبيت، والاستئذان تقدم أن فيه تفصيلا في أحكامه .

ثم مدح هذا السلام فقال: (تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً) أي: سلامكم بقولكم: (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) ، أو : (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) ؛ إذ تدخلون البيوت، (تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) أي: قد شرعها لكم

وجعلها تحيتكم، (مُبَارَكَةً)، لاشتمالها على السلامة من النقص، وحصول الرحمة والبركة والنماء والزيادة، (طَيِّبَةً) لأنها من الكلم الطيب المحبوب عند الله، الذي فيه طيب نفس للمحيا، ومحبة وجلب مودة.

لما بين لنا هذه الأحكام الجليلة : (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الآيَاتِ) الدالات على أحكامه الشرعية وحكمها، (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) عنه فتفهمونها، وتعقلونها بقلوبكم، ولتكونوا من أهل العقول والألباب الرزينة

فإن معرفة أحكامه الشرعية على وجهها، يزيد في العقل، وينمو به اللب، لكون معانيها أجل المعاني، وآدابها أجل الآداب، ولأن الجزاء من جنس العمل، فكلما استعمل عقله، للعقل عن ربه

وللتفكر في آياته التي دعاه إليها، زاده من ذلك... "

انتهى، من " تفسير الشيخ السعدي: (575).

*عبدالرحمن*
2019-01-25, 15:14
رابعًا:

ونحن نعجز عن بيان بلاغة هذه الآية، وعظيم معانيها، غير أننا سنذكر لك طرفًا من لطائفها، فمن ذلك:

1- نص الله تعالى على نفي الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض بالتفصيل

لأن الحرج منفي عن الأعمى في التكليف الذي يشترط فيه البصر، وعن الأعرج فيما يشترط فيه المشي والركوب، وعن المريض في التكليف الذي يؤثر المرض في إسقاطه كالصوم وشروط الصلاة والغزو.

ولكن المناسبة في ذكر هذه الرخصة عقب الاستئذان: أن المقصد الترخيص للأعمى أنه لا يتعين عليه استئذان لانتفاء السبب الموجبة.

ثم ذكر الأعرج والمريض إدماجا وإتماما لحكم الرخصة لهما للمناسبة بينهما وبين الأعمى.

2- وأما مناسبة عطف هذه الرخص على رخصة الأعمى، على تقدير أنه منفصل عنه: هو تعلق كليهما بالاستئذان، والدخول للبيوت، سواء كان لغرض الطعام فيها، أو كان للزيارة ونحوها، لاشتراك الكل في رفع الحرج .

وعلى تقدير أنه متصل به على قول الجمهور، فاقتران الجميع في الحكم: هو الرخصة للجميع في الأكل، فأذن الله للأعمى والأعرج والمريض أن يدخلوا البيوت للأكل

لأنهم محاويج لا يستطيعون التكسب، وكان التكسب زمانئذ بعمل الأبدان؛ فرخص لهؤلاء أن يدخلوا بيوت المسلمين لشبع بطونهم.

3- أنه نص على الصديق، وجعل في مرتبة القرابة، لما هو موقور في النفوس من محبة الصلة مع الأصدقاء.

5- أعيدت جملة: (ليس عليكم جناح) تأكيدا للأولى في قوله: (ولا على أنفسكم) إذ الجناح والحرج كالمترادفين. وحسَّنَ هذا التأكيدَ: بُعْدُ ما بين الحال وصاحبها

وهو واو الجماعة في قوله: (أن تأكلوا من بيوتكم)، ولأجل كونها تأكيدًا، فصلت بلا عطف.

6- وفي قوله سبحانه: (فإذا دخلتم بيوتًا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون).

تفريع على الإذن لهم في الأكل من هذه البيوت بأن ذكرهم بأدب الدخول المتقدم في قوله: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها) [النور: 27]

لئلا يجعلوا القرابة والصداقة والمخالطة مبيحة لإسقاط الآداب، فإن واجب المرء أن يلازم الآداب مع القريب والبعيد، ولا يغرنه قول الناس: إذا استوى الحب سقط الأدب.

7- وفي قوله (فسلموا) ولم يذكر غيرها، لأن لفظ السلام يجمع معنيين: لأنه مشتق من السلامة فهو دعاء بالسلامة، وتأمين بالسلام، لأنه إذا دعا له بالسلامة، فهو مسالم له، فكان الخبر كناية عن التأمين .

وإذا تحقق الأمران: حصل خير كثير، لأن السلامة لا تجامع شيئا من الشر في ذات السالم، والأمان لا يجامع شيئا من الشر يأتي من قبل المعتدي، فكانت دعاء ترجى إجابته

وعهدا بالأمن يجب الوفاء به. وفي كلمة (عليكم) : معنى التمكن، أي السلامة مستقرة عليكم.

ولكون كلمة (السلام) جامعة لهذا المعنى، امتن الله على المسلمين بها، بأن جعلها من عند الله؛ إذ هو الذي علمها رسوله بالوحي.

8- وجملة (كذلك يبين الله لكم الآيات) تكرير للجملتين الواقعتين قبلها في آية الاستئذان

لأن في كل ما وقع قبل هذه الجملة بيانا لآيات القرآن، اتضحت به الأحكام التي تضمنتها، وهو بيان يرجى معه أن يحصل لكم الفهم، والعلم بما فيه كمال شأنكم.

يُنظر: التحرير والتنوير: (18/ 299 - 305).

وينظر أيضا ، للفائدة : "روائع البيان في تفسير آيات الأحكام" (2/ 226 - 228) .

خلاصة الجواب :

تضمن القرآن لأعلى درجات الفصاحة والبيان، ومن ذلك آيات سورة النور ؛ غير أن إدراكها ، والتمرس ببلاغة القرآن ، يحتاج دربة من القارئ ، وإلماما بطرائق العرب في بيانها ، ومعرفة بأساليب البلغاء، وأسرار جمالها .

والله أعلم

و اخيرا

الحمد لله الذي بفضلة تتم الصالحات

اخوة الاسلام

اكتفي بهذا القدر و لنا عوده
ان قدر الله لنا البقاء و اللقاء

و اسال الله ان يجمعني بكم دائما
علي خير

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين

ERTHCEROKO
2019-01-25, 16:10
الله يبارك فيكم

ERTHCEROKO
2019-01-25, 16:10
و جزاكم الله خيرا

*عبدالرحمن*
2019-01-28, 13:58
و جزاكم الله خيرا

الله يبارك فيكم

الحمد لله الذي بفضلة تتم الصالحات

اسعدني حضورك المميز مثلك
و في انتظار مرورك العطر دائما

بارك الله فيك
و جزاك الله عنا كل خير

*عبدالرحمن*
2019-01-28, 14:10
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)
اخوة الاسلام

أحييكم بتحية الإسلام
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)


لا تعارض بين وصف القرآن بالتفصيل وورود الحروف المقطعة فيه

السؤال

نص القرآن على أنّ الآيات القرآنية فصلت للناس، كما في الآية رقم (1) من سورة هود، والآية (3) من سورة فصلت.

ولكن الحروف المقطعة - حسب ما ذكر بعض أهل العلم - لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم معانيها. أجد في ذلك تناقضا. فكيف التوفيق بين قول أهل العلم، والآيات التي جاءت في أنّ آيات القرآن قد فُصلت؟

الجواب

الحمد لله

وصف الله تعالى كتابه العزيز ، وقرأنه الكريم: بأنه كتاب : مُفَصّل من عنده سبحانه.

قال تعالى: (قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) الأنعام/ 97، وقال عز وجل: (كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) فصلت/3

وقوله عز وجل: (وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [الأعراف: 52]

قال ابن كثير رحمه الله:

"(قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ) أَيْ: قَدْ بَيَّنَّاهَا وَوَضَّحْنَاهَا "

انتهى من "تفسير القرآن العظيم" (3/ 305)

ولا تناقض بين ذلك الوصف الجليل ، واشتمال القرآن الكريم على الحروف المقطعة في أوائل السور.

وذلك من أوجه عديدة:

الأول:

التفصيل وصف لمجمل القرآن وسوره وآياته، وليس لجميع كلماته، الأمر الذي لا ينفي الاستثناء، فقد صرح القرآن الكريم نفسه بوجود الاستثناء

وذلك في قول الله عز وجل: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ

مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) [آل عمران: 7]

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله في "العذب النمير" (2/ 168) :

(وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً) أي: مُوَضَّحًا مُبَيَّنًا فيه العقائدُ، مُبَيَّنًا فيه الحقُّ من الباطلِ، والنافعُ من الضارِّ، والحسنُ من القبيحِ، بَيَّنَ اللَّهُ فيه العقائدَ

والحلالَ والحرامَ، وما يقرِّب إلى اللَّهِ، وما يُوَصِّلُ إلى جنتِه، وما يُبْعِدُ من اللَّهِ ويسخطُه، ويوصلُ إلى نارِه، وَبَيَّنَ مصيرَ الفريقين

وما أعدَّ لأوليائه، وما أعدَّ لأعدائِه، كُلُّ هذا مُوَضَّحٌ مُفَصَّلٌ في القرآنِ، وإن كان في القرآنِ بعضُ الآياتِ المتشابهاتِ، فإنها تُرَدُّ إلى الْمُحْكَمَاتِ، وَيُعْرَفُ إيضاحُها بِرَدِّهَا إلى المحكماتِ.

كَمَا قَدَّمْنَا في سورةِ آلِ عمرانَ في تفسيرِ قولِه: (هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ) [آل عمران: آية 7].

يعني: أن المحكماتِ هُنَّ أُمُّ الكتابِ التي يُرَدُّ إليها ما أَشْكَلَ من مُتَشَابِهَاتِهِ. وهذا معنَى قولِه: (وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً) [الأنعام: آية 114] التفصيلُ: ضِدُّ الإجمالِ، وهو الإيضاحُ والبيان" انتهى.

الثاني:

تفصيل آيات الكتاب لا يعني عدم اشتمالها على الإجمال أو الإبهام أو التأويل أو النسخ أو الاحتمال، بل وجود هذه الأنواع من الدلالات : حقيقة واقعة، ولكن القرآن الكريم – في الوقت نفسه – يشتمل على ما يفصل

أي يبين – هذا الإجمال والتأويل والنسخ ونحوه، وتشتمل آياته على بيان بعضها بعضا، وعلى الشرح والتفسير الذي يحتاج إليه الناس.

ومن هنا يمكننا أن نعد خوض العلماء في المراد من الأحرف المقطعة، هو أيضا تفصيل، أي بيان لها، فلا تعارض بين وجودها، وبين وصف القرآن بالكتاب "المفصل".

يقول ابن العربي المالكي رحمه الله:

"قال العلماء: لو كان القرآن كله سواء في البيان ودرك المعنى ، لما تفاوتت درجات العلماء،

وقد سبق من حكم الله أن قوما يرفعون بالعلم، ويتفاوتون في المعرفة، فوقعت أحوالهم على ما وقع به العلم من تنويع البيان لهم"

انتهى من "عارضة الأحوذي" (1/124)

ويقول أيضا:

"أما كونه كله محكماً: فبحُسْن الرصف، وبديع الوصف، وغاية الجزالة، ونهاية البلاغة، وقلة الحروف، وكثرة المعاني، وعنه وقع البيان بقوله عَزَّ وَجَلَّ: (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ).

وأما كونه متشابهاً كله: فباستوائه في هذه المعاني التي فصلنا، لا تقصير، ولا فضول

ولا حشو، ولا تعارض، ولا تناقض، كما قال الله تعالى: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) وعنه أخبر عَزَّ وَجَلَّ بقوله: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا).

وأما كونه على قسمين: منه محكم، ومنه متشابه، فالمراد: منه جلي في البيان، ومنه خفي، ولو شاء ربنا سبحانه لجعله على مرتبة واحدة في الجلاء والبيان، ولكنه قسم الحال فيه

لما سبق من علمه في تقسيمه الخلق إلى عالم وجاهل، ومستوفٍ وناقص، وتفضيلهم في درك المعارف

كما قال عز وجل: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) فأخبر عز وجل أنه يرفع بالإيمان درجة، ويرفع بالعلم معه أخرى، والذي لا يعلم تأويله: يقتصر على الإيمان به

والتصديق له، والتسليم به في علم الله سبحانه.

والراسخ في العلم: ينظر فيه، ويقرن المتشابه بالمحكم، فما وافق المحكم من احتمال المتشابه قال به، وما خالفه أسقطه، وإن احتمل الأمر عنده بعد ذلك عضده بقول الرسول صلى الله عليه وسلم"

انتهى من " القبس في شرح موطأ مالك بن أنس" (ص1058)

*عبدالرحمن*
2019-01-28, 14:11
الثالث:

الأحرف المقطعة هي استهلالات مجردة للسور، كالمدخل المنبه فيها، وليست من صلب سياق السورة، ولا من الآيات التي يتحدث القرآن عنها في وصفه لها بالتفصيل

بدليل أن وصف الإحكام والتفصيل جاء أكثره بعد الأحرف المقطعة نفسها مباشرة،

قال تعالى: (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) [هود: 1].

وقال عز وجل: (حم. تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) [فصلت: 1 - 3]

فلو كان هذا تناقضا لما وقع على هذا الوجه الذي يُحسِن تجنبَه كلُّ أحد من البشر، فضلا عن رب البشر الذي له الكمال المطلق.

وإنما يتضح أن المقصود بالتفصيل هو الآيات التي وردت بمقاصد القرآن الكريم الأساسية، التي فيها بيان توحيد الله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، ونفي الشريك عنه

وتعليق الحاكمية المطلقة إليه عز وجل، ونحوها من المفاهيم الأساسية التي بعث النبي صلى الله عليه وسلم لتصحيحها في كفار قريش .

أما لو لم تفصل بعض الآيات في بعض التفاصيل الخبرية أو الغيبية أو التشريعية، فلا ضير في ذلك .

ولعل الحكمة من هذا: فسحُ أبواب الاجتهاد، وخلق بواعث الحراك العلمي والتأويلي من قبل الراسخين في العلم، وهي من أعظم الحكم وأهمها من وجود المتشابهات في الكتاب والسنة.

الرابع:

كما يمكن القول بأن القرآن "مفصل" عند الراسخين في العلم، حتى الحروف المقطعة ، والمتشابهات في القرآن داخلة في دائرة علمهم وفهمهم.

وبناء عليه ، فلا تعارض ولا تناقض، أما بالقياس على أفهام غير الراسخين في العلم، فالآيات غير المفصلة

أي غير البينة – بالنسبة لهم عديدة وكثيرة، وليست هي الحروف المقطعة فحسب.

كما قال صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) رواه البخاري (52) ومسلم (1599)، فالاشتباه لا يلحق العلماء، وإنما عامة الناس فحسب.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

"التشابه أمر نسبي، فقد يتشابه عند هذا ما لا يتشابه عند غيره، ولكن ثم آيات محكمات لا تشابه فيها على أحد

وتلك المتشابهات إذا عرف معناها صارت غير متشابهة؛ بل القول كله محكم كما قال: (أحكمت آياته ثم فصلت)"

انتهى من " مجموع الفتاوى" (13/ 144)

الخامس:

هذا الإشكال لا يرد إلا إذا فسرنا "تفصيل القرآن" باتضاح معناه وبيانه، كما سبق نقله عن ابن كثير. أما إذا فسرنا كلمة "التفصيل" بتفسيرات أخرى، فيتبين أنها لا تتعارض مع ورود الأحرف المقطعة.

فوصف القرآن بأنه "مفصل" لا يعني اتضاح المعنى والتفسير في قول كثير من العلماء، بل يعني عندهم أنه يبين الصدق من الكذب، ويبين الحق من الباطل، أو يبين الحلال ويفصله عن الحرام...

أو ما سوى ذلك من الوجوه المذكورة في تفسير "تفصيل" القرآن الكريم .

فإذا حملنا معنى "التفصيل" عليها: فلا يتعارض معها وجود الحروف المقطعة في أوائل السور، لأن وجود الأحرف المقطعة ، لا يعطل بيان القرآن الكريم الحق من الباطل، والحلال والحرام.

يقول الإمام الماوردي رحمه الله:

"ثم قال: (وُهُوَ الَّذِيِّ أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً) في المفصَّل أربعة تأويلات:

أحدها: تفصيل آياته لتبيان معانيه فلا تُشْكِل.

والثاني: تفصيل الصادق من الكاذب.

والثالث: تفصيل الحق من الباطل, والهدى من الضلال, قاله الحسن.

والرابع: تفصيل الأمر من النهي, والمستحب من المحظور, والحلال من الحرام" انتهى من "النكت والعيون" (2/ 160)
ويقول أيضا رحمه الله:

"(كتابٌ فصلت آياتُه) وفي تفصيل آياته خمسة تأويلات:

أحدها: فسّرت, قاله مجاهد.

الثاني: فصلت بالوعد والوعيد, قاله الحسن.

الثالث: فصلت بالثواب والعقاب, قاله سفيان.

الرابع: فصلت ببيان حلاله من حرامه وطاعته من معصيته، قاله قتادة.

الخامس: فصلت من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم, فحكم فيما بينه وبين من خالفه, قاله عبد الرحمن بن زيد"

انتهى من "النكت والعيون" (5/ 167)

والله أعلم

*عبدالرحمن*
2019-01-28, 14:16
معنى قوله تعالى : ( حتى إذا أخذت الأرض زخرفها ).

السؤال

قال تعالى : ( حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) .

لدي بعض الأسئلة حول معنى هذه الآية ...ترد علي بعض المعاني حول هذه الاية ولا أدري هل هذه المعاني صحيحة أم لا ….قرأت لأحد الكتاب مستنبطا من الآية "أن الحضارة على الأرض لابد أن تبلغ ذروتها

بتقدير الله تعالى حتى قيام الساعة "..

. إذا قال قال قائل أن الساعة عندما تقوم لن تقوم إلا في اللحظة التي تبلغ فيها الحضارة أقصى حدودها وعند ذلك يأتيها أمر الله بقيام الساعة هذا المعنى الأول ...المعنى الثاني أن الحضارة-

وقد تكون الحضارة المعاصرة هي المقصودة- قد تتقدم وتصل حداً متطورا جداً وعندها يأتيها أمر الله ليس بالضرورة بقيام الساعة وإنما بأي كارثة أو أمر يعود بها إلى الوراء ..

. وهناك معنى أخير قرأت عنه وهو أن الحضارات عموماً منذ الأزل تتقدم وتتطور حتى تصل حد معين ثم تنهار وترثها حضارة أخرى مثل ما جرى للحضارات القديمة ؟

هل هذه المعاني صحيحة ؟ وهل يصح استنباطها من الآية المذكورة ؟

الجواب

الحمد لله

ليس في الآية إشارة إلى الساعة وأنها تقوم بعدما تبلغ حضارة الدنيا أوجها ، وأقصى حدودها .

ومعنى الآية واضح ، وله نظائر عديدة في القرآن ، يشبه الله عز وجل حال الدنيا وسرعة زوالها من أهلها ، مع اغترارهم بها بالنبات ، حيث لا يلبث حتى يصير هشيما

كما قال تعالى: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا) [ الكهف : 45 ] .

وسياق الآية بتمامه ظاهر جدا في ذلك

قال الله تعالى : (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ

وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) يونس/24

فقد صرحت الآية بأن سياقها سياق مثل للحياة الدنيا ، وما يكون من مآلها ، وسرعة زوالها .

قال ابن كثير :

" ضرب تبارك وتعالى مثلا لزهرة الحياة الدنيا وزينتها وسرعة انقضائها وزوالها ، بالنبات الذي أخرجه الله من الأرض بما أنزل من السماء من الماء ، مما يأكل الناس من زرع وثمار

على اختلاف أنواعها وأصنافها ، وما تأكل الأنعام من أبٍّ وقَضْبٍ وغير ذلك ، ( حتى إذا أخذت الأرض زخرفها ) أي : زينتها الفانية ، ( وازينت ) أي : حسنت بما خرج من رُباها من زهور نضرة مختلفة الأشكال والألوان

( وظن أهلها ) الذين زرعوها وغرسوها ( أنهم قادرون عليها ) أي : على جذاذها وحصادها ، فبينا هم كذلك ، إذ جاءتها صاعقة ، أو ريح باردة ، فأيبست أوراقها ، وأتلفت ثمارها

ولهذا قال تعالى : ( أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا ) أي : يبسا بعد تلك الخضرة والنضارة ، ( كأن لم تغن بالأمس ) أي : كأنها ما كانت حسناء قبل ذلك "

انتهى من " تفسير ابن كثير " (4/260) .

وقال الشيخ محمد رشيد رضا ، رحمه الله :

" (كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) أَيْ كَهَذَا الْمَثَلِ فِي جَلَائِهِ وَتَمْثِيلِهِ لِحَقِيقَةِ حَالِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَغُرُورِ النَّاسِ فِيهَا، وَسُرْعَةِ زَوَالِهَا، عِنْدَ تَعَلُّقِ الْآمَالِ بِنَوَالِهَا

نُفَصِّلُ الْآيَاتِ فِي حَقَائِقِ التَّوْحِيدِ، وَأُصُولِ التَّشْرِيعِ، وَأَمْثَالِ الْوَعْظِ وَالتَّهْذِيبِ،

وَكُلِّ مَا فِيهِ صَلَاحُ النَّاسِ فِي عَقَائِدِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأَخْلَاقِهِمْ وَمَعَاشِهِمْ، وَاسْتِعْدَادِهِمْ لِمَعَادِهِمْ، لِقَوْمٍ يَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَهُمْ وَأَفْكَارَهُمْ فِيهَا، وَيَزِنُونَ أَعْمَالَهُمْ بِمَوَازِينِهَا، فَيَتَبَيَّنُونَ رِبْحَهَا وَخُسْرَانَهَا.

وَالْعِبْرَةُ لِمُسْلِمِي عَصْرِنَا فِي هَذِهِ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ الْمُنَزَّلَةِ وَأَمْثَالِهَا، الَّتِي اهْتَدَى بِهَا الشَّعْبُ الْعَرَبِيُّ فَخَرَجَ مِنْ شِرْكِهِ وَخُرَافَاتِهِ وَأُمِّيَّتِهِ وَبَدَاوَتِهِ، إِلَى نُورِ التَّوْحِيدِ وَالْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ وَالْحَضَارَةِ، ثُمَّ اهْتَدَى بِدَعْوَتِهِ

إِلَيْهَا الْمَلَايِينُ مِنْ شُعُوبِ الْعَجَمِ، فَشَارَكَتْهُ فِي هَذِهِ السَّعَادَةِ وَالنِّعَمِ = أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُمْ حَظٌّ مِنْهَا إِلَّا تَرْتِيلَهَا بِالنَّغَمَاتِ فِي بَعْضِ الْمَوَاسِمِ والْمَآتِمِ، وَلَا يَخْطُرُ لَهُمْ بِبَالٍ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمُ التَّفَكُّرُ لِلِاهْتِدَاءِ بِهَا!!

وَلَوْ تَفَكَّرُوا: لَاهْتَدَوْا، وَإِذًا لَعَلِمُوا أَنَّ كُلَّ مَا يَشْكُو مِنْهُ الْبَشَرُ مِنَ الشَّقَاءِ بِالْأَمْرَاضِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَالرُّوحِيَّةِ، وَالرَّذَائِلِ النَّفْسِيَّةِ، وَالْعَدَاوَاتِ الْقَوْمِيَّةِ، وَالْحُرُوبِ الدَّوْلِيَّةِ، فَإِنَّمَا سَبَبُهُ التَّنَافُسُ فِي مَتَاعِ هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا،

وَأَنَّ مَنْ تَفَكَّرَ فِي هَذَا، وَكَانَ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْهُ، فَهُوَ جَدِيرٌ بِأَنْ يَلْتَزِمَ الْقَصْدَ وَالِاعْتِدَالَ فِي حَيَاتِهِ الدُّنْيَوِيَّةِ الْمَادِّيَّةِ، وَيَصْرِفَ جُلَّ مَالِهِ وَهِمَّتِهِ فِي إِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللهِ وَعِزَّةِ أَهْلِ مِلَّتِهِ، وَقُوَّةِ دَوْلَتِهِ

وَالِاسْتِعْدَادِ لِآخِرَتِهِ، فَيَكُونَ مِنْ أَهْلِ سَعَادَةِ الدَّارَيْنِ."

انتهى، من "تفسير المنار" (11/284) .

ولم نجد أحدا فسّر الآية بمثل ما قاله السائل سوى تفسير محدَث قاله به الشيخ أحمد الغماري ، ورد عليه فيه الشيخ حمود التويجري ، في كتابه " إيضاح المحجة "
.
قال الشيخ حمود التويجري في

" إيضاح المحجة في الرد على صاحب طنجة " (ص74) ، ناقلا قول الغماري :

وقال في صفحة (38) ما نصه :

" ومن ذلك زينة الأرض وحضارتها ، بتعبيد الطرق وإحداث الشوارع وإضاءتها بالأنوار ووجود الأبنية الطويلة ذات الطبقات المتعددة ، وغير ذلك من أنواع الزينة والحضارة .

وقد ذكر الله تعالى ذلك من أشراط الساعة الدالة على قربها جداً ، فقال تعالى ( حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ ) .

والجواب أن يقال: إن هذه الآية ليست واردة في أشراط الساعة كما زعمه المصنف ، وإنما هي مثل ضربه الله تعالى لزهرة الحياة الدنيا وزينتها ، وسرعة انقضائها وزوالها

بالنبات الذي يخرجه الله تعالى من الأرض ، بالماء الذي ينزله من السماء .

ولهذه الآية نظائر في سورة الكهف وسورة الزمر وسورة الحديد وقد ذكرتها فيما تقدم " انتهى .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-01-28, 14:25
كيف يؤمر اليهود والنصارى بالعمل بما في كتبهم ، والقرآن قد نزل ناسخا لهما ؟

السؤال

هل يفهم من قول الله تعالى في سورة المائدة : ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ) أن أهل الكتاب مأمورون بإقامة أحكام التوراة والإنجيل التي عندهم ؟

لكن من المعلوم أن القرآن ناسخ لما قبله من الشرائع بحيث لا يسع أحدا من أهل الشرائع السابقة أن يخرج عن أحكامه ، فما المراد بالآية الكريمة ؟

هل يصح أن يقال إن المعنى هو أمرهم باتباع ما جاء في التوراة والإنجيل من الأمر بالإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم واتباع القرآن الكريم ؟

الجواب

الحمد لله

ليس كل ما في التوراة والإنجيل من أحكام وشرائع ، منسوخا بالقرآن

كما أنه ليس كل ما فيهما قد ناله التحريف والتبديل من جهة أهل الكتاب ، فهناك من الحق ما هو موجود في الكتابين

وقد جاء القرآن مصدقاً لذلك الحق

كما قال تعالى : ( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ) المائدة : 48 .

قال الشيخ السعدي رحمه الله :

" ( مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ ) لأنه شهد لها ، ووافقها ، وطابقت أخباره أخبارها ، وشرائعه الكبار شرائعها ، وأخبرت به ، فصار وجوده مصداقا لخبرها ، ( وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ )

أي : مشتملا على ما اشتملت عليه الكتب السابقة ، وزيادة في المطالب الإلهية والأخلاق النفسية .

فهو الكتاب الذي تَتَّبع كل حق جاءت به الكتب ، فأمر به ، وحث عليه ، وأكثر من الطرق الموصلة إليه "

انتهى من " تفسير السعدي " (ص/234) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

" فَلَيْسَ فِي أَمْرِ اللَّهِ لِأَهْلِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ أَنْ يَحْكُمُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ، أَمْرٌ بِمَا نَسَخَ ؛ كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي أَمْرِ أَهْلِ الْقُرْآنِ أَنْ يَحْكُمُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ : أَمْرٌ بِمَا نَسَخَ ، بَلْ إِذَا كَانَ نَاسِخٌ وَمَنْسُوخٌ

فَالَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ هُوَ الْحُكْمُ بِالنَّاسِخِ دُونَ الْمَنْسُوخِ ، فَمَنْ حَكَمَ بِالْمَنْسُوخِ ، فَقَدْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ .

وَمِمَّا يُوَضِّحُ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى : ( قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ) المائدة : 68

فَإِنَّ هَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُولَ لِأَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِي بُعِثَ إِلَيْهِمْ : إنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ حَتَّى يُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ .

فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمْ عِنْدَهُمْ مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ ، وَأَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِإِقَامَتِهِ ، إِذْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا قَرَّرَهُ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَنْسَخْهُ .

وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ عَلَى لِسَانِ نَبِيٍّ ، وَلَمْ يَنْسَخْهُ النَّبِيُّ الثَّانِي ، بَلْ أَقَرَّهُ ؛ كَانَ اللَّهُ آمِرًا بِهِ عَلَى لِسَانِ نَبِيٍّ بَعْدَ نَبِيٍّ ، وَلَمْ يَكُنْ فِي بَعْثَةِ الثَّانِي مَا يُسْقِطُ وُجُوبَ اتِّبَاعِ مَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ الْأَوَّلُ وَقَرَّرَهُ النَّبِيُّ الثَّانِي.

وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ اللَّهَ يَنْسَخُ بِالْكِتَابِ الثَّانِي جَمِيعَ مَا شَرَعَهُ بِالْكِتَابِ الْأَوَّلِ ، وَإِنَّمَا الْمَنْسُوخُ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الْكُتُبُ وَالشَّرَائِعُ .

وَأَيْضًا : فَفِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مَا دَلَّ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِذَا حَكَمَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمَا ، حَكَمُوا بِمَا أَوْجَبَ عَلَيْهِمُ اتِّبَاعَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .... "

انتهى من " الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح " (2/440) .

ومن ذلك الحق الذي جاء في الكتب السابقة البشارة بمبعثه عليه الصلاة والسلام ، وصدق نبوته

كما قال تعالى : ( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ ) الأعراف : 157 .

وقال تعالى : ( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) البقرة : 146

وقوله : ( وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ) الصف : 6 .

وعليه ، فالمراد بالآية : اتباع ما في التوراة والإنجيل من الحق المنزل من عند الله ، ومنه الإيمان بمبعثه عليه الصلاة والسلام .

جاء في " تفسير ابن كثير " (3/155) :

" يقول تعالى : قل يا محمد : ( يا أهل الكتاب لستم على شيء ) أي : من الدين ، ( حتى تقيموا التوراة والإنجيل ) أي : حتى تؤمنوا بجميع ما بأيديكم من الكتب المنزلة من الله على الأنبياء ، وتعملوا بما فيها .

ومما فيها : الأمر باتباع محمد صلى الله عليه وسلم ، والإيمان بمبعثه ، والاقتداء بشريعته ؛ ولهذا قال ليث ابن أبي سليم ، عن مجاهد ، في قوله : ( وما أنزل إليكم من ربكم ) يعني : القرآن العظيم " انتهى .

*عبدالرحمن*
2019-01-28, 14:26
وقال العلامة ابن عاشور رحمه الله :

" والمقصود بأهل الكتاب : اليهود والنصارى جميعا ؛ فأما اليهود فلأنهم مأمورون بإقامة الأحكام التي لم تنسخ من التوراة، وبالإيمان بالإنجيل إلى زمن البعثة المحمدية، وبإقامة أحكام القرآن المهيمن على الكتاب كله

. وأما النصارى فلأنهم أعرضوا عن بشارات الإنجيل بمجيء الرسول من بعد عيسى- عليهما السلام-.

ومعنى ( لستم على شيء ) : نفي أن يكونوا متصفين بشيء من التدين والتقوى

لأن خوض الرسول لا يكون إلا في أمر الدين والهدى والتقوى، فوقع هنا حذف صفة شيء

يدل عليها المقام ، على نحو ما في قوله تعالى: (فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا) [الكهف: 79] ، أي كل سفينة صالحة، أو غير معيبة.

والشيء : اسم لكل موجود، فهو اسم متوغل في التنكير ، صادق بالقليل والكثير، ويبينه السياق أو القرائن. فالمراد هنا : شيء من أمور الكتاب، ولما وقع في سياق النفي في هذه الآية

استفيد نفي أن يكون لهم أقل حظ من الدين والتقوى ، ما داموا لم يبلغوا الغاية التي ذكرت، وهي أن يقيموا التوراة والإنجيل والقرآن. والمقصود نفي أن يكون لهم حظ معتد به عند الله

ومثل هذا النفي على تقدير الاعتداد شائع في الكلام ...

والمقصود من الآية : إنما هو إقامة التوراة والإنجيل عند مجيء القرآن ، بالاعتراف بما في التوراة والإنجيل من التبشير بمحمد صلى الله عليه وسلم حتى يؤمنوا به وبما أنزل عليه.

وقد أومأت هذه الآية إلى توغل اليهود في مجانبة الهدى ، لأنهم قد عطلوا إقامة التوراة منذ عصور قبل عيسى، وعطلوا إقامة الإنجيل إذ أنكروه

وأنكروا من جاء به، ثم أنكروا نبوءة محمد صلى الله عليه وسلم فلم يقيموا ما أنزل إليهم من ربهم ... "

انتهى ، من "التحرير والنوير" (6/265-266).

وقال العلامة القاسمي رحمه الله :

" قال بعض المحققين: معنى قوله تعالى: (حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ) أي: تعملوا طبق الواجب بأحكامهما، وتحيوا شرائعهما، وتطيعوا أوامرهما، وتنتهوا بنواهيهما.

فإن الإقامة هي الإتيان بالعمل على أحسن أوجهه، كإقامة الصلاة مثلا. أي فعلها على الوجه اللائق بها.

ولا يدخل في ذلك القصص التي فيهما، ولا العقائد ونحوها، فإنها ليست عملية.

والمراد : أن يعملوا بما بقي عندهم من أحكام التوراة والإنجيل على علاته، وعلى ما به من نقص وتحريف

وزيادة. فإن شرائع هذه الكتب وأوامرها ونواهيها هي أقل أقسامها تحريفا، وأكثر التحريف في القصص والأخبار والعقائد وما ماثلها، وهي لا تدخل في الأمر بالإقامة.

ولا شك أن أحكام التوراة والإنجيل وما فيهما من شرائع ومواعظ ونصائح ونحوها، لا تزال فيهما أشياء كثيرة لا عيب فيها، ونافعة للبشر وفيها هداية عظمى للناس

فهي مما يدخل تحت قوله تعالى: (وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ) [آل عمران: 3- 4] ، فإذا أقام أهل الكتاب أحكامهما على علاتها، كانوا لا شك على شيء يعتد به ويصح أن يسمى دينا.

وإذا لم يقيموهما، وجروا على خلافهما، كانوا مجردين من كل شيء يستحق أن يسمى دينا. وكانوا مشاغبين معاندين، وبدينهم غير مؤمنين إيمانا كاملا.

وهذا معنى صحيح، وهو المتبادر من الآية.

فأي شيء في هذا المعنى يدل على عدم تحريف التوراة والإنجيل وعلى وجودهما كاملين، كما يدعي ذلك المكابرون من أهلهما، وخصوصا بعد قوله تعالى: (وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ؟) [المائدة: 13] .

ثم قال: ولك أن تقول: معنى قوله تعالى: ( لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ ) :

الحقيقيّين ؛ وذلك يستلزم البحث والتنقيب ، والجد والاجتهاد ، في نقد ما عندهم منهما نقدا عقليا تاريخيا صحيحا، حتى يستخلصوا حقهما من باطلهما بقدر الإمكان .

ونتيجة ذلك العناء كلّه : أن يكونوا على شيء من الدين الحقّ، وهذا أمر لا شبهة فيه.

ولو اتبعوا القرآن : لأراحوا ، واستراحوا. ولكنهم- كما أخبر تعالى عنهم- لا يزيدهم القرآن إلّا طغيانا وكفرا

حسدا وعنادا فلا يؤمنون به. ولا يهتم جمهورهم بإصلاح دينهم من المفاسد وتنقيته من الشوائب. فلم يدركوا خير هذا ولا ذاك.

فكأن الآية تريهم أنهم إذا لم يتبعوا القرآن : يجب عليهم القيام بعبء ثقيل جدّا من البحث والتمحيص، وبعد ذلك يكونون على شيء من الحق ، لا على الحق كله

ولو أقاموا التوراة والإنجيل الحقيقيين غاية الإقامة، فما بالك إذا كان ذلك مستحيلا لعدم وجودهما على حقيقتهما؟

فهم ليسوا على شيء مطلقا. ولا يمكن أن يكونوا عليه. فإن كتبهم قد صارت خلقة بالية.

لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه، حينما رأى ورقة من التوراة بيده: ألم آتكم بها بيضاء نقية؟ والله لو كان موسى حيّا ما وسعه إلّا اتباعي.

(فإن قيل) : وكيف يحثهم الله على العمل بأي شيء من دينهم، ومنه ما جاء القرآن ناسخا له؟ (قلت) :

لا شك عند كل عاقل: أنه خير لأهل الكتاب أن يعملوا بشرائع دينهم الأصلية، فإنهم حينئذ يتجنبون الكذب والتحريف والعناد، والأذى والإفساد في الأرض، وإهلاك الحرث والنسل والزنى، وغير ذلك مما يعمله الناس.

فمراد القرآن على التفسير الأول للآية : حثهم- إن أصروا على عدم الإيمان به- على العمل بدينهم على الأقل

ليستريح النبيّ وأتباعه من أكثر شرورهم ورذائلهم. ولكن بعد العمل بدينهم لا يكونون على الدين الحق الكامل ، بل الذي يفهم من الآية : أنهم يكونون على شيء من الدين، وهو- ولا شك- خير من لا شيء.

ولا يفهم أنهم يكونون على الحق كله

وعلى الدين الكامل الذي لا غاية أعظم منه، فإن ذلك لا يكون إلّا بالإسلام : ( أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ) [آل عمران: 83] . انتهى.

ولا يخفى أنهم إذا أقاموا التوراة والإنجيل، آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم. لما تتقاضى إقامتُهما الإيمانَ به ؛ إذ كثر ما جاء فيهما من البشارات به والتنويه باسمه ودينه.

فإقامتهما على وجوههما : تستدعي الإسلام البتة، بل هي هو، والله الموفق ...

انتهى، من "محاسن التأويل" (4/203-205).

وقال العلامة الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله :

" (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) :

أَيْ : (قُلْ) لِأَهْلِ الْكِتَابِ، مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فِيمَا تُبَلِّغُهُمْ عَنِ اللهِ تَعَالَى (لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ) يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ، وَلَا يَنْفَعُكُمُ الِانْتِسَابُ إِلَى مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيِّينَ (حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ)

فِيمَا دَعيَا إِلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ الْخَالِصِ، وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَفِيمَا بَشَّرَا بِهِ مِنْ بَعْثَةِ النَّبِيِّ الَّذِي يَجِيءُ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ الْمَسِيحُ بِرُوحِ الْحَقِّ، وَبِالْبَارَقْلِيطِ (وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) عَلَى لِسَانِهِ،

وَهُوَ الْقُرْآنُ الْمَجِيدُ، فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي أَكْمَلَ بِهِ دِينَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، عَلَى حَسَبِ سُنَّتِهِ فِي النُّشُوءِ وَالِارْتِقَاءِ بِالتَّدْرِيجِ.
وَقِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ: مَا أُنْزِلَ عَلَى سَائِرِ أَنْبِيَائِهِمْ

كَمَا قِيلَ مِثْلُهُ فِي آيَةِ: (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ) ...

إِلَّا أَنَّ ذَاكَ حِكَايَةٌ مَاضِيَةٌ، وَهَذَا بَيَانٌ لِلْحَالِ الْحَاضِرَةِ، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ فِي الزَّمَنَيْنِ قَائِمَةٌ ;

فَهُمْ لَمْ يَكُونُوا مُقِيمِينَ لِتِلْكَ الْكُتُبِ قَبْلَ هَذَا الْخِطَابِ، وَلَا فِي وَقْتِهِ، وَلَا كَانَ فِي اسْتِطَاعَتِهِمْ أَنْ يُقِيمُوهَا فِي عَهْدِهِ، كَمَا أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُقِيمُوهَا الْآنَ .

فَهَذَا تَعْجِيزٌ لَهُمْ ، وَتَفْنِيدٌ لِدَعْوَاهُمُ الِاسْتِغْنَاءَ عَنِ اتِّبَاعِ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ، بِاتِّبَاعِهِمْ لِأَنْبِيَائِهِمُ السَّابِقِينَ، وَلَا يَتَضَمَّنُ الشَّهَادَةَ بِسَلَامَةِ تِلْكَ الْكُتُبِ مِنَ التَّحْرِيفِ.

وَمِثْلُهُ : أَنْ تَقُولَ الْآنَ لِدُعَاةِ النَّصْرَانِيَّةِ مِنَ الْأَمْرِيكَانِ وَالْأَلْمَانِ وَالْإِنْكِلِيزِ: يَا أَيُّهَا الدَّاعُونَ لَنَا إِلَى اتِّبَاعِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، نَحْنُ لَا نَعْتَدُّ بِكُمْ، وَلَا نَرَى أَنَّكُمْ عَلَى إِيمَانٍ وَثِقَةٍ بِدِينِكُمْ، وَصِدْقٍ

وَإِخْلَاصٍ فِي دَعْوَتِكُمْ، حَتَّى تُقِيمُوا أَنْتُمْ وَأَهْلُ مِلَّتِكُمُ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ اللَّذَيْنِ فِي أَيْدِيكُمْ، فَتُحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ، وَتُبَارِكُوا لَاعِنِيكُمْ، وَتُعْطُوا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ، وَتَخْضَعُوا لِكُلِّ سُلْطَةٍ ; لِأَنَّهَا مِنَ اللهِ،

وَإِذَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ أَحَدٌ فَلَا تَعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ، بَلْ أَدِيرُوا لَهُ الْخَدَّ الْأَيْسَرَ إِذَا ضَرَبَكُمْ عَلَى الْخَدِّ الْأَيْمَنِ، وَاتْرُكُوا التَّنَافُسَ فِي إِعْدَادِ آلَاتِ الْفَتْكِ الْجُهَنَّمِيَّةِ ; لِيَكُونَ لِلنَّاسِ السَّلَامُ فِي الْأَرْضِ

وَاخْرُجُوا مِنْ هَذِهِ الْأَمْوَالِ الْكَثِيرَةِ وَالثَّرْوَةِ الْوَاسِعَةِ ; لِأَنَّ الْغَنِيَّ لَا يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ، وَلَا تَهْتَمُّوا بِرِزْقِ الْغَدِ. . . إِلَخْ.

وَنَحْنُ نَرَاكُمْ عَلَى نَقِيضِ كُلِّ مَا جَاءَ فِي هَذِهِ الْكُتُبِ ; فَأَنْتُمْ لَا تَخْضَعُونَ لِكُلِّ حَاكِمٍ، بَلْ مَيَّزْتُمْ أَنْفُسَكُمْ، وَاسْتَعْلَيْتُمْ عَلَى الشَّرَائِعِ وَالْحُكَّامِ مِنْ غَيْرِكُمْ

وَإِذَا اعْتُدِيَ عَلَى أَحَدٍ مِنْكُمْ فِي بُقْعَةٍ مِنْ بِقَاعِ الْأَرْضِ تُجَرِّدُونَ سُيُوفَ دَوْلَتِكُمْ، وَتُصَوِّبُونَ مَدَافِعَهَا عَلَى بِلَادِ الْمُعْتَدِي وَدَوْلَتِهِ، لَا عَلَيْهِ وَحْدَهُ ; حَتَّى تَنْتَقِمُوا لِأَنْفُسِكُمْ بِأَضْعَافِ مَا اعْتَدَى بِهِ عَلَيْكُمْ

وَلَا هَمَّ لِأُمَمِكُمْ وَدُوَلِكُمْ إِلَّا امْتِلَاكُ ثَرْوَةِ الْعَالَمِ وَزَيَّنَتِهِ وَنَعِيمِهِ، وَتَسْخِيرِ غَيْرِكُمْ مِنَ الْأُمَمِ لِخِدْمَتِكُمْ بِالْقُوَّةِ الْقَاهِرَةِ، وَالِاسْتِعْدَادِ لِسَحْقِ مَنْ يُنَافِسُكُمْ فِي مَجْدِ هَذَا الْعَالَمِ الْفَانِي ; لِعَدَمِ اهْتِمَامِكُمْ بِمَجْدِ الْمَلَكُوتِ الْبَاقِي.

فَنَحْنُ لَا نُصَدِّقُ بِأَنَّكُمْ تَدِينُونَ اللهَ بِهَذِهِ الْكُتُبِ الَّتِي تَدْعُونَنَا إِلَيْهَا، حَتَّى تُقِيمُوهَا عَلَى وَجْهِهَا

فَهَلْ يَعُدُّ دُعَاةُ النَّصْرَانِيَّةِ مِثْلَ هَذَا الْخِطَابِ لَهُمُ، اعْتِرَافًا مِنَّا بِسَلَامَةِ كُتُبِهِمْ مِنَ التَّحْرِيفِ وَالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ؟ أَمْ يَفْهَمُونَ أَنَّهُ حُجَّةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلَى التَّسْلِيمِ الْجَدَلِيِّ لِأَجْلِ الْإِلْزَامِ؟

نَعَمْ، يَفْهَمُونَ هَذَا، وَلَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ لِعَوَامِّ الْمُسْلِمِينَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ شَهَادَةٌ لِلتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ بِالسَّلَامَةِ مِنَ التَّحْرِيفِ!" انتهى من "تفسير المنار" (6/392-393) .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-01-28, 14:36
سبب عدم تعليق يوسف عليه السلام الأمر بمشيئة الله في قوله تعالى (اذهبوا بقميصي هذا ..)الآية

السؤال

في سورة يوسف الآية ( اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ ) (93) ينتابني تساؤل معين وهو أنه، ما الحكمة في عدم قول سيدنا يوسف عليه السلام "إن شاء الله"

أو "باذن الله" بعد كلمة يأت بصيراً، ولم ينسب الأمر لله، مع إنه في مثل هذه الحالات ينسب الأمر لله للتأكيد على أن القدرة والمشيئة بيد الله وليس بسبب الإنسان أو المادة، كما ورد في عدة مواضع في القرآن الكريم. مثل:

فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (99)يوسف وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70)البقرة قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا

وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (69)الكهف سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27)القصص يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102)الصافات لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُ

حَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (27)الفتح وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (66)

فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ والسؤال هنا هو للاستزادة من العلم والتفقه والتدبر في كتاب الله وليس من باب الطعن او المخالفة والعياذ بالله وبارك الله بكم

الجواب

الحمد لله

أولًا:

قد أرشد الله سبحانه وتعالى أهل الإيمان إلى لون من ألوان الأدب

وهو تقديم مشيئة الله تعالى

كما قال سبحانه: (ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا) الكهف/ 24.

"وهذا تأديب من الله عز ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم عهد إليه: أن لا يجزم على ما يحدث من الأمور أنه كائن لا محالة، إلا أن يصله بمشيئة الله، لأنه لا يكون شيء إلا بمشيئة الله"

تفسير الطبري: (15/ 224).

يقول الشيخ السعدي رحمه الله:

"هذا النهي كغيره، وإن كان لسبب خاص وموجها للرسول صلى الله عليه وسلم، فإن الخطاب عام للمكلفين، فنهى الله أن يقول العبد في الأمور المستقبلة، (إني فاعل ذلك) من دون أن يقرنه بمشيئة الله

وذلك لما فيه من المحذور، وهو: الكلام على الغيب المستقبل، الذي لا يدري، هل يفعله أم لا؟

وهل تكون أم لا؟

وفيه رد الفعل إلى مشيئة العبد استقلالا وذلك محذور محظور، لأن المشيئة كلها لله (وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين) ولما في ذكر مشيئة الله، من تيسير الأمر وتسهيله، وحصول البركة فيه، والاستعانة من العبد لربه .

ولما كان العبد بشرا، لا بد أن يسهو فيترك ذكر المشيئة، أمره الله أن يستثني بعد ذلك، إذا ذكر، ليحصل المطلوب، ويندفِع المحذور .

ويؤخذ من عموم قوله: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ) الأمر بذكر الله عند النسيان، فإنه يزيله، ويذكر العبد ما سها عنه .

وكذلك يؤمر الساهي الناسي لذكر الله، أن يذكر ربه، ولا يكونن من الغافلين .

ولما كان العبد مفتقرا إلى الله في توفيقه للإصابة، وعدم الخطأ في أقواله وأفعاله، أمره الله أن يقول:

(عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لأقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا) فأمره أن يدعو الله ويرجوه، ويثق به أن يهديه لأقرب الطرق الموصلة إلى الرشد.

وحري بعبد، تكون هذه حاله، ثم يبذل جهده، ويستفرغ وسعه في طلب الهدى والرشد، أن يوفق لذلك، وأن تأتيه المعونة من ربه، وأن يسدده في جميع أموره"، تيسير الكريم الرحمن: (474).

ثانيًا:

لقد استخدم يوسف عليه السلام هذا الأدب كما حكى الله عنه: (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ) يوسف/99.

قال الإمام أبو الحسن الواحدي رحمه الله :

" والاستثناء يعود إلى الأمن، وإنما قال: آمنين لأنهم كانوا ، فيما خلا ، يخافون ملوك مصر ولا يدخلونها إلا بجوارهم."

انتهى، من "التفسير الوسيط" (2/635) .

وقال أيضا :

" وقوله تعالى: (ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ) قال لهم هذا القول قبل دخولهم إلى مصر؛ لأنه كان قد استقبلهم، هذا قول السدي وفرقد السبخي ، وقال عطاء عن ابن عباس: يريد انزلوها آمنين

وعلى هذا سمى النزول دخولاً؛ لاقتران أحدهما بالآخر.

وأما معنى الاستثناء في قوله: (إِنْ شَاءَ اللَّهُ) فإنه يعود إلى الأمن ، لا إلى الدخول، والمعنى: ادخلوا مصر آمنين إن شاء الله؛ لأنه لا يتيقن الأمن، فتقدم الاستثناء وهو منوي به التأخير

ذكره أبو بكر وغيره، قال ابن عباس : وإنما قال آمنين؛ لأنهم كانوا فيما خلا يخافون ملوك مصر، ولا يدخلونها إلا بجوارهم ... ".

انتهى من "التفسير البسيط" (12/248) .

وأما ترك يوسف عليه السلام للمشيئة في قوله: (اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين ) [يوسف: 93].

فالذي يظهر أن يوسف عليه السلام إنما قطع ببصر أبيه يعقوب عن وحي من الله تعالى، ولم يكن ذلك عن اجتهاد منه ، بل بتوقيف من الله تعالى .

وهو أيضًا من تمام البشرى، ومن إتمام النعمة التي أنعمها الله على آل يعقوب، وفيه أيضًا: بيان لإخوة يوسف بزوال الغمة، وإتمام النعمة .

يقول الماتريدي: "وقوله - عز وجل -: (اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين) .

دل هذا من يوسف؛ حيث قطع القول فيه أنه يصير بصيرا ، أنه عن وحي قال هذا ، لا عن رأي منه واجتهاد؛ إذ قطع القول فيه ، أنه إذا ألقي على وجهه يصير بصيرا"، تأويلات أهل السنة: (6/ 284).

وقال ابن أبي زمنين: "(فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا) أي: يرجع.

قال: ولولا أن ذلك علمه من وحي الله، لم يكن له به علم"، التفسير: (2/ 339).

وقال ابن الجوزي: "فإن قيل: من أين قطع على الغيب؟

فالجواب: أن ذلك كان بالوحي إليه

قاله مجاهد"، زاد المسير: (2/ 470).

وقال الحسن : " لم يعلم أَنه يعود بَصيرًا إِلَّا بعد أَن أعلمهُ الله ذَلِك."

انتهى، من "تفسير السمعاني" (3/63) .

وقد ذكر بعض أهل التفسير في ذلك القميص أنه كان من ثياب الجنة ، وأن الله كساه لإبراهيم حين خرج من النار ، ثم انتقل إلى إسحاق ثم إلى يعقوب ثم إلى يوسف .

قال ابن عطية الأندلسي رحمه الله بعد أن حكى ذلك : " وهذا كله يحتاج إلى سند، والظاهر أنه قميص يوسف الذي هو منه بمنزلة قميص كل أحد"

انتهى من المحرر الوجيز: (3/ 278).

والحاصل :

أن الله قد أدب عباده أن يقرنوا حديثهم عن الأمر المستقبل بقول : " إن شاء الله " .

وأما ترك يوسف عليه السلام لذلك في الآية المذكورة : فالظاهر أن ذلك الخبر كان عن وعد الله له ، وخبره بذلك ، ووعده صادق ، وخبره لا يتخلف ، فلذلك لم يحتج إلى الاستثناء فيه ، لأنه ليس بيد العباد ، ولا مشيئتهم .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-01-28, 14:46
هل يتعارض قوله تعالى (ولقد يسرنا القرآن للذكر) مع حاجتنا لتفاسير العلماء؟

السؤال

يوجد آيات لا أستطيع أنا وأغلب الناس فهمها إلا بالرجوع لتفسيرات العلماء ، في هذه الحالة كيف يكون القرآن سهلا للذكر كما قال الله عز وجل: (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدَّكِر)؟

الجواب

الحمد لله

لا تعارض بين قول الله عز وجل: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر: 17]، وكون بعض الآيات يعسر فهمها وتحديد تأويلها إلا على العلماء

وبيان ذلك من وجوه:

الأول:

تيسير القرآن هو من حيث العموم ، تيسير أغلبي إجمالي ، يعني قرب معانيه ومقاصده من القارئ العادي على وجه الإجمال ، وليس على وجه العموم التام لجميع آياته وتراكيبه

بل فيه من الآيات المتشابهات التي لا يعلمها إلا العلماء

كما قال تعالى: ( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ

إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ )آل عمران/ 7.

وفيه ما يحتاج إلى حزمة من العلوم التأسيسية لبلوغ فهم مرامه وحقيقة مضمونه ، كعلوم اللغة ، والناسخ والمنسوخ ، وأصول الفقه ، ونحوها، ولكن الأعم الأغلب منه واضح المقصود ، وظاهر المراد من السياق.

فلا مانع أن نحتاج إلى مراجعة العلماء في تفاسير بعض الآيات ، ولا يتناقض ذلك مع "تيسير القرآن".

الثاني:

تيسير "جميع آيات القرآن" هبة من الله تعالى لمن يأخذ بأسباب الفهم وطرائق المعرفة ، ويدرس العلوم المساعدة ، ويطلب العلم على وجهه الصحيح من أهل العلم

ومن مؤسسات البحث الكبرى، كما روي عنه عليه الصلاة والسلام: (إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ) رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (19/395) وحسنه ابن حجر في "فتح الباري" (1/194) ، والألباني في "الصحيحة" (رقم342) .

أما من لا يسلك العلم من أبوابه، ولا يعتبر أدوات العلم وآلاته، فمثله حري أن لا ييسره الله عليه، وسيجد – بالتأكيد - في آياته ما يستغلق عليه ولا يستمكن منه.

روى الدارمي في "السنن" (1/ 364) بسنده عن مطر الوراق: "ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر [القمر: 17] قال: هل من طالب خير فيعان عليه؟ "

فإذا لم يأخذ – غير المختصين – بهذه الأسباب ، فمن الطبيعي أن يحتاجوا إلى سؤال العلماء الذين أخذوا بهذه الأسباب ، فأصبحت آيات القرآن الكريم كلها ميسرة لهم.

الثالث:

تيسير "جميع آيات القرآن" : مكرُمَة من الله سبحانه لمن يعمل بالتقوى

ويصدق في تلقيه القرآن بالعمل والإخلاص والصدق مع الله سبحانه، ويخلص في تدبره وتأمله

فيصدقه الله بأن يفتح عليه ما يستغلق على عامة الناس ، وهو ما يُشعر به سياق قول الله سبحانه: ( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) محمد/ 24 .

أما من لا يقصد إلا السمعة أو الرياء أو المماراة في تفهمه للقرآن، ويخلط عملا صالحا بآخر سيئا، وتشوب نيتَه بعضُ أغراض الدنيا وأعراضها، فمثله حري أيضا أن لا ييسره الله عليه.

يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:

"قال تعالى: ( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) [القمر:32] . والآيات في هذا كثيرة، تدل على أن من تدبر القرآن ، لكن بهذه النية، وهي طلب الهدى منه ؛ لا بد أن يصل إلى النتيجة، وهي تبين طريق الحق .

أما من تدبر القرآن ليضرب بعضه ببعض ، وليجادل بالباطل ، ولينصر قوله ؛ كما يوجد عند أهل البدع وأهل الزيغ ، فإنه يعمى عن الحق والعياذ بالله

لأن الله تعالى يقول: ( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ

مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) [آل عمران: 7]

على تقدير [أما] ؛ أي: وأما الراسخون في العلم؛ فـ ( يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ) [آل عمران:7]

وإذا قالوا هذا القول؛ فسيهتدون إلى بيان هذا المتشابه، ثم قال: ( وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ) [آل عمران: 7].

وقال تعالى: ( قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ) [فصلت: 44]" .

انتهى من "مجموع فتاوى ورسائل العثيمين" (8/ 391) .

وهكذا، من يقصر في تجويد النية وتحسين المقصد ، نقص من علمه بالقرآن بقدر هذا التقصير.

*عبدالرحمن*
2019-01-28, 14:47
الرابع:

قال كثير من العلماء إن التيسير هنا تيسير القراءة والحفظ ، لا تيسير الفهم والمعرفة. كما علق البخاري في "صحيحه" (6/ 143) قول مجاهد: (يسرنا): هوَّنَّا قراءته.

وقال ابن قتيبة رحمه الله:

" ( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ ) أي: سَهَّلناه للتلاوة. ولولا ذلك: ما أطاق العبادُ أن يَلْفِظوا به ، ولا أن يستَمِعوا [له]"

انتهى من " غريب القرآن" (ص: 432) .

وقال القاضي عياض رحمه الله:

"(ولقد يسرنا القرآن للذكر) وسائر الأمم لا يحفظ كتبها الواحد منهم ، فكيف الجماء على مرور السنين عليهم .. والقرآن ميسر حفظه للغلمان في أقرب مدة " .

انتهى من "الشفا بتعريف حقوق المصطفى" (1/ 540) .

ويقول ابن عطية رحمه الله:

"(يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ) معناه: سهلناه وقربناه. و(الذكر): الحفظ عن ظهر قلب، قال ابن جبير: لم يُستظهر من كتب الله سوى القرآن.

قال القاضي أبو محمد: يُسِّر بما فيه من حسن النظم وشرف المعاني ، فله لَوْطة بالقلوب ، وامتزاج بالعقول السليمة"

انتهى من "المحرر الوجيز" (5/215) .

وهذا الوجه يعني أن حفظ القرآن ـ أو تلاوته ـ هو الميسر على من أخذ بأسباب الحفظ ، أما استغلاق بعض المعاني والتفاسير : فهذا شأن واقع ومحتمل لا يتعارض مع الآية الكريمة.

خامسا:

تيسير القرآن المقصود به هنا هو تسهيل الاتعاظ والاعتبار، أي فهم العظات والعبر من قصص الأولين

وأخبار الأنبياء عليهم السلام، وأحوال الأمم السالفة، وليس المقصود تيسير الغوص في أسرار جميع الآيات وما فيها من دقائق المعاني وعميق الإشارات والأحكام.

والدليل على ذلك هو سياق الآية الكريمة عن قصص الأنبياء وما أصاب أقوامهم نتيجة كفرهم وعنادهم ، قال تعالى: ( وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ. تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ

. وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ. فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ. وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ. كَذَّبَتْ

عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ. إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ. تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ. فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ. وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) القمر/ 13-22.

وقال سبحانه : ( وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ. فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ. فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ. إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ. وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ

فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ. كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ. إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ. نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ. وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ.

وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ. وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ. فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ. وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) القمر/ 28 – 40 .

يقول الإمام الطبري رحمه الله:

"وقوله (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ) يقول تعالى ذكره: ولقد سهَّلنا القرآن؛ بيَّناه وفصلناه للذكر، لمن أراد أن يتذكر ويعتبر ويتعظ ، وهوّناه .

وقوله (فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) يقول : فهل من معتبر متعظ ، يتذكر ، فيعتبر بما فيه من العبر والذكر"

انتهى من "جامع البيان" (22/584) .

وقال أيضا:

"وقوله (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) يقول تعالى ذكره: ولقد سهَّلنا القرآن للذكر لمن أراد التذكر به، فهل من متعظ، ومعتبر به، فينزجر به عما نهاه الله عنه إلى ما أمره به وأذن له فيه"

انتهى من "جامع البيان" (22/600) .

ويقول الإمام الباقلاني رحمه الله:

"فأما قولُه في مواضعَ من هذهِ السورة: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) ، فإنّه تعالى إنما قال ذلك لأنه أودع في القرآنِ أقاصيصَ الأولينَ وسيرَ المتقدمين

وما كان من تفضله على المؤمنين وإهلاكه للكافرينَ بضروبِ الهلاكِ والانتقامِ

وقالَ عقيبَ كل قصةٍ من تلكَ القصص: ولقد يسرنا لكم قراءةَ القرآن وحفظَ القصصِ المتغايرةِ التي أودعناها فهل من مدكر، ومتعظٍ بتيسيرنا لذلكَ وسماعِه وحفظِه له...

وكذلك لما أودعَ اللهُ سبحانه كل شيءٍ من القرآن وموعظةً وقصةً غير الأخرى ، جازَ أن يقول: ولقد يسَّرنا القرآنَ الذي فيه ذكرُ هذه القصة ، فهل من مدّكر بها ؟

ثم يقول: ولقد يسَّرنا أيضا القرآنَ الذي فيه ذكرُ القصة الثانية والثالثة وما بعدَها ، فهل من مدكر بذلك، وإذا كان هذا كذا ، لم يكن ذلكَ من المعنى والتكرار بسبيل"

انتهى من "الانتصار للقرآن" (2/ 806) .

ويقول الزمخشري رحمه الله:

"(وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ) أي: سهلناه للادكار والاتعاظ ، بأن شحناه بالمواعظ الشافية، وصرفنا فيه من الوعد والوعيد. فَهَلْ مِنْ متعظ"

انتهى من "الكشاف" (4/435) .

ويقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :

"يَسَّرْنَا أي: سهلنا. لِلذِّكْرِ قال بعضهم: للحفظ، وأن القرآن ميسر لمن أراد أن يحفظه، وقيل: المراد بالذكر: الادكار والاتعاظ، أي: أن من قرأ القرآن ليتذكر به ويتعظ به سهل عليه ذلك، واتعظ وانتفع.

وهذا المعنى أقرب للصواب، بدليل قوله: ( فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) ، أي: هل أحد يدكر

مع أن الله سهل القرآن للذكر؟! أفلا يليق بنا وقد يسر الله القرآن للذكر أن نتعظ ونتذكر؟! بلى. هذا هو اللائق فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ" انتهى من "لقاء الباب المفتوح" (183/ 7، بترقيم الشاملة آليا) .

فهذا الوجه يعني : أن الادكار والاعتبار هو المقصود بالتيسير، وهذا يقع لكل من سمع قصص القرآن ، وليس المقصود تيسير فهم دقائق القرآن وأحكامه.

سادسا:

قال بعض العلماء ما حاصله : التيسير هنا هو على مجموع الأمة، لا على جميعها، أي أن الأمة كلها لا يمكن أن يغيب عنها شيء من فهم القرآن، وما فيه من أحكام وعبر وعظات، أما على بعض الأفراد فيمكن أن يغيب.

يقول القشيري رحمه الله:

"يسّرنا قراءته على ألسنة الناس، ويسّرنا علمه على قلوب قوم ، ويسّرنا فهمه على قلوب قوم، ويسّرنا حفظه على قلوب قوم ، وكلّهم أهل القرآن، وكلّهم أهل الله وخاصته" .

انتهى من "لطائف الإشارات" (3/ 497) .

والخلاصة، أننا إذا فهمنا الآية الكريمة على أحد الأوجه السابقة ، كما فهمها العلماء، تبين لنا أنها لا تعارض إطلاقا حاجتنا إلى العلماء في تفسير كثير من الآيات الكريمات.

والله أعلم.

*عبدالرحمن*
2019-01-28, 15:01
هل التعبير بالخلق لا يطلق إلا على الإيجاد من العدم ؟

السؤال

قال الله تعالى : ( لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ )

. لماذا قال العلماء أن الخلق في الآيات السابقة يعني الصناعة وليس الإيجاد من العدم ؟

ثم هل يصح أن الله خلق الطين أي أوجده بعد أن كان معدوماً ثم صنع منه آدم ؟

ثم هل تصنيع الجنين في بطن أمه هي صناعة وليست إيجاداً من عدم ؟

لأن الله قال "أحسن الخالقين" فجيب أن يكون تخليق الجنين صناعة وليس بإيجاد. كقول النجار "قدمت على شجرة فقطعتها، فجعلت أقسمها، ثم انشر قطعها، فاجعلها طاولات".

وهذه صناعة وليست إيجاداً بعد عدم ما رأيكم حفظكم الله ؟

الجواب

الحمد لله

أولا :

الإيجاد من العدم يسمى خلقا ، وكذلك المخلوقات المتولدة من مادة تسمى خلقا (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ)، وبعض الخلق أعجب من بعض ، فخَلْق الإنسان من ماء مهين

يختلف عن خلق آدم من الطين ، وكله من آيات قدرة الخلاق العليم ؛ ثم تكون الحياة في ذلك "الخلق" بنفخ الروح

التي لم يدرك كنهها ، ولم يقف على سرها ، سوى أحكم الحاكمين : ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ) الإسراء/84

وكما أن "الإيجاد" من "العدم" يسمى خلقا ، فتحويل الشيء من صورة إلى صورة أخرى، يسمى "خلقا" أيضا ، في لغة العرب .

فإذا نسب إلى آدمي خلق ، فإنما يكون مقبولا على حد المعنى اللائق به ، وبهذا فسّر العلماء قوله تعالى (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) المؤمنون/14.

وأما إطلاق الخلق على الإيجاد من العدم ، ونفخ الروح في الكائنات ، وتحويلها من جمادات

إلى كائنات حية : فهذا لا يوصف به غير الله سبحانه وتعالى ، كما قال سبحانه (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ) النحل/ 17 ، وقال تعالى : (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) فاطر/ 3 .

قال ابن الجوزي :

" فإن قيل: كيف الجمع بين قوله: (أَحْسَنُ الْخالِقِينَ) وقوله: (هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ) ؟

فالجواب: أن الخلق يكون بمعنى الإِيجاد، ولا موجِد سوى الله، ويكون بمعنى التقدير، كقول زهير:

وبعض القومِ يَخْلُقُ ثم لا يَفْرِي .

فهذا المراد ها هنا، أن بني آدم قد يصوِّرون ويقدِّرون ويصنعون الشيء، فالله خير المصوِّرين والمقدِّرين، وقال الأخفش: الخالقون ها هنا ، هم الصانعون، فالله خير الخالقين"

انتهى من "زاد المسير" (3/258) .

وقال ابن عطية رحمه الله :

وقوله (أحسن الخالقين) معناه الصانعين يقال لمن صنع شيئا : خلقه . ومنه قول الشاعر:

ولأنْتَ تَفْرِى مَا خَلَقْتَ وبَعـ * ـضُ القَوْم يَخْلُقُ ثمَّ لَا يَفْرِى

وذهب بعض الناس إلى نفي هذه اللفظة عن الناس، فقال ابن جريج: إنما قال الخالقين لأنه تعالى قد أذن لعيسى في أن يخلق، واضطرب بعضهم في ذلك.

ولا تُنْفَى اللفظةُ عن البشر في معنى الصنع ، وإنما هي منفية بمعنى الاختراع والإيجاد من العدم"

انتهى من "المحرر الوجيز" (10/340) .

ثانيا :

بما أن كلا الأمرين - "الصناعة والإيجاد من العدم" - يسمى خلقا ، فقد زال الإشكال .

ويبقى اعتقادنا بأن من الخلق ما لا يقدر عليه إلا الله ، وهو الخلق والإيجاد من العدم ، ومنه ما يُقْدِر اللهُ عليه بعض خلقه ، ولا يختص بالخلاق العليم سبحانه .

وهذا ليس مختصا بصفة الخلق فقط ، بل هناك غيرها من الصفات المشتركة بين الله عز وجل وخلقه ، ولكنها لله عز وجل على وجهها الأكمل على ما يليق به سبحانه وتعالى ، وللمخلوق منها ما يناسب قدراته الضعيفة الضيقة .

قال ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " كُنْتُ لَا أَدْرِي مَا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ حَتَّى أَتَانِي أَعْرَابِيَّانِ يَخْتَصِمَانِ فِي بِئْرٍ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَنَا فَطَرْتُهَا، يَقُولُ: أَنَا ابْتَدَأْتُهَا" أخرجه أبو عبيد

"فضائل القرآن" (345) .

وجوّد إسناده ابن كثير في تفسيره (1/43) .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-01-28, 15:06
لا يجني والد على ولده ، ولا ولد على والده .

السؤال

عندي سؤال حول الآية : ) ما لهم به من علم وَلا لِآبائِهِمْ كبرت كلمة تخرج من أفواههم... ( فما المقصود بـ " وَلا لِآبائِهِمْ " ؟

هل يعني ذلك على سبيل المثال لو أن هناك شيخا يعرف كل كلمة في القرآن

وكان لديه ابن فتحول هذا الابن إلى النصرانية ، فهل يعني ذلك أن الشيخ ـ والد الابن المرتد ـ لا يوجد عنده علم بسبب ردة ابنه؟

الجواب

الحمد لله

قال الله عز وجل :( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا * قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا * مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا

* وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا * مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا ) الكهف/1-5 .

فقوله تعالى : (وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا) من اليهود والنصارى

والمشركين ، الذين قالوا هذه المقالة الشنيعة ، فإنهم لم يقولوها عن علم ولا يقين، لا علم منهم، ولا علم من آبائهم الذين قلدوهم واتبعوهم ، بل إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس .

( كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ) أي: عظمت شناعتها واشتدت عقوبتها، وأي شناعة أعظم من وصفه بالاتخاذ للولد الذي يقتضي نقصه ، ومشاركة غيره له في خصائص الربوبية والإلهية، والكذب عليه؟

ولهذا قال: (إِنْ يَقُولُونَ إِلا كَذِبًا) أي: كذبا محضا ما فيه من الصدق شيء.

وتأمل كيف أبطل هذا القول بالتدريج ، والانتقال من شيء إلى أبطل منه

فأخبر أولا أنه (مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لآبَائِهِمْ) والقول على الله بلا علم ، لا شك في منعه وبطلانه ، ثم أخبر ثانيا، أنه قول قبيح شنيع فقال: (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ)

ثم ذكر ثالثا مرتبته من القبح، وهو: الكذب المنافي للصدق.

انظر : "تفسير السعدي" (ص 469) .

فالمقصود بقوله : (مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لآبَائِهِمْ) أنهم يتكلمون بكلام باطل لا علم لهم به ، ولا علم لآبائهم الذين سبقوهم إلى هذا القول الفاسد ، ثم جاء الأولاد فاتبعوا آباءهم عليه

فهو شيء لا يعلمونه ولا يعلمه آباؤهم الذين أخذوه عنهم .

والمقصود بالآباء هنا : الآباء الذين يتكلمون بهذه المقولة الفاسدة الباطلة ، فهم يتكلمون بالظن وما تهوى الأنفس ، ويتابعهم أبناؤهم على ذلك

فهو قول باطل قال به الأبناء عن غير علم ، متابعين فيه الآباء الجهلة الكذبة ، فما أسوأ أن يجهل العبد ، ويتابع غيره على الجهل .

قال الشوكاني رحمه الله :

" مَا لَهُمْ بِذَلِكَ عِلْمٌ أَصْلًا وَلا لِآبائِهِمْ عِلْمٌ، بَلْ كَانُوا فِي زَعْمِهِمْ هَذَا عَلَى ضَلَالَةٍ ، وَقَلَّدَهُمْ أَبْنَاؤُهُمْ ؛ فَضَلُّوا جَمِيعًا "

انتهى من "فتح القدير" (3/ 320).

وقد نص أهل العلم على أن المراد بالآباء هنا : الآباء الذين قالوا هذه المقولة الفاسدة ، فأخذها عنهم الأبناء :

فقال ابن عطية رحمه الله :

" قوله ( وَلا لِآبائِهِمْ ) يريد : الذين أخذ هؤلاء هذه المقالة عنهم "
.
انتهى من"تفسير ابن عطية" (3/ 495) .

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :

" (وَلا لِآبَائِهِمْ) الذين قالوا مثل قولهم ، ليس لهم في ذلك علم ، ليسَ هناك إلاّ أوهام ظنوها حقائق ، وهي ليست علوماً "

انتهى من " تفسير العثيمين" ، سورة الكهف (ص 13) .

وقال ابن عاشور رحمه الله :

" كَانُوا يَقُولُونَ (إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ) الزخرف/ 23 ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِآبَائِهِمْ حُجَّةٌ عَلَى مَا يَقُولُونَ ، فَلَيْسُوا جَدِيرِينَ بِأَنْ يُقَلِّدُوهُمْ " .

انتهى من " التحرير والتنوير "(15/ 251)

وأما الآباء الذين لا يقولون هذه المقولة الفاسدة ، وإنما يؤمنون بالله ، ويوحدونه : فهؤلاء غير مقصودين بهذه الآية .
فمن كان من الموحدين ، وكان له ابن قد ارتد عن الإسلام واعتنق النصرانية

وصار يقول بأن المسيح ابن الله ، فهذا الأب الموحد لا يلام ولا يذم ، ولا ينفى عنه العلم بسبب ما فعله ابنه ، بل كل إنسان يذم أو يمدح بناء على ما فعله هو ، لا ما فعله غيره .

وقد روى أبو داود (4495) عَنْ أَبِي رِمْثَةَ، قَالَ:

" انْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي نَحْوَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

قَالَ لِأَبِي: ( ابْنُكَ هَذَا؟ ) قَالَ: إِي وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، قَالَ: (حَقًّا؟)

قَالَ: أَشْهَدُ بِهِ، قَالَ: فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَاحِكًا مِنْ ثَبْتِ شَبَهِي فِي أَبِي

وَمِنْ حَلِفِ أَبِي عَلَيَّ ، ثُمَّ قَالَ: (أَمَا إِنَّهُ لَا يَجْنِي عَلَيْكَ، وَلَا تَجْنِي عَلَيْهِ) ، وَقَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) " وصححه الألباني في "صحيح أبي داود" .

قال القاري رحمه الله :

"مرقاة المفاتيح" (6/ 2272)

" (لَا يَجْنِي عَلَيْكَ) أي : لَا تُؤَاخَذُ بِذَنْبِهِ ( وَلَا تَجْنِي عَلَيْهِ ) أَيْ: لَا يُؤَاخَذُ بِذَنْبِكَ " انتهى .

وقال العيني رحمه الله :

" فَأعْلم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ، مثل مَا أعلم الله ، من أَن جِنَايَة كل امرىء عَلَيْهِ ، كَمَا أن عمله له لَا لغيره "

انتهى من "عمدة القاري" (8/ 79) .

والله تعالى أعلم .

و اخيرا

الحمد لله الذي بفضلة تتم الصالحات

اخوة الاسلام

اكتفي بهذا القدر و لنا عوده
ان قدر الله لنا البقاء و اللقاء

و اسال الله ان يجمعني بكم دائما
علي خير

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين

*عبدالرحمن*
2019-01-30, 13:54
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)
اخوة الاسلام

أحييكم بتحية الإسلام
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)


كيف يقول العلماء إن النور انعكاس الضوء في حين أن الله نور؟

السؤال

أنا مهتمٌ بالإسلام ، ولكني في حيرةٍ من أمري ؛ لأن الله يقول: إن القمر نور، فكيف يقول العلماء إن النور هو انعكاس الضوء ، في حين أنّ الله نور

أرجو المساعدة ، فأنا متلهفٌ لمعرفة الإسلام ؟

الجواب

الحمد لله

كثيرا ما ترد الحيرة على الباحث بسبب الاقتصار على جزء من المعلومة

ونقص المعرفة بالأجزاء الأخرى المهمة منها، التي ينبني عليها تأثير كبير في فهم الفكرة والموضوع، لذلك كان جمع المعلومات، والتحقق منها، من أهم خطوات المنهجية العلمية السليمة.

واستشكال وجه كون النور صفة لله عز وجل، رغم أنه انعكاس للضوء، وليس نورا ذاتيا، هو مثال مهم على ما ندعو إليه دائما، من التأمل والتأني قبل التصديق بالشبهات. ونحن نبين خطأ هذا الاستشكال هنا من أوجه عديدة:

أولا:

أكثر علماء اللغة والتفسير لا يقر بأن النور هو انعكاس عارض للضوء، وليس نورا ذاتيا، ويقولون إن هذا التعريف إنما هو عرف عن الفلاسفة والحكماء المشتغلين بعلوم الفلك والطبيعة

أما اللغة والقرآن فليس فيهما ما يدل على هذا التعريف، فلا يرد الإشكال أصلا بناء عليه. خاصة وقد قال كثير من أهل اللغة – كابن السِّكِّيت

بأن النور والضياء مترادفان، ولا يعرف التفريق بينهما في أصل اللغة

. وما وقع في القرآن الكريم من إطلاق الضياء للشمس، والنور للقمر، إنما وقع من باب تنويع العبارة، وتفنن الإشارة بالمترادفات، وهذا شائع في اللغة العربية، والقرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين.

يقول أبو هلال العسكري رحمه الله:

"الفرق بين الضياء والنور: هما مترادفان لغة"

انتهى من "معجم الفروق اللغوية" (ص: 332).

ويقول ابن أبي الحديد:

"فنقول له: لم قلت إن الضوء نور وزيادة. أَمِن كتب اللغة أخذت هذا. أم من غيرها. فقد تصفحنا كتب اللغة فلم نجد ما نشاهده بما ذكرت، ولا الاصطلاح مساعد لك في عرف الناس ومواضعاتهم.

وإذا لم يكن موجودا في أصل اللغة، ولا الاصطلاح العرفي، لم يجز لك أن تحمل كلام الله تعالى عليه، وتُفسِّره به.
وقد قال ابن السكيت في كتاب إصلاح المنطق

-وهو عين الكتب اللغوية، ومصنفه إمام الناس كلهم في اللغة، ومن لا يختلف اثنان في كتبه- في باب فعل وفعل باختلاف المعنى: النور: الضياء.

[ فقد جعلهما ] شيئا واحدا.

وليس في قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا) ما يدل على اختلاف المعنيين، ولا قوله: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) ما يدل على اختلاف المعنيين" .

انتهى من "الفلك الدائر على المثل السائر" (4/ 233) .

ثانيا:

ثم إن كثيرا من اللغويين والمفسرين يقولون إن النور لا يصحبه إحراق ولا أذى، وإنما هو الإشراق النقي الذي يضيء ما حوله، سواء بالنور الحسي أم المعنوي، ولهذا كان الأنسب أن يوصف الله عز وجل بأنه "نور

" كما يليق بجلاله من غير تشبيه، وليس بأنه "ضياء"، ورفضوا – بطبيعة الحال – القول بأن النور انعكاس للضوء، مستمد من غيره.

يقول السمرقندي رحمه الله:

"جعل الشمس ضياء مع الحر، والقمر نوراً بلا حر"

انتهى من " بحر العلوم" (2/ 104) .

ويقول ابن تيمية رحمه الله:

"ولفظ الضياء والنور ونحو ذلك ، يراد به الشيء بنفسه المستنير، كالشمس والقمر وكالنار

قال تعالى: (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا) [يونس: 5]

وقال: (وجعلنا سراجا وهاجا) [النبأ: 13] وسمى سبحانه الشمس سراجا وضياء

لأن فيها مع الإنارة والإشراق تسخينا وإحراقا، فهي بالنار أشبه، بخلاف القمر، فإنه ليس فيه مع الإنارة تسخين، فلهذا قال: (جعل الشمس ضياء والقمر نورا) [يونس: 5]

والمقصود هنا، أن لفظ الضياء والنور ونحو ذلك يراد به الشيء المستنير المضيء القائم بنفسه، كالشمس

والقمر والنار، ويراد به الشعاع الذي يحصل بسبب ذلك في الهواء والأرض، وهذا الثاني عرض قائم بغيره ليس هو الأول، ولا صفة قائمة بالأول، ولكنه حادث بسببه" .

انتهى من "الجواب الصحيح" (4/ 368) .

ويقول ابن رجب رحمه الله:

"الضياء: هو النور الذي يحصل فيه نوع حرارة وإحراق، كضياء الشمس، بخلاف القمر، فإنه نور محض، فيه إشراق بغير إحراق، قال الله عز وجل: (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا) [يونس: 5] [يونس: 5]

ومن هنا وصف الله شريعة موسى بأنها ضياء، كما قال: (ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين) [الأنبياء: 48] [الأنبياء: 48]، وإن كان قد ذكر أن في التوراة نورا كما قال:

(إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور) [المائدة: 44] [المائدة: 44]، ولكن الغالب على شريعتهم الضياء، لما فيها من الآصار والأغلال والأثقال.

ووصف شريعة محمد صلى الله عليه وسلم بأنها نور؛ لما فيها من الحنيفية السمحة، قال الله تعالى: (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين) [المائدة: 15].

وقال: (واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون) [الأعراف: 157]. ولما كان الصبر شاقا على النفوس، يحتاج إلى مجاهدة النفس وحبسها وكفها عما تهواه، كان ضياء" .

انتهى من "جامع العلوم والحكم" (2/ 24).

*عبدالرحمن*
2019-01-30, 13:55
ثالثا:

مِن العلماء مَن يقرر أن النور هو أصل الضوء ومبدؤه ، فناسب أن يوصف الله عز وجل بأنه النور؛ لأنه المتصف بذاته بصفات الكمال من غير إحداث ولا إيجاد موجد، ولأنه الخالق الموجد لنور الكون وضيائه المنتشر.

يقول السهيلي رحمه الله – معلقا على شطر من الشعر: يظهر في البلاد ضياء نور -:

"هذا البيت يوضح لك معنى النور ومعنى الضياء، وأن الضياء هو المنتشر عن النور، وأن النور هو الأصل للضوء، ومنه مبدؤه، وعنه يصدر

وفي التنزيل: (فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم) [البقرة: 17]

. وفيه: (جعل الشمس ضياء والقمر نورا) [يونس: 5] لأن نور القمر لا ينتشر عنه من الضياء ما ينتشر من الشمس، [و] لا سيما في طرفي الشهر. وفي الصحيح: (الصلاة نور، والصبر ضياء)

وذلك أن الصلاة هي عمود الإسلام، وهي ذكر وقرآن، وهي تنهى عن الفحشاء والمنكر، فالصبر عن المنكرات ، والصبر على الطاعات : هو الضياء الصادر عن هذا النور، الذي هو القرآن

والذكر. وفي أسماء الباري سبحانه: (الله نور السماوات والأرض) [النور 35] ولا يجوز أن يكون الضياء من أسمائه سبحانه"

نتهى من "الروض الأنف" (2/164).

رابعا:

حتى لو قلنا بقول الحكماء والفلاسفة بأن النور هو انعكاس الضوء، وأنه عرضي وليس ذاتيا متولدا من نفسه، فهذا إطلاق على المخلوق الناقص، وليس على الخالق الكامل جل وعلا، وكلمة "النور"، تتفاوت دلالتها

ويختلف إطلاقها في اللغة العربية بحسب سياقها وما أضيفت إليه، فنور الوجه مثلا ليس كنور القمر من حيث السطوع والإشراق، ونور العلم والعقل ليس كنور الحس والضوء

فالأول معنوي والثاني مرئي. ونور المصباح ليس كنور الشمعة قوة ووضوحا.

ونور الخالق صفة كمال لا تحتمل النقص بوجه من الوجوه، فلا تحتمل أبدا ما يطرأ على النور الكوني المخلوق

من كونه انعكاسا، أو عرضيا، أو ضعيفا، بل هو نور تام كامل غير مخلوق ولا ناقص، يليق بكمال الله وجلاله. ولا يليق أن يقارن "النور" الكوني، بـ"النور الإلهي".

قال الإمام ابن القيم رحمه الله :

" فيا عجبا لكم: أنكرتم أن يكون الله سبحانه نور السماوات والأرض حقيقة، وأن يكون لوجهه نور حقيقة

ثم جعلتم نور الشمس والقمر والمصابيح نوره حقيقة، وقد علم الناس بالضرورة فساد هذا، وأن نوره المضاف إليه يختص به لا يقوم بغيره، فإن نور المصباح قام بالفتيلة منبسطا على السقوف والجدران

وليس ذلك هو نور الرب تعالى الذي هو نور ذاته ووجهه الأعلى، بل ذلك هو المضاف إليه حقيقة، كما أن نور الشمس والقمر والمصابيح مضاف إليها حقيقة

قال تعالى: هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا [يونس: 5] وقال تعالى: وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا [الفرقان: 61] وقال تعالى: الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور [الأنعام: 1] .

فهذا نور مخلوق قائم بجرم مخلوق لا يسمى به الرب تعالى ولا يوصف به ولا يضاف إليه إلا على جهة أنه مخلوق له ، مجعول ، لا على أنه وصف له قائم به .

فالتسوية بين هذا وبين نور وجهه الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة واستعاذ به العائذون : من أبطل الباطل. "

انتهى من "مختصر الصواعق المرسلة" (424) .

وقد كان أحد أهم أسباب ضلال الفرق في باب الأسماء والصفات : أنهم لم يميزوا بين ما يضاف لله

وما يضاف للخالق ، ولم يفقهوا الفرق بين الحقائق المختلفة ، التي يطلق عليها اسم واحد ، مشترك الدلالة على جميعها ، في الوضع اللغوي .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

" قد قيل أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء وأمثالها مما كثر فيه تنازع الناس بالنفي والإثبات .. "

انتهى من "مجموع الفتاوى" (7/664) .

ومعلوم أن الكلمة في اللغة العربية تطلق باعتبارات عديدة ، وبمعان متفاوتة، ولا تفهم –

في جميع مواردها – بمعنى واحد متساو في الدلالة ، هذا من المعلومات الأساسية في فهم اللغات عامة، واللغة العربية خاصة. فكلمة الظلمة تطلق على ظلمة أول الليل

وعلى ظلمة منتصف الليل، ولكن الظلمة الأولى ليست كالظلمة الأخرى ، والظلمة في ليلة البدر ليست كالظلمة في غياب القمر، رغم أنها كلمة واحدة هي "الظلام"، ولكنها تتفاوت في المعنى من حيث القوة والضعف.

وكلمة "رب" أيضا تطلق على "رب الأسرة"، الذي هو القيم على شؤونها ورعايتها والإنفاق عليها، وتطلق على الله الخالق جل وعلا؛ الذي هو رب كل شيء ومليكه

فهي كلمة واحدة، ولكن يتفاوت مضمونها بحسب ما تطلق عليه من السياق والمقصد ، وهكذا وصف الله بأنه "نور السماوات والأرض"

لا يجوز أن يظن به أنه كنور القمر أو أي من أنوار الكون المخلوقة، بل هو سبحانه وتعالى متصف بالنور الكامل الذي ليس كمثله شيء، وليس فيه نقص بوجه من الوجوه، وصفات الله تعالى كلها صفات كمال وجلال تليق بجلاله.

ولهذا كان الواجب على الناظر في مثل هذه المقامات : أن يكون على بينة من لسان العرب ، وعلم بطرائق أهله في التعابير ، وما قد يدخل بعد ذلك من الاصطلاحات ، ومواضعات العلوم .

قال شيخ الإسلام رحمه الله :

"معرفة اللغات والعرف الذي يخاطب بها كل مخاطب : من أهم ما ينبغي الاعتناء به في فهم كلام المتكلمين

وتفسيره وتأويله ومعرفة المراد ؛ به فإن اللغة الواحدة تشتمل على لغة أصلية ، وعلى أنواع من الاصطلاحات الطارئة ، الخاصة والعامة .

فمن اعتاد المخاطبة ببعض تلك الاصطلاحات يعتقد أن ذلك الاصطلاح هو اصطلاح أهل اللغة نفسها ، فيحمل عليه كلام أهلها ، فيقع في هذا غلط عظيم .

وقد قيل أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء .

فعلينا أن نعرف لغة النبي صلى الله عليه وسلم التي كان يخاطب بها ، خصوصًا ؛ فإنها هي الطريق إلى معرفة كلامه ومعناه ، حتى إن بين لغة قريش وغيرهم فروقًا ، من لم يعرفها ، فقد يغلط في ذلك "

انتهى من "بيان تلبيس الجهمية" (7/400) .

وأخيرا ثمة أوجه أخرى في الجواب، ذكرها العلماء في مطولات كتب التفسير والحديث والعقائد، لم نشأ الإطالة بها على السائل كي لا يخرج الجواب عن حد القصد والاعتدال.

والعبرة التي نحث على الخروج بها دائما في مثل هذه القضايا، هي ضرورة بذل الباحث جهده في لملمة أطراف الموضوع ، وتجنب الاغترار بنقل واحد أو بالفكرة الواحدة

فالعلاج دائما في التكاملية التي تكشف لنا حقائق اللغة ، وروائع البيان، ونستبين من خلالها أن أسباب الحيرة والاشتباه لا مكان لها في عقل البحث الواعي والمنفتح .

والله أعلم.

*عبدالرحمن*
2019-01-30, 13:59
هل يوجد صنف من الملائكة لم يؤمروا بالسجود لآدم ؟

السؤال

هل هناك ملائكة أخرى لم تؤمر بالسجود كما يشاع ؟

وما معنى كنت من العالين ؟

الجواب

الحمد لله

أمر الله عز وجل جميع الملائكة بالسجود لآدم عليه السلام ، وهذا الأمر واضح بيّن في كتاب الله سبحانه وتعالى ، وهو مؤكد في مواضع عديدة من القرآن ، قال تعالى ( فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ) الحجر/30 .

ومما يؤثر عن بعض المتصوفة والفلاسفة ، أنهم قالوا : لم يسجد جميع الملائكة لآدم ، بل إن هناك نوعا من الملائكة "مهيّمين" في ذات الله تعالى ، "مُغَيَّبين" عن شهود سوى ذات الله ، لم يشملهم الأمر بالسجود .

وقد زعم هؤلاء أن القرآن أشار إلى ذلك بقوله ( أم كنت من العالين ) ، يشير به إلى الملائكة أصحاب الدرجات العالية ، الذين لم يؤمروا بذلك – كما يزعمون - .

ولا شك أن هذا غلط ظاهر ، وخروج بنظم القرآن عن وجهه ، وبسياق قصة آدم ، عليه السلام ، وسجود الملائكة له ، عن مقتضاها .

وبطلان هذا القول ، من نفس النظم ، وسياق الآيات من وجوه :

أولها : "الـ" التي هي لاستغراق الجنس ، في قوله (فسجد الملائكة) .

ثانيها : التوكيد بلفظة "كلهم" .

ثالثها : توكيد التوكيد بلفظة "أجمعون" .

وعلى ذلك ؛ الآية في قصة آدم : استفهام مفاده توبيخ إبليس لتكبره وتعاليه عن السجود وامتثال أمر الله، وهو لا يخلو : إما أن يكون كبرا اعتراه تلك الساعة ، أو أنه ذو كبر وعلو سابق.

قال الطبري :

" يقول لإبليس: تعظَّمْتَ عن السجود لآدم، فتركتَ السجود له استكبارا عليه، ولم تكن من المتكبرين العالين قبل ذلك ؟

( أم كنت من العالين ) يقول: أم كنت كذلك من قبل ، ذا علو وتكبر على ربك" انتهى "تفسير الطبري" (21/239) .

وقال الزركشي :

" قوله: كلهم يُفِيدُ الشُّمُولَ وَالْإِحَاطَةَ ؛ فَلَا بُدَّ أَنْ يُفِيدَ: أَجْمَعُونَ قَدْرًا زَائِدًا عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ اجْتِمَاعُهُمْ في السجود .

هذا في اللفظ.

وَأَمَّا الْمَعْنَى : فَلِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَمْ تَكُنْ لِيَتَخَلَّفَ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنِ امْتِثَالِ الْأَمْرِ

وَلَا يَتَأَخَّرُ عنده ، ولاسيما وَقَدْ وُقِّتَ لَهُمْ بِوَقْتٍ ، وَحُدَّ لَهُمْ بِحَدٍّ ، وَهُوَ التَّسْوِيَةُ وَنَفْخِ الرُّوحِ . فَلَمَّا حَصَلَ ذَلِكَ سَجَدُوا كُلُّهُمْ ، عَنْ آخِرِهِمْ ، فِي آنٍ وَاحِدٍ ، وَلَمْ يَتَخَلَّفْ مِنْهُمْ أَحَدٌ .

فَعَلَى هَذَا يُخَرِّجُ كَلَامَ الْمُبَرِّدِ الزَّمَخْشَرِيُّ .

وَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ : أَنَّ السُّجُودَ لَمْ يُسْتَعْمَلْ عَلَى (الْكُلِّ) ، بدليل قوله: أستكبرت أم كنت من العالين = مَرْدُودٌ ، بَلْ : الْعَالُونَ : الْمُتَكَبِّرُونَ .

وَفِي رَسَائِلِ إِخْوَانِ الصَّفَاءِ : أَنَّ الْعَالِينَ هُمُ الْعُقُولُ الْعَاقَّلةُ الَّتِي لَمْ تَسْجُدُ .

وَهَذَا تَحْرِيفٌ . وَلَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى إِثْبَاتِ الْعُقُولِ الَّتِي تَدَّعِيهَا الْفَلَاسِفَةُ" انتهى من "البرهان في علوم القرآن" (2/388) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية :

" رُوِيَ عَنْ بَعْضِ الْأَوَّلِينَ: أَنَّ الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ سَجَدُوا لِآدَمَ : مَلَائِكَةٌ فِي الْأَرْضِ فَقَطْ؛ لَا مَلَائِكَةُ السَّمَوَاتِ.

وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: مَلَائِكَةُ السَّمَوَاتِ ، دُونَ الكروبيين .

وَانْتَحَى ذَلِكَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ ، وَاسْتَنْكَرَ سُجُودَ الْأَعْلَيْن مِنْ الْمَلَائِكَةِ لِآدَمَ ، مَعَ عَدَمِ الْتِفَاتِهِمْ إلَى مَا سِوَى اللَّهِ ؟

وَرَوَوْا فِي ذَلِكَ: " إنَّ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ خَلْقا ، لَا يَدْرُونَ: أَخُلِقَ آدَمَ أَمْ لَا "؟

وَنَزَعَ بِقَوْلِهِ: أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ ؛ وَالْعَالُونَ هُمْ مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ ، وَمَلَائِكَةُ السَّمَاءِ لَمْ يُؤْمَرُوا بِالسُّجُودِ لِآدَمَ ؟ " .

ثم قال شيخ الإسلام رحمه الله :

" فَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَقَالَةَ، أَوَّلًا : لَيْسَ مَعَهَا مَا يُوجِبُ قَبُولَهَا؛ لَا مَسْمُوعٌ وَلَا مَعْقُولٌ ، إلَّا خَوَاطِرُ وَسَوَانِحُ وَوَسَاوِسُ مَادَّتُهَا مِنْ عَرْشِ إبْلِيسَ ، يَسْتَفِزُّهُمْ بِصَوْتِهِ ، لِيَرُدَّ عَنْهُمْ النِّعْمَةَ الَّتِي حَرَصَ عَلَى رَدِّهَا عَنْ أَبِيهِمْ قَدِيمًا .

أَوْ : مَقَالَةٌ قَدْ قَالَهَا مَنْ يَقُولُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ؛ لَكِنَّ مَعَنَا مَا يُوجِبُ رَدَّهَا مِنْ وُجُوهٍ.

أَحَدُهَا: أَنَّهُ خِلَافَ مَا عَلَيْهِ الْعَامَّةُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ؛ وَإِذَا كَانَ لَا بُدَّ مِنْ التَّقْلِيدِ ، فَتَقْلِيدُهُمْ أَوْلَى.

وَثَانِيهَا: أَنَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ ، وَخِلَافُ نَصِّهِ .

فَإِنَّ الِاسْمَ الْمَجْمُوعَ الْمُعَرَّفَ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ : يُوجِبُ اسْتِيعَابَ الْجِنْسِ ؛ قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ)

فَسُجُودُ الْمَلَائِكَةِ يَقْتَضِي جَمِيعَ الْمَلَائِكَةِ . هَذَا مُقْتَضَى اللِّسَانِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ الْقُرْآنُ ؛ فَالْعُدُولُ عَنْ مُوجِبِ الْقَوْلِ الْعَامِّ إلَى الْخُصُوصِ : لَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ يَصْلُحُ لَهُ ، وَهُوَ مَعْدُومٌ.

وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ قَالَ: (فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ) ؛ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ الِاسْمُ الْأَوَّلُ يَقْتَضِي الِاسْتِيعَابَ وَالِاسْتِغْرَاقَ ، لَكَانَ تَوْكِيدُهُ بِصِيغَةِ (كُلّ) : مُوجِبَةً لِذَلِكَ ، وَمُقْتَضِيَةً لَهُ .

ثُمَّ ، لَوْ لَمْ يُفِدْ تِلْكَ الْإِفَادَةَ ، لَكَانَ قَوْلُهُ (أَجْمَعُونَ) تَوْكِيدًا وَتَحْقِيقًا ، بَعْدَ تَوْكِيدٍ وَتَحْقِيقٍ .

وَمَنْ نَازَعَ فِي مُوجِبِ الْأَسْمَاءِ الْعَامَّةِ ، فَإِنَّهُ لَا يُنَازِعُ فِيهَا بَعْدَ تَوْكِيدِهَا بِمَا يُفِيدُ الْعُمُومَ ، بَلْ إنَّمَا يُجَاءُ بِصِيغَةِ التَّوْكِيدِ ، قَطْعًا لِاحْتِمَالِ الْخُصُوصِ وَأَشْبَاهِهِ.

وَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ بَعْضِ السَّلَف أَنَّهُ قَالَ: مَا ابْتَدَعَ قَوْمٌ بِدْعَةً ، إلَّا فِي الْقُرْآنِ مَا يَرُدُّهَا ، وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ .

فَلَعَلَّ قَوْلَهُ: كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ : جِيءَ بِهِ لِزَعْمِ زَاعِمٍ يَقُولُ: إنَّمَا سَجَدَ لَهُ بَعْضُ الْمَلَائِكَةِ ، لَا كُلُّهُمْ ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ رَدًّا لِمَقَالَةِ هَؤُلَاءِ.

وَمَنْ اخْتَلَجَ فِي سِرِّهِ وَجْهَ الْخُصُوصِ بَعْدَ هَذَا التَّحْقِيقِ وَالتَّوْكِيدِ فَلْيَعُزْ نَفْسَهُ فِي الِاسْتِدْلَالِ

بِالْقُرْآنِ وَالْفَهْمِ فَإِنَّهُ لَا يَثِقُ بِشَيْءِ يُؤْخَذُ مِنْهُ يَا لَيْتَ شِعْرِي لَوْ كَانَتْ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ سَجَدُوا وَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُخْبِرَنَا بِذَلِكَ فَأَيُّ كَلِمَةٍ أَتَمُّ وَأَعَمُّ أَمْ يَأْتِي قَوْلٌ يُقَالُ: أَلَيْسَ هَذَا مِنْ أَبْيَنِ الْبَيَانِ؟ .

وَرَابِعُهَا: أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ تَكَرَّرَتْ فِي الْقُرْآنِ ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ (وَأَسْجَدَ لَك مَلَائِكَتَهُ) ، وَكَذَلِكَ فِي مُحَاجَّةِ مُوسَى وَآدَمَ..

. ؛ فَيَجِبُ الْقَوْلُ بِالْعُمُومِ وَإِذَا كَانَتْ الْقِصَّةُ قَدْ تَكَرَّرَتْ وَلَيْسَ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى الْخُصُوصِ فَلَيْسَ دَعْوَى الْخُصُوصِ فِيهَا مِنْ الْبُهْتَانِ.

وَأَمَّا إنْكَارُهُمْ لِسُجُودِ (الكروبيين) فَلَيْسَ بِشَيْءِ ؛ لِأَنَّهُمْ سَجَدُوا طَاعَةً وَعِبَادَةً لِرَبِّهِمْ .

وَزَادَ قَائِلُ ذَلِكَ : أَنَّهُمْ أَفْضَلُ مِنْ آدَمَ ، إذَا ثَبَتَ أَنَّهُمْ لَمْ يَسْجُدُوا .

وَالْحِكَايَاتُ الْمُرْسَلَةُ : لَا تُقِيمُ حَقًّا ، وَلَا تَهْدِمُ بَاطِلًا !!

وَتَفْسِيرُهُمْ الْعَالِينَ بالكروبيين : قَوْلٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِلَا عِلْمٍ ، وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ عَنْ إمَامٍ مُتَّبَعٍ. وَلَا فِي اللَّفْظِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ ...

انتهى ، من "مجموع الفتاوى" (4/361) .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-01-30, 14:29
تخيير زوجات النبي صلى الله عليه وسلم كان في العام التاسع وكان منهن زينب رضي الله عنها

السؤال

كنت أقرأ في تفسير آية سورة الأحزاب حيث خيّر النبي صلى الله عليه وسلم أزواجه بين البقاء أو المفارقة. وقد قرأت ذلك في النت، في تفسير ابن كثير وتفسير آخر لا أتذكر اسمه.

وذكر ابن كثير أن النبي صلى الله عليه وسلم خيّر زوجاته التسع آنذاك ومنهن زينب بنت جحش. أما التفسير الأخر فقال أنهن كنّ أربع زوجات فقط.. فأيهما أيصح؟ على أني بالطبع أميل إلى تفسير ابن كثير

. لكن إذا قلنا بقوله فكيف نوفق بين هذه الآية والآيات التي تليها والتي يأمر فيها الله نبيه بالزواج من زينب؟

إذ كيف يمكن لزينب أن تكون من التسع النسوة التي خيّرهن رسول الله بين البقاء أو الفراق ثم يأمره في الآية التي تليها بالزواج منها؟

الجواب

الحمد لله

تخيير النبي صلى الله عليه وسلم لزوجاته جاء في قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ

إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا) الأحزاب/28، 29

وروى البخاري (4786) ومسلم (1475) أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَتْ لَمَّا أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَخْيِيرِ أَزْوَاجِهِ بَدَأَ بِي

فَقَالَ: إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا فَلاَ عَلَيْكِ أَنْ لاَ تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ قَالَتْ: وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ، قَالَتْ: ثُمَّ قَالَ:

" إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا [الأحزاب: 28]

إِلَى أَجْرًا عَظِيمًا [النساء: 40] " قَالَتْ: فَقُلْتُ: فَفِي أَيِّ هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ، فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ، قَالَتْ: ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ مَا فَعَلْتُ.

وسبب التخيير: هو سؤالهن التوسع في النفقة .

والذي عليه جمهور المفسرين أن زوجاته اللائي خيرن في هذه الآية : تسع.

قال ابن كثير رحمه الله: " هذا أمر من الله لرسوله، صلوات الله وسلامه عليه ، بأن يخير نساءه بين أن يفارقهن، فيذهبن إلى غيره ممن يحصل لهن عنده الحياة الدنيا وزينتها، وبين الصبر على ما عنده من ضيق الحال

ولهن عند الله في ذلك الثواب الجزيل، فاخترن رضي الله عنهن وأرضاهن الله ورسوله والدار الآخرة، فجمع الله لهن بعد ذلك بين خير الدنيا وسعادة الآخرة...

قال عكرمة: وكان تحته يومئذ تسع نسوة، خمس من قريش: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة، وسودة، وأم سلمة

وكانت تحته صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيي النضرية، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وزينب بنت جحش الأسدية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية، رضي الله عنهن وأرضاهن"

انتهى من تفسير ابن كثير (6/ 401).

وينظر: تفسير ابن عطية (4/ 381)

محاسن التأويل للقاسمي (8/ 65)

التفسير المنير للزحيلي (21/ 290).

وخالف في ذلك أبو بكر بن العربي رحمه الله فقال: إن المخيَّرات أربع فقط.

قال رحمه الله:

" كان للنبي - صلى الله عليه وسلم -

أزواج كثيرة بيناها في شرح الصحيحين، والحاضر الآن أنه كان له سبع عشرة زوجة، عقد على خمس، وبنى باثنتي عشرة، ومات عن تسع، وذلك مذكور في كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم -.

المخير منهن أربع:

الأولى: سودة بنت زمعة، تجتمع مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في لؤي.

الثانية: عائشة بنت أبي بكر، تجتمع مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في الأب الثامن.

الثالث: حفصة بنت عمر بن الخطاب، تجتمع مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الأب التاسع.

الرابعة: أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، تجتمع مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الأب السابع.

وذكر جماعة [من المفسرين] أن المخيرات من أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - تسع، وذكر النقاش أن أم حبيبة وزينب ممن سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - النفقة، ونزل لأجلهن آية التخيير.

وهذا كله خطأ عظيم؛ فإن في الصحيح كما قدمنا أن عمر قال في الحديث المتقدم:

فدخلت على عائشة قبل أن ينزل الحجاب؛ وإنما نزل الحجاب في وليمة زينب، وكذلك إنما زوج أم حبيبة من النبي - صلى الله عليه وسلم - النجاشي باليمن، وهو أصدق عنه، فأرسل بها إليه من اليمن، وذلك سنة ست.

وأما الكلابية المذكورة فلم يبن بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

ويقال: إن أباها زوجها منه، وقال له: إنها لم تمرض قط، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ما لهذه قدر عند الله، فطلقها ولم يبن بها، وقول ابن شهاب: إنها كانت بدوية، فاختارت نفسها لم يصح. وقول ربيعة:

إنها كانت البتة : لم يثبت ، وإنما بناه من بناه على أن مذهب ربيعة في التخيير بتات، ويأتي بيانه إن شاء الله عز وجل" انتهى من أحكام القرآن (3/ 556).

والذي في صحيح مسلم (195) قول عمر رضي الله عنه: (وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرْنَ بِالْحِجَابِ).

وقد بين الحافظ ابن حجر رحمه الله أن هذه الجملة غلط من الراوي، وأن الحجاب كانت سنة أربع أو خمس في زواج زينب بنت جحش، وأما التخيير فكان سنة تسع.

قال رحمه الله: " قوله: "فصليت صلاة الفجر مع النبي صلى الله عليه وسلم" في رواية سماك: "دخلت المسجد فإذا الناس ينكثون الحصا ، ويقولون طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه ، وذلك قبل أن يؤمرن بالحجاب" .

كذا في هذه الرواية ، وهو غلط بين؛ فإن نزول الحجاب كان في أول زواج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش ، كما تقدم بيانه واضحا في تفسير سورة الأحزاب، وهذه القصة كانت سبب نزول آية التخيير

وكانت زينب بنت جحش فيمن خُير، وقد تقدم ذكر عمر لها في قوله: "ولا حسن زينب بنت جحش" . وسيأتي بعد ثمانية أبواب من طريق أبي الضحى عن ابن عباس

قال: "أصبحنا يوما ونساء النبي صلى الله عليه وسلم يبكين فخرجت إلى المسجد ، فجاء عمر ، فصعد إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في غرفة له" فذكر هذه القصة مختصرا.

فحضور ابن عباس ، ومشاهدته لذلك : يقتضي تأخر هذه القصة عن الحجاب؛ فإن بين الحجاب وانتقال

ابن عباس إلى المدينة مع أبويه : نحو أربع سنين؛ لأنهم قدموا بعد فتح مكة، فآية التخيير على هذا نزلت سنة تسع؛ لأن الفتح كان سنة ثمان، والحجاب كان سنة أربع أو خمس...

وأحسن محامله عندي أن يكون الراوي لما رأى قول عمر : إنه دخل على عائشة ، ظن أن ذلك كان قبل الحجاب، فجزم به .

لكن جوابه : أنه لا يلزم من الدخول ، رفع الحجاب ؛ فقد يدخل من الباب ، وتخاطبه من وراء الحجاب" انتهى من فتح الباري (9/ 285).

وذكر في الفتح (8/ 521) أيضا أن التخيير كان سنة تسع.

وذكر فيه (9/ 283) أن قول عمر: " إنه ليس لك مثل حظوة عائشة ، ولا حسن زينب ؛ يعني : بنت جحش" رواه ابن سعد.

وهذه الرواية تدل على أن زينب كانت زوجة لنبينا صلى الله عليه وسلم عند التخيير.

وقد ذكر جماعة من أهل السير أن قصة التخيير في السنة التاسعة.

منهم ابن حبان في "السيرة النبوية وأخبار الخلفاء" (1/ 360)، وبرهان الدين الحلبي في "السيرة الحلبية" 3/ 491)، الدكتور علي الصلابي في :السيرة النبوية" ص856

ولا إشكال في كون زواج النبي صلى الله عليه وسلم من زينب بنت جحش ذُكر في سورة الأحزاب

بعد آية التخيير، ولا يلزم من الترتيب في التلاوة ، على ما ذكر ، الترتيب الزمني في الوقوع، فقد يقع الأمر متقدما ويذكر في القرآن متأخرا عما وقع قبله .

وزواج النبي صلى الله عليه وسلم من زينب كان في السنة الخامسة. وأما التخيير فكان في التاسعة على ما تقدم.

والحاصل :

أن التخيير كان لزوجات النبي صلى الله عليه وسلم التسع، وكان متأخرا، بعد فتح مكة، وعلى هذا جمهور المفسرين.

والله أعلم.

*عبدالرحمن*
2019-01-30, 14:38
تتساءل لماذا تعاني المرأة أكثر من معاناة الرجل؟

السؤال

يراودني كثيرا سؤال: لماذا خُلقت المرأة ؟

فأرى أن حياتنا كلها مشقة وألم، فمنا مَن تبلغ في سن صغيرة، وتحرم مِن الطفولة، وتعيش باقي حياتها مع الألم شهريا، وترى شهريا كبيرا مِن الأذى والنجاسة، ووجب أن تتكيف مع هذا الأذى طوال حياتها، ثم تتزوج

لتبدأ رحلة جديدة من المشقة من آلام الجماع، ثم الحمل، والولادة، ومشقة التربية. يأتيني هاجس أني خلقت من أجل خدمة الرجل ومتعته، فأين أنا من الخلافة وإعمار الأرض. أم أن خليفة الأرض هو الرجل

والمرأة من وسائل التسخير له! فالله قادر أن يجعل عملية التكاثر في الأرض بدون آلام مستمرة. فلماذا خلقها بهذه المشقة لطرف واحد دون الآخر. أعرف أن أسئلتي غريبة، ولكن أريد لها جوابا يريح عقلي

ورجاء عدم الاتهام بأن هذا يدعو للإلحاد أو العلمانية - معاذ الله -. فأنا - والحمد لله - على قدر من الالتزام الديني أحسبه يبعدني عن هذه الشبهات.

الجواب

الحمد لله

غاية خلق المرأة ليست هي خدمة الرجل ومتعته، كما أن غاية خلق جنس الإنسان كله ليست هي الشقاء والنصب، فالإسلام يعلمنا أن الإنسان خلق حرا متعاليا عن العبودية الدنيوية

ليتجه بعبوديته كلها لله سبحانه، ويعرف لله عز وجل حق قدره، فيعمر الكون بالخير والصلاح

على أي نحو كان جنسه أو عرقه أو لونه أو هيئته، لا فرق بينهم إلا بالتقوى

والتقوى هي كل ما يحبه الله ويرضاه. يقول الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [الحجرات: 13]

ولو تحدث الناس كلهم بالمنطق الذي تتحدثين به ، يا أمة الله ، لفسدت كل الموازين والمعايير القيمية لهذا الخلق !!

فالفقير سيتحدث أنه مسخر للغني، والصغير سيتهم الكبير بتسخيره لمتعته وتزيين دنياه

والمريض سيتهم السليم بالاستئثار بما في الدنيا من نعيم دونه، والرجل سيتهم المرأة بأنه يكدح الليل والنهار، ويشقى في جميع سني عمره لتعيش سعيدة منعمة في منزلها، وتتفرغ لحاجاتها ومتعتها

والمرأة ستتهم الرجل بأنها تشقى لأجل راحته في بيته ورعاية ولده

وهكذا في دائرة لا تنتهي ولا تنقضي من "فوضى الاتهامات"، لينتقلوا بعدها إلى اتهام "الخالق" جل وعلا في حكمته ، وخبرته ، ورحمته ؛ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

في حين أن الفهم السليم لهذه العلاقات المتشابكة في الحياة هو أن الخلق يحتاج بعضهم إلى بعض، وقد خلقهم الله عز وجل في النقص والاحتياج، واستقل عز وجل بالصمدية والكمال .

ولكن هذه الحاجة إلى ما عند المخلوقات الأخرى لا تدل على "الغاية" من الخلق

ولا تكون أبدا تفسيرا لسبب الوجود وهدف الحياة، وإنما هي حاجة تنجيزية، غرضها الإعانة والمساعدة فحسب، وليس لها أبعاد غائية في تفسير علة الوجود.

كل ذلك تجدينه في قول الله عز وجل: وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [الزخرف: 32]

يقول ابن كثير رحمه الله:

"ثم قال تعالى مبينا أنه قد فاوت بين خلقه ، فيما أعطاهم من الأموال والأرزاق والعقول والفهوم، وغير ذلك من القوى الظاهرة والباطنة، فقال: نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات.

وقوله: ليتخذ بعضهم بعضا سخريا قيل: معناه ليُسَخِّر بعضهم بعضا في الأعمال، لاحتياج هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، قاله السدي وغيره. وقال قتادة والضحاك: ليملك بعضهم بعضا. وهو راجع إلى الأول.

ثم قال: ورحمت ربك خير مما يجمعون أي: رحمة الله بخلقه ، خير لهم مما بأيديهم من الأموال ومتاع الحياة الدنيا"

انتهى من "تفسير القرآن العظيم" (7/ 226)

فقوله سبحانه: (ورحمت ربك خير مما يجمعون) يذكّرنا بأن رحمة الله المتمثلة بما عنده ، هي المقصد الأساسي الذي خلقنا جميعا للعمل لأجله، رغم كون بعضنا يحتاج إلى الآخر في أسباب وجوده وبقائه وحياته.

والآيات الكريمات التي تحدثت عن الاستخلاف في الأرض ، لم تفرق بين ذكر وأنثى، ولم تفرق بين إنسان وآخر، ولا يجوز قصرها على آدم عليه السلام، بل تشمله جميع ذريته من بعده

وكذلك لا يجوز قصرها على الذكور دون الإناث، قال تعالى: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ

قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ [البقرة: 30]. وقال عز وجل: هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ [هود: 61].

وقال سبحانه: قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ [الأعراف: 129]

وحين خاطب النبي صلى الله عليه وسلم النساء خاطب ذواتهن المكلفة التي تحملت أمانة التكليف، وطلب منهن صدق الأداء وتمامه، فقال عليه الصلاة والسلام: (يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا - اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ

لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ لاَ أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لاَ أُغْنِي عَنْكِ

مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا) رواه البخاري (2753) ومسلم (204).

و قد تم نشر مطول حول هذا الامر بعنوان

المرأة ومكانتها في المجتمع

https://www.djelfa.info/vb/showthread.php?t=2164903

والله أعلم.

.

*عبدالرحمن*
2019-01-30, 14:46
اقتران السماوات والأرض في القرآن رغم التفاوت بينهما في الاتساع

السؤال

كيف نجيب على ما يلي : ذكر ربّنا في القرآن السّماوات والأرض مقترنين كثيرا وذكر أنّ الجنة عرضها كعرض السموات والأرض ويشعر المؤمن من هذه الآيات و كأنّ الأرض بالنسبة للسماء كالليل بالنسبة للنهار يعني نشعر

بوجود تقابل ، فالسماء يمسكها الله أن تقع على الأرض والجنة عرضها كعرض السموات والأرض و نحن نعلم يقينا أن الأرض بالنّسبة للسماء لاشيء

من حيث الحجم والسعة فإضافتها للسماء عند ذكر عرض الجنة كإضافة المعدوم فكيف نجيب على هذا الإشكال؟

الجواب

الحمد لله

من المسالك الواضحة في أسلوب القرآن الكريم الحجاجي، التوجه إلى المخاطبين بما يشاهدون ويبصرون من آيات الخلق والكون، كي تقوم الحجة بوضوح وظهور، بعيدا عن أي تعمية

سببها خروج الكلام عن الطاقة البشرية القاصرة، وخوضه في عوالم لا قدرة للعقل البشري – مرحليا ، أو مطلقا – أن يطلع عليها، فضلا عن أن يأخذ العظة والعبرة منها.

ولهذا تجد في القرآن الكريم التعرض لآيات الجبال، والسحاب، والنبات، والإبل، والطير، والماء، والدواب

ونحوها من المحيط الخارجي الذي يعيش فيه كل أحد؛ لأن المقصود هو هداية البشر جميعا، فلا بد أن يناسب الخطاب هؤلاء البشر، ويناسب ، أول ما يناسب : أولئك الأقوام الذين تنزّل عليهم القرآن الكريم أول ما تنزّل.

ومن هنا ندرك السبب الذي من أجله حضرت (الأرض) في الآيات القرآنية العديدة، فهي تمثل المكان الذي يعيش فيه هذا الإنسان الضعيف، يولد فيه، ويدفن في باطنه

ويقتات على خيراته، ويضرب في سبله وفجاجه، وهي بالنسبة إليه من السعة والإحاطة ما لا يقدر عليه إلى يومنا هذا. فهي – ولا شك –

أول ما سيدعو القرآن الكريم إلى التأمل فيها وفي علاقتها بالبشر، لتلمس ما تشتمل عليه من آيات وعِظات باهرات.

ولكنها – في الوقت نفسه – ليست المكان الوحيد لهذا الإنسان، فالسماء أيضا جزء من هذا المكان، تحيط بالإنسان من أعلى، والأرض من أسفل، مما يعني أن السماء والأرض "ثنائية" بالتأكيد، يمثلان

معا – المحيط الخارجي المكاني الذي قدر للإنسان العيش فيه، والتأثر بأطيافه

بل وقدر له أن يؤثر في مصيره ومآله، لما يشتمل عليه من حراك صاعد وهابط يجمع بين العالم العلوي والعالم السفلي، في منظومة خلق الله وأمره، ومنظومة أفعال العباد.

والمقصود هو بيان أن "ثنائية" (السماوات والأرض) ثنائية قطعية منطقية؛ لا يمكن الفصل بينهما بدعوى فارق الاتساع والإحاطة، فالثنائيات المتقابلة لا تنطوي بالضرورة على شروط التساوي أو التماثل أو التعادل

وإنما تنطوي بالتأكيد على كليات مترابطة أو متقابلة، ومقاصد ذات علاقات واضحة، يضرب الإنسان في التأمل فيها، والانتفاع بها كل سبيل.

يدلك على ذلك قول الله عز وجل: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ) [الأنعام: 1] فقد قرن كلا من (السماوات والأرض)

وأيضا (الظلمات والنور) اقتران تقابل وتثنية، بعيدا عن المقارنة بينهما من حيث الكبر والصغر، أو الكثرة والقلة، وإنما مقابلة بينهما في التأثير على هذا الإنسان الضعيف، وارتباطهما بأسباب عيشه وهدايته

فالسماوات والأرض تمثل المكان الذي يعيش فيه الإنسان، كل منهما يقدم له ظرفا أساسيا لصلاحية العيش في هذا الكوكب، وهو في المقابل

يرتبط بهما ارتباطا وثيقا لما تمثله هاتان الجهتان المتقابلتان من أساسه ومصيره ومقادير رزقه، فالأرض فيها عيشه وسكنه، وطعامه، وشرابه، بل وأصل خلقته، ومآله تحتها،

والسماء فيها هواؤه، وتقدير رزقه، وصحائف عمله، ومنتهى أمله، وفوق ذلك كله دينه وشريعته وكتابه المنزل من عند الله من فوق سبع سماوات.

وثمة ملحظ مهم أيضا في هذا السياق، وهو أن سعة السماء الفلكية أبعد عن الإنسان من الأرض ولا شك، وحينئذ فهو – في مشاهداته الظاهرية – لا يلمس الفرق بين الاتساعين، بل كأن اتساع السماء بالأرقام الفلكية المهولة

لا يعني له شيئا ، كما تعني له الأرض التي يعيش عليها ، وينتمي إليها، وهو إليها أقرب وأحوج من اتساع السماوات، والقرآن –

كما سبق بيانه - يخاطب الإنسان بما يشاهده ويلمسه ويقدر عليه أكثر من خطابه له عن العالم كما هو في ذاته، فناسب أن تكون "السماء والأرض" ثنائية – بهذا الاعتبار -.

ولو تأملنا في العديد من السياقات التي ورد فيها اقتران (السماوات والأرض) لوجدناها سياقات تدعو إلى التدبر والتأمل فيهما؛ ولا شك أن الإنسان في تأمله ما في الأرض :

أقدر وأقرب منه على تأمل ما في السماء، حتى في هذا الزمان الذي هو زمان تفجر العلم والتجربة، فإن التصاق البشرية بأرضها فجر فيها طاقاتها الكامنة أكثر مما تم في السماء .

ولهذا كان المتجه دائما إيراد (الأرض) في آيات التدبر والتأمل. وإيراد (السماء) أيضا لما فيها من آيات عظيمات

فناسب اقترانهما لأجل هذا السياق التدبري التأملي، الذي لا يعني بحال دعوى التساوي بين خلق السماء والأرض من حيث الحجم والسعة.

يقول تعالى:

( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ. الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) [آل عمران/ 191-192]

( إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ ) [يونس/ 6]

( قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ ) [يونس/ 101]

( وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ) [يوسف/ 105]

( وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ ) [الشورى/ 29]

( إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ. وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) الجاثية/ 3، 4]

( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) [الأحقاف/ 33]

( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ. أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ ) [الطور/ 35، 36]

( يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ ) [الرحمن/ 33]

( أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ) [الأنبياء: 30]

( إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ) [فاطر/ 41]

( لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) [غافر/ 57]

ومن السياقات المهمة التي اقتضت أيضا مقابلة السماوات والأرض ، واقترانهما : هو الإخبار عن ساكنيهما

وعامرهما من الجن والإنس والملائكة وما لا يعلمه إلا الله، وهم كلهم يعبدون الله سبحانه وتعالى

وبينهما من القواسم المشتركة القدر الكبير، والجن والإنس هم المعنيون بآيات القرآن الكريم والمخاطبون بها، فكان وجيها أن يجتمعا في سياق واحد، كما اجتمعا في الآيات الكريمات:

(وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ) [الرعد/ 15]

(إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا) [مريم/93]

ومن هنا ندرك جميعا أن تقابل (السماوات والأرض) تقابُلٌ مفسر له وجوه عديدة

يؤكد صحته أنه لم يرد في أي موضع من القرآن الكريم أو السنة الصحيحة الحديث عن تساويهما في الحجم والاتساع

الأمر الذي ينفي أي احتمال لما أورده السائل في سؤاله، ويبين المقصود الصحيح من هذا التقابل بين المفردتين.

والله أعلم.

*عبدالرحمن*
2019-01-30, 14:52
قوله تعالى : (وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا) لا ينفي تعدد الأقمار

السؤال

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العظيم : ( أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا. وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا) نوح/ 15، 16 ، صدق الله العلي العظيم.

هنا قال الحق: (وجعل القمر فيهن نورا) أي: نورا في السبع سماوات، ولكن بعد وصول الإنسان إلى الفضاء اكتشف مليارات الأقمار! فكيف ذكر الله سبحانه وتعالى قمرا واحدا في السبع سماوات وهناك الكثير منه في الفضاء؟

الجواب

الحمد لله

القمر المذكور في سورة نوح لا يُشْكِل بوجه من الوجوه ، مع توافر الأقمار في فضاء السماوات ، ومدارات الكواكب ، وذلك من وجوه عديدة:

أولا:

الآية الكريمة لم تخصص قمرا واحدا، والتركيب اللغوي المستعمل فيها لا يفيد الحصر ولا القصر

فقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا. وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا) نوح/ 15، 16 غايته – في هذا المقام –

إثبات نورانية القمر، دون التعرض لغيره من الأقمار بنفي ولا إثبات ، مثالها كما تقول: "جعلت هذا الكتاب نبراسي". فهذا لا ينفي أنك جعلت غيره من الكتب أو المعلمين أيضا نبراسا لك

وفي مكان معتبر من التقدير والاهتمام ، وهذا واضح في اللغة العربية ؛ ولهذا قرر أكثر علماء الأصول عدم حجية ما يسمى بمفهوم اللقب، وهو الاستدلال بالحكم على اسم جنس أو علم على نفي الحكم عما عداه.

يقول ابن قدامة رحمه الله:

"[مفهوم اللقب] أن يخص اسمًا بحكم ، فيدل على أن ما عداه بخلافه : أنكره الأكثرون، وهو الصحيح؛ لأنه يفضي إلى سد باب القياس" .

انتهى من "روضة الناظر" (2/ 137)

وانظر: "البحر المحيط" (5/148-155) .

ثانيا:

سياق الآيات واضح التعلق بالمخاطبين من قوم نوح، فقد كان عليه السلام يحاورهم، ويجادلهم بالتي هي أحسن

ويستعمل معهم الآيات والبراهين الواضحات والمشاهدات كي يقيسوا عليها ويعتبروا بها، والآية الكريمة هنا في معرض سياق هذا الحوار، فخاطبهم قائلا (ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا) .

وهؤلاء الأقوام لا يعلمون من الفضاء الفسيح أقمارا سوى هذا القمر الذي يرونه ويشاهدونه

ولم يكن من المناسب أن يحاججهم عليه السلام بما لا يعرفونه من آيات الكون المنظور، فاقتصر على ذكر القمر المعروف لكل الناس

ودعاهم إلى الاعتبار بعظمة هذا الخلق وجليل آياته على توحيد الله سبحانه ، ونبذ كل ما يدعى من دونه.

ولو حدثهم عن أقمار عديدة في السماوات العلى لارتد ذلك عليهم بمزيد من الكفران والطغيان

وسيكيلون له التهم جزافا بالجنون والسحر وحديث الخرافات ، ولما استطاع عليه السلام أن يقيم لهم برهانا على ذلك – بحكم ذلك الزمن – وحينئذ سوف تبطل حجته عليهم

وتزيدهم كفرا إلى كفرهم ؛ فكان الصواب الاقتصار على ذكر القمر الواحد.

ثالثا:

وذهب بعض العلماء إلى أن الألف واللام (أل) في كلمة (القمر) في الآية الكريمة ليست للعهد، وإنما يراد بها الجنس

أي جنس الأقمار جعلها الله عز وجل نورا في السماوات، وهذا يمكن أن يشمل القمر التابع للكرة الأرضية، وغيره من الأقمار.

يقول العلامة جمال الدين القاسمي رحمه الله:

" ليس القمر خاصا بالأرض، بل للسيارات الأخرى أقمار (وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً) [نوح: 16] فالألف واللام في الْقَمَرَ للجنس ، لا للعهد، كما في قوله تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) [التين: 4]"

انتهى من "محاسن التأويل" (1/ 210) .

ويقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله:

"وأما الأقمار فهي كالمرآة ، تعكس نور الشمس على الكواكب التابعة لها؛ فلذا لم تسم في القرآن بالسُّرج، فإنها لا نور لها من ذاتها، قال الله تعالى: ( أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقاً. وَجَعَلَ القَمَرَ ) - (نوح: 15-16)

أي: جنس القمر ِ- ( فيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً ) (نوح:16) ، أي : لهم جميعًا"

انتهى من "مجلة المنار" (14/ 577) .

والله أعلم.

*عبدالرحمن*
2019-01-30, 14:56
تفسير الفلق بالسجن قول مرجوح لا يثبت

السؤال

هل وردت كلمة " فلق " ( كما في سورة الفلق ) بمعنى السجن في الأحاديث الصحيحة ؟

الجواب

الحمد لله

قال تعالى : ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ) الفلق/1-2 .

والفلق الصبح في قول جمهور السلف ، وهو المروي عن جابر بن عبد الله ، وابْنِ عَبَّاسٍ ومُجَاهِدٍ

وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُقَيْلٍ ، وَالْحُسْنِ ، وَقَتَادَةَ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ ، وَابْنِ زَيْدٍ ، وزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، وهو اختيار ابن جرير والبخاري ، وابن القيم ، وغيرهم .

انظر : " تفسير ابن كثير " (8/ 535)

" بدائع الفوائد " (2/217) .

وقد جاء عن بعض السلف أن الفلق سجن في جهنم .

قال ابن كثير رحمه الله :

" وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ : ( الْفَلَقِ ) بَيْتٌ فِي جَهَنَّمَ ، إِذَا فُتِحَ صَاحَ جَمِيعُ أَهْلِ النَّارِ مِنْ شِدَّةِ حَرِّهِ .

وَكَذَا رُوي عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ وَالسُّدِّيِّ ، وَغَيْرِهِمْ .

وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيُّ : (الْفَلَقِ) مِنْ أَسْمَاءِ جَهَنَّمَ " .

انتهى من " تفسير ابن كثير " (8/535) .

وروى الطبري في " تفسيره " (24/ 284)

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( الفَلَقُ جُبّ فِي جَهَنَّمَ مُغَطًّى ) .

لكنه حديث لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال الشيخ الألباني رحمه الله في " السلسلة الضعيفة " (4029) : " منكر " .

وروي أيضا (24/ 699) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : " الفلق : سجن في جهنم " وإسناده ضعيف أيضا .

والحاصل :

أن تفسير الفلق بالسجن قول مرجوح لا يثبت ، ولا يعرف في الأحاديث الصحيحة ، ولا في اللغة - حسب ما نعلم - أن كلمة " الفلق " تأتي بمعنى السجن .

وينظر للفائدة جواب السؤال القادم

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-01-30, 14:58
يشرع سؤال الله الوقاية من شر ما خلق

السؤال

هل يجوز دعاء الله عز وجل بأن يحميني من شر ما خلق في هذا الكون , وفي القبر وفي اليوم الآخر ؟

الجواب

الحمد لله

الالتجاء إلى الله تعالى للحماية والوقاية من كل سوء وشر وأذى من أعظم العبادات ، وأفضل الطاعات ، فالله عز وجل يحب المستغيثين به ، الملتجئين إليه ، المستعيذين بعظمته وقدرته .

قال الله عز وجل :

( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ . مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ . وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ . وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ . وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ) سورة الفلق/1-5.

وقوله تعالى : ( من شر ما خلق ) جاء بصفة العموم ، فشمل الاستعاذة من كل شر في الحياة الدنيا كالشيطان ووساوسه ، وفي البرزخ كعذاب القبر ، وفي الحياة الآخرة كجهنم .

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله :

" ( مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ) أي : من شر جميع المخلوقات ، وقال ثابت البناني والحسن البصري : جهنم وإبليس وذريته مما خلق " انتهى.

" تفسير القرآن العظيم " (8/535)

وقال العلامة السعدي رحمه الله :

" أي : ( قل ) متعوذًا ( أَعُوذُ ) أي : ألجأ وألوذ وأعتصم ( بِرَبِّ الْفَلَقِ ) أي : فالق الحب والنوى ، وفالق الإصباح . ( مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ) وهذا يشمل جميع ما خلق الله من إنس وجن وحيوانات

فيستعاذ بخالقها من الشر الذي فيها ، ثم خص بعدما عم

فقال : ( وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ) أي : من شر ما يكون في الليل حين يغشى الناس وتنتشر فيه كثير من الأرواح الشريرة والحيوانات المؤذية . ( وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ )

أي : ومن شر السواحر اللاتي يَسْتعِنّ على سحرِهن بالنفث في العقد التي يعقدنها على السحر

. ( وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ) والحاسد هو الذي يحب زوال النعمة عن المحسود ، فيسعى في زوالها بما يقدر عليه من الأسباب ، فاحتيج إلى الاستعاذة بالله من شره وإبطال كيده

ويدخل في الحاسد العاين ؛ لأنه لا تصدر العين إلا من حاسد شرير الطبع ، خبيث النفس ، فهذه السورة تضمنت

الاستعاذة من جميع أنواع الشرور عمومًا وخصوصًا . ودلت على أن السحر له حقيقة يخشى من ضرره ، ويستعاذ بالله منه ومن أهله " انتهى.

" تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان " (ص/937)

وقد علَّمنا النبي صلى الله عليه وسلم الاستعاذة بالله من شر ما خلق في بعض الأذكار الشرعية:

عن خولة بنت حكيم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا ثُمَّ قَالَ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ ) رواه مسلم (2708)

وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَوِّذُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ وَيَقُولُ : ( إِنَّ أَبَاكُمَا كَانَ يُعَوِّذُ بِهَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ : أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ ) .

رواه البخاري (3371) .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-01-30, 15:02
التعليق على قوله تعالى : ( وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه ) .

السؤال

يقول الله تعالى : ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ )المائدة /18.

ويقول في محكم تنزيله : (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا (88) لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا (91) وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا ) مريم /92 . والسؤال :

لمَ لا نجد النهي والزجر والوعيد وفساد الأمر لليهود والنصارى في الآيات الأولى من سورة المائدة

بينما نجد ذلك في آيات مريم التي نسب فيها النصارى المسيحَ لله ـ نسب الأبوة ـ علماً أن المائدة ومريم آياتهما تنزه الباري عن الشريك والولد ؟

الجواب

الحمد لله

أولًا:

إن من أعظم خصائص خطاب الله تعالى لأصناف الناس في القرآن التنوع ، فتجد الترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، وتجد خطاب العامة والخاصة، وغيرها من وجوه الفصاحة والبلاغة.

ومن ذلك خطاب الله تعالى لأهل الكتاب في القرآن ، فقد تنوع الخطاب القرآني لأهل الكتاب بين الترغيب والترهيب

فتارة يدعوهم إلى التوبة والاستغفار، وتارة يحذرهم من العقاب ويخوفهم من مصيرهم وجزاءهم إن هم استمروا على كفرهم ، وأصروا على عدوانهم .

ثانيًا:

الذي يظهر ، والله أعلم ، في الفرق بين خطاب الله تعالى الوارد في سورة المائدة، وخطابه الوارد في سورة مريم

ما يلي:

أن الخطاب في سورة المائدة أتى ردًا على قولهم: ( نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ) المائدة/18.

وقولهم هذا يحتمل أمورا :

إما أنهم أرادوا أنه - تعالى - : في بره ورحمته وعطفه على عباده الصالحين ، كالأب الرحيم لولده.

أو أنهم أرادوا بذلك أنهم أبناء رسل الله ، فذكروا ذلك ، من باب حذف المضاف .

وبالجملة: فإنهم رأوا لأنفسهم فضلا، فرد الله عليهم قولهم ، فقال ( فلم يعذبكم بذنوبكم ) .

ينظر: "تفسير القرطبي"(6/ 120).

وقوله تعالى: ( بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ) المائدة/ 18، يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهم: ليس الأمر كما زعمتم أنكم أبناء الله وأحباؤه

بل أنتم بشر ممن خلق، يقول: خلق من بني آدم ، خلقكم الله مثل سائر بني آدم ، إن أحسنتم جوزيتم بإحسانكم ، كما سائر بني آدم مجزيون بإحسانهم ، وإن أسأتم جوزيتم بإساءتكم

كما غيركم مجزي بها ، ليس لكم عند الله إلا ما لغيركم من خلقه ، فإنه يغفر لمن يشاء من أهل الإيمان به ذنوبه ، فيصفح عنه بفضله ، ويسترها عليه برحمته ، فلا يعاقبه بها ...

( ويعذب من يشاء) البقرة/284 ، يقول: " ويعدل على من يشاء من خلقه ، فيعاقبه على ذنوبه ، ويفضحه بها على رءوس الأشهاد ، فلا يسترها عليه .

وإنما هذا من الله عز وجل : وعيد لهؤلاء اليهود والنصارى ، المتَّكِلين على منازل سلفهم الخيار عند الله ، الذين فضلهم الله بطاعتهم إياه ، واجتنابهم معصيته ، لمسارعتهم إلى رضاه ، واصطبارهم على ما نابهم فيه.

يقول لهم: لا تغتروا بمكان أولئك مني ، ومنازلهم عندي ، فإنهم إنما نالوا مني بالطاعة لي ، وإيثار رضاي على محابهم ، لا بالأماني ، فجِدُّوا في طاعتي ، وانتهوا إلى أمري

وانزجروا عما نهيتهم عنه ، فإني إنما أغفر ذنوب من أشاء أن أغفر ذنوبه من أهل طاعتي ، وأعذب من أشاء تعذيبه من أهل معصيتي ، لا لمن قربت زلفة آبائه مني ، وهو لي عدو ، ولأمري ونهيي مخالف"

انظر" جامع البيان"(8/ 271 - 272).

فالحاصل :

أن الله تعالى رد مقالتهم، في الآية المذكورة في السؤال ، من سورة المائدة ، وهي ليست في قوة المقالة سورة مريم عليها السلام، فإن فيها ادعاء الولد لله تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا .

مع أن ينبغي الانتباه إلى أن سورة المائدة ، قد ورد فيها ـ أيضا ـ في موطن آخر ، رد مقالة النصارى ، وشركهم بالله ، ودعواهم له الولد ، وصرحت بأنهم كفروا بذلك القول

. قال الله تعالى : (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ

مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) المائدة /17 .

وقال تعالى : (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (72)

لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (74)

مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (76)

قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ) المائدة/72-77 .

وفي أواخر السورة : بيان شهادة عيسى عليه السلام ، على كفر من كفر به ، يوم القيامة ، وبراءته من شركهم ، ودعواهم فيه الألوهية ، هو وأمه عليهما السلام . وأما ذكر كفر اليهود

وبيان موجبات اللعنة التي حاقت بهم ، فهو مذكور في السورة في مواضع ، يمكن مراجعتها ، وتأملها على مهل

. والله أعلم .

و اخيرا

الحمد لله الذي بفضلة تتم الصالحات

اخوة الاسلام

اكتفي بهذا القدر و لنا عوده
ان قدر الله لنا البقاء و اللقاء

و اسال الله ان يجمعني بكم دائما
علي خير

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين

BAWSALA
2019-01-31, 01:33
Echange intéressant !

*عبدالرحمن*
2019-02-01, 13:16
Echange intéressant !

الحمد لله الذي بفضلة تتم الصالحات

I am happy to have you as good as you

Although I do not understand what you mean by mutual interest
.

*عبدالرحمن*
2019-02-01, 13:25
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)
اخوة الاسلام

أحييكم بتحية الإسلام
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)


تفسير قوله تعالى : ( الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار )

السؤال

الآية رقم : (16) من سورة آل عمران ، والآية التي تليها : (الذين يقولون ربنا إننا ءامنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار ) . أريد منكم أعزكم الله تفسير الآيتين

وتفسير الآية (15) التي بدايتها ( قل أؤنبئكم ) وربط المعنى العام ، وهل الصبر يليه في المنزلة الصدق ، ثم القنوت ، ثم الإنفاق في سبيل الله ، ثم الاستغفار ، أم ماذا ؟

الجواب

الحمد لله

أولاً : تفسير السياق .

هذه الآيات جاءت في سياق المقارنة بين شهوات الدنيا ونعيم الآخرة ، فبعد أن ذكر الله عز وجل متاع الدنيا وما زين للناس فيها من ملذات ، شرع في ذكر نعيم الآخرة

وأنه هو النعيم الحقيقي ، والسعادة الأبدية ، وقد بدأ الله عز وجل هذا السياق بصيغة الاستفهام التشويقي

فقال سبحانه وتعالى : ( قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ .

الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ . الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ ) آل عمران/15-17 .

فمتاع الآخرة خالٍ من كل أذى وكدر ، فإذا كان في الدنيا نساء وبنين ، ففي الآخرة أزواج مطهرة من كل ما ينفر من نساء الدنيا ، وفي هذا الوصف ارتفاع حقيقي على شهوات الأرض وملذاتها .

وأعظم من ذلك كله ( رضوان من الله ) يعدل الحياة الدنيا والحياة الأخرى ، فهو أعظم نعيم يتنعم به أهل الجنة ، أن يحل عليهم رضوان الله وحبه ولطفه فلا يشقون بعده أبدا .

ثم شرع سبحانه في بيان حقيقة العباد الذي يستحقون هذا النعيم الكبير ، وهو سبحانه بصير بهم جميعا ، فقال سبحانه : ( الذين يقولون ربنا إننا آمنا ، فاغفر لنا ذنوبنا ، وقنا عذاب النار)

وقولهم هذا ليس مقصودا لذاته ، وإنما المقصود ذلك الإيمان والإقبال على الله تعالى

الذي يحيل حياة المؤمنين إلى تعلق تام بالله عز وجل ، وذل وانكسار بين يديه سبحانه ، حتى تغدو مغفرة الذنوب ، والوقاية من النار أغلى أماني هؤلاء العباد المؤمنين .

يقول ابن القيم رحمه الله :

" أخبر سبحانه أن ذلك كله متاع الحياة الدنيا ، ثم شوَّق عباده الى متاع الآخرة ، وأعلمهم أنه خير من هذا المتاع وأبقى فقال :

( قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ) .

ثم ذكر سبحانه من يستحق هذا المتاع ومن هم أهله الذين هم أولى به فقال : ( الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ )

فأخبر سبحانه أن ما أعد لأوليائه المتقين من متاع الآخرة خير من متاع الدنيا ، وهو نوعان : ثواب يتمتعون به ، وأكبر منه وهو رضوانه عليهم

قال تعالى : ( اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً )

فأخبر سبحانه عن حقيقة الدنيا بما جعله مشاهَدا لأولي البصائر ، وأنها لعب ولهو تلهو بها النفوس وتلعب بها الأبدان ، واللعب واللهو لا حقيقة لهما ، وأنهما مشغلة للنفس ، مضيعة للوقت

يُقطع بها الجاهلون ، فيذهب ضائعا في غير شيء "

انتهى . "عدة الصابرين" (ص/168) .

ثانيا : تفسير المفردات .

ذكر سبحانه وتعالى أوصاف عباده المتقين الذين أعد لهم في الجنة من النعيم ما لا يقارن بنعيم الدنيا ، وذكر هذه الأوصاف ترغيبا في التحلي بها ، والمحافظة على مضامينها .

يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله :

" يصف تعالى عباده المتقين الذين وعدهم الثواب الجزيل ، فقال تعالى : ( الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا ) أي : بك ، وبكتابك ، وبرسولك .

( فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا ) أي : بإيماننا بك وبما شرعته لنا ، فاغفر لنا ذنوبنا وتقصيرنا من أمرنا بفضلك ورحمتك . ( وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ )

ثم قال : ( الصَّابِرِين ) أي : في قيامهم بالطاعات وتركهم المحرمات .

( وَالصَّادِقِينَ ) فيما أخبروا به من إيمانهم بما يلتزمونه من الأعمال الشاقة .

( وَالقَانِتِينَ ) والقنوت : الطاعة والخضوع .

( والْمُنفِقِينَ ) أي : من أموالهم في جميع ما أمروا به من الطاعات ، وصلة الأرحام والقرابات ، وسد الخَلّات ، ومواساة ذوي الحاجات .

( وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحَارِ ) دل على فضيلة الاستغفار وقت الأسحار ، وقد قيل : إن يعقوب عليه السلام لما قال لبنيه : ( سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي ) يوسف/98

أنه أخرهم إلى وقت السحر ، وثبت في الصحيحين وغيرهما من المساند والسنن من غير وجه ، عن جماعة من الصحابة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال

: ( ينزلُ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى في كُلِّ لَيْلَةٍ إلَى سمَِاءِ الدُّنيا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِر . فيقولُ : هَلْ مِنْ سَائل فأعْطِيَه ؟ هَلْ مِنْ دَاع فَأسْتجيبَ له ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِر فأغْفِرَ لَهُ ) الحديث " انتهى .

ثالثا : البلاغة والبيان .

ونبين هنا بعض الأمور البلاغية والبيانية في قوله سبحانه : ( الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار ) ، على طريقة السؤال والجواب ، مسترشدين بكلام أهل العلم المفسرين .

1- لماذا ذكر الله تعالى هذه الأوصاف دون غيرها من أوصاف المؤمنين ؟

يبين بعض المفسرين أن هذه الأوصاف الخمسة هي التي تجمع وتشمل جميع مقامات العبودية والمعاملة مع الله تعالى .
يقول الإمام البيضاوي رحمه الله :

" ( الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار ) : حصرٌ لمقامات السالك على أحسن ترتيب .

فإن معاملته مع الله تعالى : إما توسل ، وإما طلب .

والتوسل : إما بالنفس : وهو منعها عن الرذائل وحبسها على الفضائل ، والصبر يشملهما . وإما بالبدن : وهو إما قولي : وهو الصدق .

وإما فعلي : وهو القنوت الذي هو ملازمة الطاعة .

وإما بالمال : وهو الإِنفاق في سبل الخير .

وأما الطلب : فبالاستغفار ؛ لأن المغفرة أعظم المطالب ، بل الجامع لها .

"تفسير البيضاوي" (2/16)

ويقول العلامة الطاهر ابن عاشور رحمه الله :

" ذكر هنا أصول فضائل صفات المتدينين ، وهي :

الصبر : الذي هو ملاك فعل الطاعات وترك المعاصي .

والصدق : الذي هو ملاك الاستقامة وبث الثقة بين أفراد الأمة .

والقنوت : وهو ملازمة العبادات في أوقاتها ، وإتقانها ، وهو عبادة نفسية جسدية .

والإنفاق : وهو أصل إقامة أَوَد الأمة بكفاية حاجة المحتاجين ، وهو قربة مالية ، والمال شقيق النفس .

وزاد الاستغفار بالأسحار : وهو الدعاء والصلاة المشتملة عليه في أواخر الليل

والسحر سدس الليل الأخير ؛ لأن العبادة فيه أشد إخلاصا ، لما في ذلك الوقت من هدوء النفوس

ولدلالته على اهتمام صاحبه بأمر آخرته ، فاختار له هؤلاء الصادقون آخر الليل لأنه وقت صفاء السرائر ، والتجرد عن الشواغل "

انتهى . "التحرير والتنوير" (3/43) .

2- لماذا جاءت هذه الأوصاف بالترتيب المذكور ، هل لذلك سبب معين ، وهل يدل ذلك على تفاضل هذه المقامات ، أم أنها مقامات متساوية ؟

قد يبدو للمتأمل أن هذا الترتيب جاء بسبب تفاضل المقامات المذكورة :

فالصبر يقتضي حبس النفس على الطاعات وترك المعاصي ، ولكن حبس النفس لا يؤجر عليه المرء إلا إذا كان صادقا مخلصا لله تعالى ، فبدأ بـ " الصابرين " ثم : " والصادقين " .

ثم قد ينقطع العبد عن صبره وصدقه ، فيكسل عن العبادة ، ويتأخر عن الترقي في مراتبها ، فجاء وصف القنوت ، وهو الدوام على العبادة والاستقامة

فقال سبحانه : " والقانتين " ، ثم سمى سبحانه وتعالى بعض الطاعات التي أوجبت لهم أوصاف التقوى والصبر والمرتبة العالية : فذكر عز وجل : ( المنفقين والمستغفرين بالأسحار ) .

يقول الفخر الرازي رحمه الله :

" اعلم أن لله تعالى على عباده أنواعاً من التكليف ، والصابر هو من يصبر على أداء جميع أنواعها .

وكمال هذه المرتبة أنه إذا التزم طاعة أن يصدق نفسه في التزامه

وذلك بأن يأتي بذلك للملتزم من غير خلل ألبتة ، ولما كانت هذه المرتبة متأخرة عن الأولى ، لا جرم ذكر سبحانه الصابرين أولاً ، ثم قال : ( الصادقين ) ثانياً .

ثم إنه تعالى ندب إلى المواظبة على هذين النوعين من الطاعة ، فقال : ( والقانتين ) .

فهذه الألفاظ الثلاثة للترغيب في المواظبة على جميع أنواع الطاعات .

ثم بعد ذلك ذكر الطاعات المعينة ، وكان أعظم الطاعات قدراً أمران :

أحدهما : الخدمة بالمال ، فذكر هنا بقوله : ( والمنفقين ) .

والثاني : الخدمة بالنفس ، فذكره هنا بقوله : ( والمستغفرين بالأسحار ) .

فإن قيل : فلم قدم ههنا ذكر المنفقين على ذكر المستغفرين ؟

قلنا : لأن هذه الآية في شرح عروج العبد من الأدنى إلى الأشرف ، فلا جرم وقع الختم بذكر المستغفرين بالأسحار " انتهى باختصار .

"مفاتيح الغيب" (7/176-177) .

هذا وقد ذكر المفسرون كلاما دقيقا في سر العطف بالواو بين هذه الأوصاف ، لا نحب أن نطيل به على القارئ الكريم ، فمن أحب الاستزادة منه فليرجع إلى التفاسير السابق ذكرها في هذا الجواب .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-01, 13:32
معنى قوله تعالى ( فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ )

السؤال

قرأت في موقع جامعة أم القرى قصة السامري ، وأتاني سؤال ؛ ذكر في القصة أن الله أمر موسى أن يأمر من عبد العجل بأن قتل أنفسهم خير لهم ، ولماذا قتل البعض وترك البعض

وذكر بعد تكفير ذنوبهم ذهاب موسى هو ومعه سبعون من قومه إلى ارض المقدس ليغفر الله ذنوب قومه، فطلبوا أن يروا الله فصعقوا ، فهل طلب رؤية الله عزوجل كان طلبا جماعيا أم طلب من بعض السفهاء

وهل بقي بعض القوم في الديار ؟

الجواب

الحمد لله

أولا :

لما عبد قوم موسى العجل وسقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا ، وأرادوا التوبة

قالوا ( لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) سورة الأعراف/149

فجعل الله لهم امتحانا شديدا لقبول توبتهم ، وذلك بأن يقتلوا أنفسهم ، فيُغِير بعضهم على بعض ، ويتقاتلوا بينهم حتى يأتي أمر الله بالكفّ .

ولم يكن الأمر بأن يطعن كل واحد منهم نفسه ؛ لأنهم لو فعلوا ذلك لفنوا كلهم ، ولم يبق منهم أحد إلا من لم يشارك في امتحان التوبة أصلا ، ولكن المقصود أن يغير بعضهم على بعض فيقتتلوا .

جاء في تفسير ابن كثير :

" قال قتادة : أمر القوم بشديد من الأمر ، فقاموا يتناحرون بالشفار يقتل بعضهم بعضا ، حتى بلغ الله فيهم نقمته ، فسقطت الشفار من أيديهم ، فأمسك عنهم القتل ، فجعل لحيهم توبة ، وللمقتول شهادة ..
.
وقال الزهري : لما أمرت بنو إسرائيل بقتل أنفسها ، برزوا ومعهم موسى ، فاضطربوا بالسيوف ، وتطاعنوا بالخناجر ، وموسى رافع يديه ، حتى إذا أفنوا بعضهم [يعني كثر القتلى منهم] قالوا : يا نبي الله

ادع الله لنا . وأخذوا بعضديه يسندون يديه ، فلم يزل أمرهم على ذلك ، حتى إذا قبل الله توبتهم , قبض أيديهم بعضهم عن بعض ، فألقوا السلاح ، وحزن موسى وبنو إسرائيل للذي كان من القتل فيهم ، فأوحى الله

جل ثناؤه ، إلى موسى : ما يحزنك ؟

أما من قتل منكم فحي عندي يرزقون ، وأما من بقي فقد قبلت توبته . فسر بذلك موسى ، وبنو إسرائيل
.
رواه ابن جرير بإسناد جيد عنه "

انتهى من " تفسير ابن كثير " (1/262) .

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :

" أي : فتوبوا بهذا الفعل . وهو أن تقتلوا أنفسكم ؛ أي ليقتل بعضكم بعضاً ؛ وليس المعنى أن كل رجل يقتل نفسه ، بالإجماع ؛ فلم يقل أحد من المفسرين : إن معنى قوله تعالى

: (فاقتلوا أنفسكم) أي يقتل كل رجل نفسه ؛ وإنما المعنى : ليقتل بعضكم بعضاً : يقتل الإنسان ولده ، أو والده ، أو أخاه ؛ المهم أنكم تستعدون ، وتتخذون سلاحاً

خناجر ، وسكاكين ، وسيوفاً ، وكل واحد منكم يهجم على الآخر، ويقتله "

انتهى من " تفسير العثيمين " (1/187) .

ثانيا :

لم يخبر الله تعالى في كتابه هل كان الطلب من جميعهم ، أو من بعضهم مع إقرار الباقين ، أو كان من أغلبهم

إذ لا فائدة من وراء ذلك ، لكن المراد من الآية بيان كثرة مسائل بني إسرائيل وتعنتهم واختلافهم على أنبيائهم ، وتحذير الأمة من هذا المسلك .

فينبغي للسائل أن يحذر الوقوع فيما وقع فيه بنو إسرائيل ، وأن يجتنب التكلف في إيراد المسائل والإشكالات ،

لا سيما فيما لا فائدة ترجى من التشقيق فيه ؛ فإن هذا القرآن سهل طيب مبارك ، لمن قرأه مريدا الانتفاع منه ، دون تكلف أو تشقيق أو تنقير عما لم يبين منه .

عَنْ أَنَسٍ قَالَ : كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ فَقَالَ : " نُهِينَا عَنِ التَّكَلُّفِ " أخرجه البخاري (7293) .

قال ابن الأثير

: " أَرَادَ كثرةَ السُّؤال ، والبَحْثَ عن الأشياء الغامِضة التي لَا يَجِب البَحْث عَنْهَا ، والأخْذ بِظَاهِرِ الشَّريعة وقَبُول مَا أتَت بِهِ "

انتهى من " النهاية في غريب الحديث والأثر " (4/196) .

على أن السبعين الذين اختارهم موسى عليه السلام لميقات الله تعالى كما في سورة الأعراف (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَةُ

قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ) الأعراف/155 .

لم تبين الآية الكريمة سبب هذه الرجفة التي أخذتهم .

هل كانت بسبب قولهم : (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً) ؟

وهو قول كثير من المفسرين .

أو لم يكونوا هم أصحاب تلك المقولة ، وإنما أخذتهم الرجفة لأنهم كانوا عبدوا العجل مع من عبده ، كما قيل .
وقيل : إنهم لم يعبدوا العجل ، ولكنهم داهنوا من عبده ولم ينهوه عن ذلك .

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله :

"واختلف العلماء في سبب هذه الرجفة ... ثم ذكر الأقوال المتقدمة ، ثم قال :

"هذه أقوال المفسرين ، وفيها غير ذلك ، ولا شيء يقوم عليه الدليل القاطع منها ، والله تعالى أعلم "

انتهى من "العذب المنير" (4/193، 194)

وانظر "فتح القدير للشوكاني" (3/100) فقد ذكر هذه الأقوال .

واختار الشيخ ابن عثيمن رحمه الله أن الذين قالوا (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً) ليسوا هم هؤلاء السبعين .

وانظر تفسير "سورة البقرة " للشيخ ابن عثيمين (3/135) .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-01, 13:38
لماذا تأخرت آية (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر) في وصف عباد الرحمن عن غيرها من صفاتهم؟

السؤال

قال تعالى وهو يصف عباد الرحمن : ( وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا ................... وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ .. )

السؤال : لماذا جاءت آية "

ولا يدعون مع الله إلها آخر " متأخرة ، ولم تأت في البداية في وصف عباد الرحمن ؟ فالتوحيد وعدم الشرك يفترض أن يكون أولا في الترتيب ؟

الجواب

الحمد لله

أولًا:

أما الآية الكريمة: ( وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا) الفرقان/ 63

فالمراد بها أن الله جل جلاله قد مدح عباده هؤلاء بأنهم يمشون على الأرض هونا ؛ يعني : بالحلم والسكينة والوقار ، غير مستكبرين، ولا متجبرين، ولا ساعين فيها بالفساد ومعاصي الله .

ينظر : "جامع البيان" ، لابن جرير الطبري : (17/ 489).

وأما الآية الأخرى: فيقول تعالى ذكره: والذين لا يعبدون مع الله إلها آخر، فيشركون في عبادتهم إياه

ولكنهم يخلصون له العبادة ويفردونه بالطاعة (ولا يقتلون النفس التي حرم الله) [الفرقان: 68]

قتلها (إلا بالحق) [الأنعام: 151] إما بكفر بالله بعد إسلامها، أو زنا بعد إحصانها، أو قتل نفس فتقتل بها (ولا يزنون) [الفرقان: 68] فيأتون ما حرم الله عليهم إتيانه من الفروج (ومن يفعل ذلك) [البقرة: 231]

يقول: ومن يأت هذه الأفعال، فدعا مع الله إلها آخر، وقتل النفس التي حرم الله بغير الحق

وزنى (يلق أثاما) [الفرقان: 68] يقول: يلق من عقاب الله عقوبة ونكالا، كما وصفه ربنا جل ثناؤه، وهو أنه (يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا) [الفرقان: 69]"

"جامع البيان" (17/ 505).

وقد أخرج البخاري (4761)، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ـ قال: " سألت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ، أي الذنب عند الله أكبر؟ قال: ( أن تجعل لله نداً وهو خلقك )، قلت: ثم أي؟

قال: ( أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك )، قلت: ثم أي؟ قال: ( أن تزاني بحليلة جارك )، قال

: ونزلت هذه الآية تصديقاً لقول رسول الله (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ) "فتح الباري" (8/ 492).

ومناسبة هذه الآية ، أن الله تعالى لما ذكر أهل التذكر والشكور

أتى بصفة عباد الرحمن الذين هم أهل لذلك، كما ذكر الإمام ابن عطية: " أن الله تعالى قال لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا ، جاء بصفة عباده الذين هم أهل التذكر والشكور"

انتهى من " المحرر الوجيز" (4/ 218).

قال الشيخ الطاهر ابن عاشور رحمه الله :

"واعلم هذه أن الصلات التي أجريت على عباد الرحمن جاءت على أربعة أقسام:

قسم هو من التحلي بالكمالات الدينية ، وهي التي ابتدئ بها من قوله تعالى: (الذين يمشون على الأرض هونا إلى قوله سلاما) [الفرقان: 75].

وقسم هو من التخلي عن ضلالات أهل الشرك ، وهو الذي من قوله: (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر) [الفرقان: 68].
وقسم هو من الاستقامة على شرائع الإسلام

وهو قوله: (والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما) [الفرقان: 64]، وقوله (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا) [الفرقان: 67] الآية، وقوله: (ولا يقتلون النفس إلى قوله لا يشهدون الزور) [الفرقان: 68- 72] إلخ.

وقسم من تطلب الزيادة من صلاح الحال في هذه الحياة ، وهو قوله: (والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا إلى قوله: للمتقين إماما) [الفرقان: 74] ."

انتهى من "التحرير والتنوير" (19/68) .

ثالثًا:

وأما عن المناسبة في تأخير هذه الآية عما قبلها ، فيقول فخر الدين الرازي ، رحمه الله :

" اعلم أنه سبحانه وتعالى ذكر أن من صفة عباد الرحمن الاحتراز عن الشرك والقتل والزنا، ثم ذكر بعد ذلك حكم من يفعل هذه الأشياء من العقاب ، ثم استثنى من جملتهم التائب ، وهاهنا سؤالات :

السؤال الأول : أنه تعالى قبل ذكر هذه الصفة نزه عباد الرحمن عن الأمور الخفيفة، فكيف يليق بعد ذلك أن يطهرهم عن الأمور العظيمة مثل الشرك والقتل والزنا ؟ أليس أنه لو كان الترتيب بالعكس منه كان أولى؟

الجواب: أن الموصوف بتلك الصفات السالفة ، قد يكون متمسكا بالشرك تدينا

ومُقْدِما على قتل الموءودة تدينا ، وعلى الزنا تدينا، فبين تعالى أن المرء لا يصير بتلك الخصال وحدها من عباد الرحمن ، حتى يضاف إلى ذلك كونه مجانبا لهذه الكبائر .

وأجاب الحسن رحمه الله من وجه آخر فقال: المقصود من ذلك : التنبيه على الفرق بين سيرة المسلمين ، وسيرة الكفار، كأنه قال: وعباد الرحمن هم الذين لا يدعون مع الله إلها آخر

وأنتم تدعون ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ، وأنتم تقتلون الموءودة، ولا يزنون ، وأنتم تزنون"

انتهى من " تفسير الرازي" (24/ 483).

وقال الشيخ الشعراوي رحمه الله:

" وهنا قد يسأل سائل: أبعد كل هذه الصفات لعباد الرحمن ننفي عنهم هذه الصفة (لاَ يَدْعُونَ مَعَ الله إلها آخَرَ) [الفرقان: 68] ، وهم مَا اتصفوا بالصفات السابقة إلا لأنهم مؤمنون بالإله الواحد سبحانه؟

قالوا: هذه المسألة عقيدة وأساس ؛ لا بُدَّ للقرآن أن يكررها، ويهتم بالتأكيد عليها " .

انتهى من " تفسير الشعراوي" (17/10511) .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-01, 13:43
تفسير قوله تعالى: ( الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ).

السؤال

ما معنى الآية : ( الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ) ؟

ما معنى "أحسن" هنا؟ هل تعني تمام الصورة والخلق والكمال ؟

وكيف يكون ذلك مع وجود أشخاص غير كاملي الخلقة ، فضلاً عن أنّ هذا المعنى يعني أنه لا يمكن أن يكون الخلق بأفضل صورة مما هو عليه

ولكننا نعلم أن الله قادر أن يخلق الناس بشكل أفضل إن أراد ذلك ؟

وإن كان كل الخلق خير ، فما قولكم في أفعال الشر التي يأتي بها الإنسان والتي خلقها الله أيضًا؟

الجواب

الحمد لله

أولًا :

قال الله عز وجل : (ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ) السجدة/6،7 .

ومعنى الإحسان هنا هو الإتقان ، وليس المراد جمال الصورة .

فتكون هذه الآية كقوله تعالى : (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) النمل/88 .

وذهب بعض العلماء إلى أن المراد بالإحسان في الآية هنا هو جمال الصورة .

فتكون الآية حينئذ خاصة بالمخلوقات التي جَمَّلها الله تعالى .

قال القرطبي رحمه الله :

" ( أَحْسَنَ ) أَيْ: أَتْقَنَ وَأَحْكَمَ ، فَهُوَ أَحْسَنَ مِنْ جِهَةِ مَا هُوَ لِمَقَاصِدِهِ الَّتِي أُرِيدَ لَهَا.

وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةُ : "لَيْسَتِ اسْتُ الْقِرْدِ بِحَسَنَةٍ ، وَلَكِنَّهَا مُتْقَنَةٌ مُحْكَمَةٌ ". وَرَوَى ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ: ( أَحْسَنَ كُلَّ شي خَلَقَهُ) قَالَ: أَتْقَنَهُ.

وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَبَارَكَ وتعالى: ( الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ) أَيْ لَمْ يَخْلُقِ الْإِنْسَانَ عَلَى خَلْقِ الْبَهِيمَةِ ، وَلَا خَلَقَ الْبَهِيمَةَ عَلَى خَلْقِ الْإِنْسَانِ .

وَقِيلَ: هُوَ عُمُومٌ فِي اللَّفْظِ ، خُصُوصٌ فِي الْمَعْنَى ، والمعنى: حسّن خلق كل شي حَسَنٍ" .

انتهى من "تفسير القرطبي" (14/ 90) .

وهذه الآية الواردة في السؤال تشبه قوله تعالى : (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) ، وفيها قولان للمفسرين .

قال النسفي في تفسيره (3/436):

" (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ) أي جعلكم أحسن الحيوان كله وأبهاه ، بدليل أن الإنسان لا يتمنى أن تكون صورته على خلاف ما يرى من سائر الصور ، ومن حسن صورته أنه خلق منتصباً غير منكب

ومن كان دميماً مشوه الصورة سمج الخلقة فلا سماجة ثمّ ، ولكن الحسن على طبقات فلانحطاطها عما فوقها لا تستملح ولكنها غير خارجة عن حد الحسن ، وقالت الحكماء : شيئان لا غاية لهما ، الجمال والبيان" انتهى .

وينظر "تفسير الرازي" (15/365)

"تفسير النيسابوري" (7/196) .

وعلى هذا ؛ فمعنى (أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) أي : أتقن ، وهذا لا ينافي أن يكون من الخلق من هو قبيح الصورة أو مشوه .

ويحتمل أن يكون المراد بذلك حسن الصورة وجمالها .

ولا يعترض على ذلك بوجود بعض المخلوقات المشوهة أو القبيحة ، لأنها لم تخرج عن الحسن

ولكن الحسن والجمال درجات ، فهذه المخلوقات هي أحسن وأجمل مما دونها وأقل منها جمالا ، إلا أن جمالها لا يظهر لأننا نقارنها بما هو أجمل منها ، ولو قورنت بما دونها في الجمال لظهر جمالها .

ثانيا :

أما كون الخلق يمكن أن يكون أفضل صورة مما هو عليه ، فالله تعالى على كل شيء قدير ، وقد خلق الملائكة في أحسن خلق وأكمله وأجمله ، فلا يقال : لماذا لم يخلق الله الخلق كله على هيئة الملائكة ؟

لأن هذا سوف يتنافى مع حكمة الله تعالى ، فقد خلق الله تعالى كل شيء من المخلوقات لحكمة معينة ولتحقيق

مصالح معينة أرادها الله تعالى ، فخلق كل شيء من المخلوقات على الصورة التي تحقق تلك الحكمة والمصالح وأحكم خلقه وأحسنه ، فلا مطمع أن يكون الخلق أحسن من هذا .

حتى الأمراض والكوارث والشر الذي يفعله الإنسان أو غيره من المخلوقات .. فكل ذلك خلقه الله وأتقنه وأحكمه .
فقد خلق الله المرض ليبتلي المريض هل يصبر ويرضى أم لا ؟

وليبتلي السليم الصحيح : هل يشكر نعمة الله عليه أم لا ؟

قال تعالى : ( وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا ) الفرقان/ 20 .

" فامتحن الأغنياء بالفقراء ، والفقراء بالأغنياء ، وامتحن الضعفاء بالأقوياء ، والأقوياء بالضعفاء، والسادة بالأتباع ، والأتباع بالسادة

وامتحن المالك بمملوكه ، ومملوكه به ، وامتحن الرجل بامرأته ، وامرأته به ، وامتحن الرجال بالنساء ، والنساء بالرجال ، والمؤمنين بالكفار، والكفار بالمؤمنين "

انتهى من "إغاثة اللهفان" (2 /161) .

وقال السعدي رحمه الله في تفسير قوله تعالى : (قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) طه/ 49، 50 .

" أي: ربنا الذي خلق جميع المخلوقات، وأعطى كل مخلوق خلقه اللائق به، الدال على حسن صنعة من خلقه، من كبر الجسم وصغره وتوسطه، وجميع صفاته، ثُمَّ هَدَى كل مخلوق إلى ما خلقه له

وهذه الهداية العامة المشاهدة في جميع المخلوقات فكل مخلوق، تجده يسعى لما خلق له من المنافع، وفي دفع المضار عنه، حتى إن الله تعالى أعطى الحيوان البهيم من العقل، ما يتمكن به على ذلك.

وهذا كقوله تعالى: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) فالذي خلق المخلوقات، وأعطاها خلقها الحسن

الذي لا تقترح العقول فوق حسنه، وهداها لمصالحها، هو الرب على الحقيقة، فإنكاره إنكار لأعظم الأشياء وجودا، وهو مكابرة ومجاهرة بالكذب "

انتهى من "تفسير السعدي" (ص 507).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

" فَالْمَخْلُوقُ بِاعْتِبَارِ الْحِكْمَةِ الَّتِي خُلِقَ لِأَجْلِهَا خَيْرٌ وَحِكْمَةٌ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ شَرٌّ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، فَذَلِكَ أَمْرٌ عَارِضٌ جُزْئِيٌّ، لَيْسَ شَرًّا مَحْضًا، بَلْ الشَّرُّ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ الْخَيْرُ الْأَرْجَحُ هُوَ خَيْرٌ مِنْ الْفَاعِلِ الْحَكِيمِ، وَإِنْ كَانَ شَرًّا لِمَنْ قَامَ بِهِ.

وَظَنُّ الظَّانِّ أَنَّ الْحِكْمَةَ الْمَطْلُوبَةَ التَّامَّةَ قَدْ تَحْصُلُ مَعَ عَدَمِهِ ، إنَّمَا يَقُولُهُ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِحَقَائِقِ الْأُمُورِ

وَارْتِبَاطِ بَعْضِهَا بِبَعْضِ، فَإِنَّ الْخَالِقَ إذَا خَلَقَ الشَّيْءَ ، فَلَا بُدَّ مِنْ خَلْقِ لَوَازِمِهِ، فَإِنَّ وُجُودَ الْمَلْزُومِ بِدُونِ وُجُودِ اللَّازِمِ مُمْتَنِعٌ "

انتهى من "مجموع الفتاوى" (8/ 512) .

وقال أيضا :

" وَاللَّهُ تَعَالَى ، وَإِنْ كَانَ خَالِقًا لِكُلِّ شَيْءٍ ، فَإِنَّهُ خَلَقَ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ، لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ الَّتِي بِاعْتِبَارِهَا كَانَ فِعْلُهُ حَسَنًا مُتْقَنًا، كَمَا قَالَ: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ)

وَقَالَ: (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) ؛ فَلِهَذَا لَا يُضَافُ إِلَيْهِ الشَّرُّ مُفْرَدًا، بَلْ إِمَّا أَنْ يَدْخُلَ فِي الْعُمُومِ، وَإِمَّا أَنْ يُضَافَ إِلَى السَّبَبِ، وَإِمَّا أَنْ يُحْذَفَ فَاعِلُهُ " .

انتهى من "منهاج السنة النبوية" (3/ 142) .

وينظر للاستزادة جواب السؤال القادم

والله تعالى أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-01, 13:49
قوله تعالى ( مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ ) ووجود أصحاب عاهات وإعاقات

السؤال

عندما يطلب الله تعالى منَّا أن نبحث عن نقائص في خلقه فهو يحثنا على النظر وإعادة النظر ؛لكي نقدِّر تماما كيف خلق الخلق بهذه الكيفية المذهلة

وسؤالي هو : كيف يمكن فهم هذه الآية فهما صحيحاً ( الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور ) الملك/ 3 ؟

وأنا أود أن أعرف كيف أرد عندما يسأل كافر : أليست العيوب الخلقية والتشوهات التي لدى الناس نقائص ؟

وأنا أعرف أن هناك حكمة مِن خلق الله للناس على هذا النحو ، لكن في ضوء الآية التي تدفع الفرد للبحث عن التفاوت في الخلق كيف يمكننا النظر إلى هذه العيوب الخَلقية على أنها ليست تفاوتاً ؟

الجواب

الحمد لله

أولاً :

إن مما يعتقده المسلم في ربِّه تعالى أنه خلَق الخلْق فأحسَنه وأتقنه ، وقد مدح الله تعالى نفسه بذلك في مواضع عدة

منها قول تعالى ( الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ) السجدة/ 7

وقوله سبحانه ( وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ) غافر/ 64 ، وقوله عزّ وجل ( صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ) النمل/ 88

وقوله تعالى ( أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ ) ق/ 6 .

ثانياً:

الآيات في سورة الملك والتي ذكر الأخ السائل أنها موضع إشكال مع ما يُرى في خلق الله للبشر من أصحاب العاهات والإعاقات ، هي قوله عز وجل ( الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا

مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ . ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ ) الملك/ 3 ، 4 .

قال ابن كثير – رحمه الله - :

" ومعنى الآية : إنك لو كررت البصر مهما كررتَ لانقلب إليك

أي : لرجع إليك البصر ( خَاسِئًا ) عن أن يَرى عيباً أو خللاً ( وَهُوَ حَسِيرٌ ) أي : كليل قد انقطع من الإعياء من كثرة التكرر ولا يرى نقصاً "

انتهى من "تفسير ابن كثير" ( 8 / 177 ).

فهل ما ذكره الله تعالى في هذه الآية من عدم وجود العيب والخلل في خلقه يتعارض مع ما يُرى من البشر ممن خلقهم الله تعالى بإعاقة أو عاهة أو نقص في الخلقة ؟! .

والجواب على هذا من وجهين :

الأول : أن يقال إن الآية في خلق السموات لا غير ، وعليه : فليس فيها إشكال .

قال ابن المظفَّر الرازي – رحمه الله - :

" قال – أي : الثعلبي المفسِّر - في قوله تعالى ( الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ ) " أي : من اعوجاج واختلاف " .

قلت : لو اقتصرنا على هذا القدر كان لقائل أن يقول : أليس في خلق الجبال والأشجار والأرضين اعوجاج واختلاف وتفاوت ، وكذلك في خلق الناس ، وخلق القبيح والحسن ، والكفر والإيمان ؟ .

فالجواب : أنه من العام الذي أريد به الخاص ، وهو خلق السماوات السبع لا غير " انتهى من " مباحث التفسير لابن المظفر الرازي " - وهو استدراكات وتعليقات على تفسير الكشف والبيان للثعلبي - ( ص 305 ) .

وقال القرطبي – رحمه الله -

: " وقيلَ : المُرَاد بِذلكَ السَّمواتُ خاصَّةً ، أَيْ : ما تَرى في خَلْقِ السَّمواتِ مِن عَيْبٍ "

انتهى من " تفسير القرطبي " ( 18 / 208 ) .

الثاني : أن يقال إن الآية عامَّة وتشمل جميع خلق الله تعالى من النبات والحيوان والإنسان ، وأن خلق الله تعالى كلَّه متقن وأنه ليس فيه خلل وعيب من حيث الأصل

وأما ما يوجد في بعضه من خلل وعيوب فهو أمر عدمي لمشيئة الله تعالى أن لا يكون المحل قابلاً لكمال الخلقة .

قال ابن القيم – رحمه الله - :

" ومما ينبغي أن يُعلم أن الأشياء المكوَّنة من موادها شيئاً فشيئا كالنبات والحيوان إما أن يَعرض لها النقص ، الذي هو شر ، في ابتدائها ، أو بعد تكونها

فالأول : هو بأن يعرض لمادتها من الأسباب ما يجعلها ردية المزاج ناقصة الاستعداد فيقع الشر فيها ، والنقص في خلقها بذلك السبب ، وليس ذلك بأن الفاعل حرَمه وأذهب عنه أمراً وجوديّاً به كماله

بل لأن المنفعل لم يقبل الكمال والتمام ، وعدم قبوله أمر عدمي ليس بالفاعل

وأما الذي بالفاعل فهو الخير الوجودي الذي يتقبل به كماله وتمامه ، ونقصه والشر الذي حصل فيه هو من عدم إمداده بسبب الكمال ، فبقي على العدم الأصلي

وبهذا يفهم سر قوله تعالى ( مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ ) فإن ما خلقه فهو أمر وجودي به كمال المخلوق وتمامه ، وأما عيبه ونقصه فمن عدم قبوله ، وعدم القبول ليس أمراً مخلوقاً يتعلق بفعل الفاعل

فالخلق الوجودي ليس فيه تفاوت والتفاوت إنما حصل بسبب هذا الخلق ، فإن الخالق سبحانه لم يخلق له استعداداً فحصل التفاوت فيه من عدم الخلق ، لا من نفس الخلق ، فتأمله

والذي إلى الرب سبحانه هو الخلق ، وأما العدم فليس هو بفاعل له ، فإذا لم يكمل في مادة الجنين في الرحم ما يقتضي كماله وسلامة أعضائه واعتدالها : حصل فيه التفاوت ، وكذلك النبات "

انتهى من " شفاء العليل " ( ص 182 ، 183 ) .

ثالثاً:

الله تعالى حكيم في أفعاله ، فله في خلق النقص والآفات والأسقام حكَماً جليلة .

قال الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق – حفظه الله -

: " حكمة الله في خلق الآفة والنقص :

خلق الله كل شيء سبحانه وتعالى ، وقد خلق الآفة والشر ، وجعل النقص في بعض مخلوقاته لحكَم عظيمة ، ومن ذلك :
1. العقوبة على المعاصي

كما قال تعالى ( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) الروم/ 41

والفسـاد هنا هو الآفة والشر الذي يعاقب الله به عباده ، كالريح العقيم المدمرة والبركان الثائر والأمراض والأسقام والقحط والطوفان ، ونحو ذلك .

2. أن يَعلم الناس قدرة الله عليهم ، وأنه هو الذي يملك نفعهم وضرهـم ، كما قال تعالى (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) فاطر/ 2 .

3. أن يَعلم الناس قدرة الله على خلق الخير والشر ، وعلى أنه سبحانه يجازي بالإحسان إحساناً

وأنه سبحانه يعاقب على الإساءة ، قال تعالى ( نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ . وَ أَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ ) الحِجر/ 49 ، 50 .

فالله الذي خلق الجنة وجمع فيها كل ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ، بل ذخر فيها ما لا عين رأت من نعيم وما لا أذن سمعت وما لم يخطر على قلب بشر : فإنه سبحانه وتعالى خلق الجحيم

وجعل فيها أنواع الشرور والآلام والأحزان والعذاب والنكال فوق ما تتصوره العقول ( فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ . وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ) الفجر/ 25 ، 26 .

4. أن يتذكر من يعافيه الله نعمة ربه وإحسانه فيشكره على ذلك ، ويعلم فضل الله عليه وإحسانه إليه أن لم يصبه بما أصاب غيره .

5. أن يجعل الله لمن يصيب منه باباً عظيماً للظفر بمرضاته والفوز بجناته وتخفيف ذنوبه ورفع درجاته .

وحكمة الله من خلق الشر والآفة والنقص حكمة عظيمة ، فالله هو المحمود على كل صفاته ، وأفعاله ، وأنعامه "

انتهى من " المشوَّق في أحكام المعوَّق " ( ص 4 ) .

والله أعلم

*عبدالرحمن*
2019-02-01, 14:00
العهد المأخوذ على بني آدم هو الفطرة

السؤال

جاء في سورة البقرة أننا نعيش في الحياة الثانية، حيث بدأت حياة البشر قبل الخلق في البرزخ حينما أخذ الله العهد علينا بأننا سنعبده

وبعد أن جاء بنا إلى الحياة الدنيا محا من ذاكرتنا ذلك. لذا، فالسؤال الذي يطرح نفسه ، لماذا أخذ علينا العهد إن كان يريد مسح ذلك من ذاكرتنا بعد ذلك؟

الجواب

الحمد لله

أولا :

العهد الذي أخذه الله عز وجل من ذرية آدم في العالم الأول لم يُمحَ من ذاكرتنا، ولم ينسه أي من بني آدم

وإذا سألت عنه فنقول لك : إنه "الفطرة" المركوزة في نفوسنا وقلوبنا، تلك الدافعية العميقة نحو الإيمان بالله

والتعرف إليه سبحانه، بل وتبلغ حد "الضرورة" التي تحثنا وتضطرنا إلى الاعتراف بأن الخالق جل وعلا هو الرب الواحد الكامل ، الذي ربانا وربى جميع المخلوقات بنعمته .

وهذه "الضرورة" القلبية والعقلية أقوى ما يدفع الإنسان إلى الإيمان والتوحيد؛ لأنها غالبا أقوى من كل أسباب الانتكاس والارتكاس في حمأة الجهل والشبهات، وكثيرا ما تفرض سطوتها على صاحبها فتكشف

عهد التوحيد في باطن النفس وقت اشتداد الأزمات، ولو كان صاحب الفطرة متظاهرا اليوم بالإلحاد، لكن داعي التوحيد ، ما زال يهتف به من داخله ، بحكم الفطرة التي هي العهد الأول المأخوذ على بني آدم.

ولو تصور السائل عكس ما يقول لأدرك الجواب على سؤاله، فلو تصور أن هذا العهد الذي أخذ على بني آدم "ألست بربكم" لم ينتقل إلى قرارة "الفطرة"

ولم يتحول إلى أعماق "الضرورة"، بل بقي ماثلا في ذاكرة كل منا ، وكأنه مشهد مرئي يشهده الآن. فماذا يتبقى بعد ذلك من الإيمان بالغيب! وكيف ستتحقق حكمة "الابتلاء الإيماني"

إذا كان الكل يشاهد ميثاق الله عليه عيانا! والله عز وجل قد خلق الدنيا كلها لاختبارنا في امتحان "حسن العمل"، و"حسن البناء"

و"حسن الإصلاح ومحاربة الفساد"، وكل هذه الاختبارات لا بد لها – كي تكون اختبارا – من توفير أسباب النجاح ، وأسباب الفشل، ليختار الإنسان طريقه في ظل هذه الهداية.

روى أبو داود في "السنن" (رقم4716) – وصححه الألباني -

قال: حدثنا الحسن بن علي، حدثنا حجاج بن المنهال، قال: سمعت حماد بن سلمة

يفسر حديث (كل مولود يولد على الفطرة) قال: " هذا عندنا حيث أخذ الله عليهم العهد في أصلاب آبائهم، حيث قال: (ألست بربكم قالوا بلى) [الأعراف: 172] " .

ونحن نسوق هنا من أقوال العلماء ما يؤكد أن ذلك العهد والميثاق هو الفطرة، والفطرة حاضرة لا تغيب، وهي رسالة الله تعالى للعالمين لتذكيرهم بالعهد الأول

ولكنها رسالة تجمع بين الوضوح، كونها مركوزة في جميع النفوس، ولكنها في الوقت نفسه ليست شاهد عيان، وإلا لم يعد للإيمان بالغيب أي حكمة، بل لم يعد لخلق الإنسان أي فائدة جديدة.

يقول ابن قتيبة رحمه الله:

"أراد بقوله: (كل مولود يولد على الفطرة) أخذ الميثاق الذي أخذه عليهم في أصلاب آبائهم (وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى)

فلست واجدا أحدا إلا وهو مقر بأن له صانعا ومدبرا، وإن سماه بغير اسمه، أو عبد شيئا دونه، ليقربه منه عند نفسه، أو وصفه بغير صفته، أو أضاف إليه ما تعالى عنه علوا كبيرا.

قال الله تعالى: (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله)

فكل مولود في العالم على ذلك العهد والإقرار، وهي الحنيفية التي وقعت في أول الخلق، وجرت في فطر العقول.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(يقول الله تبارك وتعالى: إني خلقت عبادي جميعا حنفاء، فاجتالتهم الشياطين عن دينهم)"

انتهى من " تأويل مختلف الحديث" (ص200) .

ويقول أبو إسحاق الزجاج:

"مَعْنَاهُ أن اللَّه عزَّ وجلَّ فطر الخلق على الإيمان على ما جاء في الحديث، أن اللَّه جل ثناؤه أخرج مِنْ صُلب آدم ذُريتَهُ كالذَّرِّ، وَأَشْهَدَهُمْ على أَنْفُسِهِمْ بأنه خَالِقُهُمْ

قال اللَّه عزَّ وجلَّ: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى).

فكل مولود فهو من تلك الذرية التي شَهِدَتْ بِأنَّ اللَّهَ خَالِقُهَا. فمعنى (فِطْرَتَ اللَّهِ) دين الله الذي فَطَرَ الناس عليه"

انتهى من " معاني القرآن وإعرابه" (4/ 185) .

ويقول ابن تيمية رحمه الله:

"وَهَذَا إِخْبَار عَمَّا فطروا عَلَيْهِ من الْإِقْرَار بِأَن الله رَبهم، كَمَا قَالَ: (وَإِذ أَخذ رَبك من بني آدم من ظُهُورهمْ ذُرِّيتهمْ وأشهدهم على أنفسهم أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى) الْآيَة [سُورَة الْأَعْرَاف 172]

فَإِن هَذِه الْآيَة بَينة فِي إقرارهم وشهادتهم على أنفسهم بالمعرفة الَّتِي فطروا عَلَيْهَا، أَن الله رَبهم. وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (كل مولود مولد على الْفطْرَة)

وَطَائِفَة من الْعلمَاء جعلُوا هَذَا الْإِقْرَار لما اسْتخْرجُوا من صلب آدم ، وَأَنه أنطقهم وأشهدهم ؛ لَكِن هَذَا لم يثبت بِهِ خبر صَحِيح عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالْآيَة لَا تدل عَلَيْهِ"

انتهى من "جامع الرسائل لابن تيمية - رشاد سالم" (1/ 11) .

ويقول أيضا رحمه الله:

"أما قوله صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) :

فالصواب أنها فطرة الله التي فطر الناس عليها، وهي فطرة الإسلام، وهي الفطرة التي فطرهم عليها يوم قال: (ألست بربكم قالوا بلى). وهي السلامة من الاعتقادات الباطلة، والقبول للعقائد الصحيحة.

فإن حقيقة الإسلام أن يستسلم لله لا لغيره، وهو معنى لا إله إلا الله، وقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ذلك فقال: (كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟)

بين أن سلامة القلب من النقص كسلامة البدن وأن العيب حادث طارئ. وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يروى عن الله:

(إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرَّمَت عليهم ما أحللتُ لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا)"

انتهى من "مجموع الفتاوى" (4/ 245) .

*عبدالرحمن*
2019-02-01, 14:01
ويقول ابن قيم الجوزية رحمه الله:

"أحسن ما فسرت به الآية قوله صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة: فأبواه يهودانه وينصرانه) فالميثاق الذي أخذه سبحانه عليهم، والإشهاد الذي أشهدهم على أنفسهم

والإقرار الذي أقروا به هو الفطرة التي فطروا عليها؛ لأنه سبحانه احتج عليهم بذلك، وهو لا يحتج عليهم بما لا يعرفه أحد منهم ولا يذكره، بل بما يشركون في معرفته، والإقرار به" .

انتهى من "أحكام أهل الذمة" (2/949) .

ويقول العلامة السعدي رحمه الله:

"يقول تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ)

أي: أخرج من أصلابهم ذريتهم، وجعلهم يتناسلون ويتوالدون قرنا بعد قرن. و حين أخرجهم من بطون أمهاتهم

وأصلاب آبائهم (أَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) أي: قررهم بإثبات ربوبيته، بما أودعه في فطرهم من الإقرار، بأنه ربهم وخالقهم ومليكهم.

قالوا: بلى قد أقررنا بذلك، فإن الله تعالى فطر عباده على الدين الحنيف القيم.

فكل أحد فهو مفطور على ذلك، ولكن الفطرة قد تغير وتبدل بما يطرأ عليها من العقائد الفاسدة، ولهذا (قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ)

أي: إنما امتحناكم حتى أقررتم بما تقرر عندكم، من أن الله تعالى ربكم، خشية أن تنكروا يوم القيامة

فلا تقروا بشيء من ذلك، وتزعمون أن حجة الله ما قامت عليكم، ولا عندكم بها علم، بل أنتم غافلون عنها لاهون. فاليوم قد انقطعت حجتكم، وثبتت الحجة البالغة لله عليكم" .

انتهى من "تيسير الكريم الرحمن" (ص308) .

ثانيا :

وأما ما ذكره السائل من أننا نعيش الآن في حياتنا الثانية ، فهو مبني على القول بأن الحياة الأولى : هي إخراج الذرية من صلب آدم ، وأخذ الميثاق عليهم ، على نحو ما ذكر في سورة الأعراف .

وقد ذكرت الحياتان ، والموتتان ، في قوله تعالى : (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) البقرة/28

وهذا القول في تفسير الموتتان ، والحياتان : قول ضعيف ، مردود .

قال أبو حيان رحمه الله :

" وفي ترتيب هاتين الموتتين والحياتين اللاتي ذكر الله تعالى وامتن عليهم بها أقوال:

الأول: أن الموت الأول: العدم السابق قبل الخلق، والإحياء الأول:الخلق، والموت الثاني: المعهود في دار الدنيا، والحياة

الثانية: البعث للقيامة، قاله ابن مسعود وابن عباس ومجاهد.

الثاني: أن الموت الأول: المعهود في الدنيا، والإحياء الأول: هو في القبر للمسألة، والموت الثاني: في القبر بعد المسألة، والإحياء الثاني: الرحم

فهي ميتة إلى نفخ الروح فيحييها بالنفخ، والموت الثاني: المعهود، والإحياء الثاني: البعث. السادس: أن الموت الأول هو الخمول، والإحياء الأول: الذكر والشرف بهذا الدين والنبي الذي جاءكم، والموت الثاني: المعهود

والإحياء الثاني: البعث، قاله ابن عباس. السابع: أن الموت الأول: كون آدم من طين، والإحياء الأول: نفخ الروح فيه فحييتم بحياته، والموت الثاني: المعهود، والإحياء الثاني: البعث.

قال ابن كثير رحمه الله :

" يقول تعالى محتجا على وجوده وقدرته، وأنه الخالق المتصرف في عباده: (كيف تكفرون بالله) أي: كيف تجحدون وجوده أو تعبدون معه غيره! (وكنتم أمواتا فأحياكم)

أي: قد كنتم عدما فأخرجكم إلى الوجود، كما قال تعالى: (أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون

أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون) [الطور: 35، 36] ، وقال (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا) [الإنسان: 1] والآيات في هذا كثيرة.

وقال سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه: (قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين) [غافر: 11] قال: هي التي في البقرة: (وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم)

وقال ابن جريج ، عن عطاء، عن ابن عباس: (كنتم أمواتا فأحياكم) أمواتا في أصلاب آبائكم، لم تكونوا شيئا حتى خلقكم، ثم يميتكم موتة الحق، ثم يحييكم حين يبعثكم.

قال: وهي مثل قوله: ( ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين) .

وقال الضحاك، عن ابن عباس في قوله: (ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين) قال: كنتم ترابا قبل أن يخلقكم ، فهذه ميتة، ثم أحياكم فخلقكم فهذه حياة، ثم يميتكم فترجعون إلى القبور

فهذه ميتة أخرى، ثم يبعثكم يوم القيامة فهذه حياة أخرى. فهذه ميتتان وحياتان، فهو كقوله: (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم)

وهكذا روي عن السدي بسنده، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس -وعن مرة

عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة-وعن أبي العالية والحسن البصري ومجاهد وقتادة وأبي صالح والضحاك وعطاء الخراساني نحو ذلك.

وقال الثوري، عن السدي عن أبي صالح: (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون) قال: يحييكم في القبر ، ثم يميتكم.

وقال ابن جرير عن يونس

عن ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم؛ خلقهم في ظهر آدم ثم أخذ عليهم الميثاق، ثم أماتهم ثم خلقهم في الأرحام، ثم أماتهم، ثم أحياهم يوم القيامة. وذلك كقول الله تعالى:

(قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين) وهذا غريب والذي قبله. والصحيح ما تقدم عن ابن مسعود وابن عباس

وأولئك الجماعة من التابعين، وهو كقوله تعالى: (قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ولكن أكثر الناس لا يعلمون) [الجاثية: 26] . .

وعبر عن الحال قبل الوجود بالموت بجامع ما يشتركان فيه من عدم الإحساس، كما قال في الأصنام: (أموات غير أحياء) [النحل: 21] ، وقال (وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون) [يس: 33] ."

انتهى من "تفسير ابن كثير" (1/213).

وقال أبو حيان رحمه الله ، بعد أن حكى الخلاف في تفسير الآية :

" واختار ابن عطية القول الأول وقال: هو أولى الأقوال، لأنه لا محيد للكفار عن الإقرار به في أول ترتيبه، ثم إن قوله: وكنتم أمواتا، وإسناده آخرا الإماتة إليه، مما يقوي ذلك القول

وإذا أذعنت نفوس الكفار لكونهم أمواتا معدومين ثم للإحياء في الدنيا ثم للإماتة فيها، قوي عليهم لزوم الإحياء الآخر وجاء جحدهم له دعوى لا حجة عليها.

انتهى كلامه، وهو كلام حسن " .

انتهى من "البحر المحيط" (1/211) .

وقال الشنقيطي رحمه الله :

" والتحقيق الذي لا ينبغي العدول عنه: أن الإماتة الأولى هو كونهم في بطون أمهاتهم علقًا ومُضَغًا لا حياة فيهم قبل أن يُنفخ فيهم الروح، وأن الإحياءة الأولى هي إحياءتهم في بطون

أمهاتهم التي خرجوا بها إلى الدنيا. والإماتة الثانية: الإماتة إلى القبور، بالإحياءة الثانية: الإِحْيَاءَة من القبور بالبعث إلى الحساب والجزاء.

وهذا المعنى أوضح الله أنه المراد في سورة البقرة في قوله: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ... ) الآية [البقرة: آية 28]" .

انتهى من "العذب النمير" (4/236).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

" والصحيح أن هذه الآية ـ يعني : قوله تعالى : ( ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين )

كقوله: (وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم) فالموتة الأولى قبل هذه الحياة والموتة الثانية بعد هذه الحياة. وقوله تعالى (ثم يحييكم) بعد الموت "

انتهى ، من "مجموع الفتاوى" (4/275) .

والله أعلم.

*عبدالرحمن*
2019-02-01, 14:06
تفسير قوله تعالى : ( كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ ).

السؤال

سؤالي عن الآية رقم 9 من سورة القمر ، فقد قرأت تفسير ابن كثير باللغة الانجليزية ؛ لأفهم معنى كلمة "وازدجر" ، والتي لها عدة معاني حيث ذكر هناك : "قال مجاهد : ( وازدجر ) أي : استطير جنونا .

وقيل : ( وازدجر ) أي : انتهروه وزجروه وأوعدوه ، والأخير هو قول ابن زيد وأنه قول متوجه حسن ، فهلا ذكرتم الراجح في معنى هذه الكلمة لأتمكن من معرفة الترجمة الصحيحة ؟ وإذا كانت تعني الكلمة "أخرجوه"

فكيف يمكن التوفيق بينها وبين الآية 38 من سورة هود التي ذكرت أن قوم نوح كانوا يمرون به ويسخرون منه ، فقد يدعي أعداء الإسلام أنه كيف يمكن لهم أن يسخروا منه وهم قد أخرجوه ؟

أنا أؤمن أنه لا يوجد تناقض في القران والسنة ، وأن ما قد يظهر أنه كتعارض سببه جهلنا كما ذكر الشيخ ابن عثيمين ، ولكنني أخشى على صغار السن ممن لا يملكون العلم.

الجواب

الحمد لله

قال الله عز وجل : ( كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ * فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ) القمر/ 9، 10 .

لما ذكر الله تعالى في مطلع سورة القمر حال المكذبين لرسوله صلى الله عليه وسلم ، وأن الآيات لا تنفع فيهم، ولا تجدي عليهم شيئا، أنذرهم وخوفهم بعقوبات الأمم الماضية المكذبة للرسل

وكيف أهلكهم الله وأحل بهم عقابه.

فذكر قوم نوح، أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض ، وكان قومه يعبدون الأصنام، فدعاهم إلى توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، فعصوه وكذبوه، ولم يزل نوح عليه السلام يدعوهم إلى الله ليلا

ونهارا، وسرا وجهارا، فلم يزدهم ذلك إلا عنادا وطغيانا، وقدحا في نبيهم ، فقالوا مجنون ، وانتهروه وزجروه عن دعوى النبوة ، وعما أمرهم به من توحيد الله وترك الشرك .

قال القرطبي رحمه الله في تفسير قوله تعالى ( وازدُجِر) :

" أَيْ زُجِرَ عَنْ دَعْوَى النُّبُوَّةِ بِالسَّبِّ وَالْوَعِيدِ بِالْقَتْلِ "

انتهى من " تفسير القرطبي " (17/ 131)

وقال ابن الجوزي رحمه الله:

" قال أبو عبيدة: افتُعِل مِن زُجِر. قال المفسرون: زجروه عن مقالته ، فَدَعا عليهم نوح رَبَّهُ ( أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ) أي: فانتَقِم لي ممَّن كذَّبني "

انتهى من " زاد المسير " (4/ 199)

وقال القاسمي رحمه الله :

" وَازْدُجِرَ أي زجر عن الإنذار والتبليغ بشدة وقساوة، كما يدل عليه صيغة (افتعل) "
.
انتهى من "محاسن التأويل" : (9/90) .

وقال السعدي رحمه الله:

" أي: زجره قومه وعنفوه عندما دعاهم إلى الله تعالى، فلم يكفهم -قبحهم الله- عدم الإيمان به، ولا تكذيبهم إياه، حتى أوصلوا إليه من أذيتهم ما قدروا عليه، وهكذا جميع أعداء الرسل، هذه حالهم مع أنبيائهم.

فعند ذلك دعا نوح ربه فقال: (أَنِّي مَغْلُوبٌ) لا قدرة لي على الانتصار منهم، لأنه لم يؤمن من قومه إلا القليل النادر، ولا قدرة لهم على مقاومة قومهم، (فَانْتَصِرْ) اللهم لي منهم " .

انتهى من "تفسير السعدي" (ص 825) .

وقال ابن عاشور رحمه الله :

" لَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنَ الْخَبَرِ الْأَوَّلِ تَسْلِيَةَ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

فَرَّعَ عَلَيْهِ الْإِخْبَارَ بِحُصُولِ الْمُشَابِهَةِ بَيْنَ تَكْذِيبِ قَوْمِ نُوحٍ رَسُولَهُمْ، وَتَكْذِيبِ الْمُشْرِكِينَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي أَنَّهُ تَكْذِيبٌ لِمَنْ أَرْسَلَهُ اللَّهُ وَاصْطَفَاهُ بِالْعُبُودِيَّةِ الْخَاصَّةِ ، وَفِي أَنَّهُ تَكْذِيبٌ مَشُوبٌ بِبُهْتَانٍ،

إِذْ قَالَ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ لِرَسُولِهِ: مَجْنُونٌ، وَمَشُوبٌ بِبَذَاءَةٍ ، إِذْ آذَى كِلَا الْفَرِيقَيْنِ رَسُولَهُمْ وَازْدَجَرُوهُ "

انتهى من " التحرير والتنوير " (27/ 180) .

وقال ابن كثير رحمه الله:

" قَالَ مُجَاهِدٌ: وَازْدُجِرَ أَيْ: اسْتُطِيرَ جُنُونًا.

وَقِيلَ: وَازْدُجِرَ أَيِ: انْتَهَرُوهُ وَزَجَرُوهُ وَأَوْعَدُوهُ: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ. قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وَهَذَا مُتَوَجَّهٌ حَسَنٌ "

انتهى من " تفسير ابن كثير" (7/ 476) .

وينظر : "تفسير الطبري" (22/120) .

وقد اختار أكثر المفسرين قول ابن زيد ، وصرح بعضهم برد قول مجاهد .

فقال ابن عطية رحمه الله:

" قوله: (وَازْدُجِرَ) إخبار من الله أنهم زجروا نوحا بالسب والتخويف، قاله ابن زيد.

وذهب مجاهد إلى أن (وَازْدُجِرَ) من كلام قَوْمِ نُوحٍ، كأنهم قالوا: مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ، والمعنى: استطير جنونا واستعر جنونا، وهذا قول فيه تعسف وتحكم ".

انتهى من "تفسير ابن عطية" (5/ 213) .

وقال الشوكاني رحمه الله :

" قَوْلُهُ: (وَازْدُجِرَ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَالُوا، أَيْ: وَزُجِرَ عَنْ دَعْوَى النُّبُوَّةِ وَعَنْ تَبْلِيغِ مَا أُرْسِلَ بِهِ بِأَنْوَاعِ الزَّجْرِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى مجنون، أي: وقالوا إنه ازدجر، أَيِ: ازْدَجَرَتْهُ الْجِنُّ وَذَهَبَتْ بِلُبِّهِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى "

انتهى من "فتح القدير" (5/ 147) .

وقال الرازي (14/482) "التفسير الكبير": "والأول أصح" . يعني : قول ابن زيد

وعلى قول مجاهد : فليس فيه أنهم أخرجوه ، ولكن معناه أن الجن تسلطت عليه ، وأثرت على عقله ، فجُنّ وزاد جنونه ، فقال ما قال .

والله تعالى أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-01, 14:12
معنى قوله تعالى : ( كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ )، وبركة هذا الكيد عليه وعلى أسرته.

السؤال

خطر ببالي سؤال قبل بضعة أيام فقد جاء في سورة يوسف في الآيات من 70-77 أن نبي الله يوسف قد كذب

وأنه كان هناك خداع وتلاعب بالأدلة في إقامة الدعوى. ويقول الله في الآية 76 "وكذلك كدنا ليوسف".

أي أن الله دبر ليوسف طريقة للخداع والكذب من أجل الحصول على ما يريد إذ إن إخوته لم يأخذوا الصواع حقًا. فأنا أرجو أن أعرف الرد على هذا الادعاء الفظيع ، إذ إن علمي بالقرآن ضئيلٌ جدًا.

الجواب

الحمد لله

أولا :

الله عز وجل أصدق القائلين ، قال تعالى : (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا) النساء/ 87 ، وقال تعالى : (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا) النساء/ 122 .

فلا يجوز أن ينسب إلى الله تعالى شيء من الكذب ؛ جل الله في علاه عن ذلك ، وتنزه وتقدس.

ونبي الله يوسف عليه السلام نبي صديق ، والصديق : الفعّيل من الصدق ، ومن التصديق ، والمراد المبالغة فيه

قال الرازي رحمه الله :

" الصِّدِّيقُ: اسْمٌ لِمَنْ عَادَتُهُ الصِّدْقُ، وَمَنْ غَلَبَ عَلَى عَادَتِهِ فِعْلٌ ، إِذَا وُصِفَ بِذَلِكَ الْفِعْلِ قِيلَ فِيهِ: فِعِّيلٌ "

انتهى من " تفسير الرازي " (10/ 133) .

وقال القرطبي رحمه الله :

" الصِّدِّيقُ هُوَ الَّذِي يُحَقِّقُ بِفِعْلِهِ مَا يَقُولُ بِلِسَانِهِ "

انتهى من " تفسير القرطبي " (5/ 272).

ثانيا :

قال الله تعالى في قصة يوسف عليه السلام مع إخوته :

( فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ * قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ * قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ *

قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ * قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ *

قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ *

فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ *

قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ ) يوسف/ 70 – 77 .

قال الشيخ السعدي رحمه الله :

" (فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ) أي: كال لكل واحد من إخوته، ومن جملتهم أخوه هذا.

(جَعَلَ السِّقَايَةَ) وهو: الإناء الذي يشرب به ، ويكال فيه ( فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ ) أوعوا متاعهم . فلما انطلقوا ذاهبين، ( أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ) ولعل هذا المؤذن، لم يعلم بحقيقة الحال.

(قَالُوا) أي: إخوة يوسف (وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ) جاءوا مقبلين إليهم، ليس لهم همٌّ إلا إزالة التهمة التي رموا بها عنهم، فقالوا في هذه الحال: (مَاذَا تَفْقِدُونَ) ولم يقولوا: "ما الذي سرقنا" لجزمهم بأنهم براء من السرقة.

(قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ) أي: أجرة له على وجدانه (وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ) أي: كفيل، وهذا يقوله المؤذن المتفقد.

(قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأرْضِ) بجميع أنواع المعاصي، (وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ) فإن السرقة من أكبر أنواع الفساد في الأرض، وإنما أقسموا على علمهم أنهم ليسوا مفسدين ولا سارقين

لأنهم عرفوا أنهم سبروا من أحوالهم ما يدلهم على عفتهم وورعهم، وأن هذا الأمر لا يقع منهم بعلم من اتهموهم، وهذا أبلغ في نفي التهمة، من أن لو قالوا: " تالله لم نفسد في الأرض ولم نسرق
"
(قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ) أي: جزاء هذا الفعل (إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ) بأن كان معكم؟

(قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ) أي: الموجود في رحله (جَزَاؤُهُ) بأن يتملكه صاحب السرقة، وكان هذا في دينهم أن السارق إذا ثبتت عليه السرقة كان ملكا لصاحب المال المسروق، ولهذا قالوا: (كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ) .

(فَبَدَأَ) المفتش (بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ) وذلك لتزول الريبة التي يظن أنها فعلت بالقصد، فلما لم يجد في أوعيتهم شيئا (اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ) ولم يقل "وجدها، أو سرقها أخوه" مراعاة للحقيقة الواقعة .

فحينئذ تم ليوسف ما أراد من بقاء أخيه عنده، على وجه لا يشعر به إخوته

قال تعالى: (كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ) أي: يسرنا له هذا الكيد، الذي توصل به إلى أمر غير مذموم (مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ) لأنه ليس من دينه أن يُتملك السارق، وإنما له عندهم، جزاء آخر

فلو ردت الحكومة إلى دين الملك، لم يتمكن يوسف من إبقاء أخيه عنده، ولكنه جعل الحكم منهم، ليتم له ما أراد.

قال تعالى: (نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ) بالعلم النافع، ومعرفة الطرق الموصلة إلى مقصدها، كما رفعنا درجات يوسف، (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) فكل عالم، فوقه من هو أعلم منه حتى ينتهي العلم إلى عالم الغيب والشهادة.

فلما رأى إخوة يوسف ما رأوا (قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ) هذا الأخ، فليس هذا غريبا منه. (فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ) يعنون: يوسف عليه السلام، ومقصودهم تبرئة أنفسهم

وأن هذا وأخاه قد يصدر منهما ما يصدر من السرقة، وهما ليسا شقيقين لنا.

وفي هذا من الغض عليهما ما فيه، ولهذا: أسرها يوسف في نفسه (وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ) أي: لم يقابلهم على ما قالوه بما يكرهون، بل كظم الغيظ، وأسرَّ الأمر في نفسه. (وقَالَ)

في نفسه (أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا) حيث ذممتمونا بما أنتم على أشر منه، (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ) منا، من وصفنا بالسرقة، يعلم الله أنا براء منها "

انتهى من " تفسير السعدي " (ص 402) .

وليس هذا من يوسف عليه السلام من الكذب أو الخداع المحرم ، ولكنه من الكيد الحسن الذي كاد الله به له ليتم عليه نعمته ، ويجمعه بوالديه وأهله ، وليستقبل إخوته التوبة

وليظهر لهم خطؤهم فيما صنعوه بأبيهم وأخويهم ، وليتم الله نعمته على أبيهم يعقوب عليه السلام ، ويرد عليه ابنه بعد طول غياب وشدة معاناة

فكاد الله تعالى لنبيه هذا الكيد الحسن المبارك ، لتحصل هذه النعم للجميع ، وليس هذا من الظلم والعدوان والخداع المحرم ، حاشا وكلا .

والمنادي الذي نادى : ( أيتها العير إنكم لسارقون ) كان يظن أنهم الذين سرقوا صواع الملك ، فنادى بما يعلم ، فلم يكن كاذبا .

ويوسف عليه السلام قصد أنهم سرقوه من أبيه ، وقد صدق ، وهذا من جملة المعاريض الحسنة التي يتوصل بها إلى معرفة الحق وإقامة الدليل عليه .

قال ابن الجوزي رحمه الله :

" فإن قيل: كيف جاز ليوسف أن يُسرِّق من لم يسرق؟ فعنه أربعة أجوبة:

أحدها: أن المعنى: إِنكم لسارقون يوسف حين قطعتموه عن أبيه وطرحتموه في الجب، قاله الزجاج.

والثاني: أن المنادي نادى وهو لا يعلم أن يوسف أمر بوضع السقاية في رحل أخيه، فكان غير كاذب في قوله، قاله ابن جرير.

والثالث: أن المنادي نادى بالتسريق لهم بغير أمر يوسف
.
والرابع: أن المعنى: إِنكم لسارقون فيما يظهر لمن لم يعلم حقيقة أخباركم

كقوله: ( ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ) أي: عند نفسك، لا عندنا. وقولِ النبي صلّى الله عليه وسلم: ( كذب إِبراهيم ثلاث كَذَبات ) أي: قال قولاً يشبه الكذب، وليس به "

انتهى من " زاد المسير" (2/ 457) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

" يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَصَدَ: إنَّكُمْ لَسَارِقُونَ يُوسُفَ مِنْ أَبِيهِ ، وَهُوَ صَادِقٌ فِي هَذَا.

وَالْمَأْمُورُ قَصَدَ: إنَّكُمْ لَسَارِقُونَ الصُّوَاعَ ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُمْ سَرَقُوهُ، فَلَمْ يَكُنْ مُتَعَمِّدًا لِلْكَذِبِ، وَإِنْ كَانَ خَبَرُهُ كَذِبًا "

انتهى من " مجموع الفتاوى " (16/ 451)

وينظر أيضا : " الفتاوى الكبرى " (6/ 127).

وقال ابن القيم رحمه الله في "إغاثة اللهفان" (2/ 118):

" كان إلهام الله تعالى لإخوة يوسف عليه السلام قولهم: (مَنْ وُجِدَ فِى رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ) كيدا من الله تعالى ليوسف عليه السلام، أجراه على ألسن إخوته، وذلك خارج عن قدرته.

وكان يمكنهم أن يتخلصوا من ذلك، بأن يقولوا: لا جزاء عليه، حتى يثبت أنه هو الذى سرق، فإن مجرد وجوده فى رحله لا يوجب أن يكون سارقاً ؛ وقد كان يوسف عليه السلام عادلا لا يأخذهم بغير حجة .

وكان يمكنهم التخلص أيضا بأن يقولوا: جزاؤه أن يفعل به ما تفعلونه بالسراق فى دينكم، وقد كان من دين ملك مصر - فيما ذكر -

: أن السارق يضرب ويغرم قيمة المسروق مرتين، فلو قالوا له ذلك، لم يمكنه أن يلزمهم بما لا يلزم به غيرهم، فلذلك قال سبحانه: (كَذلكَ كِدْنَا لِيُوسُفْ مَا كَانَ لِيَأْخُذُ أَخَاهُ فِى دِينِ المَلِكِ إلا أَنْ يَشَاءَ اللهُ)

أى ما كان ليمكنه أخذه فى دين ملك مصر، لأنه لم يكن فى دينه طريق إلى أخذه.

وقوله (إِلا أَنْ يَشَاءَ اللهُ) استثناء منقطع، أى لكن إن شاء الله أخذه بطريق آخر، ويجوز أن يكون متصلا، والمعنى: إلا أن يهيئ الله سببا آخر يؤخذ به فى دين الملك غير السرقة " انتهى .

وينظر أيضا : "إعلام الموقعين" (3/ 168).

وقال ابن كثير رحمه الله :

" (كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ) وَهَذَا مِنَ الْكَيْدِ الْمَحْبُوبِ الْمُرَادِ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْحِكْمَةِ وَالْمَصْلَحَةِ الْمَطْلُوبَةِ "

انتهى من " تفسير ابن كثير " (4/ 401) .

والمقصود أن ذلك كله ليس من الكذب في شيء، ولكنه من المعاريض الحسنة التي كان من آثارها : ظهور الحق ، واعتراف المخطئ بخطئه ، وتوبته منه

والتحلل من المظلوم ، وجمع الشمل ، وتحقيق موعود الله ليعقوب ويوسف عليهما السلام ،

ونصرة الله للمظلوم ، وكيده له ، وهذا كله من الفضل العظيم الذي توصلوا إليه عن طريق هذه المعاريض التي ليست بكذب ، وإن كان يظنها من لم يفهم حقيقة الأمر : أنها كذب .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-01, 14:18
ذكر محاجة إبراهيم الخليل عليه السلام لقومه .

السؤال

قال تعالى في سورة الأنعام : ( فلمّا جنّ عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين ) فهمت من تفسير ابن كثير أن إبراهيم قال ذلك من باب مجادلة الكفار. وكم أتمنى أن تشرحوا لي هذه الآية بالتفصيل

والسياق الذي أتت فيه ، حتى لا يجرؤ أحد من أعداء الإسلام على استخدمها في غير موضعها، وهو ما يقومون به في هذه الأيام مضللين بذلك بعض شبابنا .

الجواب

الحمد لله

قال الله عز وجل :( وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ

فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً

قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) الأنعام/ 75 – 79

فيخبر الله تعالى أنه قد أرى خليله إبراهيم عليه السلام من ملكوت السموات والأرض ببصيرته من دلائل وحدانيته

وربوبيته وألوهيته، ما يحصل له به تمام الإيمان بالله واليقين بموعوده الحق ، وما يقدر به على محاجة مخالفيه ، ودحض شبههم وباطلهم ، وإقامة الحجة البينة البالغة على ما جاء به من الحق .

(فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ) أي: أظلم (رَأَى كَوْكَبًا) من الكواكب المضيئة التي في السماء، قَالَ لمن يخاصمونه ويجادلونه (هَذَا رَبِّي) أي: على وجه التنزل مع هؤلاء الخصماء

أي: هذا ربي، فهلم ننظر، هل يستحق الربوبية؟

وهل يقوم لنا دليل على ذلك؟ فإنه لا ينبغي لعاقل أن يتخذ إلهه هواه، بغير حجة ولا برهان.

(فَلَمَّا أَفَلَ) أي: غاب ذلك الكوكب (قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ) أي: الذي يغيب ويختفي عمن عبده، فإن المعبود لا بد أن يكون قائما بمصالح من عبده، ومدبرا له في جميع شئونه، فأما الذي يمضي وقت كثير وهو غائب، فمن أين يستحق العبادة؟!

وهل اتخاذه إلها إلا من أسفه السفه، وأبطل الباطل؟!

(فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا) أي: طالعا، رأى زيادته على نور الكواكب ومخالفته لها (قَالَ هَذَا رَبِّي) تنزلا مع الخصم لتقوم الحجة عليه

. (فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ) فافتقر غاية الافتقار إلى هداية ربه، وعلم أنه إن لم يهده الله فلا هادي له، وإن لم يعنه على طاعته، فلا معين له.

(فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ) من الكوكب ومن القمر. (فَلَمَّا أَفَلَتْ) تقرر حينئذ الهدى، واضمحل الردى فـ (قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) حيث قام البرهان الصادق الواضح، على بطلانه.

(إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ حَنِيفًا) أي: لله وحده ، مقبلا عليه، معرضا عن من سواه. (وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) فتبرأ من الشرك، وأذعن بالتوحيد، وأقام على ذلك البرهان.

" تفسير السعدي" (ص 262) .

وقد ذكر غير واحد من أهل العلم أن إبراهيم إنما قال ذلك على سبيل التنزل والمحاجة لقومه ، كما مر في النقل السابق عن العلامة ابن سعدي رحمه الله ، لا أنه كان ناظرا ، متأملا ، مستدلا به على وحدانية ربه .

قال ابن كثير رحمه الله :

" وَالْحَقُّ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، كَانَ فِي هَذَا الْمَقَامِ مُنَاظِرًا لِقَوْمِهِ، مُبَيِّنًا لَهُمْ بُطْلَانَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ الْهَيَاكِلِ وَالْأَصْنَامِ، فَبَيَّنَ فِي الْمَقَامِ الْأَوَّلِ مَعَ أَبِيهِ خَطَأَهُمْ فِي عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ الْأَرْضِيَّةِ، الَّتِي

هِيَ عَلَى صُورَةِ الْمَلَائِكَةِ السَّمَاوِيَّةِ، لِيَشْفَعُوا لَهُمْ إِلَى الْخَالِقِ الْعَظِيمِ ، الَّذِينَ هُمْ عِنْدَ أَنْفُسِهِمْ أَحْقَرُ مِنْ أَنْ يَعْبُدُوهُ، وَإِنَّمَا يَتَوَسَّلُونَ إِلَيْهِ بِعِبَادَةِ مَلَائِكَتِهِ، لِيَشْفَعُوا لَهُمْ عِنْدَهُ فِي الرِّزْقِ وَالنَّصْرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ.

وَبَيَّنَ فِي هَذَا الْمَقَامِ خَطَأَهُمْ وَضَلَالَهُمْ فِي عِبَادَةِ الْهَيَاكِلِ

وَهِيَ الْكَوَاكِبُ السَّيَّارَةُ السَّبْعَةُ الْمُتَحَيِّرَةُ، وَهِيَ: الْقَمَرُ، وَعُطَارِدُ، وَالزَّهْرَةُ، وَالشَّمْسُ، وَالْمِرِّيخُ، وَالْمُشْتَرَى، وَزُحَلُ، وَأَشُدُّهُنَّ إِضَاءَةً وَأَشْرَقُهُنَّ عِنْدَهُمُ الشَّمْسُ، ثُمَّ الْقَمَرُ، ثُمَّ الزُّهَرَةُ.

فَبَيَّنَ أَوَّلًا أَنَّ هَذِهِ الزُّهْرَةَ لَا تَصْلُحُ لِلْإِلَهِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا مُسَخَّرَةٌ مَقَدَّرَةٌ بِسَيْرٍ مُعَيَّنٍ، لَا تَزِيغُ عَنْهُ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا ، وَلَا تَمْلِكُ لِنَفْسِهَا تَصَرُّفًا.

ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى الْقَمَرِ، فَبَيَّنَ فِيهِ مِثْلَ مَا بَيَّنَ فِي النَّجْمِ.

ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى الشَّمْسِ كَذَلِكَ.

فَلَمَّا انْتَفَتِ الْإِلَهِيَّةُ عَنْ هَذِهِ الْأَجْرَامِ الثَّلَاثَةِ ، الَّتِي هِيَ أَنْوَرُ مَا تَقَعُ عَلَيْهِ الْأَبْصَارُ، وَتَحَقَّقَ ذَلِكَ بِالدَّلِيلِ الْقَاطِعِ، (قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) ؛ أَيْ: أَنَا بَرِيءٌ مِنْ عِبَادَتِهِنَّ وَمُوَالَاتِهِنَّ

فَإِنْ كَانَتْ آلِهَةً، فَكِيدُونِي بِهَا جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونَ، (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ حَنِيفًا

وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) أَيْ: إِنَّمَا أَعْبُدُ خَالِقَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَمُخْتَرِعَهَا وَمُسَخِّرَهَا وَمُقَدِّرَهَا وَمُدَبِّرَهَا، الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، وَخَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَرَبُّهُ وَمَلِيكُهُ وَإِلَهُهُ " .

انتهى من " تفسير ابن كثير " (3/ 292) .

وقال العلامة الشنقيطي رحمه الله :

" قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيَلُّ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي، الْآيَاتِ، قَوْلُهُ: هَذَا رَبِّي [6 76] ، فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ مُحْتَمَلٌ لِأَنَّهُ كَانَ يَظُنُّ ذَلِكَ، كَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ .

وَمُحْتَمَلٌ، لِأَنَّهُ جَازِمٌ بِعَدَمِ رُبُوبِيَّةِ غَيْرِ اللَّهِ، وَمُرَادُهُ هَذَا رَبِّي فِي زَعْمِكُمُ الْبَاطِلِ، أَوْ أَنَّهُ حَذَفَ أَدَاةَ اسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِ، وَالْقُرْآنُ يُبَيِّنُ بُطْلَانَ الْأَوَّلِ، وَصِحَّةَ الثَّانِي.

أَمَّا بُطْلَانُ الْأَوَّلِ: فَاللَّهُ تَعَالَى نَفَى كَوْنَ الشِّرْكِ الْمَاضِي عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِي قَوْلِهِ: ( وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) ، فِي عِدَّةِ آيَاتٍ، وَنَفْيُ الْكَوْنِ الْمَاضِي يَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ الزَّمَنِ الْمَاضِي، فَثَبَتَ أَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ عَلَيْهِ شِرْكٌ يَوْمًا مَا.

وَأَمَّا كَوْنُهُ جَازِمًا مُوقِنًا بِعَدَمِ رُبُوبِيَّةِ غَيْرِ اللَّهِ، فَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ تَرْتِيبُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ( فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي ) إِلَى آخِرِهِ، بِالْفَاءِ عَلَى

قَوْلِهِ تَعَالَى: ( وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ) .

فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ مُوقِنًا مُنَاظِرًا وَمُحَاجًّا لَهُمْ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ( وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ )

وَقَوْلُهُ: ( وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ ) الْآيَةَ ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى."

انتهى من "أضواء البيان" (1/486) .

وانظر أيضا : "التحرير والتنوير" لابن عاشور (7/319) .

فإبراهيم عليه السلام إنما قال ذلك على سبيل التنزل مع الخصم لإقامة الحجة عليه ، وحصول البرهان القاطع على وحدانية الله ، وأنه المستحق للعبادة وحده ، وأن ما عداه مخلوق مربوب

ولم يقل ذلك معتقدا أن هذه الكواكب آلهة ، ولا شاكا في ألوهية الله تعالى .

والله أعلم .

و اخيرا

الحمد لله الذي بفضلة تتم الصالحات

اخوة الاسلام

اكتفي بهذا القدر و لنا عوده
ان قدر الله لنا البقاء و اللقاء

و اسال الله ان يجمعني بكم دائما
علي خير

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين

*عبدالرحمن*
2019-02-03, 14:55
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)
اخوة الاسلام

أحييكم بتحية الإسلام
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)


كيف نعمل بمقتضى اسم الله تعالى ، : "الأحد" .

السؤال

كيف أعمل بمقتضى اسم الله عز وجل : الأحد ؟

الجواب

الحمد لله

"الأحد" من أسماء الله الحسنى .

قال تعالى : (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) الإخلاص/ 1 .

و"الأحد" : هو الفرد الذي لم يزل وحده، ولم يكن معه آخر ، وهو المنفرد بوحدانيته في ذاته وفي ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته .

قال الشيخ السعدي رحمه الله :

" "الواحد، الأحد": وهو الذي توحد بجميع الكمالات ، بحيث لا يشاركه فيها مشارك. ويجب على العبيد توحيده، عقلا وقولا وعملا بأن يعترفوا بكماله المطلق، وتفرده بالوحدانية، ويفردوه بأنواع العبادة. "

انتهى من "تفسير السعدي" (945) .

والعمل بمقتضى هذا الاسم: يكون بإفراد الله تعالى بربوبيته ، فهو المنفرد بالخلق والملك والتدبير ، ثم يتبع هذا ، ألا نشرك به شيئا في العبادة ونعمل لوجهه الكريم، ونحرص على الإخلاص له سبحانه في أقوالنا وأعمالنا.

ف " إن أعظم أثر وموجب لهذين الاسمين الجليلين الكريمين ـ الواحد ، الأحد ـ : هو إفراده - سبحانه وتعالى - بالربوبية والإلهية ، وتوحيده سبحانه بأفعاله وصفاته ، وتوحيده بأفعال عباده.

فكما أنه واحد في ربوبيته ، حيث هو الخالق الرازق المحيي المميت المالك المتصرف في خلقه كيف يشاء ؛ فهو واحد في ألوهيته ، فلا إله إلا هو وحده لا شريك له.

وحينئذ يتحقق توحيد العبد لربه سبحانه ، ويتحقق إفراده - عز وجل - بجميع أنواع العبادة ، حيث لا يستحق العبادة إلا هو وحده سبحانه .

وعندما يستقر هذا المعتقد في القلب ، فلابد أن يظهر ذلك في أقوال العبد، وأفعاله، وجوارحه كلها فلا يسجد، ولا يركع، ولا يصلي إلا لله وحده لا شريك له ، ولا يرجو، ولا يدعو، ولا يسأل إلا الله - عز وجل -

ولا يستغيث ، ولا يستعين ، ولا يستعيذ إلا بالله وحده ، ولا يخاف ، ولا يره ب، ولا يشفق إلا من الله وحده ، ولا يتوكل إلا عليه وحده.

والمقصود : أن من موجبات الإيمان باسمه (الواحد، الأحد) إفراده سبحانه وحده بالتأله، والدعاء، والمحبة، والتعظيم، والإجلال، والخوف، والرجاء، والتوكل وجميع أنواع العبادة.

وهذا يقتضي إفراده - عز وجل - بالحب والولاء؛ قال سبحانه: أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الأنعام: 14].
ثانيًا: تعلق القلوب بخالقها ومعبودها

وتوجهها له وحده لا شريك له، لأنه (الواحد الأحد) الذي تصمد إليه الخلائق في حاجاتها وضروراتها ، وهو القادر على كل شيء، والمالك لكل شيء، والمتصرف في كل شيء.

وهذا الشعور يريح القلوب من شتاتها واضطرابها ، ويجعلها تسكن إلى ربها ومعبودها ، وتقطع التعلق بمن لا

يملكون شيئًا ، ولا يقدرون على شيء إلا بما أقدرهم الله عليه، ولا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا ؛ فضلاً عن أن يملكوه لغيرهم !!

وهذا الشعور يجعل العبد يقطع قلبه من التعلق بالمخلوق ، ويوحد وجهته، وطلبه، وقصده لخالقه، وبارئه، ومعبوده (الواحد الأحد الصمد)، فيستريح ويطمئن، لأنه أسلم وجهه وقلبه لله وحده

ولم يتوجه لوجهات متعددة ، وشركاء متشاكسين ، يعيش بينهم في حيرة وقلق وصراع مرير .

وقد ضرب الله تعالى مثلاً لمن يعبد إلهًا واحدًا ، هو الله - عز وجل -

ومن تنازعه آلهة شتى يستعبدونه ويمزقونه.

قال الله تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الزمر/29 ..
.
وإذا وجه العبد حياته كلها لتحقيق هذا الهدف العظيم، ألا وهو عبادة الله وحده، فإنه يخضع كل شيء في حياته لهذا الهدف، وإنه بذلك يحفظ وقته وعمره من أن يضيع في غير هذه الغاية

فيشح بوقته النفيس وأنفاسه المعدودة من أن تضيع سدى، بل يشغل جميع أوقاته ودقائق عمره فيما يعود عليه بالنفع في آخرته من عمل صالح

أو دعوة إلى الله أو جهاد في سبيله، ويتحسر على فوات الدقائق من عمره أعظم من تحسره على فوات الدنيا بأسرها؛ لذلك فهو يغتنم ويهتبل نعمة الفراغ والصحة

والمال، والشباب باستعمالها في طاعة الله - عز وجل - قبل فواتها، وحتى أوقات راحته واستجمامه ومتعته ؛ ينويها عبادة لله - عز وجل - ليتقوى بها على طاعة أخرى ، بعد إجمام النفس ونشاطها..."

انتهى ، باختصار من "ولله الأسماء الحسنى" (114-117) .

والله تعالى أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-03, 14:57
كيف أعمل بمقتضى اسم الله تعالى " الأعلى "

السؤال

كيف نعمل بمقتضى اسم الله تعالى "الأعلى" "؟

الجواب

الحمد لله

""الأعلى" من أسماء الله الحسنى .

قال تعالى : (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) الأعلى/ 1

و"الأعلى" : هو الذي له العلو المطلق من كل وجه .

قال السعدي رحمه الله :

" العلي الأعلى" وهو الذي له العلو المطلق من جميع الوجوه، علو الذات، وعلو القدر والصفات، وعلو القهر.

فهو الذي على العرش استوى ، وعلى الملك احتوى. وبجميع صفات العظمة والكبرياء والجلال والجمال وغاية الكمال اتصف ، وإليه فيها المنتهى "

انتهى من " تفسير السعدي " (ص 946) .

وينظر للأهمية : "النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى" لمحمد الحمود النجدي (1/321-337) .

والعمل بمقتضى هذا الاسم يكون أولا بمعرفة معنى العلو لله العلي العظيم

فنؤمن بعلو ذاته سبحانه على عرشه ، وأن له علو القهر والغلبة ، وهو القاهر فوق عباده ، يحكم ما يريد ، ويفعل ما يشاء ، قد قهر جميع المخلوقات فلا يخرج أحد منهم عن سلطانه وقهره .

وأن له علو المكانة والقدر ، فله المثلى الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم ، ذو قدر عظيم، لا يساويه فيه أحد من خلقه، ولا يعتريه معه نقص.

ثم بتحقيق العبودية بمقتضى هذا الاسم ، فيخضع العبد لربه ، ويشعر بفقره وحاجته إليه وضعفه بين يديه ، وأنه المستحق لكل تعظيم وإجلال

وأنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، فيسارع في عبادة ربه ، ويخشاه في ليله ونهاره ، ويراقبه في قوله وفعله ، ويعظم أمره ونهيه .

وينظر للفائدة : " ولله الأسماء الحسنى" (259-262) .

والله تعالى أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-03, 15:01
كيف أعمل بمقتضى اسم الله تعالى: الأكرم .

السؤال

كيف نعمل بمقتضى اسم الله تعالى : "الأكرم" ؟

الجواب

الحمد لله

"الأكرم" من أسماء الله الحسنى .

قال تعالى :( اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ) العلق/ 3 .

و" الأكرم" : كثير الكرم ، واسع الإحسان إلى خلقه ، قال الخطابي رحمه الله :

" هُوَ أَكْرَمُ الْأَكْرَمِينَ ، لَا يُوَازِيهِ كَرِيمٌ , وَلَا يُعَادِلُهُ فِيهِ نَظِيرٌ ، وَقَدْ يَكُونُ الْأَكْرَمُ بِمَعْنَى الْكَرِيمِ "

انتهى من "الأسماء والصفات" للبيهقي (1/ 148) .

وقال أبو حيان رحمه الله :

" الْأَكْرَمُ : صِفَةٌ تَدُلُّ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي الْكَرَمِ ، إِذْ كَرَمُهُ يَزِيدُ عَلَى كُلِّ كَرَمٍ يُنْعِمُ بِالنِّعَمِ الَّتِي لَا تُحْصَى ، وَيَحْلُمُ عَلَى الْجَانِي ، وَيَقْبَلُ التَّوْبَةَ ، وَيَتَجَاوَزُ عَنِ السَّيِّئَةِ " .

انتهى من " البحر المحيط " (10/ 507) .

وقال السعدي رحمه الله :

" أي : كثير الصفات واسعها، كثير الكرم والإحسان، واسع الجود " .

انتهى من " تفسير السعدي " (ص 930) .

وقال ابن القيم رحمه الله :

" الله سبحانه غنى كريم ، عزيز رحيم . فهو محسن إلى عبده مع غناه عنه، يريد به الخير، ويكشف عنه الضر، لا لجلب منفعة إليه من العبد، ولا لدفع مضرة، بل رحمة منه وإحسانا.

فهو سبحانه لم يخلق خلقه ليتكثر بهم من قلة ، ولا ليعتز بهم من ذلة ، ولا ليرزقوه قوة ، ولا لينفعوه، ولا ليدفعوا عنه

" انتهى من " إغاثة اللهفان " (1/ 41) .

وينظر : "النهج الأسمى" (1/377-392) .

والعمل بمقتضى هذا الاسم يكون بمعرفة كرم الله تعالى وجوده ، وأن خزائنه لا تفنى ، وكرمه وجوده لا حد له ، فيحسن العبد ظنه بربه ، ويحسن التوكل عليه

وإذا أذنب تاب إليه وأقبل عليه ، ولم ييأس من رحمته ، ولا قنط من فضله وجوده ، وإذا سأله أيقن بالإجابة ، وألح عليه في دعائه .

ومن آثار الإيمان باسميه سبحانه (الكريم، الأكرم) :

أولاً: محبته سبحانه وتعالى على كرمه وجوده ونعمه التي لا تعد ولا تحصى ، والسعي إلى تحقيق هذه المحبة ، بشكره سبحانه بالقلب واللسان والجوارح

وإفراده وحده بالعبادة، وأن لا يكون من العبد إلا ما يرضي الله سبحانه، ومجاهدة النفس في ترك ما يسخطه ، والمبادرة إلى التوبة عند الوقوع فيما لا يرضيه عز وجل ...

ثانيًا: الحياء منه سبحانه والتأدب معه - عز وجل - حيث : مع كثرة معاصي عباده ، إلا أنه لم يمنع عنهم عطاءه وكرمه وجوده .

وهذا الكرم العظيم يورث في قلب العبد المؤمن حياء وانكسارًا ، وخوفًا ورجاءً ، وبعدًا عما يسخطه سبحانه وتعالى.
ثالثًا: التعلق به وحده سبحانه ، والتوكل عليه وتفويض الأمور إليه ، وطلب الحاجات منه وحده سبحانه

لأنه الكريم الذي لا نهاية لكرمه ، والقادر الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، الحي الذي لا يموت ، بخلاف المخلوق الذي يغلب عليه الشح في العادة ، ولو كان كريمًا فإن كرمه محدود

وفان بفنائه ، وقد يريد التكرم على غيره ولكن عجزه يحول دون ذلك . قال الله تعالى: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ [الفرقان: 58] ، وقال سبحانه: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) [الشعراء: 217] .

وهذا يورث قوة الرجاء ، والطمع في كرمه ورحمته ، وقطع الرجاء من المخلوق.

رابعًا: التخلق بخلق الكرم ، والتحلي بصفة الجود والسخاء على عباد الله تعالى ، فإن الله - عز وجل -

كريم يحب من عباده الكرماء الذين يفرج الله بهم كرب المحتاجين

ويغيث بهم الملهوفين. وخلق الكرم الذي يحبه الله تعالى : ليس في الإسراف والتبذير وتضييع الأموال، وإنما هو التوسط بين الإسراف والتبذير، وبين البخل والشح.

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: "وقد مدح تعالى أهل التوسط بين الطرفين المنحرفين في غير موضع من كتابه ، فقال تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67) [الفرقان: 67] .

وقال تعالى: وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (29) [الإسراء: 29]

وقال سبحانه: وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) [الإسراء: 26].

فمنع ذي القربى والمسكين وابن السبيل حقهم : انحراف في جانب الإمساك .

والتبذير : انحراف في جانب البذل، ورضا الله فيما بينهما " .

ثم إن الكرم المطلوب من العبد لا يتوقف على الكرم بالمال فحسب، وإنما يدخل فيه الكرم بالجاه والكرم بالعلم، والكرم بالنفس والجود بها في سبيل الله.

خامسًا: كثرة دعاء الله - عز وجل - وطلب الحاجات منه سبحانه، مهما كان قدر هذه الحاجة وإحسان الظن به تعالى، فإن تأخير ، أو منع إجابة الدعاء ، وقضاء الحاجة

: لا يقدح في كرم الله سبحانه وجوده، بل إن منعه سبحانه قضاء حاجة عبده المؤمن

هي في ذاته كرمًا منه سبحانه ورحمة، إذ قد يكون في قضاء الحاجة التي يلح العبد في قضائها هلاك له في دينه أو دنياه، والله سبحانه بمنه وكرمه ورحمته لا يستجيب له ، لما يعلم من ضررها عليه لو حصلت له .

سادسًا: المُكرَم : من أكرمه الله تعالى بالإيمان والهدى ، ولو كان فقيرًا مبتلى . والمهان : من أهانه الله تعالى بالكفر والفسوق والعصيان ، ولو كان غنيًا ووجيهًا ، ذا مال وبنين: وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ [الحج: 18] ..."

انتهى، باختصار من كتاب " ولله الأسماء الحسنى" (594-596) .

ومن أهم ما ينبغي العمل به ، بمقتضى أسمائه الحسنى سبحانه : سؤاله بها ، والتوسل إليه بها

كما قال تعالى : ( وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ) الأعراف/180 .

وهذا من تمام عبوديته سبحانه ، وتمام الفقر إليه .

والله تعالى أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-03, 15:08
النيازك والأجرام المتحركة تسمى في اللغة العربية نجوما وكواكب

السؤال

سؤالي بخصوص الآية رقم/ 5 من سورة الملك، التي يقول الله سبحانه وتعالى فيها: (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ) إذ يقول ابن كثيرٍ في تفسيره : إنها تشير إلى النيازك

وأنها مصنوعةٌ منها. إلا إننا نعرف من خلال العلم أن النيازك ليست لها علاقة بالنجوم إطلاقًا

وأنا أُدرك أنه لا يجوز الحكم على القرآن من خلال العلم ؛ لأن العلم متغير، ولكني أشعر أن لهذا القول سببًا وجيهًا؛ فلا يمكن للعلم أن يقرر ما إذا كان الشيء صحيحًا بنسبة (100%)؛ بل يمكنه أن يقرر خطأ هذا الش

بنسبة (100%) ، فعلى سبيل المثال أن الأرض ليست مستوية. فنحن نعلم بنسبة (100%) أنها ليست مستوية

إلا أنه لا يمكننا الجزم بأنها مستديرة بنسبة (100%). لذا فما هو التأويل الصحيح لهذه المسألة ؟

فهذه هي الحجة الوحيدة التي يتداولها الكفار، والتي أشعر أنه من الصعب دحضها.

الجواب

الحمد لله

هذا الشك أو الطعن لا نرى له وجها إطلاقا، ولا نعتقد أنه يستحق الوصف المذكور في السؤال

أنه "حجة يتداولها الكفار من الصعب دحضها"، لسبب يسير واضح لا يختلف فيه اثنان؛ ذلك أن اللغة العربية تطلق كلمة "النجم" على جميع الأجرام السماوية، فالشهاب نجم، والنيزك نجم، والكوكب نجم .

أما تخصيص اسم "نجم" بالجرم الضخم الثابت الملتهب المضيء بنفسه ، كالشمس، وتخصيص اسم "الكوكب" بالجرم الصلب غير الملتهب ، ككواكب المجموعة الشمسية، فهذا اصطلاح فلكي

حادث جديد، لا ضير في اصطلاحه واستعماله؛ إذ لا مشاحة في الاصطلاح، ولكن من الغلط البيِّن محاكمة لغة القرآن الكريم إلى اصطلاحات المتأخرين، بل الواجب

هو فهم القرآن الكريم بما تقتضيه اللغة العربية ، لأنها اللغة التي نزل بها القرآن

ومن يغالط في هذا، حاله كحال من يفهم من كلمة (سيارة) في قوله تعالى: (وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ)

يوسف/20، أنها هذه الآلة المعروفة اليوم التي يركبها الناس للسير بها بالطاقة الميكانيكية، ثم يعترض على القرآن بأن تاريخ صنع السيارات لم يكن على عهد يوسف عليه السلام، فكيف ذكرت السيارة فيه!

والجواب - هنا وهناك - : أنه لا بد من مراعاة اختلاف المفاهيم والمصطلحات، ولا بد من مراعاة لغة العرب التي نزل بها القرآن الكريم، فهي لا تعرف تخصيص كلمة "نجم" بالجرم المضيء

وإنما فيها أن الأجرام السماوية تنقسم إلى ثابت، ومتحرك ثاقب، ومضيء ومظلم، وكلها تسمى "نجوم"

هكذا جاء إطلاق القرآن الكريم، وفي الآية المذكورة من سورة الملك، قسمت النجوم إلى نوعين: نوع هي مصابيح للسماء تضيئها، وهي النجوم المضيئة المعروفة.

ونوع متحرك سيار، يشمل كل الشهب والنيازك والكواكب وغيرها، وهذه يسميها العرب "نجوما" أيضا.

فليس في الموضوع أي خطأ علمي، وإنما فيه تنوع في الدلالة والإطلاق والمعاني.

ولهذا كانت الهاء في قوله تعالى: (وجعلناها رجوما للشياطين) عائدة على جنس النجوم، والأجرام المتحركة ، وجميع الكواكب السيارة تسمى "نجوما" ، بلا تردد ، في اللغة العربية، فلا يوجد أي إشكال علمي في الآية الكريمة.

وهذه أقوال بعض أئمة اللغة العربية ، وأهل المعرفة بلسانها ، وطرائق بيانها :

يقول الفراهيدي رحمه الله:

"كل كوكب من أعلام الكواكب : يُسمى نجماً، والنُّجومُ تجمعُ الكواكب كلَّها" .

انتهى من " العين" (6/154)

ويقول ابن سيده:

"النجم: الكوكب"

انتهى من "المحكم والمحيط الأعظم" (7/ 469) .

ويقول ابن منظور:

"النجم في الأصل: اسم لكل واحد من كواكب السماء"

انتهى من "لسان العرب" (12/ 570) .

ويقول الفيروزآبادي:

"النجم: الكوكب"

انتهى من "القاموس المحيط" (ص: 1161) .

ويقول الزبيدي
:
"(النجم) اللام فيه للجنس، وكذا لام الكوكب، أي: كل منهما يطلق على الآخر"
.
انتهى من "تاج العروس" (4/ 157).

ومن الشعر الجاهلي يقول عامر المحاربي:

وكنا نجوما كلما انقض كوكب *** بدا زاهر منهن ليس بأقتما

ينظر "منتهى الطلب من أشعار العرب" (ص130) .

فتأمل كيف أطلق اسم "الكوكب" على ما ينقض ، أي يتحرك بسرعة وقوة منها.

ولتأكيد ذلك نسوق هنا – بعد الاستقراء – جميع موارد كلمتي "نجم"

و"كوكب" في القرآن الكريم، ليظهر فيها بدلالة واضحة ، مقدار الترادف بينهما، وأن الأجرام الفلكية المتحركة كالشهب والنيازك تسمى أيضا في اللغة العربية "نجوما" و"كواكب".

(وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى) النجم/ 1

(وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ. النَّجْمُ الثَّاقِبُ) الطارق/ 1 – 3 .

(إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ. وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ. لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى

وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ. دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ. إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ)
الصافات/ 6 – 10 .

(وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ. وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ. إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ
السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ) الحِجر/ 16 – 18.

(وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا. وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ
يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا) الجن/ 8، 9 .

ومنه أيضا ما ورد في "صحيح مسلم" (رقم/220) عن حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: "كُنْتُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ رَأَى الْكَوْكَبَ الَّذِي انْقَضَّ الْبَارِحَةَ ؟" .

فسماه كوكبا ، رغم كونه ساقطا متحركا.

وبذلك يتبين أن الشهب والنيازك هي – في عرف العرب – تسمى كواكب ونجوم أيضا.

ولكن ليست جميع الكواكب والنجوم ، شهبا ونيازك .

ويؤكد ما سبق أيضا : هذه الآيات الكريمات التي تتحدث عن زينة السماء ، وهداية الطريق ، والتسخير للإنسان : كلها تسمى : "نجوم"، كما هي أيضا : "كواكب" ؛ فمن ذلك :

(وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) النحل/ 16 .

(وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) الأنعام/ 97 .

(وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ) الأعراف/ 54 .

(وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) النحل/ 12.

(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) الحج/ 18 .

(فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ) الصافات/ 88.

(وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ) الطور/ 49.

(فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ) الواقعة/ 75 .

(فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ) المرسلات/ 8 .

(إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ. وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ) التكوير/ 1، 2 .

(فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ) الأنعام/ 76 .

(إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) يوسف/ 4 .

(إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ. وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ) الانفطار/ 1، 2 .

هكذا يتبين بكل سهولة لقارئ القرآن الكريم : أنه جرى على ما جرت عليه عراقة اللغة العربية من التوسع في إطلاق كلمة "النجم" على الأجرام السماوية بأنواعها.

ولا ينكَر وجودُ تفريق دقيق بين "النجم"، و"الكوكب" لدى بعض علماء اللغة، لكن مناط الفرق هو الحجم، أو الحركة ، وأقوال أخرى ، وليس هو المناط المعاصر ، الذي هو الإضاءة بذاته من عدمها.

كما أن وجود التفريق : لا ينفي بحال من الأحوال إطلاق "النجم" و "الكوكب" على الأجرام السيارة المتحركة كالشهب
.
يقول العسكري رحمه الله:

"الكوكب : اسم للكبير من النجوم ، وكوكب كل شيء : معظمه .

والنجم : عام في صغيرها وكبيرها.

ويجوز أن يقال: الكواكب هي الثوابت. ومنه يقال: فيه كوكب من ذهب أو فضة؛ لأنه ثابت لا يزول.

والنجم : الذي يطلع منها ويغرب .

ولهذا قيل للمنجم: منجم ؛ لأنه ينظر في ما يطلع منها. ولا يقال له : مكوكب" .

انتهى من "الفروق اللغوية" (ص: 301) .

نرجو بهذا أن يزول الإشكال عن السائل الكريم بسهولة ووضوح.

والله أعلم.

*عبدالرحمن*
2019-02-03, 15:12
كيف أعمل بمقتضى اسم الله تعالى " الأول ".

السؤال

كيف نعمل بمقتضى اسم الله تعالى : "الأول"؟

الجواب

الحمد لله

"الأول" من أسماء الله الحسنى .

قال تعالى : (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) الحديد/ 3 .

و"الأول" هو : الذي ليس قبله شيء .

روى مسلم في صحيحه (2713) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يَقُولُ: " اللهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَرَبَّ الْأَرْضِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى

وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ ، اللهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ ،

وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْء ٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ ، اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ، وَأَغْنِنَا مِنَ الْفَقْرِ ) .

والعمل بمقتضى هذا الاسم يكون بمعرفة سبق فضله سبحانه ورحمته، فيحسن العبد الظن بربه

ويلجأ إليه في كافة أمره ، ويقر بفقره وحاجته إلى ربه ، وغنى ربه ، مع واسع كرمه وفضله ، فيتحقق للعبد فقر اختياري ، وعبودية خاصة

قال ابن القيم رحمه الله:

" عبوديته باسمه (الأَول) : تقتضى التجرد من مطالعة الأسباب ، والوقوف عليها ، والالتفات إِليها، وتجريد النظر إِلى مجرد سبق فضله ورحمته، وأَنه هو المبتدئ بالإِحسان من غير وسيلة من العبد،

إِذ لا وسيلة له فى العدم قبل وجوده ، وأَى وسيلة كانت هناك ، وإِنما هو عدم محض، وقد أَتى عليه حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً ؟!

فمنه سبحانه الإِعداد ، ومنه الإِمداد ، وفضله سابق على الوسائل ، والوسائل من مجرد فضله وجوده ، لم تكن بوسائل أُخرى .

فمن نزَّل اسمه الأَول على هذا المعنى أَوجب له فقراً خاصاً ، وعبودية خاصة .

وعبوديته باسمه (الآخر) : تقتضي أيضا عدم ركونه ووثوقه بالأسباب ، والوقوف معها ؛ فإنها تنعدم لا محالة وتنقضي بالآخرية ، ويبقى الدائم الباقي بعدها

فالتعلق بها تعلق بعدم وينقضي، والتعلق بالآخر سبحانه تعلق بالحي الذي لا يموت ولا يزول ؛ فالمتعلق به حقيق أن لا يزول ولا ينقطع ، بخلاف التعلق بغيره مما له آخر يفنى به .

كذا نظر العارف إليه بسبق الأولية حيث كان قبل الأسباب كلها ، وكذلك نظره إليه ببقاء الآخرية حيث يبقى بعد الأسباب كلها ؛ فكان الله ولم يكن شيء غيره ، وكل شيء هالك إلا وجهه !!

فتأمل عبودية هذين الاسمين ، وما يوجبانه من صحة الاضطرار إلى الله وحده

ودوام الفقر إليه دون كل شيء سواه ، وأن الأمر ابتدأ منه ، وإليه يرجع ؛ فهو المبتدىء بالفضل حيث لا سبب ولا وسيلة ، وإليه تنتهي الأسباب والوسائل ؛ فهو أول كل شيء وآخره .

وكما أنه رب كل شيء وفاعله وخالقه وبارئه ، فهو إلهه وغايته التي لا صلاح له ولا فلاح ولا كمال إلا بأن يكون وحده غايته ونهايته ومقصوده .

فهو الأول الذي ابتدأت منه المخلوقات ، والآخر الذي انتهت إليه عبوديتها وإرادتها ومحبتها . فليس وراء الله شيء يقصد ويعبد ويُتأله ، كما أنه ليس قبله شيء يُخلق ويُبرأ .

فكما كان واحدا في إيجادك ، فاجعله واحدا في تألهك إليه ؛ لتصح عبوديتك .

وكما ابتدأ وجودك ، وخلقك منه ؛ فاجعله نهاية حبك وإرادتك ، وتألهك إليه ، لتصح لك عبوديته باسمه ( الأول والآخر ) .
وأكثر الخلق تعبدوا له باسمه الأول ؛ وإنما الشأن في التعبد له باسمه الآخر ؛ فهذه عبودية الرسل وأتباعهم ، فهو رب العالمين ، وإله المرسلين ، سبحانه وبحمده" .

انتهى من " طريق الهجرتين " (ص 19-20) .

ومن أهم ما ينبغي العمل به ، بمقتضى أسمائه الحسنى سبحانه : سؤاله بها ، والتوسل إليه بها ، كما قال تعالى : ( وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ) الأعراف/180 .

وهذا من تمام عبوديته سبحانه ، وتمام الفقر إليه .

والله تعالى أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-03, 15:17
تفسير قول الله تعالى : ( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ).

السؤال

سمعت من بعض المشايخ أن القران سهل في حفظه ، وأنا أريد أن أعرف كيف ذلك وهو ليس نثرا ، وليس شعرا ، ويوجد فيه ألفاظ صعبة وغريبة لم أجدها في الكتب العربية ، ولم أعرف ما المقصد منها مثل ( ألم، كهيعص)

وكذلك نفس القصة تكون في أكثر من سياق ، ويوجد آيات كثيرة متشابهة ، وتختلف في أشياء بسيطة جدا ، وأيضاً تركيب النصوص القرآنية مختلف عن تركيب النصوص في الكتب ، ويوجد كتب كثيرة سهلة

وممتعة في قراءتها ، ولا يوجد فيها هذا التعقيد، أرجو الإجابة على سؤالي ، فأنا أريد أن أزداد علما، وأنا أريد أن أحفظ القرآن ؟

الجواب

الحمد لله

يقول الله عز وجل في كتابه العزيز : ( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) القمر/ 17 ، قال ابن كثير رحمه الله :
" أَيْ: سَهَّلْنَا لَفْظَهُ، وَيَسَّرْنَا مَعْنَاهُ لِمَنْ أَرَادَهُ ، لِيَتَذَكَّرَ النَّاسُ " .

انتهى من " تفسير ابن كثير" (7/ 478) .

وقال السعدي رحمه الله :

" أي : ولقد يسرنا وسهلنا هذا القرآن الكريم ، ألفاظه للحفظ والأداء ، ومعانيه للفهم والعلم ، لأنه أحسن الكلام لفظا، وأصدقه معنى ، وأبينه تفسيرا ، فكل من أقبل عليه ، يسر الله عليه مطلوبه غاية التيسير، وسهله عليه .

والذكر شامل لكل ما يتذكر به العاملون من الحلال والحرام ، وأحكام الأمر والنهي، وأحكام الجزاء والمواعظ والعبر، والعقائد النافعة والأخبار الصادقة .

ولهذا كان علم القرآن حفظا وتفسيرا، أسهل العلوم ، وأجلها على الإطلاق

وهو العلم النافع الذي إذا طلبه العبد أُعين علي ه، قال بعض السلف عند هذه الآية: هل من طالب علم فيعان عليه ؟ ولهذا يدعو الله عباده إلى الإقبال عليه والتذكر بقوله: (فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) " .

انتهى من " تفسير السعدي " (ص 825) .

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :

" المعنى: أن الله تعالى يسر القرآن، أي: يسر معانيه لمن تدبره ، ويسر ألفاظه لمن حفظه ، فإذا اتجهت اتجاهاً سليماً إلى القرآن للحفظ : يسره الله عليك، وإذا اتجهت اتجاهاً حقيقياً إلى التدبر وتفهم المعاني : يسره الله عليك "

انتهى من " لقاء الباب المفتوح " (184/ 13) بترقيم الشاملة.

فالقرآن : حفظه وفهمه وتدبره ، يسير ، ولكن على من يسره الله عليه ، ممن أقبل على حفظه ، وأحب تلاوته ، ورغب في العلم.

أما من لم يُقبل على القرآن ، وأعرض عن تلاوته ، وانشغل عنه : فهذا لا ييسره الله عليه ، فيجد السهل صعبا ، وفي تكرار آياته مللا ، وفي غرائب بعض ألفاظه وحشة

فأين هذا ممن يقبل على تلاوته ، ويسعد بصحبته ، ويتلذذ بدوام مدارسته وقراءته ، ويسأل عما أشكل عليه ؛ فهذا هو الذي ييسره الله عليه ، ويجعله من أهله ، الذين هم أهل الله وخاصته .

وقد خفي على السائل جلال القرآن وحسن نظمه ، وجزالة ألفاظه ، وخضوع العالمين له

لانشغال قلبه بما ألقى الشيطان فيه من الوسواس ، وصعب عليه من السهل

وضيق عليه سعة القرآن ورحابته !! حتى راح يزعم أن في القرآن من التركيب والتعقيد ما يخالف ظاهر

قول الله تعالى : (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ) ، أو أن فيه أشياء غريبة لم يجدها في كتب اللغة ، كالحروف المقطعة في أوائل السور .

وهذه الأحرف المقطعة : ذكر غير واحد من أهل العلم أنها ذكرت أوائل السور التي ذكرت فيها؛ بيانا لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، هذا مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها .

انظر : "فتاوى اللجنة الدائمة" (4/ 179).

فهذه الأحرف للإعجاز والتحدي ، وليست طلاسم وتراكيب غير مفهومة ، لإرادة التعقيد على الناس ، وإيهامهم بما لا علم لهم به .

وأما تكرار القصص القرآني : فهذا أيضا من الإعجاز البديع ، ومن محاسن الفصاحة، وهو صور متعددة في القرآن ، وليس فيه تكرار محض

بل لا بد من فوائد في كل خطاب ، من أنواع الاعتبار والاستدلال ، وتقرير النعم ، وتأكيد التذكير بها ، والتوكيد والإفهام ، وغير ذلك .

انظر جواب السؤالين القادمين لمعرفة أنواع التكرار في القرآن الكريم وفوائده والحكمة منه .

وكذلك الآيات المتشابهة في القرآن ، لم يحصل التشابه عبثا

ولا لإرادة التعقيد على الناس ، والتعسير عليهم ، وإنما لحكم وفوائد عظيمة ، كما يظهر من الاطلاع على فوائد التكرار ، والحكمة منه ، في جواب السؤالين المشار إليهما آنفا .

ومن ذلك :

مزيد البيان والتفصيل ، وتأكيد التحدي الذي جاء به القرآن ، وتنوع اللفظ في صورة بيانية فصيحة معجزة تأخذ بالألباب وتحير العقول .

ومن أحب كتاب الله وأحب تلاوته ، وأقبل عليه : فتح الله له ما شاء من هذه العلوم ، ويسر عليه حفظه وتدبره .
وأما من لم يقبل على كتاب الله ، ورأى في التكرار مللا وتعقيدا

انغلقت عليه أبواب الفتوح ، ولم ينعم بما ينعم الله به على أهل القرآن ، كما في قوله صلى الله عليه وسلم :

( وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ ) رواه مسلم (2699) .

أما الألفاظ الغريبة والصعبة : فهذا يقوله من يقوله لعدم علمه بلغة العرب التي نزل بها القرآن

ثم إن من جهل ذلك ، أو شيئا منه : أمكنه الاستعانة بكتب تفسير القرآن الكريم ، أو شرح ألفاظه ، وبيان معانيه : لمعرفة معنى الألفاظ التي لا يفهمها ولا يعرف معناها .

مع أن غالب ألفاظ القرآن سهلة معروفة ، يعلمها - ولو على سبيل الإجمال - أكثر الناس .

وأما اختلاف نصوص القرآن عن نصوص الكتب التي يدون فيها الشعر والنثر والأدب والقصة: فهذا لأن القرآن ليس من هذه الأصناف والأنواع المختلفة ، وإنما هو فريد في نوعه

لا يشبهه شيء من ذلك ، ولا يشبه هو هذه الأشياء ، وهذا من تمام عظمته وجلاله وبيانه وفصاحته وإعجازه .

وأما الكتب التي تصفها بأنها ممتعة فذلك في الغالب لأنها توافق هوى من يطلبها .

ومع ذلك : فإن هذه المتعة ستزول ، ويحل محلها الملل إذا كررت قراءة هذه الكتب عدة مرات

وهو ما لا يوجد في القرآن الكريم ، فكلما كررته ، وأكثرت من قراءته : زادت محبتك له ، وشوقك إليه ، وهذا أحد وجوه إعجاز القرآن الكريم .

ولو أنك أقبلت على القرآن ، وبدأت بحفظه : لتبين لك خطأ ما كنت تظنه ، وتبين لك أي حرمان كنت فيه ، وأي وهم عظيم كنت تعيشه ؟!!

فهناك عشرات الآلاف من الأطفال – أو أكثر – يحفظون القرآن الكريم عن ظهر قلب ، ومنهم من ليسوا عربا ، ولا يفهمون معناه ، إلا أن الله يسره عليهم ، وهو ما لا وجود له في أي كتاب في العالم .

فكيف يكون مثل ذلك صعبًا عسيرا ؟!

فأقبل يا عبد الله على كتاب ربك ، بقلب مفتوح ، وصدر منشرح ، وهمة عالية ، وإيمان صادق ، وشوق إلى كلام رب العالمين ، وتعظيم لمنزلته ، وادع الله جل في علاه : أن ييسر لك تدبره وحفظه

واسع في ذلك سعيا رشيدا ، والزم أحد شيوخه ، وابدأ في حفظه على يديه ، واستعن بالله ولا تعجز ، ودع عنك هذه الوساوس فإنها تمحق البركة وتذهب بالنعمة .

والله تعالى أعلم.

*عبدالرحمن*
2019-02-03, 15:22
التكرار في القرآن الكريم أنواعه وفوائده

السؤال

أبحث في موضوع وهو: مظاهر التكرار في القرآن الكريم

الجواب

الحمد لله

هذه بعض المباحث اليسيرة في " التكرار في القرآن " ، وهي تتناسب مع طبيعة الموقع ، ويمكنك التوسع في الموضوع فيما نحيل عليه من مراجع ، ومن كتب علوم القرآن عموماً .

أولاً : تعريف التكرار لغة واصطلاحاً .

قال ابن منظور :

الكَرُّ : الرجوع ، يقال : كَرَّه وكَرَّ بنفسه ، يتعدّى ولا يتعدّى ، والكَرُّ مصدر كَرَّ عليه يَكُرُّ كرًّا ... والكَرُّ : الرجوع على الشيء ، ومنه التَّكْرارُ ... ( قال ) الجوهري : كَرَّرْتُ الشيء تَكْرِيراً وتَكْراراً .

" لسان العرب " ( 5 / 135 ) .

التكرار في الاصطلاح : تكرار كلمة أو جملة أكثر من مرة لمعاني متعددة كالتوكيد ، والتهويل ، والتعظيم ، وغيرها .
ثانياً :التكرار من الفصاحة .

اعترض بعض من لا يفقه لغة العرب فراح يطعن بالتكرار الوارد في القرآن

وظن هؤلاء أن هذا ليس من أساليب الفصاحة ، وهذا من جهلهم ، فالتكرار الوارد في القرآن ليس من التكرار المذموم الذي لا قيمة له – كما سيأتي تفصيله – والذي يرد في كلام من لا يحسن اللغة أو لا يحسن التعبير .

قال السيوطي – رحمه الله - :

التكرير وهو أبلغ من التأكيد ، وهو من محاسن الفصاحة خلافاً لبعض من غلط .

" الإتقان في علوم القرآن " ( 3 / 280 ) طبعة مؤسسة النداء .

ثالثاً :أنواع التكرار .

قسَّم العلماء التكرار الوارد في القرآن إلى نوعين :

أحدهما : تكرار اللفظ والمعنى .

وهو ما تكرر فيه اللفظ دون اختلاف في المعنى ، وقد جاء على وجهين : موصول ، ومفصول .

أما الموصول : فقد جاء على وجوه متعددة : إما تكرار كلمات في سياق الآية ، مثل قوله تعالى (هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ ) المؤمنون/36 ، وإما في آخر الآية وأول التي بعدها

مثل قوله تعالى ( وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا . قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً ) الإنسان/15

16 ، وإما في أواخرها ، مثل قوله تعالى ( كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكّاً دَكّاً ) الفجر/21 ، وإما تكرر الآية بعد الآية مباشرة ، مثل قوله تعالى ( فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً . إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ) الشرح/5 ، 6 .

وأما المفصول : فيأتي على صورتين : إما تكرار في السورة نفسها ، وإما تكرار في القرآن كله
.
مثال التكرار في السورة نفسها : تكرر قوله تعالى ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) في سورة " الشعراء " 8 مرات ، وتكرر قوله تعالى ( وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ) في سورة " المرسلات " 10 مرات

وتكرر قوله تعالى ( فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) في سورة " الرحمن " 31 مرة .

ومثال التكرار في القرآن كله : تكرر قوله تعالى ( وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) 6 مرات : في " يونس " ( 48 ) و "الأنبياء" ( 38 ) و " النمل " ( 71 ) و "سبأ" ( 29 ) و " يس " ( 48 )

و " الملك " ( 25 ) ، وتكرر قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) مرتين : في " التوبة " ( 73 ) و " التحريم " ( 9 ) .

والثاني : التكرار في المعنى دون اللفظ .

وذلك مثل قصص الأنبياء مع أقوامهم ، وذِكر الجنة ونعيمها ، والنار وجحيمها .

رابعاً : فوائد التكرار

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - :

وليس في القرآن تكرار محض ، بل لابد من فوائد في كل خطاب .

" مجموع الفتاوى " ( 14 / 408 ) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله

– في التعليق على تكرار قصة موسى مع قومه - :

وقد ذكر الله هذه القصة في عدة مواضع من القرآن ، يبين في كل موضع منها من الاعتبار والاستدلال نوعاً غير النوع الآخر ، كما يسمَّى اللهُ ورسولُه وكتابُه بأسماء متعددة ، كل اسم يدل على معنى لم يدل عليه الاسم الآخر

وليس في هذا تكرار ، بل فيه تنويع الآيات مثل أسماء النبي صلى الله عليه وسلم إذا قيل : محمد

وأحمد ، والحاشر ، والعاقب ، والمقفى ، ونبي الرحمة ، ونبي التوبة ، ونبي الملحمة ، في كل اسم دلالة على معنى ليس في الاسم الآخر ، وإن كانت الذات واحدة فالصفات متنوعة .

وكذلك القرآن إذا قيل فيه : قرآن ، وفرقان ، وبيان ، وهدى ، وبصائر ، وشفاء ، ونور ، ورحمة ، وروح : فكل اسم يدل على معنى ليس هو المعنى الآخر .

وكذلك أسماء الرب تعالى إذا قيل : الملك ، القدوس ، السلام ، المؤمن ، المهيمن ، العزيز ، الجبار

المتكبر ، الخالق ، البارئ ، المصور : فكل اسم يدل على معنى ليس هو المعنى الذي في الاسم الآخر ، فالذات واحدة ، والصفات متعددة ، فهذا في الأسماء المفردة .

وكذلك في الجمل التامة ، يعبَّر عن القصة بجُمَل تدل على معانٍ فيها ، ثم يعبر عنها بجُمَل أخرى تدل على معانٍ أُخَر ، وإن كانت القصة المذكورة ذاتها واحدة فصفاتها متعددة

ففي كل جملة من الجُمَل معنًى ليس في الجُمَل الأُخَر .

" مجموع الفتاوى " ( 19 / 167 ، 168 ) .

وقال السيوطي – رحمه الله - :

وله – أي : التكرار - فوائد

منها : التقرير ، وقد قيل " الكلام إذا تكرَّر تقرَّر " ، وقد نبه تعالى على السبب الذي لأجله كرر الأقاصيص والإنذار في القرآن بقوله ( وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا ) .

ومنها : التأكيد .

ومنها : زيادة التنبيه على ما ينفي التهمة ليكمل تلقي الكلام بالقبول ، ومنه ( وَقَالَ الَّذِي آَمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ . يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ ) ، فإنه كرر فيه النداء لذلك .

ومنها : إذا طال الكلام وخشي تناسي الأول أعيد ثانيها تطرية له وتجديداً لعهده ، ومنه (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا )

(ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا )

( وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ) إلى قوله ( فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ) ، ( لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ )

(إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ ) .

ومنها : التعظيم والتهويل نحو ( الْحَاقَّةُ . مَا الْحَاقَّةُ ) ، ( الْقَارِعَةُ . مَا الْقَارِعَةُ ) ، (وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ ) .
" الإتقان في علوم القرآن " ( 3 / 281 ، 282 ) طبعة مؤسسة النداء .

خامساً : فوائد تكرار بعض القصص والآيات

1. قال أبو الفرج ابن الجوزي – رحمه الله - :

فإن قيل : ما الفائدة في تكرار قوله : ( فبأيِّ آلاء ربِّكما تُكذِّبانِ ) ؟ .

الجواب : أن ذلك التكرير لتقرير النِّعم وتأكيد التذكير بها ، قال ابن قتيبة : من مذاهب العرب التكرار للتوكيد والإفهام ، كما أن من مذاهبهم الاختصار للتخفيف والإيجاز ؛ لأن افتنان المتكلِّم والخطيب في الفنون أحسن من اقتصاره

في المقام على فنٍّ واحدٍ ، يقول القائل منهم : واللهِ لا أفعله ، ثم واللهِ لا أفعله

إذا أراد التوكيد وحسم الأطماع مِنْ أنْ يفعله ، كما يقول : واللهِ أفعلُه ، بإضمار " لا " إذا أراد الاختصار ، ويقول القائل المستعجِل : اعْجَل اعْجَل ، وللرامي : ارمِ ارمِ ،
... .
قال ابن قتيبة : فلمّا عَدَّد اللهُ تعالى في هذه السورة نعماءَه ، وأذكَرَ عِبَادَه آلاءَه ، ونبَّههم على قُدرته ، جعل كل كلمة من ذلك فاصلة بين كل نِعمتين ، ليُفَهِّمهم النِّعم ويُقَرِّرهم بها

كقولك للرجل : أَلم أُبَوِّئْكَ مَنْزِلاً وكنتَ طريداً ؟ أفتُنْكِرُ هذا ؟ ألم أحُجَّ بك وأنت صَرُورَةٌ [ هو من لم يحج قط ] ؟ أفَتُنْكِرُ هذا ؟

. " زاد المسير " ( 5 / 461 ) .

2. قال القرطبي – رحمه الله - :

وأما وجه التكرار – أي : قل يا أيها الكافرون - فقد قيل إنه للتأكيد في قطع أطماعهم ، كما تقول : والله لا أفعل كذا ، ثم والله لا أفعله .

قال أكثر أهل المعاني : نزل القرآن بلسان العرب ، ومن مذاهبهم التكرار إرادة التأكيد والإفهام ، كما أن من مذاهبهم الاختصار إرادة التخفيف والإيجاز ؛ لأن خروج الخطيب والمتكلم من شيء إلى شيء

أولى من اقتصاره في المقام على شيء واحد ، قال الله تعالى : ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) ، ( ويل يومئذ للمكذبين ) ، ( كلا سيعلمون . ثم كلا سيعلمون ) ،

و ( فإن مع العسر يسرا . إن مع العسر يسرا ) : كل هذا على التأكيد .

" تفسير القرطبي " ( 20 / 226 ) .

والله أعلم

*عبدالرحمن*
2019-02-03, 15:26
الحكمة في اختلاف اللفظ القرآني للحدث أو الموقف

السؤال

ما هو سبب اختلاف اللفظ القرآني لنفس الحدث أو الموقف على لسان قائليه ، مثال ذلك قصة إبليس عليه لعنة الله ، في سورة الأعراف يقول إبليس : (..

. قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ) آية/2، بينما في سورة الحجر يقول :

( قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون ) آية/33. فلماذا اختلف النصان هنا مع العلم بأن الموقف واحد ؟

وأمثلة هذا كثيرة في القرآن الكريم.

الجواب

الحمد لله

أولا :

لا بد أن نعرف في بداية الجواب أن الكلام المحكي في القرآن الكريم على ألسنة المتكلمين إنما هو بالمعنى وليس باللفظ ، وذلك لدليلين ظاهرين :

1-أن القرآن كلام الله ، وليس كلام أحد من المخلوقين

ولما كان كذلك كانت الأقوال المحكية على ألسنة المتكلمين بها من الناس والدواب ، هي من كلام الله ، يقص به أخبار الأولين ، وينقل كلامهم . فهي تنسب إليهم باعتبار مضمون الكلام ومعناه .

2-أن لغات الأمم السابقة لم تكن هي العربية الواردة في القرآن الكريم ، وبذلك نجزم أن الكلام المنقول على ألسنتهم إنما هو كلام الله عز وجل ، متضمنا معاني كلام المذكورين من الأمم السابقة .

جاء في " فتاوى اللجنة الدائمة " (4/6-7) :

" الكلام يطلق على اللفظ والمعنى ، ويطلق على كل واحد منهما وحده بقرينة .

وناقله عمن تكلم به من غير تحريف لمعناه ولا تغيير لحروفه ونظمه : مُخبِرٌ مُبَلِّغٌ فقط ، والكلام إنما هو لِمَن بدأه .

أمَّا إن غيَّر حروفه ونظمه مع المحافظة على معناه ، فينسب إليه اللفظ : حروفه ومعناه ، وينسب من جهة معناه إلى من تكلم به ابتداءً .

ومن ذلك ما أخبر الله به عن الأمم الماضية ، كقوله تعالى : ( وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ ) غافر/27، وقوله : ( وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ ) غافر/36.

فهاتان تسميان قرآناً ، وتنسبان إلى الله كلاماً له باعتبار حروفهما ونظمهما ؛ لأنهما من الله لا من كلام موسى وفرعون ؛ لأن النظم والحروف ليس منهما .

وتنسبان إلى موسى وفرعون باعتبار المعنى ، فإنه كان واقعاً منهما .

وهذا وذاك قد علمهما الله في الأزل وأمر بكتابتهما في اللوح المحفوظ

ثم وقع القول من موسى وفرعون بلغتهما طبق ما كان في اللوح المحفوظ ، ثم تكلم الله بذلك بحروف أخرى ونظم آخر في زمن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، فنسب إلى كلٍّ منهما باعتبار .

الشيخ عبد العزيز بن باز ، الشيخ عبد الرزاق عفيفي ، الشيخ عبد الله بن قعود " انتهى.

ثانيا :

أسلوب تكرار العبارة والقصة في القرآن الكريم ، ولكن في سياقات مختلفة وألفاظ مترادفة : هو من سمات القصص القرآني الظاهرة ، حيث يتكرر ذكر القصة الواحدة في كثير من السور

وفي كل مرة يتنوع السياق ، ويتعدد الأسلوب ، وترد القصة بعبارات جديدة ، تفتح آفاقا للمعاني والفوائد ، وأنماطا متنوعة من أساليب البلاغة والبيان

ولذلك عد العلماء والمفسرون هذا التنوع في اللفظ والعبارة من مظاهر الفصاحة والبيان ، ونصوا على أن من مقاصد القصص القرآني تفريق الحدث الواحد في سياقات مختلفة

بل وألفوا في هذا الفن مؤلفات خاصة ، منها كتاب " المقتنص في فوائد تكرار القصص " لبدر الدين بن جماعة

كما ذكر ذلك السيوطي في " الإتقان " (2/184)

يقول الزركشي رحمه الله :

" إبراز الكلام الواحد في فنون كثيرة وأساليب مختلفة لا يخفى ما فيه من الفصاحة " انتهى.

" البرهان في علوم القرآن " (3/26)

وإذا رحنا نعدد الفوائد التي يضفيها هذا الأسلوب على مجمل ما في القرآن الكريم لعددنا شيئا كثيرا ، ولكنا نذكر ههنا بعض هذه الفوائد :

1-زيادة بعض التفاصيل التي لم تذكرها الآيات من قبل ، والمثال الوارد في السؤال واحد من صور هذه الفوائد

فقد زادت الآيات في سورة الحجر قيدا في وصف الأصل الذي خلق منه آدم عليه السلام ، وهو كونه من صلصال من حمإ مسنون ، في حين لم تذكر ذلك آيات سورة الأعراف المتعلقة بالقصة .

2-تأكيد التحدي الذي جاء به القرآن لمشركي العرب أن يأتوا بشيء من مثله ، فقد كشف هذا التنوع في العبارة عن عجزهم عن الإتيان بمثله بأي نظم جاء ، وبأي عبارة عبَّروا .

3-إذهاب السآمة والملل عن القصة ، وذلك أن العرض الجديد يشد الأسماع ، ويلفت الأنظار

ويبقي صلة المتعة والفائدة بين القارئ والنص المقدس ، وهذا من المقاصد العظيمة أيضا ، " فيجد البليغ ميلا إلى سماعها ، لما جبلت عليه النفوس من حب التنقل في الأشياء المتجددة التي لكل منها حصة من الالتذاذ "

4-" ظهور الأمر العجيب في إخراج صور متباينة في النظم بمعنى واحد ، وقد كان المشركون في عصر النبي صلى الله عليه وسلم يعجبون من اتساع الأمر في تكرير هذه القصص والأنباء مع تغاير النظم

وبيان وجوه التأليف ، فعرفهم الله سبحانه أن الأمر بما يتعجبون منه مردود إلى قدرة من لا يلحقه نهاية ، ولا يقع على كلامه عدد"

5-التناسق مع الموضوع والمناسبة التي وردت القصة لأجلها ، فأحيانا تقتضي هذه المناسبة إبراز معنى في الحوار الدائر لم يكن من الضروري إبرازه في مناسبة أخرى وردت فيها القصة

وهذه الفائدة باب واسع من أبواب اكتشاف بحور بلاغة القرآن وإعجازه ، وأمثلتها التفصيلية موجودة في بطون كتب التفسير .

يمكن الاطلاع على هذه الفوائد وغيرها في كتاب " البرهان في علوم القرآن " (3/26-29)

يقول الدكتور فضل حسن عباس حفظه الله:

" المنهج القصصي في القرآن الكريم هو المنهج البديع المعجز ، حيث ذكرت القصة في سور كثيرة ، وإن خصت بعض السور بذكر حدث واحد ، ثم توزعت هذه المشاهد والأحداث على السور التي ذكرت فيها القصة

قلت أم كثرت ، بحيث تجد في كل سورة ما لا تجده في غيرها ، وبحيث يذكر في كل سورة ما يتلاءم مع موضوعها وسياقها ، وبحيث تذكر القصة في السورة في الموضع الذي اختيرت له والذي اختير لها " انتهى.

" القصص القرآني " (ص/81)

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-03, 15:33
معنى المعية في قوله تعالى : (فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ ... ) .

السؤال

يقول الله في القرآن : (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) (الآية 69، سورة النساء) ، فحسب هذه الآية فمن يطع الله ورسوله سيكون

في المنزلة نفسها في الجنة مع هؤلاء الأصناف المذكورة، وفي القرآن يتكلم الله صراحةً عن الجنة التي أعدها للمقربين ، ويتكلم عن الجنة التي أعدها لأصحاب اليمين ،والوصفان غير متطابقين

فالجنة التي أٌعدت للمقربين خيرٌ من الجنة التي أٌعدت لأصحاب اليمين ، وأصحاب اليمين هم من يطيعون الله ورسوله ، ربما ليسوا جميعًا ولكن كثيرًا منهم ، لذا فمن المفترض أن يكونوا في رفقة هؤلاء الأصناف من الناس الذين

أعدت لهم المنازل العليا من الجنة وفقًا للآية ، فكيف تكون الجنة التي أعدت لهم أقل منزلةً من الجنة التي أعدت للمقربين ؟ ألا يفترض أن يكونوا في المنزلة نفسها ؟ وهل سيكونون في المنزلة نفسها، ولكن تكون

لهم أشياءً مختلفة ؟

وإن كان الإجابة بـ نعم ، فهل يسري الأمر نفسه على أفراد العائلة ؟

عندما يلتحقون بالمنزلة نفسها لأفراد عائلتهم الذي هم أعلى منهم منزلةً

فهل تكون لهم أشياء أقل حتى وإن كانوا في المنزلة نفسها ؟

الجواب

الحمد لله

أولا :

يقول الله عز وجل في كتابه العزيز :( وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ) النساء/ 69 .

يقال في اللغة العربية : (مع) لكل من اشترك مع غيره في أمرٍ ما ، ولا يلزم من ذلك اشتراك الطرفين في جميع الأمور .
وعلى هذا

فلا يلزم من المعية في الآية الكريمة المذكورة أن يكون الجميع في درجة واحدة في الجنة ، وإنما المراد :

اشتراكهم جميعا في دخول الجنة والتنعم بنعيمها ، وإن كان لكل واحد من المؤمنين درجته التي أنزله الله إياها حسب عمله .

قال القرطبي رحمه الله :

" أَيْ هُمْ مَعَهُمْ فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ ، وَنَعِيمٍ وَاحِدٍ ، يَسْتَمْتِعُونَ بِرُؤْيَتِهِمْ وَالْحُضُورِ مَعَهُمْ ، لَا أَنَّهُمْ يُسَاوُونَهُمْ فِي الدَّرَجَةِ ، فَإِنَّهُمْ يَتَفَاوَتُونَ ، وَكُلُّ مَنْ فِيهَا قَدْ رُزِقَ الرِّضَا بِحَالِهِ "
.
انتهى من " تفسير القرطبي "(5/ 272):

وقال ابن عاشور رحمه الله :

" الْمَعِيَّةُ مَعِيَّةُ الْمَنْزِلَةِ فِي الْجَنَّةِ ، وَإِنْ كَانَتِ الدَّرَجَاتُ مُتَفَاوِتَةً " .

انتهى من " التحرير والتنوير " (5/ 116) .

وقال الحافظ الذهبي رحمه الله :

" عن ابن عمر - مرفوعاً: ( التاجر الصدوق الأمين المسلم مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة) وهو حديث جيد الإسناد، صحيح المعنى ، ولا يلزم من المعية أن يكون في درجتهم.

ومنه قوله تعالى : ( وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا )"

انتهى من " ميزان الاعتدال " (3/ 413).

ومثل هذا ما رواه البخاري (3688) عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ السَّاعَةِ ، فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ ؟ ، قَالَ: (وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا)

قَالَ: لاَ شَيْء َ، إِلَّا أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ: ( أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ)

قَالَ أَنَسٌ: فَمَا فَرِحْنَا بِشَيْءٍ ، فَرَحَنَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ) فَأَنَا أُحِبُّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ بِحُبِّي إِيَّاهُمْ ، وَإِنْ لَمْ أَعْمَلْ بِمِثْلِ أَعْمَالِهِمْ ".

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله :

" الْمَعِيَّة تَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الِاجْتِمَاعِ فِي شَيْءٍ مَا، وَلَا تَلْزَمُ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، فَإِذَا اتَّفَقَ أَنَّ الْجَمِيعَ دَخَلُوا الْجَنَّةَ ، صَدَقَتِ الْمَعِيَّةُ، وَإِنْ تَفَاوَتَتِ الدَّرَجَاتُ "

انتهى من " فتح الباري" (10/ 555).

والمؤمنون جميعا مشتركون بأنهم معًا في الجنة ، وإن كانت درجاتهم متفاوتة

قال تعالى : ( وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً * فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ) الواقعة/ 7 – 12 .

وروى البخاري (3256) ، ومسلم (2831) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: ( إِنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ يَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ ، كَمَا يَتَرَاءَوْنَ الكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الغَابِرَ فِي الأُفُقِ

مِنَ المَشْرِقِ أَوِ المَغْرِبِ ، لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ)، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، تِلْكَ مَنَازِلُ الأَنْبِيَاءِ لاَ يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ، قَالَ: (بَلَى ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا المُرْسَلِينَ) ".

ثانيا :

لا شك أن الأنبياء والصديقين ، والشهداء والصالحين ، والمقربين ، وأصحاب اليمين ، لا شك أن هؤلاء جميعا من أصناف المؤمنين ، وأولياء الله الصالحين

وأن الجميع من أهل طاعة الله وطاعة رسوله ؛ إلا أن نفس الإيمان يتفاوت ، وتتفاوت درجته بحسب ما في قلوب العباد ، ويتفاوت أهله أيضا بحسب أعمالهم

فليست طاعة الله وطاعة رسوله على منزلة واحدة ، من نالها ، لم يسبقه أحد ، ولم يتأخر عنه أحد من أهل الطاعة ؛ إنما هؤلاء جميعا درجات عند ربهم؛ وقد جعل الله لكل شيء قدرا

قال الله تعالى : ( تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ) البقرة/253 ؛ فإذا كان التفاضل حاصلا في درجات الرسل المكرمين ، فكيف بغيرهم من عوام المؤمنين والصالحين ؟!

وقال الله تعالى : ( لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ

دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ) النساء/95-96 .

وقال الله تعالى : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ

عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ) الأنفال/2-4 .

قال الواحدي رحمه الله :

" وقوله تعالى: لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ قال عطاء: يعني درجات الجنة يرتقونها بأعمالهم . ونحو هذا قال أهل المعاني: لهم مراتب بعضها أعلى من بعض على قدر أعمالهم " .

انتهى من "البسيط" (10/24) .

وقال ابن كثير رحمه الله :

" وَقَوْلُهُ: لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ أَيْ: مَنَازِلُ وَمَقَامَاتٌ وَدَرَجَاتٌ فِي الْجَنَّاتِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ آلِ عِمْرَانَ/ 163.

وَمَغْفِرَةٌ أَيْ: يَغْفِرُ لَهُمُ السَّيِّئَاتِ، وَيَشْكُرُ لَهُمُ الْحَسَنَاتِ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ فِي قَوْلِهِ: لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ بَعْضُهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ، فَيَرَى الَّذِي هُوَ فَوْقُ فَضْلَهُ عَلَى الَّذِي هُوَ أَسْفَلُ مِنْهُ، وَلَا يَرَى الَّذِي هُوَ أسفلُ أَنَّهُ فُضّل عَلَيْهِ أَحَد" .

انتهى من "تفسير ابن كثير" (4/13) .

ثالثا :

مما يتفضل الله به على عباده المؤمنين : أنه يلحق الأولاد والزوجات بالآباء والأزواج في درجاتهم ، وإن لم يبلغوها بأعمالهم ، لتقر بهم أعينهم

فقال تعالى :

( رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) غافر/ 8 .

قال الطبري رحمه الله :

" يقول : وأدخل مع هؤلاء الذين تابوا( وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ ) جنات عدن ، من صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم ، فعمل بما يرضيك عنه من الأعمال الصالحة في الدنيا .

وذُكِر أنه يُدخَل مع الرجل أبواه وولده وزوجته الجنة، وإن لم يكونوا عملوا عمله ، بفضل رحمة الله إياه "

انتهى "تفسير الطبري" (21 /356-357) .

وقال ابن كثير رحمه الله :

" وقوله : ( وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ) أي : يجمع بينهم وبين أحبابهم فيها ، من الآباء والأهلين والأبناء ، ممن هو صالح لدخول الجنة من المؤمنين ؛ لتقر أعينهم بهم

حتى إنه ترفع درجة الأدنى إلى درجة الأعلى ، من غير تنقيص لذلك الأعلى عن درجته ، بل امتنانًا من الله وإحسانا

كما قال تعالى : ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شِيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ) "

انتهى "تفسير ابن كثير" (4 /451) .

وينظر للأهمية حول تفصيل ذلك ، وتحرير المقام فيه :

جواب السؤالين القادمين

والله أعلم.

*عبدالرحمن*
2019-02-03, 15:37
هل تجتمع الأسرة بأفرادها في الجنة ؟

السؤال

هل يلقى المسلم أو يجتمع مع مَن مات أو فقدهم مِن أولاده يوم القيامة ، وكيف يكون اللقاء ، هل على نفس الشاكلة العائلية التي هي عليها في الحياة الدنيا ؟

أرجو أن توضحوا لي بشكل مفصل ، وبارك الله فيكم .

الجواب

الحمد لله

أولا :

الجنة دار الكرامة التي أعدها الله تعالى لعباده المؤمنين ، فيها من النعيم والسعادة ما لا يخطر على بال بشر ، ولا يبلغه خيال أحد ، فمن دخلها فقد سعد السعادة الحقيقية الأبدية ، وفاز فوزا عظيما .

قال الله عز وجل : ( فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) السجدة/17

ومن السعادة التي تكفل الله بها لعباده المؤمنين أن يجمع شمل الأسرة الواحدة ، الوالدين والأولاد

بعد دخولهم الجنة جميعا برحمة الله ، وشفاعة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، جاء هذا الوعد في كتاب الله الكريم ، آيات تتلى إلى يوم القيامة ، حيث يقول عز وجل :

( وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ) الطور/21

قال ابن عباس في تفسير هذه الآية :

" إن الله ليرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه في العمل لتقر بهم عينه ، ثم قرأ :

( والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء ) "

انتهى . رواه ابن أبي حاتم في "التفسير"

وابن أبي الدنيا في "العيال" (رقم/357) وغيرهم .

وانظر للتوسع: تفسير ابن جرير الطبري (22/467)

وهذا الوعد مصداق ما جاء أيضا في قوله عز وجل : ( جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ) الرعد/23

وقوله تعالى : ( ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ ) الزخرف/70

قال الحافظ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/451) :

" وقوله تعالى : ( ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم ) أي : يجمع بينهم وبين أحبابهم فيها من الآباء ، والأهلين ، والأبناء ، ممن هو صالح لدخول الجنة من المؤمنين ؛ لتقر أعينهم بهم

حتى إنه ترفع درجة الأدنى إلى درجة الأعلى ، من غير تنقيص لذلك الأعلى عن درجته

بل امتنانا من الله وإحسانا ، كما قال تعالى : ( والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين ) " انتهى.

وجاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" (المجموعة الثانية، 2/409) :

" السؤال : هل نلتقي مع أبنائنا في الآخرة ، وكلنا أمل في ذلك ؟

نأمل منكم شرح هذا الموضوع ، وأرشدونا إلى كل ما ترونه خيرا . فجزاكم الله خير الجزاء .

فكان الجواب :

الله جل وعلا أخبر أنه بفضله ومنه وكرمه يلحق ذرية المؤمنين بآبائهم في المنزلة وإن لم يبلغوا منزلتهم في العمل ، فقال جل شأنه : ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ

مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ) " انتهى.

وقال الشيخ ابن عثيمين في "فتاوى نور على الدرب" (العقيدة/ الإيمان باليوم الآخر) :

" إذا دخل أحد الجنة هل يتعرف على أقاربه ؟ نعم يتعرف على أقاربه وغيرهم من كل ما يأتيه سرور قلبه ؛ لقول الله تعالى : ( وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) بل إن الإنسان يجتمع

بذريته في منزلةٍ واحدة إذا كانت الذرية دون منزلته ، كما قال تعالى : ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِين ) " انتهى.

ثانيا :

ينبغي أن يفرق هنا بين أمرين :

الأول : تزاور أهل الجنة ، وتعارفهم ، ولقاؤهم فيما بينهم وهم في جنات النعيم ، فهذا من تمام نعيم أهل الجنة ، ولا مانع من أن يزور الأدنى منزلة في الجنة ، من هو فوقه فيها ، كما أن ذلك حاصل في الدنيا .

قال تعالى : ( فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ *

قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ * قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ *

وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ * أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ ) الصافات/50-61 .

قال ابن كثير رحمه الله :

" يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنَّهُ أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ، أَيْ: عَنْ أَحْوَالِهِمْ، وَكَيْفَ كَانُوا فِي الدُّنْيَا، وَمَاذَا كَانُوا يُعَانُونَ فِيهَا؟ وَذَلِكَ مِنْ حَدِيثِهِمْ عَلَى شَرَابِهِمْ، وَاجْتِمَاعِهِمْ فِي تُنَادِمِهِمْ وَعِشْرَتِهِمْ

فِي مَجَالِسِهِمْ، وَهُمْ جُلُوسٌ عَلَى السُّرُرِ، وَالْخَدَمِ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، يَسْعَوْنَ وَيَجِيئُونَ بِكُلِّ خَيْرٍ عَظِيمٍ، مِنْ مَآكِلَ وَمُشَارِبَ وَمَلَابِسَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ. " .

انتهى من "تفسير ابن كثير" (7/15) .

وينظر : "حادي الأرواح" لا بن القيم (1/259-263) .

وأما الجمع بين الأبناء والآباء ، أو غيرهم من الأهل ، لينزلوا منزلة واحدة في الجنة ، على وجه الدوام

فالأظهر ـ والله أعلم ـ أن ذلك خاص بمن مات صغيرا من الذرية والأبناء ؛ فيمن الله على آبائهم في الجنة ، ويرفع أبناءهم إلى منزلتهم ، لتقر أعينهم بأبنائهم فيها .

قال ابن القيم رحمه الله ، بعد حكاية الخلاف في هذه المسألة :

" واختصاص الذرية هاهنا بالصغار أظهر لئلا يلزم استواء المتأخرين بالسابقين في الدرجات ولا يلزم مثل هذا في الصغار فان أطفال كل رجل وذريته معه في درجته والله اعلم "

انتهى من "حادي الأرواح" (398) .

وهذا هو اختيار الشيخ ابن عثيمين رحمه الله أيضا

. ينظر: "الباب المفتوح" (161/4) .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-03, 15:41
هل الرفع لدرجة الآباء في الجنة يكون للذرية جميعها صغارها وكبارها ؟

السؤال

قرأتُ أنه من كرم الله سبحانه وتعالى أنه يرفع درجة الأبناء في الجنة إلى درجة آبائهم الأعلى منهم , وعلى هذا الأمر فإن أبناء الصحابة سترفع درجتهم لدرجة آبائهم ، والأحفاد لدرجة الآباء

وهكذا كل جيل يرفع الجيل التالي حتى يصل الأمر لجيلنا فنرتفع لدرجة الصحابة إذا كنا أحفادهم ، مما قد يسبب التهاون بالعمل ونعتمد على هذا الكرم الإلهي ، فما رأيكم ؟

الجواب

الحمد لله

هذا الإشكال الوارد في السؤال يرد عند الحديث على قوله تعالى : ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ) الطور/21

وقد اختلف أهل التفسير في لفظ " الذرية " هل يراد به : الصغار ، أو الكبار ، فأما من قال إن المراد به الصغار ، فلا إشكال عنده في معنى الآية

وإنما يرد الإشكال في حال كون معنى " الذرية " : الكبار ، والراجح في تفسيرها أنهم الصغار ، وعليه : فلا يرد ما استشكله الأخ السائل ، فالرفع للذرية الصغار ، وإلا للزم كون جميع أهل الجنة في درجة واحدة .

1. قال ابن قيم الجوزية رحمه الله :

" وقد اختلف المفسرون في " الذرية " في هذه الآية ، هل المراد بها : الصغار ، أو الكبار ، أو النوعان ، على ثلاثة أقوال . ..
..
ثم قال :

واختصاص " الذرية " ههنا بالصغار : أظهر ؛ لئلا يلزم استواء المتأخرين بالسابقين في الدرجات ، ولا يلزم مثل هذا في الصغار ؛ فإن أطفال كل رجل وذريته معه في درجته ، والله أعلم " انتهى .

"حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح" (ص 279-281) باختصار .

2. قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله :

" إذا كان الأولاد سعداء ، والأب من السعداء : فإن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه :

( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ) يعني : أن الإنسان إذا كان له ذرية ، وكانوا من أهل الجنة :

فإنهم يَتبعون آباءهم ، وإن نزلت درجتُهم عن الآباء ، ولهذا قال : ( وَمَا أَلَتْنَاهُمْ ) أي : ما نقصنا الآباء ( مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ) بل الآباء بقي ثوابهم موفَّراً ، ورُفعت الذرية إلى مكان آبائها

هذا ما لم يَخرج الأبناء عن الذرية بحيث ينفردون بأزواجهم ، وأهليهم ، فيكون هؤلاء لهم فضلهم الخاص ، ولا يلحقون بآبائهم ؛ لأننا لو قلنا : كل واحد يلحق بأبيه ولو كان له أزواج

أو كان منفرداً بنفسه : لكان أهل الجنة كلهم في مرتبة واحدة ؛ لأن كل واحد من ذرية من فوقه

لكن المراد بالذرية : الذين كانوا معه ، ولم ينفردوا بأنفسهم ، وأزواجهم ، وأولادهم ، فهؤلاء يرفعون إلى منزلة آبائهم ، ولا يُنقص الآباء من عملهم من شيء " انتهى .

"فتاوى نور على الدرب" ( شريط 324 ، وجه : أ ) .

3. وقال رحمه الله - أيضاً -
:
" ثم قال عز وجل : ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) الطور/21

الذين آمنوا واتبعتهم الذرية بالإيمان ، والذرية التي يكون إيمانها تبعاً : هي الذرية الصغار ، فيقول الله عز وجل : ( أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) أي : جعلنا ذريتهم تلحقهم في درجاتهم .

وأما الكبار الذين تزوجوا : فهم مستقلون بأنفسهم في درجاتهم في الجنة ، لا يلحقون بآبائهم

لأن لهم ذرية ، فهم في مقرهم ، أما الذرية الصغار التابعون لآبائهم : فإنهم يرقَّون إلى آبائهم ، هذه الترقية لا تستلزم النقص من ثواب ودرجات الآباء

ولهذا قال : ( وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ) ، ( ألتناهم ) يعني : نقصناهم ، يعني : أن ذريتهم تلحق بهم

ولا يقال أخصم من درجات الآباء بقدر ما رفعتم درجات الذرية ، بل يقول : ( وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ) " انتهى
.
"تفسير القرآن من الحجرات إلى الحديد" (ص 187) .

والله أعلم

و اخيرا

الحمد لله الذي بفضلة تتم الصالحات

اخوة الاسلام

اكتفي بهذا القدر و لنا عوده
ان قدر الله لنا البقاء و اللقاء

و اسال الله ان يجمعني بكم دائما
علي خير

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين

بـــيِسَة
2019-02-03, 18:56
سلام

كلام راقي رائع مهم وجميل

بارك الله فيك


تحياتي

*عبدالرحمن*
2019-02-05, 14:03
سلام

كلام راقي رائع مهم وجميل

بارك الله فيك


تحياتي

الحمد لله الذي بفضلة تتم الصالحات

كل الشكر و التقدير لحضورك الطيب مثلك
و في انتظار مرورك العطر دائما

بارك الله فيكِ
و جزاكِ الله عنا كل خير

*عبدالرحمن*
2019-02-05, 14:09
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)
اخوة الاسلام

أحييكم بتحية الإسلام
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)


تضمين معنى قول الله تعالى عن نبيه موسى عليه السلام : ( فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) في دعاء قضاء الحاجات.

السؤال

ما تفسير الآية ( رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) ؟ وهل يجوز دمجها مع أدعية قضاء الحاجة ؟

الجواب

الحمد لله

يقول الله تعالى عن موسى عليه السلام لما فرّ من فرعون وقومه، ووصل إلى مدين: ( وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا

قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) القصص/23، 24 .

(وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ) أي: قاصدا بوجهه مدين ، وهو جنوبي فلسطين ، حيث لا ملك لفرعون، (قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ)

أي: وسط الطريق المختصر، الموصل إليها بسهولة ورفق ، فهداه الله سواء السبيل ، فوصل إلى مدين .

( وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ) مواشيهم

وكانوا أهل ماشية كثيرة (وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ) أي: دون تلك الأمة (امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ) غنمَهما عن حياض الناس، لعجزهما عن مزاحمة الرجال ، وبخلهم وعدم مروءتهم عن السقي لهما.

(قَالَ) لهما موسى (مَا خَطْبُكُمَا) أي: ما شأنكما بهذه الحالة، (قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ) أي: قد جرت العادة أنه لا يحصل لنا سقي حتى يصدر الرعاء مواشيهم

فإذا خلا لنا الجو سقينا، (وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ) أي: لا قوة له على السقي، فليس فينا قوة، نقتدر بها، ولا لنا رجال يزاحمون الرعاء.

فرقّ لهما موسى عليه السلام ورحمهما (فَسَقَى لَهُمَا) غير طالب منهما الأجرة، ولا له قصد غير وجه الله تعالى

فلما سقى لهما، وكان ذلك وقت شدة حر، وسط النهار، بدليل قوله: (ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ) مستريحا لتلك الظلال بعد التعب.

(فَقَالَ) في تلك الحالة، مسترزقا ربه:

(رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) أي: إني مفتقر للخير الذي تسوقه إليَّ وتيسره لي. وهذا سؤال منه بحاله ؛ والسؤال بالحال : أبلغ من السؤال بلسان المقال " انتهى .

" تفسير السعدي " (ص 614) .

وقال ابن عاشور رحمه الله :

" لَمَّا اسْتَرَاحَ مِنْ مَشَقَّةِ الْمَتْحِ وَالسَّقْيِ لِمَاشِيَةِ الْمَرْأَتَيْنِ ، وَالِاقْتِحَامِ بِهَا فِي عَدَدِ الرِّعَاءِ الْعَدِيدِ، وَوَجَدَ بَرْدَ الظِّلِّ ، تَذَكَّرَ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ نِعَمًا سَابِقَةً أَسْدَاهَا اللَّهُ إِلَيْهِ

مِنْ نَجَاتِهِ مِنَ الْقَتْلِ ، وَإِيتَائِهِ الْحِكْمَةَ وَالْعِلْمَ، وَتَخْلِيصِهِ مِنْ تَبِعَةِ قَتْلِ الْقِبْطِيِّ

وَإِيصَالِهِ إِلَى أَرْضٍ مَعْمُورَةٍ بِأُمَّةٍ عَظِيمَةٍ ، بَعْدَ أَنْ قَطَعَ فَيَافِيَ وَمَفَازَاتٍ تَذَكَّرَ جَمِيعَ ذَلِكَ ، وَهُوَ فِي نِعْمَةِ بَرْدِ الظِّلِّ وَالرَّاحَةِ مِنَ التَّعَبِ، فَجَاءَ بِجُمْلَةٍ جَامِعَةٍ لِلشُّكْرِ وَالثَّنَاءِ وَالدُّعَاءِ وَهِيَ: (إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ).

وَالْفَقِيرُ: الْمُحْتَاجُ، فَقَوْلُهُ : (إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ) : شُكْرٌ عَلَى نِعَمٍ سَلَفَتْ.

وَقَوْلُهُ : (إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ) : ثَنَاءٌ عَلَى اللَّهِ بِأَنَّهُ مُعْطِي الْخَيْرِ.

وَأَحْسَنُ خَيْرٍ لِلْغَرِيبِ : وُجُودُ مَأْوًى لَهُ يَطْعَمُ فِيهِ وَيَبِيتُ، وَزَوْجَةٌ يَأْنَسُ إِلَيْهَا وَيَسْكُنُ.

فَكَانَ اسْتِجَابَةُ اللَّهِ لَهُ ، بِأَنْ أَلْهَمَ شُعَيْبًا أَنْ يُرْسِلَ وَرَاءَهُ ، لِيُنْزِلَهُ عِنْدَهُ، وَيُزَوِّجَهُ بِنْتَهُ، كَمَا أَشْعَرَتْ بِذَلِكَ فَاءُ التَّعْقِيبِ فِي قَوْلِهِ : (فَجاءَتْهُ إِحْداهُما)" .

انتهى مختصرا من " التحرير والتنوير " (20/ 102) .

فهذا منه عليه السلام سؤال بالحال، واكتفاء بإظهار حاله من الفقر والحاجة بين يدي ربه ، عن التصريح بالسؤال .
وهذا كقول أيوب عليه السلام : ( أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ).

وقول يونس عليه السلام : ( لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ )

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

" هَذَا وَصْفٌ لِحَالِهِ بِأَنَّهُ فَقِيرٌ إلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إلَيْهِ مِنْ الْخَيْرِ، وَهُوَ مُتَضَمِّنٌ لِسُؤَالِ اللَّهِ إنْزَالَ الْخَيْرِ إلَيْهِ "

انتهى من " مجموع الفتاوى " (10/ 244) .

وقال ابن كثير رحمه الله:

" قَدْ يَكُونُ السُّؤَالُ بِالْإِخْبَارِ عَنْ حَالِ السَّائِلِ وَاحْتِيَاجِهِ، كَمَا قَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: (رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) "

انتهى من " تفسير ابن كثير " (1/ 136)

وهذا إنما يكون من تضرع العبد ، وإظهار ذله ومسكنته بين يدي ربه ، يعلم أنه فقير إليه ، وأنه هو القادر على أن يغنيه بفضله عمن سواه ، فيتوسل إليه بفقره إليه ، وكمال غنى ربه .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

" وَصْفُ الْحَاجَةِ وَالِافْتِقَارِ : هُوَ سُؤَالٌ بِالْحَالِ، وَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ جِهَةِ الْعِلْمِ وَالْبَيَانِ. وَذَلِكَ [أي : السؤال بالمقال] أَظْهَرُ مِنْ جِهَةِ الْقَصْدِ وَالْإِرَادَةِ "

انتهى من " مجموع الفتاوى " (10/ 246) .

ولا بأس أن يدعو العبد المسلم بذلك في قضاء حاجاته ؛ لأنه توسل إلى الله تعالى بالفقر إليه ، وهو وصف ذاتي للعبد ، وبغنى ربه ، وهو وصف ذاتي للرب ، فهذا التوسل يناسب الرغبة فيما عند الله من الخير والبركة
.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله

" النوع الخامس - أي: من أنواع التوسل المشروع-: أن يتوسل إلى الله تعالى بذكر حاله؛ يعني أن الداعي يتوسل إلى الله تعالى بذكر حاله وما هو عليه من الحاجة

ومنه قول موسى عليه الصلاة والسلام: (رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) يتوسل إلى الله تعالى بذكر حاله أن ينزل إليه الخير "

انتهى من " مجموع فتاوى ورسائل العثيمين " (2/ 337) .

والله تعالى أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-05, 14:16
معنى قوله تعالى : ( وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ).

السؤال

ما تفسير قوله تعالى : ( وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ) في سورة الأنعام ؟

الجواب

الحمد لله

يقول الله عز وجل : ( وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) الأنعام/ 108.

نهى الله سبحانه المسلمين عن سب آلهة المشركين التي يعبدونها من دون الله ، مع أنها باطلة ؛ لئلا يكون ذلك ذريعة إلى سب المشركين الإله الحق سبحانه ؛ انتصارا لآلهتهم الباطلة ، ومعاملة للمسلمين بمثل ما قالوا .

ثم أخبر أنه سبحانه زين لكل أمة عملهم ، ثم يردّهم إليه جميعا يوم القيامة ، فيخبرهم بما عملوا , ويحاسبهم على أعمالهم : إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر .

قال ابن كثير رحمه الله :

" يَقُولُ تَعَالَى نَاهِيًا لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ عَنْ سَبِّ آلِهَةِ الْمُشْرِكِينَ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ ، إِلَّا أَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَفْسَدَةٌ أَعْظَمُ مِنْهَا، وَهِيَ مُقَابَلَةُ الْمُشْرِكِينَ بِسَبِّ إِلَهِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ.

كَمَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، لَتَنْتَهِيَنَّ عَنْ سَبِّكَ آلِهَتَنَا، أَوْ لَنَهْجُوَنَّ رَبَّكَ، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ أَنْ يَسُبُّوا أَوْثَانَهُمْ، (فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ)

وَقَالَ قَتَادَةَ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَسُبُّونَ أَصْنَامَ الْكُفَّارِ، فَيَسُبُّ الْكُفَّارُ اللَّهَ ، عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ).

وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ - وَهُوَ تَرْكُ الْمَصْلَحَةِ لِمَفْسَدَةٍ أَرْجَحَ مِنْهَا - مَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم قال: ( مَلْعُونٌ مِنْ سَبِّ وَالِدَيْهِ).

قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَكَيْفَ يَسُبُّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: (يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ). أَوْ كَمَا قَالَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ .

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ) أَيْ: وَكَمَا زَيَّنَا لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ حُبَّ أَصْنَامِهِمْ وَالْمُحَامَاةَ لَهَا وَالِانْتِصَارَ

كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ عَلَى الضَّلَالِ عَمَلَهُمُ الَّذِي كَانُوا فِيهِ، وَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ، وَالْحِكْمَةُ التَّامَّةُ فِيمَا يَشَاؤُهُ وَيَخْتَارُهُ.

(ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ) أَيْ: مَعَادُهُمْ وَمَصِيرُهُمْ.

(فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) أَيْ: يُجَازِيهِمْ بِأَعْمَالِهِمْ، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنَّ شَرًّا فَشَرٌّ "

انتهى من " تفسير ابن كثير " (3/ 314) .

وقال القرطبي رحمه الله :

" نهى سبحانه المؤمنين أَنْ يَسُبُّوا أَوْثَانَهُمْ ، لِأَنَّهُ عَلِمَ إِذَا سَبُّوهَا نَفَرَ الْكُفَّارُ وَازْدَادُوا كُفْرًا.

وقَالَ الْعُلَمَاءُ: حُكْمُهَا بَاقٍ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، فَمَتَى كَانَ الْكَافِرُ فِي مَنَعَةٍ ، وَخِيفَ أَنْ يَسُبَّ الْإِسْلَامَ

أَوِ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، أَوِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَسُبَّ صُلْبَانَهُمْ وَلَا دِينَهُمْ وَلَا كَنَائِسَهُمُ ، وَلَا يَتَعَرَّضُ إِلَى مَا يُؤَدِّي إِلَى ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْبَعْثِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ "

انتهى من " تفسير القرطبي " (7/ 61).

وقال السعدي رحمه الله :

" ينهى الله المؤمنين عن أمر كان جائزا ، بل مشروعا في الأصل ، وهو سب آلهة المشركين ، التي اتخذت أوثانا وآلهة مع الله ، التي يُتقرب إلى الله بإهانتها وسبها.

ولكن لما كان هذا السب طريقا إلى سب المشركين لرب العالمين ، الذي يجب تنزيه جنابه العظيم عن كل عيب، وآفة، وسب وقدح -نهى الله عن سب آلهة المشركين، لأنهم يحمون لدينهم

ويتعصبون له . لأن كل أمة، زين الله لهم عملهم ، فرأوه حسنا، وذبوا عنه ، ودافعوا بكل طريق ، حتى إنهم ليسبون الله رب العالمين ، الذي رسخت عظمته في قلوب الأبرار والفجار، إذا سب المسلمون آلهتهم .

ولكن الخلق كلهم ، مرجعهم ومآلهم ، إلى الله يوم القيامة، يُعرضون عليه، وتُعرض أعمالهم ، فينبئهم بما كانوا يعملون ، من خير وشر.

وفي هذه الآية الكريمة ، دليل للقاعدة الشرعية وهو أن الوسائل تعتبر بالأمور التي توصل إليها، وأن وسائل المحرم ، ولو كانت جائزة ، تكون محرمة ، إذا كانت تفضي إلى الشر "

انتهى من " تفسير السعدي " (ص 268) .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-05, 14:21
علاقة تقوى الله والعمل الصالح بالرزق والحياة الطيبة في الدنيا .

السؤال

أريد أن أعرف معنى الآيتين : (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) النحل / 97 .

وقوله (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) الرحمن/ 46 . وعلاقتهما بالرزق ، وكيف أستفيد من الرزق الطيب من خلال التوكل واليقين وحسن الظن بالله وعلاقتها بحصول البشرى ؟

الجواب

الحمد لله

قال الله تعالى : (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) النحل/ 97 .

والمقصود بالحياة الطيبة التي يحياها المؤمن في دنياه : حياة قلبه بالإيمان ، وانشراح صدره ، وسعادته بإيمانه بربه .
كما أنها تشمل الرزق الطيب الواسع الحلال ، ولكن سعة الرزق ليست شرطا لحصول الحياة الطيبة

فقد يكون العبد فقيرا ويرزقه الله القناعة والرضى بما هو فيه ، ويبارك له في القليل ، فيكون قد أحياه الله حياة طيبة وانتفع برزقه أكثر من انتفاع كثير من الأغنياء بأموالهم .

وتقوى الله – على سبيل العموم – سبب من أسباب الرزق .

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى :

" هَذَا وَعْدٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِمَنْ عَمِلَ صَالِحًا ، وَهُوَ الْعَمَلُ المتابع لكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم

مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى ، مِنْ بَنِي آدَمَ ، وَقَلْبُهُ مُؤْمِنٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِه بِأَنْ يُحْيِيَهُ اللَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً فِي الدُّنْيَا، وَأَنْ يَجْزِيَهُ بِأَحْسَنِ مَا عَمِلَهُ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ .

وَالْحَيَاةُ الطَّيِّبَةُ تَشْمَلُ وُجُوهَ الرَّاحَةِ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ كَانَتْ .

وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ أَنَّهُمْ فَسَّرُوهَا بِالرِّزْقِ الْحَلَالِ الطَّيِّبِ .

وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ فَسَّرَهَا بِالْقَنَاعَةِ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةُ وَوَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ .

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عباس: أنها هي السَّعَادَةُ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هِيَ الرِّزْقُ الْحَلَالُ ، وَالْعِبَادَةُ فِي الدُّنْيَا .

وَقَالَ الضَّحَّاكُ أَيْضًا: هِيَ الْعَمَلُ بِالطَّاعَةِ ، وَالِانْشِرَاحُ بِهَا .

وَالصَّحِيحُ : أَنَّ الْحَيَاةَ الطَّيِّبَةَ تَشْمَلُ هَذَا كُلَّهُ "

انتهى من " تفسير ابن كثير " (4/ 516) .

وهذه الآية الكريمة علاقتها بالرزق واضحة ، وهي أن تقوى الله ، والعمل الصالح : سبب في حصول نعيم الدنيا والآخرة ، ومنه الرزق الطيب الواسع

كما قال تعالى : ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ) الطلاق/ 2،3 .

قَالَ عُمَرُ بْنُ عُثْمَانَ الصَّدَفِيُّ : " وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ ، فَيَقِفُ عِنْدَ حُدُودِهِ ، وَيَجْتَنِبُ مَعَاصِيَهُ : يُخْرِجْهُ مِنَ الْحَرَامِ إِلَى الْحَلَالِ ، وَمِنَ الضِّيقِ إِلَى السَّعَةِ ، وَمِنَ النَّارِ إِلَى الْجَنَّةِ.

وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ : مِنْ حَيْثُ لَا يَرْجُو.

وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: " هُوَ الْبَرَكَةُ فِي الرِّزْقِ " .

" تفسير القرطبي " (18/ 160) .

وقال السعدي رحمه الله :

" أي: يسوق الله الرزق للمتقي ، من وجه لا يحتسبه ، ولا يشعر به " .

انتهى من " تفسير السعدي " (ص 870) .

وهذا كقوله تعالى عن أهل الكتاب : ( وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ) المائدة/ 66 .

وكقوله عز وجل : ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ) الأعراف/ 96 .
والمسلم بتمام توكله ويقينه ، وحسن ظنه بالله :

يسعد في الدارين ، ويكون له فيهما الحياة الطيبة ، فيرزق الرزق الواسع ، ويهنأ عيشه ، وتطيب أيامه ، وذلك أن التوكل واليقين وحسن الظن بالله، من أهم أعمال القلوب التي تطهر القلب ، وتملؤه إيمانا .

فإذا صلح القلب صلح الجسد كله ، وإذا فسد فسد الجسد كله ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم :

( أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ ) رواه البخاري (52) ، ومسلم (1599) .

فيأخذ المسلم بالأسباب التي يحصل بها الرزق ، ويكون معتمدا على الله واثقا بأن الله سيأتيه برزقه ، فإنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها ، كما تستوفي أجلها .

فيورثه ذلك مزيدا من الطمأنينة والقناعة والرضى ، ويبذل ماله في مرضات الله تعالى ، غير خائف من الفقر ولا من قلة الرزق ، بل يوقن أن ذلك من أسباب الرزق ، كما قال الله تعالى : (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ) ابراهيم/7 .

وكما قال الله تعالى في الحديث القدسي : ( يَا ابْنَ آدَمَ ، أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ ) رواه البخاري (4684) ، ومسلم (993) .

ثانيا :

أما الآية الثانية ، وهي قوله تعالى : (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) الرحمن/ 46 .

فالمعنى : أن من خاف مقامه بين يدي الله يوم القيامة ، وأحسن الاستعداد لذلك اليوم ؛ فأدى فرائض الله ، واجتنب محارمه : فله يوم القيامة عند ربه جنتان .

قال السعدي رحمه الله :

" أي : وللذي خاف ربه وقيامه عليه ، فترك ما نهى عنه ، وفعل ما أمره به، له جنتان من ذهب ، آنيتهما وحليتهما وبنيانهما وما فيهما، إحدى الجنتين جزاء على ترك المنهيات ، والأخرى على فعل الطاعات "

انتهى من " تفسير السعدي " (ص 831) .

وانظر: "تفسير الطبري" (23/ 55) .

وهذه الآية الكريمة لا علاقة لها بالرزق في الدنيا ، إلا من جهة أن من رزقه الله الجنتين في الآخرة ، فهو ممن أحياه في الدنيا حياة طيبة ، وقد تقدم أن الحياة الطيبة في الدنيا تشمل حياة القلب وسعة الرزق .

وقد قيل : إن المقصود بالجنتين : جنة في الدنيا ، وجنة في الآخرة . وهذا خلاف المشهور من تفسير الآية .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-05, 14:24
الفرق بين ( اسطاعوا ) و ( استطاعوا ) في سورة الكهف

السؤال

ﻣﺎ ﺍﻟﻔﺮﻕ ﺑﻴﻦ ﻓﻤﺎ اسطاعوا وما استطاعوا ﻓﻲ ﺳﻮﺭﺓ الكهف ؟

الجواب

الحمد لله

قال الله تعالى : ( فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ) الكهف / 97 .

وقد جاء مثل ذلك أيضا في السورة نفسها في قوله تعالى : ( سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً ) وفي آخر القصة : (ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً ) .

يقال : (استطاعوا) و(اسطاعوا) بالتاء وحذفها ، وهما بمعنى واحد .

وذكر بعض المفسرين أن الفائدة من هذا التغاير هي فائدة لفظية ، وأن هذا هو مقتضى الفصاحة ، حتى لا تكرر الكلمة بلفظها فإن ذلك معيب عند الفصحاء .

وهذا ظاهر في قصة ذي القرنين ، لأن التكرار واقع في الآية نفسها .

وذهب آخرون إلى أن الفائدة من هذا : فائدة معنوية ، وهي أن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى

فزيادة حرف (التاء) في إحدى الكلمتين تدل على أن الاستطاعة فيها أشد من الكلمة التي حذفت منها التاء ، فعند المقابلة بين أمرين ، يقال في الأشد منهما : (استطاع) بالتاء ، ويقال في الأخف : (اسطاع) بحذف التاء .

وهذا هو المناسب للموضعين في السورة .

ففي قصة موسى عليه السلام مع الخضر ، (سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً ) فالاستطاعة هنا أشد لأن موسى عليه السلام لم يكن علم سبب فعل الخضر ما فعل .

فلما أخبره بذلك قال : (ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً ) ، لأن الأمر هنا صار أخف .

وكذلك في الموضع الثاني ، وهي قصة ذي القرنين ، فصعودهم على السد أقل صعوبة من نقبه ، ولذلك جاء في الأول بحذف التاء (فما اسطاعوا أن يظهروه) وجاء في الثاني بالتاء (وما استطاعوا له نقبا) .

قال الطاهر بن عاشور رحمه الله في "التحرير والتنوير" (8/419) :

"(تَسْطِعْ) مضارع (اسطاع) بمعنى (استطاع) . حذف تاء الاستفعال تخفيفاً لقربها من مخرج الطاء ، والمخالفةُ بينه وبين قوله : (سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً) ، للتفنن تجنباً لإعادة لفظ بعينه مع وجود مرادفه

. وابتدىء بأشهرهما استعمالاً ، وجيء بالثانية بالفعل المخفف لأنّ التخفيف أولى به ، لأنه إذا كرر (تَسْتَطِع) يحصل من تكريره ثقل" انتهى .

وقال أيضا (8/433) :

"(اسْطَاعُوَا) تخفيف (اسَتَطَاعُوا) ، والجمع بينهما تفنن في فصاحة الكلام كراهية إعادة الكلمة . وابتدىء بالأخف منهما لأنه وليه الهمز وهو حرف ثقيل لكونه من الحلق ، بخلاف الثاني إذ وليه اللام وهو خفيف .

ومقتضى الظاهر أن يُبتدأ بفعل (اسَتَطَاعُوا) ويثني بفعل (اسْطَاعُوَا) لأنه يثقل بالتكرير

كما وقع في قوله آنفاً : (سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً) ثم قوله : (ذلك تأويل ما لم تَسْطِع عليه صبراً) .

ومن خصائص مخالفة مقتضى الظاهر هنا : إيثار فعل ذي زيادة في المبنى ، بموقع فيه زيادة المعنى لأن استطاعة نقب السد أقوى من استطاعة تسلقه ، فهذا من مواضع دلالة زيادة المبنى على زيادة في المعنى" انتهى .

وقال ابن كثير رحمه الله :

" قال تعالى : ( فما اسطاعوا أن يظهروه ) وهو الصعود إلى أعلاه ، ( وما استطاعوا له نقبا ) ، وهو أشق من ذلك ، فقابل كلا بما يناسبه لفظا ومعنى ، والله أعلم "
.
انتهى من " تفسير ابن كثير " (5/188) .

ومن اللطائف : أن القاسمي رحمه الله في تفسيره ، بعد أن ذكر بعض ما قيل في ذلك ، ختم البحث بقوله : "وما ألطف قول الشهاب في مثله : هذه زهرة لا تحتمل هذا الفرك!" .

انتهى من " محاسن التأويل " (7/56) .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-05, 14:34
لم يعذب الله تعالى في قصة أصحاب السبت إلا المعتدين منهم .

السؤال

كلنا نعلم أن اليهود كانوا قوم الله المختار وأحبائه ، وعلى حسب ما نعرف أيضا أنهم كانوا ثلاثة طوائف : الأولى : ترتكب المعاصى وتحتال . الثانية : تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر .

والثالثة : تنصح الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر أن يسكتو ا) ، فإذا أخطأت فئتان مع الله وعصوه في يوم السبت ، ثم تابت فئة وهادت إلى الله ، فكيف خصهم الله جميعا باللعنة ومسخهم كلهم ؟

رغم أنه صار هناك فئة تائبة وأخرى لم تذنب ، أليس الله بمنجي المؤمنين ؟

ثم كيف أن هذه اللعنة انتقلت من الأجداد إلى الآبناء ؟ وبأي حق ؟

الجواب

الحمد لله

أولا :

الزعم بأن اليهود كانوا شعب الله المختار وأحباءه زعم باطل ، وقد كذبهم الله تعالى في هذه الدعوى في القرآن الكريم

قال الله تعالى : (وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ) المائدة/18 .

قال السعدي رحمه الله (ص 227) :

"والابن في لغتهم هو الحبيب ، ولم يريدوا البنوة الحقيقية ، فإن هذا ليس من مذهبهم إلا مذهب النصارى في المسيح.
قال الله ردا عليهم حيث ادعوا بلا برهان : (قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ) ؟

فلو كنتم أحبابه ما عذبكم " انتهى .

وقد لعن الله تعالى أجيالا متعددة من اليهود بسبب كفرهم بالله ورسله ومعصيتهم لله .

فقال تعالى : ( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) المائدة/ 78 .

أما قوله تعالى : ( يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) البقرة/ 47

فالمقصود : التفضيل الذي حصل لهم بالملك والرسل والكتب على أهل زمانهم ، فمن آمن منهم بالله ورسله وأطاع الله كان أهلا لهذا التفضيل ، وأما الذين كفروا منهم بنعمة الله ، وقتلوا أنبياءه فقد استحقوا اللعنة .

انظر : " تفسير ابن كثير " (1/ 255) .

ثانيا :

قصّ الله تعالى علينا قصة أصحاب السبت في كتابه العزيز ، فقال :

( وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ *

وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ *

فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) الأعراف/ 163 – 166 .

فيأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يسأل بني إسرائيل (عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ) أي: على ساحله في حال تعديهم وعقاب الله إياهم .

(إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ) وكان الله تعالى قد أمرهم أن يعظموه ويحترموه ولا يصيدوا فيه صيدا، فابتلاهم الله وامتحنهم ، فكانت الحيتان تأتيهم (يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا)

أي: كثيرة طافية على وجه البحر. (وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ) أي: إذا ذهب يوم السبت (لا تَأْتِيهِمْ) أي: تذهب في البحر فلا يرون منها شيئا (كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) ففسقهم هو الذي أوجب أن يبتليهم الله

وأن تكون لهم هذه المحنة، وإلا فلو لم يفسقوا، لعافاهم الله ، ولما عرضهم للبلاء والشر، فتحيلوا على الصيد، فكانوا يحفرون لها حفرا، وينصبون لها الشباك

فإذا جاء يوم السبت ووقعت في تلك الحفر والشباك ، لم يأخذوها في ذلك اليوم ، فإذا جاء يوم الأحد أخذوها، وكثر فيهم ذلك، وانقسموا ثلاث فرق:

معظمهم اعتدوا وتجرؤوا، وأعلنوا بذلك .

وفرقة أعلنت بنهيهم والإنكار عليهم .

وفرقة اكتفت بإنكار أولئك عليهم ، ونهيهم لهم

وقالوا لهم: (لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا) كأنهم يقولون: لا فائدة في وعظ من اقتحم محارم الله ، ولم يصغ للنصيح ، بل استمر على اعتدائه وطغيانه ، فإنه لا بد أن يعاقبهم الله ، إما بهلاك أو عذاب شديد.

فقال الواعظون: نعظهم وننهاهم (مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ) أي: لنعذر فيهم.

(وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) أي: يتركون ما هم فيه من المعصية ، فلا نيأس من هدايتهم ، فربما نجع فيهم الوعظ ، وأثر فيهم اللوم.
(فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ) أي: تركوا ما ذكروا به، واستمروا على غيهم واعتدائهم .

(أَنْجَيْنَا ) من العذاب (الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ) وهكذا سنة الله في عباده ، أن العقوبة إذا نزلت نجا منها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر.

(وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا) وهم الذين اعتدوا في السبت (بِعَذَابٍ بَئِيسٍ) أي: شديد (بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ)

وأما الفرقة الأخرى التي قالت للناهين: (لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ) فاختلف المفسرون في نجاتهم وهلاكهم، والظاهر أنهم كانوا من الناجين، لأن الله خص الهلاك بالظالمين ، وهو لم يذكر أنهم ظالمون.

فدل على أن العقوبة خاصة بالمعتدين في السبت، ولأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية ، إذا قام به البعض سقط عن الآخرين ، فاكتفوا بإنكار أولئك

ولأنهم أنكروا عليهم بقولهم: (لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا) فأبدوا من غضبهم عليهم ، ما يقتضي أنهم كارهون أشد الكراهة لفعلهم، وأن الله سيعاقبهم أشد العقوبة.

(فَلَمَّا عَتَوْا عَمَّا نُهُوا عَنْهُ) أي: قسوا فلم يلينوا، ولا اتعظوا، (قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) فانقلبوا بإذن الله قردة ، وأبعدهم الله من رحمته" انتهى .

انظر: " تفسير السعدي" (ص 306) .

وقال ابن كثير رحمه الله :

" أخبرَ تَعَالَى عَنْ أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ أَنَّهُمْ صَارُوا إِلَى ثَلَاثِ فِرَقٍ: ...
.
فَنَصَّ عَلَى نَجَاةِ النَّاهِينَ، وَهَلَاكِ الظَّالِمِينَ، وَسَكَتَ عَنِ السَّاكِتِينَ؛ لِأَنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ

فَهُمْ لَا يَسْتَحِقُّونَ مَدْحًا فَيُمْدَحُوا، وَلَا ارْتَكَبُوا عَظِيمًا فَيُذَمُّوا، وَمَعَ هَذَا فَقَدَ اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ فِيهِمْ: هَلْ كَانُوا مِنَ الْهَالِكِينَ أَوْ مِنَ النَّاجِينَ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ.

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ ) فِيهِ دَلَالَةٌ بِالْمَفْهُومِ عَلَى أَنَّ الَّذِينَ بَقوا نَجَوْا "

انتهى من " تفسير ابن كثير " (3/ 494) .

وقال أيضا :

" اخْتَلَفَ فِيهِمُ الْعُلَمَاءُ عَلَى قَوْلَيْنِ ; فَقِيلَ: إِنَّهُمْ مِنَ النَّاجِينَ. وَقِيلَ: إِنَّهُمْ مِنَ الْهَالِكِينَ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ عِنْدَ الْمُحَقِّقِين َ، وَهُوَ الَّذِي رَجَعَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ ، إِمَامُ الْمُفَسِّرِينَ " .

انتهى من " البداية والنهاية " (2/ 584).

*عبدالرحمن*
2019-02-05, 14:34
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

" أَنْجَى اللَّهُ النَّاهِينَ. وَأَمَّا أُولَئِكَ الْكَارِهُونَ لِلذَّنْبِ الَّذِينَ قَالُوا: (لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا) فَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُمْ نَجَوْا لِأَنَّهُمْ كَانُوا كَارِهِينَ فَأَنْكَرُوا بِحَسَبِ قُدْرَتِهِمْ "

انتهى من " مجموع الفتاوى " (17/ 382).

فتبين بما سبق أن الله تعالى لم يؤاخذ بالعذاب إلا الظالمين الذين اعتدوا ، أما الذين نهوهم ، والذين لم ينهوهم ولم يقعوا فيما وقعوا فيه، مع بغضهم له وإنكارهم إياه بقلوبهم : فنجوا أجمعون .

فلم يمسخ الله إلا الفرقة الأولى الظالمة ، ونجى من عداهم ، فقول السائل : إن الله لعنهم جميعا ومسخهم جميعا قول غير صحيح .

وأما لعنة الله على اليهود ، فلم تكن بسبب ما فعله أسلافهم

فإن الله تعالى لا يعاقب أحدا بذنبٍ فعله غيرُه .

وإنما لعن الله الأجيال المتلاحقة من اليهود بسبب ما فعلوه من الكفر بالله تعالى ، وعصيانه

كما تدل على ذلك الآيات الواردة في هذا .

قال تعالى : ( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ *

تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ) المائدة/ 78 – 80 .

روى الطبري في تفسيره (10/ 490) عن ابن عباس قال :

" بكل لسان لُعِنوا: على عهد موسى في التوراة ، وعلى عهد داود في الزبور، وعلى عهد عيسى في الإنجيل، ولعنوا على لسان محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن " .

ففي هذه الآيات : أن لعن هذه الأجيال من بني إسرائيل كان بسبب كفرهم بالله ورسله ، ومعصيتهم لله واعتدائهم ، وعدم تناهيهم عن المنكر ، وتولي الكثير منهم الذين كفروا .

قال السعدي رحمه الله:

" أي : طردوا وأبعدوا عن رحمة الله (عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ)

أي: بشهادتهما وإقرارهما، بأن الحجة قد قامت عليهم

وعاندوها. ذَلِكَ الكفر واللعن (بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ)

أي: بعصيانهم لله ، وظلمهم لعباد الله ، صار سببا لكفرهم وبعدهم عن رحمة الله ، فإن للذنوب والظلم عقوبات.

ومن معاصيهم التي أحلت بهم المثلات ، وأوقعت بهم العقوبات أنهم : (كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ )

أي: كانوا يفعلون المنكر، ولا ينهى بعضهم بعضا، فيشترك بذلك المباشر، وغيره الذي سكت عن النهي عن المنكر مع قدرته على ذلك.

وذلك يدل على تهاونهم بأمر الله، وأن معصيته خفيفة عليهم، فلو كان لديهم تعظيم لربهم لغاروا لمحارمه، ولغضبوا لغضبه، وإنما كان السكوت عن المنكر -مع القدرة- موجبا للعقوبة، لما فيه من المفاسد العظيمة:

منها: أن مجرد السكوت، فعل معصية، وإن لم يباشرها الساكت. فإنه -كما يجب اجتناب المعصية- فإنه يجب الإنكار على من فعل المعصية.

ومنها: أنه يدل على التهاون بالمعاصي، وقلة الاكتراث بها.

ومنها: أن ذلك يجرئ العصاة والفسقة على الإكثار من المعاصي إذا لم يردعوا عنها، فيزداد الشر، وتعظم المصيبة الدينية والدنيوية، ويكون لهم الشوكة والظهور

ثم بعد ذلك يضعف أهل الخير عن مقاومة أهل الشر، حتى لا يقدرون على ما كانوا يقدرون عليه أوَّلا.

ومنها: أن بترك الإنكار للمنكر يندرس العلم، ويكثر الجهل، فإن المعصية- مع تكررها وصدورها من كثير من الأشخاص ، وعدم إنكار أهل الدين والعلم لها - يظن أنها ليست بمعصية

وربما ظن الجاهل أنها عبادة مستحسنة ، وأي مفسدة أعظم من اعتقاد ما حرَّم الله حلالا ؟ وانقلاب الحقائق على النفوس ورؤية الباطل حقا ؟ "

ومنها: أن السكوت على معصية العاصين ، ربما تزينت المعصية في صدور الناس، واقتدى بعضهم ببعض ، فالإنسان مولع بالاقتداء بأضرابه وبني جنسه ، ومنها ومنها.

فلما كان السكوت عن الإنكار بهذه المثابة ، نص الله تعالى أن بني إسرائيل الكفار منهم لعنهم بمعاصيهم واعتدائهم، وخص من ذلك هذا المنكر العظيم "

انتهى من "تفسير السعدي" (ص 241) .

وقال تعالى : (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا

وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا) النساء/: 46 .

وقال عز وجل : ( فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا * وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا *

وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) النساء/ 155 – 157 .

فهذه الآيات – وغيرها كثير – صريحة في أن الله تعالى لعنهم بسبب كفرهم ومعصيتم لله تعالى ، وليس بسبب ما فعله أسلافهم من المنكر ، فإن الله لا يظلم أحدا ، (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى).

وانظر السؤال القادم

أما من آمن منهم بالله ورسله ، فأولئك مع المؤمنين ، وقد مدحهم الله تعالى في عدة مواضع من القرآن الكريم

كقوله تعالى : ( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ *

أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) القصص/52-54 .

انظر السؤال بعد القادم

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-05, 14:38
من هم اليهود والنصارى الذين يدخلون الجنة

السؤال

كيف نجمع بين قوله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ

وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( وبين أن من لم يؤمن من اليهود والنصارى بالإسلام فلن يدخل الجنة ؟.

الجواب

الحمد لله

الآية التي أشرت إليها في سؤالك مذكورة في موضعين متشابهين من كتاب الله

فالأول هو قوله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ(62) سورة البقرة

والثاني هو قوله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ ءامَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ ءامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ(69) سورة المائدة

وحتى نفهم المراد من الآيتين فهما صحيحا فلا بدّ أن نرجع إلى علماء التفسير ، قال الإمام الكبير إسماعيل بن كثير رحمه الله في تفسير آية البقرة :

نبه تعالى على أن من أحسن من الأمم السالفة وأطاع فإن له جزاء الحسنى وكذلك الأمر إلى قيام الساعة كل من اتبع الرسول النبي الأمي فله السعادة الأبدية ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه

ولا هم يحزنون على ما يتركونه ويخلّفونه كما قال تعالى "ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون"

وكما تقول الملائكة للمؤمنين عند الاحتضار في قوله "إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون" ..

فكان إيمان اليهود أنه من تمسك بالتوراة وسنة موسى عليه السلام حتى جاء عيسى فلما جاء عيسى كان من تمسك بالتوراة وأخذ بسنة موسى فلم يدعها ولم يتبع عيسى كان هالكا

وإيمان النصارى أن من تمسك بالإنجيل منهم وشرائع عيسى كان مؤمنا مقبولا منه حتى جاء محمد صلى الله عليه وسلم فمن لم يتبع محمدا صلى الله عليه وسلم منهم ويدع ما كان عليه من سنة عيسى والإنجيل كان هالكا.

( وقوله تعالى ) "ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين" ..

إخبار عن أنه لا يقبل من أحد طريقة ولا عملا إلا ما كان موافقا لشريعة محمد صلى الله عليه وسلم بعد أن بعثه به فأما قبل ذلك فكل من اتبع الرسول في زمانه فهو على هدى وسبيل ونجاة فاليهود

أتباع موسى عليه السلام والذين كانوا يتحاكمون إلى التوراة في زمانهم .

. فلما بعث عيسى صلى الله عليه وسلم وجب على بني إسرائيل اتباعه والانقياد له فأصحابه وأهل دينه هم النصارى .. فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم خاتما للنبيين ورسولا إلى بني آدم

على الإطلاق وجب عليهم تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر والانكفاف عما عنه زجر وهؤلاء هم المؤمنون حقا وسميت أمة محمد صلى الله عليه وسلم مؤمنين

لكثرة إيمانهم وشدة إيقانهم ولأنهم يؤمنون بجميع الأنبياء الماضية والغيوب الآتية .

ثم قال رحمه الله في تفسير آية المائدة :

والمقصود أن كل فرقة آمنت بالله وباليوم الآخر وهو الميعاد والجزاء يوم الدين وعملت عملا صالحا ولا يكون ذلك كذلك حتى يكون موافقا للشريعة المحمدية بعد إرسال صاحبها المبعوث

إلى جميع الثقلين فمن اتصف بذلك فلا خوف عليهم فيما يستقبلونه ولا على ما تركوا وراء ظهورهم ولا هم يحزنون .

: الشيخ محمد صالح المنجد

*عبدالرحمن*
2019-02-05, 14:41
من ضلالات اليهود في العقيدة

السؤال

نحن نعلم أين وقع الخطأ عند النصارى, فأين وقع الخطأ عند اليهود؟.

الجواب

الحمد لله

لاشك أن ما وقع فيه اليهود أعظم مما وقع فيه النصارى وإن كان كلاهما على خطأ وكفر وفي القرآن ذِكر لعدد من ضلالات اليهود الكفرية .

1. فمنهم طائفة يدعون أن لله ولدا كما قال تعالى : وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهؤون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون [ التوبة / 30 ] .

2. وقد وصفوا الله بالنقائص ، وقتلوا أنبياء الله ورسله كما قال الله تعالى : وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء [ المائدة / 64 ]

وقال تعالى : لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق [ آل عمران / 181 ] .

3. وقد حرفوا كلام الله وهي التوراة ، قال الله تعالى : فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه [ المائدة / 13 ]

وقال تعالى : فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون [ البقرة / 79 ] .

4. وقد استحقوا لعنة الله ، وذلك بسبب ما ذكره الله عنهم

بقوله تعالى : لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون [ المائدة / 78 ] .

وأما افتراءهم على أنبيائهم فكثير ومن ذلك

1- نسبت اليهود الردة إلى نبي الله " سليمان " وأنه عبد الأصنام كما في " سفر الملوك " الإصحاح 11 / عدد 5 .

2- نسبت اليهود إلى " لوط " عليه السلام شرب الخمر وأنه زنى بابنتيه كما في " سفر التكوين " الإصحاح 19 / العدد 30 .

3- ونسبت اليهود السرقة إلى نبي الله " يعقوب " كما في " سفر التكوين " الإصحاح 31 / العدد 17 .

4- ونسبت اليهود الزنى إلى نبي الله " داود " فوُلد له " سليمان " كما في " سفر صموئيل الثاني " الإصحاح 11 العدد / 11 .

إلى غير ذلك قبحهم الله وأخزاهم .

وقد لعنهم الله ورسوله من أجل مخازيهم الكثيرة في عدد من المواضع في الكتاب والسنة ومن ذلك :

( وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلا مَا يُؤْمِنُونَ(88)

وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ(89) )

( مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا(46)

يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ءَامِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا(47) )

( فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ )

( قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ(60) )

( وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ

وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ(64) )

وقال النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ

وقال : لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ فَجَمَّلُوهَا فَبَاعُوهَا . والحديثان في صحيح الإمام البخاري

وقد أحسن ابن القيم -رحمه الله -في وصفهم إذ يقول :

فالأمة الغضبية هم : اليهود أهل الكذب ، والبهت ، والغدر ، والمكر ، والحيل ، قتلة الأنبياء، وأكلة السحت وهو الربا والرشا ، أخبث الأمم طوية ، وأرداهم سجية ، وأبعدهم من الرحمة، وأقربهم من النقمة

عادتهم البغضاء ، وديدنهم العداوة والشحناء ، بيت السحر والكذب والحيل ، لا يرون لمن خالفهم في كفرهم وتكذيبهم الأنبياء حرمة ، ولا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمة ، ولا لمن وافقهم حق ولا شفقة

ولا لمن شاركهم عندهم عدل ولا نصفة ، ولا لمن خالطهم طمأنينة ولا أمنة ، ولا لمن استعملهم عندهم نصيحة ، بل أخبثهم : أعقلهم ، وأحذقهم : أغشهم

وسليم الناصية - وحاشاه أن يوجد بينهم - : ليس بيهودي على الحقيقة ، أضيق الخلق صدورا ، وأظلمهم بيوتا ، وأنتنهم أفنية ، وأوحشهم سجية ، تحيتهم لعنة ، ولقاؤهم طيرة ، شعارهم : الغضب ، ودثارهم : المقت .

" هداية الحيارى " ( ص 8 ) .

وهذا غيض من فيض ومن يبحث يجد الكثير من مخازيهم وأنواع كفرهم وانحلالهم نسأل الله أن يكبتهم ويخزيهم ويذلّهم ويهزمهم وينصر المسلمين عليهم عاجلا غير آجل وصلى الله على نبينا محمد

. والله أعلم.

الشيخ محمد صالح المنجد

*عبدالرحمن*
2019-02-05, 14:47
"الأعلى" و "الأكرم" و "الإله" و "الأول" من أسماء الله الحسنى .

السؤال

ما معنى هذه الأسماء الحسنى لله تعالى : " الأعلى" ، "الأكرم" ، "الإله" ، "الأول"؟

الجواب

الحمد لله

قال تعالى : (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) الأعلى/ 1 .

وقال تعالى : (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ) العلق/ 3 .

وقال تعالى :( إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ ) النساء/ 171 .

وقال تعالى :(هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) الحديد/ 3 .

و"الأعلى" الذي له العلو المطلق من كل وجه : علو الذات ، وعلو الصفات ، وعلو القهر والغلبة.

و"علو الذات" أي أنه سبحانه عالٍ بذاته على كل الخلق ، مستوٍ على عرشه ، فوق جميع مخلوقاته .

و"علو الصفات " أنه موصوف بكل كمال ، ومنزه عن كل نقص .

و"علو القهر والغلبة" أنه قد قهر كل شيء وغلبة ، وخضع له كل شيء .

قال ابن القيم رحمه الله :

" أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ الْعَلِيُّ الْأَعْلَى ، وَنَطَقَ بِذَلِكَ الْقُرْآنُ ، فلِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الْعُلُوُّ مِنْ سَائِرِ وُجُوهِ الْعُلُوِّ ; لِأَنَّ الْعُلُوَّ صِفَةُ مَدْحٍ ، فَثَبَتَ أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى عُلُوَّ الذَّاتِ وَعُلُوَّ الصِّفَاتِ وَعُلُوَّ الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ "

انتهى من " اجتماع الجيوش الإسلامية " (2/ 182) .

وقال السعدي رحمه الله :

" العلي الأعلى" : وهو الذي له العلو المطلق من جميع الوجوه ، علو الذات، وعلو القدر والصفات

وعلو القهر ، فهو الذي على العرش استوى ، وعلى الملك احتوى. وبجميع صفات العظمة والكبرياء والجلال والجمال وغاية الكمال اتصف ، وإليه فيها المنتهى " .

انتهى من " تفسير السعدي " (ص 946) .

و "الأكرم" ، كثير الكرم ، واسع الإحسان إلى خلقه ، قال الخطابي رحمه الله :

" هُوَ أَكْرَمُ الْأَكْرَمِينَ ، لَا يُوَازِيهِ كَرِيمٌ ، وَلَا يُعَادِلُهُ فِيهِ نَظِيرٌ .." .

انتهى من "الأسماء والصفات" للبيهقي (1/ 148) .

وقال أبو حيان رحمه الله :

" الْأَكْرَمُ صِفَةٌ تَدُلُّ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي الْكَرَمِ ، إِذْ كَرَمُهُ يَزِيدُ عَلَى كُلِّ كَرَمٍ ، يُنْعِمُ بِالنِّعَمِ الَّتِي لَا تُحْصَى ، وَيَحْلُمُ عَلَى الْجَانِي ، وَيَقْبَلُ التَّوْبَةَ ، وَيَتَجَاوَزُ عَنِ السَّيِّئَةِ " .

انتهى من " البحر المحيط " (10/ 507) .

وليس الكرم خاصا بالإعطاء ، وإنما "الكرم" في اللغة هو الحسن ، فالله هو "الأكرم" : أي الأحسن والأكمل في صفاته
.
وقال السعدي رحمه الله :

" [الأكرم] أي: كثير الصفات واسعها، كثير الكرم والإحسان ، واسع الجود "
.
انتهى من " تفسير السعدي " (ص 930) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

"قَوْلُهُ : ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ) . سَمَّى وَوَصَفَ نَفْسَهُ بِالْكَرَمِ ، وَبِأَنَّهُ الْأَكْرَمُ بَعْدَ إخْبَارِهِ أَنَّهُ ، خَلَقَ لِيَتَبَيَّنَ أَنَّهُ يُنْعِمُ عَلَى الْمَخْلُوقِينَ، وَيُوصِلُهُمْ إلَى الْغَايَاتِ الْمَحْمُودَةِ .
..
وَلَفْظُ الْكَرَمِ لَفْظٌ جَامِعٌ لِلْمَحَاسِنِ وَالْمَحَامِدِ. لَا يُرَادُ بِهِ مُجَرَّدَ الْإِعْطَاءِ ، بَلْ الْإِعْطَاءُ مِنْ تَمَامِ مَعْنَاهُ ، فَإِنَّ الْإِحْسَانَ إلَى الْغَيْرِ تَمَامُ الْمَحَاسِنِ . وَالْكَرَمُ كَثْرَةُ الْخَيْرِ ، وَيَسْرَتُهُ....

وَالشَّيْءُ الْحَسَنُ الْمَحْمُودُ : يُوصَفُ بِالْكَرْمِ .

قَالَ تَعَالَى : ( أَوَلَمْ يَرَوْا إلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ) . قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مِنْ كُلِّ جِنْسٍ حَسَنٍ .

وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الزَّوْجُ : النَّوْعُ ، وَالْكَرِيمُ الْمَحْمُودُ . وَقَالَ غَيْرُهُمَا (مِنْ كُلِّ زَوْجٍ) : صِنْفٌ وَضَرْبٌ ، (كَرِيم) حَسَن مِنْ النَّبَاتِ، مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ. يُقَالُ: " نَخْلَةٌ كَرِيمَةٌ " إذَا طَابَ حَمْلُهَا ، و" نَاقَةٌ كَرِيمَةٌ " إذَا كَثُرَ لَبَنُهَا.

وَهُوَ سُبْحَانَهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ الْأَكْرَمُ بِصِيغَةِ التَّفْضِيلِ ، وَالتَّعْرِيفِ لَهَا ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ الْأَكْرَمُ وَحْدَهُ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ " وَرَبُّك أَكْرَمُ ". فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْحَصْرِ .

وَقَوْلُهُ : (الْأَكْرَمُ) يَدُلُّ عَلَى الْحَصْرِ. وَلَمْ يَقُلْ " الْأَكْرَمُ مِنْ كَذَا " ؛ بَلْ أَطْلَقَ الِاسْمَ لِيُبَيِّنَ أَنَّهُ الْأَكْرَمُ مُطْلَقًا ، غَيْرَ مُقَيَّدٍ ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مُتَّصِفٌ بِغَايَةِ الْكَرَمِ الَّذِي لَا شَيْءَ فَوْقَهُ ، وَلَا نَقْصَ فِيهِ .

قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ : ثُمَّ قَالَ لَهُ تَعَالَى : ( اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ) عَلَى جِهَةَ التَّأْنِيسِ ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: امْضِ لِمَا أُمِرْت بِهِ ، وَرَبُّك لَيْسَ كَهَذِهِ الْأَرْبَابِ ، بَلْ هُوَ الْأَكْرَمُ الَّذِي لَا يَلْحَقُهُ نَقْصٌ ، فَهُوَ يَنْصُرُك وَيُظْهِرُك .

قُلْت : وَقَدْ قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: " لَا يُهْدِيَنَّ أَحَدُكُمْ لِلَّهِ مَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَهْدِيَهُ لِكَرِيمِهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ أَكْرَمُ الْكُرَمَاءِ ".

أَيْ هُوَ أَحَقُّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ بِالْإِكْرَامِ ، إذْ كَانَ أَكْرَمَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ؛ فَهُوَ الْمُسْتَحِقُّ لَأَنْ يُجَلَّ وَلَأَنْ يُكْرَمَ . وَالْإِجْلَالُ يَتَضَمَّنُ التَّعْظِيمَ وَالْإِكْرَامُ يَتَضَمَّنُ الْحَمْدَ وَالْمَحَبَّة َ"

انتهى من " مجموع الفتاوى " (16/293- 296) .

و"الإله" يعني المألوه المعبود ، المستحق للألوهية والعبادة وحده ، وإنما سميت الأوثان آلهة لأن المشركين يعبدونها من دون الله ، ويزعمون أنها تستحق ذلك، ولفظ الجلالة : "الله" أصل اشتقاقه: "الإله"

قال ابن القيم رحمه الله :

" الإله : هو الجامع لجميع صفات الكمال ونعوت الجلال، فيدخل في هذا الاسم جميع الأسماء الحسنى، ولهذا كان القول الصحيح أن "الله" أصله "الإله" ، كما هو قول سيبويه وجمهور أصحابه إلا من شذ منهم

وأن اسم الله تعالى هو الجامع لجميع معاني الأسماء الحسنى والصفات العلى "

انتهى من " بدائع الفوائد " (2/ 249) .

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :

" الله: عَلَمٌ على الرَّبِّ عزّ وجل ، وأصلُه: الإله، لكن حُذفت الهمزةُ تخفيفاً؛ لكثرة الاستعمال، "إله" بمعنى: مألوه ، والمألوه: هو المعبود محبَّة وتعظيماً "

انتهى من " الشرح الممتع " (3/ 56) .

و "الأول" أي : الذي ليس قبله شيء .

وهو اسم يدل على تفرّد الرب بالكمال المطلق ، والإحاطة الزمانية ، وأن كل ما سواه حادث كائن بعد أنْ لم يكن .
روى مسلم (2713) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

" أنه كان إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ، يَضْطَجِعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ يَقُولُ: (اللهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَرَبَّ الْأَرْضِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ ، فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى، وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ

أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ ، اللهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ ، اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ، وَأَغْنِنَا مِنَ الْفَقْرِ) .

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:

" قال تعالى: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ) ، (الأول) أي: ليس قبله شيء ،لأنه لو كان قبله شيء

لكان الله مخلوقاً وهو عز وجل الخالق ، ولهذا فسر النبي صلى الله عليه وسلم الأول بأنه الذي ليس قبله شيء ، كل الموجودات بعد الله عز وجل ، لا أحد مع الله ولا قبل الله "

انتهى من " لقاء الباب المفتوح " (208/ 4) بترقيم الشاملة .

والله تعالى أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-05, 14:52
قوله تعالى : ( لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا ) هل معناه ينسى ويذهب من عقله كل شيء؟

السؤال

سؤالي متعلق بالآيتين الكريمتين:

(وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ)

وقوله تعالى : ( لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا )

هل المقصود بعدم العلم هنا أنّ الإنسان ينسى كل العلم الذي لديه ؟ أم أنه ينسى بعض العلم الذي لديه ؟

فأنا اعتقد أنّ الإنسان لا ينسى كل شيء ، وهل الآيتين تشيران إلى نفس المعنى ؟

وما هي أقوال أهل العلم في تفسير هذه الآيات ؟

وهل كلمة "شيئا" في الآية تشير إلى الجزء أم إلى الكل ؟

الجواب

الحمد لله

قال الله عز وجل : ( وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ) النحل/ 70 .

وقال تعالى : ( وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ) الحج/ 5 .

قال الطبري رحمه الله :

" يقول تعالى ذكره : والله خلقكم أيها الناس ، وأوجدكم ، ولم تكونوا شيئا، لا الآلهة التي تعبدون من دونه، فاعبدوا الذي خلقكم دون غيره ، ثم يقبضكم .

ومنكم من يهرم ، فيصير إلى أرذل العمر، وهو أردؤه ، وإنما نردّه إلى أرذل العمر ليعود جاهلا

كما كان في حال طفولته وصباه ، يقول: لئلا يعلم شيئا بعد علم كان يعلمه في شبابه ، فذهب ذلك بالكِبَر ، ونُسي ، فلا يعلم منه شيئا، وانسلخ من عقله ، فصار من بعد عقل كان له ، لا يعقل شيئا " انتهى مختصرا .

وقال السعدي رحمه الله :

" يخبر تعالى أنه الذي خلق العباد ونقلهم في الخِلقة، طورا بعد طور، ثم بعد أن يستكملوا آجالهم يتوفاهم

ومنهم من يُعَمِّره حتى يُرَدّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ، أي: أخسه ، الذي يبلغ به الإنسان إلى ضعف القوى الظاهرة والباطنة، حتى العقل الذي هو جوهر الإنسان ، يزيد ضعفه

حتى إنه ينسى ما كان يعلمه، ويصير عقله كعقل الطفل "

انتهى من " تفسير السعدي " (ص 444) .

وقال الزجاج رحمه الله:

" المعنى: أن منكم من يَكْبُرُ ، حتى يذهب عقله خَرَفاً، فيصير بعد أن كان عالماً جاهلاً، ليريَكم من قدرته ، كما قَدِر على إِماتته وإِحيائه ، أنه قادر على نقله من العلم إِلى الجهل " .

انتهى من " زاد المسير "(2/ 571).

فالمقصود : أن الله تعالى ينقل العباد من جهل إلى علم، ثم من علم إلى جهل، ومن ضعف إلى قوة، ثم من قوة إلى ضعف .

والناس يتفاوتون في مقدار ذلك الجهل الذي ينقلون إليه ، فمنهم من يُطْبِق عليه الخرف ، فلا يعلم شيئا ، مطلقا ، ومنهم من لا يكاد يعلم شيئا ، ومنهم من يعلم الشيء بعد الشيء ، إلا أن الجهل وعدم العلم هو الغالب عليه .

والمراد بقوله تعالى : (لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا): بيان غلبة الجهل من بعد العلم ، لا انتفاء العلم بالكلية بالنسبة لكل من أدرك هذه المرحلة ، فنفى العلم للمبالغة .

ولذلك قال : (وَمِنْكُمْ) إشارة إلى أنه ليس كل من كبر وشاخ ، يُردّ إلى أرذل العمر ، بل من هؤلاء من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا ، ومنهم من يكبر فيحفظ الله عليه عقله وسمعه وبصره .

قال ابن جزي رحمه الله :

"وليس المراد نفي العلم بالكلية ، بل ذلك عبارة عن قلة العلم ، لغلبة النسيان" .

انتهى من " تفسير ابن جزي " (1/ 431) .

وقال الرازي رحمه الله :

" فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ قَالَ: لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً ، مَعَ أَنَّهُ يَعْلَمُ بَعْضَ الْأَشْيَاءِ كَالطِّفْلِ؟

قُلْنَا : الْمُرَادُ أَنَّهُ يَزُولُ عَقْلُهُ ، فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ شَيْئًا، لِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ قَدْ يُذْكَرُ فِي النَّفْيِ لِأَجْلِ الْمُبَالَغَةِ "

انتهى من " تفسير الرازي " (23/ 205) .

وقال ابن عاشور رحمه الله :

" وَلِذَلِكَ مَرَاتِبُ فِي ضَعْفِ الْعَقْلِ ، بِحَسَبِ تَوَغُّلِهِ فِي أَرْذَلِ الْعُمُرِ، تَبْلُغُ إِلَى مَرْتَبَةِ انْعِدَامِ قَبُولِهِ لِعِلْمٍ جَدِيدٍ، وَقَبْلَهَا مَرَاتِبُ مِنَ الضَّعْفِ مُتَفَاوِتَةٌ، كَمَرْتَبَةِ نِسْيَانِ الْأَشْيَاءِ، وَمَرْتَبَةِ الِاخْتِلَاطِ بَيْنَ الْمَعْلُومَاتِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ "

انتهى من " التحرير والتنوير " (17/ 202) .

والحاصل :

أن الآيتين ليس فيهما أن كل من كبرت سنه ، كان بهذه الحالة من "أرذل العمر" ؛ بل فيهم أن طائفة ممن يُعَمَّر ، هي التي ترد إلى أرذل العمر ، ويكون بهذه الحالة من نسيان ما كان يعلمه من قبل .

ثم إن هذا النسيان ، وهذا الرد إلى أرذل العمر : درجات ، يتفاوت أهله فيه ؛ فمنهم من ينسى ما كان يعلمه بالكلية ، ومنهم هو دون ذلك ، وهذا أمر معروف ومشهور.

والله تعالى أعلم .

و اخيرا

الحمد لله الذي بفضلة تتم الصالحات

اخوة الاسلام

اكتفي بهذا القدر و لنا عوده
ان قدر الله لنا البقاء و اللقاء

و اسال الله ان يجمعني بكم دائما
علي خير

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين

*عبدالرحمن*
2019-02-07, 14:17
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)
اخوة الاسلام

أحييكم بتحية الإسلام
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)


تفسير قوله تعالى : ( فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ ) .

السؤال

ما تفسير قوله تعالى : ( فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ ) ؟

أي هذين القولين أرجح في تفسيرها ، أن نبي الله سليمان عليه السلام مسح على أعناق الخيل وربت عليها حبا لها ورفقا بها ، والثاني أنه ضرب أعناقها بالسيف ؟

الجواب

الحمد لله

قال الله عز وجل :( وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ * فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ ) ص/ 30 – 33

أما المراد بوصف خيول نبي الله سليمان عليه السلام ، بأنها (الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ): فقَالَ مُجَاهِدٌ :

" هِيَ الَّتِي تَقِفُ عَلَى ثَلَاثٍ وَطَرَفِ حَافِرِ الرَّابِعَةِ ، وَالْجِيَادُ: السِّرَاعُ. وَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ ". انتهى من " تفسير ابن كثير" (7/ 64) .

وقد اختلف أهل العلم بالتفسير في تفسير قوله تعالى : ( فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأعْنَاقِ) : هل المراد بذلك أنه ضرب رقابها ، وعرقب سوقها بالسيف ، لما شغلته عن ذكر ربه

كما هو المشهور في تفسير الآية عن أهل العلم .

أو المراد : أنه مسحها بيده ؛ حبا لها .

قال القرطبي رحمه الله :

" فِي مَعْنَاهُ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ أَقْبَلَ يَمْسَحُ سُوقَهَا وَأَعْنَاقَهَا بِيَدِهِ ، إِكْرَامًا مِنْهُ لَهَا، وَلِيُرِيَ أَنَّ الْجَلِيلَ لَا يَقْبُحُ أَنْ يَفْعَلَ مِثْلَ هَذَا بِخَيْلِهِ ، وَقَالَ قَائِلُ هَذَا الْقَوْلِ: كَيْفَ يَقْتُلُهَا؛ وَفِي ذَلِكَ إِفْسَادُ الْمَالِ ، وَمُعَاقَبَةُ مَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ ؟

وَقِيلَ: الْمَسْحُ ها هنا هُوَ الْقَطْعُ ؛ أُذِنَ لَهُ فِي قَتْلِهَا.

وقَالَ الْحَسَنُ وَالْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ: عَقَرَهَا بِالسَّيْفِ ، قُرْبَةً لِلَّهِ ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُعَاقَبَةً لِلْأَفْرَاسِ

إِذْ ذَبْحُ الْبَهَائِمِ جَائِزٌ إِذَا كَانَتْ مَأْكُولَةً ، بَلْ عَاقَبَ نَفْسَهُ حَتَّى لَا تَشْغَلَهُ الْخَيْلُ بَعْدَ ذَلِكَ عَنِ الصَّلَاةِ ، وَلَعَلَّهُ عَرْقَبَهَا لِيَذْبَحَهَا ، فَحَبَسَهَا بِالْعَرْقَبَةِ عَنِ النِّفَارِ، ثُمَّ ذَبَحَهَا فِي الْحَالِ

لِيَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا، أَوْ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مُبَاحًا فِي شَرْعِهِ ، فَأَتْلَفَهَا لَمَّا شَغَلَتْهُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ، حَتَّى يَقْطَعَ عَنْ نَفْسِهِ مَا يَشْغَلُهُ عَنِ اللَّهِ ، فَأَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَذَا، وَبَيَّنَ أَنَّهُ أَثَابَهُ بِأَنْ سَخَّرَ لَهُ الرِّيحَ " .

انتهى باختصار من " تفسير القرطبي " (15/ 195) .

وينظر : " التحرير والتنوير " لابن عاشور (23/ 257) .

واختار القول الثاني ـ أنه مسحها بيده ، حبا لها ـ من المحققين : ابن جرير الطبري ، رحمه الله ، ونقله في تفسيره عن ابن عباس . قال :

" وهذا القول الذي ذكرناه عن ابن عباس أشبه بتأويل الآية ، لأن نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم لم يكن

إن شاء الله ـ ليعذب حيوانًا بالعرقبة ، ويهلك مالا من ماله بغير سبب، سوى أنه اشتغل عن صلاته بالنظر إليها، ولا ذنب لها باشتغاله بالنظر إليها " انتهى .

انظر: " تفسير الطبري " (21/ 195-196)

وتعقبه ابن كثير رحمه الله ، بأنه لا يلزمه من ضرب أعناقها بالسيف ، أن يكون ذلك إفسادا محضا .

فقال رحمه الله :

" هَذَا الَّذِي رَجَّحَ بِهِ ابْنُ جَرِيرٍ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي شَرْعِهِمْ جَوَازُ مِثْلِ هَذَا ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ غَضَبًا لله عز وجل

بسبب أنه اشْتَغَلَ بِهَا حَتَّى خَرَجَ وَقْتُ الصَّلَاةِ ؛ وَلِهَذَا لَمَّا خَرَجَ عَنْهَا لِلَّهِ تَعَالَى عَوَّضَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا وَهِيَ الرِّيحُ الَّتِي تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ، غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ، فَهَذَا أَسْرَعُ وَخَيْرٌ مِنَ الْخَيْلِ .

وقد روى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عن رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ ، قالُ: أَخَذَ بِيَدِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم ، فجعل يُعَلِّمُنِي مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ: ( إِنَّكَ لَا تَدَعُ شَيْئًا اتِّقَاءَ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-إِلَّا أَعْطَاكَ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ) "

انتهى من " تفسير ابن كثير " (7/ 65) .

وانتصر لهذا القول بقوة أيضا : الشوكاني في تفسيره

فقال رحمه الله :

" قَالَ الْفَرَّاءُ: الْمَسْحُ هُنَا الْقَطْعُ ، قَالَ: وَالْمَعْنَى أَنَّهُ أَقْبَلَ يَضْرِبُ سُوقَهَا وَأَعْنَاقَهَا لِأَنَّهَا كَانَتْ سَبَبَ فَوْتِ صَلَاتِهِ

وَكَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ. قَالَ الزَّجَّاجُ: وَلَمْ يَكُنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ إِلَّا وَقَدْ أَبَاحَهُ اللَّهُ لَهُ ، وَجَائِزٌ أَنْ يُبَاحَ ذلك لسليمان ويحظر فِي هَذَا الْوَقْتِ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ قَوْمٌ: الْمُرَادُ بِالْمَسْحِ مَا تَقَدَّمَ. وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمُ الزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ: إِنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمَسْحُ عَلَى سُوقِهَا وَأَعْنَاقِهَا لِكَشْفِ الْغُبَارِ عَنْهَا حُبًّا لَهَا

وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أولى بسياق الكلام ، فإنه ذكر أنه آثرها عَلَى ذِكْرِ رَبِّهِ حَتَّى فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِرَدِّهَا عَلَيْهِ لِيُعَاقِبَ نَفْسَهُ بِإِفْسَادِ مَا أَلْهَاهُ عَنْ ذَلِكَ ، وَمَا صَدَّهُ عَنْ عِبَادَةِ رَبِّهِ

وَشَغَلَهُ عَنِ الْقِيَامِ بِمَا فَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَلَا يُنَاسِبُ هَذَا أَنْ يَكُونَ الْغَرَضُ مِنْ رَدِّهَا عَلَيْهِ هُوَ كَشْفُ الْغُبَارِ عَنْ سُوقِهَا وَأَعْنَاقِهَا بِالْمَسْحِ عَلَيْهَا بِيَدِهِ أَوْ بثوبه، ولا متمسك لمن قال: إن إفساد

المال لا يصدر عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، فإن هذا مجرّد استبعاد بِاعْتِبَارِ مَا هُوَ الْمُتَقَرِّرُ فِي شَرْعِنَا، مَعَ جَوَازِ أَنْ يَكُونَ فِي شَرْعِ سُلَيْمَانَ أَنَّ مِثْلَ هَذَا مُبَاحٌ .

عَلَى أَنَّ إِفْسَادَ الْمَالِ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ فِي شَرْعِنَا : إِنَّمَا هُوَ مُجَرَّدُ إِضَاعَتِهِ لِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ

وَأَمَّا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ ، فَقَدْ جَازَ مِثْلُهُ فِي شَرْعِنَا، كَمَا وَقَعَ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِكْفَاءِ الْقُدُورِ الَّتِي طُبِخَتْ مِنَ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ

وَلِهَذَا نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا وَقَعَ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْ إِحْرَاقِ طَعَامِ الْمُحْتَكِرِ " .

انتهى من " فتح القدير " (4/ 495) .

وهو ـ أيضا ـ اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ؛ قال : " لَمَّا فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ بِسَبَبِ الْخَيْلِ ، طَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ ، فَعَقَرَهَا كَفَّارَةً لِمَا صَنَعَ "

انتهى من " منهاج السنة النبوية " (5/ 231) .

واختاره : تلميذه ابن القيم ، رحمه الله

كما في " مدارج السالكين " (3/ 48)

والسعدي في تفسيره (712) ، وابن عثيمين ، وحكاه عن أكثر المفسرين

كما في " اللقاء الشهري " (39/ 33) بترقيم الشاملة .

وحكى ابن الجوزي الخلاف فيه على ثلاثة أقوال، قال : "والمفسِّرون على القول الأول" ، أي : أنه قطع أعناقها وسوقها بالذبح .

ينظر : " زاد المسير " لابن الجوزي ، (3/ 572) .

والله تعالى أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-07, 14:21
أثر ضعيف عن عمر في تفسير قوله تعالى : (أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى).

السؤال

‏ما صحة التفسير المنسوب لعمر بن الخطاب رضي الله عنه لقوله تعالى : ( أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى )‏ بأنهم الذين يشتهون المعصية ولا يعملون بها ؟

الجواب

الحمد لله

قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره (7/ 344):

" قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي كِتَابِ الزُّهْدِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَال َ: كُتِبَ إِلَى عُمَرَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، رَجُلٌ لَا يَشْتَهِي الْمَعْصِيَةَ ، وَلَا يَعْمَلُ بِهَا أَفْضَل ُ

أَمْ رَجُلٌ يَشْتَهِي الْمَعْصِيَةَ وَلَا يَعْمَلُ بِهَا؟ فَكَتَبَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَهُونَ الْمَعْصِيَةَ وَلَا يَعْمَلُونَ بِهَا (أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ) ".

وهذا إسناد ضعيف ، رجاله كلهم ثقات ، ولكن مجاهد ، وهو ابن جبر ، لم يسمع من عمر رضي الله عنه ،

توفي عمر سنة ثلاث وعشرين "التقريب" (ص412) وتوفي مجاهد سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث أو أربع ومائة .

"التقريب" (ص520) .

وقال أبو زرعة: مجاهد عن علي مرسل، وقال أبو حاتم: مجاهد عن سعد ومعاوية وكعب بن عجرة مرسل

وقال البرديجي: روى مجاهد عن أبي هريرة وعبد الله بن عمرو . وقيل : لم يسمع منهما، ولم يسمع من أبي سعيد ، ولا من رافع بن خديج.

"تهذيب التهذيب " (10 /40 ).

فإذا كان لم يسمع من هؤلاء ، فلم يسمع من عمر ، لأنه مات قبلهم جميعا .

قال ابن أبي حاتم رحمه الله ، في "المراسيل" (204) :

" حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ شُعَيْبٍ نَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا دَاودَ يَقُولُ كُنَّا عِنْدَ شُعْبَةَ فَجَاءَ الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ ، فَقَالَ شُعْبَةُ : يَا أَبَا سَعِيدٍ ؛ هَهُنَا .

فَجَلَسَ ، فَقَالَ : حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: (سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ).

فَجَعَلَ شُعْبَةُ يَقُولُ : مُجَاهِدُ سَمِعَ عُمَرَ ؟!!

فَقَامَ الْحَسَنُ ، فَذَهَبَ " !! .

وينظر : " تحفة التحصيل" للعلائي (294-295) .

ولذلك أعله ابن كثير رحمه الله ، فساقه بإسناده في "الفاروق" له (866) ثم قال : " فيه انقطاع " انتهى .

والله أعلم.

*عبدالرحمن*
2019-02-07, 14:28
لماذا لا يوفق الجميع للتوبة مع أن بابها مفتوح حتى تطلع الشمس من مغربها؟

السؤال

هناك حديث صحيح يقول : بالمغرب باب مفتوح للتوبة مسيرته سبعون سنة لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها ، ومع ذلك يأتي القرآن ليخبر أبا لهب فى سور المسد

وبعض المنافقين فى سورة التوبة (فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ ) أنهم من أهل النار ، فالآية واضحة بشأن أبى لهب والمنافقين كذلك

فالله يقول إنه أعقبهم نفاقا ليوم يلقونه ، وهذا معناه أن الله سلبهم التوبة، وأغلق باب التوبة فى وجوههما ، فكيف أوفق بين الحديث الشريف الذى يخبرنا أن باب التوبة مفتوح

وبين الآيات الكريمة التى تبين أن الله أغلق باب التوبة فى وجه إبليس وأبى لهب والمنافقين فى سورة التوبة ؟

وهل يمكن أن يحدث أن يغلق الله باب التوبة فى وجه أحد فى عصرنا هذا ويومنا هذا مثلما فعل مع أبى لهب وبعض منافقى عهد نبينا عليه الصلاة والسلام ؟

الجواب

الحمد لله

روى مسلم (2759) عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ( إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا ).

فباب التوبة مفتوح ، ويتوب الله على من تاب ، بل يفرح الرب تعالى بتوبة عبده ، ويكفر عنه ذنوبه ، ولو بلغت عنان السماء .

ولكن هناك من الناس من علم الله عنهم أنهم لن يتوبوا ، فأخبر عنهم ـ وهم في الحياة الدنيا ـ بأنهم من أصحاب النار ، كما في قصة أبي لهب .

وكما روى مسلم (2897) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ( لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ الرُّومُ بِالْأَعْمَاقِ أَوْ بِدَابِقٍ ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ جَيْشٌ مِنَ الْمَدِينَةِ ، مِنْ خِيَارِ أَهْلِ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ

فَإِذَا تَصَافُّوا، قَالَتِ الرُّومُ: خَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الَّذِينَ سَبَوْا مِنَّا نُقَاتِلْهُمْ

فَيَقُولُ الْمُسْلِمُونَ: لَا، وَاللهِ لَا نُخَلِّي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا، فَيُقَاتِلُونَهُمْ ، فَيَنْهَزِمُ ثُلُثٌ لَا يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ أَبَدًا، وَيُقْتَلُ ثُلُثُهُم ْ، أَفْضَلُ الشُّهَدَاءِ عِنْدَ اللهِ، وَيَفْتَتِحُ الثُّلُثُ ، لَا يُفْتَنُونَ أَبَدًا فَيَفْتَتِحُونَ قُسْطَنْطِينِيَّةَ ... ) .

قال القاري رحمه الله :

" ( فَيَنْهَزِمُ ثُلُثٌ لَا يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ أَبَدًا ) كِنَايَةٌ عَنْ مَوْتِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ، وَتَعْذِيبِهِمْ عَلَى التَّأْبِيدِ "

انتهى من " مرقاة المفاتيح " (8/ 3412).

وكما روى مسلم أيضا (2779) ( فِي أُمَّتِي اثْنَا عَشَرَ مُنَافِقًا لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ ، وَلَا يَجِدُونَ رِيحَهَا، حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ، ثَمَانِيَةٌ مِنْهُمْ تَكْفِيكَهُمُ الدُّبَيْلَةُ، سِرَاجٌ مِنَ النَّارِ يَظْهَرُ فِي أَكْتَافِهِمْ ، حَتَّى يَنْجُمَ مِنْ صُدُورِهِمْ ) .

فمثل هؤلاء علم الله تعالى أنهم لن يتوبوا ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم عنهم بذلك ، وأنهم لا يوفقون إلى التوبة ، ولا يمنع ذلك أن يكون باب التوبة مفتوحا ، ولكن هؤلاء لا يصلون إليه ، ولا يؤذن لهم في دخوله .

ذلك بأن الله تعالى يعلم خلقه ، وما هم عليه : (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ) ، ويعلم أهل الإيمان منهم من أهل الكفر ، ويعلم من يستحق التوبة ممن لا يستحقها ، ويهدي من يشاء ويضل من يشاء ، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون .

قال ابن القيم رحمه الله :

" وَهُوَ سُبْحَانَهُ وَإِن أضلّ من شَاءَ وَقضى بالمعصية والغي على من شَاءَ فَذَلِك مَحْض الْعدْل فِيهِ لِأَنَّهُ وضع الإضلال والخذلان فِي مَوْضِعه اللَّائِق بِهِ ، كَيفَ وَمن أَسْمَائِهِ الْحسنى الْعدْل ،

الَّذِي كل أَفعاله وَأَحْكَامه سداد وصواب وَحقّ ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ قد أوضح السبل وَأرْسل الرُّسُل وَأنزل الْكتب وأزاح الْعِلَل ومكّن من أَسبَاب الْهِدَايَة وَالطَّاعَة بالأسماع والأبصار والعقول وَهَذَا عدله

ووفّق من شَاءَ بمزيد عناية وَأَرَادَ من نَفسه أَن يُعينهُ ويوفّقه فَهَذَا فَضله

وخذل من لَيْسَ بِأَهْل لتوفيقه وفضله وخلى بَينه وَبَين نَفسه وَلم يرد سُبْحَانَهُ من نَفسه أَن يوفّقه فَقطع عَنهُ فَضله وَلم يحرمه عدله ، وَهَذَا نَوْعَانِ : أَحدهمَا

: مَا يكون جَزَاء مِنْهُ للْعَبد على إعراضه عَنهُ وإيثار عدوه فِي الطَّاعَة والموافقة عَلَيْهِ وتناسي ذكره وشكره فَهُوَ أهل أَن يَخْذُلهُ ويتخلى عَنهُ . وَالثَّانِي

: أَن لَا يَشَاء لَهُ ذَلِك ابْتِدَاء لما يعلم مِنْهُ أَنه لَا يعرف قدر نعْمَة الْهِدَايَة وَلَا يشكره عَلَيْهِ وَلَا يثني عَلَيْهِ بهَا وَلَا يُحِبهُ فَلَا يشاؤها لَهُ لعدم صَلَاحِية مَحَله قَالَ تَعَالَى

: (وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَم بِالشَّاكِرِينَ) وَقَالَ :

(وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأسمعهم) فَإِذا قضى على هَذِه النُّفُوس بالضلال وَالْمَعْصِيَة كَانَ ذَلِك مَحْض الْعدْل

كَمَا إِذا قضى على الحيّة بِأَن تقتل ، وعَلى الْعَقْرَب وعَلى الْكَلْب الْعَقُور كَانَ ذَلِك عدلا فِيهِ ، وَإِن كَانَ مخلوقا على هَذِه الصّفة" انتهى من "الفوائد" (25) .

وقد حكى الله تعالى اعتراض الكفار ، واستهزاءهم ، مما قضاه الله تعالى ، وأنعم به على المستضعفين من عباده المؤمنين ، فقالوا : كيف يكون هؤلاء أهلا لخيرٍ ، وهدىً ، ويحرم منه سادات قريش ، وصناديدها ؟!

فأجاب الله تعالى عن ذلك ، وأن الأمر ليس بالصور التي اغتر بها المشركون

إنما مرده إلى علم الله تعالى وحكمته .

قال الله تعالى : ( وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ) الأنعام/53.

قال ابن كثير رحمه الله :

" أَيْ: أَلَيْسَ هُوَ أَعْلَمُ بِالشَّاكِرِينَ لَهُ بِأَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ وَضَمَائِرِهِمْ، فَيُوَفِّقُهُمْ وَيَهْدِيهِمْ سُبُلَ السَّلَامِ، وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا

كَمَا قَالَ تَعَالَى : (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) [الْعَنْكَبُوتِ: 69] "

انتهى من "تفسير ابن كثير" (3/261) .

وقال تعالى : ( وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ) الأنعام/124 .

قال ابن القيم رحمه الله :

" أَيْ: لَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ أَهْلًا وَلَا صَالِحًا لِتَحَمُّلِ رِسَالَتِهِ ، بَلْ لَهَا مَحَالُّ مَخْصُوصَةٌ لَا تَلِيقُ إِلَّا بِهَا، وَلَا تَصْلُحُ إِلَّا لَهَا

وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِهَذِهِ الْمَحَالِّ مِنْكُمْ. وَلَوْ كَانَتِ الذَّوَاتُ مُتَسَاوِيَةً كَمَا قَالَ هَؤُلَاءِ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ رَدٌّ عَلَيْهِمْ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ

مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ) [الأنعام: 53] أَيْ: هُوَ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يَشْكُرُهُ عَلَى نِعْمَتِهِ، فَيَخْتَصُّهُ بِفَضْلِهِ وَيَمُنُّ عَلَيْهِ مِمَّنْ لَا يَشْكُرُهُ، فَلَيْسَ كُلُّ مَحَلٍّ يَصْلُحُ لِشُكْرِهِ، وَاحْتِمَالِ مِنَّتِهِ، وَالتَّخْصِيصِ بِكَرَامَتِهِ. "

انتهى من "زاد المعاد" (1/53) .

فأبو لهب وأمثاله من أهل الكفر والنفاق : علم الله أنهم لا يوفقون في حياتهم إلى التوبة

فأخبر أنه لا يتوب عليهم ، أو أنهم من أهل النار ، كمن مات على الكفر ، قال تعالى : (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) المنافقون/ 6 .

فهؤلاء لما اختاروا الكفر والنفاق ، وأصروا على ذلك ، كان منهم قسم قد مات ، أخبر الله أنه لا يغفر لهم .

وقسم لا يزال حيا ، علم الله أنهم لا يؤمنون ولا يتوبون ، فأخبر سبحانه أنه لا يغفر لهم ولا يتوب عليهم .

وهؤلاء الذين أعقبهم الله نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه : من الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم

ولا أن يوفقهم للتوبة ؛ لِما علم من حالهم أنهم ليسوا أهلا لذلك ، لأنهم عاهدوا الله وأخلفوا عهده ، فكان جزاؤهم على ذلك نفاقا يجدونه في قلوبهم إلى يوم يلقونه ، فيصدهم عن التوبة ، فيُحرموها .

قال السعدي رحمه الله :

" لما لم يفوا بما عاهدوا الله عليه، عاقبهم (فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ) مستمرا (إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) " .

انتهى من " تفسير السعدي " (ص 345) .

وحاصل ذلك :

أن الله جل جلاله أبى أن يسوي بين النفوس الطيبة ، والنفوس الخبيثة ، وأبى أن يسوي بين الطاهر من هذه النفوس ، والمخلوقات ، والنجس منها ، والصالح ، والطالح ؛ فإن حكمته جل جلاله تأبى ذلك أعظم الإباء

. وهو يختار لنفسه ، ولدينه ، ولهداه ، من هو أهل لذلك ، قابل لنعمة ربه ، شاكر له ، مثن عليه بها . قال ابن القيم رحمه الله : " فهو أعلم حيث يجعلها [ يعني : رسالته ]

أصلا وميراثا !! وكما أنه ليس كل محل أهلا لتحمل الرسالة عنه ، وأدائها إلى الخلق ؛ فليس كل محل أهلا لقبولها والتصديق بها

كما قال تعالى: (وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ) . أي : ابتلينا ، واختبرنا بعضهم ببعض ، فابتلى الرؤساء والسادة

بالأتباع والموالي والضعفاء ؛ فإذا نظر الرئيس والمطاع إلى المولى والضعيف أنفةً ، وأنف أن يُسلم

وقال : هذا يمن الله عليه بالهدى والسعادة دوني ؟! قال الله تعالى: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ) ، وهم الذين يعرفون النعمة وقدرها ، ويشكرون الله عليها، بالاعتراف والذل والخضوع والعبودية

فلو كانت قلوبكم مثل قلوبهم ، تعرفون قدر نعمتي ، وتشكروني عليها ، وتذكروني بها ، وتخضعون لي كخضوعهم ، وتحبوني كحبهم لمننت عليكم ، كما مننت عليهم ؛ ولكن لمنِّي ونعمي محالّ لا تليق إلا بها

ولا تحسن إلا عندها . ولهذا يقرن كثيرا بين التخصيص والعلم ، كقوله ههنا: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ)

وقوله: (وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ)

وقوله: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ) ..

" انتهى من "شفاء العليل" (ص31)

. والله تعالى أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-07, 14:34
من هو الذي ينشأ في الحلية ؟

السؤال

في أحد المواقع الإسلامية ، تم تفسير حديث ( ناقصات عقل ودين ) كما سيرد في الكلام الآتي: " يبين أن المرأة لا تقل في عقلها عن الرجل ، من حيث إنها ناقشت الرسول صلى الله عليه وسلم

وإنها جزلة ، أي : ذات عقل وافر . ومن حيث أن الواحدة منهن تَذهب بعقل اللبيب ، أي الوافر العقل . فكيف تَذهب بعقله إذا لم تكن أذكى منه

أو أنه ناقص عقل على أقل الاحتمالات . بالإضافة إلى ذلك فإن الإسلام يعتبر أن المرأة والرجل سواءٌ أمام التكاليف الشرعية ، من حيث الأداء والعقوبة ، فلو كانت المرأة ناقصة عقل

فكيف يكون أداؤها وعقوبتها بنفس المستوى الذي للرجل ، فهذا ينافي العدل الذي يتصف به الله ، وينادي به الإسلام ، فناقص العقل لا يُكلَّف بمثل ما يكلف به من هو أكمل منه عقلاً

ولا يُحاسب بنفس القدر الذي يُحاسب به ، على فرض أن الرجل أكمل عقلاً من المرأة " وهذا التفسير أوضح لي الأمر ، لكن الإشكالية هنا : عن قتادة ، قوله : ( أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ )

قال : الجواري يسفههنّ بذلك ، غير مبين بضعفهنّ . ثنا ابن ثور، عن قتادة : وأما قوله : ( وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ ) يقول : قلما تتكلم امرأة فتريد أن تتكلم بحجتها إلا تكلمت بالحجة عليها

. كيف يكون معنى الآية الكريمة تسفيه النساء ، وأن حجتها على نفسها ، بينما أثبت تفسير الحديث عكس ذلك تماما . وفي بعض التفسيرات الأخرى حسب ما أذكر يقال :

كيف تجعلون أدنى الجنسين بنات لله . ولو كانت الآية المقصود بها النساء ، فلِمَ لَمْ يقل الله عز وجل : ( أو من تنشأ في الحلية وهي في الخصام غير مبين ) وأخيرا ، هناك تفسير للآية في مقطع على اليوتيوب

أن المقصود به هم الكفار الذين نسبوا لله البنات ، وهم في الخصام غير مبينين لحجتهم ، والحلية لها تفسير آخر ؛ لأنه لم يتبعها كلمة تلبسونها ، تفسير صحيح ؟

الجواب

الحمد لله

اختلف المفسرون في المقصود بقول الله عز وجل : ( أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ ) الزخرف/18

على قولين :

القول الأول :

المقصود النساء اللاتي يُنشأن على لبس الزينة والحلي ، وهن لضعفهن وحيائهن لا يتمكن من إقامة حجتهن ، ولا يقدرن على الحجاج والخصام .

وهذا قول جماهير المفسرين من المتقدمين والمتأخرين ، ثبت عن مجاهد ، وقتادة ، والسدي ، كما أسنده عنهم الإمام الطبري في " جامع البيان " (21/579)، واستقرت عليه معظم التفاسير المطبوعة ، المختصرة والموسعة .

وليس في هذا القول تسفيه للنساء ، ولا تقليل من شأنهن وقدرهن

وإنما مرتكزه : جبلة الحياء الذي خلقت عليه المرأة ، وإيثارها اجتناب الجدال والخصام ، كما هو مركوز في فطرتها وطبيعتها التكوينية ، وهذا ثناء عليها ، واعتبار للقيمة التي تحوزها في تركيبها .

وقد نفى رب العزة عن نفسه اتخاذ الصاحبة والولد مطلقا ، فقال سبحانه : ( وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا ) الجن/ 3 .

فقد تنزه سبحانه عن ذلك : لأنه يتنافى وخالقيته وأزليته ووحدانيته وصمديته ، وليس لأن الزوجة والولد نوعٌ ناقصٌ محتقرٌ بين أنواع المخلوقات ، فإن مثل ذلك كمال في حق المخلوق

ونقص في حق الخالق سبحانه ، ولم يستلزم ذلك في دلالة اللغة أو الشرع التنقص من الزوجة والأولاد عموما ، فكذلك الشأن في هذه الآية الكريمة الواردة في السؤال ، لا تستلزم نسبة الاحتقار لجنس الإناث .

القول الثاني :

المقصود الأوثان والأصنام التي يصنعها الكفار من ( الحلية ) الذهب والفضة ، وهي لا تملك سمعا ولا بصرا ولا نطقا ، فلا تستطيع أن تُبين أو تعرب عن نفسها .

قال ابن زيد :

" هذه تماثيلهم التي يضربونها من فضة وذهب ، يعبدونها ، هم الذين أنشئوها ، ضربوها من تلك الحلية ، ثم عبدوها ( وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ ) قال : لا يتكلم ، وقرأ (فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ) "

انتهى من " جامع البيان " (21/580)

وبعد التأمل في ما يمكن أن يستدل له لكلا القولين ، يتبين أن الراجح هو القول الأول ، إذ يمكن الاستدلال له بدليلين ظاهرين :

الدليل الأول :

أنه يعضده سياق الآيات ، فهو يتحدث عن نظرة المشركين إلى الأنثى من الجهة العقائدية ، حيث جعلوهن بنات الله ، ومن الجهة المجتمعية حيث نسبوا إليهن النقص والعيب والعار

وهذا سياق الآيات : ( أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ . وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ . أَوَ مَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ .

وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ ) الزخرف/16-19.

ولا شك أن تفسير الآية بما يناسب السياق ، ويتوافق معه : أولى من قطع معناها عن سِباقها ولِحاقها .

يقول الإمام الطبري رحمه الله :

" أولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال : عُنِي بذلك الجواري والنساء ؛ لأن ذلك عقيب خبر الله عن إضافة المشركين إليه ما يكرهونه لأنفسهم من البنات

وقلة معرفتهم بحقه ، وتحليتهم إياه من الصفات والبخل ، وهو خالقهم ومالكهم ورازقهم

والمنعم عليهم النعم التي عددها في أول هذه السورة ؛ ما لا يرضونه لأنفسهم ، فإتباع ذلك من الكلام ما كان نظيرا له، أشبه وأولى من إتباعه ما لم يجر له ذكر "

انتهى من " جامع البيان " (21/580) .

وقال أبو إسحاق الزجاج رحمه الله :

" الأجود أن يكون : يعني به المؤنث " انتهى من " معاني القرآن " (4/407) .

ولو رجحنا القول الثاني الذي يقصد الأوثان ، لتخللت هذه الأوثان في سياق آيات قبلها تتحدث عن الإناث

وآيات بعدها تتحدث عن الإناث أيضا في عقائد المشركين ، وهو انقطاع في المعنى والسياق لا يليق ، لذلك كان القول الأول هو الأرجح .

الدليل الثاني :

قوله تعالى : ( وهو في الخصام غير مبين ) ، فالأنثى تخاصم ، ولكنها لا تظهر في حجتها ولا في قوة خصامها .
أما الأوثان فلا يخاصمون أبدا ، لا خصاما مبينا ، ولا غير مبين .

يقول أبو حيان الأندلسي رحمه الله :

" ويبعد هذا القول [يعني القول الثاني] قوله : ( وهو في الخصام غير مبين ) ، إلا إن أريد بنفي الإبانة : نفي الخصام ، أي : لا يكون منها خصام " .

انتهى من " البحر المحيط في التفسير " (9/ 363) .

وأما الاستدلال على ترجيح القول الثاني بأن الضمير في قوله تعالى ( وهو في الخصام ) للمذكر

وهذا لا يناسب تفسير الآية بالإناث ؛ فهذا استدلال خاطئ من جهة اللغة وقواعدها

ولم يحتج به ( ابن زيد ) رحمه الله .

فالضمير ( هو ) يعود على ( من ) الموصولة في أول الآية ( أَوَ مَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ )

و ( من ) الموصولة يجوز أن يعود الضمير عليها بصيغة التذكير ، باعتبار أن لفظ ( من ) مذكر ، حتى لو كان معناها هو المؤنث ، فالعرب قد تقصد تذكير اللفظ ولا تلتفت للمعنى .

ويجوز أن يعود الضمير بصيغة التأنيث ، إذا كان معناها يدل على الأنثى .

يقول العلامة الطاهر بن عاشور رحمه الله :

" تذكير ضمير ( وهو في الخصام ) مراعاةً للفظ ( مَن ) الموصولة " .

انتهى من " التحرير والتنوير " (25/182) .

*عبدالرحمن*
2019-02-07, 14:35
ويشبه هذا أيضا : (مَنْ) الشرطية ، فإن لفظها مذكر ، وقد يكون مدلولها مؤنثا .

تأمل معنا قول الله عز وجل : ( وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا ) الأحزاب/31 ، لماذا استعمل صيغة التذكير في الفعل ( يقنت ) ، رغم أن ( مَن ) المقصود بها هنا أمهات المؤمنين رضوان الله عليهن ؟

وجواب ذلك ، هو ما ذكرناه آنفا من أن ذلك أمر معروف ، شائع في لغة العرب . والملحظ فيه تذكير لفظ ( مَن ) ؛ بل هذا هو الكثير المستعمل في القرآن .

يقول الأخفش رحمه الله :

" ( يَقْنُتْ ) فجعله على اللفظ ؛ لأن اللفظ في ( مَن ) مذكّر ، وجعل ( تَعْمَلْ ) و ( نُؤْتِهَآ ) على المعنى "

انتهى من " معاني القرآن " (1/37)

وانظر " معاني القرآن " للزجاج (4/228) .

ويقول ابن خالويه :

" ذكّر على لفظ ( مَن ) وهو يريد نساء النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : ( وتعمل صالحا ) فأنّث "

انتهى من " ليس في كلام العرب " (ص220) .

ويقول الزمخشري رحمه الله – عن الاسم الموصول ( من ) -:

" توقع على الواحد والاثنين والجمع ، والمذكر والمؤنث . ولفظها مذكر ، والحمل عليه هو الكثير .

وقد يحمل على المعنى . وقرئ قوله تعالى : ( وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا ) [الأحزاب: 31]، بتذكير الأول ، وتأنيث الثاني .

وقال تعالى : ( وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ) [يونس: 42]. وقال الفرزدق : نكن مثل من يا ذئب يصطحبان "

انتهى من " المفصل في صنعة الإعراب " (ص: 187).

وانظر " معاني القرآن " للفراء (2/111)

" الأصول في النحو " للسراج (2/396) .

وشرح كلام الزمخشري هذا العلامة ابن يعيش رحمه الله فقال :

" اعلم أن ( مَنْ ) لفظُها واحدٌ مذكرٌ ، ومعناها معنى الجنس لإبهامها ، تقع على الواحد والاثنين والجماعة ، والمذكر والمؤنث .

فإذا وقعتْ على شيء من ذلك ، ورددتَ إليها الضميرَ العائد من صلتها ، أو خبرِها على لفظها نفسِها ، كان مفردًا مذكّرًا ؛ لأنه ظاهرُ اللفظ ، سواء أردتَ واحدًا مذكرًا ، أو مؤنثًا ، أو اثنين ، أو جماعةٌ .

وإن أعدتَ الضمير إليها على معناها ، فهو على ما يقصِده المتكلمُ من المعنى .

فأمّا ما أُعيد إليه على اللفظ فنحو قوله تعالى : ( وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ )، وقوله : ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا )، ( وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ )، وعليه أكثرُ الاستعمال ...

وأما المؤنّث ، فنحو قولهم فيما حكاه يونس : " مَنْ كانت أُمَّك "، أُنّث " كَانَتْ " حيث كان فيها ضميرُ " مَنْ " وكان مؤنثًا ؛ لأنه هو الأمُّ في المعنى .

ومن ذلك قراءةُ الزعْفَراني ، والجَحْدَري : ( وَمَنْ تَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا )، بالتاء فيهما

حيث أراد واحدة من النساء ، جعل صلته ، إذ عني المؤنّث : كصلة "التي". وقرأ حَمزَةُ والكِسائي: ( يَقْنُتْ ويعْمَلْ ) بالياء على التذكير حملًا على اللفظ فيهما .

وقرأ الباقون من السبعة : ( يَقْنُتْ ) بالتذكير على اللفظ ، و ( تَعْمَلْ ) بالتأنيث على المعنى "

انتهى من " شرح المفصل لابن يعيش " (2/ 415) .

وهذا الجواب اللغوي - كما ترى – دقيق قد يخفى مثله على من يتجرأ على التفسير ، ويتحدث فيه من منطلق آرائي محض ، وليس من منطلق موضوعي ، أو تأصيل علمي ، أو تأويل مأثور عن العلماء الأولين .

وأما باقي ما ورد في السؤال ، في تفسير حديث ( ناقصات عقل )، وقضية مساواة المرأة بالرجل

فقد سبق الخوض فيها بالتفصيل في الفتوى الاولي و الثانية القادمة

ولسنا في صدد متابعة مقاطع الفيديو ، وإعداد الردود على ما ورد في كل كلمة منها ، وإنما مقصدنا الحديث عن المسألة العلمية بتجرد وموضوعية .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-07, 14:39
معنى نقص العقل والدين عند النساء

السؤال

دائماً نسمع الحديث الشريف (النساء ناقصات عقل ودين) ويأتي به بعض الرجال للإساءة للمرأة . نرجو توضيح معنى الحديث ؟

الجواب

الحمد لله

"معنى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : (مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ ، قُلْنَ : وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟

قَالَ : أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ ؟

قُلْنَ : بَلَى ، قَالَ فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا ، أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ ؟

قُلْنَ : بَلَى ، قَالَ : فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا) بَيَّن صلى الله عليه وسلم أن نقصان عقلها من جهة ضعف حفظها

وأن شهادتها تُجْبَر بشهادة امرأة أخرى ، وذلك لضبط الشهادة ، بسبب أنها قد تنسى

فتزيد في الشهادة أو تنقصها ، كما قال سبحانه : (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى) البقرة/282 .

وأما نقصان دينها فلأنها في حالة الحيض والنفاس تدع الصلاة ، تدع الصوم ، ولا تقضي الصلاة ، فهذا من نقصان الدين ، ولكن هذا النقص ليست مؤاخذة عليه ، وإنما هو نقص حاصل بشرع الله عز وجل

هو الذي شرعه عز وجل رفقاً بها ، وتيسيراً عليها ؛ لأنها إذا صامت مع وجود الحيض والنفاس يضرها ذلك ، فمن رحمة الله شرع لها ترك الصيام وقت الحيض والنفاس ، والقضاء بعد ذلك .

وأما الصلاة فإنها حال الحيض قد وجد منها ما يمنع الطهارة ، فمن رحمة الله جل وعلا أن شرع لها ترك الصلاة

وهكذا في النفاس ، ثم شرع لها أنها لا تقضي ، لأن في القضاء مشقة كبيرة ، لأن الصلاة تتكرر في اليوم خمس مرات ، والحيض قد تكثر أيامه ، فتبلغ سبعة أيام أو ثمانية أيام أو أكثر

والنفاس قد يبلغ أربعين يوماً ، فكان من رحمة الله لها وإحسانه إليها أن أسقط عنها الصلاة أداء وقضاء ، ولا يلزم من هذا أن يكون نقص عقلها في كل شيء ، ونقص دينها في كل شيء

وإنما بَيَّن الرسولُ صلى الله عليه وسلم أن نقص عقلها من جهة ما قد يحصل من عدم الضبط للشهادة

ونقص دينها من جهة ما يحصل لها من ترك الصلاة والصوم في حال الحيض والنفاس ، ولا يلزم من هذا أن تكون أيضاً دون الرجل في كل شيء ، وأن الرجل أفضل منها في كل شيء .

نعم ، جنس الرجال أفضل من جنس النساء في الجملة ، لأسباب كثيرة ، كما قال الله سبحانه وتعالى :

(الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) النساء/34 ، لكن قد تفوقه في بعض الأحيان في أشياء كثيرة ، فكم لله من امرأة فوق كثير من الرجال في عقلها ودينها وضبطها

وإنما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أن جنس النساء دون جنس الرجال في العقل وفي الدين من هاتين الحيثيتين اللتين بينهما النبي صلى الله عليه وسلم .

وقد تكثر منها الأعمال الصالحات فتربو على كثير من الرجال في عملها الصالح ، وفي تقواها لله عز وجل ، وفي منزلتها في الآخرة

وقد تكون لها عناية في بعض الأمور فتضبط ضبطاً كثيراً أكثر من ضبط بعض الرجال في كثير من المسائل التي تعنى بها ، وتجتهد في حفظها وضبطها فتكون مرجعاً في التاريخ الإسلامي وفي أمور كثيرة

وهذا واضح لمن تأمل أحوال النساء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وبعد ذلك .

وبهذا يعلم أن هذا النقص لا يمنع من الاعتماد عليها في الرواية ، وهكذا في الشهادة إذا انجبرت بامرأة أخرى ، ولا يمنع أيضاً تقواها لله

وكونها من خيرة عباد الله ، ومن خيرة إماء الله إذا استقامت في دينها ، وإن سقط عنها الصوم في الحيض والنفاس أداء لا قضاء ، وإن سقطت عنها الصلاة أداء وقضاء

فإن هذا لا يلزم منه نقصها في كل شيء من جهة تقواها لله ، ومن جهة قيامها بأمره ، ومن جهة ضبطها لما تعتني به من الأمور ، فهو نقص خاص في العقل والدين ، كما بَيَّنه النبي صلى الله عليه وسلم

فلا ينبغي للمؤمن أن يرميها بالنقص في كل شيء ، وضعف الدين في كل شيء ، وإنما ضعف خاص بدينها

وضعف في عقلها فيما يتعلق بضبط الشهادة ونحو ذلك ، فينبغي إنصافها ، وحمل كلام النبي صلى الله عليه وسلم ، على خير المحامل وأحسنها . والله تعالى أعلم" انتهى .

سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله .

مجلة البحوث الإسلامية (29/100- 102) .

*عبدالرحمن*
2019-02-07, 14:45
مفهوم المساواة في " الإسلام "

السؤال

ما مفهوم المساواة في " الإسلام " ؟ .

الجواب

الحمد لله

لفظ " المساواة " يحوي حقّاً وباطلاً ، وهو لفظ مشترك في الخير والشر

وأكثر من يستعمله وينادي به الآن إنما يريد الباطل والشرَّ الذي فيه ، فاستعمالهم له إنما هو لجعل الناس سواسية متساويين لا يفرَّق بينهم بسبب الدين ، ولا الجنس

فنادوا بمساواة المرأة بالرجل في كافة المجالات حتى تلك التي من خصائص الرجال ، كما نادوا بالمساواة في المواطنة ، وأنه لا ينبغي أن يكون الدين مفرِّقاً بين الناس

فجمعوا بين الموحد والمشرك ، والمسلم والوثني ، وجعلوهم في سياق واحد ، لا يفرق الدِّين بينهم .

وأما الخير والحق الذي في هذا اللفظ فهو أن المسلمين متساوون أمام الشرع في أحكامه ، وتكاليفه

فلا يفرَّق بين شريف ووضيع في إقامة الحدود ، ولا بين الرجل والمرأة ، إذا جاء أحدهم بما يستحق به جلداً

أو رجماً ، أو قتلاً ، وقد جاءت أمثلة عملية على ذلك ، فحين سرقت امرأة من قبائل العرب الشريفة ، واستحقت قطع يدها : جاء من يشفع لها عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فغضب

وقال : ( إنَّمَا أَهْلَكَ الذينَ قَبْلَكُم أنَّهُم كانُوا إِذَا سَرَقَ ِفيهُم الشَّريفُ تَرَكُوه ، وَإِذَا سَرَقَ فيهُم الضَّعيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ ) متفق عليه

وعندما عيّر صحابي آخر بأمه السوداء : غضب الرسول صلى الله عليه وسلم وقال له : ( إِنَّكَ امْرُؤ فِيكَ جَاهِليَّة ) متفق عليه.

كما أن من أوجه المساواة بين الرجل والمرأة : الوعد في الآخرة بالثواب ، والجنة

قال الله تعالى : ( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) النحل/ 97 .

هذا هو المعنى الحق الذي في هذا اللفظ ، وليس هذا ما يريده من ينادي بالمساواة .

وقد اعترف الإسلام بوجود " نفي المساواة " بين المسلمين في أبواب منه ، فنفى أن يستوي من آمن بالله وأنفق ماله قبل الحديبية ، وبين من آمن وأنفق بعدها ، كما نفى المساواة بين المجاهدين والقاعدين بغير عذر .

فالمساواة بين المرأة والرجل لها جانبان : حق ، وباطل ، فإذا أريد أنهما سواء في التكاليف والأحكام وإقامة الحدود : فالمعنى صحيح ، إلا ما استثناه النص

وإذا أريد به أن الذكر كالأنثى في كل الأمور : فباطل ، والله تعالى يقول ( وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى ) فالمرأة تحتاج لولي في الزواج ، وليس الرجل كذلك ، والقوامة للرجل ، لا للمرأة

والطلاق بيد الزوج ، لا الزوجة ، والجماعة والجهاد واجبان على الرجال دون النساء ، وثمة فروق أخرى في الدية ، والعقيقة ، والميراث .

وليس يعني هذا تمييز الرجل في كل الأمور ، فقد جاءت الوصية بالأم ثلاثة أضعاف الوصية بالأب – مثلاً –

كما جاء في الحديث المتفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي قَالَ

: ( أُمُّكَ قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ ثُمَّ أُمُّكَ قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ ثُمَّ أُمُّكَ قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ ثُمَّ أَبُوكَ ) ، وقد قدَّم الله تعالى الإناث في بعض المواضع مثل قوله تعالى : ( يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ ) الشورى / 49 .

ولذا فإنه من دعا لمساواة المرأة بالرجل في كل الأمور : فهو داعية ضلال ، ودعوته : زندقة ، وإلحاد .

*عبدالرحمن*
2019-02-07, 14:46
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله - :

قوله تعالى ( يا أيها الناس إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى ) .

ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه خلق الناس من ذكر وأنثى ، ولم يبين هنا كيفية خلقه للذكر والأنثى المذكورين ولكنه بين ذلك في مواضع أخر من كتاب الله .

فبيَّن أنه خلق ذلك الذكر - الذي هو آدم - من تراب ، وقد بيَّن الأطوار التي مر بها ذلك التراب ، كصيرويته طيناً لازباً ، وحمأً مسنوناً ، وصلصالاً كالفخار .

وبيَّن أنه خلق تلك الأنثى التي هي حواء من ذلك الذكر الذي هو آدم فقال

: ( يا أيها الناس اتقوا رَبَّكُمُ الذي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً ) النساء/ 1

وقال تعالى : ( هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ) الأعراف/ 189 ، وقال تعالى : ( خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ) الزمر/ 6 .
... .
قد دلت هذه الآيات القرآنية المذكورة على أن المرأة الأولى كان وجودها الأول مستنداً إلى وجود الرجل وفرعاً عنه ، وهذا أمر كوني ، قدري ، من الله ، أنشأ المرأة في إيجادها الأول عليه .

وقد جاء الشرع الكريم المنزل من الله ليعمل به في أرضه بمراعاة هذا الأمر الكوني القدري في حياة المرأة في جميع النواحي ، فجعل الرجل قائماً عليها ، وجعلها مستندة إليه في جميع شؤونها

كما قال تعالى : ( الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النساء ) النساء/ 34 .

فمحاولة استواء المرأة مع الرجل في جميع نواحي الحياة : لا يمكن أن تتحقق ؛ لأن الفوارق بين النوعين كوناً وقدراً أولاً ، وشرعاً منزلاً ثانياً : تمنع من ذلك منعاً باتّاً .

ولقوة الفوارق الكونية والقدرية والشرعية بين الذكر والأنثى : صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعن المتشبه من النوعين بالآخر .

ولا شك أن سبب هذا للعن هو محاولة من أراد التشبه منهم بالآخر ، لتحطيم هذه الفوارق التي لا يمكن أن تتحطم .
وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال

: ( لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المشتبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال )

وقد قدمنا هذا الحديث بسنده في سورة " بني إسرائيل "

وبينا هناك أن من لعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو ملعون في كتاب الله ، فلو كانت الفوارق بين الذكر والأنثى يمكن تحطيمها وإزالتها : لم يستوجب من أراد ذلك اللعن من الله ورسوله .

ولأجل تلك الفوارق العظيمة الكونية القدرية بين الذكر والأثنى فرَّق الله جل وعلا بينهما في الطلاق ، فجعله بيد الرجل دون المرأة ، وفي الميراث ، وفي نسبة الأولاد إليه .

وفي تعدد الزوجات دون الأزواج : صرح بأن شهادة امرأتين بمنزلة شهادة رجل واحد في قوله تعالى : ( فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامرأتان ) البقرة/ 282 .

فالله الذي خلقهما لا شك أنه أعلم بحقيقتهما ، وقد صرح في كتابه بقيام الرجل مقام امرأتين في الشهادة .

وقد قال تعالى : ( أَلَكُمُ الذكر وَلَهُ الأنثى . تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضيزى ) النجم/ 21 ، 22 ، أي : غير عادلة ؛ لعدم استواء النصيبين ، لفضل الذكر على الأنثى .

ولذلك : وقعت امرأة عمران في مشكلة لما ولدت مريم ، كما قال تعالى عنها : ( فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أنثى والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذكر كالأنثى ) آل عمران / 36

فامرأة عمران تقول : ( وَلَيْسَ الذكر كالأنثى ) ، وهي صادقة في ذلك بلا شك .

والكفرة وأتباعهم يقولون : إن الذكر والأنثى سواء .

ولا شك عند كل عاقل في صدق هذه السالبة ، وكذب هذه الموجبة .

وقد أوضحنا في سورة " بني إسرائيل " في الكلام على قوله تعالى : ( إِنَّ هذا القرآن يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ )

الإسراء/ 9 وجه الحكمة في جعل الطلاق بيد الرجل ، وتفضيل الذكر على الأنثى في الميراث ، وتعدد الزوجات ، وكون الولد ينسب إلى الرجل ، وذكرنا طرفاً من ذلك في سورة " البقرة "

في الكلام على قوله تعالى : ( وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ) البقرة/ 228 ، وبيَّنا أن الفوارق الطبيعية بينهما كون الذكورة شرفاً وكمالاً وقوة طبيعية : خلقية ، وكون الأنوثة بعكس ذلك .

وبينا أن العقلاء جميعاً مطبقون على الاعتراف بذلك

وأن من أوضح الأدلة التي بينها القرآن على ذلك اتفاق العقلاء على أن الأنثى من حين نشأتها تجلى بأنواع الزينة من حلي وحلل ، وذلك لجبر النقص الجبلي الخلقي الذي هو الأنوثة كما قال الشاعر :

وما الحلي إلا زينة من نقيصة ... يتمم من حسن إذا الحسن قصرا

وقد بيَّنا أن الله تعالى أوضح هذا بقوله : ( أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الحلية وَهُوَ فِي الخصام غَيْرُ مُبِينٍ ) الزخرف/ 18

فأنكر على الكفار أنهم مع ادعاء الولد له تعالى جعلوا له أنقص الولدين ، وأضعفهما خِلقة ، وجبلَّة ، وهو الأنثى ، ولذلك نشأت في الحِلية من صغرها ؛ لتغطية النقص الذي هو الأنوثة

وجبره بالزينة ، فهو في الخصام غير مبين .

لأن الأنثى لضعفها الخلقي الطبيعي لا تقدر أن تبين في الخصام إبانة الفحول الذكور ، إذا اهتضمت وظلمت لضعفها الطبيعي .
... .
وأما الذكر فإنه لا ينشأ في الحلية ؛ لأن كمال ذكورته ، وشرفها ، وقوتها الطبيعية التي لا يحتاج معه إلى التزين بالحلية التي تحتاج إليه الأنثى : لكماله بذكورته ، ونقصها بأنوثتها .

ومما لا نزاع فيه بين العقلاء أن الذكر والأنثى إذا تعاشرا المعاشرة البشرية الطبيعية التي لا بقاء للبشر دونها : فإن المرأة تتأثر بذلك تأثراً طبيعيّاً كونيّاً قدريّاً مانعاً لها من مزاولة الأعمال

كالحمل ، والنفاس ، وما ينشأ عن ذلك من الضعف ، والمرض ، والألم ، بخلاف الرجل : فإنه لا يتأثر بشيء من ذلك .

ومع هذه الفوارق لا يتجرأ على القول بمساواتهما في جميع الميادين : إلا مكابر في المحسوس ، فلا يدعو إلى المساواة بينهما إلا من أعمى الله بصيرته .

" أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن " ( 7 / 473 – 475 ) .

وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – :

دين الإسلام : دين العدل في العمل ، والجزاء ، وانتبه " دين العدل في العمل ، والجزاء " وليس كما يقول المحدَثون : " إنه دين المساواة "

هذا غلط عظيم ، لكن يتوصل به أهل الآراء والأفكار الفاسدة إلى مقاصد ذميمة ، حتى يقول : المرأة والرجل ، والمؤمن والكافر : سواء ، ولا فرق ، وسبحان الله ، إنك لن تجد في القرآن كلمة "

المساواة " بين الناس ، بل لا بدَّ من فرق ، بل أكثر ما في القرآن نفي المساواة : ( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) وآيات كثيرة ، فاحذر أن تتابع ، فتكون كالذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاءً ونداءً

بدلاً من أن تقول : " الدين الإسلامي دين مساواة " قل : " دين العدل الذي أمر الله به ، يعطي كل ذي حق حقه " ، أرأيت المرأة مع الرجل في الإرث ، وفي الدية

وفي العقيقة ، وفك الرهان ، يختلفون ، وفي الدِّين : المرأة ناقصة ، إذا حاضت لم تصل ، ولم تصم ، وفي العقل : المرأة ناقصة : شهادة الرجل بشهادة امرأتين ، وهلمَّ جرّاً ، والذين ينطقون بكلمة " مساواة "

: إذا قررنا هذا ، وأنه من القواعد الشرعية الإسلامية : ألزمونا بالمساواة في هذه الأمور ، وإلا لصرنا متناقضين ، فنقول : دين الإسلام هو دين العدل ، يعطي كل إنسان ما يستحق

حتى جاء في الحديث : ( أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود ) يعني : إذا أخطا الإنسان الشريف الوجيه في غير الحدود : فاحفظ عليه كرامته ، وأقله ، هذا الذي تقيله إذا كان من الشرفاء

إقالتك إياه أعظم تربية من أن تجلده ألف جلدة ؛ لأنه كما قيل : الكريم إذا أكرمته

: ملَكته ، لكن لو وجد إنسان فاسق ماجن : فهذا اشدد عليه العقوبة ، وعزره ، ولهذا لما كثر شرب الخمر في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ضاعف العقوبة بدل أربعين جعلها ثمانين

كذلك الحديث الصحيح الذي رواه أهل السنن : ( من شرب فاجلدوه ، ثم إن شرب فاجلدوه ، ثم إن شرب فاجلدوه ، ثم إن شرب فاقتلوه ) ؛ لأن لا فائدة في جلده ، ثلاث مرات نعاقبه ولا فائدة ، إذن خير له ولغيره أن يقتل

وإذا قتلناه استراح من الإثم ، كما قال الله عز وجل : ( ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأَنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مهين ) .

" لقاءات الباب المفتوح " ( 212 /المقدمة ) .

والله أعلم

*عبدالرحمن*
2019-02-07, 14:50
من هو ذو الكفل المذكور في القرآن ؟

السؤال

ما هي قصة " ذو الكفل " عليه السلام ؟ وهل هو نفسه ذو الكفل المذكور في الحديث ، وما صحة إسناده ؟

وهل للقبر المنسوب في العراق صلة به ؟

أتمنى ذكر جميع الأحاديث والآثار والأخبار الواردة في ذكره عليه السلام بشرح مفصل وموثق .

الجواب

الحمد لله

قال الله عز وجل : ( وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ ) الأنبياء/ 85

وقال تعالى : ( وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ) سورة ص/ 48

وقد اختلف أهل العلم من المفسرين في ذي الكفل : هل هو نبي أم رجل صالح ؟ على قولين ، والراجح أنه نبي ؛ لورود ذكره بين الأنبياء ، قال ابن كثير رحمه الله :

" الظَّاهِرُ مِنْ ذِكْرِهِ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ ، مَقْرُونًا مَعَ هَؤُلَاءِ السَّادَةِ الْأَنْبِيَاءِ: أَنَّهُ نَبِيٌّ ، عَلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ .

وَقَدْ زَعَمَ آخَرُونَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، وَإِنَّمَا كَانَ رَجُلًا صَالِحًا وَحَكَمًا مُقْسِطًا عَادِلًا. وَتَوَقَّفَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي ذَلِكَ فَاللَّهُ أَعْلَمُ "

انتهى من "البداية والنهاية" (1/ 516) .

وقال أبو حيان الأندلسي رحمه الله :

" قَالَ الْأَكْثَرُونَ: هُوَ نَبِيٌّ "

انتهى من "البحر المحيط" (7/ 460) .

وقال القاسمي رحمه الله :

" ( وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ) أي: بالنبوة والرسالة ، للهداية والإصلاح "

انتهى من " تفسير القاسمي " (8/ 267) .

وقال السعدي رحمه الله :

" أي: واذكر هؤلاء الأنبياء بأحسن الذكر، وأثن عليهم أحسن الثناء ، فإن كلا منهم من الأخيار الذين اختارهم الله من الخلق ، واختار لهم أكمل الأحوال ، من الأعمال، والأخلاق ، والصفات الحميدة ، والخصال السديدة " .

انتهى من " تفسير السعدي " (ص 715) .

فالمذكور عن ذي الكفل عليه السلام أنه كان من الصابرين والأخيار ، هكذا ذكره ربنا سبحانه في كتابه

ولا نعلم عنه غير ذلك ، وليست له قصة تذكر ، وما يذكره الإخباريون والمفسرون فكله منقول عن أهل الكتاب ؛ فالله أعلم بحقيقة ذلك .

وأما ما رواه الترمذي (2496) ، وأحمد (4747) عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( كَانَ الكِفْلُ مِنْ بني إسرائيل لَا يَتَوَرَّعُ مِنْ ذَنْبٍ عَمِلَهُ

فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَأَعْطَاهَا سِتِّينَ دِينَارًا عَلَى أَنْ يَطَأَهَا ، فَلَمَّا قَعَدَ مِنْهَا مَقْعَدَ الرَّجُلِ مِنْ امْرَأَتِهِ ، أَرْعَدَتْ وَبَكَتْ

فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ أَأَكْرَهْتُكِ؟ قَالَتْ: لَا وَلَكِنَّهُ عَمَلٌ مَا عَمِلْتُهُ قَطُّ، وَمَا حَمَلَنِي عَلَيْهِ إِلَّا الحَاجَةُ

فَقَالَ: تَفْعَلِينَ أَنْتِ هَذَا وَمَا فَعَلْتِه ِ؟ اذْهَبِي فَهِيَ لَكِ ، وَقَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا أَعْصِي اللَّهَ بَعْدَهَا أَبَدًا، فَمَاتَ مِنْ لَيْلَتِهِ فَأَصْبَحَ مَكْتُوبًا عَلَى بَابِهِ ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لِلْكِفْلِ ) .

فهو حديث ضعيف ، ضعفه محققو المسند ، وكذا الألباني في "ضعيف الترمذي " .

وعلى فرض صحته : فليس هذا هو ذو الكفل المذكور في القرآن .

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله :

" أَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ... - فذكر هذا الحديث - فَهُوَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا، وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ.

وَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَلَيْسَ هُوَ ذَا الْكِفْلِ . وَإِنَّمَا لَفْظُ الْحَدِيثِ " الْكِفْلُ " مِنْ غَيْرِ إِضَافَةٍ ؛ فَهُوَ رَجُلٌ آخَرُ غَيْرُ الْمَذْكُورِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ " .

انتهى من"البداية والنهاية" (1/ 519) .

وأما القبر المنسوب إلى ذي الكفل ببلاد العراق : فهذا لا يعلم له أصل صحيح ، ولا ذكر أحد من أهل العلم له أصلا

ولا سندا ؛ وإنما ذلك كله من عمل الجهلة الذين يفتنون بأصحاب القبور ، ويتوسلون بهم إلى ربهم ، وربما عبدوهم من دون الله ، فيسألونهم ويستغيثون بهم وينذرون لهم .

والله تعالى أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-07, 14:54
هل الأقوال والأفعال المباحة تدخل في اللغو المذكور في قوله تعالى : ( وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ )؟

السؤال

أود السؤال عن معنى اللغو في قول الله تعالى : ( والذين هم عن اللغو معرضون ) في سورة المؤمنون

وكيف يتجنبه المسلم في حياته ؟

إذ قرأت أن معناه الباطل أي كل ما لا يفيد من العمل حسب تعريف الشيخ الألباني رحمه الله وغيره. فهل هو تعريف مطلق يشمل كل الأفعال المباحة غير المفيدة ، على سبيل المثال ؛ مشاهدة برنامج في التلفاز

أو اجتماع في جلسة مع الأصدقاء القدماء في العطلة ، والتحدث في أمور دنيوية ، وربما أجلس مع اخي ساعة في الأسبوع للعب في أمور مباحة والتي لا داخلة في حديث الرسول صلى الله عله وسلم "كل لهو ابن ادم باطل..

." فهل إذا فعلت مثل هذه الأمور خرجت من دائرة الذين امتدحهم الله تعالى في أول سورة المؤمنون ولم أحظ بهذا الأجر العظيم؟

الجواب

الحمد لله

قال الله تعالى في وصف عباده المؤمنين :

( وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ) المؤمنون/ 3 ، وقال تعالى : ( وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ) الفرقان/ 72، وقال عز وجل : ( وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ ) القصص/ 55 .

واللغو المذكور في الآيات: هو كل كلام ساقط لا خير فيه ، ولا وجه له ، ويدخل فيه كل قول مستقبح كالكذ

والسب ، وكل قول ساقط من العبث الذي لا تنشغل به أنفس أصحاب المروءات ، وكل ما كان تركه أولى بالمسلم من قوله والانشغال به.

فكل ما عاد على المسلم بالضرر ، أو عاد عليه بالنقص ، فهو من اللغو الباطل .

وذلك يشمل الأقوال والأفعال على السواء .

قال الطبري رحمه الله :

" اللغو في كلام العرب : كلّ كلام كان مذمومًا ، وسَقَطًا لا معنى له ، مهجورا "

انتهى من " تفسير الطبري " (4/ 446) .

وقال أيضا :

" هو كل كلام أو فعل باطل ، لا حقيقة له ولا أصل .

أو : ما يستقبح ، فسبّ الإنسان الإنسانَ بالباطل الذي لا حقيقة له : من اللغو " .

انتهى من " تفسير الطبري " (19/ 315) .

وقال البقاعي رحمه الله :

" هو الذي ينبغي أن يطرح ويبطل ، سواء كان من وادي الكذب ، أو العبث الذي لا يجدي "

انتهى من " نظم الدرر " (13/ 432) .

وقال القرطبي رحمه الله:

" هُوَ كُلُّ سَقْطٍ ، مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الْغِنَاءُ واللهو ، وغير ذلك مما قاربه، ويدخل فِيهِ سَفَهُ الْمُشْرِكِينَ وَأَذَاهُمُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَذِكْرُ النِّسَاءِ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْمُنْكَرِ.

وَقَالَ الْحَسَنُ: اللَّغْوُ الْمَعَاصِي كُلُّهَا. وَهَذَا جَامِعٌ "

انتهى من " تفسير القرطبي " (13/ 80) .

وقال النسفي رحمه الله :

" كل كلام ساقط ، حقه أن يلغى ؛ كالكذب والشتم والهزل " .

انظر : " تفسير النسفي " (2/ 459) .

وعلى ما تقدم :

فلا يدخل في معنى اللغو: القول المباح ، والفعل المباح ، الذي أذن فيه الشرع .

فإذا أدى المسلم ما عليه من حقوق شرعية ودنيوية ، ثم أراد أن يروح عن نفسه ببعض المباحات ، كاللعب ، أو مجالسة الأصحاب ، والتحدث إليهم في بعض أمور الدنيا ، وممازحتهم

أو مشاهدة بعض البرامج المفيدة ، ونحو ذلك من أنواع التروح : فلا حرج عليه ، وليس هذا ونحوه من اللغو المذموم أو اللهو الباطل ؛ لما يترتب عليه عادة من المصالح .

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يمازح أصحابه ويمازحونه ، فروى الترمذي (1990) وصححه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالُوا : " يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّكَ تُدَاعِبُنَا قَالَ: ( إِنِّي لَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا ) وصححه الألباني في " الأدب المفرد " .

وروى أحمد (24334) عن عَائِشَةَ قَالَتْ : "

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ - يعني يوم أن لعب الحبشة في المسجد : ( لتعلم يَهُودُ أَنَّ فِي دِينِنَا فُسْحَةً ؛ إِنِّي أُرْسِلْتُ بِحَنِيفِيَّةٍ سَمْحَةٍ ) " وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (3219)

وروى مسلم (670) عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، قَالَ :

" قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ : أَكُنْتَ تُجَالِسُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ: نَعَمْ كَثِيرًا ، كَانَ لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبْحَ ، أَوِ الْغَدَاةَ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ

فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ قَامَ، وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ فَيَأْخُذُونَ فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَيَضْحَكُونَ وَيَتَبَسَّمُ " .

ورواه النسائي (1358) ولفظه : " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى الْفَجْرَ جَلَسَ فِي مُصَلَّاهُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَيَتَحَدَّثُ أَصْحَابُهُ ، يَذْكُرُونَ حَدِيثَ الْجَاهِلِيَّةِ ، وَيُنْشِدُونَ الشِّعْرَ

وَيَضْحَكُونَ ، وَيَتَبَسَّمُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " .

وروى البخاري في "الأدب المفرد" (266) عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: " كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَتَبَادَحُونَ بالبَّطِيخ ، فإِذا كَانَت الحَقَائِقُ كَانُوا هُمُ الرِّجَالُ " صححه الألباني في " صحيح الأدب المفرد " .

يتبادحون: أي: يترامون .

فالترويح عن النفوس بين الحين والحين ، بالممازحة والمحادثة واللعب والمشاهدة المباحة والمسامرة والتنزه ونحو ذلك : لا حرج فيه ، وليس هو من اللغو المذموم ، ولا اللهو الباطل

إلا إذا أدى إلى ترك واجب ، أو فعل محرم ، أو غلب على طبع الإنسان حتى صار من عادته الدائمة ، وحاله اللازمة .

والله تعالى أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-07, 14:58
هل الهدية من جملة الإنفاق ، الذي يُنال به البر ؟

السؤال

هل الهدية تدخل في النفقة التي ذكرت في الآية : ( لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) ؛ أي إذا أهدى شخص شيئاً مما يحب إلى شخص آخر

فهل يدخل هذا في البر المقصود في الآية ؟

الجواب

الحمد لله

قال الله تعالى : ( لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ) آل عمران/ 92

" هذا حث من الله لعباده على الإنفاق في طرق الخيرات ، فقال (لن تنالوا) أي: تدركوا وتبلغوا البر الذي هو كل خير

من أنواع الطاعات ، وأنواع المثوبات الموصل لصاحبه إلى الجنة، (حتى تنفقوا مما تحبون) أي: من أموالكم النفيسة التي تحبها نفوسكم، فإنكم إذا قدمتم محبة الله على محبة الأموال

فبذلتموها في مرضاته، دل ذلك على إيمانكم الصادق ، وبر قلوبكم ، ويقين تقواكم ، فيدخل في ذلك إنفاق نفائس الأموال ، والإنفاق في حال حاجة المنفق إلى ما أنفقه ، والإنفاق في حال الصحة .

ودلت الآية أن العبد بحسب إنفاقه للمحبوبات يكون بره ، وأنه ينقص من بره بحسب ما نقص من ذلك ، ولما كان الإنفاق ، على أي وجه كان ، مثابا عليه العبد، سواء كان قليلا أو كثيرا، محبوبا للنفس أم لا

وكان قوله (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) ، مما يوهم أن إنفاق غير هذا المقيَّد [ يعني :

غير المحبوب للنفس ] غير نافع، احترز تعالى عن هذا الوهم بقوله ( وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم ) فلا يضيق عليكم ، بل يثيبكم عليه على حسب نياتكم ونفعه "

انتهى من " تفسير السعدي " (ص 138) .

وهذه هي النفقة في سبيل الله ، فلا ينال العبد البر في الدنيا والآخرة حتى ينفق مما يحب في سبيل الله .

وفي المراد بهذه النفقة ثلاثة أقوال لأهل العلم :

أحدها: أنها الصدقة المفروضة ، قاله ابن عباس، والحسن، والضحاك.

والثاني: أنها جميع الصدقات ، قاله ابن عمر.

والثالث: أنها جميع النفقات التي يُبتغى بها وجه الله تعالى ، سواء كانت صدقة، أو لم تكن، نُقل عن الحسن، واختاره القاضي أبو يعلى .

انظر : "زاد المسير" (1/ 303) .

وقال القرطبي رحمه الله :

" قِيلَ: الْمَعْنَى حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ فِي سَبِيلِ الْخَيْرِ ، مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الطَّاعَاتِ، وَهَذَا جَامِعٌ "

انتهى من "تفسير القرطبي" (4/ 133) .

وعلى ذلك ؛ فمن أهدى إلى مسلم هدية ، يبتغي بها وجها من وجوه الخير ، كالتقرب إليه لمحبته في الله ، أو لكونه من ذوي رحمه ، فهو يحب أن يصله ، أو لكونه فقيرا

فهو يحب أن يعينه ، أو غير ذلك من وجوه البر المشروعة : فهي نفقة في سبيل الله ، وتدخل في معنى البر المذكور في قوله تعالى : ( لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ) .

وقد روى البخاري في "الأدب المفرد" (594) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (تَهَادوا تَحَابُّوا)، وحسنه الألباني في "الإرواء" (6/44) .

وروى أحمد (23252) عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْمَعْرُوفُ كُلُّهُ صَدَقَةٌ ) وصححه محققو المسند .

وقال ابن عبد البر رحمه الله :

" كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَنَدَبَ أُمَّتَهُ إِلَيْهَا، وَفِيهِ الْأُسْوَةُ الْحَسَنَةُ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَمِنْ فَضْلِ الْهَدِيَّةِ ، مَعَ اتِّبَاعِ السُّنَّةِ : أَنَّهَا تُورِثُ الْمَوَدَّةِ ، وَتُذْهِبُ الْعَدَاوَةَ " .

انتهى من "التمهيد" (21/ 18) .

وقال ابن قدامة رحمه الله :

" مَنْ أَعْطَى شَيْئًا ـ يَنْوِي بِهِ التقرب إلَى اللَّهِ تَعَالَى ـ لِلْمُحْتَاجِ، فَهُوَ صَدَقَةٌ.

وَمَنْ دَفَعَ إلَى إنْسَانٍ شَيْئًا لِلتَّقَرُّبِ إلَيْهِ، وَالْمَحَبَّةِ لَهُ، فَهُوَ هَدِيَّةٌ.

وَجَمِيعُ ذَلِكَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ، وَمَحْثُوثٌ عَلَيْهِ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: (تَهَادَوْا تَحَابُّوا) "

انتهى من "المغني" (6/ 41) .

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :

" يثاب الإنسان على الهدية ؛ لأنها إحسان، والله تعالى يحب المحسنين ، ولأنها سبب للألفة والمودة

وكل ما كان سبباً للألفة والمودة بين المسلمين ، فإنه مطلوب ، وقد تكون أحياناً أفضل من الصدقة ، وقد تكون الصدقة أفضل منها " .

انتهى من "فتاوى نور على الدرب" (16/ 2) بترقيم الشاملة .

والحاصل :

أن الهدية إحسان ومعروف ، والمسلم يثاب على كل إحسان ومعروف يبذله للناس ، فتدخل الهدية في البر المذكور في الآية

. والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-07, 15:02
هل ثبت سؤال الله تعالى جبريل عليه السلام عن أداء الأمانة يعني القرآن؟

السؤال

سمعت أخا ذات مرة يقول : بأن الله عزوجل يسأل جبريل عليه السلام عن اﻷمانة ؛ أمانة الدين يعني القرآن ، يقول له : ( يا جبريل أين اﻷمانة فيجيبه : أديتها لمحمد

فيسأل الله النبي صلى الله عليه وسلم فيجيب: أديتها للصحابة ، فيسأل الصحابة فيجيبون قبورنا تشهد علينا ، ويسألنا نحن كذلك . هذا اﻷخ ذكر هذا الحديث هكذا فهل هو صحيح معنى ولفظا ؟

الجواب

الحمد لله

هذا الكلام المذكور لم نجد له أصلا في كتب الحديث ولا غيرها ، ولا نعلم أحدا من أهل العلم ذكره

فلا يجوز أن ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ما ثبت عنه ، وصححه أهل العلم ، أما شيء يذكره الناس ، ولا يوجد له أصل عند العلماء : فهذا من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو من أكبر الكبائر .

وينظر السؤال القادم

ولا شك أن جبريل عليه السلام أدى الأمانة ، وأداها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأداها أصحابه من بعده رضي الله عنهم ، وهي رسالة الإسلام

وما أنزله الله من الوحي من القرآن والسنة ؛ لهداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور .

أما جبريل عليه السلام : فسماه الله أمينا ، فقال تعالى :

( نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) الشعراء/ 193 – 195 .

أما النبي صلى الله عليه وسلم : فقال :

( أَلاَ تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ، يَأْتِينِي خَبَرُ السَّمَاءِ صَبَاحًا وَمَسَاءً؟!) .

رواه البخاري (4351) ، ومسلم (1064) .

وقال أيضا :

( تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ: كِتَابُ اللهِ ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي ، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ )

قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ ، فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ: (اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ ، اشْهَدْ) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ".

رواه مسلم (1218)

وقال أيضا - صلى الله عليه وسلم -
:
(مَا بَقِيَ شَيْءٌ يُقَرِّبُ مِنَ الْجَنَّةِ، ويُبَاعِدُ مِنَ النَّارِ، إِلَّا وَقَدْ بُيِّنَ لَكُمْ ) .

روى الطبراني في " الكبير " (1647) ، وصححه الألباني في " الصحيحة " (1803)

أما الصحابة رضي الله عنهم :

فنشهد أنهم قد أدوا الأمانة ، وبلغوا الدين للناس ، وما تركوا شيئا أمر النبي صلى الله عليه وسلم به ، أو نهى عنه ، إلا وبينوه للناس .

وقد روى البخاري (4487) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( يُدْعَى نُوحٌ يَوْمَ القِيَامَةِ ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: هَلْ بَلَّغْتَ؟ ، فَيَقُولُ: نَعَمْ ، فَيُقَالُ لِأُمَّتِهِ: هَلْ بَلَّغَكُمْ ؟

فَيَقُولُونَ: مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ، فَيَقُولُ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ

فَتَشْهَدُونَ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغ َ: (وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) فَذَلِكَ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ : (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) البقرة/ 143 .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-07, 15:06
حكم من كذب على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

السؤال

ما حكم المفتري على النبي صلى الله عليه وسلم ؟.

الجواب

الحمد لله

الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم ، منكر عظيم ، وإثم كبير ، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم :

" إن كذبا علي ليس ككذب على أحد من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" رواه البخاري (1229) ، ورواه مسلم في مقدمة صحيحه (3) دون قوله : " إن كذبا علي ليس ككذب على أحد " .

وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لا تكذبوا علي فإنه من كذب علي فليلج النار " رواه البخاري (106).

وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " من حدث عني بحديث يُرى أنه كذب فهو أحد الكاذبِِينَ" رواه مسلم (1).

وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى كفر من تعمد الكذب عليه صلى الله عليه وسلم .

قال الحافظ ابن حجر في الفتح : ( فإن قيل :

الكذب معصية إلا ما استثنى في الإصلاح وغيره والمعاصي قد توعد عليها بالنار فما الذي امتاز به الكاذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوعيد على من كذب على غيره ؟

فالجواب عنه من وجهين :

أحدهما : أن الكذب عليه يكفر متعمده عند بعض أهل العلم ، وهو الشيخ أبو محمد الجويني ، لكن ضعفه ابنه إمام الحرمين ومن بعده ، ومال ابن المنير إلى اختياره

ووجهه بأن الكاذب عليه في تحليل حرام مثلا لا ينفك عن استحلال ذلك الحرام أو الحمل على استحلاله

واستحلال الحرام كفر، والحمل على الكفر كفر. وفيما قاله نظر لا يخفى ، والجمهور على أنه لا يكفر إلا إذا اعتقد حل ذلك.

الجواب الثاني : أن الكذب عليه كبيرة ، والكذب على غيره صغيره فافترقا ، ولا يلزم من استواء الوعيد في حق من كذب عليه أو كذب على غيره أن يكون مقرهما واحدا ، أو طول إقامتهما سواء

فقد دل قوله صلى الله عليه وسلم "فليتبوأ" على طول الإقامة فيها، بل ظاهره أنه لا يخرج منها لأنه لم يجعل له منزلا غيره إلا أن الأدلة القطعية قامت على أن خلود التأبيد ( يعني في النار ) مختص بالكافرين

وقد فرق النبي صلى الله عليه وسلم بين الكذب عليه وبين الكذب على غيره فقال : " إن كذبا علي ليس ككذب على أحد "

انتهى من الفتح 1/244

وقد فصل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله القول في هذه المسألة ، وذكر حكم من كذب على الرسول صلى الله عليه وسلم مشافهة ، وحكم من كذب عليه في الرواية ، وحكم من روى حديثا يعلم أنه كذب

ومال رحمه الله إلى القول بكفر من كذب عليه مشافهة ، قال في الصارم المسلول على شاتم الرسول (2/328 – 339) بعد ذكر حديث بريدة ولفظه : "

كان حي من بني ليث من المدينة على ميلين وكان رجل قد خطب منهم في الجاهلية فلم يزوجوه فأتاهم وعليه حلة فقال إن رسول الله كساني هذه الحلة وأمرني أن أحكم في أموالكم ودمائكم

ثم انطلق فنزل على تلك المرأة التي كان يحبها ، فأرسل القوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال "كذب عدو الله " ثم أرسل رجلا فقال: " إن وجدته حيا وما أراك تجده حيا فاضرب

عنقه وإن وجدته ميتا فأحرقه بالنار" قال: فذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "من كذب علي متعمدا" قال شيخ الإسلام : (هذا إسناد صحيح على شرط الصحيح لا نعلم له علة )

ثم قال : ( وللناس في هذا الحديث قولان :

أحدهما : الأخذ بظاهره في قتل من تعمد الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن هؤلاء من قال يكفر بذلك ، قاله جماعة منهم أبو محمد الجويني ، حتى قال ابن عقيل عن شيخه أبي الفضل الهمداني:

"مبتدعة الإسلام والكذابون والواضعون للحديث أشد من الملحدين لأن الملحدين قصدوا إفساد الدين من خارج وهؤلاء قصدوا إفساده من داخل فهم كأهل بلد سعوا في فساد أحواله

والملحدون كالمحاصرين من خارج، فالدخلاء يفتحون الحصن ، فهم شر على الإسلام من غير الملابسين له".

ووجه هذا القول أن الكذب عليه كذب على الله ، ولهذا قال : " إن كذبا علي ليس ككذب على أحدكم" فإن ما أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم فقد أمر الله به

يجب اتباعه كوجوب اتباع أمر الله ، وما أخبر به وجب تصديقه كما يجب تصديق ما أخبر الله به

ومن كذّبه في خبره أو امتنع من التزام أمره ، فهو كمن كذب خبر الله وامتنع من التزام أمره، ومعلوم أن من كذب على الله بأن زعم أنه رسول الله أو نبيه أو أخبر عن الله خبرا كذب فيه كمسيلمة

والعنسي ونحوهما من المتنبئين فإنه كافر حلال الدم ، فكذلك من تعمد الكذب على رسول الله .

يُبين ذلك أن الكذب عليه بمنزلة التكذيب له ، ولهذا جمع الله بينهما بقوله تعالى : ( ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه) بل ربما كان الكاذب عليه أعظم إثما من المكذّب له

ولهذا بدأ الله به ، كما أن الصادق عليه أعظم درجة من المصدّق بخبره ، فإذا كان الكاذب مثل المكذّب أو أعظم، والكاذب على الله كالمكذّب له ، فالكاذب على الرسول كالمكذب له .

يُوضح ذلك أن تكذيبه نوع من الكذب فإن مضمون تكذيبه الإخبار عن خبره أنه ليس بصدق

وذلك إبطال لدين الله ، ولا فرق بين تكذيبه في خبر واحد أو في جميع الأخبار، وإنما صار كافرا لما تضمنه من إبطال رسالة الله ودينه ، والكاذب عليه يُدخل في دينه ما ليس منه عمدا

ويزعم أنه يجب على الأمة التصديق بهذا الخبر وامتثال هذا الأمر ، لأنه دين الله ، مع العلم بأنه ليس لله بدين .

والزيادة في الدين كالنقص منه ، ولا فرق بين من يكذب بآية من القرآن أو يضيف كلاما يزعم أنه سورة من القران عامدا لذلك .

وأيضا ، فإن تعمد الكذب عليه استهزاء به واستخفاف؛ لأنه يزعم أنه أمر بأشياء ليست مما أمر به ، بل وقد لا يجوز الأمر بها ، وهذه نسبة له إلى السفه أو أنه يخبر بأشياء باطلة ، وهذه نسبة له إلى الكذب، وهو كفر صريح .

وأيضا ، فإنه لو زعم زاعم أن الله فرض صوم شهر آخر غير رمضان ، أو صلاة سادسة زائدة ، ونحو ذلك ، أو أنه حرم الخبز واللحم، عالما بكذب نفسه ، كفر بالاتفاق .

فمن زعم أن النبي أوجب شيئا لم يوجبه ، أو حرم شيئا لم يحرمه ، فقد كذب على الله ، كما كذب عليه الأول ، وزاد عليه بأن صرح بأن الرسول قال ذلك ، وأنه أفتى القائل - لم يقله اجتهادا واستنباطا.

وبالجملة فمن تعمد الكذب الصريح على الله فهو كالمتعمد لتكذيب الله وأسوا حالا ، ولا يخفى أن من كذب على من يجب تعظيمه ، فإنه مستخف به مستهين بحرمته .

وأيضا ، فإن الكاذب عليه لابد أن يشينه بالكذب عليه وينتقصه بذلك ، ومعلوم أنه لو كذب عليه كما كذب عليه ابن أبي سرح في قوله " كان يتعلم مني " أو رماه ببعض الفواحش الموبقة أو الأقوال الخبيثة ، كفر بذلك

فكذلك الكاذب عليه؛ لأنه إما أن يأثر عنه أمرا أو خبرا أو فعلا ، فإن أثر عنه أمرا لم يأمر به ، فقد زاد في شريعته ، وذلك الفعل لا يجوز أن يكون مما يأمر به؛ لأنه لو كان كذلك لأمر به ؛ لقوله :

" ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا أمرتكم به ولا من شيء يبعدكم عن النار إلا نهيتكم

عنه" فإذا لم يأمر به، فالأمر به غير جائز منه ، فمن روى عنه أنه قد أمر به ، فقد نسبه إلى الأمر بما لا يجوز له الأمر به ، وذلك نسبة له إلى السفه .

وكذلك إن نقل عنه خبرا ، فلو كان ذلك الخبر مما ينبغي له الإخبار به لأخبر به ، لأن الله تعالى قد أكمل الدين

فإذا لم يخبر به فليس هو مما ينبغي له أن يخبر به . وكذلك الفعل الذي ينقله عنه كاذبا فيه لو كان مما ينبغي فعله وترجح ، لفعله ، فإذا لم يفعله فتركه أولى.

فحاصله أن الرسول أكمل البشر في جميع أحواله ، فما تركه من القول والفعل فتركه أولى من فعله

وما فعله ففعله أكمل من تركه ، فإذا كذب الرجل عليه متعمدا أو أخبر عنه بما لم يكن ، فذلك الذي أخبر به عنه نقص بالنسبة إليه ؛ إذ لو كان كمالا لوجد منه ، ومن انتقص الرسول فقد كفر .

واعلم أن هذا القول في غاية القوة كما تراه ، لكن يتوجه أن يُفرق بين الذي يكذب عليه مشافهة

وبين الذي يكذب عليه بواسطة ، مثل أن يقول: حدثني فلان بن فلان عنه بكذا ، فإن هذا إنما كذب على ذلك الرجل ونسب إليه ذلك الحديث

فأما إن قال : هذا الحديث صحيح أو ثبت عنه أنه قال ذلك ، عالما بأنه كذب ، فهذا قد كذب عليه، وأما إذا افتراه ورواه رواية ساذجة ففيه نظر ، لاسيما والصحابة عدول بتعديل الله لهم

فالكذب لو وقع من أحد ممن يدخل فيهم لعظم ضرره في الدين، فأراد قتل من كذب عليه ، وعجل عقوبته ليكون ذلك عاصما من أن يدخل في العدول من ليس منهم من المنافقين ونحوهم .

وأما من روى حديثا يعلم أنه كذب ، فهذا حرام كما صح عنه أنه قال :

" من روى عني حديثا يعلم أنه كذب فهو أحد الكاذبين" لكن لا يكفر إلا أن ينضم إلى روايته ما يوجب الكفر؛ لأنه صادق في أن شيخه حدثه به ، لكن لعلمه بأن شيخه كذب فيه لم تكن تحل له الرواية

فصار بمنزلة أن يشهد على إقرار أو شهادة أو عقد وهو يعلم أن ذلك باطل ، فهذه الشهادة حرام ، لكنه ليس بشاهد زور)

ثم ذكر القول الثاني في المسألة ، فقال :

( القول الثاني : أن الكاذب عليه تغلظ عقوبته ، لكن لا يكفر ، ولا يجوز قتله ؛ لأن موجبات الكفر والقتل معلومة ، وليس هذا منها

فلا يجوز أن يثبت ما لا أصل له ، ومن قال هذا فلا بد أن يقيد قوله بأن لم يكن الكذب عليه متضمنا لعيب ظاهر، فأما إن أخبر أنه سمعه يقول كلاما يدل على نقصه وعيبه دلالة ظاهرة

مثل حديث "عرق الخيل" ونحوه من الترهات ، فهذا مستهزئ به استهزاء ظاهر ، ولا ريب أنه كافر حلال الدم.

وقد أجاب من ذهب إلى هذا القول عن الحديث بأن النبي صلى الله عليه وسلم علم أنه كان منافقا فقتله لذلك لا للكذب ، وهذا الجواب ليس بشيء ...)

ثم ذكر رحمه الله أوجها في الرد على هذا الجواب .

والله أعلم .

و اخيرا

الحمد لله الذي بفضلة تتم الصالحات

اخوة الاسلام

اكتفي بهذا القدر و لنا عوده
ان قدر الله لنا البقاء و اللقاء

و اسال الله ان يجمعني بكم دائما
علي خير

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين

*عبدالرحمن*
2019-02-08, 14:20
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)
اخوة الاسلام

أحييكم بتحية الإسلام
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)


تفسير آيات سورة الأنفال في غزوة بدر.

السؤال

أريدكم أن تشرحوا لي الآيات التالية من سورة الأنفال: (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ)

و ( إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ۚ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ )

و ( فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ ۚ وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ )؟

الجواب

الحمد لله

يقول الله عز وجل :( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ *

إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ * إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي

فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ *

ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ *

فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) الأنفال/9- 17 .

يخاطب الله تعالى عباده المؤمنين : أن اذكروا نعمة الله عليكم ، لما اقترب التقاؤكم بعدوكم ببدر، فاستغثتم بربكم ، وطلبتم منه أن يعينكم وينصركم .

روى مسلم (1763) عن ابن عباس قال: " حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ، نَظَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ

وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثُ مِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا ، فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقِبْلَة ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّه ِ: (اللهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي

اللهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي ، اللهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ) ، فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ ، مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ ، حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ

فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ ، ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ، وَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ، فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ

فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ )، فَأَمَدَّهُ اللهُ بِالْمَلَائِكَةِ ".
وروى البخاري (3953) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:

" قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ بَدْرٍ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ، اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ لَمْ تُعْبَدْ) فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ بِيَدِهِ ، فَقَالَ: حَسْبُكَ، فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ: (سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) " .

(فَاسْتَجَابَ لَكُمْ) يعني : وأنجز لكم ما وعدكم ، وأغاثكم بأمور:

منها: أن الله أمدكم (بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ) أي: يردف بعضهم بعضا.

وروى مسلم (1763) عن ابْن عَبَّاسٍ، قَالَ:

" بَيْنَمَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ ، يَشْتَدُّ فِي أَثَرِ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَمَامَهُ ، إِذْ سَمِعَ ضَرْبَةً بِالسَّوْطِ فَوْقَهُ وَصَوْتَ الْفَارِسِ يَقُولُ : أَقْدِمْ حَيْزُومُ ، فَنَظَرَ إِلَى الْمُشْرِكِ أَمَامَهُ

فَخَرَّ مُسْتَلْقِيًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ قَدْ خُطِمَ أَنْفُهُ، وَشُقَّ وَجْهُهُ، كَضَرْبَةِ السَّوْطِ

فَاخْضَرَّ ذَلِكَ أَجْمَعُ ، فَجَاءَ الْأَنْصَارِيُّ، فَحَدَّثَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: (صَدَقْتَ، ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ) ، فَقَتَلُوا يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ، وَأَسَرُوا سَبْعِينَ " .

وروى البخاري (3992) عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ ، وَكَانَ أَبُوهُ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، قَالَ: " جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ: ( مَا تَعُدُّونَ أَهْلَ بَدْرٍ فِيكُمْ؟)

قَالَ: (مِنْ أَفْضَلِ المُسْلِمِينَ) أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا، قَالَ: (وَكَذَلِكَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ المَلاَئِكَةِ ) " .

قال تعالى : (وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ) أي: إنزال الملائكة ، (إِلا بُشْرَى) أي: لتستبشر بذلك نفوسكم، (وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ) ؛ وإلا فالنصر بيد الله ، ليس بكثرة عَدَدٍ ، ولا عُدَدٍ.

(إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ) لا يغالبه مغالب ، بل هو القهار ، الذي يخذل من بلغوا من الكثرة ، وقوة العدد والآلات ما بلغوا.
(حَكِيمٌ) حيث قدر الأمور بأسبابها، ووضع الأشياء مواضعها.

( إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ )

يعني : ومن نصره واستجابته لدعائكم: أن أنزل عليكم نعاسا (يُغَشِّيكُمُ) أي: فيذهب ما في قلوبكم من الخوف والوجل، ويكون (أَمَنَةً) لكم ، وعلامة على النصر والطمأنينة.

ومن ذلك: أنه أنزل عليكم من السماء مطرا ، ليطهركم به من الحدث والخبث، وليطهركم به من وساوس الشيطان ورجزه ...
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: " النُّعَاسُ فِي الْقِتَالِ أَمَنَةٌ مِنَ اللَّهِ ، وَفِي الصَّلَاةِ مِنَ الشَّيْطَانِ "

انتهى من " تفسير ابن كثير " (4/ 22) .

(وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ) أي: يثبتها فإن ثبات القلب ، أصل ثبات البدن .

(وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدَامَ) فإن الأرض كانت سهلة دهسة فلما نزل عليها المطر تلبدت، وثبتت به الأقدام.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: " أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْمَطَرَ قَبْلَ النُّعَاسِ، فَأَطْفَأَ بِالْمَطَرِ الْغُبَارَ، وَتَلَبَّدَتْ بِهِ الْأَرْضُ، وَطَابَتْ نُفُوسُهُمْ وَثَبَتَتْ بِهِ أَقْدَامُهُمْ " .

(إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا )

ومن نصر الله واستغاثته: أن أوحى إلى الملائكة (أَنِّي مَعَكُمْ) بالعون والنصر والتأييد، (فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا) أي: ألقوا في قلوبهم، وألهموهم الجراءة على عدوهم، ورغبوهم في الجهاد وفضله.

(سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ) الذي هو أعظم جند لكم عليهم، فإن الله إذا ثبت المؤمنين ، وألقى الرعب في قلوب الكافرين، لم يقدر الكافرون على الثبات لهم ومنحهم الله أكتافهم.

روى البخاري (335) ، ومسلم (521) عن جَابِر بْن عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا

فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِي المَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً ) .

(فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْنَاقِ) أي: على الرقاب (وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ) أي: كل طرف ومِفْصل.

وهذا خطاب: إما للملائكة الذين أوحى الله إليهم أن يثبتوا الذين آمنوا ، فيكون في ذلك دليل أنهم باشروا القتال يوم بدر، أو للمؤمنين يشجعهم الله ، ويعلمهم كيف يقتلون المشركين

وأنهم لا يرحمونهم ، و(ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله) أي: خالفوهما، وحاربوهما، وبارزوهما بالعداوة .

(وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) ومن عقابه: تسليط أوليائه على أعدائه وتقتيلهم.

(ذَلِكُمْ) : أي: العذاب المذكور (فَذُوقُوهُ) أيها المشاققون لله ورسوله عذابا معجلا (وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ) .

ثم قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) .

فيأمر الله تعالى عباده المؤمنين بالشجاعة الإيمانية، والقوة في أمره، والسعي في جلب الأسباب المقوية للقلوب والأبدان، ونهاهم عن الفرار إذا التقى الزحفان

فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا) أي: في صف القتال ، وتزاحف الرجال

واقتراب بعضهم من بعض ، (فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبَارَ) بل اثبتوا لقتالهم ، واصبروا على جلادهم ، فإن في ذلك نصرة لدين الله ، وقوة لقلوب المؤمنين ، وإرهابا للكافرين .

(وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ): أي: يفر بين يدي قِرْنه مكيدة ؛ ليريه أنه قد خاف منه فيتبعه، ثم يكر عليه فيقتله ، فلا بأس عليه في ذلك.

(أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ) : أي: فر من هاهنا ، إلى فئة أخرى من المسلمين، يعاونهم ويعاونونه ؛ فيجوز له ذلك ، حتى ولو كان في سرية ، ففر إلى أميره ، أو إلى الإمام الأعظم : دخل في هذه الرخصة.

(فَقَدْ بَاءَ) أي: رجع (بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ) أي: مقره (جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) .

وهذا يدل على أن الفرار من الزحف ، من غير عذر : من أكبر الكبائر، كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة.

ولما انهزم المشركون يوم بدر، وقتلهم المسلمون ، قال تعالى: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ) بحولكم وقوتكم (وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ) حيث أعانكم على ذلك بما تقدم ذكره.

(وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى) وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت القتال دخل العريش ، وجعل يدعو الله ، ويناشده في نصرته ، ثم خرج منه ، فأخذ حفنة من تراب

فرماها في وجوه المشركين ، فأوصلها الله إلى وجوههم ، فما بقي منهم واحد إلا وقد أصاب وجهه وفمه وعينيه منها، فحينئذ انكسر حَدُّهم ، وفتر زندهم ، وبان فيهم الفشل والضعف ، فانهزموا.

" وَقَدْ رُوِيَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَمُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةَ، وقَتَادَةَ وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي رَمْيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَإِنْ كَانَ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ يَوْمَ حُنَيْنٍ أَيْضًا "

فيقول تعالى لنبيه: لست بقوتك - حين رميت التراب - أوصلته إلى أعينهم، وإنما أوصلناه إليهم بقوتنا واقتدارنا.

(وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا) أي: إن الله تعالى قادر على نصر المؤمنين من الكافرين

من دون مباشرة قتال، ولكن الله أراد أن يمتحن المؤمنين، ويوصلهم بالجهاد إلى أعلى الدرجات، وأرفع المقامات، ويعطيهم أجرا حسنا وثوابا جزيلا.

(إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) يسمع تعالى ما أسر به العبد وما أعلن، ويعلم ما في قلبه من النيات الصالحة وضدها، فيقدر على العباد أقدارا موافقة لعلمه وحكمته ، ومصلحة عباده ، ويجزي كلا بحسب نيته وعمله .

وانظر:

"تفسير ابن كثير" (4/21- 31)

"تفسير القرطبي" (7/370-385)

"فتح القدير" (2/330-336)

"تفسير السعدي" (ص 316) .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-08, 14:26
هل صحت قراءة : ( أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ) بالجرّ عن أحد من السلف ؟

السؤال

هل صحيح أن الحسن بن علي رضي الله عنهما قرأ قوله تعالى: (أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ) بجر كلمة "رسوله" ؟ فقد احتج أحدهم بهذه الرواية للزعم بأن الإعراب لا فائدة منه

فكلمة "رسوله" قرئت بالرفع والنصب والجر، وإذا كانت رواية قراءة الحسن رضي الله عنه صحيحة ، فهل يصح أن يقال: إن كلمة "رسوله" جُرت بالمجاورة كما زعم بعضهم ؟

الجواب

الحمد لله

قال الله تعالى :

(وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ) التوبة/ 3

والمعنى : أن الله برئ من المشركين ، ورسوله برئ منهم .

وقد قرأ جماهير القراء هذه الكلمة : (ورسولُه) بالضم ، على الابتداء ، وخبره محذوف ، والتقدير: "وَرَسُولُهُ بَرِيءٌ مِنْهُمْ".
وقرئ (ورسولَه) بالنصب، عطفا على لفظ الجلالة المنصوب بـ (أنّ) .

وقرئ - شاذا - (ورسولِه) بالخفض ؛ على إرادة القسم ، أو المجاورة .

وهذه قراءة شاذة ، رويت عن الحسن البصري - وليس الحسن بن علي - ولا تصح عنه ،

ولا تجوز هذه القراءة عند العلماء ؛ لأنها توهم أن الله بريء من المشركين ، ومن رسوله ، وهذا باطل محال، واعتقاده كفر.

وفي القول بالخفض هنا على الجوار ، أو القسم : تكلف واضح ، لا حاجة إليه ما دامت القراءة لم تثبت .

قال أبو حيان رحمه الله في "البحر المحيط" (5/ 367):

" قَرَأَ ابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ ، وَعِيسَى بْنُ عُمَرَ، وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (وَرَسُولَهُ) بِالنَّصْبِ، عَطْفًا عَلَى لَفْظِ اسْمِ أَنَّ. وَأَجَازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنْ يَنْتَصِبَ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ .

وقرىء بِالْجَرِّ شَاذًّا، وَرُوِيَتْ عَنِ الْحَسَنِ . وَخُرِّجَتْ عَلَى الْعَطْفِ عَلَى الْجِوَارِ ، كَمَا أَنَّهُمْ نَعَتُوا وَأَكَّدُوا عَلَى الْجِوَارِ. وَقِيلَ: هِيَ وَاوُ الْقَسَمِ.

وَأَمَّا قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ بِالرَّفْعِ فَعَلَى الِابْتِدَاءِ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ أَيْ: "وَرَسُولُهُ بَرِيءٌ مِنْهُمْ"، وَحُذِفَ لِدَلَالَةِ مَا قَبْلَهُ عَلَيْهِ " انتهى .

وقال ابن عاشور رحمه الله:

" وَعُطِفَ (وَرَسُولُهُ) بِالرَّفْعِ ، عِنْدَ الْقُرَّاءِ كُلِّهِمْ: لِأَنَّهُ مِنْ عَطْفِ الْجُمْلَةِ، لِأَنَّ السَّامِعَ يَعْلَمُ مِنَ الرَّفْعِ أَنَّ تَقْدِيرَهُ: "وَرَسُولُهُ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ"، فَفِي هَذَا الرَّفْعِ مَعْنًى بَلِيغٌ مِنَ الْإِيضَاحِ لِلْمَعْنَى ، مَعَ الْإِيجَازِ فِي اللَّفْظِ، وَهَذِهِ نُكْتَةٌ قُرْآنِيَّةٌ بَلِيغَةٌ.

وَمِمَّا يَجِبُ التَّنْبِيهُ لَهُ: مَا فِي بَعْضِ التَّفَاسِيرِ أَنَّهُ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ قِرَاءَةُ (وَرَسُولِهِ)- بالجرّ- وَلم يصحّ نِسْبَتُهَا إِلَى الْحَسَنِ .
وَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ جَرُّ (وَرَسُولِهِ) ، وَلَا عَامل يقتضي جَرَّهُ ؟!"

انتهى من " التحرير والتنوير"(10/ 109) .

وقال الشوكاني رحمه الله :

" قَوْلُهُ: (أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ) ..
..
وَقُرِئَ (وَرَسُولِهِ) بِالْجَرِّ عَلَى أَنَّ الْوَاوَ لِلْقَسَمِ ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ، وَهِيَ قِرَاءَةٌ ضَعِيفَةٌ جِدًّا، إِذْ لَا مَعْنَى لِلْقَسَمِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَاهُنَا ، وَقِيلَ إِنَّهُ مَجْرُورٌ عَلَى الْجِوَارِ " .

انتهى من " فتح القدير " (2/ 381) .

وقال الشيخ عبد القادر العاني رحمه الله:

" (رسوله) مرفوع، وقرأه بعضهم منصوبا ، عطفا على لفظة الجلالة ، أي أن الله برىء ، وأن رسوله بريء منهم.
ولا تجوز قراءة الجر على زعم الجر بالتوهم أو بالمجاورة أو بالتبعية " .

انتهى من " بيان المعاني " (6/ 405) .

وقول القائل : " أن الإعراب لا فائدة منه " نظرا لتعدد القراءات في الآية الواحدة ، فيقال من جوابه : "بل تعدد القراءات أدل على أهمية الإعراب ، وأدعى للعناية بالعربية وعلومها ! فإنه إذا كانت هذه القراءة صحيحة

فالإعراب وعلوم العربية هي التي تبين المعنى الصحيح لذلك، وتنفي الباطل ، وترفع الإشكال . وإن كانت باطلة ، فلا وجه للاحتجاج بها ، ثم إن بطلانها من حيث المعنى ، يتوقف على معرفة العربية والإعراب أيضا .

قال ياقوت الرومي رحمه الله : " وبعد فهذه أخبار قوم أخذ عنهم علم القرآن المجيد، والحديث المفيد وهم أنهجوا طريق العربية ، وأناروا سرجه المضيّة وبصناعتهم تنال الإمارة

وببضاعتهم يستقيم أمر السلطان والوزارة، وبعلمهم يتمّ الإسلام ، وباستنباطهم يعرف الحلال من الحرام. ألا ترى أنّ القارىء إذا قرأ (أن الله بريء من المشركين ورسوله)

- بالرفع- فقد سلك طريقا من الصواب واضحا، وركب منهجا من الفضل لائحا، فإن كسر اللام من رسوله كان كفرا بحتا وجهلا قحّا ؟"

انتهى ، من "معجم الأدباء" (1/10) .

وقد قيل : إن هذه القراءة ، كانت السبب في وضع علم النحو .

" قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَخَذَ أَبُو الأَسْوَدِ عَنْ عَلِيٍّ العَرَبِيَّةَ، فَسَمِعَ قَارِئاً يَقْرَأُ: (أَنَّ اللهَ بَرِيْءٌ مِنَ المُشْرِكِيْنَ وَرَسُوْلِهِ) - بِكَسْرِ اللاَّمِ بَدَلاً عَنْ ضَمِّهَا –التَّوْبَةُ/ 3

فَقَالَ: " مَا ظَنَنْتُ أَنَّ أَمْرَ النَّاسِ قَدْ صَارَ إِلَى هَذَا " ـ

انتهى من "النبلاء" (4/83)

وانظر : "معجم الأدباء" (4/1466) .

وينظر قصة قريبة منها ، لعمر بن الخطاب ، مع أعرابي قرأ الآية بالجر في "نزهة الألباء"

لابن الأنباري (1/19-20)
.
والله تعالى أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-08, 14:35
هل " أرميا " نبي من أنبياء الله ، يجب علينا الإيمان به ؟

السؤال

هل نؤمن في الإسلام بالنبي أرميا أم إنه من معتقدات اليهود والنصارى ؟

وإن كنا نؤمن به فما هي قصته ؟

وقصة الآيات الأربعة الأولى من سورة الإسراء؟

الجواب

الحمد لله

أولا :

الإيمان بأنبياء الله ورسله عليهم السلام أصل من أصول الإيمان

فلا يتم إيمان العبد إلا بالإيمان برسل الله جميعا .

قال تعالى: ( آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ) البقرة/ 285 .

وقال تعالى: (وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ) النساء/ 164 .

فنؤمن بهم جميعا ، إجمالا فيما أجمل ، وتفصيلا فيما فصل .

قال الشيخ حافظ حكمي رحمه الله :

" الْإِيمَانُ بِرُسُلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مُتَلَازِمٌ ، مَنْ كَفَرَ بِوَاحِدٍ مِنْهُمْ ، فَقَدْ كَفَرَ بِاللَّهِ تَعَالَى وَبِجَمِيعِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ.

وَقد قَصَّ الله عَلَيْنَا مِنْ أَنْبَائِهِمْ ، وَنَبَّأَنَا مِنْ أَخْبَارِهِمْ : مَا فِيهِ كِفَايَةٌ وَعِبْرَةٌ وَمَوْعِظَةٌ

إِجْمَالًا وَتَفْصِيلًا ثُمَّ قَالَ: (وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) فَنُؤْمِنُ بِجَمِيعِهِمْ تَفْصِيلًا فِيمَا فَصَّلَ، وَإِجْمَالًا فِيمَا أَجْمَلَ " .

انتهى مختصرا من " معارج القبول " (2/ 676-678) .

ثانيا :

لم يرد في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية ذكر اسم (أرميا) ، ولا إثبات أنه من الأنبياء ، وإنما هو شيء ذكره المؤرخون .

ومثل هذا لا يلزمنا تصديقه ، لاحتمال أنه من أكاذيب أهل الكتاب ، ولا يجوز لنا تكذيبه لاحتمال أنه نبي حقًّا ، بل نتوقف في شأنه .

وقد روى البخاري (4485) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : " كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ وَيُفَسِّرُونَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ

وَقُولُوا : (آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) البقرة/136 " .

ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره (17364) ، غير أنه ذكر في آخر الحديث آية أخرى فقال : (وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) العنكبوت/46.

قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" :

"( لَا تُصَدِّقُوا أَهْل الْكِتَاب وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ ) أَيْ : إِذَا كَانَ مَا يُخْبِرُونَكُمْ بِهِ مُحْتَمَلًا ؛ لِئَلَّا يَكُون فِي نَفْس الْأَمْر صِدْقًا فَتُكَذِّبُوهُ ، أَوْ كَذِبًا فَتُصَدِّقُوهُ ، فَتَقَعُوا فِي الْحَرَج .

وَلَمْ يَرِد النَّهْي عَنْ تَكْذِيبهمْ ، فِيمَا وَرَدَ [ أي : شرعنا ] بِخِلَافِهِ ، وَلَا عَنْ تَصْدِيقهمْ فِيمَا وَرَدَ شَرْعنَا بِوَفَائِهِ . نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه .

وَيُؤْخَذ مِنْ هَذَا الْحَدِيث التَّوَقُّف عَنْ الْخَوْض فِي الْمُشْكِلَات ، وَالْجَزْم فِيهَا بِمَا يَقَع فِي الظَّنّ ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَل مَا جَاءَ عَنْ السَّلَف مِنْ ذَلِكَ" انتهى .

وقال علي القاري في "مرقاة المفاتيح" (1/240) :

"(لَا تُصَدِّقُوا) : أَيْ فِيمَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَكُمْ صِدْقُهُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ كَذِبًا ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ أَحْوَالِهِمْ (أَهْلَ الْكِتَابِ)

أَيِ: الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى ، لِأَنَّهُمْ حَرَّفُوا كِتَابَهُمْ ، (وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ) : أَيْ فِيمَا حَدَّثُوا مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَكُمْ كَذِبُهُ ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ صِدْقًا ، وَإِنْ كَانَ نَادِرًا ؛ لِأَنَّ الْكَذُوبُ قَدْ يَصْدُقُ.

وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى التَّوَقُّفِ فِيمَا أُشَكِلُ مِنَ الْأُمُورِ وَالْعُلُومِ ، فَلَا يُقْضَى بِجَوَازٍ وَلَا بُطْلَانٍ ، وَعَلَيْهِ السَّلَفُ ، وَكَانُوا يَقُولُونَ: لَا أَدْرِي فِيمَا يُسْأَلُونَ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ . وَمِنْ ثَمَّ قَالُوا: مَنْ أَخْطَأَ لَا أَدْرِي أُصِيبَتْ مَقَاتِلُهُ .

وَ(قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ) [البقرة: 136] ، أَيْ: صَدَّقْنَا مُعْتَرِفِينَ بِهِ ، أَوْ مُوقِنِينَ بِهِ (وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا) :

مِنَ الْقُرْآنِ (الْآيَةُ) . تَمَامُهَا: (وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِي مُوسَى وَعِيسَى) أَيْ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ

وَهَذَا مَحَلُ الشَّاهِدِ ؛ وَالْمَقْصُودُ: رَفْعُ النِّزَاعِ ; يَعْنِي تُؤْمِنُ إِيمَانًا إِجْمَالِيًّا (وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ) تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ (لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ) ، أَيْ: فِي الْإِيمَانِ بِهِمْ وَبِكُتُبِهِمْ (وَنَحْنُ لَهُ)، أَيْ: لِلَّهِ

أَوْ لِمَا أُنْزِلَ (مُسْلِمُونَ)، أَيْ: مُطِيعُونَ أَوْ مُنْقَادُونَ" انتهى .

ثالثا :

ذكر غير واحد من علماء التاريخ والأخبار أن " أرميا " عليه السلام : نبي من أنبياء بني إسرائيل ، وقد قيل إنه عزير ، وقيل : هو الخضر ، والصواب أنه غيرهما .

قال الحافظ ابن عساكر رحمه الله:

" أرميا بن حلقيا : من سبط لاوي بن يعقوب ؛ من أنبياء بني إسرائيل " .

انتهى من " تاريخ دمشق " (8/ 27) .

وقال ابن كثير رحمه الله :

" هو أَرْمِيَا بْنُ حَلْقِيَا مِنْ سِبْطِ لَاوِي بْنِ يَعْقُوبَ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ الْخَضِرُ. رَوَاهُ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَهُوَ غَرِيبٌ ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ "

انتهى من "البداية والنهاية" (2/ 360) .

قال علماء التاريخ وأخبار الأمم :

أوحى الله تعالى إلى " أرميا " عليه السلام ، حين ظهرت في بني إسرائيل المعاصي ، وعظمت الأحداث فيهم

وقتلوا الأنبياء: أن اذهب إليهم وعظهم ، وذكرهم بنعم الله عليهم ، وعرفهم أحداثهم ، وخوفهم بطش ربهم ، في موعظة طويلة بليغة.

قالوا :

" فَلَمَّا بَلَّغَهُمْ أَرْمِيَا رِسَالَةَ رَبِّهِمْ ، وَسَمِعُوا مَا فِيهَا مِنَ الْوَعِيدِ وَالْعَذَابِ، عَصَوْهُ وَكَذَّبُوهُ وَاتَّهَمُوهُ وَقَالُوا: كَذَبْتَ وَعَظَّمْتَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ

فَتَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ مُعَطِّلٌ أَرْضَهُ وَمَسَاجِدَهُ مِنْ كِتَابِهِ وَعِبَادَتِهِ وَتَوْحِيدِهِ ، فَمَنْ يَعْبُدُهُ حِينَ لَا يَبْقَى لَهُ فِي الْأَرْضِ عَابِدٌ وَلَا مَسْجِدٌ وَلَا كِتَابٌ ؟ لَقَدْ أَعْظَمْتَ الْفِرْيَةَ عَلَى اللَّهِ وَاعْتَرَاكَ الْجُنُونُ.

فَأَخَذُوهُ وَقَيَّدُوهُ وَسَجَنُوهُ .

فَعِنْدَ ذَلِكَ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بُخْتُ نَصَّرَ ، فَأَقْبَلَ يَسِيرُ بِجُنُودِهِ حَتَّى نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ حَاصَرَهُمْ، فَكَانَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ) .

فَلَمَّا طَالَ بِهِمُ الْحَصْرُ ، نَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ ، فَفَتَحُوا الْأَبْوَابَ ، وَتَخَلَّلُوا الْأَزِقَّةَ ، وَحَكَمَ فِيهِمْ حُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ

وَبَطْشَ الْجَبَّارِينَ ، فَقَتَلَ مِنْهُمُ الثُّلُثَ ، وَسَبَى الثُّلُثَ ، وَتَرَكَ الزَّمْنَى وَالشُّيُوخَ وَالْعَجَائِزَ، ثُمَّ وَطِئَهُمْ بِالْخَيْلِ

وَهَدَمَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، وَسَاقَ الصِّبْيَانَ ، وَأَوْقَفَ النِّسَاءَ فِي الْأَسْوَاقِ مُحْسَرَاتٍ، وَقَتَلَ الْمُقَاتِلَةَ ، وَخَرَّبَ الْحُصُونَ ، وَهَدَمَ الْمَسَاجِدَ ، وَحَرَقَ التَّوْرَاةَ .

فَلَمَّا فَعَلَ مَا فَعَلَ قِيلَ لَهُ : كَانَ لَهُمْ صَاحِبٌ يُحَذِّرُهُمْ مَا أَصَابَهُمْ ، وَيَصِفُكَ وَخَبَرَكَ لَهُمْ، وَيُخْبِرُهُمْ أَنَّكَ تَقْتُلُ مُقَاتِلَتَهُمْ وَتَسْبِي ذَرَارِيَهُمْ

وَتَهْدِمُ مَسَاجِدَهُمْ ، وَتَحْرِقُ كَنَائِسَهُمْ ؛ فَكَذَّبُوهُ وَاتَّهَمُوهُ، وَضَرَبُوهُ، وَقَيَّدُوهُ، وَحَبَسُوهُ !!

فَأَمَرَ بُخْتَ نَصَّرَ فَأَخْرَجَ أَرْمِيَا مِنَ السِّجْنِ، فَقَالَ لَهُ: أَكُنْتَ تُحَذِّرُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ مَا أَصَابَهُمْ؟

قَالَ: نَعَمْ.

قَالَ: فَإِنِّي عَلِمْتُ ذَلِكَ.

قَالَ: أَرْسَلَنِي اللَّهُ إِلَيْهِمْ فَكَذَّبُونِي.

قَالَ: كَذَّبُوكَ وَضَرَبُوكَ وَسَجَنُوكَ؟

قَالَ: نَعَمْ.

قَالَ: بِئْسَ الْقَوْمُ قَوْمٌ كَذَّبُوا نَبِيَّهُمْ وَكَذَّبُوا رِسَالَةَ رَبِّهِم ْ، فَهَلْ لَكَ أَنْ تَلْحَقَ بِي، فَأُكْرِمُكَ وَأُوَاسِيكَ، وَإِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ تُقِيمَ فِي بِلَادِكَ فَقَدْ أَمَّنْتُكَ ؟

قَالَ لَهُ أَرْمِيَا: إِنِّي لَمْ أَزَلْ فِي أَمَانِ اللَّهِ مُنْذُ كُنْتُ ، لَمْ أَخْرُجْ مِنْهُ سَاعَةً قَطُّ ، وَلَوْ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمْ يَخْرُجُوا مِنْهُ، لَمْ يَخَافُوكَ وَلَا غَيْرَكَ، وَلَمْ يَكُنْ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ.

فَلَمَّا سَمِعَ بُخْتَ نَصَّرَ هَذَا الْقَوْلَ مِنْهُ، تَرَكَهُ، فَأَقَامَ أَرْمِيَا مَكَانَهُ بِأَرْضِ إِيلِيَاءَ " .

انظر : "تاريخ الطبري" (1/538-589)

"تاريخ دمشق" (8/29-41) ،

"البداية والنهاية" (2/ 361-372) .

قال ابن كثير :

" وَهَذَا سِيَاقٌ غَرِيبٌ، وَفِيهِ حِكَمٌ وَمَوَاعِظُ وَأَشْيَاءُ مَلِيحَةٌ " انتهى .

والله أعلم.

*عبدالرحمن*
2019-02-08, 14:40
معنى الإنزال في قوله تعالى : (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ) .

السؤال

يقول الله عز وجل في الآية الكريمة من سورة الزمر:

( وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ) فهل كلمة "أنزل" تعني أنّ الأنعام جاءت من خارج الكرة الأرضية على غرار الآية التي جاءت في الحديد: ( وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ) ؟

إن كان من خارج الكرة الأرضية فما حكم من ينكر ذلك؟

الجواب

الحمد لله

اختلف المفسرون في معنى إنزال الأنعام المذكور في الآية الكريمة على عدة أقوال

نكتفي بذكر أشهرها .

فذهب كثير منهم إلى أن المعنى : خلق ، واقتصر بعض المفسرين على هذا القول ، ولم يذكر خلافه

، كابن كثير رحمه الله في تفسيره (7/86)

وابن الجوزي في "زاد المسير" (5/245) .

وهو ظاهر صنيع ابن جرير رحمه الله (20/162) حيث اكتفى في تفسير (أنزل) بـ (جعل) ولم يذكر غيره .

وقال ابن كثير رحمه الله :

" قَوْلُهُ: (وَأَنزلَ لَكُمْ مِنَ الأنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ) أَيْ: وَخَلَقَ لَكُمْ مِنْ ظُهُورِ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ " انتهى .

وذهب آخرون إلى أن المعنى : قضى وقَدَّر ، قالوا : "لأن قضاء الله وتقديره وحكمه موصوف بالنزول من السماء،لأجل أنه كتب في اللوح المحفوظ كل كائن يكون " .

انظر : " تفسير " الرازي (26/424) .

"فالإنزال عبارة عن نزول أمره وقضائه"

انظر " تفسير ابن جزي " (2/217) .

"والإنزال مجاز عن القضاء والقسمة ، فإنه تعالى إذا قضى وقسم ، أثبت ذلك في اللوح المحفوظ ، ونزلت به الملائكة الموكلة بإظهاره"

انتهى من "روح المعاني" (23/240) .

وجمع السعدي رحمه الله بين هذين القولين فقال :

" أي: خلقها بقدَرٍ نازل منه ، رحمة بكم "

انتهى من "تفسير السعدي" (ص 719)

وذهب فريق ثالث : إلى أن الإخبار عن الأنعام بالإنزال "لأنها لا تعيش إلا بالنبات ، الذي يخرج بالمطر المنزل من السماء" .
قال الشوكاني في "فتح القدير" (6/270) .

"ويحتمل أن يكون مجازاً ، لأنها لم تعش إلا بالنبات ، والنبات إنما يعيش بالماء ، والماء منزل من السماء ، فكانت الأنعام كأنها منزلة" انتهى .

وقال الألوسي في "روح المعاني" (23/240) .

"ويجوز أن يكون التجوز في نسبة الإنزال إلى الأنعام ، والمنزل حقيقة أسباب حياتها ، كالأمطار ، ووجه ذلك : الملابسة بينهما" انتهى .

وقول رابع اختاره بعض العلماء: أن الإنزال على ظاهره ، ولكن ذلك لا يعني أن الأنعام منزلة من السماء

فإن الله لم يذكر في الآية أنها منزلة من السماء ، وإنما معنى إنزالها أنها نزلت من أصلاب آبائها إلى بطون أمهاتها ، ثم نزلت من بطون أمهاتها إلى الأرض .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

" لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ وَلَا فِي السُّنَّةِ لَفْظُ نُزُولٍ ، إلَّا وَفِيهِ مَعْنَى النُّزُولِ الْمَعْرُوفِ، وَهَذَا هُوَ اللَّائِقُ بِالْقُرْآنِ، فَإِنَّهُ نَزَلَ بِلُغَةِ الْعَرَبِ ، وَلَا تَعْرِفُ الْعَرَبُ نُزُولًا إلَّا بِهَذَا الْمَعْنَى

وَلَوْ أُرِيدُ غَيْرُ هَذَا الْمَعْنَى لَكَانَ خِطَابًا بِغَيْرِ لُغَتِهَا، ثُمَّ هُوَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ ، الْمَعْرُوفِ لَهُ مَعْنًى ، فِي مَعْنًى آخَرَ ، بِلَا بَيَانٍ ؛ وَهَذَا لَا يَجُوزُ "

انتهى من "مجموع الفتاوى" (12/ 257)

وقال أيضا :

"وَقَدْ ذَكَرَ سُبْحَانَهُ إنْزَالَ الْحَدِيدِ ، وَالْحَدِيدُ يُخْلَقُ فِي الْمَعَادِنِ.....

"ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ أَنْزَلَ الْحَدِيدَ ، فَكَانَ الْمَقْصُودُ الْأَكْبَرُ بِذِكْرِ الْحَدِيدِ : هُوَ اتِّخَاذُ آلَاتِ الْجِهَادِ مِنْهُ كَالسَّيْفِ وَالسِّنَانِ وَالنَّصْلِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، الَّذِي بِهِ يُنْصَرُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهَذِهِ لَمْ تَنْزِلْ مِنْ السَّمَاءِ.....

وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ نُزُولَ الْحَدِيدِ بِمَعْنَى الْخَلْقِ ، لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ الْمَعَادِنِ ، وَعَلَّمَهُمْ صَنْعَتَهُ ، فَإِنَّ الْحَدِيدَ إنَّمَا يُخْلَقُ فِي الْمَعَادِنِ ، وَالْمَعَادِنُ إنَّمَا تَكُونُ فِي الْجِبَالِ ، فَالْحَدِيدُ يُنَزِّلُهُ اللَّهُ مِنْ مَعَادِنِهِ الَّتِي فِي الْجِبَالِ لِيَنْتَفِعَ بِهِ بَنُو آدَمَ .

وَقَالَ تَعَالَى: (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ) ، وَهَذَا مِمَّا أَشْكَلَ أَيْضًا. فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: جَعَلَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: خَلَقَ ، لِكَوْنِهَا تُخْلَقُ مِنْ الْمَاءِ ، فَإِنَّ بِهِ يَكُونُ النَّبَاتُ الَّذِي يَنْزَلُ أَصْلُهُ مِنْ السَّمَاءِ ، وَهُوَ الْمَاءُ ...

وَلَا حَاجَةَ إلَى إخْرَاجِ اللَّفْظِ عَنْ مَعْنَاهُ الْمَعْرُوفِ لُغَةً؛ فَإِنَّ الْأَنْعَامَ تَنْزِلُ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِهَا ، وَمِنْ أَصْلَابِ آبَائِهَا تَأْتِي بُطُونَ أُمَّهَاتِهَا ، وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ: قَدْ أَنْزَلَ الْمَاءَ ، وَإِذَا أَنْزَلَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ

مَعَ أَنَّ الرَّجُلَ غَالِبُ إنْزَالِهِ وَهُوَ عَلَى جَنْبٍ ، إمَّا وَقْتَ الْجِمَاعِ ، وَإِمَّا بِالِاحْتِلَامِ ، فَكَيْفَ بِالْأَنْعَامِ الَّتِي غَالِبُ إنْزَالِهَا مَعَ قِيَامِهَا عَلَى رِجْلَيْهَا ، وَارْتِفَاعِهَا عَلَى ظُهُورِ الْإِنَاثِ .

وَمِمَّا يُبَيِّنُ هَذَا : أَنَّهُ لَمْ يَسْتَعْمِلْ النُّزُولَ فِيمَا خَلَقَ مِنْ السُّفْلَيَاتِ ، فَلَمْ يَقُلْ : أَنَزَلَ النَّبَاتَ ، وَلَا أَنْزَلَ الْمَرْعَى ، وَإِنَّمَا اسْتَعْمَلَ فِيمَا يُخْلَقُ فِي مَحَلٍّ عَالٍ ، وَأَنْزَلَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَحَلِّ ، كَالْحَدِيدِ وَالْأَنْعَامِ" انتهى .

وقال ابن القيم رحمه الله :

" لَمْ يَقُلْ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَا قَالَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ السَّمَاءِ، فَقَوْلُهُ مَعْلُومٌ أَنَّ الْحَدِيدَ وَالْأَنْعَامَ لَمْ يُنَزَّلْ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ

لَا يُخْرِجُ لَفْظَةَ النُّزُولِ عَنْ حَقِيقَتِهَا، إِذْ عَدَمُ النُّزُولِ مِنْ مَكَانٍ مُعَيَّنٍ ، لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَهُ مُطْلَقًا.

والْحَدِيد إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْمَعَادِنِ الَّتِي فِي الْجِبَالِ ، وَهِيَ عَالِيَةٌ عَلَى الْأَرْضِ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّ كُلَّ مَا كَانَ مَعْدِنُهُ أَعْلَى كَانَ حَدِيدُهُ أَجْوَدَ .

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ( وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ) ، فَإِنَّ الْأَنْعَامَ تُخْلَقُ بِالتَّوَالُدِ الْمُسْتَلْزِمِ إِنْزَالَ الذُّكُورِ الْمَاءَ مِنْ أَصْلَابِهَا إِلَى أَرْحَامِ الْإِنَاثِ، وَلِهَذَا يُقَالُ أَنْزَلَ

وَلَمْ يُنْزِلْ، ثُمَّ إِنَّ الْأَجِنَّةَ تَنْزِلُ مِنْ بُطُونِ الْأُمَّهَاتِ إِلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْأَنْعَامَ تَعْلُو فُحُولُهَا إِنَاثَهَا بِالْوَطْءِ، وَيَنْزِلُ مَاءُ الْفَحْلِ مِنْ عُلُوٍّ إِلَى رَحِمِ الْأُنْثَى وَتُلْقِي وَلَدَهَا عِنْدَ الْوِلَادَةِ مِنْ عُلُوٍّ إِلَى أَسْفَلَ " .

انتهى من "مختصر الصواعق المرسلة" (ص 441) .

وهذا هو نفس اختيار الشيخ محمد ابن إبراهيم رحمه الله

كما في "فتاواه" (13/ 100).

وهذا القول الأخير هو أظهر الأقوال –والله أعلم- لأن فيه إبقاء الآية على ظاهرها ، وتفسير النزول بما يدل عليه في اللغة العربية . وهذا القول لا ينافي القول بـ (خلق) ولا القول بـ (قدر) ولكنها يزيد عليهما في المعنى .

وأما القول بأن الأنعام قد نزلت من السماء ، فهو قول ضعيف لم يدل عليه دليل ، ولذلك أعرض عنه عامة المفسرين ولم يذكروه ، كابن جرير ، وابن كثير ، والطاهر بن عاشور رحمهم الله وغيرهم .

ومن ذكره من المفسرين : لم ينسبه إلى أحد من العلماء ، وإنما يقولون : وقيل : .... إلخ. ونحو ذلك ، كما فعل القرطبي رحمه الله وغيره ، وبعضهم صرح بضعف هذا القول

كالألوسي رحمه الله فإنه قال : "وقيل : الكلام على ظاهره ، والله تعالى خلق الأنعام في الجنة ثم أنزلها منها . ولا أرى لهذا الخبر صحة "

انتهى من "روح المعاني" (23/240) .

وأما القول بأن الحديد أنزل من خارج الأرض لقوله تعالى : (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد) فلم يثبت هذا القول ، والخلاف في آية الحديد كالخلاف في آية الأنعام ولا فرق

ولذلك يذكر المفسرون الآيتين معا عند الكلام على إحداهما .

فما يذكره بعض المعاصرين من أن الحديد أنزل من خارج الأرض هو اجتهاد منهم لم يثبت في الشرع ما يؤيده .

والله تعالى أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-08, 14:44
الفرق بين المغفرة والعفو .

السؤال

سمعت أن الفرق بين المغفرة والعفو : أن المغفرة : ﺃﻥ ﻳُﺴﺎﻣِﺤﻚ ﺍﻟﻠّﻪ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺬَﻧﺐ وﻟﻜﻨﻪُ ﺳَﻴﺒﻘﻰ ﻣُﺴﺠﻼ‌ ﻓِﻲ ﺻَﺤِﻴﻔَﺘﻚ. أما ﺍﻟﻌَﻔﻮ : ﻓَﻬﻮ ﻣُﺴﺎﻣَﺤﺘﻚ ﻋَﻠﻰ ﺍﻟﺬَﻧﺐ ، ﻣَﻊ ﻣَﺤﻮِﻩ ﻣِﻦ ﺍﻟصحيفة ، وﻛﺄﻧَﻪ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ

. فأنا لم أفهم كيف ﺳَﻴﺒﻘﻰ ﻣُﺴﺠﻼ‌ ﻓِﻲ ﺻَﺤِﻴﻔَﺘﻚ ، و هل ستحاسب عنه ، وهل هناك حديث نبوي يؤكد هذا ، أليس الحسنات تمحو السيئات ، أليس كثرة الاستغفار تمحو الذنوب ؟

الجواب

الحمد لله

ذهبت طائفة من أهل العلم إلى أن العفو أبلغ من المغفرة ؛ لأن العفو محو، والمغفرة ستر :

قال أبو حامد الغزالي رحمه الله :

" الْعَفوّ : هُوَ الَّذِي يمحو السَّيِّئَات ، ويتجاوز عَن الْمعاصِي ، وَهُوَ قريب من الغفور ، وَلكنه أبلغ مِنْهُ، فَإِن الغفران يُنبئ عَن السّتْر، وَالْعَفو يُنبئ عَن المحو، والمحو أبلغ من السّتْر" .

انتهى من "المقصد الأسنى" (ص 140) .

وقال الشيخ محمد منير الدمشقي رحمه الله في "النفحات السلفية" (ص 87):

" العفو في حق الله تعالى : عبارة عن إزالة آثار الذنوب بالكلية ، فيمحوها من ديوان الكرام الكاتبين

ولا يطالبه بها يوم القيامة ، وينسيها من قلوبهم ، لئلا يخجلوا عند تذكيرها، ويثبت مكان كل سيئة حسنة ، والعفو أبلغ من المغفرة ؛ لأن الغفران يشعر بالستر، والعفو يشعر بالمحو، والمحو أبلغ من الستر " انتهى .

وذهب آخرون إلى أن المغفرة أبلغ من العفو ؛ لأنها سترٌ، وإسقاطٌ للعقاب ، ونيلٌ للثواب، أما العفو: فلا يلزم منه الستر ، ولا نيل الثواب .

قال ابن جزي رحمه الله :

" العفو : ترك المؤاخذة بالذنب .

والمغفرة تقتضي ـ مع ذلك ـ : الستر .

والرحمة تجمع ذلك مع التفضل بالإنعام "

انتهى من " التسهيل" (1/ 143) .

وقال الرازي في "تفسيره" (7/ 124):

" الْعَفْو أَنْ يُسْقِطَ عَنْهُ الْعِقَابَ، وَالْمَغْفِرَةَ أَنْ يَسْتُرَ عَلَيْهِ جُرْمَهُ ، صَوْنًا لَهُ مِنْ عَذَابِ التَّخْجِيلِ وَالْفَضِيحَةِ، كَأَنَّ الْعَبْدَ يَقُولُ: أَطْلُبُ مِنْكَ الْعَفْوَ ، وَإِذَا عَفَوْتَ عَنِّي فَاسْتُرْهُ عَلَيَّ " انتهى .

قال الكفوي رحمه الله :

" الغفران: يَقْتَضِي إِسْقَاط الْعقَاب ، ونيل الثَّوَاب، وَلَا يسْتَحقّهُ إِلَّا الْمُؤمن، وَلَا يسْتَعْمل إِلَّا فِي الْبَارِي تَعَالَى .
وَالْعَفو : يَقْتَضِي إِسْقَاط اللوم والذم، وَلَا يَقْتَضِي نيل الثَّوَاب .."

انتهى من "الكليات" (ص 666) .

وقال العسكري في "الفروق" (413-414):

" الْفرق بَين الْعَفو والغفران :

أَن الغفران : يَقْتَضِي إِسْقَاط الْعقَاب ، وَإِسْقَاط الْعقَاب هُوَ إِيجَاب الثَّوَاب ؛ فَلَا يسْتَحق الغفران إِلَّا الْمُؤمن الْمُسْتَحق للثَّواب . وَلِهَذَا لَا يسْتَعْمل إِلَّا فِي الله ، فَيُقَال : غفر الله لَك ، وَلَا يُقَال غفر زيد لَك ، إِلَّا شاذا قَلِيلا .
..
وَالْعَفو : يَقْتَضِي إِسْقَاط اللوم والذم ، وَلَا يَقْتَضِي إِيجَاب الثَّوَاب ، وَلِهَذَا يسْتَعْمل فِي العَبْد ، فَيُقَال : عَفا زيد عَن عَمْرو ؛ وَإِذا عَفا عَنهُ : لم يجب عَلَيْهِ إثابته .

إِلَّا أَن الْعَفو والغفران : لما تقَارب معنياهما ، تداخلا ، واستعملا فِي صِفَات الله جلّ اسْمه على وَجه وَاحِد ؛ فَيُقَال : عَفا الله عَنهُ ، وَغفر لَهُ ؛ بِمَعْنى وَاحِد .

وَمَا تعدى بِهِ اللفظان يدل على مَا قُلْنَا ، وَذَلِكَ أَنَّك تَقول عَفا عَنهُ ، فَيَقْتَضِي ذَلِك إِزَالَة شَيْء عَنهُ . وَتقول : غفر لَهُ فَيَقْتَضِي ذَلِك اثبات شَيْء لَهُ" انتهى .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

" الْعَفْوُ مُتَضَمِّنٌ لِإِسْقَاطِ حَقِّهِ قِبَلِهِمْ وَمُسَامَحَتِهِمْ بِهِ، وَالْمَغْفِرَةُ مُتَضَمِّنَةٌ لِوِقَايَتِهِمْ شَرَّ ذُنُوبِهِمْ، وَإِقْبَالِهِ عَلَيْهِمْ، وَرِضَاهُ عَنْهُمْ؛ بِخِلَافِ الْعَفْوِ الْمُجَرَّدِ؛ فَإِنَّ الْعَافِيَ قَدْ يَعْفُو ، وَلَا يُقْبِلُ عَلَى مَنْ عَفَا عَنْهُ ، وَلَا يَرْضَى عَنْهُ .

فَالْعَفْوُ تَرْكٌ مَحْضٌ، وَالْمَغْفِرَةُ إحْسَانٌ وَفَضْلٌ وَجُودٌ "

انتهى من "مجموع الفتاوى" (14/ 140).

وبهذا يتبين أن المغفرة أبلغ من العفو، على القول الراجح ؛ لما تتضمنه من الإحسان والعطاء.

أما القول بأن المغفرة : أن يسامحك الله على الذنب ، مع بقائه في صحائفك، وأن العفو مسامحة مع محو الذنب من الصحائف فلا يدل عليه الدليل.

والله تعالى أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-08, 14:51
هل صح أن التوراة أنزلت على موسى عليه السلام في رمضان ؟

السؤال

لدي سؤال عن الحديث الوارد هنا : روى أحمد ، والطبراني في " معجم الكبير " عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أُنزلت صحف إبراهيم أول ليلة من شهر رمضان

وأُنزلت التوراة لِسِتٍ مضت من رمضان ، وأُنزل الإنجيل لثلاث عشرة مضت من رمضان ، وأُنزل الزبور لثمان عشرة خلت من رمضان ، وأُنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان ) .

حسنه الألباني في " السلسلة الصحيحة "(1575).

السؤال: كيف نوفق بين وقت نزول التوراة كما هو مذكور في الحديث ، مع وقت نزولها الذي يخالف ذلك كما أخبر القرآن؟ فالقرآن يقول في سورة الأعراف الآيات 142/144/145

"وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً" ، وقال تعالى : "وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ" "قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ

عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ" و "وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ

فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ" . قال ابن عباس عن تلك الأيام العشر الأخيرة هي العشر الأولى من ذي الحجة وكثير وافقوه .

الجواب

الحمد لله

روى الإمام أحمد (16984) ، والطبراني في "الكبير" (185) ، والطبري في "التفسير" (3/446) ، واليهقي في "السنن"(9/ 317)

من طريق عِمْرَان أَبي الْعَوَّامِ ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ، عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( أُنْزِلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ

وَأُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَالْإِنْجِيلُ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الْفُرْقَانُ لِأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ ) .

وهذا إسناد ضعيف ، عمران أبو العوام ، هو عمران بن داور القطان ، وثقه ابن حبان والعجلي وغيرهما ، وضعفه ابن معين ، وأبو داود ، والنسائي ، وقال الدارقطني: كان كثير المخالفة والوهم .

" تهذيب التهذيب " (8/ 132) .

وقال الحافظ في "التقريب" (ص 429): " صدوق يهم " .

وقد تبين خطؤه ووهمه في هذا الحديث :

فقد رواه ابن الضريس في "فضائل القرآن" (127) ، والطبري في "التفسير" (24/ 377) من طريق يَزِيد بن زريع، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا صَاحِبٌ لَنَا عَنْ أَبِي الْجَلْدِ

قَالَ: " أُنْزِلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ

وَأُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ لِسِتٍ خَلَوْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الزَّبُورُ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الْإِنْجِيلُ لِثَمَانِ عَشْرَةَ خَلَوْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الْقُرْآنُ لِأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ ) .

وهذا إسناد صحيح ، سعيد ، وهو ابن ابي عروبة ، من أوثق الناس في قتادة

قال ابن أبي خيثمة:

" أثبت الناس في قتادة: سعيد بن أبي عروبة وهشام الدستوائي " .

" تهذيب التهذيب " (4/ 63) .

ويزيد بن زريع أوثق الناس في سعيد

قال ابن معين في تاريخه (1/ 102):

" أوثق الناس فى سعيد بن أبى عروبة يزيد بن زريع " .

فالصحيح عن قتادة ما رواه سعيد بن أبي عروبة ، عنه ، عن صاحب له ، عن أبي الجلد ، من قوله . ورواية عمران خطأ .
وقد رواه ابن أبي شيبة (6/ 144): حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ، سَمِعَ أَبَا الْعَالِيَةَ، يَذْكُرُ عَنْ أَبِي الْجَلْدِ، قَالَ: فذكره .

وقد روى البيهقي هذا الحديث في " الأسماء والصفات " (1/ 569)

من طريق عمران به ، ثم قال : " وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ , عَنْ قَتَادَةَ مِنْ قَوْلِهِ

لَمْ يُجَاوِزْ بِهِ ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: (لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ بَدَلَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ) ، وَكَذَلِكَ وَجَدَهُ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ فِي كِتَابِ أَبِي قِلَابَةَ ، دُونَ ذِكْرِ صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ "انتهى .

ورواه ابن أبي شيبة (6/ 144):

حَدَّثَنَا الثَّقَفِيُّ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، قَالَ: " نَزَلَتِ التَّوْرَاةُ لِسِتٍّ خَلَوْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الْقُرْآنُ لِأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ " .
وأبو الجلد هو جيلان بن فروة البصري ، وثقه الإمام أحمد ، وقال ابن أبي حاتم :

" صاحب كتب التوراة ونحوها " .

" الجرح والتعديل " (2/ 547) .

وينظر أيضا للفائدة : " المطالب العالية " لابن حجر (14/350) وتعليق المحققين .

والخلاصة : أن هذا الكلام ورد من قول أبي قلابة ، وأبي الجلد ، وأخذه قتادة عن أبي الجلد وكان ربما حدث به ولم يذكر أبا الجلد .

فمثل هذا الأثر لا تقوم به الحجة ، لأنه من قول بعض التابعين .

*عبدالرحمن*
2019-02-08, 14:52
وأما الحديث المرفوع فهو حديث ضعيف ، لا تقوم به حجة .

وله شاهد رواه ابن عساكر (6/ 202) من طريق أبي عمر محمد بن موسى بن فضالة القرشي نا أبو قصي نا أبي عن علي هو ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

: ( أنزلت الصحف على إبراهيم في ليلتين من شهر رمضان، وأنزل الزبور على داود في ست من رمضان

وأنزلت التوراة على موسى لثمان عشرة من رمضان، وأنزل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم لأربع وعشرين من رمضان ) .

وهذا إسناد واه مسلسل بالعلل :

-محمد بن موسى بن فضالة، أبو عمر الدمشقي. قال عبد العزيز الكتاني: تكلموا فيه.

"الميزان" (4/51) .

وفي نسخة من " الميزان " (4/ 555) في ترجمة أبي عمر الدمشقي : " قال الدارقطني: متروك ، قال الذهبي : هو محمد بن موسى بن فضالة " .

- وأبو قصي هو إسماعيل بن محمد بن إسحاق العذري : مجهول ، ترجمه ابن عساكر " تاريخ دمشق " لابن عساكر (71/ 313)، ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا.

- وأبوه لم نجد له ترجمة .

- وعلي بن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس .

انظر : "التهذيب" (7/339) .

وبالجملة فالحديث معلول لا يصح رفعه ، ولا يصلح للاحتجاج به .

ثانيا :

قال تعالى : ( وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ) الأعراف/ 142 .

قال ابن كثير رحمه الله :

" وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي هَذِهِ الْعَشْرِ مَا هِيَ؟ فَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ الثَّلَاثِينَ هِيَ ذُو الْقَعْدَةِ، وَالْعَشَرُ عَشَرُ ذِي الْحِجَّةِ ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَمَسْرُوقٌ، وَابْنُ جُرَيْجٍ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ " انتهى.

ثم قال تعالى :

(وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ) الأعراف/ 145 .

وقد اختلف المفسرون في المقصود بالألواح ، فقيل : كان مكتوبا فيها التوراة ، وقيل : أعطيها موسى قبل التوراة

قال ابن كثير :

" أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ كَتَبَ لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ، قِيلَ: كَانَتِ الْأَلْوَاحُ مِنْ جَوْهَرٍ

وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَتَبَ لَهُ فِيهَا مَوَاعِظَ وَأَحْكَامًا مُفَصَّلَةً مُبَيِّنَةً لِلْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْأَلْوَاحُ مُشْتَمِلَةً عَلَى التَّوْرَاةِ ، وَقِيلَ: الْأَلْوَاحُ أُعْطِيَهَا مُوسَى قَبْلَ التَّوْرَاةِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ "

انتهى من " تفسير ابن كثير " (3/ 474).

فعلى تقدير ثبوت الحديث يمكن الجمع بينهما بأن نزول التوراة كان لست مضين من رمضان ، وأن الألواح المذكورة في الآية : غير التوراة ، وإنما فيها مواعظ وأشياء أخرى ، سوى ما في التوراة .

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :

" ولكل رسول كتاب، قال الله تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ [الحديد: 25] ، وهذا يدل على أن كل رسول معه كتاب ، لكن لا نعرف كل الكتب

بل نعرف منها: صحف إبراهيم وموسى، التوراة، الإنجيل، الزبور، القرآن، ستة، لأن صحف موسى بعضهم يقول: هي التوراة، وبعضهم يقول: غيرها، فإن كانت التوراة، فهي خمسة

وإن كانت غيرها، فهي ستة، ولكن مع ذلك نحن نؤمن بكل كتاب أنزله الله على الرسل، وإن لم نعلم به، نؤمن به إجمالاً "

انتهى من "شرح العقيدة الواسطية" (1/65) .

وقال الشيخ صالح آل الشيخ ، حفظه الله :

" الكُتُبُ التي أنزلها الله - عز وجل - على المرسلين : اختلف العلماء هل يدخل فيها الصحف، أم إنَّ الكتب غير الصحف؟ على قولين:

- من أهل العلم من قال: الصحف هي الكتب.

- ومنهم من قال: لا؛ الصحف غير الكتاب.

ويَتَّضِحْ الفرق في صحف موسى عليه السلام والتوراة، فإنَّ الله - عز وجل - أعطى موسى عليه السلام صُحُفَاً وأعطاه أيضاً التوراة، فهل هما واحد أم هما مختلفان؟

خلاف:

- والقول الأول: أنهما واحد لأنَّ صحف موسى هي التوراة ، وهي التي كتبها الله - عز وجل - بيده.

- القول الثاني: أنَّ الصحف غير الكتب، وهذا القول هو الصحيح ، وهي أنَّ كتب الله - عز وجل - غير الصحف.

ويدل على هذا الفرق أنَّ الله - عز وجل - أعطى موسى صُحُفَاً ، عليه السلام ، وكَتَبَ له ذلك في الألواح

كما قال وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ[الأعراف:145]، وأوحى الله - عز وجل - إليه بالتوراة أيضاً.

فقوله صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى[الأعلى:19]:

صحف إبراهيم: ذَكَرَ الله ما فيها في سورة النجم قال وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى* أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى* وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى* وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى *

ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى[النجم:37-41]، إلى آخره، فهذه كانت مما في صحف إبراهيم عليه السلام.

وفي صحف موسى: ما كتبه الله - عز وجل - له.

وأما التوراة: فهي وحْيٌ وكتَابٌ مستقل ، غير صحف موسى عليه السلام ، أوحاها الله - عز وجل - إليه.

صحف موسى بالذات : وَقَعَ فيها الاشتباه ، من جهة أنَّهُ : ظاهر القرآن أنَّ الله - عز وجل - كَتَبَ الصحف لقوله وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ، وجاء في الحديث أنَّ الله -

عز وجل - كتب التوراة لموسى بيده، فمن هذه الجهة وقع الاشتباه، هل هما واحد لأجل أن هذه كُتِبَتْ وهذه كُتِبَتْ.
والأظهر كما ذكرتُ لك من سياق الآيات في سورة الأعراف أن الكتب غير الصحف " .

انتهى من "شرح العقيدة الطحاوية" (1/321) .

وممن رجح الفرق بينهما أيضا : الشيخ عبد الرزاق عفيفي ، كما في "فتاواه" (1/367) ، والشيخ عبد العزيز الراجحي ،

كما في "شرح الاقتصاد في الاعتقاد" (17) .

والله تعالى أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-08, 14:58
تفسير قوله تعالى : ( ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ ) .

السؤال

ما تفسير الآية رقم 11 من سورة فصلت قال تعالى :

( ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) ؟

الجواب

الحمد لله

يقول الله عز وجل :

( قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ

ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ *

فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) فصلت/ 9 – 12 .

يخبر الله تعالى أنه سبحانه خلق الأرض في يومين ، ثم (جعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدّر فيها أقواتها) في تمام أربعة أيام ، أي في يومين آخرين ، ثم استغرق خلق السموات السبع يومين

فكان المجموع ستة أيام من أيام الله .

انظر السؤال القادم

وقوله عز وجل : (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ) أي : قصد إلى خلقها .

قال السعدي رحمه الله :

" ثُمَّ بعد أن خلق الأرض اسْتَوَى إلى السماء ، أي: قصد إِلَى خلق السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ، قد ثار على وجه الماء "

انتهى من " تفسير السعدي " (ص 745) .

وقال ابن عثيمين رحمه الله :

" قوله تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ) لأهل السنة في تفسيرها قولان:

أحدهما: أنها بمعنى ارتفع إلى السماء ، وهو الذي رجحه ابن جرير، قال في تفسيره بعد أن ذكر الخلاف: "وأولى المعاني بقول الله جل ثناؤه: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ)

. علا عليهن وارتفع، فدبرهن بقدرته، وخلقهن سبع سموات". ا. هـ.

وذكره البغوي في تفسيره: عن ابن عباس وأكثر مفسري السلف. وذلك تمسكا بظاهر لفظ استوى. وتفويضا لعلم كيفية هذا الارتفاع إلى الله عز وجل.

القول الثاني: أن الاستواء هنا بمعنى القصد التام، وإلى هذا القول ذهب ابن كثير في تفسير سورة البقرة، والبغوي في تفسير سورة فصلت.

قال ابن كثير:

"أي قصد إلى السماء، والاستواء هاهنا ضُمِّن معنى القصد والإقبال ، لأنه عدي بإلى". وقال البغوي: "أي عمد إلى خلق السماء".

وهذا القول ليس صرفا للكلام عن ظاهره ، وذلك لأن الفعل استوى اقترن بحرف يدل على الغاية والانتهاء

فانتقل إلى معنى يناسب الحرف المقترن به، ألا ترى إلى قوله تعالى: (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ) ، حيث كان معناها يروى بها عباد الله ، لأن الفعل يشرب اقترن بالباء

فانتقل إلى معنى يناسبها وهو يروى ، فالفعل يضمن معنى يناسب معنى الحرف المتعلق به ليلتئم الكلام "

انتهى من " مجموع فتاوى ورسائل العثيمين " (3/ 312) .

وقوله تعالى : ( وهي دخان ) المقصود بالدخان هنا : بخار الماء .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

" وَهَذَا الدُّخَانُ هُوَ بُخَارُ الْمَاءِ الَّذِي كَانَ حِينَئِذٍ مَوْجُودًا ، كَمَا جَاءَتْ بِذَلِكَ الْآثَارُ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، وَكَمَا عَلَيْهِ أَهْلُ الْكِتَابِ "

انتهى من "مجموع الفتاوى" (5/ 564) .

وقال أيضا :

" قيل : هو البخار الذي تصاعد من الماء الذي كان عليه العرش ، فإن البخار نوع من الدخان "

انتهى من " الصفدية " (2/ 76) .

وينظر : "تفسير ابن كثير" (7/ 166) .

(فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا)

قال ابن كثير :

" أَيِ: اسْتَجِيبَا لِأَمْرِي ، وَانْفَعِلَا لِفِعْلِي طَائِعَتَيْنِ أَوْ مُكْرَهَتَيْنِ .

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلسَّمَوَاتِ: أَطْلِعِي شَمْسِي وَقَمَرِي وَنُجُومِي. وَقَالَ لِلْأَرْضِ: شَقِّقِي أَنْهَارَكِ، وَأَخْرِجِي ثِمَارَكِ. فَقَالَتَا: (أَتَيْنَا طَائِعِينَ) .

وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ."

وقال :

" (قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) أَيْ: بَلْ نَسْتَجِيبُ لَكَ مُطِيعِينَ بِمَا فِينَا، مِمَّا تُرِيدُ خَلْقَهُ ، مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْإِنْسِ وَالْجِنِّ جَمِيعًا مُطِيعِينَ لَكَ. حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ .

وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لَوْ أَبَيَا عَلَيْهِ أَمْرَهُ ، لَعَذَّبَهُمَا عَذَابًا يَجِدَانِ أَلَمَهُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ " .

انتهى من " تفسير ابن كثير " (7/ 167) .

وقال السعدي :

" أي: انقادا لأمري ، طائعتين أو مكرهتين ، فلا بد من نفوذه. (قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) ليس لنا إرادة تخالف إرادتك "

انتهى من " تفسير السعدي " (ص 745) .

(فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ) أَيْ: فَفَرَغَ مِنْ تَسْوِيَتِهِنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ، أَيْ: آخَرَيْنِ، وَهُمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ وَيَوْمُ الْجُمْعَةِ .

(وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا) أَيْ: وَرَتَّبَ مُقَرِّرًا فِي كُلِّ سَمَاءٍ مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَمَا فِيهَا مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ.

(وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ) وَهُنَّ الْكَوَاكِبُ الْمُنِيرَةُ الْمُشْرِقَةُ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، (وَحِفْظًا) أَيْ: حَرَسًا مِنَ الشَّيَاطِينِ أَنْ تَسْتَمِعَ إِلَى الْمَلَأِ الْأَعْلَى.

(ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) أَيِ: الْعَزِيزُ الَّذِي قَدْ عَزَّ كُلَّ شَيْءٍ ، فَغَلَبَهُ وَقَهَرَهُ، الْعَلِيمُ بِجَمِيعِ حَرَكَاتِ الْمَخْلُوقَاتِ وَسَكَنَاتِهِمْ "

انتهى من " تفسير ابن كثير " (7/ 167) .

وانظر: "تفسير ابن عطية" (5/7)

"تفسير القرطبي" (15/ 343)

"فتح القدير" (4/582).

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-08, 15:01
خلق السموات والأرض في ستة أو ثمانية أيام ؟

السؤال

قرأت قول الله تعالى : إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54) الأعراف

والذي فهمته أن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام ، وهذا واضح .

ولكن في آية أخرى ذكر الله خلق السموات والأرض فقال : قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ(9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً

لِلسَّائِلِينَ(10) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11)

فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ(12) فصلت .

فهنا ذكر الله أنه خلق الأرض في يومين ، ثم جعل فيها الرواسي ... وتقدير الأقوات في أربعة أيام ، فيصير المجموع ستة ، ثم خلق السموات في يومين ، وبهذا يكون المجموع ثمانية أيام .

فكيف نجمع بين الآيتين ؟؟.

الجواب

الحمد لله

هذا مما أشكل على بعض الناس فهمه ، فظن بعضهم أن الله خلق السموات والأرض في ثمانية أيام

كما ذكر الله في سورة فصلت : (قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادًا ذلك رب العالمين * وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين

* ثم استوى إلى السماء وهى دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعًا أو كرهًا قالتا أتينا طائعين

* فقضاهن سبع سموات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظًا ذلك تقدير العزيز العليم ) فصلت / 9ـ12.

وأنه يعارض الآية الأخرى التي ذكرت أنه خلقها في ستة أيام .

وهذا فهم خاطئ والجواب عليه أن يقال :

ليس هناك تناقض ولا تفاوت بين المدة الزمنية التي جاءت في هذه الآيات وبين الآيات الأخرى التي ورد فيها تحديد المدة بأنها ستة أيام .

ففي هذه الآيات ـ من سورة فصلت ـ نجد أن الله سبحانه وتعالى يخبرنا بأنه : ( خلق الأرض في يومين )

ثم (جعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدّر فيها أقواتها ) في تمام أربعة أيام ..

أي في يومين آخرين يضافان إلى اليومين اللذين خلق فيهما الأرض ، فيكون المجموع أربعة أيام .. وليس المراد أن خلق الرواسي وتقدير الأقوات قد استغرق أربعة أيام ..

ولعل الشبهة ـ التي جاءت في السؤال ـ قد أتت من هنا.. أي من توهم إضافة أربعة إلى اليومين اللذين خلقت فيهما الأرض ، فيكون المجموع ستة..

وإذا أضيف إليها اليومان اللذان خلقت فيهما السماء ( فقضاهن سبع سموات في يومين ) يكون المجموع ثمانية أيام ، وليس ستة أيام.. لكن إزالة هذه الشبهة متحققة بإزالة هذا الوهم.. فالأرض خلقت في يومين..

وخلق الرواسي وتقدير الأقوات قد استغرق ما تمم اليومين أربعة أيام.. أي استغرق هو الآخر يومين.. ثم استغرق خلق السموات السبع يومين.. فكان المجموع ستة أيام من أيام الله ، سبحانه وتعالى..

ولقد نبه المفسرون على هذه الحقيقة ـ المزيلة لهذا الوهم

فقال القرطبي :

" في أربعة أيام مثاله قول القائل : خرجت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام وإلى الكوفة في خمسة عشر يومًا ، أي في تتمة خمسة عشر يومًا "

[ الجامع لأحكام القرآن ] ج15 ص 343 ـ مصدر سابق.

وقال البغوي : في أربعة أيام يريد خلق ما في الأرض ، وقدر الأقوات في يومين يوم الثلاثاء والأربعاء

فهما مع الأحد والاثنين أربعة أيام ، ردَّ الآخر على الأول في الذكر ، كما تقول : تزوجت أمس امرأة واليوم ثنتين ، وإحداهما هي التي تزوجتها بالأمس .

انتهى من تفسير البغوي 7/165

وقال الزجاج : في تتمة أربعة أيام ، يريد بالتتمة اليومين .

[ الكشاف ] ج3 ص 444 ـ مصدر سابق .

فهذه الآيات ـ من سورة فصلت ـ تؤكد هي الأخرى ـ على أن خلق السموات والأرض إنما تم في ستة أيام .

. ومن ثم فلا تناقض بين آيات القرآن ولا تفاوت في مدة الخلق الإلهي للسموات والأرض .. وحاشا أن يكون شيء من ذلك في الذكر الحكيم .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-08, 15:08
تفسير قوله تعالى: (وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)

السؤال

سؤالي متعلق بالآية رقم 12 من سورة فصلت، هل صحيح أنّ آخر ما خلق الله في الأيام الستة هي النجوم ؟

وهل معنى كلمة "زينا" في الآية يعني خلقنا وجملنا ؟

وهل الشمس تعتبر من النجوم-كواكب- بروج-مصابيح ؟

الجواب

الحمد لله

أولا :

خلق الله عز وجل السموات والأرض في ستة أيام ، كما قال تعالى : (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) الأعراف/ 54

وكان خلق الأرض متقدما على خلق السماوات ، ثم كان دحو الأرض ـ بأن (أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا) ـ متأخرا عن خلق السماوات

كما قال تعالى : (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ

* وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ

* فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) فصلت/9 -12 .

انظر : "تفسير السعدي" (ص 745) .

وقال تعالى : ( أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا) النازعات/27-30 .

ثانيا :

لا نعلم دليلا صحيحا من الكتاب أو السنة يبين لنا متى خلق الله النجوم التي في السماء .

وأما قوله تعالى : (وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا) بعد قوله : ( فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ) فلا يدل على أن النجوم هي آخر ما خلق الله

وإنما هو إخبار عن الحكمة من خلق النجوم ، وهذا داخل في جملة خبر الله عن السماء وخلقها ، وما جعل فيها من الآيات .

قال العلامة ابن عاشور رحمه الله :

" ووقع الالتفات من طريق الغيبة إلى طريق التكلم في قوله: (وزينا السماء الدنيا بمصابيح) تجديدا لنشاط السامعين لطول استعمال طريق الغيبة ابتداء

من قوله: (بالذي خلق الأرض في يومين) [فصلت: 9] مع إظهار العناية بتخصيص هذا الصنع الذي ينفع الناس دينا ودنيا وهو خلق النجوم الدقيقة والشهب

بتخصيصه بالذكر من بين عموم (وأوحى في كل سماء أمرها) ، فما السماء الدنيا إلا من جملة السماوات، وما النجوم والشهب إلا من جملة أمرها.

والمصابيح : جمع مصباح ، وهو ما يوقد بالنار في الزيت للإضاءة وهو مشتق من الصباح لأنهم يحاولون أن يجعلوه خلفا عن الصباح ، والمراد بالمصابيح: النجوم، استعير لها المصابيح لما يبدو من نورها.

وانتصب (حفظا) على أنه مفعول لأجله لفعل محذوف دل عليه فعل (زينا).

والتقدير: وجعلناها حفظا. والمراد: حفظا للسماء من الشياطين المسترقة للسمع. وتقدم الكلام على نظيره في سورة الصافات.

(ذلك تقدير العزيز العليم) الإشارة إلى المذكور من قوله: (وجعل فيها رواسي من فوقها) [فصلت: 10] إلى قوله: وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا" .

انتهى من "التحرير والتنوير" (24/251) .

والحاصل : أنه لا يوجد دليل واضح بوقت خلق النجوم ، على وجه التخصيص ، وليس في العلم بذلك منفعة للعبد في دينه ، ولا في الجهل به مضرة عليه ، أو نقص من إيمانه

وإنما الذي ينفعه أن يتأمل في خلقها ، ويتفكر في حكمة الخالق جل جلاله ، ويستدل بذلك على عظمته ، ووحدانيته ، ويخضع لطاعته .

ثالثًا

هذه النجوم التي في السماء- بما فيها الشمس - يطلق عليها ـ في لسان العرب ـ : مصابيح ، ونجوم ، وكواكب ، وسرج ، وإنما التفريق بين هذه الأجناس : هو من اصطلاح أهل العلوم ، الذي لا تستوجبه لغة العرب .

فمن سأل عن إطلاق ذلك : إن كان يقصد في لسان العرب ، وأعرافها : فالأمر في ذلك كله واسع ، سائغ .

وإن كان يقصد الاصطلاح الحادث لأهل العلوم : فلا ، وإنما يرجع في اصطلاح كل علم ، إلى ما تعارف عليه أهله .

قال ابن سيده وغيره : " الكَوْكَبُ والكَوْكَبةُ : النَّجْم "

لسان العرب (1 /720) .

وقال ابن الجوزي :

" (بِمَصابِيحَ) وهي النًّجوم، والمصابيح: السُّرُج، فسمِّي الكوكب مصباحاً " .

انتهى من " زاد المسير " (4/ 47) .

وتقول العرب : نَجَمَ الشيءُ يَنْجُم نُجوماً: طَلَعَ وظهر، ويقال لكل ما طلع: قد نَجمَ.

وقال أَهل اللغة: النُّجوم تَجمع الكواكب كلها .

"لسان العرب" (12 /568) .

وأصل البروج في اللغة : الظهور .

قال القرطبي رحمه الله :

" أصل البروج الظهور، ومنه تبرج المرأة بإظهار زينتها ، وقال الحسن وقتادة : البروج النجوم ، وسميت بذلك لظهورها. وارتفاعها " .

انتهى من "الجامع لأحكام القرآن" (10 /9) .

وقد جاء إطلاقها في القرآن على نجوم السماء ، وأيضا على منازل الشمس والقمر.

فمن الأول : قوله تعالى : (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ) الحجر/ 16

قال السعدي : " أي: نجوما كالأبراج والأعلام العظام ، يهتدى بها في ظلمات البر والبحر "

انتهى من " تفسير السعدي " (ص 430) .

ومن الثاني : قوله تعالى : (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ) البروج/ 1 .

قال الطبري رحمه الله:

" وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: معنى ذلك: والسماء ذات منازل الشمس والقمر، وذلك أن البروج جمع برج، وهي منازل تتخذ عالية عن الأرض مرتفعة

ومن ذلك قول الله: (وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) : هي منازل مرتفعة عالية في السماء

وهي اثنا عشر برجًا، فمسير القمر في كلّ برج منها يومان وثلث، فذلك ثمانية وعشرون منزلا ، ثم يستسرّ ليلتين ، ومسير الشمس في كلّ برج منها شهر " .

انتهى من " تفسير الطبري " (24/ 332).

وينظر للفائدة جواب السؤالين القادمين

والله تعالى أعلم .


و اخيرا

الحمد لله الذي بفضلة تتم الصالحات

اخوة الاسلام

اكتفي بهذا القدر و لنا عوده
ان قدر الله لنا البقاء و اللقاء

و اسال الله ان يجمعني بكم دائما
علي خير

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين

*عبدالرحمن*
2019-02-09, 14:19
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)
اخوة الاسلام

أحييكم بتحية الإسلام
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)


تفسير قوله تعالى :(ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوماً للشياطين).

السؤال

جاء في القرأن قوله تعالى " ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوماً للشياطين"

ولكني لم أستطع فهم هذه الأية. فهل المقصود بالمصابيح هنا النجوم أم الشهب والنيازك؟ فإذا كانت الأولى

فكيف يمكن لمخلوق بحجم النجم أن يستخدم لرجم الشياطين؟

ارجو التوضيح ، ولكم جزيل الشكر.

الجواب

الحمد لله

المقصود بالمصابيح في الآية : النجوم التي خلقها الله في السماء

وقد جعل من هذه النجوم رجوما للشياطين

كما قال قتادة رحمه الله في قوله تعالى : ( وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ ) :

" خَلَقَ هَذِهِ النُّجُومَ لِثَلَاثٍ : جَعَلَهَا زِينَةً لِلسَّمَاءِ ، وَرُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ ، وَعَلَامَاتٍ يُهْتَدَى بِهَا ؛ فَمَنْ تَأَوَّلَ فِيهَا بِغَيْرِ ذَلِكَ : أَخْطَأَ ، وَأَضَاعَ نَصِيبَهُ ، وَتَكَلَّفَ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ " .

ذكره البخاري عنه في صحيحه (4/107) معلقا مجزوما .

وراجع : "تفسير الطبري" (23 / 508)

"تفسير ابن كثير" (3 / 305)

"فتح القدير" (5 / 363) .

والمقصود بجعلها رجوما للشياطين أنه يخرج منها شهب من نار ، فتصيب هذه الشياطين

ولا يعني جعلها رجوما أنها بذواتها يُقذف بها ، كما قال تعالى : ( إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ ) الصافات / 10 . فالذي يصيب هذه الشياطين من تلك النجوم هي تلك الشهب التي تخرج منها .

ويدل عليه ما رواه البخاري (4701) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

( إِذَا قَضَى اللَّهُ الْأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتْ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ كَالسِّلْسِلَةِ عَلَى صَفْوَانٍ ، يَنْفُذُهُمْ ذَلِكَ ، فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا : مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ؟ قَالُوا لِلَّذِي قَالَ : الْحَقَّ

وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ . فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُو السَّمْعِ ، وَمُسْتَرِقُو السَّمْعِ هَكَذَا وَاحِدٌ فَوْقَ آخَرَ ، فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ الْمُسْتَمِعَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ بِهَا إِلَى صَاحِبِهِ فَيُحْرِقَهُ ، وَرُبَّمَا لَمْ يُدْرِكْهُ حَتَّى يَرْمِيَ بِهَا إِلَى الَّذِي يَلِيهِ

إِلَى الَّذِي هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ ، حَتَّى يُلْقُوهَا إِلَى الْأَرْضِ ، فَتُلْقَى عَلَى فَمْ السَّاحِرِ ، فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ ، فَيُصَدَّقُ فَيَقُولُونَ : أَلَمْ يُخْبِرْنَا : يَوْمَ كَذَا وَكَذَا يَكُونُ كَذَا وَكَذَا ، فَوَجَدْنَاهُ حَقًّا ؟

- لِلْكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنْ السَّمَاءِ ) .

فقوله في هذا الحديث : ( فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ الْمُسْتَمِعَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ بِهَا إِلَى صَاحِبِهِ فَيُحْرِقَهُ ) يدل على أن شهاب النار يخرج من تلك النجوم فيصيب تلك الشياطين .

قال القرطبي رحمه الله :

" أي جعلنا شهبها ؛ فحذف المضاف ، دليله : ( إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ ) وعلى هذا فالمصابيح لا تزول ولا يرجم بها .

وقيل : إن الضمير راجع إلى المصابيح على أن الرجم من أنفس الكواكب ، ولا يسقط الكوكب نفسه إنما ينفصل منه شيء يرجم به ، من غير أن ينقص ضوءه ولا صورته " انتهى .

"الجامع لأحكام القرآن" (18 / 210-211)

وقال ابن كثير رحمه الله :

" عاد الضمير في قوله : ( وَجَعَلْنَاهَا ) على جنس المصابيح لا على عينها ؛ لأنه لا يرمي بالكواكب التي في السماء ، بل بشهب من دونها ، وقد تكون مستمدة منها ، والله أعلم "

انتهى . "تفسير ابن كثير" (8 / 177)

وقال الألوسي رحمه الله :

" جعلها رجوماً : يجوز أن يكون لأنه بواسطة وقوع أشعتها ... تحدث الشهب

فهي رجوم بذلك الاعتبار ، ولا يتوقف جعلها رجوماً على أن تكون نفسها كذلك ، بأن تنقلع عن مراكزها ويرجم بها ، وهذا كما تقول : جعل الله تعالى الشمس يحرق بها بعض الأجسام

فإنه صادق فيما إذا أحرق بها بتوسيط بعض المناظر ، وانعكاس شعاعها على قابل الإحراق " انتهى .

"تفسير الألوسي" (17 / 70)

وقال السعدي رحمه الله :

" جعل الله هذه النجوم حراسة للسماء عن تلقف الشياطين أخبار الأرض ، فهذه الشهب التي ترمى من النجوم ، أعدها الله في الدنيا للشياطين " انتهى .

"تفسير السعدي" (ص 875)

وقال ابن عثيمين رحمه الله :

" قال العلماء في تفسير قوله تعالى : ( ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوماً للشياطين ) : أي : جعلنا شهابها الذي ينطلق منها ، فهذا من باب عود الضمير إلى الجزء لا إلى الكل .

فالشهب : نيازك تنطلق من النجوم .

وهي كما قال أهل الفلك : تنزل إلى الأرض ، وقد تحدث تصدعاً فيها ، أما النجم فلو وصل إلى الأرض لأحرقها " انتهى .

"القول المفيد على كتاب التوحيد" (1 / 227) .

ثانيا :

هذه مسألة قديمة ، أثارها الزنادقة في العصور المتقدمة طعنا في القرآن ، وقد تعرض الجاحظ للرد عليها ، والجاحظ وإن كان من أهل البدعة ، فلا بأس الاستئناس بكلامه ، في أمر لا يتعلق ببدعته .

قال الجاحظ عفا الله عنه ، في كتابه "الحيوان" (6 / 497-496) :

" قالوا : زعمتم أنَّ اللّه تعالى قال : ( وَلَقد زَيَّنا السَّمَاءَ الدُّنْيا بمصَابيحَ وَجَعَلْناهَا رُجُوماً للشّياطين )

ونحنُ لم نجدْ قطُّ كوكباً خلا مكانهُ ، فما ينبغي أنْ يكون واحدٌ من جميع هذا الخلق من سكّان الصحارى والبحار ومن يَراعِي النُّجوم للاهتداء أو يفَكِّر في خلق السموات

أن يكون يرى كوكباً واحداً زائلاً مع قوله : ( وَجَعَلْناهَا رُجُوماً للشَّياطينِ ) ؟ .

قيل لهم : قد يحرِّك الإنسانُ يدَه أو حاجبَه أو إصبَعه فتضاف تلك الحركةُ إلى كلِّه فلا يشكُّون أنّ الكلَّ هو العاملُ لتلك الحركة

ومتى فصَل شهابٌ من كوكب فأحرق وأضاء في جميع البلاد ، فقد حكَم كلُّ إنسانٍ بإضافة ذلك الإحراق إلى الكوكب . وهذا جواب قريبٌ سهل ، والحمد للّه "

انتهى كلامه .

والله تعالى أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-09, 14:26
ما ترتيب أوائل المخلوقات المذكورة في الشرع وكيف تعرج الملائكة إلى السماء ؟

السؤال

وفقاً لما ذُكر في القرآن فإن الله خلق الماء أول ما خلق ، ثم خلق الأرض على الماء ، ثم خلق الجبال أوتاداً لحفظ توازنها ، ثم خلق السماء سقفاً محفوظاً من غير عمد

ثم خلق سبعاً طباقاً ، ومعلوم أن الشمس والقمر والنجوم كلها في السماء الدنيا ، وكل ذلك سيتغير وينتهي يوم القيامة

. سؤالي هو : كيف نجح جبريل عليه السلام في التنقل بين السماء والأرض عندما كان يبلّغ الرسالة للنبي صلى الله عليه وسلم ؟ هل جعل الله له فتحة سرِّيَّة في السماء ينفذ منها ؟

وهل استخدم النبي صلى الله عليه وسلم نفس الفتحة عندما عُرج به إلى السماء ؟ . أرجو التوضيح .

الجواب

الحمد لله

أولاً:

قول الأخ السائل " وفقاً لما ذُكر في القرآن فإن الله خلق الماء أول ما خَلق " : يحتمل أمرين :

الأمر الأول : أن الماء هو أول مخلوقات الله مطلقاً ، وهذا إن كان هو قصده ففيه ملاحظتان :

الأولى : أنه أحد الأقوال في المسألة ، والجمهور على أنه العرش ، ومن العلماء من قال بأنه القلم .

الثانية : أن هذا القول ليس في القرآن ؛ إذ ليس في القرآن ولا في السنَّة بيان لأول شيء خَلَقَه الله تعالى ، لا الماء ولا غيره من المخلوقات .

وثمة خلاف في أول ما خلق الله من هذا العالَم ، والأقوال المعتبرة في المسألة ثلاثة : القلم

كما يرجحه ابن جرير الطبري وابن الجوزي ، والعرش ، كما يرجحه ابن تيمية وابن القيم ، ، والماء ، وهو مروي عن ابن مسعود وطائفة من السلف ، ورجحه بدر الدين العيني .

وأما الأقوال غير المعتبرة فكثيرة ، وبعضها من الإسرائيليات ، وأغلبها أقوال لأهل البدع

كمن زعم أن العقل هو أول مخلوق ، وكمن زعم أن نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم هو أول مخلوق ، حتى صار من يعظِّم مخلوقاً أو شيئاً يجعله أول مخلوق ! .

وانظر جواب السؤال القادم وفيه الترتيب بين العرش والقلم وتقديم العرش .

ثانياً:

الذين قالوا إن القلم هو أول مخلوق قد استدلوا بما رواه عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قال : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ فَقَالَ لَهُ : اكْتُبْ

قَالَ : رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ ؟ قَالَ : اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ ) .

رواه الترمذي ( 2155 ) وأبو داود ( 4700 ) ، وصححه الألباني في " صحيح الترمذي " .

لكن قد صح في السنة أحاديث نبوية تبين أن الله تعالى حين خلق القلم وأمره بكتابة مقادير كل شيء إلى يوم القيامة : كان عرشه على الماء ، مما يقتضي أن خلق العرش كان قبل خلق القلم ، ومن هذه الأحاديث :

أ. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ، قَالَ : وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ )

رواه مسلم ( 2653 ) .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - :

فهذا يدل على أنه قدَّر إذ كان عرشه على الماء ، فكان العرش موجوداً مخلوقاً عند التقدير لم يوجد بعده .

" الصفدية " ( 2 / 82 ) .

ب. وعن عمران بن حصين عن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : ( كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ وَخَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ ) .

رواه البخاري ( 3019 ) .

( كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ ) .

رواه البخاري ( 6982 ) .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - :

وفي رواية ( ثم كتب في الذِّكر كل شيء ) فهو أيضاً دليل على أن الكتابة في الذكر كانت والعرش على الماء .

" الصفدية " ( 2 / 82 ) .

قال ابن القيم - رحمه الله – في النونية :

والناس مختلفون في القلم الذي *** كُتِبَ القضاء به من الديَّانِ

هل كان قبل العرش أو هو بعده *** قولان عند أبي العلا الهمذاني

والحق أن العرش قبل لأنه *** عند الكتابة كان ذا أركانِ

فالصحيح أن القلم مخلوق بعد العرش ، ويكون قوله في الحديث ( فأَوَّلَ ما خَلَقَ الله القلم قال له اكتب ) يعني : حين خَلَقَ الله القلم ، فتكون ( ما ) هنا مصدرية وليست موصولة .

وخلق العرش قبل القلم لا يعني بالضرورة أنه خلق قبل " الماء " ، وغاية ما يمكن أن يقال إنهما خلقا معاً ، أما أن يكون العرش خُلف قبله فليس بظاهر .

ومن أدلة الذين قالوا بأن الماء أول المخلوقات :

1. عَنْ أَبِي رَزِينٍ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ كَانَ رَبُّنَا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ خَلْقَهُ ؟ قَالَ : ( كَانَ فِي عَمَاءٍ مَا تَحْتَهُ هَوَاءٌ وَمَا فَوْقَهُ هَوَاءٌ ، وَخَلَقَ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ ) .

رواه الترمذي ( 3109 ) وابن ماجه ( 182 ) .

ولفظه عند ابن ماجه - وأحمد ( 26 / 108 ) – ( ثُمَّ خَلَقَ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ ) .

والحديث صححه الطبري ، وحسَّنه الترمذي والذهبي وابن تيمية ، وضعفه الألباني في " ضعيف الترمذي " .

قال الترمذي :

قال أحمد بن منيع : قال يزيد بن هارون : العماء : أي : ليس معه شيء .

" سنن الترمذي " ( 5 / 288 ) وقيل : معنى " عماء " : السحاب الأبيض .

قال الطبري – رحمه الله – وهو يرى أن القلم أول المخلوقات مطلقا وأنه قبل الماء وقبل العرش - :

وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب : قول من قال إن الله تبارك وتعالى خلق الماء قبل العرش ؛ لصحة الخبر الذي ذكرتُ قبلُ عن أبي رزين العقيلي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال

حين سئل أين كان ربنا عز وجل قبل أن يَخْلُق خلقَه قال : ( كان في عماء ، ما تحته هواء

وما فوقه هواء ، ثم خلق عرشه على الماء ) ، فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الله خلق عرشه على الماء ، ومحال ـ إذ كان خلَقَه على الماء ـ أن يكون خلَقَه عليه ، والذي خلقه عليه غير موجود ، إما قبله أو معه .

فإذا كان ذلك كذلك : فالعرش لا يخلو من أحد أمرين : إما أن يكون خُلق بعد خَلق الله الماء

وإما أن يكون خُلق هو والماء معاً ، فأما أن يكون خَلْقُه قبل خلق الماء : فذلك غير جائز صحته على ما روي عن أبي رزين عن النبي صلى الله عليه وسلم .

" تاريخ الطبري " ( 1 / 32 ) .

*عبدالرحمن*
2019-02-09, 14:27
وقد جزم الحافظ ابن حجر بأن حديث عمران بن حصين رضي الله عنه يدل على أن الماء سابق على العرش .

انظر : " فتح الباري " ( 6 / 289 ) .

2. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي إِذَا رَأَيْتُكَ طَابَتْ نَفْسِي وَقَرَّتْ عَيْنِي فَأَنْبِئْنِي عَنْ كُلِّ شَيْءٍ فَقَالَ : ( كُلُّ شَيْءٍ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ ) .

رواه أحمد ( 13 / 314 )

وقال الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " ( 5 / 29 ) : إسناده صحيح ، وصححه محققو مسند أحمد .

3. عن أبي هريرة قال : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ مِمَّ خُلِقَ الخَلْقُ ؟ قَالَ : ( مِنَ الْمَاءِ ) .

رواه الترمذي ( 2526 ) .

قال الشيخ الألباني في " صحيح الترمذي " : صحيح دون قوله ( مِمَّ خُلِقَ الخَلْقُ ) .

انتهى

قلت : ويشهد له ما قبله ، فأقل أحوال اللفظة أن تكون حسنة .

قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله - :

وقوله صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة لما سأله : " ممَّ خُلِقَ الخَلْقُ " فقال له: ( مِنَ المَاءِ ) : يدل على أن الماء أصل جميع المخلوقات ، ومادتها ، وجميع المخلوقات خُلقت منه .

وقال :

وقد حكى ابن جرير وغيره عن ابن مسعود وطائفة من السلف : أن أول المخلوقات الماء .

" لطائف المعارف " ( ص 21 ، 22 ) .

3. رواية الإمام السدِّي في " تفسيره " بأسانيد متعددة " أن الله تعالى لم يخلق شيئا مما خلق قبل الماء " .

قال الإمام ابن خزيمة في " كتاب التوحيد " ( 1 / 569 ) : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ الأَوْدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، يَعْنِي ابْنَ طَلْحَةَ الْقَنَّادَ

قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ وَهُوَ ابْنُ نَصْرٍ الْهَمْدَانِيُّ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَعَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ

عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ )

قَالَ : إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى كَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَلَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا غَيْرَ مَا خَلَقَ قَبْلَ الْمَاءِ ... .

ورواه ابن أبى حاتم في " تفسيره " ( 1 / 74 ، 75 )

والطبري في " تفسيره " ( 1 / 435 ، 436 ) .

وإسناد السدِّي فيه كلام ، والظاهر أنه حسن جيد ، وأما المتون ففيها غرائب ، وهذا منها ، ولعلها مأخوذة من أحاديث بني إسرائيل .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - :

كما أن السّدّي أيضاً يذكر تفسيره عن ابن مسعود ، وعن ابن عباس ، وغيرهما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وليست تلك ألفاظهم بعينها

بل نقل هؤلاء شبيه بنقل أهل المغازي والسِّيَر ، وهو مما يُستشهدُ به ويُعتبَرُ به ، وبضم بعضه إلى بعض يصير حجة ، وأما ثبوت شيءٍ بمجرد هذا النقل عن ابن عباس: فهذا لا يكون عند أهل المعرفة بالمنقولات .

" نقض التأسيس " ( 3 / 41 ) .

وقال ابن كثير – رحمه الله - :

هذا الاسناد يَذكر به " السُّدِّي " أشياء كثيرة فيها غرابة ، وكأن كثيرا منها متلقى من الإسرائيليات.

" البداية والنهاية " ( 1 / 19 ) .

وللشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعليق مطول على أسانيد السدي

فانظره في تحقيقه لـ " تفسير الطبري " ( 1 / 156 ) .

وقد علق الشيخ أبو إسحاق الحويني في تحقيقه لـ " تفسير ابن كثير " على إسناد السدي هذا في ( 1 / 488 - 490 ) ، وقال في آخره : " وجملة القول : أن إسناد تفسير السدِّي جيِّد حسَن ".

انتهى

ثالثاً:

إن كان الأخ السائل قد قصد بقوله السابق – وهو الأمر الثاني المحتمل في كلامه - أن الله تعالى خلق الماء قبل خلق السموات والأرض : فقوله صحيح – كما سبق -

لكنه ليس منصوصاً صريحا في القرآن كما ذَكر ، وإنما هو مفهموم من دلالة بعض النصوص كما سبق ، وعلى ذلك يكون ترتيب المذكورات في الخلق : الماء ، العرش ، القلم ، السموات والأرض.

رابعاً:

وأما قول الأخ السائل " ثم خلق الأرض على الماء ، ثم خلق الجبال أوتاداً لحفظ توازنها ، ثم خلق السماء سقفاً محفوظاً من غير عمد ، ثم خلق سبعاً طباقاً " ، فيقال فيه :

" خلق الله الأرض على الماء " : لم يدل عليه دليل صحيح صريح ، لا من القرآن ، ولا من السنَّة ، ومع ذلك فهو قول لبعض السلف من الصحابة والتابعين ، وهو كذلك في التوراة والإنجيل وغيرهما .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - :

وقد جاءت الآثار المتعددة عن الصحابة والتابعين وغيرهم بأن الله سبحانه لما كان عرشه على الماء : خلقَ السماء من بخار الماء ، وأيبس الأرض ، وهكذا في أول التوراة الإخبار بأن الماء كان موجوداً

وأن الريح كانت ترف عليه ، وأن الله خلق من ذلك الماء السماء والأرض ، فهذه الأخبار الثابتة عن نبينا صلى الله عليه وسلم في الكتاب والسنَّة مطابقة لما عند أهل الكتاب من اليهود والنصارى مما في التوراة

وكل ذلك يصدِّق بعضُه بعضاً ، ويخبر أن الله خلق هذا العالم - سمواته وأرضه - في ستة أيام ، ثم استوى على العرش ، وأنه كان قبل ذلك مخلوقات

كالماء ، والعرش ، فليس في أخبار الله تعالى أن السموات والأرض أبدعتا من غير شيء ، ولا أنه لم يكن قبلهما شيء من المخلوقات .

" الصفدية " ( 2 / 82 ، 83 )

وينظر أيضا : " مجموع الفتاوى " ( 6 / 598 )

" تفسير القرطبي " ( 1 / 255 ) .

الثانية : قوله " ثم خلق الجبال أوتاداً ... ثم خلق السماء " : غير صحيح ؛ إذ كان تسوية السموات وقضاؤهن سبعاً بعد دحو الأرض وإرساء الجبال فيها

وفي ذلك يقول تعالى : ( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) البقرة/ 29 .

قال ابن عباس – رضي الله عنه - :

خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاءَ ، ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ فِي يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ ، ثُمَّ دَحَا الأَرْضَ - وَدَحْوُهَا : أَنْ أَخْرَجَ مِنْهَا الْمَاءَ وَالْمَرْعَى -

وَخَلَقَ الْجِبَالَ ، وَالْجِمَالَ ، وَالآكَامَ ، وَمَا بَيْنَهُمَا : فِي يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ ( دَحَاهَا ) وَقَوْلُهُ ( خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ) ، فَجُعِلَتْ الأَرْضُ وَمَا فِيهَا مِنْ شَيْءٍ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ ، وَخُلِقَتْ السَّمَوَاتُ فِي يَوْمَيْنِ .

رواه البخاري معلَّقاً

وانظر " فتح الباري " ( 8 / 556 ) .

الثالثة : قوله " ثم خلق السماء سقفاً محفوظاً من غير عمد ، ثم خلق سبعاً طباقاً "

صوابه أن يقول : " ثم سواهن سبعاً طباقاً " ، فهي كلها سبع سموات وليست السبع غير سماء الدنيا ، قال عز وجل : ( ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) البقرة/ 29 .

خامساً:

أما عن سؤال الأخ السائل كيف أن جبريل عليه السلام يتنقل بين السماء والأرض لتبليغ الوحي من ربه عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم ، مع وجود الشمس والقمر والنجوم :

فهذا يرد في حال كان السؤال عن بشر يريد الصعود إلى السماء وحده بقدراته البشرية ! أما عندما يكون الحديث عن الملائكة المخلوقة من نور ، والمرسلة من رب العالمين

أو عندما يكون الحديث عن محمد رسول الله الذي أرسل الله إليه ليصعد إلى السماء السابعة مع جبريل عليه السلام : فإن الأمر يختلف ؛ لأننا نتحدث الآن عن " قدرة الله تعالى " لا عن " قدرة البشر "

فلا يرد إشكال في صعود ونزول الملائكة إلى السماء ومنها ، ولا يرد إشكال في معراج النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء ، وليس ثمة فتحة خاصة - أو طريق خاص

- للملائكة تصعد إلى السماء منها ، بل إنه في ليلة القدر تتنزل الملائكة وجبريل عليهم السلام من السماء إلى الدنيا حتى إنهم ليغطون بأنوارهم نور الشمس التي تظهر في صبيحتها .

والذي عرفناه من السنَّة الصحيحة هو وسيلة الإسراء من مكة إلى بيت المقدس ، فقد أخبرنا بها نبينا صلى الله عليه وسلم ، فقال :

( ثُمَّ أُتِيتُ بِدَابَّةٍ أَبْيَضَ يُقَالُ لَهُ " الْبُرَاقُ " فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ يَقَعُ خَطْوُهُ عِنْدَ أَقْصَى طَرْفِهِ فَحُمِلْتُ عَلَيْهِ ) .

رواه مسلم ( 164 ) .

وأما المعراج فلم يخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم بتفاصيل وسيلته ، وغاية ما قاله لنا :

( ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا ) .

رواه البخاري ( 342 ) ومسلم ( 163 ) .

إلا أن اللفظ نفسه – أي : " المعراج " - هو اسم آلة ، يعني : السلَّم ، ومن هنا قال طائفة من أهل العلم إن المعراج كان بسلَّم خاص .

وقد جاء في صفاته ما لم نقف على إسناد له ، مثل رواية :

( ثم تقدم قدَّام ذلك إلى موضع فوضع له مرقاة من ذهب ومرقاة من فضة ، وهو المعراج ، حتى عرج جبريلُ والنبي صلى الله عليه و سلم إلى السماء ) .

فهذه رواه الواسطي في " فضائل بيت المقدس " كما في " الدر المنثور " للسيوطي ( 5 / 226 ) من حديث كعب ، ولم يذكر لتلك الرواية إسناد .

وثمة أوصاف أخرى لتلك الآلة تراها في " فتح الباري " ( 7 / 208 ) من روايات لم يذكر إسنادها ، ولم يحكم عليها الحافظ رحمه الله ، وفي جميعها ما يؤكد على أن العروج إلى السماء كان بآلة

وهي السلَّم ، لكن ليس في شيء من ذلك كله ما يحتج به . ثم ليس في شيء من العلم بذلك ما ينفع المرء في شيء من دينه ، أو دنياه

وليس في الجهل به ما يضره في شيء منهما ، وقد نهينا عن تكلف التشقيق والتنقير عما لم يُبَيَّن لنا .

والله أعلم

*عبدالرحمن*
2019-02-09, 14:29
من هو أول المخلوقات

السؤال

كيف يمكن الجمع بين الأحاديث الآتية : ( كان الله ولم يك شيء قبله , وكان عرشه على الماء وكتب بيده كل شيء ثم خلق السموات والأرض )

. وحديث : ( أول ما خلق الله القلم). فظاهر هذه الأحاديث متعارض في أي المخلوقات أسبق في الخلق

, وكذلك ما جاء أن أول المخلوقات هو محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟.

الجواب

الحمد لله

هذه الأحاديث متفقة مؤتلفة وليست بمختلفة ,

فأول ما خلق الله من الأشياء المعلومة لنا هو العرش واستوى عليه بعد خلق السموات ,

كما قال - تعالى : ( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا) هود/7.

وأما بالنسبة للقلم فليس في الحديث دليل على أن القلم أول شيء خلق , بل معنى الحديث أنه في حين خلق القلم أمره الله بالكتابة فكتب مقادير كل شيء .

وأما محمد صلى الله عليه وسلم فهو كغيره من البشر , خلق من ماء أبيه عبد الله بن عبد المطلب ولم يتميز على البشر من حيث الخلقة , كما قال عن نفسه : (إنما أنا بشر أنسى كما تنسون) .

فهو عليه الصلاة والسلام يجزع , ويعطش ويبرد ويصيبه الحر, ويمرض ويموت فكل شيء يعتري البشرية من حيث الطبيعة البشرية فإنه يعتريه , لكنه يتميز بأنه يوحى إليه وأنه أهل للرسالة

كما قال تعالى : ( اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ) الأنعام/124

مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين ج/1 ص 62-63

*عبدالرحمن*
2019-02-09, 14:36
تفسير قوله تعالى : ( وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) .

السؤال

هل صحيح أن النساء تبعث يوم القيامة ذكورا طبقا للآية : ( ولقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة ) ؟

أي إن أول من خلق كان آدم ، وكان ذكرا ، وستأتي النساء يوم القيامة ذكورا طبقا للآية الرجاء التوضيح مع بيان تفسير الاية .

الجواب

الحمد لله

أولا :

قال الله تعالى في كتابه العزيز : (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) الأنعام/ 94 .

فيخبر عز وجل أن الخلق يأتون يوم القيامة فرادى ، واحدا ، واحدا ، حفاة عراة ، غُرْلا غير مختونين ، كما خلقهم الله أول مرة ، فيعرض الواحد منهم على ربه

بلا أهل ولا مال ولا عشيرة تمنعه من العذاب ، وقد ترك ما كان أُعطيه من نعيم الدنيا وخلفه وراء ظهره

من المال والأنعام والأولاد ... إلخ

وجاء وحيدا لا ناصر له ، قد ضل عنه الشركاء والشفعاء الذين كان يعبدهم من دون الله .

قال القرطبي رحمه الله :

" (وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى) أي : جِئْتُمُونَا وَاحِدًا وَاحِدًا، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مُنْفَرِدًا بِلَا أَهْلٍ وَلَا مَالٍ وَلَا وَلَدٍ وَلَا نَاصِرٍ مِمَّنْ كَانَ يُصَاحِبُكُمْ فِي الْغَيِّ ، وَلَمْ يَنْفَعْكُمْ مَا عَبَدْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ .

( كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) أَيْ مُنْفَرِدِينَ كما خلقتم. وقيل: عراة كما خرجتم مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ حُفَاةً غُرْلًا بُهْمًا لَيْسَ معهم شي .

(وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْناكُمْ) أَيْ أَعْطَيْنَاكُمْ وَمَلَّكْنَاكُمْ وَالْخَوْلُ: مَا أَعْطَاهُ اللَّهُ لِلْإِنْسَانِ مِنَ الْعَبِيدِ وَالنَّعَمِ .

(وَراءَ ظُهُورِكُمْ) أَيْ خَلْفَكُمْ.

(وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ) أَيِ الَّذِينَ عَبَدْتُمُوهُمْ وَجَعَلْتُمُوهُمْ شُرَكَاءَ. وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ الْأَصْنَامُ شُرَكَاءُ اللَّهِ وَشُفَعَاؤُنَا عِنْدَهُ.

(لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ) أي: لَقَدْ تَقَطَّعَ الْوَصْلُ بَيْنَكُمْ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى لَقَدْ تَقَطَّعَ الْأَمْرُ بَيْنَكُمْ. وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ.

(وَضَلَّ عَنْكُمْ) أَيْ ذَهَبَ (مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) أَيْ تَكْذِبُونَ بِهِ فِي الدُّنْيَا “.

"تفسير القرطبي" (7/ 42) .

وقال السعدي رحمه الله :

" (ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة) أي: بلا مال، ولا أهل، ولا عشيرة، ما معهم إلا الأعمال، التي عملوها، والمكاسب في الخير والشر، التي كسبوها " .

انتهى من "تفسير السعدي" (ص 479)

وهذه الآية لها نظائر في القرآن الكريم ، كقوله تعالى في سورة الكهف : (وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا) الكهف/ 48 .

وكقوله تعالى : (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ) الأنبياء/ 104

وقد روى البخاري (349) ، ومسلم (2860) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ( إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا، ثُمَّ قَرَأَ: ( كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) .

ثانيا :

وأما قول من يقول : إن النساء يأتين يوم القيامة ذكرانا ، لأن أول ما خلق الله كان آدم ، وهو ذكر

والله يقول : (لَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ): فهو قول غريب لم يقل به أحد من أهل العلم أو الفهم في دين الله ، وإنما هو من تخرصات المتخرصين .

وقد أجمع المسلمون على أن الله تعالى يبعث الخلق جميعا ، فيدخل مؤمنهم الجنة ، ذكرانا وإناثا ، ويدخل كافرهم النار ، ذكرانا وإناثا .

قال تعالى : (وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) التوبة/ 72 .

وقال عز وجل : (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ

وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) الأحزاب/ 35 .

وليس هذا في الجنة فحسب ، كما قد يظن الجاهل ، بل حتى كذلك في موقف الحشر والحساب

قال عز وجل : ( يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ

وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ)الحديد /12-13.

روى البخاري (6527) ، ومسلم (2859) عن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

: ( تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا) قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ؟ فَقَالَ: (الأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَاكِ) .

ولفظ مسلم : (يَا عَائِشَةُ الْأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ) .

فهذا دليل صريح صحيح على أن الناس يبعثون يوم القيامة على حالتهم التي كانوا عليها في الدنيا : ذكرانا وإناثا .
والنصيحة لك الحرص على ما ينفعك من قراء تفسير مختصر للقرآن الكريم

مثل "التفسير الميسر"

أو " مختصر التفسير" الصادر عن مركز تفسير

ثم بعدهما : "تفسر السعدي" .

مع البعد عن تتبع غرائب المسائل ، وشواذ الأقوال فإنها تضيع الأعمار ولا تنفع الإنسان.

يسر الله أمرك ، وأصلح شأنك ، ووفقك لكل خير .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-09, 14:44
تفسير قوله تعالى : ( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ)، والكلام على حقيقة هذه المعية .

السؤال

جاء في تفسير أبي حيان في قوله تعالى:(وهو معكم) :وهذه آية أجمعت الأمة على هذا التأويل فيها، وأنها لا تحمل على ظاهرها من المعية بالذات

وهي حجة على من منع التأويل في غيرها مما يجرى مجراها من استحالة الحمل على ظاهرها ، وقال بعض العلماء: فيمن يمتنع من تأويل ما لا يمكن حمله على ظاهره

وقد تأول هذه الآية ، وتأول الحجر الأسود يمين الله في الأرض، لو اتسع عقله لتأول غير هذا مما هو في معناه.

فهل يمكن حمل النزول الإلهي على ظاهره مع استواء الله عز وجل على العرش ؟

وما الذي جعل ابن عباس رضي الله عنهما يؤول هذه المعية ؟

الجواب

الحمد لله

أولا :

أبو حيان ، هو : محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان ، أثير الدين الأندلسي النحوي (توفي 745ه) .

قال الإمام الحافظ الذهبي ، رحمه الله :

" محمد بن يوسف بن علي بن حيان ، العلامة الأوحد ، أثير الدين أبو حيان ، الأندلسي الجياني الغرناطي ، المقرئ النحوي .

ولد سنة أربع وخمسين [ يعني : وستمائة ] ، وكتب العلم سنة سبعين ، وهلم جرا ...

أخذ بغرناطة عن أبي جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي الحافظ ، والمقرئ أبي جعفر أحمد بن علي ابن الطباع الرعيني وغيرهما ، وقرأ القراءات بالإسكندرية ..

وأخذ علم الحديث عن شيخنا الدمياطي وغيره ، وسمع من عبد العزيز بن الصيقل وغازي الحلاوي وطبقتهما .

ومع براعته الكاملة في العربية : له يد طولى في الفقه والآثار والقراءات ، وله مصنفات في القراءات والنحو ، وهو مفخرة أهل مصر في وقتنا في العلم ، تخرج به عدة أئمة .. " .

انتهى من "معرفة القراء الكبار" للذهبي (2/724) .

وينظر أيضا : "البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع" للشوكاني (2/291) .

وأبو حيان ، وإن كان مقامه في العلم ، وتفننه فيه ما ذكرنا ، إلا أنه كان في أبواب الكلام على طريقة الأشعرية ، ولا سيما في مسائل الأسماء والصفات ، كما غلبت العادة بذلك على كثير من أهل زمانه .

وقد تتبع الشيخ عبد الرحمن المغراوي حفظه الله ، نصوص أبي حيان في مسائل الأسماء والصفات ، ونقل كلامه عليها ، بما يدل بوضوح على نزعته الأشعرية في تقرير مسائل هذا الباب .

ينظر للفائدة: "المفسرون بين التأويل والإثبات" عبد الرحمن المغراوي (3/1087) وما بعدها.

ثانيا :

يطلق بعض العلماء أن ظاهر نصوص الصفات – أو بعضها – غير مراد ، وبعضهم يدعي الإجماع على ذلك ، ثم يستند إلى ذلك الإجماع في نفي الصفات وتأويلها .

وهذه الكلمة (ظاهرها غير مراد) : فيها إجمال ، فتحتاج إلى التفصيل والبيان حتى يتبين المراد منها .

فيقال لقائل ذلك : ماذا تعني بـ (ظاهرها) ؟

هل تعني أن ظاهر قوله تعالى : ( وهو معكم أينما كنتم ) أن ذاته سبحانه وتعالى موجودة مع الخلق في كل مكان ، ويحيط بها المكان كما يحيط بالخلق ؟

فإن قصدت هذا المعنى ، فنحن نوافقك قطعا : أن هذا المعنى غير مراد بهذه الآية ، ولا بغيرها ، وهو ـ أيضا ـ باطل في نفسه !!

ولكننا نخالفك فنقول : إن هذا ليس هو ظاهر النص ، ولا تدل الآية الكريمة بظاهرها على هذا المعنى الفاسد الذي تطرق إلى ذهنك ، فإن القرآن نزل باللغة العربية ، واللغة العربية لا تدل على ذلك كما سيأتي .

أما إن قصدت أن الآية تثبت بظاهرها معية لله تعالى لخلقه ، خاصةً بالله ، لا تشبه معية المخلوقين بعضهم مع بعض ، وهو سبحانه وتعالى مستوٍ على عرشه

عالٍ على خلقه ، غير مختلط بهم . ومن لوازم هذه المعية : أن يكون الله مطلعا عليهم ، عالما بهم ، سميعا بصيرا إن قصدت هذا المعنى فنحن نؤمن به

ونقول : إن هذا هو ظاهر الآية الكريمة ، ولم ينعقد إجماع على خلاف هذا المعنى ، بل إجماع أهل السنة على إثباته ، والإيمان به .

ولا شك أن الغلط في فهم دلالات النصوص ، ولوازم هذه الدلالات ، أو اعتقاد ما ليس لازما ، لازما ؛ كان من أكبر الدوافع إلى التأويل الباطل الذي صرف النصوص الشرعية عن دلالتها الظاهرة

بمقتضى اللغة ؛ حيث ظنوا أن ما تدل عليه النصوص بظاهرها لا يليق بالله تعالى

فوجدوا أنفسهم مضطرين إلى التأويل ، مع أن ظاهرها ، الذي هو ظاهرها على الحقيقة : لا محذور فيه

ولا يلزم عنه محذور ولا نقص في حق الله جل جلاله ، وتعالى أن يخاطب عباده بغير ما يدل على كماله ، وجماله ، وجلاله ، سبحانه : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

"وَقَدْ نَقَلَ طَائِفَةٌ من المتأخرين أَنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ أَنَّ الظَّاهِرَ غَيْرُ مُرَادٍ ...

وَالظَّاهِر لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ؛ فَالظَّاهِرُ الَّذِي لَا يَلِيقُ إلَّا بِالْمَخْلُوقِ غَيْرُ مُرَادٍ ، وَأَمَّا الظَّاهِرُ اللَّائِقُ بِجَلَالِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَظَمَتِهِ فَهُوَ مُرَادٌ" .

انتهى من "مجموع الفتاوى" (3/207)

وانظر (ص 43 وما بعدها) من المجلد نفسه ففيها بيان ذلك بالتفصيل .

ثالثا :

قوله تعالى : (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) الحديد/ 4 ، وقوله : (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا) المجادلة/ 7 .

نقل ابن عبد البر رحمه الله إجماع الصحابة والتابعين على أنهم قالوا في معناها : (هو على العرش ، وعلمه في كل مكان) . "

التمهيد " (7/138)

انظر : " مجموع الفتاوى " (3/236) ، (5/495) .

وقال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء :

" قوله تعالى: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) معناه عند أهل السنة والجماعة : أنه معهم بعلمه واطلاعه على أحوالهم "

انتهى من "فتاوى اللجنة الدائمة" (3/ 218) .

وانظر : " تفسير ابن كثير" (4/ 615)

"تفسير السعدي" (ص 838) .

وهذا ليس تأويلا للآية ، بما يطلق عليه التأويل عند المتأخرين ، من أنه صرف اللفظ عن ظاهره ، لدليل اقتضى ذلك ؛ بل هو بيان لمعناها الذي دلت عليه .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

"فَافْتَتَحَ الْكَلَامَ بِالْعِلْمِ وَخَتَمَهُ بِالْعِلْمِ؛ وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكُ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ: هُوَ مَعَهُمْ بِعِلْمِهِ "

انتهى من " مجموع الفتاوى " (11/249) .

وقال أيضا :

" لَيْسَ مَعْنَى قَوْلِهِ: وَهُوَ مَعَكُمْ أَنَّهُ مُخْتَلِطٌ بِالْخَلْقِ، فَإِنَّ هَذَا لَا تُوجِبُهُ اللُّغَةُ

وَهُوَ خِلَافُ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ ، وَخِلَافُ مَا فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْخَلْقَ ؛ بَلْ الْقَمَرُ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مِنْ أَصْغَرِ مَخْلُوقَاتِهِ : هُوَ مَوْضُوعٌ فِي السَّمَاءِ ؛ وَهُوَ مَعَ الْمُسَافِرِ وَغَيْرِ الْمُسَافِرِ أَيْنَمَا كَانَ .

وَهُوَ سُبْحَانَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ ، رَقِيبٌ عَلَى خَلْقِهِ ، مُهَيْمِنٌ عَلَيْهِمْ ، مُطَّلِعٌ إلَيْهِمْ ، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَعَانِي رُبُوبِيَّتِهِ.

وَكُلُّ هَذَا الْكَلَامِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ - مِنْ أَنَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ وَأَنَّهُ مَعَنَا - حَقٌّ عَلَى حَقِيقَتِهِ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَحْرِيفٍ وَلَكِنْ يُصَانُ عَنْ الظُّنُونِ الكاذبة "

انتهى من "مجموع الفتاوى" (3/ 142) .

ويعني بالظنون الكاذبة ؛ أن يظن أحد أن ظاهر النص يدل على تمثيل صفات الله بالخلق ، أو أن ظاهرها يثبت نقصا لله تعالى ... ونحو ذلك .

وهذه الظنون الكاذبة الخاطئة هي التي وقع بسببها من وقع في التأويل .

*عبدالرحمن*
2019-02-09, 14:45
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :

" لا ريب أن السلف فسروا معية الله تعالى لخلقه في الآيتين بالعلم، وحكى بعض أهل العلم إجماع السلف عليه، وهم بذلك لم يؤولوها تأويل أهل التعطيل، ولم يصرفوا الكلام عن ظاهره، وذلك من وجوه ثلاثة:

الأول: أن الله تعالى ذكرها [يعني : المعية] في سورة المجادلة بين عِلْمين

فقال في أول الآية: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) ، وقال في آخرها: (إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) ؛ فدل ذلك على أن المراد أنه يعلمهم ولا يخفى عليه شيء من أحوالهم.

الثاني: أن الله تعالى ذكرها في سورة الحديد مقرونة باستوائه على عرشه الذي هو أعلى المخلوقات

فقال: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ) إلى قوله: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) ؛ فدل على أن المراد معية الإحاطة بهم

علما وبصرا، لا أنه معهم بذاته في كل مكان، وإلا لكان أول الآية وآخرها متناقضا.

الثالث: أن العلم من لوازم المعية، ولازم اللفظ من معناه ، فإن دلالة اللفظ على معناه من وجوه ثلاثة: دلالة مطابقة، ودلالة تضمن، ودلالة التزام

ولهذا يمكن أن نقول: هو سبحانه معنا بالعلم، والسمع، والبصر، والتدبير والسلطان وغير ذلك من معاني ربوبيته

كما قال تعالى لموسى وهارون: (إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) ، وقال هنا في سورة الحديد: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) .

فإذا كان العلم من لوازم المعية : صح أن نفسرها به ، وبغيره من اللوازم التي لا تنافي ما ثبت لله تعالى من صفات الكمال، ولا يعد ذلك خروجا بالكلام عن ظاهره" .

انتهى من "مجموع فتاوى ورسائل العثيمين" (1/ 247-250) .

وقال الشيخ ابن عثيمين أيضا :

" المعية لا تقتضي الحلول والاختلاط، بل هي في كل موضع بحسبه، ولهذا يقال: سقاني لبنا معه ماء. ويقال: صليت مع الجماعة. ويقال: فلان معه زوجته.

ففي المثال الأول: اقتضت المزج والاختلاط، وفي الثاني اقتضت المشاركة في المكان والعمل بدون اختلاط، وفي الثالث اقتضت المصاحبة ، وإن لم يكن اشتراك في مكان أو عمل .

وإذا تبين أن معنى المعية يختلف بحسب ما تضاف إليه، فإن معية الله تعالى لخلقه تختلف عن معية المخلوقين لمثلهم ، ولا يمكن أن تقتضي المزج والاختلاط أو المشاركة في المكان

لأن ذلك ممتنع على الله عز وجل لثبوت مباينته لخلقه وعلوه عليهم .

وعلى هذا يكون معنا، وهو على العرش فوق السماوات ، لأنه محيط بنا علما، وقدرة ، وسلطانا، وسمعا، وبصرا، وتدبيرا، وغير ذلك مما تقتضيه ربوبيته .

فإذا فسرها مفسر بالعلم : لم يخرج بها عن مقتضاها، ولم يكن متأولا ، إلا عند من يفهم من المعية المشاركة في المكان أو المزج والاختلاط على كل حال ؛ وقد سبق أن هذا ليس بمتعين في كل حال"

انتهى من "مجموع فتاوى ورسائل العثيمين" (1/ 118) .

وبهذا يتبين أن السلف لم يتأولوا الآية على خلاف ظاهرها ، وأن عبد الله بن عباس حين فسرها بقوله : (هو على العرش وعلمه معهم ) لم يكن ذلك تأويلا ، بما يفهمه المتأخرون من لفظ التأويل .

وينظر : " مجموع الفتاوى " (5/495) .

وبهذا - أيضا - يتبين : أنه لا حجة للمؤولة في هذه الآية ، وتفسير السلف لها ، على مذهبهم في الصفات ، ولا على لزوم تعطيل شيء من دلالات النصوص على هذا الباب .

وينظر للفائدة : جواب السؤالين القادمين

رابعا :

استواء الله تعالى على عرشه فوق سمواته ، لا ينافي نزوله سبحانه كل ليلة إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير ، لأن الله تعالى أثبت الصفتين معا ، فلا يمكن أن يكون بينهما منافاة

وصفات الله تعالى لا تماثل صفات المخلوقين .

قال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء :

" لا تعارض بين نزوله تعالى إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من كل ليلة مع اختلاف الأقطار، وبين استوائه عز وجل على العرش؛ لأنه سبحانه لا يشبه خلقه في شيء من صفاته، ففي الإمكان أن ينزل كما يشاء

نزولا يليق بجلاله ، في ثلث الليل الأخير بالنسبة إلى كل قطر، ولا ينافي ذلك علوه واستواءه على العرش؛ لأننا في ذلك لا نعلم كيفية النزول ولا كيفية الاستواء

بل ذلك مختص به سبحانه، بخلاف المخلوق فإنه يستحيل في حقه أن ينزل في مكان ويوجد بمكان آخر في تلك اللحظة كما هو معلوم، إلا الله عز وجل فهو على كل شي

قدير، ولا يقاس ولا يمثل بهم؛ لقوله عز وجل: (فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ)

وقوله سبحانه : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) ، ومما ذكرناه يتضح لك أنه لا تعارض بين نزوله واستوائه ، وأن اختلاف الأقطار لا يؤثر في ذلك "

انتهى من "فتاوى اللجنة الدائمة" (3/ 186) .

وقال الشيخ ابن باز رحمه الله :

" نزول الرب جل وعلا لا يشابه نزول المخلوقين، بل هو نزول يليق بالله سبحانه وتعالى، لا يعلم كيفيته إلا هو جل وعلا، ولا يلزم منه خلو العرش، هو فوق العرش سبحانه وتعالى

فوق جميع الخلق، وينزل نزولا يليق بجلاله، لا ينافي فوقيته وعلوه سبحانه وتعالى

فهو نزول يليق به جل وعلا، وهو الذي يعلم بكيفيته سبحانه وتعالى، فعلينا أن نؤمن بذلك، ونصدق بذلك، ونقول: لا يعلم كيفية هذا إلا هو سبحانه وتعالى " .

انتهى من"فتاوى نور على الدرب" (10/ 131) .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-09, 14:47
كيف نفهم النزول الإلهي والليل مختلف في البلدان

السؤال

ورد في الحديث : ( ينزل الله سبحانه وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل ) الحديث ، متى يبدأ الثلث الأخير ومتى ينتهي ، وكيف يكون النزول الإلهي في البلدان المختلفة ؟.

الجواب

الحمد لله

قد تواترت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بإثبات النزول وهو قوله صلى الله عليه وسلم :

( ينزل ربنا إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له .. ) .

وقد أجمع أهل السنة والجماعة على إثبات صفة النزول على الوجه الذي يليق بالله سبحانه لا يشابه خلقه في شيء من صفاته كما قال سبحانه : ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ، اللَّهُ الصَّمَدُ

لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ) وقال عز وجل : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ )

فالواجب عند أهل السنة والجماعة إمرار آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت من غير تحريف ولا تعطيل

ولا تكييف ولا تمثيل مع الإيمان بها واعتقاد أن ما دلت عليه حق ليس في شيء منها تشبيه لله بخلقه ولا تكييف لصفته بل القول عندهم في الصفات كالقول في الذات

فيما يثبت أهل السنة والجماعة ذاته سبحانه بلا كيف ولا تمثيل فهكذا صفاته يجب إثباتها بلا كيف ولا تمثيل

والنزول في كل بلاد بحسبها لأن نزول الله سبحانه لا يشبه نزول خلقه وهو سبحانه يوصف بالنزول في الثلث الأخير من الليل في جميع أنحاء العالم على الوجه الذي يليق بجلاله سبحانه

ولا يعلم كيفية نزوله إلا هو كما لا يعلم كيفية ذاته إلا هو عز وجل : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) وقال عز وجل : ( فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) .

وأول الثلث وآخره يعرف في كل زمان بحسبه فإذا كان الليل تسع ساعات كان أول وقت النزول أول الساعة السابعة إلى طلوع الفجر

وإذا كان الليل اثنتي عشرة ساعة كان أول الثلث الأخير أول الساعة التاسعة إلى طلوع الفجر وهكذا بحسب طول الليل وقصره في كل مكان . والله ولي التوفيق .

كتاب مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز يرحمه الله ، م/4 ، ص/420

*عبدالرحمن*
2019-02-09, 14:50
هل وقت النّزول الإلهي هو السدس الخامس من الليل ، أو ثلث الليل الأخير كله؟

السؤال

اطّلعت على الفتاوي أرقام: 34810 و 22438 وفهمت أن ثلث الليل الأخير هو وقت السّحر هو وقت النّزول الإلهي وقد ورد بالتّحديد في الفتوى رقم 34810:

"وأول الثلث وآخره يعرف في كل زمان بحسبه فإذا كان الليل تسع ساعات كان أول وقت النزول أول الساعة السابعة إلى طلوع الفجر". وهذا ينطبق علينا تماماً حيث أن آذان المغرب عند السّاعة الثّامنة وآذان الفجر عند السّاعة الخامسة

أي أن طول الليل 9 ساعات فيكون وقت النّزول ابتداءً من السّاعة الثّانية وحتى السّاعة الخامسة حسب الفتوى رقم 34810. ولكني قرأت في الفتوى رقم 132950 أن وقت جوف الليل الآخر

هو وقت النّزول وهو السّدس الخامس من أسداس الليل: (قال الحافظ ابن رجب : " جوف الليل إذا أُطلق فالمراد به : وسطه ، وإن قيل : جوف الليل الآخر

فالمراد به وسط النصف الثاني ، وهو السدس الخامس من أسداس الليل ، وهو الوقت الذي ورد فيه النزول الإلهي " انتهى "جامع العلوم والحكم" صـ 273) .

فيكون وقت النّزول في مدينتنا حسب الفتوى السّابقة ابتداءً من السّاعة الثّانية وحتى السّاعة الثّالثة والنّصف (السّدس الخامس من أسداس الليل). فمتى وقت النّزول الإلهي :

هل هو وقت جوف الليل الآخر ، أم ثلث الليل الأخير كله ؟

الجواب

الحمد لله

روى البخاري (1145) ومسلم (758) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

( يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ يَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ ) .

وقد تظاهرت الروايات على تحديد وقت النزول الإلهي إلى السماء الدنيا بـ "ثلث الليل الآخر"

كالذي ورد هنا في حديث أبي هريرة رضي الله عنه . قال الإمام الترمذي رحمه الله : " وهو أصح الروايات" . "سنن الترمذي" (2/309) .

ولا يمنع ذلك أن يقال : إن السدس الخامس من أسداس الليل هو وقت النزول الإلهي

فإن الثلث الأخير هو عبارة عن السدسين : الخامس والسادس ، وأول هذا الثلث هو السدس الخامس ؛ فلذلك يصح أن يقال : إن وقت النزول هو الثلث الأخير ، وهو أيضا : السدس الخامس .

فإذا عرفنا أن بعض الروايات صرحت بامتداد ذلك النزول إلى الفجر ؛ كما في رواية لمسلم (758)

: ( فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُضِيءَ الْفَجْرُ ) ؛ ازداد الأمر وضوحا ، وعرفنا أن النزول يبدأ في الثلث الآخر من الليل ، وهو أيضا : السدس الخامس ، ليشمل السدس السادس ـ أيضا ـ بعده .

على أنه قد يقال : إنه إذا كان لهذا السدس الخامس خصوصية ؛ فلعله أن يكون أرجى أوقات الإجابة في الليل ، كما في الحديث عن أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه قَالَ

: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ ؟

قَالَ : ( جَوْفَ اللَّيْلِ الْآخِرِ ، وَدُبُرَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ ) رواه الترمذي (3499) وحسنه الألباني .

هذا مع أن غير واحد من أهل العلم يعبرون عن جوف الليل الآخر بأنه الثلث الآخر ، وأنه ـ أيضا ـ السدس الخامس ، لما قد ذكرناه فيما سبق من أن السدس الخامس هو أول ذلك الثلث.

قال الخطابي رحمه الله :

" قوله ( أي الساعات أسمع ) ، يريد : أيها أوقع للسمع ، والمعنى أيها أولى بالدعاء ، وأرجى للاستجابة ؟

وهذا كقول ضماد الأزدي ، حين عرض عليه رسول الله الإسلام ، قال : فسمعت كلاما لم أسمع قولا قط أسمع منه ؛ يريد أبلغ منه ولا أنجع في القلب .

وجوف الليل الآخر : إنما هو الجزء الخامس من أسداس الليل ، وهذا موافق للحديث الذي يروى أن الله يمهل حتى يبقى الثلث الآخر من الليل فينزل إلى السماء الدنيا فيقول هل من سائل فيعطى هل من تائب فيغفر له "

انتهى . "غريب الحديث"، للخطابي (1/134) .

وقال ابن الأثير رحمه الله :

" وفيه : ( قِيل له : أيُّ اللَّيل أسْمَعُ ؟ قال : جَوْف الليل الآخِرُ ) ، أي : ثُلثُه الآخِرُ ، وهو الجُزء الخامِس من أسداس الليل " انتهى . "النهاية" (1/841) .

وقال المرتضى الزبيدي رحمه الله :

" وجَوْفُ اللَّيْلِ : الآخِرُ في الحَدِيثِ وهو قَوْلُهُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَمَّا سُئِلَ : أَي اللَّيْلِ أَسْمَعُ ؟ قال : ( جَوْفُ اللَّيْلِ الآخِرِ ) أَي : ثُلُثُةُ الآخِرُ ، وهو الجُزْءُ الْخَامِسُ مِن أَسْدَاسِ اللَّيْلِ ؛ أَي لا نِصْفُه كما زَعَمَهُ بَعْضُهم "

انتهى . "تاج العروس" (23/108) .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-09, 15:00
لماذا قرئت ( رُبَما ) في قول الله عز وجل : ( رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ) بالتخفيف ؟

السؤال

في سورة الحجر، الآية "رُبَما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين" كلمة "ربما" لماذا ذكرت بتخفيف الباء وليس بالتشديد ؟

الجواب

الحمد لله

أولا :

قال الله عز وجل : ( رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ) الحجر/ 2 .

قال ابن كثير رحمه الله :

" هذا إِخْبَارٌ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ سَيَنْدَمُونَ عَلَى مَا كَانُوا فِيهِ مِنَ الْكُفْرِ، وَيَتَمَنَّوْنَ لَوْ كَانُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ فِي الدَّارِ الدُّنْيَا.

نَقَلَ السُّدِّيّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَغَيْرِهِمَا مِنَ الصَّحَابَةِ: أَنَّ الْكُفَّارَ لَمَّا عُرضوا عَلَى النَّارِ، تَمَنَّوْا أَنْ لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ.

وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ كَافِرٍ يَوَدُّ عِنْدَ احْتِضَارِهِ أَنْ لَوْ كَانَ مُؤْمِنًا.

وَقِيلَ: هَذَا إِخْبَارٌ عَنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فعن ابْن عَبَّاسٍ وَأَنَس بْنَ مَالِكٍ قالا:

" يَوْمَ يَحْبِسُ اللَّهُ أَهْلَ الْخَطَايَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ فِي النَّارِ، فَيَقُولُ لَهُمُ الْمُشْرِكُونَ:

مَا أَغْنَى عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ فِي الدُّنْيَا. قَالَ: فَيَغْضَبُ اللَّهُ لَهُمْ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ، فَيُخْرِجُهُمْ، فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ: (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ) " .

وَهَكَذَا رُوِيَ عَنِ الضَّحَّاكِ، وَقَتَادَةَ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وَغَيْرِهِمْ " .

انتهى باختصار من "تفسير ابن كثير" (4/ 524) .

ثانيا :

قَرَأَ نَافِعٌ وَعَاصِمٌ ( رُبَمَا ) مُخَفَّفَ الْبَاءِ ، والْبَاقُونَ بالتشديد.

انظر: "حجة القراءات" (ص: 380)، "تفسير القرطبي" (10/ 1) .

وهاتان لغتان في " رب " ، تكلم بهما العرب جميعا ، وجاء بهما القرآن ، والقراءتان سبعيتان متواترتان ، وهذا من التوسع في لسان العرب الذي نزل به القرآن الكريم .

والذي عليه كثير من النحاة : أن " رب " تجيء للتقليل ، والتكثير أيضا ، مخففة أو مشددة .

قال القرطبي رحمه الله :

" وَهُمَا لُغَتَانِ. قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: أَهْلُ الْحِجَازِ يُخَفِّفُونَ رُبَمَا، وَتَمِيمٌ وَقَيْسٌ وَرَبِيعَةُ يُثَقِّلُونَهَا. وَحُكِيَ فِيهَا: رَبَّمَا وَرَبَمَا، وَرُبَتَمَا وَرُبَّتَمَا، بِتَخْفِيفِ الْبَاءِ وَتَشْدِيدِهَا. وَأَصْلُهَا أَنْ تُسْتَعْمَلَ فِي الْقَلِيلِ

وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ فِي الْكَثِيرِ، أَيْ يَوَدُّ الْكُفَّارُ فِي أَوْقَاتٍ كَثِيرَةٍ لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ، قَالَهُ الْكُوفِيُّونَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هي للتقليل في هذا الْمَوْضِعِ ، لِأَنَّهُمْ قَالُوا ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ ، لَا فِي كُلِّهَا، لِشُغْلِهِمْ بِالْعَذَابِ " .

انتهى من "تفسير القرطبي" (10/ 1) .

وقال البطليوسي رحمه الله في "الإنصاف" (ص106)

: " تأتي رب بمعنى التكثير في مواضع الافتخار، والوجه في ذلك أن المفتخر يريد أن الأمر الذي يقل وجوده من غيره ، يكثر وجوده منه

فيستعير لفظ التقليل في موضع لفظ التكثير، إشارة الى هذا المعنى وليكون أبلغ في الافتخار " انتهى .

والله تعالى أعلم .

و اخيرا

الحمد لله الذي بفضلة تتم الصالحات

اخوة الاسلام

اكتفي بهذا القدر و لنا عوده
ان قدر الله لنا البقاء و اللقاء

و اسال الله ان يجمعني بكم دائما
علي خير

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين

*عبدالرحمن*
2019-02-10, 13:30
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)
اخوة الاسلام

أحييكم بتحية الإسلام
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)


تفسير قوله تعالى عن الأمانة : ( وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ) .

السؤال

ما معنى الآية في سورة الأحزاب : ( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً ) ؟

وهل صحيح أننا خيرنا بين خلافة الأرض وحرية الاختيار وعليه لم نوفق لاختيار الأنسب لنا ؟

وهل صحيح أن الأمانة عرضت علينا قبل أن نوجد ثم بعد أن أتينا إلى الوجود محي ذلك من ذاكرتنا ؟

هل يعني ذلك أنني سئلت ذلك وأجبت بنعم قبل أن أوجد في هذه الحياة ؟

الجواب

الحمد لله

أولا :

قال الله عز وجل : ( إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ) الأحزاب / 72 .

فعرض الله تعالى طاعته وفرائضه وحدوده على السموات والأرض والجبال ، على أنها إن أحسنت أثيبت وجوزيت

وإن ضيعت عوقبت ، فأبت حملها إشفاقًا منها أن لا تقوم بالواجب عليها ، وحملها الإنسان ، إنه كان ظلوما جهولا .

قال الواحدي :

" والأمانة في هذه الآية في قول جميعهم: الطاعة والفرائض التي يتعلق بأدائها الثواب وبتضييعها العقاب .."

انتهى من "التفسير البسيط" (18/302) .

وقال السعدي في تفسيره ( ص 674) :

" يعظم تعالى شأن الأمانة ، التي ائتمن الله عليها المكلفين ، التي هي امتثال الأوامر، واجتناب المحارم، في حال السر والخفية ، كحال العلانية ، وأنه تعالى عرضها على المخلوقات العظيمة

السماوات والأرض والجبال ، عرض تخيير لا تحتيم ، وأنك إن قمت بها وأدَّيتِهَا على وجهها، فلك الثواب، وإن لم تقومي بها، ولم تؤديها فعليك العقاب.

فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا أي: خوفًا أن لا يقمن بما حُمِّلْنَ، لا عصيانًا لربهن ، ولا زهدًا في ثوابه

وعرضها الله على الإنسان، على ذلك الشرط المذكور، فقبلها، وحملها مع ظلمه وجهله، وحمل هذا الحمل الثقيل. فانقسم الناس -بحسب قيامهم بها وعدمه- إلى ثلاثة أقسام:

منافقون ، أظهروا أنهم قاموا بها ظاهرًا لا باطنًا، ومشركون ، تركوها ظاهرًا وباطنًا، ومؤمنون، قائمون بها ظاهرًا وباطنًا.

فذكر الله تعالى أعمال هؤلاء الأقسام الثلاثة ، وما لهم من الثواب والعقاب فقال: لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا .

فله الحمد تعالى ، حيث ختم هذه الآية بهذين الاسمين الكريمين، الدالين على تمام مغفرة الله، وسعة رحمته، وعموم جوده، مع أن المحكوم عليهم، كثير منهم، لم يستحق المغفرة والرحمة، لنفاقه وشركه" انتهى .

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :

" المراد بالأمانة هنا: كل ما كلف به الإنسان من العبادات والمعاملات فإنها أمانة، لأنه مؤتمن عليها وواجب عليه أداؤها، فالصلاة من الأمانة ، والزكاة من الأمانة، والصيام من الأمانة

والحج من الأمانة، والجهاد من الأمانة ، وبر الوالدين من الأمانة، والوفاء بالعقود من الأمانة ، وهكذا جميع ما كلف به الإنسان فهو داخل في الأمانة " انتهى من "فتاوى نور على الدرب" (5/ 2) بترقيم الشاملة
.
انظر جواب السؤال القادم

ثانيا :

قوله تعالى : ( وحملها الإنسان ) المقصود بالإنسان: آدم عليه السلام

فقد روى الطبري في تفسيره (19/ 197) بسند صحيح عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ) قَالَ:

" عُرِضَتْ عَلَى آدَمَ، فَقَالَ: خُذْهَا بِمَا فِيهَا، فَإِنْ أَطَعْتَ غَفَرْتُ لَكَ، وَإِنْ عَصِيتَ عَذَّبْتُكَ، قَالَ: قَدْ قَبِلْتُ، فَمَا كَانَ إِلَّا قَدْرَ مَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ حَتَّى أَصَابَ الْخَطِيئَةَ " .

وكذا قال الضحاك بن مزاحم وجويبر وابن زيد وغيرهم .

انظر : "تفسير الطبري" (19/196-200)

"تفسير ابن كثير" (6/488)

"تفسير القرطبي" (14/257) .

فليس معنى الآية أن الله تعالى عرض علينا الأمانة قبل أن نوجد ونخلق ، ونحن في علم الغيب ، فاخترنا تحملها ، ثم لما خلقنا نسينا هذا التخيير ، الذي لم نوفق فيه ، فهذا غير صحيح ، لعدة أوجه :

أولا :

أنه قول لا دليل عليه ، بل الدليل على خلافه .

ثانيا :

المراد بالإنسان في الآية هو آدم أبو البشر عليه السلام كما تقدم عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره من السلف ، فليس كل الناس خيروا فاختاروا أجمعون تحملها ، وإنما اختار تحملها أبوهم ، وكانوا له في ذلك تبعا .

ثالثا :

هذا الاختيار الحاصل هو في الحقيقة تشريف من الله تعالى ، وتوفيق منه لآدم عليه السلام وذريته

لأن تحمل الأمانة والقيام بأعمال العبودية لله ، من صلاة وصيام وزكاة وذكر وبر وحسن خلق وغير ذلك : هو من باب الكرامة والتشريف والتوفيق ، وليس بسبب عدم التوفيق في الاختيار .

وقد قيل : إن الإنسان لم يخير ، وإنما أخبر الله تعالى أنه حملها ، ولم يخبر أنه خيره ، فحمّله الله إياها إكراما له وتشريفا، لكنه قصّر في تحملها، قال القرطبي رحمه الله :

" هَذَا الْعَرْضُ على السموات والأرض والجِبال عَرْضُ تَخْيِيرٍ لَا إِلْزَامٍ. وَالْعَرْضُ عَلَى الْإِنْسَانِ إِلْزَامٌ "

انتهى من " تفسير القرطبي " (14/ 255) .

وقال ابن عاشور رحمه الله :

" وجُمْلَةُ : ( إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ) ... ليست تَعْلِيلِيَّةً ؛ لأن تَحَمُّلَ الْأَمَانَةِ لَمْ يَكُنْ بِاخْتِيَارِ الْإِنْسَانِ ، فَكَيْفَ يُعَلَّلُ بِأَنَّ حَمْلَهُ الْأَمَانَةَ مِنْ أَجْلِ ظُلْمِهِ وَجَهْلِهِ.

فَمَعْنَى (كانَ ظَلُوماً جَهُولًا) أَنَّهُ قَصَّرَ فِي الْوَفَاءِ بِحَقِّ مَا تَحَمَّلَهُ تقصيرا: بعضه عَن عَمْدٍ ، وَهُوَ الْمعبر عَنهُ بِوَصْفِ ظَلُومٍ، وَبَعْضُهُ عَنْ تَفْرِيطٍ فِي الْأَخْذِ بِأَسْبَابِ الْوَفَاءِ ، وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِكَوْنِهِ جَهُولًا

فَظَلُومٌ مُبَالَغَةٌ فِي الظُّلْمِ وَكَذَلِكَ جَهُولٌ مُبَالَغَةٌ فِي الْجَهْلِ.

وَالظُّلْمُ: الِاعْتِدَاءُ عَلَى حَقِّ الْغَيْرِ وَأُرِيدُ بِهِ هُنَا الِاعْتِدَاءُ عَلَى حَقِّ اللَّهِ الْمُلْتَزَمِ لَهُ بِتَحَمُّلِ الْأَمَانَةِ، وَهُوَ حَقُّ الْوَفَاءِ بِالْأَمَانَةِ.
وَالْجَهْلُ: انْتِفَاءُ الْعِلْمِ بِمَا يَتَعَيَّنُ عِلْمُهُ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا انْتِفَاءُ

عِلْمِ الْإِنْسَانِ بِمَوَاقِعِ الصَّوَابِ فِيمَا تَحَمَّلَ بِهِ، فَقَوْلُهُ: (إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا) : مُؤْذِنٌ بِكَلَامٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ هُوَ عَلَيْهِ

إِذِ التَّقْدِيرُ: وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ فَلَمْ يَفِ بِهَا إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا، وَلَوْلَا هَذَا التَّقْدِيرُ لَمْ يَلْتَئِمِ الْكَلَامُ ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَمْ يُحَمَّلِ الْأَمَانَةَ بِاخْتِيَارِهِ ، بَلْ فُطِرَ عَلَى تَحَمُّلِهَا.

وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ ظَلُوماً جَهُولًا فِي فِطْرَتِهِ ، أَيْ فِي طَبْعِ الظُّلْمِ، وَالْجَهْلِ ؛ فَهُوَ مُعَرَّضٌ لَهُمَا ، مَا لَمْ يَعْصِمْهُ وَازِعُ الدِّينِ، فَكَانَ مِنْ ظُلْمِهِ وَجَهْلِهِ أَنْ أَضَاعَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ الْأَمَانَةَ الَّتِي حَمَلَهَا "

انتهى من "التحرير والتنوير" (22/ 129) .

فليس المعنى أنه ظلوم جهول لأنه اختار تحمل الأمانة، بل لأنه لم يف بها .

وبكل حال :

فهذا تحمل تشريف وتوفيق وكرامة ، وليس هو من عدم التوفيق والخذلان ، ولكن من تحمل الأمانة فأداها فقد وفق حقا ورزق خيري الدنيا والآخرة ، ومن تحملها فلم يؤدها : فهذا هو المخذول غير الموفق .

فعدم التوفيق في عدم أداء الأمانة ، لا في تحملها .

والتوفيق كل التوفيق في تحملها وأدائها .

قال تعالى : (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) النحل/ 97 .

قال ابن كثير رحمه الله :

" هذا وعد من الله تعالى لمن عمل صالحا - وهو العمل المتابع لكتاب الله تعالى وسنة نبيه من ذكر أو أنثى من بني آدم ، وقلبه مؤمن بالله ورسوله

وإن هذا العمل المأمور به مشروع من عند الله - بأن يحييه الله حياة طيبة في الدنيا وأن يجزيه بأحسن ما عمله في الدار الآخرة ، والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت"

انتهى من "تفسير ابن كثير" (4 /601) .

فالخلاصة :

أن تحمل الأمانة تحمل تشريف وتوفيق ، وإنما الخذلان في عدم أدائها ، لا في تحملها .

والذي عرضت عليه فقبلها وتحملها هو آدم عليه السلام ، ثم تحملتها ذريته من بعده. والقول بأن الله تعالى أوجد الخلق كلهم في عالم الغيب قبل أن يخلقهم ، فعرض عليهم الأمانة

فقبلوا تحملها جميعا ، ثم لما أوجدهم نسوا هذا العرض وهذا التحمل : قول غير صحيح ، ولا دليل عليه .

والله تعالى أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-10, 13:34
ما المقصود بالأمانة في قول الله تعالى : (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ)؟

السؤال

ما هي الأمانة التي عرضها الله سبحانه وتعالي علي السماوات والأرض فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا .

الجواب

الحمد لله

عرض الله تعالى طاعته وفرائضه وحدوده على السموات والأرض والجبال على أنها إن أحسنت أثيبت وجوزيت

وإن ضيعت عوقبت ، فأبت حملها إشفاقًا منها أن لا تقوم بالواجب عليها ، وحملها الإنسان ، إنه كان ظلوما جهولا .

هذا هو تفسير قول الله عز وجل : ( إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ) الأحزاب / 72 .

وتفسير الأمانة بالتكاليف الشرعية هو قول ابن عباس والحسن البصري ومجاهد وسعيد بن جبير والضحاك بن مزاحم وابن زيد وأكثر المفسرين .

راجع : "تفسير الطبري" (20 /336- 340)

"تفسير ابن كثير" (6 / 488-489)

"الجامع لأحكام القرآن" (14 /252- 253)

"فتح القدير" (4/437) .

قال قتادة : الأمانة : الدين والفرائض والحدود .

وقيل : بل عنى بالأمانة في هذا الموضع : أمانات الناس .

وقال بعضهم : الغسل من الجنابة .

وقال زيد بن أسلم : الأمانة ثلاثة : الصلاة ، والصوم ، والاغتسال من الجنابة .

قال ابن كثير رحمه الله :

" وكل هذه الأقوال لا تنافي بينها ، بل هي متفقة وراجعة إلى أنها التكليف

وقبول الأوامر والنواهي بشرطها ، وهو أنه إن قام بذلك أثيب ، وإن تركها عُوقِبَ ، فقبلها الإنسان على ضعفه وجهله وظلمه ، إلا مَنْ وفق اللَّهُ " انتهى .

"تفسير ابن كثير" (6 / 489) .

وقال الطبري رحمه الله :

" وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ما قاله الذين قالوا: إنه عُنِي بالأمانة في هذا الموضع: جميع معاني الأمانات في الدين وأمانات الناس وذلك أن الله لم يخص بقوله : (عَرَضْنَا الأمَانَةَ) بعض معاني الأمانات لما وصفنا"

انتهى . "تفسير الطبري" (20 / 342) .

وقال القرطبي رحمه الله :

" الأمانة تعم جميع وظائف الدين على الصحيح من الأقوال ، وهو قول الجمهور " انتهى .

"الجامع لأحكام القرآن" (14 / 252)

وقال السعدي رحمه الله :

" جميع ما أوجبه الله على عبده أمانة ، على العبد حفظها بالقيام التام بها ، وكذلك يدخل في ذلك أمانات الآدميين ، كأمانات الأموال والأسرار ونحوهما ، فعلى العبد مراعاة الأمرين

وأداء الأمانتين ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ) " انتهى .

"تفسير السعدي" (ص 547) .

وقال الشنقيطي رحمه الله :

" ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه عرض الأمانة ، وهي التكاليف مع ما يتبعها من ثواب وعقاب على السماوات والأرض والجبال ، وأنهن أبين أن يحملنها وأشفقن منها

أي : خفن من عواقب حملها أن ينشأ لهن من ذلك عذاب الله وسخطه ، وهذا العرض والإباء والإشفاق كله حق ، وقد خلق الله للسماوات والأرض والجبال إدراكا يعلمه هو جل وعلا

ونحن لا بعلمه ، وبذلك الإدراك أدركت عرض الأمانة عليها ، وأبت وأشفقت ، أي : خافت "

انتهى . "أضواء البيان" (36 / 139) .

والخلاصة :

أن الأمانة المذكورة في هذه الآية الكريمة ، والتي عرضها الله على السماوات والأرض والجبال ، فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ، وحملها الإنسان

هي التكاليف الشرعية ، سواء في ذلك حقوق الله تعالى ، وحقوق عباده ، فمن أدى حق الله وحق عباده أثيب ، ومن فرط في حق الله وحق عباده استحق العقاب .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-10, 13:40
يزعم أن المعجزة لا تخرق العادة.

السؤال

ما رأيكم بمن يقول: إن المعجزة ليست خارقة للعادة

كما عرفها المعتزلة بدليل قول الله عز وجل (فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا )فاطر/ 43 ؟

الجواب

الحمد لله

ما يذكره السائل من أن المعجزة ليست خارقة للعادة غير صحيح

ويكذبه الشرع والحس والواقع، فإن معجزات الأنبياء جميعها خارقة للعادة ، وإلا فكيف نحكم على تصرفات نبي الله موسى مع عصاه التي تتحول إلى ثعبان عظيم تارة

وينفلق بها البحر تارة أخرى ؛ هل هذا موافق للعادة ؟

وكيف نقول في نبي الله عيسى عليه السلام الذي يحيي الموتى بإذن ربه ثم يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله تعالى هل هذا موافق للعادة أم خارق لها ؟

وهل نبع الماء من بين أصابع النبي صلى الله عليه وسلم موافق للعادة ؟

ثم نأتي إلى الآية الكبرى وهي القرآن الكريم الذي هو آية الآيات ، الذي خرق العوائد كلها وتحدى الله تعالى الجن والإنس أن يأتوا بمثله بل بسورة منه

قال تعالى : ( قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) الإسراء/ 88

وقال تعالى : (أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ ، فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ) الطور/33، 34

وقال تعالى : ( وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) البقرة/ 23

وقال تعالى : ( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)يونس/ 38 .
أبعد هذا كله يقال : إن القرآن لم يخرق العادة ؟! سبحانك هذا بهتان عظيم.

وينظر للفائدة : جواب السؤالين القادمين

وينبغي أن يعلم أن تعريف المعجزة بأنها أمر خارق للعادة ليس تعريفا خاصا بالمعتزلة ، بل عامة من تكلم في تعريف المعجزة -ممن وقفنا علي أقوالهم- فإنه ذكر ذلك .

فقد ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في " جامع الرسائل " (ص 263)

وذكره محمد صديق خان في "قطف الثمر" ( ص 103)

وذكره ابن أبي العز الحنفي في " شرح الطحاوية " (ص 207)

وذكره القرطبي في كتابه "الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام" (ص 239) .

أما ما يذكره السائل عن ذلك القائل أن المعجزات لا تخرق العادات مستدلا

بقوله تعالى : ( فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا )فاطر/ 43 ، فما أضله من استدلال

وما أبعده عن الحق وعن مراد الله تعالى ، فهلا قرأ هذا المستدل السياق القرآني الكريم لينظر هل يساعده على مدعاه أم لا ؟

قال تعالى : ( وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا

أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا ) فاطر/ 43، 44 .

إن السياق في سباقه ولحاقه : ليدل دلالة قطعية على أن المراد بسنة الله تعالى هنا هي أخذ الظالمين المفسدين

وأن المكر السيء لا يحيق إلا بأهله

قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره (6 / 559):

"وَقَوْلُهُ: ( فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلا سُنَّةَ الأوَّلِينَ ) ، يَعْنِي: عُقُوبَةَ اللَّهِ لَهُمْ عَلَى تَكْذِيبِهِمْ رُسُلَهُ ، وَمُخَالَفَتِهِمْ أَمْرَهُ ، ( فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا ) : أَيْ لَا تُغَيَّرُ وَلَا تُبَدَّلُ ، بل هي جارية كذلك في كل مكذب" انتهى.

وأما قوله تعالى في سورة الأحزاب : ( سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ) الأحزاب/ 62 : فلا يخرج المعنى فيها عما ذكرناه ، والسياق يشهد بذلك

قال تعالى : ( لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا . مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا .

سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا )الأحزاب/ 60 - 62 .

يقول ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره (6 / 483): "(

سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ ) أَيْ: هَذِهِ سُنَّتُهُ فِي الْمُنَافِقِينَ ، إِذَا تَمَرَّدُوا عَلَى نِفَاقِهِمْ وَكُفْرِهِمْ ، وَلَمْ يَرْجِعُوا عَمَّا هُمْ فِيهِ : أَنَّ أَهْلَ الْإِيمَانِ يُسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ ، وَيَقْهَرُونَهُمْ ، ( وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا )

أَيْ: وَسُنَّةُ اللَّهِ فِي ذَلِكَ لَا تُبَدَّلُ وَلَا تُغَيَّرُ" انتهى.

والله أعلم.

*عبدالرحمن*
2019-02-10, 13:45
الفرق بين المعجزة والكرامة والسحر

السؤال

ما هي المعجزة ، وما الفرق بينها وبين الكرامة من جهة ، والسحر من جهة أخرى ؟

الجواب

الحمد لله

أولاً :

المعجزة هي الآية الخارقة للعادة التي يؤيد الله بها أنبياءه ورسله ، ويتحدون بها الناس .

أما الكرامة فهي شيء خارق للعادة يجريه الله تعالى على يد أحد أوليائه .

وهناك فروق كثيرة بين المعجزة والكرامة ، منها :

1- أن المعجزة مبنية على الإظهار والاشتهار ، وأن صاحبها (وهو النبي) مأمور بإظهارها ، بينما الكرامة مبناها على الكتم والستر ، وصاحبها (وهو الولي) مأمور بكتمانها .

2- المعجزة تكون مقرونة بالتحدي وبدعوى النبوة ، أما الكرامة فغير مقرونة بالتحدي ، ولا بدعوى فضيلة ولا منزلة عند الله .

3- ثمرة المعجزة تعود بالنفع والفائدة على الغير ، والكرامة في الغالـب خاصة بصاحبها .

4- المعجزة تكون بجميع خوارق العادات ، والكرامة تختص ببعضها .

5- المعجزات خاصة بالأنبياء ، والكرامات تكون للأولياء .

6- الأنبياء يحتجون بمعجزاتهم على المشركين لأن قلوبهم قاسية ، والأولياء يحتجون بالكرامة على نفوسهم حتى تطمئن وتوقن ولا تضطرب .

نقلا عن رسالة ماجستير بعنوان : " الولاية والكرامة في العقيدة الإسلامية " للباحث محمد خير العمري .

وهناك فروق أيضاً بين المعجزة والسحر ، منها :

1- المعجزة خارقة للعادة : أي أنها تأتي مخالفة لقوانين الكون ، فهي من الله تعالى ، وأما السحر فإنه يحدث بحسب قوانين يمكن تعلمها فهو من الساحر .

2- المعجزة لا ينتج عنها إلا الخير ، أما السحر فلا يصدر منه الخير .

3- المعجزة لا يمكن إبطالها ، أما السحر فإنه يمكن إبطاله ، ومعلوم أن السحر لا يتم إلا بالاستعانة بالشياطين والتقرب لها "

انتهى من الدكتور أحمد العوايشة في " محاضرات في الثقافة الإسلامية " (ص/174) .

4- المعجزة تجري على يد النبي ، وهو خير الناس علماً وعملاً وخلقاً ، والسحر يجري على يد الساحر، وهو شر الناس علماً وعملاً وخلقاً ، والنفوس تنفر منه ومن صاحبه.

5- المعجزة ليس لها سبب ، ولهذا لا يستطيع غير النبي أن يأتي بمثلها ، أما السحر فله أسباب معروفة

وهي الطلاسم التي تقال وتكتب ويستعان فيه بالجن ، فكل من تعلم ذلك وفعله حصل له ما يريد من السحر ، أما المعجزة فلا تستفاد بالتعلم والتجربة .

انظر : "الفروق للقرافي" (8/116) ترقيم الشاملة .

وهذه بعض أقوال أهل العلم في الفروق بين المعجزة والكرامة والسحر.

قال العلامة السعدي رحمه الله :

" الفرق بين المعجزة والكرامة والأحوال الشيطانية الخارقة للعادة على يد السحرة والمشعوذين:

أن المعجزة هي ما يُجرِي الله على أيدي الرسل والأنبياء من خوارق العادات التي يتحدون بها العباد ، ويخبرون بها عن الله لتصديق ما بعثهم به

ويؤيدهم بها سبحانه ؛ كانشقاق القمر ، ونزول القرآن ، فإن القرآن هو أعظم معجزة الرسول على الإطلاق ، وكحنين الجذع ، ونبوع الماء من بين أصابعه ، وغير ذلك من المعجزات الكثيرة .

وأما الكرامة فهي ما يجري الله على أيدي أوليائه المؤمنين من خوارق العادات ، كالعلم ، والقدرة ، وغير ذلك

كالظلة التي وقعت على أسيد بن الحضير حين قراءته القرآن ، وكإضاءة النور لعباد بن بشر وأسيد بن حضير حين انصرفا من عند النبي صلى الله عليه وسلم فلما افترقا أضاء لكل واحد منهما طرف سوطه .

وشرط كونها كرامة أن يكون من جرت على يده هذه الكرامة مستقيمًا على الإيمان ومتابعة الشريعة

فإن كان خلاف ذلك فالجاري على يده من الخوارق يكون من الأحوال الشيطانية . ثم ليعلم أن عدم حصول الكرامة لبعض المسلمين لا يدل على نقص إيمانهم ؛ لأن الكرامة إنما تقع لأسباب :

منها : تقوية إيمان العبد وتثبيته ؛ ولهذا لم ير كثير من الصحابة شيئا من الكرامات لقوة إيمانهم وكمال يقينهم .
ومنها : إقامة الحجة على العدو كما حصل لخالد لما أكل السم

وكان قد حاصر حصنا ، فامتنعوا عليه حتى يأكله ، فأكله ، وفتح الحصن ، ومثل ذلك ما جرى لأبي إدريس الخولاني لما ألقاه الأسود العنسي في النار ، فأنجاه الله من ذلك ؛ لحاجته إلى تلك الكرامة .

وكقصة أم أيمن لما خرجت مهاجرة واشتد بها العطش سمعت حساً من فوقها ، فرفعت رأسها ، فإذا هي بدلو من ماء ، فشربت منها ثم رفعت .

وقد تكون الكرامة ابتلاء فيسعد بها قوم ويشقى بها آخرون ، وقد يسعد بها صاحبها إن شكر ، وقد يهلك إن أعجب ولم يستقم "

انتهى من " التنبيهات اللطيفة فيما احتوت عليه الواسطية من المباحث المنيفة " (ص/107) .

وسئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :

كيف نفرق بين المعجزة والكرامة والكهانة ؟

فأجاب :

"المعجزة تكون للأنبياء ، والكرامة للأولياء ؛ أولياء الرحمن ، والكهانة لأولياء الشيطان ، والآن المعجزة لا يمكن أن تقع ؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام آخر الأنبياء ، ولا يمكن أن تقع .

والكرامة موجودة من قبل الرسول ومن بعد الرسول إلى يوم القيامة ، تكون على يد ولي صالح ، إذا عرفنا أن هذا الرجل الذي جاءت هذه الكرامة على يده هو رجل مستقيم قائم بحق الله وحق العباد عرفنا أنها كرامة .

وينظر في الرجل فإذا جاءت هذه الكرامة من كاهن –

عني : من رجل غير مستقيم - عرفنا أنها من الشياطين

والشياطين تعين بني آدم لأغراضها أحياناً "

انتهى من " لقاءات الباب المفتوح " (لقاء رقم/84، سؤال رقم/8) .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-10, 13:50
الكلام على معجزات الرسل وآيات الله التي أيدهم بها

السؤال

قرأت أن معجزة نوح كانت الطوفان فكيف ذلك والطوفان حصل بعد تكذيبهم.. والمعروف أن المعجزة تأتي مع النبي حتى يصدقه الناس؟! وكذلك شعيب.. وهود عليهم السلام جميعا..

فما هي معجزة كل رسول من هؤلاء ؟

الجواب

الحمد لله

أولا :

ما من نبي إلا وقد آتاه الله تعالى آية بينة تدل على صدق ما جاء به ، يقيم بها الحجة على كل من خالفه .

روى البخاري (4981) ، ومسلم (152) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ

: ( مَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا قَدِ اُعْطِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَى اللهُ إِلَيَّ ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) .

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله :

" قَوْله : ( مَا مِنْ الْأَنْبِيَاء نَبِيّ إِلَّا أُعْطِيَ ) : هَذَا دَالّ عَلَى أَنَّ النَّبِيّ لَا بُدّ لَهُ مِنْ مُعْجِزَة تَقْتَضِي إِيمَان مَنْ شَاهَدَهَا بِصِدْقِهِ , وَلَا يَضُرّهُ مَنْ أَصَرَّ عَلَى الْمُعَانَدَة .

وَالْمَعْنَى أَنَّ كُلّ نَبِيّ أُعْطِيَ آيَة أَوْ أَكْثَر ، مِنْ شَأْن مَنْ يُشَاهِدهَا مِنْ الْبَشَر أَنْ يُؤْمِن بِهِ لِأَجْلِهَا , وَالْمُرَاد بِالْآيَاتِ : الْمُعْجِزَات ، وكُلّ نَبِيّ أُعْطِيَ مُعْجِزَة خَاصَّة بِهِ ، لَمْ يُعْطَهَا بِعَيْنِهَا غَيْره ،

تَحَدَّى بِهَا قَوْمه, وَكَانَتْ مُعْجِزَة كُلّ نَبِيّ تَقَع مُنَاسِبَة لِحَالِ قَوْمه"

انتهى مختصرا من " فتح الباري لابن حجر (9/ 6) " .

ثانيا :

لا يلزم أن ينص القرآن أو السنة على معجزة كل نبي ، فهذه المعجزة لم تأت إلينا نحن ، ولا يترتب على معرفتنا بها عمل ، ولسنا مطالبين بالإيمان بالأنبياء الصادقين ، لأجل معجزاتهم ؛ فإنها مضت معهم

وانقضى زمانها ، وإنما نؤمن بالأنبياء السابقين ، لأجل الخبر الصادق في كتاب الله ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، عنهم .

والذي يعنينا أن نعلم أن نبي الله نوحا ، ونبي الله هودا ، وغيرهما من أنبياء الله : قد أرسلوا إلى أقوامهم ، وأنهم أتوهم بالحجج والبينات الكافية لتصديقهم ، والإيمان بهم

قد نعلم ببعض آياتهم ، وقد لا نعلم بها ، كما أننا نعلم من أسماء الأنبياء وأحوالهم ، ما أتانا به الخبر الصادق ، ونجهل ـ كذلك ـ من أسماء أنبياء الله وسيرهم ، ما لم يخبرنا به الوحي الصادق .

قال الزجاج رحمه الله :

" قوله : (قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ) قال بعض النحويين؛ لم يكن لشعيب آية إِلا النبوة ، وهذا غلط فاحش .

قال : (قد جاءَتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل) فجاءَ بالفاءَ جواباً للجزاء ، فكيف يقول : قد جاءَتكم بينة من ربكم ، ولم يكن له آية إِلا النبوة ؟ فإن كان مع النبوة آية فقد جاءَهم بها.

وقد أخطأ القائل بقوله : لم تكن له آية ، ولو ادَّعَى مُدَّعٍ النبوة بغير آية لم تُقْبَلْ منه

ولكن القول في شعيب أن آيته كما قال بينَة ، إِلا أن الله جل ثناؤه ذكر بعض آيات الأنبياءِ في القرآن ، وبعضهم لم يذكر آيته ، فمن لم تذكر آيته لا يقال : لا آية له "

انتهى من "معاني القرآن" (2/ 353-354) .

وينظر : " تفسير ابن عطية " (2/ 426) .

ثالثا :

كانت معجزة نبي الله نوح عليه السلام صنع السفينة على اليابسة ، ثم سيرها فوق هذه الأمواج التي كانت كالجبال ، وقد كان أنذر قومه الطوفان .

قال ابن كثير رحمه الله بعد أن ذكر كرامة لأبي مسلم الخولاني رحمه الله :

" وَهِيَ مُشَابِهَةٌ لِمُعْجِزَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فِي مَسِيرِهِ فَوْقَ الْمَاءِ بِالسَّفِينَةِ الَّتِي أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِعَمَلِهَا "

انتهى من "البداية والنهاية" (9/ 317) .

ولا يعترض على ذلك بما يقوله السائل أن الطوفان حصل بعد تكذيبهم ، والمعجزة تأتي مع النبي حتى يصدقه الناس ؛ لأنه يقال في جوابه : إنه صلى الله عليه وسلم قد حذرهم وأنذرهم وتوعدهم ، فلما جاءهم ما يوعدون أصروا

واستكبروا ولم يؤمنوا ، ولو أنهم آمنوا ساعتئذ لصح إيمانهم ، ألا ترى إلى مناشدة نوح عليه السلام ابنه وقوله له : (يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ) هود/ 42

فلو أنه ركب معهم لكان من المؤمنين ولم يكن من الكافرين ، وكذلك غيره ، فالمعجزة إذاً حاصلة في وقتها ، ولم تحصل بعد أوانها .

ثم إنه كان من أعظم آياته وبيناته التي آتاه الله إياها : بيانه الواضح ، وحجاجه الصحيح لهم

كما في قوله تعالى : وقال تعالى : ( قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ

* وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ * وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ *

وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ

* قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) هود/ 28 – 32

وقد تكرر خبر حجاجه لهم في غير سورة من سور القرآن الكريم .

على أن ذلك كله لا يمنع أن يكون قد أتاهم بآية بينة ، لم نقف على خبرها وكنهها ، كما سبق .

و انظر اجابة السؤال القادم

ومثل هذا يقال أيضا في نبي الله هود ، ونبي الله شعيب ، عليهما السلام ؛ فإما أن تكون لكل منهما معجزة لم نطلع نحن عليها ، ولم يخبرنا الله بها

كما سبق في كلام الزجاج ، وإما أن تكون معجزته في حجاجه لقومه ، ومخاصمته لهم ، وظهوره عليهم بالحكمة ، وعظيم البيان .

قال ابن أبي العز الحنفي رحمه الله :

" مِنْ أَخْفَى آيَاتِ الرُّسُلِ آيَاتُ هُودٍ ، حَتَّى قَالَ لَهُ قَوْمُهُ : (يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ)

وَمَعَ هَذَا فَبَيِّنَتُهُ مِنْ أَوْضَحِ الْبَيِّنَاتِ لِمَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ لِتَدَبُّرِهَا ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ : (إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ *

مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِي * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) ؛ فَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْآيَاتِ :

أَنَّ رَجْلًا وَاحِدًا يُخَاطِبُ أُمَّةً عَظِيمَةً بِهَذَا الْخِطَابِ، غَيْرَ جَزِعٍ وَلَا فَزِعٍ وَلَا خَوَّارٍ، بَلْ هُوَ وَاثِقٌ بِمَا قَالَهُ، جَازِمٌ بِهِ

فَأَشْهَدَ اللَّهَ أَوَّلًا عَلَى بَرَاءَتِهِ مِنْ دِينِهِمْ ، وَمَا هُمْ عَلَيْهِ، إِشْهَادَ وَاثِقٍ بِهِ مُعْتَمِدٍ عَلَيْهِ، مُعْلِمٍ لِقَوْمِهِ أَنَّهُ وَلِيُّهُ وَنَاصِرُهُ ، وَغَيْرُ مُسَلِّطٍ لَهُمْ عَلَيْهِ.

ثُمَّ أَشْهَدَهُمْ إِشْهَادَ مُجَاهِرٍ لَهُمْ بِالْمُخَالَفَةِ : أَنَّهُ بَرِيءٌ مِنْ دِينِهِمْ وَآلِهَتِهِمُ الَّتِي يُوَالُونَ عَلَيْهَا

وَيَبْذُلُونَ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ فِي نُصْرَتِهِمْ لَهَا، ثُمَّ أَكَّدَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِهَانَةِ بهمْ، وَاحْتِقَارِهِمْ وَازْدِرَائِهِمْ ، وَلَوْ يَجْتَمِعُونَ كُلُّهُمْ عَلَى كَيْدِهِ وَشِفَاءِ غَيْظِهِمْ مِنْهُ، ثُمَّ يُعَاجِلُونَهُ وَلَا يُمْهِلُونَهُ : لم يقدروا على ذلك إلا ما كتبه الله عليه.

ثُمَّ قَرَّرَ دَعْوَتَهُمْ أَحْسَنَ تَقْرِيرٍ، وَبَيَّنَ أَنَّ رَبَّهُ تَعَالَى وَرَبَّهُمُ الَّذِي نَوَاصِيهِمْ بِيَدِهِ هُوَ وَلِيُّهُ وَوَكِيلُهُ الْقَائِمُ بِنَصْرِهِ وَتَأْيِيدِهِ، وَأَنَّهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، فَلَا يَخْذُلُ مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ وَأَقَرَّ بِهِ، وَلَا يُشْمِتُ بِهِ أَعْدَاءَهُ.

فَأَيُّ آيَةٍ وَبُرْهَانٍ أَحْسَنُ مِنْ آيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ وَبَرَاهِينِهِمْ وَأَدِلَّتِهِمْ؟ وَهِيَ شَهَادَةٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بَيَّنَهَا لِعِبَادِهِ غَايَةَ الْبَيَانِ "

انتهى من "شرح الطحاوية" (ص 47) .

وقال القاسمي رحمه الله ، في قول شعيب عليه السلام : (قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ) :

" ( قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ) أي ما تبيّن به الحق من الباطل ، يعني : دعوته وإرشاده ، ومن هنا قال بعضهم : عني بالبينة : مجيء شعيب، وأنه لم تكن له آية إلا النبوة .

ومن فسر البينة بالحجة والبرهان ، والمعجزة المحسوسة ، ذهابا إلى أن النبيّ لما كان يدعو إلى شرع يوجب قبوله، فلا بد من دليل يعلم صدقه به، وما ذاك إلا المعجزة

قال : إن معجزة شعيب لم تذكر في القرآن، وليست كل آيات الأنبياء مذكورة في القرآن.

ولا يخفى أن البينة : أعم من المعجزة بعرفهم ؛ فكل من أُبطِلت شبهةُ ضلاله، وأُظهرت له حجة الحق الذي يدعى إليه ، فقد جاءته البينة ؛ لأن حقيقة البينة : كل ما يُبِينُ الحقَّ ؛ فاحفظه "

انتهى من "تفسير القاسمي" (5/ 146) .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-10, 13:54
نوح عليه السلام

السؤال

أريد أن أعرف بعض المعلومات عن نبي الله نوح عليه السلام ؟.

الجواب

الحمد لله

اصطفى الله من بني آدم رسلاً وأنبياء كما قال سبحانه : ( إن الله اصطفى آدم و نوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ) آل عمران/33 .

وقد أرسل الله نوحاً إلى قومه ليدعوهم إلى عبادة الله وحده : ( لقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ) الأعراف/59 .

وكان قوم نوح يعبدون الأصنام فطغوا ، وتمردوا واستكبروا : ( وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن وداً ولا سواعاً ولا يغوث ويعوق ونسراً ) نوح/23 .

وقد دعا نوح قومه ولبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى عبادة الله وحده وترك عبادة الأصنام كما قال سبحانه : ( ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً ) العنكبوت/14 .

ولكن قوم نوح لم يستجيبوا له ولم ينتفعوا بنصحه بل أنكر أشرافهم نبوته واتهموه بالكذب وقالوا إن أتباعه من الفقراء والضعفاء الذين لا فكر لهم ولا رؤية

قال تعالى : ( فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشراً مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين ) هود/27 .

واستمر نوح عليه السلام في دعوة قومه وتلطف بهم ودعاهم في كل مناسبة ليلاً ونهاراً سراً وجهاراً فما آمن معه إلا قليل

أما الأكثرون فقد كذبوه وسخروا منه واتهموه بالجنون وحالوا بينه وبين تبليغ رسالة ربه وهددوه بالرجم إن لم ينته : ( قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين ) الشعراء/116 .

ولكن نوح لم يبال بتهديدهم فواصل دعوته لهم حتى إذا ضاق ذرعاً باستكبارهم ، واستهزائهم لجأ إلى ربه بهذه الشكوى : ( قال رب إني دعوت قومي ليلاً ونهاراً ، فلم يزدهم دعائي إلا فراراً

وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكباراً ، ثم إني دعوتهم جهاراً ، ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسراراً

فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً ، يرسل السماء عليكم مدراراً ، ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً ) نوح/5-12 .

فلما أيس نوح عليه السلام من إيمان قومه ، وهددوه بالقتل وآذوه ومن آمن معه فما كان منه إلا أن دعا عليهم بقوله : ( رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً إنك أن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً ) نوح/26 -27 .

وقد استجاب الله دعاء نوح عليه السلام وقضى بهلاك قوم نوح بالغرق وأمره أن يصنع سفينة النجاة ليركب فيها والمؤمنون معه

: ( وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون ) هود/36-37 .

ولما أتم نوح عليه السلام صنع السفينة وظهرت علامات بدء العذاب بتفجير العيون من الأرض ونزول الماء من السماء أمر الله نوحاً بأن يحمل فيها من الأحياء والحيوانات زوجين اثنين ذكراً وأنثى ليبقى ويستمر نسلها

كما أمره الله أن يحمل معه أهله ما عدا من كفر منهم ، وهم إحدى زوجاته وأحد أبنائه كما أمر الله أيضاً أن يحمل معه المؤمنين به وهم قليل

قال تعالى : ( حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم

وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين

قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين ) هود/40-43 .

ثم أخذت نوحاً عاطفة الشفقة على ولده فطلب من ربه أن ينجيه من الهلاك :

( ونادى نوح ربه فقال ربي إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين ، قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألنِ ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين ) هود/45-46 .

ولما أهلك الله الكفار بالغرق أمر الله الأرض أن تبلع الماء وأمر السماء أن تكف عن المطر فاستوت السفينة راسية على جبل الجودي بالموصل و قضي الأمر وأهلك الظالمون :

( وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعداً للقوم الظالمين ) هود/44 .

وبعد أن استوت السفينة على الجبل ، أمر الله نوحاً أن ينزل ومن معه محفوفاً بالسلام والبركات : ( قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم ) هود/48 .

وهكذا نصر الله نوحاً والمؤمنين معه وأهلك من كفر به وجعلهم عبرة للناس : ( ونوحاً إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم

ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم سوءٍ فأغرقناهم أجمعين ) الأنبياء/76 - 77 .

ثم جعل الله في ذرية نوح وإبراهيم عليهما السلام النبوة و الكتاب كما قال سبحانه : ( ولقد أرسلنا نوحاً وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون ) الحديد/26 .

من كتاب أصول الدين الإسلامي للشيخ محمد بن إبراهيم التويجري

*عبدالرحمن*
2019-02-10, 13:59
إشكال حول اختلاف نظم الآيات ، في قصة واحدة ، بين سورة وأخرى

السؤال

أرجو الرد على شبهة من يدعي تعارض الآية ) قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (

والآية ) قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (

وتعارض الآية ( قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ )

والآية ( قَالَ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) .

الجواب

الحمد لله

أولا :

الآيات التي تسأل عنها هي : قول الله تعالى : ( قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ ، يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ

قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ ، يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ ) الأعراف/ 109 – 112 .

وقول الله تعالى : ( قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ ، يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ، قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ ، يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ ) الشعراء 34 – 37 .

ففي سورة الأعراف نسب القول للملأ ، وفي سورة الشعراء نسب لفرعون ، وهذا ليس تعارضا

لأن الجميع قد قالوا هذا القول ، ومن شأن الحاشية أن تردد كلام ملكها ، فهم جميعا قالوا : (إن هذا لساحر عليم) .

قال ابن كثير رحمه الله تعالى

: " قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ ، يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ )

أي : قال الملأ - وهم الجمهور والسادة من قوم فرعون - موافقين لقول فرعون فيه ، بعد ما رجع إليه روعه ، واستقر على سرير مملكته بعد ذلك

قال للملأ حوله -: ( إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ ) فوافقوه وقالوا كمقالته ، وتشاوروا في أمره ، وماذا يصنعون في أمره ... "
.
انتهى من " تفسير ابن كثير " ( 3 / 455 ) .

وقال أبو حيان الأندلسي رحمه الله تعالى :

" ( قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ ) وفي الشعراء : ( قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ ) .

والجمع بينهما : أن فرعون وهم قالوا هذا الكلام ، فحكى هنا قولهم ، وهناك قوله .

أو قاله ابتداء ، فتلقفه منه الملأ ، فقالوه لأعقابهم ، أو قالوه عنه للناس على طريق التبليغ ، كما تفعل الملوك ؛ يرى الواحد منهم الرأي ، فيكلم به من يليه من الخاصة ، ثم تبلغه الخاصة العامة "

انتهى من " البحر المحيط " ( 4 / 358 ) .

فإن قيل : إذا كانوا كلهم قد قالوه ، فما وجه مناسبة تنويع نسبة هذا القول ، فمرةً نسب إلى فرعون ، ومرة أخرى إلى الملأ ؟

فالجواب :

أن نسبة القول جاءت في كل موضع موافقة لسياق القصة.

ففي سورة الأعراف ذكر الملأ في بداية القصة وأن موسى عليه السلام أرسل إليهم

فناسب ذلك أن يذكر ردهم حين خاطبهم موسى عليه السلام ، وأراهم الآيات .

وأما في سورة الشعراء ، فلم يذكر فيها الملأ .

قال الله تعالى : ( ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ) الأعراف/ 103.

قال أبو جعفر بن الزبير الغرناطي رحمه الله تعالى :

" بقى السؤال عن جه اختصاص كل سورة بما خصت به ؟

والجواب أنه لما تقدم في سورة الأعراف قوله تعالى : ( ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ )

فوقع ذكر الملأ مبعوثا إليهم مع فرعون ، ناسب ذلك أن يذكروا في الجواب حتى يكون في قوة أن لو قيل : بعث إليهم وخوطبوا ، فقالوا ، ولم يكن ليناسب " بعث إليهم " فقال : فرعون ...

فإن قيل: فقد قيل في الأعراف : ( إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ ) فقدم فرعون ، فهو أعمد من الملأ لأنهم أتباعه وآله ، فلِمَ لمْ يُبنَ الجواب على ذلك فيقال " قال فرعون " ؟

فالجواب : أنه لو قيل : قال فرعون لبقى التشوف إلى تعريفهم قول الملأ وهم قد بعث إليهم وخوطبوا ولابد من تعرف جوابهم ...

ثم قال : " ولما تقدم في سورة الشعراء قوله : ( فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ ) ثم جرى ما بعد المحاورة ومراجعة الكلام بين موسى ، عليه السلام ، وفرعون ، ولم يقع الملأ هنا

ناسب ذلك قوله " قال فرعون " لأنه الذى راجع وخوطب ، فجاء كل على ما يناسب " .

انتهى من " ملاك التأويل " ( 1 /214- 215 ) .

وقال البقاعي رحمه الله تعالى : "( إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ ) أي شديد المعرفة بالسحر

وخص في هذه السورة إسناد هذا الكلام إليه ، لأن السياق كله لتخصيصه بالخطاب ، لما تقدم ... ولا ينفي ذلك أن يكون قومه قالوه إظهاراً للطواعية - كما مضى في الأعراف " .

انتهى من " نظم الدرر في تناسب الآيات والسور " ( 14 / 29 ) .

ثانيا :

قال الله تعالى في سورة الأعراف : ( قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) الأعراف/106 .

وقال سبحانه في سورة الشعراء : ( قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُّبِينٍ ، قَالَ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) الشعراء /31 .

ففي سورة " الأعراف " ( فَأْتِ بِهَا ) فأنث الضمير لأنه راجع إلى لفظ ( آيَةٍ ) وهي مؤنثة.

وفي سورة " الشعراء " ( فَأْتِ بِهِ ) فذكّر الضمير لأنه راجع إلى ( شَيْءٍ مُّبِينٍ ) وهو لفظ مذكَّر .

ولعل وجه الإشكال عند السائل هو :

أن الواقعة واحدة ، ولا بدّ أن فرعون قال لفظا واحدا ، فلماذا جاء في القرآن بلفظين ؟

والجواب :

من المعلوم ، أن الحوار بين موسى عليه السلام وفرعون لم يكن باللغة العربية ، وإنما كان بلغتهم ، وهذا القرآن قد نزل بلسان عربي مبين .

فالله سبحانه وتعالى يذكر لنا معنى الحوار الذي جرى بينهم ، وليس نفس ألفاظ الحوار لأن اللغتين مختلفتان .

ونقل معنى كلام ما ، إلى لغة أخرى : يجوز أن يُعبَّر عنه بأي لفظ يدل على المعنى