المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فهرس القرآن وعلومة وتفسير القرآن الكريم


الصفحات : 1 [2] 3

*عبدالرحمن*
2019-02-16, 16:39
هل العمل الصالح شرط لصحة التوبة ؟

السؤال

يقول الله تعالى في سورة الفرقان : ( إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً) في الآية الكريمة قرن الله عزوجل التوبة بالعمل الصالح .

وسؤالي هو:

لو أن العبد تاب لكنه لم يعمل صالحاً فهل تقبل توبته ؟

أم أنه يجب أن تكون التوبة مقرونة بالعمل الصالح كي تقب ل؟

وكم من الوقت يجب عليك أن تعمل الصالحات ؟

الجواب

الحمد لله

أولاً :

التوبة : هي الرجوع إلى الله تعالى ، والندم على ما سلف من الذنوب ، والإقلاع عن المعاصي ، والعزم الصحيح الصادق على ألا يعاود الذنب في المستقبل .

قال ابن القيم رحمه الله :

" حَقِيقَةُ التَّوْبَةِ : هِيَ النَّدَمُ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْهُ فِي الْمَاضِي ، وَالْإِقْلَاعُ عَنْهُ فِي الْحَالِ ، وَالْعَزْمُ عَلَى أَنْ لَا يُعَاوِدَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ "

انتهى من "مدارج السالكين" (1/ 199).

وقال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء :

" التوبة هي: التخلي والرجوع عن الذنوب والمعاصي من فعل محرم أو ترك واجب "

انتهى من "فتاوى اللجنة الدائمة" (24/ 303) .

وانظر جواب السؤال القادم

وإذا كانت هذه هي التوبة فلا يمكن أن يُتصور إنسان تاب ولم يعمل صالحا ، لأنه إن كانت معصيته بترك واجب ، كترك صلاة أو زكاة أو صيام فتوبته بفعل ذلك الواجب والمحافظة عليه

وذلك عمل صالح ، وإن كانت معصيته بفعل محرم كالزنا والربا وشرب الخمر والكذب والسرقة والغش ، فتوبته بترك ذلك ، وترك المعصية خوفا من الله تعالى عمل صالح .

ولذلك تعرف التوبة بأنها : " الرجوع من معصية الله إلى طاعته " .

انتهى من "مجموع فتاوى ورسائل العثيمين" (20/ 401) .

فلابد للتائب من أن يعمل صالحا بعد توبته .

إلا أن بعض الناس قد يقتصر في عمله الصالحات بما يختص بالذنب التائب منه فقط ، وبعض الناس يزيد من العمل الصالح كالصدقة والصيام والصلاة ... إلخ . ليكون ذلك تكميلا لتوبته .

وقد قرن الله تعالى التوبة بالعمل الصالح في مواضع كثيرة من القرآن الكريم ، فقال عز وجل :

( إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا ) مريم/ 60 .

وقال عز وجل : ( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى ) طه/ 82 .

وقال سبحانه : ( إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ) الفرقان/ 70 .

وقال سبحانه : ( فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ ) القصص/ 67 .

وقال تعالى : ( فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) المائدة/ 39 .

قال ابن عطية رحمه الله :

" المعنى عند جمهور أهل العلم : أن من تابَ من السرقة فندم على ما مضى وأقلع في المستأنف وأصلح برد الظلامة إن أمكنه ذلك وإلا فبإنفاقها في سبيل الله

وَأَصْلَحَ أيضا في سائر أعماله وارتفع إلى فوق : (فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ) ويذهب عنه حكم السرقة فيما بينه وبين الله تعالى "

انتهى من "تفسير ابن عطية" (2/ 189) .

وقال القرطبي رحمه الله :

" وَلَا يَكْفِي فِي التَّوْبَةِ عِنْدَ عُلَمَائِنَا قَوْلُ الْقَائِلِ : قَدْ تُبْتُ ، حَتَّى يَظْهَرَ مِنْهُ فِي الثَّانِي خِلَافُ الْأَوَّلِ

فَإِنْ كَانَ مُرْتَدًّا رَجَعَ إِلَى الْإِسْلَامِ مُظْهِرًا شَرَائِعَهُ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَعَاصِي ظَهَرَ مِنْهُ الْعَمَلُ الصَّالِحُ ، وَجَانَبَ أَهْلَ الْفَسَادِ وَالْأَحْوَالَ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْأَوْثَانِ جَانَبَهُمْ وَخَالَطَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ

وَهَكَذَا يَظْهَرُ عَكْسَ مَا كَانَ عَلَيْهِ "

انتهى من " تفسير القرطبي" (2/ 187) .

وقال ابن القيم رحمه الله :

" وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ إِنَّمَا يُفَسِّرُ التَّوْبَةَ بِالْعَزْمِ عَلَى أَنْ لَا يُعَاوِدَ الذَّنْبَ ، وَبِالْإِقْلَاعِ عَنْهُ فِي الْحَالِ، وَبِالنَّدَمِ عَلَيْهِ فِي الْمَاضِي ، وَإِنْ كَانَ فِي حَقِّ آدَمِيٍّ فَلَا بُدَّ مِنْ أَمْرٍ رَابِعٍ ، وَهُوَ التَّحَلُّلُ مِنْهُ.

وَهَذَا الَّذِي ذَكَرُوهُ بَعْضُ مُسَمَّى التَّوْبَةِ بَلْ شَرْطُهَا، وَإِلَّا فَالتَّوْبَةُ فِي كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ

- كَمَا تَتَضَمَّنُ ذَلِكَ - تَتَضَمَّنُ الْعَزْمَ عَلَى فِعْلِ الْمَأْمُورِ وَالْتِزَامِهِ فَلَا يَكُونُ بِمُجَرَّدِ الْإِقْلَاعِ وَالْعَزْمِ وَالنَّدَمِ تَائِبًا، حَتَّى يُوجَدَ مِنْهُ الْعَزْمُ الْجَازِمُ عَلَى فِعْلِ الْمَأْمُورِ، وَالْإِتْيَانِ بِهِ، هَذَا حَقِيقَةُ التَّوْبَةِ

وَهِيَ اسْمٌ لِمَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ ، لَكِنَّهَا إِذَا قُرِنَتْ بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ كَانَتْ عِبَارَةً عَمَّا ذَكَرُوهُ ، فَإِذَا أُفْرِدَتْ تَضَمَّنَتِ الْأَمْرَيْنِ .

فَإِنَّ حَقِيقَةَ التَّوْبَةِ الرُّجُوعُ إِلَى اللَّهِ بِالْتِزَامِ فَعْلِ مَا يُحِبُّ ، وَتَرْكِ مَا يَكْرَهُ ، فَهِيَ رُجُوعٌ مِنْ مَكْرُوهٍ إِلَى مَحْبُوبٍ ، فَالرُّجُوعُ إِلَى الْمَحْبُوبِ جُزْءُ مُسَمَّاهَا ، وَالرُّجُوعُ عَنِ الْمَكْرُوهِ الْجُزْءُ الْآخَرُ

وَلِهَذَا عَلَّقَ سُبْحَانَهُ الْفَلَاحَ الْمُطْلَقَ عَلَى فِعْلِ الْمَأْمُورِ وَتَرْكِ الْمَحْظُورِ بِهَا،

فَقَالَ : (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) النور/31

فَكُلُّ تَائِبٍ مُفْلِحٌ ، وَلَا يَكُونُ مُفْلِحًا إِلَّا مَنْ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ وَتَرَكَ مَا نُهِيَ عَنْهُ ..

. فَالتَّائِبُونَ هُمُ (الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ) فَحِفْظُ حُدُودِ اللَّهِ جُزْءُ التَّوْبَةِ، وَالتَّوْبَةُ هِيَ مَجْمُوعُ هَذِهِ الْأُمُورِ

وَإِنَّمَا سُمِّيَ تَائِبًا لِرُجُوعِهِ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ مِنْ نَهْيِهِ ، وَإِلَى طَاعَتِهِ مِنْ مَعْصِيَتِهِ ، كَمَا تَقَدَّمَ .
..
فالتَّوْبَةُ هِيَ الرُّجُوعُ مِمَّا يَكْرَهُهُ اللَّهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا إِلَى مَا يُحِبُّهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَيَدْخُلُ فِي مُسَمَّاهَا الْإِسْلَامُ ، وَالْإِيمَانُ ، وَالْإِحْسَانُ ، وَتَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْمَقَامَاتِ [

أي أنها درجات كثيرة على حسب ما يأتي به التائب من الأعمال الصالحة] ، وَلِهَذَا كَانَتْ غَايَةَ كُلِّ مُؤْمِنٍ

وَبِدَايَةَ الْأَمْرِ وَخَاتِمَتَهُ، كَمَا تَقَدَّمَ ، وَهِيَ الْغَايَةُ الَّتِي وُجِدَ لِأَجْلِهَا الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ، وَالتَّوْحِيدُ جُزْءٌ مِنْهَا، بَلْ هُوَ جُزْؤُهَا الْأَعْظَمُ الَّذِي عَلَيْهِ بِنَاؤُهَا.

وَأَكْثَرُ النَّاسِ لَا يَعْرِفُونَ قَدْرَ التَّوْبَةِ وَلَا حَقِيقَتَهَا ، فَضْلًا عَنِ الْقِيَامِ بِهَا عِلْمًا وَعَمَلًا وَحَالًا، وَلَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ تَعَالَى مَحَبَّتَهُ لِلتَّوَّابِينَ إِلَّا وَهُمْ خَوَاصُّ الْخَلْقِ لَدَيْهِ

وَلَوْلَا أَنَّ التَّوْبَةَ اسْمٌ جَامِعٌ لِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ وَحَقَائِقِ الْإِيمَانِ لَمْ يَكُنِ الرَّبُّ تَعَالَى يَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ ذَلِكَ الْفَرَحَ الْعَظِيمَ ، فَجَمِيعُ مَا يَتَكَلَّمُ فِيهِ النَّاسُ مِنَ الْمَقَامَاتِ وَالْأَحْوَالِ هُوَ تَفَاصِيلُ التَّوْبَةِ وَآثَارُهَا " .

انتهى من "مدارج السالكين" (1/ 312-314).

ثالثا :

أما وقت العمل الصالح الذي يكون مع التوبة ، فالعمل الصالح المتعلق بالمعصية التي تاب منها ، كالمحافظة على الواجبات ورد المظالم إلى أهلها ، فذلك العمل جزء من التوبة لا تصح إلا به

فلابد أن يكون مقترنا بها ، أما ما زاد على ذلك من الأعمال الصالحة فليس له وقت محدد ، وكلما أكثر التائب من عمل الصالحات كان ذلك أحسن وأكمل .

والله تعالى أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-16, 16:41
التوبة

السؤال

عملت ذنوباً كثيرة لا يعلمها إلا الله فماذا علي أن افعل حتى يتوب الله عليّ ؟.

الجواب

الحمد لله

يضعف إيمان المسلم ويغلبه الهوى .. ويزين له الشيطان المعصية .. فيظلم نفسه .. ويقع فيما حرم الله .. والله لطيف بالعباد .. ورحمته وسعت كل شيء .. فمن تاب بعد ظلمه فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم ..

( فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم ) المائدة/39.

والله عفو كريم .. أمر جميع المؤمنين بالتوبة النصوح ليفوزوا برحمة الله وجنته فقال : ( يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ) التحريم/8.

وباب التوبة مفتوح للعباد , حتى تطلع الشمس من مغربها , قال عليه الصلاة والسلام

: ( إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها ) رواه مسلم برقم 2759.

والتوبة النصوح ليست كلمة تقال باللسان .. بل يشترط في قبول التوبة أن يقلع صاحبها عن الذنب فوراً .. ويندم على ما فات .. ويعزم على أن لا يعود إلى ما تاب منه ..

وأن يرد المظالم أو الحقوق إن كانت لأهلها .. وأن تكون التوبة قبل معاينة الموت

..قال تعالى : ( إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليماً حكيماً -

وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذاباً أليماً ) النساء / 17 -18 .

والله تواب رحيم يدعو أصحاب الذنوب إلى التوبة , ليغفر لهم ( كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءاً بِجَهَالَةٍ ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم ) الأنعام / 54.

والله رؤوف بالعباد يحب التائبين .. ويقبل توبتهم كما قال سبحانه ( وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون ) الشورى/25 .

وقال سبحانه : ( إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ) البقرة / 222.

والكافر إذا أسلم .. يبدل الله سيئاته حسنات .. ويغفر له ما سلف من ذنوب كما قال سبحانه ( قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ) الأنفال/38.

والله غفور رحيم يحب التوبة من عباده , ويأمرهم بها ليغفر لهم ..

وشياطين الإنس والجن يريدون أن يميلوا بالناس من الحق إلى الباطل كما قال سبحانه : ( والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً ) النساء / 27.

ورحمة الله وسعت كل شيء .. فإذا عظمت ذنوب العبد .. وأسرف على نفسه في المعاصي , والآثام , ثم تاب .. فإن الله يتوب عليه .. ويغفر ذنوبه مهما بلغت كما قال سبحانه :

( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم ) الزمر/53.

وقال عليه الصلاة والسلام ( ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا , حين يبقى ثلث الليل الآخر , فيقول من يدعوني فأستجيب له , من يسألني فأعطيه ، من يستغفرني فأغفر له ) رواه البخاري (1077) ومسلم(758) .

والنفس ضعيفة .. فإذا أذنب الإنسان فعليه بالتوبة والاستغفار كل حين فإن الله غفور رحيم وهو القائل : ( ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً ) النساء /110.

والمسلم عُرضة للأخطاء والمعاصي .. فينبغي له الإكثار من التوبة والاستغفار .. قال عليه الصلاة والسلام ( والله إني لأستغفر الله , وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة ) رواه البخاري برقم 6307.

والله يحب من عبده التوبة , ويقبلها , بل يفرح بها كما قال النبي عليه الصلاة والسلام ( لَلَّه أفرح بتوبة عبده من أحدكم , سقط على بعيره , وقد أضله في أرض فلاة )

متفق عليه أخرجه البخاري برقم 6309.

كتاب أصول الدين الإسلامي تأليف الشيخ : محمد بن ابراهيم التويجري

*عبدالرحمن*
2019-02-16, 16:45
توجيه قول بني إسرائيل لمريم الصديقة : ( يَا أُخْتَ هَارُونَ ) .

السؤال

لماذا ذكرت مريم العذراء في القرآن الكريم بأخت هارون ، أخي موسى عليه السلام ؟

الجواب

الحمد لله

قال الله عز وجل عن مريم الصديقة لما رزقها الله بعيسى عليه السلام : ( فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ) مريم/ 27 ، 28 .

فاختلف أهل العلم في قولهم لها : ( يَا أُخْتَ هَارُونَ ) :

قال ابن كثير رحمه الله :

" (يَا أُخْتَ هارُونَ) أَيْ يَا شبيهة هارون في الْعِبَادَةِ ، مَا كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا .

أَيْ : أَنْتِ مِنْ بَيْتٍ طَيِّبٍ طَاهِرٍ مَعْرُوفٍ بِالصَّلَاحِ وَالْعِبَادَةِ وَالزَّهَادَةِ ، فَكَيْفَ صَدَرَ هَذَا مِنْكِ ؟

قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ وَالسُّدِّيُّ : قِيلَ لَهَا : يَا أُخْتَ هارُونَ : أَيْ : أَخِي مُوسَى ، وَكَانَتْ مِنْ نَسْلِهِ ، كَمَا يُقَالُ لِلتَّمِيمِيِّ : يَا أَخَا تَمِيمٍ ، وَلِلْمُضَرِيِّ : يَا أَخَا مُضَرٍ .

وَقِيلَ : نُسِبَتْ إِلَى رَجُلٍ صَالِحٍ كَانَ فِيهِمُ اسْمُهُ هَارُونُ ، فَكَانَتْ تُقَاسُ بِهِ في الزهادة والعبادة .

وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُمْ شَبَّهُوهَا بِرَجُلٍ فَاجِرٍ كَانَ فِيهِمْ ، يُقَالُ لَهُ هَارُونُ . وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ "

انتهى من " تفسير ابن كثير" (5/200-201) .

وقال ابن الجوزي رحمه الله : " قال ابن قتيبة : أي يا شبيهة هارون في الصلاح " .

انتهى من " كشف المشكل " (4/92) .

وحاصل ذلك :

أن العلماء اختلفوا في هارون المذكور :

هل هو هارون أخو موسى ، عليهما السلام ، أو لا ؟

وعلى أي منهما ، فلم يكن مرادهم أنه أخته من النسب ، بل المراد أنها شبيته ، إما شبيهة هارون النبي في صلاحه ، أو الآخر المذكور .

أو أن المراد أنها أخته ، أي من قبيلته ، ونسله ، ونسبه .

والصحيح أن هارون المذكور في هذه الآية ، ليس هو أخا موسى بن عمران ، عليهما السلام ، بل كان سميا له ، وشبيها له في اسمه .

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله :

" وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ : يَا أُخْتَ هَارُونَ ، لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ هَارُونَ بْنَ عِمْرَانَ أَخَا مُوسَى ، كَمَا يَظُنُّهُ بَعْضُ الْجَهَلَةِ ، وَإِنَّمَا هُوَ رَجُلٌ آخَرُ صَالِحٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يُسَمَّى هَارُونَ

وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ هَارُونَ أَخَا مُوسَى : مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي صَحِيحِهِ [2135] عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ : لَمَّا قَدِمْتُ نَجْرَانَ سَأَلُونِي فَقَالُوا : إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ : يَا أُخْتَ هَارُونَ ، وَمُوسَى قَبْلُ عِيسَى بِكَذَا وَكَذَا ؟

فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ

فَقَالَ : إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَ بِأَنْبِيَائِهِمْ وَالصَّالِحِينَ قَبْلَهُمْ اهـ .. وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ رَجُلٌ آخَرُ غَيْرُ هَارُونَ أَخِي مُوسَى ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَارُونَ أَخَا مُوسَى قَبْلَ مَرْيَمَ بِزَمَنٍ طَوِيلٍ .

وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي " الْكَافِي الشَّافْ فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الْكَشَّافْ " فِي قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ : إِنَّمَا عَنَوْا هَارُونَ النَّبِيَّ ، مَا نَصُّهُ : لَمْ أَجِدْهُ هَكَذَا إِلَّا عِنْدَ الثَّعْلَبِيِّ بِغَيْرِ سَنَدٍ ، وَرَوَاهُ الطَّبَرِيُّ عَنِ السُّدِّيِّ قَوْلَهُ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ... "

قال الشنقيطي رحمه الله :

" وَبِهَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَأَيْتَ إِخْرَاجَ هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَةِ لَهُ ، وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ بِلَفْظِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي صَحِيحِهِ

: تَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْمُرَادَ هَارُونُ أَخُو مُوسَى ، بَاطِلٌ ؛ سَوَاءٌ قِيلَ إِنَّهَا أُخْتُهُ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِأَنَّهَا أُخْتُهُ : أَنَّهَا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ، كَمَا يُقَالُ لِلرَّجُلِ: يَا أَخَا تَمِيمٍ، وَالْمُرَادُ يَا أَخَا بَنِي تَمِيمٍ ; لِأَنَّهُ مِنْ ذُرِّيَّةِ تَمِيمٍ ...

وَإِذَا حَقَّقْتَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَارُونَ فِي الْآيَةِ غَيْرُ هَارُونَ أَخِي مُوسَى، فَاعْلَمْ أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ، قَالَ: إِنَّ لَهَا أَخًا اسْمُهُ هَارُونَ، وَبَعْضَهُمْ يَقُولُ: إِنَّ هَارُونَ الْمَذْكُورَ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهَا مَشْهُورٌ بِالصَّلَاحِ

وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ بِكَوْنِهَا أُخْتَهُ أَنَّهَا تُشْبِهُهُ فِي الْعِبَادَةِ وَالتَّقْوَى، وَإِطْلَاقُ اسْمِ الْأَخِ عَلَى النَّظِيرِ الْمُشَابِهِ مَعْرُوفٌ فِي الْقُرْآنِ وَفِي كَلَامِ الْعَرَبِ.."

انتهى باختصار من "أضواء البيان" (3/415) .

وقال ابن القيم رحمه الله :

" لَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ هَارُونُ بْنُ عِمْرَانَ حَتَّى يَلْزَمَ الْإِشْكَالُ ، بَلِ الْمُورِدُ ضَمَّ إِلَى هَذَا أَنَّهُ هَارُونُ بْنُ عِمْرَانَ ، وَلَمْ يَكْتَفِ بِذَلِكَ حَتَّى ضَمَّ إِلَيْهِ أَنَّهُ أَخُو مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ

وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يَدُلُّ اللَّفْظُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، فَإِيرَادُهُ إِيرَادٌ فَاسِدٌ وَهُوَ إِمَّا مِنْ سُوءِ الْفَهْمِ أَوْ فَسَادِ الْقَصْدِ "

انتهى من " زاد المعاد " (3/ 563)

. وينظر : " درء تعارض العقل والنقل " لابن تيمية (7/ 68).

وراجع للفائدة جواب السؤال القادم

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-16, 16:50
من هم آل عمران ؟

السؤال

من هم آل عمران الذين ذكر الله اصطفاءهم في سورة " آل عمران "

وما هي فضائلهم وخصائصهم

وهل موسى بن عمران عليه السلام منهم ؟

الجواب

الحمد لله

أولا :

آل عمران من المؤمنين الذين أخبر الله عز وجل أنه اصطفاهم وفضلهم على العالمين

وذلك في قوله سبحانه وتعالى : ( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ . ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ .

إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ

. فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ .

فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) سورة آل عمران/33-37.

وظاهر من الآيات الكريمات أن " عمران " المقصود فيها هو والد " مريم " عليها السلام ، وليس عمران والد نبي الله موسى عليه السلام –

كما ذهب إليه بعض المفسرين -، وقد قال المفسرون : إن ما بين العمرانين ألفا وثمانمائة سنة .

يقول ابن كثير رحمه الله :

" المراد بعمران هذا : هو والد مريم بنت عمران ، أم عيسى ابن مريم عليهم السلام " انتهى.

" تفسير القرآن العظيم " (2/33)

ويقول الطاهر بن عاشور رحمه الله :

" وأما آل عمران : فهم مريم ، وعيسى ، فمريم بنت عمران بن ماتان كذا سماه المفسرون ،

وكان من أحبار اليهود وصالحيهم ، وأصله بالعبرانية ( عمرام ) بميم في آخره ، فهو أبو مريم . وفي كتب النصارى : أن اسمه ( يوهاقيم )، فلعله كان له اسمان ، ومثله كثير .

وليس المراد هنا عمران والد موسى وهارون ؛ إذ المقصود هنا التمهيد لذكر مريم وابنها عيسى ، بدليل قوله : ( إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَان ) " انتهى.

" التحرير والتنوير " (3/84)

ثانيا :

وأما أوجه اصطفاء " آل عمران " على البشر فهي كثيرة عديدة ، منها :

إكرامهم بإدراج النبوة فيهم ، وذلك في نبي الله عيسى عليه السلام الذي كان من أولي

العزم من الرسل ، وفي نبي الله يحيى عليه السلام ، فهو ابن خالة المسيح عليه السلام

ولدته " إيشاع " أخت مريم في قول جمهور المفسرين ، فهو إذن من آل عمران وذريته .

وانظر جواب السؤال القادم

اصطفاؤهم بجعلهم بيت صلاح وخير وتقوى ، فقد كان بيت آل عمران مشهورا بالدين
والعبادة

واشتهر في كتب التاريخ أن عمران كان من صالحي أهل زمانه ، كما ذكر

القرآن الكريم أن امرأة عمران نذرت ما في بطنها لله سبحانه ، كي يكون وقفا على
العبادة

وذلك في قوله تعالى : ( إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي
مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ )

وكل ذلك بسبب إكرام الله عز وجل لهم

واصطفائه إياهم على أهل زمانهم ببلوغهم كمال الصلاح والديانة .

ثم إن من أوجه اصطفائهم تلك الفضائل الكثيرة الواردة لأفرادهم ، والقرآن الكريم مليء
بالآيات التي تتحدث عن عيسى بن مريم وأمه عليهما السلام

وعن عظيم منزلتهما

وكرامتهما عند الله تعالى

كقوله عز وجل : ( إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ
بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ) آل
عمران/45

وقوله تعالى : ( وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ
وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ) آل عمران/42

وفي القرآن الكريم أيضا ذكر لبعض ما

خص الله عز وجل به عيسى بن مريم وأمه

وذلك في قوله سبحانه : ( إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا
عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي
الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ

وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ

الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ

الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا

إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ) المائدة/110. كما وردت الآيات أيضا تتحدث عن نبي الله يحيى عليه السلام ، حتى قال الله عز وجل عنه : ( لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا ) مريم/7.

وهكذا ففضائل آل عمران متواترة في الكتاب والسنة ، وهي دليل ظاهر على أن أهل هذا البيت الكريم من المصطفين عند الله عز وجل .

وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن عمران المذكور بالاصطفاء هنا : هو والد نبي الله موسى ، عليه السلام ، وفي المراد بآل عمران أقوال أخرى .

ينظر : "النكت والعيون" للماوردي (1/386)

"مفاتيح الغيب للرازي" (8/20-21) .

وما ذكرناه أولا أظهر ، وأقرب لسياق الآيات .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-16, 16:53
المسيح ويحيى عليهما السلام ابنا خالة

السؤال

هل كانت السيدة مريم عليها السلام وحيدة لأهلها ، وإذا كان ذلك صحيحا فكيف يكون السيد المسيح عليه السلام وسيدنا يحيى عليه السلام ابنا خالة ؟.

الجواب

الحمد لله

الذي يذكره أهل التاريخ والسير أن عمران والد مريم تزوج من امرأة اسمها ( حَنَّة )

وأن زكريا عليه السلام تزوج من امرأة اسمها ( إِيشَاع ) ، فأنجب عمران وحنة مريم عليها السلام ، وأنجب زكريا وإيشاع يحيى عليه السلام .

ثم اختلفوا : من تكون ( إِيشَاع ) أم يحيى عليه السلام ؟ على قولين :

الأول : أنها أخت مريم عليها السلام ، وهو قول الجمهور

كما يقول ابن كثير في "البداية والنهاية" (1/438) .

وعليه فيكون عيسى ويحيى عليهما السلام ابنا خالة على الحقيقة

لأنهما أبناء أختين ( مريم وإِيشَاع ) .

واستدلوا بظاهر حديث المعراج عن مالك بن صعصعة رضي الله عنه ، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم حدثهم عن ليلة أسري به فكان مما قال : ( ثُمَّ صَعدَ حَتَّى إِذَا أَتَى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ فَاستَفتَحَ

قِيلَ مَن هَذَا ؟ قَالَ : جِبرِيلُ . قِيلَ : وَمَن مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . قِيلَ : وَقَد أُرسِلَ إِلَيهِ ؟

قَالَ : نَعَم . قِيلَ : مَرحَبًا بِهِ ، فَنِعمَ المَجِيءُ جَاءَ . فَفُتِحَ ، فَلَمَّا خَلَصتُ إِذَا يَحيَى وَعِيسَى - وَهُمَا ابنَا الخَالَةِ - ، قَالَ : هَذَا يَحيَى وَعِيسَى ، فَسَلِّمَ عَلَيهِمَا ، فَسَلَّمتُ

فَرَدَّا ، ثُمَّ قَالا : مَرحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ ) رواه البخاري (3207) وهذا لفظه ومسلم (164)

الثاني : أن ( إِيشَاع ) هي أخت أم مريم ( حَنَّة ) ، فتكون إِيشَاع خالة مريم عليها السلام ، وهو الذي ذكره ابن إسحاق وابن جرير "جامع البيان" (3/234) ، واقتصر عليه الحافظ ابن حجر في فتح الباري (6/68)

فعلى هذا القول : كيف يكون عيسى ويحيى عليهما السلام ابنا خالة ؟

قالوا : لأن خالة الأم بمنزلة الخالة الحقيقية ، فأم يحيى هي خالة مريم ، فهي خالة ابنها عيسى عليهم السلام جميعا ، كما أن مريم تكون ابنة خالة يحيى ، فيكون ابنها عيسى ابن خالته أيضا.

يقول الإمام أبو السعود في تفسيره (2/27) :

" وأما قوله عليه الصلاة والسلام في شأن يحيى وعيسى عليهما الصلاة والسلام هما ( ابنا خالة ) قيل : تأويله أن الأخت كثيرا ما تطلق على بنت الأخت ، وبهذا الاعتبار جعلهما عليهما الصلاة والسلام ابني خالة " انتهى .

ودليلهم على ذلك أن المشهور أن امرأة عمران ( حَنَّة ) لم تكن تحمل ولا تلد ، فلما حملت بمريم بإذن الله نذرتها لله ولخدمة بيت المقدس ، وهذا ما يؤيده السياق القرآني .

يقول الله تعالى : ( إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً ، فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) آل عمران/35

قال ابن كثير رحمه الله في "تفسير القرآن العظيم" (1/478) :

" قال محمد بن إسحاق : وكانت [ يعني : امرأة عمران ] امرأةً لا تحمل ، فرأت يوما طائرا يزُق فَرخَهُ ، فاشتهت الولد ، فدعت الله تعالى أن يهبها ولدا ، فاستجاب الله دعاءها

فواقعها زوجها فحملت منه ، فلما تحققت الحمل نذرت أن يكون محررا -

أي : خالصا - مفرغا للعبادة ولخدمة بيت المقدس ، فقالت : ( رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً ، فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيم ) أي : السميع لدعائي العليم بنيتي " انتهى .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-16, 16:57
تفسير قوله تعالى : ( وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ )

السؤال

هل معنى كلمة الزوجين يشمل ما كان من نفس النوع كالتفاح مثلاً ؟

وهل أتت الكلمة " الزوجين " في نفس السياق في جميع الآيات التي تتحدث عن خلق كل شيء أزواجاً

فهل يمكنكم ذكر بعض الأمثلة على استخدامات الكلمة مع ذكر الدليل ؟

الجواب

الحمد لله

قال الله عز وجل : ( وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) الذاريات/ 49 .

ومعنى الآية : أن الله تعالى خلق من جميع الكائنات زوجين ، أي : صنفين متقابلين . كالذكر والأنثى

والليل والنهار ، والحر والبرد ..إلخ . وذلك يدل على كمال قدرة الله تعالى الذي يخلق ما يشاء ، فيخلق الشيء ويخلق ما يخالفه في الصفات .

قال الطبري رحمه الله :

" واختلف في معنى (خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ) فقال بعضهم : عنى به : ومن كلّ شيء خلقنا نوعين مختلفين كالشقاء والسعادة ، والهدى والضلالة ، ونحو ذلك .

قال مجاهد : الكفر والإيمان ، والشقاوة والسعادة ، والهدى والضلالة ، والليل والنهار ، والسماء والأرض ، والإنس والجنّ .

وقال آخرون : عنى بالزوجين : الذكر والأنثى .

وأولى القولين في ذلك قول مجاهد ، وهو أن الله تبارك وتعالى ، خلق لكلِّ ما خَلَقَ من خلقه ثانياً له مخالفاً في معناه ، فكلّ واحد منهما زوج للآخر

ولذلك قيل : خلقنا زوجين . وإنما نبه جلّ ثناؤه بذلك على قُدرته على خلق ما يشاء خلقه من شيء ، وأنه ليس كالأشياء التي شأنها فعل نوع واحد دون خلافه

إذ كلّ ما صفته فعل نوع واحد دون ما عداه كالنار التي شأنها التسخين ، ولا تصلح للتبريد

وكالثلج الذي شأنه التبريد ، ولا يصلح للتسخين ، فلا يجوز أن يوصف بالكمال ، وإنما كمال المدح للقادر على فعل كلّ ما شاء فعله من الأشياء المختلفة والمتفقة

" انتهى من " تفسير الطبري " (22/439-440) .

وقال ابن كثير رحمه الله :

" ( وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ ) أَيْ : جَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ أَزْوَاجٌ : سَمَاءٌ وَأَرْضٌ ، وَلَيْلٌ وَنَهَارٌ ، وَشَمْسٌ وَقَمَرٌ ، وَبَرٌّ وَبَحْرٌ ، وَضِيَاءٌ وَظَلَامٌ ، وَإِيمَانٌ وَكُفْرٌ ، وَمَوْتٌ وَحَيَاةٌ ، وَشَقَاءٌ وَسَعَادَةٌ

وَجَنَّةٌ وَنَارٌ ، حَتَّى الْحَيَوَانَاتُ ، جِنٌّ وَإِنْسٌ ، ذُكُورٌ وَإِنَاثٌ ، وَالنَّبَاتَاتُ ، وَلِهَذَا قَالَ : ( لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) أَيْ : لِتَعْلَمُوا أَنَّ الْخَالِقَ واحدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ "

انتهى من " تفسير ابن كثير " (7/ 424) .

وقال القرطبي رحمه الله :

" قوله تَعَالَى : (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ) : أَيْ صِنْفَيْنِ وَنَوْعَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ. قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : أَيْ ذَكَرًا وَأُنْثَى ، وَحُلْوًا وَحَامِضًا وَنَحْوَ ذَلِكَ. وقال مُجَاهِدٌ: يَعْنِي الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى، وَالسَّمَاءَ وَالْأَرْضَ

وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، وَاللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَالنُّورَ وَالظَّلَامَ، وَالسَّهْلَ وَالْجَبَلَ، وَالْجِنَّ وَالْإِنْسَ، وَالْخَيْرَ وَالشَّرَّ،

وَالْبُكْرَةَ وَالْعَشِيَّ، وَكَالْأَشْيَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ الألوان مِنَ الطُّعُومِ وَالْأَرَايِيحِ وَالْأَصْوَاتِ. أَيْ جَعَلْنَا هَذَا كَهَذَا دَلَالَةً عَلَى قُدْرَتِنَا، وَمَنْ قَدَرَ عَلَى هَذَا فَلْيَقْدِرْ عَلَى الْإِعَادَةِ"

انتهى من " تفسير القرطبي " (17/53) .

وقال ابن جزي رحمه الله :

" أي نوعين مختلفين ، كالليل والنهار ، والسواد والبياض ، والصحة والمرض وغير ذلك "

انتهى من " تفسير ابن جزي " (2/310) .

وأما قوله تعالى : (وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) الرعد/ 3 .

قال ابن كثير : " أَيْ : مِنْ كُلِّ شَكْلٍ صِنْفَانِ "

انتهى من " تفسير ابن كثير " (4/431) .

وقال القرطبي :

" بِمَعْنَى صِنْفَيْنِ . قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الزَّوْجُ وَاحِدٌ، وَيَكُونُ اثْنَيْنِ.

وَقِيلَ: مَعْنَى" زَوْجَيْنِ" نَوْعَانِ ، كَالْحُلْوِ وَالْحَامِضِ ، وَالرَّطْبِ وَالْيَابِسِ ، وَالْأَبْيَضِ وَالْأَسْوَدِ ، وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ "

انتهى من " تفسير القرطبي " (9/280) .

وقال ابن عطية رحمه الله :

" الزوج في هذه الآية : الصنف والنوع ... ومنه قوله تعالى : ( سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ ) يس/ 36

ومثل هذه الآية : (وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) ق/ 7 .

وهذه الآية تقتضي أن كل ثمرة فموجود منها نوعان، فإن اتفق أن يوجد في ثمرة أكثر من نوعين فغير ضار في معنى الآية ... ويقال: إن في كل ثمرة ذكراً وأنثى "

انتهى من " تفسير ابن عطية " (3/293) .

وقال تعالى : ( وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ) ق/ 7 .

قال ابن كثير : " أَيْ : مِنْ جَمِيعِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ وَالنَّبَاتِ وَالْأَنْوَاعِ "

انتهى من " تفسير ابن كثير " (7/ 396) .

وقال السعدي رحمه الله :

" أي : من كل صنف من أصناف النبات ، التي تسر ناظرها ، وتعجب مبصرها ، وتقر عين رامقها ، لأكل بني آدم ، وأكل بهائمهم ومنافعهم "

انتهى من " تفسير السعدي " (ص/804) .

فالزوج : الصنف ، والزوجان الصنفان المتقابلان ، كالحلو والحامض ، والعذب والملح ، فالتفاح صنف ، والبرتقال صنف ، ولكل صنف طعم ولون .

ويمكن أن يكون الزوجان من الصنف الواحد ، كالبرتقال والتفاح والبلح والعنب ، ففيها الذكر والأنثى ، والصغير والكبير ، والأنواع المختلفة اللون والطعم .

وأما قوله تعالى : (وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا) النبأ/ 8

فهو كقوله عز وجل : (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا ) النحل/ 72

وقوله : ( وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا ) فاطر/ 11 ،

وقوله : (جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا ) الشورى/11 .

فالخطاب هنا لبني آدم ، والمعنى : خلقناكم ذكورا وإناثا من جنس واحد ، ليسكن كل منهما إلى الآخر ، فتكون المودة والرحمة ، وتنشأ عنهما الذرية .

" تفسير ابن كثير " (8/302)

" تفسير السعدي " (ص/906) .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-16, 17:05
القول بأن (ق) جبل محيط بالأرض من خرافات بني إسرائيل

السؤال

ما صحة ما ورد في كتب التفسير في أنّ " قاف " وهو من الحروف المقطعة الوارد ذكرها في القرآن الكريم هو جبل يحيط بجميع الأرض مع علمنا بأنه لا يوجد جبل يحيط بالأرض ؟

الجواب

الحمد لله

القول بأن (ق) جبل يحيط بالأرض قول باطل لا يصح ، وليس في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية ما يدل على وجود هذا الجبل ، فلا يجوز أن ينسب ذلك إلى الدين ولا إلى القرآن الكريم

ولعل هذا القول هو من الإسرائيليات التي توسع بعض الناس في التحدث بها .

والصحيح في تفسير (ق) أنه حرف من الحروف الهجائية كتلك الحروف التي افتتحت بها بعض السور

ولمعرفة المزيد عن الحكمة من هذه الأحرف تنظر الفتوى القادمه

وقد تكلف بعض الناس في دلالة (ق) ما معناه ؟ على أقوال كثيرة ، منها هذا القول الذي ذكره السائل .

قال أبو حيان الأندلسي رحمه الله :

" و ( ق ) حرف هجاء ، وقد اختلف المفسرون في مدلوله على أحد عشر قولا متعارضة ، لا دليل على صحة شيء منها ، فاطرحت نقلها في كتابي هذا "

انتهى من " البحر المحيط " (9/528) .

وقال القرافي رحمه الله - عن هذا القول الذي سأل عنه السائل - :

" وهذا القول باطل ... ومن جهة السّنَّة لم يرد ذلك في شيء علمته ، فلا يجوز اعتقاد ما لا دليل عليه "

انتهى من " اليواقيت في أحكام المواقيت " (ص/83) .

ومما يدل على بطلان هذا القول :

أولا : لو كان هذا الجبل موجودا لأمكن مشاهدته بالعين ، والحس والمشاهدة يشهدان بعدم وجوده

كما قال ذلك القرافي في كتابه " اليواقيت في أحكام المواقيت " (ص/83)

والألوسي في تفسيره " روح المعاني " (25/413) .

ثانيا : جزم بعض العلماء كابن كثير رحمه الله بأن هذا القول هو من خرافات بني إسرائيل .

فقال : " وقد روي عن بعض السلف أنهم قالوا ( ق ) : جبل محيط بجميع الأرض ، يقال له جبل قاف ، وكأن هذا -

والله أعلم - من خرافات بني إسرائيل التي أخذها عنهم بعض الناس ، لما رأى من جواز الرواية عنهم فيما لا يصدق ولا يكذب . وعندي أن هذا وأمثاله وأشباهه من اختلاق بعض زنادقتهم

يُلَبِّسون به على الناس أمر دينهم ، كما افْتُرِي في هذه الأمة - مع جلالة قدر علمائها وحفاظها وأئمتها - أحاديثُ عن النبي صلى الله عليه وسلم وما بالعهد من قِدَمٍ ، فكيف بأمة بني إسرائيل مع طول المدى

وقلة الحفاظ النقاد فيهم ، وشربهم الخمور ، وتحريف علمائهم الكلم عن مواضعه

وتبديل كتب الله وآياته ! وإنما أباح الشارع الرواية عنهم في قوله : ( وحدثوا عن بني إسرائيل ، ولا حرج ) فيما قد يجوزه العقل

فأما فيما تحيله العقول ويحكم عليه بالبطلان ، ويغلب على الظنون كذبه ، فليس من هذا القبيل . والله أعلم .

وقد أكثر كثير من السلف من المفسرين ، وكذا طائفة كثيرة من الخلف ، من الحكاية عن كتب أهل الكتاب في تفسير القرآن المجيد ، وليس بهم احتياج إلى أخبارهم ، ولله الحمد والمنة " ا

نتهى من " تفسير ابن كثير " (7/394) .

وقال الطاهر بن عاشور رحمه الله :

" ووقع في رواية بعض القصاصين المكذوبة عن ابن عباس أن المراد بقوله : ( ق ) اسم جبل عظيم محيط بالأرض . وفي رواية عنه أنه اسم لكل واحد من جبال سبعة محيطة بالأرضين السبع واحدا وراء واحد

كما أن الأرضين السبع أرض وراء أرض . أي فهو اسم جنس انحصرت أفراده في سبعة ، وأطالوا في وصف ذلك بما أملاه عليهم الخيال المشفوع بقلة التثبت فيما يروونه للإغراب

وذلك من الأوهام المخلوطة ببعض أقوال قدماء المشرقيين ، وبسوء فهم البعض في علم جغرافية الأرض وتخيلهم إياها رقاعا مسطحة ذات تقاسيم يحيط بكل قسم منها ما يفصله عن القسم الآخر من بحار وجبال

وهذا مما ينبغي ترفع العلماء عن الاشتغال بذكره لولا أن كثيرا من المفسرين ذكروه "

انتهى من " التحرير والتنوير " (26/276) .

ثالثا : لو كان (ق) اسم جبل لكتب كاملا كما تكتب الأسماء بثلاثة أحرف هكذا : " قاف " ولم يكتب بحرف هجاء واحد " ق " .

قال الطاهر بن عاشور رحمه الله :

" ومن العجب أن تُفرض هذه الأوهام في تفسير هذا الحرف من القرآن ، ألم يكفهم أنه مكتوب على صورة حروف التهجّي مثل ( الم ) و ( كهيعص ) ولو أريد الجبل الموهوم لكتب (قاف) ثلاثة حروف كما تكتب دوال الأشياء

مثل عين : اسم الجارحة ... فلا يصح أن يدل على هذه الأسماء بحروف التهجّي كما لا يخفى "

انتهى من " التحرير والتنوير " (26/276) .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-16, 17:07
المراد بالحروف المقطعة في القرآن الكريم

السؤال

ما المراد بالآية : (ألم) ، وما شابهها من الآيات الأخرى الواردة في القرآن ؟

وماذا قال العلماء عن تلك الآيات ؟.

الجواب

الحمد لله

" قد توقف في تفسير هذه الآية وغيرها من الحروف المقطعة جمع من العلماء كالخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم وغيرهم من الصحابة والتابعين وأتباعهم

ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسرها فيستحسن أن نقول : الله أعلم بالمراد منها

. ولكن ثبت عن بعض المفسرين من الصحابة والتابعين وأتباعهم أنهم بينوا تفسيرها واختلفوا فيه ..

. أهـ الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور للدكتور/ حكمت بشير ، ج/1 ص/94

والتمس بعض العلماء الحكمة من هذه الحروف فقالوا

: " أنها ذكرت هذه الحروف والله أعلم في أول السور التي ذكرت فيها بياناً لإعجاز القرآن

وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله ، هذا مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها

وهذا هو الذي نصره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وارتضاه أبو الحجاج المزّي رحمه الله . وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم ."

فتاوى اللجنة الدائمة ج/ 4 ص/144.

: الشيخ محمد صالح المنجد

و اخيرا

الحمد لله الذي بفضلة تتم الصالحات

اخوة الاسلام

اكتفي بهذا القدر و لنا عوده
ان قدر الله لنا البقاء و اللقاء

و اسال الله ان يجمعني بكم دائما
علي خير

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين

*عبدالرحمن*
2019-02-17, 16:32
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)
اخوة الاسلام

أحييكم بتحية الإسلام
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)


ينفخ إسرافيل في الصور نفخة البعث ، فيكون نبينا صلى الله عليه وسلم أول من يبعث

السؤال

سمعت في إحدى المحاضرات أن إسرافيل سينفخ في الصور ثلاث مرات ، الأولى نفخة الفزع والثانية نفخة الموت ، فيموت الجميع بمن فيهم إسرافيل نفسه ، والثالثة نفخة البعث

وسمعت أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم سيكون أول من يُبعث ، لكن أليس من المنطقي أن يُبعث الملك ( إسرافيل ) أولاً لكي ينفخ النفخة الثالثة ؟

أم المعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم سيكون أول الخلق بعثاً دون تدخل من إسرافيل ؟

الجواب

الحمد لله

أولا :

قال تعالى : ( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ) الزمر/ 68 .

اختلف أهل العلم في النفخ في الصور ، هل هو نفختان ، أم ثلاث ؟ والراجح أنهما نفختان

كما تدل عليه الآية السابقة .

قال الشيخ ابن باز رحمه الله :

" الصور قرن عظيم ، ينفخ فيه إسرافيل النفخة الأولى للموت والفزع ، والنفخة الثانية للبعث والنشور . هاتان النفختان جاء بهما القرآن الكريم . إحداهما يقال لها : نفخة الصعق

ويقال لها : نفخة الفزع ، وبها يموت الناس ، والثانية نفخة البعث ، وقال جماعة من العلماء : إنها ثلاث : نفخة الفزع ، وقد يفزع الناس فقط ، ثم تأتي بعدها نفخة الموت

ثم نفخة البعث والنشور . والمحفوظ نفختان فقط ، كما دل عليهما كتاب الله العظيم "

انتهى من " فتاوى نور على الدرب " (4/ 327) .

فإذا أذن الله تعالى بموت الأحياء أمر ملك الصور أن ينفخ فيه ؛ فينفخ نفخة عظيمة تفزع جميع الخلائق فيصعقون منها ويهلكون ، ثم يمكثون على ذلك مدة ، الله أعلم بمقدارها

فتتحلل أجسادهم في هذه المدة ولا يبقى منها إلا عجب الذنب ، وهو العظم المستدير الذي في أصل الظهر ، ثم يرسل الله سحابا فتمطر مطرا فإذا أصاب الماء

هذا العظم نبت منه الجسم كما ينبت النبات ويتركب الخلق من هذا العظم ، ثم ينفخ في الصور نفخة البعث فتعود الأرواح إلى الأجساد ، فيخرجون من القبور سراعا إلى أرض المحشر .

وانظر لمزيد الفائدة الفتوى القادمة

ثانيا :

روى البخاري (3398) - واللفظ له - ومسلم (2374)

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( النَّاسُ يَصْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ ، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ العَرْشِ ، فَلاَ أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي أَمْ جُوزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ ) .

وروى البخاري (2411) ، ومسلم (2373) - واللفظ له

- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللهِ

فَإِنَّهُ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَيَصْعَقُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ

قَالَ : ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ بُعِث َ، أَوْ فِي أَوَّلِ مَنْ بُعِثَ ، فَإِذَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ آخِذٌ بِالْعَرْشِ ، فَلَا أَدْرِي أَحُوسِبَ بِصَعْقَتِهِ يَوْمَ الطُّور ِ، أَوْ بُعِثَ قَبْلِي ) .

وفي رواية للبخاري (2412) : ( النَّاس يَصْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ ... ) .

وقد ذهب بعض أهل العلم أن قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن موسى عليه السلام : ( فَلَا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي أَمْ جُوزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ ) ، يَحْتَمِلُ أَنَّهُ قَالَهُ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ .

انظر : " شرح النووي على مسلم " (15/131) .

وروى أبو داود (4673) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ :

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ ، وَأَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ ) ، وصححه الألباني في " صحيح سنن أبي داود " .

وروى البخاري (4439) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنِّي أَوَّلُ مَنْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الْآخِرَةِ ) .

وقال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء :

" أول من تنشق عنه الأرض نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهو أول من يفيق من الصعق "

انتهى من " فتاوى اللجنة الدائمة – المجموعة الأولى " (3/458) .

يستفاد من هذه الأحاديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم هو أول من يبعث وتنشق عنه الأرض يوم القيامة من بني آدم ، وأن إسرافيل عليه السلام يكون حيا حينما يبعث النبي صلى الله عليه وسلم ويقوم من قبره

لأنه ينفخ في الصور ، فيكون النبي صلى الله عليه وسلم أول من يبعث من أهل الأرض بعد النفخ في الصور .

وحينئذ يكون أمامنا أحد الاحتمالين :

الأول : أن يكون الذي قاله السائل صحيحًا ، وهو أن إسرافيل عليه السلام سيبعث قبل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، من أجل أن ينفخ في الصور نفخة البعث

ثم بعد هذه النفخة يكون نبينا صلى الله عليه وسلم أول من يبعث . وهذا أحد القولين للعلماء .

قال ابن كثير رحمه الله :

" نَفْخَةُ الصَّعْقِ ، هِيَ الَّتِي يموت بها الأحياء من أهل السموات وَالْأَرْضِ ، إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ

ثُمَّ يَقْبِضُ الله أَرْوَاحَ الْبَاقِينَ ، حَتَّى يَكُونَ آخِرُ مَنْ يَمُوتُ مَلَكَ الْمَوْتِ ، وَيَنْفَرِدُ الْحَيُّ الْقَيُّومُ الَّذِي كَانَ أَوَّلًا وَهُوَ الْبَاقِي آخِرًا بِالدَّيْمُومَةِ وَالْبَقَاءِ

ثُمَّ يُحْيِي أَوَّلَ مَنْ يُحْيِي إِسْرَافِيلَ ، وَيَأْمُرُهُ أَنْ يُنْفَخَ فِي الصُّورِ أُخْرَى ، وَهِيَ النَّفْخَةُ الثَّالِثَةُ نَفْخَةُ الْبَعْثِ

قَالَ تَعَالَى : ( ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ) "

انتهى بتصرف يسير من " تفسير ابن كثير" (7/116) .

وقد ورد ذلك في حديث طويل معروف عند العلماء بـ ( حديث الصور ) غير أنه حديث ضعيف

ضعفه البيهقي في " شعب الإيمان " (347)

وضعفه ابن كثير في تفسيره عند الآية 73 من سورة الأنعام .

والاحتمال الثاني : أن إسرافيل عليه السلام ممن استثناهم الله تعالى من الموت

قال الله تعالى : ( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ) الزمر/ 68 .

انظر " تفسير ابن جرير " (21/330) .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-17, 16:37
حقيقة النفخ في الصور

السؤال

ما هو ( الصور ) المذكور في قوله تعالى : ( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ) الزمر/68 ، وكيف يكون النفخ فيه ؟.

الجواب

الحمد لله

الصور في لغة العرب هو : القرن ( يشبه البوق ) وقد سئل رسول الله عن الصور ففسره بما تعرفه العرب من كلامها كما في سنن الترمذي ( 3244 ) وغيره عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال

: قال أعرابي : يا رسول الله ما الصور ؟ قال : " قرن ينفخ فيه " وصححه الألباني في الصحيحة ( 1080 )

وأما الذي يَنفُخ فيه : فقد " اشتهر أنه إسرافيل عليه السلام ، ونقل بعض العلماء الإجماع على ذلك ، ووقع التصريح به في بعض الأحاديث " انظر( فتح الباري 11 / 368 )

وقد أخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن صاحب الصور مستعد للنفخ فيه منذ أن خلقه الله تعالى كما في المستدرك عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

" إن طرف صاحب الصور منذ وكل به مستعد ينظر نحو العرش ، مخافة أن يؤمر قبل أن يرتد إليه طرفه كأن عينيه كوكبان دريان " وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ( 1078 ) .

وقد ذهب أكثر العلماء إلى أن النفخ في الصور يكون مرتين : الأولى يحصل بها الصعق ، والثانية يحصل بها البعث مستدلين

بقوله تعالى : ( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّه ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ) الزمر/68 .

وبما ورد في الأحاديث الصحيحة التي ذكرت هاتين النفختين وما يترتب عليهما من آثار فقد روى البخاري ( 4651 ) ومسلم ( 2955 ) عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

: " ما بين النفختين أربعون . قالوا : يا أبا هريرة أربعون يوما ؟ قال : أبيت قالوا أربعون شهرا ؟

قال : أبيت قالوا : أربعون سنة ؟

قال : أبيت . ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل

. قال : وليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظما واحدا وهو عجب الذنب ومنه يركب الخلق يوم القيامة "

قال النووي : ومعنى قول أبي هريرة ( أبيت ) أي أبيت أن أجزم أن المراد أربعون يوماً أو سنة أو شهراً بل الذي أجزم به أنها أربعون مجملة . اهـ .

وفي صحيح مسلم ( 2940 ) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

" .. ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا قال :وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله قال فيصعق ويصعق الناس ثم يرسل الله أو قال ينزل الله مطرا كأنه الطل أو الظل ( شك الراوي )

فتنبت منه أجساد الناس ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون "

وقوله : ( أصغى ليتا ) : أصغى أي أمال ، والليت هو جانب العنق والمعنى فلا يبقى أحد إلا أمال عنقه ، ورفع عنقه ،

وقوله :( يلوط حوض إبله ) : أي يطين ويصلح مجمع الماء الذي تشرب منه إبله

.(شرح النووي على مسلم 18 /76 )

ومن العلماء من قال : إنها ثلاث نفخات وزاد فيها نفخة الفزع وأنها تكون قبل نفخة الصعق ثم تليها نفخة الصعق مستندين على ما ورد

في قوله تعالى : ( وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ) النمل/87

ولكن لا يلزم من ذكر الصعق في آية والفزع في الأخرى أن لا يحصلا معا من النفخة الأولى بل هما متلازمان فإذا نفخ في الصور فزع الناس فزعاً صعقوا منه وماتوا .

واستدلوا أيضاً ببعض الأحاديث التي ورد فيها أن النفخات ثلاث .

لكن الحديث الذي استدلوا به هو حديث الصور الطويل ؛ وهو حديث ضعيف مضطرب كما يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله . والله أعلم . انظر التذكرة للقرطبي ( 184 ) وفتح الباري ( 11 / 369 ) .

فيستفاد مما سبق أن الله تعالى إذا أذن بموت الأحياء أمر ملك الصور أن ينفخ فيه ؛ فينفخ نفخة عظيمة تفزع جميع الخلائق فيصعقون منها ويهلكون

ثم يمكثون على ذلك مدة قدرها أربعين من غير تحديد بسنة أو شهر أو يوم ـ الله أعلم بمقدارها ـ فتتحلل أجسادهم في هذه المدة ولا يبقى منها إلا عجب الذنب وهو العظم المستدير الذي في أصل الظهر

ثم يرسل الله سحابا فتمطر مطرا فإذا أصاب الماء هذا العظم نبت منه الجسم كما ينبت النبات ويتركب الخلق من هذا العظم كما بدأ الله الخلق أول مرة يعيده وهو على كل شيء قدير

ثم ينفخ في الصور نفخة البعث فتعود الأرواح إلى الأجساد فيخرجون من القبور سراعا إلى أرض المحشر نسأل الله رحمته ولطفه .

وبعد فالواجب على المسلم أن يستعد لهذه اللحظات الحاسمة بالمبادرة للأعمال الصالحة ، والمسارعة في الخيرات ، والبعد عن الأمور المنكرة ، و مجانبة السيئات .

وإذا كان أخشى الخلق لله وأتقاهم له يقول

" كيف أنعم وقد التقم صاحب القرن القرن وحنى جبهته وأصغى سمعه ،

ينتظر أن يؤمر أن ينفخ فينفخ .. "أخرجه الترمذي في السنن(2431 )

وغيره وصححه الألباني في السلسة ( 1079 )

فكيف بحالنا نحن المقصرين الضعفاء ؟! نسأل الله أن يجعلنا ممن لا يحزنهم الفزع الأكبر ، وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون .. آمين .

والله أعلم .

يراجع ( القيامة الكبرى للشيخ عمر الأشقر 33- 42 )

و ( أعلام السنة المنشورة 122 ).

*عبدالرحمن*
2019-02-17, 16:42
لا تناقض - بحمد الله - بين آيات الكتاب المجيد .

السؤال

هل هناك تناقض بين الآية 155 من سورة البقرة مع الآية الأخيرة من سورة المُلك ؟

الجواب

الحمد لله

أولا :

ليس في كتاب ربنا - بحمده سبحانه - تناقض ، ولو كان فيه تناقض لسارع المنافقون والكافرون بالنيل منه ، ولظفروا منه ببغيتهم

وقد قال الله تعالى : ( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ) النساء/ 82 .

قال السعدي رحمه الله :

" يأمر تعالى بتدبر كتابه ، وهو التأمل في معانيه ، وتحديق الفكر فيه ...

ومن فوائد التدبر لكتاب الله : أنه بذلك يصل العبد إلى درجة اليقين والعلم بأنه كلام الله ؛ لأنه يراه يصدق بعضه بعضا ، ويوافق بعضه بعضا . فترى الحكم والقصة والإخبارات تعاد في القرآن في عدة مواضع

كلها متوافقة متصادقة ، لا ينقض بعضها بعضا ، فبذلك يعلم كمال القرآن وأنه من عند من أحاط علمه بجميع الأمور ، فلذلك قال تعالى : ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا )

أي : فلما كان من عند الله لم يكن فيه اختلاف أصلا "

انتهى من " تفسير السعدي " (ص/189) .

ثانيا :

الآية الأولى التي يسأل عنها السائل ، يقول الله عز وجل : ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ *

الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ) البقرة/ 155 – 157 .

فيخبر تَعَالَى أَنَّهُ يَبْتَلِي عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ أَيْ : يَخْتَبِرُهُمْ وَيَمْتَحِنُهُمْ ، فَتَارَةً بِالسَّرَّاءِ ، وَتَارَةً بِالضَّرَّاءِ مِنْ خَوْفٍ وَجُوعٍ ، ( وَنَقْصٍ مِنَ الأمْوَالِ )

أَيْ : ذَهَابُ بَعْضِهَا ( وَالأنْفُسِ ) كَمَوْتِ الْأَصْحَابِ وَالْأَقَارِبِ وَالْأَحْبَابِ ( وَالثَّمَرَاتِ

) أَيْ : لَا تُغِلّ الْحَدَائِقُ وَالْمَزَارِعُ كَعَادَتِهَا . فيَخْتَبِرُ اللَّهُ عِبَادَهُ ، فَمَنْ صَبَرَ أَثَابَهُ اللَّهُ ، وَمَنْ قَنَطَ أَحَلَّ اللَّهُ بِهِ عِقَابَهُ . وَلِهَذَا قَالَ : ( وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ) .

انظر : " تفسير ابن كثير " (1/467-468) .

وانظر إجابة السؤال القادم

وأما الآية الثانية التي في آخر سورة الملك فيقول الله عز وجل : ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ ) الملك/ 30 .

فيخبر سبحانه عن انفراده بالنعم ، لاسيما هذه النعمة العظيمة

وهي نعمة الماء فقال : ( قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا )

أي : غائرا ذاهبا في الأرض إلى أسفل . ( فمن يأتيكم بماء معين ) تشربون منه ، وتسقون أنعامكم وأشجاركم وزروعكم ؟ وهذا استفهام بمعنى النفي ، أي : لا يقدر أحد على ذلك غير الله تعالى .

انظر : " تفسير ابن كثير " (8/183)

" تفسير السعدي " (ص/878) .

وبعد معرفة تفسير الآيتين يتبين أنه لا تناقض بينهما ، فإن الآية الأولى تتحدث عما يقدره الله تعالى من البلاء على عباده ، ليعلم الشاكر والصابر منهم من القانط اليائس ، فيجازي كلا بما عمل .

والآية الثانية تتحدث عن حاجة العباد إلى الله ، وأنهم لا يمكنهم الاستغناء عنه في أي شيء من أمورهم

حتى هذا الماء الذي يحصل عليه كل أحد وهو في متناول الجميع صغيرا وكبيرا إذا أغاره الله في الأرض

لم يقدر على استخراجه أحد ، ولو اجتمع الجن والإنس ؛ لأنه نعمة من الله ونعم الله لا يملكها أحد غيره .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-17, 16:46
تفسير قوله تعالى : ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ .. )

السؤال

نسأل على تفسير الاية( ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص ‏من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين [البقرة:155]

الجواب

الحمد لله

يقول الله تعالى في سورة البقرة : ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ *

أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ) البقرة/ 155 – 157

فيخبر سبحانه أنه لا بد أن يبتلي عباده بالمحن ، ليتبين الصادق من الكاذب ، والجازع من الصابر

وهذه سنته تعالى في عباده ، كما قال سبحانه : ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ) محمد/ 31 ، وقال عز وجل : ( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ) [الملك/ 2

فتارة بالسراء ، وتارة بالضراء من خوف وجوع ؛ فإن الجائع والخائف كل منهما يظهر ذلك عليه

قال تعالى : ( بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ )

أي : بقليل من ذلك ؛ لأنه لو ابتلاهم بالخوف كله ، أو الجوع ، لهلكوا ، والمحن تمحص لا تهلك .

( وَنَقْصٍ مِنَ الأمْوَالِ ) أي : ويبتليهم أيضا بذهاب بعض أموالهم ، وهذا يشمل جميع النقص المعتري للأموال من جوائح سماوية ، وغرق ، وضياع ، وأخذ الظلمة للأموال من الملوك الظلمة ، وقطاع الطريق وغير ذلك .

( وَالأنْفُسِ ) أي : ذهاب الأحباب من الأولاد ، والأقارب ، والأصحاب ، ومن أنواع الأمراض في بدن العبد ، أو بدن من يحبه ، ( وَالثَّمَرَاتِ ) أي : الحبوب وثمار النخيل والأشجار كلها والخضر ، ببرد

أو حرق ، أو آفة سماوية من جراد ونحوه .

فهذه الأمور، لا بد أن تقع ، لأن العليم الخبير أخبر بها ، فإذا وقعت انقسم الناس قسمين : جازعين وصابرين ، فالجازع ، حصلت له المصيبتان ، فوات المحبوب بحصول هذه المصيبة

وفوات ما هو أعظم منها ، وهو الأجر بامتثال أمر الله بالصبر ، فرجع بالخسارة والحرمان ، ونقص ما معه من الإيمان ، وفاته الصبر والرضا والشكران ، وحصل له السخط الدال على شدة النقصان .

وأما من وفقه الله للصبر عند وجود هذه المصائب ، فحبس نفسه عن التسخط قولا وفعلا

واحتسب أجرها عند الله ، وعلم أن ما يدركه من الأجر بصبره أعظم من المصيبة التي حصلت له ، فهذا قد صارت المصيبة نعمة في حقه

فلهذا قال تعالى : ( وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ) أي : بشرهم بأنهم يوفون أجرهم بغير حساب .

ثم وصف الله الصابرين بقوله : ( الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ ) وهي كل ما يؤلم القلب أو البدن أو كليهما مما تقدم ذكره .
( قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ ) أي : مملوكون لله ، مدبرون تحت أمره وتصريفه

فليس لنا من أنفسنا وأموالنا شيء ، فإذا ابتلانا بشيء منها فقد تصرف أرحم الراحمين بمماليكه وأموالهم

فلا اعتراض عليه ، بل من كمال عبودية العبد علمه بأن وقوع البلية من المالك الحكيم ، الذي هو أرحم بعبده من نفسه ، فيوجب له ذلك الرضا عن الله ، والشكر له على تدبيره ، لما هو خير لعبده ، وإن لم يشعر بذلك .

ومع أننا مملوكون لله : فإنا إليه راجعون يوم المعاد

ليجازي كل عامل بعمله ، فإن صبرنا واحتسبنا وجدنا أجرنا موفورا عنده ، وإن جزعنا وسخطنا ، لم يكن حظنا إلا السخط وفوات الأجر ، فكون العبد لله ، وراجع إليه ، من أقوى أسباب الصبر .

( أُولَئِكَ ) الموصوفون بالصبر المذكور ( عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ ) أي : ثناء وتنويه بحالهم ( وَرَحْمَةٌ ) عظيمة ، ومن رحمته إياهم ، أن وفقهم للصبر الذي ينالون به كمال الأجر ،

( وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ) الذين عرفوا الحق : وهو في هذا الموضع علمهم بأنهم لله ، وأنهم إليه راجعون ، وعملوا به : وهو هنا صبرهم لله .

ودلت هذه الآية على أن من لم يصبر فله ضد ما لهم ، فحصل له الذم من الله والعقوبة والضلال والخسار ، فما أعظم الفرق بين الفريقين وما أقل تعب الصابرين ، وأعظم عناء الجازعين

فقد اشتملت هاتان الآيتان على توطين النفوس على المصائب قبل وقوعها ، لتخف وتسهل إذا وقعت ، وبيان ما تقابل به إذا وقعت ، وهو الصبر

وبيان ما يعين على الصبر ، وما للصابر من الأجر ، ويعلم حال غير الصابر بضد حال الصابر .

وأن هذا الابتلاء والامتحان سنة الله التي قد خلت ، ولن تجد لسنة الله تبديلا .

وقد هون الله على عباده شأن المصائب

بما وعد من البشارة الصالحة والوعد الحسن في قوله : ( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر: 10] ، قال الأوزاعي : ليس يوزن لهم ولا يكال ، إنما يغرف لهم غرفا

. "تفسير ابن كثير" (7 /89)

هذا في الآخرة ، وفي الدنيا : فروى مسلم (918) عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (

مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَخْلَفَ اللَّهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا )

وقال تعالى : ( مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) الحديد/ 22، 23

وهذا من أعظم السلوى ؛ فإن العبد إذا علم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه ، وأنه لو قدر شيء لكان ، استكانت نفسه .

وقال عكرمة : " ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن ، ولكن اجعلوا الفَرَح شكرًا والحزن صبرًا "

انتهى من"تفسير ابن كثير" (8 /27)

وراجع :

"تفسير الطبري" (3 /219])

"الجامع لأحكام القرآن" (2 /174)

"تفسير ابن كثير" (1 /467)

"تفسير السعدي" (ص 75)

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-17, 16:54
شبهات تثار حول الطوفان الذي كان في زمن نوح عليه السلام

السؤال

لطالما أرَّقني هذا السؤال ، بل وأرَّق على الأرجح معظم الشباب ، ولم نجد إلى الآن من يُجيب عنه إجابة مقبولة على المستوى الفكري ، ولم نستطع فهمه ولا استيعابه

وأصبح البعض ينظر إلى الدين على أنه مجموعة قصص خيالية لا حقائق . السؤال ببساطة هو :

هل كان فيضان نبي الله نوح عليه السلام عالمياً شاملاً ، هلك فيه جميع من في الأرض ، أم محليا ؟

فإن كان عالمياً فكيف استطاعت كل الحيوانات التكدس في سفينة واحدة ؟

معنى ذلك أن السفينة كان لا بد أن يكون حجمها على الأقل مئات الكيلو مترات المربعة ، وهذا بالطبع مستحيل لأنه لا يمكن بناء سفينة خشبية ، أو غير خشبية ، بهذه الصورة

ولكن دعونا نفترض أنها كانت ممكنة الحدوث فكيف إذا استطاعت الحيوانات أن تختار وجهتها فهذه إلى استراليا وهذه إلى أمريكا ، وبالخصوص تلك الحيوانات النادرة التي لا توجد إلا في مكان واحد

كالكنغر مثلاً في استراليا ؟ لا يبدوا الأمر منطقياً على الإطلاق ! أمّا إن قيل إن الحيوانات كلها بدأت من نقطة واحدة فكيف نفسر عندئذ هذا التنوع العجيب في مملكة الحيوان

واختصاص كل قارة بحيوانات لا توجد في غيرها من القارات . والأهم من هذا كله : هل كان هناك على الأرض ماء كاف لتغطية الأرض كلها وإحداث هذا الفيضان العظيم ؟

! وان قيل إنه كان فيضاناً محلياً ، فسنقول إن هذا يعارض ظاهر القرآن ، لأن السياق القرآني يوحي بأنه كان فيضاناً كونياً والدليل على ذلك أن كل الجبال بما في ذلك الجبال الشاهقة كانت تحت الماء (بالإشارة إلى قصة بن نوح)

وقد مات كل كافر على الأرض آنذاك..الخ . فأرجو منكم التوضيح

وأسأل الله أن يعفو عني لجهلي وزللي وأن يهديني إلى الحق .

الجواب

الحمد لله

أولاً :

من الإنصاف للحقيقة أن يعلم الناظر والباحث

أن العالم إذا ألف كتابا واحتوى علما كثيرا ثم بعد ذلك اطلعوا على مكان واحد من كتابه يصعب على الفهم

فالمتعارف عليه عند جميع العقلاء

والذي تقتضيه الموضوعية العلمية أنّ هذا الكتاب لا يُطعن فيه ، ولا يُطرح جميع ما فيه من علم ، بمجرد وجود هذه الصعوبة ، بل عليه أن يستعمل الأدوات المناسبة لفهم ما يشكل عليه ، وحل معضلات الكلام .

وهذا في كلام البشر ؛ فكيف بكتاب مثل " كتاب الله " جل جلاله ، وقد مر عليه من القرون ما مر ، وآمن به من العقلاء من آمن ، وعاداه من البشر من عاداه

وسعوا إلى الطعن فيه بكل سبيل ؛ فلم يستطيعوا أن يأتوا فيه بطائل ؛ بل يضطر المنصفون منهم إلى الإقرار بفضل هذا الكتاب ، وعظيم شأنه

ومنهم من شرح الله صدره للإيمان به ، بعدما جهد طويلا ليطعن فيه !!

ثانياً :

القصص في القرآن : جاءت لمقاصد إيمانية ودعوية أشار القرآن إليها بوضوح منها :

1- تثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم وقلوب المؤمنين عند الشدائد :

قال الله تعالى : ( وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ) هود/ 120 .

2- للتدليل على أن هذا القرآن من الله تعالى المحيط بكل شيء علما ، والعالم بما كان وبما سيكون

كما قال الله تعالى بعد ذكره لقصة نوح عليه السلام :

( تِلْكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ) هود / 49 .

فالقرآن يذكر من الحادثة ما يحقق المقصود الدعوي والإيماني منها ، كما نرى في قصة نوح عليه السلام مع قومه ، فقد كان التركيز على جهد نوح في دعوته

وبيان مدى إعراض قومه عن الحق ، ثم بيّن الله العقاب الذي لحق هؤلاء القوم المعرضين عن الحق

وذكر لنا من صفات هذا العقاب ما نستطيع أن نأخذ منه صورة عامة لهوله ، أما باقي تفصيلاته التي لا تفيدنا فلم يتعرض لها القرآن .

قال الشيخ الشنقيطي رحمه الله :

" ففي القرآن الكريم أشياء كثيرة لم يبيِّنها الله لنا ولا رسوله ، ولم يثبت في بيانها شيء ، والبحث عنها لا طائل تحته ولا فائدة فيه .

وكثيرٌ من المفسرين يطنبون في ذكر الأقوال فيها بدون علم ولا جدوى ، ونحن نُعرض عن مثل ذلك دائماً ، كلون كلب أصحاب الكهف ، واسمه ، وكالبعض الذي ضرب به القتيل من بقرة بني إسرائيل

وكاسم الغلام الذي قتله الخضر ، وأنكر عليه موسى قتله ، وكخشب سفينة نوح من أي شجر هو

وكم طول السفينة وعرضها ، وكم فيها من الطبقات ، إلى غير ذلك مما لا فائدة في البحث عنه ، ولا دليل على التحقيق فيه "

انتهى من " أضواء البيان " (4/58) .

فالأولى أن نترك التدقيق في المعلومات التي لم يذكرها القرآن ولا السنة عن هذا الطوفان وذلك لسببين :

1- عدم وجود الفائدة من ذلك التدقيق ، فلو كان فيه فائدة لأخبرنا به القرآن أو السنة .

2- أن الأسانيد العلمية ، والأدلة التاريخية : لن توصلنا إلى نتيجة قطعية في مثل ذلك ؛ لأن واقع الحياة وتفاصيلها في ذلك الزمن البعيد جدا : مجهولة للإنسان

وما يذكره العلم الحديث عن تلك الأزمان البعيدة في القدم : ليس كله من الحقائق العلمية المطلقة ، بل كثير منه هو نظريات وتفسيرات علمية ، قابلة للتغير والتخطئة والإبطال .

ثالثاً :

ظاهر النصوص القرآنية والذي عليه المفسرون أنه عمّ الأرض ، وصرح القرآن أيضا أنّ قوم نوح قد عمّهم الطوفان بماء هائل ، ولم ينج منهم إلا من ركب مع نوح في السفينة

والبشرية اليوم هي من نسل نوح عليه السلام ، فهذا الذي يشير إليه القرآن

أما كيف تمّ جمع هذه الحيوانات ، وكم طول السفينة ، وكم كانت كمية الماء وإلى أي مدى بالضبط وصل ؛ فلا يوجد نص قاطع من قرآن أو سنة على ذلك ، فلا نشغل بها أنفسنا .

قال الطاهر ابن عاشور رحمه الله :

" وعموم الطوفان هو مقتضى ظواهر الكتاب والسنة "

انتهى من " التحرير والتنوير " (23/131) .

ولمزيد الفائدة طالع الفتوى القادمة

*عبدالرحمن*
2019-02-17, 16:55
والقرآن الكريم لم يخبر أن جميع الحيوانات التي كانت على ظهر الأرض يومئذ ، كانت معه في السفينة ، وإنما كان معه من كل صنف منها زوجان اثنان .

قال الله تعالى : ( قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ) هود/40 .

قال الشوكاني رحمه الله - في تفسير هذه الآية - :

" أي : قلنا يا نوح ، احمل في السفينة من كلّ زوجين ، مما في الأرض من الحيوانات : اثنين ؛ ذكرا ، وأنثى "

انتهى من " فتح القدير " (2/ 565) .

فنوح عليه السلام لم يحمل جميع الحيوانات ، وإنما حمل من كل نوع منها اثنين ، ذكرا وأنثى ؛ ليحصل التوالد والنسل منهما بعد ذلك .

والحيوانات الكبيرة الحجم ليست بالكثيرة جدا في عالم الحيوان ، وعدد مثل هذا لا يحتاج إلى سفينة تصل إلى مئات الكيلومترات كما ذكر في السؤال .

ثم من قال ، وبأي دليل يقول : إن جميع الحيوانات التي يعرفها الناس اليوم ، الكبير منها والصغير

كانت موجودة على ظهر الأرض في زمن الطوفان ، ليركب من كل من صنف منها : زوجان في تلك السفينة ، التي يفترض أنها لن تسع ذلك كله ؟!

وبأي دليل يمنع المانع من أن يكون الله تعالى قد خلق من الكائنات الحية ، ما خلق ، وأوجدها على ظهر الأرض ، بعد زمن الطوفان ، لا قبله ؟!

إن من يستشكل ذلك : يجب أولا أن يكون عنده تصور عن طبيعة الحياة في ذلك العصر ، ومدى التنوع الحيواني وأماكن انتشار الحيوانات ...الخ

وهذا كله لا نملك عنه معلومات قاطعة وهي واقعة خارج التاريخ المعلوم للإنسان ، فالله وحده أعلم به .

رابعاً :

أما كيف كان في بلاد كذا من الحيوان ما لا يوجد في غيره ؟ وكيف توجه حيوان كذا إلى بلد ، دون غيره ... ؟

فجوابه سهل ميسور ؛ ألم تعلم أن الله تعالى خلق كل كائن حي ، وهداه إلى منافعه وما يصلح شأنه ؟!

فاستمع ـ يا عبد الله ـ إلى هذا الحوار الذي دار بين نبي الله موسى ، وعدو الله الجاحد : فرعون : ( قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى *

قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى * قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى *

قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى * كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى *

مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى * وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى ) طه/49-56 .

فتأمل كيف دله موسى عليه السلام إلى أن الله جمع بين خلق الخلق ، وبين هدايته لما ينفعه ويصلح له شأنه .

وتأمل ، كيف دله ونبهه على آيات الخلق والإعادة بما حوله من أمر الكون ، والخلق ، والحياة والموت ، وتمهيد الأرض ، وإحيائها بالمطر ، ونبات الزرع منها !!

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى :

" أي : ربنا الذي خلق جميع المخلوقات ، وأعطى كل مخلوق خلقه اللائق به ، الدال على حسن صنعه من خلقه ، من كبر الجسم وصغره وتوسطه ، وجميع صفاته

( ثُمَّ هَدَى ) كل مخلوق إلى ما خلقه له ، وهذه الهداية العامة المشاهدة في جميع المخلوقات ، فكل مخلوق تجده يسعى لما خلق له من المنافع

وفي دفع المضار عنه ، حتى إن الله تعالى أعطى الحيوان البهيم من العقل ، ما يتمكن به من ذلك "

انتهى من " تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان " (ص/590) .

ثم إن في عالمنا المشاهد اليوم بعض الحيوانات تهاجر المسافات الطويلة وتعود إلى أماكنها ولا تخطئها

وبدراسة قريبة الغور لعالم الأسماك ، وعالم الطيور ، وعالم الحيوان كله : تقف من ذلك على ما يذهل العقل ، ويحير اللبيب ، ويدل الفطن على قدرة اللطيف الخبير !!

كيف تتعرف هذه الحيوانات على الطريق الصحيح لرحلاتها ، وكيف تنتبه للتوقيت المناسب للرحلة ؛ وكيف ، وكيف ؟!
الباحثون حاولوا الإجابة على هذه الأسئلة ؟

لكنّ الله أعطانا الجواب من قبل فقال تعالى : ( قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ) طه/50 .

ونعود ونذكر بما قلناه سابقا :

من أدرانا أن الله لم يخلق ما شاء من خلقه ، في زمان معين ، ومكان معين : ابتداء ؟!

ومن أين لنا العلم أن الله تعالى كان قد خلق جميع الكائنات الحية ، قبل طوفان نوح عليه السلام ؟!

ثمّ هذه القصة التي أشكلت عليك ، هي نفسها من الأدلة الواضحة على عظمة القرآن وأنه منزّل من الله تعالى

وليس من قول البشر ، راجع مثلا كتاب موريس بوكاي " القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم "

وكلامه عن موضوع الطوفان في القرآن الكريم .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-17, 16:57
هل غرق جميع من على الأرض بعد الطوفان العظيم زمن نوح عليه السلام؟

السؤال

هل غرق جميع من في الأرض - عدا من كان مع نوح - على ظهر السفينة عندما أرسل الله الطوفان ؟

وهل كل مَن في الأرض الآن يعتبرون مِن نسل مَن كان في السفينة ؟

الجواب

الحمد لله

يدل صريح القرآن الكريم على أن جميع من على الأرض أغرقوا بالطوفان ، ولم ينج من البشر ولا من الحيوان إلا مَن حمله نوح عليه السلام معه في السفينة .

قال الله تعالى : (فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ . ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ) الشعراء/119-120 .

وقال عز وجل : (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ) هود/40 .

وقال تعالى : (فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ) يونس/73 .

كما جاء النص في القرآن الكريم على أن الأرض إنما عمرت بعد ذلك من نسل ذرية نوح عليه السلام فقط ، وأما المؤمنون الذين نجوا معه في السفينة فلم تبق لهم ذرية ، فجميع أهل الأرض الآن من ذرية نوح عليه السلام .

قال الله تعالى : (وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ . وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ .

وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ . وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ . سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ . إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ . ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ) الصافات/77-81 .

قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : لم تبق إلا ذرية نوح عليه السلام .

وقال قتادة في قوله : (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ) قال : الناس كلهم من ذرية نوح عليه السلام .

"تفسير القرآن العظيم" لابن كثير (7/22) .

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله :

"وقد اختلف العلماء في عدة من كان معه في السفينة :

فعن ابن عباس رضي الله عنهما : كانوا ثمانين نفسا معهم نساؤهم . وعن كعب الأحبار : كانوا اثنين وسبعين نفسا ، وقيل : كانوا عشرة .

قال جماعة من المفسرين : ارتفع الماء على أعلى جبل بالأرض خمسة عشر ذراعا ، وهو الذي عند أهل الكتاب

وقيل : ثمانين ذراعا ، وعَمَّ جميع الأرض طولها والعرض ، سهلها وحزنها وجبالها وقفارها ورمالها ولم يبق على وجه الأرض ممن كان بها من الأحياء عين تطرف ، ولا صغير ولا كبير .

قال الإمام مالك عن زيد بن أسلم : كان أهل ذلك الزمان قد ملؤوا السهل والجبل .

فإن الله لم يجعل لأحد ممن كان معه من المؤمنين نسلا ولا عقبا سوى نوح عليه السلام .

قال تعالى : (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ) فكل من على وجه الأرض اليوم من سائر أجناس بني آدم ينسبون إلى أولاد نوح الثلاثة ، وهم : سام وحام ويافث" انتهى باختصار .

"البداية والنهاية" (1/111-114) .

وقال العلامة الطاهر بن عاشور رحمه الله :

" ضمير الفصل في قوله : ( هُمُ الْبَاقِينَ ) للحصر ، أي : لم يبق أحد من الناس إلا من نجاه الله مع نوح في السفينة من ذريته ، ثم من تناسل منهم ، فلم يبق من أبناء آدم غير ذرية نوح

فجميع الأمم من ذرية أولاد نوح الثلاثة ، وظاهر هذا أن من آمن مع نوح غير أبنائه لم يكن لهم نسل . قال ابن عباس : لما خرج نوح من السفينة مات من معه من الرجال والنساء إلا ولده ونساءه

. وبذلك يندفع التعارض بين هذه الآية وبين قوله في سورة هود :

( قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ ) هود/40

وهذا جار على أن الطوفان قد عم الأرض كلها ، واستأصل جميع البشر ، إلا من حملهم نوح في السفينة" انتهى .

"التحرير والتنوير" (23/47) .

وأما قوله سبحانه وتعالى : ( ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ) الإسراء/3

. وقوله عز وجل : (أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا) مريم/58.

فلا يدل على استمرار نسل المؤمنين الذين حملهم نوح عليه السلام معه ، بل المقصود أبناء نوح عليه السلام الذين استمر نسلهم دون باقي المؤمنين .

قال العلامة الأمين الشنقيطي رحمه الله : "قوله تعالى : (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا) ، بين أن ذرية من حمل من نوح لم يبق منها إلا ذرية نوح في قوله : (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ)" انتهى .

"أضواء البيان" (3/13) .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-17, 17:01
هل نزل بعد قوله تعالى : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) تشريعات وأحكام في الحلال والحرام ؟

السؤال

ذكر الله في سورة المائدة أنه أكمل الدين ، فهل هناك أحكام أو تشريعات نزلت بعد ذلك ؟

الجواب

الحمد لله

قال الله تعالى : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) المائدة/3 .

فاختلف أهل العلم في تفسير قوله تعالى : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) على خمسة أقوال ، قال ابن الجوزي رحمه الله :
" وفي معنى إكمال الدين خمسة أقوال :

أحدها : أنه إكمال فرائضه وحدوده ، ولم ينزل بعد هذه الآية تحليل ولا تحريم ، قاله السدي ، فعلى هذا يكون المعنى : اليوم أكملت لكم شرائع دينكم .

والثاني : أنه بنفي المشركين عن البيت ، فلم يحج معهم مشرك عامئذ ، قاله سعيد بن جبير ، وقتادة .

وقال الشعبي : كمال الدين هاهنا : عزه وظهوره ، وذل الشرك ودروسه

لا تكامل الفرائض والسنن ، لأنها لم تزل تنزل إلى أن قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعلى هذا يكون المعنى : اليوم أكملت لكم نصر دينكم .

والثالث : أنه رفع النسخ عنه ، وأما الفرائض فلم تزل تنزل عليه حتى قبض ، روي عن ابن جبير أيضا .

والرابع : أنه زوال الخوف من العدو ، والظهور عليهم ، قاله الزجاج .

والخامس : أنه أمن هذه الشريعة من أن تنسخ بأخرى بعدها ، كما نسخ بها ما تقدمها "

انتهى من " زاد المسير " (1/513-514) .

والراجح أن المراد من كمال الدّين في الآية : كمال أصوله ، وقواعد الأخلاق ، وكليّات الشرع

، كما ذكرنا في جواب السؤال القادم

وعلى ذلك : فليس في الآية دليل على أنه لم ينزل بعدها تحليل ولا تحريم ، بل دل الدليل على خلاف ذلك ، وأنه قد نزل بعد هذه الآية أمور من الحلال والحرام :

- روى البخاري (4605) ، ومسلم (1618) عن البَرَاء رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : " آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بَرَاءَةَ ، وَآخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ : ( يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الكَلاَلَةِ ) النساء/176 .

وهذا يعني أن بعض أحكام المواريث كان من آخر ما نزل من القرآن ، وهو آخر ما نزل في قول البراء رضي الله عنه .
- ومثل ذلك ما روى أحمد (246) عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، قَالَ : قَالَ عُمَرُ

: " إِنَّ آخِرَ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ آيَةُ الرِّبَا "وحسنه محققو المسند .

- وروى البخاري (4544) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، قَالَ :

" آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آيَةُ الرِّبَا " .

- وروى أبو عبيد في " فضائل القرآن " (ص/369) عن ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : " آخِرُ الْقُرْآنِ عَهْدًا بِالْعَرْشِ آيَةُ الرِّبَا وَآيَةُ الدَّيْنِ " .

وقال الطبري رحمه الله بعد أن ذكر كلام السلف في تفسير الآية :

" وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ، أن يقال : إن الله عز وجل أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به

أنه أكمل لهم يوم أنزل هذه الآية على نبيه دينَهم ، بإفرادهم بالبلدَ الحرام وإجلائه عنه المشركين ، حتى حجَّه المسلمون دونهم لا يخالطهم المشركون .

فأما الفرائض والأحكام ، فإنه قد اختلف فيها : هل كانت أكملت ذلك اليوم ، أم لا ؟ فروي عن ابن عباس والسدّي ما ذكرنا عنهما قبل .

وروي عن البراء بن عازب أن آخر آية نزلت من القرآن : ( يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ )

ولا يدفع ذو علم أن الوحي لم ينقطع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن قُبِض ، بل كان الوحي قبل وفاته أكثر ما كان تتابعًا .

فإذ كان ذلك كذلك ، وكان قوله : ( يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ ) آخرَها نزولا ، وكان ذلك من الأحكام والفرائض

كان معلومًا أن معنى قوله : ( اليوم أكملت لكم دينكم ) ، على خلاف الوجه الذي تأوَّله من تأوَّله – أعني : كمال العبادات والأحكام والفرائض "

انتهى من "تفسير الطبري" (9/ 520).

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله :

" قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ ( الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ ) ظَاهِرُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أُمُورَ الدِّينِ كَمُلَتْ عِنْدَ هَذِهِ الْمَقَالَةِ ، وَهِيَ قَبْلَ مَوْتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِ ثَمَانِينَ يَوْمًا ، فَعَلَى هَذَا لَمْ يَنْزِلْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ شَيْءٌ ، وَفِيهِ نَظَرٌ

وَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِكْمَالِ مَا يَتَعَلَّقُ بِأُصُولِ الْأَرْكَانِ لَا مَا يَتَفَرَّعُ عَنْهَا "

انتهى من " فتح الباري " (13/246) .

وينظر : " تفسير ابن عطية " (2/ 154)

" أحكام القرآن " لابن العربي (2/ 40-41) .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-17, 17:04
كيف الجمع بين تمام الدين في قوله تعالى : ( الْيَوْم أَكْمَلْتُ لَكُم دينَكُم ) واختلاف العلماء ؟

السؤال

الحمد لله ، أنا مسلم ، ولله الفضل والمنَّة ، ولكن أشكلت عليَّ آية في كتاب الله العزيز ، وهي (اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُم دينَكُم) فإذا كان الدّين كاملاً - وهو كذلك -

فكيف نجمع بين هذه الآية وبين خلاف العلماء في مسائل كثيرة ؟ .

الجواب

الحمد لله

أولاً :

ليس هناك تعارض بين كمال الشريعة ، وما يوجد من اختلاف بين علماء الإسلام ؛ وذلك إذا عُرف المراد من كمال الدّين في الآية ، وكماله هو : أصول الدّين ، وقواعد الأخلاق ، وكليّات الشرع

أما المسائل الجزئية فهي متجددة ولا نهاية لها ، ولهذا لم يأت النص من الشرع على حكمها

وإنما يجتهد العلماء في إدخالها في تلك القواعد العامة ، أو الاستدلال لها بمختلف الأدلة ، كالقياس وغيره ، ومن هنا جاء اختلاف العلماء .

قال الشاطبي رحمه الله - في بيان معنى الآية - :

"المراد : كلياتها ، فلم يبقَ للدّين قاعدة يحتاج إليها في الضروريات ، والحاجيات ، أو التكميليات ، إلا وقد بُينت غاية البيان .

نعم ، يبقى تنزيل الجزئيات على تلك الكليات موكولاً إلى نظر المجتهد ؛ فإن قاعدة الاجتهاد أيضاً ثابتة في الكتاب والسنّة ، فلا بد من إعمالها ، ولا يسع الناس تركها ..

. ولا يوجد ذلك إلا فيما لا نص فيه ، ولو كان المراد بالآية الكمال بحسب تحصيل الجزئيات بالفعل :

فالجزئيات لا نهاية لها ، فلا تنحصر بمرسوم ، وقد نص العلماء على هذا المعنى ، فإنما المراد : الكمال بحسب ما يحتاج إليه من القواعد ، التي يجري عليها ما لا نهاية له من النوازل" انتهى .

"الاعتصام" (1/507) .

وقال ابن القيم رحمه الله :

"فقد بيَّن الله سبحانه على لسان رسوله بكلامه ، وكلام رسوله : جميع ما أمره به

وجميع ما نهى عنه ، وجميع ما أحله ، وجميع ما حرمه ، وجميع ما عفا عنه , وبهذا يكون دينُه كاملا كما قال تعالى : (اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُم دينَكُم وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُم نعْمَتي)" انتهى .

"إعلام الموقعين" (1/332) .

ثانياً:

كمال الدّين ، وتمامه ، لا يمنع من الاختلاف في فهم آية ، أو سبب نزولها ، أو صحة حديث ، أو فهمه على وجهه الصحيح ؛ فليس العلماء على درجة واحدة من العلم

فقد يخفى على واحد منهم ما علمه غيره ، وقد يَفهم من النصوص ما لا يفهمه غيره عندما يختفي عليه الدليل الواضح ، وهذا كله لا يتعارض مع تمام الدين

بل هو محاولة من المجتهد للوصول إلى حكم الله ، فيما لم يأت نص بحكمه ، ونظراً لاختلاف الناس في الفهم والعلم فقد وقع الخلاف بينهم في حكم كثير من الجزئيات .

قال ابن القيم رحمه الله – متمماً كلامه السابق نقله عنه - :

"ولكن قد يقصر فَهم أكثر الناس عن فَهم ما دلّت عليه النصوص ، وعن وجه الدلالة ، وموقعها ، وتفاوت الأمّة في مراتب الفهم عن الله ورسوله : لا يحصيه إلا الله

ولو كانت الأفهام متساوية : لتساوت أقدام العلماء في العلم ، ولما خص سبحانه سليمان بفهم الحكومة في الحرث ، وقد أثنى عليه ، وعلى داود بالعلم ، والحكم

وقد قال عمر لأبي موسى في كتابه إليه " الفهم ، الفهم فيما أدلي إليك "

وقال علي : " إلا فهماً يؤتيه الله عبداً في كتابه "

وقال أبو سعيد : " كان أبو بكر أعلمَنا برسول الله صلى الله عليه وسلم " ، ودعا النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس أن (يفقهه في الدّين ويعلمه التأويل)" انتهى .

"إعلام الموقعين" (1/332) .

وبهذا يعلم أن اختلاف العلماء لا ينافي كمال الدين .

ومن تأمل أسباب اختلاف العلماء : لم يجد فيها سبباً واحداً مرجعه إلى الشرع ذاته ، فالتعارض بين الأدلة ليس موجوداً على الحقيقة في نصوص الشرع

بل فقط في نظر المجتهد ، وخفاء الأدلة ، وعدم العلم بها

أو عدم فهمهما على وجهها : وكل ذلك يؤكد ما قلناه من أن الشريعة كاملة تامّة وإنما يبحث كل مجتهد بما وهبه الله من علم وفهم : لمعرفة الحكم المطابق لمراد الله تعالى في نصوص الوحي .

والله أعلم

*عبدالرحمن*
2019-02-17, 17:14
يسأل عن الزمان ، وهل هو مخلوق ؟

وهل يوجد في الجنة ؟

وهل يفنى الزمان ؟

السؤال

ما هو المقصود من الزمان في الشرع ؟

وهل الزمان مخلوق من المخلوقات؟

وهل يوجد مكان لا تجد فيها الزمان؟

وهل يوجد الزمان في الجنة؟

وهل يفني الزمان؟

هذه الأسئلة منذ زمان تدور في ذهني ، لما قرأت تفسير سورة العصر .

الجواب

الحمد لله

أولا :

قال الله عز وجل :

( وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ )

قال ابن كثير رحمه الله :

" الْعَصْرُ : الزَّمَانُ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ حَرَكَاتُ بَنِي آدَمَ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ ، وَقَالَ مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ :
هُوَ الْعَشِيُّ ، وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ "

انتهى من "تفسير ابن كثير" (8/ 457).

وقال ابن عثيمين رحمه الله :

" (والعصر) قيل : إن المراد به آخر النهار ؛ لأن آخر النهار أفضله ، وصلاة العصر تسمى الصلاة الوسطى ، أي : الفضلى كما سماها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بذلك .

وقيل : إن العصر هو الزمان . وهذا هو الأصح ؛ أقسم الله به لما يقع فيه من اختلاف الأحوال ، وتقلبات الأمور، ومداولة الأيام بين الناس ، وغير ذلك مما هو مشاهد في الحاضر

ومتحدث عنه في الغائب ، فالعصر هو الزمان الذي يعيشه الخلق ، وتختلف أوقاته شدة ورخاء ، وحرباً وسلماً ، وصحة ومرضاً ، وعملاً صالحاً وعملاً سيئاً

إلى غير ذلك مما هو معلوم للجميع . أقسم الله به على قوله: (إن الإنسان لفي خسر) "

انتهى من "تفسير العثيمين" (ص 307) بترقيم الشاملة.

فالمقصود بالزمان هو المقدار الذي تقع فيه أعمال الناس ، وحركاتهم ، وجملة ذلك : هو عمرهم في هذه الحياة الدنيا .

ثانيا :

هذا الزمان هو من مخلوقات الله ؛ لأن الله تعالى خالق كل شيء ، فهو خالق الزمان وخالق المكان .

روى البخاري (4826) ، ومسلم (2246) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ ، بِيَدِي الأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

" فَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ ( بِيَدِي الْأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ) يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ الزَّمَانُ ، فَإِنَّهُ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ يُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ، وَالزَّمَانُ هُوَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ؛ فَدَلَّ نَفْسُ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ هُوَ يُقَلِّبُ الزَّمَانَ وَيُصَرِّفُهُ

كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ *

يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ) ...

وَقَدْ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ بِخَلْقِهِ الزَّمَانَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ كَقَوْلِهِ: (وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) وَقَوْلِهِ: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) ... وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ النُّصُوصِ الَّتِي تُبَيِّنُ أَنَّهُ خَالِقُ الزَّمَانِ "

انتهى باختصار من "مجموع الفتاوى" (2/ 491-50).

وانظر جواب السؤالين القادمين

ثالثا :

لا يوجد في الدنيا مكان ليس فيه زمان ، بل ولا يتصور ذلك أيضا ، فالزمان والمكان متلازمان ، فالزمان هو مدة وجود هذا الخلق ، والمكان هو الحيز الذي تشغله المخلوقات حين وجودها ؛ فإذا لم تشغل حيزا ـ مكانا

فهذا معناه أنها : فنيت ، ولم تعد موجودة ، وكذلك إذا لم يجر عليها الزمان ؛ فهذا معناه أنها لم توجد أصلا .

قال شيخ الإسلام :

" لَا يَتَوَهَّمُ عَاقِلٌ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الزَّمَانُ ؛ فَإِنَّ الزَّمَانَ مِقْدَارُ الْحَرَكَةِ . وَالْحَرَكَةُ مِقْدَارُهَا مِنْ بَابِ الْأَعْرَاضِ وَالصِّفَاتِ الْقَائِمَةِ بِغَيْرِهَا : كَالْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ .

وَلَا يَقُولُ عَاقِلٌ إنَّ خَالِقَ الْعَالَمِ هُوَ مِنْ بَابِ الْأَعْرَاضِ وَالصِّفَاتِ الْمُفْتَقِرَةِ إلَى الْجَوَاهِرِ وَالْأَعْيَانِ ؛ فَإِنَّ الْأَعْرَاضَ لَا تَقُومُ بِنَفْسِهَا بَلْ هِيَ مُفْتَقِرَةٌ إلَى مَحَلٍّ تَقُومُ بِهِ "

انتهى من "مجموع الفتاوى" (2/ 492).

فالحدث الذي يقع لا بد له من زمان ومكان يقع فيهما ، فلا يتصور حدث بدون زمان ولا مكان ، فهذه الثلاثة متلازمة
.
رابعا :

يوجد في الجنة زمان ، ولكن لا يقاس بزمان الدنيا ؛ كما قال ابن عباس رضي الله عنهما

: " لا يشبه شيءٌ مما في الجنة ما في الدنيا ، إلا الأسماء "

وفي لفظ : " ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء "

انتهى من " تفسير الطبري" (1/392)

فكذلك الزمان وما يتعلق به في الآخرة : يختلف عنه في الدنيا .

قال شيخ الإسلام رحمه الله :

" فتلك الحقائق التي في الآخرة ليست مماثلة لهذه الحقائق التي في الدنيا ، وإن كانت مشابهة لها من بعض الوجوه ، والاسم يتناولها حقيقة "

انتهى من "مجموع الفتاوى" (5/ 207).

وقال شيخ الإسلام أيضا :

" من المعلوم أن الله سبحانه وتعالى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ

وقد قال تعالى ( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ ) آل عمران/ 190 ، ونحو ذلك في القرآن ، ومعلوم أن النهار تابع للشمس ، وأما الليل : فسواء كان عدم النور

أو كان وجوديًّا عرضيًّا كما يقوله قوم ، أو أجسام سود كما يقوله بعضهم ، فالله جاعل ذلك كله

وهو سبحانه وتعالى كما قال عبد الله بن مسعود : " إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار ، نور السموات من نور وجهه ". وقد جاء في قوله تعالى ( وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً )

أن أهل الجنة يعرفون مقدار البكرة والعشي بأنوار تظهر من جهة العرش

فيكون بعض الأوقات عندهم أعظم نورًا من بعض ، إذ ليس عندهم ظلمة ، وهذه الأنوار المخلوقة كلها خلقها الله تعالى

" انتهى من "بيان تلبيس الجهمية" (2/ 284-286).

وقال ابن كثير رحمه الله في تفسير قوله تعالى : ( وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ) مريم/ 62 :

" أَيْ فِي مِثْلِ وَقْتِ البُكُرَاتِ وَوَقْتِ العَشِيَّاتِ ، لا أن هناك ليلا ونهارا ، وَلَكِنَّهُمْ فِي أَوْقَاتٍ تَتَعَاقَبُ ، يَعْرِفُونَ مُضِيَّهَا بِأَضْوَاءٍ وَأَنْوَارٍ "

انتهى من "تفسير ابن كثير" (5/ 218).

فأهل الجنة لا يحتاجون إلى حساب الوقت كما يحتاجه أهل الدنيا ، والله تعالى خلق الليل والنهار والشمس والقمر ، وأوجد الحساب لتستقيم للناس عباداتهم ومعاملاتهم

أما في الجنة فلا يحتاجون إلى شيء من ذلك .

خامسا :

أما زمان الدنيا فالظاهر أنه يفنى ، لفناء ما يتعلق به ويرتبط بحسابه ، وتوقف حركة الشمس والقمر

قال تعالى : ( كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ) الرحمن/ 26، 27 .

وأما زمان الآخرة فلا يفنى ، قال تعالى عن أهل الجنة : ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ) النساء/ 57 .

وقال تعالى عن أهل النار : ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ) النساء/ 168، 169 .

وروى البخاري (4730) ومسلم (2849) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ فَيُنَادِي مُنَادٍ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ فَيَقُولُ :

هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا ؟

فَيَقُولُونَ نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ - وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ - ثُمَّ يُنَادِي يَا أَهْلَ النَّارِ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ فَيَقُولُ : هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا ؟

فَيَقُولُونَ نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ - وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ - فَيُذْبَحُ ثُمَّ يَقُولُ : يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ .

سادسا :

ننصح الأخ السائل أن لا ينشغل بمثل هذه المسائل ، التي قد تورث الحيرة والاضطراب

ولا يكون من ورائها كبير فائدة ، وأن ينشغل بما هو أجدى له وأنفع من السؤال عن الأحكام الشرعية التي يحتاجها إليها ، ومسائل الاعتقاد التي يؤمر بها

وفواضل الأعمال التي يتقرب بها إلى ربه ، ونحو ذلك .

والله تعالى أعلم .

و اخيرا

الحمد لله الذي بفضلة تتم الصالحات

اخوة الاسلام

اكتفي بهذا القدر و لنا عوده
ان قدر الله لنا البقاء و اللقاء

و اسال الله ان يجمعني بكم دائما
علي خير

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين

*عبدالرحمن*
2019-02-18, 16:40
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)
اخوة الاسلام

أحييكم بتحية الإسلام
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)


هل عبارة " لنضع يدنا بيد الزمن " جائزة ؟ وحكم سب الزمن

السؤال

(لنضع يدنا بيد الزمن) هل هذه الكلمة تعتبر محرمة باعتبار أن الله هو الدهر ؟

الجواب

الحمد لله

أولاً:

ينبغي تصحيح فهم جملة " أن الله هو الدهر " ؛ لأن الخلل في فهمها أدى إلى استشكال العبارة الواردة في السؤال ، فنقول :

ثبت في السنَّة الصحيحة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : ( لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر ) متفق عليه .

وقد فُهم هذا الأمر خطأً من بعض الناس فظنوا أن " الدهر " من أسماء الله ، وليس الأمر كذلك

بل " الدهر " هو الزمن ، وقد كان الجاهليون – ولا يزال لهم أتباع في هذا – يسبون الدهر ، ولم يكن أحد منهم يقصد سبَّ الله ، وكيف يقصدون سب الله وهو يقولون " قبَّح الله الدهر " ؟!

وإنما نهي عن سبِّ الدهر ، ونُسب الدهر إلى الله : لأنه تعالى هو خالقه ومدبره ومصرِّفه .

سئل شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -
:
عن قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا تسبوا الدهر ؛ فإن الله هو الدهر ) ، فهل هذا موافق لما يقوله الاتحادية ، بيِّنوا لنا ذلك ؟ .

فأجاب :

الحمد لله ، قوله ( لا تسبوا الدهر ، فإن الله هو الدهر ) : مروي بألفاظ أخر كقوله : " يقول الله : يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار )

وفي لفظ : ( لا تسبوا الدهر ؛ فإن الله هو الدهر ، يقلب الليل والنهار ) ، وفي لفظ : ( يقول ابن آدم يا خيبة الدهر وأنا الدهر ) .

فقوله في الحديث ( بيدي الأمر أقلب الليل والنهار ) يبيِّن أنه ليس المراد به أنا الزمان فإنه قد أخبر أنه يقلِّب الليل والنهار ، والزمان هو الليل والنهار . فدلَّ نفس الحديث على أنه هو يقلِّب الزمان ويصرِّفه

كما دلَّ عليه قوله تعالى : ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ

فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ) وإزجاء السحاب : سوقه ، والودق : المطر .

فقد بيَّن سبحانه خلقه للمطر وإنزاله على الأرض فإنه سبب الحياة في الأرض فإنه سبحانه جعل من الماء كل شيء حي ، ثم قال : ( يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ

وَالنَّهَارَ) إذ تقليبه الليل والنهار : تحويل أحوال العالم بإنزال المطر ، الذي هو سبب خلق النبات والحيوان والمعدن ، وذلك سبب تحويل الناس من حال إلى حال ، المتضمن رفع قوم ، وخفض آخرين .

وقد أخبر سبحانه بخلقه الزمان في غير موضع كقوله : ( وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ )

وقوله : ( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ)

وقوله : ( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً )

وقوله : ( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) ، وغير ذلك من النصوص التي تبين أنه خالق الزمان ... .

فليس في الحديث شبهة لهم ، لو لم يكن قد بيَّن فيه أنه سبحانه مقلب الليل والنهار ، فكيف وفي نفس الحديث أنه بيده الأمر يقلب الليل والنهار ... .

فقد أجمع المسلمون - وهو مما علم بالعقل الصريح - أن الله سبحانه وتعالى ليس هو الدهر الذي هو الزمان ، أو ما يجري مجرى الزمان ... .

" مجموع الفتاوى " ( 2 / 491 – 494 ) وقد اختصرنا كلامه رحمه الله .

وقال أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي – رحمه الله -
:
قوله : إن الله هو الدهر وهذا لا ينبغي لأحد من أهل الإسلام أن يجهل وجهه وذلك أن أهل التعطيل يحتجون به على المسلمين ، وقد رأيت بعض من يتهم بالزندقة والدهرية يحتج بهذا الحديث ويقول

: ألا تراه يقول : فإن الله هو الدهر ؟! فقلت : وهل كان أحد يسب الله في آباد الدهر ؟

وإنما تأويله عندي - والله أعلم - : أن العرب كان شأنها أن تذمَّ الدهر ، وتسبَّه عند المصائب التي تنزل بهم من موت ، أو هرم ، أو تلف مال ، أو غير ذلك ، فيقولون : " أصابتهم قوارع الدهر "

و " أبادهم الدهر " ، و " أتى عليهم الدهر " ، فيجعلونه الذي يفعل ذلك ، فيذمونه عليه ، وقد ذكروه في أشعارهم ... .

" غريب الحديث " ( 2 / 145 ) .

ثانياً:

وإذا تبين لك أخي السائل أن " الدهر " ليس من أسماء الله : علمتَ أنه لا إشكال في العبارة الواردة في السؤال ، وهي " لنضع يدنا بيد الزمن " ؛ إذ ليس المراد بذلك شيء يناقض الشرع ، وإنما هو أسلوب بلاغي .

وقد يكون عليه مؤاخذة من وجه آخر ، فقد رأينا بعض من يستعمل هذه الكلمة يجعل " الزمن " متصرِّفاً بنفسه ، - وللأسف فكثير من عباراتهم فيها سب للزمن كقول بعضهم "

بيد الزمن الظالم " ! - وبعضهم يطلق هذه اللفظة على الله تعالى ، وبعضهم يطلقها ويريد بها " القدَر "

وهكذا تتنوع استعمالات الناس لها ،ولم نرَ هذه العبارة في كتب العلماء والأئمة ، والحكم عليها يكون بحسب موقعها من الجملة ، وبحسب ما يعتقده القائل فيها .

وقد يكون المقصود من العبارة الواردة في السؤال أن يكون الإنسان سائراً في حياته مع متغيرات الواقع والزمن

ولا يكون مخالفاً لها ، وهذا معنى يحوي حقّاً وباطلاً ، ولا يمكن الحكم على العبارة إلا بمعرفة سياقها ومراد قائلها .

والله أعلم

*عبدالرحمن*
2019-02-18, 16:43
لا يعد هذا من سب الدهر

السؤال

بعض الأناشيد الإسلامية ، يذكر بها بعض الكلمات ، لا أدري إن كانت مباحة أم لا ؟ فمثلا هنالك نشيد يقال به (

و الله لو يمحو الزمان شمائلا سأظل وحدي طول عمري ثابتاً )

وقد سمعت : أن الله نهى عن سب الدهر ، فهل هذا الكلام مباح ؟ .

الجواب

الحمد لله

أولاً :

هذا الحديث الذي أشار إليه السائل ، رواه البخاري (4826) ، ومسلم (2246) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

: " قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ بِيَدِي الْأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ " .

قال الإمام النووي في "شرح صحيح مسلم" (7/419) :

" قَالَ الْعُلَمَاء : وَهُوَ مَجَاز ، وَسَبَبه أَنَّ الْعَرَب كَانَ شَأْنهَا أَنْ تَسُبّ الدَّهْر عِنْد النَّوَازِل وَالْحَوَادِث وَالْمَصَائِب النَّازِلَة بِهَا مِنْ مَوْت أَوْ هَرَم أَوْ تَلَف مَال أَوْ غَيْر ذَلِكَ

فَيَقُولُونَ : يَا خَيْبَة الدَّهْر ، وَنَحْو هَذَا مِنْ أَلْفَاظ سَبّ الدَّهْر ، فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

: " لَا تَسُبُّوا الدَّهْر فَإِنَّ اللَّه هُوَ الدَّهْر " أَيْ لَا تَسُبُّوا فَاعِل النَّوَازِل

فَإِنَّكُمْ إِذَا سَبَبْتُمْ فَاعِلهَا وَقَعَ السَّبّ عَلَى اللَّه تَعَالَى ؛ لِأَنَّهُ هُوَ فَاعِلهَا وَمُنْزِلهَا . وَأَمَّا الدَّهْر الَّذِي هُوَ الزَّمَان فَلَا فِعْل لَهُ ، بَلْ هُوَ مَخْلُوق مِنْ جُمْلَة خَلْق اللَّه تَعَالَى " انتهى .

قال الشيخ ابن عثيمين في "القول المفيد على كتاب التوحيد" (2/240)

: " وسب الدهر ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

الأول : أن يقصد الخبر المحض دون اللوم ; فهذا جائز، مثل أن يقول : تعبنا من شدة حر هذا اليوم أو برده، وما أشبه ذلك ; لأن الأعمال بالنيات

ومثل هذا اللفظ صالح لمجرد الخبر ، ومنه قول لوط عليه الصلاة والسلام :

" هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ " هود/77 .

الثاني : أن يسب الدهر على أنه هو الفاعل ، كأن يعتقد بسبه الدهر

أن الدهر هو الذي يقلب الأمور إلى الخير والشر، فهذا شرك أكبر لأنه اعتقد أن مع الله خالقا ; لأنه نسب الحوادث إلى غير الله ، وكل من اعتقد أن مع الله خالقا ; فهو كافر

كما أن من اعتقد أن مع الله إلها يستحق أن يعبد ، فإنه كافر .

الثالث : أن يسب الدهر لا لاعتقاده أنه هو الفاعل ، بل يعتقد أن الله هو الفاعل ، لكن يسبه لأنه محل لهذا الأمر المكروه عنده ; فهذا محرم

ولا يصل إلى درجة الشرك ، وهو من السفه في العقل والضلال في الدين ;

لأن حقيقة سبه تعود إلى الله - سبحانه - ;

لأن الله تعالى هو الذي يصرف الدهر، ويُكَوِّن فيه ما أراد من خير أو شر، فليس الدهر فاعلا ، وليس هذا السب يُكَفِّر ; لأنه لم يسب الله تعالى مباشرة " انتهى .

ثانياً :

ما جاء في هذا النشيد لا يعتبر سباً للدهر ؛ لأنه من باب الإخبار ، فهو إخبار بعزمه على الثبات على أخلاقه ومبادئه ، حتى وإن تغير حال غيره ، مع مرور الأيام والأزمان .

وهذا المعنى صحيح ، لا إشكال فيه .

وذكر ما يحدث في الدهر ، وما تنزل فيه من مصائب ، وكوارث ، وتقلب أحوال الناس فيه بين الخير والشر لا يعد سباً للدهر ، كما سبق .

وفي صحيح البخاري (7068) عن الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ قَالَ : أَتَيْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ مَا نَلْقَى مِنْ الْحَجَّاجِ

فَقَالَ : ( اصْبِرُوا فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلَّا الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ ، سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) .

ولا يزال هذا الأمر – أعني فساد أحوال الزمان – يتتابع شيئا فشيئا ، وينقص العلم ، ويظهر الشح ويتغير الناس حتى لا يبقى في آخر الزمان إلا شرار الخلق ، يتهارجون تهارج الحُمُر ، وعليهم تقوم الساعة .

عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ وَيَنْقُصُ الْعَمَلُ وَيُلْقَى الشُّحُّ وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ قَالُوا وَمَا الْهَرْجُ قَالَ الْقَتْلُ الْقَتْلُ "

رواه البخاري (6073) ، ومسلم (157) .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-18, 16:48
هل الشمس هي جهنم ؟

السؤال

أحببت أن أستفسر عن الشمس هل هي فعلا جهنم ؛ لأن هناك كتاب اسمه الكون والقرآن للمؤلف محمد علي حسن الحلي ، يذكر فيها أشياء أعتقد أنها مخالفة لنصوص القرآن والسنة ، فإذا كانت لديكم معلومات عن هذا الكتاب

أفيدونا جزاكم الله عنا خيراً ، والمؤلف لديه بعض الكتب مثل كتاب ساعة قضيتها مع عالم الأرواح .

الجواب

الحمد لله

أخي الكريم :

نصوص الشرع توضح أن حقيقة الشمس غير حقيقة جهنم ، بل هما شيئان مختلفان وليسا شيئا واحدا ، والنصوص على هذا كثيرة جدا ومعلومة لكل من قرأ كتاب الله تعالى ، وذكرها يطول ونكتفي بالنص الصريح الآتي :

قال الله تعالى :

( إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ، وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ ، وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ ، وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ

وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ ، وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ ، وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ، وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ ، بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ ، وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ ، وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ ، وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ ، وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ ) التكوير ( 1 – 13 ) .

والاستدلال بهذه الآية من وجهين :

الوجه الأول :

قوله تعالى : ( إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ) .

قال الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى :

" والصواب من القول في ذلك عندنا: أن يقال: ( كُوِّرَتْ ) . كما قال الله جل ثناؤه . والتكوير في كلام العرب : جمع بعض الشيء إلى بعض ، وذلك كتكوير العمامة ، وهو لفها على الرأس ، وكتكوير الكارة

وهي جمع الثياب بعضها إلى بعض ولفها ، وكذلك قوله : ( إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ) إنما معناه : جمع بعضها إلى بعض ، ثم لفت فَرُمِي بها "

انتهى من " تفسير الطبري " ( 24 / 131 ) .

وقد ثبت في السنة أنها تكور في نار جهنم .

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رضى الله عنه ـ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : ‏(‏ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ مُكَوَّرَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ‏) رواه البخاري ( 3200 ) ، ورواه البزار ( 15 / 243 )

بلفظ : ( إن الشمس والقمر ثوران في النار يوم القيامة فقال له الحسن وما ذنبهما ؟

فقال أحدثك عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وَسَلَّم وتقول ، أحسبه قال: وما ذنبهما ) وصححه الألباني في " السلسلة الصحيحة " ( 1 / 242 ) .

فإذا الشمس تختلف حقيقتها عن نار جهنم وهي أصغر منها لأنها يوم القيامة تكور في النار .

الوجه الثاني :

أن الله تعالى في وصفه في الآيات السابقة ليوم القيامة قال عزّ وجل : ( إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ) ثم قال : ( وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ ) فدلّت الآيتان بوضوح أن الشمس وجهنم شيئان متغايران .

والله أعلم .

ثانيا :

أما ما يخص كتب محمد علي حسن الحلي فالذي ننصحك به أن تبتعد عنها ولا تقرأ منها شيئا لما يأتي :

فالرجل لم نقف له على ترجمة إلا ما جاء في الموسوعة الحرة حيث جاء فيها :

" ولد محمد علي حسن الحلي في قرية كريطعة ضمن مدينة الحلة العراقية عام 1906، اقتصر تعليمه على ما كان يعرف بالكتاتيب ، وانتقل بعدها إلى مدينة الحلة ليزاول مهنة التصوير قبل أن يطرح أوّل مؤلفاته كتاب

( الكون والقرآن ) في عام 1947. وتوفي في مدينة الحلّة في العراق في عام 1991 " انتهى .

فإن كان هذا صحيحا فهذا يدلّ على أن الرجل ليس من أهل العلم لا الشرعي ولا المادي ، وليس أهلا لأن يجتهد في تفسير نصوص الوحي .

طالعنا كتابه " الكون والقرآن " فوجدناه يحتوي على تخاريف عجيبة ، فهذا الرجل لا يُعتَمد عليه لا في المعلومات الشرعية ولا الدنيوية ، فأما المعلومات الشرعية فهو يعتمد على عقله فقط

ويفسر القرآن بعقله بتفاسير عجيبة وخرافات لا أساس لها ولم تأثر عن أحد من أهل العلم سواء المتقدمين منهم أو المتأخرين ، وبعضها مضاد لصريح القرآن والسنة كمثل ما ذكرته في السؤال من زعمه أن الشمس هي جهنم

أما المعلومات الدنيوية فيأخذها من المجلات ومع ذلك يناقش أهل الاختصاص ويخطئهم بلا دليل بل بمجرد فهمه .

فالنصيحة أخي الكريم أن ترمي كتبه ولا تشتغل بها ، وعليك بكتب أهل العلم الثقات المعروفين و الذين اتفقت الأمة على إمامتهم وأخذ العلم عنهم .

وللفائدة : انظر الفتوى القادمة و التالية

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-18, 16:51
لا ننصحك باستمرار الاطلاع على كتب أهل الضلال

السؤال

أحب الاطلاع على كتب ومؤلفات وكتابات الرافضة والصوفية ، وبضاعتي في العلم قليلة ، والحمد لله أقف من الشبهات موقف المنكر ، لسبب بسيط ، هو أني أعلم أن دينهم باطل

والكثير منهم غال أو عامي جاهل مسكين مستحق الشفقة لخداع أسيادهم وضلالاهم .

فهل ترى أن أستمر بالاطلاع أم أترك ذلك ؟

الجواب

الحمد لله

يجب على المسلم أن يحافظ على عقيدته وإيمانه ، ويهتم بسلامة فطرته وفكره

ويهرب بدينه وقلبه من الشبهات والفتن ، فإن القلوبَ ضعيفةٌ والشبهَ خطَّافة ، تخطف بشيء من البريق الذي يزينها به أهل البدع والضلالات ، ولكنها في الحقيقة شبه واهية ضعيفة .

والنظر في كتب البدع والضلالة أو كتب الشرك والخرافة أو كتب الأديان الأخرى التي طالها التحريف أو كتب الإلحاد والنفاق لا يجوز إلا لمتأهِّل في العلم الشرعي ، يريد بقراءته لها الرد عليها وبيان فسادها

أما أن ينظر ويقرأ فيها من لم يتحقق بالعلم الشرعي فغالبا يناله من هذه المطالعة شيء من الحيرة والغواية ، وقد وقع ذلك لكثير من الناس وحتى من طلبة العلم ، حتى انتهى بهم الأمر إلى الكفر والعياذ بالله

وغالبا ما يغتر الناظر في هذه الكتب بأن قلبه أقوى من الشبهات المعروضة ، إلا أنه يفاجأ – مع كثرة قراءته – بأن قلبه قد تشرَّب من الشبهات ما لم يخطر له على بال .

ولذلك كانت كلمة العلماء والسلف الصالحين على تحريم النظر والمطالعة في هذه الكتب ، حتى ألف ابن قدامة المقدسي رسالة بعنوان " تحريم النظر في كتب الكلام " .

وننقل هنا العديد من نصوص العلماء في تحريم قراءة هذه الكتب لغير العالم :

جاء في "الموسوعة الفقهية" (34/185) :

" قال الحنابلة : ولا يجوز النظر في كتب أهل البدع ، ولا في الكتب المشتملة على الحقّ والباطل ، ولا روايتها ؛ لما في ذلك من ضرر إفساد العقائد .

وقال القليوبيّ : تحرم قراءة كتب الرقائق والمغازي الموضوعة " انتهى .

كما أفتى الشاطبي في "الإفادات والإنشادات" (44) أن العوام لا يحل لهم مطالعة كتاب أبي طالب المكي المسمى بـ ( قوت القلوب ) لما فيه من الشطحات الصوفية .

وقال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (13/525) :

" والأولى في هذه المسألة التفرقة بين من لم يتمكن ويصير من الراسخين في الإيمان ، فلا يجوز له النظر في شيء من ذلك ، بخلاف الراسخ ، فيجوز له ، ولا سيما عند الاحتياج إلى الرد على المخالف " انتهى .

وقال محمد رشيد رضا في "الفتاوى" (1/137) :

" ينبغي منع التلامذة والعوام من قراءة هذه الكتب لئلا تشوش عليهم عقائدهم وأحكام دينهم ، فيكونوا كالغراب الذي حاول أن يتعلم مِشية الطاووس فنسي مشيته ولم يتعلم مشية الحجل " انتهى .

وجاء في "فتاوى نور على الدرب" (التوحيد والعقيدة/267)

من كلام الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :

" وأما كتب الصوفية فإنه لا يجوز اقتناؤها ولا مراجعتها إلا لشخص يريد أن يعرف ما فيها من البدع من أجل أن يرد عليها ، فيكون في نظره إليها فائدة عظيمة وهي معالجة هذه البدعة حتى يسلم الناس منها " انتهى .

وقد قالت اللجنة الدائمة كما في "مجلة البحوث الإسلامية" (19/138) :

" يحرم على كل مكلف ذكرا أو أنثى أن يقرأ في كتب البدع والضلال

, والمجلات التي تنشر الخرافات وتقوم بالدعايات الكاذبة وتدعو إلى الانحراف عن الأخلاق الفاضلة

إلا إذا كان من يقرؤها يقوم بالرد على ما فيها من إلحاد وانحراف ، وينصح أهلها بالاستقامة وينكر عليهم صنيعهم ويحذر الناس من شرهم " انتهى .

فلماذا تعرِّض نفسك – أخي الكريم – للشر والشبهات ، فأنت في مأمن وغنى عن ذلك ، واحمد الله تعالى على السلامة والعافية ، واشكره على نعمة الهداية والثبات بأن تحافظ عليها فلا تعرضها لما قد يصيبها في مقتلها
.
ثم إن العمر أقصر من قضائه في مطالعة الباطل ، فالحق والخير والعلم النافع كثير

وإذا أنفق المرء عمره كله في مطالعة كتب العلم النافعة كالتفاسير وكتب الحديث والفقه والرقائق والزهد والأدب والفكر والتربية لما كاد يقضي منها وطره

فكيف إذا انشغل بكتب الخرافة والضلالة التي يكتبها الرافضة وبعض المتصوفة ؟!!

واستمع أخي الكريم إلى نصيحة العلامة ابن الجوزي في الاهتمام بالنافع من العلوم حيث يقول في "صيد الخاطر" (54-55) :

" أما العالم فلا أقول له اشبع من العلم ، ولا اقتصر على بعضه .

بل أقول له : قدم المهم ؛ فإن العاقل من قدَّر عمره وعمل بمقتضاه ، وإن كان لا سبيل إلى العلم بمقدار العمر ، غير أنه يبني على الأغلب .

فإن وصل فقد أعد لكل مرحلة زاداً ، وإن مات قبل الوصول فنيته تسلك به ......

والمقصود أن ينتهي بالنفس إلى كمالها الممكن لها في العلم والعمل " انتهى باختصار .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-18, 16:54
الذين يؤخذ عنهم العلم من لدن نبينا صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا

السؤال

أدرس عن الإسلام دراسة ذاتية ولا أجد من يعينني على فهم بعض الأشياء

مما يجعلني أشعر بعدم الثقة والصحة في كل ما أقرأه فهل من الممكن أن تزودوني بمعلومات عمن يؤخذ منهم العلم من أهل العلم منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى وقتنا الحالي ؟

الجواب

الحمد لله

نشكر لك حرصك على طلب العلم الشرعي ، وتحرّيك الحق .

وقد أحسنت بالسؤال عمن يؤخذ منهم العلم ، فليس كل من أوتي حسن منطق وبيان ، وحفظ المسائل وأدلتها هو العالم الذي يؤخذ منه العلم ، ولهذا قال محمد بن سيرين رحمه الله : إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم .

فلا يؤخذ العلم إلا عمن عُرف بالاستقامة والتقوى ، وحسن الاعتقاد

وسلامة المنهج ، فالفاسق والمبتدع والداعي إلى غير السنة لا يؤخذ عنهم العلم ، عقوبةً لهم ، وزجراً للناس عنهم ، ولأنهم قد يدسون السم في العسل ، فيلقنون طلابهم بدعهم من حيث لا يشعرون .

وأئمة أهل السنة والجماعة الذين يؤخذ عنهم العلم كثيرون جداً ، بحيث لا يمكن حصرهم ، ولكننا سنذكر بعضهم .

فعلى رأسهم : أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا سيما الخلفاء الراشدون الأربعة (أبو بكر وعمر وعثمان وعلي) ، ثم كبار علماء الصحابة كابن مسعود ومعاذ بن جبل وابن عباس وأبي موسى الأشعري

وعبادة بن الصامت وأبي الدرداء ، وأبي هريرة وابن عمر وابن عمرو وابن الزبير وأبي سعيد وأنس بن مالك رضي الله عنهم أجمعين .

ثم يتلوهم كبار التابعين كأبي العالية وسعيد بن المسيب وعلقمة والأسود وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد بن جبر وابن سيرين ونافع مولى ابن عمر والحسن البصري .

ثم تلامذتهم كإبراهيم النخعي والزهري والشعبي والأعمش وأبي الزناد ومكحول والأوزاعي وابن المبارك والثوري وابن عيينة .

ثم الفقهاء الأربعة الأعلام ، أئمة المذاهب المتبعة : أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ، وأمثالهم من أقرانهم كأبي ثور والليث بن سعد وابن وهب وإسحاق بن إبراهيم .

ثم أئمة المحدثين كالبخاري ومسلم وأهل السنن (أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه) ، ثم أصحاب المصنفات في الحديث كابن خزيمة وابن حبان والدارقطني والطحاوي والبيهقي .

ثم محررو المذاهب من متأخري الفقهاء كابن المنذر والنووي والعراقي وابن الصلاح والقرطبي وابن العربي

وابن عبد البر وابن قدامة وابن تيمية وابن القيم والذهبي وابن كثير والعز بن عبد السلام وابن جماعة وابن الملقن وابن حجر وابن رجب .

ثم أتباعهم ومن أخذ عنهم وسار على نهجهم كابن أبي العز والسيوطي والشوكاني والصنعاني.

ثم مشايخ أهل السنة من المتأخرين كمحمد بن عبد الوهاب وأحمد شاكر ومحمد بن إبراهيم آل الشيخ وعبد الرحمن السعدي وابن باز وابن عثيمين والألباني ومحمد الأمين الشنقيطي

وعطية سالم وعبد الرزاق عفيفي وأبو بكر الجزائري وعبد الله بن حميد وصالح اللحيدان وصالح الفوزان وعبد الله بن جبرين وعبد الرحمن البراك ....

وغيرهم كثير من علماء أهل السنة والجماعة .

ويحسن بنا في هذا المقام أن نذكّر أيضا ببعض الكتب والمصنفات في بعض فروع العلم ، والتي لا غنى لطالب العلم عنها ، فمن ذلك :

أولاً : العقيدة :

كتاب التوحيد وكشف الشبهات والأصول الثلاثة لابن عبد الوهاب .

والواسطية والحموية والتدمرية لابن تيمية .

العقيدة الطحاوية لأبي جعفر الطحاوي ، وشرحها لابن أبي العز الحنفي .

ثانياً : الحديث وشروحه :

- الكتب الستة ( صحيح البخاري , ومسلم , والنسائي , وأبو داود , وابن ماجه , والترمذي )

- فتح الباري وشرح مسلم للنووي وعون المعبود وتحفة الأحوذي .

- رياض الصالحين والأذكار للنووي وشرحهما لابن علام ، وشرح رياض الصالحين لابن عثيمين .

- بلوغ المرام وشرحه سبل السلام وشرح آخر له للشيخ ابن عثيمين .

- المنتقى وشرحه "نيل الأوطار" للشوكاني .

ثالثاً : كتب الفقه :

- زاد المستقنع وشرحه الروض المربع وعمدة الفقه والشرح الممتع والمغني والمجموع.

رابعاً : التفسير :

تفسير الطبري والقرطبي وابن كثير وفتح القدير للشوكاني والتحرير والتنوير والسعدي وأضواء البيان وتفسير ابن عثيمين .

خامساً الفتاوى :

مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية وفتاوى ابن الصلاح والفتاوى الفقهية الكبرى لابن حجر ثم فتاوى الشيخ ابن باز وابن عثيمين وابن جبرين والفوزان واللجنة الدائمة للإفتاء .

ونسأل الله تعالى لك التوفيق والسداد .

والله أعلم

*عبدالرحمن*
2019-02-18, 17:01
هل تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول قوله تعالى : (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ )؟

السؤال

هناك مسألة تحيرني بخصوص زواج النبي صلى الله عليه وسلم من زوجاته ، فهل تزوج الرسول صلى الله عليه وسلم بعد نزول الآية التالية :

وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا [النساء: 3]

أم أنه توقف عن الزواج بعدها ؟

وهل نزلت تلك الآية قبل أم بعد الآية الكريمة: " لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك وكان الله على كل شيء رقيبا" ؟

الجواب

الحمد لله

أولا :

من المعلوم أن الرسول عليه الصلاة والسلام توفي عن تسع نساء ، وهذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم في النكاح ، " والحكمة من إباحة أكثر من أربع للنبي عليه الصلاة والسلام :

لأنه صلى الله عليه وسلم باتصاله بهن يكون فيه شرف لهن ولقبائلهن

ولأنه باتصاله بهن يكثر العلم لأن كل واحدة منهن عندها من العلم ما لا يكون عندها لو لم تكن زوجة له ، ولله عز وجل أن يخص من شاء من خلقه بحكم من الأحكام لسبب من الأسباب "

. انتهى من "فتاوى نور على الدرب" للعثيمين (24/ 2) بترقيم الشاملة .

وانظر الفتوى القادمة لمعرفة الحكمة من زواج النبي صلى الله عليه وسلم بأكثر من أربع .

ثانيا :

تقدم في الفتوى أن الله تعالى منع نبيه صلى الله عليه وسلم من التزوج على نسائه رضي الله عنهن

بقوله تعالى : ( لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً ) الأحزاب/ 52 ؛ إكراماً لنسائه ؛ لأنهن اخترن الله ورسله

والدار الآخرة عندما خيَّرهن النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم نُسخ هذا الحكم المانع بحكم آخر يبيح له صلى الله عليه وسلم التزوج بغيرهن ؛

وذلك إكراماً للنبي صلى الله عليه وسلم . ثم أكرم النبي صلى الله عليه وسلم نساءَه فلم يتزوج عليهنَّ ، فكانت المنَّة له عليهن بذلك .

ثالثا :

لا علاقة بين قوله تعالى : ( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ )

وبين زواج النبي صلى الله عليه وسلم بأكثر من أربع ، فإن حكم الآية خاص بالأمة ، أما النبي صلى الله عليه وسلم : فقد أبيح له أن يتزوج بأكثر من أربع ، للحكم الشرعية العظيمة في ذلك .

والذي يظهر أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج بعد نزول هذه الآية ؛ فإن هذه الآية من أوائل آيات سورة النساء ، وسورة النساء كان نزولها بعد سورة الممتحنة

قال الزركشي رحمه الله في "البرهان" (1/ 194):

" أَوَّلُ مَا نَزَلَ في المدينة : سُورَةُ الْبَقَرَةِ ثُمَّ الْأَنْفَالِ ثُمَّ آلِ عِمْرَانَ ثُمَّ الْأَحْزَابِ ثُمَّ الْمُمْتَحِنَةِ ثُمَّ النِّسَاءِ "

وانظر : "البيان" لأبي عمرو الداني (ص136)

"التحرير والتنوير" لابن عاشور (4/211) .

ونزلت الممتحنة بعد الحديبية

كما في البخاري (2711)

وكانت الحديبية سنة ست ، كما هو معلوم

وانظر: "زاد المعاد" (2/ 86)

"تفسير ابن كثير" (1/ 527)

وتزوج النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها - وهي آخر من تزوج بها - بمكة بعد عمرة القضاء ، بعد أن حل منها

كما في "زاد المعاد" (1/109).

وعمرة القضاء كانت في أواخر سنة سبع ، في ذي القعدة منها

كما في "تفسير ابن كثير" (1/ 531) وغيره .

وكان ابتداء نزول سورة النساء أوائل سنة سبع على الراجح

قال ابن عاشور رحمه الله :

" نزلت سُورَةُ النِّسَاءِ بَعْدَ وَقْعَةِ الْأَحْزَابِ الَّتِي هِيَ فِي أَوَاخِرِ سَنَةِ أَرْبَعٍ أَوْ أَوَّلِ سَنَةِ خَمْسٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَبَعْدَ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ الَّذِي هُوَ فِي سَنَةِ سِتٍّ ، وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ آيَة َ: (

وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ ) نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنْ غَطَفَانَ لَهُ ابْنُ أَخٍ لَهُ يَتِيمٌ ، وَغَطَفَانُ أَسْلَمُوا بَعْدَ وَقْعَةِ الْأَحْزَابِ

إِذْ هُمْ مِنْ جُمْلَةِ الْأَحْزَابِ ، أَيْ بَعْدَ سَنَةِ خَمْسٍ .

. وَلَا شَكَّ فِي أَنَّهَا نَزَلَتْ بَعْدَ آلِ عِمْرَانَ ، لِأَنَّ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ مِنْ تَفَاصِيلِ الْأَحْكَامِ مَا شَأْنُهُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْمُسْلِمِينَ بِالْمَدِينَةِ، وَانْتِظَامِ أَحْوَالِهِمْ وَأَمْنِهِمْ مِنْ أَعْدَائِهِمْ.

وَفِيهَا آيَةُ التَّيَمُّمِ، وَالتَّيَمُّمُ شرع يَوْم غزَاة الْمُرَيْسِيعِ سَنَةَ خَمْسٍ ، وَقِيلَ : سَنَةَ سِتٍّ. فَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ نُزُولَ سُورَةِ النِّسَاءِ كَانَ فِي حُدُودِ سَنَةِ سَبْعٍ " انتهى .

فيترجح بذلك زواج النبي صلى الله عليه وسلم من ميمونة رضي الله عنها بعد نزول هذه الآية .

رابعا :

تقدم أن سورة النساء نزلت بعد الممتحنة ، ونزلت الممتحنة بعد الأحزاب ، وعلى هذا يكون نزول قوله تعالى في سورة الأحزاب : ( لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ

وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا ) الأحزاب/ 52 ، نزل قبل قوله تعالى في سورة النساء : ( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ

فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا ) النساء/ 3

ومن فرق بين ما يخص النبي صلى الله عليه وسلم وبين ما يخص الأمة من أحكام ، استراح من تكلف البحث في مثل ذلك ، وخاصة أنه لا يعود عليه في أمر دينه بشيء كبير.

والله أعلم.

*عبدالرحمن*
2019-02-18, 17:06
لم يتزوج النبي صلى الله عليه وسلم لمجرد التمتع بما أحل الله له

السؤال

هل تزوج النبي صلى الله عليه وسلم لغرضين: أحدهما: مصلحة الدعوة، والثاني: التمشي مع ما فطره الله عليه من التمتع بما أحل الله له؟

الجواب

الحمد لله

"من المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم بَشَر ، أكرمه الله تعالى بالنبوة والرسالة إلى الناس كافة، وأن اتصافه بما تقتضيه الطبيعة البشرية من الحاجة إلى الأكل، والشرب، والنوم، والبول

والغائط ومدافعة البرد، والحر، والعدو، ومن التمتع بالنكاح،

وأطايب المأكول والمشروب وغيرها من مقتضيات الطبيعة البشرية لا يقدح في نبوته ورسالته، بل قد قال الله له: (قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ) الأنعام/50

وقال هو عن نفسه صلى الله عليه وسلم : ( إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون).

وانتفاء علم الغيب، وطرو النسيان على العلم قصور في مرتبة العلم من حيث هو علم، لكن لما كان من طبيعة البشر الذي خلقه الله ضعيفاً في جميع أموره

لم يكن ذلك قصوراً في مقام النبوة، ونقصاً في حق النبي صلى الله عليه وسلم.

ولا ريب أن شهوة النكاح من طبيعة الإنسان

فكمالها فيه من كمال طبيعته، وقوتها فيه تدل على سلامة البنية واستقامة الطبيعة، ولهذا ثبت في صحيح البخاري من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: ( كنا نتحدث أنه

يعني : النبي صلى الله عليه وسلم ـ أعطي قوة ثلاثين) .

يعني على النساء، وهذا والله أعلم، ليتمكن من إدراك ما أحل الله منهن بلا حصر ولا مهر، ولا ولي، فيقوم بحقوقهن، ويحصل بكثرتهن ما حصل من المصالح العظيمة الخاصة بهن والعامة للأمة جميعاً

ولولا هذه القوة التي أمده الله بها ما كان يدرك أن يتزوج بكل هذا العدد، أو يقوم بحقهن من الإحصان والعشرة.

ولو فرض أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج امرأة لمجرد قضاء الوطر من الشهوة والتمشي مع ما تقتضيه الفطرة بل الطبيعة لم يكن في ذلك قصور في مقام النبوة

ولا نقص في حقه صلى الله عليه وسلم ، كيف وقد قال صلى الله عليه وسلم : (

تنكح المرأة لأربع: لمالها ، وحسبها، وجمالها، ودينها، فاظفر بذات الدين). بل قد قال الله له: (لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ) الأحزاب/51

. لكننا لا نعلم حتى الآن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج امرأة لمجرد قضاء الوطر من الشهوة، ولو كان كذلك لاختار الأبكار الباهرات جمالاً، الشابات سنّاً، كما قال لجابر رضي الله عنه حين أخبره أنه تزوج ثيباً

قال : (فهلا بكراً تلاعبها وتلاعبك) ؟ .

وفي رواية : (وتضاحكها وتضاحكك) . وفي رواية : (مالك وللعذارى ولعابها)، رواه البخاري، وإنما كان زواجه صلى الله عليه وسلم إما تأليفاً، أو تشريفاً، أو جبراً أو مكافأة، أو غير ذلك من المقاصد العظيمة.

وقد أجملها في "فتح الباري" (9/115) حيث قال: "والذي تحصل من كلام أهل العلم في الحكمة في استكثاره من النساء عشرة أوجه:

أحدها: أن يكثر من يشاهد أحواله الباطنة فينتفي عنه ما يظن به المشركون من أنه ساحر أو غير ذلك.

ثانيها: لتتشرف به قبائل العرب بمصاهرته فيهم.

ثالثها: الزيادة في تألفهم لذلك.

رابعها: الزيادة في التكليف ، حيث كلف أن لا يشغله ما حبب إليه منهن عن المبالغة في التبليغ.

خامسها: لتكثر عشيرته من جهة نسائه فتزداد أعوانه على من يحاربه.

سادسها: نقل الأحكام الشرعية التي لا يطلع عليها الرجال، لأن أكثر ما يقع مع الزوجة مما شأنه أن يختفي مثله.

سابعها: الاطلاع على محاسن أخلاقه الباطنة. فقد تزوج أم حبيبة وأبوها يعاديه، وصفية بعد قتل أبيها وعمها وزوجها، فلو لم يكن أكملَ الخَلْق في خُلُقه لنفرن منه، بل الذي وقع أنه كان أحب إليهن من جميع أهلهن.

ثامنها: ما تقدم مبسوطاً من خرق العادة له في كثرة الجماع مع التقلل من المأكول والمشروب

وكثرة الصيام والوصال. وقد أمر من لم يقدر على مؤن النكاح بالصوم، وأشار إلى أن كثرته تكسر شهوته، فانخرقت هذه العادة في حقه صلى الله عليه وسلم .

تاسعها وعاشرها: ما تقدم عن صاحب الشفاء من تحصينهن والقيام بحقوقهن" اهـ .

قلت (ابن عثيمين) : الثامنة حاصلة لأن الله أعطاه قوة ثلاثين رجلاً كما سبق.

وثَمَّ وجه حادي عشر: وهو إظهار كمال عدله في معاملتهن ، لتتأسى به الأمة في ذلك.

وثاني عشر: كثرة انتشار الشريعة ، فإن انتشارها من عدد أكثر من انتشارها من واحدة.

وثالث عشر: جبر قلب من فات شرفها ، كما في صفية بنت حيي وجويرية بنت الحارث سيد بني المصطلق.

ورابع عشر: تقرير الحكم الشرعي وانتشال العقيدة الفاسدة التي رسخت في قلوب الناس من منع التزوج بزوجة ابن التبني، كما في قصة زينب ، فإن اقتناع الناس بالفعل أبلغ من اقتناعهم بالقول

وانظر اقتناع الناس بحلق النبي صلى الله عليه وسلم رأسه في الحديبية ومبادرتهم بذلك حين حلق بعد أن تباطؤوا في الحلق مع أمره لهم به.

وخامس عشر: التأليف وتقوية الصلة ، كما في أمر عائشة وحفصة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم شد صلته بخلفائه الأربعة عن طريق المصاهرة، مع ما لبعضهم من القرابة الخاصة، فتزوج ابنتي أبي بكر وعمر

وزَوَّج بناته الثلاث بعثمان وعلي رضي الله عن الجميع ، فسبحان من وهب نبيه صلى الله عليه وسلم هذه الحكم، وأمده بما يحققها قدراً وشرعاً، فأعطاه قوة الثلاثين رجلاً

وأحل له ما شاء من النساء يرجي من يشاء منهن، ويؤوي إليه من يشاء، وهو سبحانه الحكيم العليم.

وأما عدم تزوجه بالواهبة نفسها، فلا يدل على أنه تزوج من سواها لمجرد الشهوة، وقضاء وطر النكاح.

وأما ابنة الجون فلم يعدل عن تزوجها بل دخل عليها وخلا بها، ولكنها استعاذت بالله منه، فتركها النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ( لقد عذت بعظيم فالحقي بأهلك)

. ولكن هل تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم لمجرد جمالها وقضاء وطر النكاح أو لأمر آخر؟ إن كان لأمر آخر سقط الاستدلال به على أن النبي صلى الله عليه وسلم

كان يتزوج لمجرد قضاء الوطر، وإن كان لأجل قضاء الوطر فإن من حكمة الله تعالى أن حال بينه وبين هذه المرأة بسبب استعاذتها منه.

وأما سودة رضي الله عنها فقد خافت أن يطلقها النبي صلى الله عليه وسلم لكبر سنها فوهبت يومها لعائشة، وخوفها منه لا يلزم منه أن يكون قد هم به. وأما ما روي أنه طلقها بالفعل فضعيف لإرساله.

وأما زواجه صلى الله عليه وسلم بزينب فليس لجمالها بل هو لإزالة عقيدة سائدة بين العرب، وهي امتناع الرجل من تزوج مفارقة من تبناه، فأبطل الله التبني وأبطل الأحكام المترتبة عليه عند العرب

ولما كانت تلك العقيدة السائدة راسخة في نفوس العرب كان تأثير القول في اقتلاعها بطيئاً، وتأثير الفعل فيها أسرع ، فقيض الله سبحانه بحكمته البالغة أن يقع ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم في تزوجه بمفارقة مولاه

زيد بن حارثة الذي كان تبناه من قبل ليطمئن المسلمون إلى ذلك الحكم الإلهي، ولا يكون في قلوبهم حرج منه، وقد أشار الله تعالى إلى هذه الحكمة

بقوله تعالى : (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا) الأحزاب/37

. ثم تأمل قوله تعالى : (زَوَّجْنَاكَهَا). فإنه يشعر بأن تزويجها إياه لم يكن عن طلب منه، أو تشوف إليه، وإنما هو قضاء من الله لتقرير الحكم الشرعي وترسيخه وعدم الحرج منه

وبهذا يعرف بطلان ما يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى زيداً ذات يوم لحاجة فرأى زينب فوقعت في نفسه وأعجبه حسنها فقال: (سبحان الله مقلب القلوب).

فأخبرت زينب زيداً بذلك ففطن له فكرهها وطلقها بعد مراجعة النبي صلى الله عليه وسلم وقوله: (أمسك عليك زوجك واتق الله). فهذا الأثر باطل مناقض لما ذكر الله تعالى من الحكمة

في تزويجها إياه، وقد أعرض عنه ابن كثير رحمه الله فلم يذكره، وقال: أحببنا أن نضرب عنها أي عن الآثار الواردة عن بعض السلف صفحاً لعدم صحتها فلا نوردها، ويدل على بطلان هذا الأثر أنه لا يليق بحال الأنبياء

فضلاً عن أفضلهم وأتقاهم لله عز وجل وما أشبه هذه القصة بتلفيق قصة داود عليه الصلاة والسلام، وتحيله علي التزوج بزوجة من ليس له إلا زوجة واحدة، على ما ذكر في بعض كتب التفسير

عند قوله تعالى: (وهل أتاك نبأ الخصم) ... إلى آخر القصة فإن من علم قدر الأنبياء وبعدهم عن الظلم والعدوان والمكر والخديعة علم أن هذه القصة مكذوبة على نبي الله داود عليه الصلاة والسلام.

والحاصل :

أنه وإن جاز للنبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوج لمجرد قضاء الوطر من النكاح وجمال المرأة وأن ذلك لا يقدح في مقامه، فإننا لا نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم

تزوج زواجاً استقرت به الزوجة وبقيت معه من أجل هذا الغرض. والله أعلم" انتهى .

"المجموع الثمين من فتاوى ابن عثيمين" (3/79-86) .

*عبدالرحمن*
2019-02-18, 17:10
تفسير قوله تعالى : (فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ)

السؤال

ذكر القراّن أن اّدم وحواء نزلا إلى الأرض وبدت عوراتهما فأسرعا يغطيان عوراتهما من أوراق الجنة

هل كان على الأرض يوجد أوراق من الجنة ، أم سقطت معهما ؟

أعلم أن الله طرد إبليس من الجنة ثم ذكر الله إن الشيطان وسوس لادم وحواء من أين أتى الشيطان إذا كان قد تم طرده ؟ أنا أقرأ القراّن مع التفسير فيحصل عندي أحيانا التباس.

الجواب

الحمد لله

أولا :

الصواب : أن الجنة التي أسكن الله آدم وحواء إياها هي جنة الخلد التي في السماء ، وليست بجنة في الدنيا

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

" الْجَنَّةُ الَّتِي أَسْكَنَهَا آدَمَ وَزَوْجَتَهُ ، عِنْدَ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ : هِيَ جَنَّةُ الْخُلْدِ "

انتهى من " مجموع الفتاوى " (4 /347) .

وانظر لمعرفة الأدلة على ذلك جواب السؤال القادم

وعليه : فقوله تعالى : ( فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ) الأعراف/ 22

إنما حصل في الجنة التي في السماء ، لما أكلا من الشجرة بدت لهما عوراتهما ، ولما ظهرت عوراتهما خجلا ، وجعلا يغطيان عوراتهما بأوراق شجر الجنة .

فعلى هذا : يكونان قد أخذا من ورقها ، وجعلا يستران به عوراتهما حياء وخجلا ، وهذا كله واضح ، لا إشكال فيه .

وعلى القول بأنها جنة في الأرض - وهو قول مرجوح - : يكونان قد أخذا من ورق هذه الجنة الأرضية ، وجعلا يستران به عوراتهما .

وأما القول بأنهما كانا في الأرض ، واستترا بورق من شجر جنة الخلد ، كان قد نزل معهما ، أو كان من شجر جنة الخلد في الدنيا : فهذا لا نعلم أن أحدا قال به أصلا ، وهو تكلف واضح ، لا وجه له ، ولا حاجة إليه .

ثانيا :

لا إشكال فيما استشكله السائل حول كيفية وسوسة إبليس لآدم وحواء عليهما السلام وقد طرده الله من الجنة ، لإمكان أن يقف إبليس خارج الجنة قريباً من طرفها ، بحيث يسمع آدم كلامه وهو في الجنة

وإمكان أن يدخله الله إياها لامتحان آدم وزوجه ، لا لكرامة إبليس ، فإن الشياطين تدخل المساجد وتوسوس للمصلين ، والمساجد بيوت الله التي أذن أن ترفع ويذكر فيها اسمه

ومع ذلك فلا إشكال في دخول الشياطين المساجد ، لحصول الابتلاء بهم

فتظهر أنواع من العبودية لم تكن لتظهر إلا بذلك ، من مجاهدة النفس والشيطان وحصول تمام الخشوع بالمجاهدة ، والعمل على تدبر القرآن ، واستحضار القلب بين يدي الله في الصلاة ، إلى غير ذلك .

وانظر حول هذه المسألة : جواب السؤال بعد القادم

ثالثا :

الالتباس الذي يحصل لك أحيانا عند قراءة كتب التفسير والنظر في معاني القرآن علاجه بما يلي :

- استعذ بالله من الشيطان الرجيم ، واسأل الله تعالى العصمة منه ، واسأله سبحانه فهم كتابه .

- لا تكثر من إيراد التساؤلات والإشكالات على نفسك ، فإن هذا القرآن سهل طيب مبارك ، فافهم من معانيه ما يمكن أن يحيط به عقلك ، وإذا أشكل عليك شيء فرده إلى عالمه

فتجمع بين فائدة النظر في كتب أهل العلم ، ومطالعة كلامهم ، وبين السؤال المباشر ، والسماع منهم ، خاصة فيما أشكل أمره عليك .

روى أحمد (6702) عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : لَقَدْ جَلَسْتُ أَنَا وَأَخِي مَجْلِسًا مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهِ حُمْرَ النَّعَمِ ، أَقْبَلْتُ أَنَا وَأَخِي وَإِذَا مَشْيَخَةٌ مِنْ صَحَابَةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جُلُوسٌ عِنْدَ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِه ِ

فَكَرِهْنَا أَنْ نُفَرِّقَ بَيْنَهُمْ ، فَجَلَسْنَا حَجْرَةً - أي ناحية - ، إِذْ ذَكَرُوا آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ ، فَتَمَارَوْا فِيهَ ا، حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمْ ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُغْضَبًا ، قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ ،

يَرْمِيهِمْ بِالتُّرَابِ ، وَيَقُولُ : ( مَهْلًا يَا قَوْمِ ، بِهَذَا أُهْلِكَتِ الْأُمَمُ مِنْ قَبْلِكُم ْ، بِاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ

وَضَرْبِهِمُ الْكُتُبَ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ ، إِنَّ الْقُرْآنَ لَمْ يَنْزِلْ يُكَذِّبُ بَعْضُهُ بَعْضًا ، بَلْ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَمَا عَرَفْتُمْ مِنْهُ ، فَاعْمَلُوا بِهِ ، وَمَا جَهِلْتُمْ مِنْهُ ، فَرُدُّوهُ إِلَى عَالِمِهِ ). وصححه محققو المسند .

والله تعالى أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-18, 17:13
يسأل عن السبيل الذي وسوس به إبليس لأبينا آدم

السؤال

أخبرنا الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز أنه عندما رفض إبليس لعنه الله السجود لسيدنا آدم قام سبحانه وتعالى بطرده من الجنة . أريد من فضيلتكم توضيح أمر قد أشكل علي

وهو كيف وسوس إبليس لسيدنا آدم وهو في الجنة ، مع أن الله تعالى طرده ؟ جزاك الله كل خير .

الجواب

الحمد لله

أولا :

لا نرى للسائل الكريم ، ولا لغيره من المسلمين الاشتغال كثيرا بتفاصيل القصص التي طوى القرآن ذكرها ، ولم يَرِد بها أثرٌ صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم

إذ لو كان فيها كبير فائدة أو حكمة لذكرها الله عز وجل في كتابه ، أو علَّمها الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه ، فلا ينبغي للمسلم أن ينشغل بالمفضول عن الفاضل ، وبالفروع عن الأصول .

عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ

: قَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم : ( إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ ) رواه البخاري (2408) ومسلم (593)

يقول ابن حجر في "فتح الباري" (3/342) :

" قال ابن التين : يحتمل أن يكون المراد السؤال عن المشكلات ، أو عما لا حاجة للسائل به ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : ( ذروني ما تركتكم ) قلت : وحمله على المعنى الأعم أولى " انتهى.

ثانيا :

ومن ذلك الخوض في تفاصيل الطريقة التي وسوس بها إبليس لعنه الله ، لأبينا آدم وأمنا حواء عليهما السلام ،

فقد اقتصر القرآن الكريم على ذكر أصل الحادثة من غير تفصيل طبيعة الوسوسة ولا طريقتها ، وأوضح ما جاء في ذلك قوله عز وجل :

( فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ . وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ) الأعراف/20-21

وقوله سبحانه :

( فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى ) طه/120

فإذا وقفنا مع ظاهر الآيات بدا لنا أن هذه الوسوسة كانت مشافهة ومخاطبة مباشرة ، وقد نقل بعض أهل العلم ذلك عن جمهور المفسرين

فقال القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (1/312)

: " قال ابن مسعود وابن عباس وجمهور العلماء : أغواهما مشافهة ، ودليل ذلك قوله تعالى : ( وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين ) ، والمقاسمة ظاهرها المشافهة " انتهى.

غير أن هذا الظاهر لا يفسر كيف استطاع إبليس أن يخاطب آدم وحواء بهذا الخطاب

وهل كان على هيئته المعروفة أم تمثل لهما ، وهل دخل الجنة دخولا حقيقيا أم عارضا ، كل ذلك من الغيب الذي لا يمكننا أن نخوض فيه من غير أثارة من علم .

إلا أن نذهب إلى ما روي عن بعض الصحابة والتابعين

ومال إليه ابن جرير الطبري (1/532)

وأصله من كلام وهب بن منبه عن علوم أهل الكتاب أنه : " لما أراد إبليس أن يستزلَّهما دَخل في جوف الحية

وكانت للحية أربع قوائم كأنها بُخْتِيَّة ، من أحسن دابة خلقها الله ، فلما دخلت الحية الجنة ، خرج من جوفها إبليس " انتهى باختصار.

أو يقال بما قرره الشيخ الأمين الشنقيطي في "أضواء البيان" حين قال :

" والمفسرون يذكرون في ذلك قصة الحية ، وأنه دخل فيها فأدخلته الجنة ، والملائكة الموكّلون بها لا يشعرون بذلك ، وكل ذلك من الإسرائيليات

والواقع أنه لا إشكال في ذلك ، لإمكان أن يقف إبليس خارج الجنة قريباً من طرفها ، بحيث يسمع آدم كلامه وهو في الجنة ، وإمكان أن يدخله الله إياها لامتحان آدم وزوجه ، لا لكرامة إبليس

فلا محال - عقلاً - في شيء من ذلك ، والقرآن قد جاء بأن إبليس كلّم آدم ، وحلف له حتى غره وزوجه بذلك " انتهى .

وإنما يعنينا من ذلك أن نؤمن إيماناً لا شك فيه ، أن هذه القصة وقعت ، كما أخبرنا الله في كتابه ، وأن سوق العداوة قد قامت بين إبليس وجنده وآدم وذريّته

: ( إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوّاً مُبِيناً) الإسراء / 53 ، فاحذره كما حذّرك الله ، واستعن عليه بإخلاص الدين لله

( قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) ص/82-83 ، واحذر يا عبد الله أن تكون من حزب الغاوين ( قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ

* وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ * لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ) الحجر41-44 .

والله تعالى أعلم

*عبدالرحمن*
2019-02-18, 17:18
ما هي الجنة التي كان فيها آدم عليه السلام ؟

السؤال

الجنة الموعودة تختلف عما رأى النبي آدم عليه السلام ، فأي الجنان رآها آدم عليه السلام ؟ وما النصوص الشرعية الواردة في ذالك ؟

الجواب

الحمد لله

أولا :

الجنة التي أسكنها الله تعالى آدم عليه السلام

كما في قوله تعالى : ( وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ) البقرة/ 35 ، هي جنة الخلد ، التي يدخلها المؤمنون يوم القيامة برحمة الله .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

" الْجَنَّةُ الَّتِي أَسْكَنَهَا آدَمَ وَزَوْجَتَهُ ، عِنْدَ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ : هِيَ جَنَّةُ الْخُلْدِ "

انتهى من " مجموع الفتاوى " (4 /347) .

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :

" الصواب أن الجنة التي أسكنها الله- تعالى - آدم وزوجه هي الجنة التي وعد المتقون ؛ لأن الله - تعالى - يقول لآدم : ( اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ) ، والجنة عند الإطلاق هي جنة الخلد التي في السماء " .

انتهى من " مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين " (2 /51) .

ومن الأدلة على ذلك ما يلي :

- قوله تعالى : (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ * وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ *

فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) البقرة/ 34 - 36

فقوله : ( وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ )

بعد قوله : (اهْبِطُوا) دليل على أنهم لم يكونوا قبل ذلك في الأرض .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

" وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا فِي الْأَرْضِ ، وَإِنَّمَا أهبطوا إلَى الْأَرْضِ ؛ فَإِنَّهُمْ لَوْ كَانُوا فِي الْأَرْضِ وَانْتَقَلُوا إلَى أَرْضٍ أُخْرَى ، كَانْتِقَالِ قَوْمِ مُوسَى مِنْ أَرْضٍ إلَى أَرْضٍ : لَكَانَ مُسْتَقَرُّهُمْ وَمَتَاعُهُمْ إلَى حِينٍ فِي الْأَرْضِ ، قَبْلَ الْهُبُوطِ وَبَعْدَهُ "
.
انتهى من " مجموع الفتاوى" (4 /347) .

- وصف سبحانه جنة آدم بصفات لا تكون إلا في جنة الخلد ، فقال : ( إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى ) طه/ 118، 119 ؛ وهذا لا يكون في الدنيا أصلا .

- روى مسلم (195) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وعَنْ حُذَيْفَةَ ، قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (

يَجْمَعُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى النَّاسَ ، فَيَقُومُ الْمُؤْمِنُونَ حَتَّى تُزْلَفَ لَهُمُ الْجَنَّةُ ، فَيَأْتُونَ آدَمَ

فَيَقُولُونَ: يَا أَبَانَا ، اسْتَفْتِحْ لَنَا الْجَنَّةَ ، فَيَقُولُ : وَهَلْ أَخْرَجَكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَّا خَطِيئَةُ أَبِيكُمْ آدَمَ ، لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ ، اذْهَبُوا إِلَى ابْنِي إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللهِ ... )

وهذا يدل على أن الجنة التي أخرج منها ، هي بعينها التي يُطلب منه أن يستفتحها، وخطيئته لم تخرجهم من جنات الدنيا .

- جاءت الجنة معرّفة بلام التعريف في جميع المواضع ، ولا جنة يعهدها المخاطبون ويعرفونها إلا جنة الخلد ؛ فقد صار هذا الاسم علما عليها بالغلبة ، كالمدينة والبيت والكتاب ونظائرها

فحيث ورد لفظها معرفا : انصرف إلى الجنة المعهودة المعلومة في قلوب المؤمنين ، وأما إن أريد به جنة غيرها ، فإنها تجيء منكَّرة أو مقيدة .

وينظر للاستزادة :

" مجموع الفتاوى " (4/347-349)

" حادي الأرواح " (ص19-25) .

ثانيا :

أما ما رواه البخاري (3244) ، ومسلم (2824) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ:

" قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَالَ اللَّهُ ( أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ ، وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ ، وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ) فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ : ( فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ) " .

فمعناه : أن في الجنة من النعيم ما لم تره عين ، ولا سمعت به أذن ، ولا خطر على قلب بشر ، ولا ينفي ذلك أن يكون فيها ما رأته عين .

قال ابن الجوزي رحمه الله :

" اعْلَم أَن الله عز وَجل وعد الصَّالِحين من جنس مَا يعرفونه من مطعم ومشرب وملبس ومنكح وَغير ذَلِك ، ثمَّ زادهم من فَضله مَا لَا يعرفونه فَقَالَ: ( مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت ولَا خطر على قلب بشر ) " .

انتهى من " كشف المشكل " (3/ 433) .

وروى أبو داود (4744) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ قَالَ لِجِبْرِيلَ : اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا ، فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا، ثُمَّ جَاءَ

فَقَالَ: أَيْ رَبِّ وَعِزَّتِكَ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَهَا ... ) الحديث .

وصححه الألباني في " صحيح أبي داود " .

قال العراقي رحمه الله :

" فَقَدْ دَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَطْلَعَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى مَا أَعَدَّ لِعِبَادِهِ فِيهَا، فَقَدْ رَأَتْهُ عَيْنٌ ؟!
قُلْت : الْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ أَوْجُهٍ :

أَحَدِهَا: أَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَ فِيهَا بَعْدَ رُؤْيَةِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أُمُورًا كَثِيرَةً لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهَا جِبْرِيلُ وَلَا غَيْرُهُ ، فَتِلْكَ الْأُمُورُ هِيَ الْمُشَارِ إلَيْهَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ .

ثَانِيهَا : أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَعْيُنِ وَالْآذَانِ : أَعْيُنُ الْبَشَرِ وَآذَانُهَا ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ( وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ) ؛ فَأَمَّا الْمَلَائِكَةُ : فَلَا مَانِعَ مِنْ اطِّلَاعِ بَعْضِهِمْ عَلَى ذَلِكَ .

ثَالِثُهَا : أَنَّ ذَلِكَ يَتَجَدَّدُ لَهُمْ فِي الْجَنَّةِ فِي كُلِّ وَقْتٍ " .

انتهى من " طرح التثريب " (8/ 274)

وينظر: " فيض القدير" للمناوي (2/ 467) .

والله أعلم .

و اخيرا

الحمد لله الذي بفضلة تتم الصالحات

اخوة الاسلام

اكتفي بهذا القدر و لنا عوده
ان قدر الله لنا البقاء و اللقاء

و اسال الله ان يجمعني بكم دائما
علي خير

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين

*عبدالرحمن*
2019-02-19, 16:38
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)
اخوة الاسلام

أحييكم بتحية الإسلام
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)


من المقصود بقوله تعالى : ( إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ .. ) ؟

السؤال

توجد آية تقول إن المشركين وما يعبدون سيكونون في النار

فما بال الذين يعبدون المسيح وعليا ؟

الجواب

الحمد لله

قال تعالى : ( إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ * لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ

* إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ ) سورة الأنبياء/98-102 .

فهذه الآية لا يؤخذ منها أن كل المعبودين من دون الله ، يشملهم ذلك الوعيد الوارد في الآيات السابقات

وذلك لأمور :

1. أن الآية محمولة على الأصنام والأوثان ؛ ويدل على ذلك أنه جاء التعبير في الآية بـ " ما " الدالة على غير العاقل .

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله

: " والآية المذكورة إنما عبر الله فيها بلفظة ( مَا ) التي هي في الموضع العربي لغير العقلاء

لأنه قال : ( إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ )

ولم يقل : " ومن " تعبدون ، وذلك صريح في أن المراد الأصنام

وأنه لا يتناول عيسى ولا عزيرا ولا الملائكة

كما أوضح تعالى أنه لم يرد ذلك بقوله تعالى بعده : ( إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى ) .

وإذا كانوا يعلمون من لغتهم أن الآية الكريمة ، لم تتناول عيسى بمقتضى لسانهم العربي ، الذي نزل به القرآن ، تحققنا أنهم ما ضربوا عيسى مثلا ، إلا لأجل الجدل ، والخصومة بالباطل "

انتهى من " أضواء البيان " (7/124) .

2. في الآيات ما يدل على أن هناك استثناء ، فعيسى ابن مريم والملائكة ، وكل من عبد وهو غير راض ، فإنه لا يشمله ذلك الوعيد ، وذلك في قوله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ) .

قال ابن كثير رحمه الله

: " وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ نَزَلَتِ اسْتِثْنَاءً مِنَ الْمَعْبُودِينَ ، وَخَرَجَ مِنْهُمْ عُزَيْرٌ وَالْمَسِيحُ

كَمَا قَالَ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَعْوَرِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَعُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ ، عَنْ عَطَاءٍ

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ) ، ثُمَّ اسْتَثْنَى ، فَقَالَ : ( إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى ) فَيُقَالُ : هُمُ الْمَلَائِكَةُ ، وَعِيسَى ... "

انتهى من " تفسير ابن كثير " (5/ 379) .

وقد ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما ، ما يؤيد القول بالاستثناء :

فعن ابن عباسٍ : لمَّا نزلت إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ [الانبياء:98]

قالَ عبدُ الله بنُ الزبعرى : أنا أخاصمُ لكُم محمدًا فقالَ : يا محمدُ ! أليسَ فيما أُنزل عليكَ : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله الآية [الانبياء: 98]؟

قالَ : ( نعم ) . قال : فهذهِ النصارىَ تعبدُ عيسىَ ، وهذه اليهودُ تعبدُ عزيرًا ، وهذه بنو تميمٍ تعبدُ الملائكةَ ، فهؤلاءِ في النارِ ، فأنزل الله تعالى إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ [الانبياء:101] .

رواه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (985) ، وغيره ، وقال ابن كثير رحمه الله : " قول ابن الزبعرى هذا ، مشهور في كتب التفسير والسير والمغازي".

انتهى من " تحفة الطالب" (288) .

وذكره الألباني في "صحيح السيرة" (197)

والوادعي في "الصحيح المسند من أسباب النزول" (135)

وينظر أيضا : " الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور"

د. حكمت بشير ياسين (3/397) .

وينظر للفائدة : "تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (2/369) .

وقال الشيخ السعدي رحمه الله :

" ودخول آلهة المشركين النار : إنما هو الأصنام ، أو من عبد ، وهو راض بعبادته .

وأما المسيح ، وعزير، والملائكة ونحوهم ، ممن عبد من الأولياء ، فإنهم لا يعذبون فيها ، ويدخلون في قوله : ( إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى )

أي : سبقت لهم سابقة السعادة في علم الله ، وفي اللوح المحفوظ وفي تيسيرهم في الدنيا لليسرى والأعمال الصالحة ، ( أُولَئِكَ عَنْهَا ) أي : عن النار ، ( مُبْعَدُونَ ) فلا يدخلونها

ولا يكونون قريبا منها ، بل يبعدون عنها ، غاية البعد ، حتى لا يسمعوا حسيسها ، ولا يروا شخصها "

انتهى من " تفسير السعدي " (ص/531).

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-19, 16:43
هل يرى المحتضر ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب ؟

السؤال

هل كل شخص عندما يحتضر يرى ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب رؤيا العين وهل يتكلم معهم ويكلمونه ؟

الجواب

الحمد لله

أولا :

إذا حضر الموت : فإن كان العبد من المؤمنين الصالحين ، نزلت عليه ملائكة الرحمة تبشره برحمة الله

وإن كان من الكافرين العاصين ، نزلت عليه ملائكة العذاب ، تبشره بعذاب الله . فيراهم المؤمن والكافر جميعًا .

قال تعالى :( يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا ) الفرقان/ 22 .

قال ابن كثير رحمه الله :

" أي : هُمْ لَا يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ فِي يَوْمِ خَيْرٍ لَهُمْ ، بَلْ يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لَهُمْ ، وَذَلِكَ يَصْدُق عَلَى وَقْتِ الِاحْتِضَارِ حِينَ تُبَشِّرُهُمُ الْمَلَائِكَةُ بِالنَّارِ

وَغَضَبِ الْجَبَّار ِ، فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ لِلْكَافِرِ عِنْدَ خُرُوجِ رُوحِهِ : اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ فِي الْجَسَدِ الْخَبِيثِ ، اخْرُجِي إِلَى سَموم وحَميم، وظلِّ مِنْ يَحْمُومٍ. فَتَأْبَى الْخُرُوجَ وَتَتَفَرَّقُ فِي الْبَدَنِ ، فَيَضْرِبُونَهُ

كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ( وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ) الْأَنْفَالِ/ 50 .

وَقَالَ : ( وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ )

أَيْ : بِالضَّرْبِ ، ( أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ) الْأَنْعَامِ/ 93

ولهذا قال في هذه الآية الْكَرِيمَةِ : ( يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ )

وَهَذَا بِخِلَافِ حَالِ الْمُؤْمِنِينَ فِي وَقْتِ احْتِضَارِهِمْ ، فَإِنَّهُمْ يُبَشَّرُونَ بِالْخَيْرَاتِ ، وَحُصُولِ الْمَسَرَّاتِ .

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنزلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي

أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ) فُصِّلَتْ/ 30 -31 .

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : ( يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ ) يَعْنِي : يَوْمَ الْقِيَامَة ِ. قَالَهُ مُجَاهِد ، وَالضَّحَّاكُ ؛ وَغَيْرُهُمَا .

وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ فِي هَذَيْنَ الْيَوْمَيْنِ يَوْمِ الْمَمَاتِ وَيَوْمِ الْمَعَادِ تَتَجَلَّى لِلْمُؤْمِنِينَ وَلِلْكَافِرِينَ، فَتُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ بِالرَّحْمَةِ وَالرِّضْوَانِ، وَتُخْبِرُ الْكَافِرِينَ بِالْخَيْبَةِ وَالْخُسْرَانِ، فَلَا بُشْرَى يَوْمئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ "

انتهى من "تفسير ابن كثير" (6/ 101-102).

وروى الإمام أحمد (18534) عن البراء بن عازب رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنَ الْآخِرَةِ

نَزَلَ إِلَيْهِ مَلَائِكَةٌ مِنَ السَّمَاءِ بِيضُ الْوُجُوهِ ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الشَّمْسُ ، مَعَهُمْ كَفَنٌ مِنْ أَكْفَانِ الْجَنَّةِ ، وَحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ الْجَنَّةِ ، حَتَّى يَجْلِسُوا مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ

عَلَيْهِ السَّلَامُ ، حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ ، فَيَقُولُ : أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ ، اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ ... وَإِنَّ الْعَبْدَ الْكَافِرَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنَ الْآخِرَةِ

نَزَلَ إِلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ مَلَائِكَةٌ سُودُ الْوُجُوهِ ، مَعَهُمُ الْمُسُوحُ ، فَيَجْلِسُونَ مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ ، حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ ، فَيَقُولُ : أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ

اخْرُجِي إِلَى سَخَطٍ مِنَ اللهِ وَغَضَبٍ ، فَتُفَرَّقُ فِي جَسَدِهِ ، فَيَنْتَزِعُهَا كَمَا يُنْتَزَعُ السَّفُّودُ مِنَ الصُّوفِ الْمَبْلُولِ ، فَيَأْخُذُهَا... ) الحديث

وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (1676).

وروى الطبري في "تفسيره" (13/ 664) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : " إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ شَهِدَتْهُ الْمَلَائِكَةُ فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ وَبَشَّرُوهُ بِالْجَنَّةِ " .

وقال ابن القيم رحمه الله :

" تنزل الملائكة على المحتضر وتجلس قريبا منه ويشاهدهم عيانا ويتحدثون عنده

ومعهم الأكفان والحنوط ، إما من الجنة وإما من النار ، ويؤمنون على دعاء الحاضرين بالخير والشر ، وقد يسلمون على المحتضر ويرد عليهم تارة بلفظه وتارة بإشارته وتاره بقلبه ، حيث لا يتمكن من نطق ولا إشارة .

وقد سُمع بعض المحتضرين يقول : أهلا وسهلا ومرحبا بهذه الوجوه .

وأخبرني شيخنا عن بعض المحتضرين ، فلا أدرى أشاهده أم أخبر عنه ؟

أنه سُمع وهو يقول : عليك السلام ها هنا فاجلس ، وعليك السلام ها هنا فاجلس ....

ثم ذكر ابن القيم بعض ما ورد في ذلك ، ثم قال :

" وأبلغ وأكفى من ذلك كله قول الله عز وجل : ( فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ *

وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ ) الواقعة/ 83 - 85 .

أي : أقرب إليه بملائكتنا ورسلنا ، ولكنكم لا ترونهم ، فهذا أول الأمر ، وهو غير مرئي لنا ولا مشاهد ، وهو في هذه الدار .

ثم يمد الملك يده إلى الروح فيقبضها ويخاطبها ، والحاضرون لا يرونه ولا يسمعونه ، ثم تخرج فيخرج لها نور مثل شعاع الشمس ورائحة أطيب من رائحة المسك

والحاضرون لا يرون ذلك ولا يشمونه ، ثم تصعد بين سماطين من الملائكة والحاضرون لا يرونهم ... "

انتهى من "الروح" (ص 64-65).

فالمحتضر يرى الملائكة ، وتكلمه الملائكة وتبشره إما بالجنة وإما بالنار .

أما كلامه معهم ، فقد يقع ذلك لبعض الناس كما ذكر ابن القيم رحمه الله .

والله أعلم.

*عبدالرحمن*
2019-02-19, 16:51
هل واقع المسلمين اليوم مع قول الله تعالى : ( ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ) ؟

السؤال

قال الله تعالى : ( ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ) ، على ضوء هذه الآية الكريمة كيف نفسر ظهور عكسها في أيامنا هذه ، حتى على عباد الله تعالى الصالحين

كما حدث مع إخواننا المؤمنين في أفغانستان والشيشان ؟ وما هي الخطوات التي يجب اتخاذها من قبل عباد الله تعالى المؤمنين تحت ضوء القرآن والسنة الصحيحة - في الحروب مثلا -

حتى تتحقق هذه الآية في حياتنا فعلا - إن شاء الله تعالى - ؟

خاصة بعد أن أوضحتم لنا بأن آثار عمر بن الخطاب رضي الله عنه في هذه الأمور ( في سؤال رقم : (204176) غير صحيحة عنه .

الجواب

الحمد لله

الآية الكريمة الواردة في السؤال هي قول الله تعالى –

في معرض ذكر المنافقين وبيان وصفهم -

: ( الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ) النساء/141.

وقد ظن بعض الناس أنها تتعارض مع واقع المسلمين اليوم ، بل وعبر التاريخ ، حيث تسلط الكفار في كثير من العقود على المسلمين ، ونالوا منهم قتلا واحتلالا وغصبا .

وهذا خطأ ظاهر في فهم الآية ، سببه عدم الاعتماد على أقوال المفسرين

وعدم التأمل في الدلالات اللغوية والسياق الذي وردت فيه ، فقد قال المفسرون في توجيه الآية الكثير من الأقوال ، يصلح كل منها جوابا على هذا الإشكال .

القول الأول :

أن شرط الإيمان المذكور في قوله تعالى ( على المؤمنين ) لم يتحقق في فترات تسلط الكفار ، فبحسب النقص من الإيمان كان العدوان ، والله عز وجل لا يخلف وعده ، إلا أن يكون عباده هم الذين نكثوا وقصروا .

وهذا القول هو الذي وجدناه يميل إليه أكثر المحققين من المفسرين .

يقول القرطبي رحمه الله –

في معرض ذكر الأقوال في الآية -:

" الثالث : أن الله سبحانه لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا

إلا أن يتواصوا بالباطل ، ولا يتناهوا عن المنكر ، ويتقاعدوا عن التوبة ، فيكون تسليط العدو من قبلهم ، كما قال تعالى : ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ) . قال ابن العربي : وهذا نفيس جدا .

قلت [ أي القرطبي ] : ويدل عليه قوله عليه السلام في حديث ثوبان :

( حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ، ويسبي بعضهم بعضا ) ، وذلك أن (حتى) غاية ، فيقتضي ظاهر الكلام أنه لا يسلط عليهم عدوهم فيستبيحهم ، إلا إذا كان منهم إهلاك بعضهم لبعض

وسبي بعضهم لبعض ، وقد وجد ذلك في هذه الأزمان بالفتن الواقعة بين المسلمين ، فغلظت شوكة الكافرين ، واستولوا على بلاد المسلمين حتى لم يبق من الإسلام إلا أقله

فنسأل الله أن يتداركنا بعفوه ونصره ولطفه " .

انتهى من " الجامع لأحكام القرآن " (5/419)

وانظر " أحكام القرآن " لابن العربي (1/640) .

ويقول ابن القيم رحمه الله تعالى :

" الآية على عمومها وظاهرها ، وإنما المؤمنون : يصدر منهم من المعصية والمخالفة التي تضاد الإيمان ، ما يصير به للكافرين عليهم سبيل بحسب تلك المخالفة

فهم الذين تسببوا إلى جعل السبيل عليهم ، كما تسببوا إليه يوم أُحُد بمعصية الرسول ومخالفته

والله سبحانه لم يجعل للشيطان على العبد سلطانا ، حتى جعل له العبد سبيلا إليه بطاعته والشرك به

فجعل الله حينئذ له عليه تسلطا وقهرا ، فمن وجد خيرا فليحمد الله تعالى ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه "

انتهى من " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان " (1/ 101) .

ويقول أيضا رحمه الله :

" التحقيق : أن انتفاء السبيل عن أهل الإيمان الكامل ، فإذا ضعف الإيمان ، صار لعدوهم عليهم من السبيل بحسب ما نقص من إيمانهم ، فهم جعلوا لهم عليهم السبيل بما تركوا من طاعة الله تعالى .

فالمؤمن عزيز غالب مؤيد منصور مكفي ، مدفوع عنه بالذات أين كان ، ولو اجتمع عليه من بأقطارها إذا قام بحقيقة الإيمان وواجباته ، ظاهرا وباطنا

وقد قال تعالى للمؤمنين : ( وَلاَ تَهِنُوا وَلا تحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) [آل عمران: 139]

وقال تعالى : ( فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمٌ الأَعْلَوْنَ وَاللهُ مَعَكمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ) [محمد: 35] .

فهذا الضمان إنما هو بإيمانهم وأعمالهم التي هي جند من جنود الله ، يحفظهم بها ، ولا يفردها عنهم

ويقتطعها عنهم ، فيبطلها عليهم ، كما يَتِرُ الكافرين والمنافقين أعمالهم ، إذ كانت لغيره ، ولم تكن موافقة لأمره "

انتهى من " إغاثة اللهفان " (2/182) .

ويقول العلامة الطاهر بن عاشور رحمه الله :

" فإن قلت : إذا كان وعدا لم يجز تخلفه . ونحن نرى الكافرين ينتصرون على المؤمنين انتصارا بينا ، وربما تملكوا بلادهم وطال ذلك ، فكيف تأويل هذا الوعد .

قلت : إن أريد بالكافرين والمؤمنين الطائفتان المعهودتان بقرينة القصة

: فالإشكال زائل ؛ لأن الله جعل عاقبة النصر أيامئذ للمؤمنين ، وقطع دابر القوم الذين ظلموا ، فلم يلبثوا أن ثُقفوا وأخذوا وقتلوا تقتيلا ، ودخلت بقيتهم في الإسلام ، فأصبحوا أنصارا للدين .

وإن أريد العموم : فالمقصود من المؤمنين : المؤمنون الخُلَّص الذين تلبسوا بالإيمان بسائر أحواله وأصوله وفروعه

ولو استقام المؤمنون على ذلك لما نال الكافرون منهم منالا ، ولدفعوا عن أنفسهم خيبة وخبالا "

انتهى من " التحرير والتنوير " (5/ 238) .

*عبدالرحمن*
2019-02-19, 16:52
القول الثاني :

أن الآية لا ترد في حوادث الدنيا أصلا ، بل المقصود بها في الآخرة

أي أن الله تعالى لن يجعل للمنافقين على المؤمنين حجة يوم القيامة ، بل ستكون الحجة للمؤمنين ، أما تسلط الكافر على المؤمن بالعدوان فلا تنفيه هذه الآية ، فتلك سنة الله في الأرض .

وقد روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن بعضهم اعترض على الآية بوقوع القتل من الكافر للمؤمن ، فأجاب بما سبق .

روى ابن أبي حاتم في " التفسير " (4/ 1095) بسنده عن يسيع قال :

" جاء رجل إلى علي فقال : أرأيت قول الله تعالى : ( ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ) قال : الكافر يقتل المؤمن ، والمؤمن يقتل الكافر ؟

قال علي : ولن يجعل الله للكافرين يوم القيامة على المؤمنين سبيلا " .

وروي أيضا نحوه عن أبي مالك ، وعطاء الخراساني .

يوضح ذلك الإمام الطبري رحمه الله فيقول :

" ( ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ) يعني : حجة يوم القيامة ، وذلك وعدٌ من الله المؤمنين أنه لن يدخل المنافقين مدخلَهم من الجنة ، ولا المؤمنين مدخَل المنافقين

فيكون بذلك للكافرين على المؤمنين حجة بأن يقولوا لهم ، إن أُدخلوا مُدْخلهم : ها أنتم كنتم في الدنيا أعداءَنا

وكان المنافقون أولياءنا ، وقد اجتمعتم في النار

فجمع بينكم وبين أوليائنا ! فأين الذين كنتم تزعمون أنكم تقاتلوننا من أجله في الدنيا ؟ فذلك هو" السبيل " الذي وعد الله المؤمنين أن لا يجعلها عليهم للكافرين "

انتهى من " جامع البيان " (9/ 324)

بل نقل الطبري اتفاق السلف من المفسرين على هذا التوجيه ، وأسنده إلى علي بن أبي طالب ، وابن عباس ، وأبي مالك والسدي

. ينظر (9/ 327) .

وكذا قال ابن عطية رحمه الله :

" وبهذا قال جميع أهل التأويل "

انتهى من " المحرر الوجيز " (2/126) .

قال العلامة الأمين الشنقيطي :

" يشهد له قوله في أول الآية : ( فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين ) الآية [4 141]

وهو ظاهر "

انتهى من " أضواء البيان " (1/319)

وينظر نقاش ابن العربي لهذا القول ، في " أحكام القرآن " (1/640) .

القول الثالث :

أن المنفي هو أن يتسلط الكفار على المؤمنين بالإفناء واستئصال الشأفة كاملة ، أما أن يصيبوا منهم بعض الأذى فلا مانع من وقوعه .

فعن ثوبان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم : ( وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ

وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ ، يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ ، وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا - أَوْ قَالَ مَنْ بَيْنَ أَقْطَارِهَا - حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا ، وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا ) رواه مسلم (2889).

ذكر ذلك القرطبي في " الجامع لأحكام القرآن " (5/420)

وغير واحد من المفسرين .

يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله :

" يحتمل أن يكون المراد : ( ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا )

أي : في الدنيا ، بأن يسلطوا عليهم استيلاء استئصال بالكلية ، وإن حصل لهم ظفر في بعض الأحيان على بعض الناس ، فإن العاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة

كما قال تعالى : ( إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد . يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار ) [غافر: 51، 52] .

وعلى هذا : فيكون ردا على المنافقين فيما أملوه وتربصوه وانتظروه

من زوال دولة المؤمنين ، وفيما سلكوه من مصانعتهم الكافرين ، خوفا على أنفسهم منهم ، إذا هم ظهروا على المؤمنين فاستأصلوهم

كما قال تعالى : ( فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين ) [المائدة: 52]

" انتهى من " تفسير القرآن العظيم " (2/437) .

ويقول العلامة السعدي رحمه الله :

" ( وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا ) أي : تسلطا واستيلاء عليهم ، بل لا تزال طائفة من المؤمنين على الحق منصورة ، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم

ولا يزال الله يحدث من أسباب النصر للمؤمنين ، ودفعٍ لتسلط الكافرين ، ما هو مشهود بالعيان .

حتى إن بعض المسلمين الذين تحكمهم الطوائف الكافرة ، قد بقوا محترمين لا يتعرضون لأديانهم ، ولا يكونون مستصغرين عندهم ، بل لهم العز التام من الله ، فله الحمد أوّلا وآخرًا ، وظاهرًا وباطنًا "

انتهى من " تيسير الكريم الرحمن " (210-211) .

القول الرابع :

أن الآية ظاهرها الإخبار ، وحقيقتها الإنشاء ، أي إنشاء حكم شرعي ، يأمر الله عز وجل به المؤمنين ألا يُوَلُّوا الكافرين ولاية على المؤمنين ، فيكون لهم بسببها سبيل على المؤمنين من التسلط والتجبر .

يقول ابن حزم رحمه الله :

" هذه الآية حق واجب في الدنيا والآخرة ، إنما منع الله تعالى من أن يكون للكافرين على المؤمنين سبيل بحق يجعله الله تعالى له ، ويأمر بإنفاذه للكافر على المسلم في الدنيا ويوم القيامة .

وأما بالظلم والتعدي فلم يُؤَمِّنّا الله تعالى قط من ذلك ، كما أطلق أيدي الكفار فيما خلا على بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقتلوهم

وعلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم فجرحوا وجهه المقدس ، وكسروا ثنيته بنفسي هو ، وبأبي وأمي "

انتهى من " المحلى " (10/228) .

ويقول الشاطبي رحمه الله :

" قوله تعالى : ( ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ) [النساء: 141]

إن حُمل على أنه إخبار ؛ لم يستمر مُخْبَرُه ؛ لوقوع سبيل الكافر على المؤمن كثيرا ، بأسره وإذلاله .

فلا يمكن أن يكون المعنى إلا على ما يصدقه الواقع ، ويطرد عليه ، وهو تقرير الحكم الشرعي ؛ فعليه يجب أن يحمل .
ومثله قوله تعالى : ( والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ) [البقرة: 233]

إن حمل على أنه تقرير حكم شرعي ؛ استمر وحصلت الفائدة ، وإن حمل على أنه إخبار بشأن الوالدات ؛ لم تتحكم فيه فائدة زائدة على ما علم قبل الآية " .

انتهى باختصار من " الموافقات " (1/156-157)

والخلاصة أن هذه الأقوال في توجيه الآية الكريمة أقوال قوية ولها ما يسندها ويؤيدها

وقال بها أكابر المفسرين والعلماء ، فلا يجوز للمسلم أن يتعجل في الكلام في كتاب الله تعالى ، والاشتباه في آياته وسوره ، قبل أن يطلع على كلام أهل العلم .

والواجب على المسلمين جميعا السعي الدؤوب لتغيير أحوالهم إلى أحسن حال ، وذلك من خلال التسلح بالعلم

والوحدة والتعاون ، والبناء والتطوير ، والإيمان بالله عز وجل والعمل الصالح ، وتقوى الله سبحانه في السر والعلن ، كلها أسباب للنصر والنجاة بإذن الله .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-19, 16:59
الجمع بين قوله تعالى : (وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ ) ، وقوله تعالى : ( وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ ).

السؤال

كيف يمكن التوفيق بين ما جاء في الآية 44 من سورة سبأ

وغيرها من الآيات التي تدل على أنّ الرسول محمد صلى الله عليه و سلم قد أرسله الله لأمة لم يأت عليها رسول أو نذير من قبل ، وبين الآيات التي تذكر أنّ الله أرسل نذيراً لكل أمة , 10:47, 16:35, 35:24, 40:5, 22:34,67 ؟

الجواب

الحمد لله

أولا :

من رحمة الله تعالى بخلقه أن أرسل لهم الرسل ، وأنزل إليهم الكتب ، ليخرجهم من الظلمات إلى النور ، وليقيم عليهم الحجة ، فليست أمة من الأمم إلا وقد أرسل الله إليهم رسولا ، وبعث فيهم نذيرا

يدعوهم إلى عبادة ربهم ، وينذرهم عذاب يوم عظيم

قال تعالى : ( وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ ) فاطر /24 ، وقال تعالى : ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ) النحل/ 36 .

انظر جواب السؤال القادم

ثانيا :

وجه الجمع بين ذلك وبين قوله تعالى : ( وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) القصص/ 46 .

وقوله تعالى : ( بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) السجدة/ 3 .

وقوله عز وجل : (وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ) سبأ/ 44 .

وجه الجمع بين هذه الآيات : أن قوله : ( مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ ) ، وقوله : ( وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ ) يقصد به العرب خاصة ، أو قريشا خاصة ؛ فإن الله تعالى لم يرسل فيهم رسولا قبل محمد صلى الله عليه وسلم .

وأما قوله تعالى : ( وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ ) فاطر /24 ، ونحوه : فالمراد : كل الأمم ؛ فكل الأمم قد سبقت فيها النذر ، وجاءتها الرسل ، إلا هذه الأمة الأمية ، قريش ، أو العرب عامة

لم يأتهم نذير قبل مجيء النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم ، كانوا كغيرهم من الأمم التي خلت فيها النذر .

قال قتادة :

" يعني قريشا ، كانوا أمة أمية لم يأتهم نذير من قبل محمد صلى الله عليه وسلم "

انتهى من " الجامع لأحكام القرآن " (14 /84) .

وقال ابن كثير رحمه الله :

" قَوْلُهُ تَعَالَى: ( لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ ) يَعْنِي بِهِمُ : الْعَرَبَ ؛ فَإِنَّهُ مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِهِ

انتهى من " تفسير ابن كثير" (6/ 563) .

وسئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :

ما معنى قوله تعالى: ( وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ ) وقوله تعالى: ( وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ) وأيضاً الآية: ( وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خلا فِيهَا نَذِيرٌ ) ؟

فأجاب:

" هذه الآيات لا تتعارض ؛ فإن الله تعالى بعث في كل أمة رسولاً

كما قال تعالى ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ ) ...

فلابد لكل أمة من رسول ، ولكل أمة من نذير ينذرها عذاب الله عز وجل ويبشرها برحمته لمن أطاع .

وأما قوله تعالى: ( وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ ) فالمراد : أن الله تعالى لم يرسل إلى العرب نذيراً قبل محمد صلى الله عليه وسلم ، ولهذا ليس من العرب رسول إلا محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو دعوة إبراهيم وإسماعيل

حيث قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام : ( رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) .

فلم يبعث الله عز وجل نذيراً إلى العرب إلا محمداً صلى الله عليه وسلم ، بعثه الله تعالى نذيراً ، ولكافة الناس

كما قال الله تعالى ( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً) "

انتهى مختصرا من " فتاوى نور على الدرب للعثيمين " (5/ 2) بترقيم الشاملة .

وينظر : " زاد المسير" (6 /333)

" فتح القدير" (4 /252) ،

" تفسير السعدي " (ص 617) .

واختار ابن جزي رحمه الله

: أن المراد بنفي النذارة عنه : هم الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم خاصة ، من العرب ، فلا ينفي ذلك أن يكون من سبق منهم : قد جاءتهم النذر .

قال ابن جزي رحمه الله :

" ( وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ ) معناه : أن الله قد بعث إلى كل أمة نبياً يقيم عليهم الحجة .

فإن قيل : كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله ( لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ ) ؟

فالجواب

: أنهم لم يأتهم نذير معاصر لهم ، فلا يعارض ذلك من تقدم قبل عصرهم .

وأيضاً : فإن المراد بقوله : ( وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ ) : أن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ليست ببدع فلا ينبغي أن تنكر ، لأن الله أرسله كما أرسل من قبله

والمراد بقوله : ( لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ ) أنهم محتاجون إلى الإنذار ، لكونهم لم يتقدم من ينذرهم ، فاختلف سياق الكلام ، فلا تعارض بينهما " .

انتهى من " التسهيل " ( ص 1635) .

والله تعالى أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-19, 17:12
الحكمة من إرسال الرسل إلى مناطق معينة ومن تسمية السور بأسماء معينة

السؤال

أنا طالبة سنية في جامعة مختلطة في العراق ولدي بعض الزملاء من الشيعة الذين زاروا إيران وهناك عادوا بأفكار هدامة لقد كنا نتناقش في أمور العقيدة فسألوني بعض الأسئلة وهي لماذا بعث الله الأنبياء في منطقة الشرق الأوسط

فقط؟وهناك كثير من الدول التي لم يصل إليها الأنبياء ولم يبعث فيها الأنبياء كالهند والصين وأمريكا وأفريقيا فقلت لهم إن الله بعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين

فقالوا وقبل النبي محمد لم يبعث نبي في تلك الأمم؟وكان الأنبياء محصورين في بيت المقدس والعراق والجزيرة هل ظلم الله تلك الأمم؟ومات فيهم ملايين الأشخاص على كفرهم قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم؟

ولم ذكر الله اسم أبو لهب ونزل سورة باسمه في القرآن وهو كان كافرا؟ولم يذكر الله أسماء الصحابة المؤمنين؟

في الحقيقة يا شيخ أنا أجبتهم ولكن إجاباتي كانت غير مقنعة لهم لأني لا أملك دليلا ولست خبيرة في أمور العقيدة أرجوك يا شيخ أن ترد على أسئلتي عسى أن يهتدوا بها ويجعل الله لهم خيرا في دينهم ودنياهم

وشكرا بارك الله فيك

الجواب

الحمد لله

أولا :

من المقرر في شريعتنا : أن الله تعالى أقام الحجة على العباد ، بإرسال الرسل ، وإنزال الكتب ، ولم يكن هذا الإرسال لأمة دون أخرى ، ولا لقارة دون غيرها ، بل كان إرسالاً للأمم كافةً ، على اختلاف مكانها ، وزمانها

كما قال تعالى : ( وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ ) فاطر /24 ، وقال تعالى : ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ) النحل/ 36 .

ولذا كان من عدل الله تعالى أنه قضى أنه لا يعذِّب أحداً لم تبلغه دعوة الأنبياء والرسل

كما قال تعالى : ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) الإسراء/ 15

وقال تعالى : ( ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ ) الأنعام/ 131 .

إلا أن الله تعالى لم يقص علينا خبر جميع الرسل ، بل قص علينا خبر بعضهم ، وأكثرهم لم يقص علينا خبره ، كما قال الله تعالى : (وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ).

وعليه ؛ فالقول بأن الأنبياء لم يكونوا إلا في منطقة واحدة من العالَم : قول غير صحيح ، بل أرسل الله الرسل إلى جميع أمم الأرض .

من المعلوم أن أغلب الحضارات التي قامت على مر التاريخ : سكنت هذه البلاد ، وهي ما يسمى بـ "منطقة حوض البحر المتوسط" وما قاربها

وهي : الشام ، ومصر ، والعراق ، وجزيرة العرب ، وبالتالي كانت الكثافة السكانية ـ في الأغلب ـ في تلك البلاد ، وهذا مناسب جداً لكون أكثر الرسل أرسلوا إلى أهل هذه البلاد .

وأما الحكمة من أن الله تعالى قص علينا قصص أنبياء ورسل هذه المناطق دون غيرها :

1. أن العبر والعظات في قصص أولئك الأنبياء والرسل الكرام أعظم من غيرها .

قال الطاهر بن عاشور رحمه الله :

"وإنَّما ترك الله أن يقصّ على النّبي صلى الله عليه وسلم أسماء كثير من الرسل للاكتفاء بمن قصّهم عليه : لأنّ المذكورين هم أعظم الرسل ، والأنبياء ، قصصاً ذات عبر" انتهى .

"التحرير والتنوير" (6/35) .

ودعوة الأمم تتم عن طريق الرسل ، وعن طريق أتباعهم

كما قال تعالى : (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ) الأنعام/ 19

فالنذارة تكون بالرسول

وبمن يبلغ عنه من العلماء والدعاة ، وقد وصلت دعوة الإسلام إلى أقاصي الأرض ، والحمد لله ، وأما الرسالات السابقة فكانت خاصة غير عامة ، وظاهر القرآن أنه لم تخل أمة من نذير

كما قال تعالى : (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ) فاطر/24 ، وفي بعض الأحاديث ما يدل على كثرة عدد الأنبياء والمرسلين .

ومن لم يأته رسول فهو من أهل الفترة ، يمتحن يوم القيامة .

ثانيا :

أسماء السور مختلف فيها ، فقيل : إنها توقيفية ، أي سماها بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم

وقيل : إن بعضها توقيفي ، والبعض الآخر باجتهاد الصحابة مراعين الحدث المهم في السورة ، ولا غرابة أن تكون سورة أبي لهب بهذا الاسم ، فجميع آياتها في شأن أبي لهب وزوجته .

وأما لماذا نزلت سورة عن أبي لهب ، ولم تنزل سورة عن الصحابة أو أحد الصحابة ، فهذا سؤال لا يقوله مؤمن

فإن الله تعالى (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) الأنبياء/23

وفي القرآن من ذكر الصحابة والثناء عليهم ، وذكر حال المهاجرين والأنصار ، وبعض الصحابة ، الشيء الكثير .
والقرآن كلام الله تعالى ، والله يتكلم متى شاء ، بما شاء

كيف شاء ، لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب .

ولا أعجب من المخلوق الذي يقترح على خالقه أن يتكلم بما يريد ، وينصرف عن واجباته وأعماله إلى ما لا يعنيه ، بل يضره ويؤذيه .

وينظر في حكم الدراسة المختلطة وعقائد الشيعة جواب السؤال سابق

منها


التفصيل في فرق الشيعة (https://www.djelfa.info/vb/showpost.php?p=3997628875&postcount=11)

الشيعة الأوّلون كانوا يقدّمون أبا بكر وعمر على عليّ رضي الله عنهم (https://www.djelfa.info/vb/showpost.php?p=3997628880&postcount=12)

منزلة أئمة الشيعة الاثني عشرية (https://www.djelfa.info/vb/showpost.php?p=3997628899&postcount=13)

: الفرق بين " البُهرة " و " الرافضة " ، وهل يكفر أتباع الطائفتين ؟ (https://www.djelfa.info/vb/showpost.php?p=3997628929&postcount=14)

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - عن الرافضة (https://www.djelfa.info/vb/showpost.php?p=3997628931&postcount=15)

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-19, 17:17
الملائكة أجسام نورانية ، لا تقاس طبائعهم وأحوالهم بطبائع وأحوال البشر .

السؤال

إذا كان للملائكة أحجام فلماذا تتنزل في يوم كان مقداره ألف سنة ؟

الجواب

الحمد لله

أولا :

يقول الله عز وجل : ( يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) السجدة/ 5 .

قال ابن كثير رحمه الله :

" أَيْ يَتَنَزَّلُ أَمْرُهُ مِنْ أَعْلَى السَّمَاوَاتِ إِلَى أَقْصَى تُخُومِ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ ، وَتُرْفَعُ الْأَعْمَالُ إِلَى دِيوَانِهَا فَوْقَ سَمَاءِ الدُّنْيَا وَمَسَافَةُ مَا بَيَّنَهَا وَبَيْنَ الْأَرْضِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ وَسُمْكُ السَّمَاءِ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ ،

وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ : النُّزُولُ مِنَ الْمَلَكِ فِي مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ وَصُعُودُهُ فِي مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، وَلَكِنَّهُ يَقْطَعُهَا فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ "

انتهى من "تفسير ابن كثير" (6 /359) .

وينظر للفائدة : جواب السؤال القادم

ثانيا :

روى مسلم (2996) عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ ) .

فالملائكة أجسام نورانية ، وليست - كما يزعم بعض الجهال - أرواحا بلا أجسام ، ولا هي أيضا : أنفس خيرة فارقت أجسادها ، أو قوى علوية ، أو معان سامية ، أو هي هذه الكواكب ، وغير ذلك من الأقوال الباطلة .

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :

" الملائكة أجسام ، وليست أرواحا، بلا أجسام ، ولكن الله عز وجل حجبهم عنا، جعلهم عالما غيبيا، كما أن الجن أجسام ولكن الله عز وجل حجبهم فجعلهم عالما غيبيا.

وقد تظهر الملائكة في صورة إنسان ، كما جاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة بصورة دحية الكلبي، ومرة بصورة رجل غريب لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه الصحابة

وعليه ثياب بيض ، شعره أسود ، وجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان والساعة وأشراطها " .

انتهى باختصار من " شرح رياض الصالحين " (4/ 392-393) .

وقال الشيخ أيضا :

" الملائكة أجسام بلا شك ، كما قال الله عزّ وجل : ( جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ) فاطر/1

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أطت السماء ) والأطيط: صرير الرحل

أي إذا كان على البعير حمل ثقيل ، تسمع له صريراً من ثقل الحمل ، ويدل لهذا حديث جبريل عليه السلام : أن له ستمائة جناح قد سد الأفق ، والأدلة على هذا كثيرة .

وأما من قال: إنهم أرواح لا أجسام لهم ، فقوله منكر وضلال، وأشد منه نكارةً من قال: إن الملائكة كناية عن قوى الخير التي في نفس الإنسان ، والشياطين كناية عن قوى الشر، فهذا من أبطل الأقوال " .

انتهى مختصرا من " شرح الأربعين النووية " (ص 61-62)

وينظر : " مجموع فتاوى ورسائل العثيمين " (5/ 118-119) .

وقال الشيخ عمر الأشقر رحمه الله :

" ولما كانت الملائكة أجساماً نورانيَّة لطيفة ؛ فإن العباد لا يستطيعون رؤيتهم ، خاصة أن الله لم يُعطِ أبصارنا القدرة على هذه الرؤية

ولم يرَ الملائكةَ في صُوَرهم الحقيقية من هذه الأمَّة إلا الرسول صلى الله عليه وسلَّم ؛ فإنه رأى جبريل مرتين في صورته التي خلَقه الله عليها

وقد دلَّت النصوص على أن البشر يستطيعون رؤية الملائكة إذا تمثَّلت الملائكة في صورة البشر "

انتهى من "عالَم الملائكة الأبرار" (ص 11) .

والخلاصة :

أن الملائكة عليهم السلام خلقوا من نور ، فهم أجسام نورانية ، ليست على طبيعة البشر

يقومون على طاعة الله عز وجل وعبادته ، ولا تقاس أفعالهم وطبائعهم وأحوالهم بأفعال وطبائع وأحوال البشر ، فهم يتنزلون بالأمر من أمر ربهم ويعرجون إليه في لحظة ، وذلك في حساب بني آدم : كألف سنة مما يعدون .

وهذا من علم الغيب الذي يجب علينا أن نؤمن به ونسلم فيه لله رب العالمين .

ثم ، لا ندري ما وجه التعارض بين أن تكون الملائكة : أجساما ، وأحجاما ، أو : حتى لا تكون كذلك ، وبين أن تتنزل في يوم كان مقداره ألف سنة

فلا كونها أجساما يمنع ذلك التنزل ، ولا عدم كونها كذلك يمنعه ، أو يوجبه أيضا .

والذي ينبغي على العبد أن يبحث عما ينفعه في دينه ، ويسأل عنه .

وينظر للفائدة : كتاب : " عالم الملائكة الأبرار "

للشيخ عمر سليمان الأشقر ، رحمه الله ، ففيه أشياء كثيرة نافعة في هذا الباب .

والله تعالى أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-19, 17:22
أفعال الملائكة وأحوالهم لا تقاس بأفعال وأحوال البشر

السؤال

بداية أشكركم إخواني الكرام على مجهودكم العظيم في هذا الموقع المبارك،

سؤالي بخصوص فتوى في موقعكم تتحدث عن اليوم الذي يساوي ألف سنة، هل لكم أن توضحوا لنا يا شيخ إذا كان اليوم يساوي ألف سنة كما ذكر في سورة السجدة وأن سمك السموات 500 عامًا

وأن ما بين السماء والأرض 500 عامًا، كما في تفسير ابن كثير، فكيف تحمل الملائكة الأوامر والأفعال وتخترق السموات في لمح البصر؟

ولقد سمعت أيضًا من "ذاكر نايك" أن كلمة "يوم" في اللغة العربية تعني أيضًا "الفترة"، فما رأيكم يا شيخ في ضوء القرآن والسنة؟

سؤالي الثاني : سمعت أن أحد أسباب الرزق هو الزواج، فهل هذا صحيح؟

الجواب

الحمد لله

أولا :

قال الله عز وجل :

( يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) السجدة/ 5

قال ابن كثير رحمه الله :

" ترفع الأعمال إلى ديوانها فوق سماء الدنيا، ومسافة ما بينها وبين الأرض مسيرة خمسمائة سنة ، وسمك السماء خمسمائة سنة.

وقال مجاهد، وقتادة، والضحاك : النزول من الملك في مسيرة خمسمائة عام، وصعوده في مسيرة خمسمائة عام، ولكنه يقطعها في طرفة عين؛ ولهذا قال تعالى: ( فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) "

انتهى من "تفسير ابن كثير" (6 /359)

وينظر:"تفسير البغوي" (6 /300) .

ومثل هذا الغيب لا بد من التسليم فيه للنص الشرعي إذا ثبت فيه ، ولا يقال لم ؟ ولا يقال كيف ؟

لأن الله تعالى على كل شيء قدير ، وقد أحاط بكل شيء علما ، لا يعجزه شيء في السموات ولا في الأرض ، ولا يُسأل عما يفعل .

وإذا كان الواحد منا اليوم يمكنه أن يتصل بمن في أقصى الأرض فيراه ويسمع صوته في ذات الوقت

وإذا كنا نشاهد على شاشات التليفزيون المشاهد وقت حصولها وحدوثها وبيننا وبينها آلاف الأميال

فكيف نتساءل أو نتعجب لنزول الملائكة من السماء ثم صعودها في يوم واحد ، وذلك لا يحصل إلا بإذن الله تعالى وقدرته .

ثم انظر إلى ما أمكن الله عباده منه الآن من السفر بالطائرات على اختلاف أنواعها ، ومركبات الفضاء

: هل كان الناس يتصورن قديما أن البشر يسافرون في مثل هذا ، ويقطعون المسافات بتلك السرعة ؟!

وأين تقع قدرة البشر بالنسبة إلى قدرة الله العلي القدير سبحانه ، وهو العزيز الغالب الذي لا يعجزه شيء في السموات ولا في الأرض

وهو القائل : ( بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) البقرة/ 117

وقال سبحانه : ( إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) النحل/ 40

فلا يستعصي عليه شيء ، ولا يمتنع منه .

والملائكة إنما تنزل وتصعد بأمر الله ، فهو سبحانه الذي أقدرهم على ما أقدرهم عليه من الأعمال والتكاليف .
والملائكة خلق عظيم لا يقدر قدره إلا الله . ولهم من الإمكانات والقدرات ما لا يحيط به علم عالم من البشر .

وهذا ملك الموت عليه السلام يقبض أرواح الخلائق في لحظة ، ومنهم من هو في أقصى الغرب ومنهم من هو في أقصى الشرق .

فإذا علمت أن هذه القدرة إنما خصهم الله بها ، ولولا الله ما قدروا على فعل شيء ، فهي في الحقيقة منسوبة إليه سبحانه زال عنك العجب .

ثانيا :

اليوم في اللغة مِقدارُه من طلوع الشمس إِلى غروبها .

وقد يُرادُ باليوم في لغة العرب : الوقتُ مطلقاً ؛ أيا كان قدره ، ومنه الحديث ( بين يديّ السّاعة أَيّامُ الهَرْج )

رواه البخاري (7067) ومسلم (2672) أَي وقتُه ، ولا يختص ذلك بالنهارِ دون الليل .

راجع : "لسان العرب" (12 /649)

وجاء في "المصباح المنير" (2/683) :

" والعرب قد تطلق ( اليَوْمَ ) وتريد الوقت والحين نهارا كان أو ليلا

فتقول : ذخرتك لهذا اليوم ؛ أي : لهذا الوقت الذي افتقرتُ فيه إليك ، ولا يكادون يفرقون بين : يومئذ ، وحينئذ ، وساعتئذ " انتهى .

فإذا كانت اللغة تدل على أن اليوم ربما أرادت به العرب : مطلق الفترة والوقت ، فقد ورد بذلك الإطلاق أيضا في الاستعمال الشرعي ؛ فلا تعارض إذاً بين اللغة وما جاء في الشرع .

وما أحسن ما رواه الطبري رحمه الله في "تفسيره" (13/602) بسند صحيح عن ابن أبي مليكة، أن رجلا سأل ابن عباس عن يوم كان مقداره ألف سنة

فقال: ما يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ؟ قال: إنما سألتك لتخبرني

قال: " هما يومان ذكرهما الله في القرآن، الله أعلم بهما " فكره أن يقول في كتاب الله ما لا يعلم.

ثالثا :

الزواج لطلب العفاف ، سبب من أسباب حصول الرزق لصاحبه ، بإذن الله وتقديره

قال الله تعالى : ( وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) النور/32 .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمْ : الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ

وَالْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الْأَدَاءَ ، وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ ) رواه الترمذي (1655) وحسنه الألباني في "صحيح الترمذي" .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-19, 17:35
الاستعارة في قوله تعالى : ( أدركه الغرق )، ( سكت عن موسى الغضب )، ( يريد أن ينقض )

السؤال

من أنواع البلاغة التشخيص ، وهو : إعطاء غير العاقل صفة العاقل كما هو معلوم

مثل قوله تعالى عن فرعون : ( حتى إذا أدركه الغرق )، فالغرق أعطيَ صفة العاقل .

فهل يمكن أن نحمل قوله تعالى : ( فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض )

وقوله تعالى : ( فلما سكت عن موسى الغضب ) على التشخيص ؟

الجواب

الحمد لله

أولا :

الآيات الكريمات المقصودة في السؤال هي قول الله عز وجل :

( وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) يونس/90

وقوله سبحانه : ( وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ) الأعراف/154

وقول الله جل وعلا : ( فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا ) الكهف/77.

وعلماء البلاغة والبيان يقولون إنها كلها من لطيف الاستعارة وبليغ المجاز

وذلك في قوله عز وجل : ( أدركه الغرق )، و( سكت عن موسى الغضب )، وقوله سبحانه : ( يريد أن ينقض ).

وبيان ذلك أن الاستعارة هي

" نقل اللفظ من معناه الذي عُرف به ووُضع له ، إلى معنى آخر لم يعرف به من قبل "

وهكذا كل من ( الإدراك ) و ( السكوت )، و ( الإرادة ) عرفت أنها من صفات العقلاء وأفعالهم ، فنسبتها لغير العقلاء أو للمعاني استعارة واضحة ، ويسمى أيضا مجازا لغويا لدى أكثر البيانيين .

ونحن ننقل هنا أقوال علماء التفسير واللغة والبيان في كل آية منها لتوضيح ما فيها من الاستعارة والمجاز :
الآية الأولى : (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ )

يقول الشعراوي رحمه الله :

" ( حتى إِذَآ أَدْرَكَهُ الغرق قَالَ آمَنتُ ) [يونس: 90] ، الإدراك : قصد للمدرك أن يلحق بالشيء ،

والغرق معنى ، فكيف يتحول المعنى إلى شيء يلاحق الفرعون ؟ نعم ، فكأن الغرق جندي من الجنود ، وله عقل ينفعل ؛ فيجري إلى الأحداث "

انتهى من " تفسير الشعراوي " (10/ 6181).

الآية الثانية : ( سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ )

يقول أبو منصور الثعالبي رحمه الله (429هـ):

" من استعارات القرآن ( وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ ) "

انتهى من " فقه اللغة وسر العربية " (ص273).

ويقول ابن رشيق القيرواني (463هـ):

" الاستعارة كثيرة في كتاب الله عز وجل ، وكلام نبيه صلى الله عليه وسلم

من ذلك قوله تعالى : ( لما طغى الماء )، وقوله : ( فلما سكت عن موسى الغضب ) "

انتهى من "العمدة في محاسن الشعر" (1/275).

ويقول السكاكي رحمه الله (626هـ):

" وقوله : ( ولما سكت عن موسى الغضب ) .

( فالمستعار منه ) هو إمساك اللسان عن الكلام ، وأنه أمر معقول .

و( المستعار له ) تفاوت الغضب عن اشتداده على السكون ، وأنه أيضا أمر وجداني عقلي .

و( الجامع ) هو أن الإنسان مع الغضب إذا اشتد وجد حالة للغضب كأنها تغريه ، وإذا سكن وجده كأنه قد أمسك عن الإغراء "

انتهى من "مفتاح العلوم" (389-390).

الآية الثالثة : ( فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ )

يقول الخليل بن أحمد الفراهيدي (170هـ):

" وكذلك يلزمون الشيء الفعل ولا فعل ، وإنما هذا على المجاز ، كقول الله جل وعز في البقرة :

( فما ربحت تجارتهم )، والتجارة لا تربح ، فلما كان الربح فيها نسب الفعل إليها . ومثله ( جدارا يريد أن ينقض ) ولا إرادة للجدار " ا

نتهى من " الجمل في النحو " (ص/72).

ويقول ابن فارس رحمه الله :

" من سُنن العرب إضافة الفعل إلى ما ليس فاعلاً في الحقيقة ، يقولون : أراد الحائطُ أن يقعَ . وفي كتاب الله جلّ ثناؤه : ( جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ )، وهو في شعر العرب كثير ".

انتهى من "الصاحبي" (160).

ويقول أبو هلال العسكري رحمه الله (395هـ):

" أما ما جاء في كلام العرب منه [يعني من الاستعارة]، فمثله قوله تعالى : ( جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَ ) ".

انتهى من كتاب "الصناعتين" (277) .

ويقول ابن رشيق القيرواني (463هـ):

" وقال في قول الله عز وجل: " فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض فأقامه " لو قلنا لمنكر هذا كيف تقول في جدار رأيته على شفا انهيار ؟ لم يجد بداً من أن يقول : يهم أن ينقض ، أو يكاد

أو يقارب ، فإن فعل فقد جعله فاعلاً ، ولا أحسبه يصل إلى هذا المعنى في شيء من ألسنة العجم إلا بمثل هذه الألفاظ .

والمجاز في كثير من الكلام أبلغ من الحقيقة ، وأحسن موقعاً في القلوب والأسماع ، وما عدا الحقائق من جميع الألفاظ ثم لم يكن محالاً محضاً فهو مجاز ؛ لاحتماله وجوه التأويل

فصار التشبيه والاستعارة وغيرهما من محاسن الكلام داخلة تحت المجاز ، إلا أنهم خصوا به أعني اسم المجاز باباً بعينه ؛ وذلك أن يسمى الشيء باسم ما قاربه أو كان منه سبب "

انتهى من "العمدة في محاسن الشعر" (1/266).

وهذه " الاستعارة " – في هذه الأمثلة – يسميها المختصون في الأدب المعاصر بـ " التشخيص "

أو بـ " التجسيد "، على اختلاف بينهم في التفريق بين هذين المصطلحين أو ترادفهما .

والتشخيص" عند البلاغيين : هو بث الحركة والحياة والنطق في الجماد

أو هو خلع الحياة على المحسوسات الجامدة والظواهر الطبيعية الصامتة ، حتى إنها لتخاطب مخاطبة الذي يعقل ويفهم ، وتخلع عليها صفات المخلوقات النابضة بالحياة .

فهو نمط استعاري يقوم على علاقة المشابهة بين طرفين ، أحدهما حسي جامد أو ذهني ، والآخر إنساني .

وانظر : "الصورة الأدبية" -

تاريخ ونقد (ص 126) / لعلي علي صبح .

ويقول إبراهيم فتحي :

" التشخيص ( تجسيد ) (personification) : تعبير بلاغي يسبغ فيه على التجريدات والحيوانات والمعاني والأشياء غير الحية شكلا وشخصية وسمات انفعالية إنسانية .

وفي التشخيص قد يعتبر كائن أو شخص من نسج الخيال ممثلا لفكرة أو موضوع .

ولكون التشخيص نوعاً من الاستعارة نجده منبعا مطروقا في الشعر

كما يظهر في أنواع أخرى من الكتابة الأدبية ، ومن أمثلة التشخيص زهرية كيتس اليونانية ، التي يقول عنها إنها مؤرخ للأحداث . ويقترب من نزعة التشبيه الإنسانية ".

انتهى من "معجم المصطلحات الأدبية" (ص/85).

*عبدالرحمن*
2019-02-19, 17:37
ثانيا :

ما ذكر في توجيه الآيات السابقة ، إنما هو على القول المشهور بين علماء العربية ، والأصول : من إثبات المجاز في القرآن الكريم .

وأما على قول من نفى المجاز في القرآن : فلا يتجه ذلك ، وإنما يحمل الكلام على حقيقته ، وسياقه ، وقرائن الكلام : يوضح معناه .

والقول بمنع وقوع المجاز في القرآن : هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ، وتبعه على ذلك جمع من المحققين ، منهم : تلميذه ابن القيم

والعلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ، وهو أيضا اختيار الشيخ ابن باز ، والشيخ ابن عثيمين ، رحمهم الله جميعا .
وعلى هذا القول : يختلف توجيه الآيات السابقة .

قال الشنقيطي رحمه الله :

" قَوْلُهُ تَعَالَى : ( فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ )

هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مِنْ أَكْبَرِ الْأَدِلَّةِ الَّتِي يَسْتَدِلُّ بِهَا الْقَائِلُونَ : بِأَنَّ الْمَجَازَ فِي الْقُرْآنِ زَاعِمِينَ أَنَّ إِرَادَةَ الْجِدَارِ الِانْقِضَاضَ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ حَقِيقَةً ، وَإِنَّمَا هِيَ مَجَازٌ .

وَقَدْ دَلَّتْ آيَاتٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَلَى أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ كَوْنِ إِرَادَةِ الْجِدَارِ حَقِيقَةً ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَعْلَمُ لِلْجَمَادَاتِ إِرَادَاتٍ وَأَفْعَالًا وَأَقْوَالًا لَا يُدْرِكُهَا الْخَلْقُ ، كَمَا صَرَّحَ تَعَالَى بِأَنَّهُ يَعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ مَا لَا يَعْلَمُهُ خَلْقُهُ فِي قَوْلِهِ جَلَّ وَعَلَا

: ( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ )، فَصَرَّحَ بِأَنَّنَا لَا نَفْقَهُ تَسْبِيحَهُمْ ، وَتَسْبِيحُهُمْ وَاقِعٌ عَنْ إِرَادَةٍ لَهُمْ يَعْلَمُهَا هُوَ جَلَّ وَعَلَا وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُهَا ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ.

فَمِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا

يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ )

؛ فَتَصْرِيحُهُ تَعَالَى بِأَنَّ بَعْضَ الْحِجَارَةِ يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ : دَلِيلٌ وَاضِحٌ فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْخَشْيَةَ بِإِدْرَاكٍ يَعْلَمُهُ اللَّهُ ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُهُ .

وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ) الْآيَةَ ، فَتَصْرِيحُهُ جَلَّ وَعَلَا بِأَنَّ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَالْجِبَالَ أَبَتْ وَأَشْفَقَتْ

أَيْ : خَافَتْ ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ وَاقِعٌ بِإِرَادَةٍ وَإِدْرَاكٍ يَعْلَمُهُ هُوَ جَلَّ وَعَلَا ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُهُ.

وَمِنَ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ مَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

( إِنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ بِمَكَّةَ )

وَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَنِينِ الْجِذْعِ الَّذِي كَانَ يَخْطُبُ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَزَعًا لِفِرَاقِهِ

فَتَسْلِيمُ ذَلِكَ الْحَجَرِ ، وَحَنِينُ ذَلِكَ الْجِذْعِ كِلَاهُمَا بِإِرَادَةٍ وَإِدْرَاكٍ يَعْلَمُهُ اللَّهُ ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُهُ ، كَمَا صَرَّحَ بِمِثْلِهِ فِي قَوْلِهِ : ( وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ) .

وَزَعْمُ مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدِهِ أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ لَا حَقِيقَةَ لَهَا ، وَإِنَّمَا هِيَ ضَرْبُ أَمْثَال ٍ، زَعْمٌ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّ نُصُوصَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لَا يَجُوزُ صَرْفُهَا عَنْ مَعْنَاهَا الْوَاضِحِ الْمُتَبَادَرِ ، إِلَّا بِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ، وَأَمْثَالُ هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا .

وَبِذَلِكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ إِبْقَاءِ إِرَادَةِ الْجِدَارِ عَلَى حَقِيقَتِهَا ، لِإِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ عَلِمَ مِنْهُ إِرَادَةَ الِانْقِضَاضِ ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ خَلْقُهُ تِلْكَ الْإِرَادَةَ ، وَهَذَا وَاضِحٌ جِدًّا كَمَا تَرَى .

مَعَ أَنَّهُ مِنَ الْأَسَالِيبِ الْعَرَبِيَّةِ إِطْلَاقُ الْإِرَادَةِ عَلَى الْمُقَارَبَةِ وَالْمَيْلِ إِلَى الشَّيْءِ ، كَمَا فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ:

فِي مَهْمَهٍ قَلِقَتْ بِهِ هَامَتُهَا ** قَلَقَ الْفُئُوسِ إِذَا أَرَدْنَ نُضُولَا

فَقَوْلُهُ : إِذَا أَرَدْنَ نُضُولًا ، أَيْ قَارَبْنَهُ .

وَقَوْلِ الْآخَرِ :

يُرِيدُ الرُّمْحُ صَدْرَ أَبِي بَرَاءٍ ** وَيَعْدِلُ عَنْ دِمَاءِ بَنِي عَقِيلِ

أَيْ : يَمِيلُ إِلَى صَدْرِ أَبِي بَرَاءٍ "

. انتهى من "أضواء البيان" (3/ 339-340) .

وقال ابن كثير رحمه الله

في قوله تعالى : ( وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ) قَالَ :

" وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْمَجَازِ ؛ وَهُوَ إِسْنَادُ الْخُشُوعِ إِلَى الْحِجَارَةِ كَمَا أُسْنِدَتِ الْإِرَادَةُ إِلَى الْجِدَارِ فِي قَوْلِهِ : ( يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ ) قَالَ الرَّازِيُّ وَالْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْأَئِمَّةِ : وَلَا حَاجَةَ إِلَى هَذَا "

انتهى من "تفسير ابن كثير" (1/ 305) .

وكذلك قوله تعالى : ( وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ ) الأعراف/ 154، المقصود : سكن عنه الغضب

قال شيخ الإسلام رحمه الله :

" وَصَفَ الْغَضَبَ بِالسُّكُوتِ ، وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَمُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ وَعِكْرِمَة َ

: ( وَلَمَّا سَكَنَ ) بِالنُّونِ ، وَعَلَى الْقِرَاءَةِ الْمَشْهُورَةِ ( بِالتَّاءِ ) قَالَ الْمُفَسِّرُونَ : سَكَتَ الْغَضَبُ أَيْ سَكَنَ . وَكَذَلِكَ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ ؛ الزَّجَّاجُ وَغَيْرُهُ . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : سَكَتَ الْغَضَبُ مِثْلُ سَكَنَ "

انتهى من "مجموع الفتاوى" (5/ 568) .

ومثل هذا يقال في سائر المواضع التي يحملها البلاغيون على المجاز .

والله أعلم .

و اخيرا

الحمد لله الذي بفضلة تتم الصالحات

اخوة الاسلام

اكتفي بهذا القدر و لنا عوده
ان قدر الله لنا البقاء و اللقاء

و اسال الله ان يجمعني بكم دائما
علي خير

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين

*عبدالرحمن*
2019-02-20, 16:31
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)
اخوة الاسلام

أحييكم بتحية الإسلام
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)


من معاني كلمة ( الحكمة ) في القرآن الكريم أنها السنة النبوية

السؤال

فسَّر العلماء السابقون معنى " الحكمة " بأنها سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، فهل هنالك من دليل على هذا التفسير ، وكيف فسَّر الرسول صلى الله عليه وسلم الحكمة

وهل هنالك حديث يدل على ذلك . فأنا أرى أنَّ الآيات الكريمة الآتية تدل على معاني مختلفة عن تلك التي جاء بها علماء التفسير : - ففي سورة " البقرة " – الآية : 231

: ( وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ ) حيث أخبروني أنَّ " الحكمة " هي نفسها " الكتاب " - الكتاب في هذا الآية هو القرآن- والدليل على ذلك هو كلمة ( بِهِ ) في آخر الآية

التي جاءت بصيغة المفرد ، وعليه يكون معنى الكتاب القرآن ، ومعنى الحكمة : حكمة الله . - وفي سورة " المائدة " – الآية : 110 (

إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا . وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ ) لا يمكن أن يكون معنى " الحكمة "

هنا بأنها سنة الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أتى بعد عيسى عليه السلام . فما المقصود بالحكمة في هذه الآية . - وأيضاً في سورة " البقرة "- الآية : 129

: ( رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ . إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) لا يمكن أن يكون معنى " الحكمة " هنا بأنها سنة الرسول صلى الله عليه وسلم . -

وفي سورة " البقرة " – الآية : 269: ( يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ) . فهل هذا يعني أن يمكن لأي أحد يختاره الله أن يعلم سنة الرسول صلى الله عليه وسلم .

لو أراد الله قصد معنى سنة الرسول صلى الله عليه وسلم لاستخدم كلمات دالة ( محددة ) على قصده ، كما قال في سورة " الأحزاب "- الآية : 62 ( سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا )

وكما في سورة " المرسلات "- الآية : 50 ( فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ) . وقد قال الله عز وجل في سورة " الزمّر "- الآية : 28 ( قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) فاستخدم هنا كلمة القرآن

ولو أراد ذكر الحديث أو السنة لذكرهما صراحة ، فالله عز وجل يعرف مصطلح السنة والحديث

فلماذا لا يلقي العلماء بالاً إلى المعاني التي قصدها الله عز وجل بلغة واضحة ، وليست مبهمة ، ويحرفون المعاني ؟

الجواب

الحمد لله

مما يسرنا أن نجد المسلمين مهتمين ببيان معاني القرآن الكريم ، والبحث في ذلك

لأننا لا يمكننا العمل بالقرآن الكريم على الوجه الذي يرضي الله سبحانه وتعالى إلا بعد أن نعرف معناه معرفة صحيحة .
فمما يشكر عليه السائل ويمدح عليه بحثه في معاني القرآن الكريم .

ولكن ينبغي لمن أشكل عليه شيء من معاني القرآن الكريم أو غيرها مما يتعلق بالعلوم الشرعية ، أو وجد شيئا مما قاله العلماء يخالف ما يظهر له من المعنى ينبغي أن يحسن الظن بالعلماء

فإنهم بطبيعتهم البشرية ليسوا معصومين من الخطأ ، غير أنه لا يجوز اتهامهم بقصد تحريف معاني كلام الله ، فقد يكونون مخطئين فعلا ، ولكن عن غير قصد ، بل عن اجتهاد فيكون لهم أجر

كما أخبر بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم فيمن اجتهد وأخطأ أن له أجرا ، ومن أصاب فله أجران .

وقد يكون العالم مصيبا ولكن القارئ لكلامه هو الذي لم يفهمه على وجهه الصحيح ، كما وقع للسائل في هذا السؤال .
ثانيا :

أما ما سأل عنه السائل ، فقد جاءت كلمة ( الحكمة ) في آيات كثيرة من القرآن الكريم ويراد بها سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومن هذه الآيات بعض الآيات التي أوردها السائل في سؤاله .

فمن ذلك : قول الله تعالى : ( وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) البقرة /231.

وقوله تعالى : ( وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ) النساء/113.

فهذه الآيات تدل على أن الله تعالى أنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم شيئين ، وهما الكتاب والحكمة

فالكتاب هو القرآن الكريم ، والحكمة ، لم يبق لها معنى إلا أن تكون سنة الرسول صلى الله عليه وسلم .

وقد أكد الرسول صلى الله عليه وسلم هذا المعنى فقال : ( أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ ) رواه أبو داود (4604)
.
قال ابن بطال في شرح صحيح البخاري :

" ( أوتيت الكتاب ومثله معه ) قال أهل العلم : أراد بذلك السنة التي أوتي" . انتهى من شرح ابن بطال (19/473) بترقيم الشاملة .

وقال أيضا (19/473) :

" كان جبريل ينزل عليه بالسنن كما يأتيه بالقرآن، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : ( أوتيت الكتاب ومثله معه ) يعنى : من السنن" انتهى .

وقال ابن قتيبة في "تأويل مختلف الحديث" (1/58) بترقيم الشاملة :

" قوله رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أوتيت الكتاب ومثله معه ) يريد : أنه أوتي الكتاب ومثل الكتاب من السنة " انتهى .

وبهذا يتبين أن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وحي منزل من الله تعالى ، وهي الحكمة التي أنزلها الله على رسوله صلى الله عليه وسلم .

وأما الضمير في قوله ( يعظكم به ) فإنه عائد على ( ما ) في قوله تعالى : ( وما أنزل عليكم ) وليس عائدا على الكتاب ولا الحكمة على سبيل الانفراد .

ومن هذه الآيات أيضا :

قول الله تعالى : ( كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ) البقرة/151

وقوله سبحانه : ( كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ) البقرة/151

وقوله عز وجل: ( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ) آل عمران/164.

وقوله تعالى : ( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ) الجمعة/2.

فما الذي عَلَّمه النبي محمد صلى الله عليه وسلم للناس الذين بعث فيهم ولأمته ؟

أليس هو القرآن الكريم ، والسنة النبوية ؟

وتأمل قوله سبحانه مخاطبا أمهات المؤمنين : ( وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا ) الأحزاب/34، وما الذي كان يتلى ويذكر في بيوت النبي صلى الله عليه وسلم ؟

أليس هو القرآن والسنة ؟

إذن فالكتاب هو القرآن ، والحكمة هي السنة .

وقد ذكر الإمام الشافعي رحمه الله هذه الآيات ونحوها ثم قال :

" ذكر الله الكتاب ، وهو القُرَآن ، وذكر الحِكْمَة ، فسمعتُ مَنْ أرْضى من أهل العلم بالقُرَآن يقول : الحكمة سنة رسول الله ؛ لأن القُرَآن ذُكر وأُتْبِعَتْه الحكمة ، وذكرَ الله منَّه على خَلْقه بتعليمهم الكتاب والحكمة

فلم يَجُزْ - والله أعلم - أن يقال الحكمة هاهنا إلا سنةُ رسول الله . وذلك أنها مقرونة مع كتاب الله

وأن الله افترض طاعة رسوله ، وحتَّم على الناس اتباع أمره ، فلا يجوز أن يقال لقول : فرضٌ ، إلا لكتاب الله ، ثم سنة رسوله "

. انتهى من " الرسالة " (1/78).

وقال العلامة ابن رجب رحمه الله :

" من قال الحكمة : السنة ، فقوله الحق ؛ لأن السنة تفسر القرآن ، وتبين معانيه ، وتحض على اتباعه "

انتهى من " لطائف المعارف " (ص/84).

وأما قول السائل : لماذا استعمل اسم " الحكمة "، ولم يقل " السنة " ؟

فالجواب على هذا أنها أسماء مترادفة لشيء واحد ، فالسنة هي الحكمة

وهي الطريقة ، وهي البيان ، وهي الهَدْي .. إلى آخر الأوصاف والأسماء التي أطلقت في الكتاب والسنة عليها ، فأي ضير في اختيار أحدها وإطلاقه في الآيات الكريمات .

وفي هذا الإطلاق ( الحكمة ) مدح للسنة وحث على التمسك بها ، فمن أراد الصواب في القول والعمل فعليه بهدي النبي صلى الله عليه وسلم وسنته .

*عبدالرحمن*
2019-02-20, 16:32
ثالثا :

أما ما أورده السائل في الآيات التي لا يمكن تفسير الحكمة فيها بسنة النبي صلى الله عليه وسلم ، فلا ينفي ذلك أن الحكمة قد جاءت في آيات آخرى وأريد بها سنة النبي صلى الله عليه وسلم .

وذلك لأن كلمة ( الحكمة ) لها عدة معانٍ ، وليس معنى واحدا ، والذي يحدد معناها هو السياق الذي وردت فيه ، فليست كلمة ( الحكمة ) في جميع الآيات لها نفس المعنى .

قال الشيخ ابن باز رحمه الله :

" الحكمة كلمة مشتركة ، تطلق على معان كثيرة ، تطلق على النبوة ، وعلى العلم والفقه في الدين ، وعلى العقل ، وعلى الورع

وعلى أشياء أخرى ، وهي في الأصل كما قال الشوكاني رحمه الله : الأمر الذي يمنع عن السفه ، هذه هي الحكمة . والمعنى : أن كل كلمة ، وكل مقالة تردعك عن السفه

وتزجرك عن الباطل ، فهي حكمة . وهكذا كل مقال واضح صريح ، صحيح في نفسه ، فهو حكمة ، فالآيات القرآنية أولى بأن تسمى حكمة

وهكذا السنة الصحيحة أولى بأن تسمى حكمة بعد كتاب الله ، وقد سماها الله حكمة في كتابه العظيم

كما في قوله جل وعلا : ( وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ) يعني السنة

وكما في قوله سبحانه : ( يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ) الآية

فالأدلة الواضحة تسمى حكمة ، والكلام الواضح المصيب للحق يسمى حكمة "

انتهى من "مجموع فتاوى ابن باز" (1/336).

والخلاصة : أن ( الحكمة ) في آيات القرآن الكريم وردت وأريد بها سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، كما وردت في آيات أخرى ولها معان أخرى .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-20, 16:37
ما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل : ( ما أنا بقارئ ) لمَّا قال له جبريل : ( اقرأ ) ؟

السؤال

عندما قال جبريل عليه السلام للنبي صلي الله عليه وسلم - وهو في غار حراء - : اقرأ ، وقال له النبي صلي الله عليه وسلم : ( ما أنا بقارئ )

هل كان النبي صلي الله عيه وسلم أمامه اللوح المحفوظ في ذلك الوقت ليقرأ منه ؟ أم ما معنى اقرأ؟

أما في قوله تعالى : (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ) العنكبوت/ 48 . ذكر أحد الأشخاص شبهة أن المقصود من تلك الآية : أن النبي صلي الله عليه وسلم لم يكن يقرأ ولا يكتب قبل البعثة

أما بعد ما بُعِث : فهو الذي كتب القرآن ، بل وخطَّه بيمينه ، حتى يتأكد أنه يأتينا صحيحا ، وأن النبي صلي الله عليه وسلم لم يقرأ ويكتب سوى القرآن ؟

الجواب

الحمد لله

أولا :

للعلماء في قول جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم : ( اقرأ ) وقول النبي صلى الله عليه وسلم له : ( ما أنا بقارئ ) أقوال :

- قيل : أتاه بنمط من ديباج فيه كتاب ، ثم قال له : اقرأ ، يعني اقرأ ما في هذا الكتاب .

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله :

" وَقع عِنْد ابن إِسْحَاقَ فِي مُرْسَلِ عُبَيْدِ بِنِ عُمَيْرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(أَتَانِي جِبْرِيلُ بِنَمَطٍ مِنْ دِيبَاجٍ فِيهِ كِتَابٌ قَالَ اقْرَأْ . قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ) قَالَ السُّهَيْلِيُّ قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّ قَوْلَهُ ( ألم ذَلِكَ الْكتاب لَا ريب فِيهِ ) إِشَارَةٌ إِلَى الْكِتَابِ الَّذِي جَاءَ بِهِ جِبْرِيلُ حَيْثُ قَالَ لَهُ (اقْرَأْ) "

انتهى من " فتح الباري " (8/ 718) .

وقال الحافظ ابن حجر - أيضا - :

" تَكَلَّمَ شَيْخُنَا - يعني البلقيني - عَلَى مَا كَانَ مَكْتُوبًا فِي ذَلِكَ النَّمَطِ فَقَالَ: (اقْرَأْ) أَيِ الْقَدرَ الَّذِي أَقْرَأَهُ إِيَّاهُ وَهِيَ الْآيَاتُ الْأُولَى مِنِ (اقْرَأ باسم رَبك) وَيحْتَمل أَن يكون جملَة الْقُرْآن

وعَلى هَذَا يَكُونُ الْقُرْآنُ نَزَلَ جُمْلَةً وَاحِدَةً بِاعْتِبَارٍ وَنَزَلَ مُنَجَّمًا بِاعْتِبَارٍ آخَرَ "

انتهى من " فتح الباري " (12/ 357) .

أما القول بأنه كان أمامه اللوح المحفوظ ، فقول فاسد ، لأن اللوح المحفوظ في الملأ الأعلى في السماء .

انظر جواب السؤال القادم

- وقيل : معنى (اقرأ) ، يعني ردِّد خلفي ما أقوله ، ومعنى (ما أنا بقارئ) يعني : لم أتعلم القراءة ، كما هو المعتاد فيمن يقرأ .

قال الحافظ ابن حجر :

" قَوْلُهُ (فَقُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ) : اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ : ( افعل ) : تَرِدُ لِلْتَنْبِيهِ ، وَلَمْ يَذْكُرُوهُ قَالَهُ شَيْخُنَا الْبُلْقِينِيُّ

ثُمَّ قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ عَلَى بَابِهَا لِطَلَبِ اَلْقِرَاءَةِ ، عَلَى مَعْنَى : أَنَّ الْإِمْكَانَ حَاصِلٌ.

قَوْلُهُ (فَقَالَ اقْرَأْ) قَالَ شَيْخُنَا الْبُلْقِينِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: دَلَّتِ الْقِصَّةُ عَلَى أَنَّ مُرَادَ جِبْرِيلَ بِهَذَا أَنْ يَقُولَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصَّ مَا قَالَهُ ، وَهُوَ قَوْلُهُ (اقْرَأْ) .

ثُمَّ قَالَ شَيْخُنَا : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جِبْرِيلُ أَشَارَ بِقَوْلِهِ (اقْرَأْ) إِلَى مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي النَّمَطِ الَّذِي وَقَعَ فِي رِوَايَة ابن إِسْحَاقَ ، فَلِذَلِكَ قَالَ لَهُ (مَا أَنَا بِقَارِئٍ) ؛ أَيْ : أُمِّيٌّ لَا أُحْسِنُ قِرَاءَةَ الْكُتُبِ .

قَالَ : وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ . وَهُوَ أَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ ( اقْرَأْ ) : التَّلَفُّظَ بِهَا "

انتهى مختصرا من" فتح الباري " (12/ 357)

وينظر : " طرح التثريب " ، للعراقي (4/ 187-188) ،

" مرقاة المفاتيح " (9/ 3730) .

- وقيل : لا يلزم من أَمرِه بالقراءة أن يكون هناك مكتوب يريد منه أن يقرأه

وإنما المعنى : اقرأ ما يتلى عليك فيما يستقبل ، ويكون معنى ( ما أنا بقارئ ) الاعتذار له عن القراءة التي لا يعرف حقيقتها في ذلك الوقت ، فهو رجل أمي لا يقرأ ولا يكتب .

قال ابن عاشور رحمه الله :

" وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (اقْرَأْ) أَمْرٌ بِالْقِرَاءَةِ، وَالْقِرَاءَةُ نُطْقٌ بِكَلَامٍ مُعَيَّنٍ مَكْتُوبٍ أَوْ مَحْفُوظٍ عَلَى ظَهْرِ قَلْبٍ.

وَالْأَمْرُ بِالْقِرَاءَةِ مُسْتَعْمَلٌ فِي حَقِيقَتِهِ ، مِنَ الطَّلَبِ لِتَحْصِيلِ فِعْلٍ فِي الْحَالِ أَوِ الِاسْتِقْبَالِ، فَالْمَطْلُوبُ بِقَوْلِهِ: اقْرَأْ : أَنْ يَفْعَلَ الْقِرَاءَةَ فِي الْحَالِ أَوِ الْمُسْتَقْبَلِ الْقَرِيبِ مِنَ الْحَالِ،

أَيْ أَنْ يَقُولَ مَا سَيُمْلَى عَلَيْهِ، وَالْقَرِينَةُ عَلَى أَنَّهُ أَمْرٌ بِقِرَاءَةٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ الْقَرِيبِ : أَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ إِمْلَاءُ كَلَامٍ عَلَيْهِ مَحْفُوظٍ ، فَتُطْلَبَ مِنْهُ قِرَاءَتُهُ، وَلَا سُلِّمَتْ إِلَيْهِ صَحِيفَةٌ ، فَتُطْلَبَ مِنْهُ قِرَاءَتُهَا، فَهُوَ

كَمَا يَقُولُ الْمُعَلِّمُ لِلتِّلْمِيذِ: اكْتُبْ، فَيَتَأَهَّبُ لِكِتَابَةِ مَا سَيُمْلِيهِ عَلَيْهِ "

انتهى من " التحرير والتنوير " (30/ 435) .

ثانيا :

القول بأن المقصود من قوله تعالى : ( وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ) العنكبوت/ 48

أن النبي صلي الله عليه وسلم لم يكن يقرأ ولا يكتب قبل البعثة ، أما بعد البعثة فهو الذي كتب القرآن ، وخطه بيمينه ، وأنه لم يقرأ ولم يكتب سوى القرآن : قول باطل من وجوه :

الأول : أن الصواب المقطوع به : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أميا لا يقرأ ولا يكتب ، من يوم ولد إلى أن توفاه الله .

انظر جواب السؤالين الثاني و الثالث القادم
.
الثاني : أنه ليس في الآية ، ولا في غيرها من الآيات ، ولا فيما ثبت من السنن والآثار : أنه صلى الله عليه وسلم قرأ وكتب بعد البعثة ، وإنما فيها أنه لم يكن يكتب ولا يقرأ

ولم يأت ما يدل على تعلمه القراءة والكتابة ، وهذا آكد في الحجة ، وأعظم في البرهان ، والقول بخلاف ذلك ، أو دعوى أنه كان يكتب الوحي بيده صلى الله عليه وسلم

: دعوى باطلة في نفسها ، عاطلة عن الدليل الصحيح.

الثالث : قول هذا المدعي : كتبه بيده حتى يتأكد من وصوله إلينا صحيحا ، مِن أفسد القول

لأن فيه غمزا للصحابة رضي الله عنهم ، كأنه يقول : كان لا يأمن الصحابة على كتابة القرآن فكتبه بيده ، فيقال : فكيف استأمنهم من بعد موته على نقله ونقل الشريعة إلى الأمة بأسرها ؟

*عبدالرحمن*
2019-02-20, 16:41
النبي الأمي

السؤال

هل هناك دليل على أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم كان لا يقدر على القراءة والكتابة ؟ .

الجواب

الحمد لله

قال الله تعالى : ( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ

وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ(157)

قال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية :

قوله تعالى : "الأمي" .. قال ابن عباس رضي الله عنه : كان نبيكم صلى الله عليه وسلم أميا لا يكتب ولا يقرأ ولا يحسب ;
قال الله تعالى: "وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك " [العنكبوت: 48] .

وقال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية الأخيرة :

ثم قال تعالى "وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك"

أي قد لبثت في قومك يا محمد من قبل أن تأتي بهذا القرآن عمرا لا تقرأ كتابا ولا تحسن الكتابة بل كل أحد من قومك وغيرهم يعرف أنك رجل أمي لا تقرأ ولا تكتب وهكذا صفته في الكتب المتقدمة

كما قال تعالى "الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر" الآية وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائما إلى يوم الدين لا يحسن الكتابة

ولا يخط سطرا ولا حرفا بيده بل كان له كُتّاب يكتبون بين يده الوحي والرسائل إلى الأقاليم . .

. قال الله تعالى "وما كنت تتلو" أي تقرأ "من قبله من كتاب" لتأكيد النفي "ولا تخطه بيمينك" تأكيد أيضا ..

وقوله تعالى "إذا لارتاب المبطلون" أي لو كنت تحسنها لارتاب بعض الجهلة من الناس

فيقول إنما تعلم هذا من كتب قبله مأثورة عن الأنبياء مع أنهم قالوا ذلك مع علمهم بأنه أمي لا يحسن الكتابة "وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا".

وقال عزّ وجلّ :

( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ(2) الجمعة

قال القرطبي رحمه الله في تفسير هذه الآية :

قيل: الأميون الذين لا يكتبون . وكذلك كانت قريش . وروى منصور عن إبراهيم قال: الأمي الذي يقرأ ولا يكتب . "رسولا منهم" يعني محمدا صلى الله عليه وسلم

.. وكان أميا لم يقرأ من كتاب ولم يتعلم صلى الله عليه وسلم. قال الماوردي: فإن قيل ما وجه الامتنان في أن بعث نبيا أميا ؟

فالجواب عنه من ثلاثة أوجه :

أحدها: لموافقته ما تقدمت به بشارة الأنبياء .

الثاني: لمشاكلة حاله لأحوالهم فيكون أقرب إلى موافقتهم

. الثالث: لينتفي عنه سوء الظن في تعليمه ما دعا إليه من الكتب التي قرأها والحكم التي تلاها . قلت: وهذا كله دليل معجزته وصدق نبوته .

انتهى ملخصا من تفسير القرطبي رحمه الله

الشيخ محمد صالح المنجد

*عبدالرحمن*
2019-02-20, 16:44
ما هو اللوح المحفوظ وما معناه

السؤال

نرجو شرحاً مفصلاً مصحوباً بتفسير العلماء العظام مثل ابن كثير أو الطبري أو غيرهما لقول الله عز وجل : (في لوح محفوظ) سورة البروج آية 22 .

الجواب

الحمد لله

1. قال ابن منظور :

اللوح : كل صفيحة عريضة من صفائح الخشب .

وقال الأزهري : اللوح صفيحة من صفائح الخشب والكتف إذا كتب عليها سميت لوحا .

واللوح الذي يكتب فيه .

و اللوح : اللوح المحفوظ ، وفي التنزيل في لوحٍ محفوظٍ يعني : مستودعٌ مشيئات الله تعالى .

وكل عظم عريض : لوح .

والجمع منها : ألواح .

وألاويح : جمع الجمع . " لسان العرب " ( 2 / 584 ) .

2. قال ابن كثير رحمه الله :

في لوح محفوظ أي : هو في الملإ الأعلى محفوظ من الزيادة والنقص والتحريف والتبديل . " تفسير ابن كثير " ( 4 / 497 ، 498 ) .

3. وقال ابن القيم رحمه الله :

وقوله محفوظ : أكثر القراء على الجر صفة للوح ، وفيه إشارة إلى أن الشياطين لا يمكنهم التنزّل به لأن محله محفوظ أن يصلوا إليه ، وهو في نفسه محفوظ أن يقْدِر الشيطان على الزيادة فيه والنقصان .

فوصفه سبحانه بأنه محفوظ في قوله إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ، ووصف محله بالحفظ في هذه السورة .

فالله سبحانه حفظ محله ، وحفظه من الزيادة والنقصان والتبديل ، وحفظ معانيه من التحريف كما حفظ ألفاظه من التبديل ، وأقام له مَن يحفظ حروفه مِن الزيادة والنقصان ، ومعانيه مِن التحريف والتغيير .

" التبيان في أقسام القرآن " ( ص 62 ) .

4. أما ما جاء في بعض كتب التفسير ، أن اللوح المحفوظ في جبهة " إسرافيل " ، أو أنه مخلوق من زبرجدة خضراء ، وغير ذلك فهو مما لم يثبت ، وهو من الغيب الذي لا يقبل إلا ممن أوحي إليه منه بشيء .

والله تعالى أعلم .

الشيخ محمد صالح المنجد

*عبدالرحمن*
2019-02-20, 16:51
هل ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب كتابا بيده ؟

السؤال

كان النبي صلى الله عليه وسلم أمياً لا يكتب ، ولذلك كان له خاتم يلبسه ويختم به مراسلاته ، ولكن كيف يمكن التوفيق بين ذلك وبين ما جاء في صحيح البخاري عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (رضي الله عنه) أنه قال

: " يوم الخميس ، وما يوم الخميس ، ثم بكى حتى خضب دمعه الحصباء ، فقال : اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه يوم الخميس فقال : ( ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا ) ، فتنازعوا

ولا ينبغي عند نبي تنازع ، فقالوا : هجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : ( دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه ) ، وأوصى عند موته بثلاث أخرجوا المشركين من جزيرة العرب

وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم ، ونسيت الثالثة " قال يعقوب بن محمد : سألت المغيرة بن عبد الرحمن ، عن جزيرة العرب ، فقال : " مكة والمدينة واليمامة واليمن "

وقال يعقوب ، والعرج : أول تهامة" (4.228) ، وكتابة الرسول صلى الله عليه وسلم لعقد زواجه على عائشة رضي الله عنها (صحيح البخاري 7.88) ؟

الجواب

الحمد لله

أولا :

اتخاذ النبي صلى الله عليه وسلم الخاتم ليس لأنه أمي لا يكتب

ولكن ليختم كتبه ورسائله التي كان يرسل بها إلى ملوك الأرض ، وقد كانت عادتهم في ذلك الوقت أن لا يقبلوا كتابا إلا مختوما من صاحبه .

روى البخاري (2938) عن أنس رضي الله عنه قال

: " لَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى الرُّومِ ، قِيلَ لَهُ : إِنَّهُمْ لاَ يَقْرَءُونَ كِتَابًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَخْتُومًا، فَاتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ، وَنَقَشَ فِيهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ " .

ثانيا :

كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم رسولا أميا ، لا يقرأ ولا يكتب

كما وصفه ربه عز وجل بقوله : ( فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) الأعراف/ 158.

وقال تعالى : (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ) العنكبوت/ 48 .

فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ كتابا أو يكتب شيئا قبل نزول الوحي .

وقد اختلف أهل العلم : هل تعلم النبي صلى الله عليه وسلم القراءة والكتابة بعد نزول الوحي أم لا ؟

فذهبت طائفة من أهل العلم إلى أنه كتب صلى الله عليه وسلم

يوم الحديبية وغيره

فقد روى البخاري (4251) في خبر الحديبية : (... فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الكِتَابَ، وَلَيْسَ يُحْسِنُ يَكْتُبُ ، فَكَتَبَ: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ... ) .

وكذلك الحديث الذي رواه البخاري (3053) ، ومسلم (1637) وهو الحديث الذي ذكره السائل في سؤاله .

وأكثر العلماء على أنه صلى الله عليه وسلم ما قرأ ولا كتب شيئا حتى مات .

قال ابن كثير رحمه الله :

" وَهَكَذَا كَانَ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ دَائِمًا أَبَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، لَا يُحْسِنُ الْكِتَابَةَ وَلَا يَخُطُّ سَطْرًا وَلَا حَرْفًا بِيَدِهِ ، بَلْ كَانَ لَهُ كُتَّابٌ يَكْتُبُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ الْوَحْيَ وَالرَّسَائِلَ إِلَى الْأَقَالِيمِ

وَمَنْ زَعَمَ مِنْ مُتَأَخَّرِي الْفُقَهَاءِ ، كَالْقَاضِي أَبِي الْوَلِيدِ الْبَاجِيِّ وَمَنْ تَابَعَهُ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، كَتَبَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ : "هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ"

فَإِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ رِوَايَةٌ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: (ثُمَّ أَخَذَ فَكَتَبَ): وَهَذِهِ مَحْمُولَةٌ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى:

( ثُمَّ أَمَرَ فَكَتَبَ) ، وَلِهَذَا اشْتَدَّ النَّكِيرُ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْمَغْرِبِ وَالْمَشْرِقِ على من قال بقول الباجي، وتبرؤوا مِنْهُ ، وَأَنْشَدُوا فِي ذَلِكَ أَقْوَالًا وَخَطَبُوا بِهِ فِي مَحَافِلِهِمْ : وَإِنَّمَا أَرَادَ الرَّجُلُ -أَعْنِي الْبَاجِيَّ،

فِيمَا يَظْهَرُ عَنْهُ -أَنَّهُ كَتَبَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْمُعْجِزَةِ ، لَا أَنَّهُ كَانَ يُحْسِنُ الْكِتَابَةَ ، وَمَا أَوْرَدَهُ بَعْضُهُمْ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ حَتَّى تَعَلَّمَ الْكِتَابَةَ ، فَضَعِيفٌ لَا أَصْلَ لَهُ " .

انتهى من "تفسير ابن كثير" (6/ 285-286) .

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله :

" وَقَدْ تَمَسَّكَ بِظَاهِرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ - يعني رواية يوم الحديبية -

أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ فَادَّعَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ بِيَدِهِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ يُحْسِنُ يَكْتُبُ ، فَشَنَّعَ عَلَيْهِ عُلَمَاءُ الْأَنْدَلُسِ فِي زَمَانِهِ وَأَنَّ الَّذِي قَالَه مُخَالف الْقُرْآنَ ..

. وَذكر ابن دِحْيَةَ أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْعُلَمَاءِ وَافَقُوا الْبَاجِيَّ فِي ذَلِكَ

وَاحْتج بَعضهم لذَلِك بأحاديث ، وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ عنها بضعفها، وَعَنْ قِصَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ بِأَنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ وَالْكَاتِبُ فِيهَا عَلِيٌّ ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي حَدِيثِ الْمِسْوَرِ بِأَنَّ عَلِيًّا هُوَ الَّذِي كَتَبَ ، فمعنى (كتب) أي : ( أَمَرَ بِالْكِتَابَةِ ) ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ " .

انتهى باختصار من "فتح الباري" (7/ 503-504) .

فالراجح - والله أعلم - أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكتب ولم يقرأ حتى مات ، وما ورد من كونه كتب - كما في حديث الحديبية - ، فإنما معناه : أمر عليا رضي الله عنه أن يكتب .

وعلى ذلك فقوله في حديث ابن عباس : ( ائْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا) إنما يعني :

آمر من يكتب لكم ، لا أنه صلى الله عليه وسلم كان سيكتب بنفسه ، وخاصة أنه في مرض الموت ، وقد أصابه من التعب والضعف ما أصابه

فالمناسب - ولو كان يحسن الكتابة - أن يأمر أحدا ممن بحضرته أن يكتب .

ثالثا :

قول السائل :

" وكتابة الرسول صلى الله عليه وسلم لعقد زواجه على عائشة رضي الله عنها " غير صحيح ؛ فلم تكن العقود تكتب وتوثق في زمن النبي صلى الله عليه وسلم .

وكتابة عقد النكاح وتوثيقه إنما يقصد به ضمان الحقوق ، وليست كتابة العقد ركنا من أركان النكاح أو شرطا في صحته .

والله أعلم

الشيخ محمد صالح المنجد .

*عبدالرحمن*
2019-02-20, 16:59
ما هي العزى التي كان المشركون يعبدونها من دون الله ؟

السؤال

هل كانت العزى التي هدمها خالد بن الوليد حجرًا مصورًا ؟

أم امرأة ؟

أم امرأة داخل حجر؟

الجواب

الحمد لله

كانت العرب قد اتخذت طواغيت يعبدونها من دون الله ، وكان من أشهرها : اللات والعزى ومناة ، قال الله تعالى : ( أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى ) النجم/ 19 -20 .

قال الطبري رحمه الله :

" وأما العُزَّى : فإن أهل التأويل اختلفوا فيها ، فقال بعضهم : كانت شجرات يعبدونها .

وهو قول مجاهد .

وقال آخرون : كانت العُزَّى حَجَرا أبيض ، وهو قول سعيد بن جبير .

وقال آخرون : كان بيتا بالطائف تعبده ثقيف ، وهو قول ابن زيد .

وقال آخرون : بل كانت ببطن نَخْلة "

انتهى بمعناه من " تفسير الطبري " (22/524) .

وقال الثعلبي في " تفسيره " (9/145) :

" وَالْعُزَّى اختلفوا فيها : فقال مجاهد : هي شجرة لغطفان يعبدونها ، وهي التي بعث إليها رسول الله خالد بن الوليد فقطعها ، وجعل خالد يضربها بالفأس ويقول :

يَا عُزَّ كُفْرَانَكِ لاَ سُبْحَانَك ... إنِّي رَأَيْتُ اللَّهَ قَدْ أَهَانَكَ

فخرجت منها شيطانة ، ناشرة شعرها داعية ويلها ، واضعة يدها على رأسها .

وقال الضحاك : وهي صنم لغطفان وضعها لهم سعد بن ظالم الغطفاني .

وقال ابن زيد : هي بيت بالطائف كانت تعبده ثقيف " انتهى مختصرا .

وقال ياقوت الحموي رحمه الله :

" العزّى: سَمُرَة ( أي : شجرة ) كانت لغطفان يعبدونها وكانوا بنوا عليها بيتا وأقاموا لها سدنة ، فبعث النبي صلّى الله عليه وسلّم خالد بن الوليد إليها فهدم البيت وأحرق السّمرة .

والعزّى تأنيث الأعزّ مثل الكبرى تأنيث الأكبر ، والأعزّ بمعنى العزيز والعزى بمعنى العزيزة

وقال ابن حبيب : العزى شجرة كانت بنخلة عندها وثن تعبده غطفان وسدنتها من بني صرمة بن مرّة

قال أبو منذر بعد ذكر مناة واللّات : ثم اتخذوا العزّى وهي أحدث من اللات ومناة ، وذلك أني سمعت العرب سمّت بها عبد العزّى

وكان الذي اتخذ العزّى ظالم بن أسعد ، وكانت بواد من نخلة الشامية ، فبني عليها بيتا

وكانوا يسمعون فيه الصوت ، وكانت العرب وقريش تسمّي بها عبد العزّى ، وكانت أعظم الأصنام عند قريش ، وكانوا يزورونها ويهدون لها ويتقرّبون عندها بالذبائح

انتهى من " معجم البلدان " (4/116-117) .

والراجح أن العزى كانت بيتا بنخلة يعبدونه ويعظمونه كما يعظمون الكعبة ، على ثلاث شجرات مقدسة عندهم ، فيها شيطانة ، فيعبدون البيت ويطوفون به ، وتكلمهم هذه الشيطانة من داخله

فتزيدهم غيا إلى غيهم ، وضلالا إلى ضلالهم ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد رضي الله عنه ، فهدم البيت ، وقطع الشجرات ، وقتل الشيطانة - وهي التي كانوا يعبدونها في الحقيقة من دون الله -
.
روى النسائي (11483) عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ

قَالَ: لَمَّا فَتْحَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى نَخْلَةٍ ، وَكَانَتْ بِهَا الْعُزَّى ، فَأَتَاهَا خَالِدٌ , وَكَانَتْ عَلَى ثَلَاثِ سَمُرَاتٍ ، فَقَطَعَ السَّمُرَاتِ ، وَهَدَمَ الْبَيْتَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهَا

ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ ، فَقَالَ : ( ارْجِعْ فَإِنَّكَ لَمْ تَصْنَعْ شَيْئًا ) , فَرَجَعَ خَالِدٌ ، فَلَمَّا بَصُرَتْ بِهِ السَّدَنَةُ وَهُمْ حَجَبَتُهَا ، أَمْعَنُوا فِي الْجَبَلِ , وَهُمْ يَقُولُونَ : يَا عُزَّى يَا عُزَّى ، فَأَتَاهَا خَالِدٌ , فَإِذَا امْرَأَةٌ عُرْيَانَةٌ

, نَاشِرَةٌ شَعْرَهَا , تَحْتَفِنُ التُّرَابَ عَلَى رَأْسِهَا ، فَعَمَّمَهَا بِالسَّيْفِ حَتَّى قَتَلَهَا ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ , فَقَالَ : ( تِلْكَ الْعُزَّى )

وهذا إسناد حسن ، وحسنه الشيخ مقبل الوادعي في " الصحيح المسند " (533) .

وقال ابن كثير رحمه الله :

" قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ : " وَقَدْ كَانَتِ الْعَرَبُ اتَّخَذَتْ مَعَ الْكَعْبَةِ طَوَاغِيتَ وَهِيَ بُيُوتٌ تُعَظِّمُهَا كَتَعْظِيمِ الْكَعْبَةِ

بِهَا سَدَنَةٌ وَحُجَّابٌ وَتُهْدِي لَهَا كَمَا يُهْدَى للكعبة، وتطوف بها كطوافها بِهَا، وَتَنْحَرُ عِنْدَهَا

وَهِيَ تَعْرِفُ فَضْلَ الْكَعْبَةِ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا كَانَتْ قَدْ عَرَفَتْ أَنَّهَا بَيْتُ إبراهيم عليه السلام ومسجده : فكانت لقريش ولبني كِنَانَةَ الْعُزَّى بِنَخْلَةَ، وَكَانَتْ سَدَنَتُهَا وَحُجَّابُهَا بَنِي شَيْبَانَ مِنْ سُلَيْمٍ ، حُلَفَاءَ بَنِي هَاشِمٍ .

قُلْتُ ( ابن كثير ) : بَعَثَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ ، فَهَدَمَهَا وَجَعَلَ يَقُولُ :
يا عزّى كُفْرَانَكِ لَا سُبْحَانَكِ ... إِنِّي رَأَيْتُ اللَّهَ قَدْ أَهَانَكِ "

انتهى من " تفسير ابن كثير " (7/ 423) .

وقال الفيروزآبادي رحمه الله :

" العزى : صَنَمٌ ، أو سَمُرَةٌ عَبَدَتْهَا غَطفَانُ ، أولُ منِ اتَّخَذَهَا ظَالِمُ بنُ أسْعَدَ ، فَوْقَ ذاتِ عِرْقٍ إلى البُسْتَانِ بِتِسْعَةِ أميالٍ ، بنَى عليها بَيْتاً ، وسَمَّاهُ بُسّاً . وكانوا يَسْمَعونَ فيها الصَّوْتَ

فَبَعَثَ إليها رسولُ الله ، صلى الله عليه وسلم ، خالِدَ بنَ الوَليدِ ، فَهَدَمَ البيتَ ، وأحْرَقَ السَّمُرَةَ "

انتهى من " القاموس المحيط " (ص/517) .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-20, 17:05
هل ذكرت الثقوب السوداء في قول الله تعالى ( فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس ) ؟

السؤال

ندرس حالياً في مادة العلوم عن الثقوب السوداء ( في الفضاء )، فهل يوجد لهذه الثقوب أي ذكر أو معلومات عنها في القرآن أو في السنة .

فأنا أريد أن أشارك هذه المعلومات مع الطلاب في صفي ؟

الجواب

الحمد لله

أولا :

من الضروري في هذا الإطار التنبيه على أن القرآن الكريم نزل كتاب هداية للبشرية ، يدلهم على طريق الصلاح

ويحذرهم من الفساد والغواية ، ويدعوهم إلى كل خير ، وينهاهم عن كل شر

ولذلك فإن الإشارات الكونية في آيات القرآن الكريم لم تسق ليكون كتاب معلومات فضائية أو كونية ، وإنما سيقت لغرض الدلالة على الغاية الأولى ، وهي الهداية

فلا ينبغي للمسلم أن ينسى المقصد ، ويركز على الوسيلة ، فيظن أن هذا الكتاب العظيم إنما نزل وصفا دقيقا لمظاهر الكون وأجرام السماء

وهذا ظن خاطئ أوقع كثيرا من الناس في المبالغة ، وجر إلى كثير من الجدال العقيم الذي سببه التكلف والتنطع في فهم آيات الله سبحانه .

ثانيا :

ومع ذلك ، نحن لا نرى أنه يجوز لأحد أن ينفي اشتمال القرآن الكريم على أوصاف دقيقة لمظاهر الكون وآيات السماء ، بل فيه من ذلك الكثير الطيب

الذي يبهر العقول ، ويحير الألباب ، ولا يزال يتكشف للناس منه ما يدل على أنه كلام العليم الخبير

الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، وأن مثل هذا الكلام ، لا يقدر على أن يأتي به أحد من البشر ، كائنا من كان .

ولكن يبقى السؤال عن مدى انطباق الآية ، أو النص القرآني ، مع اسم محدد من تلك المظاهر ، كالثقوب السوداء مثلا ، ومن الذي يملك حق الجزم بأن دلالة الآية تنطبق عليها .

ثالثا :

وهنا نقول : إن الآية التي يشير إليها كثير من الباحثين المعاصرين أن المقصود بها " الثقوب السوداء "

هي قول الله عز وجل : ( فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ . الْجَوَارِ الْكُنَّسِ ) التكوير/15-16

فقد ذهب جمهور المفسرين من السلف وأصحاب المصنفات إلى أن المقصود بها ( النجوم ) ، وأن المقصود بالخنس والكنس : هو ظهورها بالليل ، وغيابها بالنهار .

فقد روى ذلك الإمام الطبري عن علي بن أبي طالب ، والحسن ، وقتادة

ومجاهد ، وبكر بن زيد ، كما في " جامع البيان " (24/251-252) على اختلاف طويل في شأن الخنس والكنس ، وهل بينهما فرق ، أم هما مترادفان ، يدلان على شيء واحد ، مع اختلاف وصفه فقط .

وذكر أقوالا أخرى عن مدرسة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، يقول فيها إن المقصود : بقر الوحش ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما تفسيرها بالظباء .

ثم قال الطبري رحمه الله :

" أولى الأقوال في ذلك بالصواب : أن يقال : إن الله تعالى أقسم بأشياء تخنس أحيانا

: أي تغيب وتجري أحيانا ، وتكنس أخرى ، وكنوسها : أن تأوي في مكانسها ، والمكانس عند العرب : هي المواضع التي تأوي إليها بقر الوحش والظباء ، واحدها : مَكْنِس وكِناس .

فالكناس في كلام العرب ما وصفت ، وغير مُنكر أن يستعار ذلك في المواضع التي تكون بها النجوم من السماء ، فإذا كان ذلك كذلك ، ولم يكن في الآية دلالة على أن المراد بذلك النجوم دون البقر

ولا البقر دون الظباء ، فالصواب : أن يُعَمّ بذلك كلّ ما كانت صفته الخنوس أحيانا والجري أخرى ، والكنوس بآنات ، على ما وصف جلّ ثناؤه من صفتها "

انتهى من " جامع البيان " (24/254) .

رابعا :

أخذ بعض الباحثين المعاصرين بالقول الأول ، وأن المراد بالآية وصف النجوم التي تسير في هذا الكون الفسيح

لكن قالوا : إن وصفها بأنها خنس ، وجوار كنس ، ينطبق ، أكثر ما ينطبق ، على نوع خاص من هذه النجوم ، تسمى " الثقوب السوداء " .

قالوا :

" سميت بالثقوب لقدرتها الفائقة على ابتلاع كل ما تمر به ، أو يدخل في نطاق جاذبيتها ، من مختلف صور المادة والطاقة ، من مثل الغبار الكوني ، والغازات

والأجرام السماوية المختلفة .‏ ووصفت بالسواد لأنها معتمة تماما ، لعدم قدرة الضوء علي الإفلات من مجال جاذبيتها ، على الرغم من سرعته الفائقة المقدرة بحوالي الثلاثمائة ألف كيلو متر في الثانية ‏(299792,458‏ كم‏/‏ ث‏)‏

وقد اعتبرت الثقوب السود مرحلة الشيخوخة في حياة النجوم ، وهي المرحلة التي قد تسبق انفجارها وعودة مادتها إلى دخان السدم ، دون أن يستطيع العلماء حتى هذه اللحظة معرفة كيفية حدوث ذلك‏ "

انتهى من مقال للدكتور زغلول النجار .

ونحن لا نرى مانعا من أن يكون ذلك القول محتملا ، وأن يكون الآية تدل عليه ، إما على وجه العموم لها ولغيرها ، مما يصح أن ينطبق عليه هذا الوصف ، كما هي طريقة الإمام الطبري السابق ذكرها

وأصله في الآية ، وهو جار على مذهب من يصحح دلالة المشترك على أكثر من معنى في السياق الواحد ، وهو اختيار الشافعي وغيره من الأصوليين .

وإما على أن يكون المراد من هذا اللفظ العام : بعض أفراده ، كما هي طريقة من يرى أن الآية تدل على شيء واحد من الأقوال السابقة

والباحثون في إعجاز القرآن ، لم يخرجوا هنا عن ذلك الأصل ، ولم يأتوا بقول جديد كل الجدة ، بل ذهبوا إلى أن المراد بهذا اللفظ العام : بعض أفراده فقط ، وليس كل ما ينطبق عليه هذا الوصف .

ثم أضافوا فردا جديدا ، ليس بخارج ، كلية ، عن الأقوال السابقة .

ثم إن هذا القول ، لم يخرج أيضا عن مقتضى لغة العرب في معنى " الخنس" و" الكنس " ، كما سبق ذكره ، وإن كان قد أضاف تحديدا جديدا

أو دلل على دخول " فرد " جديد ، في ضمن " أفراد " اللفظ " العام " : الخنس ، والكنس .

يقول ابن فارس رحمه الله :

" ( كنس ) الكاف والنون والسين أصلان صحيحان :

أحدهما : يدل على سفر شيء عن وجه شيء ، وهو كشفه .

والأصل الآخر : يدل على استخفاء .

فالأول : كَنس البيت ، وهو سفر التراب عن وجه أرضه . والمِكنسة : آلة الكنس . والكُناسة : ما يكنس
.
والأصل الآخر : الكناس : بيت الظبي . والكانس : الظبي يدخل كناسه . والكنس : الكواكب تكنس في بروجها كما تدخل الظباء في كناسها . قال أبو عبيدة : تكنس في المغيب "

انتهى من " معجم مقاييس اللغة " (5/141) .

فقالوا : يمكن تفسير ( الكُنَّس ) على أنها جمع ( كانس ) على صيغة المبالغة ، بمعنى كأنها آلة للكنس ، تسفر وتزيل الشيء عن وجه شيء آخر وتكشفه .

وهذا كله على فرض ثبوت وجود هذا النوع من النجوم ( الثقوب السوداء )، وإلا فدلالة الآية لا تتوقف على نتائج العلوم الكونية وعلوم الفضاء

بل هي دلالة كاملة واضحة بحمد الله ، كما ثبت نقله عن أئمة التفسير

ولو ثبتت يقينا حقيقة تلك ( الثقوب السوداء ) فغايتها أنها تفصيل لأنواع النجوم التي تنطبق عليها الآية الكريمة ، أو ذكر لقول محتمل ، ليس من الصواب في شيء : القطع بأنه الآية تدل عليه ، ولا تدل على شيء سواه .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-20, 17:08
من المراد بـ " عبده " في قوله تعالى : ( أليس الله بكاف عبده ) ؟

السؤال

هل نزلت الآية ( أليس الله بكاف عبده ) في أحد ؟

الجواب

الحمد لله

قال تعالى : ( أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ) الزمر : 36 .

قال السعدي رحمه الله :

" أي : أليس من كرمه وجوده ، وعنايته بعبده ، الذي قام بعبوديته ، وامتثل أمره واجتنب نهيه

خصوصا أكمل الخلق عبودية لربه ، وهو محمد صلى الله عليه وسلم ، فإن الله تعالى سيكفيه في أمر دينه ودنياه ، ويدفع عنه من ناوأه بسوء "

انتهى من " تفسير السعدي " (ص/725) .

وقال الشوكاني رحمه الله :

" قَرَأَ الْجُمْهُورُ (عَبْدَهُ) بِالْإِفْرَادِ . وَقَرَأَ حَمْزَةُ ، وَالْكِسَائِيُّ (عِبَادَهُ) بِالْجَمْعِ

فَعَلَى الْقِرَاءَةِ الْأُولَى : الْمُرَادُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ ، أَوِ الْجِنْسُ ، وَيَدْخُلُ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وَسَلَّمَ دُخُولًا أَوَّلِيًّا ، وَعَلَى الْقِرَاءَةِ الْأُخْرَى ، الْمُرَادُ : الْأَنْبِيَاءُ ، أَوِ الْمُؤْمِنُونَ ، أَوِ الْجَمِيعُ "

انتهى من " فتح القدير " (4/533)

وينظر : تفسير الطبري (20/209) .

فالمقصود بالآية على قول الجمهور هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم كل من اقتفى أثره وعمل بسنته واهتدى بهديه .

وقد قال السيوطي رحمه الله في سبب نزولها :

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة قال : قال لي رجل : قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : لتكفن عن شتم آلهتنا ، أو لنأمرنها ، فلتخبلنك ؟!

فَنزلت : ( ويخوفونك بالذين من دونه ) "

انتهى من " الدر المنثور " (7/229) .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-20, 17:13
ما المقصود بالقُشعريرة في قوله تعالى : ( اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ) ؟

السؤال

قال تعالى : ( الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد ) ، فما هي القشعريرة ؟

هل هي انتفاضه الجسم من الخشية ؟

ومن لم تحدث له هذه الحالة هل يُعتبر ممن لا يخشون الله ؟

الجواب

الحمد لله

أولا :

وصف الله تعالى عباده المؤمنين عند ذكر الله وتلاوة القرآن بأنهم تقشعر جلودهم ، وتوجل قلوبهم ، وتبكي أعينهم من خشية الله .

قال الله عز وجل : ( اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ) الزمر/ 23 .

والاقشعرار : انتفاض شعر الجلد وقيامه من الخوف والفزع ، فيرتعد الجسد من الخوف رِعدة وانتفاضة يسيرة لا تخرج عن حد الاعتدال .

تقول العرب : اقْشَعَرّ جِلْدُهُ اقْشِعْراراً ، فَهُوَ مُقْشَعِرٌّ : أَخَذَتْه قُشَعْرِيرَةٌ ، أَي رِعْدَة .

" تاج العروس " (13/420) .

وقال ابن القطاع الصقلي رحمه الله :

" اقشَعّر" تغير الجلد من فزع "

انتهى من " كتاب الأفعال " (3/71) .

وقال أبو محمد السرقسطي رحمه الله :

" وَالِاقْشِعْرَارُ مِنَ الْقُشَعْرِيرَةِ ، وَهُوَ انْتِفَاشُ الشَّعْرِ وَقِيَامُهُ "

انتهى من " الدلائل في غريب الحديث " (2/562) .

وقال ابن منظور رحمه الله : " القُشَعْرِيرة : الرِّعْدَة "

انتهى من " لسان العرب " (5/95) .

وجاء في " الموسوعة الفقهية " (21/253-354) :

" ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى حَال الْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ الذِّكْرِ ، فَنَعَتَهُمْ تَارَةً بِالْوَجَل

كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى : ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ) ، وَبِالْخُشُوعِ

كَمَا قَال تَعَالَى : ( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَل مِنَ الْحَقِّ وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْل فَطَال عَلَيْهِمُ الأْمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ) ، وَنَعَتَهُمْ تَارَةً أُخْرَى بِالطُّمَأْنِينَةِ عِنْدَ الذِّكْرِ

كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى : ( الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) .

وَجَمَعَ بَيْنَ الأْمْرَيْنِ فِي قَوْله تَعَالَى : ( اللَّهُ نَزَّل أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمِنْ يُضْلِل اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ) .

فَأَمَّا الْوَجَل : فَهُوَ الْخَوْفُ وَالْخَشْيَةُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِمَا يَقُومُ بِالْقَلْبِ مِنَ الرَّهْبَةِ عِنْدَ ذِكْرِ عَظَمَتِهِ وَجَلاَلِهِ وَنَظَرِهِ إِلَى الْقُلُوبِ وَالأْعْمَال ، وَذِكْرِ أَمْرِ الآْخِرَةِ وَمَا فِيهَا مِنَ الْحِسَابِ وَالْعِقَابِ ، فَيَقْشَعِرُّ الْجَلْدُ بِسَبَبِ الْخَوْفِ الآْخِذِ بِمَجَامِعِ الْقُلُوبِ

وَخَاصَّةً عِنْدَ تَذَكُّرِهِمْ مَا وَقَعُوا فِيهِ مِنَ الْمَعْصِيَةِ وَالتَّفْرِيطِ فِي جَنْبِ اللَّهِ .

وَأَمَّا الطُّمَأْنِينَةُ فَهِيَ مَا يَحْصُل مِنْ لِينِ الْقَلْبِ وَرِقَّتِهِ وَسُكُونِهِ

وَذَلِكَ إِذَا سَمِعُوا مَا أُعِدَّ لِلْمُتَّقِينَ مِنْ جَزِيل الثَّوَابِ ، وَذَكَرُوا رَحْمَتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ وَصِدْقَ وَعْدِهِ لِمَنْ فَعَل الطَّاعَاتِ وَاسْتَقَامَ عَلَى شَرْعِ اللَّهِ تَعَالَى . وَقَدْ يَصْحَبُ الْخَشْيَةَ الْبُكَاءُ وَفَيْضُ الدَّمْعِ " انتهى .

ثانيا :

أما ما يحدثه أهل البدعة من الصياح والصراخ والشهيق والاضطراب الشديد : فمن عمل الشيطان .

قال ابن كثير رحمه الله :

" قَوْلُهُ : ( تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ) أَيْ هَذِهِ صِفَةُ الْأَبْرَارِ ، عِنْدَ سَمَاعِ كَلَامِ الْجَبَّارِ ، الْمُهَيْمِنِ الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ، لِمَا يَفْهَمُونَ مِنْهُ مِنَ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ .

وَالتَّخْوِيفِ وَالتَّهْدِيدِ ، تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُهُمْ مِنَ الْخَشْيَةِ وَالْخَوْفِ ، ( ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ) لِمَا يَرْجُونَ ويُؤمِّلون مِنْ رَحْمَتِهِ وَلُطْفِهِ، فَهُمْ مُخَالِفُونَ لِغَيْرِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ مِنْ وُجُوهٍ :

أَحَدُهَا : أَنَّ سَمَاعَ هَؤُلَاءِ هُوَ تِلَاوَةُ الْآيَاتِ ، وَسَمَاعُ أُولَئِكَ نَغَمات لِأَبْيَاتٍ ، مِنْ أَصْوَاتِ القَيْنات .

الثَّانِي : أَنَّهُمْ إِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيَّا ، بِأَدَبٍ وَخَشْيَةٍ ، وَرَجَاءٍ وَمَحَبَّةٍ ، وَفَهْمٍ وَعِلْمٍ .

الثَّالِثُ : أَنَّهُمْ يَلْزَمُونَ الْأَدَبَ عِنْدَ سَمَاعِهَا ، كَمَا كَانَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عِنْدَ سَمَاعِهِمْ كَلَامَ اللَّهِ مِنْ تِلَاوَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَقْشَعِرُّ جُلُودُهُمْ

ثُمَّ تَلِينُ مَعَ قُلُوبِهِمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ . لَمْ يَكُونُوا يتصارخُون وَلَا يَتَكَلَّفُونَ مَا لَيْسَ فِيهِمْ ، بَلْ عِنْدَهُمْ مِنَ الثَّبَاتِ وَالسُّكُونِ وَالْأَدَبِ وَالْخَشْيَةِ مَا لَا يَلْحَقُهُمْ أَحَدٌ فِي ذَلِكَ ؛ وَلِهَذَا فَازُوا بالقِدح المُعَلّى فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ .

قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : حَدَّثَنَا مَعْمَر قَالَ: تَلَا قَتَادَةُ، رَحِمَهُ اللَّهُ: ( تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ) قَالَ: " هَذَا نَعْتُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ ، نَعَتَهُمُ اللَّهُ بِأَنْ تَقْشَعِرَّ جُلُودُهُمْ

وَتَبْكِيَ أَعْيُنُهُمْ ، وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ، وَلَمْ يَنْعَتْهُمْ بِذَهَابِ عُقُولِهِمْ وَالْغَشَيَانِ عَلَيْهِمْ ، إِنَّمَا هَذَا فِي أَهْلِ الْبِدَعِ ، وَهَذَا مِنَ الشَّيْطَانِ "

انتهى من " تفسير ابن كثير " (7/55-56)

وينظر : " تفسير القرطبي " (12/59) .

ثالثا :

إذا لم تحدث هذه القشعريرة عند تلاوة القرآن أو سماعه : فلا يعني ذلك بالضرورة أن التالي أو السامع ليس ممن يخشى الله ، إذا كان مستحضرا معاني القرآن

ولكن يكون حاله من الخشية أقل من حال المقشعر الوجل ، الذي ينفعل قلبه وجلده وعينه للذكر

كما أن البكاء من خشية الله ليس شرطا في حصول الخشية ، إلا أن حال الباكي أكمل .

فالذي ذكره الله من ذلك هو حال الكمال في الخشية ، ولا يعني نقص القشعريرة ، أو انتفاءها ، أن الخشية منتفية بالكلية ؛ بل قد يكون ذلك لنقصان حاله من الكمال والخشية ، وقد يكون ذلك في وقت دون .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

" مَا يحصل عِنْد الذّكر الْمَشْرُوع من الْبكاء ووجل الْقلب واقشعرار الجسوم : فَمن أفضل الْأَحْوَال الَّتِي نطق بهَا الْكتاب ... وَأما السّكُون ، قسوةً وجفاء : فَهَذَا مَذْمُوم "

انتهى من " مختصر الفتاوى المصرية " (ص/100) .

وينظر للفائدة إلى جواب السؤال القادم

والله أعلم .

و اخيرا

الحمد لله الذي بفضلة تتم الصالحات

اخوة الاسلام

اكتفي بهذا القدر و لنا عوده
ان قدر الله لنا البقاء و اللقاء

و اسال الله ان يجمعني بكم دائما
علي خير

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين

*عبدالرحمن*
2019-02-21, 17:14
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)
اخوة الاسلام

أحييكم بتحية الإسلام
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)


لا يخشع قلبه عند سماع القرآن ، ويتأثر عند سماع النشيد

السؤال

عندما أسمع القرآن أو أقرأه فإني لا أتأثر من سماعه ولا يتحرك قلبي ولا يخشع بينما أحياناً عندما أستمع إلى نشيد فإني أتأثر جداً فما هو الحل؟؟

الجواب

الحمد لله

القرآن هو خير الكلام وأنفعه ، وأكثره تأثيراً وإصلاحاً للنفس

قال الله تعالى : (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) الزمر/23

وقال تعالى : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) الأنفال/2 .

وكون المسلم لا يتأثر عند سماع القرآن أو قراءته ويتأثر عند سماع الأناشيد

هذا نذير خطر، وسؤالك يدل على أنك غير راضٍ عن هذه الحال فعليك أن تبادر بمعالجة الأمر قبل أن يشتد الخطر ، وعلاج ذلك يكون بما يلي :

1- الإكثار من قراءة القرآن الكريم ، فهجر القرآن قد يكون سبباً لحرمان الشخص من الانتفاع بالقرآن الكريم .

2- الاهتمام بمعرفة معاني القرآن الكريم ، ولو من تفسير مختصر ، كتفسير السعدي رحمه الله ، فقد يكون السبب لعدم الخشوع والتأثر عند القرآن الكريم هو عدم معرفة معناه
.
3- الإكثار من ذكر الله تعالى وطاعته ، فذلك سبب قوي من أسباب رقة القلب وإزالة القسوة عنه .

4- التوبة إلى الله من جميع المعاصي ، والاستقامة على أمر الله ، فقد يعاقب الإنسان على معصيته ، فيحرم من الخير ومن الخشوع ومن التدبر .

5- الإقلال من سماع الأناشيد أو عدم ذلك بالكلية ، حتى يصح القلب وتعود له الحياة والتأثر والانتفاع بكلام الله .
وإليك فتاوى لبعض العلماء في ذلك :

قال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله :

" أما ما تسمونه بالأناشيد الإسلامية : فقد أُعطي أكثر مما يستحق من الوقت ، والجهد ، والتنظيم ، حتى أصبح فنّاً من الفنون ، يحتل مكاناً من المناهج الدراسية

والنشاط المدرسي ، ويقوم أصحاب التسجيل بتسجيل كميات هائلة منه للبيع والتوزيع ، حتى ملأ غالب البيوت

وأقبل على استماعه كثير من الشباب والشابات ، حتى شغل كثيراً من وقتهم ، وأصبح استماعه يزاحم تسجيلات القرآن الكريم ، والسنَّة النبوية ، والمحاضرات ، والدروس العلميَّة المفيدة " انتهى.

"البيان لأخطاء بعض الكتاب" ( ص 342 ) .

وقال الشيخ ابن باز رحمه الله :

" أحسن ما يوصى به لعلاج القلب وقسوته العناية بالقرآن الكريم ، وتدبره والإكثار من تلاوته مع الإكثار من ذكر الله عز وجل ، فإن قراءة القرآن الكريم بالتدبر والإكثار من ذكر الله

وقول : سبحان الله والحمد الله ولا إله إلا الله والله أكبر ، وسبحان الله وبحمده ، سبحان الله العظيم

لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك ، وله الحمد ، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير ، كل هذه من أسباب إزالة القسوة " انتهى .

"مجموع فتاوى ابن باز" (24 /388)

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :

" أسباب قسوة القلب : الإعراض عن الله عز وجل والبعد عن تلاوة القرآن واشتغال الإنسان بالدنيا وأن تكون الدنيا أكبر همه ولا يهتم بأمور دينه ؛ لأن طاعة الله تعالى توجب لين القلب ورقته ورجوعه إلى الله تبارك وتعالى

ودواء ذلك بالإقبال على الله والإنابة إليه وكثرة ذكره وكثرة قراءة القرآن وكثرة الطاعات بحسب المستطاع " انتهى
.
"فتاوى نور على الدرب" - لابن عثيمين ( 12/171)

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-21, 17:19
هل أخذ الله الميثاق على الناس جميعا أول الخلق : أنه ربهم ؟

السؤال

هل خلق الله أرواح الآدميين كلها جميعاً ، ثم أخذ عليهم العهد بأنه ربهم في لحظة واحدة ؟

الجواب

الحمد لله

أولا :

قال الله تعالى :( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ *

أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ) الأعراف/ 172، 173 .

قال الشنقيطي رحمه الله :

" فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ وَجْهَانِ مِنَ التَّفْسِيرِ مَعْرُوفَانِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ :

أَحَدُهُمَا : أَنَّ مَعْنَى أَخْذِهِ ذُرِّيَّةَ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ : هُوَ إِيجَادُ قَرْنٍ مِنْهُمْ بَعْدَ قَرْنٍ

وَإِنْشَاءُ قَوْمٍ بَعْدَ آخَرِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى : (كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ)

وَقَالَ: (هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ) ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ

وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَمَعْنَى قَوْلِهِ: ( وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى )

: أَنَّ إِشْهَادَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا هُوَ بِمَا نُصِبَ لَهُمْ مِنَ الْأَدِلَّةِ الْقَاطِعَةِ بِأَنَّهُ رَبُّهُمُ الْمُسْتَحِقُّ مِنْهُمْ لِأَنْ يَعْبُدُوهُ وَحْدَهُ ، وَعَلَيْهِ فَمَعْنَى (قَالُوا بَلَى) أَيْ: قَالُوا ذَلِكَ بِلِسَانِ حَالِهِمْ لِظُهُورِ الْأَدِلَّةِ عَلَيْهِ .

الْوَجْه الْآخَر فِي مَعْنَى الْآيَةِ : أَنَّ اللَّهَ أَخْرَجَ جَمِيعَ ذُرِّيَّةِ آدَمَ مِنْ ظُهُورِ الْآبَاءِ فِي صُورَةِ الذَّرِّ

وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِلِسَانِ الْمَقَالِ : (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى) ثُمَّ أَرْسَلَ بَعْدَ ذَلِكَ الرُّسُلَ مُذَكِّرَةً بِذَلِكَ الْمِيثَاقِ الَّذِي نَسِيَهُ الْكُلُّ وَلَمْ يُولَدْ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَهُوَ ذَاكِرٌ لَهُ، وَإِخْبَارُ الرُّسُلِ بِهِ يَحْصُلُ بِهِ الْيَقِينُ بِوُجُودِهِ .

وهَذَا الْوَجْهُ الْأَخِيرُ يَدُلُّ لَهُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ "

انتهى من " أضواء البيان " (2/ 42-43) .

وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله :

" يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ اسْتَخْرَجَ ذُرِّيَّةَ بَنِي آدَمَ مِنْ أَصْلَابِهِمْ ، شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّ اللَّهَ رَبُّهُمْ وَمَلِيكُهُمْ ، وَأَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، كَمَا أَنَّهُ تَعَالَى فَطَرَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَجَبَلَهُمْ عَلَيْهِ "

انتهى من " تفسير ابن كثير" (3/ 500) .

وروى الإمام أحمد (2455) ، والحاكم (75) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( أَخَذَ اللهُ الْمِيثَاقَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ ، فَأَخْرَجَ مِنْ صُلْبِهِ كُلَّ ذُرِّيَّةٍ ذَرَأَهَا، فَنَثَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ كَالذَّرِّ

ثُمَّ كَلَّمَهُمْ قِبَلًا ، قَالَ : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ؟ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ، أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ) .

وصححه الحاكم ، ووافقه الذهبي

وأعله ابن كثير في "تفسيره" (3/502) بالوقف على ابن عباس

قال الألباني :

" هو كما قال رحمه الله تعالى ، ولكن ذلك لا يعني أن الحديث لا يصح مرفوعا

وذلك لأن الموقوف في حكم المرفوع ، لسببين :

الأول : أنه في تفسير القرآن ، وما كان كذلك فهو في حكم المرفوع .

الآخر: أن له شواهد مرفوعة عن النبي صلى الله عليه وسلم عن جمع من الصحابة

وهم عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمرو وأبو هريرة وأبو أمامة وهشام بن حكيم

أو عبد الرحمن بن قتادة السلمي - على خلاف عنهما - ومعاوية بن أبي سفيان وأبو الدرداء وأبو موسى ، وهي إن كان غالبها لا تخلو أسانيدها من مقال ، فإن

بعضها يقوي بعضا ، بل قال الشيخ صالح المقبلي في " الأبحاث المسددة " : " ولا

يبعد دعوى التواتر المعنوي في الأحاديث والروايات في ذلك " ، ولاسيما

وقد تلقاها أو تلقى ما اتفقت عليه من إخراج الذرية من ظهر آدم وإشهادهم على

أنفسهم ، السلف الصالح من الصحابة والتابعين دون اختلاف بينهم ، منهم عبد الله

بن عمرو وعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وسلمان الفارسي ومحمد بن كعب والضحاك بن مزاحم والحسن البصري وقتادة وفاطمة بنت الحسين وأبو جعفر الباقر وغيرهم "

انتهى من " سلسلة الأحاديث الصحيحة " (4/ 159) .

ويشهد لهذا المعنى ما رواه مسلم (2805) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِأَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا: لَوْ كَانَتْ لَكَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، أَكُنْتَ مُفْتَدِيًا بِهَا ؟

فَيَقُولُ: نَعَمْ ، فَيَقُولُ : قَدْ أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ هَذَا وَأَنْتَ فِي صُلْبِ آدَمَ : أَنْ لَا تُشْرِكَ - أَحْسِبُهُ قَالَ: وَلَا أُدْخِلَكَ النَّارَ - فَأَبَيْتَ إِلَّا الشِّرْكَ ) .

وروى الفريابي في "القدر" (53) بسند صحيح عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ... ) قَالَ :

" جَمَعَهُمْ ثُمَّ جَعَلَهُمْ أَرْوَاحًا فَاسْتَنْطَقَهُمْ فَتَكَلَّمُوا وَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ ، (وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) .

ورواه الدولابي في " الكني " (1222) بنفس السند ، ولفظه : ( جَمَعَهُمْ فَجَعَلَهُمْ أَرْوَاحًا ثُمَّ صَوَّرَهُمْ ) .

وقال الإمام إِسْحَاق بْنِ رَاهَوَيْهِ في قوله : ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) قَالَ إِسْحَاقُ :

" أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّهَا الْأَرْوَاحُ قَبْلَ الْأَجْسَادِ ، فَاسْتَنْطَقَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى )

فَقَالَ : انْظُرُوا أَنْ لَا تَقُولُوا ( إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ) "

انتهى من " الاستذكار" (3/ 107) .

فعلى هذا القول المشهور المروي عن كثير من السلف : فقد جمع الله تعالى ذرية آدم في أول الخلق في صورهم -

وقيل أرواحهم ، وقيل أرواحهم ثم صورهم - وأشهدهم على أنفسهم : ألست بربكم ؟ قالوا : بلى .

ولكن أحدا من بني آدم لا يتذكر هذا الميثاق .

واختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله القول الآخر ، وأن هذا الإشهاد والإقرار : إنما هو خلقهم على الفطرة الحنيفية ، قبل أن يتهودوا أو يتنصروا ، أو يتحولوا إلى غيرها من الأديان
.
قال رحمه الله

في تفسير قوله تعالى : ( وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ) البقرة/116:

" وَهَذَا إِخْبَار عَمَّا فطروا عَلَيْهِ من الْإِقْرَار بِأَن الله رَبهم

كَمَا قَالَ : ( وَإِذ أَخذ رَبك من بني آدم من ظُهُورهمْ ذُرِّيتهمْ وأشهدهم على أنفسهم أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى ) الْآيَة [سُورَة الْأَعْرَاف 172] ؛

فَإِن هَذِه الْآيَة بَينه فِي إقرارهم وشهادتهم على أنفسهم بالمعرفة الَّتِي فطروا عَلَيْهَا : أَن الله رَبهم .

وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم : ( كل مولولد يولد على الْفطْرَة ) .

وَطَائِفَة من الْعلمَاء جعلُوا هَذَا الْإِقْرَار لما اسْتخْرجُوا من صلب آدم وَأَنه أنطقهم وأشهدهم ، لَكِن هَذَا لم يثبت بِهِ خبر صَحِيح عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ، وَالْآيَة لَا تدل عَلَيْهِ .

وَإِنَّمَا الَّذِي جَاءَت بِهِ الْأَحَادِيث الْمَعْرُوفَة أَنه استخرجهم وأراهم لآدَم وميز بَين أهل الْجنَّة وَأهل النَّار مِنْهُم فعرفوا من يَوْمئِذٍ ، هَذَا فِيهِ مأثور من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيره بِإِسْنَاد جيد

وَهُوَ أَيْضا من حَدِيث عمر بن الْخطاب الَّذِي رَوَاهُ أهل السّنَن وَمَالك فِي الْمُوَطَّأ ، وَهُوَ يصلح للاعتضاد .

وَأما إنطاقهم وإشهادهم فروى عَن بعض السّلف ، وَقد روى عَن أبيّ وَابْن عَبَّاس "

انتهى من "جامع الرسائل" (1/ 11-12)

وينظر : " درء تعارض العقل والنقل" (8/482) وما بعدها .

والله تعالى أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-21, 17:30
تفسير قوله تعالى : ( سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ )

السؤال

ما هو تفسير الآية قبل الآخيرة من سورة فصلت : "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق " ؟

هل المقصود بها أنّ الكافرين سوف يعلمون أنّ الإسلام هو الدين الحق قبل موتهم وعليه لن يكون لأحد أي عذر يوم القيامة ؟

وما صحة الحديث الوارد في مسند أحمد عن امتحان الله لكل من لم تبلغه رسالة الإسلام ؟

الجواب

الحمد لله

قال الله عز وجل : ( سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ) فصلت/ 53.

الْآفَاقُ هي النَّوَاحِي ، مفردها (أُفُقٌ) و (أُفْقٌ) .

ومعنى الآية الكريمة : أن هذا وعد من الله تعالى أنه سيكشف للناس عن آياته في نواحي السموات والأرض وفي أنفسهم حتى يتبين لهم ويثقوا أن القرآن حق أنزله الله تعالى
.
وقد اختلف المفسرون في معنى مفردات الآية اختلافا لا يضر بالمعنى ، بل الآية تحتمل جميع ما قالوه إذا لا منافاة بينه .
فبعض المفسرين فسر الآفاق بأنها آفاق السموات ، وبعضهم فسرها بأنها آفاق الأرض ، وبعضهم فسرها بالمعنيين بأنها آفاق السموات والأرض .

واما قوله تعالى : ( وَفِي أَنْفُسِهِمْ ) فبعضهم حملها على أنها خطاب لأهل مكة الذين لم يؤمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وأن المراد بذلك يوم بدر وفتح مكة

فقد كان ذلك آية من الله تعالى على أنه يؤيد نبيه وينصره على أعدائه مع قلة عدد أصحابه وعتادهم

مما يدل على أنه رسول الله حقا . وأن ما جاء به هو من عند الله حقا

. وفسرها آخرون بأن المراد بها نفس الإنسان على سبيل العموم ، في كمال خلقتها وبديع صنع الله تعالى فيها

مما يدل على وحدانيته وكمال قدرته وعلمه وحكمته .. إلخ .

والآية أيضا : صالحة لهذا المعنى وذاك ، إذا لا منافاة بينهما .

وقد صدق الله تعالى وعده فكشف للناس عن آياته في الآفاق وفي أنفسهم خلال القرون الأربعة عشر التي تلت هذا الوعد ، مما يتبين به لكل عاقل منصف أن هذا الإسلام حق ، وأن القرآن حق .

وما يزال الله تعالى يكشف للناس كل حين عن آيات جديدة ، وسيستمر ظهور هذه الآيات حتى تنتهي الدنيا

فإن الإسلام إنما جاء لجميع البشر إلى قيام الساعة ، فناسب ذلك أن تكون آياته ومعجزاته باقية إلى قيام الساعة .
وهذه أقوال بعض المفسرين في الآية :

قال القرطبي رحمه الله :

" قَوْلُهُ تعالى: ( سَنُرِيهِمْ آياتِنا ) أَيْ : عَلَامَاتِ وَحْدَانِيَّتِنَا وَقُدْرَتِنَا (

فِي الْآفاقِ ) يَعْنِي : خَرَابَ مَنَازِلِ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ ( وَفِي أَنْفُسِهِمْ ) بِالْبَلَايَا وَالْأَمْرَاضِ .

وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: ( فِي الْآفاقِ ) آيَاتُ السَّمَاءِ ( وَفِي أَنْفُسِهِمْ ) حَوَادِثُ الْأَرْضِ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ( فِي الْآفاقِ ) فَتْحُ الْقُرَى ، فَيَسَّرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلْخُلَفَاءِ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْصَارِ دِينِهِ فِي آفَاقِ الدُّنْيَا وَبِلَادِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ عُمُومًا

وَفِي نَاحِيَةِ الْمَغْرِبِ خُصُوصًا مِنَ الْفُتُوحِ الَّتِي لَمْ يَتَيَسَّرْ أَمْثَالُهَا لِأَحَدٍ مِنْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ قَبْلَهُمْ، وَمِنَ الْإِظْهَارِ عَلَى الْجَبَابِرَةِ وَالْأَكَاسِرَةِ وَتَغْلِيبِ قَلِيلِهِمْ عَلَى كَثِيرِهِمْ

وَتَسْلِيطِ ضُعَفَائِهِمْ عَلَى أَقْوِيَائِهِمْ ، وَإِجْرَائِهِ عَلَى أَيْدِيهِمْ أُمُورًا خَارِجَةً عَنِ الْمَعْهُودِ خَارِقَةً لِلْعَادَاتِ ( وَفِي أَنْفُسِهِمْ ) فتح مكة ، وهذا اختيار الطبري

وَقَالَ عَطَاءٌ وَابْنُ زَيْدٍ : ( فِي الْآفاقِ ) يعني أقطار السموات وَالْأَرْضِ مِنَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ وَاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالرِّيَاحِ وَالْأَمْطَارِ وَالرَّعْدِ وَالْبَرْقِ وَالصَّوَاعِقِ وَالنَّبَاتِ وَالْأَشْجَارِ وَالْجِبَالِ وَالْبِحَارِ وَغَيْرِهَا...

( وَفِي أَنْفُسِهِمْ ) مِنْ لَطِيفِ الصَّنْعَةِ وَبَدِيعِ الْحِكْمَةِ حَتَّى سَبِيلِ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ

فَإِنَّ الرَّجُلَ يَشْرَبُ وَيَأْكُلُ مِنْ مَكَانٍ وَاحِدٍ وَيَتَمَيَّزُ ذَلِكَ مِنْ مَكَانَيْنِ

وَبَدِيع صَنْعَةِ اللَّهِ وَحِكْمَته فِي عَيْنَيْهِ اللَّتَيْنِ هُمَا قَطْرَةُ مَاءٍ يَنْظُرُ بِهِمَا مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ ، وَفِي أُذُنَيْهِ اللَّتَيْنِ يُفَرِّقُ بِهِمَا بَيْنَ الْأَصْوَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ. وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ بَدِيعِ حِكْمَةِ اللَّهِ فِيهِ. .
..
( حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ) فِيهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا: أَنَّهُ الْقُرْآنُ

الثَّانِي : الْإِسْلَامُ جَاءَهُمْ بِهِ الرَّسُولُ وَدَعَاهُمْ إِلَيْهِ ، الثَّالِثُ : أَنَّ مَا يُرِيهِمُ اللَّهُ وَيَفْعَلُ مِنْ ذَلِكَ هُوَ الْحَقُّ ، الرَّابِعُ : أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الرَّسُولُ الْحَقُّ "

انتهى " تفسير القرطبي" (15/ 374-375).

وهذه الأوجه الأربعة كلها حق ، وكلها متلازمة ، غير أن الظاهر أن المراد بالآية القرآن الكريم

فإنه قد أشير إليه في الآية التي قبلها : ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ) فصلت/52 ،

" مدارج السالكين " لابن القيم (3/466) .

وقال ابن كثير رحمه الله :

" أَيْ : سَنُظْهِرُ لَهُمْ دَلَالَاتِنَا وحُجَجنا عَلَى كَوْنِ الْقُرْآنِ حَقًّا مُنَزَّلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِدَلَائِلَ خَارِجِيَّةٍ ( فِي الآفَاقِ ) ، مِنَ الْفُتُوحَاتِ وَظُهُورِ الْإِسْلَامِ عَلَى الْأَقَالِيمِ وَسَائِرِ الْأَدْيَانِ .

قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَالسُّدِّيُّ : وَدَلَائِلُ فِي أَنْفُسِهِمْ ، قَالُوا: وَقْعَةُ بَدْر، وَفَتْحُ مَكَّةَ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْوَقَائِعِ الَّتِي حَلّت بِهِمْ ، نَصَرَ اللَّهُ فِيهَا مُحَمَّدًا وَصَحْبَهُ ، وَخَذَلَ فِيهَا الْبَاطِلَ وحِزْبَه .

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ ذَلِكَ مَا الْإِنْسَانُ مُرَكَّبٌ مِنْهُ وَفِيهِ وَعَلَيْهِ مِنَ الْمَوَادِّ وَالْأَخْلَاطِ وَالْهَيْئَاتِ الْعَجِيبَةِ

كَمَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي عِلْمِ التَّشْرِيحِ الدَّالِّ عَلَى حِكْمَةِ الصَّانِعِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى

وَكَذَلِكَ مَا هُوَ مَجْبُولٌ عَلَيْهِ مِنَ الْأَخْلَاقِ الْمُتَبَايِنَةِ ، مِنْ حَسَنٍ وَقَبِيحٍ وَبَيْنَ ذَلِكَ ، وَمَا هُوَ مُتَصَرِّفٌ فِيهِ تَحْتَ الْأَقْدَارِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ بِحَوْلِهِ ، وَقُوَّتِهِ ، وحِيَله ، وَحَذَرِهِ أَنْ يَجُوزَهَا، وَلَا يَتَعَدَّاهَا " .

انتهى من " تفسير ابن كثير" (7/ 187) .

وقد جمع بعض المفسرين بين كل ما قيل في معنى الآية إذ لا منافاة بينه كما سبق .

*عبدالرحمن*
2019-02-21, 17:31
قال السعدي رحمه الله :

" إن قلتم - أيها الكافرون - أو شككتم بصحته وحقيقته - يعني القرآن - فسيقيم الله لكم

ويريكم من آياته في الآفاق كالآيات التي في السماء وفي الأرض ، وما يحدثه الله تعالى من الحوادث العظيمة ، الدالة للمستبصر على الحق.

(وَفِي أَنْفُسِهِمْ) مما اشتملت عليه أبدانهم ، من بديع آيات الله وعجائب صنعته ، وباهر قدرته

وفي حلول العقوبات والمثلات في المكذبين ، ونصر المؤمنين ، (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ) من تلك الآيات ، بيانًا لا يقبل الشك (أَنَّهُ الْحَقُّ) وما اشتمل عليه حق
.
وقد فعل تعالى ، فإنه أرى عباده من الآيات ، ما به تبين لهم أنه الحق ، ولكن الله هو الموفق للإيمان من شاء، والخاذل لمن يشاء "

انتهى من " تفسير السعدي " (ص 752) .

وقال محمد الأمين الشنقيطي في " أضواء البيان " (7/67-68) :

" قوله تعالى : ( هُوَ الذي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ ) غافر/14 ، ما ذكره جل وعلا في هذه الآية من أنه هو الذي يُرِي خلقه آياته ، بينه وزاده إيضاحاً في غير هذا الموضع

فبين أنه يريهم آياته في الآفاق وفي أنفسهم

وأن مراده بذلك البيان أن يتبين لهم أن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم حق ، كما قال تعالى : (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق) [ فصلت : 53 ] .

والآفاق جمع أفق وهو الناحية ، والله جل وعلا قد بين من غرائب صنعه ، وعجائبه

في نواحي سماواته وأرضه ، ما يتبين به لكل عاقل أنه هو الرب المعبود وحده . من الشمس والقمر والنجوم والأشجار والجبال ، والدواب والبحار ، إلى غير ذلك .

وبين أيضاً أن من آياته التي يريهم ولا يمكنهم أن ينكروا شيئاً منها تسخيره لهم الأنعام ليركبوها ويأكلوا من لحومها ، وينتفعوا بألبانها ، وزبدها وسمنها ، وأقطها ويلبسوا من جلودها

وأصوافها وأوبارها وأشعارها

كما قال تعالى : ( الله الذي جَعَلَ لَكُمُ الأنعام لِتَرْكَبُواْ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الفلك تُحْمَلُونَ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ الله تُنكِرُونَ ) [ غافر : 7980 ] .

وبين في بعض المواضع ، أن من آياته التي يريها بعض خلقه ، معجزات رسله ، لأن المعجزات آيات ، أي دلالات ، وعلامات على صدق الرسل

كما قال تعالى في فرعون ( وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وأبى ) [ طه : 56 ] وبين في موضع آخر ، أن من آياته التي يريها خلقه

عقوبته المكذبين رسله كما قال تعالى في قصة إهلاكه قوم لوط :

( وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ آيَةً بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ( [ العنكبوت : 35 ] وقال في عقوبته فرعون وقومه بالطوفان والجراد والقمل إلخ : (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيَاتٍ مّفَصَّلاَتٍ )" انتهى .

ومع وضوح هذه الآيات إلا أن كثيرا من الناس لم يستعملوا عقولهم وأبصارهم وأسماعهم للتأمل في هذه الآيات من أجل الوصول إلى الحق

فكانوا كما وصفهم الله (ل َهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) الأعراف/179.

وكثير من الناس ظهر لهم الحق ولكنهم عاندوا وجحدوا ، إما حسدا ، وإما خوفا على مناصبهم ودنياهم .

. أو لغير ذلك من الأسباب . كما كان أئمة الكفار في مكة كأبي جهل وغيره يقرون للنبي صلى الله عليه وسلم بالصدق والنبوة ، ولكنهم كانوا يظهرون خلاف ذلك بألسنتهم ،

قال الله تعالى عنهم : ( فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ) الأنعام/ 33 .

ومع وضوح هذه الآيات أيضا ، إلا أن هناك من الكافرين من لم تبلغهم دعوة الإسلام ، أو كانوا معذورين

كفاقد العقل ، أو من مات صغيرا قبل أن يعقل ويكلف ، فهؤلاء هم الذي ورد في الأحاديث أنهم يمتحنون يوم القيامة .

روى الإمام أحمد (16301)

وابن حبان (7357)

والطبراني في "الكبير" (841) عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ

أَنَّ نَبِيَّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( أَرْبَعَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : رَجُلٌ أَصَمُّ لَا يَسْمَعُ شَيْئًا ، وَرَجُلٌ أَحْمَقُ ، وَرَجُلٌ هَرَمٌ ، وَرَجُلٌ مَاتَ فِي فَتْرَةٍ ، فَأَمَّا الْأَصَمُّ فَيَقُولُ: رَبِّ ، لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَمَا أَسْمَعُ شَيْئًا

وَأَمَّا الْأَحْمَقُ فَيَقُولُ : رَبِّ ، لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَالصِّبْيَانُ يَحْذِفُونِي بِالْبَعْرِ، وَأَمَّا الْهَرَمُ فَيَقُولُ: رَبِّ، لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَمَا أَعْقِلُ شَيْئًا، وَأَمَّا الَّذِي مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ فَيَقُولُ:

رَبِّ، مَا أَتَانِي لَكَ رَسُولٌ ، فَيَأْخُذُ مَوَاثِيقَهُمْ لَيُطِيعُنَّهُ ، فَيُرْسِلُ إِلَيْهِمْ أَنْ ادْخُلُوا النَّارَ، قَالَ: فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ دَخَلُوهَا لَكَانَتْ عَلَيْهِمْ بَرْدًا وَسَلَامًا ) وصححه البيهقي في " الاعتقاد " (ص169)

وكذا صححه الألباني في " الصحيحة " (1434)

وقال الهيثمي في " المجمع " (7/ 216): " رجاله رجال الصحيح " .

وانظر لمزيد الفائدة السؤال القادم

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-21, 17:37
امتحان أهل الفترة في الآخرة ؟

السؤال

سؤالي عن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم : أخرج الإمام أحمد بن حنبل في " مسنده " والبيهقي في كتاب " الاعتقاد " ـ وصححه ـ عن الأسود بن سريع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أربعة يمتحنون يوم القيامة

: رجل أصم لا يسمع شيئًا ، ورجل أحمق ، ورجل هرِم ، ورجل مات في فترة ، فأما الأصم فيقول : رب لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئًا ، وأما الأحمق فيقول

: رب لقد جاء الإسلام والصبيان يقذفوني بالبعر ، وأما الهرِم فيقول : رب لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئًا ، وأما الذي مات في الفترة فيقول : رب ما أتاني لك رسول ، فيأخذ مواثيقهم ليطيعونه

فيرسل إليهم أن ادخلوا النار ، فمن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً ، ومن لم يدخلها يسحب إليها ) .

استفساري : هل يوجد يوم القيامة امتحان ؟

وأنا الذي أعرفه أن يوم القيامة يوم الحساب فقط ، دون امتحان وابتلاء ؟

. والملاحظة الأخرى : امتحانهم يوم القيامة أن يدخلوا على النار هذا امتحان صعب جدًّا لا يخاطب العقل

لأن العقل يدرك أن النار فيها خطورة ، وطبيعي الإنسان يخاف أن يدخلها بعكس امتحان في الدنيا الالتزام في تعاليم الدين الحنيفة .

الجواب

الحمد لله

أولاً:

اختلف العلماء رحمهم الله في أهل الفترة – وهم من عاش في زمن لم يأتهم فيه رسول ، أو كانوا في مكان لم تصلهم فيه الدعوة – ومن في حكمهم – كأطفال المشركين - على أقوال

وأرجح هذه الأقوال : أنهم يُمتحنون يوم القيامة ، فمن أطاع أمر الله نجا ، ومن عصاه هلك ، وقد جاءت في السنة النبوية أحاديث كثيرة يترجح هذا القول بها

ومنها ما ذكره الأخ السائل في سؤاله ، وقد استوفاها الإمام ابن كثير في تفسيره ، عند قوله تعالى ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) الإسراء/من الآية 15

فلتنظر هناك لمن أراد الاستزادة والاستفادة ، ومجموع هذه الأحاديث يقوي بعضها بعضاً ، ويشهد أن لهذا القول ما يؤيده من السنَّة النبوية ، وهذا هو الذي ذكره أبو الحسن الأشعري عن أهل السنة والجماعة .

قال الإمام ابن كثير – رحمه الله - :

أحاديث هذا الباب منها ما هو صحيح ، كما قد نص على ذلك غير واحد من أئمة العلماء ، ومنها ما هو حسن ، ومنها ما هو ضعيف يقوَى بالصحيح والحسن

وإذا كانت أحاديث الباب الواحد متعاضدة على هذا النمط : أفادت الحجة عند الناظر فيها .

" تفسير ابن كثير " ( 5 / 58 ) .

وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – في سياق بيان الأقوال في المسألة - :

سابعها : أنهم يُمتحنون في الآخرة بأن ترفع لهم نار ، فمن دخلها : كانت عليه برداً وسلاماً

ومن أَبَى : عُذِّب ، أخرجه البزار من حديث أنس ، وأبي سعيد ، وأخرجه الطبراني من حديث معاذ بن جبل ، وقد صحت مسألة الامتحان في حق المجنون ، ومن مات في الفترة من طرق صحيحة

وحكى البيهقي في " كتاب الاعتقاد " أنه المذهب الصحيح .

" فتح الباري " ( 3 / 246 ) .

ثانياً:

وقد ردَّ هذا القول بعض أهل العلم – كالإمام ابن عبد البر – وقالوا : إن الآخرة دار جزاء ، وليست دار تكليف ، وليس ثمة أوامر ونواهي في الآخرة ، وأُجيب عن هذا الاعتراض بردود مجملة ، ومفصَّلة

وقد ردَّ شيخ الإسلام ابن تيمية ، والإمام ابن كثير – وغيرهما – ردوداً مجملة ، وردَّ الإمام ابن القيم ردّاً مفصلاً أوصل وجوه الرد إلى تسعة عشر وجهاً .

أ. أما الردود المجملة : فملخصها : وجود امتحان في القبر ، وفي عرصات القيامة ، وأما كون الآخرة ليست دار تكليف فنعم ، لكن بعد استقرار أهل الجنة في الجنة ، وأهل النار في النار .

1. قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - :

والتكليف إنما ينقطع بدخول دار الجزاء وهي الجنة والنار ، وأما عَرَصات القيامة فيمتحنون فيها كما يمتحنون في البرزخ ، فَيُقَالُ لِأَحَدِهِمْ : مَنْ رَبُّك ؟ وَمَا دِينُك ؟ وَمَنْ نَبِيُّك ؟

وقال تعالى : ( يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ ) الْآيَةَ ، وقد ثبت في الصحاح من غير وجه حديث تجلي الله لعباده في الموقف إذا قيل :

( لِيَتَّبِعْ كُلُّ قَوْمٍ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ

فَيَتَّبِعُ الْمُشْرِكُونَ آلِهَتَهُمْ وَيَبْقَى الْمُؤْمِنُونَ فَيَتَجَلَّى لَهُمْ الرَّبُّ فِي غَيْرِ الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَ فَيُنْكِرُونَهُ ثُمَّ يَتَجَلَّى لَهُمْ فِي الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَهَا فَيَسْجُدُ لَهُ الْمُؤْمِنُونَ وَتَبْقَى ظُهُورُ الْمُنَافِقِينَ كَقُرُونِ الْبَقَرِ يُرِيدُونَ السُّجُودَ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ

وذكر قوله : ( يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ ) الْآيَةَ .

" مجموع الفتاوى " ( 4 / 303 ، 304 ) .

2. وقال الإمام ابن كثير – رحمه الله -

وقد ذكر الشيخ أبو عمر بن عبد البر النَّمَري بعض ما تقدم من أحاديث الامتحان ، ثم قال : وأحاديث هذا الباب ليست قوية ، ولا تقوم بها حجة ، وأهل العلم ينكرونها ؛ لأن الآخرة دار جزاء

وليست دار عمل ، ولا ابتلاء ، فكيف يكلَّفون دخول النار وليس ذلك في وسع المخلوقين ، والله لا يكلف نفساً إلا وسعها ؟! .

وأجاب عن ذلك ببيان قوة الأحاديث الواردة في الباب ، كما نقلناه عنه سابقا ، ثم قال : وأما قوله : " إن الآخرة دار جزاء " :

فلا شك أنها دار جزاء ، ولا ينافي التكليف في عرصاتها قبل دخول الجنة أو النار

كما حكاه الشيخ أبو الحسن الأشعري عن مذهب أهل السنة والجماعة مِن امتحان الأطفال

وقد قال الله تعالى : ( يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ ) ن/42

وقد ثبتت السنَّة في الصحاح وغيرها : أن المؤمنين يسجدون لله يوم القيامة ، وأما المنافق : فلا يستطيع ذلك ، ويعود ظهره طبقاً واحداً ، كلما أراد السجود : خَرَّ لقفاه .

وفي الصحيحين في الرجل الذي يكون آخر أهل النار خروجاً منها : أن الله يأخذ عهوده ومواثيقه ألا يسأل غير ما هو فيه ، ويتكرر ذلك مراراً ، ويقول الله تعالى : ( يا ابن آدم ، ما أغدرك ! ) ثم يأذن له في دخول الجنة .

وأما قوله : " وكيف يكلفهم دخول النار وليس ذلك في وسعهم ؟

" : فليس هذا بمانع من صحة الحديث ؛ فإن الله يأمر العباد يوم القيامة بالجواز على الصراط ، وهو جسر على جهنم أحدّ من السيف ، وأدق من الشعرة ، ويمرُّ المؤمنون عليه بحسب أعمالهم ، كالبرق

وكالريح ، وكأجاويد الخيل والرِّكاب ، ومنهم الساعي ، ومنهم الماشي ، ومنهم من يحبو حبواً ، ومنهم المكدوش على وجهه في النار ، وليس ما ورد في أولئك بأعظم من هذا ، بل هذا أطم ، وأعظم .

وأيضاً : فقد ثبتت السنَّة بأن الدجال يكون معه جنَّة ونار ، وقد أمر الشارع المؤمنين الذين يدركونه أن يشرب أحدهم من الذي يرى أنه نار ، فإنه يكون عليه برداً وسلاماً ، فهذا نظير ذلك .

وأيضاً : فإن الله تعالى قد أمر بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم ، فقتل بعضهم بعضاً ، حتى قتلوا ـ فيما قيل ـ في غداة واحدة : سبعين ألفاً

يقتل الرجل أباه ، وأخاه ، وهم في عمايةِ غمامةٍ أرسلها الله عليهم ، وذلك عقوبة لهم على عبادتهم العجل ، وهذا أيضاً شاق على النفوس جدّاً ، لا يتقاصر عما ورد في الحديث المذكور ، والله أعلم .

" تفسير ابن كثير " ( 5 / 58 ) .

ب. وقد فصل ابن القيم رحمه الله وجوه الجواب السابقة ، كما أشرنا إليه ، وزاد فيها وجوها أخرى ، منها :

* أن موجب هذه الأحاديث هو الموافق للقرآن وقواعد الشرع ؛ فهي تفصيل لمَا أخبر به القرآن أنه لا يعذَّب أحد إلا بعد قيام الحجة عليه

وهؤلاء لم تُقَم عليهم حجة الله في الدنيا ، فلا بُدَّ أن يقيم حجته عليهم ، وأحق المواطن أن تُقام فيه الحجة : يوم يقوم الأشهاد ، وتُسمع الدعاوى

وتُقام البينات ، ويَختصم الناس بين يدي الرب ، وينطق كلُّ أحدٍ بحجته ومعذرته ، فلا تنفع الظالمين معذرتهم ، وتنفع غيرهم .

* أنه قد صحَّ بذلك القول بها عن جماعة من الصحابة ، ولم يصح عنهم إلا هذا القول ، والقول بأنهم خدَم أهل الجنة : صح عن سلمان ، وفيه حديث مرفوع ، وأحاديث الامتحان : أكثر ، وأصح ، وأشهر .

* أن أمرهم بدخول النار ليس عقوبة لهم ، وكيف يعاقبهم على غير ذنب ؟ وإنما هو امتحان واختبار لهم

هل يطيعونه أو يعصونه ، فلو أطاعوه ودخلوها : لم تضرهم ، وكانت عليهم برداً وسلاماً ، فلما عصوه وامتنعوا من دخولها : استوجبوا عقوبةَ مخالفةِ أمرِه

والملوك قد تمتحن مَن يُظهر طاعتهم هل هو منطوٍ عليها بباطنه ، فيأمرونه بأمرٍ شاقٍّ عليه في الظاهر

هل يوطِّن نفسه عليه أم لا ، فإن أقدم عليه ووطن نفسه على فعله : أعفوه منه ، وإن امتنع وعصى : ألزموه به ، أو عاقبوه بما هو أشد منه .

وقد أمر الله سبحانه الخليل بذبح ولده ، ولم يكن مراده سوى توطين نفسه على الامتثال والتسليم ، وتقديم محبة الله على محبة الولد ، فلما فعل ذلك : رَفع عنه الأمر بالذبح .

وأما أن ذلك "ليس ذلك في وسع المخلوقين "

فقد أجاب عنه ابن القيم من وجهين :

أحدهما : أنه في وسعهم ، وإن كان يشق عليهم ، وهؤلاء عبَّاد النار ، يتهافتون فيها ، ويُلقون أنفسهم فيها ؛ طاعةً للشيطان ، ولم يقولوا " ليس في وسعنا "

مع تألمهم بها غاية الألم ، فعبَاد الرحمن إذا أمرهم أرحم الراحمين بطاعته باقتحامهم النار : كيف لا يكون في وسعهم ، وهو إنما يأمرهم بذلك لمصلحتهم ومنفعتهم ؟ .

الثاني : أنهم لو وطَّنوا أنفسهم على اتباع طاعته ومرضاته : لكانت عين نعيمهم ، ولم تضرَّهم شيئاً .

قال رحمه الله :

" فالسنَّة ، وأقوال الصحابة ، وموجب قواعد الشرع وأصوله : لا تُردُّ بمثل ذلك ، والله أعلم "

انظر : " أحكام أهل الذمة " ( 2 / 1148 – 1158 ) .

وهذا كلام متين ، فيه بيان المسألة وتجليتها ، ونسأل الله أن يرزقنا العلم النافع ، والعمل الصالح ، وأن يتوفانا على الإيمان .

والله أعلم

*عبدالرحمن*
2019-02-21, 17:44
هل السامري هو المسيح الدجال ؟

السؤال

رأيت عدة مواضيع تشير إلى أن السامري الذي كان مع موسى عليه السلام هو المسيح الدجال

. لأسباب : 1- قدرته على رؤية الملائكة وهو ليس نبي والدجال عندما يقف عند أسوار مكة والمدينة رأى ملكين

. 2- عدم غضب موسى عليه السلام على السامري رغم قتله من وقع في الفتنة ولم يرد إغضابه ؛ لأن المسيح الدجال يخرج في غضبة يغضبها . فهل هذا صحيح ؟

الجواب

الحمد لله

أولا :

الشخصيات التاريخية التي ذكرت في القرآن الكريم أو السنة النبوية الصحيحة نقطع بوجودها وصحة ما نسبه إليها القرآن أو السنة من مواقف وأفعال وأقوال .

ولا سبيل إلى إثبات وجود تلك الشخصيات وما نسب إليها من مواقف إلا من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية

لأن الأمم السابقة ليس لها إسناد متصل إلى أنبيائها ولا إلى تلك الشخصيات ، والإسناد المتصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم هو من خصائص هذه الأمة وحدها .

وعلى هذا ، فنقف في أمر تلك الشخصيات على ما ذكره القرآن والسنة ، ولا نتجاوز ذلك ؛ لأنه لا دليل صحيح يدل على شيء ينسب إلى تلك الشخصيات إلا ما ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم فقط

. وليس في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية أية إشارة إلى أن السامري هو المسيح الدجال ، ولذلك لم نجد أحدا من العلماء - فيما رجعنا إليه من الكتب

– ذكر شيئا من ذلك ، وقد ثبت في الصحيح أن الرسول صلى الله عليه وسلم شك في أحد كهنة اليهود في المدينة ( ابن صائد ) شك في أمره ، هل هو المسيح الدجال أم لا ؟ وذلك في بداية الأمر ،

حتى تبين للرسول صلى الله عليه وسلم أنه ليس المسيح الدجال ، وإنما هو دجال وكذاب من الدجاجلة .

ثانيا :

استدلال السائل على أن السامري هو الدجال بقوله

: " قدرته على رؤية الملائكة وهو ليس نبي " استدلال غير صحيح ؛ لأن رؤية الملائكة ممكنة لغير الأنبياء

فقد روى أحمد في مسنده (948) من حديث علي رضي الله عنه في قصة غزوة بدر وفيه : "

... فَقَتَلْنَا مِنْهُمْ سَبْعِينَ وَأَسَرْنَا سَبْعِينَ ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ قَصِيرٌ بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَسِيرًا فَقَالَ الْعَبَّاسُ

يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ هَذَا وَاللَّهِ مَا أَسَرَنِي ، لَقَدْ أَسَرَنِي رَجُلٌ أَجْلَحُ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ وَجْهًا عَلَى فَرَسٍ أَبْلَقَ مَا أُرَاهُ فِي الْقَوْمِ .

فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ : أَنَا أَسَرْتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ . فَقَالَ صلى الله عليه وسلم : ( اسْكُتْ ، فَقَدْ أَيَّدَكَ اللَّهُ تَعَالَى بِمَلَكٍ كَرِيمٍ ) .

وروى أحمد ( 2547 ) عن ابن عباس رضي الله عنه قال : كُنْتُ مَعَ أَبِي عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ يُنَاجِيهِ

، فَكَانَ كَالْمُعْرِضِ عَنْ أَبِي ، فَخَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ فَقَالَ لِي أَبِي : أَيْ بُنَيَّ ، أَلَمْ تَرَ إِلَى ابْنِ عَمِّكَ كَالْمُعْرِضِ عَنِّي ؟!

فَقُلْتُ : يَا أَبَتِ ، إِنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ رَجُلٌ يُنَاجِيهِ .

قَالَ : فَرَجَعْنَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَبِي : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ : كَذَا وَكَذَا ، فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ كَانَ عِنْدَكَ رَجُلٌ يُنَاجِيكَ ، فَهَلْ كَانَ عِنْدَكَ أَحَدٌ ؟

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَهَلْ رَأَيْتَهُ يَا عَبْدَ اللَّهِ ؟

فقال : نَعَمْ .

قَالَ صلى الله عليه وسلم : ( فَإِنَّ ذَاكَ جِبْرِيلُ وَهُوَ الَّذِي شَغَلَنِي عَنْكَ ) .

والحديث : صححه محققو المسند على شرط مسلم .

وقد رأى جمع من الصحابة جبريل عليه السلام لما جاء يعلمهم أمر دينهم كما في الحديث المشهور ، إلا أنه لا يمكن لغير الأنبياء أن يرى الملائكة على صورتها الحقيقية

الملائكة خلقت من نور – كما رواه مسلم ( 2996 )

- ولا يمكن لأحدٍ أن يدَّعي أنه رآها على صورتها الحقيقية إلا أن يكون نبيّاً يُصدَّق قوله

وأما أن يراهم متشكلين على هيئات أحدٍ من البشر فيمكن هذا لعامة الناس وخاصتهم ، وقد جاء في السنَّة النبوية من ذلك كثير ، سواء في هذه الأمة أم في الأمم التي قبلها .

وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو موفور العقل والدين لم يحتمل رؤية جبريل عليه السلام على صورته الحقيقية التي خلقه الله عليها ، فكيف أطاقه هؤلاء - هذا إن سلَّمنا أنهم رأوه أصلاً - ؟!

قال الشيخ عمر الأشقر :

ولما كانت الملائكة أجساماً نورانيَّة لطيفة ؛ فإن العباد لا يستطيعون رؤيتهم ، خاصة أن الله لم يُعطِ أبصارنا القدرة على هذه الرؤية ، ولم يرَ الملائكةَ في صُوَرهم الحقيقية من هذه الأمَّة إلا الرسول صلى الله عليه وسلَّم

فإنه رأى جبريل مرتين في صورته التي خلَقه الله عليها ، وقد دلَّت النصوص على أن البشر يستطيعون رؤية الملائكة إذا تمثَّلت الملائكة في صورة البشر .

" عالَم الملائكة الأبرار " ( ص 11 ) .

ثالثا :

الاستدلال بأن السامري هو الدجال بأن موسى عليه السلام ألان له الكلام خشية أن يغضب

لأن الدجال يخرج من غضبة يغضبها ، كما رواه مسلم (2932)

هو استدلال غير صحيح أيضاً ؛ لأنه يقال فيه : ما المانع أن يكون جدال موسى عليه السلام مع السامري بهذا الهدوء لتظهر حجة الله البالغة ، وتعلو كلمة الله ،

دون أن يكون هناك صخب أو شغب أو سب أو ضرب ؟

فكلمه بهدوء ولطف ، وحرق إلهه ونسفه في اليم نسفا ، وقد تمت بذلك الحجة ، وظهر الحق ، وزهق الباطل .

ومع ذلك : لم يترك السامري بلا عقوبة في الدنيا ، بل عوقب بأنه منع من أن يقترب منه الناس ، وأن يمسه أحد من الناس ، فصار الناس يبتعدون عنه ، كما يبتعدون عن الجمل الأجرب .

قال الله تعالى : ( قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا ) طه/ 97 .

قال ابن سعدي رحمه الله :

" ( فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس ) أي : تعاقب في الحياة عقوبة ، لا يدنو منك أحد ، ولا يمسك أحد ، حتى إن من أراد القرب منك ، قلت له : لا تمسني ، ولا تقرب مني

عقوبة على ذلك ، حيث مس ما لم يمسه غيره ، وأجرى ما لم يجره أحد ، ( وإن لك موعدا لن تخلفه ) فتجازى بعملك ، من خير وشر ، ( وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا )

أي : العجل ( لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا ) ففعل موسى ذلك ، فلو كان إلها ، لامتنع ممن يريده بأذى ويسعى له بالإتلاف ، وكان قد أشرب العجل في قلوب بني إسرائيل

فأراد موسى عليه السلام إتلافه وهم ينظرون ، على وجه لا تمكن إعادته ، بالإحراق والسحق وذريه في اليم ونسفه ، ليزول ما في قلوبهم من حبه ، كما زال شخصه ؛ ولأن في إبقائه محنة

لأن في النفوس أقوى داع إلى الباطل ، فلما تبين لهم بطلانه ، أخبرهم بمن يستحق العبادة وحده لا شريك له ، فقال : ( إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما ) " انتهى .

" تفسير السعدي " (ص 512) .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-21, 17:50
شبهة أن كلمة فرعون يونانية وأن القرآن أخذها منهم

السؤال

البعض يقول : إن كلمة فرعون جاءت من اليونان ، والقرآن أخذ ذلك منهم ، فهل هذا صحيح ؟

الجواب

الحمد لله

أولا :

وجود أسماء بعض الأعلام الأعجمية في القرآن الكريم أثناء ذكر قصصهم ؛ لا إشكال فيه

لأن القرآن يقص حوادث وقعت للعظة والاعتبار ، فهو يقص الواقع الذي حدث كما حدث ؛ فيذكر الأشخاص بأسمائهم والأماكن بأسمائها المتعارف عليها ، ومن شأن أسماء الأعلام أن تحكى لا أن تترجم .

قال القرطبي رحمه الله تعالى :

" لا خلاف بين الأمّة أنّه ليس في القرآن كلام مركّب على أساليب غير العرب ، وأنّ فيه أسماءً أعلاما لمن لسانه غير لسان العرب ، كإسرائيل ، وجبريل ، وعمران ، ونوح ، ولوط " .

انتهى من " الجامع لأحكام القرآن " ( 1 / 110 ) .

ثانيا :

القول : إن أصل كلمة " فرعون " يوناني أو غيره لا يعتبر طعنا في القرآن الكريم ؛ والمعهود في تفسير مثل ذلك : أن هذا الاسم انتشر بين الأمم

ووصل إلى العرب في الجاهلية ، وعرفوه وعرفوا المقصود منه

فلمّا نزل القرآن خاطبهم بهذا اللفظ الذي يعرفونه . والمتعارف عليه عند الناس أن الإنسان إذا خاطب قوما بمصطلح منتشر بينهم لكي يفهموه لا يقولون له أنت سرقت منا هذا المصطلح .

ثالثا :

أن مثل هذه الشبهات أن القرآن الكريم أخذ هذه الكلمة من تلك اللغة وهذه القصة من ذلك الكتاب ونحو ذلك ، هي كلها أكاذيب ؛ لأنّ قولا مثل هذا يلزم منه أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد عاش مع علماء من أمم مختلفة

وامتلك مكتبة ثرية بالكتب ، وأن يكون قد ألمّ بعدة لغات ؛

وهذا كله مستحيل ؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم كان أميا ، ونشأ في مكة

وهي بلدة خالية من العلم والكتب ، بعيدة جدا عن أماكن العلم في ذلك الزمن ، ولم يثبت لأحد من أهلها ، نوع معرفة بلسان اليونان ، أو السريان ، أو إلمام بتراثهم .

يقول د. عبد الرحمن بدوي :

" يؤكد كل هؤلاء الكتاب – يقصد المستشرقين - أن محمدا صلى الله عليه وسلم باعتباره مؤلفا للقرآن اقتبس أغلب القصص

وعددا كبيرا من الصور البيانية ، وكذلك الحكم والأمثال ، من الكتب المقدسة ، أو شبه المقدسة لدى اليهود والنصارى .
ولكي نفترض صحة هذا الزعم

فلا بد أن محمدا كان يعرف العبرية والسريانية واليونانية ، ولا بد أنه كان لديه مكتبة عظيمة اشتملت على كل نصوص التلمود والأناجيل المسيحية ، ومختلف كتب الصلوات

وقرارات المجامع الكنسية ، وكذلك بعض أعمال الأدباء اليونانيين ، وكتب مختلف الكنائس والمذاهب المسيحية .
هل يمكن أن يعقل هذا الكلام الشاذ لهؤلاء الكتاب ، وهو كلام لا برهان عليه .

... إن حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم قبل ظهور رسالته وبعدها : معروفة للجميع

على الأقل في مظاهرها الخارجية ، ولا أحد قديما أو حديثا يمكن أن يؤكد أن النبي محمدا صلى الله عليه وسلم كان يعرف غير العربية ؛ إذا كيف يمكن أن يستفيد من هذه المصادر كما يدعون ! "

انتهى من " دفاع عن القرآن ضد منتقديه " ( ص 24 ) .

رابعا :

ننبه إلى أنّ ما يسمى بالبحوث والتفسيرات التاريخية للعصور الموغلة في القدم ؛ ليست كلها صحيحة

ولا هي نتائج أخيرة ، مبنية على براهين علمية ثابتة ؛ بل هي اجتهاد بشري لتفسير أمر وقع في الماضي البعيد ، ضاعت أكثر تفاصيله ومعالمه

؛ فلهذا ليس من الموضوعية في شيء أن نعتمد على كلام باحث ما ، في بيان أصل كلمة معين ، ونجعله حقيقة علمية ، ثم نحاكم إليها تاريخ الأمم وتراثها !!

ونحن نرى اليوم وقائع تاريخية في عصرنا الحاضر تتضارب فيها آراء المؤرخين رغم أنها في كثير من الأحيان أبطالها أحياء ، فكيف إذا بتفاصيل دقيقة جدا ترجع إلى عصور قديمة .

فهذا الذي يقول اسم فرعون أصله يوناني ، ما الذي يمنع أن اليونانيين أخذوا هذا الاسم عن غيرهم ؟!

ثم قبل ذلك : ما البرهان القاطع الواضح على مثل ذلك ؟

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-21, 18:02
جميع أهل الكتاب سيؤمنون بعيسى عليه السلام قبل موته ، وذلك عند نزوله آخر الزمان

السؤال

لقد قرأت فتوى في الموقع عن سيدنا عيسى ؛ أنه عندما ينزل سيدنا عيسى يؤمن اليهود به ، كيف يؤمن اليهود والمسلمون سوف يقتلون اليهود ؟

الجواب

الحمد لله

أولا :

ن الأمم الثلاث تنتظر منتظرا يخرج في آخر الزمان : فالمسلمون ينتظرون المسيح الحق الذي لم يُقتل ولم يصلب ، والنصارى ينتظرون المسيح الموهوم الذي قتل وصلب وقُبر

واليهود ينتظرون المسيح الدجال الذي يقتله الله على يد عيسى ابن مريم عليه السلام .

وروى مسلم (2944) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( يَتْبَعُ الدَّجَّالَ مِنْ يَهُودِ أَصْبَهَانَ ، سَبْعُونَ أَلْفًا ) راجع إجابة السؤال رقم : (8806) .

وروى البخاري (3593) ، ومسلم (2921) عن عَبْد اللَّهِ بْن عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَقُولُ: ( تُقَاتِلُكُمُ اليَهُودُ فَتُسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ ، ثُمَّ يَقُولُ الحَجَرُ : يَا مُسْلِمُ هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي، فَاقْتُلْهُ ) .

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله :

" فِي رِوَايَة أَحْمَد مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ سَالِم عَنْ أَبِيهِ : ( يَنْزِل الدَّجَّال هَذِهِ السَّبْخَة - أَيْ خَارِج الْمَدِينَة - ثُمَّ يُسَلِّط اللَّه عَلَيْهِ الْمُسْلِمِينَ فَيَقْتُلُونَ شِيعَته , حَتَّى إِنَّ الْيَهُودِيّ لَيَخْتَبِئ تَحْت الشَّجَرَة وَالْحَجَر فَيَقُول الْحَجَر وَالشَّجَرَة لِلْمُسْلِمِ

: هَذَا يَهُودِيّ فَاقْتُلْهُ ) وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَاد بِقِتَالِ الْيَهُود وُقُوع ذَلِكَ إِذَا خَرَجَ الدَّجَّال وَنَزَلَ عِيسَى , وَكَمَا وَقَعَ صَرِيحًا فِي حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ فِي قِصَّة خُرُوج الدَّجَّال وَنُزُول عِيسَى وَفِيهِ

: ( وَرَاء الدَّجَّال سَبْعُونَ أَلْف يَهُودِيّ كُلّهمْ ذُو سَيْف مُحَلًّى ، فَيُدْرِكهُ عِيسَى عِنْد بَاب لُدّ فَيَقْتُلهُ وَيَنْهَزِم الْيَهُود

فَلَا يَبْقَى شَيْء مِمَّا يَتَوَارَى بِهِ يَهُودِيّ إِلَّا أَنْطَقَ اللَّه ذَلِكَ الشَّيْء فَقَالَ : يَا عَبْد اللَّه - لِلْمُسْلِمِ

- هَذَا يَهُودِيّ فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ , إِلَّا الْغَرْقَد فَإِنَّهَا مِنْ شَجَرهمْ ) أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ مُطَوَّلًا وَأَصْله عِنْد أَبِي دَاوُدَ , وَنَحْوه فِي حَدِيث سَمُرَة عِنْد أَحْمَد بِإِسْنَادٍ حَسَن , وَأَخْرَجَهُ اِبْن مَنْدَهْ فِي كِتَاب الْإِيمَان مِنْ حَدِيث حُذَيْفَة بِإِسْنَادٍ صَحِيح "
.
انتهى من " فتح الباري " (6/610) .

فيقتل المسيحُ عليه السلام الدجالَ ، ويقتل المسلمون اليهودَ الذين اتبعوه ، وليس كلَّ يهود الأرض .

ثانيا :

إذا نزل المسيح عليه السلام فقتل الدجال وكسر الصليب ، لن يقبل من الناس إلا الإسلام ، ومن طلب منهم أن يدفع الجزية ويبقى على دينه ، لم يقبل ذلك منه . ثم لم يمت المسيح عليه السلام إلا وقد آمن به أهل الكتاب جميعا .

قال تعالى : ( وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ) النساء/ 159 .

روى الطبري عَنِ الْحَسَنِ , فِي قَوْلِهِ : ( وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ) قَالَ: " قَبْلَ مَوْتِ عِيسَى , وَاللَّهِ إِنَّهُ الْآنَ لَحَيُّ عِنْدَ اللَّهِ , وَلَكِنْ إِذَا نَزَلَ آمَنُوا بِهِ أَجْمَعُونَ " .

وعن ابن زَيْدٍ : " إِذَا نَزَلَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فَقَتَلَ الدَّجَّالَ لَمْ يَبْقَ يَهُودِيُّ فِي الْأَرْضِ إِلَّا آمَنَ بِهِ " .

وعن أَبِي مَالِكٍ قَالَ: " ذَلِكَ عِنْدَ نُزُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ لَا يَبْقَى أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ " .

وعَنْ قَتَادَةَ قَالَ: " قَبْلَ مَوْتِ عِيسَى إِذَا نَزَلَ آمَنَتْ بِهِ الْأَدْيَانُ كُلُّهَا " .

" تفسير الطبري " (7/ 664-666) .

وقال ابن جزي رحمه الله :

" في هذه الآية تأويلان :

أحدهما: أنّ الضمير في ( موته ) لعيسى ، والمعنى : أن كل أحد من أهل الكتاب يؤمن بعيسى حين ينزل إلى الأرض

قبل أن يموت عيسى ، وتصير الأديان كلها حينئذ دينا واحدا ، وهو دين الإسلام .

والثاني : أنّ الضمير في (موته) للكتابي الذي تضمنه قوله : ( وإن من أهل الكتاب) والتقدير: وإن من أهل الكتاب أحد إلّا ليؤمنن بعيسى ، ويعلم أنه نبي قبل أن يموت هذا الإنسان

وذلك حين معاينة الموت ، وهو إيمان لا ينفعه "

انتهى من " تفسير ابن جزي " (1/ 216) .

وقال ابن كثير رحمه الله :

" الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: (قَبْلَ مَوْتِهِ) عَائِدٌ عَلَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ

أَيْ: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا يُؤْمِنُ بِعِيسَى قُبَلَ مَوْتِ عِيسَى ، وَذَلِكَ حِينَ يَنْزِلُ إِلَى الْأَرْضِ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، فَحِينَئِذٍ يُؤْمِنُ بِهِ أَهْلُ الْكِتَابِ كُلُّهُمْ ؛ لِأَنَّهُ يَضَعُ الْجِزْيَةَ وَلَا يَقْبَلُ إِلَّا الْإِسْلَامَ " .

انتهى من "تفسير ابن كثير" (2/ 47) .

وقال أيضا :

" سَيَنْزِلُ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الْمُتَوَاتِرَةُ فَيَقْتُلُ مَسِيحَ الضَّلَالَةِ ، وَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ

وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ - يَعْنِي : لَا يَقْبَلُهَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ ،

بَلْ لَا يَقْبَلُ إِلَّا الْإِسْلَامَ أَوِ السَّيْفَ - فَأَخْبَرَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ أَنْه يُؤْمِنَ بِهِ جَمِيعُ أَهْلِ الْكِتَابِ حِينَئِذٍ، وَلَا يَتَخَلَّفُ عَنِ التَّصْدِيقِ بِهِ وَاحِدٌ مِنْهُمْ "

انتهى من " تفسير ابن كثير" (2/ 454) .

وقال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء :

" فأخبر سبحانه أن جميع أهل الكتاب سوف يؤمنون بعيسى قبل موته ، أي: موت عيسى ، وذلك عند نزوله آخر الزمان حكمًا عدلاً داعيًا إلى الإِسلام " .

انتهى من " فتاوى اللجنة " (3/301) .

وانظر إجابة السؤال القادم

والخلاصة :

أن عيسى عليه السلام إذا نزل قتل الدجال ، وقاتل المسلمون اليهود الذين اتبعوه ، ثم بعد ذلك لا يقبل عيسى عليه السلام من الناس إلا الإسلام ، فيؤمن به أهل الكتاب الموجودون في ذلك الوقت كلهم أجمعون .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-21, 18:06
هل نزل عيسى إلى الأرض بعد رفعه أم لا

السؤال

هل تم رفع عيسى عليه السلام مرتين إلى لله ؟

لأنني قرأت في أحد الكتب أن عيسى عليه السلام رُفع للسماء ثم رجع ثانية للأرض ليريح والدته ويخبر اليهود شيئا ما ثم رُفع ثانية فهل هذا صحيح ؟

الجواب

الحمد لله

ذكر لنا الله سبحانه وتعالى رفع عيسى عليه السلام إلى السماء مرة واحدة

في قوله تعالى " بل رفعه الله إليه " ولم يذكر لنا الله سبحانه

وتعالى أنه أُرجِع إلى الأرض . لذلك فإن على الذين يزعمون أن عيسى أرجع إلى الأرض أن يقدموا لنا الدليل والبرهان على ذلك . فإن لم يستطيعوا ولن يستطيعوا فإن جدالهم ليس له أساس .

قال الله سبحانه وتعالى : ( إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ(55) سورة آل عمران
.
قال ابن جرير رحمه الله :

" توفيه " هو رفعه ، وقال الأكثرون المراد بالوفاة هاهنا النوم كما قال تعالى : ( وهو الذي يتوفاكم بالليل ) الآية وقال تعالى : ( الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها )

الآية وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا قام من النوم الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور " رواه البخاري 6312 ومسلم 2711 .

وذكره عزّ وجلّ لرفع عيسى إلى السماء فيه ردّ على اليهود الذين زعموا أنهم قتلوه

فقال سبحانه وتعالى عنهم : فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا( 155) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا(156)

وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا(157)

بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا(158)وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا(159) سورة النساء

فعيسى عليه السلام لم يمت بعد بل رفعه الله إليه لما أراد اليهود قتله وسينزل في آخر الزمان ويحكم الأرض بالإسلام ويعيش ما شاء الله أن يعيش ثم يُتوفّى ويُصلي عليه المسلمون

قال ابن كثير رحمه الله :

والضمير في قوله " قبل موته " عائد على عيسى عليه السلام أي وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى وذلك حين ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة

على ما سيأتي بيانه فحينئذ يؤمن به أهل الكتاب كلهم لأنه يضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام ..

وقوله تعالى: ( ومطهرك من الذين كفروا ) أي برفعي إياك إلى السماء ،

( وجاعل الذين أتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ) وهكذا وقع فإن المسيح عليه السلام لما رفعه الله إلى السماء تفرقت أصحابه شيعا بعده فمنهم من آمن بما بعثه الله به

على أنه عبد الله ورسوله وابن أَمَته ومنهم من غلا فيه فجعله ابن الله وآخرون قالوا هو الله وآخرون قالوا هو ثالث ثلاثة وقد حكى الله مقالتهم في القرآن ورد على كل فريق فاستمروا

على ذلك قريبا من ثلاث مئة سنة ثم نبع لهم ملك من ملوك اليونان يقال له قسطنطين فدخل في دين النصرانية

قيل حيلة ليفسده فإنه كان فيلسوفا وقيل جهلا منه إلا أنه بدل لهم دين المسيح وحرفه وزاد فيه ونقص منه ووضعت له القوانين والأمانة الكبرى التي هي الخيانة الحقيرة

وأحل في زمانه لحم الخنزير وصلوا إلى المشرق وصوروا له الكنائس والمعابد والصوامع وزاد في صيامهم عشرة أيام من أجل ذنب ارتكبه فيما يزعمون وصار دين المسيح دين قسطنطين

إلى أن بنى لهم من الكنائس والمعابد والصوامع والديارات ما يزيد على اثني عشر ألف معبد وبنى المدينة المنسوبة إليه وأتبعه طائفة الملكية منهم وهم في هذا كله قاهرون لليهود أيده الله عليهم لأنه أقرب

إلى الحق منهم وإن كان الجميع كفارا عليهم لعائن الله فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم فكان من آمن به يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله على الوجه الحق فكانوا هم أتباع كل نبي على وجه الأرض . انتهى

والله تعالى أعلم .

الشيخ محمد صالح المنجد

*عبدالرحمن*
2019-02-21, 18:10
من المعني بقوله تعالى : ( كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ) ؟

السؤال

قال تعالى : ( وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ) سورة الجن ، من هم الذين كادوا يكونون عليه لبدا ؟

الجواب

الحمد لله

اختلف أهل التفسير في المعنيين بقوله تعالى : ( كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا )

على ثلاثة أقوال .

قال ابن الجوزي رحمه الله :

" وفي معنى الآية ، ثلاثة أقوال :

أحدها : أنه من إخبار الله تعالى عن الجن ، يحكي حالهم ، والمعنى : أنه لما قام يصلي ، كاد الجن لازدحامهم عليه يركب بعضهم بعضاً ؛ حِرْصاً على سماع القرآن ، رواه عطية عن ابن عباس .

والثاني : أنه من قول الجن لقومهم لما رجعوا إليهم ، فوصفوا لهم طاعة أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، وائتمامهم به في الركوع والسجود

فكأنهم قالوا : لما قام يصلي كاد أصحابه يكونون عليه لبداً ، وهذا المعنى في رواية ابن جبير عن ابن عباس .

والثالث : أن المعنى : لما قام رسول الله صلّى الله عليه وسلم بالدَّعوة : تلبَّدت الإنس والجن ، وتظاهروا عليه ، ليبطلوا الحق الذي جاء به ، قاله الحسن ، وقتادة ، وابن زيد " .

انتهى من " زاد المسير " (4/350) .

وقد رجح المعنى الثالث – من كلام ابن الجوزي في معنى الآية - ابن جرير وابن كثير عليهما رحمة الله .

قال ابن كثير رحمه الله :

" وقال قتادة في قوله : ( وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا ) قال : تلبدت الإنس والجن على هذا الأمر ؛ ليطفئوه ، فأبى الله ، إلا أن ينصره ويمضيه ، ويظهره على من ناوأه .

هذا قول ثالث ، وهو مروي عن ابن عباس ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، وقول ابن زيد ، واختيار ابن جرير

وهو الأظهر ؛ لقوله بعده : ( قل إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا )

أي : قال لهم الرسول ؛ لما آذوه ، وخالفوه ، وكذبوه ، وتظاهروا عليه ، ليبطلوا ما جاء به من الحق واجتمعوا على عداوته : ( إنما أدعو ربي )

أي : إنما أعبد ربي وحده لا شريك له ، وأستجير به ، وأتوكل عليه ، ( ولا أشرك به أحدا ) "

انتهى من " تفسير ابن كثير " (8/245) .

والله أعلم .

و اخيرا

الحمد لله الذي بفضلة تتم الصالحات

اخوة الاسلام

اكتفي بهذا القدر و لنا عوده
ان قدر الله لنا البقاء و اللقاء

و اسال الله ان يجمعني بكم دائما
علي خير

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين

*عبدالرحمن*
2019-02-22, 14:24
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)
اخوة الاسلام

أحييكم بتحية الإسلام
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)


هل يفهم من قوله تعالى : ( وخلقنا لهم من مثله ما يركبون ) أن الله هو الذي خلق لنا السفن ؟

السؤال

هل يفهم من قوله تعالى : ( وخلقنا لهم من مثله ما يركبون ) أن الله هو الذي خلق لنا السفن ؟

بينما كنت أقرأ في القرآن الكريم مررت بالآية 42 من سورة يس : ( وخلقنا لهم من مثله ما يركبون ) ففهمت منها أن الله خلق لنا السفن ، وهذا أمر محير

لأن الله لم يخلق السفن على وجه الحقيقة ، بل نحن من صنعها ، حتى سفينة نوح الشهيرة بناها نوح عليه السلام .

فما معنى هذه الآية إذاً ؟

هل خلق الله السفن حقاً ؟

الجواب

الحمد لله

اختلف المفسرون في المراد بقوله تعالى : ( وخلقنا لهم من مثله )

فقال بعضهم – وهو المشهور - : وخلقنا لهم من مثل سفينة نوح ، سفن ومراكب يركبون عليها في البحر

وقال آخرون المراد بالآية : الإبل ، خلقها الله للركوب عليها في البر .

قال ابن الجوزي رحمه الله :

" قوله تعالى : ( وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ) فيه قولان :

أحدهما : مِثْل سفينة نوح ، وهي السُّفُن ، روى هذا المعنى سعيد بن جبير عن ابن عباس ، وبه قال الضحاك ، وأبو مالك ، وأبو صالح .

والمراد بهذا : ذِكْر مِنَّته بأن خَلَق الخشب الذي تُعْمَل منه السُّفُن .

والثاني : أنها الإِبل ، خَلَقها لهم للرُّكوب في البَرِّ مثل السُّفُن المركوبة في البحر ، رواه العوفي عن ابن عباس ، وبه قال مجاهد ، وعكرمة ، وعن الحسن وقتادة : كالقولين " .

انتهى من " زاد المسير " (3/ 525) .

وعلى المعنى الأول ، أن المراد بذلك : السفن المعروفة ، تكون إضافة خلق السفن لله جل وعلا من باب : أن الله خالق كل صانع وصنعته ، فهو سبحانه كما خلق الإنسان

فقد خلق صنع ذلك الإنسان وفعله

كما قال تعالى : ( وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ) سورة الصافات /96

وروى البخاري في " خلق أفعال العباد " (ص/ 46) عن حذيفة رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الله يصنع كل صانع وصنعته )

وتلا بعضهم عند ذلك : ( والله خلقكم وما تعملون ) الصافات/ 96 ، فأخبر أن الصناعات وأهلها مخلوقة ؛ فهو سبحانه خالق العباد ، وخالق أعمالهم ، وخالق المادة ، وخالق الصورة ، سبحانه .

قال ابن القيم رحمه الله

في تقرير ذلك ، وبيان أن آية خلق الفلك ، نظير الآية المذكورة ـ ( وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ )

" نظيره من الاستدلال سواء قوله : وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ .
والأصح : أن المِثْل المخلوق هنا هو السفن

وقد أخبر أنها مخلوقة ، وهي إنما صارت سفنا بأعمال العباد .

وأبعد من قال : إن المثل هاهنا ، هو سفن البر ، وهي الإبل ؛ لوجهين :

أحدهما: أنها لا تسمى مِثلا للسفن ، لا لغة ولا حقيقة ؛ فإن المثلين ما سد أحدهما مسد الآخر ، وحقيقة المماثلة : أن تكون بين فلك وفلك ، لا بين جمل وفلك .

الثاني : أن قوله: وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ عقب ذلك : دليل على أن المراد الفلك التي إذا ركبوها قدرنا على إغراقهم ؛ فذكَّرهم بنعمه عليهم من وجهين :

أحدهما: ركوبهم إياها ، والثاني: أن يسلمهم عند ركوبها من الغرق "

انتهى من " بدائع الفوائد " (1/152) .

وذهب بعض أهل العلم : إلى أن الإضافة من باب أن الله هو الذي علم الإنسان صنع مثل تلك الأشياء ، فناسب أن تضاف له سبحانه وتعالى .

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله

: " خلق لهم من مثل هذه الفلك ما يركبون

كما قال تعالى : ( وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) ، فالناس تعلموا كيف يصنعون السفن ، وصاروا يصنعون مثل هذه السفن

ولعل قوله تعالى في سورة القمر : ( وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ ) ، فيها الإشارة إلى مواد هذه السفينة أو الفلك ؛ لأجل أن يتعلم الناس ؛ لأنه لم يقل ( حملناه على فلك )

بل قال : ( عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ ) كأنه يقول : إن هذه الفلك مصنوعة من الألواح والمسامير ، حتى يتعلم الناس مواد هذه الفلك ....... ، قال المؤلف –

يعني : جلال الدين المحلي - رحمه الله

: ( بتعليم الله تعالى ) إشارة إلى سؤال مقدر ، كأنه قال : كيف قال تعالى : ( وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ) ؟ وهذه السفن مصنوعة بأيدي البشر

، وليست بخلق الله كخلق البعير التي نركب والفرس وما شابهها ؟ فأجاب المؤلف : بأن الله تعالى أضاف خلقها إليه ؛ لأنها كانت بتعليمه سبحانه وتعالى "

انتهى من " تفسير القرآن الكريم - سورة يس لابن عثيمين " (ص/155) .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-22, 14:32
عنده إشكال في قوله تعالى : ( يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) السجدة/ 5 .

السؤال

عندي استفسار بخصوص الآية : ( يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) السجدة/5 ؛ ففي هذه الآية

: هل المقصود أن الله يدبر الأمر ويرسله إلى الأرض " بواسطة الملائكة "

ثم ترجع إليه الملائكة بالخبر ، كل ذلك في ألف سنة ؟ فإذا كانت كذلك

فهل ينتظر الله حتى تعود إليه الملائكة ، لكي يعلم رد فعل الأمر الذي تم إنزاله ؟

أقصد أن علم الله واسع ، فلماذا ينتظر حتى تعود إليه الملائكة بالخبر ؟

الجواب

الحمد لله

أولا :

يقول الله عز وجل :

( يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) السجدة/ 5 .

قال ابن كثير رحمه الله :

" أَيْ يَتَنَزَّلُ أَمْرُهُ مِنْ أَعْلَى السَّمَاوَاتِ ، إِلَى أَقْصَى تُخُومِ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ ، وَتُرْفَعُ الْأَعْمَالُ إِلَى دِيوَانِهَا فَوْقَ سَمَاءِ الدُّنْيَا ، وَمَسَافَةُ مَا بَينهَا وَبَيْنَ الْأَرْضِ : مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ ، وَسُمْكُ السَّمَاءِ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ .

وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ: النُّزُولُ مِنَ الْمَلَكِ فِي مَسِيرَةِ خَمْسِمائَةِ عَامٍ ، وَصُعُودُهُ فِي مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، وَلَكِنَّهُ يَقْطَعُهَا فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ " .

انتهى من " تفسير ابن كثير " (6 /359) .

وقال الشيخ السعدي رحمه الله :

" أي : الأمر ينزل من عنده ، ويعرج إليه ( فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) وهو يعرج إليه ، ويصله في لحظة "

انتهى . " تفسير السعدي" (ص 654).

فعلى ذلك : يكون تدبير الله جل جلاله لأمره ، من السماء إلى الأرض ، ثم عروج الملائكة إليه بذلك ، كله : في يوم واحد ؛ مقدار هذا اليوم في حساب الناس : ألف سنة مما عندهم من الأيام

وإنما يكون عروج الملائكة بذلك إلى ربها : في وقت قصير ؛ لحظة ، أو طرف عين ، أو نحو ذلك ، وهذا كله من أمر الغيب الذي لا يعلم كنهه وماهيته إلا الله تعالى .

راجع جواب السؤالين القادمين

احدهما سبق النشر بعنوان

أفعال الملائكة وأحوالهم لا تقاس بأفعال وأحوال البشر

وليس الأمر بحسب ما ظن السائل أن الله تعالى يرسل الملائكة إلى الأرض

ثم يمكث ألف سنة حتى يرجعوا إليه بخبر أهل الدنيا وأعمالهم ، فالله تعالى علام الغيوب ، لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ،

وهو أمر مقطوع به ، معلوم بالضرورة من دين الإسلام ، ولذلك قال تعالى في الآية التالية لهذه : ( ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) السجدة/ 6 .

والله عز وجل يعلم ما الخلق عاملوه قبل أن يخلقهم ، وقبل أن يعملوه ، ويعلمه بعدما خلقهم ، وقبل أن يعملوه أيضا ، ثم يعلمه في حين عملهم لما يعملون ، وبعد عملهم لما يعملونه ، يعلمه كذلك ، علام الغيوب .

وقد روى مسلم (4797) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ).

وروى أبو داود (4078) عن عُبَادَة بْن الصَّامِتِ قال : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

( إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ فَقَالَ لَهُ : اكْتُبْ ، قَالَ رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ ؟ ، قَالَ اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ ). وصححه الألباني في " صحيح أبي داود " .

وأما نزول الملائكة وعروجها : فهذا من تمام ملكه وسلطانه ، وعظمته وجلاله ، وتدبيره لأمر كونه جل شانه ، وإنما تكتب الملائكة أعمال العباد

وتحصيها عليهم في صحائفهم : إقامة لحجة الله عليهم بما عملوه ، وليس لأن علم الله جل جلاله ، يحتاج إلى شيء من ذلك ، سبحانه ، لا يحتاج إلى من يعلمه ما لا يعلم

ولا يذكره بأمر ينساه ؛ فهو منزه عن ذلك كله جل جلاله : ( قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى * قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى

* قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى ) طه/49-52 .

وقد روى البخاري (555) ، ومسلم (632) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

( يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةٌ بِالنَّهَارِ ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلاَةِ الفَجْرِ وَصَلاَةِ العَصْرِ ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ ، فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ : كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي ؟ فَيَقُولُونَ : تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ ).

قال النووي رحمه الله :

" قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَيَسْأَلهُمْ رَبّهمْ وَهُوَ أَعْلَم بِهِمْ كَيْف تَرَكْتُمْ عِبَادِي ؟

) فَهَذَا السُّؤَال عَلَى ظَاهِره ، وَهُوَ تَعَبُّد مِنْهُ لِمَلَائِكَتِهِ ، كَمَا أَمَرَهُمْ بِكَتْبِ الْأَعْمَال ، وَهُوَ أَعْلَم بِالْجَمِيعِ " انتهى .

وراجع للفائدة جواب السؤال الثاني القادم

والله تعالى أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-22, 14:37
الفرق بين مقدار اليوم عند الله عز وجل ومقدار يوم القيامة

السؤال

يقول الله سبحانه وتعالى : ( فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ) في سورة المعارج ، وفي سورة السجدة ( فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) ، فهل من توضيح ؟

الجواب

الحمد لله

أولا :

الآيات الواردة في بيان قدر اليوم عند الله عز وجل نوعان :

النوع الأول : آيات تتحدث عن يوم القيامة وهوله ، وما يكون فيه من أحداث عظام ، وآيات باهرة

وأنَّ مِن أهواله طول ذلك اليوم بما يعادل خمسين ألف سنة من سني الدنيا ، وهذه الآية هي الآية الرابعة من سورة المعارج

حيث يقول الله عز وجل : ( سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ . لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ . مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ .

تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ . فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا . إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا . وَنَرَاهُ قَرِيبًا . يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ . وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ . وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا ) المعارج/1-10.

ويدل عليه حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

( مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ

فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ )

رواه مسلم (رقم/987)

قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس :

" هذا يوم القيامة ، جعله الله تعالى على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة " انتهى.

رواه الطبري في " جامع البيان " (23/602)

والنوع الثاني : آيات لا تتحدث عن طول يوم القيامة ، وإنما تتحدث عن طول الأيام التي عند الله عز وجل ، وقدرها بالنسبة لأيام الدنيا التي نعدها ، وهي الأيام التي يحدث الله فيها الخلق والتدبير

فبيَّن سبحانه وتعالى أن اليوم عنده يساوي ألف سنة من أيامنا هذه ، وقد جاء ذلك في سورة الحج

في الآية السابعة والأربعين ، حيث يقول تعالى : ( وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ )

وجاء أيضا في سورة السجدة ، في الآية الخامسة

حيث يقول عز وجل : ( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ

. يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ . ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) السجدة/4-6.

ويظهر واضحا من سياق الآيتين هنا أن الحديث فيها عن أيام الله التي يكون فيها خلقه وتدبيره ، فوصفها عز وجل بأن مقدارها يبلغ ألف سنة من أيام الدنيا .

وبهذا يتبيَّن أن النوعين السابقين من الآيات إنما تتحدث عن " أيام " مختلفة، وليست " أياما " واحدة

فاليوم في آية المعارج هو يوم القيامة ، ومقداره خمسون ألف سنة ، وأما اليوم في آيتي الحج والسجدة فهو اليوم عند الله الذي يدبر فيه الأمور ، ومقداره ألف سنة .

ويدل على ذلك التفريق بين اليومين ما رواه عبد الله بن أبي مليكة : أن رجلا سأل ابن عباس رضي الله عنهما عن قوله عز و جل : (و إن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون) فقال : من أنت ؟ فذكر له أنه رجل من كذا و كذا ،

فقال ابن عباس رضي الله عنهما : فما يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ؟ فقال الرجل : رحمك الله إنما سألتك لتخبرنا . فقال ابن عباس : يومان ذكرهما الله عز و جل في كتابه ، الله أعلم بهما .

فكره أن يقول في كتاب الله بغير علم .

رواه الحاكم في مستدركه (4/652) وصححه .

فبين ابن عباس رضي الله عنهما للسائل أنهما يومان ذكرهما الله في كتابه ، وهذا موطن الشاهد من قوله ، وإن كان تورع عن تحديد اليومين ، رضي الله عنه .

قال ابن حزم رحمه الله :

" يوم القيامة مقداره خمسون ألف سنة ، قال تعالى : ( فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ) المعارج/4 وبهذا أيضا جاءت الأخبار الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وأما الأيام التي قال الله تعالى فيها أن اليوم منها ألف سنة فهي أُخَر .

قال تعالى : ( يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) السجدة/5، وقال تعالى : ( وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) الحج/47.

فهي أيام أخر بنص القرآن ، ولا يحل إحالة نص عن ظاهره بغير نص آخر أو إجماع بيقين " انتهى باختصار.

" الفصل في الملل " (3/77) .

وقد سئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله عن سبيل الجمع بين الآيات السابقة فأجاب :

" قبل الإجابة على هذا السؤال أود أن أبين أنه ليس في كتاب الله ، ولا في ما صح عن رسول صلى الله عليه وسلم ، تعارض أبداً ، وإنما يكون التعارض فيما يبدو للإنسان ويظهر له

إما لقصور في فهمه ، أو لنقص في علمه ، وإلا فكتاب الله وما صح عن رسوله صلى الله عليه وسلم ليس فيهما تعارض إطلاقاً ، قال الله تعالى : ( أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً )

فإذا بدا لك أيها الأخ شيء من التعارض بين آيتين من كتاب الله ، أو حديثين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو بَيْن آية وحديث : فَأَعِد النظر مرة بعد أخرى ، فسيتبين لك الحقُّ ووجهُ الجمع

فإن عجزت عن ذلك فاعلم أنه إما لقصور فهمك ، أو لنقص علمك ، ولا تتهم كتاب الله عز وجل ، وما صح عن رسوله صلى الله عليه وسلم ، بتعارضٍ وتناقض أبدا .

وبعد هذه المقدمة أقول :

إن الآيتين اللتين أوردهما السائل في سؤاله

وهما قوله تعالى في سورة السجدة : ( يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) وقوله في سورة المعارج

: ( تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ) الجمع بينهما : أن آية السجدة في الدنيا

فإنه سبحانه وتعالى يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم ، كان مقدار هذا اليوم - الذي يعرج إليه الأمر - مقداره ألف سنة مما نعد ، لكنه يكون في يوم واحد

ولو كان بحسب ما نعد من السنين لكان عن ألف سنة

وقد قال بعض أهل العلم إن هذا يشير إلى ما جاء به الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام ( أن بين السماء الدنيا والأرض خمسمائة سنة ) فإذا نزل من السماء ثم عرج من الأرض فهذا ألف سنة .

وأما الآية التي في سورة المعارج

فإن ذلك يوم القيامة

كما قال تعالى : ( سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ . مِنْ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ . تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ )

وقوله : ( في يوم ) ليس متعلقاً بقوله تعالى : ( الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ ) ، لكنه متعلق بما قبل ذلك .

وقوله ( لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ . مِنْ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ . تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ ) هي جملة معترضة .

وبهذا تكون آية المعارج في يوم القيامة ، وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة في قصة مانع الزكاة أنه يحمى عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره

كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة .

فتبين بهذا أنه ليس بين الآيتين شيء من التعارض لاختلاف محلهما والله أعلم " انتهى باختصار.

" فتاوى نور على الدرب " (علوم القرآن والتفسير/سورة السجدة) .

وهذا هو اختيار العلامة محمد رشيد رضا في " تفسير المنار " (8/396) .

وفي المسألة أقوال أخرى لم نشأ الإطالة بها كي لا يختلط الأمر على القارئ ، وإنما اخترنا أوجَه الأقوال وأقواها ، ومن أراد المزيد فليرجع إلى : "

تفسير القرطبي " (14/89)

" تفسير القرآن العظيم " (8/221-224)

" أضواء البيان " (278-280) .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-22, 14:44
الله بكل شيء عليم

السؤال

ما معنى ( الله بكل شيء عليم ).

الجواب

الحمد لله

- الله بكل شيء عليم .. لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء .

. من الأقوال والأعمال .. والحركات والسكنات .. والطاعات والمعاصي .. ( ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير ) الحج/70 .

- والله سبحانه قد أحاط بكل شيءٍ علماً .. وكتبه في اللوح المحفوظ

كما قال سبحانه : ( وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهوداً إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين ) يونس/61 .

- والله وحده علام الغيوب .. يعلم ما في السماوات وما في الأرض كما قال الله سبحانه عن نفسه : ( إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ) البقرة/33.

- والله سبحانه وتعالى عليم بكل شيء .. ومفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو

كما قال سبحانه : ( وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ) الأنعام/59.

- والله وحده هو الذي يعلم قيام الساعة .. ونزول المطر .. وما في الأرحام .

. وعمل الإنسان .. وزمان ومكان أجله قال تعالى : ( إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير ) لقمان/34.

- والله سبحانه معنا ولا يخفى عليه شيء من أمرنا .. ( وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير ) الحديد/4.

- والله مطلع علينا .. يعلم أعمالنا خيراً كانت أو شراً .. ثم يخبرنا بها ويجازينا عليها يوم القيامة .

. كما قال سبحانه : ( ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك

ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم ) المجادلة/7.

- والله سبحانه يعلم وحده الغيب والشهادة .. والسر والجهر كما قال سبحانه عن نفسه : ( عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال ) الرعد/9.

وقال سبحانه : ( وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى ) طه/7.

المصدر: من كتاب أصول الدين الإسلامي

: تأليف الشيخ : محمد بن ابرهيم التويجري

*عبدالرحمن*
2019-02-22, 14:49
هل يدل قوله تعالى : ( لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ) على أن للقرآن يدين ؟

السؤال

قال الله جل جلاله : ( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ) .

فهل معنى ذلك أن للقرآن يدين حقيقيتين بكيفية مجهولة ؟!

الجواب

الحمد لله

أولا :

نزل القرآن بلسان عربي مبين ، وفيه من تفانين البلاغة ، وبراعة الأساليب

وطرائق العرب في كلامها : ما يوجب فهمه وفق ذلك ، فيتعرف القارئ والمتأول : طرائق العرب في كلامها ، ومعاني مفردات ، ودلالات أساليبها ، قبل أن يقضي على في معنى القرآن بشيء من ذلك .

قال سيبويه رحمه الله :

" العباد إنَّما كُلّموا بكلامهم ، وجاء القرآنُ على لغتهم وعلى ما يَعنون" .

انتهى من " الكتاب " (1/331) .

وقد عقد شيخ المفسرين ، ابن جرير الطبري ، في مقدمة تفسيره ، فصلا مهما في تقرير ذلك المعنى ، عنونه بقوله :
" القولُ في البيانِ عن اتفاق معاني آي القرآن

ومعاني منطِق مَنْ نزل بلسانه القرآن من وَجْه البيان - والدّلالة على أن ذلك من الله تعالى ذكره هو الحكمة البالغة - مع الإبانةِ عن فضْل المعنَى الذي به بَايَن القرآنُ سائرَ الكلام .." .

ينظر : "تفسير الطبري" (1/8) وما بعدها .

وقال الشاطبي رحمه الله :

" الْقُرْآنَ عَرَبِيٌّ ، وَالسُّنَّةُ عَرَبِيَّةٌ ، لَا بِمَعْنَى أَنَّ الْقُرْآنَ يَشْتَمِلُ عَلَى أَلْفَاظٍ أَعْجَمِيَّةٍ فِي الْأَصْلِ أَوْ لَا يَشْتَمِلُ ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ عِلْمِ النَّحْوِ وَاللُّغَةِ

بَلْ بِمَعْنَى أَنَّهُ فِي أَلْفَاظِهِ وَمَعَانِيهِ وَأَسَالِيبِهِ عَرَبِيٌّ ، بِحَيْثُ إِذَا حُقِّقَ هَذَا التَّحْقِيقَ : سُلِكَ بِهِ فِي الِاسْتِنْبَاطِ مِنْهُ وَالِاسْتِدْلَالِ بِهِ ، مَسْلَكَ كَلَامِ الْعَرَبِ فِي تَقْرِيرِ مَعَانِيهَا

وَمَنَازِعِهَا فِي أنواع مخاطباتها خاصة ؛ فإن كثيرا مِنَ النَّاسِ يَأْخُذُونَ أَدِلَّةَ الْقُرْآنِ بِحَسَبِ مَا يُعْطِيهِ الْعَقْلُ فِيهَا ، لَا بِحَسَبِ مَا يُفهم مِنْ طَرِيقِ الْوَضْعِ ، وَفِي ذَلِكَ فَسَادٌ كَبِيرٌ وَخُرُوجٌ عَنْ مَقْصُودِ الشَّارِعِ "

انتهى من " الموافقات " (1/39) .

ثانيا :

قول الله تعالى في وصف كتابه العزيز : ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيد ٍ) فصلت/ 41-42 .

قال الشيخ السعدي رحمه الله :

" ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ ) أي : يجحدون القرآن الكريم المذكر للعباد جميع مصالحهم الدينية والدنيوية والأخروية ، المُعلي لقدر من اتبعه

( لَمَّا جَاءَهُم ) نعمة من ربهم على يد أفضل الخلق وأكملهم . (و) الحال ( إِنَّهُ لَكِتَابٌ ) جامع لأوصاف الكمال ( عَزِيزٌ ) أي : منيع من كل من أراده بتحريف أو سوء ، ولهذا قال : ( لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ )

أي : لا يقربه شيطان من شياطين الإنس والجن ، لا بسرقة ، ولا بإدخال ما ليس منه به ، ولا بزيادة ولا نقص ، فهو محفوظ في تنزيله ، محفوظة ألفاظه ومعانيه

قد تكفل من أنزله بحفظه كما قال تعالى : ( إِنَّا نَحْنُ نزلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ )"

انتهى من " تفسير السعدي " (750) .

ولا مدخل لهذه الآية في وصف القرآن ، في أن يوصف بأنه له يدٌ ، أو ليس له يدٌ ، أو نحو ذلك ، فإن الوصف باليد ، والرجل ، ونحو ذلك : إنما هي من أوصاف الذوات ، والقرآن : كلام الله

وهو صفة من صفات الله ، والصفة لا توصف بأن لها يدًا ، أو ليس لها يدٌ ، فهذا فهم أجنبي من كلام العرب ، لا يتطرق إلى لغاتها بوجه ؛ وهذا مثل قوله صلى الله عليه وسلم

في وصف قرب الساعة : ( .. بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ ) ، في أحاديث كثيرة ، ومتنوعة ؛ فهل يعني ذلك : أن للساعة ، وهي القيامة : يدًا ، أو رجلاً ، أو ليس لها يدٌ ، أو رجلٌ ؟!

قال أبو المظفر السمعاني ، رحمه الله :

"وَقَوله : ( من بَين يَدَيْهِ ) أَي : قبل النُّزُول ، فَإِن الرُّسُل بشرت بِالْقُرْآنِ ، فَلَا يَأْتِيهِ مَا يدحضه ويبطله ( وَلَا من خَلفه ) أَي : بعد النُّزُول ، وَمَعْنَاهُ : أَنه لَا يَأْتِيهِ كتاب ينسخه "

انتهى من " تفسير السمعاني" (5/56) .

وقال ابن عطية رحمه الله :

"ما تقدم الشيء : فهو بين يديه ، وما تأخر عنه : فهو خلفه " .

انتهى من " المحرر الوجيز" (2/542) .

وقال أيضا :

" وقوله : ( مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ) ، معناه : ليس فيما تقدمه من الكتب ما يبطل شيئا منه. وقوله : ( وَلا مِنْ خَلْفِهِ ) ، أي : ليس يأتي بعده من نظر ناظر ، وفكرة عاقل : ما يُبطل أشياء منه .

والمراد باللفظ على الجملة : لا يأتيه الباطل من جهة من الجهات ".

انتهى من " المحرر الوجيز " (5/19) .

وينظر أيضا : " تفسير الطبري " (21/ 480)

" تفسير ابن عطية " (1/161)

" البحر المحيط " ، لأبي حيان (9/311)

" تفسير ابن كثير " (7/183)

" غريب القرآن " لابن قتيبة (389)

" لسان العرب " لابن منظور (5/375، 15/424) دار صادر .

والله تعالى أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-22, 14:54
من هو المعنيّ بقوله تعالى : ( قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) ؟

السؤال

أنا طالب علم تعلمت في بعض المدارس الإسلامية بسريلانكا

ولدي شكوك للاستفسار : ما تفسير قول الله تعالى في سورة النمل :

( قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآَهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ) : 1.من هو ذو العلم ؟

2.أهو من الجن أو الإنس ؟

3. ما اسمه ؟

الجواب

الحمد لله

قال الله تعالى في قصة سليمان مع ملكة سبأ : ( قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ *

قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ

قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ) النمل/38- 40 .

رد سليمان عليه السلام الرسول إلى بلقيس وأهل مملكتها ، وقال له : (ارْجِعْ إِلَيْهِمْ) أي بالهدية ( فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ ) ، فلما رجع الرسول إلى بلقيس تجهزت للمسير إلى سليمان .

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ قَالَ :

" لما رجعت إليها الرسل بما قال سليمان ، قَالَتْ : قَدْ وَاللَّهِ عَرَفْتُ مَا هَذَا بِمَلِكٍ ، وَمَا لَنَا بِهِ مِنْ طَاقَةٍ ، وَمَا نَصْنَعُ بمكابرته شَيْئًا ، وَبَعَثَتْ إِلَيْهِ : إِنِّي قَادِمَةٌ عَلَيْكَ بِمُلُوكِ قَوْمِي لِأَنْظُرَ مَا أَمْرُكَ وَمَا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مِنْ دِينِكَ "

انتهى من " تفسير ابن كثير" (6/ 172) .

فلما علم سليمان بمسيرها إليه قال لمن حوله : ( أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ)

قال ابن كثير رحمه الله :

" أَرَادَ بِإِحْضَارِ هَذَا السَّرِيرِ إِظْهَارَ عَظَمَةِ ما وهب الله له من الملك ، وما سخر لَهُ مِنَ الْجُنُودِ الَّذِي لَمْ يُعْطَهُ أَحَدٌ قَبْلَهُ وَلَا يَكُونُ لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ

وَلِيَتَّخِذَ ذَلِكَ حُجَّةً عَلَى نُبُوَّتِهِ عِنْدَ بِلْقِيسَ وَقَوْمِهَا لِأَنَّ هَذَا خَارِقٌ عَظِيمٌ أَنْ يَأْتِيَ بِعَرْشِهَا كَمَا هُوَ مِنْ بِلَادِهَا قَبْلَ أَنْ يَقْدَمُوا عَلَيْهِ ، هَذَا وَقَدْ حَجَبَتْهُ بِالْأَغْلَاقِ وَالْأَقْفَالِ وَالْحَفَظَةِ " .

انتهى من "تفسير ابن كثير" (6/ 173) .

فقال له عفريت من الجن ممن حضر هذا المجلس : ( أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ)

قال ابن كثير :

" قَالَ ابْنُ عباس رضي الله عنه: يَعْنِي قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَجْلِسِكَ ،

وَقَالَ مُجَاهِدٌ : مَقْعَدِكَ ، وَقَالَ السُّدِّيُّ وَغَيْرُهُ : " كَانَ يَجْلِسُ لِلنَّاسِ لِلْقَضَاءِ وَالْحُكُومَاتِ وَلِلطَّعَامِ ، مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ إِلَى أَنْ تَزُولَ الشَّمْسُ .

(وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ قَوِيٌّ عَلَى حَمْلِهِ ، أَمِينٌ عَلَى مَا فِيهِ مِنَ الْجَوْهَرِ، فقال سليمان عليه الصلاة والسلام : أُرِيدُ أَعْجَلَ مِنْ ذَلِكَ " .

انتهى من " تفسير ابن كثير" (6/ 173) .

فــ( قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ)

وكان "الذي عنده علم من الكتاب" : رجلا من صالحي الإنس وعلمائهم ، وليس من الجن ، والمشهور أن اسمه " آصف بن برخيا " ويقال : " برخياء " ، قيل: كان يعلم اسم الله الأعظم .

قال البغوي رحمه الله :

" وَاخْتَلَفُوا فِيهِ : فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ جِبْرِيلُ . وَقِيلَ: هُوَ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَيَّدَ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّهُ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ . وَقَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: هُوَ آصف بن برخيا ، وَكَانَ صِدّيقًا يَعْلَمُ اسْمَ اللَّهِ الْأَعْظَمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى " .

انتهى من "تفسير البغوي" (6/ 164) .

وقال السعدي رحمه الله :

" قال المفسرون: هو رجل عالم صالح عند سليمان يقال له: " آصف بن برخيا " كان يعرف اسم الله الأعظم الذي إذا دعا الله به أجاب، وإذا سأل به أعطى " .

انتهى من " تفسير السعدي" (ص 605)

وينظر : "تفسير ابن كثير" (6/ 173) .

(فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ)

" حمد الله تعالى على إقداره وملكه وتيسير الأمور له و ( قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ) أي : ليختبرني بذلك. فلم يغتر عليه السلام بملكه وسلطانه وقدرته كما هو دأب الملوك الجاهلين

بل علم أن ذلك اختبار من ربه فخاف أن لا يقوم بشكر هذه النعمة

ثم بين أن هذا الشكر لا ينتفع الله به وإنما يرجع نفعه إلى صاحبه فقال: ( وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ) غني عن أعماله ، كريم كثير الخير

يعم به الشاكر والكافر، إلا أن شكر نعمه داع للمزيد منها وكفرها داع لزوالها "

انتهى من " تفسير السعدي " (ص 605) .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-22, 14:59
هل الرفع المذكور في قوله تعالى عن إدريس ( ورفعناه مكانا عليا) رفع حقيقي أم معنوي ؟

السؤال

قال تعالى عن إدريس عليه السلام : ( ورفعناه مكاناً علياً

) ما تفسير هذه الآية ، وما الدليل من الكتاب والسنة ؟

الجواب

الحمد لله

إدريس عليه السلام من الأنبياء الذين ذكرهم الله في كتابه الكريم

فقال : ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا )

" أي : اذكر على وجه التعظيم والإجلال

والوصف بصفات الكمال ( إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا) جمع الله له بين الصديقية ، الجامعة للتصديق التام ، والعلم الكامل ، واليقين الثابت ، والعمل الصالح ، وبين اصطفائه لوحيه ، واختياره لرسالته "

انتهى من " تفسير السعدي " ص 496 .

وأثنى الله عليه بقوله : ( وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا ) .

واختلف المفسرون في تأويل هذه الآية على قولين :

القول الأول :

أن المقصود بالرفع في الآية : " الرفع المعنوي" أي : رفعناه منزلةً عاليةً ومكانة رفيعةً بين الناس ، وهي منزلة النبوة التي هي أعلى المنازل والمراتب .

قال البيضاوي رحمه الله :

" ( ورفعناه مكانا عليا ) يعني : شرفَ النبوة والزلفى عند الله " .

انتهى من " أنوار التنزيل وأسرار التأويل " (4/22) .

وقال العلامة السعدي رحمه الله :

" ( وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا ) أي : رفع الله ذكره في العالمين ، ومنزلته بين المقربين ، فكان عالي الذكر ، عالي المنزلة " .

انتهى من " تيسير الكريم الرحمن " (ص/496) .

القول الثاني

: أن المقصود من الرفع في هذه الآية : " الرفع الحسي الحقيقي"

وهو قول أكثر المفسرين ، غير أنهم اختلفوا في المكان الذي رُفع إليه ، وسبب الرفع وقصته ، كما اختلفوا في موته ، هل رفع وقبض ، أم بقي حياً ؟

قال ابن جرير الطبري رحمه الله :

" يعني به : إلى مكان ذي علوّ وارتفاع ، وقال بعضهم : رُفع إلى السماء السادسة ، وقال آخرون : الرابعة "

انتهى من " جامع البيان " (18/212) .

وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله :

" قال سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد : ( وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا ) قال : رفع إلى السماء الرابعة .

وقال العوفي عن ابن عباس

: ( وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا ) قال : رفع إلى السماء السادسة فمات بها ، وهكذا قال الضحاك بن مُزَاحم .

وقال الحسن ، وغيره ، في قوله : ( وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا ) قال : الجنة " .

انتهى مختصرا من " تفسير القرآن العظيم " (5/240-241).

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله :

" وكون إدريس رفع وهو حي لم يثبت من طريق مرفوعةٍ قوية "

انتهى من " فتح الباري " (6/375) .

والأقرب :

أن يفسر ذلك بما جاء في حديث أنس رضي الله عنه في الإسراء ، وفيه : " ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، قِيلَ : مَنْ هَذَا ؟

قَالَ: جِبْرِيلُ ، قِيلَ : وَمَنْ مَعَكَ ؟

قَالَ : مُحَمَّدٌ ، قَالَ : وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ ؟

قَالَ : قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ ، فَفُتِحَ لَنَا ، فَإِذَا أَنَا بِإِدْرِيسَ ، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ ، قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ : (وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا) .." رواه مسلم (259) .

ففي هذا دلالة على كونه في السماء الرابعة ، ولا ينافي ذلك الرفعة المعنوية الحاصلة بالنبوة .

وقد وصف ابن جزي هذا القول بأنه أشهر ، ثم قال : " ورجَّحه الحديث " .

انتهى من " التسهيل " (3/7) .

وقال الحافظ ابن كثير في " البداية والنهاية " (1/100) : "

قوله تعالى : ( ورفعناه مكانا عليا) هو كما ثبت في الصحيحين في حديث الإسراء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر به وهو في السماء الرابعة ، ...

والحديث المتفق عليه من أنه في السماء الرابعة أصح " انتهى.

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-22, 15:15
الكلام على حرف : ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى فَآتَوْهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً )

السؤال

أريد ردا على سؤالي حتى يشفى قلبي : وهو تفسير جامع البيان في القران للطبري ، في تفسير الاية 24 من سورة النساء : عن حبيب بن أبي ثابت : أعطاني ابن العباس مصحفا فقال : هذا على قراءة أبي .

فقال أبو كريب : قال يحيى فرأيت المصحف عند نصير فيه( فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى ) . و"أجل مسمى" : ليست في المصاحف التي بين أيدينا ؟

ويوجد هذا النص في مصادر أخرى من كتب الحديث والتفسير ؟

الجواب

الحمد لله

روى الطبري في "تفسيره" (8/ 177) والحاكم في "مستدركه" (3192)

وابن أبي داود في "المصاحف" (ص204) عن أبي نضْرَةَ، قال: قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ) .

قَالَ أَبُو نَضْرَةَ: فَقُلْتُ: مَا نَقْرَؤُهَا كَذَلِكَ.

فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " وَاللَّهِ لَأَنْزَلَهَا اللَّهُ كَذَلِكَ ".

وصححه الحاكم على شرط مسلم .

قال ابن كثير رحمه الله

:" كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالسُّدِّيُّ يَقْرَءُونَ : ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى فَآتَوْهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً) ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: نَزَلَتْ فِي نِكَاحِ الْمُتْعَةِ، وَلَكِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ " .

انتهى من "تفسير ابن كثير" (2/ 226) .

وهذا الحرف : ( إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى ) ليس من القراءة المتواترة ، والقراءة المتواترة المثبتة في المصحف - كما هو معروف - هي : ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ) بدون هذا الحرف .

فعلى القول بأنه كان من القرآن : فإنه إنما كان يُقرأ به أولا ، وكان نكاح المتعة أول الإسلام جائزا ، ثم نسخ ذلك كله ، وحرمت المتعة إلى يوم القيامة .

وروى مسلم (1406) عن ابْن أَبِي عَمْرَةَ قال : " إِنَّهَا كَانَتْ رُخْصَةً فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ لِمَنِ اضْطُرَّ إِلَيْهَا، كَالْمَيْتَةِ، وَالدَّمِ، وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ، ثُمَّ أَحْكَمَ اللهُ الدِّينَ وَنَهَى عَنْهَا " .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

" فإن قيل: ففي قراءة طائفة من السلف: (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى) قيل: أولا ليست هذه القراءة متواترة، وغايتها أن تكون كأخبار الآحاد.

ونحن لا ننكر أن المتعة أحلت في أول الإسلام، لكن الكلام في دلالة القرآن على ذلك.

الثاني: أن يقال: هذا الحرف إن كان نزل ، فلا ريب أنه ليس ثابتا من القراءة المشهورة، فيكون منسوخا، ويكون نزوله لما كانت المتعة مباحة، فلما حرمت نسخ هذا الحرف، ويكون الأمر بالإيتاء في الوقت

تنبيها على الإيتاء في النكاح المطلق.

وغاية ما يقال: إنهما قراءتان، وكلاهما حق.

والأمر بالإيتاء في الاستمتاع إلى أجل مسمى : واجب إذا كان ذلك حلالا

وإنما يكون ذلك إذا كان الاستمتاع إلى أجل مسمى حلالا، وهذا كان في أول الإسلام، فليس في الآية ما يدل على أن الاستمتاع بها إلى أجل مسمى : حلال

فإنه لم يقل: وأحل لكم أن تستمتعوا بهن إلى أجل مسمى، بل قال: (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن) فهذا يتناول ما وقع من الاستمتاع: سواء كان حلالا، أو كان في وطء شبهة.

وأيضا : فإن الله تعالى إنما أباح في كتابه : الزوجة وملك اليمين، والمتمتَّع بها ليست واحدة منهما، فإنها لو كانت زوجة لتوارثا، ولوجبت عليها عدة الوفاة

ولحقها الطلاق الثلاث؛ فإن هذه أحكام الزوجة في كتاب الله تعالى، فلما انتفى عنها لوازم النكاح ، دل على انتفاء النكاح ؛ فإن انتفاء اللازم يقتضي انتفاء الملزوم.

والله تعالى إنما أباح في كتابه الأزواج وملك اليمين، وحرم ما زاد على ذلك ، والمستمتع بها بعد التحريم : ليست زوجة، ولا ملك يمين، فتكون حراما بنص القرآن "

انتهى ملخصا من "منهاج السنة" (4/ 187-191) .

وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله :

" قَوْلُهُ تَعَالَى: ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) الْآيَةَ، يَعْنِي: كَمَا أَنَّكُمْ تَسْتَمْتِعُونَ بِالْمَنْكُوحَاتِ فَأَعْطُوهُنَّ مُهُورَهُنَّ فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ، فَالْآيَةُ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ، لَا فِي نِكَاحِ الْمُتْعَةِ كَمَا قَالَ بِهِ مَنْ لَا يَعْلَمُ مَعْنَاهَا.

فَإِنْ قِيلَ: التَّعْبِيرُ بِلَفْظِ الْأُجُورِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ الْأُجْرَةُ فِي نِكَاحِ الْمُتْعَةِ ; لِأَنَّ الصَّدَاقَ لَا يُسَمَّى أَجْرًا؟.

فَالْجَوَابُ : أَنَّ الْقُرْآنَ جَاءَ فِي تَسْمِيَةِ الصَّدَاقِ أَجْرًا

كَمَا فِي قَوْلِهِ: ( فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) الْآيَةَ ، أَيْ: مُهُورَهُنَّ بِلَا نِزَاعٍ

وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ( وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) الْآيَةَ ، أَيْ: مُهُورَهُنَّ ، فَاتَّضَحَ أَنَّ الْآيَةَ فِي النِّكَاحِ لَا فِي نِكَاحِ الْمُتْعَةِ .

فَإِنْ قِيلَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالسُّدِّيُّ يَقْرَءُونَ: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى) ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ فِي نِكَاحِ الْمُتْعَةِ، فَالْجَوَابُ مِنْ أَوْجُهٍ:

الْأَوَّلُ: أَنَّ قَوْلَهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى لَمْ يَثْبُتْ قُرْآنًا ; لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى عَدَمِ كَتْبِهِ فِي الْمَصَاحِفِ الْعُثْمَانِيَّةِ .

الثَّانِي: أَنَّا لَوْ مَشَيْنَا عَلَى أَنَّهُ يُحْتَجُّ بِهِ ، كَالِاحْتِجَاجِ بِخَبَرِ الْآحَادِ ، كَمَا قَالَ بِهِ قَوْمٌ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ تَفْسِيرٌ مِنْهُمْ لِلْآيَةِ بِذَلِكَ، فَهُوَ مُعَارَضٌ بِأَقْوَى مِنْهُ ; لِأَنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ عَلَى خِلَافِهِ

; وَلِأَنَّ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ الصَّرِيحَةَ قَاطِعَةٌ بِكَثْرَةٍ ، بِتَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ .

الثَّالِثُ: أَنَا لَوْ سَلَّمْنَا تَسْلِيمًا جَدَلِيًّا أَنَّ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى إِبَاحَةِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ ، فَإِنَّ إِبَاحَتَهَا مَنْسُوخَةٌ ، كَمَا صَحَّ نَسْخُ ذَلِكَ فِي الْأَحَادِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

الرَّابِعُ: أَنَّهُ تَعَالَى صَرَّحَ بِأَنَّهُ يَجِبُ حِفْظُ الْفَرْجِ عَنْ غَيْرِ الزَّوْجَةِ وَالسُّرِّيَّةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ( إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ )

ثُمَّ صَرَّحَ بِأَنَّ الْمُبْتَغي وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْعَادِينَ بِقَوْلِهِ: ( فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ) ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُسْتَمْتِعَ بِهَا لَيْسَتْ مَمْلُوكَةً وَلَا زَوْجَةً ، فَمُبْتَغِيهَا إِذَنْ مِنَ الْعَادِينَ بِنَصِّ الْقُرْآنِ .

وَسِيَاقُ الْآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِهَا : يَدُلُّ دَلَالَةً وَاضِحَةً عَلَى أَنَّ الْآيَةَ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ ، لَا فِي نِكَاحِ الْمُتْعَةِ ; لِأَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ الْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي لَا يَجُوزُ نِكَاحُهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ ) الْخَ .

ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ غَيْرَ تِلْكَ الْمُحَرَّمَاتِ حَلَالٌ بِالنِّكَاحِ بِقَوْلِهِ: ( وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ )، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ مَنْ نَكَحْتُمْ مِنْهُنَّ وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا يَلْزَمُكُمْ أَنْ تُعْطُوهَا مَهْرَهَا، مُرَتَّبًا لِذَلِكَ بِالْفَاءِ عَلَى النِّكَاحِ

بِقَوْلِهِ: ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ ) الْآيَةَ "

انتهى ملخصا من "أضواء البيان" (1/ 236-238) .

وقد ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما ما يشعر بأنه رجع عن القول بإباحة نكاح المتعة .

فروى البخاري (5116) عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ: سُئِلَ عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ فَرَخَّصَ ، فَقَالَ لَهُ مَوْلًى لَهُ: إِنَّمَا ذَلِكَ فِي الحَالِ الشَّدِيدِ، وَفِي النِّسَاءِ قِلَّةٌ؟ أَوْ نَحْوَهُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَعَمْ .

وقال الشيخ ابن باز رحمه الله :

" ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ثبوتا لا شك فيه : الإذن في نكاح المتعة، ثم تحريمه تحريما مؤبداً إلى يوم القيامة، وحكي إجماع من سوى الشيعة على ذلك، وما يشبه الإجماع من أئمة العلم

منهم : أبو عبيد القاسم بن سلام ، وأبو جعفر النحاس ، وأبو جعفر الطحاوي ، وأبو القاسم البغوي ، وأبو بكر الحازمي ، وابن المنذر وابن بطال وأبو سليمان الخطابي وغيرهم "

انتهى بتصرف واختصار من "مجموع فتاوى ابن باز" (20/ 291-296)

راجع إجابة السؤال الاتي

زواج المتعة والرد على من يبيحه من الروافض (https://www.djelfa.info/vb/showpost.php?p=3997621879&postcount=4)

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-22, 15:20
( اقرأ باسم ربك ) أمر بالقراءة من المحفوظ وليس من المكتوب

السؤال

منذ أيام سألني أحد الأصدقاء من غير المسلمين عن أول لقاء بين جبريل عليه السلام والنبي محمد صلى الله عليه وسلم ، فقال : لماذا طلب جبريل من النبي صلى الله عليه وسلم أن يقرأ بدلاً من أن يقول له " قل "

كما جرت العادة في كثير من الآيات ، فجبريل عليه السلام لم يعطِ النبي صلى الله عليه وسلم كتاباً ولا مخطوطة .

. فماذا يقرأ إذاً . فاحترت لإجابة هذا السؤال ، ولم أدر ما أقول ، لذا نقلت إليكم سؤاله حتى تجيبوا عنه ؟

الجواب

الحمد لله

واضح من مثل هذا السؤال أن سبب وروده قلة العلم باللغة العربية التي نزل بها القرآن

وعدم الاطلاع على استعمالات العرب للكلمات والسياقات التي ترد بها ، فليس في السؤال إشكال حقيقي ، وإنما يتبين جوابه بسهولة للسائل إذا عرف معنى كلمة ( اقرأ ) في اللغة العربية .

فهذه الكلمة تستعمل بمعنيين :

الأول : القراءة من المكتوب ، وهو المعنى المتبادر لدى الناس

ومنه قول الله تعالى : ( اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ) الإسراء/14 .

الثاني : القراءة عن ظهر قلب ( من المحفوظ في الذاكرة ) ، بمعنى التلاوة المجردة عن النظر في شيء مكتوب

ومن ذلك قول الله عز وجل : ( إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ . فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ) القيامة/17-18

ومعلوم أن جبريل عليه السلام كان يقرأ القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وسلم من غير كتاب . ومنه أيضا قول الله عز وجل : ( فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ) النحل/98

وقوله سبحانه : ( وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا ) الإسراء/45 .

وكذلك قوله تعالى : ( وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا ) الإسراء/106. وهي كلها تصف تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم آيات الكتاب الكريم بأنها ( قراءة ) ،

رغم أنه عليه الصلاة والسلام كان أميا ، لا يقرأ من الكتب ، وإنما يقرأ من محفوظه الذي جمعه الله له في قلبه .

وهكذا ينبغي أن نفهم قول الله عز وجل : ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ . خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ . اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ )

العلق/1-3 . على أنه أمر بالقراءة من المحفوظ ، وتلاوة ما سيلقيه عليه جبريل عليه السلام . فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله ( ما أنا بقارئ ) أي لا أعرف القراءة من الكتاب ،

فكيف لي أن أقرأ شيئا لا أحفظه ولا أعرفه .

يقول الشيخ عطية سالم رحمه الله :

" القراءة لغة الإظهار والإبراز ، كما قيل في وصف الناقة : لم تقرأ جنينا ، أي لم تُنتِج . وتقدم للشيخ بيان هذا المعنى لغة ، وتوجيه الأمر بالقراءة إلى نبي أمي لا تعارض فيه

; لأن القراءة تكون من مكتوب وتكون من متلو ، وهنا من متلو ، يتلوه عليه جبريل عليه السلام

وهذا إبراز للمعجزة أكثر ; لأن الأمي بالأمس صار معلَّمًا اليوم . وقد أشار السياق إلى نوعي القراءة هذين ، حيث جمع القراءة مع التعليم بالقلم "

انتهى من " تتمة أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن " (9/13) .

ويقول العلامة الطاهر بن عاشور رحمه الله :

" قوله تعالى : ( اقرأ ) أمر بالقراءة . والقراءة نطق بكلام معين مكتوب ، أو محفوظ على ظهر قلب .

والأمر بالقراءة مستعمل في حقيقته من الطلب لتحصيل فعل في الحال أو الاستقبال

فالمطلوب بقوله : ( اقرأ ) أن يفعل القراءة في الحال أو المستقبل القريب من الحال

أي أن يقول ما سيُملَى عليه ، والقرينة على أنه أمر بقراءة في المستقبل القريب أنه لم يتقدم إملاء كلام عليه محفوظ فتطلب منه قراءته

ولا سلمت إليه صحيفة فتطلب منه قراءتها ، فهو كما يقول المعلِّمُ للتلميذ : اكتب ، فيتأهب لكتابة ما سيمليه عليه .

وفي حديث الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قولها فيه : ( حتى جاءه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال : اقرأ . قال

فقلت : ما أنا بقارئ . فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال : اقرأ .

فقلت : ما أنا بقارئ . فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال : اقرأ . فقلت : ما أنا بقارئ . فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد

، ثم أرسلني فقال : اقرأ باسم ربك الذي خلق إلى ما لم يعلم ) فهذا الحديث روته عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقولها ( قال :

فقلت : ما أنا بقارئ ) وجميع ما ذكرته فيه مما روته عنه لا محالة ، وقد قالت فيه : ( فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده )،

أي : فرجع بالآيات التي أمليت عليه . أي : رجع متلبسا بها ، أي : بوعيها . وهو يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلقى ما أوحي إليه ، وقرأه حينئذ . ويزيد ذلك إيضاحا

قولها في الحديث : ( فانطلقت به خديجة إلى ورقة بن نوفل فقالت له خديجة : يا ابن عم ! اسمع من ابن أخيك )

أي : اسمع القول الذي أوحي إليه

. وهذا ينبىء بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ما قيل له بعد الغطة الثالثة : ( اقرأ باسم ربك ) الآيات الخمس قد قرأها ساعتئذ كما أمره الله ، ورجع من غار حراء إلى بيته يقرؤها .

وعلى هذا الوجه يكون قول الملك له في المرات الثلاث : ( اقرأ ) إعادة للفظ المنزل من الله ، إعادة تكرير للاستئناس بالقراءة التي لم يتعلمها من قبل .

ولم يذكر لفعل ( اقرأ ) مفعول ، إما لأنه نزل منزلة اللازم ، وأن المقصود : أوجِد القراءة ، وإما لظهور المقروء من المقام ، وتقديره : اقرأ ما سنلقيه إليك من القرآن "

انتهى من " التحرير والتنوير (30/435) .

والخلاصة :

أن الأمر بالقراءة في هذه الآية ( اقرأ باسم ربك ) ليس من صحيفة مكتوبة ، بل من محفوظ خاص تعلمه

فأجاب النبي صلى الله عليه وسلم بأنه أمي ، لم يحفظ شيئا من كتاب قرأه قبل ذلك

فألقى عليه جبريل أوائل سورة العلق ليقرأها

أي : ليحفظها ويتلوها بعد ذلك .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-22, 15:24
هل كان انشقاق البحر لنبي الله موسى إلى طريق واحد أم عدة طرق

السؤال

سمعت روايتين مختلفتين لقصة انفلاق البحر لموسى عليه السلام ، الأولى تقول : إن البحر انفلق إلى شقين ، والرواية الأخرى تقول : إنه انفلق إلى سبعة أجزاء ، كل جزء لقبيلة من قبائل بني إسرائيل

. فهل بالإمكان إلقاء بعض الضوء على هذا الموضوع ؟

الجواب

الحمد لله

قص علينا سبحانه وتعالى قصة فرعون مع نبي الله موسى

وكيف أنجاه من بطش فرعون وجنوده

إذ شق الله البحر لموسى عليه السلام ليعبره مع قومه

فقال : ( فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ ، فَانفَلَقَ ، فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ )الشعراء/63.

ولم يبين لنا سبحانه وتعالى كيفية انشقاق البحر ، هل كان إلى طودين عظيمين بينهما طريق واحد ، أم إلى أكثر من طريق ، ولفظ الآية يحتمل الأمرين .

والذي ذكره أكثر المفسرين أن البحر انشق إلى اثني عشر طريقاً ، على عدد أسباط بني إسرائيل .

وقد صح هذا القول عن حبر الأمة عبد الله بن عباس .

فروى الطبري في " تفسيره" (1/658)

بسند صحيح عن ابن عباس أنه قال : "

... فَضَرَبَ مُوسَى الْبَحْرَ بِعَصَاهُ ، فَانْفَلَقَ ، فَكَانَ فِيهِ اثْنَا عَشَرَ طَرِيقًا ، كُلُّ طَرِيقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ، فَكَانَ لِكُلِّ سِبْطٍ مِنْهُمْ طَرِيقٌ يَأْخُذُونَ فِيهِ ...". انتهى .

وهو اختيار شيخ المفسرين أبو جعفر الطبري ، حيث قال في تفسير قوله تعالى : ( وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ ، فَأَنْجَيْنَاكُمْ ، وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ).

قال : " وَمَعْنَى قَوْلِهِ : ( فَرَقْنَا بِكُمُ ) فَصَلْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا

فَفَرَقَ الْبَحْرَ اثْنَيْ عَشَرَ طَرِيقًا ، فَسَلَكَ كُلُّ سِبْطٍ مِنْهُمْ طَرِيقًا مِنْهَا ، فَذَلِكَ فَرْقُ اللَّهِ بِهِمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْبَحْرَ ، وَفَصْلُهُ بِهِمْ بِتَفْرِيقِهِمْ فِي طَرِيقِ الِاثْنَيْ عَشَرَ ".

انتهى من " تفسير الطبري " (1/654) .

ولم نقف على قولٍ لأحد من أهل التفسير يذكر فيه أن البحر انشق إلى سبعة طرق .

ولا بد من التنبيه إلى أن منهج القرآن في عرض القصص : الاهتمام بالمقاصد ومواطن العبر والعظات منها ، وإهمال الجزئيات التي لا تفيد ، أو لا يترتب عليها عمل .

والله أعلم .

و اخيرا

الحمد لله الذي بفضلة تتم الصالحات

اخوة الاسلام

اكتفي بهذا القدر و لنا عوده
ان قدر الله لنا البقاء و اللقاء

و اسال الله ان يجمعني بكم دائما
علي خير

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين

*عبدالرحمن*
2019-02-23, 17:08
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)
اخوة الاسلام

أحييكم بتحية الإسلام
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)


هل يعد أخو الزوجة حكما من أهلها ؟

السؤال

هل يعد أخو الزوجة حكما من أهلها ؟

الجواب

الحمد لله

" ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا اشْتَدَّ خِلاَفُ الزَّوْجَيْنِ ، وَأَشْكَل أَمْرُهُمَا

وَلَمْ يُدْرَ مِمَّنِ الإْسَاءَةُ مِنْهُمَا ، وَخِيفَ الشِّقَاقُ بَيْنَهُمَا إِلَى حَدٍّ يُؤَدِّي إِلَى مَا حَرَّمَ اللَّهُ مِنَ الْمَعْصِيَةِ وَالظُّلْمِ

فَإِنَّ التَّحْكِيمَ بَيْنَهُمَا يَكُونُ مَشْرُوعًا بِقَوْل اللَّهِ عَزَّ وَجَل : ( وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا) النساء/35 "

انتهى من "الموسوعة الفقهية" (40/ 308) .

قال ابن كثير رحمه الله :

" قال الْفُقَهَاءُ : إِذَا وَقَعَ الشِّقَاقُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ ، أَسْكَنَهُمَا الْحَاكِمُ إِلَى جَنْبِ ثِقَةٍ يَنْظُرُ فِي أَمْرِهِمَا ،

وَيَمْنَعُ الظَّالِمَ مِنْهُمَا مِنَ الظُّلْمِ، فَإِنْ تَفَاقَمَ أَمَرُهُمَا وَطَالَتْ خُصُومَتُهُمَا، بَعَثَ الْحَاكِمُ ثِقَةً مَنْ أَهْلِ الْمَرْأَةِ

وَثِقَةً مِنْ قَوْمِ الرَّجُلِ : لِيَجْتَمِعَا ؛ فينظرا فِي أَمْرِهِمَا ، وَيَفْعَلَا مَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ مِمَّا يَرَيَانِهِ ، مِنَ التَّفْرِيقِ أَوِ التَّوْفِيقِ ، وَتَشَوَّفَ الشَّارِعُ إلى التوفيق، ولهذا قال تَعَالَى: (إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما) ".

انتهى من "تفسير ابن كثير" (2/ 259) .

والأقارب أولى الناس بهذه المصالحة ؛ لما يُعلم عنهم عادة من محبة الوفاق والسعي إليه بكل طريق ، وبغض الفراق والحيلولة دونه .

قال الصاوي المالكي في "حاشيته" (2/ 513):

" قَوْلُهُ : "حَكَمَيْنِ مِنْ أَهْلِهِمَا" : أَيْ لِأَنَّ الْأَقَارِبَ أَعْرَفُ بِبَوَاطِنِ الْأَحْوَالِ ، وَأَطْيَبُ لِلْإِصْلَاحِ ، وَنُفُوسُ الزَّوْجَيْنِ أَسْكَنُ إلَيْهِمَا ، فَيُبْرِزَانِ مَا فِي ضَمَائِرِهِمَا مِنْ الْحُبِّ وَالْبُغْضِ ، وَإِرَادَةِ الْفُرْقَةِ أَوْ الصُّحْبَةِ " انتهى .

ويدخل في ذلك أخو الزوجة ، وكذا أخو الزوج ، وهما من أولى الناس بذلك ، إذا كانا عدلين عاقلين صالحين ؛ فهما داخلان في عموم "أهله" ، و"أهلها"

من غير شك ، ويزيدان على غيرهما أنهما ـ في معتاد الأحوال ـ أشد حرصا على التوفيق والإصلاح بين الزوجين ، من غيرهما من الأبعدين ، لما لهما من الخاصة والقرابة بالزوجين .

قال ابن حزم رحمه الله في تفسير الأهل في هذه الآية :

" الْأَهْلُ الْقَرَابَةُ : هُمْ مِنْ الْأَبِ وَالْأُمِّ ، وَالْأَهْلُ أَيْضًا : الْمَوَالِي " .

انتهى من "المحلى" (9/ 246) .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-23, 17:15
تفسير ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ قوله تعالى : ( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي)

السؤال

قال الله تعالى في سورة البقرة "مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً...الآية". فإلى ماذا يشير المثال في الآية ؟

وماذا ينبغي على من ضُرب المثل في شأنهم أن يفعلوا ؟

هل يستمروا في ايقاد النار، أم يمشوا في الظلام ؟

الجواب

الحمد لله

أولا :

يضرب الله الأمثال في القرآن للناس لعلهم يعقلون ويفقهون ؛ فإن المثل يقرب المعنى ، وتقام به الحجة ، ويزول به اللبس ، وترتفع به الغشاوة عن القلوب ، فينتفع به أهل العلم ، وتقام به الحجة على الذين لا يعلمون .

ثانيا :

قال الله تعالى عن المنافقين :

( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ) البقرة/ 17، 18 .

فشَبَّهَهُمْ في اشترائهم الضلالة بالهدى، وصيرورتهم بعد البصيرة إِلَى الْعَمَى، بِمَنِ اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ وَانْتَفَعَ بِهَا وَأَبْصَرَ بِهَا مَا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ وَتَأَنَّسَ بِهَا فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ طُفِئَتْ نَارُهُ وَصَارَ

فِي ظَلَامٍ شَدِيدٍ لَا يُبْصِرُ وَلَا يَهْتَدِي، وَهُوَ مَعَ هذا أَصَمُّ لَا يَسْمَعُ أَبْكَمُ لَا يَنْطِقُ أَعْمَى ، لو كان ضياء لما أَبْصَرَ، فَلِهَذَا لَا يَرْجِعُ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ

هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ فِي اسْتِبْدَالِهِمُ الضَّلَالَةَ عِوَضًا عَنِ الْهُدَى وَاسْتِحْبَابِهِمُ الْغَيَّ عَلَى الرُّشْدِ. وَفِي هَذَا الْمَثَلِ دلَالَةٌ عَلَى أنهم آمنوا ثم كفروا كما أخبر تعالى عنهم فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ .

فاكْتَسَبُوا أَوَّلًا بِإِيمَانِهِمُ نُورًا ، ثُمَّ بِنِفَاقِهِمْ ثَانِيًا أَبْطَلُوا ذلك النور ، فَوَقَعُوا فِي حَيْرَةٍ عَظِيمَةٍ .

انظر : "تفسير ابن كثير" (1/ 96-97) .

وقال السعدي رحمه الله :

" أي: مثلهم المطابق لما كانوا عليه كمثل الذي استوقد نارا ، أي: كان في ظلمة عظيمة

وحاجة إلى النار شديدة فاستوقدها من غيره ، ولم تكن عنده معدَّة ، بل هي خارجة عنه ، فلما أضاءت النار ما حوله ، ونظر المحل الذي هو فيه ، وما فيه من المخاوف وأمنها

وانتفع بتلك النار، وقرت بها عينه ، وظن أنه قادر عليها، فبينما هو كذلك ، إذ ذهب الله بنوره ، فذهب عنه النور، وذهب معه السرور

وبقي في الظلمة العظيمة والنار المحرقة ، فذهب ما فيها من الإشراق، وبقي ما فيها من الإحراق، فبقي في ظلمات متعددة: ظلمة الليل، وظلمة السحاب، وظلمة المطر

والظلمة الحاصلة بعد النور، فكيف يكون حال هذا الموصوف؟ فكذلك هؤلاء المنافقون ، استوقدوا نار الإيمان من المؤمنين ، ولم تكن صفة لهم، فانتفعوا بها وحقنت بذلك دماؤهم

وسلمت أموالهم ، وحصل لهم نوع من الأمن في الدنيا، فبينما هم على ذلك إذ هجم عليهم الموت ، فسلبهم الانتفاع بذلك النور، وحصل لهم كل هم وغم وعذاب ، وحصل لهم ظلمة القبر، وظلمة الكفر

وظلمة النفاق، وظلم المعاصي على اختلاف أنواعها ، وبعد ذلك ظلمة النار وبئس القرار " .

انتهى من "تفسير السعدي" (ص 44) .

وقال ابن القيم رحمه الله :

" شَبَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْدَاءَهُ الْمُنَافِقِينَ بِقَوْمٍ أَوْقَدُوا نَارًا لِتُضِيءَ لَهُمْ وَيَنْتَفِعُوا بِهَا، فَلَمَّا أَضَاءَتْ لَهُمُ النَّارُ فَأَبْصَرُوا فِي ضَوْئِهَا مَا يَنْفَعُهُمْ وَيَضُرُّهُمْ وَأَبْصَرُوا الطَّرِيقَ بَعْدَ أَنْ كَانُوا

حَيَارَى تَائِهِينَ ، فَهُمْ كَقَوْمٍ سَفْرٍ ضَلُّوا عَنِ الطَّرِيقِ فَأَوْقَدُوا النَّارَ لِتُضِيءَ لَهُمُ الطَّرِيقَ ; فَلَمَّا أَضَاءَتْ لَهُمْ فَأَبْصَرُوا وَعَرَفُوا طُفِئَتْ تِلْكَ النَّارُ وَبَقُوا فِي الظُّلُمَاتِ لَا يُبْصِرُونَ قَدْ سُدَّتْ عَلَيْهِمْ أَبْوَابُ الْهُدَى الثَّلَاثُ

فَإِنَّ الْهُدَى يَدْخُلُ إِلَى الْعَبْدِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ، مِمَّا يَسْمَعُهُ بِأُذُنِهِ وَيَرَاهُ بِعَيْنِهِ وَيَعْقِلُهُ بِقَلْبِهِ ، وَهَؤُلَاءِ قَدْ سُدَّتْ عَلَيْهِمْ أَبْوَابُ الْهُدَى فَلَا تَسْمَعُ قُلُوبُهُمْ شَيْئًا وَلَا تُبْصِرُهُ وَلَا تَعْقِلُ مَا يَنْفَعُهَا.

وَقِيلَ: لَمَّا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِأَسْمَاعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَقُلُوبِهِمْ نَزَلُوا مَنْزِلَةَ مَنْ لَا سَمْعَ لَهُ وَلَا بَصَرَ وَلَا عَقْلَ

وَالْقَوْلَانِ مُتَلَازِمَانِ، وَقَالَ فِي صِفَتِهِمْ: (فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ); لِأَنَّهُمْ قَدْ رَأَوْا فِي ضَوْءِ النَّارِ وَأَبْصَرُوا الْهُدَى ، فَلَمَّا طُفِئَتْ عَنْهُمْ لَمْ يَرْجِعُوا إِلَى مَا رَأَوْا وَأَبْصَرُوا " .

انتهى من "اجتماع الجيوش الإسلامية" (2/ 63) .

ثالثا :

الحكمة من هذا المثال : أن يتعظ الناس فلا يفعلوا فعل هؤلاء المنافقين

وإنما عليهم أن يثبتوا على الإيمان الذي منّ الله به عليهم ودلهم عليه بالفطر السليمة وبرهن لهم عليه بالبراهين الواضحة وأقام الحجة عليه بالدلائل البينة .

فمن منّ الله عليه بالإيمان فعليه بالثبات واليقين ، وألا يتذبذب ويتردد .

ومن نظر في آيات الله البينة الدالة على وحدانيته فعليه أن يؤمن وألا يتراجع عن الأخذ بما دلت عليه الآيات .

بل على كل من أنعم الله عليه بنعمة في دينه أو دنياه أن يقوم بما يجب عليه تجاهها من الشكر وعدم النكران لئلا تزول عنه ، فإن النعمة تثبت بالشكر وتزول بالكفر .

فأشار هذا المثل إلى حال المنافقين وما هم عليه من الحيرة والتذبذب ، وما هم فيه من الضلالة وظلمة الكفر ؛ تحذيرا لهم من مغبة حالهم وعاقبة أمرهم ، وتنبيها لغيرهم ألا يفعلوا فعلهم ويصنعوا صنيعهم .

وكان على هؤلاء المنافقين - الذين ضرب الله هذا المثل في شأنهم - أن يتوبوا إلى ربهم فيعودوا إلى نور الهداية الذي سلب منهم بكفرهم ، فإن من تاب تاب الله عليه

وقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : ( لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا) الأحزاب/ 60 .

فعليهم أن ينتهوا عما هم عليه ويتوبوا إلى الله ويرجعوا إليه ؛ فإنهم إن عادوا إلى الله بالتوبة عاد عليهم بالنور والهداية .

وإن استمروا على ما هم عليه من الكفر والشك والنفاق فلن يخرجوا من تلك الظلمات أبدا ، لا في الدنيا ولا في الآخرة .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-23, 17:22
لا يلزم في العطف بـ " ثم " الترتيب الزمني على كل حال .

السؤال

لنقرأ الآيتين 54 و55 في سورة البقرة : ( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ *

وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ) سورة البقرة/ 54 ،

55 . ومن دون حاجة للنقاش ، من الواضح أن حادثة اتخاذ العجل للعبادة ، قد سبقت حادثة أخذ الصاعقة لبني إسرائيل ، وبإمكانكم العودة للتفاسير ولأي مرجع تريدون ! لنقارن ذلك الآن مع ما ورد في الآية 153 ، سورة النساء :

( يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا ) ؟!

فكيف يمكن توجيه ذلك ؟

الجواب

الحمد لله

حرف العطف " ثم " : وإن كان يفيد الترتيب بين المتعاطفات

فإنه لا يأتي دائما لإرادة الترتيب الزمني فقط ، حتى يقال - في كل موضع - إن ما قبله سابق في الزمن لما بعده ، لكنه يأتي أحيانا للترتيب الزمني

ويأتي أحيانا للترتيب المعنوي، ويأتي أحيانا للترتيب الخبري ، بذكر الأهم من الأمور ، ثم ما يليه في الأهمية

كما قال سيبويه رحمه الله :

" كأنّهم إنَّما يقدّمون الذي بيانه أهم لهم وهم ببيانه أغنى، وإن كانا جميعاً يُهِمّانِهم ويَعْنِيانهم ."

انتهى من "الكتاب" لسيبويه (1/34)

وينظر "بدائع الفوائد" (1/ 61).

وقال الرضيّ في "شرح الكافية" (4/390) :

" وقد تجئ (ثم) لمجرد الترتيب في الذكر، والتدرج في درج الارتقاء

وذكر ما هو الأولى ، ثم الأولى ؛ من دون اعتبار التراخي والبعد بين تلك الدرج ، ولا أن الثاني بعد الأول في الزمان، بل ربما يكون قبله ، كما في قوله:

إن من ساد ثم ساد أبوه * ثم قد ساد قبل ذلك جده

فالمقصود ترتيب درجات معالي الممدوح ، فابتدأ بسيادته ، ثم بسيادة أبيه ، ثم بسيادة جده ، لأن سيادة نفسه أخص ، ثم سيادة الأب

ثم سيادة الجد، وإن كانت سيادة الأب مقدمة في الزمان على سيادة نفسه ، فثم، ههنا، كالفاء في قوله تعالى (فبئس مثوى المتكبرين) .

وقد تكون ثم، والفاء، أيضا، لمجرد التدرج في الارتقاء

وإن لم يكن الثاني مترتبا في الذكر على الأول، وذلك أن تكرر الأول بلفظه

نحو: بالله، فبالله أو: والله ثم والله، وقوله تعالى : ( وما أدراك ما يوم الدين * ثم ما أدراك ما يوم الدين) ، وقوله : ( كلا سوف تعلمون * ثم كلا سوف تعلمون ) " انتهى .

وينظر : "الكتاب" لسيبويه (3/501) .

قال الفراء رحمه الله في توجيه الإشكال المذكور في الآية :

" وقوله (ثم اتخذوا العجل) ليس بمردود [ أي: ليس بمعطوف ] ، على قوله ( فأخذتهم الصاعقة) ، ثُمَّ اتخذوا ؛ هَذَا مردود عَلَى فعلهم الأول .

وفيه وجه آخر: أن تجعل (ثم) خبرًا مستأنفًا، وقد تستأنف العرب بثم ، والفعل الَّذِي بعدها قد مضى قبل الفعل الأول؛ من ذَلِكَ : أن تَقُولُ للرجل: قد أعطيتك ألفًا ، ثُمَّ أعطيتك قبل ذَلِكَ مالا

فتكون (ثُمَّ) عطفًا عَلَى خبر المخبر ، كأنه قَالَ: أخبرك أني زرتك اليوم ، ثُمَّ أخبرك أني زرتك أمس "

انتهى من "معاني القرآن" (1/ 396) .

ونظير ذلك : قول الله تعالى : ( فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) البقرة/ 198، 199 .

قال القرطبي رحمه الله :

" ثم" لَيْسَتْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لِلتَّرْتِيبِ ، وَإِنَّمَا هِيَ لِعَطْفِ جُمْلَةِ كَلَامٍ هِيَ مِنْهَا مُنْقَطِعَةٌ "

انتهى من " تفسير القرطبي" (2/ 427) .

وقال الشنقيطي رحمه الله :

" لَفْظَةُ " ثُمَّ " لِلتَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ ، بِمَعْنَى عَطْفِ جُمْلَةٍ عَلَى جُمْلَةٍ ، وَتَرْتِيبِهَا عَلَيْهَا فِي مُطْلَقِ الذِّكْرِ "

انتهى من "أضواء البيان" (1/ 90) .

وقول الله تعالى أيضا :

( فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ * ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ) البلد/ 11 - 17 .

قال ابن جزي رحمه الله :

" ثم " هنا للتراخي في الرتبة لا في الزمان ، وفيها إشارة إلى أن الإيمان أعلى من العتق والإطعام ، ولا يصح أن يكون للترتيب في الزمان ، لأنه لا يلزم أن يكون الإيمان بعد العتق والإطعام ، ولا يقبل عمل إلا من مؤمن " .

انتهى من "تفسير ابن جزي" (2/ 485) .

والمقصود من ذلك كله : بيان أن العطف بحرف العطف " ثم " له أحوال ، وليس لمجرد الترتيب الزمني فقط .

وعلى ذلك ، ففي آيات سورة البقرة : يعدد الله تعالى عليهم فضائحهم واجتراءاتهم ومخازيهم .

أما في سورة النساء : فلما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم كتابا من السماء ، ذكر من حالهم السابق ما يناسب تعنتهم اللاحق

بسؤالهم موسى عليه السلام أكبر من ذلك بقولهم : أرنا الله جهرة . فأخذتهم الصاعقة .

فذِكر سؤالهم هذا مناسب لما سألوا من نزول الكتاب عليهم ، فالعناية به أولى لهذه المناسبة ، لأن في ذلك بيانا لما هم عليه من إرادة الإشقاق والتعنت ، لا إرادة الهداية

ولأن فيه سلوى للنبي صلى الله عليه وسلم حين يعلم أنهم سألوا من قبله رسولهم ، أكبر من ذلك .

ثم أعقب ذلك بما يدل على ما هم عليه من العناد والشقاق فقال : ( ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ ) .

فجاءت " ثم " لترتيب الأحداث حسب الأهم فالأهم ، والأنسب فالأنسب ، لا لإرادة الترتيب الزمني .

راجع للفائدة جواب السؤال hgrh]l

والله تعالى أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-23, 17:25
لماذا أمات الله بني إسرائيل بالصاعقة ثم أحياهم ؟

السؤال

إذا كان الناس سيموتون جميعهم ثم يحييهم الله جميعا يوم القيامة , فلماذا أمات الله بني إسرائيل بالصاعقة ثم أحياهم مرة أخرى ؟

الجواب

الحمد لله

ذكر الله تعالى في كتابه الكريم قصة صعق بني إسرائيل ، ثم بعثهم بعد الموت

في موضعين اثنين ، وقد جاءا في سياق الحديث عن بني إسرائيل وما أنعم الله به عليهم ، وذكر حالهم وما قابلوا تلك النعم بالكفر والجحود والنسيان .

يقول الله تعالى :

( وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ . ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) البقرة/55-56.

ويقول سبحانه :

( يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى

أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا ) النساء/153.

فقد كانت الصاعقة عقوبة لهم على جرأتهم على الله ، وإصرارهم على التعنت في السؤال ، والتكلف في تحقيق أسباب الإيمان ، ومكابرتهم رغم كل الآيات والبراهين التي أراهم الله عز وجل

ومع ذلك سألوا الله أن يروه جهرة في الدنيا ، وعلقوا إيمانهم بهذه الآية ، وقد تعالى جل وعلا عن أن تراه العيون الضعيفة الكليلة في الدنيا

وإنما تراه في الجنة ، فعاقبهم بالموت بالصاعقة التي أخذتهم أخذا شديدا ، ولكنه سبحانه لحلمه وعفوه وصفحه وتجاوزه عن عباده بعثهم بعد الموت إلى الدنيا ، ليعلموا عظيم نعمة الله عليهم

ويشكروه سبحانه على إمهاله لهم ، ومنحهم الفرصة مرة أخرى للتوبة والأوبة ، فكانت الصاعقة عقوبة لهم

وكان البعث بعد الموت آية ومنحة منه سبحانه ليعتبروا ويذكروا بها ، ثم يشكروا نعمة الله تعالى عليهم حق شكره ، ولذلك ختم الآية في سورة البقرة بقوله : ( لعلكم تشكرون )

يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله :

" اذكروا نعمتي عليكم في بعثي لكم بعد الصعق إذ سألتم رؤيتي جهرة عيانًا ، مما لا يستطاع لكم ولا لأمثالكم

كما قال ابن جريج .

قال ابن عباس في هذه الآية : ( وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً )، قال : علانية "

انتهى باختصار.

" تفسير القرآن العظيم " (1/264)

ويقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :

" قوله تعالى : ( وإذ قلتم يا موسى ) أي : واذكروا أيضاً يا بني إسرائيل إذ قلتم...؛ والخطاب لمن كان في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ، لكن إنعامه على أول الأمة إنعام على آخرها

فصح توجيه الخطاب إلى المتأخرين مع أن هذه النعمة على من سبقهم . قوله تعالى : ( لن نؤمن لك ) أي : لن ننقاد ، ولن نصدق ، ولن نعترف لك بما جئت به .

قوله تعالى : ( فأخذتكم الصاعقة ) يعني الموت الذي صعقوا به .

وقوله تعالى : ( بعثناكم من بعد موتكم ) : هذه نعمة كبيرة عليهم أن الله تعالى أخذهم بهذه العقوبة ، ثم بعثهم ليرتدعوا ؛ ويكون كفارة لهم ؛

ولهذا قال تعالى : ( لعلكم تشكرون ) أي : تشكرون الله سبحانه وتعالى ؛ و " لعل " هنا للتعليل " انتهى باختصار.

" تفسير سورة البقرة " (1/191)

يقول الطاهر بن عاشور رحمه الله :

" وكان ذلك إرهابا لهم وزجرا ، ولذلك قال : ( بظلمهم ) ، والظلم هو المحكي في سورة البقرة من امتناعهم من تصديق موسى إلى أن يروا الله جهرة

وليس الظلم لمجرد طلب الرؤية ؛ لأن موسى قد سأل مثل سؤالهم مرة أخرى : حكاه الله عنه بقوله : ( وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ) الآية " انتهى.

" التحرير والتنوير " (4/301)

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-23, 17:30
الكلام على أثر عليّ رضي الله عنه : " إِذَا اشْتَكَى أَحَدُكُمْ شَيْئًا فَلْيَسْأَلِ امْرَأَتَهُ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ مِنْ صَدَاقِهَا ، فَلْيَشْتَرِ بِهَا عَسَلًا ، فَيَشْرَبْهُ بِمَاءِ السَّمَاءِ "

السؤال

يتداول الناس في مواقع التواصل تفسيرا للآية الرابعة من سورة النساء مخالفا لما ورد في كتب التفاسير

فهم يقولون في تفسير قوله تعالى : (فكلوه هنيئاً مريئاً) هو مال الزوجة يشفي به الزوج ، وهو منتشر بشكل كبير تحت عنوان " هل تعلم أن هناك أمراض ،، الشفاء منها بيد الله ثم زوجتك !!

. فما صحة هذا الكلام ؟

الجواب

الحمد لله

أولا :

قال الله تعالى : ( وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ) النساء/ 4 .

والمعنى :

إن سمحن لكم عن شيء من الصداق ، عن رضا واختيار بإسقاط شيء منه ، أو تأخيره أو المعاوضة عنه .
( فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ) أي : لا حرج عليكم في ذلك ولا تبعة .

وفيه دليل على أن للمرأة التصرف في مالها - ولو بالتبرع - إذا كانت رشيدة ، فإن لم تكن كذلك فليس لعطيتها حكم ، وأنه ليس لوليها من الصداق شيء ، غير ما طابت به .

انظر: "تفسير السعدي" (ص 164) .

ثانيا :

روى ابن أبي شيبة في "مصنفه" (5/ 59) ، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (3/862) ، وابن المنذر في "تفسيره" (2/560) من طريق السُّدِّيِّ ،

عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ المُغِيرَةَ بن شُعبَة ، عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ : " إِذَا اشْتَكَى أَحَدُكُمْ شَيْئًا فَلْيَسْأَلِ امْرَأَتَهُ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ مِنْ صَدَاقِهَا، فَلْيَشْتَرِ بِهَا عَسَلًا ، فَيَشْرَبْهُ بِمَاءِ السَّمَاءِ ، فَيَجْمَعُ اللَّهُ الْهَنِيءَ الْمَرِيءَ وَالْمَاءَ الْمُبَارَكَ وَالشِّفَاءَ " .

وقال الحافظ في "الفتح" (10/ 170):

" أخرجه ابن أَبِي حَاتِمٍ فِي التَّفْسِيرِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ " انتهى .

والسدي هو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة أبو محمد القرشي مولاهم الكوفي الأعور ، وهو السدي الكبير ، وثقه أحمد والعجلي وابن حبان ، وقال أبو زرعة: " لين" ، وقال أبو حاتم : "يكتب حديثه ولا يحتج به"

وقال النسائي في الكنى: "صالح" ، وقال في موضع آخر: "ليس به بأس" ، وقال ابن عدي: " له أحاديث يرويها عن عدة شيوخ ، وهو عندي مستقيم الحديث صدوق لا بأس به"

وقال حسين بن واقد: "سمعت من السدي فأقمت حتى سمعته يتناول أبا بكر وعمر ، فلم أعد إليه"

وقال العقيلي: "ضعيف وكان يتناول الشيخين"

وقال الساجي: "صدوق فيه نظر" وقال الطبري: " لا يحتج بحديثه ".

"تهذيب التهذيب" (1/ 313-314) .

وقال الذهبي :

" رمى السدي بالتشيع "

انتهى من "ميزان الاعتدال" (1/ 237) .

ويعقوب بن المغيرة ، لا نعلم له راويا غير السدي ، وقد وثقه العجلي وحده ، والعجلي متساهل في التوثيق

قال الشيخ المعلمي رحمه الله

في تعليقه على "الفوائد المجموعة" (ص 282):

" وأما ابن حبان فقاعدته معروفة ، والعجلي مثله، أو أشد تسهلاً في توثيق التابعي ، كما يعلم بالاستقراء "

انتهى .

وقال أيضا (ص 485) :

" العجلي متسمح جداً، وخاصة في التابعين، فكأنهم كلهم عنده ثقات ، فتجده يقول " تابعي ثقة " في المجاهيل ، وفي بعض المذمومين ، كعمر بن سعد ، وفي بعض الهلكى كأصبغ بن نباتة " انتهى .

وقال الشيخ الألباني رحمه الله :

" العجلي متساهل في التوثيق ، كما هو معروف " .

انتهى بمعناه من "سلسلة الأحاديث الضعيفة" (13/ 624) .

وعلى ذلك : فالذي يظهر من حال الإسناد المذكور : الضعف ، والقول بتحسينه فيه نظر بين ؛ لما مر من حال يعقوب بن المغيرة ، وخاصة راويه عنه : هو السدي ، وقد مر ما فيه .

ثالثا :

لا يقال : " هناك أمراض ، الشفاء منها بيد الله ثم زوجتك " لأن الشفاء لا يكون إلا بالله وحده لأنه هو الشافي وحده سبحانه ، فروى البخاري (5742) عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بن صهيب قَالَ:

" دَخَلْتُ أَنَا وَثَابِتٌ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، فَقَالَ ثَابِتٌ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، اشْتَكَيْتُ ، فَقَالَ أَنَسٌ: أَلاَ أَرْقِيكَ بِرُقْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: ( اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ

مُذْهِبَ البَاسِ ، اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لاَ شَافِيَ إِلَّا أَنْتَ، شِفَاءً لاَ يُغَادِرُ سَقَمًا) .

فقوله ( أنت الشافي ) ، وقوله ( لا شافي إلا أنت ) يدل على أن أحدا لا يشفي أحدا إنما الشفاء بيد الله وحده

قال القاري رحمه الله :

" قَالَ الطِّيبِيُّ : قَوْلُهُ : (لَا شِفَاءَ) خَرَجَ مَخْرَجَ الْحَصْرِ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ : ( أَنْتَ الشَّافِي ) ; لِأَنَّ خَبَرَ الْمُبْتَدَأِ إِذَا كَانَ مُعَرَّفًا بِاللَّامِ أَفَادَ الْحَصْرَ ; لِأَنَّ تَدْبِيرَ الطَّبِيبِ، وَدَفْعِ الدَّوَاءِ لَا يَنْجَعُ فِي الْمَرِيضِ إِذَا لَمْ يُقَدِّرِ اللَّهُ الشِّفَاءَ " .

انتهى من "مرقاة المفاتيح" (3/ 1124) .

فالله تعالى هو الشافي ، بيده وحده الشفاء ، فلا يقال : قد يكون الشفاء بيد الله ثم زوجتك
.
والله تعالى أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-23, 17:37
تفسير قوله تعالى : ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ )

السؤال

وفقاً لكلام المعلقين على القرآن ، على الجزء الأول من السورة 6: 93 والذي يقول فيه

: " وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ "

. أرجو بيان ، هل هي بخصوص عبد الله ابن أبي السرح أم شخص آخر ؟

الجواب

الحمد لله

أولا :

قال الله تعالى : ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ

فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ) الأنعام/ 93 .

ذكر غير واحد من أهل العلم أن هذه الآية نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي السرح

فروى ابن أبي حاتم في "تفسيره" (4/ 1347) ، وابن جرير في "تفسيره" (11/ 534) - واللفظ له -

عن السدي قال : " نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، أسلم، وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم ، فكان إذا أملى عليه : "سميعًا عليمًا"، كتب هو: "عليمًا حكيمًا"

وإذا قال: "عليمًا حكيمًا" كتب: "سميعًا عليمًا"، فشكّ وكفر، وقال: إن كان محمد يوحى إليه فقد أوحي إليّ

وإن كان الله ينزله فقد أنزلت مثل ما أنزل الله ! فلحق بالمشركين، ووشى بعمار وجبير عند ابن الحضرمي، أو لبني عبد الدار .

وقال بعضهم : نزل قوله ( ومن أظلم ممن افترى على الله كذبًا أو قال أوحي إليّ ولم يوح إليه شيء) في مسيلمة ، وقوله : (ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله) ، في ابن أبي السرح .

فروى ابن جرير عن عكرمة قال : " قوله : ( ومن أظلم ممن افترى على الله كذبًا أو قال أوحي إليّ ولم يوح إليه شيء) ، قال : نزلت في مسيلمة ، وقوله : (ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله)

نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، كان كتب للنبي صلى الله عليه وسلم ، وكان فيما يملي "عزيز حكيم"، فيكتب "غفور رحيم"

فيغيره ، ثم يقرأ عليه " كذا وكذ ا"، لما حوَّل

فيقول : " نعم ، سواءٌ ". فرجع عن الإسلام ولحق بقريش وقال لهم : لقد كان ينزل عليه "عزيز حكيم" فأحوِّله ، ثم أقرأ ما كتبت، فيقول: " نعم سواء "! ثم رجع إلى الإسلام قبل فتح مكة " .

"تفسير الطبري" (11/ 533) .

وممن ذكر أنها نزلت في ابن أبي السرح : الخطابي

كما في "معالم السنن" (2/287)

وشيخ الإسلام ابن تيمية كما في "مجموع الفتاوى" (3/ 291)

و "الصارم المسلول" (ص 115)

والقرطبي كما في "تفسيره" (7/ 40) ، حتى قال ابن جرير رحمه الله :

" ولا تمانُع بين علماء الأمة أن ابن أبي سرح كان ممن قال: "إني قد قلت مثل ما قال محمد" ، وأنه ارتدّ عن إسلامه ولحق بالمشركين، فكان لا شك بذلك من قيله مفتريًا كذبًا "

انتهى من "تفسير الطبري" (11/ 536) .

وكل ما ورد بشأن ذلك من حيث الصناعة الحديثية لا يصح منه شيء ، والذي ثبت أنه كان يقول :

( مَا يَدْرِى مُحَمَّدٌ إِلاَّ مَا كَتَبْتُ لَهُ ) رجل آخر غير ابن أبي السرح ، وغاية ما ثبت في حق ابن أبي السرح أنه ارتد ، ثم إنه عاد إلى الإسلام وتاب وحسنت توبته

انظر إجابة السؤال hgrh]l

ثانيا :

الآية عامة ، سواء ثبت دخول ابن أبي السرح فيها أو لم يثبت ، فلا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبا

أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ، ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ؛ فمن كان من أهل ذلك ومات عليه : لحقه الذم ، وخلده الله في النار ، ومن كان من أهل ذلك ثم تاب وأصلح : تاب الله عليه .

قال الطبري رحمه الله :

" قد دخل في هذه الآية كل من كان مختلقًا على الله كذبًا، وقائلا في ذلك الزمان وفي غيره : "أوحى الله إلي"، وهو في قيله كاذب ، لم يوح الله إليه شيئًا ، فأما التنزيل ، فإنه جائز أن يكون نزل بسبب بعضهم

وجائز أن يكون نزل بسبب جميعهم ، وجائز أن يكون عني به جميع المشركين من العرب ، إذ كان قائلو ذلك منهم ، فلم يغيّروه ، فعيّرهم الله بذلك ، وتوعّدهم بالعقوبة على تركهم نكيرَ ذلك

ومع تركهم نكيرَه : هم بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم مكذبون ، ولنبوّته جاحدون، ولآيات كتاب الله وتنزيله دافعون ، فقال لهم جل ثناؤه : "ومن أظلم ممن ادّعى عليّ النبوّة كاذبًا "

وقال: "أوحي إلي"، ولم يوح إليه شيء، ومع ذلك يقول : " ما أنزل الله على بشر من شيء " ، فينقض قولَه بقوله ، ويكذب بالذي تحققه ، وينفي ما يثبته. وذلك إذا تدبره العاقلُ الأريب : علم أن فاعله من عقله عديم " .

انتهى من " تفسير الطبري " (11/ 536) .

وإذا ثبت أن ابن أبي السرح كان من أهل هذه الآية ، فقد ثبت أيضا ، أن الله تعالى قد أحسن إليه بعد ذلك

وتاب عليه ، فصار من أهل عموم قوله تعالى : ( إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ) الفرقان/ 70 .

وقد اتفق أهل العلم على أنه رجع إلى الإسلام وحسنت توبته رضي الله عنه ، فهو بذكر هذا الثناء الحسن أولى ؛ لأن الإسلام يجبّ ما قبله ، والتوبة تجبّ ما قبلها .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-23, 17:41
التفريق بين عبد الله بن أبي سرح وغيره ممن ارتد وادَّعى أنه كان يحرِّف الوحي

السؤال

عبد الله بن أبي السرح هو شخصية إسلامية جدلية في التاريخ الإسلامي حيث كان من كتَّاب الوحي ثم ارتد عن الاسلام ، هل كان يحرِّف بعض الآيات في القرآن ؟ .

الجواب

الحمد لله

أولاً:

ثمة خلط عند كثيرين بين شخصيتين ارتدتا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، ومما جعل الأمر كذلك اشتراكهما في كتابة الوحي ، ووقوع الردة منهما ، إلا أن الحقيقة أنهما شخصيتان مختلفتان

فالأول هو " عبد الله بن سعد بن أبي سرْح " ، والثاني هو رجل نصراني لا يُعرف اسمه

والأول كان ارتد ثم رجع إلى الإسلام في " فتح مكة " ، والثاني بقي على ردته ومات ولفظته الأرض وكان آية للناس ، والثاني هو الذي زعم أنه كان يغيِّر في كتابة الوحي ليس الصحابي الجليل عبد الله بن أبي السرح .

ثانيا

أما الأول : فهو عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، أبو يحيى القرشي العامري ، أخو عثمان بن عفان من الرضاعة ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أهدر دمه

ثم استأمن له عثمان فأمَّنه النبي صلى الله عليه ، وأسلم وحسن إسلامه .

عَنْ سَعْد بن أبي وقَّاص قَالَ : لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ أَمَّنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ إِلَّا أَرْبَعَةَ نَفَرٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَسَمَّاهُمْ وَابْنُ أَبِي سَرْحٍ

قَالَ : وَأَمَّا ابْنُ أَبِي سَرْحٍ فَإِنَّهُ اخْتَبَأَ عِنْدَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَلَمَّا دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ إِلَى الْبَيْعَةِ جَاءَ بِهِ حَتَّى أَوْقَفَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ بَايِعْ عَبْدَ اللَّهِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَنَظَرَ

إِلَيْهِ ثَلَاثًا كُلُّ ذَلِكَ يَأْبَى فَبَايَعَهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ

فَقَالَ ( أَمَا كَانَ فِيكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ يَقُومُ إِلَى هَذَا حَيْثُ رَآنِي كَفَفْتُ يَدِي عَنْ بَيْعَتِهِ فَيَقْتُلُهُ ) فَقَالُوا : مَا نَدْرِي يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا فِي نَفْسِكَ أَلَا أَوْمَأْتَ إِلَيْنَا بِعَيْنِكَ قَالَ ( إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ ) .

رواه النسائي ( 4067 ) وأبو داود ( 2683 ) وصححه الألباني في " صحيح النسائي " .

وقد ولاَّه عثمان رضي الله عنه على " مصر " ، وهو الذي قاد معركة " ذات الصواري "

وقد غزا إفريقية ففتح كثيراً من مدنها ، واعتزل فتنة علي ومعاوية رضي الله عنهما ، ثم خرج إلى " الرملة " في " فلسطين " ، فلما كان عند الصبح قال " اللهم اجعل آخر عملي الصبح

" فتوضأ ثم صلَّى فسلم عن يمينه ثم ذهب يسلم عن يساره فقبض الله روحه ،

وكان ذلك في سنة تسع وخمسين .

قال عنه الإمام الذهبي رحمه الله :

"لم يتعدَّ ، ولا فعل ما يُنقم عليه بعدها – أي : بعد فتح مكة - ، وكان أحد عقلاء الرجال وأجوادهم

"انتهى من" سير أعلام النبلاء " ( 3 / 34 ) .

ولينظر " الاستيعاب في معرفة الأصحاب " لابن عبد البر ( 3 / 52 )

و " الإصابة في تمييز الصحابة " ( 4 / 110 ) .

ولم نقف على رواية صحيحة الإسناد أن عبد الله بن أبي سرح كان يحرِّف الوحي ، وإنما في قصته أنه " أزلَّه الشيطان " .

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِى سَرْحٍ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَزَلَّهُ الشَّيْطَانُ فَلَحِقَ بِالْكُفَّارِ فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

أَنْ يُقْتَلَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَاسْتَجَارَ لَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَأَجَارَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم .

رواه النسائي ( 4069 ) وأبو داود ( 4358 ) وحسَّنه الألباني في " صحيح النسائي " .

ثالثاً:

أما الثاني : فهو الرجل الذي كان نصرانيّاً ثم أسلم وارتدَّ على عقبه

وكان يقول إنه كان يغيِّر ما كان يلقيه عليه النبي صلى الله عليه وسلم من كلام ، فأهلكه الله تعالى هلاكاً يكون فيه عبرة لغيره من الشاتمين للرسول صلى الله عليه وسلم والطاعنين في دينه .

عَنْ أَنَسٍ رضى الله عنه قَالَ : كَانَ رَجُلٌ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ وَقَرَأَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ ، فَكَانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَعَادَ نَصْرَانِيًّا فَكَانَ يَقُولُ : مَا يَدْرِى مُحَمَّدٌ إِلاَّ مَا كَتَبْتُ لَهُ ، فَأَمَاتَهُ اللَّهُ فَدَفَنُوهُ

فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الأَرْضُ فَقَالُوا : هَذَا فِعْلُ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ لَمَّا هَرَبَ مِنْهُمْ نَبَشُوا عَنْ صَاحِبِنَا فَأَلْقُوهُ ، فَحَفَرُوا لَهُ فَأَعْمَقُوا فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الأَرْضُ

فَقَالُوا : هَذَا فِعْلُ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ نَبَشُوا عَنْ صَاحِبِنَا لَمَّا هَرَبَ مِنْهُمْ فَأَلْقَوْهُ ، فَحَفَرُوا لَهُ وَأَعْمَقُوا لَهُ فِى الأَرْضِ مَا اسْتَطَاعُوا ، فَأَصْبَحَ قَدْ لَفَظَتْهُ الأَرْضُ ، فَعَلِمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ فَأَلْقَوْهُ .

رواه البخاري ( 3421 ) ومسلم ( 2781 ).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - :

"فهذا الملعون الذي افترى على النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما كان يدري إلا ما كتب له قصمه الله وفضحه بأن أخرجه من القبر بعد أن دفن مراراً

وهذا أمر خارج عن العادة يدل كل أحد على أن هذا كان عقوبة لما قاله وأنه كان كاذباً إذ كان عامَّة الموتى لا يصيبهم مثل هذا ، وأن هذا الجرم أعظم من مجرد الارتداد

إذ كان عامة المرتدين يموتون ولا يصيبهم مثل هذا ، وأن الله منتقم لرسوله صلى الله عليه وسلم ممن طعن عليه وسبَّه ، ومظهر لدينه ولكذب الكاذب إذ لم يمكن الناس أن يقيموا عليه الحد "

انتهى من" الصارم المسلول " ( 1 / 122 ) .

فتبين براءة عبد الله بن سعد بن أبي السرح ، رضي الله عنه ، من هذه التهمة ؛ فهو لم يدع ذلك ، ولم يقله ، ثم إنه تاب بعد ذلك ، وأسلم ، وحسن إسلامه .

والله أعلم

*عبدالرحمن*
2019-02-23, 17:45
تفسير قوله تعالى : ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا )

السؤال

ما تفسير قوله تعالى : ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ) ؟

الجواب

الحمد لله

قال الله تعالى : ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) الرعد/ 41 .

وقال تعالى : ( أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ ) الأنبياء/ 44.

اختلف العلماء في تفسير هذا النقصان المذكور لأطراف الأرض ، على عدة أوجه :

قال ابن كثير رحمه الله :

" قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَوْ لَمْ يروا أنا نفتح لمحمد صلى الله عليه وسلم الْأَرْضَ بَعْدَ الْأَرْضِ ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ : ( نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ) ، قَالَ: خَرَابُهَا ، وَقَالَ الْحُسْنُ وَالضَّحَّاكُ :

هُوَ ظُهُورُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ، وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نُقْصَانُ أَهْلِهَا وَبَرَكَتُهَا ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: نُقْصَانُ الْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَخَرَابُ الْأَرْضِ

وَقَالَ الشَّعْبِيُّ : لَوْ كَانَتِ الْأَرْضُ تَنْقُصُ لَضَاقَ عَلَيْكَ حُشُّكَ ، وَلَكِنْ تَنْقُصُ الْأَنْفُسُ وَالثَّمَرَاتُ ، وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ : لَوْ كَانَتِ الْأَرْضُ تَنْقُصُ لَمْ تَجِدْ مَكَانًا تَقْعُدُ فِيهِ

وَلَكِنْ هُوَ الْمَوْتُ ، وَقَالَ ابن عباس في رواية: خرابها بموت علمائها وفقهائها وَأَهْلِ الْخَيْرِ مِنْهَا، وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: هُوَ مَوْتُ الْعُلَمَاءِ

وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَوْلَى ، وَهُوَ ظُهُورُ الْإِسْلَامِ عَلَى الشِّرْكِ قَرْيَةً بَعْدَ قرية ، كقوله: ( وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى ... ) الآية الأحقاف/27 . وهذا اختيار ابن جرير "

انتهى من "تفسير ابن كثير" (4/406)

وينظر "زاد المسير" لابن الجوزي (2/ 501) .

وقال الشوكاني رحمه الله :

" أَيْ: نَأْتِي أَرْضَ الْكُفْرِ كَمَكَّةَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا بِالْفُتُوحِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا شَيْئًا فَشَيْئًا. قَالَ الزَّجَّاجُ: أَعْلَمَ اللَّهُ أَنَّ بَيَانَ مَا وَعَدَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قَهْرِهِمْ قَدْ ظَهَرَ، يَقُولُ:

أولم يَرَوْا أَنَّا فَتَحْنَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْأَرْضِ مَا قَدْ تَبَيَّنَ لَهُمْ ، فَكَيْفَ لَا يَعْتَبِرُونَ؟ وَقِيلَ : إِنَّ مَعْنَى الْآيَةِ : مَوْتُ الْعُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاءِ ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ : الطَّرَفُ : الرَّجُلُ الْكَرِيمُ ،

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَهَذَا الْقَوْلُ بِعِيدٌ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْآيَةِ : أَنَّا أَرَيْنَاهُمُ النُّقْصَانَ فِي أَمْرِهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ تَأْخِيرَ الْعِقَابِ عَنْهُمْ لَيْسَ عَنْ عَجْزٍ إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَوْتِ أَحْبَارِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ :

خَرَابُ الْأَرْضِ الْمَعْمُورَةِ حَتَّى يَكُونَ الْعُمْرَانُ فِي نَاحِيَةٍ مِنْهَا وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْآيَةِ: هَلَاكُ مَنْ هَلَكَ مِنَ الْأُمَمِ وَقِيلَ : الْمُرَادُ : نَقْصُ ثَمَرَاتِ الْأَرْضِ وَقِيلَ: الْمُرَادُ: جَوْرُ وُلَاتِهَا حَتَّى تَنْقُصَ "

انتهى من "فتح القدير" (3/ 108) .

وما اختار الإمام ابن جرير رحمه الله ، وتابعه عليه ابن كثير ، هو أيضا اختيار الشيخ السعدي رحمه الله في تفسيره .

قال السعدي رحمه الله :

" والظاهر - والله أعلم - أن المراد بذلك أن أراضي هؤلاء المكذبين جعل الله يفتحها ويجتاحها، ويحل القوارع بأطرافها، تنبيها لهم قبل أن يجتاحهم النقص

ويوقع الله بهم من القوارع ما لا يرده أحد، ولهذا قال: ( وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ) ويدخل في هذا حكمه الشرعي والقدري والجزائي "

انتهى من " تفسير السعدي" (ص 420) .

واختاره ـ كذلك ـ الشيخ ابن عثيمين رحمه الله

كما في "لقاء الباب المفتوح" (167/ 22) بترقيم الشاملة .

وعلى ذلك : فيكون معنى أطراف الأرض : نواحيها وجوانبها .

قال الأزهري رحمه الله في "التهذيب" (13/219) :

" أطرافُ الأَرْض : نَوَاحِيهَا ، الْوَاحِد طَرَف ، وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز: ( أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا) ، أَي: من نَوَاحِيهَا نَاحيَة نَاحيَة " انتهى .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-23, 17:49
بيان سعة الجنة بأنها : (عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ) .

السؤال

وصف الله الجنة أن عرضها كعرض السماوات والأرض .

سؤالي هو من المعروف أن السماء أكبر بكثير جدا من الأرض ؛ فما فائدة إدخال الأرض في هذا الوصف ؟

مثلا كأن تقول : مساحة روسيا أكبر من السعودية والرياض ؛ فما فائدة إدخال الرياض في هذا الوصف ، فهو لا يفيد في شيء ، فالرياض جزء من السعودية

الجواب

الحمد لله

قال الله تعالى : ( وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ) آل عمران/ 133.

وقال عز وجل : ( سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ) الحديد/ 21 .

قال القرطبي رحمه الله :

" اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِهِ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : تقرن السماوات وَالْأَرْضُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ كَمَا تُبْسَطُ الثِّيَابُ وَيُوصَلُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ ، فَذَلِكَ عَرْضُ الْجَنَّةِ ، وَلَا يَعْلَمُ طُولَهَا إِلَّا اللَّهُ ، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَذَلِكَ لَا يُنْكَرُ .

وقَالَ قَوْمٌ : الْكَلَامُ جَارٍ عَلَى مَقْطَعِ الْعَرَبِ مِنَ الِاسْتِعَارَةِ ، فَلَمَّا كَانَتِ الْجَنَّةُ مِنَ الِاتِّسَاعِ وَالِانْفِسَاحِ فِي غَايَةٍ قُصْوَى حَسُنَتِ الْعِبَارَةُ عنها بعرض السماوات وَالْأَرْضِ، كَمَا تَقُولُ لِلرَّجُلِ : هَذَا بَحْرٌ

وَلِشَخْصٍ كَبِيرٍ مِنَ الْحَيَوَانِ : هَذَا جَبَلٌ ، وَلَمْ تَقْصِدِ الْآيَةُ تَحْدِيدَ الْعَرْضِ ، وَلَكِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهَا أوسع شي رَأَيْتُمُوهُ ".

انتهى من "تفسير القرطبي" (4/ 204-205) .

وقال ابن عاشور رحمه الله :

" وَذِكْرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَارٍ عَلَى طَرِيقَةِ الْعَرَبِ فِي تَمْثِيلِ شِدَّةِ الِاتِّسَاعِ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ حَقِيقَةَ عَرْضِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَقِيلَ: هُوَ عَرْضُهَا حَقِيقَةً

وَهِيَ مَخْلُوقَةٌ الْآنَ لَكِنَّهَا أَكْبَرُ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَهِيَ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ تَحْتَ الْعَرْشِ " انتهى .

وقال الشوكاني رحمه الله :

" اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ : إلى أنها تقرن السماوات وَالْأَرْضَ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ كَمَا تُبْسَطُ الثِّيَابُ وَيُوَصَلُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ فَذَلِكَ عَرْضُ الْجَنَّةِ ، وَنَبَّهَ بِالْعَرْضِ عَلَى الطُّولِ ، لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الطُّولَ يَكُونُ أَكْثَرَ مِنَ الْعَرْضِ .

وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا الْكَلَامَ جَاءَ عَلَى نَهْجِ كَلَامِ الْعَرَبِ مِنَ الاستعارة دون الحقيقة

وذلك أنها لمّا كَانَتِ الْجَنَّةُ مِنَ الِاتِّسَاعِ وَالِانْفِسَاحِ فِي غَايَةٍ قصوى ، حسن التعبير عنها بعرض السموات وَالْأَرْضِ مُبَالَغَةً ، لِأَنَّهُمَا أَوْسَعُ مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فِيمَا يَعْلَمُهُ عِبَادُهُ ، وَلَمْ يَقْصِدْ بِذَلِكَ التَّحْدِيدَ " .

انتهى من "فتح القدير" (1/ 437)

وينظر : "التحرير والتنوير" (4/ 89) .

فقد تبين أن للعلماء قولين في تفسير الآية : قول الجمهور : أن المراد هنا العرض الحقيقي

وفي ضمنه تنبيه على الطول ، والقول الثاني أن المراد بيان سعة الجنة ، دون خصوص ذكر الطول والعرض ، وإنما جرى التعبير على عادة العرب في مثل ذلك .

وأيا ما كان الأمر ، فلا وجه لما ذكر في السؤال من التمثيل بمساحة ...

فهذا كله بعيد عن الوجه المذكور في الآية ، والرياض التي مثل بها : هي جزء من السعودية ، وأما السماوات والأرض فأمران مستقلان تماما .


وقد جرت عادة البيان الشرعي في مثل ذلك ، بالتعبير عن المعاني الغيبية

بما يفهمونه الناس من لغتهم ، ويعتادونه من خطابهم ، ولا شك أن ذكر الأرض التي يعرفونها ، ويشاهدون سعتها ، وامتداد أطرافها ، أدل على المقصود ، وأقرب إلى فهم المراد من طي ذكرها بالمرة .

والواجب عليك يا عبد الله أن تعلم أن فضل ما بين كلام الله جل جلاله وكلام البشر ، كفضل ما بين الله جل جلاله ، وخلقه ؛ وقد جل كلام الله أن يوجد فيه شيء من الاختلاف ، أو العيب

أو النقصان عن مقامات الجمال والجلال والفصاحة ، التي تليق بأشرف الكلام ؛ ومتى عجز أو قَصُرَ فهم العبد عن شيء من ذلك ، فالواجب عليه أن يتهم فهمه ، وعقله

وعلمه ، وذوقه ، وما لم يبلغه علمه من ذلك : رده إلى عالمه ، ووكله إلى أهله وصاحبه .

راجع للفائدة إجابة السؤال القادم

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-23, 17:52
حديث مكذوب في محاولة جبريل عليه السلام أن يقيس عرض الجنة

السؤال

أريد أن توجهوني هل هذا حديث أم أثر ، لكي أعرف كيف أرد على كاتبي هذا الحديث أو المعتقدين به : عن جبرئيل عليه السلام عندما طلب الإذن من الله بأن يقوم بقياس عرض الجنة ، فأعطاه الله الإذن بذلك

فانطلق بالطيران في الجنة ، فطار مدة 300 ألف عام ثم توقف وطلب من الله أن يمده بالعون ليطير 300 ألف عام أخرى ، فأمدَّه الله سبحانه وتعالى

فانطلق جبريل ، ولما قطع 300 ألف عام توقف ، وطلب من الله أن يمده ب 300 ألف عام أخرى ، وهكذا حتى قطع جبريل 900 ألف عام يطير في الجنة

ثم توقف فرأى قصرا في الجنة قد أطلت منه إحدى الحوريات ، فقالت له يا جبرئيل ماذا تفعل ؟

قال أريد أن أقيس عرض الجنة ، قالت : يا جبرئيل لا تتعب نفسك ، أنت الآن منذ انطلاقتك الأولى تطير في حدود مملكتي ، قال : ومن أنت ؟ قالت : أنا زوجة لأحد المؤمنين .

الجواب

الحمد لله

ليس هذا النقل الوارد في السؤال بحديث ولا بأثر ، ولم يذكره أحد من أهل العلم من المُحدِّثين ولا المفسرين ولا المؤرخين ، فيما نعلم ؛ وإنما تتناقله بعض كتب الرافضة ومواقعهم

وهي مليئة بالكذب والأساطير والخرافات ، فيبدو أن هذه القصة واحدة من افتراءاتهم على الدين .

والمسلم يستغني في وصف الجنة بما ورد في الكتاب والسنة الصحيحة ، فقد وصف الله عز وجل عرض الجنة في القرآن الكريم فقال :

( وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ) آل عمران/133.

وقال عز وجل :

( سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) الحديد/21.

يقول الإمام البغوي رحمه الله :

" ( عَرْضُهَا السَّمَاوَات وَالأرْضُ ) أي : عرضها كعرض السموات والأرض ، كما قال في سورة الحديد : ( وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ) أي : سَعَتُها ، وإنما ذكر العرض على المبالغة

لأن طول كل شيء في الأغلب أكثر من عرضه ، يقول : هذه صفة عَرْضِها فكيف طُولها ! قال الزهري : إنما وصف عرضها ، فأما طولُها فلا يعلمه إلا الله ، وهذا على التمثيل ، لا أنها كالسموات والأرض لا غير

معناه : كعرض السموات السبع والأرضين السبع عند ظنكم

كقوله تعالى : ( خالدين فيها ما دامت السمواتُ والأرضُ ) سورة هود/107، يعني : عند ظنكم

وإلا فهما زائلتان ، وروي عن طارق بن شهاب أن ناسًا من اليهود سألوا عمر بن الخطاب وعنده أصحابه رضي الله عنهم وقالوا : أرأيتم قوله : ( وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَات وَالأرْضُ ) فأين النار ؟

فقال عمر : أرأيتم إذا جاء الليل أين يكون النهار ، وإذا جاء النهار أين يكون الليل ؟ فقالوا : إنه لمثلها في التوراة . ومعناه أنه حيث يشاء الله " انتهى.

معالم التنزيل " (2/104)

وإذا كان قد ورد في وصف شجرة من أشجار الجنة أنه ( يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِى ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لاَ يَقْطَعُهَا ) رواه البخاري (3251) ومسلم (2826)، فكيف هو شأن الجنة نفسها إذن ؟!

وإذا كان ورد أيضا أن أدنى أهل الجنة منزلة له ( مِثْلُ الدُّنْيَا وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهَا )

رواه البخاري (6571) ومسلم (186)، وهو فرد واحد

فكيف تكون سعة الجنة لجميع أهلها ومن فيها إذن ؟!

هذا يدلك على أن الجنة من أعظم مخلوقات الله عز وجل .

فالحاصل

أن هذا الخبر الوارد في السؤال غير صحيح ، بل مكذوب مصنوع ، تتناقله بعض المنتديات التي تكثر فيها الخرافات ، فلا بد من الحذر منها .

وقد اتفق علماء المسلمين على حرمة الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحرمة رواية الأحاديث المكذوبة ولو كان معناها مقبولا

فالكذب نفسه كبيرة من كبائر الذنوب ، فإذا كان كذبا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو أعظم إثما عند الله .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-23, 17:59
هل كتابة الأدعية ونشرها يخالف قول الله تعالى : ( ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ) ؟

السؤال

ورد قوله تعالى في القرآن : ( ادعوا ربكم تضرعا وخفية ) ، وقد فسر "خفية" أي في الخفاء .

فهل ينافي ذلك ما يفعله الناس اليوم من كتابة الأدعية في حالات الواتساب وغيرها من البرامج .. أو في بعض الصور الدعوية !؟

الجواب

الحمد لله

يقول الله تعالى في كتابه المجيد : ( ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) الأعراف/ 55 .

قال ابن كثير رحمه الله :

" أرشد سبحانه وتعالى عِبَادَهُ إِلَى دُعَائِهِ ، الَّذِي هُوَ صَلَاحُهُمْ فِي دنياهم وأخراهم

فقال تعالى : ( ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ) مَعْنَاهُ : تَذَلُّلًا وَاسْتِكَانَةً ، وَ(خُفْيَة) كَمَا قَالَ: ( وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ ) الْأَعْرَافِ/205

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : " رَفَعَ النَّاسُ أَصْوَاتَهُمْ بِالدُّعَاءِ

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( أَيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ ؛ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أصمَّ وَلَا غَائِبًا ، إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ) الْحَدِيثَ .

وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : (تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً) قَالَ : السِّرُّ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: (تَضَرُّعًا) تَذَلُّلًا وَاسْتِكَانَةً لِطَاعَتِهِ ، (وَخُفْيَة) يَقُولُ: بِخُشُوعِ قُلُوبِكُمْ ، وَصِحَّةِ الْيَقِينِ بِوَحْدَانِيَّتِهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ ، لَا جِهَارًا وَمُرَاءَاةً .

وَقَالَ الْحَسَن : "لَقَدْ أَدْرَكْنَا أَقْوَامًا مَا كَانَ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ عَمَلٍ يَقْدِرُونَ أَنْ يَعْمَلُوهُ فِي السِّرِّ، فَيَكُونُ عَلَانِيَةً أَبَدًا ، وَلَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَجْتَهِدُونَ فِي الدُّعَاءِ ، وَمَا يُسمع لَهُمْ صَوْتٌ، إِنْ كَانَ إِلَّا هَمْسًا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَبِّهِمْ

وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : ( ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ عَبْدًا صَالِحًا رَضِي فِعْلَهُ فَقَالَ: ( إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ) مَرْيَمَ/3

وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج : يُكْرَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ وَالنِّدَاءُ والصياحُ فِي الدُّعَاءِ، وَيُؤْمَرُ بِالتَّضَرُّعِ وَالِاسْتِكَانَةِ، ثُمَّ روى عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: (إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) فِي الدُّعَاءِ وَلَا فِي غَيْرِهِ. "

انتهى باختصار من "تفسير ابن كثير" (3/ 427-428) .

وأما كتابة الأدعية في البرامج الإلكترونية ، أو مواقع الإنترنت ، أو المطويات والنشرات الدعوية : فإن كان بقصد التعليم أو التذكير : فلا حرج فيه ، ولا يخالف الآية الكريمة وما تحض عليه .

وقد تقدم في إجابة السؤال القادم

أن الإسرار بالعمل الصالح من صلاة أو صدقة أو ذكر أو دعاء أو غير ذلك أفضل من الجهر به

إلا أن يترتب على إظهاره والجهر به مصلحة راجحة ، من تعليم جاهل أو إظهار لشعائر الإسلام أو طلبا للاقتداء به ، فيكون الجهر أفضل لرجحان المصلحة .

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح (11/337) :

" قَدْ يُسْتَحَبّ إِظْهَاره - يعني العمل - مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ عَلَى إِرَادَته الِاقْتِدَاءَ بِهِ ، وَيُقَدَّرُ ذَلِكَ بِقَدْرِ الْحَاجَة

قَالَ اِبْن عَبْد السَّلَام : يُسْتَثْنَى مِنْ اِسْتِحْبَاب إِخْفَاء الْعَمَل مَنْ يُظْهِرُهُ لِيُقْتَدَى بِهِ أَوْ لِيُنْتَفَعَ بِهِ كَكِتَابَةِ الْعِلْمِ

وَمِنْهُ حَدِيثُ سَهْل " لِتَأْتَمُّوا بِي وَلْتَعْلَمُوا صَلَاتِي " قَالَ الطَّبَرِيُّ : كَانَ اِبْن عُمَر وَابْن مَسْعُود وَجَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ يَتَهَجَّدُونَ فِي مَسَاجِدِهِمْ وَيَتَظَاهَرُونَ بِمَحَاسِنِ أَعْمَالِهِمْ لِيُقْتَدَى بِهِمْ " انتهى .


فإذا قام الرجل في مقام الدعاء والمناجاة لربه : كان المشروع في حقه التضرع والخفية .

وأما إذا كان في مقام التعليم أو التذكير : فمثل هذا لا يمكن إلا أن يجهر بتعليمه وبيانه ، أو يفعله أمام الناس ، ليأتموا به ، ويتعلموا منه .

وينظر في آداب الدعاء : إجابة السؤال بعد القادم
.
والله أعلم .

و اخيرا

الحمد لله الذي بفضلة تتم الصالحات

اخوة الاسلام

اكتفي بهذا القدر و لنا عوده
ان قدر الله لنا البقاء و اللقاء

و اسال الله ان يجمعني بكم دائما
علي خير

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين

*عبدالرحمن*
2019-02-24, 16:30
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)
اخوة الاسلام

أحييكم بتحية الإسلام
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)


جملة من آداب الدعاء

السؤال

ما آداب الدعاء وكيفيته وما هي واجباته وسننه ؟

وكيف يبدأ وكيف ينتهي ؟‏

وهل يمكن تقديم مسألة الأمور الدنيوية على الآخرة ؟

وما مدى صحة رفع اليدين في الدعاء - وكيفيته إن صح -.

الجواب

الحمد لله

أولاً :

إن الله تعالى يحب أن يُسأل ، ويُرغبَ إليه في كل شيء ، ويغضب على من لم يسأله ، ويستدعي من عباده سؤاله ، قال الله تعالى : ( وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ) غافر/60 .

وللدعاء من الدين منزلة عالية رفيعة ، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( الدعاء هو العبادة ) رواه الترمذي (3372) وأبو داود (1479) وابن ماجه (3828)

وصححه الألباني في "صحيح الترمذي" (2590) .

ثانياً :

آداب الدعاء :

1. أن يكون الداعي موحداً لله تعالى في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته ، ممتلئاً قلبه بالتوحيد

فشرط إجابة الله للدعاء : استجابة العبد لربه بطاعته وترك معصيته ، قال الله تعالى: ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون ) البقرة/186 .

2. الإخلاص لله تعالى في الدعاء ، قال الله تعالى : ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ) البينة/5 ، والدعاء هو العبادة ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ، فالإخلاص شرط لقبوله .

3. أن يسأل اللهَ تعالى بأسمائه الحسنى ، قال الله تعالى : ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه ) الأعراف/180 .

4. الثناء على الله تعالى قبل الدعاء بما هو أهله

روى الترمذي (3476) عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ رضي الله عنه قَالَ : بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدٌ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى فَقَالَ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( عَجِلْتَ أَيُّهَا الْمُصَلِّي ، إِذَا صَلَّيْتَ فَقَعَدْتَ فَاحْمَدْ اللَّهَ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ، وَصَلِّ عَلَيَّ ، ثُمَّ ادْعُهُ ) وفي رواية له (3477) :

( إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ ثُمَّ لْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ لْيَدْعُ بَعْدُ بِمَا شَاءَ )

. قَالَ : ثُمَّ صَلَّى رَجُلٌ آخَرُ بَعْدَ ذَلِكَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَيُّهَا الْمُصَلِّي ، ادْعُ تُجَبْ ) صححه الألباني في "صحيح الترمذي" (2765 ، 2767) .

5. الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، قال النبي صلى الله عليه وسلم :

( كل دعاء محجوب حتى تصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ) رواه الطبراني في "الأوسط" (1/220)

وصححه الشيخ الألباني في "صحيح الجامع" (4399) .

6. استقبال القبلة ، روى مسلم ( 1763 ) عن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ : لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ وَأَصْحَابُهُ ثَلاثُ مِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلا

فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقِبْلَةَ ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ : ( اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي

اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي ، اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الإِسْلامِ لا تُعْبَدْ فِي الأَرْضِ ) فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ . . . الحديث .

قال النووي رحمه الله في شرح مسلم : فِيهِ اِسْتِحْبَاب اِسْتِقْبَال الْقِبْلَة فِي الدُّعَاء ، وَرَفْع الْيَدَيْنِ فِيهِ .

7. رفع اليدين ، روى أبو داود ( 1488 ) عَنْ سَلْمَانَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

( إِنَّ رَبَّكُمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا )

وصححه الشيخ الألباني في "صحيح أبي داود" (1320) .

ويكون باطن الكف إلى السماء على صفة الطالب المتذلل الفقير المنتظر أن يُعْطَى

روى أبو داود (1486) عن مَالِكِ بْنَ يَسَارٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِذَا سَأَلْتُمْ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ بِبُطُونِ أَكُفِّكُمْ وَلا تَسْأَلُوهُ بِظُهُورِهَا )

وصححه الشيخ الألباني في "صحيح أبي داود" (1318) .

وهل يضم يديه عند رفعهما أو يجعل بينهما فرجة ؟

نص الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في "الشرح الممتع" (4/25) أنها تكون مضمومة . ونص كلامه : " وأما التفريج والمباعدة بينهما فلا أعلم له أصلا لا في السنة ولا في كلام العلماء " انتهى .

8. اليقين بالله تعالى بالإجابة ، وحضور القلب ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم

: ( ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لاهٍ ) رواه الترمذي (3479) ،

وحسنه الشيخ الألباني في "صحيح الترمذي" (2766) .

9. الإكثار من المسألة ، فيسأل العبد ربه ما يشاء من خير الدنيا والآخرة ، والإلحاح في الدعاء

وعدم استعجال الاستجابة ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ ، مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ ، قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا الاسْتِعْجَالُ ؟

قَالَ : يَقُولُ : قَدْ دَعَوْتُ ، وَقَدْ دَعَوْتُ ، فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي ، فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ ) رواه البخاري (6340) ومسلم (2735) .

10. الجزم فيه ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ ، اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ ، لِيَعْزِمْ الْمَسْأَلَةَ ، فَإِنَّ اللهَ لا مُكْرِهَ لَهُ ) رواه البخاري (6339) ومسلم (2679) .

11. التضرع والخشوع والرغبة والرهبة ، قال الله تعالى : ( ادعوا ربكم تضرعاً وخفية ) الأعراف/55

وقال : ( إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين ) الأنبياء/90

وقال : ( واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ) الأعراف/205 .

12. الدعاء ثلاثاً ، روى البخاري (240) ومسلم (1794) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ : ( بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ وَقَدْ نُحِرَتْ جَزُورٌ بِالأَمْسِ

فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ : أَيُّكُمْ يَقُومُ إِلَى سَلا جَزُورِ بَنِي فُلانٍ فَيَأْخُذُهُ فَيَضَعُهُ عَلَى ظَهْرِ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ ، فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ فَأَخَذَهُ فَلَمَّا سَجَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ

قَالَ : فَاسْتَضْحَكُوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَمِيلُ عَلَى بَعْضٍ . وَأَنَا قَائِمٌ أَنْظُرُ لَوْ كَانَتْ لِي مَنَعَةٌ طَرَحْتُهُ عَنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاجِدٌ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ حَتَّى انْطَلَقَ إِنْسَانٌ فَأَخْبَرَ فَاطِمَةَ فَجَاءَتْ وَهِيَ جُوَيْرِيَةٌ فَطَرَحَتْهُ عَنْهُ ثُمَّ أَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ تَشْتِمُهُمْ ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلاتَهُ رَفَعَ صَوْتَهُ ثُمَّ دَعَا عَلَيْهِمْ

- وَكَانَ إِذَا دَعَا دَعَا ثَلاثًا ، وَإِذَا سأَلَ سَأَلَ ثَلاثًا - ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ ثَلاثَ مَرَّاتٍ

فَلَمَّا سَمِعُوا صَوْتَهُ ذَهَبَ عَنْهُمْ الضِّحْكُ وَخَافُوا دَعْوَتَهُ ، ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ -

وَذَكَرَ السَّابِعَ وَلَمْ أَحْفَظْهُ - فَوَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَقِّ لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ سَمَّى صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ ثُمَّ سُحِبُوا إِلَى الْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ ) .

13. إطابة المأكل والملبس ، روى مسلم (1015) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلا طَيِّبًا ، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ

فَقَالَ : ( يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) ، وَقَالَ : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ) ، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ

وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ ) قال ابن رجب رحمه الله : فأكل الحلال وشربه ولبسه والتغذي به سبب موجِبٌ لإجابة الدعاء ا.هـ .

14. إخفاء الدعاء وعدم الجهر به ، قال الله تعالى : ( ادعوا ربكم تضرعا وخفية ) الأعراف/55 ، وأثنى الله تعالى على عبده زكريا عليه السلام بقوله : ( إذ نادى ربه نداءً خفياً ) مريم/3 .

و الله اعلم

*عبدالرحمن*
2019-02-24, 16:37
إخفاء العمل الصالح ، والفرح بثناء الناس على صاحبه ؟

السؤال

سؤال يسبب لي المتاعب : في بعض الأحيان يغلب على ظني أن الناس سيثنون علي إذا أخبرتهم بعمل من الأعمال الصالحة "من باب شكر الله عز و جل" ؛ فهل أخبرهم به ، وهل علي شيء إذا كنت ممن يفرح بثنائهم علي؟

وكيف نوفق بين الأدلة التي تحث على إخفاء العمل ، وبين التحديث بنعمة الله التي أهمها نعمة العمل الصالح ؟

الجواب

الحمد لله

أولا :

التحدث بنعمة الله تعالى من دواعي شكرها ، ومن إقرار المسلم بفضل الله عليه

قال الله تعالى : ( وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ) الضحى / 11.

قال السعدي رحمه الله :

" وهذا يشمل النعم الدينية والدنيوية ( فَحَدِّثْ ) أي : أثن على الله بها

وخصصها بالذكر إن كان هناك مصلحة ، وإلا فحدث بنعم الله على الإطلاق ، فإن التحدث بنعمة الله ، داع لشكرها ، وموجب لتحبيب القلوب إلى من أنعم بها ، فإن القلوب مجبولة على محبة المحسن " انتهى .

"تفسير السعدي" (ص928) .

وقال ابن كثير رحمه الله :

" قوله : ( وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُم ) فيه دلالة على أن إسرار الصدقة أفضل من إظهارها

لأنه أبعد عن الرياء ، إلا أن يترتب على الإظهار مصلحة راجحة ، من اقتداء الناس به

فيكون أفضل من هذه الحيثية ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة والمُسِر بالقرآن كالمُسِر بالصدقة "

والأصل أن الإسرار أفضل ، لهذه الآية ... " انتهى .

"تفسير ابن كثير" (1/701)

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :

" الذي يتحدث عن نفسه بفعل الطاعات لا يخلو من حالين :

الحال الأولى : أن يكون الحامل له على ذلك تزكية نفسه وإدلاله بعمله على ربه

وهذا أمر خطير قد يؤدي إلى بطلان عمله وحبوطه

وقد نهى الله سبحانه وتعالى عباده عن تزكية نفوسهم فقال تعالى : ( فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ اتَّقَى ) .

الحال الثانية : أن يكون الحامل له على ذلك التحدث بنعمة الله سبحانه وتعالى ، وأن يتخذ من هذا الإخبار عن نفسه سبيلاً إلى أن يقتدي به نظراؤه وأشكاله من بني جنسه

وهذا قصد محمود ؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول : ( وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ) "

انتهى من "نور على الدرب" (12/ 30) .

قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله :

" جَاءَ آثَارٌ بِفَضِيلَةِ الْجَهْرِ بِالْقُرْآنِ ، وَآثَارٌ بِفَضِيلَةِ الْإِسْرَارِ بِهِ وَالْجَمْعُ بِأَنْ يُقَالَ : الْإِسْرَارُ أَفْضَلُ لِمَنْ يَخَافُ الرِّيَاءَ ، وَالْجَهْرُ أَفْضَلُ لِمَنْ لَا يَخَافُهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُؤْذِيَ غَيْرَهُ مِنْ مُصَلٍّ أَوْ نَائِمٍ أَوْ غَيْرِهِمَا

وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَمَلَ فِي الْجَهْرِ يَتَعَدَّى نَفْعُهُ إِلَى غَيْرِهِ أَيْ مِنْ اِسْتِمَاعٍ أَوْ تَعَلُّمٍ أَوْ ذَوْقٍ أَوْ كَوْنِهِ شِعَارًا لِلدِّينِ

وَلِأَنَّهُ يُوقِظُ قَلْبَ الْقَارِئِ وَيَجْمَعُ هَمَّهُ وَيَطْرُدُ النَّوْمَ عَنْهُ وَيُنَشِّطُ غَيْرَهُ لِلْعِبَادَةِ . فَمَتَى حَضَرَهُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ النِّيَّاتِ فَالْجَهْرُ أَفْضَلُ "

انتهى من "تحفة الأحوذي" (8/191)

وعليه :

فإذا كان التحدث بنعمة الله من باب نسبة الفضل إلى الله تعالى ، والإقرار بمنته على عبده ، وأنه الجواد الكريم ، أو كان ليقتدي بالإنسان غيره في فعل الخير ، حتى يكون له أجره وأجر من اقتدى به : فهذا مستحب مشروع .

وإن كان من باب تزكية النفس ، أو نسبة الفضل إليها ، أو المراءاة وتسميع الناس بالعمل ، وكسب الجاه والمنزلة بما له من الطاعات ، ونحو ذلك : فهذا أمر مذموم مقبوح .

ثانيا :

إذا تحدث العبد بنعمة الله عليه على الوجه المشروع ، فأحسن الناس الثناء عليه فأعجبه ذلك ، ولم يخالط ذلك في قلبه طلب الرياء والسمعة ، فهو من عاجل بشرى المؤمن .

وعاجل بشرى المؤمن أن يعمل المؤمن العمل الصالح ، يرجو به وجه الله ، فيطلع الناس عليه من غير تعمد منه لإظهار ذلك ، أو مراءاة الناس به ، فيثنوا عليه خيرا ، فيعجبه ذلك .

روى مسلم (2642) عَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ : قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ الْعَمَلَ مِنْ الْخَيْرِ وَيَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيْهِ ؟ قَالَ : ( تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ )

والله تعالى أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-24, 16:42
تفسير أول سورة " الملك "

السؤال

ما معنى قوله تعالى : ( تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير * الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور ) ؟

الجواب

الحمد لله

يقول الله تعالى في أول سورة " الملك " : ( تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ) الملك/ 1، 2 .

يقدس الرب تعالى نفسه ، ويعظمها ، وينزهها عن العيوب والنقائص ، فيقول جل وعلا : ( تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ ) أي : تعاظم وتعالى ، وتقدّس وتنزه ، وكثر خيره

وعم إحسانه ، الذي بيده ملك العالم العلوي والسفلي ، فهو الذي خلقه ، ويتصرف فيه بما شاء ، من الأحكام القدرية، والأحكام الدينية ، التابعة لحكمته .

قال في "لسان العرب" (10/ 396)

" تباركَ اللَّهُ : تقدَّس وَتَنَزَّهَ وَتَعَالَى وَتَعَاظَمَ ، لَا تَكُونُ هَذِهِ الصِّفَةُ لِغَيْرِهِ ، أَيْ تطَهَّرَ

والقُدْس: الطُّهْرُ. وَسُئِلَ أَبُو الْعَبَّاسِ عَنْ تَفْسِيرِ تبارَكَ اللهُ فَقَالَ : ارْتَفَعَ ، والمُتبارِكُ: الْمُرْتَفِعُ ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ : تبارَكَ تفاعَلَ مِنَ البَرَكة ، كَذَلِكَ يَقُولُ أَهْلُ اللُّغَةِ ، وَمَعْنَى البَرَكة الْكَثْرَةُ فِي كُلِّ خَيْرٍ " .

( وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) ومن عظمته : كمال قدرته التي يقدر بها على كل شيء ، وبها أوجد ما أوجد من المخلوقات العظيمة ، كالسماوات والأرض .

" تفسير الطبري " (23/ 505) .

فلا يمنعه من فعله مانع ، ولا يحول بينه وبينه عجز .

( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ ) أي : قدّر لعباده أن يحييهم ثم يميتهم .

فأمات من شاء وما شاء ، وأحيا من أراد وما أراد إلى أجل معلوم .

( لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا ) أي : ليختبركم فينظر أيكم له أيها الناس أطوع ، وإلى طلب رضاه أسرع .

قال ابن كثير رحمه الله :

" ( لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ) : أَيْ : خَيْرٌ عَمَلًا ، كَمَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ ، وَلَمْ يَقُلْ أكثر عملا "

انتهى من "تفسير ابن كثير" (8/ 197) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

" ( لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ) ، قَالَ الْفُضَيْل بْنُ عِيَاضٍ : أَخْلَصُهُ وَأَصْوَبُهُ

قَالُوا : يَا أَبَا عَلِيٍّ مَا أَخْلَصُهُ وَأَصْوَبُهُ ؟ قَالَ : إنَّ الْعَمَلَ إذَا كَانَ خَالِصًا ، وَلَمْ يَكُنْ صَوَابًا ، لَمْ يُقْبَلْ ، وَإِذَا كَانَ صَوَابًا وَلَمْ يَكُنْ خَالِصًا لَمْ يُقْبَلْ ، حَتَّى يَكُونَ خَالِصًا صَوَابًا.

وَالْخَالِصُ : أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ ، وَالصَّوَابُ : أَنْ يَكُونَ عَلَى السُّنَّةِ، وَذَلِكَ تَحْقِيقُ قَوْله تَعَالَى (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ) "

انتهى من "مجموع الفتاوى" (1/ 333) .

وقال ابن القيم رحمه الله :

" فهو سبحانه وتعالى إنما خلق السموات والأرض ، والموت والحياة وزين الأرض بما

عليها : ليبلو عباده أيهم أحسن عملا ، لا أَكْثَرُ عَمَلا.

وَالْعَمَلُ الأَحْسَنُ هُوَ الأَخْلَصُ وَالأَصْوَبُ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَرْضَاتِهِ وَمَحَبَّتِهِ ، دُونَ الأَكْثَرِ الْخَالِي مِنْ ذَلِكَ ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُحِبُّ أَنْ يُتَعَبَّدَ لَهُ بِالأَرْضَى لَهُ ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلا

دُونَ الأَكْثَرِ الَّذِي لا يُرْضِيهِ ، وَالأَكْثَرُ الَّذِي غَيْرُهُ أَرْضَى لَهُ مِنْهُ ؛ وَلِهَذَا يَكُونُ الْعَمَلانِ فِي الصُّورَةِ وَاحِدًا وَبَيْنَهُمَا فِي الْفَضْلِ ، بَلْ بَيْنَ قَلِيل أَحَدهمَا وَكَثِير الآخَرِ فِي الْفَضْلِ : أَعْظَمُ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ " .

انتهى من " المنار المنيف " ( ص 30-31 ) .

وقال السعدي رحمه الله :

" أي : أخلصه وأصوبه ، فإن الله خلق عباده ، وأخرجهم لهذه الدار ، وأخبرهم أنهم سينقلون منها ، وأمرهم ونهاهم ، وابتلاهم بالشهوات المعارضة لأمره

فمن انقاد لأمر الله وأحسن العمل، أحسن الله له الجزاء في الدارين ، ومن مال مع شهوات النفس، ونبذ أمر الله ، فله شر الجزاء "

انتهى من " تفسير السعدي " ( ص 875 ) .

فالواجب أن يكون عملنا خالصا لله تعالى بلا رياء ولا سمعة ، وأن يكون على السنة بلا إحداث وبدعة

وهذان شرطا العمل المتقبل ، فإن الله خلق الموت والحياة ليبتلي الناس أيهم أخلص لله وأتبع لرسوله صلى الله عليه وسلم .

( وَهُوَ الْعَزِيزُ ) الذي له العزة كلها، التي قهر بها جميع الأشياء ، وانقادت له المخلوقات .

قال ابن الأثير رحمه الله :

" الْعَزِيزُ: هُوَ الغالِبُ القَويُّ الَّذِي لَا يُغْلَب ، والعِزَّة فِي الأصلِ: القُوَّة والشِّدَّة والغَلَبة " .

انتهى من " النهاية " (3/ 228) .

( الْغَفُورُ ) عن المسيئين والمقصرين والمذنبين ، خصوصًا إذا تابوا وأنابوا ، فإنه يغفر ذنوبهم ، ولو بلغت عنان السماء ، ويستر عيوبهم ، ولو كانت ملء الدنيا .

قال في "النهاية" (3/ 373) :

" الْغَفَّارُ والْغَفُورُ : مِنْ أبنِية الْمُبَالَغَةِ ، وَمَعْنَاهُمَا السَّاتِرُ لِذُنُوبِ عِبَادِهِ وَعُيُوبِهِمْ ، المُتَجاوِز عَن خَطَاياهُم وَذُنُوبِهِمْ ، وَأَصْلُ الغَفْر: التَّغْطِية " انتهى .

فهو سبحانه عزيز غالب ، ينتقم ممن عصاه وشرد عليه ، وهو الغفور الرحيم ، يغفر لمن شاء من عباده المسيئين المقصرين ويرحمهم .

كما قال تعالى عن نفسه في آية أخرى : ( غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ) غافر/ 3 .

وانظر :

"زاد المسير" (4/ 313-314)

"تفسير القرطبي" (18/206-208)

" فتح القدير" (5/ 308) .

والله تعالى أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-24, 16:46
قول الله تعالى : ( أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله ) ليس من آيات الصفات

السؤال

يقول الله "أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله" ، فهل يوصف الله بالجنب ؟

الجواب

الحمد لله

قول الله تعالى : ( أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ ) الزمر/ 56 ، ليس من آيات الصفات ، وإنما المعنى : يا حسرتى على ما ضيعت من العمل بما أمرني الله به ، وقصرت في الدنيا في طاعة الله .

انظر : "تفسير الطبري" (21/314) .

قال الإمام الدارمي رحمه الله في "الرد على المريسي" (2/ 807):

" وادَّعى الْمُعَارِضُ أَيْضًا زُورًا عَلَى قَوْمٍ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِ اللَّهِ : ( يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّه ) قَالَ: يَعْنُونَ بِذَلِكَ الْجَنْبَ الَّذِي هُوَ الْعُضْوُ وَلَيْسَ عَلَى مَا يتوهَّمونه .

فَيُقَالُ لِهَذَا الْمُعَارِضِ : مَا أَرْخَصَ الْكَذِبَ عِنْدَكَ ، وأخفَّه عَلَى لِسَانِكَ ، فَإِنْ كُنْتَ صَادِقًا فِي دَعْوَاكَ فَأَشِرْ بِهَا إِلَى أَحَدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ قَالَهُ ، وَإِلَّا فَلِمَ تشنّع بِالْكَذِبِ عَلَى قَوْمٍ هـم أَعْلَمُ بِهَذَا التَّفْسِيرِ مِنْكَ

وَأَبْصَرُ بِتَأْوِيلِ كِتَابِ اللَّهِ مِنْكَ ، وَمِنْ إِمَامِكَ ؟ إِنَّمَا تَفْسِيرُهَا عِنْدَهُمْ ، تَحَسُّرُ الْكفَّار على مَا فرطوا فِي الْإِيمَانِ وَالْفَضَائِلِ الَّتِي تَدْعُو إِلَى ذَاتِ اللَّهِ ، وَاخْتَارُوا عَلَيْهَا الْكُفْرَ وَالسُّخْرِيَةَ بِأَوْلِيَاءِ اللَّهِ

فَسَمَّاهُمُ السَّاخِرِينَ فَهَذَا تَفْسِيرُ الْجَنْبِ عِنْدَهُمْ ، فَمن أَنْبَأَكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: جَنْبٌ مِنَ الْجُنُوبِ؟ فَإِنَّهُ لَا يَجْهَلُ هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرٌ مِنْ عَوَامِّ الْمُسْلِمِينَ ، فَضْلًا عَنْ عُلَمَائِهِمْ " انتهى .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

" لَا يُعْرَفُ عَالِمٌ مَشْهُورٌ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا طَائِفَةٌ مَشْهُورَةٌ مِنْ طَوَائِفِ الْمُسْلِمِينَ، أَثْبَتُوا لِلَّهِ جَنْبًا نَظِيرَ جَنْبِ الْإِنْسَانِ ، وَهَذَا اللَّفْظُ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ : ( أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ ) .

فَلَيْسَ فِي مُجَرَّدِ الْإِضَافَةِ مَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ الْمُضَافُ إِلَى اللَّهِ صِفَةً لَهُ ، بَلْ قَدْ يُضَافُ إِلَيْهِ مِنَ الْأَعْيَانِ الْمَخْلُوقَةِ

وَصِفَاتِهَا الْقَائِمَةِ بِهَا : مَا لَيْسَ بِصِفَةٍ لَهُ بِاتِّفَاقِ الْخَلْقِ ، كَقَوْلِهِ : (بَيْتُ اللَّهِ) ، وَ ( نَاقَة اللَّهِ ) ، وَ ( عِبَاد اللَّهِ ) بَلْ وَكَذَلِكَ ( رُوحُ اللَّهِ) عِنْدَ سَلَفِ الْمُسْلِمِينَ وَأَئِمَّتِهِمْ وَجُمْهُورِهِمْ.

وَلَكِنْ إِذَا أُضِيفَ إِلَيْهِ مَا هُوَ صِفَةٌ لَهُ ، وَلَيْسَ بِصِفَةٍ لِغَيْرِهِ ، مِثْلَ كَلَامِ اللَّهِ وَعِلْمِ اللَّهِ

وَيَدِ اللَّهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، كَانَ صِفَةً لَهُ .

وَفِي الْقُرْآنِ مَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْجَنْبِ مَا هُوَ نَظِيرُ جَنْبِ الْإِنْسَانِ فَإِنَّهُ قَالَ: ( أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ ) .

وَالتَّفْرِيطُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ -.

وَالْإِنْسَانُ إِذَا قَالَ: فُلَانٌ قَدْ فَرَّطَ فِي جَنْبِ فُلَانٍ أَوْ جَانِبِهِ ، لَا يُرِيدُ بِهِ أَنَّ التَّفْرِيطَ وَقَعَ فِي شَيْءٍ مِنْ نَفْسِ ذَلِكَ الشَّخْصِ ، بَلْ يُرِيدُ بِهِ أَنَّهُ فَرَّطَ فِي جِهَتِهِ وَفِي حَقِّهِ .

فَإِذَا كَانَ هَذَا اللَّفْظُ إِذَا أُضِيفَ إِلَى الْمَخْلُوقِ لَا يَكُونُ ظَاهِرَهُ أَنَّ التَّفْرِيطَ فِي نَفْسِ جَنْبِ الْإِنْسَانِ الْمُتَّصِلِ بِأَضْلَاعِهِ ، بَلْ ذَلِكَ التَّفْرِيطُ لَمْ يُلَاصِقْهُ ، فَكَيْفَ يُظَنُّ أَنَّ ظَاهِرَهُ فِي حَقِّ اللَّهِ - أَنَّ التَّفْرِيطَ كَانَ فِي ذَاتِهِ ؟ "
.
انتهى من "الجواب الصحيح" (4/ 415-416) .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-24, 17:10
تفسير قوله تعالى "يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تُبد لكم تسؤكم"

السؤال

قرأت في أحد تفاسير القرآن أنه لا ينبغي الإكثار من توجيه الأسئلة للنبي صلى الله عليه وسلم "يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تُبد لكم تسؤكم ".

فهل معنى هذا أننا إذا أردنا أن نسأل عن شيء شرعي، غير متعلق بالشرك طبعاً، فإن الأولى عدم السؤال ؟

والى أي مدىً ينبغي الابتعاد عن السؤال عن الأشياء المتعلقة بحياتنا اليومية ، وما الضابط في ذلك ؟

لأن الأمر إذا كان هكذا على إطلاقه فلا شك أن هناك أمورا كثيرة سيُتجاوز فيها..! فلقد نصحني بعض كبار السن بعدم التعمق في مسائل الدين

وتعقيد الأمور حتى لا يُفضي بنا الحال إلى التشدد المذموم ، فما توجيهكم في هذا السياق ؟

الجواب

الحمد لله

قال الله تعالى في سورة المائدة : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ )المائدة/ 101 .

وهذه الآية قد نهت المؤمنين عن سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن أشياء سكت الله عنها في كتابه

وعفا عنها ؛ وربما أدى التنقير وتشقيق السؤال عنها إلى تحريمها ؛ فيشق ذلك عليهم , ونهتهم أيضا عن السؤال عن الأشياء التي هي خافية عليهم ولو بدت لهم ساءتهم ؛ كسؤالهم عن صحة نسبهم إلى آبائهم .

وقد وقع ، روى البخاري (540) ، ومسلم (2359) عن أنس بن مالك :

" أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ ، فَصَلَّى الظُّهْرَ ، فَقَامَ عَلَى المِنْبَرِ ، فَذَكَرَ السَّاعَةَ ، فَذَكَرَ أَنَّ فِيهَا أُمُورًا عِظَامًا، ثُمَّ قَالَ : ( مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ شَيْءٍ فَلْيَسْأَلْ

فَلاَ تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَخْبَرْتُكُمْ ، مَا دُمْتُ فِي مَقَامِي هَذَا ) فَأَكْثَرَ النَّاسُ فِي البُكَاءِ ، وَأَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ : ( سَلُونِي ) ، فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ

فَقَالَ: مَنْ أَبِي؟ ، قَالَ: ( أَبُوكَ حُذَافَةُ ) ثُمَّ أَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ: ( سَلُونِي ) فَبَرَكَ عُمَرُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ ، فَقَالَ : رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، فَسَكَتَ

ثُمَّ قَالَ: ( عُرِضَتْ عَلَيَّ الجَنَّةُ وَالنَّارُ آنِفًا فِي عُرْضِ هَذَا الحَائِطِ ، فَلَمْ أَرَ كَالخَيْرِ وَالشَّرِّ )

قال الإمام مسلم رحمه الله عقب إيراده هذا الحديث " قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ

قَالَ: قَالَتْ أُمُّ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُذَافَةَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ حُذَافَةَ : مَا سَمِعْتُ بِابْنٍ قَطُّ أَعَقَّ مِنْكَ؟ أَأَمِنْتَ أَنْ تَكُونَ أُمُّكَ قَدْ قَارَفَتْ بَعْضَ مَا تُقَارِفُ نِسَاءُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ

فَتَفْضَحَهَا عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ؟ قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ حُذَافَةَ : وَاللهِ لَوْ أَلْحَقَنِي بِعَبْدٍ أَسْوَدَ لَلَحِقْتُهُ " .

انتهى من " صحيح مسلم " (4 / 1832).

قال الشوكاني رحمه الله في تفسيره لآية المائدة

" قوله : ( يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ) أي: لا تسألوا عن أشياء لا حاجة لكم بالسؤال عنها , ولا هي مما يعنيكم في أمر دينكم , فقوله: ( إن تبد لكم تسؤكم ) في محل جرٍّ صفة لأشياء

, أي لا تسألوا عن أشياء متصفة بهذه الصفة ؛ من كونها إذا بدت لكم ؛ أي : ظهرت وكلفتم بها : ساءتكم ، نهاهم الله عن كثرة مساءلتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم

فإن السؤال عما لا يعني ولا تدعو إليه حاجة ، قد يكون سببا لإيجابه على السائل وعلى غيره , قوله: ( وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم ) هذه الجملة من جملة صفة أشياء

والمعنى: لا تسألوا عن أشياء ، إن تسألوا عنها حين ينزل القرآن ، وذلك مع وجود رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهركم ونزول الوحي عليه : تبد لكم

, أي : تظهر لكم ، بما يجيب عليكم به النبي صلى الله عليه وسلم ، أو ينزل به الوحي , فيكون ذلك سببا للتكاليف الشاقة , وإيجاب ما لم يكن واجبا ، وتحريم ما لم يكن محرما

بخلاف السؤال عنها بعد انقطاع الوحي بموت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه لا إيجاب ولا تحريم يتسبب عن السؤال "

انتهى من " فتح القدير " للشوكاني (2 / 92).

فعلم من هذا جملة من الأمور:

أولا :

أن النهي في الآية خاص بزمن النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو وقت نزول الوحي , دون ما بعده من الأزمنة ، فلا يكون هذا مانعا من طلب العلم الشرعي

وتعلم الإنسان ما ينفعه ، أو يحتاج إليه في أمر معاشه ومعاده .

قال الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله - :

" من المؤسف حقا أن بعض الناس يقول لا تسأل فتخبر عن شيء يكون فيه مشقة عليك ، ثم يتأولون الآية الكريمة على غير وجهها وهي قوله تعالى

: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ) فإن النهي عن ذلك إنما كان وقت نزول الوحي الذي يمكن أن تتجدد الأحكام فيه أو تتغير

أما بعد أن توفي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فالواجب أن يسأل الإنسان عن كل ما يحتاجه في أمور دينه "

انتهى من " فتاوى نور على الدرب " لابن عثيمين (24 /223) .

ثانيا

أن الأشياء التي نهوا عن السؤال عنها هي :

1- الأشياء التي لا يترتب عليها عمل وهي مما لا ينفع في أمر الدين .

2- الأشياء التي عنها الشرع ، وسكت عن ذكرها ، رحمة بالناس ، غير نسيان ؛ فربما أدى التنقير إلى تحريمها ، والإشقاق على الناس بها ؛ روى البخاري (6745) ومسلم (4349) عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قَالَ :

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا : مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، فَحُرِّمَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ ).

3- الأشياء التي خفيت عن السائلين ، ولو بدت لهم ساءتهم ، كما مر معنا في حديث عبد الله بن حذافة .

ثالثا :

أن الأشياء التي يترتب عليها بيان حكم شرعي , قد أمر الله سبحانه بالسؤال عنها

في قوله تعالى : ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ )النحل / 43.

يقول الشيخ السعدي رحمه الله في تفسير آية المائدة "

ينهى عباده المؤمنين عن سؤال الأشياء التي إذا بينت لهم ساءتهم وأحزنتهم ، وذلك كسؤال بعض المسلمين لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن آبائهم ، وعن حالهم في الجنة أو النار

فهذا ربما أنه لو بين للسائل : لم يكن له فيه خير ، وكسؤالهم للأمور غير الواقعة ,

وكالسؤال الذي يترتب عليه تشديدات في الشرع ربما أحرجت الأمة

وكالسؤال عما لا يعني، فهذه الأسئلة وما أشبهها هي المنهي عنها ، وأما السؤال الذي لا يترتب عليه شيء من ذلك : فهذا مأمور به

كما قال تعالى : ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) "

انتهى من تفسير السعدي (1 / 245).

ويراجع للفائدة الأمور التي يكره السؤال عنها إما تحريما أو تنزيها في الفتوى القادمه

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-24, 17:17
المقصود بالنهي عن كثرة السؤال

السؤال

روى المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (إن الله كره لكم ثلاثا : قيل وقال ، وإضاعة المال ، وكثرة السؤال)

رواه البخاري (1407) ومسلم (593) . فهل يعني كثرة السؤال هنا كثرة الطلب من الناس؟

وهل يتعارض هذا مع كثرة الطلب من الله ، فالله يقول في كتابه الكريم : (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ) غافر/60 ؟

الجواب

الحمد لله

أولا :

هذا الحديث من آداب الإسلام العظيمة ، إذا امتثله المسلم حفظ به عمرَه ، ومالَه ، وجهدَه ، ووقاه من شر النفس ونوازع التفريط والضياع .

وقد ذكر العلماء رحمهم الله في تفسير قوله صلى الله عليه وسلم (وكثرة السؤال) أوجها عديدة ، كلها تدخل في إطلاق هذا اللفظ ، وهي :

1- سؤال الناس أموالهم ، وبذل ماء الوجه في سبيل ذلك .

2- سؤال العلماء عن المسائل العويصة التي لا تنفع المسلمين ، وإنما تفتح عليهم أبواب النزاع ، وتثير بينهم مكنون الشقاق .

3- السؤال عن المسائل التي يندر وقوعها أو يستحيل ، لما فيه من التنطع والتكلف .

4- كثرة السؤال عن أخبار الناس وأحداث الزمان وتفاصيل الوقائع مما لا يقدم منفعة وإنما يضيع به الوقت .

5- كثرة سؤال إنسان بعينه عن تفاصيل حاله ، والدخول في خصوصيات حياته التي يكره أن يطلع الناس عليها ، فيقع في الضيق والحرج بسبب سؤاله عن ذلك .

6- سؤال السائل عما لا يعنيه ، ولا شأن له به .

وهذه أمور مذمومة كلها – كما ترى - فالأوجَهُ في تفسير الحديث حمله على إطلاقه ، واعتبار أن كل ما دل الشرع والأدب على كراهة السؤال عنه وكراهة طلبه فهو داخل في هذا الحديث .

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله :

"قوله : (وكثرة السؤال) هل هو سؤال المال ، أو السؤال عن المشكلات والمعضلات ، أو أعم من ذلك ؟ الأولى حمله على العموم .

وقد ذهب بعض العلماء إلى أن المراد به كثرة السؤال عن أخبار الناس وأحداث الزمان ، أو كثرة سؤال إنسان بعينه عن تفاصيل حاله ، فإن ذلك مما يكره المسئول غالبا ، وقد ثبت النهي عن الأغلوطات .

أخرجه أبو داود من حديث معاوية . وثبت عن جمع من السلف كراهة تكلف المسائل التي يستحيل وقوعها عادة أو يندر جدا ، وإنما كرهوا ذلك لما فيه من التنطع والقول بالظن ، إذ لا يخلو صاحبه من الخطأ" انتهى .

"فتح الباري" (10/407) .

وقال القرطبي رحمه الله :

"والوجه : حمل الحديث على عمومه ، فيتناول جميع تلك الوجوه كلها" انتهى .

"المفهم" (5/164) .

وقال النووي رحمه الله :

"وأما (كثرة السؤال) فقيل : المراد به القطع في المسائل

والإكثار من السؤال عما لم يقع ولا تدعو إليه حاجة ، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن ذلك ، وكان السلف يكرهون ذلك ويرونه من التكلف المنهي عنه

وفي الصحيح : (كره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها) .

وقيل : المراد به سؤال الناس أموالهم وما في أيديهم ، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن ذلك .

وقيل : يحتمل أن المراد كثرة السؤال عن أخبار الناس وأحداث الزمان وما لا يعني الإنسان ، وهذا ضعيف ؛ لأنه قد عرف هذا من النهي عن (قيل وقال) .

وقيل : يحتمل أن المراد كثرة سؤال الإنسان عن حاله وتفاصيل أمره ، فيدخل ذلك في سؤاله عما لا يعنيه

ويتضمن ذلك حصول الحرج في حق المسؤول ، فإنه قد لا يؤثر إخباره بأحواله ، فإن أخبره شق عليه ، وإن كذبه في الأخبار أو تكلف التعريض لحقته المشقة ، وإن أهمل جوابه ارتكب سوء الأدب" انتهى .

"شرح مسلم" (12/11) .

وعلى هذا ، فمعنى (كثرة السؤال) أي : سؤال الناس .

وأما سؤال الله ودعائه فهو من أفضل العبادات ، فالله تعالى يحب من عباده أن يسألوه ، ويحب الملحين في الدعاء .
وبهذا يتبين معنى الحديث ، والفرق بين سؤال الناس الذين هم فقراء إلى الله ، وسؤال الله الغني الحميد .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-24, 17:29
هل في قوله تعالى ( وكواعب أترابا ) وصف لصدور الحور العين ؟

السؤال

لدي سؤال يجول بداخلي منذ فترة ، ويربك وجهة نظري عن الإسلام ، ويؤثر عليها ، يتعلق الأمر بالآيتين رقم اثنين وثلاثين وثلاث وثلاثين من سورة النبأ

حيث يقول تعالى : ( إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا . حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا . وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا ) النبأ/31-33.

فما معني هاتين الآيتين ، هل تعني الآية : أن الرجال سيمنحهم الله نساء ذوات صدور جميلة في الجنة ؟

أنا أجد أن قراءتها في نص ديني أمر غير مقبول ، لا أعرف لماذا يتحدث القرآن عن صدور النساء ، فكان من الممكن أن يقول الله بأنه سيمنح الرجال في الجنة نساء جميلات فقط .

فما الحكمة من الإشارة لشكل صدور النساء ووصفها التي ستكون عليها في الجنة ؟

الجواب

الحمد لله

وجوابا على سؤالك نقول إن كل ناقد لأي نص من النصوص

سواء كانت نصوصا مقدسة أم نصوصا أدبية بشرية لا بد أن يراعي في نقده بيئة النص المتمثلة في الزمان والمكان والأشخاص والأحوال كلها

وحين يتطلَّبُ الناقد الفهمَ الدقيق لتعبيرٍ معينٍ فإن عليه أيضا أن يدقق في جذر ذلك التركيب وأصله في اللغة التي ورد بها ، واستعمالاته المتعددة ، والمعنى والسياق العام الذي من أجله تستعمل تلك المفردة
.
والباحث المنصف هو الذي يفترض دائما عجز الترجمة عن نقل المعنى المقصود كما هو ، وعجزها عن انتقاء الكلمة التي تنقل المفردة بجميع ما تحمله من دلالات

مراعية البيئة التي استعملت فيها تلك المفردة ،

فإن لم يفعل ذلك فقد جازف بالحقيقة التي ينشدها ، ولم يأخذ لنفسه الوثيقة فيما طلب .

ومن هنا نقول لك : إن الترجمة الحرفية لكلمة ( كواعب ) أنها جمع ( كاعب ) وهي التي " نتأ ثديها "

كما في " مجمل اللغة " (1/787).

يقول ابن فارس رحمه الله :

" ( كعب ) الكاف والعين والباء أصل صحيح ، يدل على نتوء وارتفاع في الشيء . من ذلك الكعب : كعب الرجل

وهو عظم طرفي الساق عند ملتقى القدم والساق . والكعبة : بيت الله تعالى ، يقال سمي لنتوِّهِ وتربيعه . وكعبت المرأة كعابة ، وهي كاعب ، إذا نتأ ثديها "

انتهى من " مقاييس اللغة " (5/186)

وانظر " القاموس المحيط " (ص/131)

" لسان العرب " (1/719) .

هذا هو المعنى الحرفي للكلمة في أصلها اللغوي .

غير أنه من المعيب جدا أن يقتصر الناظر على المعنى الحرفي المعجمي لجذر الكلمة في أي لغة من اللغات

بل لا بد من مراعاة السياق الذي يستعملها به أهل اللغة أنفسهم ، ألا ترى أن العرب تستمل كلمة ( الحائض ) على غير معناها الحرفي ، وإنما يقصدون بهذا الوصف : المرأةَ البالغة سن المحيض

ولا يقصدون التي أصابتها دورتها الشهرية في ذلك الوقت ، وذلك كما ثبت عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إِلَّا بِخِمَارٍ ) رواه أبو داود (641)

ومعلوم في الشريعة الإسلامية أنه لا تصح صلاة المرأة وقت حيضها ، بل يحرم عليها ذلك باتفاق العلماء حتى ترتفع دورتها وتطهر منها .

فمن فسر الكلمة بمعناها الحرفي المعجمي وقع في هذا التناقض والخطأ

ومن فسرها كما يستعملها العرب في كلامهم ، يريدون به المرأة البالغة سن الحيض ، ولو لم تكن حائضا حقيقة : فَهِمَ الحديث على وجهه ، وأدرك طريقة العرب في استعمال الكلام .

وهكذا نقول في وصف المرأة بـ ( الكاعب ) في اللغة العربية ، لا يراد به وصف جنسي بدني لشيء من أجزاء المرأة ، بقدر ما هو المقصود وصف الفتاة بظهور علامات الأنوثة فيها

دلالة على صغر سنها ، ونضارة شبابها ، بحيث يمكن أن يتعلق بها الرجال

فالفتاة في هذه السن تبدأ علامات أنوثتها بالبروز والظهور ، ولكن ليس المقصود بهذه الكلمة ذكر حجم محدد للثدي ، ولا ملاحظة شكله ووصفه ، وإنما المراد تأكيد سن الشباب ونضارة العمر .

يقول ابن الجوزي رحمه الله :

" المرأة طفلةٌ ما دامت صغيرةً ؛ ثمّ وليدةٌ إذا تحرّكت ؛ ثمّ كاعبٌ إذا كعب ثديها ؛ ثمّ ناهدٌ إذا زاد ؛ ثمّ معصرٌ إذا أدركت ؛ ثمّ خودٌ إذا توسّطت الشّباب " انتهى من " أخبار النساء " (ص/228) .

وجاء في " شرح معاني شعر المتنبي " لابن الإفليلي - السفر الأول (2/ 270):

" الغلام منهم شاب ، والجارية كاعب " انتهى .

ويقول الإمام الزجاج – وهو من أئمة اللغة الكبار -:

" ( وَكَواعِبَ أَتْرَاباً ) أي أسنانهن وَاحِدة ، وهن في غاية الشباب والحُسْنِ "

انتهى من " معاني القرآن وإعرابه " (4/ 338) .

ويقول العلامة الطاهر بن عاشور رحمه الله :

" الكواعب : جمع كاعب ، وهي الجارية التي بلغت سن خمس عشرة سنة ونحوها . ووصفت بكاعب لأنها تَكَعَّب ثديُها ، أي صار كالكعب ، أي استدار ونتأ "

انتهى من " التحرير والتنوير " (30/ 44) .

فانظر كيف يبين العلماء رحمهم الله أن هذا الوصف ( كاعب ) إنما يراد به مرحلة من مراحل عمر الفتاة ، ولا يقصد به الوصف الجنسي لبدنها ، وإن كان هو المعنى الحرفي .

تماما كما يستعمل العربي كلمة ( الحائض ) للدلالة على البلوغ ، ولا يقصدون ملاحظة وجود الحيض نفسه
.
ومن الأدلة الظاهرة أيضا أن العرب تستعمل هذا الوصف في الشعر والنثر في سياق ذكر عفة المرأة وتكريمها ، وليس في سياق الوصف الجنسي لإثارة الشهوة واللذة

والشاعر العربي حين يصف الفتاة بالكاعب لم يطلع على ثديها ، ولم ير حجمه وضخامته ، ولا استدارته أو تدليه ، ولكنه وصف يطلق على كل صغيرة السن شابة ، وذلك من أعف الشعر العذري وأرقه .

ومن ذلك قول بشر بن أبي حازم ، ونسب أيضا لقيس بن عاصم :

وكم من حصان قد حوينا كريمةٍ *** ومن كاعب لم تدر ما البؤسُ ، مُعْصِر .

ذكره الثعلبي في " الكشف والبيان " (10/ 118).

ولهذا قال الماوردي رحمه الله – في تفسير ( كواعب ) في الآية الكريمة – : " العذارى , قاله الضحاك "

انتهى من " النكت والعيون " (6/188)

ثم ذكر الشاهد السابق .

وهذا الأثر عن الضحاك أخرجه ابن المنذر ، كما في " الدر المنثور " (8/398) .

ولو تدبرت القرآن الكريم لوجدته دائما ما يكني باستعمال الألفاظ التي تبلغ الغاية في الإشارة ولطيف العبارة

كقوله عز وجل في وصف العلاقة الزوجية : ( هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ ) البقرة/187

وقوله سبحانه : ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) الروم/21

وقوله عز وجل : ( أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ ) النساء/43

ولو ترجمت هذه الألفاظ بحرفيتها لما علم معناها ؛ لأن ترجمة ( اللباس )، ( والسكن ) ، و( اللمس ) ترجمة حرفية لا تؤدي المقصود ، ولكن سياق الآيات يدل على أن المراد بها الكناية

أو المعنى المجازي لحقيقة المعاشرة الزوجية ، ولكن من زاوية القيمة الروحية لهذه الممارسة

فإذا ترجمت هذه الكلمات إلى الانجليزية بمعنى الجماع الجنسي البدني فقد يؤدي ذلك إلى توهم أن القرآن الكريم يكثر الحديث عن شهوات البدن ويستعمل الألفاظ المباشرة فيها ، والحقيقة بخلاف ذلك .

نقرر ذلك كي تدرك أهمية مراعاة الناقد الاستعمال العربي في الكلمة بحسب سباقها ولحاقها ، وأهمية مراعاة الفجوة التي تحدثها الترجمة الحرفية بين المقصود الحقيقي وبين الجذر الدلالي للكلمة .

وقد تبين بعد الرجوع إلى مجموعة من ترجمات معاني القرآن الكريم إلى اللغة الانجليزية أن المترجمين اختلفوا في نقل معنى الآية الكريمة ( وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا ) في سورة النبأ إلى فريقين :

الفريق الأول : نقلها بالمعنى الحرفي للكلمة ، دون مراعاة اللسان العربي في استعمالها في سياق الدلالة العمرية فحسب . فكانت هذه الترجمة على الوجه الآتي الذي أشكل على السائل :

(And young full-breasted (mature) maidens of equal age(

وقد ترجمها بهذا التعبير الدكتور تقي الدين الهلالي والدكتور محمد محسن خان ،

كما في " ترجمة معاني القرآن العظيم " الذي طبعه " مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف " (ص/811) .

وهذا رابط موقعهم الرسمي :

http://www.qurancomplex.org/?Lan=ar

وكذلك ترجمها كل من (Ibrahim Walk) ، (Laleh Baktiar) .

وهي ترجمة ليست دقيقة بدرجة كافية ، ليس لأنها لم تراع ما سبق تفصيله في الملحظ العربي من كلمة ( كواعب ) فحسب ، بل لأنها لم تراع المعنى الدلالي المعجمي أيضا

فكلمة (full-breasted) في الانجليزية تعني ( المكتملة أو المليئة الصدر ) فأوحت بمعنى فيه تقدير حجم صدر المرأة ، ووصفه بالكبر والامتلاء

في حين أن المعنى المعجمي الحرفي للكاعب هي التي نتأ ثديها

أو نهد ، كما سبق نقله عن معاجم العربية ، وهذا يعني بداية الظهور والبروز ليأخذ شكله الأنثوي ، وليس الاكتمال والامتلاء التامين الذي يقتضي استعمال كلمة (full).

وترجمها (Arther J. Arberry) بقوله :

(and maidens with swelling breasts, like of age)

وكذلك ترجمها (Sarwar) بقوله :

(maidens with pears-shaped breasts who are of equal age )

وأيضا ترجمها (Pickthal A. Shakir) بقوله:

(And voluptuous women of equal age(

وكلها ترجمات تستوحي المعنى الحسي ، ووصف الثدي بشكل الكمثرى أو الضخامة أو الإثارة . وهي تعبيرات غير دقيقة عن مقصود اللسان العربي .

الفريق الثاني : راعوا ما قررناه سابقا ، وترجموا معنى كلمة ( كواعب ) ضمن سياقها الذي يريده اللسان العربي ، وليس بالمعنى الحرفي غير المقصود .

ونحن نورد هنا هذه الترجمات ، وبجانبها اسم المترجم ، وندعو إلى تصويب الترجمة إليها ، وأفضلها – في نظرنا – ترجمة (Maulana) بقوله:

(And youthful (companions), equals in age(

وبقية الترجمات الصحيحة هي:

Marmaduke Pickthall….(And maidens for companions)

Abdullah Yusuf ali….. (Companions of equal age)

Muhammad Taqi Uthmani….(and buxom maidens of matching age)

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-24, 17:38
التوفيق بين الآيات التي تأمر بتبليغ الرسالة وبين حديث "لا تبشرهم فيتكلوا"

السؤال

كيف نوفق الفهم بين الآية : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) المائدة / 67

والحديث : عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، قَالَ : " كُنْتُ رِدْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ : عُفَيْرٌ ، قَالَ : فَقَالَ : ( يَا مُعَاذُ ، تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ

وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ ؟ ) قَالَ : قُلْتُ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : ( فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ ، أَنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ،

أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ) ، قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَفَلَا أُبَشِّرُ النَّاسَ ؟ ، قَالَ : ( لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا ) ؟

حيث الآية تدل على وجوب تبليغ الرسول صلى الله عليه وسلم للرسالة ، وبآخر الحديث يخبر الرسول صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل بعدم التبشير!

الجواب

الحمد لله

فقد ذكر العلماء – رحمهم الله –

وجوها مختلفة للتوفيق بين الآية الكريمة والحديث الشريف , ومن هذه الوجوه :

أولا : أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكتم هذا الأمر ، بدليل أنه أخبر به معاذ بن جبل رضي الله عنه , غاية الأمر أنه منع نشره عند بعض الناس خوفا على من لم يدرك مرامي الحديث

والجمع بين أطراف الأدلة ، من أن يتكل على ما سمع وأدركه من هذا الحديث ، فيدع بعض العمل

أو يفرط فيما أمر به ؛ وهذه مفسدة ظاهرة ، في حين أن فوات سماع هذا الحديث : لا يضيع شيئا من العمل ،

ولا يخشى منه مفسدة بينة ، ولا شك أن فوات البشرى في حق هؤلاء ، واستمرارهم على الأخذ بالوثيقة والجد في العمل ، هو آمن لهم وأرجى من المفسدة المذكورة .

جاء في " مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح " (1 / 98) :

" واحتج البخاري على أن للعالم أن يخص بالعلم قوما دون قوم ، كراهة ألا يفهموا ، وقد يتخذ أمثال هذه الأحاديث البطلة والمباحية ذريعة إلى ترك التكاليف ورفع الأحكام

وذلك يُفضي إلى خراب الدنيا بعد خراب العقبى" انتهى .

ثانيا : أن يقال : إن أمره صلى الله عليه وسلم بالكتمان ليس المقصود به الكتمان المطلق المؤبد

بل هو كتمان في زمان معين , ولم يستمر هذا الكتمان ، بدليل أن معاذا قد أخبر بهذا الحديث قبل موته , فقد جاء في نهاية هذا الحديث : " وأخبر بها معاذ عند موته تأثما" رواه البخاري (128) , ومسلم (53) .

جاء في " مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح " (1 / 93) :

" أي تجنباً وتحرزاً عن الوقوع في إثم كتمان العلم " انتهى , وهذا ظاهر في أن معاذا رضي الله عنه لم يفهم المنع المطلق عن نشر هذا الحديث وتبليغه ، إنما فهم أن ذلك المنع مقيد بحال

أو شخص ، أو وقت ، أو قيد ما ، ورأى أن هذا القيد قد فات ، وأن التشريع قد استقر ، واستمر شأن الناس عليه ، ولم يَخش عليهم تلك المفسدة .

جاء في " مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح " (1 / 98) :

" إنما رواه معاذ مع كونه منهيا عنه ؛ لأنه علم منه : أن هذا الإخبار يتغير بتغير الزمان والأحوال , والقوم يومئذ كانوا حديثي العهد بالإسلام لم يعتادوا تكاليفه ، فلما تثبتوا واستقاموا أخبرهم " انتهى .

ثالثا: يحتمل أن النهي عن التبشير بذلك لم يكن لكل الناس بل كان خاصا بمن يخشى منه الاتكال وترك العمل ,

وعليه فيكون معاذ - رضي الله عنه - قد أخبر بالحديث قبل موته وخص بذلك من لا يخشى منهم الاتكال كما خصه رسول الله بذلك .

جاء في " مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح " (1 / 93) :

" سَلَّمْنا أنه تأثم من الكتمان ، فكيف لا يتأثم من مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التبشير؟

أجيب : بأن النهي كان مقيداً بالاتكال ، فأخبر به من لا يخشى عليه ذلك ، وإذا زال القيد زال المقيد " انتهى .

وعليه فلا تعارض بين الآية الكريمة والحديث الشريف
.
والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-24, 17:48
الجمع بين قوله تعالى ( سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى ) وبين وقوع النسيان منه صلى الله عليه وسلم في الصلاة وغيرها .

السؤال

يقول الله عز وجل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينسى من القرآن شيئا : ( سنقرئك فلا تنسى * إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى ) الأعلى/6-7

وهو اعتقاد أهل السنة والجماعة ,

لكن كيف نوفق بين الآية والحديث النبوي الشريف الذي يقول : ( يرحمه الله ، لقد أذكرني كذا وكذا آية ، أسقطتها من سورة كذا وكذا ) متفق عليه ؟

الجواب

الحمد لله

أولا :

قول الله عز وجل : ( سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى * إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ) الأعلى/ 6، 7

هذا إخبار من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أنه يعلمه هذا القرآن ويحفظه عليه فلا ينسى منه شيئا ، إلا ما شاء الله من رفعه ونسخه .

قال ابن جزي رحمه الله :

" هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وعده الله أن يقرئه القرآن فلا ينساه ، وفي ذلك معجزة له عليه الصلاة والسلام ؛ لأنه كان أمياً لا يكتب ، وكان مع ذلك لا ينسى ما أقرأه جبريل عليه السلام من القرآن

وقيل : معنى الآية كقوله : ( لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ ) الآية : فإنه عليه الصلاة والسلام كان يحرك به لسانه إذا أقرأه جبريل ، خوفاً أن ينساه فضمن الله له أن لا ينساه

وقيل : فلا تنسى نهي عن النسيان ، وقد علم الله أن ترك النسيان ليس في قدرة البشر ، فالمراد الأمر بتعاهده حتى لا ينساه ، وهذا بعيد لإثبات الألف في ( تنسى ) " .

انتهى من "التسهيل" (ص 2597) .

وقال السعدي رحمه الله :

" أي : سنحفظ ما أوحينا إليك من الكتاب ، ونوعيه قلبك ، فلا تنسى منه شيئًا ، وهذه بشارة كبيرة من الله لعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، أن الله سيعلمه علمًا لا ينساه

( إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ ) مما اقتضت حكمته أن ينسيكه لمصلحة بالغة "

انتهى من " تفسير السعدي" (ص 920) .

فهذا هو النسيان الذي حُفظ عنه النبي صلى الله عليه وسلم ؛ وهو نسيان الرفع فيما أُمر فيه بالبلاغ ، فهذا لا بد أن يذكره فلا ينساه ؛ حتى يكمل الدين وتتم النعمة .

ثانيا :

أما ما رواه البخاري (5038) ومسلم (788) عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا يَقْرَأُ فِي سُورَةٍ بِاللَّيْلِ فَقَالَ : ( يَرْحَمُهُ اللَّهُ لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً كُنْتُ أُنْسِيتُهَا مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا ) .

فهذا هو النسيان الجبلي الفطري الذي خُلق عليه آدم عليه السلام وبنوه ، وقد كان يقع منه صلى الله عليه وسلم ذلك أحيانا ، وليس هو المقصود بقوله : ( سنقرئك فلا تنسى ) .

قال النووي رحمه الله :

" فيه دَلِيل عَلَى جَوَاز النِّسْيَان عَلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا قَدْ بَلَّغَهُ إِلَى الْأُمَّة " انتهى .

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله :

" قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : النِّسْيَان مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِشَيْءٍ مِنْ الْقُرْآن يَكُون عَلَى قِسْمَيْنِ :

أَحَدهمَا : نِسْيَانه الَّذِي يَتَذَكَّرهُ عَنْ قُرْبٍ , وَذَلِكَ قَائِم بِالطِّبَاعِ الْبَشَرِيَّة ,

وَعَلَيْهِ يَدُلّ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود فِي السَّهْو ( إِنَّمَا أَنَا بِشْر مِثْلكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ ) .

وَالثَّانِي : أَنْ يَرْفَعهُ اللَّه عَنْ قَلْبه عَلَى إِرَادَة نَسْخِ تِلَاوَته , وَهُوَ الْمُشَار إِلَيْهِ بِالِاسْتِثْنَاءِ فِي قَوْله تَعَالَى : ( سَنُقْرِئُك فَلَا تَنْسَى إِلَّا مَا شَاءَ اللَّه ) .

قَالَ : فَأَمَّا الْقِسْم الْأَوَّل فَعَارِض سَرِيع الزَّوَال لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى : ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) .

وَأَمَّا الثَّانِي فَدَاخِل فِي قَوْله تَعَالَى : ( مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَة أَوْ نُنْسِهَا ) عَلَى قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ بِضَمِّ أَوَّله مِنْ غَيْر هَمْزَة " انتهى

وقال ابن باز رحمه الله :

" اتفقت الأمة على ‏أن الرسل معصومون في تحمل الرسالة ، فلا ينسون شيئا مما أوحاه الله إليهم

إلا شيئا قد ‏نسخ ، وقد تكفل الله جل وعلا لرسوله _ صلى الله عليه وسلم _ أن يقرئه فلا ينسى ، إلا شيئاً ‏أراد الله أن ينسيه إياه ، وتكفل له بأن يجمع له القرآن في صدره .

قال تعالى . " سنقرئك فلا ‏تنسى إلا ما شاء الله " الأعلى /6-7 ، وقال تعالى : ( إن علينا جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع ‏قرآنه ) "

انتهى من "مجموع فتاوى ابن باز" (6/371 ) .

فالحاصل أن النسيان نوعان : نسيان رفع ونسخ وذهاب للمنسي بالكلية ، فهذا الذي حفظ منه النبي صلى الله عليه وسلم ، فلا ينسى من القرآن

إلا ما شاء الله أن ينسيه إياه مما أراد رفعه ونسخه ، وهو المراد بقوله تعالى :

( سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى * إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ) . وهذا الذي اتفق عليه أهل السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقع منه ذلك .

والنوع الثاني : نسيان جبلي فطري فهذا يقع من النبي صلى الله عليه وسلم أحيانا

وهو المراد بقوله : ( إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي ) رواه البخاري (386) ومسلم (889)

وقوله : ( يَرْحَمُهُ اللَّهُ لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً كُنْتُ أُنْسِيتُهَا مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا ) ؛ وهذا لا محذرو فيه

لأنه لا يخل بواجب الرسالة والبلاغ ، ما دامت الآية أو الشيء المنسي محفوظا في نفس الأمر ، ويعود النبي صلى الله عليه وسلم ، ويتذكره من قريب ؛ ولهذا أدرك بنفسه صلى الله عليه وسلم

كما في الحديث المذكور ، أنه نسي شيئا أثناء الصلاة ، ولم يذكره أحد به .

راجع إجابة السؤال القادم

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-24, 17:53
عصمة الأنبياء

السؤال

أود أن أسال عن العقيدة ، هل من عقيدتنا الإيمان بصدور الذنب عن الأنبياء وأنهم غير معصومين ؟.

الجواب

الحمد لله

الأنبياء هم صفوة البشر ، وهم أكرم الخلق على الله تعالى ، اصطفاهم الله تعالى لتبليغ الناس دعوة لا إله إلا الله ، وجعلهم الله تعالى الواسطة بينه وبين خلقه في تبليغ الشرائع

وهم مأمورون بالتبليغ عن الله تعالى ، قال الله تعالى : " أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين " الأنعام / 89 .

والأنبياء وظيفتهم التبليغ عن الله تعالى مع كونهم بشرا ، ولذلك فهم بالنسبة للأمر المتعلق بالعصمة على حالين :

1- العصمة في تبيلغ الدين .

2- العصمة من الأخطاء البشرية .

أولاً : أما بالنسبة للأمر الأول ، فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون في التبليغ عن الله تبارك وتعالى ، فلا يكتمون شيئاً مما أوحاه الله إليهم ، ولا يزيدون عليه من عند أنفسهم

قال الله تعالى لنبيه محمد – صلى الله عليه وسلم – " يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس " المائدة /67

وقال تعالى : " ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين * فما منكم من أحد عنه حاجزين " الحاقة /47 - 44 .

وقال تعالى : " وما هو على الغيب بضنين " التكوير /24 ، قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي – رحمه الله – في تفسير هذه الآية " وما هو على ما أوحاه الله إليه بشحيح ، يكتم بعضه

بل هو – صلى الله عليه وسلم – أمين أهل السماء ، وأهل الأرض ، الذي بلغ رسالات ربه ، البلاغ المبين ، فلم يشح بشيء منه ، عن غني ولا فقير

ولا رئيس ولا مرؤوس ، ولا ذكر ولا أنثى ، ولا حضري ولا بدوي ، ولذلك بعثه الله في أمة أمية جاهلة جهلاء ، فلم يمت – صلى الله عليه وسلم – حتى كانوا علماء ربانيين ، إليهم الغاية في العلوم ... " انتهى

فالنبي في تبليغه لدين ربه وشريعته لا يخطأ في شيء البتة لا كبير ولا قليل ، بل هو معصوم دائماً من الله تعالى .

قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – ( فتاوى ابن باز ج6/371 ) :

" قد أجمع المسلمون قاطبة على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام – ولاسيما محمد – صلى الله عليه وسلم – معصومون من الخطأ فيما يبلغونه عن الله عز وجل

قال تعالى : " والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى * وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى *

علمه شديد القوى " النجم /1-5 ) ، فنبينا محمد – صلى الله عليه وسلم – معصوم في كل ما يبلغ عن الله قولاً وعملاً وتقريراً ، هذا لا نزاع فيه بين أهل العلم " انتهى .

وقد اتفقت الأمة على ‏أن الرسل معصومون في تحمل الرسالة ، فلا ينسون شيئا مما أوحاه الله إليهم ، إلا شيئا قد ‏نسخ ، وقد تكفل الله جل وعلا لرسوله _ صلى الله عليه وسلم _ أن يقرئه فلا ينسى

إلا شيئاً ‏أراد الله أن ينسيه إياه وتكفل له بأن يجمع له القرآن في صدره . قال تعالى . " سنقرئك فلا ‏تنسى إلا ما شاء الله " الأعلى /6-7

وقال تعالى : " إن علينا جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع ‏قرآنه " القيامة /17-18 .

قال شيخ الإسلام رحمه الله ( مجموع الفتاوى ج18 / 7 ) :

" فان الآيات الدالة على نبوة الأنبياء دلت على أنهم معصومون فيما يخبرون به عن الله عز وجل فلا يكون خبرهم إلا حقاً وهذا معنى النبوة وهو يتضمن أن الله ينبئه بالغيب

وأنه ينبئ الناس بالغيب والرسول مأمور بدعوة الخلق وتبليغهم رسالات ربه " انتهى .

ثانيا : بالنسبة للأنبياء كأناس يصدر منهم الخطأ ، فهو على حالات :

1- عدم الخطأ بصدور الكبائر منهم :

أما كبائر الذنوب فلا تصدر من الأنبياء أبدا وهم معصومون من الكبائر ، سواء قبل بعثتهم أم بعدها .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ( مجموع الفتاوى : ج4 / 319 ) :

" إن القول بأن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر هو قول أكثر علماء الإسلام ، وجميع الطوائف ...

وهو أيضا قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقهاء ، بل لم يُنقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول " انتهى .

2- الأمور التي لا تتعلق بتبيلغ الرسالة والوحي .

وأما صغائر الذنوب فربما تقع منهم أو من بعضهم ، ولهذا ذهب أكثر أهل العلم إلى أنهم غير معصومين منها ، وإذا وقعت منهم فإنهم لا يُقرون عليها بل ينبههم الله تبارك وتعالى عليها فيبادرون بالتوبة منها .

والدليل على ‏وقوع الصغائر منهم مع عدم إقرارهم عليها :‏‏ -

قوله تعالى عن آدم : " وعصى آدم ربه فغوى * ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى ) طه / ‏‏121-122

وهذا دليل على وقوع المعصية من آدم – عليه الصلاة والسلام - ، وعدم إقراره عليها ، مع توبته إلى ‏الله منها .‏

‏ - قوله تعالى " قال هذا من عمل الشيطان إنه عدوٌ مضلٌ مبين* قال رب إني ظلمت ‏نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم " القصص/15،16 .

فموسى – عليه الصلاة والسلام - اعترف ‏بذنبه وطلب المغفرة من الله بعد قتله القبطي ، وقد غفر الله له ذنبه .

- قوله تعالى : ‏" فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب * فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب " ‏‏ص / 23،24 ،

وكانت معصية داود هي التسرع في الحكم قبل أن يسمع من الخصم ‏الثاني .

وهذا نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - يعاتبه ربه سبحانه وتعالى في أمور ‏ذكرت في القرآن ، منها :

- قوله تعالى " يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي ‏مرضات أزواجك والله غفور رحيم " التحريم /1 ، وذلك في القصة المشهورة مع بعض أزواجه – صلى الله عليه وسلم - .

- كذا عتاب الله تعالى للنبي – صلى الله عليه وسلم - في أسرى بدر :

فقد روى مسلم في صحيحه ( 4588 )

" قال ابن عباس : فلما أسروا الأسارى قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لأبي بكر وعمر – رضي الله عنهما - : " ما ترون في هؤلاء الأسارى ؟

" فقال أبو بكر : يا نبي الله ! هم بنو العم والعشيرة , أرى أن تأخذ منهم فدية , فتكون لنا قوة على الكفار , فعسى الله أن يهديهم للإسلام ، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -

: " ما ترى يا ابن الخطاب ؟! "

قال : قلت لا ، والله يا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ما أرى الذي رأى أبو بكر ، ولكني أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم ، فتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه ، وتمكني من فلان - نسيبا لعمر

فأضرب عنقه ، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها ، فهوي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ما قال أبو بكر ، ولم يهو ما قلت ، فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله – صلى الله عليه وسلم –

وأبو بكر قاعدين وهما يبكيان ، قلت : يا رسول الله ! أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك ؟

فإن وجدت بكاء بكيت ، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما ، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : " أبكي للذي عَرَضَ عليّ أصحابُك من أخذهم الفداء ، لقد عُرِض عليّ عذابُهم أدنى من هذه الشجرة " –

شجرة قريبة من نبي الله – صلى الله عليه وسلم - وأنزل الله عز وجل :

" ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض " إلى قوله : " فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا " الأنفال / 67–69 ، فأحل الله الغنيمة لهم .

ففي هذا الحديث اتضح أن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للعفو عن الأسرى إنما كان أمرا اجتهاديا منه بعد مشاورة أصحابه ، ولم يكن عنده صلى الله عليه وسلم فيه من الله تعالى نص .

- قوله تعالى : " عبس وتولى * أن جاءه الأعمى " عبس /1-2 ، وهذه قصة الصحابي الجليل عبد الله ابن أم مكتوم الشهيرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والتي عاتبه الله فيها .

قال شيخ الإسلام ( مجموع الفتاوى : ج4 / 320 ) :

" وعامة ما يُنقل عن جمهور العلماء أنهم ( أي الأنبياء ) غير معصومين عن الإقرار على الصغائر ، ولا يقرون عليها ، ولا يقولون إنها لا تقع بحال ، وأول من نُقل عنهم من طوائف الأمة القول بالعصمة مطلقاً

وأعظمهم قولاً لذلك : الرافضة ، فإنهم يقولون بالعصمة حتى ما يقع على سبيل النسيان والسهو والتأويل " انتهى .

وقد يستعظم بعض الناس مثل هذا ويذهبون إلى تأويل النصوص من الكتاب والسنة ‏الدالة على هذا و يحرفونها . والدافع لهم إلى هذا القول شبهتان :

الأولى : أن الله تعالى أمر ‏باتباع الرسل والتأسي بهم ، والأمر باتباعهم يستلزم أن يكون كل ما صدر عنهم محلاً ‏للاتباع ، وأن كل فعل

أو اعتقاد منهم طاعة ، ولو جاز أن يقع الرسول صلى الله عليه وسلم في معصية ‏لحصل التناقض

لأن ذلك يقتضي أن يجتمع في هذه المعصية التي وقعت من الرسول ‏الأمر باتباعها وفعلها ، من حيث إننا مأمورون بالتأسي به ، والنهي عن موافقتها ، من ‏حيث كونها معصية .‏

‏وهذه الشبهة صحيحة وفي محلها لو كانت المعصية خافية غير ظاهرة بحيث تختلط ‏بالطاعة ، ولكن الله تعالى ينبه رسله ويبين لهم المخالفة ، ويوفقهم إلى التوبة منها من غير ‏تأخير .‏

الثانية : أن الذنوب تنافي الكمال وأنها نقص . وهذا صحيح إن لم يصاحبها توبة ، فإن التوبة ‏تغفر الذنب ، ولا تنافي الكمال ، ولا يتوجه إلى صاحبها اللوم

بل إن العبد في كثير من ‏الأحيان يكون بعد توبته خيراً منه قبل وقوعه في المعصية ومعلوم أنه لم يقع ذنب من نبي إلا وقد سارع إلى التوبة والاستغفار، فالأنبياء لا يقرون ‏على ذنب

ولا يؤخرون توبة ، فالله عصمهم من ذلك ، وهم بعد التوبة أكمل منهم ‏قبلها .‏

3- الخطأ في بعض الأمور الدنيوية – بغير قصد - :

وأما الخطأ في الأمور الدنيوية ، فيجوز عليهم الخطأ فيها مع تمام عقلهم

وسداد رأيهم ، وقوة بصيرتهم ، وقد وقع ذلك من بعض الأنبياء ومنهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ويكون ذلك في مناحي الحياة المختلفة من طب وزراعة وغير ذلك .

فقد روى مسلم في صحيحه ( 6127 ) عن رافع بن خديج قَالَ: قَدِمَ نَبِيّ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم – الْمَدِينَةَ ، وَهُمْ يَأْبُرُونَ النّخْلَ . يَقُولُونَ يُلَقّحُونَ النّخْلَ . فَقَالَ : "مَا تَصْنَعُونَ ؟

" قَالُوا : كُنّا نَصْنَعُهُ. قَالَ : "لَعَلّكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْراً " فَتَرَكُوهُ . فَنَفَضَتْ أَوْ قال : فَنَقَصَتْ . قَالَ : فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ : " إِنّمَا أَنَا بَشَرٌ ، إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ

وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيي ، فَإِنّمَا أَنَا بَشَرٌ" وبهذا يكون قد علم أن أنبياء الله تعالى معصومون عن الخطأ في الوحي ، ولنحذر ممن يطعنون في تبليغ الرسول صلى الله عليه وسلم

ويشككون في تشريعاته ويقولون هي اجتهادات شخصية من عنده حاشاه صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى : " وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى " النجم /3-4 .

وسئلت اللجنة الدائمة : هل الأنبياء والرسل يخطئون ؟

فأجابت :

نعم ، يخطئون ولكن الله تعالى لا يقرهم على خطئهم بل يبين لهم خطأهم رحمة بهم وبأممهم ، ويعفو عن زلتهم

ويقبل توبتهم فضلاً منه ورحمة ، والله غفور رحيم ، كما يظهر ذلك من تتبع الآيات القرآنية التي جاءت في هذا" اهـ

"فتاوى اللجنة الدائمة" (3/194) .

وللمزيد راجع السؤال القادم

والله اعلم .


و اخيرا

الحمد لله الذي بفضلة تتم الصالحات

اخوة الاسلام

اكتفي بهذا القدر و لنا عوده
ان قدر الله لنا البقاء و اللقاء

و اسال الله ان يجمعني بكم دائما
علي خير

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين

Ali Harmal
2019-02-24, 18:39
جزاك الله خيرا اخي الحبيب .
https://lh3.googleusercontent.com/-2FovFJ8oDlQ/U-PchFuq-sI/AAAAAAAAcUE/6MbzhDDT7og/w265-h353-n-rw/1233500063.gif

*عبدالرحمن*
2019-02-25, 16:47
جزاك الله خيرا اخي الحبيب .
https://lh3.googleusercontent.com/-2fovfj8odlq/u-pchfuq-si/aaaaaaaacue/6mbzhddt7og/w265-h353-n-rw/1233500063.gif

الحمد لله الذي بفضلة تتم الصالحات

كم يسعدني حضورك المميز مثلك
ادام الله مرورك العطر دائما

بارك الله فيك
و جزاك الله عني كل خير

*عبدالرحمن*
2019-02-25, 16:53
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)
اخوة الاسلام

أحييكم بتحية الإسلام
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)


التفسير حول قوله عز وجل : ( فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ )

السؤال

قال تعالى : (فاستقم كما أمرت) ، ما قصة هذه الآية ؟

الجواب

الحمد لله

يقول الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم : ( فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) هود:/ 112.

قال ابن جرير رحمه الله :

" يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : فاستقم أنت ، يا محمد ، على أمر ربك ، والدين الذي ابتعثك به ، والدعاء إليه

كما أمرك ربك ، ومن رجع معك إلى طاعة الله والعمل بما أمره به ربه من بعد كفره ، ولا تعدوا أمره إلى ما نهاكم عنه ، إن ربكم بما تعملون من الأعمال كلِّها - طاعتها ومعصيتها - ذو علم بها

لا يخفى عليه منها شيء ، وهو لجميعها مبصرٌ ، فاتقوا الله ، أيها الناس ، أن يطَّلع عليكم ربكم وأنتم عاملون بخلاف أمره ، فإنه ذو علم بما تعلمون ، وهو لكم بالمرصاد "

انتهى باختصار يسير من "تفسير الطبري" (15 /499) .

وقال ابن كثير رحمه الله :

" يأمر تعالى رسوله وعباده المؤمنين بالثبات والدوام على الاستقامة ، وذلك من أكبر العون على النصر على الأعداء ومخالفة الأضداد ونهى عن الطغيان : وهو البغي

فإنه مَصرَعة حتى ولو كان على مشرك ، وأعلم تعالى أنه بصير بأعمال العباد ، لا يغفل عن شيء ، ولا يخفى عليه شيء "

انتهى من "تفسير ابن كثير" (4 /354) .

وقد جاء ذلك بعد ذكر الله عز وجل حال السعداء وحال الأشقياء

وبعد قوله تعالى مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم : ( فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ

* وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ * وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) هود/ 109 – 111 .

فلما أخبر الله تعالى بحال الفريقين ، وأخبر بكفر أولئك الذين يعبدون الأصنام من دون الله

وعدم استقامة هؤلاء الذين اختلفوا في الكتاب فتفرقوا وتحزبوا ، " أمر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم، ومن معه من المؤمنين، أن يستقيموا كما أمروا، فيسلكوا ما شرعه الله من الشرائع

ويعتقدوا ما أخبر الله به من العقائد الصحيحة، ولا يزيغوا عن ذلك يمنة ولا يسرة ، ويدوموا على ذلك ، ولا يطغوا بأن يتجاوزوا ما حده الله لهم من الاستقامة " .

انتهى من "تفسير السعدي" (ص 390) .

ولم نقف لهذه الآية على قصة معينة نزلت بسببها ، لكن دل سياق الآيات على أن معنى الآية مفرع على ما تقدم من ذكر حال السعداء والأشقياء ، وذكر حال المشركين والذين اختلفوا في الكتاب

فجاءت توجيها للنبي صلى الله عليه وسلم ومن آمن معه إلى الاستقامة وعدم الاعوجاج ومجاوزة الحد ؛ ولذلك جاء بالفاء في قوله : ( فاستقم ) وهي للتفريع على ما تقدم .

وحاصل ذلك : لقد علمت - أيها الرسول الكريم - حال السعداء وحال الأشقياء ، وأخبرناك بحال المشركين وحال الذين اختلفوا في الكتاب

وأعلمناك أن كل مكلف سيوفى جزاء عمله ، فالزم أنت ومن معك من المؤمنين طريق الاستقامة على الحق ، وداوموا على ذلك كما أمركم الله

بدون إفراط أو تفريط ، واحذروا أن تتجاوزوا حدود الاعتدال في كل أقوالكم وأعمالكم ، ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات ؛ حتى تكونوا من الذين سعدوا ، ولا تكونوا من الأشقياء .

ولذلك لما جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقَالَ: " يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي أَمْرًا فِي الْإِسْلَامِ لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ ، قَالَ: ( قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ ) .

رواه أحمد (14991) والترمذي (2410) وصححه الألباني في " صحيح الترمذي " .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-25, 17:00
تفسير قوله سبحانه وتعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ) آل عمران/149.

السؤال

هل يمكنكم بيان تفسير الآيات 144، 149 من سورة آل عمران ؟

الجواب

الحمد لله

الآيات المقصودة في السؤال هي قول الله عز وجل : ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) آل عمران/144.

وقوله سبحانه وتعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ) آل عمران/149.

أما الآية الأولى فقد سبق تفسيرها بتوسع في الفتوى القادمة

وأما الآية الثانية فالكلام في تفسيرها يمكن اختصاره في المباحث الآتية :

أولا : سياق الآيات

يقول سيد قطب رحمه الله :

" لقد انتهز الكفار والمنافقون واليهود في المدينة ما أصاب المسلمين من الهزيمة والقتل والقرح ، ليثبطوا عزائمهم ، ويخوفوهم عاقبة السير مع محمد ، ويصوروا لهم مخاوف القتال

وعواقب الاشتباك مع مشركي قريش وحلفائهم ، وجو الهزيمة هو أصلح الأجواء لبلبلة القلوب ، وخلخلة الصفوف ، وإشاعة عدم الثقة في القيادة

والتشكيك في جدوى الإصرار على المعركة مع الأقوياء ، وتزيين الانسحاب منها ، ومسالمة المنتصرين فيها

مع إثارة المواجع الشخصية والآلام الفردية ، وتحويلها كلها لهدم كيان الجماعة ، ثم لهدم كيان العقيدة ، ثم للاستسلام للأقوياء الغالبين !

ومن ثم يحذر الله الذين آمنوا أن يطيعوا الذين كفروا ، فطاعة الذين كفروا عاقبتها الخسارة المؤكدة ، وليس فيها ربح ولا منفعة ، فيها الانقلاب على الأعقاب إلى الكفر

فالمؤمن إما أن يمضي في طريقه يجاهد الكفر والكفار ، ويكافح الباطل والمبطلين ، وإما أن يرتد على عقبيه كافراً - والعياذ بالله -، ومحال أن يقف سلبياً بين بين ، محافظاً على موقفه

ومحتفظاً بدينه إنه قد يخيل إليه هذا ، يخيل إليه في أعقاب الهزيمة ، وتحت وطأة الجرح والقرح ، أنه مستطيع أن ينسحب من المعركة مع الأقوياء الغالبين وأن يسالمهم ويطيعهم

وهو مع هذا محتفظ بدينه وعقيدته وإيمانه وكيانه ! وهو وهم كبير ، فالذي لا يتحرك إلى الأمام في هذا المجال لا بد أن يرتد إلى الوراء

والذي لا يكافح الكفر والشر والضلال والباطل والطغيان لا بد أن يتخاذل ويتقهقر ويرتد على عقبيه إلى الكفر والشر والضلال والباطل والطغيان ! والذي لا تعصمه عقيدته ولا يعصمه إيمانه من طاعة الكافرين

والاستماع إليهم ، والثقة بهم ، يتنازل- في الحقيقة - عن عقيدته وإيمانه منذ اللحظة الأولى ، إنها الهزيمة الروحية أن يركن صاحب العقيدة إلى أعداء عقيدته ، وأن يستمع إلى وسوستهم

وأن يطيع توجيهاتهم ، الهزيمة بادئ ذي بدء . فلا عاصم له من الهزيمة في النهاية ، والارتداد على عقبيه إلى الكفر ، ولو لم يحس في خطواته الأولى أنه في طريقه إلى هذا المصير البائس

إن المؤمن يجد في عقيدته ، وفي قيادته غناء عن مشورة أعداء دينه وأعداء قيادته ، فإذا استمع إلى هؤلاء مرة فقد سار في طريق الارتداد على الأعقاب

حقيقة فطرية وحقيقة واقعية ، ينبه الله المؤمنين لها ، ويحذرهم إياها ، وهو يناديهم باسم الإيمان "

انتهى من " في ظلال القرآن " (1/490-491) .

ثانيا : الأقوال في الآية الكريمة

يقول ابن الجوزي رحمه الله :

وفي ( الَّذِينَ كَفَرُوا ) هاهنا ثلاثة أقوال :

أحدها : أنهم المنافقون ، على قول ابن عباس ، ومقاتل .

والثاني : أنهم اليهود والنصارى ، قاله ابن جريج .

والثالث : أنهم عبدة الأوثان ، قاله السدي .

قالوا : وكانوا قد أمروا المسلمين بالرجوع عن دينهم "

انتهى من " زاد المسير في علم التفسير " (1/333) .

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :

" وقوله : ( إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا ) : عامة ، تشمل اليهود والنصارى والمشركين والملاحدة الذين ليس لهم دين ، ولا يتعبدون بشيء ؛ أي واحد من الكفرة إذا أمرك بشيء فأطعته ، فإنه يردك على أعقابك فتنقلب خاسرا "

انتهى من "تفسير سورة آل عمران" (2/280) .

وقال الشيخ ابن سعدي رحمه الله :

" وهذا نهي من الله للمؤمنين أن يطيعوا الكافرين من المنافقين والمشركين ، فإنهم إن أطاعوهم لم يريدوا لهم إلا الشر ، وهم قصدهم ردهم إلى الكفر الذي عاقبته الخيبة والخسران .

ثم أخبر أنه مولاهم وناصرهم ، ففيه إخبار لهم بذلك ، وبشارة بأنه سيتولى أمورهم بلطفه ، ويعصمهم من أنواع الشرور .

وفي ضمن ذلك الحث لهم على اتخاذه وحده وليا وناصرا من دون كل أحد

فمن ولايته ونصره لهم أنه وعدهم أنه سيلقي في قلوب أعدائهم من الكافرين الرعب، وهو الخوف العظيم الذي يمنعهم من كثير من مقاصدهم، وقد فعل تعالى . "

انتهى من "تفسير السعدي" (151) .

ثالثا : اختلف العلماء في تحديد المراد بطاعة الكفار الذي جاء التحذير منها ، وذلك على أقوال:

جاء في " مفاتيح الغيب " (9/383) :

" قوله : ( إن تطيعوا الذين كفروا ) لا يمكن حمله على طاعتهم في كل ما يقولونه ، بل لا بد من التخصيص :

فقيل : إن تطيعوهم فيما أمروكم به يوم أحد من ترك الإسلام .

وقيل : إن تطيعوهم في كل ما يأمرونكم من الضلال .

وقيل : في المشورة .

وقيل : في ترك المحاربة ، وهو قولهم : ( لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ) آل عمران/156"

انتهى باختصار .

ويقول العلامة الطاهر بن عاشور رحمه الله :

" أراد من هذا الكلام تحذير المؤمنين من أن يخامرهم خاطر الدخول في صلح المشركين وأمانهم ؛ لأن في ذلك إظهار الضعف أمامهم ، والحاجة إليهم ، فإذا مالوا إليهم استدرجوهم رويدا رويدا

بإظهار عدم كراهية دينهم المخالف لهم ، حتى يردوهم عن دينهم ؛ لأنهم لن يرضوا عنهم حتى يرجعوا إلى ملتهم ، فالرد على الأعقاب على هذا يحصل بالإخارة والمآل

وقد وقعت هذه العبرة في طاعة مسلمي الأندلس لطاغية الجلالقة

وعلى هذا الوجه تكون الآية مشيرة إلى تسفيه رأي من قال : ( لو كلمنا عبد الله بن أبي يأخذ لنا أمانا من أبي سفيان )، كما يدل عليه قوله : ( بل الله مولاكم )

ويحتمل أن يراد من الطاعة طاعة القول والإشارة ، أي الامتثال

وذلك قول المنافقين لهم : لو كان محمد نبيئا ما قتل ، فارجعوا إلى إخوانكم وملتكم ، ومعنى الرد على الأعقاب في هذا الوجه أنه يحصل مباشرة في حال طاعتهم إياهم "

انتهى من " التحرير والتنوير " (4/122) .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-25, 17:05
معنى قوله تعالى ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ... ) والرد على الرافضة

السؤال

ما معنى تفسير قوله تعالى ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ )

قرأت تفسير الشيعة لهذه الآية ، وهم يرمون بها الصحابة رضوان الله عليهم ، فاحترت لعدم علمي بالتفسير الصحيح

فما تفسير هذه الآية لدينا ؟

وهل كان أحد ارتد بعد وفاة الرسول ؟

ومن هم ؟

وهل ذكر الحديث بقوله " ما تدري ماذا فعلوا من بعدك " يصلح تطبيقه على من ولدوا بعد عهد الرسول ، أي : الرسول لم يشهد صلاحهم ، فكيف يقال " بعدُ " ؟ .

الجواب

الحمد لله

أما قوله تعالى : ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) آل عمران/ 144 :

فإنها آية محكمة ، وللوقوف على معناها بتفصيل : نذكر الآتي :

1. أن هذه الآيات أنزلها الله تعالى بعد غزوة " أُحد " ، وهي مقدمة ، وتهيئة لموت النبي صلى الله عليه وسلم ، ففيها التذكير بأن الإسلام لا ينقطع بموت أو قتل نبيكم

كما فيها بيان ما حصل مع أنبياء سابقين حيث لم يؤثر قتلهم على أتباعهم ، ولم يستفد من هذا التنبيه والتذكير من ارتدَّ على عقبه من القبائل ، فخسروا الدنيا والآخرة .

قال ابن القيم – رحمه الله - :

وقعةَ " أُحُدٍ " كانت مُقَدِّمَةً ، وإرهاصاً ، بين يدي موتِ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فثبَّتهم ، ووبَّخهم على انقلابهم على أعقابهم إنْ ماتَ رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

أو قُتِلَ ، بل الواجبُ له عليهم أن يثبتُوا على دِينه ، وتوحِيدهِ ، ويموتوا عليه ، أو يُقتلُوا ، فإنهم إنما يعبدُون ربَّ محمد ، وهو حيٌّ لا يموت ، فلو ماتَ محمد أو قُتِلَ : لا ينبغي لهم أن يَصْرِفَهم ذلِكَ عن دينه ، وما جاء به

فكلُّ نفسٍ ذائِقةُ الموت ، وما بُعِثَ محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيخلَّد ، لا هُوَ ، ولا هُم ، بل لِيمُوتُوا على الإسلامِ ، والتَّوحيدِ ، فإن الموت لا بُدَّ منه ، سواء ماتَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

أو بَقِيَ ، ولهذا وبَّخَهُم على رجوع مَن رجع منهم عن دينه لما صرخ الشَّيْطَانُ : إنَّ محمَّداً قد قُتِلَ

فقال : ( وَمَا مُحَمَّدٌ إلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإن مَّاتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِى اللهُ الشَّاكِرِينَ ) آل عمران/ 144

والشاكرون : هم الذين عرفوا قدر النعمة ، فثبتوا عليها ، حتى ماتوا ، أو قُتِلُوا ، فظهر أثرُ هذا العِتَابِ

وحكمُ هذا الخطاب يومَ مات رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وارتدَّ مَن ارتدَّ على عقبيه ، وثبت الشاكِرُون على دينهم ، فنصرهم الله ، وأعزَّهم ، وظفَّرهم بأعدائهم ، وجعل العاقبة لهم .

ثم أخبر سبحانه أنه جعل لكل نفسٍ أجلاً لا بُدَّ أن تستوفيه ، ثم تلحَقَ به ، فيَرِدُ الناسُ كُلُّهم حوضَ المنايا مَوْرِداً واحِداً ، وإن تنوَّعت أسبابه ، ويصدُرونَ عن موقف القِيامة مصادِرَ شتَّى ، فريقٌ في الجنة ، وفريقٌ في السعير .

ثم أخبر سبحانه أن جماعةً كثيرةً من أنبيائه قُتِلُوا ، وقُتِلَ معهم أتباعٌ لهم كثيرون ، فما وَهَنَ مَنْ بقيَ منهم لِما أصابهم في سبيله ، وما ضَعُفُوا ، وما استكانُوا ، وما وَهَنُوا عندَ القتل

، ولا ضعفُوا ، ولا استكانوا ، بل تَلَقَّوا الشهادةَ بالقُوَّةِ ، والعزِيمةِ ، والإقْدَامِ ، فلم يُسْتَشْهَدُوا مُدَبِرِينَ ، مستكينين ، أذلةً ، بل استُشْهِدُوا أعزَّةً ، كِراماً ، مقبلينَ ، غير مدبرين ، والصحيح : أن الآية تتناول الفريقين كليهما.

" زاد المعاد في هدي خير العباد " ( 3 / 224 ، 225 ) .

2. هذه الآية تدل على تزكية أبي بكر الصدِّيق خاصة ، والصحابة الأجلاء عامة ؛ حيث وصف الله تعالى من يثبت في مثل هذه المصيبة ، ويعلم أن نبيه ما هو إلا بشر يبلغ ما أرسله الله تعالى به

ثم يغادر هذه الدنيا ، وصفهم الله تعالى بـ " الشاكرين " ، وأما ما في الآية من تزكية الصدِّيق : فمن جهتين :

الأولى : استدلاله بها – مع قوله تعالى ( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ) - عند موت النبي صلى الله عليه وسلم .

والثانية : أنه قاتل من ارتد على عقبه .

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -
:
وفي هذه الآية الكريمة إرشاد من الله تعالى لعباده أن يكونوا بحالة لا يزعزعهم عن إيمانهم

أو عن بعض لوازمه فقدُ رئيسٍ ، ولو عظم ؛ وما ذاك إلا بالاستعداد في كل أمر من أمور الدِّين بعدة أناس من أهل الكفاءة فيه ، إذا فقد أحدهم قام به غيره

وأن يكون عموم المؤمنين قصدهم إقامة دين الله ، والجهاد عنه ، بحسب الإمكان ، لا يكون لهم قصد في رئيس دون رئيس ، فبهذه الحال يستتب لهم أمرهم ، وتستقيم أمورهم .

وفي هذه الآية أيضاً أعظم دليل على فضيلة الصدِّيق الأكبر أبي بكر ، وأصحابه الذين قاتلوا المرتدين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم هم سادات الشاكرين .

" تفسير السعدي " ( ص 150 ) .

وبمعرفة ما مضى يتبين أن الصحابة الأجلاء قد استفادوا من درس " أحد " ، وأن ما أصاب بعضهم من صدمة عند موت النبي صلى الله عليه وسلم ليست صدمة أعقبتها ردَّة ، بل لعدم تحملهم عظَم الخبر

حتى ثبتهم الله تعالى بما تلاه على مسامعهم أبو بكر الصدِّيق من الآيات البينات ، وأخبرهم بثبات المؤمن :

( ... فَحَمِدَ اللَّهَ أَبُو بَكْرٍ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ أَلَا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ وَقَالَ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ وَقَالَ وَمَا مُحَمَّدٌ

إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ قَالَ فَنَشَجَ النَّاسُ يَبْكُونَ ... )

رواه البخاري (3670) .

فرجعوا إلى صوابهم ، وكأنهم لأول مرة تطرق هذه الآية مسامعهم

وقد عصم الله تعالى المهاجرين والأنصار من الردة ، وسقط فيها طوائف من العرب تصدَّى لهم الصدِّيق وأصحابه ، فعاد من عاد ، وبقي منهم على الكفر جماعات .

وانظر جواب السؤال القادم

والله أعلم

*عبدالرحمن*
2019-02-25, 17:12
وقفات مهمة مع حديث الحوض ، وبيان الطوائف التي تردهم الملائكة عنده

السؤال

ما تفسير الحديث القدسي في ما معناه - أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما يرِد المسلمون إلى حوضه

يُرجع الله طائفة من الناس فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( يا رب ، أمتي ، أمتي ) فيقول عز وجل : إنك لا تدري ما فعلوا بعدك ؟ .

الجواب

الحمد لله

أولاً:

اصطلح المحدثون على تسمية الحديث الوارد هنا : " حديث الحوض " ، وللحديث ألفاظ وروايات متعددة ، ليس بينها – بفضل الله – اختلاف .

وهذه بعض الروايات بألفاظها المختلفة :

عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ مَنْ مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا ، لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي ، ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ

فَأَقُولُ : إِنَّهُمْ مِنِّي ، فَيُقَالُ : إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ ، فَأَقُولُ : سُحْقًا ، سُحْقًا ، لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِي ) .

رواه البخاري ( 6212 ) ومسلم ( 2290 ) .

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى الْمَقْبُرَةَ فَقَالَ : ( السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا ) قَالُوا : أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ

قَالَ : ( أَنْتُمْ أَصْحَابِي ، وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ ) فَقَالُوا : كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقَالَ : ( أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ أَلَا يَعْرِفُ خَيْلَهُ )

قَالُوا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : ( فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ الْوُضُوءِ وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ ، أَلَا لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ ؛ أُنَادِيهِمْ : أَلَا هَلُمَّ . فَيُقَالُ : إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ . فَأَقُولُ : سُحْقًا سُحْقًا ) .

رواه مسلم ( 249 ) .

عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( إِنِّي عَلَى الْحَوْضِ أَنْتَظِرُ مَنْ يَرِدُهُ عَلَيَّ مِنْكُمْ ،

فَلَيُقَطَّعَنَّ رِجَالٌ دُونِي ، فَلَأَقُولَنَّ : يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي ، فَلَيُقَالَنَّ لِي : إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ ، مَا زَالُوا يَرْجِعُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ ) .

رواه أحمد ( 41 / 388 ) وصححه المحققون .

عن أَنَس بْن مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ الْحَوْضَ رِجَالٌ مِمَّنْ صَاحَبَنِي

حَتَّى إِذَا رَأَيْتُهُمْ وَرُفِعُوا إِلَيَّ اخْتُلِجُوا دُونِي ، فَلَأَقُولَنَّ : أَيْ رَبِّ أُصَيْحَابِي أُصَيْحَابِي ، فَلَيُقَالَنَّ لِي : إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ ) .

رواه البخاري ( 6211 ) ومسلم ( 2304 ) .

عن عَبْد اللَّهِ بنِ مسعود قال : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ لَيُرْفَعَنَّ إِلَيَّ رِجَالٌ مِنْكُمْ حَتَّى إِذَا أَهْوَيْتُ لِأُنَاوِلَهُمْ اخْتُلِجُوا دُونِي ، فَأَقُولُ : أَيْ رَبِّ أَصْحَابِي يَقُولُ : لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ ) .

رواه البخاري ( 6642 ) ومسلم ( 2297 ) .

ثانياً:

عند التأمل في الأحاديث السابقة نجد أن الكلام قد انحصر في مجموعات ترِد حوض النبي صلى الله عليه وسلم لتشرب منه ، فتردهم الملائكة ، ويناديهم النبي صلى الله عليه وسلم بألفاظ هي " أمتي "

، " أصحابي " ، " أصيحابي " ، وليس بينها اختلاف تضاد ، بل هي محمولة على أناس تشملهم معاني تلك الكلمات ، ويمكننا أن نجملهم بهذه الطوائف :

1. مرتدون عن الإسلام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، وكانوا أسلموا في حياته ورأوه وهم على الإسلام .

2. مرتدون عن الإسلام في أواخر حياته صلى الله عليه وسلم ، ولم يكن يعلم بكفرهم .

3. أهل النفاق ممن أظهر الإسلام ، وأبطن الكفر .

4. أهل الأهواء الذين غيَّروا سنَّة النبي صلى الله وسلم وهديه ، كالروافض ، والخوارج .

5. وبعض العلماء يُدخل فيهم : أهل الكبائر ، وله ما يؤيد من السنَّة ، فقد روى الإمام أحمد في مسنده ( 9 / 514 ) عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

: ( سَيَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ يَأْمُرُونَكُمْ بِمَا لَا يَفْعَلُونَ فَمَنْ صَدَّقَهُمْ بِكِذْبِهِمْ وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ وَلَنْ يَرِدَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ) وصححه المحققون .

ولفظ " أمتي " في الأحاديث يصدق على أهل القول الرابع ، والخامس ، ولفظ " أصحابي " و " أصيحابي " على الأقوال الثلاثة الأوَل .

ومما يدل على أنهم من أمته صلى الله عليه وسلم : أنه عرفهم بالغرة والتحجيل ، وهي سيما خاصة بهذه الأمة ، ويكون تعرف النبي صلى الله عليهم وسلم هناك بصفاتهم ، لا بأعيانهم ؛ لأنهم جاءوا بعده .

ومما يدل على دخول المنافقين في اسم " أصحابي "

: قوله صلى الله عليه وسلم ( لا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّهُ كَانَ يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ ) رواه البخاري ( 3518 ) ، وهذا معنى لغوي بحت للصحبة ، ليس أنهم استحقوا شرفها ؛ لأن تعريف الصحابي الاصطلاحي لا يصدق على هؤلاء .

وهذه طائفة من أقوال أهل العلم في تلك الأحاديث :

1. قال النووي - رحمه الله – في شرح الحديث -
:
هذا مما اختلف العلماء في المراد به على أقوال :

أحدها : أن المراد به المنافقون ، والمرتدون ، فيجوز أن يُحشروا بالغرة والتحجيل

فيناديهم النبي صلى الله عليه وسلم للسيما التي عليهم ، فيقال : ليس هؤلاء مما وُعدتَ بهم ، إن هؤلاء بدَّلوا بعدك ، أي : لم يموتوا على ما ظهر من إسلامهم .

والثاني : أن المراد من كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم ارتد بعده ، فيناديهم النبي صلى الله عليه وسلم ، وإن لم يكن عليهم سيما الوضوء ، لما كان يعرفه صلى الله عليه وسلم في حياته من إسلامهم

فيقال : ارتدوا بعدك .

والثالث : أن المراد به أصحاب المعاصي والكبائر الذين ماتوا على التوحيد ، وأصحاب البدع الذين لم يخرجوا ببدعتهم عن الإسلام .

" شرح مسلم " ( 3 / 136 ، 137 ) .

2. وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله - :

وقال الخطابي : لم يرتد من الصحابة أحد ، وإنما ارتد قوم من جفاة العرب ، ممن لا نصرة له في الدين ، وذلك لا يوجب قدحاً في الصحابة المشهورين ، ويدل قوله : ( أصيحابي ) بالتصغير على قلة عددهم
.
" فتح الباري " ( 11 / 385 ) .

3. وقال الشيخ عبد القاهر البغدادي – رحمه الله - :

أجمع أهل السنَّة على أن الذين ارتدوا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم من كِندة ، وحنيفة ، وفزارة ، وبني أسد ، وبني بكر بن وائل ، لم يكونوا من الأنصار ، ولا من المهاجرين قبل فتح مكة

وإنما أطلق الشرع اسم المهاجرين على من هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم قبل فتح مكة ، وأولئك بحمد الله ومنِّه درجوا على الدين القويم ، والصراط المستقيم .

وأجمع أهل السنة على أن من شهد مع رسول الله بدراً : من أهل الجنة ، وكذلك كل مَن شهد معه بيعة الرضوان بالحديبية .

" الفَرْق بين الفِرق " ( ص 353 ) .

4. وقال الشاطبي – رحمه الله - :

والأظهر : أنهم من الداخلين في غمار هذه الأمة ؛ لأجل ما دل على ذلك فيهم ، وهو الغرة والتحجيل ؛ لأن ذلك لا يكون لأهل الكفر المحض ، كان كفرهم أصلاً ، أو ارتداداً .

ولقوله : ( قد بدلوا بعدك ) ، ولو كان الكفر : لقال : " قد كفروا بعدك " ، وأقرب ما يحمل عليه : تبديل السنة

وهو واقع على أهل البدع ، ومن قال : إنه النفاق : فذلك غير خارج عن مقصودنا ؛ لأن أهل النفاق إنما أخذوا الشريعة تقيةً ، لا تعبداً ، فوضعوها غير مواضعها ، وهو عين الابتداع .

ويجري هذا المجرى كل من اتخذ السنَّة والعمل بها حيلةً وذريعةً إلى نيل حطام الدنيا ، لا على التعبد بها لله تعالى ؛ لأنه تبديل لها ، وإخراج لها عن وضعها الشرعي .

" الاعتصام " ( 1 / 96 ) .

5. قال القرطبي – رحمه الله -
:
قال علماؤنا رحمة الله عليهم أجمعين : فكلُّ مَن ارتد عن دين الله ، أو أحدث فيه ما لا يرضاه الله ، ولم يأذن به الله : فهو من المطرودين عن الحوض ، المبعدين عنه ، وأشدهم طرداً : مَن خالف جماعة المسلمين

وفارق سبيلهم ، كالخوارج على اختلاف فرقها ، والروافض على تباين ضلالها ، والمعتزلة على أصناف أهوائها ، فهؤلاء كلهم مبدِّلون ، وكذلك الظلمة المسرفون في الجور ، والظلم ، وتطميس الحق

وقتل أهله ، وإذلالهم ، والمعلنون بالكبائر ، المستخفون بالمعاصي ، وجماعة أهل الزيغ ، والأهواء ، والبدع .

ثم البعد قد يكون في حال ، ويقربون بعد المغفرة إن كان التبديل في الأعمال ، ولم يكن في العقائد ، وعلى هذا التقدير يكون نور الوضوء ، يُعرفون به ، ثم يقال لهم ( سحقاً )

وإن كانوا من المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يُظهرون الإيمان ، ويُسرون الكفر : فيأخذهم بالظاهر

ثم يكشف له الغطاء فيقول لهم : ( سحقاً سحقاً ) ، ولا يخلد في النار إلا كافر ، جاحد ، مبطل ، ليس في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان .

" التذكرة في أحوال الموتى والدار الآخرة " ( ص 352 ) .

*عبدالرحمن*
2019-02-25, 17:13
ثالثاً:

مما يبين كذب الروافض في زعمهم أن الصحابة الأجلاء أبا بكر وعمر وعثمان من أولئك المرتدين : أنه قد ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أنه قد حصلت ردة ، وقتال للمرتدين

فمَن قاتل مَن ؟ إن الذي ارتد هم الذين ذكرنا وصفهم ، من بعض قبائل العرب ، وإن الذي قاتلهم هو أبو بكر الصدِّيق رضي الله عنه ، وإخوانه من المهاجرين والأنصار - وقد شاركهم في قتالهم :

علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وسبى من بني حنيفة امرأة ، أنجبت له فيما بعد الإمام العلَم " محمد بن الحنفية " - ؛ فإذا كان الصحابة الكرام : أبو بكر وعمر ، ومن معهما من المهاجرين والأنصار :

مرتدين ؛ فماذا يكون حال مسليمة وأتباعه ، والعنسي وأتباعه ؟! إلا إن هذا هو عين النفاق والشقاق ، وقول الباطل وشهادة الزور .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - :

الله أكبر على هؤلاء المرتدين المفترين ، أتباع المرتدين ، الذين برزوا بمعاداة الله ورسوله وكتابه ، ودينه ، ومرقوا من الإسلام ، ونبذوه وراء ظهورهم ، وشاقوا الله ورسوله وعباده المؤمنين

وتولوا أهل الردة والشقاق ؛ فإن هذا الفصل وأمثاله من كلامهم : يحقق أن هؤلاء القوم المتعصبين على الصدِّيق رضي الله عنه وحزبه ـ من أصولهم ـ من جنس المرتدين الكفار ، كالمرتدين الذين قاتلهم الصدِّيق رضي الله عنه .

" منهاج السنة النبوية " ( 4 / 490 ) .

وقال – رحمه الله - :

وفي الجملة : فأمر مسيلمة الكذاب ، وادعاؤه النبوة ، واتباع بني حنيفة له باليمامة ، وقتال الصدِّيق لهم على ذلك : أمر متواتر ، مشهور ، قد علمه الخاص ، والعام

كتواتر أمثاله ، وليس هذا من العلم الذي تفرد به الخاصة ، بل عِلْم الناس بذلك أظهر من علمهم بقتال " الجمَل " و " صفِّين " ، فقد ذُكر عن بعض أهل الكلام أنه أنكر " الجمل " ، و " صفين "

وهذا الإنكار وإن كان باطلا : فلم نعلم أحداً أنكر قتال أهل " اليمامة " ، وأن مسيلمة الكذاب ادعى النبوة ، وأنهم قاتلوه على ذلك .

لكن هؤلاء الرافضة مِن جحدهم لهذا ، وجهلهم به : بمنزلة إنكارهم لكون أبي بكر وعمر دُفِنَا عند النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنكارهم لموالاة أبي بكر ، وعمر للنبي صلى الله عليه وسلم

ودعواهم أنه نص على " علي " بالخلافة ، بل منهم من ينكر أن تكون زينب ، ورقية ، وأم كلثوم من بنات النبي صلى الله عليه وسلم ! ويقولون : إنهن لخديجة من زوجها الذي كان كافراً قبل النبي صلى الله عليه وسلم .

" منهاج السنة النبوية " ( 4 / 492 ، 493 ) .

وقال – أيضاً - :

وهم – أي : الرافضة - يدَّعون أن أبا بكر وعمر ، ومن اتبعهما ارتدوا عن الإسلام ! وقد علم الخاص والعام : أن أبا بكر هو الذي قاتل المرتدين ، فإذا كانوا يدَّعون أن أهل اليمامة مظلومون

قتلوا بغير حق ، وكانوا منكرين لقتال أولئك ، متأولين لهم : كان هذا مما يحقق أن هؤلاء الخلف تبع لأولئك السلف ، وأن الصدِّيق وأتباعه يقاتلون المرتدين في كل زمان .

وقوله – أي : ابن المطهر الحلي الرافضي – " إنهم سمُّوا بني حنيفة مرتدين لأنهم لم يحملوا الزكاة إلى أبي بكر " : فهذا مِن أظهر الكذب ، وأبينِه ؛ فإنه إنما قاتل بني حنيفة لكونهم آمنوا بمسيلمة الكذاب

واعتقدوا نبوته ، وأما مانعو الزكاة : فكانوا قوماً آخرين ، غير بني حنيفة ، وهؤلاء كان قد وقع لبعض الصحابة شبهة في جواز قتالهم ، وأما بنو حنيفة فلم يتوقف أحد في وجوب قتالهم ..
. .
" منهاج السنة النبوية " ( 4 / 493 ، 494 ) .

رابعاً:

يقال لهؤلاء الروافض : لماذا ارتد الخلفاء الثلاثة دون علي ؟! وما الذي استثنى مثل " عمار بن ياسر " و " المقداد بن الأسود " و " أبا ذر " و " سلمان الفارسي " من الردة ؟! أم هو التحكم والهوى ؟! .

ونحن نعتقد أن المهاجرين والأنصار في الجنة خالدين فيها أبداً

قال تعالى : ( وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) التوبة/ 100 .

ونعتقد أن أبا بكر في الجنة ، وعمر في الجنة ، وعثمان في الجنة ، وعلي في الجنة ، وهكذا كل من سماهم النبي صلى الله عليه وسلم

وأن هؤلاء جميعاً سيشربون من حوض النبي صلى الله عليه وسلم شراباً هنيئاً ، والويل والثبور لمن لعنهم ، وكفرهم ، فهو أولى أن يكون يوم القيامة في صف المرتدين الذين حاربهم أولئك الأطهار .

خامساً:

هذه الأحاديث حجة على الروافض ؛ حيث يثبتون فيها ردة الصحابة رضي الله عنهم إلا نفراً قليلاً ، ويزعمون أنهم " أحدثوا " بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم

ومعنى هذا أنهم كانوا على الإيمان قبل ذلك ! فأي دين اعتقدوه بعد ذلك ؟ وماذا فعلوا ما استحقوا به التكفير ؟!

فإن قالوا : سلب الخلافة من علي رضي الله عنه : فيقال لهم هذه معصية ! تكفرها الحسنات ، ويكفي الصحابة سبكم ولعنكم لهم حتى توضع أوزارهم عليكم إن شاء الله .

وإن قالوا : قتل جنين فاطمة ! : قلنا قد قُتل في زمن علي رضي الله عنه الآلاف ! فهل تطبقون عليه القاعدة نفسها في التكفير ؟! .

فتبين مما سبق : أن الصحابة الأجلاء هم الذين دافعوا عن دين الله

وهم الذين أوقفوا مدَّ الردة ، والتي قام على إذكائها ونشرها سلف أولئك الروافض

من أمثال مسيلمة الكذاب ، والأسود العنسي ، وأن الله تعالى قد أثنى في كتابه الكريم على المهاجرين والأنصار في قرآن يُتلى إلى قيام الساعة ، وقد نزههم ربهم عن الوقوع في البدعة

فكيف يقعون في الردة ، وهم الذين نشروا الإسلام في الآفاق ؟! .

والله أعلم

*عبدالرحمن*
2019-02-25, 17:18
لا تدل الآية الكريمة على أن سن الأربعين هو حد الحساب والعقاب

السؤال

قال الله تعالى : ( حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ ) الأحقاف/15 إلى آخر الآية ، لماذا اختص الله هذا السن ؟

وهل هذا يدل أن الشباب لديهم فسحة من دينهم ؟

الجواب

الحمد لله

اختصاص سن الأربعين بالذكر في هذه الآية الكريمة دليل على أنه سن استيفاء كمال العقل والفهم ، وذروة تمام نعمة الله على الإنسان في كمال القوى التي منحه الله إياها

وهي مرحلة زائدة على بلوغ الأشد الذي يتم ببلوغ الحلم

يقول الله عز وجل : ( وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً

قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) الأحقاف/15

يقول الإمام القرطبي رحمه الله :

" ذكر عز وجل أن من بلغ أربعين فقد آن له أن يعلم مقدار نعم الله عليه وعلى والديه ويشكرها

قال مالك : أدركت أهل العلم ببلدنا وهم يطلبون الدنيا ، ويخالطون الناس ، حتى يأتي لأحدهم أربعون سنة ، فإذا أتت عليهم اعتزلوا الناس "

انتهى من " الجامع لأحكام القرآن " (7/276)

ويقول الحافظ ابن كثير رحمه الله :

" ( حتى إذا بلغ أشده ) أي : قوي وشب وارتجل ( وبلغ أربعين سنة ) أي : تناهى عقله وكمل فهمه وحلمه ، ويقال : إنه لا يتغير غالبا عما يكون عليه ابن الأربعين

وقال مسروق : إذا بلغت الأربعين فخذ حذرك ، ( قال رب أوزعني )

أي : ألهمني ( أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه )

أي : في المستقبل ( وأصلح لي في ذريتي )

أي : نسلي وعقبي ، ( إني تبت إليك وإني من المسلمين )، وهذا فيه إرشاد لمن بلغ الأربعين أن يجدد التوبة والإنابة إلى الله عز وجل ويعزم عليها "

انتهى باختصار من " تفسير القرآن العظيم " (7/280-281) .

ويقول الإمام الشوكاني رحمه الله :

" ( بلغ أشده ) قيل : بلغ عمره ثماني عشرة سنة ، وقيل : الأشد الحلم ،

قاله الشعبي وابن زيد .

وقال الحسن : هو بلوغ الأربعين ، والأول أولى ؛ لقوله : ( وبلغ أربعين سنة ) فإن هذا يفيد أن بلوغ الأربعين هو شيء وراء بلوغ الأشد ، قال المفسرون : لم يبعث الله نبيا قط إلا بعد أربعين سنة

وفي هذه الآية دليل على أنه ينبغي لمن بلغ عمره أربعين سنة أن يستكثر من هذه الدعوات "

انتهى من " فتح القدير " (5/22) .

والحاصل

أن سن الأربعين ليس هو حد الحساب والعقاب ، ولا تدل الآية بوجه من الوجوه أن الشباب في فسحة من دينهم ، فالبلوغ هو مناط التكليف وسن المحاسبة

بدليل الحديث المشهور من قوله صلى الله عليه وسلم : ( رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ : عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ

وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ ) رواه أبوداود (رقم/4403) وصححه الألباني في " صحيح أبي داود " ، ولكن المقصود في الآية أن سن الأربعين هو سن تمام استواء البنية العقلية والجسمية

فذلك أحرى أن يشكر نعمة الله تعالى عليه ، ويبذل عمره في طاعة الله .

والله أعلم

*عبدالرحمن*
2019-02-25, 17:23
تفسير قوله تعالى : ( وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ) وردّ شبهة تناقض آي القرآن

السؤال

هناك من غير المسلمين من يدّعي وجود تناقض في القرآن الكريم وذلك بخصوص من هو المسلم الأول ، فبعض الآيات ذكرت أن موسى عليه السلام كان أول المسلمين

وآيات أخرى ذكرت أن محمداً صلى الله عليه وسلم هو أول المسلمين ، وآية أخرى ذكرت أن إبراهيم عليه السلام هو أول المسلمين ، وآيات ذكرت أنه آدم عليه السلام . فكيف نردّ على هذه الشبهه؟

الجواب

الحمد لله

أولا :

نزل القرآن المجيد يصدق بعضه بعضا ، فلا تناقض فيه ولا اختلاف ، قال تعالى : ( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ) النساء/ 82 .

راجع جواب السؤال القادم

ثانيا :

تقدم في جواب السؤال بعد الفادم

بيان أن أول رسل الله صلى الله عليهم وسلم إلى أهل الأرض هو نوح عليه السلام ، فهو أسبق الرسل زمانا إلى الإسلام .
ثالثا :

الأولوية في قول الله تعالى :

( قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ) الأنعام/ 162، 163 .

وقوله : ( وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا

وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ) الأعراف/ 143 .

هي أولوية نسبية ؛ فكل نبي هو أول المسلمين من قومه ؛ حيث كان هو أول من دعاهم إلى الله

فهو أولهم إسلاما ، وفائدة معرفة ذلك حيث كان معروفا فيهم بالصدق والأمانة أن يتابعوه ويقتدوا به ، وليبين لهم أنه لا يخالفهم فيما يأمرهم به ، بل يبادر إليه عن يقين تام .

قال ابن عباس ومجاهد

في قوله تعالى ( وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ )

: "يعني : من بني إسرائيل . واختاره ابن جرير.

انتهى من "تفسير ابن كثير" (3 /472) .

وقال القرطبي رحمه الله :

" قوله تعالى : ( وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ) قيل : من قومي ، وقيل : من بني إسرائيل في هذا العصر ، وقيل : .. بأنك لا ترى في الدنيا لوعدك السابق ، في ذلك

" انتهى من "الجامع لأحكام القرآن" (7 /279) .

وقال السدي في قوله : (

قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ ) الزمر/ 11، 12 ، قال : " يعني من أمته صلى الله عليه وسلم " .

"تفسير ابن كثير" (7 /89) .

وقال القرطبي رحمه الله :

" فإن قيل : أو ليس إبراهيم والنبيون قبله ؟

قلنا عنه أجوبة ... ومنها : أنه أول المسلمين من أهل ملته ؛ قاله ابن العربي ، وهو قول قتادة وغيره " انتهى .

"الجامع لأحكام القرآن" (7 /155) ، وينظر : "تفسير الطبري" (21 /270) .

ويدل عليه قول سحرة فرعون بعد أن آمنوا : ( إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ ) الشعراء/ 51

ولم يكونوا أسبق إلى الإيمان بطبيعة الحال من موسى وهارون عليهما السلام ، وإنما المعنى أنهم أول المؤمنين عند ظهور الآية .

"تفسير القرطبي" (13/98)

"فتح القدير" (4/144)

وقيل : الأولوية هنا للدلالة على المبادرة إلى الإيمان وعدم التقاعس عنه والتواني ، فضلا عن الشك
.
فالأولوية لإثبات تمام اليقين وقوة الإيمان .

قال ابن عاشور رحمه الله : " وقوله : ( وأنا أول المؤمنين ) : أطلق ( الأول ) على المُبادر إلى الإيمان ، وإطلاق الأول على المبادر مجاز شائع مساو للحقيقة

والمرادُ به هنا وفي نظائره الكناية عن قوة إيمانه ، حتى إنه يبادر إليه حين تردد غيره فيه ، فهو للمبالغة ، وقد تقدم نظيره في قوله تعالى : ( ولا تكونوا أولَ كافر به ) ، وقوله : ( وأنا أول المسلمين )

انتهى من "التحرير والتنوير" (9 /94) .

وقال ابن عثيمين رحمه الله :

" قوله: ( وأنا أول المسلمين ) ، يحتمل أن المراد الأولية الزمنية ، فيتعين أن تكون أولية إضافية ويكون المراد أنا أول المسلمين من هذه الأمة ؛ لأنه سبقه في الزمن من أسلموا .

ويحتمل أن المراد الأولية المعنوية ؛ فإن أعظم الناس إسلاما وأتمهم انقيادا هو الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ فتكون الأولية أولية مطلقة .

ومثل هذا التعبير يقع كثيرا أن تقع الأولية أولية معنوية ، مثل أن تقول: أنا أول من يصدق بهذا الشيء ، وإن كان غيرك قد صدق قبلك

لكن تريد أنك أسبق الناس تصديقا بذلك ، ولن يكون عندك إنكار أبدا ، ومثل قوله صلى الله عليه وسلم : ( نحن أولى بالشك من إبراهيم ) ، حينما قال : ( رب أرني كيف تحي الموتى ) البقرة/260 .

رواه البخاري (3372) ومسلم (151)

. فليس معناه أن إبراهيم شاك ، لكن إن قدر أن يحصل شك فنحن أولى بالشك منه ، وإلا فلسنا نحن شاكين ، وكذلك إبراهيم ليس شاكا "

انتهى من "مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين" (9 /210) .

فالحاصل

أن هذه الأولوية إما أن تكون أولوية زمانية ؛ فتكون حينئذ أولوية نسبية ، يعني : بحسب الزمان المعين ، أو قوم معينين

أو تكون أولوية معنوية ؛ لتفيد تمام اليقين والإيمان ، وعدم حصول الشك .

أما أول المسلمين من البشر على الإطلاق فهو آدم عليه السلام ؛ لأنه أبوهم .

فتبين بما تقدم أن لا تناقض في آي القرآن الحكيم ، وحاشاه من ذلك ، وأن من يدعي التناقض فيه فإنما يؤتى من جهله ، وفساد عقله .

ملاحظة :

لم يرد في القرآن المجيد أن إبراهيم عليه السلام قال أنا أول المسلمين ، كما ورد في سؤال السائل.

والله تعالى أعلم

*عبدالرحمن*
2019-02-25, 17:30
ليس هناك تعارض في القرآن حول تبديل كلام الله وعدم تبديله

السؤال

تلك أقوال بعض النصارى أن تلك الآيات تتناقض في القرآن فهل هي كذلك ؟ (لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَـا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيـلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) يونس/64 .

(وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَـابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا) الكهف/27

. تناقضها سورة النحل وسورة الرعد وسوره البقرة : (وَإِذَا بَدَّلْنَـا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَـا يُنَزِّلُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) النحل/101

. (يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) الرعد/39

. (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)البقرة/106

. تلك الآيات السابقة يقولون إن هذا تناقض في القرآن ، فهل هو تناقض أم ماذا؟

الجواب

الحمد لله

القرآن الكريم كلام الله تعالى ، لا يمكن أن يقع فيه التناقض والاختلاف

وإنما يقع التناقض إذا كان المتكلم ممن يجوز عليه الخطأ ، والله تعالى منزه عن ذلك . قال الله سبحانه : (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) النساء/82 .

ولهذا وقع الاختلاف والتناقض في الأناجيل التي بين أيدي النصارى لأنها كتبها أناس غير معصومين

وقد بَيَّن العلامة رحمة الله الهندي رحمه الله في كتابه "إظهار الحق" وجود 125 اختلافاً وتناقضاً في كتابهم المقدس .

والشبهة التي ذكرتها شبهة ضعيفة في غاية الضعف ، وجوابها من وجهين :

الأول : أن الآيات التي فيها نفي التبديل لكلمات الله ، كقوله تعالى : (لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَـا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيـلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) يونس/64 .

وقوله تعالى : (وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَـابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا) الكهف/27

المقصود منها أنه لا أحد يبدّل كلمات الله ، أما الله تعالى فله أن يبدل آية مكان آية ، وهو النسخ

كما قال سبحانه : (وَإِذَا بَدَّلْنَـا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَـا يُنَزِّلُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) النحل/101
.
وقال تعالى : (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) البقرة/106 .

وأما قوله تعالى : : (يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) الرعد/39 . فالمراد به المحو والإثبات في صحف الملائكة

والوجه الثاني : أن المراد بكلمات الله التي لا تبدل : كلماته الكونية ، كسننه في خلقه ، وما أخبر به من إثابة الطائعين ومعاقبة العاصين ودخول أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ، فلا أحد يمكنه أن يبدل سنة الله وكلمته القدرية

. ولهذا جاء في أول الآية : (لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَـا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيـلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) ، فسنة الله وكلمته القدرية هنا :

هي أن المؤمنين المتقين لهم البشرى في الحياة وبعد الممات ، فمن يمكنه أن يغير ذلك ؟!

وأما قوله تعالى : (وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَـابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا) فإن حمل المعنى على الكلمات الكونية

فالأمر كما سبق . وإن حمل على الكلمات الشرعية ، أي القرآن الكريم الذي أوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فلا مبدل لهذا القرآن ، فقد تكفل الله سبحانه بحفظه .

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :

"قوله : (وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ) الكهف/27 .

قوله : (مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ) ؛ يعني : القرآن ، والوحي لا يكون إلا قولا ؛ فهو إذا غير مخلوق .

وقوله : (مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ) : أضافه إليه سبحانه وتعالى ؛ لأنه هو الذي تكلم به ، أنزله على محمد ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بواسطة جبريل الأمين .

(لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ) يعني : لا أحد يبدل كلمات الله ، أما الله عز وجل ؛ فيبدل آية مكان آية

كما قال تعالى : (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) النحل/101
.
وقوله : (لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ) : يشمل الكلمات الكونية والشرعية :

- أما الكونية : فلا يستثنى منها شيء ، لا يمكن لأحد أن يبدل كلمات الله الكونية :

إذا قضى الله على شخص بالموت ؛ ما استطاع أحد أن يبدل ذلك .

إذا قضى الله تعالى بالفقر ؛ ما استطاع أحد أن يبدل ذلك .

إذا قضى الله تعالى بالجدب ؛ ما استطاع أحد أن يبدل ذلك .

وكل هذه الأمور التي تحدث في الكون ؛ فإنها بقوله ؛ لقوله تعالى : (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) يس/82 .

- أما الكلمات الشرعية ؛ فإنها قد تبدل من قبل أهل الكفر والنفاق ، فيبدلون الكلمات : إما بالمعنى ، وإما باللفظ إن استطاعوا ، أو بهما"

انتهى من "مجموع فتاوى ابن عثيمين" (8/ 370).

والحاصل : أن كلمات الله تعالى الكونية لا يستطيع أحد تبديلها ، وكذلك كلماته الشرعية التي تكفل بحفظها وهي القرآن الكريم ، وهذا لا يعارض أن الله سبحانه ينسخ منها ما شاء

وينزل آية مكان آية إذا أراد ، لأنه كما قال : (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-25, 17:34
هل إدريس أول الرسل ؟

السؤال

قرأت في بعض كتب التاريخ بأن إدريس هو أول الرسل وأنه قبل نوح ، فهل هذا صحيح ؟.

الجواب

الحمد لله

" أول الرسل عليهم الصلاة والسلام نوح عليه الصلاة والسلام ، وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم وأما قبل نوح فلم يبعث رسول ، وبهذا نعلم خطأ المؤرخين الذين قالوا : إن إدريس صلى الله عليه وسلم كان قبل نوح

لأن الله سبحانه وتعالى يقول : في كتابه : ( إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ) النساء / 163 .

وفي الحديث الصحيح في قصة الشفاعة " أن الناس يأتون إلى نوح فيقولون له : أنت أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض "

فلا رسول قبل نوح ، ولا رسول بعد محمد صلى الله عليه وسلم

لقوله تعالى : ( ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين ) الأحزاب / 40

وأما نزول عيسى بن مريم ، عليه السلام في آخر الزمان فإنه لا ينزل على أنه رسول مجدد

بل ينزل على أنه حاكم بشريعة النبي محمد صلى الله عليه وسلم لأن الواجب على عيسى وعلى غيره من الأنبياء الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم

كما قال الله تعالى : ( وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه

قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين ) آل عمران / 81

وهذا الرسول المصدق لما معهم هو محمد صلى الله عليه وسلم كما صح ذلك عن ابن عباس وغيره ".

مجموع فتاوى الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله 1/315

وانظر السؤال القادم للمزيد عن هذا الموضوع .

و اخيرا

الحمد لله الذي بفضلة تتم الصالحات

اخوة الاسلام

اكتفي بهذا القدر و لنا عوده
ان قدر الله لنا البقاء و اللقاء

و اسال الله ان يجمعني بكم دائما
علي خير

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين

*عبدالرحمن*
2019-02-26, 16:48
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)
اخوة الاسلام

أحييكم بتحية الإسلام
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)


أوّلُ الأنبياء ، وأوّل الرسُلْ

السؤال

أريد معرفة ما إذا كان آدم عليه السلام نبيا . وإذا لم يكن آدم عليه السلام هو نبينا الأول , فمن يكون نبينا الأول إذن ؟.

الجواب

الحمد لله

آدم عليه السلام هو أول الأنبياء ، كما جاء في الحديث الذي أخرجه ابن حبان في صحيحه

أن النبي صلى الله عليه وسلم : سُئِلَ عن آدم أنبي هو ؟ قال : ( نعم نَبِِيٌ مُكَلَّمْ ) ، ولكنه ليس برسول لما جاء في حديث الشفاعة أن الناس يذهبون إلى نوح فيقولون : " أنت أول رسول بعثه الله إلى الأرض " .

وهذا نص صريح بأن نوحا أول الرسل

والله أعلم .

مجموع فتاوى ابن عثيمين 1/317

فآدم أبو البشر وهو نبي ، فهو أول الأنبياء .

الشيخ محمد صالح المنجد

*عبدالرحمن*
2019-02-26, 17:00
أنزل الله القرآن هداية للناس وأمرهم بتدبره ، وبين النبي عليه السلام ما أُشكِل منه وفصل ما أُجمل ، ولم يجعل فيه سرا لأحد .

السؤال

هل شرح النبي صلى الله عليه وسلم كل معاني القرآن الكريم لأصحابه ، سواء المعنى الظاهر أو المعنى الباطن ؟

هل وضح النبي صلى الله عليه وسلم كل معاني آيات القرآن الكريم لأصحابه؟ على سبيل المثال ، قوله عز وجل " قل هو الله أحد " ، هل فسّر النبي صلى الله عليه وسلم كل الأوجه المحتملة لكلمة " أحد " ؟

هل تعتقد أن هناك كثيرًا من معاني القرآن الكريم لم يشرحها النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه ؟

أم أن معانيه فقط هي ما وضحها صلى الله عليه وسلم لأصحابه ؟ - هل يجوز لباحث أن يبحث في معاني القرآن الكريم ، ويحصل على معاني جديدة له ، ولا شك تكون هذ المعاني متوافقة مع تعاليم الإسلام ؟

- هل تعتقد أنه بسبب أن قصة "آصف بن برخيا " لم ترد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يجب تصديقها ؟

ولا نؤمن بها ؟

- بمعنى آخر، هل القرآن لا فائدة منه إلا القراءة فقط ، فلا يجب أن نتمعن ونستخلص من آياته بعض الخواطر والأفكار ؟

الجواب

الحمد لله

أولا :

أنزل الله القرآن هداية للناس ليخرجهم به من الظلمات إلى النور ويهديهم إلى صراط العزيز الحميد ، أنزله الله تبيانا لكل شيء ، وهدى وشفاء ورحمة للمؤمنين .

وأمرنا الله عز وجل بتدبر آياته ،

فقال سبحانه : ( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ) النساء/ 82

وقال عز وجل : ( أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ ) المؤمنون/ 68

وقال عز وجل : ( كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ) سورة ص/ 29 .

ومعنى تدبر آيات الله :

" التأمل في معانيه، وتحديق الفكر فيه ، وفي مبادئه وعواقبه ، ولوازم ذلك ، فإن تدبر كتاب الله مفتاح للعلوم والمعارف

وبه يستنتج كل خير وتستخرج منه جميع العلوم ، وبه يزداد الإيمان في القلب وترسخ شجرته

فإنه يعرِّف بالرب المعبود ، وما له من صفات الكمال ; وما ينزه عنه من سمات النقص

ويعرِّف الطريق الموصلة إليه وصفة أهلها، وما لهم عند القدوم عليه ، ويعرِّف العدو الذي هو العدو على الحقيقة ، والطريق الموصلة إلى العذاب ، وصفة أهلها، وما لهم عند وجود أسباب العقاب .

وكلما ازداد العبد تأملا فيه ازداد علما وعملا وبصيرة ، لذلك أمر الله بذلك وحث عليه وأخبر أنه هو المقصود بإنزال القرآن .

ومن فوائد التدبر لكتاب الله :

أنه بذلك يصل العبد إلى درجة اليقين والعلم بأنه كلام الله، لأنه يراه يصدق بعضه بعضا، ويوافق بعضه بعضا "

"تفسير السعدي" (ص: 189)

وليس معنى التدبر المأمور به تسلط الذهن والفكر على آيات الكتاب المجيد بالشطح والدعاوى والأكاذيب والتقول على الله بزعم أن ذلك من آثار التدبر وعواقب التفكر في آيات الله .

ومن ذلك شطحات الصوفية ، وخطرات ومزاعم أهل البدعة ، وأكاذيب الفلاسفة .

ولا يصح التعويل على الخواطر ، وما يظهر للذهن لأول وهلة ، فإن ذلك من المناهج الخاطئة في تدبر القرآن الكريم ، وقد جاءت آثار متعددة عن السلف في التحذير من تفسير القرآن بالرأي.

راجع لمعرفة المزيد جواب السؤالين القادمين

ثانيا :

قال الله عز وجل : ( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) النحل/ 44.

قال ابن كثير رحمه الله :

" أي : لعلمك بمعنى ما أنزل عليك ، وحرصك عليه ، واتباعك له ، ولعلمنا بأنك أفضل الخلائق وسيد ولد آدم

فتفصل لهم ما أجمل ، وتبين لهم ما أشكل : وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ أي: ينظرون لأنفسهم فيهتدون، فيفوزون بالنجاة في الدارين "

انتهى من "تفسير ابن كثير" (4 /574) .

وقال الشيخ ابن باز رحمه الله :

" ومن تحقيق شهادة أن محمدا رسول الله تعظيم سنته , والدعوة إليها وتنفيذ مقاصدها , والتحذير من خلافها ,

وتفسير القرآن الكريم بها فيما قد يخفى من آياته , فإنه يفسر بالسنة ويوضح بها , فالسنة توضح القرآن وتبينه وتدل عليه وتعبر عنه , كما قال عز وجل : ( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) "

انتهى من "مجموع فتاوى ابن باز" (1 /248).

فالنبي صلى الله عليه وسلم فسر لهم القرآن ، وأعلمهم بأحكامه ، وبين لهم ما أشكل عليهم

وقد روى الطبراني في الكبير (1647) عن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بين لكم ) .

وصححه الألباني في " الصحيحة " (1803) .

وقال ابن القيم رحمه الله :

" فقد بيَّن الله - سبحانه - على لسان رسوله بكلامه وكلام رسوله جميع ما أمره به ، وجميع ما نهى عنه ، وجميع ما أحله ، وجميع ما حرمه

وجميع ما عفا عنه , وبهذا يكون دينُه كاملا كما قال تعالى : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ) "

انتهى من " إعلام الموقعين " ( 1 / 250 ) .

راجع جواب السؤال الثالث القادم

ولكن لا بد أن نعرف أن الصحابة رضي الله عنهم أهل لسان فصيح وعربية مستقيمة

والقرآن أنزل بلسان عربي مبين ، فكثير من آياته لا يستعصي فهمها ومعرفة معناها على أحد من الصحابة

كما أن كثيرا من آياته معلوم المعنى بداهة ، لا يحتاج إلى من يفسره ويشرحه ؛ ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما : " التفسيرُ على أربعةِ أوجهٍ : وجهٌ تعرفه العربُ من كلامها

وتفسير لاَ يُعذر أحدٌ بجهالته ، وتفسير يعلمه العلماء ، وتفسير لاَ يعلمه إلا الله تعالى ذكره " – يعني المتشابه .

انتهى من "تفسير الطبري" (1 /75) .

ثالثا :

لا يخفى على من دون الصحابة في العلم والفهم معنى قول الله تعالى : ( قل هو الله أحد ) وهو الإقرار لله عز وجل بالوحدانية في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته .

وهذا الاعتقاد هو الذي قام عليه الدين كله ، فلا يعقل أن يخفى على أحد من الصحابة الإقرار به والعمل بمقتضاه ، ولا يلزم القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم عمل لهم مجلسا خاصا يفسر لهم معنى هذه الآية الكريمة .

وقول السائل : " هل فسّر النبي صلى الله عليه وسلم كل الأوجه المحتملة لكلمة "أحد"؟

قول غريب ، يوضحه قوله قبل ذلك

: " سواء المعنى الظاهر أو المعنى الباطن " وهو مما يدل على أن السائل يظن أن هناك من معاني القرآن معان ظاهرة وأخرى باطنة .

وهذا قول محدث في دين الله ، لا يعرفه سلف هذه الأمة ، ولا يعرف عن أحد من أئمتها وعلمائها أنهم قالوا به

إذ ليس في الإسلام ولا في القرآن بواطن وأسرار يخص الله بها من يشاء من عباده ، وهو الذي تسميه طوائف الصوفية " العلم اللدني " !

وقد روى البخاري (1870) ومسلم (1370) وأحمد (957) – واللفظ له - :

" سُئِلَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : هَلْ خَصَّكُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَيْءٍ ؟

فَقَالَ : ( مَا خَصَّنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَيْءٍ لَمْ يَعُمَّ بِهِ النَّاسَ كَافَّةً إِلَّا مَا كَانَ فِي قِرَابِ سَيْفِي هَذَا )

قَالَ : فَأَخْرَجَ صَحِيفَةً مَكْتُوبٌ فِيهَا : ( لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ سَرَقَ مَنَارَ الْأَرْضِ ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَهُ ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا ) .

ورواه النسائي (4422) ولفظه :

" سَأَلَ رَجُلٌ عَلِيًّا : هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسِرُّ إِلَيْكَ بِشَيْءٍ دُونَ النَّاسِ ؟ فَغَضِبَ عَلِيٌّ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ وَقَالَ : مَا كَانَ يُسِرُّ إِلَيَّ شَيْئًا دُونَ النَّاسِ غَيْرَ أَنَّهُ حَدَّثَنِي بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ وَأَنَا وَهُوَ فِي الْبَيْتِ فَقَالَ :

( لَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَهُ وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الْأَرْضِ ) .

أما ما يدعيه أهل الانحراف من الصوفية والشيعة من أن لآيات القرآن ظاهرا وباطنا وحَدّا ومطلعا ؛ ولذلك استعملوا طريقة الكشف والأحلام والخواطر في تفسير القرآن الكريم : فقول باطل محدث لا دليل عليه

، إنما الدليل على خلافه ، ولذلك لما انتهجوا هذا النهج تقولوا على الله بغير علم ، وتكلموا في كتاب الله بأهوائهم ، فأتوا بالطامات .

وهذا لا يعني عدم وجود أوجه متعددة محتملة في تفسير بعض آيات القرآن المجيد

فإن هذا موجود فعلا ، ولكنه على الوجه الذي يتضح به معنى الآية متكاملا ، وهو من اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

" وَمِثَالُ " هَذَا التَّفْسِيرِ " كَلَامُ الْعُلَمَاءِ فِي تَفْسِيرِ (الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) فَهَذَا يَقُولُ: هُوَ الْإِسْلَامُ وَهَذَا يَقُولُ هُوَ الْقُرْآنُ أَيْ اتِّبَاعُ الْقُرْآنِ وَهَذَا يَقُولُ: السُّنَّةُ وَالْجَمَاعَةُ وَهَذَا يَقُولُ: طَرِيقُ الْعُبُودِيَّةِ وَهَذَا يَقُولُ: طَاعَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ

وَمَعْلُومٌ أَنَّ الصِّرَاطَ يُوصَفُ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ كُلِّهَا وَيُسَمَّى بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ كُلِّهَا وَلَكِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دَلَّ الْمُخَاطَبَ عَلَى النَّعْتِ الَّذِي بِهِ يُعْرَفُ الصِّرَاطُ وَيَنْتَفِعُ بِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ النَّعْتِ "

انتهى من "مجموع الفتاوى" (5/ 160) .

ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم بين لأصحابه المقصود من قول الله تعالى : ( قل هو الله أحد ) على التمام ، وذلك بالبيان العلمي والعملي

فحياته كلها معهم صلى الله عليه وسلم مبناها على التوحيد ، ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ) ولذلك لم يقع أحد من الصحابة رضي الله عنهم في الشرك

والعياذ بالله – فإن الله تعالى عصمهم من الشرك ، كما عصمهم من البدعة ؛ لأنهم مصابيح الهدى وأئمة التقوى ، وإنما ضل من ضل بخلافهم وترك ما كانوا عليه ، والذي كانوا عليه هو التوحيد

وهو معنى قوله تعالى : ( قل هو الله أحد ) .

أما تصور أن يكون هناك من المعاني الباطنة الخفية لهذه الآية ما لم يطلع عليه كثير من الصحابة ولا يعلمه أئمة التفسير وأهل العلم : فهذا تصور فاسد باطل

لأن موجبه أن النبي صلى الله عليه وسلم كتم العلم عن أصحابه ، ولم يؤد رسالة ربه على التمام ، وهذا الاعتقاد لا يعتقده أحد ممن يؤمن بالله واليوم الآخر .

فكل ما احتاجه الناس من تفسير كتاب الله على الوجه الذي لا يضلون بعده ولا ينحرفون عن صراط الله المستقيم فقد بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبينه أصحابه من بعده .

*عبدالرحمن*
2019-02-26, 17:01
رابعا :

ما تقدم لا يعني أن الله لا يخص أحدا من خلقه بفهم صحيح لكتابه ، بل إن هناك مَن يَمنّ الله عليهم بفهم صحيح ومعان كريمة قد تُحجب عن غيره .

فمن ذلك ما رواه البخاري (4294) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ

: " كَانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِي مَعَ أَشْيَاخِ بَدْرٍ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : لِمَ تُدْخِلُ هَذَا الْفَتَى مَعَنَا وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ ؟ فَقَالَ إِنَّهُ مِمَّنْ قَدْ عَلِمْتُمْ . قَالَ : فَدَعَاهُمْ ذَاتَ يَوْمٍ وَدَعَانِي مَعَهُمْ ، وَمَا رُئِيتُهُ دَعَانِي يَوْمَئِذٍ إِلَّا لِيُرِيَهُمْ مِنِّي .

فَقَالَ مَا تَقُولُونَ فِي ( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا ) ؟ حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ

فَقَالَ بَعْضُهُمْ : أُمِرْنَا أَنْ نَحْمَدَ اللَّهَ وَنَسْتَغْفِرَهُ إِذَا نُصِرْنَا وَفُتِحَ عَلَيْنَا ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا نَدْرِي أَوْ لَمْ يَقُلْ بَعْضُهُمْ شَيْئًا ، فَقَالَ لِي : يَا ابْنَ عَبَّاسٍ أَكَذَاكَ تَقُولُ ؟ قُلْتُ لَا قَالَ : فَمَا تَقُولُ ؟

قُلْتُ هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَمَهُ اللَّهُ لَهُ : إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ فَتْحُ مَكَّةَ فَذَاكَ عَلَامَةُ أَجَلِكَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ، قَالَ عُمَرُ : مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَعْلَمُ ".

وروى البخاري (143) وأحمد (2393) – واللفظ له

- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى كَتِفِي أَوْ عَلَى مَنْكِبِي ثُمَّ قَالَ : ( اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ ).

ومن ذلك استدلال عليّ رضي الله عنه على أن أقل الحمل ستة أشهر بالجمع بين قوله تعالى : (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ) البقرة/233

وقوله تعالى : ( وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ ) لقمان/ 14

وقوله تعالى : (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا) الأحقاف /15

ووافقه عليه عثمان وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم .

"تفسير ابن كثير" (6/336) .

ومن ذلك استدلال الإمام الشافعي رحمه الله وغيره بقوله تعالى : ( وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ) النساء/ 115 ،

على حجية الإجماع ، كما في "إرشاد الفحول" (1/198) ، وغير ذلك كثير مشهور .

وهذا إنما يكون لأهل العلم من أهل السنة ممن له فيها قدم صدق ، أما أهل الأهواء والتقول على الله وعلى رسوله فلا حظ لهم في ذلك .

وضابط هذا الفهم حتى يكون صحيحا أن يُعرض على الكتاب والسنة فإن وافق الكتاب والسنة فهو فهم صحيح ، وإن خالفهما فهو فهم باطل .

خامسا:

لا شك أن هناك الكثير من آيات القرآن الكريم لم يتعرض لها النبي صلى الله عليه وسلم بالتفسير

فقد قدمنا أن من القرآن ما يعرفه أهل اللسان العربي ، ومنه ما لا يعذر أحد بجهله لظهور معناه ، فهذا وأمثاله لا يتعرض له النبي صلى الله عليه وسلم عادة بالتفسير ؛ لأن أصحابه قد أحاطوا به علما .

فلا شك أن الصحابة كانوا يعرفون معنى قوله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) البقرة/ 218 .

فمثل هذا قد لا يتعرض له النبي صلى الله عليه وسلم بالبيان لظهور معناه وإحاطتهم به .

أما مثل قوله تعالى : ( وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ) المؤمنون/ 60

فقد يخفى على بعضهم معناه فيحتاج إلى بيان نبوي

كما أخرج الترمذي (3175) أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ :

" سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ : ( وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ) قَالَتْ عَائِشَةُ أَهُمْ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ ؟ قَالَ :( لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ

وَلَكِنَّهُمْ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُمْ ، أُولَئِكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ )

صححه الألباني في " الصحيحة " برقم (162) .

سادسا :

قول السائل : هل يجوز لباحث أن يبحث في معاني القرآن الكريم، ويحصل على معان جديدة له ؟

فنقول : نعم ، ولكن بشروط ، منها : أن يكون هذا الباحث طالب علم

له إلمام بعلوم القرآن والسنة ولسان العرب ، ومنها : أن لا يخالف ما توصل إليه ، التفسير المعروف لآيات القرآن المجيد ، بحيث يكون القول بها إحداثا لقول جديد ، وإنشاء لمعنى محدث في تفسير الآية .

وهذا مثل أن يتوصل بعض الباحثين إلى أن العسل يشفي بإذن الله من كثير من الأمراض والتي منها كذا وكذا ، وهو نافع لكذا وكذا ، ويذكر قول الله تعالى : ( فيه شفاء للناس ) النحل /69.

وهذا من التفكر والتدبر لآيات الله ؛ ولذلك قال الله بعدها : ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ )

أو يتوصل بعضهم إلى معرفة الأضرار التي يسببها الجماع في الحيض ع

ند الكلام على قول الله تعالى : ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ) البقرة/ 222.

أو يتكلم بعضهم على مضار الإسراف في الطعام والشراب فيأتي بأشياء جديدة في الطب

وذلك عند الكلام على قوله تعالى : ( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ) الأعراف/ 31

ونحو ذلك ، فهذا لا بأس به ، بل هو مطلوب مرغوب فيه .

أما شطحات الصوفية ودعاوى أهل البدعة وتقولات كثير من الذين يتكلمون عن الإعجاز العلمي في القرآن بغير علم ، فكثير من هذا ، بل أكثره ، من المنكر والزور .

سابعا :

أما قصة آصف بن برخيا وغيرها من قصص أهل الكتاب :

فقد رخص النبي صلى الله عليه وسلم في التحديث عن أهل الكتاب بقوله : ( حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ؛ فإنه كانت فيهم الأعاجيب ) رواه أحمد في "الزهد" (ص16)

وصححه الألباني في "الصحيحة" (2926) .

وهذا فيما عسى أن يكون صحيحا ، أما المقطوع بكونه لا يصح لمخالفته ما عندنا أو لمخالفته المعقول : فهذا لا يرخص فيه

قال ابن كثير رحمه الله :

" وَإِنَّمَا أَبَاحَ الشَّارِعُ الرِّوَايَةَ عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِ: "وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلَا حَرَجَ" فِيمَا قَدْ يُجَوِّزُهُ الْعَقْلُ، فَأَمَّا فِيمَا تُحيله الْعُقُولُ وَيُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْبُطْلَانِ، وَيَغْلِبُ عَلَى الظُّنُونِ كَذِبُهُ، فَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ .

وَقَدْ أَكْثَرَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، وَكَذَا طَائِفَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْخَلَفِ، مِنَ الْحِكَايَةِ عَنْ كُتُبِ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ، وَلَيْسَ بِهِمُ احْتِيَاجٌ إِلَى أَخْبَارِهِمْ "

انتهى من "تفسير ابن كثير" (7/ 394) .

وقال أيضا :

" صَحَّ الْحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ( إِذَا حَدَّثكم أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ ) ، ثُمَّ أَخْبَارُهُمْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ :

فَمِنْهَا: مَا عَلِمْنَا صِحَّتَهُ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ ، وَمِنْهَا مَا عَلِمْنَا كَذِبَهُ، بِمَا دُلَّ عَلَى خِلَافِهِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَيْضًا. وَمِنْهَا: مَا هُوَ مَسْكُوتٌ عَنْهُ، فَهُوَ الْمَأْذُونُ فِي رِوَايَتِهِ، بِقَوْلِهِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ

: ( حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرج ) وَهُوَ الَّذِي لَا يصدَّق وَلَا يُكَذَّبُ، لِقَوْلِهِ: ( فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ ) "

انتهى من "تفسير ابن كثير" (3/ 528) .

فأمثال هذه القصص التي تروى عن أهل الكتاب إذا كانت لا تخالف الشرع أو العقل فلا حرج في روايتها وحكايتها ، ولا تصدق ولا تكذب حتى ترد عن المعصوم صلى الله عليه وسلم ، وحينئذ تصدق وعلى الرأس والعين .

والخلاصة :

أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمت حتى بلغ رسالة ربه على الوجه الأكمل ، وبين للناس ما أنزل إليهم من ربهم

ولم يدع شيئا يقربهم من الجنة إلا أمرهم به ورغبهم فيه وحضهم عليه ، ولم يدع شيئا يقربهم من النار إلا نهاهم عنه وحذرهم منه .

وأن الله عز وجل يسر القرآن لعباده

كما قال سبحانه : ( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) القمر/ 17

فمن طلب خيره نال منه ، ومن تعلمه رفع الله به

وليس فيه من غوامض الأمور والمعاني الباطنة ما اختص الله به طائفة دون أخرى ، إلا ما يفتح الله به على بعض أهله من الفهم الصحيح والقول السديد الذي لا يخالف أمر الدين في شيء منه صغير أو كبير.

وأن القرآن المجيد لم ينزله الله على قلب رسوله صلى الله عليه وسلم لمجرد التلاوة فقط ، وإنما أنزله ليتدبروه ويتفكروا في آياته ؛ فيزدادوا إيمانا مع إيمانهم ؛ كما قال تعالى :

( وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ ) التوبة/ 124، 125.

فعلى المسلم أن يتجرد لله ، وأن يهتدي بهداه سبحانه ، وأن لا يخرج عن صراط الله المستقيم

وأن يتبع ولا يبتدع ولا يقلد المبتدع ، وأن يلزم جماعة المسلمين ، وأن لا يأخذ إلا عن أهل العلم الذين خصهم الله بفضله ، وعصم طريقهم من الزلل ؛ لأنهم ورثة الأنبياء .

والله تعالى أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-26, 17:04
أيهما أفضل قراءة سورة من القرآن بتدبر وفهم أم قراءة القرآن كله من غير تدبر

السؤال

هل هناك حديث يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن من يقرأ سورة العصر بانتباه وفهم أفضل ممن يقرأ القرآن كاملا دون فهم ؟

الجواب

الحمد لله

أولا :

لم يصح في فضائل سورة " العصر " شيء سوى أنها من المفصل .

جاء في " موسوعة فضائل سور وآيات القرآن " (القسم الصحيح 2/319)

" لم يصح فيها شيء سوى أنها من المفصل " انتهى.

وتقول الباحثة آمال سعدي :

" لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في فضل سورة العصر شيء ، بل وردت في فضلها روايات ضعيفة وموضوعة ، منها : ( من قرأ سورة العصر غفر الله له ، وكان ممن تواصى بالحق وتواصى بالصبر ) " انتهى.

" الصحيح والسقيم في فضائل القرآن الكريم " (ص/96)

ثانيا :

ننقل ههنا كلاما نفيسا للعلامة ابن القيم رحمه الله ، يبين فيه أقوال العلماء في المفاضلة بين قراءة القدر اليسير من القرآن بتدبر وفهم ، وبين قراءة القدر الكثير من القرآن من غير تدبر ولا تفكر .

يقول ابن القيم رحمه الله :

" اختلف الناس في الأفضل من الترتيل وقلة القراءة ، أو السرعة مع كثرة القراءة : أيهما أفضل ؟ على قولين :

فذهب ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما وغيرهما إلى أن الترتيل والتدبر مع قلة القراءة أفضل من سرعة القراءة مع كثرتها .

واحتج أرباب هذا القول بأن المقصود من القراءة فهمه ، وتدبره ، والفقه فيه ، والعمل به ، وتلاوته وحفظه وسيلة إلى معانيه ، كما قال بعض السلف : نزل القرآن ليعمل به

فاتخذوا تلاوته عملا ، ولهذا كان أهل القرآن هم العالمون به ، والعاملون بما فيه ، وإن لم يحفظوه عن ظهر قلب ، وأما من حفظه ولم يفهمه ولم يعمل بما فيه فليس من أهله ، وإن أقام حروفه إقامة السهم .

قالوا : ولأن الإيمان أفضل الأعمال ، وفهم القرآن وتدبره هو الذي يثمر الإيمان

وأما مجرد التلاوة من غير فهم ولا تدبر فيفعلها البر والفاجر والمؤمن والمنافق ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ومثل المنافق الذي يقرأ القران كمثل الريحانة : ريحها طيب ، وطعمها مر ).

والناس في هذا أربع طبقات : أهل القرآن والإيمان ، وهم أفضل الناس . والثانية : من عدم القرآن والإيمان . الثالثة : من أوتي قرآنا ولم يؤت إيمانا . الرابعة : من أوتي إيمانا ولم يؤت قرآنا .

قالوا : فكما أن من أوتي إيمانا بلا قرآن أفضل ممن أوتي قرآنا بلا إيمان ، فكذلك من أوتي تدبرا وفهما في التلاوة أفضل ممن أوتي كثرة قراءة وسرعتها بلا تدبر .

قالوا : وهذا هدي النبي صلى الله عليه وسلم ، فإنه كان يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها ، وقام بآية حتى الصباح .

وقال أصحاب الشافعي رحمه الله : كثرة القراءة أفضل ، واحتجوا بحديث ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة

والحسنة بعشر أمثالها ، لا أقول الم حرف ، ولكن ألف حرف ، ولام حرف ، وميم حرف ) رواه الترمذي وصححه .

قالوا : ولأن عثمان بن عفان قرأ القرآن في ركعة ، وذكروا آثارا عن كثير من السلف في كثرة القراءة .

والصواب في المسألة أن يقال :

إن ثواب قراءة الترتيل والتدبر أجل وأرفع قدرا ، وثواب كثرة القراءة أكثر عددا :

فالأول : كمن تصدق بجوهرة عظيمة ، أو أعتق عبدا قيمته نفيسة جدا .

والثاني : كمن تصدق بعدد كثير من الدراهم ، أو أعتق عددا من العبيد قيمتهم رخيصة .

وفي " صحيح البخاري " عن قتادة قال : سألت أنسا عن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( كان يمد مدا ) .

وقال شعبة : حدثنا أبو جمرة ، قال : قلت لابن عباس : إني رجل سريع القراءة ، وربما قرأت القرآن في ليلة مرة أو مرتين ، فقال ابن عباس : لأن أقرأ سورة واحدة أعجب إلي من أن أفعل ذلك الذي تفعل

فإن كنت فاعلا ولا بد فاقرأ قراءة تسمع أذنيك ، ويعيها قلبك .

وقال إبراهيم : قرأ علقمة على ابن مسعود - وكان حسن الصوت – فقال : رتل فداك أبي وأمي ، فإنه زين القرآن .

وقال ابن مسعود : لا تهذُّوا القرآن هذَّ الشعر ، ولا تنثروه نثر الدقل ، وقفوا عند عجائبه ، وحركوا به القلوب ، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة .

- والهذّ : سرعة القراءة ، والدَّقَل : رديء التمر -.

وقال عبد الله أيضا : إذا سمعت الله يقول : ( يأيها الذين آمنوا ) فأصغ لها سمعك ، فإنه خير تؤمر به ، أو شر تصرف عنه . " انتهى.

" زاد المعاد " (1/337-340)

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-26, 17:14
إذا كان القرآن كاملا مكتملا وافيا للشريعة فما الحاجة إلى السنة ؟!

السؤال

إذا كان القرآن كاملا مكتملا وافيا للشريعة فما الحاجة إلى السنة ؟ .

الجواب

الحمد لله

أولاً :

لا يزال أعداء الدِّين يحرصون على النيل من دين الله تعالى بشتى الصور والأساليب

وينشرون شبهاتهم وضلالاتهم بين عامة المسلمين ، فينساق وراءهم بعض ضعاف الإيمان ، والجهلة من المسلمين ، ولو أن واحداً من هؤلاء العامة فكَّر قليلاً لعلم أن شبههم خاوية ، وأن حجتهم داحضة
.
ومن أيسر ما يمكن أن يرد به العامي على هذه الشبهة المتهافتة أن يسأل نفسه : كم ركعة أصلي الظهر ؟

وكم هو نصاب الزكاة ؟ وهذا سؤالان يسيران ، ولا غنى بمسلم عنهما ، ولن يجد إجابتهما في كتاب الله تعالى ، وسيجد أن الله تعالى أمره بالصلاة ، وأمره بالزكاة

فكيف سيطبق هذه الأوامر من غير أن ينظر في السنَّة النبوية ؟

إن هذا من المحال ، ولذا كانت حاجة القرآن للسنَّة أكثر من حاجة السنَّة للقرآن ! كما قال الإمام الأوزاعي - رحمه الله - : " الكتاب أحوج إلى السنَّة من السنَّة إلى الكتاب "

كما في " البحر المحيط " للزركشي ( 6 / 11 )

، ونقله ابن مفلح الحنبلي في " الآداب الشرعية " ( 2 / 307 ) عن التابعي مكحول .

ولا نظن بالأخ السائل إلا خيراً ، ونظن أنه سأل مستفهماً عن أوجه الرد على من يقول بمثل هذه الأقاويل زاعماً تعظيمه للقرآن الكريم .

ثانياً :

من أوجه الرد على من يزعم أنه لا حاجة للمسلمين للسنَّة المشرفة

وأنه يُكتفى بالقرآن الكريم : أنه بهذا القول يرد كلام الله تعالى في كتابه الكريم ، حيث أمر في آيات كثيرة بالأخذ بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ، وبالانتهاء عما نهى عنه ، وبطاعته ، وقبول حكمه ، ومن ذلك :

قال تعالى : ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) الحشر:من الآية7 .

وقال تعالى : ( قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ) النور/54 .

وقال تعالى : ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ) النساء/من الآية64 .

وقال تعالى : ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) النساء/65 .

فماذا يصنع هذا الزاعم المدعي أنه يُكتفى بالقرآن ويُستغنى به عن السنَّة في هذه الآيات ؟ وكيف سيستجيب لأمر الله تعالى فيها ؟ .

وهذا بالإضافة إلى ما قلناه أولاً باختصار ، وهو أنه كيف سيقيم الصلاة التي أمره الله تعالى بها في كتابه الكريم ؟

وما عددها ؟

وما أوقاتها ؟

وما شوطها ؟

وما مبطلاتها ؟

وقل مثل ذلك في الزكاة ، والصيام ، والحج ، وباقي شعائر الدين وشرائعه .

وكيف سيطبق قول الله تعالى ( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) المائدة/38 ؟

فكم هو نصاب السرقة ؟

ومن أين تُقطع اليد ؟

وهل هي اليمين أم الشمال ؟

وما هي الشروط في الشيء المسروق ؟

وقل مثل ذلك في حد الزنا والقذف واللعان وغيرها من الحدود .

قال بدر الدين الزركشي – رحمه الله - :

وقال الشافعي في " الرسالة " - في باب فرض طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم - :

قال تعالى : ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) وكل فريضة فرضها الله تعالى في كتابه : كالحج ،

والصلاة ، والزكاة : لولا بيان الرسول ما كنا نعرف كيف نأتيها , ولا كان يمكننا أداء شيء من العبادات , وإذا كان الرسول من الشريعة بهذه المنزلة : كانت طاعته على الحقيقة طاعة لله .

" البحر المحيط " ( 6 / 7 ، 8 ) .
\
وكما يرى المسلم العاقل أن الزاعم أنه معظم لكتاب الله تعالى هو من أعظم المخالفين للقرآن

ومن أعظم المنسلخين عن الدين ؛ حيث جعل القرآن كافيا لإقامة الدين والأحكام ، وهو بالضرورة إما أنه لا يفعل ما جاء بالسنة فيكفر ، أو أنه يفعلها فيتناقض !

ثالثاً :

والله تعالى بعث نبيه صلى الله عليه وسلم بالإسلام ، وهذه النعمة العظيمة ليست القرآن وحده ، بل هي القرآن والسنَّة ، ولما امتنَّ الله على الأمة بإتمام الدين وإكمال النعمة لم يكن المقصود منه إنزال القرآن

بل إتمام الأحكام في القرآن والسنَّة ، بدليل نزول آيات من القرآن الكريم بعد إخبار الله تعالى بمنته على عباده بإكمال الدين وإتمام النعمة .

قال الله تعالى : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً ) المائدة/من الآية3 .

قال بدر الدين الزركشي – رحمه الله - :

قوله تعالى ( اليوم أكملت لكم دينكم ) أي : أكملت لكم الأحكام ، لا القرآن ؛ فإنه نزل بعد ذلك منه آيات غير متعلقة بالأحكام .

" المنثور في القواعد " ( 1 / 142 ) .

وقال ابن القيم – رحمه الله - :

فقد بيَّن الله - سبحانه - على لسان رسوله بكلامه وكلام رسوله جميع ما أمره به ، وجميع ما نهى عنه ، وجميع ما أحله ، وجميع ما حرمه

وجميع ما عفا عنه , وبهذا يكون دينُه كاملا

كما قال تعالى : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ) .

" إعلام الموقعين " ( 1 / 250 ) .

*عبدالرحمن*
2019-02-26, 17:14
رابعاً :

وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن السنَّة التي جاء بها هي مثل القرآن في كونها من الله تعالى ، وفي كونها حجة ، وفي كونها ملزمة للعباد

وحذَّر من الاكتفاء بما في القرآن وحده للأخذ به والانتهاء عن نهيه ، وبيَّن مثالاً لحرامٍ ثبت في السنَّة ولم يأت له ذِكر في القرآن ، بل في القرآن إشارة لحلِّه ، وكل ذلك في حديث واحدٍ صحيح .

عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ ، أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ :

عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ أَلَا لَا يَحِلُّ لَكُمْ لَحْمُ الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ وَلَا كُلُّ ذِي نَابٍ مِنْ السَّبُعِ ) .

رواه أبو داود ( 4604 ) ، وصححه الألباني في " صحيح أبي داود .

وهذا الذي فهمه الصحابة رضي الله من دين الله تعالى :

عن عبد الله قال : " لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب فجاءت فقالت : إنه بلغني أنك لعنت كيت وكيت

فقال : ومالي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن هو في كتاب الله ؟ فقالت : لقد قرأتُ ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول

قال : لئن كنتِ قرأتيه لقد وجدتيه ؛ أما قرأت : ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) الحشر/7 ؟ ،

قالت : بلى ، قال : فإنه قد نهى عنه ، قالت : فإني أرى أهلك يفعلونه ، قال : فاذهبي فانظري ، فذهبت فنظرت فلم تر من حاجتها شيئاً ، فقال : لو كانتْ كذلك ما جامعَتنا .

رواه البخاري ( 4604 ) ، ومسلم ( 2125 ) .

وهو الذي فهمه التابعون وأئمة الإسلام من دين الله تعالى ، ولا يعرفون غيره ، أنه لا فرق بين الكتاب والسنَّة في الاستدلال والإلزام ، وأن السنَّة مبينة ومفسرة لما في القرآن .

قال الأوزاعي عن حسان بن عطية : كان جبريل ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والسنَّة تفسر القرآن .
وقال أيوب السختياني : إذا حدَّث الرجل بالسنَّة فقال : دعنا من هذا

حدِّثنا من القرآن : فاعلم أنه ضال مضل .

وقال الأوزاعي : قال الله تعالى ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) ، وقال ( وما آتاكم الرسول فخذوه ) ..
.. .
وقال الأوزاعي : قال القاسم بن مخيمرة : ما توفي عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حرام : فهو حرام إلى يوم القيامة , وما توفي عنه وهو حلال : فهو حلال إلى يوم القيامة .

انظر : " الآداب الشرعية " ( 2 / 307 ) .

قال بدر الدين الزركشي – رحمه الله - :

قال الحافظ الدارمي : يقول : ( أوتيت القرآن , وأوتيت مثله ) : من السنن التي لم ينطق بها القرآن بنصه , وما هي إلا مفسرة لإرادة الله به , كتحريم لحم الحمار الأهلي , وكل ذي ناب من السباع ,

وليسا بمنصوصين في الكتاب .

وأما الحديث المروي من طريق ثوبان في الأمر بعرض الأحاديث على القرآن , فقال الشافعي في " الرسالة " :

" ما رواه أحد ثبت حديثه في شيء صغير ولا كبير " , وقد حكم إمام الحديث يحيى بن معين بأنه موضوع , وضعته الزنادقة ، قال ابن عبد البر في كتاب " جامع بيان العلم "

: قال عبد الرحمن بن مهدي : الزنادقة والخوارج وضعوا حديث : ( ما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله , فإن وافق كتاب الله فأنا قلته , وإن خالف فلم أقله ) ، قال الحافظ : وهذا لا يصح , وقد عارضه قوم ,

وقالوا : نحن نعرضه على كتاب الله فوجدناه مخالفا للكتاب ; لأنا لم نجد فيه : لا يقبل من الحديث إلا ما وافق الكتاب , بل وجدنا فيه الأمر بطاعته , وتحذير المخالفة عن أمره حكم على كل حال . انتهى .

وقال ابن حبان في " صحيحه " في قوله صلى الله عليه وسلم : ( بلغوا عني ولو آية ) : فيه دلالة على أن السنَّة يقال فيها : آي .

" البحر المحيط " ( 6 / 7 ، 8 ) .

خامساً :

قد ذكر العلماء أوجهاً لبيان السنة للقرآن ، ومنها : أنها تأتي موافقة لما في القرآن ، وتأتي مقيدة لمطلقه ، ومخصصة لعمومه ، ومفسرة لمجمله ، وناسخة لحكمه ، ومنشئة لحكم جديد ، وبعض العلماء يجمع ذلك في ثلاث منازل .

قال ابن القيم - رحمه الله - :

والذي يجب على كل مسلم اعتقاده : أنه ليس في سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة سنَّة واحدة تخالف كتاب الله ، بل السنن مع كتاب الله على ثلاث منازل :

المنزلة الأولى : سنَّة موافقة شاهدة بنفس ما شهد به الكتاب المنزل .

المنزلة الثانية : سنَّة تفسر الكتاب ، وتبين مراد الله منه ، وتقيد مطلقه .

المنزلة الثالثة : سنَّة متضمنة لحكم سكت عنه الكتاب ، فتبيِّنه بياناً مبتدأً .

ولا يجوز رد واحدة من هذه الأقسام الثلاثة ، وليس للسنة مع كتاب الله منزلة رابعة .

وقد أنكر الإمام أحمد على من قال " السنة تقضي على الكتاب " فقال : بل السنَّة تفسر الكتاب وتبينه .

والذي يشهد الله ورسوله به أنه لم تأت سنَّة صحيحة واحدة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تناقض كتاب الله

وتخالفه ألبتة ، كيف ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو المبين لكتاب الله ، وعليه أنزل ، وبه هداه الله ، وهو مأمور باتباعه ، وهو أعلم الخلق بتأويله ومراده ؟! .

ولو ساغ رد سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فهمه الرجل من ظاهر الكتاب لردت بذلك أكثر السنن ، وبطلت بالكلية .

وما من أحد يُحتج عليه بسنَّة صحيحة تخالف مذهبه ونحلته إلا ويمكنه أن يتشبث بعموم آية ، أو إطلاقها ، ويقول : هذه السنة مخالفة لهذا العموم والإطلاق فلا تقبل .

حتى إن الرافضة قبحهم الله سلكوا هذا المسلك بعينه في رد السنن الثابتة المتواترة ، فردوا قوله صلى الله عليه وسلم ( لا نُورث ما تركنا صدقة ) وقالوا : هذا حديث يخالف كتاب الله

قال تعالى ( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ) .

وردت الجهمية ما شاء الله من الأحاديث الصحيحة في إثبات الصفات بظاهر قوله ( ليس كمثله شيء ) .

وردت الخوارج من الأحاديث الدالة على الشفاعة ، وخروج أهل الكبائر من الموحدين من النار بما فهموه من ظاهر القرآن .
وردت الجهمية أحاديث الرؤية مع كثرتها وصحتها بما فهموه من ظاهر القرآن في قوله تعالى ( لا تدركه الأبصار ) .

وردت القدرية أحاديث القدر الثابتة بما فهموه من ظاهر القرآن .

وردت كل طائفة ما ردته من السنة بما فهموه من ظاهر القرآن .

فإما أن يطرد الباب في رد هذه السنن كلها ، وإما أن يطرد الباب في قبولها ، ولا يرد شيء منها لما يفهم من ظاهر القرآن ، أما أن يرد بعضها ويقبل بعضها - ونسبة المقبول إلى ظاهر القرآن كنسبة المردود - : فتناقض ظاهر .

وما مِن أحد رد سنَّة بما فهمه من ظاهر القرآن إلا وقد قبل أضعافها مع كونها كذلك .

وقد أنكر الإمام أحمد والشافعي وغيرهما على من ردَّ أحاديث تحريم كل ذي ناب من السباع بظاهر قوله تعالى ( قل لا أجد في ما أوحى إليَّ محرماً ) الآية .

وقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على من رد سنَّته التي لم تذكر في القرآن ، ولم يدَّعِ معارضة القرآن لها : فكيف يكون إنكاره على من ادعى أن سنَّته تخالف القرآن وتعارضه ؟ .

" الطرق الحكمية " ( 65 – 67 ) .

وللشيخ الألباني – رحمه الله - رسالة بعنوان " منزلة السنة في الإسلام ، وبيان أنه لا يستغنى عنها بالقرآن " ، وفيها :
تعلمون جميعاً أن الله تبارك وتعالى اصطفى محمداً صلى الله عليه وسلم بنبوته

واختصه برسالته ، فأنزل عليه كتابه القرآن الكريم

وأمره فيه - في جملة ما أمره به - أن يبينه للناس ، فقال تعالى : ( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نُزِّل إليهم ) النحل/44 ، والذي أراه أن هذا البيان المذكور في هذه الآية الكريمة يشتمل على نوعين من البيان :

الأول : بيان اللفظ ونظمه ، وهو تبليغ القرآن ، وعدم كتمانه ، وأداؤه إلى الأمة ، كما أنزله الله تبارك وتعالى على قلبه صلى الله عليه وسلم

وهو المراد بقوله تعالى : ( يا أيها الرسول بلِّغ ما أنزل إليك من ربك ) المائدة/67 ، وقد قالت السيدة عائشة - رضي الله عنها - في حديث لها " ومن حدثك أن محمداً كتم شيئاً أُمر بتبليغه :

فقد أعظم على الله الفرية " ، ثم تلت الآية المذكورة " - أخرجه الشيخان - ، وفي رواية لمسلم : " لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتماً شيئاً أُمر بتبليغه لكتم قوله تعالى

: ( وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمتَ عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ) الأحزاب/37 .

والآخر : بيان معنى اللفظ ، أو الجملة ، أو الآية الذي تحتاج الأمة إلى بيانه

وأكثر ما يكون ذلك في الآيات المجملة ، أو العامة ، أو المطلقة ، فتأتي السنَّة ، فتوضح المجمل ، وتُخصِّص العام ، وتقيِّد المطلق ، وذلك يكون بقوله صلى الله عليه وسلم ، كما يكون بفعله وإقراره .

وقوله تعالى : ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) المائدة/38 ، مثال صالح لذلك

فإن السارق فيه مطلقٌ كاليد ، فبينتِ السنَّة القوليَّة الأول منهما ، وقيدته بالسارق الذي يسرق ربع دينارٍ بقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا قطع إلا في ربع دينار فصاعداً ) - أخرجه الشيخان -

كما بينتِ الآخَرَ بفعله صلى الله عليه وسلم أو فعل أصحابه وإقراره ، فإنهم كانوا يقطعون يد السارق من عند المفصل ، كما هو معروف في كتب الحديث

وبينت السنة القوليَّة اليد المذكورة في آية التيمم : ( فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ) النساء/43

و المائدة /6 بأنها الكف أيضاً بقوله صلى الله عليه وسلم : ( التيمم ضربة للوجه والكفين ) أخرجه أحمد والشيخان وغيرهم من حديث عمار بن ياسر رضي الله عنهما .

وإليكم بعض الآيات الأخرى التي لم يمكن فهمها فهماً صحيحاً على مراد الله تعالى إلا من طريق السنة :

1. قوله تعالى : ( الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ) الأنعام /82 ، فقد فهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قوله( بظلم ) على عمومه الذي يشمل كل ظلم ولو كان صغيراً

ولذلك استشكلوا الآية فقالوا : يا رسول الله أيُّنا لم يلبس أيمانه بظلم ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : ( ليس بذلك ، إنما هو الشرك ؛ ألا تسمعوا إلى قول لقمان : ( إن الشرك لظلم عظيم ) لقمان/13 ؟ ) أخرجه الشيخان وغيرهما .

2. قوله تعالى : ( وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ) النساء/101 ، فظاهر هذه الآية يقتضي أن قصر الصلاة في السفر مشروط له الخوف

ولذلك سأل بعض الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : ما بالنا نقصر وقد أَمِنَّا ؟ قال : ( صدقة تصدَّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ) - رواه مسلم - .

3. قوله تعالى : ( حرمت عليكم الميتة والدم ) المائدة/3 ، فبينت السنة القولية أن ميتة الجراد والسمك ،

والكبد والطحال ، من الدم حلال ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( أحلت لنا ميتتان ودمان :

الجراد والحوت - أي : السمك بجميع أنواعه - ، والكبد والطحال ) - أخرجه البيهقي وغيره مرفوعاً وموقوفاً ، وإسناد الموقوف صحيح ، وهو في حكم المرفوع ؛ لأنه لا يقال من قِبَلِ الرأي - .

4. قوله تعالى : ( قل لا أجد في ما أوحي إلي مُحرَّماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً، أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقاً أهل لغير الله به ) الأنعام/145

ثم جاءت السنَّة فحرمت أشياء لم تُذكر في هذه الآية ، كقوله صلى الله عليه وسلم : ( كل ذي ناب من السباع ، وكل ذي مخلب من الطير حرام ) ، وفي الباب أحاديث أخرى في النهي عن ذلك

كقوله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر : ( إن الله ورسوله ينهيانكم عن الحمر الإنسية ؛ فإنها رجس ) - أخرجه الشيخان - .

5. قوله تعالى : ( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ) الأعراف/32

فبينت السنة أيضاً أن من الزينة ما هو محرم ، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خرج يوماً على أصحابه وفي إحدى يديه حرير ، وفي الأخرى ذهب

فقال : ( هذان حرام على ذكور أمتي ، حلٌّ لإناثهم ) - أخرجه الحاكم وصححه - .

والأحاديث في معناه كثيرة معروفة في " الصحيحين " وغيرهما ، إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة المعروفة لدى أهل العلم بالحديث والفقه .

ومما تقدم يتبين لنا - أيها الإخوة - أهمية السنَّة في التشريع الإسلامي ، فإننا إذا أعدنا النظر في الأمثلة المذكورة - فضلا عن غيرها مما لم نذكر - نتيقن أنه لا سبيل إلى فهم القرآن الكريم فهماً إلا مقروناً بالسنَّة .

" منزلة السنة في الإسلام " ( ص 4 – 12 ) .

وننصح بالرجوع إلى رسالة الشيخ الألباني – رحمه الله – فهي في صلب موضوع السؤال .

وبه يتبين :

أنه لا يحل لأحدٍ أن يفصل القرآن عن السنَّة في إثبات الأحكام ولزومها للمكلَّف

وأن من فعل ذلك فهو من أعظم المخالفين لما في القرآن من أوامر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم والأخذ بسنَّته والانتهاء عن نهيه

، وأن السنَّة النبوية جاءت مؤيدة لما في القرآن وموضحة له ومقيدة لمطلقه ومخصصة لعمومه ، وجاءت كذلك مستقلة في إنشاء الأحكام ، وكل ذلك لازم للمسلم الأخذ به .

وأمر أخير :

هب أننا نعدُّ هذا تنازعاً بيننا وبين خصومنا الذين يرون الاكتفاء بالقرآن : فإننا نقول : إننا أُمرنا في القرآن الكريم عند التنازع أن نرجع إلى القرآن والسنَّة !

فقال تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ) النساء/59

فماذا هو صانعٌ خصمنا بهذه الحجة القرآنية ؟

إن قبلها : رجع إلى السنَّة فبطل قوله ، وإن لم يرجع : فقد خالف القرآن الذي يزعم أنه كافٍ عن السنَّة .

والحمد لله رب العالمين

*عبدالرحمن*
2019-02-26, 17:17
ما هي طبيعة سلطة القرآن على المسلمين

السؤال

أدرس دورة في ديانات العالم ، وأجد مشكلة في إيجاد حل للسؤال التالي :

ما هي طبيعة سلطة القرآن تبعاً للعرف الإسلامي ؟ وما هو دور القرآن في التشريع الإسلامي طبقاً للتراث الإسلامي الحنيف ؟

الجواب

الحمد لله

القرآن أنزله الله عز وجل شريعة ومرجعا في الحلال والحرام والأمر والنهي لزاما على الناس

فما فيه من الأمر امتثلوه وما فيه من نهي اجتنبوه وما فيه من حلال أحلوه وما فيه من حرام حرموه ، وفيه خبر ما قبلنا ونبأ ما بعدنا وحكم ما بيننا ،

قال الله عز وجل : " ما فرطنا في الكتاب من شئ "

وبعد أن تم نزوله قال الله عز وجل : " اليوم أكملت لكم دينكم "

وجاءت السنة مبينة ومكملة للقرآن قال صلى الله عليه وسلم : " ألا إنني أوتيت القرآن ومثله معه "

ومعنى قوله ومثله أي السنّة ، حديث صحيح ، وأمر الله عز وجل بالرجوع إلى هذين الدستورين

قال الله عز وجل : ( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ )

فالرد إلى الله يعني إلى القرآن والرد إلى الرسول يعني إلى السنة ، فالقرآن هو المصدر الأول للتشريع ثم تأتي السنة

والله تعالى أعلم .

: الشيخ محمد صالح المنجد

*عبدالرحمن*
2019-02-26, 17:25
إباحة التسري بملك اليمين محكم غير منسوخ بإجماع المسلمين

السؤال

نزلت الآية الرابعة من سورة المائدة :" اليوم أُحل لكم الطيبات..." الآية يوم عرفة عام حجة الوداع ، ولم ينزل بعدها حلال ولا حرام " تفسير الجلالين ؛ هذه الآية حسب التفسير توضح أن المحللات بالوطء بشرط الإحصان ، أي : الزواج

هن المؤمنات عموما ًوالمحصنات الكتابيات الحرائر ، وليس هنالك ذكر لملك اليمين ! ألا يعنى ذلك ضمنياً نسخ إباحة التسري بملك اليمين دون عقد نكاح ؟

أرجو الإفادة ، وجزاكم الله خيراً .

الجواب

الحمد لله

أباح الإسلام للرجل أن يجامع أمَته سواء كان له زوجة أو زوجات أم لم يكن متزوجا .

ويقال للأمة المتخذة للوطء ( سرية ) مأخوذة من السِّرِّ وهو النكاح .

ودل على ذلك القرآن والسنة ، وفعله الأنبياء فقد تسرَّى إبراهيم عليه السلام من هاجر فولدت له إسماعيل عليهم السلام أجمعين .

وفعله نبينا صلى الله عليه وسلم ، وفعله الصحابة والصالحون والعلماء وأجمع عليه العلماء كلهم ولا يحل لأحد أن يحرمه أو أن يمنعه ومن يحرم فعل ذلك فهو آثم مخالف لإجماع العلماء .

قال الله تعالى : وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا النساء / 3 .

معنى ملكت أيمانكم : أي : ما ملكتم من الإماء والجواري .

وقال الله تعالى : { يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك وامرأة مؤمنة

إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم لكيلا يكون عليك حرج وكان الله غفورا رحيما ) الأحزاب / 50 .

وقال : والذين هم لفروجهم حافظون . إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين . فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون المعارج / 29 – 31 .

قال الطبري :

يقول تعالى ذكره : والذين هم لفروجهم حافظون ، حافظون عن كل ما حرم الله عليهم وضعها فيه ، إلا أنهم غير ملومين في ترك حفظها على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم من إمائهم .

" تفسير الطبري " ( 29 / 84 ) .

قال ابن كثير :

وكان التسري على الزوجة مباحاً في شريعة إبراهيم عليه السلام وقد فعله إبراهيم عليه السلام في هاجر لما تسرى بها على سارة .

" تفسير ابن كثير " ( 1 / 383 ) .

وقال ابن كثير أيضاً :

وقوله تعالى : وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك الأحزاب / 50

أي : وأباح لك التسري مما أخذت من المغانم ، وقد ملك صفية وجويرية فأعتقهما وتزوجهما وملك ريحانة بنت شمعون النضرية ومارية القبطية أم ابنه إبراهيم عليهما السلام وكانتا من السراري رضي الله عنهما .

" تفسير ابن كثير " ( 3 / 500 ) .

وقد أجمع العلماء على إباحته .

قال ابن قدامة :

ولا خلاف في إباحة التسري ووطء الإماء ؛ لقول الله تعالى : والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين .

وقد كانت مارية القبطية أم ولد النبي صلى الله عليه وسلم وهي أم إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم التي قال فيها " أَعِتَقَها ولدُها "

وكانت هاجر أم إسماعيل عليه السلام سُرِّيَّة إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام ، وكان لعمر بن الخطاب رضي الله عنه أمهات أولاد أوصى لكل واحدة منهن بأربعمائة ، وكان لعلي رضي الله عنه أمهات أولاد ،

ولكثير من الصحابة ، وكان علي بن الحسين والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله من أمهات الأولاد . يعني أن هؤلاء الثلاثة علي والقاسم وسالم كانت أمهاتهم من الإماء .

" المغني " ( 10 / 411 ) .

وأم الولد : هي الأمَة التي تلد من سيدها.

وقال الشافعي رحمه الله تعالى :

قال الله تعالى : والذين هم لفروجهم حافظون - إلى قوله - غير ملومين ، فدل كتاب الله عز وجل على أن ما أباحه من الفروج فإنما أباحه من أحد الوجهين النكاح أو ما ملكت اليمين .

" الأم " ( 5 / 43 ) .

ولا رأي للزوجة لا في ملك زوجها للإماء ولا في جماعه لهن .

ثانيا :

يقول الله عز وجل في سور المائدة : ( الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ

إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ) المائدة/ 5 .

فقوله تعالى : ( وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ )

أي : أحل لكم نكاح المحصنات ، وهن الحرائر العفيفات من المؤمنات ، والحرائر العفيفات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم أي: من اليهود والنصارى .

"تفسير السعدي" (ص 221) .

والاستدلال بهذه الآية على نسخ إباحة التسري بدعوى أنها آخر ما نزل من القرآن ، وليس فيها إلا إباحة وطء

المحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب بالزواج ، قول باطل مخالف لكتاب الله وسنة رسوله وإجماع الأمة .

ويمكن تلخيص بيان أن الآية لا تدل على ذلك فيما يلي :

أولا :

أن الآية إنما تتكلم عن النكاح الذي هو الزواج ، ولم تتعرض للتسري بوجه ، وإنما يستفاد حكمه من الأدلة الأخرى ، وهي معروفة في موضعها.

فقول السائل : ليس هناك ذكر لملك اليمين ، هو عين ما نحتج به على أن ملك اليمين باق على الأصل

لأن الآية إنما تتكلم عن الزواج ، فالمرأة إنما توطأ بالزواج أو بملك اليمين ، وأحكام النكاح ليست كأحكام التسري كما هو معلوم .

ثانيا :

أن هذا القول مخالف لإجماع الأمة وفعل خيارها من الصحابة والتابعين فمن بعدهم دون مخالف واحد منهم ، فلم يزل الصحابة والتابعون يجاهدون في سبيل الله ويتسرون بالإماء ، ولا نعلم عن واحد منهم أنه توقف في ذلك .

ثالثا :

سميت سورة النساء بهذا الاسم لكثرة ما ورد بها من أحكام النساء ؛ وقد جاء فيها ذكر ملك اليمين في عدة آيات بذكر بعض الأحكام التي تخص ملك اليمين ، فلو كان لهذا الكلام أصل لورد ذكره

في هذه السورة التي اعتنت بذكر أحكام النساء أكثر من غيرها من سور الكتاب المجيد

. قال تعالى : ( فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا ) النساء/ 3

وقال تعالى : ( وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ) النساء/ 25

إلى قوله : ( فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ) النساء/ 25

وقال سبحانه : ( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ

وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا ) النساء/ 36 .

رابعا :

قال الله عز جل مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم :

( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي

هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ) الأحزاب/ 50؛

أفيعقل أن يأتي النص الصريح في حل ملك اليمين للنبي صلى الله عليه وسلم وتعداد ما أحل الله له على التفصيل

، ثم لا يذكر الله عز وجل له في كتابه أنه نسخ حل ذلك له ولغيره من المؤمنين ولا في آية واحدة ، مع كثرة ما ورد في القرآن من ذكر ملك اليمين وذكر ما يخصهن من الأحكام ؟!

والواقع أن النصوص في ذلك كثيرة جدا ، وفيما مضى إشارة إلى ما يكفي منها ، وقد تواترت الأدلة الشرعية من نصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة

إجماعا علميا وعمليا ، على أن ذلك تشريع محكم ، لم ينسخ منه شيء .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-26, 17:28
تفسير قوله تعالى: ( لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار )

السؤال:

أرجو تفسير قوله تعالى : ( لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ ) الزمر / 20، ما هي الغرف ؟

وهل الغرف مبنية على الأنهار أم لا ؟

الجواب

الحمد لله

يقول الله تعالى :( أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ * لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ) سورة الزمر/ 19 ، 20.

قال ابن كثير رحمه الله :

في قوله تعالى: ( مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ )، أي : طباق فوق طباق، مَبْنيات محكمات مزخرفات عاليات "

انتهى من تفسير ابن كثير (7/91) .

وقال السعدي رحمه الله

: " أي: منازل عالية مزخرفة، من حسنها وبهائها وصفائها، أنه يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها، ومن علوها وارتفاعها، ترى كما يرى الكوكب الغابر في الأفق الشرقي أو الغربي، ولهذا قال:

( مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ ) أي: بعضها فوق بعض ( مَبْنِيَّةٌ ) بذهب وفضة، وملاطها المسك الأذفر "

انتهى من تفسير السعدي(1/722) .

وقوله تعالى: ( تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ ).

قال الشوكاني رحمه الله

: أي : من تحت تلك الغرف، وفي ذلك كمال لبهجتها ، وزيادة لرونقها "

انتهى من "فتح القدير" (6/278).

والله أعلم

*عبدالرحمن*
2019-02-26, 17:31
سبب نزول المعوذتين

السؤال

ما هو سبب نزول المعوذتين ؟

وما معنى في جفّ طلعة تحت راعوفة ؟

الجواب

الحمد لله

أولاً :

ذكر بعض أهل التفسير أن سبب نزول المعوذتين هو قصة سحر النبي صلى الله عليه وسلم ، والقصة أصلها في الصحيحين ، لكن دون ذكر نزول المعوذتين فيها .

انظر : " أسباب النزول للواحدي " ص410 .

وقد نقل ابن كثير في تفسيره (4/918)

عن الثعلبي قصة مطولة ، في سحر اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم ، وفيه : أن المعوذتين نزلتا في ذلك ، ثم قال :

" هكذا أورده بلا إسناد وفيه غرابة ، وفي بعضه نكارة شديدة ، ولبعضه شواهد " انتهى .

وقال السيوطي في " لباب النقول " ص347 بعد إيراده لهذه القصة : " لأصله شاهد في الصحيح بدون نزول السورتين ، وله شاهد بنزولهما " انتهى .

وقال ابن حجر في " فتح الباري " (10/235) :

" وقد وقع في حديث ابن عباس فيما أخرجه البيهقي في " الدلائل " بسند ضعيف في آخر قصة السحر الذي سحر به النبي صلى الله عليه وسلم ، أنهم وجدوا وترًا فيه إحدى عشرة عقدة

وأنزلت سورة الفلق والناس ، وجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة ، وأخرجه ابن سعد بسند آخر منقطع عن ابن عباس " انتهى .

وضعفه أيضًا في " تلخيص الحبير " (4/1348) .

ثانيًا :

وأما الألفاظ المسؤول عن معناها في القصة

فقال الحافظ ابن حجر رحمه الله :

" والراعوفة حجر يوضع على رأس البئر لا يستطاع قلعه ، يقوم عليه المستقي ، وقد يكون في أسفل البئر

قال أبو عبيد: هي صخرة تنزل في أسفل البئر إذا حفرت ، يجلس عليها الذي ينظف البئر ، وهو حجر يوجد صلبًا لا يستطاع نزعه ، فيترك .. "

انتهى من "فتح الباري" (11/399) .

وينظر : "حاشية السندي على سنن ابن ماجه" (3/577)

"لسان العرب" لابن منظور (9/125) .

وينظر للفائدة جواب السؤال القادم

والله أعلم .

و اخيرا

الحمد لله الذي بفضلة تتم الصالحات

اخوة الاسلام

اكتفي بهذا القدر و لنا عوده
ان قدر الله لنا البقاء و اللقاء

و اسال الله ان يجمعني بكم دائما
علي خير

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين

*عبدالرحمن*
2019-02-27, 17:54
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)
اخوة الاسلام

أحييكم بتحية الإسلام
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)


قصة سحر النبي صلى الله عليه وسلم ومعناها

السؤال

هل الحديث بخصوص تعرض النبي صلى الله عليه وسلم للسحر صحيح ؟

فقد سمعت الكثير حول الموضوع .

الجواب

الحمد لله

حديث سحر النبي صلى الله عليه وسلم حديث صحيح ، وقد رواه البخاري ومسلم وغيرهما من أئمة الحديث

وتلقاه أهل السنَّة بالقبول والرضا ، ولم يُنكره إلا المبتدعة ، وفيما يلي نص الحديث ، وتخريجه ، ومعناه ، ورد العلماء على من أنكره .

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : ( سُحِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا يَفْعَلُهُ , حَتَّى كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ دَعَا , وَدَعَا ثُمَّ قَالَ :

أَشَعَرْتِ أَنَّ اللَّهَ أَفْتَانِي فِيمَا فِيهِ شِفَائِي ؟ أَتَانِي رَجُلانِ فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي وَالآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ , فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلآخَرِ : مَا وَجَعُ الرَّجُلِ ؟ قَالَ : مَطْبُوبٌ ؟ قَالَ : وَمَنْ طَبَّهُ ؟ قَالَ : لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ

. قَالَ : فِيمَا ذَا ؟ قَالَ : فِي مُشُطٍ وَمُشَاقَةٍ وَجُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ . قَالَ فَأَيْنَ هُوَ ؟ قَالَ : فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ . فَخَرَجَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ لِعَائِشَةَ حِينَ رَجَعَ : نَخْلُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ

. فَقُلْتُ : اسْتَخْرَجْتَهُ ؟ فَقَالَ : لا , أَمَّا أَنَا فَقَدْ شَفَانِي اللَّهُ , وَخَشِيتُ أَنْ يُثِيرَ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا , ثُمَّ دُفِنَتْ الْبِئْرُ ) رواه البخاري (3268) ومسلم (2189) .

مطبوب : مسحور .

(مُشط) : آلة تسريح الشعر .

(مشاقة) أو (مشاطة) : ما يسقط من الشعر .

(وجف طلع نخلة ذَكَر) : هو الغشاء الذي يكون على الطلع ، ويطلق على الذكر والأنثى , فلهذا قيده بالذَّكَر .

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله :

" قال المازري : أنكر المبتدعة هذا الحديث ، وزعموا أنه يحط منصب النبوة ويشكك فيها ,

قالوا : وكل ما أدَّى إلى ذلك فهو باطل , وزعموا أن تجويز هذا يعدم الثقة بما شرعه من الشرائع إذ يحتمل على هذا أن يخيل إليه أنه يرى جبريل وليس هو ثَمَّ ( هناك ) , وأنه يوحي إليه بشيء ولم يوح إليه بشيء ,

قال المازري : وهذا كله مردود ؛ لأن الدليل قد قام على صدق النبي صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن الله تعالى وعلى عصمته في التبليغ

, والمعجزات شاهدات بتصديقه

, فتجويز ما قام الدليل على خلافه باطل ، وأما ما يتعلق ببعض الأمور الدنيا التي لم يبعث لأجلها ولا كانت الرسالة من أجلها فهو في ذلك عرضة لما يعترض البشر كالأمراض ,

فغير بعيد أن يخيل إليه في أمر من أمور الدنيا ما لا حقيقة له مع عصمته عن مثل ذلك في أمور الدين .

قال : وقد قال بعض الناس :

إن المراد بالحديث أنه كان صلى الله عليه وسلم يخيل إليه أنه وطئ زوجاته ولم يكن وطأهن , وهذا كثيراً ما يقع تخيله للإنسان في المنام فلا يبعد أن يخيل إليه في اليقظة .

قلت – أي : ابن حجر - : وهذا قد ورد صريحاً في رواية ابن عيينة عند البخاري ، ولفظه : ( حتى كان يرى ( أي : يظن ) أنه يأتي النساء ولا يأتيهن ) وفي رواية الحميدي : ( أنه يأتي أهله ولا يأتيهم ) .

قال عياض : فظهر بهذا أن السحر إنما تسلط على جسده وظواهر جوارحه لا على تمييزه ومعتقده ... .

وقال المهلب : صون النبي صلى الله عليه وسلم من الشياطين لا يمنع إرادتهم كيده , ففي الصحيح أن شيطاناً أراد أن يفسد عليه صلاته فأمكنه الله منه

, فكذلك السحر ، ما ناله من ضرره لا يدخل نقصا على ما يتعلق بالتبليغ ,

بل هو من جنس ما كان يناله من ضرر سائر الأمراض من ضعف عن الكلام , أو عجز عن بعض الفعل , أو حدوث تخيل لا يستمر , بل يزول ويبطل الله كيد الشياطين " انتهى .

"فتح الباري" (10/226، 227) باختصار .

وقال ابن القيم رحمه الله :

" هديه صلى الله عليه وسلم في علاج السحر الذي سحرته اليهود به :

قد أنكر هذا طائفة من الناس ، وقالوا : لا يجوز هذا عليه ، وظنُّوه نقصاً وعيباً ، وليس الأمر كما زعموا ، بل هو من جنس ما كان يعتريه من الأسقام والأوجاع

وهو مرض من الأمراض ، وإصابته به كإصابته بالسم لا فرق بينهما ، وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها

قالت : ( سُحِر رسول الله حتى إن كان ليخيَّل إليه أنه يأتي نساءه ولم يأتهن ، وذلك أشد ما يكون من السحر )

قال القاضي عياض : والسحر مرض من الأمراض ، وعارض من العلل ، يجوز عليه كأنواع الأمراض مما لا يُنكر ، ولا يَقدح في نبوته .

وأما كونه يخيَّل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله : فليس في هذا ما يُدخل عليه داخلة في شيء من صدقه ؛ لقيام الدليل والإجماع على عصمته من هذا ، وإنما هذا فيما يجوز أن يطرأ عليه في أمر دنياه التي لم يُبعث لسببها

ولا فُضِّل من أجلها ، وهو فيها عُرضة للآفات كسائر البشر ، فغير بعيد أنه يخيَّل إليه مِن أمورها ما لا حقيقة له ثم ينجلي عنه كما كان " انتهى .

"زاد المعاد" (4/124) .

وبعد ، فقد تبيَّن صحة الحديث ، وعدم تنقصه من منصب النبوة ، والله سبحانه وتعالى يعصم نبيَّه صلى الله عليه وسلم قبل السحر وأثناءه وبعده

ولا يعدو سحره عن كونه متعلقاً بظن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يأتي أهله وهو لم يفعل ، وهو في أمرٍ دنيوي بحت ، ولا علاقة لسحره بتبليغ الرسالة البتة ، وفيما سبق من كلام أهل العلم كفاية

ومن أراد الاستزادة فليرجع إلى "فتح الباري" و "زاد المعاد" .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-27, 18:03
النعيم الذي يسأل عنه المرء يوم القيامة

السؤال

أريد أن أعرف معنى قول الله عز وجل في سورة التكاثر "ثم لتسألن يومئذ عن النعيم" التكاثر /8 ما معنى هذا النعيم ؟

وهل يدخل في معنى هذا النعيم الأكل أو الشرب أو الملبس الجميل ؟

حتى ولو لم يكن للإنسان سوى هذا الأكل أو الشرب أو الملبس .

الجواب

الحمد لله :

أولاً :

معنى قول الله تعالى : ( ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ) التكاثر/8 :

أي " ثم ليسألنكم الله عز وجل عن النعيم الذي كنتم فيه في الدنيا : ماذا عملتم فيه ، ومن أين وصلتم إليه ، وفيم أصبتموه ، وماذا عملتم به ؟

" انتهى من " تفسير الطبري " (30/365) .

ثانيًا : اختلف أهل التفسير في المقصود من النعيم المسئول عنه على أقوال منها :

1- أنه الصحة والأمن .

2- أنه العافية .

3- أنه الصحة والفراغ .

4- أنه الإدراك بحواس السمع والبصر .

5- بعض ما يطعمه الإنسان ويشربه .

6- الغداء والعشاء .

7- شبع البطون .

8- كل ما التذه الإنسان في الدنيا من شيء .

ينظر : " تفسير الطبري " (30/365-370)

" تفسير القرطبي " (20/176) .

والصحيح من القول في ذلك هو أن النعيم المذكور في الآية عام يشمل كل ما يتنعم الإنسان به ، فيدخل فيه كل أصناف النعم من طعام وشراب وملبس وسكن وصحة وعافية وحواس وغير ذلك .

قال الطبري في تفسيره (30/370)

: " والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن الله أخبر أنه سائل هؤلاء القوم عن النعيم ، ولم يخصص في خبره أنه سائلهم عن نوع من النعيم دون نوع

بل عمّ بالخبر في ذلك عن الجميع ، فهو سائلهم كما قال عن جميع النعيم ، لا عن بعض دون بعض " انتهى .

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : " خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَقَالَ : ( مَا أَخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُمَا هَذِهِ السَّاعَةَ ) ؟ قَالَا : الْجُوعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ

قَالَ : ( وَأَنَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا قُومُوا ) ، فَقَامُوا مَعَهُ فَأَتَى رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ فَإِذَا هُوَ لَيْسَ فِي بَيْتِهِ ، فَلَمَّا رَأَتْهُ الْمَرْأَةُ قَالَتْ : مَرْحَبًا وَأَهْلًا ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

( أَيْنَ فُلَانٌ ) ؟ قَالَتْ ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا مِنْ الْمَاءِ إِذْ جَاءَ الْأَنْصَارِيُّ فَنَظَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَاحِبَيْهِ ثُمَّ قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ مَا أَحَدٌ الْيَوْمَ أَكْرَمَ أَضْيَافًا مِنِّي ، قَالَ : فَانْطَلَقَ فَجَاءَهُمْ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وَتَمْرٌ وَرُطَبٌ

فَقَالَ : كُلُوا مِنْ هَذِهِ ، وَأَخَذَ الْمُدْيَةَ : فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِيَّاكَ وَالْحَلُوبَ ) ، فَذَبَحَ لَهُمْ فَأَكَلُوا مِنْ الشَّاةِ وَمِنْ ذَلِكَ الْعِذْقِ وَشَرِبُوا فَلَمَّا أَنْ شَبِعُوا وَرَوُوا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ :

( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ الْجُوعُ ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حَتَّى أَصَابَكُمْ هَذَا النَّعِيمُ ) .

أخرجه مسلم (2038) .

وفي لفظ الترمذي (2369) : ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مِنْ النَّعِيمِ الَّذِي تُسْأَلُونَ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : ظِلٌّ بَارِدٌ وَرُطَبٌ طَيِّبٌ وَمَاءٌ بَارِدٌ ) .

وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ أَوَّلَ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَعْنِي الْعَبْدَ مِنْ النَّعِيمِ أَنْ يُقَالَ لَهُ : أَلَمْ نُصِحَّ لَكَ جِسْمَكَ وَنُرْوِيَكَ مِنْ الْمَاءِ الْبَارِدِ ) .

أخرجه الترمذي (3358) وصححه الألباني في " صحيح الترمذي " .

وقال النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تَزُولُ قَدَمُ ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ : عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ ، وَمَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ ، وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ ) .

أخرجه الترمذي (2416) وحسنه الألباني في " صحيح الجامع " (7299) .

ثالثًا : ليس من النعيم المسئول عنه يوم القيامة ما يضطر إليه المرء من طعام يسد به جوعته أو ملبس يستر به عورته ، أو مسكن يتقي به الحر والبرد ، أما ما زاد عن حد الاضطرار والاحتياج الشديد فهو من النعيم المسئول عنه .

فقد ثبت في رواية في مسند أحمد (20244) عن أبي عسيب رضي الله عنه قال : ( خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلًا فَمَرَّ بِي فَدَعَانِي إِلَيْهِ

فَخَرَجْتُ ثُمَّ مَرَّ بِأَبِي بَكْرٍ فَدَعَاهُ فَخَرَجَ إِلَيْهِ ثُمَّ مَرَّ بِعُمَرَ فَدَعَاهُ فَخَرَجَ إِلَيْهِ فَانْطَلَقَ حَتَّى دَخَلَ حَائِطًا لِبَعْضِ الْأَنْصَارِ ، فَقَالَ لِصَاحِبِ الْحَائِطِ : ( أَطْعِمْنَا بُسْرًا ) فَجَاءَ بِعِذْقٍ فَوَضَعَهُ فَأَكَلَ

فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ بَارِدٍ فَشَرِبَ فَقَالَ : ( لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ )، قَالَ : فَأَخَذَ عُمَرُ الْعِذْقَ فَضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ حَتَّى تَنَاثَرَ الْبُسْرُ قِبَلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

ثُمَّ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَئِنَّا لَمَسْئُولُونَ عَنْ هَذَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ قَالَ : ( نَعَمْ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ : خِرْقَةٍ كَفَّ بِهَا الرَّجُلُ عَوْرَتَهُ ، أَوْ كِسْرَةٍ سَدَّ بِهَا جَوْعَتَهُ ، أَوْ حَجَرٍ يَتَدَخَّلُ فِيهِ مِنْ الْحَرِّ وَالْقُرِّ ) .

حسنه الألباني في " صحيح الترهيب والترغيب" (3221) .

رابعًا : السؤال عن النعيم يعم المسلم والكافر ، إلا أن سؤال المؤمن تبشير بأن يجمع له بين نعيم الدنيا والآخرة ؛ لأن المؤمن شكر نعمة الله وحفظ حق الله فيها

أما سؤال الكافر فهو تقريع له ؛ لأنه قابل نعيم الدنيا بالكفر والمعصية .

قال الماوردي :

" وهذا السؤال يعم الكافر والمؤمن إلا أن سؤال المؤمن تبشير بأن يجمع له بين نعيم الدنيا والآخرة ، وسؤال الكافر تقريع أن قابل نعيم الدنيا بالكفر والمعصية

" انتهى من تفسير القرطبي (20/177) .

قال القشيري :

" إن الكل يسألون ، ولكن سؤال الكفار توبيخ ؛ لأنه قد ترك الشكر ، وسؤال المؤمن سؤال تشريف لأنه شكر ، وهذا النعيم في كل نعمة " انتهى .

وعلق القرطبي على ذلك بقوله :

" وهذا القول حسن ؛ لأن اللفظ يعم "

انتهى من تفسير القرطبي (20/177) .

وقال الشيخ السعدي رحمه الله في تفسيره ص836 :

" (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) الذي تنعمتم به في دار الدنيا ، هل قمتم بشكره ، وأديتم حق الله فيه ، ولم تستعينوا به على معاصيه ، فينعمكم نعيمًا أعلى منه وأفضل .

أم اغتررتم به ، ولم تقوموا بشكره ؟

بل ربما استعنتم به على المعاصي ، فيعاقبكم على ذلك

قال الله تعالى : ( وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ ) " انتهى .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-27, 18:12
ما وجه الجمع بين قوله تعالى : ( وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ ) ، وقوله عليه الصلاة السلام : ( وإن هم بسيئة فلم يعملها )

السؤال

قرأت حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله تعالى عنده حسنة كاملة )

فأشكل علي هذا الحديث مع قوله تعالى : ( وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ )

فكيف الجمع بين الآية والحديث ؟

الجواب

الحمد لله

أولاً :

لا تعارض بين ما جاء في القرآن وبين ما جاء في السنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأنهما جميعاً من الله تعالى

وقد قال سبحانه : ( وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ) النساء /82 .

ثانياً :

والجمع بين الآية والحديث أن يقال : إن عموم الحديث مخصوص بالآية

فيحمل الحديث : ( ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة ) على غير الحرم ، فيكون المعنى : أن الإنسان يؤاخذ على الهم السيئ في الحرم ، وأما في غير الحرم فلا يؤاخذ .

قال ابن القيم رحمه الله : " ومن خواصه أنه يعاقب فيه على الهم بالسيئات وإن لم يفعلها

قال تعالى : ( ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم ) الحج / 25 ، فتأمل كيف عدى فعل الإرادة هاهنا بالباء ، ولا يقال : أردت بكذا إلا لما ضمن معنى فعل " همّ "

فإنه يقال : هممت بكذا ، فتوعد من همّ بأن يظلم فيه بأن يذيقه العذاب الأليم "

انتهى من " زاد المعاد " ( 1 / 51) .

وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله

: " قال بعض أهل العلم : من همَّ أن يعمل سيئة في مكة : أذاقه الله العذاب الأليم بسبب همِّه بذلك ، وإن لم يفعلها ، بخلاف غير الحرم المكي من البقاع فلا يعاقب فيه بالهمّ

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : " لو أن رجلاً أراد بإلحاد فيه بظلم وهو بِعَدَنٍ أَبْيَن لأذاقه الله من العذاب الأليم " ، وهذا ثابت عن ابن مسعود ، ووقفه عليه أصح من رفعه

والذين قالوا هذا القول استدلوا له بظاهر قوله تعالى : ( وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ) لأنه تعالى رتَّب إذاقة العذاب الأليم على إرادة الإلحاد بالظلم فيه ترتيب الجزاء على شرطه

ويؤيد هذا قول بعض أهل العلم إن الباء في قوله ( بإلحاد ) لأجل أن الإرادة مضمنة معنى الهمِّ ، أي : ومن يهم فيه بإلحاد ، وعلى هذا الذي قاله ابن مسعود وغيره .

فهذه الآية الكريمة مخصِّصة لعموم قوله صلى الله عليه وسلم : ( ومن همَّ بسيئة فلم يعملها كُتبت له حسنة ) الحديث ، وعليه : فهذا التخصيص لشدة التغليظ في المخالفة في الحرم المكي ، ووجه هذا ظاهر "

انتهى من " أضواء البيان " ( 4 / 294 ، 295 ) .

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :

" إن قوله : ( ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة ) هذا في غير مكة وتكون مكة مستثناة من ذلك ، أي : أنه يؤاخذ الإنسان فيها بالهمّ ، وفي غيرها لا يؤاخذ "

انتهى من " لقاء الباب المفتوح " .

والله أعلم

*عبدالرحمن*
2019-02-27, 18:18
ظاهرة الشهب في القرآن الكريم .

السؤال

ظاهرة الشهب كيف فسرها القرآن ؟

هل هي مجرد أجسام صلبة تدخل المجال الجوي للأرض ؟

أم أنها راجمات للجن والشياطين الذين يستمعون لما يجري في السماء من أخبار؟

الجواب

الحمد لله

قد جاء ذكر الشهب في كتاب الله في غير ما آية :

فقال تعالى : ( وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ ) الحجر/ 16 – 18 .

وقال تعالى : ( إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ ) الصافات/ 10 .

وقال الله تعالى عن الجن : ( وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا ) الجن/ 8 ، 9 .

وقال عز وجل : ( وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ ) الملك/ 5 .

فالشهب الراجمة نار منفصلة من النجوم ، تنطلق بقدرة الله تعالى لترجم هؤلاء الشياطين

فالمقصود بجعلها رجوما للشياطين أنه يخرج منها شهب من نار ، فتصيب هذه الشياطين ، ولا يعني ذلك أنها بذواتها يُقذف بها ، فالشهب : نيازك تنطلق من النجوم يرجم بها الشياطين

راجع : "التسهيل لعلوم التنزيل" لابن جزي(ص2423)

"تفسير ابن كثير" (8 / 177)

وراجع إجابة سؤال سابق بعنوان

تفسير قوله تعالى :(ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوماً للشياطين).

وقد روى البخاري (4800) عن أبي هريرة قال : إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال َ

: ( إِذَا قَضَى اللَّهُ الْأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتْ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ ، فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ؟ قَالُوا لِلَّذِي قَالَ : الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ .

فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُ السَّمْعِ وَمُسْتَرِقُ السَّمْعِ هَكَذَا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ ، فَيَسْمَعُ الْكَلِمَةَ فَيُلْقِيهَا إِلَى مَنْ تَحْتَهُ ثُمَّ يُلْقِيهَا الْآخَرُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ حَتَّى يُلْقِيَهَا عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أَوْ الْكَاهِنِ

فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ ، فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ ، فَيُقَالُ أَلَيْسَ قَدْ قَالَ لَنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا ؟

فَيُصَدَّقُ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي سَمِعَ مِنْ السَّمَاءِ ) .

ورواه ابن حبان في صحيحه (36) بلفظ : ( فربما أدركه الشهاب قبل أن يرمي بها إلى الذي هو أسفل منه ، وربما لم يدركه الشهاب حتى يرمي بها إلى الذي هو أسفل منه ) .

قال ابن كثير رحمه الله :

" جعل الله الشُهب حرسًا لها من مَرَدة الشياطين، لئلا يسمعوا إلى الملأ الأعلى، فمن تمرد منهم وتقدم لاستراق السمع ، جاءه شِهَابٌ مُبِينٌ فأتلفه

فربما يكون قد ألقى الكلمة التي سمعها قبل أن يدركه الشهاب إلى الذي هو دونه ، فيأخذها الآخر ، ويأتي بها إلى وليه ، كما جاء مصرحا به في الصحيح "

انتهى من "تفسير ابن كثير" (4 /528) .

وهذا يعني أن هذه الشهب يقذف بها في جو السماء ، ولا يمنع ذلك من دخولها المجال الجوي للأرض بعد قذف الشيطان ورجمه بها ، وقد تنزل إلى الأرض وتحدث بها تصدعا .

والشهب في النظريات الفلكية الحديثة : ظاهرة ضوئيّة خاطفة تبدو عادةً في صفحة السماء ليلاً أو نهاراً

ولكنها في الفترة الليليّةِ تكون أكثر وضوحاً. ويظهر الشهاب في الأغلب خطّاً متألقاً يقوده رأس ساطع يظهر هاوياً باتجاه الأرض كأنه سهم ناريٌّ منقضٌ سرعان ما يتلاشى في أعالي الجوِّ،

أو قد يبدو في سقوطه مثل كرة ناريّةً متوهجة منقذفة من السماء نحو الأرض بسرعة خاطفةٍ .

وهذا يوافق في الجملة المعنى الشرعي للشهب .

وقد ظهر التوافق بين ما ذكر في كتاب الله عن الشهب وبين ما يذكره أهل هذا العلم من عدة نواحٍ :

- قال تعالى : (وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ) قال الشوكاني رحمه الله : " الرجم في اللغة هو الرمي بالحجارة "

"فتح القدير" (3 /179)

فإذا أخذنا في الاعتبار أن أصل الرجم هو الرمي بالحجارة فإن في واقع الشهب ما يوافقهُ ؛ إذ إن قسماً كبيراً من المستشهبات هو حجارة بالمعنى الكامل للكلمة ، وأكثر المستشهبات المعهودة هي في الواقع حصيّات .

- ثبتَ علميّاً أن الشهب لا تظهر ولا تنطلق إلاّ في الأيونوسفير بطبقاته الثلاث ، أي في الفضاءِ من فوق الأرض المحتلِّ لارتفاع معدّله من نحو 60كم أو 70كم إلى 1000كم تقريباً،

وبناء على هذا، فالأيونوسفير هو فضاء السماء الدنيا ، وهو ما يتوافق وقوله تعالى ( ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح ) .

فالأيونوسفير طبقة مزيّنة بمصابيح، وهي نفسها مسرح الشهب أيضاً .

- عُلم بقوله تعالى ( إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ * لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ ) الصافات/ 6 – 9

أن هذا الرجم مستمر

لأن حفظ السموات دائم ، ولا يزال هؤلاء الشياطين يحاولون استراق السمع .

وقد اكتشفت علوم الفلك والجيوفيزياء أن هناك رجماً دائباً بقذائف داحرة تنقذف في السماء الدنيا باستمرارٍ، وفي جميع الاتجاهات .

- المستشهب في الأصل، قبل الهويِّ والانقضاض، لا يكون متّقداً ولا منيراً، ولكن يتّقد ويتوهّج وينير أثناء الانقضاض . وهو ما يوافق معنى قوله تعالى ( فأتبعه شهاب ثاقب ) .

أي مستنير شديد الإضاءة .

"التسهيل" (ص 1697)

"تفسير ابن كثير" (7/7)

وقال القرطبي رحمه الله :

" الثاقب : المضيء ، ومنه (شِهَابٌ ثَاقِبٌ) ، يقال : ثقب يثقب ثقوبا وثقابة : إذا أضاء ، وثقوبه : ضوئه. والعرب تقول : أثقب نارك ؛ أي أضئها "

انتهى من "الجامع لأحكام القرآن" (20 /3) .

والخلاصة :

أن الشهب في كتاب الله هي تلك المقذوفات التي تنطلق بقدرة الله تعالى من الكواكب لترجم هؤلاء الشياطين المردة الذين يسترقون السمع من السماء ، فربما أدرك الشهاب الشيطان قبل أن يرمي بها إلى الذي هو أسفل منه

وربما لم يدركه حتى يرمي بها إلى الذي هو أسفل منه .

والقرآن ليس كتاب فلك أو فيزياء حتى يعنى بهذه الشهب من حيث تكوينها ومصادرها ومسارها ونحو ذلك

إنما يتكلم عنها من جهة ما يخص الشريعة ، فيذكر أن منها شهبا ترجم الشياطين الذين يسترقون السمع ؛ فتُحفظ السماء من هؤلاء المردة ، ويعلم الناس أن الذي عليه الكهنة والعرافون باطل .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-27, 18:24
كيف نادى الله تعالى موسى عليه السلام لما كلمه بالواد المقدس طوى ؟

السؤال

قال تعالى : ( فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى. إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى. وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى . إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ) . طه /11،14 .

قال تعالى : (فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) النمل / 8 ، 9 .

قال تعالى : (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) القصص /30 . ما الذي قاله الله ؟

كيف نادى موسى ؟ بأي تعبير من هذه التعابير ؟

هل الله نادى موسى ثلاث مرات أم إن القصة تكررت 3 مرات ؟

الجواب

الحمد لله

أولا :

سبق أن بَيّنا أن تكرار ذكر القصة الواحدة في كثير من السور من سمات القصص القرآني

وفي كل مرة يتنوع السياق ، ويتعدد الأسلوب ، وترد القصة بعبارات جديدة ، تفتح آفاقا للمعاني والفوائد ، وأنماطا متنوعة من أساليب البلاغة والبيان

ومن أعظم الحِكم في ذلك تأكيد التحدي لكفار العرب ذوي الفصاحة والبلاغة .

قال أبو بكر الباقلاني رحمه الله :

" إعادة ذكر القصة الواحدة بألفاظ مختلفة تؤدي معنى واحداً من الأمر الصعب ، الذي تظهر به الفصاحة

وتتبين به البلاغة ، وأعيد كثير من القصص في مواضع كثيرة مختلفة ، على ترتيبات متفاوتة ، ونبهوا بذلك على عجزهم عن الإتيان بمثله مبتدأ به ومكرراً .

ولو كان فيهم تمكّن من المعارضة لقصدوا تلك القصة وعبروا عنها بألفاظ لهم تؤدى تلك المعاني ونحوها ، وجعلوها بإزاء ما جاء به ، وتوصلوا بذلك إلى تكذيبه ، وإلى مساواته فيما حكى وجاء به "

انتهى من "إعجاز القرآن" (ص: 61-62) .

ثانيا :

هذه القصة لم تتكرر وإنما حصلت مرة واحدة ، وذلك لما أتى موسى عليه السلام النار التي آنس من جانب الطور مرجعَه من مدين ، فلما أتاها ناداه ربه .

والله عز وجل يقول في سورة النمل : ( فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) النمل/ 8، 9

ويقول في سورة طه : ( فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى* وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ) طه/ 11 ، 14 .

ويقول في سورة القصص : ( فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) [القصص/ 30 .

لكن يذكر في سياق أو في سورة ما لم يذكر في السياق الآخر ، وهذا من بدائع التكرار في القرآن الكريم

والتي أشرنا إلى بعضها ، ويعبر عن الموقف بأكثر من بيان ؛ وقد أوحى الله إلى عبده موسى عليه السلام ، كل ما أخبرنا أنه ناداه وكلمه به .

قال الرازي رحمه الله :

" قال في سورة النمل ( نُودِىَ أَنا بُورِكَ مَن فِى النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا ) وقال في القصص ( يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) وقال في طه ( إِنِّى أَنَا رَبُّكَ ) ولا منافاة بين هذه الأشياء ؛ فهو تعالى ذكر الكل

إلا أنه حكى في كل سورة بعض ما اشتمل عليه ذلك النداء "

انتهى من "تفسير الفخر الرازي" (ص 3491) .

وراجع للاستزادة جواب السؤال القادم

والله تعالى أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-27, 18:35
التكرار في القرآن الكريم أنواعه وفوائده

السؤال

أبحث في موضوع وهو: مظاهر التكرار في القرآن الكريم

الجواب

الحمد لله

هذه بعض المباحث اليسيرة في " التكرار في القرآن " ، وهي تتناسب مع طبيعة الموقع ، ويمكنك التوسع في الموضوع فيما نحيل عليه من مراجع ، ومن كتب علوم القرآن عموماً .

أولاً : تعريف التكرار لغة واصطلاحاً .

قال ابن منظور :

الكَرُّ : الرجوع ، يقال : كَرَّه وكَرَّ بنفسه ، يتعدّى ولا يتعدّى ، والكَرُّ مصدر كَرَّ عليه يَكُرُّ كرًّا ... والكَرُّ : الرجوع على الشيء ، ومنه التَّكْرارُ ... ( قال ) الجوهري : كَرَّرْتُ الشيء تَكْرِيراً وتَكْراراً .

" لسان العرب " ( 5 / 135 ) .

التكرار في الاصطلاح : تكرار كلمة أو جملة أكثر من مرة لمعاني متعددة كالتوكيد ، والتهويل ، والتعظيم ، وغيرها .
ثانياً :التكرار من الفصاحة .

اعترض بعض من لا يفقه لغة العرب فراح يطعن بالتكرار الوارد في القرآن ، وظن هؤلاء أن هذا ليس من أساليب الفصاحة ، وهذا من جهلهم ، فالتكرار الوارد في القرآن ليس من التكرار المذموم الذي لا قيمة له –

كما سيأتي تفصيله – والذي يرد في كلام من لا يحسن اللغة أو لا يحسن التعبير .

قال السيوطي – رحمه الله -
:
التكرير وهو أبلغ من التأكيد ، وهو من محاسن الفصاحة خلافاً لبعض من غلط .

" الإتقان في علوم القرآن " ( 3 / 280 ) طبعة مؤسسة النداء .

ثالثاً :أنواع التكرار .

قسَّم العلماء التكرار الوارد في القرآن إلى نوعين :

أحدهما : تكرار اللفظ والمعنى .

وهو ما تكرر فيه اللفظ دون اختلاف في المعنى ، وقد جاء على وجهين : موصول ، ومفصول .

أما الموصول : فقد جاء على وجوه متعددة : إما تكرار كلمات في سياق الآية ، مثل قوله تعالى (هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ ) المؤمنون/36

وإما في آخر الآية وأول التي بعدها ، مثل قوله تعالى ( وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا . قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً ) الإنسان/15 ، 16

وإما في أواخرها ، مثل قوله تعالى ( كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكّاً دَكّاً ) الفجر/21

وإما تكرر الآية بعد الآية مباشرة

مثل قوله تعالى ( فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً . إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ) الشرح/5 ، 6 .

وأما المفصول : فيأتي على صورتين : إما تكرار في السورة نفسها ، وإما تكرار في القرآن كله .

مثال التكرار في السورة نفسها : تكرر قوله تعالى ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) في سورة " الشعراء " 8 مرات ، وتكرر قوله تعالى ( وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ) في سورة " المرسلات " 10 مرات

وتكرر قوله تعالى ( فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) في سورة " الرحمن " 31 مرة .
\
ومثال التكرار في القرآن كله : تكرر قوله تعالى ( وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) 6 مرات : في " يونس " ( 48 ) و "الأنبياء" ( 38 ) و " النمل " ( 71 )

و "سبأ" ( 29 ) و " يس " ( 48 ) و " الملك " ( 25 )

وتكرر قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) مرتين : في " التوبة " ( 73 ) و " التحريم " ( 9 ) .

والثاني : التكرار في المعنى دون اللفظ .

وذلك مثل قصص الأنبياء مع أقوامهم ، وذِكر الجنة ونعيمها ، والنار وجحيمها .

رابعاً : فوائد التكرار

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - :

وليس في القرآن تكرار محض ، بل لابد من فوائد في كل خطاب .

" مجموع الفتاوى " ( 14 / 408 ) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله –

في التعليق على تكرار قصة موسى مع قومه - :

وقد ذكر الله هذه القصة في عدة مواضع من القرآن ، يبين في كل موضع منها من الاعتبار والاستدلال نوعاً غير النوع الآخر ، كما يسمَّى اللهُ ورسولُه وكتابُه بأسماء متعددة

كل اسم يدل على معنى لم يدل عليه الاسم الآخر ، وليس في هذا تكرار ، بل فيه تنويع الآيات مثل أسماء النبي صلى الله عليه وسلم إذا قيل : محمد

وأحمد ، والحاشر ، والعاقب ، والمقفى ، ونبي الرحمة ، ونبي التوبة ، ونبي الملحمة ، في كل اسم دلالة على معنى ليس في الاسم الآخر ، وإن كانت الذات واحدة فالصفات متنوعة .

وكذلك القرآن إذا قيل فيه : قرآن ، وفرقان ، وبيان ، وهدى ، وبصائر ، وشفاء ، ونور ، ورحمة ، وروح : فكل اسم يدل على معنى ليس هو المعنى الآخر .

وكذلك أسماء الرب تعالى إذا قيل : الملك ، القدوس ، السلام ، المؤمن ، المهيمن ، العزيز ، الجبار ، المتكبر ، الخالق ، البارئ ، المصور :

فكل اسم يدل على معنى ليس هو المعنى الذي في الاسم الآخر ، فالذات واحدة ، والصفات متعددة ، فهذا في الأسماء المفردة .

وكذلك في الجمل التامة ، يعبَّر عن القصة بجُمَل تدل على معانٍ فيها

ثم يعبر عنها بجُمَل أخرى تدل على معانٍ أُخَر ، وإن كانت القصة المذكورة ذاتها واحدة فصفاتها متعددة ، ففي كل جملة من الجُمَل معنًى ليس في الجُمَل الأُخَر .

" مجموع الفتاوى " ( 19 / 167 ، 168 ) .

وقال السيوطي – رحمه الله - :

وله – أي : التكرار - فوائد :

منها : التقرير ، وقد قيل " الكلام إذا تكرَّر تقرَّر " ، وقد نبه تعالى على السبب الذي لأجله كرر الأقاصيص والإنذار في القرآن بقوله ( وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا ) .

ومنها : التأكيد .

ومنها : زيادة التنبيه على ما ينفي التهمة ليكمل تلقي الكلام بالقبول ، ومنه ( وَقَالَ الَّذِي آَمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ . يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ ) ، فإنه كرر فيه النداء لذلك .

ومنها : إذا طال الكلام وخشي تناسي الأول أعيد ثانيها تطرية له وتجديداً لعهده ، ومنه (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا )

(ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا )

( وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ) إلى قوله ( فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ) ، ( لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ )

(إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ ) .

ومنها : التعظيم والتهويل نحو ( الْحَاقَّةُ . مَا الْحَاقَّةُ ) ، ( الْقَارِعَةُ . مَا الْقَارِعَةُ ) ، (وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ ) .
"

الإتقان في علوم القرآن " ( 3 / 281 ، 282 ) طبعة مؤسسة النداء .

خامساً : فوائد تكرار بعض القصص والآيات

1. قال أبو الفرج ابن الجوزي – رحمه الله -
:
فإن قيل : ما الفائدة في تكرار قوله : ( فبأيِّ آلاء ربِّكما تُكذِّبانِ ) ؟ .

الجواب : أن ذلك التكرير لتقرير النِّعم وتأكيد التذكير بها ، قال ابن قتيبة : من مذاهب العرب التكرار للتوكيد والإفهام

كما أن من مذاهبهم الاختصار للتخفيف والإيجاز ؛ لأن افتنان المتكلِّم والخطيب في الفنون أحسن من اقتصاره في المقام على فنٍّ واحدٍ ، يقول القائل منهم : واللهِ لا أفعله ، ثم واللهِ لا أفعله

إذا أراد التوكيد وحسم الأطماع مِنْ أنْ يفعله ، كما يقول : واللهِ أفعلُه ، بإضمار " لا " إذا أراد الاختصار ، ويقول القائل المستعجِل : اعْجَل اعْجَل ، وللرامي : ارمِ ارمِ ،
... .
قال ابن قتيبة : فلمّا عَدَّد اللهُ تعالى في هذه السورة نعماءَه ، وأذكَرَ عِبَادَه آلاءَه ، ونبَّههم على قُدرته ، جعل كل كلمة من ذلك فاصلة بين كل نِعمتين

ليُفَهِّمهم النِّعم ويُقَرِّرهم بها ، كقولك للرجل : أَلم أُبَوِّئْكَ مَنْزِلاً وكنتَ طريداً ؟

أفتُنْكِرُ هذا ؟ ألم أحُجَّ بك وأنت صَرُورَةٌ [ هو من لم يحج قط ] ؟

أفَتُنْكِرُ هذا ؟ . " زاد المسير " ( 5 / 461 ) .

2. قال القرطبي – رحمه الله - :

وأما وجه التكرار – أي : قل يا أيها الكافرون - فقد قيل إنه للتأكيد في قطع أطماعهم ، كما تقول : والله لا أفعل كذا ، ثم والله لا أفعله .

قال أكثر أهل المعاني : نزل القرآن بلسان العرب ، ومن مذاهبهم التكرار إرادة التأكيد والإفهام

كما أن من مذاهبهم الاختصار إرادة التخفيف والإيجاز ؛ لأن خروج الخطيب والمتكلم من شيء إلى شيء أولى من اقتصاره في المقام على شيء واحد

قال الله تعالى : ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) ، ( ويل يومئذ للمكذبين ) ، ( كلا سيعلمون . ثم كلا سيعلمون )

و ( فإن مع العسر يسرا . إن مع العسر يسرا ) : كل هذا على التأكيد .

" تفسير القرطبي " ( 20 / 226 ) .

والله أعلم

*عبدالرحمن*
2019-02-27, 18:48
الجمع بين قوله تعالى ( لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) وبين قوله تعالى ( وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ )

السؤال

قال الله تعالى في سورة البقرة : "لا إكراه في الدين"، وهذه قاعدة شرعية معروفة

لكننا نجد في سورة النمل أن نبي الله سليمان عليه السلام أرسل رسالة إلى بلقيس يهددها ويجبرها على الإسلام وهذا فيما يبدو لي ينافي القاعدة العامة

فما توجيه ذلك ؟

الجواب

الحمد لله

أولا :

قول الله تعالى : ( لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ) البقرة/ 256

لا ينافي الأمر بقتال المشركين الذين يصدون عن دين الله ، ويفسدون في الأرض

وينشرون فيها الكفر والشرك والفساد ؛ فقتالهم من أعظم المصالح التي بها تعمر الأرض ويعم أهلها الأمن والاستقرار .

كما قال تعالى : ( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ) الأنفال/ 39 .

وقد جاءت الشريعة بتحقيق المصالح وتعطيل المفاسد .

والمعنى في الآية : أن لتمام وضوح الدين وتبيُّن معالمه وظهور آياته البينات وحججه القاطعات لا يحتاج الأمر فيه إلى إكراه ؛ فمن تبينت له حقيقته ولم يعاند ولم يستكبر أسلم طواعية

وإنما يكره الدخول فيه من كابر وعاند ولم يرض بالله ربا ولا بنبيه رسولا ولا بكتابه إماما ؛ ولذلك يقاتل من يقاتل من المشركين على دينهم الباطل استكبارا في الأرض وإرادة للفساد والكفر .

ولا أدلّ على ذلك من دخول الناس في صدر الإسلام في دين الله أفواجا هذا الدين الذي قُتل باسمه آباؤهم وأقرباؤهم وأخلاؤهم .

فكثير من الصحابة أسلم بعد أن كان يقاتل على الكفر كخالد بن الوليد وعمرو بن العاص وأبي سفيان بن حرب ومعاوية بن أبي سفيان وغيرهم كثير رضي الله عنهم

وإنما أسلموا لما تبين لهم الرشد من الغي ، واتضحت لهم معالم الدين وحججه القاهرة فأسلموا طوعا وصاروا في جند الله بعد أن كانوا في حزب الشيطان وجنده .

ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى : ( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) يونس/ 99

" أي: لا تقدر على ذلك ، وليس في إمكانك ، ولا قدرة لغير الله على شيء من ذلك "

انتهى من " تفسير السعدي" (ص 374) .

قال ابن جزي رحمه الله :

" ( لا إكراه في الدين ) المعنى : أن دين الإسلام في غاية الوضوح وظهور البراهين على صحته ، بحيث لا يحتاج أن يكره أحد على الدخول فيه بل يدخل فيه كل ذي عقل سليم من تلقاء نفسه

دون إكراه ويدل على ذلك قوله : ( قد تبين الرشد من الغي ) أي قد تبين أن الإسلام رشد وأن الكفر غي ، فلا يفتقر بعد بيانه إلى إكراه "

انتهى من "التسهيل" (ص 135) .

وقال السعدي رحمه الله :

" هذا بيان لكمال هذا الدين الإسلامي، وأنه لكمال براهينه، واتضاح آياته، وكونه هو دين العقل والعلم، ودين الفطرة والحكمة، ودين الصلاح والإصلاح ، ودين الحق والرشد

فلكماله وقبول الفطرة له ، لا يحتاج إلى الإكراه عليه ؛ لأن الإكراه إنما يقع على ما تنفر عنه القلوب ، ويتنافى مع الحقيقة والحق ، أو لما تخفى براهينه وآياته ، وإلا فمن جاءه هذا الدين ، ورده ولم يقبله ، فإنه لعناده .

فإنه قد تبين الرشد من الغي ، فلم يبق لأحد عذر ولا حجة ، إذا رده ولم يقبله ، ولا منافاة بين هذا المعنى، وبين الآيات الكثيرة الموجبة للجهاد ،

فإن الله أمر بالقتال ليكون الدين كله لله ، ولدفع اعتداء المعتدين على الدين ، وأجمع المسلمون على أن الجهاد ماض مع البر والفاجر، وأنه من الفروض المستمرة الجهاد القولي والجهاد الفعلي

فمن ظن من المفسرين أن هذه الآية تنافي آيات الجهاد، فجزم بأنها منسوخة فقوله ضعيف، لفظا ومعنى، كما هو واضح بين لمن تدبر الآية الكريمة ، كما نبهنا عليه "

انتهى من "تفسير السعدي" (ص 954) .

وقال أيضا :

" ( قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ) يعني : وإذا تبين هذا من هذا لم يبق للإكراه محل

لأن الإكراه إنما يكون على أمر فيه مصلحة خفية ، فأما أمر قد اتضح أن مصالح وسعادة الدارين مربوطة ومتعلقة به ، فأي داع للإكراه فيه ؟.

ونظير هذا قوله تعالى: ( وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ) الكهف/ من الآية29 ، أيْ هذا الحق الذي قامت البراهين الواضحة على حقِّيَّته فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر "

انتهى من "القواعد الحسان" (ص 119) .

وقال الزرقاني رحمه الله :

" أما السيف ومشروعية الجهاد في الإسلام فلم يكن لأجل تقرير عقيدة في نفس ، ولا لإكراه شخص أو جماعة على عبادة ، ولكن لدفع أصحاب السيوف عن إذلاله واضطهاده

وحملهم على أن يتركوا دعوة الحق حرة طليقة ، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله " .

انتهى من "مناهل العرفان" (2 /406) .

وذهبت طائفة من أهل العلم أن هذه الآية خاصة بأهل الكتاب ومن في حكمهم كالمجوس ؛ فإنهم لا يكرهون على الدخول في الإسلام ؛ لقول الله عز وجل : (

قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ) التوبة/ 29 .

وقال ابن قدامة رحمه الله :

" وإذا أكره على الإسلام من لا يجوز إكراهه كالذمي والمستأمن ، فأسلم : لم يثبت له حكم الإسلام حتى يوجد منه ما يدل على إسلامه طوعا "

انتهى من "المغني" (10 /96) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

" فلا يصح كفر المكره بغير حق ، ولا إيمان المكره بغير حق ؛ كالذمي الموفى بذمته ، كما قال تعالى فيه ( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ) بخلاف المكره بحق

كالمقاتلين من أهل الحرب ، حتى يسلموا إن كان قتالهم إلى الإسلام ، أو إعطاء الجزية ، إن كان القتال على أحدهما "

انتهى من "الاستقامة" (2 /320) .

والمقصود أن الآية لا تعني إجبار الناس على الدخول في دين الله قهرا وقسرا ، ولكن تعني أن الإسلام سهل بيّن لا إكراه في الدخول فيه ؛ فمن دخل فيه كان من أهله

ومن لم يدخل فيه فإما أن يكون من أهل الذمة والعهد ، فهذا له ذمته وعهده ، وعليه دفع الجزية ، وإما أن يكون من المحاربين ، فهذا لا بد من محاربته وقتاله لئلا يفسد في الأرض ، وينشر بها الكفر والفساد .





.

*عبدالرحمن*
2019-02-27, 18:48
ثانيا :

قول الله تعالى عن نبيه سليمان عليه السلام : ( ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ ) النمل/ 37 لا ينافي ما تقدم

فنبي الله سليمان عليه السلام كان قد ملك الأرض

كما قال مجاهد رحمه الله :

" ملك الأرض مشرقها ومغربها أربعة نفر : مؤمنان وكافران ، فالمؤمنان : سليمان بن داود وذو القرنين ، والكافران : بختنصر ونمرود بن كنعان ، لم يملكها غيرهم "

"تفسير الطبري" (5 /433) .

والملك لا بد أن تكون له الطاعة ، وخاصة إذا أمر بما فيه الصلاح والخير كله للعباد وللبلاد من الإيمان بالله ونبذ الكفر ، فلا يجوز لأحد أن يخالفه في ذلك

ومن خالفه وجب قتاله ؛ لأنه يفسد المملكة وينشر الكفر والفساد في الأرض ويطيعه على ذلك غيره من الناس .
ثم إنه ليس في الآية إكراه ملكة بلقيس ولا غيرها على الإسلام

وإنما فيها قتالها هي وجندها ، وهي إنما أسلمت طواعية

لما رأت الآيات العظيمة التي أجراها الله على يديه ، لا خوفا من القتال والسيف ؛ كما في قوله تعالى : ( قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) النمل/ 44 .

وقد علم مما تقدم أن الأمر بالقتال لا يعني الإكراه على الإسلام .

ثالثا :

إذا افترضنا أنه هذه القصة تضمن إكراه سليمان عليه السلام

لملكة سبأ ومن معها على الدخول في شريعته التي أرسله الله بها ، كان هذا خاصة بشرع سليمان عليه السلام

وقد اختلف حكمه في شرعنا

وقد قال الله تعالى : ( لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ) المائدة/ 48

قال السعدي رحمه الله :

" وهذه الشرائع التي تختلف باختلاف الأمم ، هي التي تتغير بحسب تغير الأزمنة والأحوال ، وكلها ترجع إلى العدل في وقت شرعتها "

انتهى من "تفسير السعدي" (ص 234) .

ثم إن هذا الحكم ، الذي هو إقرار الذمي على دينه وذمته ، وعدم إكراهه على الدخول في دين الله

سوف يتغير في آخر الزمان ، حينما ينزل عيسى عليه السلام ، فيضع الجزية

ولا يقبل إلا الإسلام ، فيكثر الخير وتعم البركة الأرض ، وهو مما يدل على أن قتال المشركين الصادين عن دين الله من أعظم أسباب حصول الخير والبركة لعامة الناس وخاصتهم .

روى البخاري (2222) ومسلم (155) عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال

: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ ) .

قال النووي رحمه الله :

" قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَيَضَع الْجِزْيَة ) الصَّوَاب فِي مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَقْبَلهَا وَلَا يَقْبَل مِنْ الْكُفَّار إِلَّا الْإِسْلَام ، وَمَنْ بَذَلَ مِنْهُمْ الْجِزْيَة لَمْ يَكُفّ عَنْهُ بِهَا

بَلْ لَا يَقْبَل إِلَّا الْإِسْلَام أَوْ الْقَتْل . هَكَذَا قَالَهُ الْإِمَام أَبُو سُلَيْمَان الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره مِنْ الْعُلَمَاء رَحِمَهُمْ اللَّه تَعَالَى .

فَعَلَى هَذَا : قَدْ يُقَال : هَذَا خِلَاف حُكْم الشَّرْع الْيَوْم ؛ فَإِنَّ الْكِتَابِيّ إِذَا بَذَلَ الْجِزْيَة وَجَبَ قَبُولهَا وَلَمْ يَجُزْ قَتْله وَلَا إِكْرَاهه عَلَى الْإِسْلَام ؟

وَجَوَابه : أَنَّ هَذَا الْحُكْم لَيْسَ بِمُسْتَمِرٍّ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ، بَلْ هُوَ مُقَيَّد بِمَا قَبْل عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام ، وَقَدْ أَخْبَرَنَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة بِنَسْخِهِ وَلَيْسَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام هُوَ النَّاسِخ

بَلْ نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْمُبَيِّن لِلنَّسْخِ ؛ فَإِنَّ عِيسَى يَحْكُم بِشَرْعِنَا ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الِامْتِنَاع مِنْ قَبُول الْجِزْيَة فِي ذَلِكَ الْوَقْت هُوَ شَرْع نَبِيّنَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " انتهى .

والله تعالى أعلم

*عبدالرحمن*
2019-02-27, 18:52
ما حكم نسب الإنسان تعب غيره لنفسه؟

السؤال

أبي هو الأكبر بالنسبة لإخوته ، توفي والده وهو صغير ، ترك التعليم لكي يصرف على أمه وإخوته ال9 فعمل حمالا أي عامل في بدايته ، فكان يرسل المال إلى أهله في السودان

وهم يعيشون في ترف شديد بالنسبة لظروفهم ، ويصرفون مال والدي من دون تفكير ، ويطلبون المزيد ، وهو لا يقصر فيهم ، بل يفضل نفسه عليهم ، فزوج أبي أخواته كلهن .

ولكن عمي كان يقول للناس إنا الذي زوجت أخواتي ، وأنا الذي ساعدت ، وأنا لدي تجارة ، مع أنها تجارة والدي وماله !! فما حكم نسب عمي كل هده الأعمال لنفسه دون أن يشرك والدي

مع العلم أن أبي تكفل كل شيء يخص أهله ، ولكن لطالما نسب عمي الجهد لنفسه .

الجواب

الحمد لله

لا شك أن من نسب إلى نفسه ما ليس لها من الخير ، أو ادعى ما ليس عنده من الفضل ، فقد كذب على نفسه ، وكذب على الناس .

قال الله تعالى ( لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) آل عمران/188 .

قال الشيخ السعدي رحمه الله

: " أي: بالخير الذي لم يفعلوه ، والحق الذي لم يقولوه ، فجمعوا بين فعل الشر وقوله ، والفرح بذلك ومحبة أن يحمدوا على فعل الخير الذي ما فعلوه " .

انتهى من " تفسير السعدي" (ص 160) .

عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَقُولُ إِنَّ زَوْجِي أَعْطَانِي ، مَا لَمْ يُعْطِنِي ؟

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ )
.
رواه مسلم (2129) .

قال النووي رحمه الله :

قَالَ الْعُلَمَاء : مَعْنَاهُ الْمُتَكَثِّر بِمَا لَيْسَ عِنْده ، بِأَنْ يَظْهَر أَنَّ عِنْده مَا لَيْسَ عِنْده , يَتَكَثَّر بِذَلِكَ عِنْد النَّاس , وَيَتَزَيَّن بِالْبَاطِلِ , فَهُوَ مَذْمُوم كَمَا يُذَمّ مَنْ لَبِسَ ثَوْبَيْ زُور
.
قَالَ أَبُو عُبَيْد وَآخَرُونَ : هُوَ الَّذِي يَلْبَس ثِيَاب أَهْل الزُّهْد وَالْعِبَادَة وَالْوَرَع , وَمَقْصُوده أَنْ يَظْهَر لِلنَّاسِ أَنَّهُ مُتَّصِف بِتِلْكَ الصِّفَة , وَيَظْهَر مِنْ التَّخَشُّع وَالزُّهْد أَكْثَر مِمَّا فِي قَلْبه , فَهَذِهِ ثِيَاب زُور وَرِيَاء

وَقِيلَ : هُوَ كَمَنْ لَبِسَ ثَوْبَيْنِ لِغَيْرِهِ , وَأَوْهَمَ أَنَّهُمَا لَهُ ، وَقِيلَ : هُوَ مَنْ يَلْبَس قَمِيصًا وَاحِدًا وَيَصِل بِكُمَّيْهِ كُمَّيْنِ آخَرَيْنِ , فَيَظْهَر أَنَّ عَلَيْهِ قَمِيصَيْنِ

وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ قَوْلًا آخَر أَنَّ الْمُرَاد هُنَا بِالثَّوَابِ الْحَالَة وَالْمَذْهَب , وَالْعَرَب تَكْنِي بِالثَّوْبِ عَنْ حَال لَابِسه ,

وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ كَالْكَاذِبِ الْقَائِل مَا لَمْ يَكُنْ ، وَقَوْلًا آخَر أَنَّ الْمُرَاد الرَّجُل الَّذِي تُطْلَب مِنْهُ شَهَادَة زُور , فَيَلْبَس ثَوْبَيْنِ يَتَجَمَّل بِهِمَا , فَلَا تُرَدّ شَهَادَته لِحُسْنِ هَيْئَته ، وَاللَّه أَعْلَم .

فتأملي ، كيف أن الله عزو جل حذر من حال من يحب أن يمدحه الناس بما ليس فيه من الخير، وبين أن هذا لا ينفعه شيئا عند الله ، الذي يعلم السر وأخفى ، فمهما تستر به من الدعاوى الكاذبة ، لم يزده ذلك إلا فضيحة وسوء حال .

بل مهما تكثر به من ذلك الباطل ، لم يحصل في عاقبة أمره إلا على القلة والخسار :

عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( وَمَنْ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً لِيَتَكَثَّرَ بِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إِلَّا قِلَّةً ) متفق عليه ، واللفظ لمسلم .

وعلى كل حال ، فلا ينبغي ذلك أن يحزنك ، أو يحزن أباك ، لأن العبد المؤمن إنما ينفق ما أنفق

ويعطي ما أعطى لله ، لا لأجل أن يقول الناس قد أنفق وأعطى ، والله جل جلاله لا يضيع عنده مثقال ذرة ، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء .

نسأل الله أن يأجر أباك ، ويخلف له خيرا مما أنفق وأعطى .

والله أعلم

*عبدالرحمن*
2019-02-27, 18:58
هل ثبت أن فرعون كان بارا بأمه فلذا أمهله الله وأخر عقوبته ؟

السؤال

النبي موسى عليه السلام قام بالدعاء على فرعون 40 عاماً ، ولم تستجب دعوته ، رغم تجبر فرعون إلا بعد 40 عاماً..! والسبب : أن فرعون كان شديد البر بأمه

وبعد وفاتها استجاب الله دعوة موسى عليه السلام ، هل هذا الكلام صحيح ؟

الجواب

الحمد لله

أولا :

يقول الله عز وجل : ( وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ *

قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) يونس/88، 89 .

قال ابن جريج :

يقولون : إن فرعون مكث بعد هذه الدعوة أربعين سنة .

"تفسير الطبري" (15 /187) .

وكذا رُوي عن أبي جعفر محمد بن علي والضحاك .

انظر" التمهيد " (10 /301) .

وقال ابن الجوزي رحمه الله :

" كان بين الدعاء والإجابة أربعون سنة "

.انتهى من "زاد المسير" (4 /58) .

على أن الذي ذكره من ذكره من السلف : هو أنه كان بين دعوة موسى على فرعون ، وإجابة الله له : أربعون سنة ، لا أنه ظل يدعو عليه أربعين سنة ، حتى استجاب له .

ثانيا :

لا يعرف عن فرعون إلا الجبروت والعلوّ في الأرض : ادعى الألوهية ، وظلم بني إسرائيل

وسامهم سوء العذاب ، فحرمه الله من كل خير ، وأخذه نكال الآخرة والأولى ، وصار في الناس مثل السوء ، ومضرب الخزي والخسران في كل زمان .

ولا يعرف عنه بر بقريب ، ولا معروف في غريب ، ولا صلاح في قول ولا فعل .

وما يذكر عنه لعنه الله من كونه كان بارا بأمه وأن ذلك كان سبب تأخير العقوبة لا أصل له ، فيما نعلم ، ولا يعرف ذكر ذلك عن أحد من السلف ؛ بل لا يعرف عن أحد أنه ذكره بخير قط .

وما ذُكر آنفا من تأخير عقوبته أربعين سنة بعد أن دعا عليه موسى وهارون عليهما السلام - إن ثبت - فإنما هو من إملاء الله له ولقومه ، ليزدادوا إثما فتعظم عقوبتهم

كما قال تعالى : ( وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ) آل عمران 178

وقال تعالى : ( وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ) الأعراف: 182، 183 .

قال السعدي رحمه الله :

" أي : أمهلهم حتى يظنوا أنهم لا يؤخذون ولا يعاقبون ، فيزدادون كفرا وطغيانا وشرا إلى شرهم ، وبذلك تزيد عقوبتهم ، ويتضاعف عذابهم ، فيضرون أنفسهم من حيث لا يشعرون "

انتهى من "تفسير السعدي" (ص 310) .

وقال تعالى : ( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ) الأنعام/ 44 .

وروى البخاري (4686) ومسلم (2583) عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ ) قَالَ ثُمَّ قَرَأَ

: ( وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ) .

كما أن من حكمة ذلك أن يمحص الله الذين آمنوا

كما قال تعالى : ( إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ) آل عمران/140،141 .

والله أعلم .

و اخيرا

الحمد لله الذي بفضلة تتم الصالحات

اخوة الاسلام

اكتفي بهذا القدر و لنا عوده
ان قدر الله لنا البقاء و اللقاء

و اسال الله ان يجمعني بكم دائما
علي خير

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين

*عبدالرحمن*
2019-02-28, 16:52
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)
اخوة الاسلام

أحييكم بتحية الإسلام
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)


تفسير قوله تعالى: ( طيراً أبابيل )

السؤال

ما المقصود بما في الآية الكريمة " أبابيل " ؟

الجواب

الحمد لله

" أبابيل " جاء ذكرها في سورة "الفيل"

: قال تعالى: ( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ) الفيل/1 ، 5 .

قال الواحدي رحمه الله :

" نزلت في قصة أصحاب الفيل وقصدهم تخريب الكعبة ، وما فعل الله تعالى بهم من إهلاكهم وصرفهم عن البيت ، وهي معروفة " .

انتهى من " أسباب النزول " للواحدي (ص 306) .

وقد اختلف في معنى كلمة أبابيل ، على أقوال :

فقال ابن عباس، والضحاك : يتبع بعضها بعضاً.

وقال الحسن البصري وقتادة : الأبابيل : الكثيرة.

وقال مجاهد : أبابيل : شتى متتابعة مجتمعة.

وقال ابن زيد : الأبابيل : المختلفة ، تأتي من هاهنا، ومن هاهنا، أتتهم من كل مكان .

ينظر : "تفسير ابن كثير" (8/487) .

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله :

" وَعِنْد الطَّبَرِيّ بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ عِكْرِمَة أَنَّهَا كَانَتْ طَيْرًا خُضْرًا خَرَجَتْ مِنْ الْبَحْر ، لَهَا رُءُوس كَرُءُوسِ السِّبَاع .

وَلِابْنِ أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق عُبَيْد بْن عُمَيْر بِسَنَدٍ قَوِيّ : " بَعَثَ اللَّه عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَنْشَأَهَا مِنْ الْبَحْر كَأَمْثَالِ الْخَطَاطِيف فَذَكَرَ نَحْو مَا تَقَدَّمَ "

انتهى من " فتح الباري " (12/207) .

واختار الإمام الطبري رحمه الله

أن معنى " أبابيل " يشمل ذلك كله ؛ قال : " يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ طَيْرًا مُتَفَرِّقَةً، يَتَّبِعُ بَعْضُهَا بَعْضًا مِنْ نَوَاحٍ شَتَّى " .

انتهى من"تفسير الطبري" (24/627) .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-28, 16:56
تفسير قوله تعالى : ( وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ )

السؤال

ما معنى أول ثلاث آيات من سورة الطارق؟

حيث إني وجدت لها تفاسير مختلفة ومتنوعة

. ( والسماء والطارق وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب ) الطارق / 1-3 .

الجواب

الحمد لله

قال الله تعالى في أول سورة الطارق :

( وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ )

يقسم سبحانه بالسماء والطارق ، والطارق هو النجم الثاقب ، أي : المضيء ، الذي يثقب نوره ، فيخرق السماوات فينفذ حتى يُرى في الأرض ، وهو اسم جنس يشمل سائر النجوم الثواقب .

"تفسير السعدي" (ص 919) .

قال الطبري رحمه الله في "تفسيره" (24/351) :

" أقسم ربنا بالسماء ، وبالطارق الذي يطرق ليلا من النجوم المضيئة ، ويخفى نهارًا ، وكل ما جاء ليلا فقد طرق " انتهى .

وقال قتادة وغيره :

" إنما سمي النجم طارقا ؛ لأنه إنما يرى بالليل ويختفي بالنهار " .

انتهى من " تفسير ابن كثير" (8 /374) .

وقال ابن القيم رحمه الله :

" أقسم سبحانه بالسماء ونجومها المضيئة وكل منها آية من آياته الدالة على وحدانيته ، وسمى النجم طارقا لأنه يظهر بالليل بعد اختفائه بضوء الشمس ، فشبه بالطارق الذي يطرق الناس أو أهلا ليلا ،

قال الفراء : ما أتاك ليلا فهو طارق ، وقال الزجاج والمبرد : لا يكون الطارق نهارا "

انتهى من "التبيان في أقسام القرآن" (ص 63) .

وقال الطبري أيضا (24/352) :

" ( وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ ) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وما أشعرك يا محمد ما الطارق الذي أقسمتُ به ؟ ثم بين ذلك جلّ ثناؤه فقال : هو النجم الثاقب ، يعني : يتوقد ضياؤه ويتوهَّج " انتهى .

قال ابن كثير رحمه الله :

" وقوله : ( الثاقب ) قال ابن عباس : المضيء ، وقال السدي : يثقب الشياطين إذا أرسل عليها ، وقال عكرمة : هو مضيء ومحرق للشيطان "

انتهى من "تفسير ابن كثير" (8 /375) .

وأما الأمر الذي أقسم الله جل جلاله بهذه الآيات الباهرة ، على أنه حاصل وكائن لا محالة ، فهو قوله تعالى بعد ذلك ( إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ) .

قال ابن كثير رحمه الله (8/375) :

" أي: كل نفس عليها من الله حافظ يحرسها من الآفات ، كما قال تعالى : ( لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ) الرعد/11 " .

وقال ابن القيم رحمه الله :

" والمقسم عليه ههنا حال النفس الإنسانية ، والاعتناء بها ، وإقامة الحفظة عليها

وأنها لم تترك سدى ، بل قد أرصد عليها من يحفظ عليها أعمالها ويحصيها . فأقسم سبحانه أنه ما من نفس إلا عليها حافظ من الملائكة يحفظ عملها وقولها ويحصي ما تكتسب من خير أو شر " .

انتهى من "التبيان في أقسام القرآن" (ص 64) .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-28, 17:00
لماذا تشهد أعضاء العبد عليه يوم القيامة وقد قامت الحجة عليه بكتابة الملكين ؟

السؤال

سألني رجل كيف يكون إنسان واقفا أمام ربه في الآخرة ، ثم تتكلم أعضاؤه ؟

فلماذا وضع الملكان اللذان هما على كتفي الإنسان ؟

ثم إن الله يعلم كل هذه الذنوب بدون ملكين ؟

الجواب

الحمد لله

لا شك أن الله يعلم ما الخلق عاملوه قبل أن يخلقهم

وقد روى مسلم (4797) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ) .

وروى أبو داود (4078) عن عُبَادَة بْن الصَّامِتِ قال : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ( إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ فَقَالَ لَهُ اكْتُبْ قَالَ رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ ؟

قَالَ اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ ) وصححه الألباني في " صحيح أبي داود ".

والله تعالى خلق الخلق ليعبدوه ويوحدوه ، فأرسل الرسل وأنزل الكتب ونصب الحجج وأقام البراهين والآيات البينات ، فأمرهم ونهاهم ورغبهم ورهبهم ،

وجعل عليهم ملائكة حفظة يكتبون ما يقولون ويفعلون ، حتى إذا بعثهم يوم القيامة دفع لكل واحد منهم كتابه

قال تعالى : ( وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ) الإسراء/ 13، 14

فيشهد الرب عليه وهو خير الشاهدين ، وتشهد عليه كتبته الحافظون ، ويشهد عليه الناس ، بل وتشهد عليه الأرض ، ثم تشهد عليه أعضاؤه بما كان من عمله

فتقوم الحجة البالغة للرب تعالى على جميع خلقه ، فلا يدخل داخل منهم النار إلا وهو يعلم أن النار أولى به من الجنة ، وأنه يدخلها مستحقا أن يكون من أهلها فلا عذر له عند الله .

وإنما تشهد على الكافر والمنافق أعضاؤه بما كان من عمله لأنه ينافح يومئذ عن نفسه بكل ما يستطيع ، ويكذب على الله ، ويتبرأ من عمله ويتنصل منه ، ويدعي أنه كان يعمل الصالحات

ويتهم ملائكة الرحمن بأنهم كتبوا عليه ما لم يعمل ؛ لما يرى من سوء الحال وأنه إن أقر هلك لا محالة

فلا يزال ينافح ويكذب ويدفع حتى تشهد عليه أعضاؤه ، وتتكلم بما كان من عمله السيئ الذي كان عليه في الدنيا . وحينئذ لا تبقى له حجة عند نفسه

وذلك أن الله تعالى يقول : ( قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ) الأنعام/ 149 .

قال ابن جرير رحمه الله :

" ويعني بـ( البالغة ) أنها تبلغ مراده في ثبوتها على من احتج بها عليه من خلقه ، وقطع عذره إذا انتهت إليه فيما جعلت حجة فيه " .

"تفسير الطبري" (12 /212)

وروى مسلم (5270) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في محاسبة الله للعبد يوم القيامة قال :
( ... ثُمَّ يَلْقَى الثَّانِيَ فَيَقُولُ :

أَيْ فُلْ – يعني يا فلان - أَلَمْ أُكْرِمْكَ وَأُسَوِّدْكَ وَأُزَوِّجْكَ وَأُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ وَأَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ ؟

فَيَقُولُ بَلَى أَيْ رَبِّ فَيَقُولُ أَفَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلَاقِيَّ؟ فَيَقُولُ لَا . فَيَقُولُ : فَإِنِّي أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي ، ثُمَّ يَلْقَى الثَّالِثَ فَيَقُولُ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ فَيَقُولُ : يَا رَبِّ آمَنْتُ بِكَ وَبِكِتَابِكَ وَبِرُسُلِكَ وَصَلَّيْتُ وَصُمْتُ وَتَصَدَّقْتُ وَيُثْنِي بِخَيْرٍ مَا اسْتَطَاعَ

فَيَقُولُ : هَاهُنَا إِذًا ، قَالَ : ثُمَّ يُقَالُ لَهُ : الْآنَ نَبْعَثُ شَاهِدَنَا عَلَيْكَ ، وَيَتَفَكَّرُ فِي نَفْسِهِ : مَنْ ذَا الَّذِي يَشْهَدُ عَلَيَّ ؟

فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ وَيُقَالُ لِفَخِذِهِ وَلَحْمِهِ وَعِظَامِهِ : انْطِقِي ، فَتَنْطِقُ فَخِذُهُ وَلَحْمُهُ وَعِظَامُهُ بِعَمَلِهِ ، وَذَلِكَ لِيُعْذِرَ مِنْ نَفْسِهِ ، وَذَلِكَ الْمُنَافِقُ وَذَلِكَ الَّذِي يَسْخَطُ اللَّهُ عَلَيْهِ ) .

وروى مسلم (5271) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : " كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضَحِكَ فَقَالَ هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ أَضْحَكُ ؟ قَالَ قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ .قَالَ : مِنْ مُخَاطَبَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ يَقُولُ : يَا رَبِّ أَلَمْ تُجِرْنِي مِنْ الظُّلْمِ ؟

قَالَ يَقُولُ بَلَى . قَالَ فَيَقُولُ فَإِنِّي لَا أُجِيزُ عَلَى نَفْسِي إِلَّا شَاهِدًا مِنِّي

قَالَ فَيَقُولُ : كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيدًا ، وَبِالْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ شُهُودًا . قَالَ فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ فَيُقَالُ لِأَرْكَانِهِ : انْطِقِي . قَالَ فَتَنْطِقُ بِأَعْمَالِهِ قَالَ ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلَامِ قَالَ فَيَقُولُ : بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُنَاضِلُ " .

قال ابن الجوزي رحمه الله :

" المناضلة الرمي بالسهام والمراد بها هاهنا المدافعة عنها والاعتذار " .

انتهى "كشف المشكل" (ص 874) .

فتنطق أعضاؤه بما كان من عمله ليزول عذره تماما ، وتقوم الحجة البالغة لله تعالى عليه .

قال التوربشتي رحمه الله :

" والمعنى : ليزيل الله عذره من قبل نفسه بكثرة ذنوبه وشهادة أعضائه عليه بحيث لم يبق له عذر يتمسك به " ا

نتهى من "مرقاة المفاتيح" للملا علي القاري (16 /127) .

وقال الحميدي رحمه الله :

" أي لتقوم الحجة عليه بشهادة أعضائه عليه ، يقال أعذر فلان من نفسه ، إذا أُتِيَ من نفسه ، كأنها هي التي قامت بعذر مَن لامها ، ومن ذلك قوله : ( لن يهلك الناس حتى يُعذِروا من أنفسهم )

أي حتى تكثر ذنوبهم وعيوبهم ، فتقوم الحجة عليهم ، ويكون العذر واضحا لمن يعاقبهم "

انتهى من "تفسير غريب ما في الصحيحين" (ص 171) .

والحاصل :

أن علم الله تعالى سابق بعمل عبده كله ، وقد كتب ذلك كله في اللوح المحفوظ ، ثم كتب عليه أيضا وهو في بطن أمه ، لكن حساب الله لعباده لا يكون على سابق علمه فيهم ،

بل على ما عملوه فعلا ، فإذا عمله العبد : كتبت الملائكة عليه ما عمل ؛ فإذا كان يوم القيامة ، أنكر بعض العباد ما كتبته الملائكة ، وذاك المنافق كما مر في الحديث

ولا يرضى شاهدا إلا من نفسه ، فيأمر الله جوارحه أن تنطق بما عمل ، ولا يستطيع هو أن ينكر شهادة جوارحه ، فتقوم الحجة البالغة لله على عبده يوم القيامة ، وينقطع عذرهم عنده .

راجع إجابة السؤال القادم

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-28, 17:09
ما الحكمة من كتابة الله تعالى لمقادير الخلق في اللوح المحفوظ وهو لا يضل ولا ينسى ؟

السؤال

كنت في السابق ملحدة ، وكانت تأتيني بعض الشبَه ، ولم أكن أجد لها جواباً ، ومنها : لماذا كَتب الله كل شيء في اللوح المحفوظ مع أن الله لا يضل ولا ينسى ، فكيف هذا ؟

الجواب

الحمد لله

أولاً:

يعتقد المسلم الذي آمن بالله تعالى ربّاً أنه تبارك وتعالى الحكيم في فعله ، وشرعه ، وحُكمه , ويعتقد المسلم أنه ثمة حكَماً جليلة في أفعاله ، وتشريعاته ، منها ما يُعرف , ومنها ما استأثر الله بعلمه .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - :

الحمد لله رب العالمين ، قد أحاط ربنا سبحانه وتعالى بكل شيء علماً ، وقدرةً ، وحُكماً , ووسع كل شيء رحمةً ، وعلماً ، فما من ذرة في السموات والأرض ، ولا معنى من المعاني

إلا وهو شاهد لله تعالى بتمام العلم والرحمة ، وكمال القدرة والحكمة , وما خلق الخلق باطلاً , ولا فعل شيئاً عبثاً ، بل هو الحكيم في أفعاله وأقواله ، سبحانه وتعالى

ثم من حكمته ما أطلع بعض خلقه عليه ، ومنه ما استأثر سبحانه بعلمه .

" الفتاوى الكبرى " ( 8/197 ) .

وينظر : " شفاء العليل " لابن القيم ( ص 190 ) .

وكثير من الحكَم والمقاصد استأثر الله بعلمها وحكمتها

وانظر جواب السؤال القادم ففيه زيادة بيان مهمة .

ثانياً:

مما لا شك فيه : أن الله سبحانه وتعالى علِم ما يكون من الخلق

فكتب ذلك في اللوح المحفوظ , فعلمه تعالى سابق على كتابته ، وقد ذكر العلماء أن القدر له أربع مراتب : العلم ، ثم الكتابة ، ثم المشيئة ، ثم الخلق –

فالمرتبة الثانية من مراتب القدَر : كتابة مقادير كل شيء ، فالمخلوقات مهما عظم شأنها ، أو دق : قد كتب الله ما يخصها في اللوح المحفوظ ، من خلق وإيجاد ونشأة وإعداد وإمداد

إلى غير ذلك

كما قال تعالى : ( أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ) الحج/ 70 ، وقال : ( وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) النمل/ 75

وقال تعالى : ( وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ) فاطر/ 11 ، والآيات في ذلك كثيرة .

وقد يقال في حكمة ذلك أمور ، منها :

1. إثبات علم الله السابق على تلك الكتابة ، وأنه علم لا يتبدل ، ولا يتغير

وهو جواب موسى عليه السلام في حواره مع فرعون حيث سأل فرعون عن القرون السابقة ما حالهم هل هم في النار أم لا ، فأجابه موسى أن علم حالهم عند الله

وهو في اللوح المحفوظ ، وأعلمه أن وجود ذلك العلم في اللوح هو مع اتصاف ربه تعالى بالاستغناء عنه ، وأنه سبحانه لا يتصف بالنسيان ، ولا بالخطأ ، كما هو حال البشر

قال تعالى : ( قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى . قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى ) طـه/ 51 ، 52 .

2. تطمين العبد المسلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه ، ففيه التسليم لقضاء الله

والرضى بقدره .

قال الله تعالى : ( مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) الحديد/22.

قال أبو حيان رحمه الله :

" ثم بين تعالى الحكمة في إعلامنا بذلك الذي فعله من تقدير ذلك ، وسبق قضائه به فقال : لكيلا تأسوا : أي تحزنوا ، على ما فاتكم ، لأن العبد إن أعلم ذلك سلم ، وعلم أن ما فاته لم يكن ليصيبه

وما أصابه لم يكن ليخطئه ، فلذلك لا يحزن على فائت ، لأنه ليس بصدد ألا يفوته ، فهون عليه أمر حوادث الدنيا بذلك ، إذ قد وطن نفسه على هذه العقيدة "

انتهى من "البحر المحيط" (10/238) .

وقد أشار صحابي جليل إلى هذه الحكمة ، فعَنْ أَبِي حَفْصَةَ قَالَ : قَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ لِابْنِهِ : يَا بُنَيَّ إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ طَعْمَ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ

سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ

فَقَالَ لَهُ اكْتُبْ قَالَ رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ قَالَ اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ ) يَا بُنَيَّ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ هَذَا فَلَيْسَ مِنِّي ) .

رواه أبو داود ( 4700 ) ، وصححه الألباني في " صحيح أبي داود " .

3. وفيه بيان لمشيئة الله النافذة التي لا راد لها ، ولا معقب لحكمه . وإليه الإشارة في حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

( وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ ، رُفِعَتِ الأَقْلاَمُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ ) .

رواه الترمذي ( 2516 ) وصححه الألباني في " صحيح الترمذي " .

4. إثبات عظيم قدرة الله ، وكماله ، وإقامة الحجة على الخلق .

ومما لا شك فيه أن كتابة مقادير الخلائق ، وصفاتها ، وأحوالها ، صغيرها وكبيرها ، رطبها ويابسها : أمر عظيم ، وقد بيَّن الله تعالى أنه عليه يسير ؛ إثباتاً لعظيم صفاته ، وكمال جلاله

قال تعالى : ( أَلمْ تَعْلمْ أَنَّ اللهَ يَعْلمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلكَ عَلى اللهِ يَسِيرٌ ) الحج/ 70

وقال الله تعالى : ( وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) الأنعام/59 .

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله :

" هذه الآية العظيمة من أعظم الآيات تفصيلا لعلمه المحيط ، وأنه شامل للغيوب كلها التي يطلع منها ما شاء من خلقه ، وكثير منها طوى علمه عن الملائكة المقربين والأنبياء المرسلين

فضلا عن غيرهم من العالمين ، وأنه يعلم ما في البراري والقفار من الحيوانات والأشجار ، والرمال والحصى والتراب ، وما في البحار من حيواناتها ومعادنها وصيدها ، وغير ذلك مما تحتويه أرجاؤها ، ويشتمل عليه ماؤها.

وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ من أشجار البر والبحر، والبلدان والقفر، والدنيا والآخرة إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرْضِ من حبوب الثمار والزروع

وحبوب البذور التي يبذرها الخلق ؛ وبذور النوابت البرية التي ينشئ منها أصناف النباتات .

وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ هذا عموم بعد خصوص .

إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ وهو اللوح المحفوظ ، قد حواها واشتمل عليها ، وبعض هذا المذكور، يبهر عقول العقلاء ، ويذهل أفئدة النبلاء ، فدل هذا على عظمة الرب العظيم وسعته في أوصافه كلها

وأن الخلق -من أولهم إلى آخرهم- لو اجتمعوا على أن يحيطوا ببعض صفاته لم يكن لهم قدرة ولا وسع في ذلك ، فتبارك الرب العظيم ، الواسع العليم ، الحميد المجيد ، الشهيد المحيط

وجل مِنْ إله، لا يحصي أحد ثناء عليه ، بل كما أثنى على نفسه ، وفوق ما يثني عليه عباده . فهذه الآية دلت على علمه المحيط بجميع الأشياء ، وكتابه المحيط بجميع الحوادث "

. انتهى . "تفسير السعدي" (259) .

5. ومن حكَم الكتابة في اللوح المحفوظ : تعليم الخلق الكتابة ، والتدوين ،

وأنه إذا كان الخالق المتصف بصفات الجلال ، والكمال ، والمنزه عن الخطأ والنسيان قد كتب علمه ودوَّنه : فالإنسان صاحب النسيان والخطأ أولى بالكتابة .

قال القرطبي – رحمه الله –

في تفسير آية سورة " طه " ( قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى ) - :

هذه الآية ونظائرها - مما تقدم ، ويأتي - تدل على تدوين العلوم ، وكتْبها ؛ لئلا تُنسى ، فإنَّ الحفظ قد تعتريه الآفات ، من الغلط ، والنسيان

وقد لا يحفظ الإنسان ما يسمع ، فيقيده ؛ لئلا يذهب عنه ، وروِّينا بالإسناد المتصل عن قتادة أنه قيل له : أنكتب ما نسمع منك ؟ قال : وما يمنعك أن تكتب

وقد أخبرك اللطيف الخبير أنه يكتب ، فقال : ( عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى ) ... .

" تفسير القرطبي " ( 11 / 205 ، 206 ) .

وبعد ، فلتعلمي – أيتها الأخت السائلة – أنه لا ينبغي لك أن تشتغلي بالشبهات ، والانسياق وراءها ، ودين الله تعالى فيه من الآيات البينات ما لا يخفى على عاقل ، فانشغلي بطلب العلم

وقراءة القرآن ، وتدبر آياته ، واقرئي كتب أهل العلم الراسخين ، ولا تنشغلي بالوساوس ، والشبهات ؛ فإنها مهلكات ، فإذا قوي إيمانكِ ، ورسخ علمكِ : صار قلبك أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا ، فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ !!

واحمدي الله تعالى أن نجاك من الإلحاد ، واستعيني بالله ربك على ثبات دينكِ ، والفوز بمرضاته تعالى .

والله أعلم

*عبدالرحمن*
2019-02-28, 17:13
لماذا نصلي خمس صلوات

السؤال

قرأت في القرآن أن الإنسان يجب أن يصلي ثلاث مرات قبل الشروق وبعد الغروب ووسط النهار فلماذا نصلي 5 مرات ؟

أرجو أن لا تعطي لي القصة التي تدل أنه كان المفروض 50000 صلاة ثم خفضت إلى 5 أريد إجابة مقنعة .

الجواب

الحمد لله

1- ما جاء في السؤال من حيث عدد الصلوات خطأ ، فقد كانت ( 50 ) ثم نسخت إلى ( 5 ) صلوات تخفيفاً من رب العالمين على المسلمين .

2- تنقسم الأحكام الشرعية إلى قسمين : منها ما هو معقول المعنى ، ومنها ما هو تعبدي محض وحكمته تخفى علينا ولم تذكر في كتاب ولا في سنة .

ومثال الأول :

تحريم الخمر والميسر

وقد ذكر الله تعالى لنا حكمة تحريمها وهي : ( إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ) المائدة/91

ومثلها كثير من الأحكام .

ومثال الثاني : كون صلاة الظهر عند زوال الشمس ، وطواف المسلم حول الكعبة وهي عن يساره وكون نصاب الذهب ربع العشر ، وكون صلاة المغرب ثلاث ركعات . ومثلها كثير من الأحكام .

وما جاء في السؤال هو من القسم الثاني ، وهو ما لم نعلم حكمته من الكتاب ولا من السنة ، فوجب التسليم لأمر الله تعالى ، وهكذا ستتكرر الأسئلة في الأحكام جميعها .

فالواجب أن يقف المسلم عند ما أبهم الله حكمته ويقول كما يقول المؤمنون ( سمعنا وأطعنا ) وأن لا يكون كبني إسرائيل الذين قالوا ( سمعنا وعصينا )

والوقوف عند قوله تعالى ( لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ) الأنبياء/23

خير له في دينه ودنياه فهو عبد وله ربّ وليس للعبد أن يسأل الرب لم حكم ؟

بل الواجب أن يمتثل لأمره سبحانه ، فإن أعلمنا عملنا ، وإن لم يعلمنا عملنا أيضاً .

3- في " الموسوعة الفقهية الكويتية " (1/49-51)

كلام نفيس ننقله للفائدة :

نقسم مسائل الفقه من حيث إدراك حكمة التشريع فيه أو عدم إدراكها إلى قسمين :

أولهما : أحكام معقولة المعنى , وقد تسمى أحكاما معللة , وهي تلك الأحكام التي تدرك حكمة تشريعها , إما للتنصيص على هذه الحكمة , أو يسر استنباطها .

وهذه المسائل هي الأكثر فيما شرع الله سبحانه وتعالى , وذلك كتشريع الصلاة والزكاة والصيام والحج في الجملة , وكتشريع إيجاب المهر في النكاح , والعدة في الطلاق والوفاة ,

ووجوب النفقة للزوجة والأولاد والأقارب , وكتشريع الطلاق عندما تتعقد الحياة الزوجية .

. . إلى آلاف المسائل الفقهية . وثانيهما : أحكام تعبدية , وهي تلك الأحكام التي لا تدرك فيها المناسبة بين الفعل والحكم المرتب عليه , وذلك كعدد الصلوات وعدد الركعات وكأكثر أعمال الحج .

ومن رحمة الله سبحانه وتعالى أن هذه الأحكام قليلة بالنسبة إلى الأحكام المعقولة المعنى .

وتشريع هذه الأحكام التعبدية إنما يراد به اختبار العبد هل هو مؤمن حقا ؟

ومما ينبغي أن يعلم في هذا المقام أن الشريعة في أصولها وفروعها لم تأت بما ترفضه العقول

, ولكنها قد تأتي بما لا تدركه العقول , وشتان بين الأمرين , فالإنسان إذا اقتنع - عقليا - بأن الله موجود , وأنه حكيم , وأنه المستحق وحده للربوبية دون غيره , واقتنع - عقليا -

بما شاهد من المعجزات والأدلة - بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم المبلغ عنه فإنه بذلك قد أقر لله سبحانه وتعالى بالحاكمية والربوبية , وأقر على نفسه بالعبودية ,

فإذا ما أُمِرَ بأمر , أو نهي عن شيء , فقال : لا أمتثل حتى أعرف الحكمة فيما أمِرْتُ به أو نهيتُ عنه , يكون قد كذب نفسه في دعوى أنه مؤمن بالله ورسوله ,

فإن للعقول حدا ينتهي إليه إدراكها , كما أن للحواس حدا تقف عنده لا تتجاوزه .

وما مثل المتمرد على أحكام الله تعالى التعبدية إلا كمثل مريض ذهب إلى طبيب موثوق بعلمه وأمانته , فوصف له أنواعا من الأدوية , بعضها قبل الأكل وبعضها أثناءه وبعضها بعده مختلفة المقادير ,

فقال للطبيب : لا أتعاطى دواءك حتى تبين لي الحكمة في كون هذا قبل الطعام وهذا بعده , وهذا أثناءه , ولماذا تفاوتت الجرعات قلة وكثرة

؟ فهل هذا المريض واثق - حقا - بطبيبه ؟ فكذلك من يدعي الإيمان بالله ورسوله , ثم يتمرد على الأحكام التي لا يدرك حكمتها , إذ المؤمن الحق إذا أمر بأمر أو نهي عنه يقول سمعت وأطعت ,

ولا سيما بعد أن بينا أنه ليس هناك أحكام ترفضها العقول السليمة , فعدم العلم بالشيء ليس دليلا على نفيه , فكم من أحكام خفيت علينا حكمتها فيما مضى ثم انكشف لنا ما فيها من حكمة بالغة ,

فقد كان خافيا على كثير من الناس حكمة تحريم لحم الخنزير

, ثم تبين لنا ما يحمله هذا الحيوان الخبيث من أمراض وصفات خبيثة أراد الله سبحانه وتعالى أن يحمي منها المجتمع الإسلامي . ومثل ذلك يقال في الأمر بغسل الإناء الذي ولغ فيه الكلب سبع مرات إحداهن بالتراب .

. إلى غير ذلك من الأحكام التي تكشف الأيام عن سر تشريعها وإن كانت خافية علينا الآن .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-28, 17:18
لِمَ ذكرت آية القذف " النساء المحصنات " ولم تذكر الرجال ؟

السؤال

قرأت أن حد القذف واحد ، سواء كان المقذوف رجلا أو امرأة ، أريد أن أعرف ما الحكمة إذا من ورود آيات القذف باللفظ المؤنث : " الذين يرمون المحصنات" ؟

ومن أين استنتجنا أن الحكم في قذف الرجل هو نفسه الحكم في قذف المرأة إذا كانت الآيات تكلمت فقط عن قذف النساء ؟

الجواب

الحمد لله

أولا :

قال الله تعالى : ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) النور/ 4، 5 .

ذكرت الآية المحصنات من النساء ولم تذكر الرجال ، وقد أجمع العلماء على أن قذف الرجال داخل في حكم الآية .

قال ابن كثير رحمه الله :

" هذه الآية الكريمة فيها بيان حكم جلد القاذف للمحصنة ، وهي الحرة البالغة العفيفة ، فإذا كان المقذوف رجلا فكذلك يجلد قاذفه أيضا ، ليس في هذا نزاع بين العلماء " .

انتهى "تفسير ابن كثير" (6 /13) .

ثانيا :

أما الجواب عن الآية في ذكر النساء فقط دون الرجال : فللعلماء عن ذلك أجوبة متعددة :

- فقيل : إنما ذكر النساء دون الرجال لأن قذفهن أكثر وأشنع .

قال ابن جزي رحمه الله :

" والمحصنات يراد بهن هنا العفائف من النساء ، وخصهن بالذكر لأن قذفهن أكثر وأشنع من قذف الرجال ، ودخل الرجال في ذلك بالمعنى ، إذ لا فرق بينهم ، وأجمع العلماء على أن حكم الرجال والنساء هنا واحد "

انتهى من "التسهيل" (ص 1214) .

وينظر:"فتح القدير" للشوكاني (4 /11)

و"تفسير الثعالبي" (3 /109) .

- وقيل : المراد بالمحصنات في الآية (الأنفس المحصنات) ؛ فتعم بذلك الرجال والنساء .

قال ابن حزم رحمه الله :

" قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : بَلْ نَصُّ الْآيَةِ عَامٌّ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى النُّفُوسَ الْمُحْصَنَاتِ

قَالُوا : وَبُرْهَانُ هَذَا الْقَوْلِ وَدَلِيلُ صِحَّتِهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِي مَكَان آخَرَ ( وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ ) قَالُوا : فَلَوْ كَانَتْ لَفْظَةُ " الْمُحْصَنَاتُ " لَا تَقَعُ إلَّا عَلَى النِّسَاءِ

لَمَا كَانَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى " مِنْ النِّسَاءِ " مَعْنًى ، وَحَاشَ لِلَّهِ مِنْ هَذَا

فَصَحَّ أَنَّ الْمُحْصَنَاتِ يَقَعُ عَلَى النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى مُرَادَهُ هُنَالِكَ بِأَنْ قَالَ " مِنْ النِّسَاءِ " ، وَأَجْمَلَ الْأَمْرَ فِي آيَةِ الْقَذْفِ إجْمَالًا ، قَالَ ابن حزم رحمه الله : وَهَذَا جَوَابٌ حَسَنٌ " .

انتهى من "المحلى" (12/227-228) .

وينظر: "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (12 /172)

و"التسهيل" لابن جزي (ص 1214) .

- وقيل : تخصيص النساء هنا لخصوص الواقعة ، ومراعاة قصة كانت سبب نزول الآية ، ثم يكون الحكم بالعلة الجامعة والمعنى المشترك الذي يمنع تخصيص النساء دون الرجال .

قال الألوسي رحمه الله :

" والظاهر أن المراد النساء المحصنات ، وعليه يكون ثبوت وجوب جلد رامي المحصن بدلالة النص ، للقطع بإلغاء الفارق ، وهو صفة الأنوثة

واستقلال دفع عار ما نسب إليه بالتأثير ؛ بحيث لا يتوقف فهمه على ثبوت أهلية الاجتهاد

وكذا ثبوت وجوب جلد رامية المحصن أو المحصنة بتلك الدلالة ، وإلا فالذين يرمون للجمع المذكر ، وتخصيص الذكور في جانب الرامي ، والإناث في جانب المرمي ، لخصوص الواقعة " انتهى .

"تفسير الألوسي" (13 /327)

. وينظر : "التحرير والتنوير" لابن عاشور (18 /159) .

والله تعالى أعلم .

يراجع جواب السؤال القادم

*عبدالرحمن*
2019-02-28, 17:20
من قال للقيط: يا ابن الزنا فعليه حد القذف

السؤال

لدي سؤال بخصوص اللقيط فقد سمعت محاضرة حول هذه الفئة وجاء فيها أن اللقيط إذا قال له أحد بعينه :

يا ابن الزنا أو يا ابن الحرام يحق لهذا اللقيط من الناحية الشرعية رفع دعوى قضائية في المحكمة على من قال له ذلك ويقام على القائل الحد ويجلد وذلك لأن كونه لقيطاً هذا ليس دليلاً شرعياً على هذه التهمة

فلذلك يستوجب ذلك إقامة الحد لأنه داخل في القذف ، دون دليل شرعي من القائل. فهل ما جاء في المحاضرة صحيح أم هناك خلاف بين العلماء بخصوص إقامة الحد في هذه المسألة؟

الجواب

الحمد لله

اللَّقِيطُ هو الطفل الذي يوجد مرمياً على الطرق لا يعرف أبوه ولا أمه .

وتعريفات العلماء له من المذاهب الأربعة لا تخرج عن هذا التعريف .

انظر : "الموسوعة الفقهية" (35/310) .

فليس من اللازم أن يكون اللقيط ابن زنا ، لاحتمال أن يكون ضاع من أهله أو نبذوه خوفاً من الفقر أو لسبب آخر غير الزنا .

فمن قذفه – وكان اللقيط محصنا- فقد قذف مسلماً محصناً ، ولم يأت على قذفه ببينة شرعية وهي أربعة شهود ، فيجب عليه حد القذف .

قال الله تعالى : ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) النور/4 .

قال ابن كثير :

" هذه الآية الكريمة فيها بيان حكم جلد القاذف للمحصنة ، وهي الحرة البالغة العفيفة

فإذا كان المقذوف رجلا فكذلك يجلد قاذفه أيضًا ، ليس في هذا نزاع بين العلماء . فأما إن أقام القاذف بينة على صحة ما قاله ، رُدّ عنه الحد " انتهى .

"تفسير ابن كثير" (6/13) .

وقد روى أحمد (6989) من حديث عَمْرُو بْن شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ : (قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَلَدِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ : أَنَّهُ يَرِثُ أُمَّهُ

وَتَرِثُهُ أُمُّهُ ، وَمَنْ قَفَاهَا بِهِ [ أي : رماها بالزنا] جُلِدَ ثَمَانِينَ ، وَمَنْ دَعَاهُ وَلَدَ زِنًا جُلِدَ ثَمَانِينَ ) والحديث مختلف في تصحيحه ، وقد صحح إسناده الشيخ أحمد شاكر في تحقيق المسند (7028) .

وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أن من قذف ولد المتلاعنين بأنه ولد زنا وجب عليه حد القذف ، وهو مذهب الأئمة الثلاثة : مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله ، للحديث المتقدم ، ولأنه لم يثبت الزنا بطريق شرعي .

انظر : "المغني" (12/401) ، "زاد المعاد" (5/402) .

فإذا كان هذا في "ولد المتلاعنين" مع قيام التهمة بأمه ، غير أنها لم تثبت ، فيحد من قذف اللقيط بأنه ولد زنا من باب أولى .

جاء في "الموسوعة الفقهية" (33/18) :

"مَنْ قَذَفَ اللَّقِيطَ بَعْدَ بُلُوغِهِ مُحْصَنًا فَعَلَيْهِ الْحَدُّ ; لِأَنَّ قَذْفَ الْمُحْصَنِ مُوجِبٌ لِلْحَدِّ . وَمَنْ قَالَ لَهُ : يَا ابْنَ الزِّنَا , فَفِيهِ قَوْلَانِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ : الْأَوَّلُ : يُحَدُّ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ نُبِذَ مَعَ كَوْنِهِ مِنْ نِكَاحٍ صَحِيحٍ , وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ وَهُوَ الرَّاجِحُ .

الثَّانِي : لَا يُحَدُّ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي الْمَنْبُوذِ أَنْ يَكُونَ ابْنَ زِنًا , وَهُوَ قَوْلُ اللَّخْمِيِّ" انتهى .

ولمزيد الفائدة راجع جواب السؤال القادم

*عبدالرحمن*
2019-02-28, 17:23
حد القذف

السؤال

ما هو حد القذف ؟

الجواب

الحمد لله

المراد بـ "القذف" في الحدود : هو الرمي بالزنى أو اللواط ، وهذا مناسب لأصل معنى "القذف" في اللغة ، فإن معناه : الرمي بقوة ، فمن اتهم إنساناً بالزنى أو شتمه به فقد قذفه ، ورماه بشيء شنيع .

والقذف محرم ، بل من كبائر الذنوب إذا كان المقذوف محصناً وعفيفاً عن الزنى .

قال الله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) النور/23 .

قال السعدي رحمه الله :

"ذكر الله تعالى الوعيد الشديد على رمي المحصنات فقال: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ) أي: العفائف عن الفجور (الْغَافِلاتِ) التي لم يخطر ذلك بقلوبهن (الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) واللعنة لا تكون إلا على ذنب كبير.

وأكد اللعنة بأنها متواصلة عليهم في الدارين (وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) وهذا زيادة على اللعنة، أبعدهم عن رحمته، وأحل بهم شدة نقمته" انتهى .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ [أي : المهلكات]

. قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا هُنَّ ؟

قَالَ : الشِّرْكُ بِاللَّهِ ، وَالسِّحْرُ ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ، وَأَكْلُ الرِّبَا ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ) رواه البخاري (2767) ومسلم (89) .

قال الحافظ ابن حجر : "والمراد بالموبقات هنا : الكبائر" انتهى .

وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة (22/76)

: "قذف المسلم لأخيه لا يجوز ، وهو كبيرة من الكبائر ، يجب التوبة من ذلك ، وطلب العفو من المقذوف ، ومن حقه إذا لم يعف أن يطالبه شرعا بحقه .

وبالله التوفيق ، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى .

الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ... الشيخ عبد الرزاق عفيفي ... الشيخ عبد الله بن غديان .

وأجمع العلماء على وجوب الحد على من قذف محصناً ، وهو أن يجلد ثمانين جلدةً

لقول الله تعالى : (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ) النور/4 .

الحكمة من مشروعية حد القذف

1- منع الترامي بالفاحشة .

2- صيانة أعراض الناس عن الانتهاك ، وحماية سمعتهم من التدنيس .

3- لئلا تحصل عداءات وبغضاء ، وربما تحصل حروب بسبب الاعتداء على العرض وتدنيسه .

4- تنزيه الرأي العام من أن يسري فيه هذا القول ، ويسمعه الناس بآذانهم .

5- منع إشاعة الفاحشة في المؤمنين ، فإن كثرة الترامي بها ، وكثرة سماعها ، وسهولة قولها ، يجرئ السفهاء على ارتكابها .

فكان من الحكمة تشريع حد القذف حتى ينكف الناس عن الترامي بالفاحشة .

والله أعلم .

انظر : "المغني" (12/383)

"المحلى" (11/268، 269)

"المجموع" (22/94، 98) ،

"حاشية ابن قاسم" (7/330)

"الشرح الممتع" (14/278) .

*عبدالرحمن*
2019-02-28, 17:30
تفسير قوله تعالى ( إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ )

السؤال:

إذا انخرط شخص في معصية وهو يعلم أن ذلك يُغضب الله ، ثم تاب ، فهل تُقبل توبته؟

وما توجيه قوله تعالى : ( إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب..)

وقوله : ( والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون) .

وهل قول مجاهد معتبر في تفسير الآية الأولى حيث قال : "أن من عصى الله ، سواء بعلم أم بغير علم ، هو جاهل " ؟ .

الجواب

الحمد لله

أولا :

إذا أذنب العبد وهو يعلم أنه يعصي الله ويخالف أمره ويعرض نفسه للعقوبة ، ثم تاب توبة صادقة تاب الله عليه وغفر له مهما كان ذنبه عظيما

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

" إذَا تَابَ الْعَبْدُ مِنْ الذَّنْبِ غَفَرَهُ اللَّهُ لَهُ ، شِرْكًا كَانَ أَوْ غَيْرَ شِرْكٍ ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ) " .

انتهى من "مجموع الفتاوى" (18/ 340) .

وقال ابن القيم رحمه الله :

" إذا تاب العبد توبة نصوحاً صادقة خالصة أحرقت ما كان قبلها من السيئات وأعادت عليه ثواب حسناته "

انتهى من "الوابل الصيب" (ص: 12) .

ثانيا :

وأما قول الله تعالى : ( إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ) النساء/ 17 .

فالمقصود بالجهالة في الآية : الإقدام على معصية الله ، وليس المقصود أنه لا يعلم من الأصل أن ما يفعله ذنب ومعصية ، فهذا إن تاب من قريب تاب الله عليه

وكل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب ، وهذا من فضل الله وواسع رحمته بعباده .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

" قال أبو العالية : سألت أصحاب محمد عن هذه الآية فقالوا لي : كل من عصى الله فهو جاهل وكل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب ، وكذلك قال سائر المفسرين .

قال مجاهد : كل عاص فهو جاهل حين معصيته ، وقال الحسن وقتادة وعطاء والسدي وغيرهم : إنما سموا جهالا لمعاصيهم ، لا أنهم غير مميزين .

وقال الزجاج : ليس معنى الآية أنهم يجهلون أنه سوء ؛ لأن المسلم لو أتى ما يجهله كان كمن لم يواقع سوءا ؛ وإنما يحتمل أمرين : ( أحدهما ) :

أنهم عملوه وهم يجهلون المكروه فيه .

والثاني : أنهم أقدموا على بصيرة وعلم بأن عاقبته مكروهة ، وآثروا العاجل على الآجل ؛ فسموا جهالا لإيثارهم القليل على الراحة الكثيرة والعافية الدائمة .

والمقصود هنا أن كل عاص لله فهو جاهل ، وكل خائف منه فهو عالم "

انتهى من "مجموع الفتاوى" (7 /22) .

وراجع : "تفسير ابن كثير" (2 /235) .

وسئل علماء اللجنة :

أنا رجل كبير عندي من العمر تسعة وخمسون عاما ، وهرعت عندما سمعت

قول الله تعالى : ( إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا

* وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ )

فهل فعل السيئة بالعلم أنها سيئة تمنع التوبة ؟

فأجاب علماء اللجنة :

" لا يمنع التوبة إقدام الإنسان على المعصية وهو يعلم أنها معصية ، ويشترط للتوبة ثلاثة شروط : الإقلاع عن المعصية ، والندم على ما مضى ، والعزم على عدم العودة إلى المعصية

وإن كان هناك حق لآدمي وجب رده إليه أو استباحته منه ، وكل من عصى الله فهو جاهل "

انتهى من "فتاوى اللجنة الدائمة" (24 /308-309) .

ثالثا :

قوله تعالى : ( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) آل عمران/ 135 .

لا يخالف ما تقدم ، ومعنى الآية : أن من صفات عباد الله المتقين أنهم إذا صدر منهم أعمال سيئة كبيرة

أو ما دون ذلك ، بادروا إلى التوبة والاستغفار ، وذكروا ربهم ، وما توعد به العاصين ووعد به المتقين

فسألوه المغفرة لذنوبهم ، والستر لعيوبهم ، مع إقلاعهم عنها وندمهم عليها ، فلهذا قال : ( ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون ) .

ينظر : "تفسير السعدي" (ص 148) .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

" إِذَا أَصَرَّ عَلَى الصَّغِيرَةِ صَارَتْ كَبِيرَةً وَإِذَا تَابَ مِنْهَا غُفِرَتْ ... وَإِذَا تَابَ تَوْبَةً صَحِيحَةً غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ ، فَإِنْ عَادَ إلَى الذَّنْبِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتُوبَ أَيْضًا . وَإِذَا تَابَ قَبِلَ اللَّهُ تَوْبَتَهُ أَيْضًا " .

انتهى من "مجموع الفتاوى" (11 /700) .

راجع للاستزادة في باب التوبة

التوبة (https://www.djelfa.info/vb/showpost.php?p=3997710562&postcount=3)

و للمزيد

التوبة .. اصول العقيدة (https://www.djelfa.info/vb/showthread.php?t=2168834)

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-02-28, 17:37
من هم الأخسرون أعمالاً ؟

وهل يدخل فيهم العصاة ؟

السؤال

المرجو تفسير هذه الآية الكريمة ( قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا . الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا . أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ) الكهف/ 103 – 105

. والمطلوب بيانه من هم الأخسرون أعمالا من المسلمين ؟

وهل من لم يتبع رسول الله في أمر إعفاء اللحية هو مِنَ الأخسرين أعمالاً أم هذا بعيد عن قوله تعالى في هذه الآية الكريمة ؟ .

والمرجو تبيان دعاء نبي الله ورسوله الكريم بالمغفرة للمحلقين هل الذين يحلقون لحاهم ؟! .

الجواب

الحمد لله

أولا :

هذه الآية من سورة " الكهف " وهي سورة مكية ، فالآية نزلت في الكفار عبدة الأوثان الذين أضلتهم شياطينهم فزينت لهم أعمالهم وحسبوا أنهم مهتدون وأن أهل الإسلام على ضلال

كما أخبر الله تعالى عنهم ذلك في قوله ( وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ) الزخرف/ 37 ,

وقال تعالى ( إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ) الأعراف/ 30

وقد بيَّن الله تعالى أنهم الكفار في قوله تعالى في الآيات نفسها ( أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ ) .

وكون الآيات نزلت في المشركين مما لا شك فيه

لأن الآية مكية - كما قدمنا - وهذا لا يعني أنها لا تشمل غيرهم ، فهي تشمل اليهود والنصارى لفظاً ومعنى وحكماً ، وتشمل أهل البدع والضلال بحسب ما في اعتقادهم وأعمالهم من ضلال ومخالفة للشرع

فالحبوط للأعمال – في الآيات - هو بالكلية للكفار والمشركين والمرتدين

وأما أهل البدعة والضلالة من المسلمين ؛ فإن أعمالهم لا تحبط حبوطا عاما ، وإنما يحبط منها ما كان مبتدَعاً مخالفاً للشرع .

قال ابن كثير – رحمه الله -

: " روى البخاري عن مُصْعَب قال : سألت أبي - يعني : سعد بن أبي وقاص – ( قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأخْسَرِينَ أَعْمَالا ) أهم الحَرُورية ؟

قال : لا هم اليهود والنصارى ، أما اليهود فكذَّبوا محمَّداً صلى الله عليه وسلم

وأما النَّصارى كفروا بالجنة ، وقالوا : لا طعام فيها ولا شراب ، والحرورية الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ، وكان سعد رضي الله عنه يسمِّيهم الفاسقين .

وقال علي بن أبي طالب والضحاك وغير واحد : هم الحرورية – يعني : الخوارج - .

ومعنى هذا عن علي رضي الله عنه : أن هذه الآية الكريمة تشمل الحرورية

كما تشمل اليهود والنصارى وغيرهم ، لا أنها نزلت في هؤلاء على الخصوص ولا هؤلاء ، بل هي أعم من هذا ؛ فإن هذه الآية مكية قبل خطاب اليهود والنصارى

وقبل وجود الخوارج بالكلية

وإنما هي عامة في كل مَن عبَد الله على غير طريقة مرضية يحسب أنه مصيب فيها ، وأن عمله مقبول ؛ وهو مخطئ وعمله مردود

كما قال تعالى ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ . عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ . تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً ) الغاشية/ 2 – 4

وقوله تعالى ( وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ) الفرقان/ 23

وقال تعالى ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ) النور/ 39 .

وقال في هذه الآية الكريمة ( قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ ) أي : نخبركم ( بِالأخْسَرِينَ أَعْمَالا )

ثم فسرهم فقال ( الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا )

أي : عملوا أعمالا باطلة على غير شريعة مشروعة مرضية مقبولة

( وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا )

أي : يعتقدون أنهم على شيء ، وأنهم مقبولون محبوبون " .

انتهى من " تفسير ابن كثير " ( 5 / 201 ، 202 ) .

وللفائدة فقد حقق شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله

أن آيات الغاشية – السابق ذكرها في النقل عن ابن كثير – أنها يوم القيامة ، وأن وجوه الكفار فيها تخشع

أي : تذل ، وتعمل وتنصب ، وليست هي في الدنيا ، انظر كلامه في "

مجموع الفتاوى " ( 16 / 217 – 220 ) .

وبذلك يُعلم أن الآية لا تشمل من عصى الله تعالى فحلق لحيته ، وإنما هي في باب التعبد ، وقد علم أن الآية في الكفار أصالة ، وأن دخول أهل البدع فيها إنما هو من باب القياس والإشارة .

ثانيا :

حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ ( اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ ) قَالُوا : وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟

قَالَ ( اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ ) قَالُوا : وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟

قَالَ ( وَالْمُقَصِّرِينَ ) فقد رواه البخاري ( 1640 ) ومسلم ( 1301 )

لا علاقة له بهذه المسألة أصلا ، ولا علاقة له أيضا بحلق اللحية ، أو تقصيرها ؛ وإنما هو بلا شك في التحلل من العمرة والحج بحلق شعر الرأس

ولا نظن مسلماً يجرؤ على القول إن الحلق يشمل حلق اللحية ، ومن قال ذلك فقد بلغ في الجهل غايته

فيعلَّم ويؤدَّب لأنه قال على الله تعالى بغير علم ، وأما إن كان قائله ممن ينتسب إلى العلم

فلا شك أن قوله ذلك استهزاء وسخرية

ولعب بآيات الله ، وتحريف للكلم عن مواضعه .

والله أعلم

*عبدالرحمن*
2019-03-01, 16:42
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)
اخوة الاسلام

أحييكم بتحية الإسلام
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)


الرد على المعترض المخذول في اعتراضه على أن الله بعث رسوله رحمة للعالمين

السؤال

هناك عامل وزميل غير مسلم ، وحين أحاول دعوته وإخباره بان الدين الإسلامي دين عظيم ، وكيف أن النبي محمد (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) أعظم البشر

وأعظم من وطئت قدمه الأرض ، وأنه رحمة للعالمين ؛ بل ولكل المخلوقات ، فيظل يرد علي بتلك الردود : كيف يكون محمد رحمة للبشر ؟ و قد قطع أيدي الناس وأرجلهم وصلبهم

بل ورماهم في الصحراء ليموتوا ... ( صحيح البخاري ) ، وقد قتل اليهود أمام نسائهم ثم اغتصبهن . أعتقد أن كلمة رحمة والرأفة لابد أن تحذف من أي ترجمة

ولا تجعلني أبدا في الاعتقاد في الله الذي يحرق الناس حتى يذهب جلدهم ثم يبدلهم بجلد آخر ليحرقهم ويكرر ذلك إلى الأبد ، وهذا في القرآن ، هل هذه هي الرحمة والرأفة في عقلكم ؟

،أرجو التوضيح

فأحاول أن أقول له أن هذا ليس حقيقي ، وأن هذه الأمور ليست صحيحة ، ولكنه يأتي لي بالأحاديث التي تؤيد كلامه ، وكيف أن النبي قطع رؤوس سبعمائة يهودي 700 يهودي في سوق المدينة في يوم واحد

ثم أخذ نسائهم و أطفالهم عبيد و سبايا ؟!!

لا أعرف كيف أرد عليه و أشعر بالضيق الشديد . أرجو المساعدة !

الجواب

الحمد لله

نعم لقد بعث الله تعالى رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين كما قال تعالى : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) الأنبياء/ 107 .

وروى الحاكم في "المستدرك" (100) عن أبي هريرة قال :

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا أيها الناس إنما أنا رحمة مهداة ) وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (2345) .

ثم إن من الخلق من قَبِل هذه الرحمة ، ومنهم من ردها .

قال السعدي رحمه الله :

" فهو رحمته المهداة لعباده ، فالمؤمنون به قبلوا هذه الرحمة وشكروها وقاموا بها ، وغيرهم كفرها ، وبدلوا نعمة الله كفرا ، وأبوا رحمة الله ونعمته "

انتهى من "تفسير السعدي" (ص 532) .

ولذلك قال الله تعالى عن رسوله صلى الله عليه وسلم ( بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) التوبة/ 128

فهو رحمة للمؤمنين ، ورأفة للصالحين ، وهو نقمة على الكافرين وعذاب على المفسدين

فإذا رفض العبد الرحمة لم يكن من أهلها ، وهذا معلوم مستقر في الأذهان شرعا وعقلا

فإذا لم يكن من أهل الرحمة ، كان من أهل العذاب ، وهكذا جاءت أحكام الشريعة يوافقها العقل ، ويؤيدها النظر الصحيح .

وهؤلاء الذين قطع النبي صلى الله عليه وسلم أيديهم وأرجلهم ونبذهم بالعراء لم يقبلوا رحمة الله ، وعثوا في الأرض فسادا ، فسفكوا الدم الحرام ، وآذوا عباد الله

فلم يكن بُدّ من استئصالهم ، وإراحة البلاد والعباد منهم ، فإن مثل هؤلاء يفسدون وينشرون الفساد

وإذا لم يمنعهم مانع قاهر لم يمتنعوا من الإفساد في الأرض ، فصاروا كالعضو الفاسد من الجسد إذا أصابه السوء والبلاء وجعل يستشري فيه شيئا فشيئا لم يكن بد من قطعه واستئصاله

وإذا لم يستأصل وتُرك على حاله هلك بسببه البدن كله .

روى البخاري (6390) ومسلم (3163) عن أَنَس : ( أَنَّ نَفَرًا مِنْ عُكْلٍ ثَمَانِيَةً قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَايَعُوهُ عَلَى الْإِسْلَامِ فَاسْتَوْخَمُوا الْأَرْضَ وَسَقِمَتْ أَجْسَامُهُمْ فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

فَقَالَ : أَلَا تَخْرُجُونَ مَعَ رَاعِينَا فِي إِبِلِهِ فَتُصِيبُونَ مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا ؟

فَقَالُوا بَلَى . فَخَرَجُوا فَشَرِبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا فَصَحُّوا فَقَتَلُوا الرَّاعِيَ وَطَرَدُوا الْإِبِلَ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ فَأُدْرِكُوا فَجِيءَ بِهِمْ فَأَمَرَ بِهِمْ فَقُطِعَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ وَسُمِرَ أَعْيُنُهُمْ )

قَالَ أَبُو قِلَابَةَ : " فَهَؤُلَاءِ سَرَقُوا وَقَتَلُوا وَكَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ " رواه البخاري (226) .

فهؤلاء أهل فساد ، هم في المجتمع كالعضو الفاسد في البدن ، لا بد من استئصاله ، وهذا من تمام الحكمة والرحمة التي بها يحصل الأمن للمجتمعات

ويعتبر أهل الفساد بما حصل لهؤلاء فيتوبوا أو ينكفّوا . أما تركهم بغير رادع يردعهم وأمثالهم من المفسدين في الأرض فهو من إعانتهم على فسادهم ، وتحريض لذويهم للإفساد

فتخرب البلاد ولا يأمن العباد على أنفسهم ولا على أعراضهم ولا على أولادهم ولا على أموالهم ، ومن استقرأ التاريخ ، ونظر في ذلك وجده حقا لا شك فيه .

وعلى ذلك : فحد الحرابة الذي شرعه الله تعالى بقوله

: ( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) المائدة/ 33 .

من تمام العدل والحكمة والرحمة ، والذي يدل على ذلك قوله بعد ذلك مباشرة : ( إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) المائدة/ 34 .

فحض الله على التوبة ، ومنع استشراء الفساد ، وعاقب المفسدين ونكل بهم ليرتدع أمثالهم عن أذية العباد ، أليس هذا من تمام الحكمة والرحمة ؟

وهؤلاء المعترضون على دين الله وشرعه وحكمه أهمهم شأن تلك الأيدي والأرجل المقطعة بسبب فساد أصحابها ، ولم يلتفتوا إلى هذا الفساد الذي يلحق الناس في أنفسهم وأهليهم وأموالهم بسبب هؤلاء الظالمين .

أما قتل يهود بني قريظة : فإنهم نقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم في وقت اجتمع عليه فيه الأحزاب من كل مكان ، ورمت العرب المسلمين عن قوس واحدة

وجاءهم العدو من فوقهم ومن أسفل منهم

كما قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا

* إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا ) الأحزاب/ 9 – 11 .

نقض اليهود عهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأرادوا استئصال المسلمين ، والقضاء عليهم تماما ، فتحالفوا مع حزب الشيطان على ذلك ، وصارت كلمتهم واحدة

ووجهتهم واحدة ، وأمرهم واحد : القضاء على الإسلام وأهله .

ولو كان هؤلاء تمكنوا مما أرادوا مما حال الله بينه وبينهم برحمته لذهب الإسلام ، ولذهب أهله ، ولبقي الناس إلى يوم الدين في ضلالات الكفر .

فكان هذا الذي فعله هؤلاء اليهود من نقض العهد ومحالفة المشركين على حرب المسلمين من أعظم الفساد في الأرض ، ومما يدل على أنهم لا عهد لهم ولا ذمة ، وهذا معروف عنهم على مر العصور والأزمان .

ولما نصر الله عز وجل نبيه وعباده المسلمين أتِي بهؤلاء الخونة ، ونزلوا على حكم سعد بن معاذ باختيارهم ورضاهم ، فحكم فيهم بحكم الله ، أن يقتل مقاتلتهم وتسبى نساؤهم وذريتهم

كما في البخاري (2816) ومسلم (3314) .

وقال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما : ( وَكَانُوا أَرْبَعَ مِائَةٍ ) رواه الترمذي (1508) وصححه ، وصححه الألباني .

لكن السؤال الآن : لماذا رضيت صفية بنت حيي رضي الله عنها بالزواج من النبي صلى الله عليه وسلم وقد قتل أباها – أحد سادات اليهود – وقتل زوجها وعمها ؟!

كيف تم ذلك ؟

وكيف وافقت عليه ؟

فسيقولون : وافقت خوفا منه !

فلماذا لم ترتد بعد موته صلى الله عليه وسلم ؟

لماذا لم تهرب ؟ لماذا عاشت وماتت على الإيمان به وطاعته ومحبته ، وقد فعل بها وبأهلها ما فعل ؟!

إن أحدا من هؤلاء المعترضين المخذولين لا يجرؤ أن يسأل هذا السؤال ؟

وقد روى الطبراني في "المعجم الكبير" (177) عن ابن عمر قال : كان بعيني صفية خضرة فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم ما هذه الخضرة بعينيك ؟

فقالت : قلت لزوجي إني رأيت فيما يرى النائم قمرا وقع في حجري فلطمني وقال : أتريدين ملك يثرب ؟

قالت : وما كان أبغض إليّ من رسول الله قتل أبي وزوجي ، فما زال يعتذر إليّ فقال : ( يا صفية إن أباك ألّب علي العرب ، وفعل ، وفعل ) حتى ذهب ذاك من نفسي .

وصححه الألباني في "الصحيحة" (2793)

*عبدالرحمن*
2019-03-01, 16:43
أما قول هذا المعترض : " قتل اليهود أمام نسائهم ثم اغتصبهن " فقول باطل وكذب وزور .

وقد كان صلى الله عليه وسلم ينهى عن قتل النساء والصبيان والأجراء في الحروب

فروى أبو داود (2295) عَنْ رَبَاحِ بْنِ رَبِيعٍ قَالَ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ فَرَأَى النَّاسَ مُجْتَمِعِينَ عَلَى شَيْءٍ فَبَعَثَ رَجُلًا فَقَالَ : انْظُرْ عَلَامَ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ

فَجَاءَ فَقَالَ عَلَى امْرَأَةٍ قَتِيلٍ ، فَقَالَ : مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ . قَالَ : وَعَلَى الْمُقَدِّمَةِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ، فَبَعَثَ رَجُلًا فَقَالَ : ( قُلْ لِخَالِدٍ لَا يَقْتُلَنَّ امْرَأَةً وَلَا عَسِيفًا ) صححه الألباني في "صحيح أبي داود" .

والذين أخذهم النبي صلى الله عليه وسلم في السبي من اليهود كثير منهم من الله عليه بالإسلام . فكان ذلك من رحمة الله بهم .

روى النسائي (3376) عَنْ عَطِيَّةَ الْقُرَظِيِّ قَالَ :

" كُنْتُ يَوْمَ حُكْمِ سَعْدٍ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ غُلَامًا فَشَكُّوا فِيَّ فَلَمْ يَجِدُونِي أَنْبَتُّ فَاسْتُبْقِيتُ ، فَهَا أَنَا ذَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ " . صححه الألباني في "صحيح النسائي" .

يعني أنه كان صغيرا فلم يقتل فأبقوا عليه ، ثم منّ الله عليه بالإسلام

يقول هذا الكلام تحدثا بنعمة الله عليه .

وقضية صنيع هؤلاء المكذبين أنهم يتبعون : إما الكذب ، وإما الجهل أو الفهم الخاطئ ، ويؤتون من قِبل كفرهم وإعراضهم ورغبتهم أن يكون ما سمعوه من إفك حقا ، فلا تلتفت إليهم .

أما قول الله تعالى عن الكافرين في النار : ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ) النساء/ 56 .

فيخبر تعالى عن الذين جحدوا بآيات الله وكذبوا رسوله أنه سوف يصليهم نارا ، ينضجهم ويشويهم فيها ، كلما انشوت جلودهم واحترقت أبدلهم جلودا غيرها ؛ ليذوقوا العذاب .

راجع : "تفسير الطبري" (8 /484) .

فمن أخبر هؤلاء أن أهل الكفر والشر والفساد سوف يرحمهم الله ؟

أم من أخبرهم أن العذاب المهين الذي أعده الله للكافرين يوم الدين من الرحمة والرأفة ؟

أفيعقل أن يرحم الله من لا يستحق الرحمة ؟

أيجعل الله المسلمين كالمجرمين ؟ أم يجعل المتقين كالفجار ؟

أيجعل أهل الفساد والتدمير والتخريب كأهل الصلاح والإصلاح ؟!

إن رحمة الله لا تكون إلا للمحسنين من عباده المؤمنين به وبكتبه ورسله ، أما الجاحدون المكذبون المعاندون فأولئك لا يرحمهم الله ، ولهم عذاب أليم .

قال تعالى : ( إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) الأعراف/ 56 .

وقال تعالى : ( قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ) الأعراف/ 156 .

وقال تعالى : ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ) التوبة/ 71 .

وقال تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) النحل/ 104 .

وقال تعالى : ( نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ ) الحجر /49-50 .

وقد أنذر الله وأعذر ، فأرسل الرسل وأنزل الكتب وأظهر الآيات ، وأقام الحجج البينات

وبشر المؤمنين ، وتوعد الكافرين ، فمن رضي لنفسه بالكفر واختاره على الإيمان فدخل النار فلا يلومن إلا نفسه ، وهو بذلك أشد الناس لها ظلما ، وأعظمهم في حقها جرما .

ولو أن هؤلاء في قلوبهم من الخوف مثقال ذرة لقادهم الخوف إلى الإيمان والتسليم ، ولو فزعا وفرقا أن يصيبهم هذا التهديد والوعيد الشديد

ولكنهم أبدا لا يؤمنون ولا يستسلمون ، فإنما يجادلون ويتواقحون لإطفاء نور الله .

فاثبت أيها المسلم على دينك ، ولا يستخفنك الذين لا يوقنون .

ولو قيل للرجل العاقل : لا تشرب هذا السم ، إنك إن شربته مت ، فشربه وهو عاقل مدرك لما يفعل ، على من يقع اللوم ؟ : على الله الذي خلق السم وقدر به الموت ؟

أم على الحية التي استخرج السم منها ؟

أم على هذا الذي شربه برضاه ؟

فكما أننا نسلم بالقدر ولا نعترض عليه ، فكذلك لا بد أن نسلم بالشرع ولا نعترض عليه .

وعليك أن لا تغرق في الجدل مع هؤلاء ، وردهم إلى معالم الخير والصلاح في دين الله ، وكيف أن الإسلام انتشر في الأرض ، وكيف أن الناس يتوافدون في الدخول فيه أفواجا

والذين كانوا أعداء له من قبل صاروا من جنده وحزبه .

لماذا أسلم عكرمة بن أبي جهل وقد قتل محمد أباه ؟

لماذا أسلمت أم حبيبة بنت أبي سفيان وتزوجت بالنبي صلى الله عليه وسلم في وقت كان أبوها ألد أعدائه وأشد خصمائه ؟

لماذا أسلمت هند بن عتبة وقد قتل محمد أباها وعمها وأخاها في حصدة واحدة ؟

فاعلم أن دين الله حق ، وأن الله لا يخلف وعده ، وأنه أرحم الراحمين ، وأنه بعث رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين .

ولينظر هؤلاء في قادة العصر الحديث المتحضر ماذا فعلوا ويفعلون بالبشر ممن خالفهم ؟

ماذا يقولون عن أمريكا وما تفعله بشعوب الأرض بدعوى نشر الديمقراطية والقيم ؟

والمخالف إن كان من أهل اليهودية والنصرانية فلينظر في كتابه المقدس ليرى كيف كان أنبياء بني إسرائيل يقاتلون من خالفهم لا يتركون رجلاً أو امرأة أو شيخاً .

وإن كان شيوعياً فلينظر ماذا فعل استالين ورجاله .

وإن كان لا من هؤلاء ولا هؤلاء ويرى الحق في القتال لتحرير الشعوب وإزالة الأنظمة الجائرة فهذا حجة عليه .
والحاصل : أن الرحمة لها أهل

والعذاب والنكال له أهل ، والنبي صلى الله عليه وسلم مبعوث بالرحمة

كما هو مبعوث بالجهاد والقتال لأعدائه ، وهو رحمة للعالمين مطلقاً ، من وافقه ومن خالفه ، أما من وافقه فواضح ، وأما من خالفه : فإنه بلّغهم رسالة ربهم وأقام عليهم الحجة ، ولم يعاجلهم بالعقوبة .

وإن من الرحمة إزالة - الفئة الجائرة المتحكمة في نفوس وعقول من حولها – بعد إنذارها لتنعم الأغلبية بالأمن والحرية ، وهذه فلسفة الجهاد المشروع في الإسلام .

والله أعلم .

راجع للفائدة إجابة السؤالين القادمين

*عبدالرحمن*
2019-03-01, 16:48
تفسير قوله تعالى : ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين )

السؤال

بعض الناس يربط بين أن الرسول صلى الله عليه و سلم لم يقتل إلا رجلاً واحداً في حياته و بين الآية الكريمة : ( و ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) ...

فهل هناك وجه لهذا الربط ؟

الجواب

الحمد لله

أولا :

قال تعالى : ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين )

وقد اختلف أهل العلم في " العالمين " الذي أرسل النبي صلى الله عليه وسلم رحمة لهم .

قال ابن جرير رحمه الله :

" يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وما أرسلناك يا محمد إلى خلقنا إلا رحمة لمن أرسلناك إليه من خلقي .

ثم اختلف أهل التأويل في معنى هذه الآية ، أجميع العالم الذي أرسل إليهم محمد أريد بها مؤمنهم وكافرهم ؟ أم أريد بها أهل الإيمان خاصة دون أهل الكفر ؟

فقال بعضهم : عني بها جميع العالم المؤمن والكافر .

فعن ابن عباس قال : من آمن بالله واليوم الآخر كُتب له الرحمة في الدنيا والآخرة ، ومن لم يؤمن بالله ورسوله عوفي مما أصاب الأمم من الخسف والقذف .

وقال آخرون : بل أريد بها أهل الإيمان دون أهل الكفر .

وأولى القولين في ذلك بالصواب القول الذي رُوي عن ابن عباس ، وهو أن الله أرسل نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم رحمة لجميع العالم ، مؤمنهم وكافرهم . فأما مؤمنهم فإن الله هداه به

وأدخله بالإيمان به ، وبالعمل بما جاء من عند الله الجنة . وأما كافرهم فإنه دفع به عنه عاجل البلاء الذي كان ينزل بالأمم المكذّبة رسلها من قبله ".انتهى باختصارمن

"تفسير الطبري" (18 / 551-552)

وينظر : "تفسير ابن كثير" (5 / 385)

"تفسير السعدي" (ص 532) .

وقال ابن حجر الهيتمي رحمه الله :

" ففي إرساله صلى الله عليه وسلم رحمة حتى على أعدائه من حيث عدم معاجلتهم بالعقوبة ".

انتهى من "فتاوى الحديثية" (ص 34) .

ومما يبين هذه الرحمة العامة بإرسال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم

قول الله تعالى : ( وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) الأنفال/32-33 .

قال الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله :

" وَمَا كَانَ مِنْ شَأْنِ اللهِ تَعَالَى وَسُنَّتِهِ ، وَلَا مِنْ مُقْتَضَى رَحْمَتِهِ وَلَا حِكْمَتِهِ ، أَنْ يُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ أَيُّهَا الرَّسُولُ فِيهِمْ

وَهُوَ إِنَّمَا أَرْسَلَكَ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ، وَنِعْمَةً لَا عَذَابًا وَنِقْمَةً ، بَلْ لَمْ يَكُنْ مِنْ سُنَّتِهِ أَيْضًا أَنْ يُعَذِّبَ أَمْثَالَهُمْ مِنْ مُكَذِّبِي الرُّسُلِ وَهُمْ فِيهِمْ ، بَلْ كَانَ يُخْرِجُهُمْ مِنْهُمْ أَوَّلًا كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ "

انتهى من "تفسير المنار" (9/545) .

وتأمل ذلك الموقف البديع ، لنبي الرحمة صلى الله عليه وسلم ، وقد كذبه أهل الطائف ، وآذوه أذى بالغا ، وهو إنما كان يدعوهم إلى أن يوحدوا الله ، ولا يريد منهم شيئا سواه :

روى البخاري (3231) ومسلم (1795) أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ ؟

قَالَ : ( لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ !! وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ ؛ إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ ، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي

فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ ، فَنَادَانِي فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ !!

فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ ، فَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ ، وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ ، وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إِلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ ؛ فَمَا شِئْتَ ؛ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ الْأَخْشَبَيْنِ !!

فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ) .
ثانياً :

ذكر غير واحد من أهل العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتل بيده إلا أبي بن خلف ، قتله يوم أحد .

قال شيخ الإسلام رحمه الله :

" والنبي صلى الله عليه وسلم كان أكمل الناس في هذه الشجاعة التي هي المقصودة في أئمة الحرب ، ولم يقتل بيده إلا أبي بن خلف ، قتله يوم أحد ، ولم يقتل بيده أحدا لا قبلها ولا بعدها"

.انتهى من "منهاج السنة النبوية" (8 / 57) .

ولعل الله تعالى أراد لهذا الشقي أشد العذاب ، فقدّر عليه أن يُقتل بيد النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد كان من أشد الناس عداوة له ولدينه ؛

فقد روى البخاري (4076) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قَالَ : ( اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ نَبِيٌّ ، وَاشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى مَنْ دَمَّى وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) .

وروى أحمد (3858) عن ابن مسعود رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ قَتَلَهُ نَبِيٌّ أَوْ قَتَلَ نَبِيًّا وَإِمَامُ ضَلَالَةٍ وَمُمَثِّلٌ مِنْ الْمُمَثِّلِينَ )

وحسنه الألباني في "الصحيحة" (281)

ثالثا :

لا شك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم – وإن لم يقتل بيده الشريفة إلا هذا الشقي - هو الذي شرع الجهاد وأمر به وحرض المؤمنين عليه ، ولا منافاة بين أن يشرع الجهاد ويأمر به

ويقتل هذا الشقي أو غيره ، لا منافاة بين ذلك كله ، وبين قوله تعلى : ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين )

فإن الله تعالى إنما أرسله ليخرج الناس من الظلمات إلى النور ، ويهديهم إلى صراطه المستقيم ، وشرع له الجهاد في سبيله وقتال أعدائه الذين يريدون إطفاء نور الله ويسعون في الأرض فساداً ويبغونها عوجاً .

قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) التوبة / 73 . وقال تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ) الأنفال/ 65 .

فكان الجهاد في سبيل الله وقتال أعداء الله من أعظم أسباب نشر الدين وإخراج الناس من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان ، وهذه أعظم رحمة نالت العباد : أن ينجيهم الله من الكفر إلى الإيمان ، ومن الظلمات إلى النور .

ولأجل عظم قدر هذه الرحمة ، من حيث لا يشعر العباد ولا يظنون ، فقد عجب منها رب العالمين :

عن أبي هُرَيْرَةَ قال : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( عَجِبَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ مِنْ قَوْمٍ يُقَادُونَ إِلَى الْجَنَّةِ فِي السَّلَاسِلِ ) . رواه البخاري (3010) .

وفي تفسير قول الله تعالى : ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ) ، قَالَ أبو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : ( خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ ؛ تَأْتُونَ بِهِمْ فِي السَّلَاسِلِ فِي أَعْنَاقِهِمْ حَتَّى يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ ) .

رواه البخاري (4557) .

وتأمل ذلك برحمة أرحم الراحمين ، الذي لا يبلغ الواصفون وصف رحمته ، ولا يبلغ العالمون كنهها ومداها ، سبحانه ، لا يحيط به العباد علماً ؛ أرحم بعباده من الوالدة بولدها ، كما أخبر عنه نبيه صلى الله عليه وسلم

ومع ذلك : يبتليهم بالمصائب والمحن ، لحكمة بالغة ، ويعذب أعداءه بالنكال والهوان في الدنيا ، والخلود في جهنم يوم القيامة ، ولا ينافي ذلك كله كمال رحمته بعباده ، سبحانه .

*عبدالرحمن*
2019-03-01, 16:54
لمحة عن سبي صفية بنت حيي

السؤال

كيف ستشعر هذه المرأة التي قُتل أبوها وأخوها وزوجها في الحرب على أيدي جيش محمد وهي ترى نفسها في آخر النهار على نفس السرير مع قاتلهم ؟

وأشير بذلك إلى صفيّة بنت حيي ! لا يمكن لربٍّ أن يقول بذلك أبداً ، لا أظن إلا أن المسألة كلها مُختلقة ، فكروا معي قليلاً وسترون ! " .

الجواب

الحمد لله

بخصوص صفية رضي الله عنها : فإليك بعض الحقائق المفيدة في دحض شبهة الكفار الطاعنين في التشريع الحكيم :

1. انتفعت صفية رضي الله عنها نفعاً عظيماً بسبيها ويكفيها أنها أسلمت ونجاها الله تعالى من الكفر .

2. ويكفيها شرفاً بعد الإسلام أن صارت زوجة للنبي صلى الله عليه وسلم وأمّاً لكل مؤمن

وقد جمع الله تعالى لها شرفاً عظيماً لم يحصل لغيرها من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو كونها من نسل نبي ، وعمها نبي ، وزوجها نبي .

عَنْ أَنَسٍ قَالَ : بَلَغَ صَفِيَّةَ أَنَّ حَفْصَةَ قَالَتْ بِنْتُ يَهُودِيٍّ !! فَبَكَتْ فَدَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ تَبْكِي

فَقَالَ ( مَا يُبْكِيكِ ) فَقَالَتْ : قَالَتْ لِي حَفْصَةُ : إِنِّي بِنْتُ يَهُودِيٍّ . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( إِنَّكِ لَابْنَةُ نَبِيٍّ ، وَإِنَّ عَمَّكِ لَنَبِيٌّ ، وَإِنَّكِ لَتَحْتَ نَبِيٍّ ؛ فَفِيمَ تَفْخَرُ عَلَيْكِ ) ثُمَّ قَالَ ( اتَّقِي اللَّهَ يَا حَفْصَةُ ) .

رواه الترمذي ( 3894 ) وصححه .

فصفية من نسل هارون بن عمران عليه السلام ، وعمها هو موسى بن عمران عليه السلام ، وهي زوجة نبي هو أفضل البشر ، محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام .

3. لم يحصل من النبي صلى الله عليه وسلم جماع لصفية رضي الله عنها إلا بعد أن انقضت عدَّتها .

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ

: قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْحِصْنَ ذُكِرَ لَهُ جَمَالُ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ وَقَدْ قُتِلَ زَوْجُهَا وَكَانَتْ عَرُوسًا فَاصْطَفَاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ فَخَرَجَ بِهَا حَتَّى بَلَغْنَا سَدَّ الرَّوْحَاءِ حَلَّتْ فَبَنَى بِهَا .
.. .
رواه البخاري ( 2120 ) .

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -
:
قوله " حلَّت " أي : طهرت من الحيض .

" فتح الباري " ( 7 / 480 ) .

وعند مسلم ( 1365 ) عن أنس : " ثم دفعها - أي : صفية - إلى أم سليم تصنُعها له وتهيئُها وتعتد في بيتها " .

قال النووي – رحمه الله - :

أما قوله " تعتد " فمعناه : تستبرىء ؛ فإنها كانت مسبيَّة يجب استبراؤها وجعلها في مدة الاستبراء في بيت أم سليم ، فلما انقضى الاستبراء جهزتها أم سليم وهيأتها

أي : زيَّنتها وجمَّلتها على عادة العروس ، بما ليس بمنهي عنه من وشْم ووصل وغير ذلك من المنهي عنه.

" شرح مسلم " ( 9 / 222 ) .

4. ولم يحصل جماع النبي صلى الله عليه وسلم لصفية إلا بعد أن أعلنت إسلامها ، وبعد أن أعتقها ، فهو لم يجامعها وهي يهودية ، ولا وهي أمَة ، بل كانت زوجة له وقد أمهرها وكان مهرها عتقها

وصنع لها وليمة عرس .

عن إبراهيم بن جعفر عن أبيه قال : لما دخلتْ صفيَّةُ على النَّبي صلى الله عليه وسلم قال لها ( لم يزل أبوك من أشد يهود لي عداوة حتى قتله الله )

فقالت : يا رسول الله إن الله يقول في كتابه ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) الأنعام/ 164 ، فقال لها رسول الله : اختاري ، فإن اخترتِ الإسلام أمسكتُكِ لنفسي

وإن اخترت اليهودية فعسى أن أعتقك فتلحقي بقومك ، فقالت : يا رسول الله لقد هويت الإسلام وصدقت بك قبل أن تدعوني ، حيث صرت إلى رحلك وما لي في اليهودية أرب

وما لي فيها والد ولا أخ ، وخيَّرتني الكفرَ والإسلامَ ، فالله ورسوله أحب إلي من العتق وأن أرجع إلى قومي ، قال: فأمسكها رسول الله لنفسه .

" الطبقات الكبرى " ( 8 / 123 ) .

وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ ..

. فَبَنَى بِهَا ثُمَّ صَنَعَ حَيْسًا فِي نِطَعٍ صَغِيرٍ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آذِنْ مَنْ حَوْلَكَ فَكَانَتْ تِلْكَ وَلِيمَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى صَفِيَّةَ ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ

قَالَ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَوِّي لَهَا وَرَاءَهُ بِعَبَاءَةٍ ثُمَّ يَجْلِسُ عِنْدَ بَعِيرِهِ فَيَضَعُ رُكْبَتَهُ فَتَضَعُ صَفِيَّةُ رِجْلَهَا عَلَى رُكْبَتِهِ حَتَّى تَرْكَبَ .

رواه البخاري ( 2120 ) .

" فبنى بها " : دخل بها والبناء الدخول بالزوجة ، " حيساً " : خليطاً من التمر والأقط والسمن ويقال من التمر والسويق أو التمر والسمن ، " نطع " جلود مدبوغة يجمع بعضها إلى بعض وتفرش

" آذِن مَن حولك " : أعلمهم ليحضروا وليمة العرس ، " يحوِّي " : يدير كساء فوق سنام البعير ثم يركبه .

5. وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر صفية رضي الله عنها بما حصل عليه وعلى الإسلام من والدها ، فما زال يخبرها ويعتذر لها حتى ذهب ما في نفسها عليه

فلم يعاشرها وهي مبغضة له كما يزعم المغرضون الكاذبون ، بل كان ذلك بعد إسلامها وزواجها وزوال ما في نفسها على النبي صلى الله عليه وسلم حتى استحقت شرف أمومة المسلمين .

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال : ..

. قالت صفية : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبغض الناس إليَّ قَتل زوجي وأبي وأخي فما زال يعتذر إليَّ ويقول : ( إن أباك ألَّب علي العرب وفعل وفعل ) حتى ذهب ذلك من نفسي .

رواه ابن حبان في " صحيحه " ( 11 / 607 ) ، وحسنه الألباني .

6. وكانت صفية قد رأت رؤيا عبَرها لها زوجها اليهودي بأنها تتزوج النبي صلى الله عليه وسلم ، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال :

... ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيني صفية خضرة فقال : ( يا صفية ما هذه الخضرة ؟ )

فقالت : كان رأسي في حجر ابن أبي حقيق ، وأنا نائمة فرأيتُ كأن قمراً وقع في حجري فأخبرته بذلك ، فلطمني وقال : تمنِّين ملِكَ يثرب ؟ .

رواه ابن حبان في " صحيحه " ( 11 / 607 ) وحسنه الألباني .

فهذا توضيح وبيان لحادثة صفية بنت حيي رضي الله عنها ، فعسى أن يكون في ذلك فائدة للموافق وهداية للمخالف .

والله أعلم

*عبدالرحمن*
2019-03-01, 17:01
تفسير قوله تعالى : ( وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا )

السؤال

ما معنى قوله تعالى : ( وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا ) ؟ جزاكم الله خيرا .

الجواب

الحمد لله

هذه الآية من أعظم الأدلة على أن الشريعة الإسلامية هي الشريعة المناسبة للتكوين النفسي والعقلي والجسدي للإنسان ، وأن أحد أهم قواعدها التي تقوم عليها مناسبة " الطبيعة البشرية "

المجبولة على الضعف والوهن مهما علت النفوس وتكبَّرت ، فهي في حقيقتها ومآلها ضعيفة لا تقوى إلا على ما يناسبها ويشاكلها .

وبهذا كانت الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان

، فقد جاء قوله تعالى : ( وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا ) النساء/28

تذييلا وتبيينا لحكمته سبحانه وتعالى في تشريع بعض الأحكام ، وأن سبب هذه التشريعات اليسيرة الرحيمة هو مناسبتها لطبيعة الإنسان الضعيفة الفقيرة

وهذا ما يتبين لمن يقرأ سياق الآيات الكريمات في قوله عز وجل : ( يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ

. وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا . يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا ) النساء/26-28.

يقول العلامة الطاهر بن عاشور رحمه الله :

" قوله : ( وخلق الإنسان ضعيفا ) تذييل وتوجيه للتخفيف ، وإظهار لمزية هذا الدين ، وأنه أليق الأديان بالناس في كل زمان ومكان ، ولذلك فما مضى من الأديان كان مراعى فيه حال دون حال

ومن هذا المعنى قوله تعالى : ( الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ) الآية في سورة الأنفال/66، وقد فسر بعضهم الضعف هنا بأنه الضعف من جهة النساء

قال طاووس ليس يكون الإنسان في شيء أضعف منه في أمر النساء ، وليس مراده حصر معنى الآية فيه ، ولكنه مما روعي في الآية لا محالة ؛ لأن من الأحكام المتقدمة ما هو ترخيص في النكاح "

انتهى من " التحرير والتنوير " (5/22)

وهذا الذي اختاره العلامة الطاهر بن عاشور رحمه الله من حمل " الضعف "

في الآية على جميع أنواع الضعف البشري هو الأقوى والأنسب في التفسير ، وإلا فقد ذكر ابن الجوزي رحمه الله ثلاثة أقوال في الآية فقال :

" في المراد بـ ( ضعْف الإنسان ) ثلاثة أقوال :

أحدها : أنه الضعف في أصل الخلقة ، قال الحسن : هو أنه خُلق من ماءٍ مهين .

والثاني : أنه قلة الصبر عن النساء ، قاله طاوس ، ومقاتل .

والثالث : أنه ضعف العزم عن قهر الهوى ، وهذا قول الزجّاج ، وابن كيسان "

انتهى من " زاد المسير " (1/395)

ولكن القاعدة المهمة في تفسير القرآن الكريم أنه كلما كان من الممكن حمل معاني القرآن على العموم والشمول كان أقرب إلى الصواب ؛ وأن الأقوال إذا لم تكن متناقضة

وأمكن حمل الآية عليها جميعها كان أوفق في التفسير .

يمكن مراجعة ذلك في كتاب " قواعد الترجيح عند المفسرين " (ص/41-44).

يقول ابن عطية الأندلسي رحمه الله :

" المقصد الظاهر بهذه الآية أنها في تخفيف الله تعالى ترك نكاح الإماء بإباحة ذلك

وأن إخباره عن ضعف الإنسان إنما هو في باب النساء ، أي : لمَّا علمنا ضعفكم عن الصبر عن النساء خففنا عنكم بإباحة الإماء ، وكذلك قال مجاهد وابن زيد طاوس .

ثم بعد هذا المقصد تخرج الآية في مخرج التفضل ؛ لأنها تتناول كل ما خفف الله تعالى عن عباده ، وجعله الدين يسرا ، ويقع الإخبار عن ضعف الإنسان عاما ، حسبما هو في نفسه ضعيف يستميله هواه في الأغلب "

انتهى من " المحرر الوجيز " (2/40-41) .

ويقول ابن جزي الغرناطي رحمه الله :

" ( وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً ) قيل : معناه : لا يصبر على النساء ، وذلك مقتضى سياق الكلام ، واللفظ أعم من ذلك "

انتهى من " التسهيل " (1/188) .

ويقول ابن القيم رحمه الله

– بعد أن ذكر بعض أقوال السلف في تفسير الآية - :

" والصواب أَن ضعفه يعم هذا كله ، وضعفه أَعظم من هذا وأَكثر : فَإنه ضعيف البنية ، ضعيف القوة ، ضعيف الإرادة ، ضعيف العلم ، ضعيف الصبر ، والآفات إليه مع هذا الضعف أَسرع من السيل في الحدور "

انتهى من " طريق الهجرتين " (1/228) .

ويقول العلامة السعدي رحمه الله :

" ( يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ) وذلك لرحمته التامة وإحسانه الشامل ، وعلمه وحكمته بضعف الإنسان من جميع الوجوه ، ضعف البنية ، وضعف الإرادة ، وضعف العزيمة

وضعف الإيمان ، وضعف الصبر ، فناسب ذلك أن يخفف الله عنه ما يضعف عنه وما لا يطيقه إيمانه وصبره وقوته "

انتهى من " تيسير الكريم الرحمن " (ص/175) .

ولذلك فالأنسب في تفسير أوجُه " الضعف البشري " في الآية الكريمة حملها على إطلاقها ، لتشمل جميع جوانب الضعف : النفسية ، والبدنية ، والعقلية ، والعاطفية

والتركيبية ، فالإنسان ضعيف النفس بسبب نوازع الخير والشر المخلوقة فيه ، إلى جانب الوساوس والأهواء التي تعرض له أيضا ، وهو ضعيف البدن أيضا بسبب ما يعرض له من الآفات والأسقام

وبالمقارنة مع كثير من المخلوقات عظيمة الخلق ، وهو ضعيف العقل بسبب قدراته المحدودة التي تخوله من النجاح والإبداع ولكن في حدود المنظور في هذا الكون وما يمكن القياس عليه

كما أنه ضعيف في الجوانب العاطفية والشعورية ، فيتأثر أسرع تأثير بما يبكيه أو يفرحه أو يُجبِنُه أو يُبخِله أو يشجعه أو يخوفه .

فلكل هذه الأوجه من الضعف والفقر شرع الله عز وجل لنا ما يناسبنا

وخفف عنا فلم يكلفنا فوق طاقتنا ، فكانت شريعتنا شريعة التخفيف والتيسير

كما قال سبحانه وتعالى : ( الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ) الأنفال/66.

يقول ابن عباس رضي الله عنهما :

" ثَمَانِ آيَاتٍ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ هِيَ خَيْرٌ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَغَرَبَتْ

أَوَّلُهُنَّ : (يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ) النساء/26

ثَلَاثًا مُتَتَابِعَاتٍ ، وَالرَّابِعَةُ :

( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا ) النساء/31

وَالْخَامِسَةُ : ( إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا ) النساء/40

الْآيَةَ ، وَالسَّادِسَةُ : ( وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا ) النساء/11

، وَالسَّابِعَةُ : ( إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ) النساء/48 الْآيَةَ

وَالثَّامِنَةُ : ( وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ ) النساء/152 " الْآيَةَ "

رواه البيهقي في " شعب الإيمان " (9/346) .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-03-01, 17:04
هل يعد القنوط من رحمة الله كفرا

السؤال

اذا قنط احد من رحمة الله فهل سيكون كافر كما فى الآية 87 من سورة يوسف؟

الجواب

الحمد لله:

قال الله تعالى : ( إنَّه لا ييأس مِن روح الله إلا القومُ الكافِرون) يوسف / 87

وقد دلَّت هذه الآيةُ الكريمةُ على أنَّ اليأسَ والقنوطَ مِن رحمة الله تعالى مِن صفات القوم الكافرين، ولا يلزَم مِن هذا أنَّ مَن اتَّصفَ بصفةٍ مِن صفاتهم أن يكون كافرًا مثلهم.

واليأس والقنوط مِن رحمة الله تعالى قد يكون كفرًا يخرج مِن مِلَّة الإسلام، وقد يكون كبيرةً من الكبائر.

والضَّابِط في ذلك: أنَّ اليأس إذا انعدمَ معه الرَّجاء في رحمة الله تعالى وفرجه وعفوه -له أو للنَّاس-، وكان إنكارًا

واستبعادًا لسَعَة رحمته سبحانه ومغفرته وعفوه فهو كفرٌ؛ لأنَّه يتضمَّن تكذيبَ القرآن والنُّصوص القطعيَّة

وإساءة الظَّنِّ بربِّه تعالى؛ "إذ يقول

- وقوله الحق -: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) [الأعراف: 156]

وهو يقول: لا يغفِر له! فقد حجَّر واسعًا. هذا إذا كان معتقدًا لذلك

؛ كما قال الإمامُ القرطبيُّ -رحمه الله- في تفسيره (5/ 160).

أما إن كان لاستعظام الذَّنوب ، واستبعاد مغفرتها والعفو عنها، أو بالنَّظَر إلى قضاء الله وأموره في الكون -كاليأس في الرِّزق والولد ونحوه-

مع عدم انعدام الرجاء؛ فهذا كبيرةٌ مِن أكبر الكبائر ولا يكون كفرًا. وقد عُدَّ من الكبائر -بالإجماع-

لما وردَ فيه مِن الوعيد الشديد

كقوله تعالى: (إنَّه لا ييأس مِن روح الله إلا القومُ الكافِرون) [يوسف: 87]

وقوله سبحانه: (ومَن يقنَط مِن رحمة ربِّه إلا الضَّالُّون) [الحِجر: 56]. والله أعلم.

وينظر للاستزادة : تفسير القرطبي (5/ 160)

والزواجِر عن اقتراق الكبائر لابن حجر الهيتميّ (الكبيرة الأربعون)

وشرح العقيدة الطحاوية للشيخ صالح آل الشيخ ( 1/ 552)

والموسوعة الفقهية الكويتية (7/ 200).

والله أعلم

*عبدالرحمن*
2019-03-01, 17:09
معنى " كان " في مثل قوله تعالى ( وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا بَصِيرًا )

السؤال

يكثر في القرآن استخدام كلمة " كان " عندما نتحدث بعض صفات الله تعالى مثل ( إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُم رَقِيباً ) ونحن نعلم أن " كان " تفيد الماضي

والغريب أنها تُترجم إلى الإنجليزية على أنها في المضارع وليس في الماضي ، فما توجيهكم لهذا ؟ .

الجواب

الحمد لله

لفظة " كان " لا تدل دائماً على الماضي المنقطع

وإن كان هذا هو المشهور الغالب في استعمالها

وقد جاء ذِكرها في كلام العرب وفي كتاب الله تعالى بمعنى " لم يزل " وهي تدل بذلك على " الاستمرارية " لا الانقطاع

ومنه قوله تعالى ( وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً ) الإسراء/ 11

فهل يعني ذلك انقطاعه عن الإنسان ؟!

ومنه قوله تعالى ( إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا ) الإسراء/ 53

فهل انقطعت عداوة الشيطان للإنسان وكانت في فقط في زمن مضى ؟!

وأولى ما يتعيَّن هذا المعنى فيه هو فيما إذا جاءت في سياق أسماء الله تعالى وصفاته .

روى البخاري في صحيحه (6/127) : عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ:

" إِنِّي أَجِدُ فِي القُرْآنِ أَشْيَاءَ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ .... وَقَالَ: وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء: 96] ، عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء: 56] ، سَمِيعًا بَصِيرًا [النساء: 58] فَكَأَنَّهُ كَانَ ثُمَّ مَضَى؟ " .

فأجاب ابن عباس رضي الله عنه عن مسائله ، فقال فيها :

" وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء: 96] سَمَّى نَفْسَهُ ذَلِكَ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ ؛ أَيْ لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُرِدْ شَيْئًا إِلَّا أَصَابَ بِهِ الَّذِي أَرَادَ، فَلاَ يَخْتَلِفْ عَلَيْكَ القُرْآنُ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ " انتهى.

قال أبو حيان الأندلسي – رحمه الله - :

" ( إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدًا ) فـ " كان " تدل على اقتران مضمون الجملة بالزمن الماضي ، وهو تعالى متصف بهذا الوصف ماضياً وحالاً ومستقبلاً

وتقييد الفعل بالزمن لا يدل على نفيه عن غير ذلك الزمن "

انتهى من " تفسير البحر المحيط " ( 5 / 487 ) .

وقال السيوطي – رحمه الله - :

" تختص كان بمرادفة " لم يزل " كثيراً ، أي : أنها تأتي دالة على الدوام ، وإن كان الأصل فيها أن يدل على حصول ما دخلت عليه فيما مضى ، مع انقطاعه عند قوم

وعليه الأكثر - كما قال أبو حيان - ، أو سكوتها عن الانقطاع وعدمه عند آخرين - وجزم به ابن مالك -

ومن الدالّة على الدوام : الواردة في صفات الله تعالى نحو ( وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ) النساء/ 134 ، أي : لم يزل متصفا بذلك "

انتهى من " همع الهوامع " ( 1 / 437 ، 438 ) .

وقال محيي الدين درويش – رحمه الله -

: " " كان " في القرآن على خمسة أوجه :

1. بمعنى الأزل والأبد نحو ( وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ) النساء/ 17 ، وغيرها .

2. بمعنى المضيّ المنقطع نحو ( وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ ) النمل/ 48 .

3. بمعنى الحال نحو ( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ) آل عمران/ 110 .

4. بمعنى الاستقبال نحو ( وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا ) الإنسان/ 7 .

5. بمعنى صار نحو ( وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ) البقرة/ 34 ، ص/ 74 "

انتهى من " إعراب القرآن وبيانه " ( 10 / 318 ) .

ومن العلماء من يرى أن لفظة " كان " في مثل السياقات السابقة تكون مسلوبة الزمن ، وهي تدل بذلك على تحقيق ما جاءت في سياقه .

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله - :

" ثم قال ( إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ) ، وقوله ( كَانَ ) هذه فعل ، لكنها مسلوبة الزمن

فالمراد بها : الدلالة على الوصف فقط ، أي : أن الله متصف بالسمع والبصر ، وإنما قلنا : إنها مسلوبة الزمن لأننا لو أبقيناها على دلالتها الزمانية لكان هذا الوصف قد انتهى

كان في الأول سميعًا بصيرًا أما الآن فليس كذلك ، ومعلوم أن هذا المعنى فاسد باطل

وإنما المراد : أنه متصف بهذين الوصفين " السمع " و " البصر " على الدوام ، و ( كان ) في مثل هذا السياق يراد به التحقيق "

انتهى من " مجموع فتاوى الشيخ العثيمين " ( 8 / 172 ) .

فصار معنى مثل تلك الآيات أن الله تعالى كان ولا يزال متصفاً بتلك الصفات

وأن دلالة الكلمة على الفعل الماضي لا يمنع دلالتها على الحاضر والمستقبل ، أو يقال : هي مسلوبة الزمن في هذه السياقات والمراد بها تحقيق الصفات .

وتبين مما سبق ذِكره ونقله أن ترجمة الفعل " كان " إلى المضارع صحيح لا وجه للاعتراض عليه وأن ترجمتها بالماضي لمن لا يفقه لغة العرب هو الذي يوقع في الإشكال .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-03-01, 17:15
من هم السبعون ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا سابقة عذاب

السؤال

قال تعالى : ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ) فاطر/32.

هل السبعون ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا سابقة عذاب هم : ( ظالم لنفسه ، ومقتصد ، وسابق بالخيرات )، أم هم ( مقتصد ، وسابق بالخيرات فقط )، أم هم ( سابق بالخيرات فقط ) ؟ وشكرا .

الجواب

الحمد لله

ظواهر الأدلة الشرعية تقرر أن الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب هم السابقون بالخيرات ، وليسوا المقتصدين أو الظالمين لأنفسهم ، وتوضيح ذلك فيما يلي :

أولا :

جاءت بعض الأحاديث النبوية الصريحة تقسم الناس ثلاثة أصناف ، فيصف النبي صلى الله عليه وسلم السابقين بالخيرات فقط أنهم يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب .

عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

( قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ) فاطر/32، فَأَمَّا الَّذِينَ سَبَقُوا بِالْخَيْرَاتِ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ

وَأَمَّا الَّذِينَ اقْتَصَدُوا فَأُولَئِكَ يُحَاسَبُونَ حِسَابًا يَسِيرًا ، وَأَمَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ يُحَاسَبُونَ فِي طُولِ الْمَحْشَر ، ثُمَّ هُمُ الَّذِينَ تَلَافَاهُمُ اللهُ بِرَحْمَتِهِ ،

فَهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ : ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ) فاطر/34، إِلَى قَوْلِهِ : ( لُغُوبٌ ) فاطر/35 )

رواه الإمام أحمد في " المسند " (36/57) قال : حدثنا إسحاق بن عيسى ، حدثني أنس بن عياض الليثي أبو ضمرة ، عن موسى بن عقبة ، عن علي بن عبد الله الأزدي ، عن أبي الدرداء به .

وهذا إسناد صحيح ، رواته ثقات ، أولهم شيخ الإمام أحمد إسحاق بن عيسى البغدادي ، وكذلك شيخه أنس بن عياض ، وإمام المغازي موسى بن عقبة ، وكلهم ذكروا في طبقة تلاميذ ومشايخ بعضهم .

وأما علي بن عبد الله الأزدي فهو كذلك ثقة ، قال فيه ابن عدي : " لا بأس به عندي "

انتهى من " الكامل " (6/307)،

وذكره ابن حبان في " مشاهير علماء الأمصار " (ص/152)

وقال : " من رهط محمد بن واسع ، كان يختم القرآن في رمضان في كل ليلة " انتهى.

" ولما ذكره ابن خلفون في كتاب " الثقات " قال: هو ثقة ، قاله أحمد بن صالح وغيره "

هكذا جاء في " إكمال تهذيب الكمال " (9/357)

وقال الذهبي رحمه الله :

" ما علمت لأحد فيه جرحة ، وهو صدوق "

انتهى من " ميزان الاعتدال " (3/142)

وسماعه من أبي الدرداء محتمل أيضا ، فقد أثبت العلماء سماعه من عبد الله بن عمر ومن أبي هريرة رضي الله عنهما ، فليس من المستبعد إثبات سماعه من أبي الدرداء رضي الله عنه أيضا.

ولذلك قال الهيثمي رحمه الله :

" رواه أحمد بأسانيد رجال أحدها رجال الصحيح ، وهي هذه إن كان علي بن عبد الله الأزدي سمع من أبي الدرداء ، فإنه تابعي "

انتهى من " مجمع الزوائد " (7/95)

وقد أعل محققو " المسند " في طبعة " مؤسسة الرسالة " هذا الحديث بالانقطاع بين علي بن عبد الله الأزدي وأبي الدرداء رضي الله عنه

مستدلين بقول الإمام البخاري رحمه الله في " التاريخ الكبير " (19/18):

" وقال محمد بن علي : نا سعيد بن عبد الحميد قال : نا ابن أبي الزناد ، عن موسى بن عقبة ، عن عبد الله بن علي الأزدي – هكذا في المطبوع ، والصواب علي بن عبد الله -

عن أبي خالد البكري ، أن رجلا جاء المدينة فلقي أبا الدرداء نحوه " انتهى.

فجعل بين عبد الله بن علي وأبي الدرداء أبا خالد البكري ، غير أن رواية الإمام أحمد رحمه الله التي ظاهرها الاتصال بين علي وأبي الدرداء أثبت

فالراوي عن موسى بن عقبة هناك أنس بن عياض ، وهو أثبت من عبدالرحمن بن أبي الزناد الذي في إسناد " التاريخ الكبير "، فقد قال عنه أحمد بن حنبل : مضطرب الحديث ، وقال أبو حاتم وابن معين : لا يحتج به .

انظر : " تهذيب التهذيب " (6/172).

وقد وردت أسانيد أخرى لهذا الحديث فيها شيء من الاضطراب ، يمكن مراجعتها في " التاريخ الكبير " (9/17-18)، غير أن الإمام الحاكم ذكرها في " المستدرك " (2/462) ثم قال

: " وإذا كثرت الروايات في الحديث ظهر أن للحديث أصلا " انتهى، و

كذلك قال البيهقي رحمه الله في " البعث والنشور " (ص/83)، ونقل العلامة ابن القيم عن طائفة من العلماء أنها " قد بلغت في الكثرة إلى حد يشد بعضها بعضا ، ويشهد بعضها لبعض "

انتهى من " طريق الهجرتين " (ص/201)

ثانيا :

الآثار الواردة عن الصحابة في تفسير هذه الآيات تدل على أن السابقين بالخيرات هم الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب .

عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنه قال في تفسير الآية :

" هم أمة محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ، ورثهم الله كل كتاب أنزله ؛ فظالمهم يغفر له ، ومقتصدهم يحاسب حسابًا يسيرًا ، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب "

رواه ابن جرير الطبري في " جامع البيان " (20/465)

وعن أَبي وائل عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال :

" هذه الأمة ثلاثة أثلاث يوم القيامة ؛ ثلث يدخلون الجنة بغير حساب ، وثلث يحاسبون حسابًا يسيرًا ، وثلث يجيئون بذنوب عظام حتى يقول : ما هؤلاء ؟ وهو أعلم تبارك وتعالى ، فتقول الملائكة :

هؤلاء جاءوا بذنوب عظام إلا أنهم لم يشركوا بك ، فيقول الرب : أدخلوا هؤلاء في سعة رحمتي ، وتلا عبد الله هذه الآية : ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ) "

رواه ابن جرير الطبري في " جامع البيان " (20/465)

ثالثا :

تقريرات أهل العلم في هذا الموضوع توضح أيضا أن الذين يدخلون الجنة بغير حساب هم السابقون بالخيرات ، ننقل منها ما يلي :

يقول الشيخ صالح الفوزان حفظه الله :

" من حقق التوحيد ، يعني أنه لم يشرك بالله شيئاً ، ولم يكن عنده شيء من المعاصي ، هذا تحقيق التّوحيد ، ومن بلغ هذه المرتبة دخل الجنة بلا حساب .

أما من كان في المرتبة التي قبلها ، وهو الموحّد الذي عنده ذنوب ، فهذا قد يُغفر له ، وقد يعذب بالنار ثم يُخرج منها ؛ لأن الموحّدين على ثلاث طبقات

كما قال تعالى : ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ )

الطبقة الأولى : الذين سلموا من الشرك ، وقد لا يسلمون من الذنوب التي هي دون الشرك ، وهم الظالمون لأنفسهم ، وهم معرضون للوعيد .

الطبقة الثانية : المقتصدون الذين فعلوا الواجبات وتركوا المحرمات ، وقد يفعلون بعض المكروهات ويتركون بعض المستحبات ، وهم الأبرار .

الطبقة الثالثة : التي سَلِمَت من الشرك الأكبر والأصغر ومن البدع ، وتركت المحرمات والمكروهات وبعض المباحات ، واجتهدت في الطاعات من واجبات ومستحبات

وهؤلاء هم السابقون بالخيرات ، ومن كان بهذه المرتبة دخل الجنة بلا حساب ولا عذاب "

انتهى من " إعانة المستفيد شرح كتاب التوحيد " (1/74-75)

ويقول الشيخ عبدالله الغنيمان حفظه الله :

" الذين يسبقون إلى الجنة بغير حساب هم الذين يفعلون الواجبات ويتركون المحرمات والمكروهات

ويفعلون المستحبات ، وهؤلاء هم الذين ذكرهم الله جل وعلا في أحد أقسام الذين أورثهم الله جل وعلا الكتاب ، وهم الذين اصطفاهم الله

فهم السابقون بالخيرات بإذن ربهم ؛ لأن الله جل وعلا قسمهم ثلاثة أقسام : قسم ظالم لنفسه ، وقسم مقتصد ، وقسم سابق بالخيرات بإذن الله .

فهؤلاء الذين يسبقون بالخيرات بإذن الله جل وعلا هم الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ، فيسبقون إليها قبل غيرهم ، وهذا أيضاً لا يلزم منه أن الذين يحاسبون ولا يسبقون إليها يكونون أقل منهم درجة

فقد يكون الذين يحاسبون منهم من إذا دخل الجنة كان أعلى من السابقين الذين دخلوها بلا حساب ، كما إذا كان الإنسان عنده جهاد وعنده أموال، ولكنه ينفق في سبيل الله وينفع عباد الله بأمواله

فهو يحاسب عن ماله : من أين جمعه وفيم أنفقه ، ولا بد من المحاسبة ، ولكن بعد المحاسبة قد تكون درجته أرفع من درجة الذين يسبقون إلى الجنة بغير حساب "

انتهى من " شرح فتح المجيد " (درس رقم18/ص7 بترقيم الشاملة)

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-03-01, 17:22
افتراء اليهود في اتهام داود عليه السلام بالباطل وتفسير ( وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الخَصْمِ )

السؤال

أخبرني أحد أصدقائي أن النبي داود عليه السلام ارتكب الزنا مع زوجة أحد رفقائه ، لذا فالذي أريد معرفته :

هل ما يقوله زميلي حق أم لا ؟

وبارك الله فيكم على ما تقدمونه من خير.

الجواب

الحمد لله

أولاً:

ما قاله زميلك في حق نبي الله داود عليه السلام باطل منكَر

ولا نظن مسلماً يعتقد ذلك فضلاً أن ينشره في الناس ، ولو قاله أحد فإنه يستحق القتل

قال ابن العربي المالكي رحمه الله :

" من قال إنَّ نبيّاً زنى فإنه يُقتل " .

انتهى من " أحكام القرآن " ( 7 / 73 ) .

وإنما تصدر تلك الاتهامات من كذبة أهل الكتاب الذين لا يتورعون عن اتهام الأنبياء والمرسلين بفعل المنكرات ، وهو ما عرفوه نتيجة تحريف كتبهم ، وبسبب علماء الضلالة في أديانهم .

وأما أهل الإسلام فإنهم يوقرون الأنبياء والمرسلين ويثبتون لهم كمال الأخلاق ، وقد عصمهم ربهم عز وجل من فعل الكبائر ، ولا خلاف بين علماء الإسلام في هذا .

قال ابن عطية الأندلسي – رحمه الله - :

وأجمعت الأمة على عصمة الأنبياء في معنى التبليغ ، ومن الكبائر ، ومن الصغائر التي فيها رذيلة .

انتهى من " المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز " ( 1 / 221 ) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - :

إن القول بأن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر : هو قول أكثر علماء الإسلام ، وجميع الطوائف ، حتى إنه قول أكثر أهل الكلام ، كما ذكر أبو الحسن الآمدي أن هذا قول الأشعرية

وهو أيضاً قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقهاء ، بل لم يُنقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول .

انتهى من " مجموع الفتاوى " ( 4 / 319 ) .

ثانياً:

أما ما جاء في كتب الإسرائيليات من وقوع نبي الله داود عليه والسلام في الزنا فهو من القبائح المنكرة ، وهي من جملة افتراءات الكذبة على رسل الله المحرِّفين لدينهم

فقد جاء في " العهد القديم " صموئيل الثاني ، الإصحاح الحادي عشر ( ص 498 ) ما نصُّه : "

وأما داود فأقام في أورشليم ، وكان وقت المساء أن داود قام عن سريره وتمشى على سطح بيت الملك فرأى من على السطح امرأة تستحم ، وكانت المرأة جميلة المنظر جدّاً

فأرسل داود وسأل عن المرأة ، فقال واحد : أليست هذه " بَثْشَبَعَ بنت أَلبِعَام " امرأة أُوريا الحثي ، فأرسل داود رسلاً وأخذها ، فدخلت إليه فاضطجع معها وهي مُطهرة من طمثها

ثم رجعت إلى بيتها وحبلت المرأة ، فأرسلت وأخبرت داود وقالت : إني حبلى !! ..
. .
إلى أن قالوا – كاذبين -
:
كتب داود مكتوبًا إلى " يواب " وأرسله بيد " أوريا " ، وكتب في المكتوب يقول : " اجعلوا " أوريا " في وجه الحرب الشديدة وأرجعوا مَن وراءه ، فيُضرب ويموت

وكان في محاصرة " يواب " المدينة : أنه جعل أوريا في الموضع الذي علم أن رجال البائس فيه ، فخرج رجال المدينة وحاربوا " يواب " فسقط بعض الشعب من عبيد " داود " ، ومات " أوريا " الحثي أيضاً .

إلى أن قالوا – مفترين - :

فلما سمعت امرأة " أوريا " أنه قد مات " أوريا " رجلها ندبت بعلها ، ولما مضت المناحة أرسل " داود " وضمها إلى بيته ، وصارت له امرأة ، وولدت له ابناً ، وأما الأمر الذي فعله داود فَقَبح في عيني الرب ! " أ.هـ .

وقد تسرَّبت هذه القصة إلى بعض كتب التفسير التي لا يُعنى أصحابها بالتحقيق ، ولم ينزهوا تفاسيرهم عن الإسرائيليات ، فذكروها عند قوله تعالى ( وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ .

إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ . إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ

فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ .

قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ .

فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ ) ص/ 21 – 25 .

قال ابن حزم – رحمه الله

– بعد أن ساق الآيات السابقة - :

وهذا قول صادق صحيح لا يدل على شيء مما قاله المستهزئون الكاذبون المتعلقون بخرافات ولَّدها اليهود ، وإنما كان ذلك الخصم قوماً من بني آدم بلا شك

مختصمين في نعاج من الغنم على الحقيقة بينهم ، بغَى أحدهما على الآخر على نص الآية ، ومَن قال إنهم كانوا ملائكة معرِّضين بأمر النساء :

فقد كذب على الله عز وجل وقوَّله ما لم يقل ، وزاد في القرآن ما ليس فيه ، وكذب الله عز وجل وأقر على نفسه الخبيثة أنه كذَّب الملائكة

لأن الله تعالى يقول ( وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ ) فقال هو : لم يكونوا قط خصميْن ولا بغى بعضهم على بعض ولا كان قط لأحدهما تسع وتسعون نعجة ولا كان للآخر نعجة واحدة ولا قال له

( أَكْفِلْنِيهَا ) فاعجبوا لما يقحم فيه أهل الباطل أنفسهم ، ونعوذ بالله من الخذلان ، ثم كل ذلك بلا دليل ، بل الدعوى المجردة

وتالله إن كل امرئ منَّا ليصون نفسَه وجارَه المستور عن أن يتعشق امرأة جاره ثم يعرِّض زوجها للقتل عمداً ليتزوجها ، وعن أن يترك صلاته لطائر يراه

هذه أفعال السفهاء المتهوِّكين الفسَّاق المتمردين لا أفعال أهل البر والتقوى

فكيف برسول الله داود صلى الله عليه وسلم الذي أوحى إليه كتابَه وأجرى على لسانه كلامَه ؟! لقد نزهه الله عز و جل عن أن يمر مثل هذا الفحش بباله فكيف أن يستضيف إلى أفعاله ؟! .

وأما استغفاره وخروره ساجداً ومغفرة الله تعالى له : فالأنبياء عليهم السلام أولى الناس بهذه الأفعال الكريمة والاستغفار فعل خير لا يُنكر مِن ملك ولا مِن نبي ولا من مذنب ولا من غير مذنب ..
.
وأما قوله تعالى عن داود عليه السلام ( وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ ) وقوله تعالى ( فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ ) فقد ظن داود عليه السلام أن يكون ما آتاه الله عز وجل من سعة الملك العظيم فتنة

فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو في أن يثبت الله قلبه على دينه ، فاستغفر الله تعالى من هذا الظن فغفر الله تعالى له هذا الظن إذ لم يكن ما أتاه الله تعالى من ذلك فتنة .

" الفِصَل في الملل والأهواء والنِّحَل " ( 4 / 14 ) .

وقال ابن كثير – رحمه الله - :

قد ذكر المفسرون هاهنا قصة أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات ولم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب اتباعه ، ولكن روى ابن أبي حاتم هنا حديثا لا يصح سنده

لأنه من رواية يزيد الرقاشي عن أنس ، ويزيد وإن كان من الصالحين ، لكنه ضعيف الحديث عند الأئمة

فالأولى أن يُقتصر على مجرد تلاوة هذه القصة ، وأن يرد علمها إلى الله عز وجل ؛ فإن القرآن حق وما تضمن فهو حق أيضاً .

" تفسير ابن كثير " ( 7 / 60 ) .

وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله - :

واعلم أن ما يذكره كثير من المفسرين في تفسير هذه الآية الكريمة

مما لا يليق بمنصب داود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، كله راجع إلى الإسرائيليات، فلا ثقة به، ولا معوّل عليه، وما جاء منه مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا يصح منه شيء .

" أضواء البيان " ( 6 / 339 ) .

وبما ذكرناه يتبين لكل منصف أن تلك القصة القبيحة عن داود عليه السلام إنما تسربت لكتب التفسير من طريق اليهود وكتبهم المحرَّفة المنسوبة لرب العالَمين

والتي لم تأبه لمقام النبوة والرسالة فراحوا يطعنون بصفوة خلق الله بلا حياء ولا خجل .

والله أعلم

*عبدالرحمن*
2019-03-01, 17:30
اختلاف المفسرين في الرسل المذكورين في سورة يس

السؤال

هل هؤلاء الرسل الثلاث الذين ذُكروا في سورة " يس " في قصة أصحاب القرية – هم من رسل الله -

قال تعالى : ( وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ . إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ ) ؟

الجواب

الحمد لله

اختلف المفسرون في هؤلاء الرسل الثلاثة الذين ضرب الله بقصتهم مثلا في سورة " يس "، هل هم من رسل الله عز وجل ، أم من أصحاب المسيح عيسى بن مريم عليه السلام ، وذلك على قولين :

القول الأول : أنهم رسل الله تعالى ، ورسله عز وجل كثيرون

كما قال تعالى : (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ) غافر/78.

يروى هذا القول عن ابن عباس وكعب الأحبار ووهب بن منبه ، لكن الإسناد إليهم لا يصح

حيث يرويه الطبري في " جامع البيان " (20/500) وفي إسناده انقطاع ظاهر

ونقله ابن تيمية في " الجواب الصحيح " (2/247) من كلام أبي العالية حيث قال عنهم :

" قالوا : نحن رسل رب العالمين "

واختار هذا القول من المحققين شيخ الإسلام ابن تيمية ، والحافظ ابن كثير

واعتمده أيضا العلامة السعدي في " تيسير الكريم الرحمن " (ص/693)

ويمكن أن يستدل له بما يأتي :

أولا : جواب أهل القرية لهؤلاء المرسلين كان بقولهم : ( ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا )

وهذا الجواب حكاه القرآن الكريم عن تكذيب الكفار لرسل الله ، فقد كانوا يريدون إرسال الملائكة بدلا من البشر ، ولو كانوا رسلا لعيسى عليه السلام لم ينكر أصحاب القرية رسالتهم بهذه الحجة .

ثانيا : ظاهر القرآن الكريم يدل على أنهم رسل الله مباشرة

وذلك في قوله تعالى : ( إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ ) فنسب الإرسال إلى نفسه عز وجل بضمير الجمع ( أرسلنا ) .

القول الثاني : أنهم رسل المسيح عيسى بن مريم ، بعثهم إلى مدينة " أنطاكية "

وقد روى هذا القول جماعة من العلماء عن قتادة فيما بلغه ، واعتمده أكثر المفسرين وقدموه في تفسيرهم للآيات ، بل قال ابن كثير: "هو الذي لم يذكر عن واحد من متأخري المفسرين غيره"

انتهى من " تفسير القرآن العظيم" (6/573)

انظر : " تفسير البغوي " (7/10)،

" الكشاف " (4/7)

" التسهيل لعلوم التنزيل " لابن جزي (2/180)

"إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم" لأبي السعود (7/161 )

"أنوار التنزيل وأسرار التأويل" للبيضاوي (4/ 264)

"مفاتيح الغيب" للرازي (26/260)

"فتح القدير " للشوكاني (4/417)

قال قتادة رحمه الله :

" ذُكر لنا أن عيسى ابن مريم بعث رجلين من الحواريين إلى أنطاكية -مدينة بالروم- فكذبوهما فأعزهما بثالث "

انتهى رواه الطبري بإسناده في " جامع البيان " (20/500)

ودليل هذا القول هو النقل عن قتادة فقط ، وإلا فليس في سياق القصة في القرآن الكريم تصريح ولا تلميح بذلك .
ثم أجابوا عن أدلة القول الأول بما يأتي :

أولا : اعتراض أصحاب القرية بكون الرسل بشرا هو من التعنت الذي اعتاده المكذبون ، والمتعنت لا فرق عنده بين رسل الله المباشرين ورسل عيسى عليه السلام

فهو يبحث عن الجدال العقيم ، ويتذرع بأي شبهة ليكذب بها الرسل ، فيستعمل هذا الجواب الداحض لكل من ذكَّره بالله ، وأَمَرَه بالإيمان به وحده لا شريك له .

ثانيا : أما الإسناد إلى ضمير الجمع ( إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ ) قالوا هو على سبيل المجاز ، فإن رسل عيسى هم رسل الله عز وجل أيضا ، ولكن بالواسطة ، فجاز في اللغة نسبتهم إلى المرسِل الأول .

وقد أطال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مناقشة هذا الموضوع في كتابه العظيم

" الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح "، وذلك في معرض الجواب عن دعوى من يقول إن الحواريين أصحاب عيسى عليه السلام كانوا من الرسل أو من الأنبياء

وبعضهم يستدل بهذه الآيات في سورة يس ، فبين بوجوه كثيرة أن الرسل الثلاثة الوارد ذكرهم في سورة يس هم رسل الله أرسلوا إلى تلك القرية قبل بعث المسيح عليه السلام .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

" بعضهم يقول : إن المسيح أرسلهم في حياته .

لكن المعروف عند النصارى أن أهل أنطاكية آمنوا بالحواريين واتبعوهم ، لم يهلك الله أهل أنطاكية ، والقرآن يدل على أن الله أهلك قوم هذا الرجل الذي آمن بالرسل .

وأيضا فالنصارى يقولون : إنما جاءوا إلى أهل أنطاكية بعد رفع المسيح ، وأن الذين جاءوا كانوا اثنين لم يكن لهما ثالث ، قيل : أحدهما شمعون الصفا

والآخر بولص ، ويقولون إن أهل أنطاكية آمنوا بهم ، ولا يذكرون حبيب النجار ، ولا مجيء رجل من أقصى المدينة

فالأمر المنقول عند النصارى أن هؤلاء المذكورين في القرآن ليسوا من الحواريين ، وهذا أصح القولين عند علماء المسلمين وأئمة المفسرين

وذكروا أن المذكورين في القرآن في سورة يس ليسوا من الحواريين بل كانوا قبل المسيح ، وسموهم بأسماء غير الحواريين ; كما ذكر محمد بن إسحاق
.
وهذا القول هو الصواب ، وأن هؤلاء المرسلين كانوا رسلا لله قبل المسيح ، وأنهم كانوا قد أرسلوا إلى أنطاكية ، وآمن بهم حبيب النجار

فهم كانوا قبل المسيح ، ولم تؤمن أهل المدينة بالرسل ؛ بل أهلكهم الله تعالى كما أخبر في القرآن

ثم بعد هذا عمرت أنطاكية وكان أهلها مشركين حتى جاءهم من جاءهم من الحواريين ، فآمنوا بالمسيح على أيديهم ، ودخلوا دين المسيح .

ويقال إن أنطاكية أول المدائن الكبار الذين آمنوا بالمسيح - عليه السلام - وذلك بعد رفعه إلى السماء ، ولكن ظن من ظن من المفسرين أن المذكورين في القرآن هم رسل المسيح وهم من

الحواريين ، وهذا غلط لوجوه :

منها : أن الله قد ذكر في كتابه أنه أهلك الذين جاءتهم الرسل ، وأهل أنطاكية لما جاءهم من دعاهم إلى دين المسيح آمنوا ولم يهلكوا .

ومنها : أن الرسل في القرآن ثلاثة ، وجاءهم رجل من أقصى المدينة يسعى ، والذين جاءوا من أتباع المسيح كانوا اثنين ، ولم يأتهم رجل يسعى ، لا حبيب ، ولا غيره .

ومنها : أن هؤلاء جاءوا بعد المسيح ، فلم يكن الله أرسلهم .

ومعلوم عند الناس أن أهل أنطاكية لم يصبهم ذلك بعد مبعث المسيح ، بل آمنوا قبل أن يبدل دينه ، وكانوا مسلمين مؤمنين به على دينه إلى أن تبدل دينه بعد ذلك .

ومما يبين ذلك أن المعروف عند أهل العلم أنه بعد نزول التوراة لم يهلك الله مكذبي الأمم بعذاب من السماء يعمهم ; كما أهلك قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وفرعون وغيرهم

بل أمر المؤمنين بجهاد الكفار ; كما أمر بني إسرائيل على لسان موسى بقتال الجبابرة ، وهذه القرية أهلك الله أهلها بعذاب من السماء ، فدل ذلك على أن هؤلاء الرسل المذكورين في يس كانوا قبل موسى عليه السلام .

وأيضا فإن الله لم يذكر في القرآن رسولا أرسله غيرُه ، وإنما ذكر الرسل الذين أرسلهم هو .

وأيضا فإنه قال : ( إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث ) يس/14

فأخبر أنه أرسلهم ; كما أخبر أنه أرسل نوحا وموسى وغيرهما .

وفي الآية : ( قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء ) يس/15

ومثل هذا هو خطاب المشركين لمن قال : إن الله أرسله وأنزل عليه الوحي لا لمن جاء رسولا من عند رسول .

وقد قال بعد هذا : ( يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون ) يس/30.

وهذا إنما هو في الرسل الذين جاءوهم من عند الله ، لا من عند رسله .

وأيضا فإن الله ضرب هذا مثلا لمن أرسل إليه محمدا صلى الله عليه وسلم يحذرهم أن ينتقم الله منهم ; كما انتقم من هؤلاء ، ومحمد إنما يضرب له المثل برسول نظيره

لا بمن أصحابه أفضل منهم ، فإن أبا بكر وعمر وعثمان وعليا أفضل من الحواريين باتفاق علماء المسلمين ، ولم يبعث الله بعد المسيح رسولا ، بل جعل ذلك الزمان زمان فترة .

وأيضا فإنه قال تعالى : ( إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا ) يس/14

ولو كانوا رسل رسول ، لكان التكذيب لمن أرسلهم ، ولم يكن في قولهم : ( إن أنتم إلا بشر مثلنا شبهة )

فإن أحدا لا ينكر أن يكون رسل رسل الله بشرا ، وإنما أنكروا أن يكون رسول الله بشرا .

وأيضا : فلو كان التكذيب لهما وهما رسل الرسول ، لأمكنهما أن يقولا : فأرسلوا إلى من أرسلنا أو إلى أصحابه ، فإنهم يعلمون صدقنا في البلاغ عنه ، بخلاف ما إذا كانا رسل الله .

وأيضا فقوله : ( إذ أرسلنا إليهم اثنين ) يس/14، صريح في أن الله هو المرسل ، ومن أرسلهم غيره إنما أرسلهم ذلك لم يرسلهم الله ; كما لا يقال لمن أرسله محمد بن عبد الله إنهم رسل الله

فلا يقال لدحية بن خليفة الكلبي أن الله أرسله ، ولا يقال ذلك للمغيرة بن شعبة وعبد الله بن حذافة وأمثالهما ممن أرسلهم الرسول .

ومعلوم أنه لا يقال في هؤلاء : إن الله أرسلهم ، ولا يسمون عند المسلمين رسل الله

ولا يجوز باتفاق المسلمين أن يقال هؤلاء داخلون في قوله : ( لقد أرسلنا رسلنا بالبينات ) الحديد/25.

فإذا كانت رسل محمد صلى الله عليه وسلم لم يتناولهم اسم " رسل الله " في الكتاب الذي جاء به ، فكيف يجوز أن يقال : إن هذا الاسم يتناول رسل رسول غيره "

انتهى باختصار من " الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح " (2/245-255)

وقد اختصر ابن كثير كلام شيخه ابن تيمية

وأعاد صياغة الردود ، وذلك في " تفسير القرآن العظيم " (6/573-574) .

وبهذا يتبين صحة القول الأول الذي هو " ظاهر القرآن "

كما قال ابن الجوزي رحمه الله في " زاد المسير " (3/521)

وإن رجح في " المنتظم " (2/31) القول الثاني .

والله أعلم .

و اخيرا

الحمد لله الذي بفضلة تتم الصالحات

اخوة الاسلام

اكتفي بهذا القدر و لنا عوده
ان قدر الله لنا البقاء و اللقاء

و اسال الله ان يجمعني بكم دائما
علي خير

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين

*عبدالرحمن*
2019-03-02, 17:58
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)
اخوة الاسلام

أحييكم بتحية الإسلام
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)


تفسير قول الله تعالى : ( فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ )

السؤال

قال الله تعالى : ( فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) . فما المقصود بأهل الذكر ؟

وهل تقتصر فقط على أهل العلم بالدين ، أم هي عامة تشمل أهل كل علم من علوم الدين و الدنيا ؟

الجواب

الحمد لله:

قال الشيخ السعدي رحمه الله

في تفسير قوله تعالى: ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ * بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) :

"يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا

أي: لست ببدع من الرسل، فلم نرسل قبلك ملائكة ، بل رجالا كاملين ، لا نساء . نُوحِي إِلَيْهِمْ من الشرائع والأحكام ما هو من فضله وإحسانه على العبيد

من غير أن يأتوا بشيء من قبل أنفسهم، (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ) أي : الكتب السابقة (إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) نبأ الأولين ، وشككتم : هل بعث الله رجالا ؟

فاسألوا أهل العلم بذلك ، الذين نزلت عليهم الزبر والبينات ، فعلموها وفهموها، فإنهم كلهم قد تقرر عندهم أن الله ما بعث إلا رجالا يوحي إليهم من أهل القرى .

وعموم هذه الآية فيها مدح أهل العلم، وأن أعلى أنواعه العلم بكتاب الله المنزل. فإن الله أمر من لا يعلم بالرجوع إليهم في جميع الحوادث ، وفي ضمنه تعديل لأهل العلم وتزكية لهم

حيث أمر بسؤالهم، وأن بذلك يخرج الجاهل من التبعة، فدل على أن الله ائتمنهم على وحيه وتنزيله، وأنهم مأمورون بتزكية أنفسهم، والاتصاف بصفات الكمال.

وأفضل أهل الذكر أهل هذا القرآن العظيم، فإنهم أهل الذكر على الحقيقة، وأولى من غيرهم بهذا الاسم

ولهذا قال تعالى: وَأَنزلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ أي: القرآن الذي فيه ذكر ما يحتاج إليه العباد من أمور دينهم ودنياهم الظاهرة والباطنة ، لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نزلَ إِلَيْهِمْ

، وهذا شامل لتبيين ألفاظه وتبيين معانيه، وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ فيه ، فيستخرجون من كنوزه وعلومه بحسب استعدادهم وإقبالهم عليه

"انتهى من (تفسير السعدي - (1 / 441).

والله أعلم.

*عبدالرحمن*
2019-03-02, 18:01
الحكمة من ذكر الغراب في قصة ابني آدم دون غيره من الحيوانات

السؤال

لماذا ذكر الغراب في قصة أولاد آدم (عليه السلام)

الجواب

الحمد لله

لما قتل ابن آدم أخاه لم يدر ماذا يصنع به

لأنه أول ميت مات من بني آدم ، فأرسل الله تعالى غراباً يثير الأرض ليدفن فيه غراباً آخر ميتاً ـ على ما قاله بعض المفسرين ـ

قال الله تعالى : (فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنْ النَّادِمِينَ) المائدة/31 .

والحكمة من تخصيص الغراب : أن الغراب هو الذي يقوم بدفن الأشياء دون غيره من الحيوانات .

قال القاسمي رحمه الله

: "حكمة تخصيص الغراب : كون الغراب دأبه المواراة .

قال أبو مسلم : عادة الغراب دفن الأشياء . فجاء غراب فدفن شيئاً فتعلم ذلك منه"

انتهى من "محاسن التأويل"
.
وقال الألوسي رحمه الله :

" والغراب : طائر معروف . قالوا : والحكمة في كونه المبعوث دون غيره من الطيور أو الحيوان

لأنه يتشاءم به في الفراق والاغتراب ، أو لأن من عادة الغراب دفن الأشياء "

انتهى من "روح المعاني" (3/286) .

والله أعلم

*عبدالرحمن*
2019-03-02, 18:05
معنى قوله تعالى : (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ)

السؤال

ماذا يعنى النسيء الذي حرم في الآيتين 37 من سورة التوبة ؟

وما هو نوع النسيء الذي كان موجودا فى الجزيرة العربية قبل تحريمه ؟

الجواب

الحمد لله

قال الله تعالى : (إنما النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) التوبة/37 .

وقد اختلف أهل العلم في المراد بـ (النسيء) في هذه الآية على عدة أقوال أشهرها:

الأول : أنهم كانوا يبدلون بعض الأشهر الحرم بغيرها من الأشهر ، فيحرمونها بدلها

ويحلون ما أرادوا تحليله من الأشهر الحرم إذا احتاجوا إلى ذلك ، ولكن لا يزيدون في عدد الأشهر الهلالية شيئا ، فكانوا يحلون المحرم

فيستحلون القتال فيه؛ لطول مدة التحريم عليهم بتوالي ثلاثة أشهر محرمة (وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم) ، ثم يحرمون صفر مكانه ، فكأنهم يقترضونه ثم يوفونه .

وهذه أصح الصور وأشهرها وأكثرها موافقة لمعنى الآية كما نص على ذلك جماعة من السلف

وهو اختيار ابن كثير وغيره من المحققين ، وذلك لموافقتها لقوله تعالى : (يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا) ولقوله : (لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ الله) .

وبهذه الصورة فسر الشيخ ابن عثيمين رحمه الله النسيء في الآية .

المعنى الثاني : أنهم كانوا يحلون المحرم مع صفر من عام ويسمونهما صفرين ، ثم يحرمونهما من عام قابل ويسمونهما محرمين. وهذه صفة غريبة في النسيء ، كما يقول الحافظ ابن كثير.

المعنى الثالث : أنهم كانوا يحلون المحرم ، ويبقون صفر أيضاً حلالاً إذا احتاجوا إليه، ويجعلون مكانه ربيعاً . وقد استنكر الإمام أحمد هذا القول .

وأما نوع النسيء الذي كان موجودا في جزيرة العرب وأدركه الإسلام وحرمه ونهى عنه

فقد قال ابن كثير رحمه الله

: وقد تكلم الإمام محمد بن إسحاق على هذا في كتاب "السيرة" كلامًا جيدًا ومفيدًا حسنًا ، فقال : كان أول من نسأ الشهور على العرب

فأحل منها ما حرم الله ، وحرم منها ما أحل الله عز وجل ، "القَلمَّس"

وهو : حذيفة بن عبد مُدْرِكة فُقَيم بن عدي بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة بن خُزَيمة بن مدْرِكة بن إلياس بن مُضَر بن نزار بن مَعدَّ بن عدنان

ثم قام بعده على ذلك ابنه عَبَّاد ثم من بعد عباد ابنه قَلَع بن عباد ، ثم ابنه أمية بن قلع ، ثم ابنه عوف بن أمية ، ثم ابنه أبو ثمامة جنادة بن عوف

وكان آخرهم ، وعليه قام الإسلام . فكانت العرب إذا فرغت من حجها اجتمعت إليه

فقام فيهم خطيبًا ، فحرم رجباً ، وذا القعدة ، وذا الحجة ، ويحل المحرم عاما ، ويجعل مكانه صفر ، ويحرمه عاما ليواطئ عدة ما حرم الله ، فيحل ما حرم الله ، يعني : ويحرم ما أحل الله .

وكان شاعرهم عمير بن القيس المعروف بجزل الطعان يفتخر بذلك ، ويقول :

لقد علمـت معــد أن قـومــي كرام النـاس إن لهــم كرامــا

ألسنا الناسئــين علـى معـــد شهور الحـل نجعلهــا حرامــا

وأي الناس لـم يــدرك بذكـــر وأي الناس لـم يعــرف لجامــا

انظر : "العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير" (5 / 439)

و "تفسير ابن كثير" (4/ 144) وما بعدها و (تفسير الطبري 14 / 235)

والله تعالى أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-03-02, 18:11
تفسير قوله تعالى : ( مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان )

السؤال

في الآيات رقم: (19 – 22) من سورة الرحمن ، يشير الله سبحانه إلى بحرين يلتقيان ، ولكل منهما حدوده

فما الذي يعنيه ذلك ؟

الجواب

الحمد لله

أولا :

وردت في القرآن الكريم أربع آيات كريمات تذكر عظيم خلق الله عز وجل لكل من البحرين ، العذب والمالح ، وأنهما من عجيب آياته التي أبدعها سبحانه في هذا الكون ، وهذه الآيات هي:

( وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا ) الفرقان/53.

ويقول عز وجل : ( أَمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) النمل/61.

ويقول سبحانه : ( وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ ) فاطر/12.

ويقول جل وعلا : ( مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ . بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ . فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) الرحمن/19-21.

ثانيا :

الذي رأيناه عند أكثر أصحاب كتب التفسير أن المقصود بالبحرين هما النوعان المشهوران من المياه الموجودة على وجه الأرض :

النوع الأول : الأنهار العذبة .

والنوع الثاني : البحار المالحة .

والدليل على هذا التفسير قوله تعالى – في وصف البحرين - : ( هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ )

فالدليل ينصر ما ذهب إليه الأكثرون ، خلافا لمن قال هما بحران : بحر في السماء ، وبحر في الأرض ، أو بحر فارس والروم ، أو بحر المشرق والمغرب

أو غيرها من الأقوال الغريبة التي لا يصدق عليها أن أحدها عذب فرات ، والآخر ملحٌ أجاج .

ثالثا :

وأما البرزخ المذكور بين البحرين في هذه الآيات ، فللعلماء فيه قولان :

الأول : أن المقصود بالبرزخ الحاجز بين البحرين ( الأنهار والبحار ) هو الأراضي الواسعة التي تفصل الأنهار عن البحار ، بحيث لا تختلط المياه فيهما ، بل لكل منهما مجراه ومستقره الذي يستقل به عن الآخر .

وهذا هو التفسير الظاهري الذي وجدناه عند أكثر المفسرين .

يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله :

" ( وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا ) أي : بين العذب والمالح ، ( برزخا ) أي : حاجزاً ، وهو اليَبَس من الأرض ، ( وَحِجْرًا مَحْجُورًا ) أي : مانعاً أن يصل أحدهما إلى الآخر "

انتهى من " تفسير القرآن العظيم " (6/117)

ويقول أيضا رحمه الله :

" قوله : ( مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ) قال ابن عباس : أي : أرسلهما .

وقوله : ( يلتقيان ) قال ابن زيد : أي : منعهما أن يلتقيا ، بما جعل بينهما من البرزخ الحاجز الفاصل بينهما .

والمراد بقوله : ( البحرين ) الملح والحلو ، فالحلو هذه الأنهار السارحة بين الناس .

( بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ ) أي : وجعل بينهما برزخا

وهو : الحاجز من الأرض ، لئلا يبغي هذا على هذا ، وهذا على هذا ، فيفسد كل واحد منهما الآخر ، ويزيله عن صفته التي هي مقصودة منه "

انتهى من " تفسير القرآن العظيم " (7/492)

ويقول العلامة السعدي رحمه الله :

" المراد بالبحرين : البحر العذب ، والبحر المالح ، فهما يلتقيان كلاهما ، فيصب العذب في البحر المالح ، ويختلطان ويمتزجان ، ولكن الله تعالى جعل بينهما برزخا من الأرض ، حتى لا يبغي أحدهما على الآخر

ويحصل النفع بكل منهما ، فالعذب منه يشربون وتشرب أشجارهم وزروعهم ، والملح به يطيب الهواء ويتولد الحوت والسمك واللؤلؤ والمرجان ، ويكون مستقرا مسخرا للسفن والمراكب "

انتهى من " تيسير الكريم الرحمن " (ص/830)

التفسير الثاني : أن بين البحرين ، العذب والفرات ، حاجزا لا يظهر للعيان، خلقه الله بقدرته

يمنع به اختلاط الماء العذب بالماء المالح رغم التقاء الماءين في نهاية مصب الأنهار ، نقله القرطبي عن ابن عباس ، وعزاه السيوطي لرواية عبد بن حميد عن قتادة

انظر " الدر المنثور " (6/371)

قال الإمام القرطبي رحمه الله :

" ( وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً ) مانعا من قدرته ؛ لئلا يختلط الأجاج بالعذب .

وقال ابن عباس : سلطانا من قدرته ، فلا هذا يغير ذاك ، ولا ذاك يغير هذا ، والحجز المنع "

انتهى من " تفسير القرطبي " (13/222)

ويقول العلامة الأمين الشنقيطي رحمه الله :

" وهذا الحاجز هو اليبس من الأرض الفاصل بين الماء العذب ، والماء الملح على التفسير الأول .
وأما على التفسير الثاني : فهو حاجز من قدرة الله غير مرئي للبشر "

انتهى من " أضواء البيان " (6/66)

ويقول العلامة الطاهر بن عاشور رحمه الله :

" جعل الحاجز بين البحرين من بديع الحكمة ، وهو حاجز معنوي حاصل من دفع كلا الماءين أحدهما الآخر عن الاختلاط به ، بسبب تفاوت الثقل النسبي لاختلاف الأجزاء المركب منها الماء الملح والماء العذب .

فالحاجز حاجز من طبعهما ، وليس جسما آخر فاصلا بينهما "

انتهى من " التحرير والتنوير " (20/13)

ويقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :

" وقال بعض أهل العلم : بل البرزخ أمرٌ معنوي يحول بين المالح والعذب أن يختلط بعضهما ببعض .

وقالوا : إنه يوجد الآن في عمق البحار عيونٌ عذبة تنبع من الأرض ، حتى إن الغواصين يغوصون إليها ويشربون منها كأعذب ماء ، ومع ذلك لا تفسدها مياه البحار

فإذا ثبت هذا فلا مانع من أن نقول بقول علماء الجغرافيا وقول علماء التفسير ، والله على كل شيءٍ قدير "

انتهى من " لقاء الباب المفتوح " (لقاء رقم/7)

ويقول الشيخ صالح الفوزان حفظه الله :

" البرزخ : إما عازل بينهما ، وإما حاجز بينهما من الأرض ، وهذا من قدرة الله سبحانه وتعالى ، حيث إن هذه البحار تتجاور ويلتقي بعضها ببعض ولا يؤثر بعضها على بعض

لا المالح ينقلب إلى عذب، ولا العذب ينقلب إلى مالح، بل كل منهما يبقى بخصوصياته "

انتهى من " مجموع فتاوى فضيلة الشيخ صالح بن فوزان " (1/179)

ولا مانع من اختيار كلا القولين في تفسير الآية ، إذ يصدق كل منهما ولا تعارض بينهما

فالحاجز يصدق على اليابسة التي فصلت بين الأنهار والبحار ، ويصدق على الحاجز المعنوي ( فرق الكثافة ) الذي يتحدث عنه علماء البحار اليوم ، وهذا من اختلاف التنوع وليس من اختلاف التضاد .

يقول الدكتور حسين الحربي
:
" النوع الأول من الخلاف ، وهو ما إذا كان جميع الأقوال محتملة في الآية

ونصوص القرآن والسنة شاهدة لكل واحد منها ... – وذكر أمثلة - فمثل هذا الخلاف محتمل ، وكل الأقوال فيه حق ، ولا يدخله ترجيح لكون الأقوال صحيحة ، وجميعها مراد من الآية ، والقرآن يشهد لكل واحد منها "

انتهى من " قواعد الترجيح عند المفسرين " (1/42-45)

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-03-02, 18:19
يزعم أن هناك تناقضا في القرآن بين آية ( وإن منكم إلا واردها ) ونصوص أخرى تنص على المغفرة والرحمة لمن قتل في سبيل الله

السؤال

طرح عليّ أحد المسيحيين هذا السؤال فأريد إجابة له حتى أرسله إليه : في سورة " مريم " ( وإن منكم إلا واردها .. )

بمعنى أن جميع الخلق سيدخلون جهنم لبعض الوقت بما في ذلك المسلمون دون استثناء

ثم نجد أنه يشير ضمناً في سورة " آل عمران " أن من قتل مجاهداً فإنه لا يجري عليه هذا الحكم ( ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة .. )

فأين الرأي الصحيح في هذين القولين ؟! .

فكيف أرد عليه في كل هذه الادعاءات ؟

أرجوا تزويدي بالإجابة مفصّلة .

الجواب

الحمد لله

ليس فيما ذكره من الآيات ، ولا في غيرها من آيات القرآن ـ بحمد الله ـ تناقض ولا اضطراب

وحاشا كلام الله من ذلك ، إنما ذلك يليق بكلام البشر ، لنقصهم ، وجهلهم ، وقصورهم ، وأما كلام العليم الخبير فمنزه عن كل عيب ونقصان ، إنما العيب في فهم الفاهم ، وذهن القائل

وقديما قال الشاعر :

وكم من عائِبٍ قولاً صحيحاً ...
وآفتُه من الفهْمِ السّقيمِ

ولكنْ تأخذُ الآذانُ منهُ ...
على قدْرِ القرائِحِ والعُلومِ

والجواب على ذلك : أن يقال له : إن آية " آل عمران " لا تُعارض آية " مريم " ولا تعني – البتة – عدم تحقق " الورود " الوارد ذِكره في " مريم " لأنه حق اليقين

وهو قطعي في الحصول من غير ريب ، ومما يدل على ذلك : ما جاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ( لَا يَمُوتُ لِمُسْلِمٍ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ فَيَلِجَ النَّارَ إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ ) .

رواه البخاري ( 1193 ) ومسلم ( 2632 ) .

وقد فسَّر الإمام البخاري رحمه الله معنى ( تَحِلَّةَ الْقَسَمِ ) بقوله في نهاية الحديث : ( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ) .

قال النووي – رحمه الله - :

" قال العلماء : ( تحلة القسم ) ما ينحل به القسم ، وهو اليمين ، وجاء مفسراً في الحديث أن المراد قوله تعالى ( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ) ، وبهذا قال أبو عبيد وجمهور العلماء ، والقسم مقدَّر

أي : والله إنْ منكم إلا واردها ، وقيل : المراد قوله تعالى ( فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ) مريم/ 68 " .

انتهى من " شرح مسلم " ( 16 / 180 ) .

وإذا تبيَّن لنا أنه لا معارضة بين الآيات وأن " ورود النار " حق على كل الخلق حتى لو كانوا مسلمين ! فيبقى علينا معرفة ما معنى " الورود " المذكور في آية " مريم "

فنقول : أقوى ما قيل في معنى الورود المذكور في آية " مريم " قولان :

الأول : أنه ورود بمعنى الدخول ، وأنه سيسلم المتقون من حرِّها ولهيبها ، ويُبقي رب العالمين فيها الظالمين من الكفار والمستحقين للعذاب من المسلمين فيها

أما الكفار فعذاب إلى الأبد ، وأما المسلمون فعذاب إلى أمَد ، والدليل على ذلك ما جاء بعد تلك الآية

من قوله تعالى ( ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً ) مريم/ 72

وهذا قول ابن عباس رضي الله عنه ، ويرجحه الشيخ الشنقيطي ، فلينظر كلامه –

لمن أراد التوسع – في تفسيره " أضواء البيان " ( 3 / 478 – 481 ) .

الثاني : أنه ورود خاص بالموحدين من المسلمين سواء كانوا من أصحاب الطاعات أم من أصحاب المعاصي ، وهذا الورود ليس هو الدخول في النار بل هو المرور فوقها

ويكون ذلك المرور على " الصراط " ، وهو جسر يُنصب على جهنم يمر عليه المسلمون فقط فمِن ناجٍ ومن مكردس في النار

وأما الكفار فلا يمرون على الصراط لأنهم سيدخلون جهنم مباشرة قبله داخرين ، وهذا قول ابن مسعود رضي الله عنه ، ويرجحه كثير من المحققين .

قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله - :

" واعلم أن الناس منقسمون إلى : مؤمن يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا ، ومشرك يعبد مع الله غيره ، فأما المشركون : فإنهم لا يمرون على الصراط إنما يقعون في النار قبل وضع الصراط "

. انتهى من " التخويف من النار " ( ص 233 ) .

فالورود – على هذا القول الثاني – إن جاء في حق المسلمين –

كما في آية " مريم " حيث قال تعالى ( وإنْ مِنْكُم ) - فهو بمعنى المرور فوق جهنم ، وأما الورود الوارد في حق الكفار فهو بمعنى الدخول فيها .

فالورود ورودان ، ورود مع دخول في الشيء ، وورود مع مقاربة ووصول وإشراف من غير دخول في الشيء ، وكلا المعنيين جاء في كتاب الله تعالى

فأما الأول : فهو في حق أهل الوعيد من الكفار وأصحاب المعاصي

وفي هذا يقول تعالى ( إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ . لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آَلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ ) الأنبياء/ 98 ، 99

ويقول تعالى – أيضاً – ( وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ ) هود/ 98 .

قال ابن رجب – رحمه الله -

: " فإن الإنسان إذا قُرن في العذاب بمن كان سبب عذابه كان أشد في ألمه وحسرته" .

انتهى من " التخويف من النار " ( ص 99 ) .

وأما الورود بالمعنى الثاني : فمنه قوله تعالى ( وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ ) القصص 23

ومنه قوله تعالى ( وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ ) يوسف/ 19 .

وبما أن آية " مريم " هي في حق الجميع من المسلمين فسيكون الورود فيها على المعنى الثاني ، وأما المعنى الأول فليس هو في حق جميع المسلمين

بل في حق من استحق منهم الدخول فيها ، ويشترك معهم في ذلك الكفار
.
قال الشيخ عمر سليمان الأشقر – حفظه الله -

: " ذهب بعض العلماء إلى أن المراد بورود النار المذكور في قوله تعالى ( وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا ) مريم/ 71 هو دخول النار ، وهذا قول ابن عباس رضي الله عنه

وكان يستدل على ذلك بقول الله تعالى في فرعون ( يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ ) هود/ 98

وبقوله ( وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا ) مريم/ 86

وقوله ( لَوْ كَانَ هَؤُلَاء آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا ) الأنبياء/ 99

وروى مسلم الأعور عن مجاهد ( وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ) قال : داخلها .

وذهب بعض أهل العلم إلى أن المراد بالورود هنا : المرور على الصراط ، يقول شارح الطحاوية :

" واختلف المفسرون في المراد بالورود في قوله تعالى ( وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ) مريم/ 71 ما هو ؟

والأظهر والأقوى أنه : المرور على الصراط

قال تعالى ( ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا ) مريم/ 72 .

وفي " الصحيح " أنه صلى الله عليه وسلم قال ( وَالَّذي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يَلِجُ النَّارَ أَحَدٌ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ

) قالت حفصة : فقلت : يا رسول الله أليس الله يقول ( وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ) فقال ( أَلَمْ تَسْمَعِيهِ قال ( ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا ) .

وأشار صلى الله عليه وسلم إلى أن ورود النار لا يستلزم دخولها ، وأن النجاة من الشر لا تستلزم حصوله ، بل تستلزم انعقاد سببه ، فمن طلبه عدوه ليهلكوه ولم يتمكنوا منه يقال : نجاه الله منهم

ولهذا قال تعالى ( وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا ) هود/ 58 ، ( فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا ) هود/ 66

( وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا ) هود/ 94

ولم يكن العذاب أصابهم ولكن أصاب غيرهم ، ولولا ما خصهم الله به من أسباب النجاة لأصابهم ما أصاب أولئك ،

وكذلك حال الوارد على النار ، يمرون فوقها على الصراط ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيّاً ، فقد بيَّن صلى الله عليه وسلم في حديث جابر المذكور أن الورود هو الورود على الصراط " . انتهى .

والحق : أن الورود على النار ورودان : ورود الكفار أهل النار ، فهذا ورود دخول لا شك في ذلك

كما قال تعالى في شأن فرعون ( يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ ) هود/ 98

أي : بئس المدخل المدخول .

والورود الثاني : ورود الموحدين ، أي : مرورهم على الصراط على النحو المذكور في الأحاديث "

. انتهى من " القيامة الكبرى " ( ص 267 ، 268 ) .

وسواء قيل بالقول الأول أم بالثاني – وهو الأقرب عندنا للصواب – فليس ثمة تعارض بين نصوص الوحي ، والحمد لله رب العالمين .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-03-02, 18:22
كيف يستثنى إبليس من الملائكة وهو ليس منهم؟

السؤال

أليس إبليس من الجن ، فكيف يكون من الملائكة ؟

الجواب

الحمد لله

إبليس من الجن

كما قال الله تعالى في سورة الكهف (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنْ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا) الكهف/50

ولم يكن يوما من جنس الملائكة ، بل هو مخلوق من النار

كما جاء في قوله تعالى : (قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) الأعراف/12 .

وإبليس له نسل وذرية ، والملائكة لا تتناسل ولا تتوالد .

وقد سبق بيان ذلك في جواب الاسئلة الثلاثة القادمة

ولعل السائل يشير إلى قوله تعالى : (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ) البقرة/34 .

واستثناء إبليس من الملائكة لا يعني أنه منهم ، لأن هذا الاستثناء يسميه العلماء استثناء منقطعاً ، والاستثناء المنقطع يكون المستثنى من غير جنس المستثنى منه ، ويمثل له علماء النحو بقولهم :

جاء القوم إلا حماراً ! ومعلوم أن الحمار ليس من جنس القوم ، ولعلهم أتوا بهذا المثال بالذات ليكون أوضح ما يكون على أن المستثنى هنا ليس من جنس المستثنى منه .

ويمكن أن نمثل بمثال آخر وهو : جاء الطلبة إلا المدرسَ ، ومعلوم أن المدرس ليس من الطلبة ، ويكون معنى الكلام : جاء الطلبة ، لكن المدرس لم يأت ، وهذا معنى الآية : فسجد الملائكة لكن إبليس لم يسجد .

والله أعلم

*عبدالرحمن*
2019-03-02, 18:25
إبليس ليس من الملائكة

السؤال

صديقي قال بأن الشيطان كان من الملائكة وزوجتي تقول بأن هذا غير صحيح .

هل يمكن أن تعطيني بعض المعلومات ؟.

الجواب

الحمد لله

لم يكن إبليس من الملائكة قطعاً ، ويدل على ذلك أشياء ثلاثة :

تصريح القرآن ، وصفات إبليس الخَلقية ، وصفاته الخُلُقية .

1. أما تصريح القرآن بذلك ، فقد جاء في قوله تعالى : وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن الكهف /50 .

قال الحسن البصري : ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين ، وإنه لأصل الجن ، كما أن آدم عليه السلام أصل البشر .

رواه الطبري بإسناد صحيح

كما قال ابن كثير في " تفسيره " (3/89).

2. وأما الصفات الخَلقية ، فقد ذكر الله تعالى أنه خلق إبليس من نار ، فقال خَلق الإنسان من صلصال كالفخار وخلق الجان من مارج من نار الرحمن / 14،15 .

وثبت في صحيح مسلم (2996) من حديث عائشة رضي الله عنها ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " خلقت الملائكة من نور ، وخلق الجان من مارج من نار ، وخلق آدم مما وصف لكم " .

المارج لهب النار الصافي ، أو الذي خالطه الدخان ، ( تفسير السعدي 7/248 ) ، ( لسان العرب 2/365 )

فتبين الفرق بين خلق الملائكة وبين خلق إبليس ، فعلم قطعاً أنه ليس منهم.

3. وأما الصفات الخُلُقية ، فإن إبليس قد عصى الله تعالى في عدم سجوده لآدم

وقد علِمنا من القرآن أن الملائكة لا يمكن لهم أن يعصون الله تعالى، قال الله عز وجل لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون التحريم / 6 .

وقد ورد عن بعض السلف آثار غير صحيحة منها أنه طاووس الملائكة ، وأنه من خزنة الجنة ..الخ

وقد علَّق على ذلك الإمام ابن كثير فقال :

وقد رُوي في هذا آثار كثيرة عن السلف وغالبها من الإسرائيليات التي تُنقل لينظر فيها والله أعلم بحال كثير منها ، ومنها ما قد يُقطع بكذبه لمخالفته للحق الذي بأيدينا

وفي القرآن غنية عن كل ما عداه من الأخبار المتقدمة ؛ لأنها لا تكاد تخلو من تبديل وزيادة ونقصان ، وقد وضع فيها أشياء كثيرة

وليس لهم من الحفاظ المتقنين الذي ينفون عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين كما لهذه الأمة من الأئمة والعلماء والسادة والأتقياء والبررة والنجباء من الجهابذة النقاد

والحفاظ الجياد الذين دونوا الحديث وحرروه وبينوا صحيحه من حسنه من ضعيفه من منكره وموضوعه ومتروكه ومكذوبه وعرفوا الوضاعين

والكذابين والمجهولين وغير ذلك من أصناف الرجال كل ذلك صيانة للجناب النبوي والمقام المحمدي

خاتم الرسل وسيد البشر صلى الله عليه وسلم أن ينسب إليه كذب أو يحدث عنه بما ليس منه فرضي الله عنهم وأرضاهم وجعل جنات الفردوس مأواهم .

أ.هـ " تفسير القرآن العظيم " ( 3/90).

*عبدالرحمن*
2019-03-02, 18:30
هل إبليس من الجن أو من الملائكة

السؤال

هل إبليس ملك أم جني ؟

فإن كان ملكاً فكيف عصى الله والملائكة لا يعصون الله ؟

وإن كان جنياً فإن هذا يوضح أن له اختيار الطاعة أو المعصية. أرجو الإجابة.

الجواب

الحمد لله

إبليس - لعنه الله - من الجن ، ولم يكن يوماً ملكاً من الملائكة

ولا حتى طرفة عين ؛ فإن الملائكة خلق كرام لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، وقد جاء ذلك في النصوص القرآنية الصريحة التي تدل على أن إبليس من الجن وليس من الملائكة ، ومنها :

1- قال الله تعالى : ( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآِدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً ) الكهف / 50 .

2- وقد بيّن الله تعالى أنه خَلَقَ الجن من النار

قال تعالى : ( وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ ) الحجر/27

وقال : ( وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ ) الرحمن/15 .

وجاء في الحديث الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

" خُلِقَت الملائكة من نور ، وّخُلِقَ الجَّان من مارجٍ من نار ، وخُلِقَ آدم مما وُصِفَ لكم " رواه مسلم في صحيحه برقم 2996 ، ورواه أحمد برقم 24668 ، والبيهقي في السنن الكبرى برقم 18207 ، وابن حبان برقم 6155 .

فمن صفات الملائكة أنها خُلِقت من نور ، والجن خُلِق من نار ، وقد جاء في الآيات أن إبليس - لعنه الله - خُلِقَ من النار ، جاء ذلك على لسان إبليس لما سأله الله سبحانه وتعالى عن سبب رفضه السجود لآدم لمّا أمره الله بذلك

فقال - لعنه الله -: ( قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ) الأعراف/12 ، ص/76 ، فيدل هذا على أنه كان من الجن .

3- وقد وَصَفَ الله عز وجل الملائكة في كتابه الكريم

فقال : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) التحريم /6 .

وقال سبحانه : ( بَلْ عِبادٌ مُكْرَمون * لا يَسْبِقُوْنَهُ بالقَولِ وهُم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ ) الأنبياء / 26 -27 .

وقال : ( وَلِلّهِ يَسجُدُ مَا فِي السَمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ والمَلاَئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُوْنَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُوْنَ مَا يُؤْمَرُوْنَ ) النحل / 49 -50 .

فلا يمكن أن يعصي الملائكة ربهم لأنهم معصومون من الخطأ ومجبولون على الطاعة .

4- وكون إبليس ليس من الملائكة فإنه ليس مجبراً على الطاعة ، وله الاختيار ، كما لنا نحن البشر

قال تعالى : ( إناّ هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً )

وأيضاً فإن هناك المسلمين والكافرين من الجن ؛

جاء في الآيات من سورة الجن : ( قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا ) الجن / 1-2 .

وجاء في نفس السورة على لسان الجن : ( وأنّا لمّا سمعنا الهدى آمنّا به فمن يُؤمن بربه فلا يخاف بخساً ولا رَهَقاً * وأنّا منّا المسلمون ومنّا القاسطون .. ) الآيات .

قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره :

( قال الحسن البصري : " ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين ، وإنه لأصل الجن ، كما أن آدم عليه السلام أصل البشر " رواه الطبري بإسناد صحيح ) ج3/ 89 .

وقد قال بعض العلماء إن إبليس ملَكٌ من الملائكة ، وأنه طاووس الملائكة ، وأنه كان من أكثر الملائكة اجتهاداً في العبادة ..

إلى غير ذلك من الروايات التي معظمها من الإسرائيليات ، ومنها ما يُخالِف النصوص الصريحة في القرآن الكريم ..

وقد قال ابن كثير مبيّناً ذلك :

" وقد روي في هذا آثار كثيرة عن السلف ، وغالبها من الإسرائيليات - التي تُنْقَلُ لِيُنْظَرَ فيها -

والله أعلم بحال كثير منها ، ومنها ما قد يُقْطَعُ بكذِبِهِ لمُخَالَفَتِهِ للحقّ الذي بأيدينا ، وفي القرآن أخبار غنية عن كل ما عداه من الأخبار المتقدمة

لأنها لا تكاد تخلو من تبديل وزيادة ونقصان ، وقد وضع فيها أشياء كثيرة ، وليس لهم من الحفاظ المتقنين الذي ينفون عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين

كما لهذه الأمة من الأئمة والعلماء والسادة والأتقياء والبررة والنجباء من الجهابذة النقاد والحفاظ الجياد الذين دَوّنوا الحديث وحرروه وبينوا صحيحه من حسنه من ضعيفه من منكره

وموضوعه ومتروكه ومكذوبه وعرفوا الوضاعين والكذابين والمجهولين وغير ذلك من أصناف الرجال كل ذلك صيانة للجناب النبوي والمقام المحمدي خاتم الرسل وسيد البشر صلى الله عليه وسلم أن ينسب إليه

كذب أو يحدث عنه بما ليس منه فرضي الله عنهم وأرضاهم وجعل جنات الفردوس مأواهم "

تفسير القرآن العظيم ج 3/90 .

والله تعالى أعلم .

الشيخ محمد صالح المنجد

*عبدالرحمن*
2019-03-02, 18:36
هل إبليس من الملائكة أم من الجن

السؤال

هل كان إبليس من الملائكة أم من الجن

وهل الجن هم من الملائكة ؟.

الجواب

الحمد لله

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمة الله تعالى عليه - :

وقوله في هذه الآية الكريمة : ( كان من الجن ففسق عن أمر ربه ) الكهف/50

ظاهر في أن سبب فسقه عن أمر ربه كونه من الجن وقد تقرر في الأصول في مسلك النص ، وفي مسلك الإيماء والتنبيه : أن الفاء من الحروف الدالة على التعليل كقولهم : سرق فقطت يده

أي : لأجل سرقته

وسها فسجد أي لأجل سهوه

ومن هذا القبيل قوله تعالى : ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) المائدة/38

أي لعلة سرقتهما

وكذلك قوله هنا : ( كان من الجن ففسق )

أي : لعلة كينونته من الجن

لأن هذا الوصف فرق بينه وبين الملائكة

لأنهم امتثلوا الأمر وعصى هو ، ولأجل ظاهر هذه الآية الكريمة ذهبت جماعة من العلماء إلى أن إبليس ليس من الملائكة في الأصل بل من الجن

وأنه كان يتعبد معهم فأطلق عليهم اسمهم لأنه تبع لهم كالحليف في القبيلة يطلق عليه اسمها

والخلاف في إبليس هل هو ملك في الأصل فمسخه الله شيطاناً ، أو ليس في الأصل بملك ، وإنما شمله لفظ الملائكة لدخوله فيهم وتعبده معهم ، مشهور عند أهل العلم ، وحجة من قال : إن أصله ليس من الملائكة أمران :

أحدهما : عصمة الملائكة من ارتكاب الكفر الذي ارتكبه إبليس ، كما قال تعالى عنهم : ( لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يأمرون ) التحريم/6 ، وقال تعالى : ( لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ) الأنبياء/27 .

والثاني : أن الله صرح في هذه الآية الكريمة بأنه من الجن ، والجن غير الملائكة ، قالوا : وهذا نص قرآني في محل النزاع .

وممن جزم بأنه ليس من الملائكة في الأصل لظاهر هذه الآية الكريمة :الحسن البصري ، ونصره الزمخشري في تفسيره .

وقال القرطبي في تفسير سورة " البقرة "

: " كونه من الملائكة هو قول الجمهور : ابن عباس وابن مسعود وابن جريج وبن المسيب وقتادة وغيرهم ، وهو اختيار الشيخ أبي الحسن ورجحه الطبري وهو ظاهر قوله : ( إلا إبليس ) . اهـ .

وما يذكره المفسرون عن جماعة من السلف كابن عباس وغيره ، من أنه كان من أشراف الملائكة ، ومن خزان الجنة ، وأنه كان يدبر أمر السماء الدنيا ، وأنه كان اسمه عزازيل ، كله من الإسرائيليات التي لا معول عليها .

وأظهر الحجج في المسألة ، حجة من قال : إنه غير ملك لأن قوله تعالى : ( إلا إبليس كان من الجن ففسق …) ، وهو أظهر شئ في الموضوع من نصوص الوحي

والعلم عند الله تعالى .

المصدر: " أضواء البيان " ( 4 / 130 – 132 )

*عبدالرحمن*
2019-03-02, 18:53
شبهة لنصراني يزعم أن هناك تعارضاً في آيات القرآن بعضها يثبت رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه وبعضها ينفي

السؤال

طرح عليّ أحد المسيحيين هذا السؤال فأريد إجابة له حتى أرسله إليه : في سورة " النجم " قوله ( لقد رأى من آيات ربه الكبرى ) ، وفي " التكوير " قوله ( ولقد رآه بالأفق المبين ) ، وهذه آيات تدل على أن محمَّداً رأى ربه

في حين أنّا نجد ما ينافي ذلك في سورة " الأنعام " ( لا تدركه الأبصار .. )

وفي سورة " الشورى " ( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً .. )

أليس هذا تناقضا واضطرابا في كتابكم ؟! .

الجواب

الحمد لله

ما رآه ذاك النصراني تناقضاً وتعارضاً بين آيات القرآن

: قوله : إن قوله تعالى ( لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ) النجم/ 18

وقوله ( وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ) التكوير/ 23

أنهما في إثبات رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربِّه عز وجل في المعراج ! وأن هذا يتناقض ويتعارض

مع قوله تعالى ( لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) الأنعام/ 103

ومع قوله ( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ) الشورى/ 51 ! .

فالرد عليه من وجوه :

أ‌. قوله تعالى : (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ .. ) إنما يستدل به على نفي إدراك الأبصار له ؛ فإذا قلنا إن المراد بالإدراك المنفي هنا : رؤية الأبصار

فهذه الرؤية المنفية لم تثبت في دار الدنيا ، لا للنبي صلى الله عليه وسلم ولا لغيره ، على ما سيأتي . وإذا قلنا إن الإدراك يختلف عن الرؤية ، كما ذهب إليه غير واحد من أهل العلم

وقالوا : إن الإدراك يدل على الإحاطة ، وهي منفية عن الله عز وجل ، فلا أحد يحيط بالله جل جلاله رؤية

ولا علما .. ؛ فلا إشكال أصلا ؛ لأننا لو افترضنا أن النصوص الأخرى تدل على رؤية النبي لربه ، فسوف يقال في الجمع بينهما إن نفي الإحاطة ، والإدراك ، لا يلزم منه نفي الرؤية .

غير أن الصواب أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير ربه بعينه في الدنيا ، وقد أخبر أصحابه أن هذا حكم عام . ففي صحيح مسلم - ( 7540 ) -

أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( تَعَلَّمُوا أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى يَمُوتَ ) .

ب‌. ولما كان قوله : ( لن يرى أحد منكم .. ) لا يمنع أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم مستثنى من هذا الحكم

فقد سئل عن ذلك صراحة ، فأجاب بما ينفي رؤيته لربه بعينه . فعَنْ أَبِى ذَرٍّ قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ ؟ "

قَالَ ( نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ ) رواه مسلم ( 178 ) .

قال ابن أبي العز الحنفي – رحمه الله - :

" لم يرد نصٌّ بأنه صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعين رأسه ، بل ورد ما يدل على نفي الرؤية ، وهو ما رواه مسلم في " صحيحه " عن أبي ذر رضي الله عنه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك ؟

فقال ( نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ ) ، وفي رواية ( رَأَيْتُ نُوراً )

وقد روى مسلم أيضا عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ ، فَقَالَ ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ

يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ ، حِجَابُهُ النُّورُ ، ( وَفِي رِوَايَةٍ : النَّارُ )

لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ )

فيكون - والله أعلم - معنى قوله لأبي ذر ( رَأَيْتُ نُوراً ) : أنه رأى الحجاب ، ومعنى قوله ( نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ ) النور الذي هو الحجاب يمنع من رؤيته ، فأنَّى أراه ؟

أي : فكيف أراه والنور حجاب بيني وبينه يمنعني من رؤيته ؟

فهذا صريح في نفي الرؤية ، والله أعلم "

. انتهى من " شرح العقيدة الطحاوية " ( ص 163 ) .

وهذا هو التحقيق في المسألة ، فيكون من استدل بشيء من آيات القرآن الكريم على رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه غير مصيب ، وليس ثمة تعارض بين نصوص الوحي ، والحمد لله رب العالمين .

ب. ظنَّ تابعي جليل – وهو مسروق – أن قوله تعالى ( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ) النجم/ 13 –

وقد استدل بها قبله ابن عباس كما سبق -

وقوله تعالى ( وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ) التكوير/ 23 هما في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربِّه تعالى

حتى أبانت له عائشة رضي الله خطأ كلامه وأنها هي بنفسها سألت النبي صلى الله عليه وسلم

عن الآيتين فقال لها ( إنما ذاك جبريل ) فعُلم خطأ من استدل بالآيتين على رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربِّه تعالى ، والعجيب أن عائشة رضي الله عنها قد ردَّت عليه بالآيتين اللتين ذكرهما ذاك النصراني !
.
عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ : كُنْتُ مُتَّكِئًا عِنْدَ عَائِشَةَ فَقَالَتْ : يَا أَبَا عَائِشَةَ " ثَلَاثٌ مَنْ تَكَلَّمَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ " قُلْتُ : مَا هُنَّ ؟

قَالَتْ : " مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ "

قَالَ : وَكُنْتُ مُتَّكِئًا فَجَلَسْتُ ، فَقُلْتُ : يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْظِرِينِي وَلَا تَعْجَلِينِي أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ( وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ) ( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ) ؟

فَقَالَتْ : " أَنَا أَوَّلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ ( إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ لَمْ أَرَهُ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا غَيْرَ هَاتَيْنِ الْمَرَّتَيْنِ رَأَيْتُهُ مُنْهَبِطًا مِنْ السَّمَاءِ سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ) ، فقَالَتْ :

أَوَ لَمْ تَسْمَعْ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ ( لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) ، أَوَ لَمْ تَسْمَعْ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ ( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ) ؟

" . رواه مسلم ( 177 ) .

ج. وأما قوله تعالى ( لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ) النجم/ 18 : فليس فيها مجال للاستدلال على رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربِّه ، بل لو قيل العكس لكان هو الصواب

فليس هناك ها هو أعظم من رؤية الله تعالى ، فكيف يُعدل عن ذكرها ليذكر رؤية آيات كبرى ؟! وأي الأمرين أولى بالتنصيص عليه ؟! .

قال ابن خزيمة - رحمه الله –

: " وليس هذا التأويل الذي تأوَّلوه لهذه الآية بالبيِّن ، وفيه نظر ؛ لأن الله إنما أخبر في هذه الآية أنه (

رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ) ، ولم يُعلم الله في هذه الآية أنه رأى ربَّه جل وعلا ، وآيات ربِّنا ليس هو ربنا جل وعلا ، فتفهموا لا تغالطوا في تأويل هذه الآية " .

انتهى من " كتاب التوحيد " ( ص 296 ) .

وقال ابن كثير – رحمه الله -

: " وقوله ( لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ) كقوله ( لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا ) طه/ 23

أي : الدالة على قدرتنا وعظمتنا ، وبهاتين الآيتين استدل مَن ذهب مِن أهل السنَّة أن الرؤية تلك الليلة ـ يعني : ليلة المعراج ـ لم تقع ؛ لأنه قال ( لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى )

ولو كان رأى ربَّه لأخبر بذلك ، ولقال ذلك للناس " .

انتهى من " تفسير ابن كثير " ( 7 / 454 ) .

د. وهل يسلم لعائشة رضي الله عنها استدلالها بالآيتين على عدم رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربِّه ؟!

هذا محل بحث ونظر ، والمهم في كلام عائشة رضي الله عنها نقلها عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المرئي مرتين هو جبريل عليه السلام وهذا كافٍ لنقض استدلال من استدل بالآيات على رؤيته لربه تعالى

وكون استدلالها بالآيتين أنه لا يسلم لها له بحث آخر حيث لم يرتض ذلك منها طائفة من العلماء ، ومنهم الإمام ابن خزيمة كما ذكره في كتابه " التوحيد " ( 2 / 557 – 559 )

وإنما أردنا بذلك أن نبيِّن لذاك النصراني – ولغيره – أنه ليس ثمة تناقض ولا تعارض بين آيات القرآن

فليس في الآيتين الأوليتين إثبات رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ، وليس في الآيتين الأخريتين نفي للرؤية !

فالآية الأولى فيها نفي الإدراك ، هو الإحاطة ، وليس هو نفي مطلق الرؤية ، والصحيح أنها في رؤية المؤمنين ربَّهم يوم القيامة .

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله - :

" ( لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ ) لعظمته وجلاله وكماله

أي : لا تحيط به الأبصار وإن كانت تراه وتفرح بالنظر إلى وجهه الكريم ، فنفي الإدراك لا ينفي الرؤية ، بل يثبتها بالمفهوم ؛ فإنه إذا نفى الإدراك الذي هو أخص أوصاف الرؤية : دلَّ على أن الرؤية ثابتة

فإنه لو أراد نفي الرؤية لقال " لا تراه الأبصار " ونحو ذلك ، فعُلم أنه ليس في الآية حجة لمذهب المعطلة الذين ينفون رؤية ربهم في الآخرة ، بل فيها ما يدل على نقيض قولهم " .

انتهى من " تفسير السعدي " ( ص 268 ) .

والآية الثانية هي في أنواع تبليغ الله تعالى لرسالاته ، وليس فيها نفي الرؤية

إذ لا يلزم من التبليغ بالوحي الرؤية ، ولا يلزم العكس كذلك ، وقد كان ذلك مجرد استنباط من عائشة رضي الله عنها كحالها مع الآية التي قبلها .

ويكفينا في النفي ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنها

والله الموفق .

و اخيرا

الحمد لله الذي بفضلة تتم الصالحات

اخوة الاسلام

اكتفي بهذا القدر و لنا عوده
ان قدر الله لنا البقاء و اللقاء

و اسال الله ان يجمعني بكم دائما
علي خير

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين

*عبدالرحمن*
2019-03-03, 16:41
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)
اخوة الاسلام

أحييكم بتحية الإسلام
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)


هل رجع كل المنافقين قبل غزوة أحد أم شارك بعضهم فيها ؟

السؤال

أريد أن أعرف من هم الطائفة التي أهمّتهم أنفسهم ، يظنّون بالله غير الحق ظن الجاهلية ، ونحن نعلم من خلال التفاسير أن رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول لا يريد أن يقاتل مع المؤمنين في معركة أُحد

فرجع هو وثلث الجيش معه إلى المدينة ، وتابع الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام ومعه المؤمنون إلى المكان

حيث جرت معركة أحد مع الكفّار ، ولهذا أستبعد أن تكون الطائفة التي أهمّتهم أنفسهم يظنّون بالله غير الحق ظن الجاهلية هم من المنافقين ، علماً بأن المنافقين لم يشاركوا في القتال مع الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام

ولقد رجعوا من منتصف الطريق إلى المدينة بأمر من عبد الله بن أبي بن سلول

هل يعقل أن هذه الطائفة كانت مؤمنة من ثم اتسمت بالمنافقين ؟

من فضلكم أرجو الإيضاح ، وجزاكم الله خيراً .

الجواب

الحمد لله

نعم ، رجع عبد الله بن أبي سلول بثلث الجيش ، ولم يشاركوا في القتال في غزوة أحد

ولكن هذا لا يمنع أن يكون بعض المنافقين بقوا مع المسلمين ولم يرجعوا مع عبد الله بي أبي

وهذا هو الذي تدل عليه الآيات

قال الله تعالى : ( ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ

مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) آل عمران/154.

قال ابن كثير رحمه الله :

" - روى البيهقي بإسناده - عن قتادة ، حدثنا أنس بن مالك ؛ أن أبا طلحة قال :

غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد ، فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه

ويسقط وآخذه ، قال : والطائفة الأخرى المنافقون ليس لهم هم إلا أنفسهم ، أجبن قوم وأرعنه ، وأخذله للحق ( يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية ) كذبة، أهل شك وريب في الله عز وجل .

هكذا رواه بهذه الزيادة ، وكأنها من كلام قتادة رحمه الله ، وهو كما قال

فإن الله عز وجل يقول : ( ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم ) يعني : أهل الإيمان واليقين والثبات والتوكل الصادق ، وهم الجازمون بأن الله سينصر رسوله وينجز له مأموله .

ولهذا قال : ( وطائفة قد أهمتهم أنفسهم ) يعني : لا يغشاهم النعاس من القلق والجزع والخوف

( يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية ) كما قال في الآية الأخرى :

( بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا ) الفتح/12، وهكذا هؤلاء

اعتقدوا أن المشركين لما ظهروا تلك الساعة أنها الفيصلة ، وأن الإسلام قد باد وأهله ، هذا شأن أهل الريب والشك إذا حصل أمر من الأمور الفظيعة تحصل لهم هذه الظنون الشنيعة .

ثم أخبر تعالى عنهم أنهم يقولون في تلك الحال : ( هل لنا من الأمر من شيء )

قال الله تعالى : ( قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك ) ثم فسر ما أخفوه في أنفسهم بقوله : ( يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا )

أي : يسرون هذه المقالة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال محمد بن إسحاق بن يسار : فحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه ، عن عبد الله بن الزبير قال : قال الزبير : لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد الخوف علينا

أرسل الله علينا النوم ، فما منا من رجل إلا ذقنه في صدره ، قال : فوالله إني لأسمع قول معتب بن قشير ، ما أسمعه إلا كالحلم ، يقول : ( لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا ) فحفظتها منه ،

وفي ذلك أنزل الله تعالى : ( لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا ) لقول معتب. رواه ابن أبي حاتم "

انتهى من " تفسير القرآن العظيم " (2/145-146)

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-03-03, 16:52
آزر اسم أبي إبراهيم عليه السلام

السؤال

من الذي أشار إليه القرآن بأنه الأب الحقيقي لإبراهيم عليه السلام

وما هو الرأي الأرجح الموافق لأهل السنة والجماعة ، هل هو " آزر " أم " تارخ " ؟

الجواب

الحمد لله

اختلف العلماء في اسم والد خليل الله إبراهيم عليه السلام ، على قولين :

القول الأول : اسمه " تارح "، أو " تارخ "، وهو قول أكثر العلماء والمفسرين ، بل قال الزجاج :

" لا خلاف بين النسابين في أن اسم أبي إبراهيم تارح "

انتهى من " معاني القرآن " (2/265)

وقد اعترض الإمام القرطبي على نقل الإجماع بإثبات وجود الخلاف .

وقال ابن كثير رحمه الله :

" جمهور أهل النسب - منهم ابن عباس - على أن اسم أبيه تارح ، وأهل الكتاب يقولون تارخ "

انتهى من " البداية والنهاية " (1/163)

وقد ورد ذلك في صريح كلام ابن عباس :

كما عند ابن أبي حاتم في " التفسير " (4/1324-1325) بإسنادين عنه .

وصريح كلام مجاهد أيضا : كما في " جامع البيان " للطبري (11/466)

وصريح كلام ابن جريج : أخرجه ابن المنذر بسند صحيح

كما قال السيوطي في " الدر المنثور " (3/300)

وفي " الحاوي " (2/259)

ومع شهرة هذا القول ، فلا نعلم له أصلا من كتاب الله ، أو السنة الصحيحة ، ولعل عمدة من قاله من أهل العلم أحاديث أهل الكتاب ، وأقوال النسابين الذين يستقون منهم .

ويبقى السؤال – بناء على هذا القول – ما المقصود بـ " آزر " إذن في الآية الكريمة : ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ) الأنعام/74.

فنقول ، اختلفوا في توجيه الآية إلى أقوال كثيرة :

1- قال بعض المفسرين : إن لوالد إبراهيم عليه السلام اسمين ، آزر ، و " تارح "، كما روى الطبري في " جامع البيان " (11/466) بسنده عن سعيد بن عبد العزيز قال : هو " آزر " ، وهو " تارح " ، مثل " إسرائيل " و " يعقوب " .

وقال كثير من المفسرين إن أبا إبراهيم اسمه بالسريانية تارح وبغيرها آزر .

2- وصرح بعضهم بأن " آزر " اسم صنم ، كما قال مجاهد : آزر لم يكن بأبيه ، إنما هو صنم . رواه الطبري في " جامع البيان " (11/466) من طريقين عنه

وخاض القائلون بهذا في إيجاد تأويلات معنوية وإعرابية للآية بما يطول على القارئ نقله ولا حاجة له به.

3- وقال آخرون : " هو سبٌّ وعيب بكلامهم ، ومعناه : معوَجٌّ ، كأنه تأوّل أنه عابه بزَيْغه واعوجاجه عن الحق "

انتهى من " جامع البيان " (11/467)

4- وجوز الطبري رحمه الله أيضا أن يكون " آزر " لقبا لوالد إبراهيم ، وليس اسما . ذكر ذلك في " جامع البيان " (11/469)، ونقله بعض المفسرين عن مقاتل بن سليمان، وفي معنى هذا اللقب " آزر " أقوال كثيرة .

إلى آخر التأويلات والتخريجات التي لا يقوم عليها دليل .

القول الثاني : اسمه " آزر "، أخذا بظاهر الآية الكريمة :

( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ) الأنعام/74.

وبظاهر الحديث الشريف الذي يرويه الإمام البخاري رحمه الله في " صحيحه " (3350):

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ آزَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَعَلَى وَجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وَغَبَرَةٌ ، فَيَقُولُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ : أَلَمْ أَقُلْ لَكَ لاَ تَعْصِنِي ؟

فَيَقُولُ أَبُوهُ : فَالْيَوْمَ لاَ أَعْصِيكَ . فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ : يَا رَبِّ ، إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لاَ تُخْزِيَنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ

فَأَي خِزْىٍ أَخْزَى مِنْ أَبِي الأَبْعَدِ ؟! فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : إِنِّي حَرَّمْتُ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ ، ثُمَّ يُقَالُ : يَا إِبْرَاهِيمُ مَا تَحْتَ رِجْلَيْكَ ؟ فَيَنْظُرُ فَإِذَا هُوَ بِذِيخٍ مُلْتَطِخٍ ، فَيُؤْخَذُ بِقَوَائِمِهِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ )

وأشهر من قال بهذا القول إمام المغازي والسير: محمد بن إسحاق

كما روى ذلك عنه ابن جرير الطبري بسنده في " جامع البيان " (11/466) قال :

حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة بن الفضل قال ، حدثني محمد بن إسحاق قال : " آزر "، أبو إبراهيم ، وكان - فيما ذكر لنا والله أعلم - رجلا من أهل كُوثَى ، من قرية بالسواد ، سواد الكوفة.

ورواه الطبري في تفسيره (11/467) عن السدي .

واختاره الإمام الطبري فقال :

" أولى القولين بالصواب منهما عندي قولُ من قال : هو اسم أبيه ؛ لأن الله تعالى ذكره أخبر أنه أبوه ، وهو القول المحفوظ من قول أهل العلم ، دون القول الآخر الذي زعم قائلُه أنه نعتٌ "

انتهى من " جامع البيان " (11/468)

قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله – في تعليقه على تأويلات القول الأول:

" هذه الأقوال وغيرها مما ذهب إليه بعض المفسرين لا تستند إلى دليل ، وأقوال النسابين لا ثقة بها ، وما في الكتب السالفة ليس حجة على القرآن ، فهو الحجة

وهو المهيمن على غيره من الكتب ، والصحيح أن آزر هو الاسم العَلَم لأبي إبراهيم كما سماه الله في كتابه "

انتهى باختصار من تحقيق كتاب " المعرب " للجواليقي (ص/77).

ثم عقد الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في آخر تحقيقه للكتاب مبحثا خاصا بعنوان : " آزر تحقيق أنه اسم أبي إبراهيم عليه السلام " (ص/407-413)، وكان مما قال فيه :

" وبعد : فإن الذي ألجأهم إلى هذا العنت شيئان اثنان : قول النسابين ، وما في كتب أهل الكتاب .

أما قول النسابين فإن هذه الأنساب القديمة مختلفة مضطربة ، وفيها من الخلاف العجب – وذكر مثالا على اختلاف النسابين ، ثم قال -

وأما كتب أهل الكتاب فإن الله سبحانه وصف هذا القرآن فقال : ( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ) المائدة/48. والمهيمن الرقيب

فهذا القرآن رقيب على غيره من الكتب ، وليس شيء منها رقيبا عليه .

والحجة القاطعة في نفي التأويلات التي زعموها في كلمة " آزر " وفي إبطال ما سموه قراءات تخرج باللفظ عن أنه علم لوالد إبراهيم ، الحديث الصحيح الصريح في البخاري – فذكر الحديث السابق

ثم قال - فهذا النص يدل على أنه اسمه العلم ، وهو لا يحتمل التأويل ولا التحريف .

ووجه الحجة فيه : أن هذا النبي الذي جاءنا بالقرآن من عند الله فصدقناه وآمنا أنه لا ينطق عن الهوى هو الذي أخبر أن آزر أبو إبراهيم ، وذكره باسمه العلم في حديثه الصحيح

وهو المبين لكتاب الله بسنته ، فما خالفها من التأويل أو التفسير باطل .

وهذه الأخبار عن الأمم المطوية في دفائن الدهور المتغلغلة في القدم قبل تأريخ التواريخ ، لا نعلم عنها خبرا صحيحا إلا ما حكاه النبي المعصوم ، إخبارا عن الغيب بما أوحى الله إليه في كتابه

أو ألقى في روعه في سنته وحيا أو إلهاما ، إذ لا سبيل غيره الآن لتحقيقها تحقيقا علميا تاريخيا ، وما ورد في كتب أهل الكتاب لم تثبت نسبته إلى من نسب إليه بأية طريق من طرق الثبوت ، فلا يصلح أن يكون حجة لأحد أو عليه .

وليس لمعترض أن يشكك في صحة الحديث الذي روينا ، فإن أهل العلم بالحديث حكموا بصحته ، وكفى برواية البخاري إياه في صحيحه تصحيحا

وهم أهل الذكر في هذا الفن ، وعنهم يؤخذ ، وبهم يقتدى في التوثق من صحة الحديث "

انتهى من تحقيق كتاب " المعرب " للجواليقي (ص/411-413)

وجاء في " فتاوى اللجنة الدائمة " (4/216-217) :

" آزر هو أبو إبراهيم ، لقوله تعالى : ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً )، وهذا نص قطعي صريح لا يحتاج إلى اجتهاد ، ورجح ذلك الإمام ابن جرير وابن كثير " انتهى.

عبد العزيز بن باز – عبد الرزاق عفيفي – عبد الله بن غديان – عبد الله بن قعود .

وبهذا يتبين أن " آزر " هو اسم والد إبراهيم الحقيقي كما هو ظاهر القرآن والسنة ، وهو القول الراجح إن شاء الله تعالى ، وذلك لا يعني نفي أن يكون " تارح " أيضا اسم علم له ، سواء في لغة أخرى

أو عند قوم آخرين ، خاصة وأن بعض الدارسين في اللسانيات يقررون أن اسم " آزر " هو نفسه اسم " تارح " وإنما طرأ عليه شيء من التغيير مع مرور الزمان وتغير اللهجات .

يقول الدكتور عبد الرحيم الهندي :

" وهناك احتمال آخر ، وهو أن لفظ آزر هو تارح ، طرأ عليه شيء من التغيير ، قد يبدو هذا غريبا ، ولكن الحقائق تؤيد هذا الاحتمال .

إن اسمه المذكور في التوراة (التكوين 11/26) (تيرح)، وفي ترجمة التوراة اليونانية المعروفة بالترجمة السبعينية كتب اسمه هكذا : (....) ونطقه : " ثرّا "

وقد حذفت منه الحاء ، ويرى " غيجر " أن " ثرا " بالقلب المكاني أصبح " آثر "، ثم " آزر " .

ومثل هذا التغيير جائز الوقوع ، ومثال آخر لذلك " عيسى "، وأصله بالعبرية " يشوع " فقد انتقلت فيه العين من آخر الكلمة إلى أولها ، وأصبحت الواو ياء "

انتهى من تحقيق " المعرَّب من الكلام الأعجمي على حروف المعجم " للجواليقي (ت540هـ) (ص/135)

ومن مراجع التفسير : " زاد المسير " (2/46)

" الجامع لأحكام القرآن " (7/22-23)

" تفسير القرآن العظيم " (3/288-289)

" التحرير والتنوير " (7/310-312)

ولا يفوتنا التنبيه هنا إلى أن الاختلاف في اسم أبي إبراهيم عليه السلام ليس من مسائل العقيدة التي يبحث فيها عن قول أهل السنة والجماعة

بل هي مسألة علمية اجتهادية للاجتهاد فيها حظ واسع من النظر ، وقد قال بكلا القولين من كبار المفسرين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-03-03, 16:58
كان يحيى عليه السلام معصوما من الذنوب

السؤال

هل سمع أحد أن نبي الله يحيى قد بلغ درجة الكمال كما كان عيسى عليه السلام ؟

وقد كان عيسى رجلا كاملا حيث لم يرتكب أية أخطاء أو ذنوب

فهل كان يحيى عليه السلام أو إلياس عليه السلام مثل عيسى في بلوغ الكمال؟

وماذا تعنى هذه الآية : (وسلام عليه يوم ولد) كما قال في حق عيسى؟

الجواب

الحمد لله

أولاً :

الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كلهم في ذروة الكمال البشري ؛ فهم صفوة البشر

وهم أعلم الخلق بالله ، وأخوفهم منه ، وأتقاهم له ، وهم أطهر العباد قلوباً

ولهذا اصطفاهم الله تعالى وجعلهم أمناءه على وحيه ورسالاته

قال الله تعالى : (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) الأنعام/124

وقال تعالى : (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنْ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنْ النَّاسِ) الحج/75 .

قال السعدي رحمه الله :

"أي : يختار ويجتبي من الملائكة رسلاً ومن الناس رسلاً ، يكونون أزكى ذلك النوع وأجمعه لصفات المجد وأحقه بالاصطفاء ، فالرسل لا يكونون إلا صفوة الخلق على الإطلاق

والذي اختارهم واجتباهم ليس جاهلاً بحقائق الأشياء ، أو يعلم شيئاً دون شيء ، وإن المصطفي لهم السميع البصير ، الذي قد أحاط علمه وسمعه وبصره بجميع الأشياء

فاختياره إياهم عن علم منه أنهم أهل لذلك ، وأن الوحي يصلح فيهم ، كما قال تعالى : (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) "

انتهى من "تفسير السعدي" (546) .

غير أن الكمال درجات ، والله تعالى جعل بعض الرسل أكمل من بعض ، وفَضَّل بعضهم على بعض

كما قال تعالى : (وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ) الإسراء/55

وقال : (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) البقرة/253 .

فالرسل هم أكمل البشر ، وأكملهم هم أولو العزم الخمسة ، وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام ، وأفضلهم الخليلان : إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام

وأفضلهما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم .

ثانياً :

أما عصمة يحيى عليه السلام من الذنوب وكونه لم يرتكب معصية ، فقد ورد في السنة ما يدل على ذلك، وفي القرآن ما يشهد له.

قال الله تعالى عن عبده ونبيه زكريا عليه السلام : ( فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ) آل عمران / 39 .

فقد ذهب بعض المفسرين إلى أن معنى (حَصُورًا) هو الذي لا يأتي النساء ، وذهب آخرون إلى أنه المعصوم من الذنوب
.
قال السعدي رحمه الله :

"هذا المبشر به وهو يحيى ، سيد من فضلاء الرسل وكرامهم : و"الحصور" ، قيل : هو الذي لا يولد له ، ولا شهوة له في النساء ، وقيل : هو الذي عصم وحفظ من الذنوب والشهوات الضارة ، وهذا أليق المعنيين" انتهى .

وقال القاضي عياض رحمه الله : "معناه : أنه معصوم من الذنوب ، أي : لا يأتيها ، كأنه حُصر عنها ، وقيل : مانعا نفسه من الشهوات ، وقيل : ليست له شهوة في النساء"

انتهى من"الشفا" (1/88) .

وقد أثنى الله تعالى على يحيى عليه السلام ثناءً حسنا

فقال تعالى : (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا * وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا * وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) مريم / 12 – 15 .

فقوله : ( وزكاةً ) قال ابن جرير رحمه الله : "هو الطهارة من الذنوب ، واستعمال بدنه في طاعة الله .

... ثم نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : (وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا) قال : "طهر فلم يعمل بذنب"

انتهى من"تفسير الطبري" (18/159) .

وروى الإمام أحمد (2294) عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (ما من أحد من ولد آدم إلا قد أخطأ ، أو همّ بخطيئة

ليس يحيى بن زكريا) وصححه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المسند ، والألباني في "الصحيحة" (2984) ، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" :

"رواه البزار ورجاله ثقات"

وانظر : "التلخيص الحبير" (4/481) .

قال الإمام الشافعي رحمه الله :

"لا نعلم أحداً أعطي طاعة الله حتى لم يخلطها بمعصية إلا يحيى بن زكريا" .

انتهى من "مختصر تاريخ دمشق" (8 / 195) .

وينظر : و"سبل السلام" (4 / 180) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

"ما من بني آدم إلا من أخطأ ، أو هم بخطيئة ، إلا يحيى بن زكريا"

انتهى من"مجموع الفتاوى" (14/461) .

وأما عيسى عليه السلام ، ففي حديث الشفاعة الطويل ، حينما يعتذر كل نبي عن الشفاعة عند ربه ، إجلالا له في هذا المقام ، وهيبة من نفسه أن يكون أهلا لذلك المقام :

( فَيَأْتُونَ عِيسَى، فَيَقُولُونَ: يَا عِيسَى أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِي المَهْدِ صَبِيًّا، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلاَ تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ عِيسَى

: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ قَطُّ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَنْبًا، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي ، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي ، اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ،

فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَخَاتِمُ الأَنْبِيَاءِ، وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ .. )

رواه البخاري(4712) ومسلم (194) .

فهذا يحتمل أنه لم يذكر ذنبا ، لأنه لا ذنب له ، كما هو الظاهر .

ويحتمل أنه لم يذكره في هذا المقام ، لأن الله تعالى أخبره بمغفرته لذنبه في الدنيا .

فالله أعلم .

ثالثا :

أما قوله تعالى : ( وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا )

فقال الطبري رحمه الله :

" يقول : وأمان من الله يوم ولد ، من أن يناله الشيطان من السوء ، بما ينال به بني آدم ، وذلك أنه رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : (كُلُّ بَنِي آدَمَ يَأْتي يَوْمَ القِيامَةِ وَلَهُ ذَنْبٌ إلا ما كانَ مِنْ يَحْيَى بنِ زَكَريَّا) .

وقوله : (وَيَوْمَ يَمُوتُ) يقول : وأمان من الله تعالى ذكره له من فَتَّاني القبر

ومن هول المطلع (وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) يقول : وأمان له من عذاب الله يوم القيامة ، يوم الفزع الأكبر ، من أن يروعه شيء ، أو أن يفزعه ما يفزع الخلق"

انتهى باختصار من"تفسير الطبري" (18/160-161) .

وقال الشنقيطي رحمه الله :

"قال ابن جرير : وسلام عليه أي أمان له . وقال ابن عطية : والأظهر عندي أنها التحية المتعارفة ، فهي أشرف من الأمان ، لأن الأمان متحصل له بنفي العصيان عنه وهو أقل درجاته

وإنما الشرف في أن سلم الله عليه وحياه في المواطن التي الإنسان فيها في غاية الضعف والحاجة ، وقلة الحيلة والفقر إلى الله تعالى عظيم الحول .

انتهى كلام ابن عطية . ومرجع القولين إلى شيء واحد

لأن معنى سلام : التحية والأمان والسلامة مما يكره .

وإنما خص هذه الأوقات الثلاثة بالسلام التي هي وقت ولادته ، ووقت موته ، ووقت بعثه ، في قوله : (يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) ؛ لأنها أوحش من غيرها .

والظاهر أن سلام الله على يحيى في قوله : (وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ ..) الآية ، أعظم من سلام عيسى على نفسه في قوله : (وَالسَّلَامُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً) كما هو ظاهر"

انتهى مختصرا من"أضواء البيان" (3/381- 382) .

والسبب في أن السلام على يحيى كان أعظم من السلام على عيسى عليهما السلام ، أن السلام على يحيى كان من الله تعالى ، والسلام على عيسى كان من نفسه هو عليه السلام .

أما إلياس عليه السلام ، فهو نبي من بني إسرائيل ، قص الله علينا خبره في قوله عز وجل : (وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ * أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ

* اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) الصافات/123 – 131.

والله تعالى أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-03-03, 17:08
شرح ( وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه )

السؤال

هل يمكن أن تشرح الآية في سورة المائدة آية 48 وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه الآية ؟ .

الجواب

الحمد لله

قال الله تعالى : وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً

وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [ المائدة / 48 ] .

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله

في تفسيره لهذه الآية :

" يقول تعالى: وَأَنزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ الذي هو القرآن العظيم، أفضل الكتب وأجلها.

بِالْحَقِّ أي: إنزالا بالحق، ومشتملا على الحق في أخباره وأوامره ونواهيه. مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ لأنه شهد لها ووافقها، وطابقت أخباره أخبارها، وشرائعه الكبار شرائعها، وأخبرت به، فصار وجوده مصداقا لخبرها.

وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ أي: مشتملا على ما اشتملت عليه الكتب السابقة، وزيادة في المطالب الإلهية والأخلاق النفسية. فهو الكتاب الذي تتبع كل حق جاءت به الكتب فأمر به، وحث عليه، وأكثر من الطرق الموصلة إليه.

وهو الكتاب الذي فيه نبأ السابقين واللاحقين، وهو الكتاب الذي فيه الحكم والحكمة، والأحكام الذي عرضت عليه الكتب السابقة، فما شهد له بالصدق فهو المقبول

وما شهد له بالرد فهو مردود، قد دخله التحريف والتبديل، وإلا فلو كان من عند الله، لم يخالفه.

فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ من الحكم الشرعي الذي أنزله الله عليك. وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ أي: لا تجعل اتباع أهوائهم الفاسدة المعارضة للحق بدلا عما جاءك من الحق فتستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير.

لكل منكم أيها الأمم جعلنا شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا أي: سبيلا وسنة، وهذه الشرائع التي تختلف باختلاف الأمم، هي التي تتغير بحسب تغير الأزمنة والأحوال، وكلها ترجع إلى العدل

في وقت شرعتها، وأما الأصول الكبار التي هي مصلحة وحكمة في كل زمان، فإنها لا تختلف، فتشرع في جميع الشرائع. وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً تبعا لشريعة واحدة، لا يختلف متأخرها ولا متقدمها.

وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فيختبركم وينظر كيف تعملون، ويبتلي كل أمة بحسب ما تقتضيه حكمته

ويؤتي كل أحد ما يليق به، وليحصل التنافس بين الأمم ، فكل أمة تحرص على سبق غيرها

ولهذا قال: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أي: بادروا إليها وأكملوها، فإن الخيرات الشاملة لكل فرض ومستحب، من حقوق الله وحقوق عباده، لا يصير فاعلها سابقا لغيره مستوليا على الأمر، إلا بأمرين:

المبادرة إليها، وانتهاز الفرصة حين يجيء وقتها ويعرض عارضها، والاجتهاد في أدائها كاملة على الوجه المأمور به.
ويستدل بهذه الآية، على المبادرة لأداء الصلاة

وغيرها في أول وقتها، وعلى أنه ينبغي أن لا يقتصر العبد على مجرد ما يجزئ في الصلاة وغيرها من العبادات من الأمور الواجبة، بل ينبغي أن يأتي بالمستحبات، التي يقدر عليها لتتم وتكمل، ويحصل بها السبق

إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا الأمم السابقة واللاحقة، كلهم سيجمعهم الله ليوم لا ريب فيه. فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ من الشرائع والأعمال، فيثيب أهل الحق والعمل الصالح، ويعاقب أهل الباطل والعمل السيئ "

انتهى من "تفسير السعدي" (246) ط ابن الجوزي .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية

في تقرير ما تضمنته هذه الآية من هيمنة القرآن على ما سواه :

" فالسلف كلهم متفقون على أن القرآن هو المهيمن المؤتمن الشاهد على ما بين يديه من الكتب ، ومعلوم أن المهيمن على الشيء أعلى منه مرتبة

ومن أسماء الله " المهيمن " ويسمَّى الحاكم على الناس القائم بأمورهم " المهيمن " ...

وهكذ القرآن فإنه قرر ما في الكتب المتقدمة من الخبر عن الله وعن اليوم الآخر ، وزاد ذلك بياناً وتفصيلاً وبيَّن الأدلة والبراهين على ذلك

وقرَّر نبوة الأنبياء كلهم ورسالة المرسلين ، وقرَّر الشرائع الكلية التي بعث بها الرسل كلهم ، وجادل المكذبين بالكتب والرسل بأنواع الحجج والبراهين

وبيَّن عقوبات الله لهم ونصره لأهل الكتب المتبعين لها ، وبيَّن ما حُرف منها وبُدِّل ، وما فعله أهل الكتاب في الكتب المتقدمة

وبيَّن أيضاً ما كتموه مما أمر الله ببيانه وكل ما جاءت به النبوات بأحسن الشرائع والمناهج التي نزل بها القرآن ، فصارت له " الهيمنة " على ما بين يديه من الكتب من وجوه متعددة :

فهو شاهد بصدقها ، وشاهد بكذب ما حُرف منها ، وهو حاكم بإقرار ما أقره الله ، ونسخ ما نسخه ، فهو شاهد في الخبريَّات ، حاكم في الأمْريَّات"

انتهى من" مجموع الفتاوى " ( 17 / 43 ، 44 ) .

والله أعلم

*عبدالرحمن*
2019-03-03, 17:13
المراد بالراسخين في العلم وما هي صفاتهم

السؤال

يقول الله تعالى في كتابه الكريم الآية 162 من سورة النساء ( والمقيمين الصلاة ) فمن هم المقصودون في هذه الآية

وهل هناك أوصاف أو شروط تنطبق عليهم ؟ وجزاكم الله كل خير

الجواب

الحمد لله :

أولا :

الآية المشار إليها هي قوله تعالى : ( لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا ) النساء /162 .

قال الإمام الطبري رحمه الله :

" قال جل ثناؤه لعباده ، مبينًا لهم حكم من قد هداه لدينه منهم ووفقه لرشده

: ما كلُّ أهل الكتاب صفتهم الصفة التي وصفت لكم ؛ "لكن الراسخون في العلم منهم"، وهم الذين قد رَسخوا في العلم بأحكام الله التي جاءت بها أنبياؤه، وأتقنوا ذلك، وعرفوا حقيقته ...

والمؤمنون" يعني : والمؤمنون بالله ورسله : هم يؤمنون بالقرآن الذي أنزل الله إليك ، يا محمد ، وبالكتب التي أنزلها على من قبلك من الأنبياء والرسل، ولا يسألونك كما سألك هؤلاء الجهلة منهم أن تنزل عليهم كتابًا من السماء

لأنهم قد علموا بما قرأوا من كتب الله وأتتهم به أنبياؤهم، أنك لله رسول، واجبٌ عليهم اتباعك، لا يَسعهم غير ذلك، فلا حاجة بهم إلى أن يسألوك آية معجزة

ولا دلالة غير الذي قد علموا من أمرك بالعلم الراسخ في قلوبهم ، من إخبار أنبيائهم إياهم بذلك، وبما أعطيتك من الأدلّة على نبوتك، فهم لذلك من علمهم ورسوخهم فيه، يؤمنون بك وبما أنزل إليك من الكتاب

وبما أنزل من قبلك من سائر الكتب .. "

انتهى من "تفسير الطبري" (9/393).

وينظر أيضا : "تفسير الطبري" (6/206) .

وقال الشيخ السعدي رحمه الله :

" لما ذكر معايب أهل الكتاب ، ذكر الممدوحين منهم فقال: لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ أي: الذين ثبت العلم في قلوبهم ورسخ الإيقان في أفئدتهم فأثمر لهم الإيمان التام العام بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِن قَبْلِكَ

وأثمر لهم الأعمال الصالحة من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة اللذين هما أفضل الأعمال، وقد اشتملتا على الإخلاص للمعبود والإحسان إلى العبيد. وآمنوا باليوم الآخر فخافوا الوعيد ورجوا الوعد

أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا لأنهم جمعوا بين العلم والإيمان والعمل الصالح، والإيمان بالكتب والرسل السابقة واللاحقة "

انتهى من "تفسير السعدي" (1/214) .

ثانيا :

وورد وصف المؤمنين هنا بإقامة الصلاة بالياء ، مع أنه معطوف على اسم مرفوع ( الراسخون .. )

ومن حق المعطوف على مرفوع أن يرفع ، تنبيها على عظم هذه الصفة وجدارتها بالمدح ، وهذا تسميه العرب منصوب على المدح .

قال القرطبي رحمه الله :

" واختلف في نصبه على أقوال ستة ؛ أصحها قول سيبويه بأنه نصب على المدح ؛ أي : وأعني المقيمين ؛ قال سيبويه : هذا باب ما ينتصب على التعظيم ؛ ومن ذلك : ( وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ .. )

قال النحاس : وهذا أصح ما قيل في : ( َالْمُقِيمِينَ ) .

.. وهذا مهيع في النعوت ، لا مطعن فيه من جهة الإعراب ، موجود في كلام العرب"

انتهى مختصرا من الجامع لأحكام القرآن (2/ 240 - 6/ 13 )

وهواختيار الحافظ ابن كثير في تفسيره ( 2 / 467 ) .

والمراد بإقامة الصلاة، المواظبة على أدائها في أوقاتها المحددة لها، مع استيفائها لأركانها وسننها وآدابها وخشوعها، ومع إخلاص النية عند أدائها لله تعالى

كما نقل معنى ذلك عن عدد من السلف .

قال ابن عباس: إقامة الصلاة: إتمام الركوع والسجود والتلاوة والخشوع والإقبال عليها فيها.

وقال قتادة: إقامة الصلاة المحافظة على مواقيتها ووضوئها، وركوعها وسجودها.

وقال مقاتل بن حيان: إقامتها: المحافظة على مواقيتها، وإسباغ الطهور فيها ، وتمام ركوعها وسجودها ، وتلاوة القرآن فيها، والتشهد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا إقامتها.

ينظر : تفسير ابن كثير ( 1/ 168 ) .

كما أن من صفاتهم التي مدحوا بها في الآية : إيتاء الزكاة. والإيمان بالله، والإيمان باليوم الآخر .

ومن تتبع القرآن وجد صفات أخر مدح بها المؤمنون الذين يقيمون الصلاة

وذلك في مواضع متعددة من القرآن

كما في أول سورة البقرة، وفي أول سورة ( المؤمنون )

وفي سورة المعارج

وفي غيرها من السور.

فنوصي الأخ السائل وغيره بمراجعتها والتدبر فيها ، لعل الله أن ينفعها بها، ويجعله من أهلها.

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-03-03, 17:17
تفسير قوله تعالى : ( أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى )

السؤال

فى سوره العلق آية : ( أرأيت الذى ينهى عبدا إذا صلى ) ، أرجو توضيح الآيه ، علما بأن الصلاة لم تكن مفروضة حينها .
الجواب

الحمد لله

أولا :

قال الله تعالى : ( أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى *

أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى * كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ * فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ * كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ )العلق/ 9 – 19

روى مسلم (2797) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ أَبُو جَهْلٍ : هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وَجْهَهُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ ؟

قَالَ فَقِيلَ نَعَمْ فَقَالَ : وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى لَئِنْ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لَأَطَأَنَّ عَلَى رَقَبَتِهِ أَوْ لَأُعَفِّرَنَّ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ . قَالَ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي – زَعَمَ - لِيَطَأَ عَلَى رَقَبَتِهِ

قَالَ فَمَا فَجِئَهُمْ مِنْهُ إِلَّا وَهُوَ يَنْكُصُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَيَتَّقِي بِيَدَيْهِ قَالَ فَقِيلَ لَهُ مَا لَكَ ؟

فَقَالَ : إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِنْ نَارٍ وَهَوْلًا وَأَجْنِحَةً . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَوْ دَنَا مِنِّي لَاخْتَطَفَتْهُ الْمَلَائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا )

قَالَ : فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ - لَا نَدْرِي فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ شَيْءٌ بَلَغَهُ – ( كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى ) ... الآيات .

وروى الترمذي (3349) وصححه ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فَجَاءَ أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ : أَلَمْ أَنْهَكَ عَنْ هَذَا أَلَمْ أَنْهَكَ عَنْ هَذَا أَلَمْ أَنْهَكَ عَنْ هَذَا ؟

فَانْصَرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَزَبَرَهُ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ : إِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا بِهَا نَادٍ أَكْثَرُ مِنِّي . فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ ) فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَوَاللَّهِ لَوْ دَعَا نَادِيَهُ لَأَخَذَتْهُ زَبَانِيَةُ اللَّهِ .

قال ابن كثير رحمه الله :

" نزلت في أبي جهل لعنه الله ، توعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصلاة عند البيت ، فوعظه الله تعالى بالتي هي أحسن أولا فقال : ( أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى )

أي : فما ظنك إن كان هذا الذي تنهاه على الطريق المستقيمة في فعله ، أو ( أَمَرَ بِالتَّقْوَى ) بقوله ، وأنت تزجره وتتوعده على صلاته ؛

ولهذا قال : ( أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ) أي : أما علم هذا الناهي لهذا المهتدي أن الله يراه ويسمع كلامه ، وسيجازيه على فعله أتم الجزاء ".

انتهى من"تفسير ابن كثير" (8 /438)

فقد دلت هذه النصوص على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بمكة أول الدعوة ، وأن أبا جهل لعنه الله كان يتغيظ عليه في ذلك وينهاه ويتوعده ، فأنزل الله هذه الآيات .

على أنه ينبغي أن يعلم هنا أن سورة العلق لم تنزل كلها دفعة واحدة ، بل الذي نزل أولا هو صدر هذه السورة ، حتى قوله تعالى : ( علم الإنسان ما لم يعلم ) ، وأما باقي السورة فإنما نزل متأخرا بعد ذلك .

ففي حديث بدء الوحي عند البخاري (4954) ومسلم (160)

: قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما جَاءَهُ الْمَلَكُ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ فَقَالَ له اقْرَأْ

. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَنَا بِقَارِئٍ ... الحديث ، وفيه : ( فَقَالَ : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ) الْآيَاتِ إِلَى قَوْلِهِ : ( عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) لفظ البخاري .

ولفظ مسلم : ( فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي

فَقَالَ : ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ .

وقال شيخ الإسلام رحمه الله :

" سورة المدثر هي أول ما نزل من القرآن بعد أول سورة ( اقرأ ) "

. انتهى من"شرح العمدة" (4 /404)

وقال أبو حيان الأندلسي :

" هذه السورة مكية – يعني سورة العلق - وصدرها أول ما نزل من القرآن ، وذلك في غار حراء على ما ثبت في صحيح البخاري وغيره ".

انتهى من"تفسير البحر المحيط" (8 /488) .

ثانيا :

الصلاة كانت مشروعة قبل "الإسراء" ، كما دل على ذلك سورة العلق ، والأحاديث المذكورة في سبب نزولها ، ودل عليه أيضا سورة المزمل

وما فيها من وصف قيام النبي صلى الله عليه وسلم لليل ، هو وطائفة ممن معه من المؤمنين ، وسورة المزمل من أوائل ما نزل ، ودلت عليه نصوص كثيرة ، ووقائع عديدة في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم .

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله :

" كَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْل الْإِسْرَاء يُصَلِّي قَطْعًا ، وَكَذَلِكَ أَصْحَابه ؛ لَكِنْ اُخْتُلِفَ هَلْ اُفْتُرِضَ قَبْل الْخَمْس شَيْء مِنْ الصَّلَاة أَمْ لَا ؟ " انتهى .

وينظر إجابة السؤال القادم

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-03-03, 17:21
متى فرضت الصلاة ؟

وكيف كان المسلمون يصلون قبل فرض الخمس ؟

السؤال

هل صحيح أن الصلاة كانت مفروضة قبل ليلة الإسراء؟

وهل كان الرسول يصليها على هيئتها كما نصليها الآن و بنفس عدد الركعات؟

ومتى فرضت الصلاة بالأوقات و الهيئة التي نصليها الآن؟

الجواب

الحمد لله

روى البخاري (349) ومسلم (162) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه حديث الإسراء المشهور ، وفيه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

( فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ مَا أَوْحَى فَفَرَضَ عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلَاةً فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، فَنَزَلْتُ إِلَى مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ ؟ قُلْتُ خَمْسِينَ صَلَاةً . قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ

... قَالَ : فَلَمْ أَزَلْ أَرْجِعُ بَيْنَ رَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَبَيْنَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام حَتَّى قَالَ : يَا مُحَمَّدُ إِنَّهُنَّ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، لِكُلِّ صَلَاةٍ عَشْرٌ ، فَذَلِكَ خَمْسُونَ صَلَاةً ) .

وقد أجمع العلماء على أن الصلوات الخمس لم تفرض إلا في هذه الليلة

. ينظر جواب السؤال القادم.

راجع : "فتح الباري" لابن رجب (2 / 104)

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله :

" فلما كان ليلة الإسراء قبل الهجرة بسنة ونصف ، فرض الله على رسوله صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس ، وفصل شروطها وأركانها وما يتعلق بها بعد ذلك ، شيئا فشيئا " انتهى .

"تفسير ابن كثير" (7 / 164)

- ثم نزل جبريل عليه السلام وعلم النبي صلى الله عليه وسلم أوقات الصلاة :

فروى البخاري (522) ومسلم (611) عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ فَأَخْبَرَهُ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا

وَهُوَ بِالْكُوفَةِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ : مَا هَذَا يَا مُغِيرَةُ ؟ أَلَيْسَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ فَصَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ قَالَ : ( بِهَذَا أُمِرْت ) فَقَالَ عُمَرُ لِعُرْوَةَ :

انْظُرْ مَا تُحَدِّثُ يَا عُرْوَةُ ؟ أَوَ إِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَام هُوَ أَقَامَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقْتَ الصَّلَاةِ ؟ فَقَالَ عُرْوَةُ : كَذَلِكَ كَانَ بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ .

وروى النسائي (526) عن جَابِر بْن عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما قَالَ : جَاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ زَالَتْ الشَّمْسُ فَقَالَ : قُمْ يَا مُحَمَّدُ فَصَلِّ الظُّهْرَ حِينَ مَالَتْ الشَّمْسُ .

ثُمَّ مَكَثَ حَتَّى إِذَا كَانَ فَيْءُ الرَّجُلِ مِثْلَهُ جَاءَهُ لِلْعَصْرِ فَقَالَ : قُمْ يَا مُحَمَّدُ فَصَلِّ الْعَصْرَ . ثُمَّ مَكَثَ حَتَّى إِذَا غَابَتْ الشَّمْسُ جَاءَهُ فَقَالَ : قُمْ فَصَلِّ الْمَغْرِبَ . فَقَامَ فَصَلَّاهَا حِينَ غَابَتْ الشَّمْسُ سَوَاءً

ثُمَّ مَكَثَ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ الشَّفَقُ جَاءَهُ فَقَالَ : قُمْ فَصَلِّ الْعِشَاءَ . فَقَامَ فَصَلَّاهَا ... الحديث ، وفيه : فَقَالَ – يعني جبريل - : ( مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَقْتٌ كُلُّهُ ) .

وصححه الألباني في "صحيح النسائي" .

وروى عبد الرزاق في "مصنفه" ( 1773)

وابن إسحاق في سيرته

كما في فتح الباري (2 / 285 ) أن ذلك كان صبيحة الليلة التي فرضت فيها الصلاة .

قال القرطبي رحمه الله :

ولم يختلفوا في أن جبريل عليه السلام هبط صبيحة ليلة الإسراء عند الزوال فعلم النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة ومواقيتها " انتهى ملخصا .

وقال شيخ الإسلام رحمه الله :

" بيان جبريل للمواقيت كان صبيحة ليلة الإسراء " انتهى .

"شرح العمدة" (4 / 148)

- وكان أول فرض الصلوات الخمس ركعتان ، ثم بعد الهجرة أقرت في السفر ، وزيدت في الحضر ركعتين ، إلا المغرب فعلى حالها . فروى البخاري (3935) ومسلم (685)

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : ( فُرِضَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ هَاجَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفُرِضَتْ أَرْبَعًا ، وَتُرِكَتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى الْأُولَى ) .

- وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يصلون قبل فرض الصلوات الخمس :

جاء في "الموسوعة الفقهية" (27 / 52-53) :

" أَصْل وُجُوبِ الصَّلاَةِ كَانَ فِي مَكَّةَ فِي أَوَّل الإْسْلاَمِ ؛ لِوُجُودِ الآْيَاتِ الْمَكِّيَّةِ الَّتِي نَزَلَتْ فِي بِدَايَةِ الرِّسَالَةِ تَحُثُّ عَلَيْهَا . وَأَمَّا الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ بِالصُّورَةِ الْمَعْهُودَةِ فَإِنَّهَا فُرِضَتْ لَيْلَةَ الإْسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ " انتهى .

وينظر جواب السؤال رقم ( 143111 )

- وذهب بعض أهل العلم إلى أن الصلاة كانت مفروضة أول الأمر ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي .

قال الحافظ رحمه الله في الفتح :

" ذَهَبَ جَمَاعَة إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَبْل الْإِسْرَاء صَلَاة مَفْرُوضَة إِلَّا مَا كَانَ وَقَعَ الْأَمْر بِهِ مِنْ صَلَاة اللَّيْل مِنْ غَيْر تَحْدِيد , وَذَهَبَ الْحَرْبِيُّ إِلَى أَنَّ الصَّلَاة كَانَتْ مَفْرُوضَة رَكْعَتَيْنِ بِالْغَدَاةِ وَرَكْعَتَيْنِ بِالْعَشِيِّ ,

وَذَكَرَ الشَّافِعِيّ عَنْ بَعْض أَهْل الْعِلْم أَنَّ صَلَاة اللَّيْل كَانَتْ مَفْرُوضَة ثُمَّ نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ) فَصَارَ الْفَرْض قِيَام بَعْض اللَّيْل , ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْس " انتهى .

وقال أيضا :

" كَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْل الْإِسْرَاء يُصَلِّي قَطْعًا , وَكَذَلِكَ أَصْحَابه لَكِنْ اُخْتُلِفَ هَلْ اُفْتُرِضَ قَبْل الْخَمْس شَيْء مِنْ الصَّلَاة أَمْ لَا ؟ فقيل : إِنَّ الْفَرْض أَوَّلًا كَانَ صَلَاة قَبْل طُلُوع الشَّمْس وَصَلَاة قَبْل غُرُوبهَا ,

وَالْحُجَّة فِيهِ قَوْله تَعَالَى ( وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّك قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ) وَنَحْوهَا مِنْ الْآيَات "

انتهى بتصرف يسير .

وينظر أيضاً : "تفسير ابن عطية" (1/204)

"التحرير والتنوير" لابن عاشور (24/75) .

والله تعالى أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-03-03, 17:24
العبادات التي كانت في أول الإسلام .

السؤال

هل كانوا يصلون قبل الإسراء والمعراج ، وما هي العبادات التي كانوا يعبدون الله بها المسلمون قبل أن تفرض الصلاة ؟

الجواب

الحمد لله

أولا :

أجمع العلماء على أن الصلوات الخمس إنما فرضت ، على ما نعرفه الآن ، ليلة الإسراء .

ينظر : التمهيد ، لابن عبد البر (8/35) ،

"فتح الباري" لابن رجب (2 / 104) .

ودلت النصوص المتظاهرة على أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يصلون منذ أول الرسالة ، قبل فرض الصلوات ليلة الإسراء .

روى مسلم (746) عن عَائِشَةَ رضي الله عنها قالت :

" إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ افْتَرَضَ قِيَامَ اللَّيْلِ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ فَقَامَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ حَوْلًا وَأَمْسَكَ اللَّهُ خَاتِمَتَهَا اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا فِي السَّمَاءِ

حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ فِي آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ التَّخْفِيفَ فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرِيضَةٍ " .

وفي حديث هرقل أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن مضمون رسالة النبي صلى الله عليه وسلم إليهم ، فقال له : ( مَاذَا يَأْمُرُكُمْ ؟ ) .

فأجابه أبو سفيان ، وهو في شركه : ( قُلْتُ : يَقُولُ : اعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ ؛ وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالصِّلَةِ ) .

رواه البخاري (7) ومسلم (1773) .

قال الحافظ ابن رجب رحمه الله :

" وهو يدل على أن النبي كان أهم ما يأمر به أمته الصلاة ، كما يأمرهم بالصدق والعفاف ،

واشتُهر ذلك حتى شاع بين الملل المخالفين له في دينه ، فإن أبا سفيان كان حين قال ذلك مشركا ، وكان هرقل نصرانيا . ولم يزل منذ بُعث يأمر بالصدق والعفاف ، ولم يزل يصلي أيضا قبل أن تفرض الصلاة " انتهى .

"فتح الباري" ، لابن رجب (2/101) .

وظاهر الحديث أن ذلك الأمر بالصلاة ، في أول الإسلام ، كان على الوجوب

وإن اختلفت التفاصيل عما استقر عليه الأمر بعد الإسراء ، وهو ـ أيضا ـ ظاهر الأمر بقيام الليل في سورة المزمل ، التي هي من أول ما نزل من القرآن .

قال الإمام الشافعي رحمه الله :

" سَمِعْت من أَثِقُ بِخَبَرِهِ وَعِلْمِهِ يَذْكُرُ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ فَرْضًا في الصَّلَاةِ ، ثُمَّ نَسَخَهُ بِفَرْضٍ غَيْرِهِ ، ثُمَّ نَسَخَ الثَّانِيَ بِالْفَرْضِ في الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ قال [ الشافعي ]

: كَأَنَّهُ يَعْنِي قَوْلَ اللَّهِ عز وجل يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمْ اللَّيْلَ إلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أو اُنْقُصْ منه قَلِيلًا الْآيَةَ ، ثُمَّ نَسَخَهَا في السُّورَةِ معه بِقَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى من ثُلُثَيْ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ إلَى قَوْلِهِ :

فَاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ من الْقُرْآنِ ، فَنَسَخَ قِيَامَ اللَّيْلِ أو نِصْفَهُ أو أَقَلَّ أو أَكْثَرَ بِمَا تَيَسَّرَ . وما أَشْبَهَ ما قال بِمَا قال " .

انتهى ."الأم" (1/68)

وينظر أيضا : "الموسوعة الفقهية" (27 / 52-53)

"الذخيرة" للقرافي (2 / 8) .

وقد قيل إن أول ذلك الفرض : ركعتان بالغداة ، وركعتان بالعشي .

قال قتادة رحمه الله

: " كان بدءُ الصيام أمِروا بثلاثة أيام من كل شهر ، وركعتين غدوة ، وركعتين عشية " .

"تفسير الطبري" (3 / 501) .

وقال ابن كثير في قوله تعالى : ( وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ) ق/39: " وقد كان هذا قبل أن تفرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء ، وهذه الآية مكية " انتهى .

"تفسير ابن كثير" (3 / 538)

وينظر : "البحر الرائق" ، لابن نجيم (1 / 257) .

وأنكر جماعة من أهل العلم قول قتادة ومن وافقه على ذلك ، وإن أثبتوا فرض مطلق الصلاة قبل الإسراء

. ينظر : التمهيد لابن عبد البر (8/35) .

ثانيا :

دل حديث هرقل السابق على أن الصحابة كانوا قد أمروا بعبادات أخرى في أول البعثة ، سوى التوحيد والصلاة ؛ ففيه أمرهم بالزكاة والصدق والعفاف والصلة .

قال ابن كثير رحمه الله :

" كان في ابتداء الإسلام يصومون من كل شهر ثلاثة أيام ، ثم نسخ ذلك بصوم شهر رمضان . وقد رُوي أن الصيام كان أولا كما كان عليه الأمم قبلنا ، من كل شهر ثلاثة أيام ، عن معاذ ، وابن مسعود ، وابن عباس

وعطاء ، وقتادة ، والضحاك بن مزاحم . وزاد : لم يزل هذا مشروعًا من زمان نوح إلى أن نَسَخ الله ذلك بصيام شهر رمضان " انتهى .

"تفسير ابن كثير" (1 / 497)

وقال أيضا :

" لا يبعد أن يكون أصل الزكاة الصدقة كان مأمورا به في ابتداء البعثة ، كقوله تعالى : ( وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ) الأنعام/ 141

فأما الزكاة ذات النصب والمقادير فإنما بَيَّن أمرها بالمدينة ، كما أن أصل الصلاة كان واجبا قبل طلوع الشمس وقبل غروبها في ابتداء البعثة ، فلما كان ليلة الإسراء قبل الهجرة بسنة ونصف

فرض الله على رسوله صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس ، وفصل شروطها وأركانها وما يتعلق بها بعد ذلك، شيئا فشيئا " انتهى .

"تفسير ابن كثير" (7 / 164) .

والله تعالى أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-03-03, 17:30
هل فرعون مات مسلماً ؟!

السؤال

أرى المسلمين دائماً يتحدثون عن قصة فرعون وكيف كان ظالماً. ولكني عندما قرأت سورة يونس بدأت أسأل نفسي..

هل مات فرعون مسلماً؟!!

وهل سيدخل الجنة بناءً على ذلك؟!! ففي سورة يونس قال الله "وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون بجنوده بغياً وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال أمنت أنه لا إله إلا الذي أمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين.

.". ألا يعني نطقه للشهادة أنه أصبح مسلماً وأن جميع الذنوب السابقة مغفورة؟ لأن الإسلام يجبّ ما قبله..؟!!

فبما أنه نطق الشهادة ثم مات مباشرة بعد نطقه لها فمعنى هذا أنه سيدخل الجنة.. هل فهمي هذا صحيح؟

الجواب

الحمد لله

لا يختلف المسلمون أن فرعون عاش كافرا ومات كافرا ، وأنه من أشد الناس كفرا ، وأن مصيره إلى النار خالدا مخلدا فيها أبدا .

قال الله تعالى عن فرعون وقومه : ( وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ) غافر/45 ، 46 .

وآل فرعون هنا هم فرعون وقومه .

وأما نطق فرعون بالإيمان في آخر لحظات حياته فذلك إيمان في وقت لا ينفع فيه الإيمان

لأنه بعد نزول العذاب ، وقد قضى الله تعالى أن الإيمان في هذا الوقت لا ينفع صاحبه ، لأنه يكون إيماناً اضطرارياً .

قال الله تعالى : ( فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ ) غافر/ 84، 85

قال الطبري رحمه الله :

" يقول تعالى ذكره : فلم يك ينفعهم تصديقهم في الدنيا بتوحيد الله عند معاينة عقابه قد نزل ، وعذابه قد حل

لأنهم صدقوا حين لا ينفع التصديق مصدقا ، إذ كان قد مضى حكم الله في السابق من علمه ، أن من تاب بعد نزول العذاب من الله على تكذيبه لم تنفعه توبته " .

انتهى من"تفسير الطبري" (21 /424) .

وقال السعدي رحمه الله :

" وهذه سنة الله وعادته التي قد خلت في عباده : أن المكذبين حين ينزل بهم بأس الله وعقابه إذا آمنوا ، كان إيمانهم غير صحيح ، ولا منجيا لهم من العذاب ، وذلك لأنه إيمان ضرورة

قد اضطروا إليه ، وإيمان مشاهدة ، وإنما الإيمان النافع الذي ينجي صاحبه ، هو الإيمان الاختياري ، الذي يكون إيمانا بالغيب ، وذلك قبل وجود قرائن العذاب ".

انتهى من "تفسير السعدي" (ص 743) .

ويدل على هذا المعنى في قصة فرعون تمام الآيات التي في سورة يونس

حيث يقول الله تعالى : ( آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ ) يونس/ 91، 92

والمعنى : آلآن آمنت حيث لا ينفعك إيمانك ، فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن بعدك آية وعبرة يعتبرون بك ، فينزجرون عن معصية الله ، والكفر به والسعي في أرضه بالفساد .

وانظر : "تفسير الطبري" (15 /194) .

وقد روى الترمذي وحسنه (3107) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَمَّا أَغْرَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ قَالَ :

آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ . فَقَالَ جِبْرِيلُ : يَا مُحَمَّدُ فَلَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا آخُذُ مِنْ حَالِ الْبَحْرِ – يعني طينه - فَأَدُسُّهُ فِي فِيهِ مَخَافَةَ أَنْ تُدْرِكَهُ الرَّحْمَةُ ) وصححه الألباني .

فهذا فعل جبريل مع فرعون ، خشي أن تدركه رحمة الله عز وجل ، فكان يضع من طين البحر في فمه حتى يسكت ولا يستطيع النطق بالإيمان .

وقد قال الله تعالى : ( إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا

* وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ) النساء/ 17، 18 .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

" وَأَمَّا مَنْ تَابَ عِنْدَ مُعَايَنَةِ الْمَوْتِ فَهَذَا كَفِرْعَوْنَ الَّذِي قَالَ : أَنَا اللَّهُ ( حَتَّى إذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) قَالَ اللَّهُ : (

آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ) وَهَذَا اسْتِفْهَامُ إنْكَارٍ بَيَّنَ بِهِ أَنَّ هَذِهِ التَّوْبَةَ لَيْسَتْ هِيَ التَّوْبَةُ الْمَقْبُولَةُ الْمَأْمُورُ بِهَا ؛ فَإِنَّ اسْتِفْهَامَ الْإِنْكَارِ

: إمَّا بِمَعْنَى النَّفْيِ إذَا قَابَلَ الْإِخْبَارَ وَإِمَّا بِمَعْنَى الذَّمِّ وَالنَّهْيِ إذَا قَابَلَ الْإِنْشَاءَ وَهَذَا مِنْ هَذَا ".

انتهى من "مجموع الفتاوى" (18 /190) .

وقال ايضاً :

" هؤلاء الاتحادية من أتباع صاحب "فصوص الحكم" و"الفتوحات المكية" ونحوهم هم الذين يعظمون فرعون

ويدعون أنه مات مؤمنا ، وأن تغريقه كان بمنزلة غسل الكافر إذا أسلم ، ويقولون : ليس في القرآن ما يدل على كفره

ويحتجون على إيمانه بقوله : ( حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين )

وتمام القصة تبين ضلالهم ، فإنه قال سبحانه : ( آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين ) وهذا استفهام إنكار وذم ، ولو كان إيمانه صحيحا مقبولا لما قيل له ذلك .

وقد قال موسى عليه السلام : ( وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ) يونس/ 88 .

قال الله تعالى : ( قد أجيبت دعوتكما ) ، فاستجاب الله دعوة موسى وهارون ، فإن موسى كان يدعو وهارون يؤمّن أن فرعون وملأه لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم .

ثم إنه سبحانه وتعالى قال بعد قوله : ( آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين

* فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية ) فجعله الله تعالى عبرة وعلامة لمن يكون بعده من الأمم لينظروا عاقبة من كفر بالله تعالى ، ولهذا ذكر الله تعالى الاعتبار بقصة فرعون وقومه في غير موضع .

ثم إن الله تعالى أخبر عن فرعون بأعظم أنواع الكفر : من جحود الخالق ، ودعواه الإلهية ، وتكذيب من يقر بالخالق سبحانه ، ومن تكذيب الرسول ووصفه بالجنون والسحر وغير ذلك ......

وفرعون هو أكثر الكفار ذكرا في القرآن ، وهو لا يذكره سبحانه إلا بالذم والتقبيح واللعن ، ولم يذكره بخير قط .
وهؤلاء الملاحدة المنافقون يزعمون أنه مات طاهرا مطهرا ليس فيه شيء من الخبث "

. انتهى ملخصا من"جامع الرسائل" (1 /207-212) .

وجاء في "الموسوعة الفقهية" (14/126) :

" لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي عَدَمِ قَبُول تَوْبَةِ الْكَافِرِ بِإِسْلاَمِهِ فِي حَالَةِ الْيَأْسِ ؛ بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى

حِكَايَةً عَنْ حَال فِرْعَوْنَ : ( حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَال آمَنْتُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيل وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ الآْنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْل وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ) " انتهى .

والخلاصة :

أن فرعون مات كافرا ، وقوله لما عاين ملائكة العذاب " آمنت " لا ينفعه ؛ لأنه قاله في حال الضرورة الملجئة ، وحال الغرغرة التي يفوت بها وقت التوبة .

والله تعالى أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-03-03, 17:35
شروط المباهلة

السؤال

ما هي شروط المباهلة ؟

الجواب

الحمد لله

معنى المباهلة : أَن يجتمع القوم إِذا اختلفوا في شيء فيقولوا : لَعْنَةُ الله على الظالم منا .

انظر : "لسان العرب" (11 /71) .

وهي مشروعة لإحقاق الحق وإزهاق الباطل ، وإلزام الحجة من أعرض عن الحق بعد قيامها عليه ، والأصل في مشروعيتها آية المباهلة

وهي قوله تعالى : ( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) آل عمران / 61 .

قال ابن القيم رحمه الله :

" السُّنَّة فى مجادلة أهل الباطل إذا قامت عليهم حُجَّةُ اللهِ ولم يرجعوا ، بل أصرُّوا على العناد أن يدعوَهم إلى المباهلة ، وقد أمر اللهُ سبحانه بذلك رسولَه ، ولم يقل : إنَّ ذلك ليس لأُمتك مِن بعدك "

انتهى من"زاد المعاد" (3 /643)

وقال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء :

" ليست المباهلة خاصة بالرسول صلى الله عليه وسلم مع النصارى ، بل حكمها عام له ولأمته مع النصارى وغيرهم

لأن الأصل في التشريع العموم ، وإن كان الذي وقع منها في زمنه صلى الله عليه وسلم في طلبه المباهلة من نصارى نجران فهذه جزئية تطبيقية لمعنى الآية لا تدل على حصر الحكم فيها "

انتهى من"فتاوى اللجنة الدائمة" (4 /203-204) .

ويشترط للمباهلة شروط ، من أهمها :

- إخلاص النية لله تعالى ؛ وأن يكون الغرض من المباهلة إحقاق الحق ونصرة أهله وإبطال الباطل وخذلان أهله . فلا يكون الغرض منها الرغبة في الغلبة للتشفي وحب الظهور والانتصار للهوى ونحو ذلك .

- أن تكون المباهلة بعد إقامة الحجة على المخالف ، وإظهار الحق له بالأدلة الواضحة والبراهين القاطعة .

- أن يتبين من أمر المخالف إصراره على الباطل وعناده للحق وانتصاره للهوى ؛ فإن المباهلة تسعى بالمبطل إلى لعنة الله وغضبه ، ولا يجوز أن يُدعى بذلك إلا لمن يستحقه من المشاقين المعاندين .

- أن تكون في أمر هامٍّ من أمور الدين ، ويرجى في إقامتها حصول مصلحة للإسلام والمسلمين ، أو دفع شر المخالف ، ولا يجوز أن تكون في المسائل الاجتهادية التي يسوغ فيها الاختلاف .

قال أحمد بن إبراهيم في "شرح قصيدة ابن القيم" (1 /37) :

" وأما حكم المباهلة : فقد كتب بعض العلماء رسالة في شروطها المستنبطة من الكتاب والسنة والآثار وكلام الأئمة

وحاصل كلامه فيها : أنها لا تجوز إلا في أمر مهم شرعا وقع فيه اشتباه وعناد لا يتيسر دفعه إلا بالمباهلة

فيشترط كونها بعد إقامة الحجة ، والسعي في إزالة الشبه ، وتقديم النصح والإنذار ، وعدم نفع ذلك ، ومساس الضرورة إليها " انتهى .

والله أعلم .

و اخيرا

الحمد لله الذي بفضلة تتم الصالحات

اخوة الاسلام

اكتفي بهذا القدر و لنا عوده
ان قدر الله لنا البقاء و اللقاء

و اسال الله ان يجمعني بكم دائما
علي خير

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين

بـــيِسَة
2019-03-03, 19:38
سلام

بارك الله فيك اخي

شكرااااااااااااا

تحياتنا

*عبدالرحمن*
2019-03-04, 16:31
سلام

بارك الله فيك اخي

شكرااااااااااااا

تحياتنا

الحمد لله الذي بفضلة تتم الصالحات

الشكر موصول لحضورك الطيب مثلك
و مازلت في انتظار مرورك العطر دائما

بارك الله فيكِ
و جزاكِ الله عنا كل خير

*عبدالرحمن*
2019-03-04, 16:34
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)
اخوة الاسلام

أحييكم بتحية الإسلام
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)


الحكمة من ذكر (ليال عشر) بدل من أيام عشر

السؤال

تبادر إلى ذهن أحد أقربائي هذا سؤال وهو ما الحكمة من قول الله تعالى ( وليال عشر ) ؟

رغم أن فضائل العشر أيام من ذي الحجة تكون في الصبح أي في اليوم وليس في الليل ولا شك أن لله الحكمة البالغة .

الجواب

الحمد لله

قال الله تعالى: ( والفجر * وليال عشر ) الفجر/1-2 .

وقد حصل خلاف بين العلماء في المراد بالعشر المقسم بها :

1- فذهب جمهور أهل العلم أنها عشر ذي الحجة ، بل نقل ابن جرير رحمه الله الإجماع على ذلك فقال : "هي ليالي عشر ذي الحجة ، لإجماع الحُجة من أهل التأويل عليه"

انتهى من تفسير ابن جرير (7/514) .

وقال ابن كثير (4/535)

: "والليالي العشر : المراد بها عشر ذي الحجة ، كما قاله ابن عباسٍ وابن الزبير ومُجاهد وغير واحدٍ من السلف والخلف "
.
وهنا يرد السؤال الذي ذكرته وهو ما الحكمة من التعبير بالليالي عن الأيام؟

فيجاب عن ذلك بما يلي :

أنه أطلق على الأيام ( ليالي) لأن اللغة العربية واسعة ، قد تطلق الليالي ويراد بها الأيام ، والأيام يراد بها الليالي ، والغالب في ألسنة الصحابة والتابعين غلبة الليالي للأيام

حتى إن من كلامهم : " صمنا خمسا " يعبرون به عن الليالي ، وإن كان الصوم في النهار . والله أعلم

كما نص على ذلك جمع من العلماء منهم ابن العربي في "أحكام القرآن" ( 4/ 334 )

وابن رجب في "لطائف المعارف" ( 470 ) .

2- وذهب بعض العلماء وهو مروي أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنهما إلى أن المراد بالليال العشر : هي ليالي عشر رمضان الأخيرة ، فقالوا ‏

:‏ لأن ليال العشر الأخيرة من رمضان فيها ليلة القدر التي قال الله عنها : ( لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) وقال ‏:‏ (‏‏إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ)‏‏ ‏الدخان/3 ، 4‏ .

وقد اختار هذا القول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله

: لأنه الموافق لظاهر الآية .

انظر : تفسير جزء عم ، للشيخ ابن عثيمين .

*عبدالرحمن*
2019-03-04, 16:37
ما هو قرآن الفجر المقصود في قوله تعالى : (إن قرآن الفجر كان مشهوداً)؟

السؤال

هل معنى قوله تعالى: ( إن قرآن الفجر كان مشهوداً ) يخص القراءة في صلاة الفجر ، أم قراءة القرآن بعد صلاة الفجر ؟

الجواب

الحمد لله

المقصود بـ " قرآن الفجر "

في قوله تعالى : (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) الإسراء/78

هو القراءة في صلاة الفجر

كما قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم من السلف .

وتسمية الصلاة بأنها " قرآن " لأن القرآن ركن من أركانها ، وهو قراءة الفاتحة فيها ، كما تسمى الصلاة ركوعاً وسجوداً ، لأن الركوع والسجود ركن فيها .

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (فَضْلُ صَلَاةِ الْجَمِيعِ عَلَى صَلَاةِ الْوَاحِدِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ دَرَجَةً ، وَتَجْتَمِعُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ

يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ : اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ : (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) رواه البخاري (4717) ومسلم (649) .

قال ابن جرير الطبري رحمه الله :

" وأما قوله : (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) فإن معناه : وأقم قرآن الفجر : أي ما تقرأ به صلاة الفجر من القرآن ، والقرآن معطوف على الصلاة في قوله : (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) ، وكان بعض نحويي البصرة يقول : نصب قوله :

(وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) على الإغراء ، كأنه قال : وعليك قرآن الفجر ، (إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) يقول : إن ما تقرأ به في صلاة الفجر من القرآن كان مشهودا

، يشهده فيما ذكر ملائكة الليل وملائكة النهار ، وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ، وجاءت الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم"

انتهى من " جامع البيان " (17/520) .

وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله :

"وقوله تعالى : (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) يعني : صلاة الفجر"

انتهى من "تفسير القرآن العظيم" (5/102) .

وقال القرطبي رحمه الله :

"وعبر عنها بالقرآن خاصة دون غيرها من الصلوات ؛ لأن القرآن هو أعظمها ، إذ قراءتها طويلة مجهور بها حسبما هو مشهور مسطور"

انتهى من "الجامع لأحكام القرآن" (10/304) .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-03-04, 16:42
يقول : أستخدم الفلسفة للتفكر في الإسلام والقرآن .

السؤال

إني استخدم الفلسفة كأداة للتفكر في الإسلام والقرأن، ليس على سبيل اختلاق أمور جديدة ولكن على سبيل التفكر في مخلوقات وعظمة الخلق والخالق فيعود ذلك عليّ بالفائدة وقوة الإيمان. فمن ضمن تأملاتي

مثلاً في قوله تعالى "ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون" فمن خلال تأملي في هذه الآية أجد أن كل شيء خلقه الله في هذه الحياة عبارة عن طريقين، خير وشر، رجال ونساء، جيد وسيء، ناقص ومكتمل ... إلخ.

حتى الخلق أنفسهم مختلفون عن الخالق، فهو كامل الصفات وهم ليسوا كذلك ... كقوله تعالى " ولم يكن له كفواً أحد" وفي قوله تعالى "كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام"

فهذه الآية اتضح لي منها مدى التناقض الذي يؤمن به المسيحيون، فتراهم يؤمنون بأن عيسى إله ثم يقولون بأنه بشر وأنه صُلب،

فكيف يمكن لإله أن يحدث له هذا ؟!! إن التأمل في هذه الأيات يرفع من مستوى الإدراك لدي، وقد استفدت الكثير من العلم عن طريق هذا التأمل الفلسفي في آيات القرأن الكريم. فهل فعلي هذا صحيح أم لا؟

وما توجيهكم؟

الجواب

الحمد لله

أنزل الله تعالى القرآن ليتلى ويتدبر ويعمل بما فيه .

قال الله تعالى : ( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) محمد/ 24 ،

وقال سبحانه : ( كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ) ص/29 .

قال السعدي رحمه الله :

" هذه الحكمة من إنزاله ، ليتدبر الناس آياته ، فيستخرجوا علمها ويتأملوا أسرارها وحكمها

فإنه بالتدبر فيه والتأمل لمعانيه ، وإعادة الفكر فيها مرة بعد مرة ، تدرك بركته وخيره ، وهذا يدل على الحث على تدبر القرآن

وأنه من أفضل الأعمال ، وأن القراءة المشتملة على التدبر أفضل من سرعة التلاوة التي لا يحصل بها هذا المقصود "

انتهى من تفسير السعدي [ص 712]

وقال الشنقيطي رحمه الله :

" تدبر القرآن وتفهمه وتعلمه والعمل به ، أمر لا بد منه للمسلمين ، وإعراض كثير من الأقطار عن النظر في كتاب الله وتفهمه والعمل به وبالسنة الثابتة المبينة له من أعظم المناكر وأشنعها ، وإن ظن فاعلوه أنهم على هدى "

انتهى من أضواء البيان" (50 /25)

وهذا التأمل والتدبر حتى يكون صحيحاً وممدوحاً لا بد أن يقيد بضوابط لا يخرج عنها ، فلا بد في هذا التدبر أن لا يخالف نصاً في القرآن أو السنة .

ولا بد فيه أن لا يخالف تفسير الصحابة والسلف للآية .

ولا بد فيه أن لا يخرج عن مقتضى اللغة العربية .

ولا بد فيه أن لا يخرج عن مقاصد الشريعة وقواعدها .

فإن هذه الضوابط تضمن للمتأمل في كتاب الله عدم الخطأ في فهم الآيات ، ثم إن أخطأ ، فسيكون خطأه قريباً ، مما يحتمله لفظ الآية وسياقها .

أما ما يتخيله بعض الناس أنه من التدبر لكتاب الله فيخرج به عن فهم السلف وتفسير الصحابة إلى استحسانات متوهمة واجتهادات خاطئة وتأملات شاردة وأقيسة باطلة فهذا ليس من التدبر المأمور به ، بل هو من الجرأة على الله

أن يقول : إن الله أراد بهذه الآية كذا ، وهو ليس عنده علم بهذا .

ولا يصح التعويل على الخواطر ، وما يظهر للذهن لأول وهلة ، فإن ذلك من المناهج الخاطئة في تدبر القرآن الكريم .
وقد جاءت آثار في التحذير من تفسير القرآن بالرأي ، وبيَّن الطاهر بن عاشور المقصود منها فقال :

" أولها : أن المراد بالرأي هو القول عن مجرد خاطر دون استناد إلى نظر في أدلة العربية ومقاصد الشريعة وتصاريفها ، وما لا بد منه من معرفة الناسخ والمنسوخ وسبب النزول

فهذا لا محالة إن أصاب فقد أخطأ في تصوره بلا علم ، لأنه لم يكن مضمون الصواب ، كقول المثل رمية من غير رام .

ثانيها : أن لا يتدبر القرآن حق تدبره فيفسره بما يخطر له من بادئ الرأي دون إحاطة بجوانب الآية ومواد التفسير مقتصراً على بعض الأدلة دون بعض ، كأن يعتمد على ما يبدو من وجه في العربية فقط

كمن يفسر قوله تعالى : (ما أصابك من حسنة فمن الله) الآية على ظاهر معناها يقول : إن الخير من الله والشر من فعل الإنسان

بقطع النظر على الأدلة الشرعية التي تقتضي أن لا يقع إلا ما أراد الله ، غافلاً عما سبق من قوله تعالى (قل كلٌّ من عند الله)

ثالثها : أن يكون له ميل إلى نزعة أو مذهب أو نحلة فيتأول القرآن على وفق رأيه ويصرفه عن المراد ويرغمه على تحمله ما لا يساعد عليه المعنى المتعارف

فيجر شهادة القرآن لتقرير رأيه ، ويمنعه عن فهم القرآن حق فهمه ما قيد عقله من التعصب" انتهى باختصار .

من "التحرير والتنوير" (1 /30-31).

وما ذكرته من التدبر حسن لا بأس به ؛ لأنه لا يخرج عن حدود الفهم الصحيح للقرآن ، بل يوافقه ، ولكن لا يسمى مثل ذلك تأملاً فلسفياً .

وينبغي أن تهتم بكتب تفسير القرآن الكريم ، فإنها تساعدك على فهم القرآن فهماً صحيحاً

كتفسير الطبري ، وابن كثير ، والقرطبي ، والسعدي .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-03-04, 16:47
تفسير قوله تعالى : ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ .. )

السؤال

نسأل على تفسير الاية( ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص ‏من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين [البقرة:155]

الجواب

الحمد لله

يقول الله تعالى في سورة البقرة : ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ

* أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ) البقرة/ 155 – 157

فيخبر سبحانه أنه لا بد أن يبتلي عباده بالمحن ، ليتبين الصادق من الكاذب ، والجازع من الصابر

وهذه سنته تعالى في عباده ، كما قال سبحانه : ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ) محمد/ 31

وقال عز وجل : ( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ) [الملك/ 2

فتارة بالسراء ، وتارة بالضراء من خوف وجوع ؛ فإن الجائع والخائف كل منهما يظهر ذلك عليه

قال تعالى : ( بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ ) أي : بقليل من ذلك ؛ لأنه لو ابتلاهم بالخوف كله ، أو الجوع ، لهلكوا ، والمحن تمحص لا تهلك .

( وَنَقْصٍ مِنَ الأمْوَالِ ) أي : ويبتليهم أيضا بذهاب بعض أموالهم ، وهذا يشمل جميع النقص المعتري للأموال من جوائح سماوية ، وغرق ، وضياع ، وأخذ الظلمة للأموال من الملوك الظلمة ، وقطاع الطريق وغير ذلك .

( وَالأنْفُسِ ) أي : ذهاب الأحباب من الأولاد ، والأقارب ، والأصحاب ، ومن أنواع الأمراض في بدن العبد ، أو بدن من يحبه ، ( وَالثَّمَرَاتِ

أي : الحبوب وثمار النخيل والأشجار كلها والخضر ، ببرد ، أو حرق ، أو آفة سماوية من جراد ونحوه .

فهذه الأمور، لا بد أن تقع ، لأن العليم الخبير أخبر بها ، فإذا وقعت انقسم الناس قسمين : جازعين وصابرين ، فالجازع ، حصلت له المصيبتان ، فوات المحبوب بحصول هذه المصيبة

وفوات ما هو أعظم منها ، وهو الأجر بامتثال أمر الله بالصبر ، فرجع بالخسارة والحرمان ، ونقص ما معه من الإيمان ، وفاته الصبر والرضا والشكران ، وحصل له السخط الدال على شدة النقصان .

وأما من وفقه الله للصبر عند وجود هذه المصائب ، فحبس نفسه عن التسخط قولا وفعلا ، واحتسب أجرها عند الله ، وعلم أن ما يدركه من الأجر بصبره أعظم من المصيبة التي حصلت له

فهذا قد صارت المصيبة نعمة في حقه ، فلهذا قال تعالى : ( وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ) أي : بشرهم بأنهم يوفون أجرهم بغير حساب .

ثم وصف الله الصابرين بقوله : ( الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ ) وهي كل ما يؤلم القلب أو البدن أو كليهما مما تقدم ذكره .
( قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ ) أي : مملوكون لله ، مدبرون تحت أمره وتصريفه

فليس لنا من أنفسنا وأموالنا شيء ، فإذا ابتلانا بشيء منها فقد تصرف أرحم الراحمين بمماليكه وأموالهم ، فلا اعتراض عليه ، بل من كمال عبودية العبد علمه بأن وقوع البلية من المالك الحكيم

الذي هو أرحم بعبده من نفسه ، فيوجب له ذلك الرضا عن الله ، والشكر له على تدبيره ، لما هو خير لعبده ، وإن لم يشعر بذلك .

ومع أننا مملوكون لله : فإنا إليه راجعون يوم المعاد ، ليجازي كل عامل بعمله ، فإن صبرنا واحتسبنا وجدنا أجرنا موفورا عنده ، وإن جزعنا وسخطنا ، لم يكن حظنا إلا السخط وفوات الأجر

فكون العبد لله ، وراجع إليه ، من أقوى أسباب الصبر .

( أُولَئِكَ ) الموصوفون بالصبر المذكور ( عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ ) أي : ثناء وتنويه بحالهم ( وَرَحْمَةٌ ) عظيمة ، ومن رحمته إياهم ، أن وفقهم للصبر الذي ينالون به كمال الأجر ،

( وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ) الذين عرفوا الحق : وهو في هذا الموضع علمهم بأنهم لله ، وأنهم إليه راجعون ، وعملوا به : وهو هنا صبرهم لله .

ودلت هذه الآية على أن من لم يصبر فله ضد ما لهم ، فحصل له الذم من الله والعقوبة والضلال والخسار ، فما أعظم الفرق بين الفريقين وما أقل تعب الصابرين ، وأعظم عناء الجازعين

فقد اشتملت هاتان الآيتان على توطين النفوس على المصائب قبل وقوعها ، لتخف وتسهل إذا وقعت

وبيان ما تقابل به إذا وقعت ، وهو الصبر ، وبيان ما يعين على الصبر ، وما للصابر من الأجر ، ويعلم حال غير الصابر بضد حال الصابر .

وأن هذا الابتلاء والامتحان سنة الله التي قد خلت ، ولن تجد لسنة الله تبديلا .

وقد هون الله على عباده شأن المصائب

بما وعد من البشارة الصالحة والوعد الحسن في قوله : ( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر: 10]

قال الأوزاعي : ليس يوزن لهم ولا يكال ، إنما يغرف لهم غرفا

. "تفسير ابن كثير" (7 /89)

هذا في الآخرة ، وفي الدنيا : فروى مسلم (918) عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ

: ( مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَخْلَفَ اللَّهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا )

وقال تعالى : ( مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) الحديد/ 22، 23

وهذا من أعظم السلوى ؛ فإن العبد إذا علم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه ، وأنه لو قدر شيء لكان ، استكانت نفسه .

وقال عكرمة : " ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن ، ولكن اجعلوا الفَرَح شكرًا والحزن صبرًا "

انتهى من"تفسير ابن كثير" (8 /27)

وراجع :

"تفسير الطبري" (3 /219])

"الجامع لأحكام القرآن" (2 /174)

"تفسير ابن كثير" (1 /467)

"تفسير السعدي" (ص 75)

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-03-04, 16:56
حياة الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين في القبر حياة برزخية .

السؤال

بعض الناس يستشهدون بآية القرآن التي تقول أن الشهيد ليس بميت وأنه حي ويقولون أن النبي كان شهيدا لأن وفاته كانت بسبب تناوله للسم لذا يجوز لنا أن توسل إلى الله باسمه

ولو قلت نحتاج دليلا على ذلك يستدلون بما جاء في ترجمة الأذكار ويقولون كيف لشخص ميت عندما نصلي عليه يرد علينا بمثله، كذلك يطلب منا إلقاء التحية عليه في صيغة التشهد في الصلاة

فكيف لنا نلقي السلام على شخص ميت؟

ولقد أثبت لهم بالنظرية لماذا لم يتبنى الصحابة رأيا من هذا في حياتهم؟

بفضلك أعطني جوابا مفصلا لكل ذلك واشرح لي معنى الآية المستدل بها على أن الشهيد حي..

الجواب

الحمد لله

أولا :

الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون

– كما أخبر الله تعالى – والنبيون من باب أولى .

وتلك حياة برزخية ، لا تقاس بالحياة الدنيا ، ولا يعلم حقيقتها إلا الله .

قال الله عز وجل في كتابه العزيز :

( وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ ) البقرة / 154

وقال سبحانه : ( وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ )آل عمران / 169

وروى مسلم في "صحيحه" (1887) عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ : سَأَلْنَا عَبْدَ اللَّهِ بن مَسْعُود عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ فقَالَ :

" أَمَا إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : ( أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَسْرَحُ مِنْ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ

فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ اطِّلَاعَةً فَقَالَ : هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا ؟ قَالُوا : أَيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنْ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا ؟ فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَنْ يُتْرَكُوا مِنْ أَنْ يُسْأَلُوا قَالُوا

: يَا رَبِّ نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّ أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا حَتَّى نُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرَى . فَلَمَّا رَأَى أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ تُرِكُوا ) .

وروى الإمام أحمد (15351) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ يَعْنِي الشَّافِعِيَّ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ

إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلُقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يُرْجِعَهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ ) .

قال ابن كثير رحمه الله :

"هو بإسناد صحيح عزيز عظيم ، اجتمع فيه ثلاثة من الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبعة "

انتهى . "تفسير ابن كثير" (2 / 164)

قال ابن كثير رحمه الله :

" وأما أرواح الشهداء ، ففي حواصل طير خضر ، فهي كالكواكب بالنسبة إلى أرواح عموم المؤمنين فإنها تطير بأنفسها "

انتهى . "تفسير ابن كثير" (2 / 164)

وروى الإمام أحمد (2386) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الشُّهَدَاءُ عَلَى بَارِقِ نَهَرٍ بِبَابِ الْجَنَّةِ فِي قُبَّةٍ خَضْرَاءَ يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ رِزْقُهُمْ مِنْ الْجَنَّةِ بُكْرَةً وَعَشِيًّا )

قال ابن كثير رحمه الله :

" إسناد جيد ، فكان الشهداء أقسام : منهم من تسرح أرواحهم في الجنة ، ومنهم من يكون على هذا النهر بباب الجنة ، وقد يحتمل أن يكون منتهى سيرهم إلى هذا النهر فيجتمعون هنالك

ويغدى عليهم برزقهم هناك ويراح " انتهى .

"تفسير ابن كثير" (2 / 164)

فقوله في الحديث : ( يَا رَبِّ نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّ أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا حَتَّى نُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرَى )

وكذا قوله في الحديث الآخر : ( حَتَّى يُرْجِعَهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ ) يدل على أن هذا النعيم نعيم الأرواح ، وهذه الحياة هي حياة الأرواح أيضا ، وهي حياة برزخية ، لا تشبه الحياة الدنيا بوجه

وأن الأرواح ليست في أجسادها التي كانت لها في الدنيا ، ولذا سألت الله أن ترد إلى أجساها حتى تقتل .

قال ابن القيم رحمه الله :

" منازل الشهداء ودورهم وقصورهم التي أعد الله لهم ليست هي تلك القناديل التي تأوي إليها أرواحهم في البرزخ قطعا

فهم يرون منازلهم ومقاعدهم من الجنة ، ويكون مستقرهم في تلك القناديل المعلقة بالعرش ، فإن الدخول التام الكامل إنما يكون يوم القيامة ، ودخول الأرواح الجنة في البرزخ أمر دون ذلك " انتهى .

"الروح" (ص 97)

وقال علماء اللجنة :

" حياة الأنبياء والشهداء وسائر الأولياء حياة برزخية لا يعلم حقيقتها إلا الله ، وليست كالحياة التي كانت لهم في الدنيا " انتهى .

"فتاوى اللجنة الدائمة" (1 / 173-174) .

ومن الدليل على أن حياة هؤلاء ليست من جنس الحياة الدنيوية ، أن الشهداء يورثون ، وتزوج نساؤهم من بعدهم ، وهكذا تجري عليهم سائر الأحكام التي تجري على الموتى الآخرين .

ثم إن الأنبياء يخلفهم من بعدهم الأئمة والخلفاء ، فيسوسون الناس

ويصلون بهم ، ويفتونهم ويقضون فيهم ، وهكذا .

ولما مات النبي صلى الله عليه وسلم ، طلبت ابنته فاطمة ميراثها ، ولو كان حيا كالحياة المعهودة ما كانت طلبت ميراثها ، بل ما كان له ميراث .

ورد عليها أبو بكر رضي الله عنه بما علمه من سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، من أن الأنبياء لا يورثون

وأن ما تركوه هو صدقة من بعدهم ، ولو كانوا أحياء كالذي يريد هذا القائل ، لقال لها : كيف ترثينه وهو حي لم يمت ؟!!

وقال ابن باز رحمه الله :

" النصوص الدالة على موته صلى الله عليه وسلم من القرآن والسنة معلومة ، وهو أمر متفق عليه بين أهل العلم

ولكن ذلك لا يمنع حياته البرزخية ، كما أن موت الشهداء لم يمنع حياتهم البرزخية المذكورة في قوله تعالى : ( وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ )".

انتهى من"مجموع فتاوى ابن باز" (16 / 107)

وينظر : "دروس وفتاوى الحرم المدني" ، للشيخ ابن عثيمين (1 / 52-53) .

*عبدالرحمن*
2019-03-04, 16:57
ثانيا :

أما كون رسول الله صلى الله عليه وسلم مات شهيدا من أثر الأكلة التي أكلها من تلك الشاة المسمومة يوم خيبر : فيقال نعم : أكرمه الله بالنبوة والشهادة .

فروى الإمام أحمد (3606) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسْعُود رَضيَ اللهُ عنه قَالَ : ( لَأَنْ أَحْلِفَ بِاللَّهِ تِسْعًا : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُتِلَ قَتْلًا

أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ وَاحِدَةً ؛ وَذَلِك بِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ اتَّخَذَهُ نَبِيًّا ، وَجَعَلَهُ شَهِيدًا ) قال الشيخ أحمد شاكر : إسناده صحيح .

وعن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ : ( يَا عَائِشَةُ مَا أَزَالُ أَجِدُ أَلَمَ الطَّعَامِ الَّذِي أَكَلْتُ بِخَيْبَرَ

فَهَذَا أَوَانُ وَجَدْتُ انْقِطَاعَ أَبْهَرِي مِنْ ذَلِكَ السُّمِّ ) . رواه البخاري معلقا ، ووصله الحاكم (4393) وغيره ، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (7929) .

وينظر : "سيرة ابن هشام" (2 / 337)

"زاد المعاد" (3 / 337) (4/122) .

على أن حياة النبي صلى الله عليه وسلم في قبره ، ليست لأجل ما قدر الله له من الشهادة بأكلة خيبر ؛ بل هكذا عامة الأنبياء أحياء في قبورهم .

روى البزار في "مسنده" (6888) عَن أَنَس رضي الله عنه ، أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون ) صححه الألباني في "الصحيحة" (621) .

قال الشيخ الألباني رحمه الله :

" اعلم أن الحياة التي أثبتها هذا الحديث للأنبياء عليهم الصلاة والسلام

إنما هي حياة برزخية ، ليست من حياة الدنيا في شيء ، ولذلك وجب الإيمان بها ، دون ضرب الأمثال لها ومحاولة تكييفها وتشبيهها بما هو المعروف عندنا في حياة الدنيا .

هذا هو الموقف الذي يجب أن يتخذه المؤمن في هذا الصدد :

الإيمان بما جاء في الحديث ، دون الزيادة عليه بالأقيسة والآراء ، كما يفعل أهل البدع الذين وصل الأمر ببعضهم إلى ادّعاء أن حياته صلى الله عليه وسلم في قبره حياة حقيقية !

قال : يأكل ويشرب ويجامع نساءه ! ! . و إنما هي حياة برزخية لا يعلم حقيقتها إلا الله سبحانه وتعالى " انتهى كلامه
.
ثالثا :

أما رده صلى الله عليه وسلم ، سلام من يسلم عليه ، ففي نفس الحديث الدال على ذلك ، ما يدل على أن وفاة النبي صلى الله عليه وسلم .

روى أحمد (10434) وأبو داود (2041) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ ) حسنه الألباني .

قال الإمام ابن عبد الهادي رحمه الله :

"رد الروح على الميت في البرزخ ، ورد السلام على من يسلم عليه لا يستلزم الحياة التي يظنها بعض الغالطين ، وإن كان نوع حياة برزخية وقول من زعم أها نظير الحياة المعهودة مخالف للمنقول والمعقول

ويلزم منه مفارقة الروح للرفيق الأعلى وحصولها تحت التراب قرناً بعد قرن ، والبدن حي مدرك سميع بصير تحت أطبقا التراب والحجارة ولوازم هذا الباطلة مما لا يخفى على العقلاء " .

انتهى من "الصارم المنكي" (225) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

" فهذه النصوص التي ذكرناها تدل على أنه يسمع سلام القريب ، ويبلَّغ سلام البعيد وصلاته ، لا أنه يسمع ذلك من المصلي والمسلم ، وإذا لم يسمع الصلاة والسلام من البعيد إلا بواسطة

فإنه لا يسمع دعاء الغائب واستغاثته بطريق الأولى والأحرى . والنص إنما يدل على أن الملائكة تبلغه الصلاة والسلام ، ولم يدل على أنه يبلغه غير ذلك

والحديث الذي فيه ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام

فهم العلماء منه السلام عند قبره خاصة ، فلا يدل على البعيد ، فإن السنة إذا زار الرجل القبور مطلقا أن يسلم عليهم ويدعو لهم ، وكان النبي صلى الله عليه و سلم يخرج إلى أهل البقيع يسلم عليهم "

انتهى من " الرد على البكري" (1/107) .

وقال شيخ الإسلام أيضا :

" فأما قول القائل عند ميت من الأنبياء و الصالحين : اللهم إني أسألك بفلان ، أو بجاه فلان ، أو بحرمة فلان ؛ فهذا لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم

ولا عن الصحابة ولا عن التابعين ، وقد نص غير واحد من العلماء أنه لا يجوز ... فكيف يقول القائل للميت : أنا أستغيث بك ، وأستجير بك ، وأنا في حسبك ، أو : سل لي الله ، ونحو ذلك ؟

فتبين أن هذا ليس من الأسباب المشروعة ، ولو قدر أن له تأثيرا ؛ فكيف إذا لم يكن له تأثير صالح ، بل مفسدته راجحة على مصلحته ، كأمثاله من دعاء غير الله تعالى ؟!! " .

ثم قال :

" ولا ريب أن النبي صلى الله عليه وسلم ، بل ومن هو دونه ، حي يسمع كلام الناس ، كما قال صلى الله عليه وسلم ... ( ما من رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا

فيسلم عليه ، إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه ) رواه ابن عبد البر و صححه .

لكن في مسألتهم [ يعني : في سؤال الأموات ] أنوا ع من المفاسد ؛ منها إيذاؤهم له بالسؤال ، ومنها إفضاء ذلك إلى الشرك

وهذه المفسدة توجد معه بعد الموت دون الحياة ؛ فإن أحدا من الأنبياء الصالحين لم يعبد في حياته ؛ إذ هو ينهى عن ذلك ، وأما بعد الموت فهو لا ينهى ، فيفضي ذلك إلى اتخاذ قبره وثنا يعبد ... "

انتهى من "تلخيص الاستغاثة" (1/452-454) .

فتبين أن حياة الأنبياء لا تستلزم أنهم يسمعون كل شيء ، وأن سماعهم للقريب لا يستلزم سماعهم للبعيد ، وأن سماعهم في القبور ، لا يعني أن هذا أمر خاص بهم

إذ قد ورد أن غيرهم يسمعون أيضا ، كما يسمع الميت سلام قريبه من أهل الدنيا

بل روى البخاري (3976) ومسلم (2875) عَنْ قَتَادَةَ قَالَ ذَكَرَ لَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ يَوْمَ بَدْرٍ بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ فَقُذِفُوا فِي طَوِيٍّ مِنْ أَطْوَاءِ بَدْرٍ خَبِيثٍ مُخْبِثٍ

وَكَانَ إِذَا ظَهَرَ عَلَى قَوْمٍ أَقَامَ بِالْعَرْصَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ ، فَلَمَّا كَانَ بِبَدْرٍ الْيَوْمَ الثَّالِثَ أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَشُدَّ عَلَيْهَا رَحْلُهَا ، ثُمَّ مَشَى وَاتَّبَعَهُ أَصْحَابُهُ ، وَقَالُوا : مَا نُرَى يَنْطَلِقُ إِلَّا لِبَعْضِ حَاجَتِهِ

حَتَّى قَامَ عَلَى شَفَةِ الرَّكِيِّ ، فَجَعَلَ يُنَادِيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ : يَا فُلَانُ بْنَ فُلَانٍ ، وَيَا فُلَانُ بْنَ فُلَانٍ : أَيَسُرُّكُمْ أَنَّكُمْ أَطَعْتُمْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ

فَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا ؛ فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ؟! قَالَ : فَقَالَ عُمَرُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا تُكَلِّمُ مِنْ أَجْسَادٍ لَا أَرْوَاحَ لَهَا ؟!

فَقَالَ : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ، مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ ؛ غَيْرَ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَرُدُّوا عَلَيَّ شَيْئًا !!

وروى البخاري (1374) ومسلم (2870) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ ، أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ .. ) .

فثبت بهذه النصوص أن سماع الموتى في القبور ليس خاصا بالأنبياء أو الشهداء ؛ ثم هو ليس من جنس السماع المعهود في الدنيا ، بل هو سماع خاص ، له حقيقته الخاصة

وكيفيته الله أعلم بها ، وهكذا حياة الأنبياء والشهداء ليست من جنس الحياة التي في الدنيا ، بل هي حياة خاصة ، لا تستلزم دعاءهم ، ولا الاستغاثة بهم ، ولا التوسل بهم في شيء

بل كل ذلك غير مشروع في حقهم .

قال الله تعالى : ( ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ) فاطر/13-14 .

وينظر : جواب السؤال القادم

والله تعالى أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-03-04, 17:03
هل النبي صلى الله عليه وسلم يسمع من يناديه وهو في قبره

السؤال

البعض يعتقد بأن النبي محمد صلى الله عليه وسلم شهيد وأنه في حياة البرزخ حيث يستطيع أن يسمعنا إذا سألناه وطلبنا شفاعته (بسبب فضله وقربه من الله ) حين ندعوا الله .

الجواب

الحمد لله

النبي صلى الله عليه وسلم حي في قبره حياة برزخية يحصل له بها التنعم بما أعده الله له من النعيم جزاء له على أعماله العظيمة الطيبة التي قام بها في دنياه

وليست الحياة في القبر كالحياة في الدنيا ولا الحياة في الآخرة ، بل هي حياة برزخية وسط بين حياته في الدنيا وحياته في الآخرة وبذلك يعلم أنه قد مات كما مات غيره ممن سبقه من الأنبياء وغيرهم

قال تعالى : ( وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ ) الأنبياء/34

وقال سبحانه : ( كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ .وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ ) الرحمن/26،27

وقال : ( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ) الزمر/30 ، إلى أمثال ذلك من الآيات الدالة على أن الله توفاه إليه

ولأن الصحابة رضي الله عنهم قد غسلوه وكفنوه وصلوا عليه ودفنوه ولو كان حيا حياته الدنيوية ما فعلوا به ما يفعل بغيره من الأموات .

ولأن فاطمة رضي الله عنها قد طلبت من أبي بكر رضي الله عنه إرثها من أبيها صلى الله عليه وسلم لاعتقادها بموته ، ولم يخالفها في ذلك الاعتقاد أحد من الصحابة بل أجابها أبو بكر رضي الله عنه بأن الأنبياء لا يورثون .

ولأن الصحابة رضي الله عنهم قد اجتمعوا لاختيار خليفة للمسلمين يخلفه وتم ذلك بعقد الخلافة لأبي بكر رضي الله عنه

ولو كان حيا كحياته في دنياه لما فعلوا ذلك فهو إجماع منهم على موته .ولأن الفتن والمشكلات لما كثرت في عهد عثمان وعلي رضي الله عنهما

وقبل ذلك وبعده لم يذهبوا إلى قبره لاستشارته أو سؤاله في المخرج من تلك الفتن والمشكلات وطريقة حلها ولو كان حيا كحياته في دنياه لما أهملوا ذلك وهم في ضرورة إلى من ينقذهم مما أحاط بهم من البلاء .

أما روحه صلى الله عليه وسلم فهي في أعلى عليين لكونه أفضل الخلق ، وأعطاه الله الوسيلة وهي أعلى منزلة في الجنة عليه الصلاة والسلام .

وحياة البرزخ حياة خاصة فالأنبياء أحياء والشهداء أحياء في البرزخ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( الأنبياء أحياء في قبورهم يصلّون ) أخرجه المنذري والبيهقي ، وصححه وله شواهد في الصحيحين .

وقال تعالى : ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون ) البقرة/154 ، فهذه حياة خاصة لها طبيعة خاصة يعلمها الله وليست كحياة الدنيا التي تفارق فيها الروح الجسد .

والأصل في الأموات أنهم لا يسمعون كلام الأحياء من بني آدم

لقوله تعالى : ( وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ) فاطر/22

فأكد الله عدم سماع من يدعوهم إلى الإسلام بتشبيههم بالموتى . ولم يثبت في الكتاب ولا في السنة الصحيحة ما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم يسمع كل دعاء أو نداء من البشر

وإنما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه يبلغه صلاة وسلام من يصلي ويسلم عليه فقط لما رواه أبو داود (2041) بإسناد حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال

: " ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام " وهذا ليس بصريح أنه يسمع سلام المسلِّم ، بل يحتمل أنه يرد عليه إذا بلّغته الملائكة ذلك . ولو فرضنا سماعه سلام المسلِّم

فهو استثناء من الأصل كما استثني من ذلك سماع الميت لقرع نعال مشيعي جنازته ، واستثني من ذلك سماع قتلى الكفار الذين قبروا في قليب بدر لنداء الرسول صلى الله عليه وسلم إياهم حين قال لهم :

" هل وجدتم ما وعد ربكم حقا ، فإنا وجدنا ما وعدنا ربنا حقا "

انظر فتاوى اللجنة الدائمة ( 1 / 313 ،318 ، 321 )

وأما بالنسبة لدعاء النبي صلى الله عليه وسلم والطلب منه مباشرة فهذا عين الشرك الذي بعث النبي صلى الله عليه وسلم لينهى عنه ، ويحارب أهله

ولمعرفة حكم ذلك بالتفصيل يراجع السؤال القادم

نسأل الله أن يرد المسلمين لدينهم ردا جميلا . والله أعلم ، وصلى الله على نبيه محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

*عبدالرحمن*
2019-03-04, 17:07
الدعاء لله وحده

السؤال

ما حكم دعاء غير الله ؟.

الجواب

الحمد لله

الله سبحانه وتعالى قريب من عباده يرى مكانهم ويعلم أحوالهم ويسمع كلامهم ويستجيب دعائهم ولا يخفى عليه شيء من أمرهم كما قال سبحانه : ( إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ) آل عمران/5 .

والله وحده هو الذي خلقنا و رزقنا بيده الملك و هو على كل شيء قدير ( لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير ) المائدة/120 .

والله وحده بيده الخير فإذا دعا إلى شيء في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم فينبغي الامتثال

لذلك والاستجابة له : ( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحيكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون ) الأنفال/24 .

والله على كل شيء قدير يسمع دعاء عباده .

. ويستجيب لهم في كل زمان ومكان على اختلاف حاجاتهم ولغاتهم كما قال سبحانه : ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعانِ فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون ) البقرة/186 .

وقد أمرنا الله عز وجل أن ندعوه سراً بخضوع وتذلل كما قال سبحانه : ( ادعوا ربكم تضرعاً وخفية إنه لا يحب المعتدين ) الأعراف/55 .

والله سبحانه له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير تسبح له السماوات والأرض وما فيهن

كما قال سبحانه ( تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليماً غفوراً ) الإسراء/44 .

وقد وعد الله من استكبر عن عبادته ودعائه بنار جهنم

فقال تعالى : ( إن الذي يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ) غافر/60 .

ودعاء الله يكون بما شرعه الله ورسوله ومن ذلك دعاء الله بأسمائه الحسنى ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون ) الأعراف/180 .

فنقول يا رحمن ارحمنا يا غفور اغفر لنا يا رزاق ارزقنا وهكذا .

وإذا دعا العبد فإما أن يعطيه الله ما سأل أو يصرف عنه سوءاً أعظم مما طلب .. أو يدخر له سؤاله في الآخرة ذلك أن الله أمر بالدعاء ووعد بالإجابة فقال ..( وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ) غافر/60 .

وقد أمرنا الله بعبادته وحده .. وحذرنا من عبادة الشيطان فقال :( ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين - وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ) يس/60 - 61 .

ودعوة غير الله في قضاء الحاجات وتفريج الكربات وشفاء الأمراض لوث عقلي سببه عمى البصيرة ..( قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله ) الأنعام/71 .

وإن دعاء من لا ينفع ولا يضر ولا يأمر ولا ينهي ولا يسمع ولا يستجيب , من الأنبياء والرسل أو الجن والملائكة ..أو الكواكب والنجوم أو الأشجار والأحجار أو الأموات ..كل ذلك ظلم عظيم

وضلال عن الصراط المستقيم , وشرك بالله العظيم ( ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذاً من الظالمين ) يونس/106 .

وقال سبحانه : ( ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون ) الأحقاف/5 .

ودعاء غير الله شرك والشرك ذنب عظيم بل هو أعظم الذنوب وكل ذنب يغفره الله لمن يشاء إلا الشرك كما قال سبحانه : ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) النساء/48 .

ويوم القيامة يجمع الله المشركين وكل من عبدوه من دون الله فيتبرأ المعبودون من دون الله ممن عبدهم , ويكفرون بشركهم

كما قال سبحانه : ( والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير ، إن تدعوهم لا يسمعوا دعائكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير

، يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد ) فاطر/13-15 .

من كتاب أصول الدين الإسلامي للشيخ محمد بن ابراهيم التويجري

*عبدالرحمن*
2019-03-04, 17:19
من هو ذو القرنين المذكور في القرآن ؟

السؤال

من هو ذوالقرنين الذي مذكور في القران (لان الفرس يقولون أنه نبينا وجدنا (كوروش)!! شكرا

الجواب

الحمد لله

أولا :

ذو القرنين المذكور في سورة الكهف في قوله تعالى : ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا ) الكهف/ 83

كان ملكا من ملوك الأرض وعبدا صالحا مسلما ، طاف الأرض يدعو إلى الإسلام ويقاتل عليه من خالفه ، فنشر الإسلام وقمع الكفر وأهله وأعان المظلوم وأقام العدل .

صح عن مجاهد أنه قال :

" ملك الأرض مشرقها ومغربها أربعة نفر : مؤمنان وكافران ، فالمؤمنان : سليمان بن داود وذو القرنين ، والكافران : بختنصر ونمرود بن كنعان ، لم يملكها غيرهم "

رواه الطبري في "التفسير" (5/433) .

قال ابن كثير رحمه الله :

" ذكر الله تعالى ذا القرنين هذا وأثنى عليه بالعدل ، وأنه بلغ المشارق والمغارب

وملك الأقاليم وقهر أهلها ، وسار فيهم بالمعدلة التامة والسلطان المؤيد المظفر المنصور القاهر المقسط . والصحيح : أنه كان ملكا من الملوك العادلين "

انتهى من "البداية والنهاية" (2 /122)

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله :

" وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذِي الْقَرْنَيْنِ فَقِيلَ كَانَ نَبِيًّا ، وَقِيلَ : كَانَ مَلَكًا مِنْ الْمَلَائِكَة ، وقيل لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا وَلَا مَلَكًا , وَقِيلَ : كَانَ مِنْ الْمُلُوك . وَعَلَيْهِ الْأَكْثَر " انتهى بتصرف .

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :

" هو ملك صالح كان على عهد الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، ويقال إنه طاف معه بالبيت ، فالله أعلم "

انتهى من "فتاوى نور على الدرب" - لابن عثيمين (60 /4) .

وأما ما رواه الحاكم (104) والبيهقي (18050) عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ :

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : (مَا أَدْرِي أَتُبَّعٌ أَنَبِيّاً كانَ أَمْ لاَ ، وَمَا أَدْرِي ذَا الْقَرْنَيْنِ أَنَبِيّاً كانَ أَمْ لاَ ، وَمَا أَدْرِي الحُدُودُ كَفَّارَاتٌ لأَهْلِهَا أَمْ لاَ ) ، فقد أعله الإمام البخاري رحمه الله وغيره .

قال الإمام البخاري رحمه الله :

" وقال لي عبد الله بن محمد حدثنا هشام قال حدثنا معمر عن ابن ابى ذئب عن الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما أدرى أعزير نبيا كان ام لا، وتبع لعينا كان ام لا، والحدود كفارات لأهلها ام لا ؟

وقال عبد الرزاق عن معمر عن ابن ابى ذئب عن سعيد عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، والأول أصح ، [يعني : المرسل ] ، ولا يثبت هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم

لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الحدود كفارة ) " . انتهى .

"التاريخ الكبير" (1/153) .

وقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : تفرد بِهِ عبد الرَّزَّاق ، وَغَيره أرْسلهُ . " "الفتح السماوي" ، للمناوي(3/988)

. وينظر أيضا : "أطراف الغرائب" (5/198) .

ثانيا :

أما ما يتوارد على ألسنة بعض من لا علم له بحقائق الأمور أنه الإسكندر المقدوني باني الإسكندرية ، الذي غزا الصين والهند وبلاد الترك ، وقهر ملك الفرس واستولى على مملكته

: فهو قول باطل مردود ، وقد بين ذلك المحققون من أهل العلم :

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله :

" الْإِسْكَنْدَر الْيُونَانِيّ كَانَ قَرِيبًا مِنْ زَمَن عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام , وَبَيْن زَمَن إِبْرَاهِيم وَعِيسَى أَكْثَر مِنْ أَلْفَيْ سَنَة , وَالَّذِي يَظْهَر أَنَّ الْإِسْكَنْدَر الْمُتَأَخِّر لُقِّبَ بِذِي الْقَرْنَيْنِ تَشْبِيهًا بِالْمُتَقَدِّمِ لِسَعَةِ مُلْكه وَغَلَبَته عَلَى الْبِلَاد الْكَثِيرَة

, أَوْ لِأَنَّهُ لَمَّا غَلَبَ عَلَى الْفُرْس وَقَتَلَ مَلِكهمْ اِنْتَظَمَ لَهُ مُلْك الْمَمْلَكَتَيْنِ الْوَاسِعَتَيْنِ الرُّوم وَالْفُرْس فَلُقِّبَ ذَا الْقَرْنَيْنِ لِذَلِكَ .

والْحَقّ أَنَّ الَّذِي قَصَّ اللَّه نَبَأَهُ فِي الْقُرْآن هُوَ الْمُتَقَدِّم .

وَالْفَرْق بَيْنهمَا مِنْ أَوْجُهٍ : أَحَدهَا : مَا ذَكَرْته , الثَانِي : أنّ الْإِسْكَنْدَر َكَانَ كَافِرًا , وَكَانَ مُعَلِّمُهُ أَرَسْطَاطَالِيس ، وَكَانَ يَأْتَمِر بِأَمْرِهِ ، وَهُوَ مِنْ الْكُفَّار بِلَا شَكّ , الثَالِث : كَانَ ذُو الْقَرْنَيْنِ مِنْ الْعَرَب , وَأَمَّا الْإِسْكَنْدَر فَهُوَ مِنْ الْيُونَان " انتهى باختصار .

وقال ابن كثير رحمه الله :

" ذكر الأزرقي وغيره أن ذا القرنين أسلم على يدي إبراهيم الخليل وطاف معه بالكعبة المكرمة هو وإسماعيل عليه السلام .

أما المقدوني اليوناني المصري باني إسكندرية الذي يؤرخ بأيامه الروم

فكان متأخرا عن الأول بدهر طويل ، كان هذا قبل المسيح بنحو من ثلاثمائة سنة وكان أرسطا طاليس الفيلسوف وزيره وهو الذي قتل دارا بن دارا وأذل ملوك الفرس وأوطأ أرضهم .

وإنما نبهنا عليه لأن كثيرا من الناس يعتقد أنهما واحد ، وأن المذكور في القرآن هو الذي كان أرسطا طاليس وزيره فيقع بسبب ذلك خطأ كبير وفساد عريض طويل كثير

فإن الأول كان عبدا مؤمنا صالح وملكا عادلا ، وأما الثاني فكان مشركا وكان وزيره فيلسوفا وقد كان بين زمانيهما أزيد من ألفي سنة . فأين هذا من هذا ؟ لا يستويان ولا يشتبهان إلا على غبي لا يعرف حقائق الأمور " . انتهى

باختصار وتصرف من "البداية والنهاية" (2 /122-225)

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

" كان أرسطو قبل المسيح بن مريم عليه السلام بنحو ثلاثمائة سنة ، كان وزيرا للإسكندر بن فيلبس المقدوني الذي غلب على الفرس وهو الذي يؤرخ له اليوم بالتاريخ الرومي تؤرخ له اليهود والنصارى

وليس هذا الإسكندر هو ذا القرنين المذكور في القرآن كما يظن ذلك طائفة من الناس ، فإن ذلك كان متقدما على هذا وذلك المتقدم هو الذي بنى سد يأجوج ومأجوج ،

وهذا المقدوني لم يصل إلى السد ، وذاك كان مسلما موحدا وهذا المقدوني كان مشركا هو وأهل بلده اليونان كانوا مشركين يعبدون الكواكب والأوثان "

انتهى "منهاج السنة النبوية" (1 /220)

وينظر : "مجموع الفتاوى" (11 /171-172)

"إغاثة اللهفان" ، لابن القيم (2 /263-264).

فتبين مما سبق أن ذا القرنين المذكور في القرآن كان مسلما موحدا ، وكان من العرب

فمن زعم أنه كان جدا للفرس ، أو كان نبيا من أنبيائهم على ملتهم ودينهم وطريقتهم : فقد ادعى باطلا كما بينه المحققون من أهل العلم والتاريخ .

والله أعلم .

و اخيرا

الحمد لله الذي بفضلة تتم الصالحات

اخوة الاسلام

اكتفي بهذا القدر و لنا عوده
ان قدر الله لنا البقاء و اللقاء

و اسال الله ان يجمعني بكم دائما
علي خير

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين

*عبدالرحمن*
2019-03-05, 17:29
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)
اخوة الاسلام

أحييكم بتحية الإسلام
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)


لماذا يسجد المصلي في كل ركعة سجدتين ؟

السؤال

عندما كنت طفلا قيل لي انه عندما اخرج الله ابليس من الجنة وعندما رأى الملائكة غضب الله الشديد فإنهم قاموا بالسجود مرة ثانية وهذا هو سبب سجودنا مرتين في الصلاة فهل هذا صحيح؟

لأنى اعجز عن إيجاد اي مرجع فهل بوسعكم رجاء التوضيح؟

الجواب

الحمد لله

هذا الكلام غير صحيح ، ولا يجوز ذكره والتحدث به ؛ وذلك لعدة أسباب :

أولا :

أنه ادعاء لا دليل عليه ، وهذه كتب التفسير موفورة متداولة لم يذكر أحد من أصحابها هذا الكلام .

ثانيا :

أن الله تعالى لم يذكر في كتابه إلا أمرا واحدا بالسجود لآدم ، ثم أخبر أن الملائكة سجدوا كلهم أجمعون إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه وأبى واستكبر ، وبذلك تمت المحنة

قال تعالى :( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ) البقرة/ 34

وقال تعالى : ( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ) الكهف/ 50

ثالثا :

أن سجود الملائكة كان لآدم عليه السلام ( اسجدوا لآدم ) أما سجودنا في الصلاة فهو لله تعالى ، ولا علاقة لسجود المصلي في صلاته بسجود الملائكة لآدم عليه السلام .

رابعا : لم يأت في القرآن ولا في السنة أن الله تعالى حينما أبى إبليس السجود لآدم غضب غضبا شديدا فزعت منه الملائكة ، فلا يجوز نسبة هذا الغضب إليه سبحانه في هذه الحال ، ولا يجوز ادعاء هذا إلا بدليل صحيح .

وليعلم أن الله تعالى قد حرم القول عليه وفي دينه بغير علم

فقال : ( إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) البقرة/ 168، 169

وقال سبحانه : ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) الأعراف/ 33

وقد روى الدارمي (174) عن أبي مُوسَى رضي الله عنه أنه قَالَ فِي خُطْبَتِهِ :

" مَنْ عَلِمَ عِلْمًا فَلْيُعَلِّمْهُ النَّاسَ ، وَإِيَّاهُ أَنْ يَقُولَ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ فَيَمْرُقَ مِنْ الدِّينِ وَيَكُونَ مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ " .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-03-05, 17:42
ما الباقيات الصالحات ؟

وهل صحيح أنها لا تزول بالمقاصة يوم القيامة ؟

السؤال

أرجو من فضيلتكم بيان المراد بـ "الباقيات الصالحات" حيث أنه من المعلوم عند الحساب يوم القيامة وعند القصاص بين العباد فإنه يؤخذ من حسنات الظالم وتُعطى للمظلوم ، فإن فنيت يؤخذ من سيئات المظلوم وتطرح على الظالم .

السؤال هنا :

هل الباقيات الصالحات من جملة الحسنات اللاتي ممكن أن تؤخذ من الظالم لتعطى للمظلوم ؟

أم أنها باقية لذلك فهي سمِّيت بالباقيات الصالحات ؟ .

الجواب

الحمد لله

أولاً:

اختلف العلماء رحمهم الله في المراد بـ " الباقيات الصالحات " في قوله تعالى ( الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً ) الكهف/ 46

وفي قوله تعالى ( وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا ) مريم/ 76

فقال بعضهم : إنها قول " سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر "

وقال آخرون : إنها جميع أعمال الخير ، وهو ما رجحه من المتقدمين : الإمام الطبري ، و من المتأخرين : الشيخ الشنقيطي رحمهما الله .

قال الإمام الطبري – رحمه الله -
:
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب : قول من قال : هنّ جميع أعمال الخير ، كالذي رُوي عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس ؛ لأن ذلك كله من الصالحات التي تبقى لصاحبها في الآخرة

وعليها يجازى ويُثاب ، وإن الله عزّ ذكره لم يخصص من قوله ( وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا ) بعضاً دون بعض في كتاب ، ولا بخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

" تفسير الطبري " ( 18 / 35 ، 36 ) .

قال الشنقيطي – رحمة الله تعالى عليه - :

وأقوال العلماء في الباقيات الصالحات كلها راجعة إلى شيءٍ واحدٍ وهو الأعمال التي ترضي الله سواء قلنا إنها " الصلوات الخمس

" كما هو مروي عن جماعة من السلف منهم : ابن عباس وسعيد بن جبير وأبو ميسرة وعمر بن شرحبيل ، أو أنها : " سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم "

وعلى هذا القول جمهور العلماء ، وجاءت دالة عليه أحاديث مرفوعة عن أبي سعيد الخدري وأبي الدرداء وأبي هريرة والنعمان بن بشير وعائشة – رضي الله عنهم - .

قال مقيده – عفا الله عنه – والتحقيق : أن الباقيات الصالحات : لفظ عام يشمل الصلوات الخمس والكلمات الخمس المذكورة وغير ذلك من الأعمال التي ترضي الله تعالى

لأنها باقية لصاحبها غير زائلة ولا فانية كزينة الحياة الدنيا ؛ ولأنها – أيضاً – صالحة لوقوعها على الوجه الذي يرضي الله تعالى …. .

" أضواء البيان " ( 4 / 119 ، 120 )

ويشهد لذلك ما رواه الترمذي - ( 2470 ) وصححه – عن عائشة رضي الله عنها أنهم ذبحوا شاة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وتصدقوا بها إلا كتفها ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا بَقِيَ مِنْهَا ؟

) قَالَتْ : عائشة : مَا بَقِيَ مِنْهَا إِلا كَتِفُهَا ، قَالَ: (بَقِيَ كُلُّهَا غَيْرَ كَتِفِهَا).

قال المباركفوري – رحمه الله - :

أي : ما تصدقتَ به : فهو باق ، وما بقي عندك : فهو غير باق ، إشارة إلى قوله تعالى ( مَا عِنْدَكم يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللهِ بَاقٍ ) النحل/ 96 .

" تحفة الأحوذي " ( 7 / 142 ) .

ثانياً:

أيّاً كان المراد من اللفظة فإنه لا يرد الإشكال الذي ذكره الأخ السائل من كون أجور هذه الأقوال أو الأعمال تنتقل بالمقاصة يوم القيامة ؛ لأنه ليس المراد بقوله تعالى "

الباقيات " التي لا تزول من صحيفة العبد ، مهما جاء به من الأعمال ؛ بدليل الاتفاق على زوالها بالردة ، وإنما المراد أنها هي الباقية إذا قورنت بما سبق ذِكره في سياق الآيات ، من أمور الدنيا الفانيات ، كالمال والبنين .

قال الطاهر بن عاشور – رحمه الله - :

فقدم ( الباقيات ) للتنبيه على أن ما ذكر قبله إنما كان مفضولاً لأنه ليس بباققٍ ، وهو المال والبنون ، كقوله تعالى : ( وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع ) الرعد/ 26

فكان هذا التقديم قاضياً لحق الإيجاز لإغنائه عن كلام محذوف ، تقديره : أن ذلك زائل أو ما هو بباق والباقيات من الصالحات خير منه

فكان قوله ( فأصبح هشيماً تذروه الرياح ) الكهف/ 45 مفيداً للزوال بطريقة التمثيل

وهو من دلالة التضمن ، وكان قوله : ( والباقيات ) مفيداً زوال غيرها بطريقة الالتزام ، فحصل دلالتان غير مطابقتين وهما أوقع في صناعة البلاغة ، وحصل بثانيتهما تأكيد لمفاد الأولى ؛ فجاء كلاماً مؤكداً موجزاً .

ونظير هذه الآية آية سورة مريم قوله ( والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير مرداً ) مريم/ 76

فإنه وقع إثر قوله ( وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً . وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثاً ورئياً ) مريم/ 73 ، 74 الآية .

" التحرير والتنوير " ( 15 / 333 ) .

ففي الآيتين الحث على القيام بالأعمال والأقوال التي لا تفنى بموت المسلم بل تبقى له وتكتب له في صحائفه ، وتوضع له في ميزانه

ويرى أثرها في قبره وحشره وجنته ، ولكن هذا لا يعني أنها لا تؤخذ منه أجورها إذا جاء يوم القيامة بمظلمة لأحد من المسلمين ولم يتب منها في دنياه ولم يعف عنه ربه تعالى

بل كل ما جاء به من أعمال جليلة في الإسلام كالصلاة والصيام والصدقة قابل للأخذ من أجوره لتُعطى لصاحب المظلمة ، وهذا هو المفلس على الحقيقة

وقد جاء في السنَّة النبوية الصحيحة ما يحذِّر المسلم صراحة من هذا الإفلاس يوم القيامة .

عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( أَتَدْرُونَ مَا المُفْلِسُ ؟ ) قَالُوا : المُفلِسُ فِينَا مَن لاَ درْهَمَ لَهُ وَلا مَتَاعَ

فَقَالَ ( إِنَّ المُفْلِسَ منْ أُمَّتِى يَأتِى يَوْمَ القِيَامَة بِصَلاَةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاة وَيَأتى قَد شَتَمَ هَذَا وَقَذَف هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دمَ هًذَا وضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذا مِنْ حَسَنَاتهِ وَهَذا مِنْ حَسَنَاتهِ فَإِنْ فَنيَت حَسَنَاتُهُ

قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحًتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِى النَّاَرِ ) . رواه مسلم ( 2581 ) .

فالحديث نصٌّ في المسألة ، ومهما قيل في معنى الباقيات الصالحات فإنها قابلة لأخذ أجورها منه إن جاء بمظلمة لأحد

ولذلك جاء التحذير من النبي صلى الله عليه وسلم لكل ظالم أن يتحلل من مظلمته في الدنيا قبل أن يأتي يوم القيامة ، حيث لا مجال لرد الحقوق

أو التحلل منها

بل هي الحسنات تؤخذ منه وتُعطى لصاحب المظلمة ، وهي السيئات تؤخذ من ذاك وتلقى على الظالم .

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ( مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ لأَخِيهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهَا فَإِنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلا دِرْهَمٌ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْخَذَ لأَخِيهِ مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ أَخِيهِ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ) .

رواه البخاري ( 6169 ) .

والله أعلم

*عبدالرحمن*
2019-03-05, 17:48
يسأل : أين كنا قبل الحياة الدنيا ؟

وأين كانت أرواحنا ؟

السؤال

أين كنا قبل الدنيا ، وأين كانت أرواحنا قبل أن تنفخ في بطون أمهاتنا ؟

هل كنا لا شيء ؟

هل كنا مع الله ؟

وإذا كانت أرواحنا في مكان ما فهل لدينا فرصة أن نتذكر أي شيء عنه ؟

الجواب

الحمد لله

هدانا الله وإياكم سواء السبيل ، ووفقنا وإياكم إلى كل خير .

أولا : اعلم يا أخي أن في انشغال المرء بخاصة نفسه وما يهمه من أمر الدنيا والآخرة الغنية عن السؤال عن مثل هذا

وفيما هو آت من متاعب الدنيا وكروب الموت وأهوال الآخرة الكفاية لأن ينشغل به العبد عما كان في الزمان الأول الذي لا يضره جهله به ولا ينفعه علمه بحاله .

والسؤال عن الروح والخوض فيها ، ومتى خلقت ؟

وأين كانت ؟

فوق أنه من فضول الكلام

فهو مخالف لما يتضمنه قول الله عز وجل : ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ) الإسراء/ 85

قال السعدي رحمه الله :

" وهذا متضمن لردع من يسأل المسائل التي لا يقصد بها إلا التعنت والتعجيز

ويدع السؤال عن المهم ، فيسألون عن الروح التي هي من الأمور الخفية ، التي لا يتقن وصفها وكيفيتها كل أحد ، وهم قاصرون في العلم الذي يحتاج إليه العباد .

ولهذا أمر الله رسوله أن يجيب سؤالهم بقوله : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي أي : من جملة مخلوقاته ، التي أمرها أن تكون فكانت ، فليس في السؤال عنها كبير فائدة ، مع عدم علمكم بغيرها .

وفي هذه الآية دليل على أن المسؤول إذا سئل عن أمر ، الأولى بالسائل غيرُه ، أن يعرض عن جوابه ، ويدله على ما يحتاج إليه ، ويرشده إلى ما ينفعه "

انتهى من " تفسير السعدي" (ص 466)

ثانيا :

الذي حرره ابن القيم رحمه الله من غير وجه أن خلق الأرواح متأخر عن خلق الأبدان ؛ فإن خلق آدم أبي البشر عليه السلام كان هكذا .

قال ابن القيم : " والقرآن والحديث والآثار تدل على أنه سبحانه نفخ فيه من روحه بعد خلق جسده ، فمن تلك النفخة حدثت فيه الروح .

وفي حديث أبى هريرة في تخليق العالم الإخبار عن خلق أجناس العالم وتأخر خلق آدم إلى يوم الجمعة ، ولو كانت الأرواح مخلوقة قبل الأجساد لكانت من جملة العالم المخلوق في ستة أيام

فلما لم يخبر عن خلقها في هذه الأيام علم أن خلقها تابع لخلق الذرية ، وأن خلق آدم وحده هو الذي وقع في تلك الأيام الستة ، وأما خلق ذريته فعلى الوجه المشاهد المعاين .

وأيضا فإنها لو كانت موجودة قبل البدن لكانت عالمة حية ناطقة عاقلة فلما تعلقت بالبدن سلبت ذلك كله ثم حدث لها الشعور والعلم والعقل شيئا فشيئا

وهذا لو كان لكان أعجب الأمور أن تكون الروح كاملة عاقلة ، ثم تعود ناقصة ضعيفة جاهلة ، ثم تعود بعد ذلك إلى عقلها وقوتها ! فأين في العقل والنقل والفطرة ما يدل على هذا "

انتهى ملخصا ."الروح" (ص 173-174)

فالأرواح لم تكن مخلوقة أولا ، ثم ركبت في الأبدان ، وإنما خلقت الأبدان ثم خلقت الأرواح وركبت فيها .

وسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّة رحِمَه الله

عَنْ " الرُّوحِ " هَلْ هِيَ قَدِيمَةٌ أَوْ مَخْلُوقَةٌ ؟ وَهَلْ يُبَدَّعُ مَنْ يَقُولُ بِقِدَمِهَا أَمْ لَا ؟

فَأَجَابَ :

" رُوحُ الْآدَمِيِّ مَخْلُوقَةٌ مُبْدَعَةٌ بِاتِّفَاقِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا وَسَائِرِ أَهْلِ السُّنَّةِ ، وَقَدْ حَكَى إجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ " انتهى .

"مجموع الفتاوى" (4 /216)

وقول السائل : أين كنا قبل الدنيا ؟ فالجواب : أن الخلق قبل خلقهم لم يكونوا شيئا ، ثم خلقهم الله تعالى ، قال الله عز وجل لنبيه زكريا عليه السلام : ( وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا) مريم/ 9

وقال سبحانه : ( هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ) لإنسان/ 1

قال ابن كثير رحمه الله :

" يقول تعالى مخبرًا عن الإنسان أنه أوجده بعد أن لم يكن شيئًا يذكر لحقارته وضعفه

فقال: ( هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ) ثم بين ذلك فقال : ( إِنَّا خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ ) " انتهى .

"تفسير ابن كثير" (8 /285)

والمعنى أنه لم يكن شيئا أصلا ، ثم خلقه الله من نطفة أمشاج .

وروى البخاري (7418) عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنهما أن نَاسا مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ دخلوا على النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالوا :

جِئْنَاكَ لِنَتَفَقَّهَ فِي الدِّينِ وَلِنَسْأَلَكَ عَنْ أَوَّلِ هَذَا الْأَمْرِ مَا كَانَ ؟

قَالَ : ( كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ ) .

وفي رواية : ( كان الله ولم يكن شيء غيره ) ، وفي أخرى : ( ولم يكن شيء معه )

راجع الفتح (6/289)

وعند مسلم (2713) مرفوعا : ( اللَّهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ )

وقول السائل : هل كنا مع الله ؟ فنقول : - كما تقدم – لم نكن شيئا أصلا ، فضلا عن أن يقال : كنا مع الله أو في السماء .

قَالَ الشَّيْخُ أَبُو يَعْقُوبَ النهرجوري

: " هَذِهِ الْأَرْوَاحُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَخْلُوقَةٌ . خَلَقَهَا اللَّهُ مِنْ الْمَلَكُوتِ كَمَا خَلَقَ آدَمَ مِنْ التُّرَابِ ، وَكُلُّ عَبْدٍ نَسَبَ رُوحَهُ إلَى ذَاتِ اللَّهِ أَخْرَجَهُ ذَلِكَ إلَى التَّعْطِيلِ

وَاَلَّذِينَ نَسَبُوا الْأَرْوَاحَ إلَى ذَاتِ اللَّهِ هُمْ أَهْلُ الْحُلُولِ الْخَارِجُونَ إلَى الْإِبَاحَةِ

وَقَالُوا إذَا صَفَتْ أَرْوَاحُنَا مِنْ أَكْدَارِ نُفُوسِنَا فَقَدْ اتَّصَلْنَا ؛ وَصِرْنَا أَحْرَارًا وَوُضِعَتْ عَنَّا الْعُبُودِيَّةُ وَأُبِيحَ لَنَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ اللَّذَّاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْأَمْوَالِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَهُمْ زَنَادِقَةُ هَذِهِ الْأُمَّةِ " انتهى .

"مجموع الفتاوى" (4 /221)

وقول السائل : وإذا كانت أرواحنا في مكان ما فهل لدينا فرصة أن نتذكر أي شيء عنه ؟

فنقول : عدم تذكرنا أي شيء دليل على أنها لم تكن شيئا من قبل ، وأنها خلقت بعد خلق الأجساد – كما تقدم –

وقال ابن القيم رحمه الله :

" ولو كان للروح وجود قبل البدن وهي حية عالمة ناطقة لكانت ذاكرة لذلك في هذا العالم شاعرة به ولو بوجه ما ،

ومن الممتنع أن تكون حية عالمة ناطقة عارفة بربها وهي بين ملأ من الأرواح ثم تنتقل إلى هذا البدن ولا تشعر بحالها قبل ذلك بوجه ما .

وإذا كانت بعد المفارقة تشعر بحالها وهي في البدن على التفصيل ، وتعلم ما كانت عليه ها هنا

مع أنها اكتسبت بالبدن أمورا عاقتها عن كثير من كمالها ؛ فلأن تشعر بحالها الأول وهي غير معوقة هناك بطريق الأولى " انتهى .

"الروح" (ص 174)

والواجب الانشغال بما يهم المرء من أحوال معاشه ومعاده ، وعدم الانشغال بمثل هذه التساؤلات التي قد تورث الحيرة أو تُخرِج إلى البدعة والضلالة .

والله تعالى أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-03-05, 17:53
لماذا خاطب الله تعالى آدم وحده عندما تاب عليه في قوله عز وجل ( فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه ) ؟

السؤال

لماذا خاطب الله تعالى آدم وحده عندما تاب عليه في الآية رقم/37 من سورة البقرة

فقال تعالى : ( فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ )

ولم يقل الله تعالى : ( فتاب عليهما ) أي : آدم وحواء ؟

الجواب

الحمد لله

اجتهد المفسرون في تلمس وجه الحكمة في إفراد الضمير ( الهاء )

من قوله تعالى : ( فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) البقرة/37

فقال عز وجل : ( فتاب عليه )، ولم يقل سبحانه : ( فتاب عليهما )

مع أن كلا من آدم وحواء أكلا من الشجرة .

وبالتأمل والتدبر يتبين للناظر العديد من الأسباب والحكم التي يمكن من خلالها تفسير هذا التساؤل .

أولا :

مَن تأمل سياق جميع الآيات الواردة في قصة آدم عليه السلام وأكله من الشجرة ، يعلم أن الشخصية البارزة المقصودة في تلك القصة هو آدم عليه السلام وليس غيره ، لأنه أبو البشر وأول الأنبياء

لذلك فأكثر الآيات تتحدث عنه عليه السلام ، وتخاطبه بشخصه ، وتذكره بضمير الغائب المفرد ، وتحكي تفاصيل أحداث قصته ، وتجعله الشخصية المركزية فيها

وهكذا - ومن ذلك نسبة العصيان إليه وحده كما سيأتي - ، يمكنك أن تقرأ ذلك في سورة البقرة ، والأعراف ، وطه ، وغيرها ، فناسب أن تكون هذه الآية على السياق نفسه .

ثانيا :

كثيرا ما يرد في نصوص الوحي في الكتاب والسنة تغليب استعمال ضمير المذكر

ويراد به ما يشمل الإناث أيضا ، حتى قال علماء أصول الفقه : إن الأصل في خطاب الذكور بالتكاليف الشرعية أنه يشمل الإناث إلا ما ورد النص بتخصيصه .

بل كثيرا ما تستعمل اللغة العربية ضمير المذكر في السياقات التي تشمل الذكور والإناث
.
فالمؤنث في استعمال اللغة العربية والاستعمال الشرعي تابع للمذكر ، ولذلك لا تذكر النساء في كثير من التكاليف والأخبار الشرعية .

ثالثا :

كما يمكننا أن نستأنس من استعمال ضمير المذكر وطي ذكر المؤنث : أن الستر أولى بالمرأة من الذِّكر ، وأن الخطاب الشرعي يدعوها دائما إلى البعد عن حديث الرجال

خاصة في مقام الخطأ والمعصية ، لذلك طوى القرآن الكريم أيضا التصريح بنسبة المعصية إلى حواء ، واقتصر ذلك على آدم عليه السلام

وذلك في قوله عز وجل : ( وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى . ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى ) طه/121-122.

ثم إن أساليب اللغة العربية تتسع لهذا السياق القرآني

كما في قول الشاعر :

رماني بأمر كنت منه ووالدي
*** بريئا ومن فوق الطوي رماني .

فقال : ( بريئا ) ولم يقل : ( بريئين )، مع أن المقصود إثبات براءته هو ووالده .

وقد جاء في القرآن الكريم قوله عز وجل : ( وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ ) التوبة/62

. ولم يقل يرضوهما

وقال سبحانه : ( وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا ) الجمعة/11

ولم يقل انفضوا إليهما، وذلك جريا على الإيجاز والاختصار، ومراعاة للمقصود الأعظم من الأمرين .

وننقل ههنا من كلام المفسرين ما يؤيد أوجه الحِكَم السابقة :

قال الإمام القرطبي رحمه الله :

" إن قيل : لم قال : ( عليه ) ولم يقل : ( عليهما ) وحواء مشاركة له في الذنب بإجماع

وقد قال : ( ولا تقربا هذه الشجرة ) البقرة/35

و ( قالا ربنا ظلمنا أنفسنا ) الأعراف/23 ؟

فالجواب :

أن آدم عليه السلام لما خوطب في أول القصة بقوله : ( اسكن ) خصه بالذكر في التلقي ، فلذلك كملت القصة بذكره وحده .

وأيضا فلأن المرأة حرمة ومستورة ، فأراد الله الستر لها ، ولذلك لم يذكرها في المعصية في قوله : ( وعصى آدم ربه فغوى ) طه/121.

وأيضا لما كانت المرأة تابعة للرجل في غالب الأمر لم تذكر ، كما لم يذكر فتى موسى مع موسى في قوله : ( ألم أقل لك ) الكهف/75.

وقيل : إنه دل بذكر التوبة عليه أنه تاب عليها ، إذ أمرهما سواء ، قاله الحسن .

وقيل : إنه مثل قوله تعالى : ( وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها ) الجمعة/11

أي : التجارة ؛ لأنها كانت مقصود القوم ، فأعاد الضمير عليها ، ولم يقل : ( إليهما ) ، والمعنى متقارب .

وقال الشاعر : رماني بأمر كنت منه ووالدي * بريئا ومن فوق الطوي رماني .

وفي التنزيل : ( والله ورسوله أحق أن يرضوه ) التوبة/62، فحذف إيجازا واختصارا " انتهى.

" الجامع لأحكام القرآن " (1/325)

وقال الماوردي رحمه الله :

" فإن قيل : فِلمَ قال : ( فَتَابَ عَلَيْهِ ) ، ولم يقُلْ : ( فتابَ علَيْهِما ) والتوبة قد توجهت إليهما ؟

قيل : عنه جوابان :

أحدهما : لما ذكر آدم وحده بقوله : ( فَتَلَّقى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ ) ، ذكر بعده قبول توبته ، ولم يذكر توبة حوَّاء - وإن كانت مقبولة التوبة - لأنه لم يتقدم ذكرها .

والثاني : أن الاثنين إذا كان معنى فعلهما واحداً ، جاز أن يذكرَ أحدهما ، ويكونَ المعنى لهما

كما قال تعالى : ( وَإذَا رَأَوا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا ) الجمعة/11

وكما قال عز وجل : ( وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ ) التوبة/62. "

انتهى من " النكت والعيون " (1/110)

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-03-05, 17:58
لماذا يقسم الله تعالى في القرآن ببعض مخلوقاته ؟

السؤال

ترى المسيحية أن الله تعالى لا يحتاج أن يقسم بنفسه ولا بشيء من خلقه ، إلا أنه قد جاء مقسما بخلق من خلقه في القرآن ؛ فهل يمكن توضيح تلك النقطة ؟

الجواب

الحمد لله

أولا :

لا بد أن نعلم أن الله تعالى فعال لما يريد

لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون ، وليس للعبد أن يسأل الرب عن فعله لم فعله ؟

وإنما الواجب عليه أن يفعل ما يأمره الله به

ولما اعترض إبليس على ربه لما أمره بالسجود لآدم عليه السلام وقال : ( أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا ) الإسراء/ 61 طرده من رحمته .

قال القرطبي رحمه الله :

" لله أن يقسم بما شاء من مخلوقاته من حيوان وجماد ، وإن لم يُعلم وجه الحكمة في ذلك "

انتهى من "الجامع لأحكام القرآن" (19 /237)

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :

" هذا من فعل الله ، والله لا يسأل عما يفعل ، وله أن يقسم سبحانه بما شاء من خلقه ، وهو سائل غير مسئول ، وحاكم غير محكوم عليه "

انتهى من "مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين" (10 /797)

ثانيا :

هذه الأشياء التي أقسم الله بها ، من آياته وأدلة توحيده ، وبراهين قدرته ، وبعثه الأموات ، وإقسامُه بها تعظيم له سبحانه ، وتنبيه للناس إلى ما تدل عليه من أدلة وحدانيته

وآياته الدالة على عظيم قدرته ، وتمام ربوبيته ، وهذا من تمام إقامة الحجة على عباده ؛ حيث أقسم لهم بتلك المخلوقات العظيمة ليلتفتوا إلى جلال المقسم عليه ، وكون المقسم به دليلا على المقسم عليه .

قال شيخ الإسلام رحمه الله :

" إِنَّ اللَّهَ يُقْسِمُ بِمَا يُقْسِمُ بِهِ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ لِأَنَّهَا آيَاتُهُ وَمَخْلُوقَاتُهُ . فَهِيَ دَلِيلٌ عَلَى رُبُوبِيَّتِهِ وَأُلُوهِيَّتِهِ وَوَحْدَانِيِّتِهِ وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَحِكْمَتِهِ وَعَظْمَتِهِ وَعِزَّتِهِ

فَهُوَ سُبْحَانَهُ يُقْسِمُ بِهَا ؛ لِأَنَّ إقْسَامَهُ بِهَا تَعْظِيمٌ لَهُ سُبْحَانَهُ . وَنَحْنُ الْمَخْلُوقُونَ لَيْسَ لَنَا أَنْ نُقْسِمَ بِهَا بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ "

انتهى من "مجموع الفتاوى" (1 /290)

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :

" قسم الله بهذه الآيات دليل على عظمته وكمال قدرته وحكمته ، فيكون القسم به الدال على تعظيمها ورفع شأنها متضمنا للثناء على الله عز وجل

بما تقتضيه من الدلالة على عظمته . وأما نحن ، فلا نقسم بغير الله أو صفاته ؛ لأننا منهيون عن ذلك "

انتهى من "مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين" (10 /798)

وقد فصّل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله الحكمة في قسم الله بمخلوقاته بقوله :

" فإن قيل : ما الفائدة من إقسامه سبحانه مع أنه صادق بلا قسم

لأن القسم إن كان لقوم يؤمنون به ويصدقون كلامه فلا حاجة إليه ، وإن كان لقوم لا يؤمنون به فلا فائدة منه

قال تعالى : ( ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك ) البقرة / 145 .

أجيب : أن فائدة القسم من وجوه :

الأول : أن هذا أسلوب عربي لتأكيد الأشياء بالقسم ، وإن كانت معلومة عند الجميع ، أو كانت منكرة عند المخاطب ، والقرآن نزل بلسان عربي مبين .

الثاني : أن المؤمن يزداد يقينا من ذلك ، ولا مانع من زيادة المؤكدات التي تزيد في يقين العبد

قال تعالى عن إبراهيم : ( رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ) البقرة / 260

الثالث : أن الله يقسم بأمور عظيمة دالة على كمال قدرته وعظمته وعلمه ، فكأنه يقيم في هذا المقسم به البراهين على صحة ما أقسم عليه بواسطة عظم ما أقسم به .

الرابع : التنويه بحال المقسم به ؛ لأنه لا يقسم إلا بشيء عظيم ، وهذان الوجهان لا يعودان إلى تصديق الخبر ، بل إلى ذكر الآيات التي أقسم بها تنويها له بها وتنبيها على عظمها .

الخامس : الاهتمام بالمقسم عليه ، وأنه جدير بالعناية والإثبات " انتهى .

"مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين" (10 /612-613) .

ثانيا :

أما دعوى النصارى أن ديانتهم "المسيحية" لا ترى حاجة إلى القسم ، وإثارتهم بذلك الشبهة على المسلمين ؛ فقد قلنا من قبل : إن لله الأمر من قبل ومن بعد

وله سبحانه أن يقسم بما شاء ، ويفعل ما يشاء : ( لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ) .

لكن مع ذلك ، لا يحق للنصراني أن يعترض هنا ، ويتحدث عن أمر في دينهم ، وفي كتبهم المقدسة عندهم ، وليس صحيحا أن الله لم يقسم في كتبهم بشيء من مخلوقاته .

فلنقرأ ذلك :

( قَدْ أَقْسَمَ الرَّبُّ بِفَخْرِ يَعْقُوبَ : إِنِّي لَنْ أَنْسَى إِلَى الأَبَدِ جَمِيعَ أَعْمَالِهِمْ ) عاموس 8 : 7

وفي الترجمة المشتركة بين الطوائف المسيحية لنفس الفقرة :

( بجاهِ يَعقوبَ أقسمَ الرّبُّ : لا أنسى عمَلاً مِنْ أعمالِهِم إلى الأبدِ ) .

وهكذا يكون إله البايبل قد أقسم بالسارق والغشاش والزاني ! ..

لأن يعقوب سرق النبوة من أخيه "عيسو" (سفر التكوين الإصحاح 27) ..

وغش خاله "لابان" في الغنم (سفر تكوين الإصحاح 30 الأعداد [32-43]).

كما أنه كان متزوجا بأكثر من امرأة هما "راحيل" و"ليئة" (وهما أختان !)

.. ودخل على جاريتين كانتا لزوجتيه راحيل وليئة وهما "بلهة" و"زلفة" (سفر التكوين الإصحاح 30 العدد 4) و (سفر التكوين الإصحاح 3 الأعداد 9-10) فيعتبر بذلك زانيا بمقياس النصارى ؟!

ونحن المسلمين نجل نبي الله الكريم ، يعقوب عليه السلام ، من إفك الأفاكين ، وكذب الكذابين ، لكننا نقول للقوم :
يرى أحدكم القذاة في عين أخيه ، ولا يرى الجذع في عينه !!

" لا تَدينوا لكي لا تُدانوا ؛ لأنكم بالدينونة التي بها تَدينون : تُدانون

وبالكيل الذي به تَكيلون : يُكال لكم . ولماذا تنظر القذى الذي في عين أخيك ، وأما الخشبة التي في عينك فلا تفطن لها ؟!!

أم كيف تقول لأخيك : دعني أخرج القذى من عينك ، وها الخشبة في عينك ؟!!

يا مرائي ؛ أخرج أولا الخشبةَ من عينك ، وحينئذ تبصر جيدا أن تخرج القذى من عين أخيك!! " [ إنجيل متى 7/1-5] .

هذا إذا كانت في عين أخيك قذاة ؛ فكيف إذا كانت القذاة في عينك أنت ، فتوهمت ـ لملازمتها لك ـ أن في كل شيء تراه قذاة ؟!!

ومَنْ يَكُ ذا فَمٍ مُرٍّ مَرِيضٍ يَجدْ مُرّاً بهِ المَاءَ الزُّلالا

والله تعالى أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-03-05, 18:05
ما الفرق بين قوله تعالى :(ويكون الدين لله) وقوله عز وجل :(ويكون الدين كله لله)

السؤال

قال تعالى : ( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلا عَلَى الظَّالِمِينَ ) البقرة/193

وقال تعالى : ( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) الأنفال/39.

لماذا أتت الآية الكريمة الأولى ( الدين لله ) وفي الآية الكريمة الثانية : ( الدين كله لله )؟

الجواب

الحمد لله

الباحث في بلاغة القرآن الكريم لا بد أن يتأمل في السياق الذي وردت فيه الآيات ، فكثيرا ما يحمل في طياته بيانا أو إشارة إلى الوجه البلاغي أو التفسيري لما ورد فيها .

وفي الآيات الواردة في السؤال يحمل السياق في طياته إشارة يحتمل أن تكون هي الجواب عن الفرق بين قوله تعالى : (وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ) البقرة، وقوله عز وجل : (وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ) الأنفال .

فآية البقرة سياقها يتحدث عن كفار قريش ، والأمر بقتال المعتدين منهم ، ومقابلة اعتدائهم بالصد والدفاع ، فقد انتهكوا الحرمات ، واعتدوا وظلموا ، والله لا يجب المعتدين .

يقول الله عز وجل :

( وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ . وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ

عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ . فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلا عَلَى الظَّالِمِينَ

. الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ) البقرة/190-194.

وأما سورة الأنفال فهي من السور التي تفصل أحكام الجهاد والقتال ضد عموم الكفار ، وليس كفار قريش خصوصا ، وتشرع الحكم الذي يعم الأحوال والأزمان والأشخاص ، فكان سياقها عاما يراد به جميع الكفار .

يقول الله تعالى :

( قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ . وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ .

وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ) الأنفال/ 38-40.

فإذا تبين اختلاف السياقين عرفنا أن السياق الذي يتحدث عن عموم الكفار ، سواء كانوا مشركين أم أصحاب ديانات أخرى : يناسبه أن يقال فيه ( وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ) فالإسلام يعلو ولا يعلى عليه

وعلو الإسلام يقضي أن يكون هو الدين الظاهر على جميع الديانات ، إما بعدد المسلمين ، أو بالحكم بالشريعة ، أو بفسح المجال لتبليغ الدعوة الحقة .

وأما السياق الذي يتحدث عن مشركي أهل مكة ، وليس فيهم أي دين آخر ، فيناسبه قوله عز وجل فيه : ( وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ )، فلا حاجة لكلمة ( كله ) لأنه دين واحد في مكة ، وهو دين عبادة الأصنام .

هذا هو حاصل ما ذكره بعض المفسرين في بيان الحكمة في الفرق بين الآيتين .

يقول أبو حيان الأندلسي رحمه الله :

" قيل : وجاء في الأنفال : ( وَيَكُونَ الدّينُ كُلُّهُ لِلهِ ) ولم يجئ هنا : ( كله )؛ لأن آية الأنفال في الكفار عموماً ، وهنا في مشركي مكة

فناسب هناك التعميم ، ولم يحتج هنا إليه . قيل : وهذا لا يتوجه إلاَّ على قول من جعل الضمير في : ( وقاتلوهم ) ، عائداً على أهل مكة على أحد القولين " انتهى.

" البحر المحيط " (2/76)

ويقول ابن عرفة المالكي رحمه الله :

" قوله تعالى : ( وَيَكُونَ الدين لِلَّهِ ) وفي الأنفال : ( وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ) وأجاب بعضهم

: بأن هذه في قتال كفار قريش ، وتلك في قتال جميع الكفار

لأن قبلها ( قُل لِّلَّذِينَ كفروا إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ )، فالمراد في آية البقرة ( ويكون الدّين ) الّذي هم عليه لله ، ودينهم بعض الدين لا كله ، بخلاف آية الأنفال " انتهى.

" تفسير ابن عرفة المالكي " (2/561) تحقيق حسن المناعي ، مركز البحوث .

ويقول الألوسي رحمه الله :

" لم يجئ هنا كلمة ( كله ) كما في آية الأنفال ؛ لأن ما هنا في مشركي العرب ، وما هناك في الكفار عموماً ، فناسب العموم هناك ، وتركه هنا " انتهى.

" روح المعاني " (2/76)

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-03-05, 18:08
معنى " الرؤية " في قوله تعالى ( أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً )

السؤال

تقول الآية خمسة عشر من سورة " نوح " ( أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً )

فيسألني سائل أين هي السموات السبع ؟

ولو أن هناك سبع سموات فكيف استطاع نوح أن يطلب من قومه أن يتأملوها رغم أنها لا ترى من كوكب الأرض ؟

أليس في هذا تناقضاً لصريح القرآن ؟ .

فمن فضلك ساعدني في الإجابة على هذا السؤال وحتى آخذ بيد صاحبه للإسلام .

الجواب

الحمد لله

أولاً:

أخبر الله تعالى عن خلق السموات وعن عددهن وعن هيئتهن.

قال تعالى ( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) البقرة/ 29 .

وقال ( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ) الطلاق/ 12 .

وقال تعالى ( الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ) الملك/ 3 .

وقال ( فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ) فصلت/ 12 .

هذا بعض ما نعرف عن السموات السبع ، ولولا إخبار الله تعالى به لما علم ذلك أحد ؛ إذ هو من الغيب الذي لا يستطيع أن يعلمه أحد من البشر لولا إخبار الله به .

ونحن نشهد بما أخبرنا به ربنا تعالى ، ونجزم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد عرج به إلى السموات فرآها كلها ، ونجزم أنه أحداً من البشر لم يفعل ذلك ، ولم ير طبقات السموات بعده صلى الله عليه وسلم .

ثانياً:

أما قول نوح عليه السلام لقومه ( أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً ) : فليس المراد به الرؤية البصرية ، بل هي الرؤية العلمية ، وهي كثيرة بهذا اللفظ في كتاب الله

كقول الله تعالى ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ ) البقرة/ 243

وقوله ( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ) الفجر/ 6

وقوله ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ) إبراهيم/ 28

وغير ذلك كثير .

قال القرطبي – رحمه الله - :

والعرب تضع " العلم " مكان " الرؤية " ، و " الرؤية " مكان " العلم " ، كقوله تعالى ( أََلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ ) الفيل/ 1 ، بمعنى : ألم تعلم .

" تفسير القرطبي " ( 2 / 156 ) .

وقال رحمه الله – في الآية موضع السؤال - :

وقوله ( أَلَمْ تَرَوْا ) على جهة الإخبار لا المعاينة ، كما تقول : ألم ترني كيف صنعت بفلان كذا .

" تفسير القرطبي " ( 18 / 304 ) .

وينظر أيضا : تفسير "الهداية" ، لمكي بن طالب ، عند تفسير هذه الآية .

وقال الإمام مكي بن طالب في تفسيره :

" ومعنى ( ألم ترو كيف خَلَقَ اللهُ ) : اعلموا أن الله خلق ذلك . ولو كان على غير الأمر معناه

لقالوا : ما نرى إلا واحدة !! ولكن معناه الأمر ، كما تقول : غفر الله لك ، [ أي ] : اللهم اغفر له ، لأنك لست تخبره عن أمره علمتَه ، إنما هو دعاء تتمنى كونه له .

ومن هذا قول الرجل للرجل : أَلَمْ تَرَ أَنِّي لقيت زيداً فقلت له كذا وقال لي كذا ؟ معناه : اعلم أني لقيت زيداً ، فكان من أمره وأمري كذا وكذا .

ومثله : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الفيل [الفيل : 1] .

وقيل : معناه : ألم يبلغكم كيف خلق الله سبع سماوات طباقاً ، فتتعظوا وتزدجروا ؟

وكذلك معنى الآية الأخرى : ألم يبلغك يا محمد كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ، ولم أُوحِ إليك كيف فعلت بهم ؟

" انتهى من " الهداية إلى بلوغ النهاية" (12/7739) .

والله أعلم

*عبدالرحمن*
2019-03-05, 18:19
التوفيق بين آيات قرآنية تثبت السمع والكلام للكفار في الحشر تارة وتنفيه عنهم تارة أخرى

السؤال

يتحدث الله تعالى في سورة مريم الآية 38 عن المشركين حينما يقول ( أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ) . وفي سورة الإسراء آية 97

ذكر الله سبحانه ( وَمَن يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاء مِن دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا )

. ليس هناك من احتمالية التناقض في القرآن ؛ لكني ليس لدي العلم الأساسي لفهم ذلك ، فلو ألقيت الضوء على هذا الأمر فلربما ساهم في ارتقاء إيماني .

الجواب

الحمد لله

ليس بحمد الله في نصوص الوحي ما يناقض بعضه بعضاً ، وقد يسَّر الله تعالى لكتابه من يُعنى به تفسيراً لكلماته

وتوضيحاً لمشكلاته وبياناً لما ظاهره التعارض ، وهؤلاء هم الراسخون في العلم الذين فقهوا مراد ربِّهم تعالى في كتابه فوضعوا الأمور في نصابها وبيَّنوا للناس ما أغلق فهمه عليهم .

والإشكال الذي ذكره الأخ قديم الإيراد ، وقد أجاب عليه العلماء أجوبة محكمة مسددة ، أبرزها جوابان :

الجواب الأول :

أن مشاهد اليوم الآخر ومراحله كثيرة ، ففي بعضها يكون الكفار عمياً وبكماً وصُمّاً على الحقيقة ، وفي بعضها الآخر يرون ويتكلمون ويسمعون .

وهو قول أبي حيان وابن القيم وابن كثير والشنقيطي وغيرهم كثير .

قال الإمام الطبري – رحمه الله -
:
فإن قال قائل : وكيف وصف الله هؤلاء بأنهم يحشرون عمياً وبكماً وصُمّاً وقد قال ( وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا ) فأخبر أنهم يرون

وقال ( إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا . وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا ) فأخبر أنهم يسمعون وينطقون ؟ .

قيل : جائز أن يكون ما وصفهم الله به من العَمى والبكم والصمم يكون صفتهم في حال حشرهم إلى موقف القيامة ، ثم يجعل لهم أسماع وأبصار ومنطق في أحوال أُخَر غير حال الحشر .

" تفسير الطبري " ( 17 / 559 ، 560 ) .

وقال ابن كثير – رحمه الله - :

وقوله : ( عُمْيًا ) أي : لا يبصرون ( وَبُكْمًا ) يعني : لا ينطقون ( وَصُمًّا ) : لا يسمعون

. وهذا يكون في حال دون حال ؛ جزاء لهم كما كانوا في الدنيا بكمًا وعميًا وصمّاً عن الحق ، فجوزوا في محشرهم بذلك أحوج ما يحتاجون إليه .

" تفسير ابن كثير " ( 5 / 123 ) .

والجواب الثاني :

أن النظر والكلام والسمع المُثبت لهم خاص بما لا فائدة لهم فيه ، والمنفي عنهم خاص بما لهم فيه فائدة ، فهم لا يرون ولا يسمعون شيئاً يسرهم ، ولا ينطقون بحجة .

وهو مروي عن ابن عباس والحسن البصري .

قال الإمام الطبري – رحمه الله - :

ويجوز أن يكون ذلك ، كما روي عن ابن عباس قوله ( وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا )

ثم قال ( وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا ) وقال ( سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا ) وقال ( دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا )

أما قوله ( عُمْيا ) : فلا يرون شيئا يسرّهم

وقوله ( بُكْما ) : لا ينطقون بحجة

وقوله ( صُمًّا ) : لا يسمعون شيئاً يسرّهم .

" تفسير الطبري " ( 17 / 560 ) .

والقول الأول أظهر وأقوى .

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله

– في ذكر وجوه الجمع بين ذلك :

قوله تعالى ( وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّا ) الآية

هذه الآية الكريمة يدل ظاهرها على أن الكفار يُبعثون يوم القيامة عمياً وبكماً وصمّاً

وقد جاءت آيات أخر تدل على خلاف ذلك

كقوله تعالى ( أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا ) ,

وكقوله ( وَرَأى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا )

وكقوله ( رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً) الآية ، والجواب عن هذا من أوجه :

الوجه الأول : هو ما استظهره أبو حيان من كون المراد مما ذكر حقيقته ، ويكون ذلك في مبدأ الأمر

ثم يرد الله تعالى إليهم أبصارهم ونطقهم وسمعهم ، فيرون النار ويسمعون زفيرها ، وينطقون بما حكى الله تعالى عنهم في غير موضع .

الوجه الثاني : أنهم لا يرون شيئاً يسرهم ، ولا يسمعون كذلك ، ولا ينطقون بحجة

كما أنهم كانوا في الدنيا لا يستبصرون ولا ينطقون بالحق ولا يسمعونه

وأخرج ذلك ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس

وروي أيضاً عن الحسن كما ذكره الألوسي في تفسيره ، فنزَّل ما يقولونه ويسمعونه ويبصرونه منزلة العدم لعدم الانتفاع به كما تقدم نظيره .

الوجه الثالث : أن الله إذا قال لهم ( اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ )

وقع بهم ذاك العمى والصم والبكم من شدة الكرب واليأس من الفرج

قال تعالى ( وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ ) ، وعلى هذا القول تكون الأحوال الثلاثة مقدَّرة .

" دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب " ( ص 143 ) .

وفي " أضواء البيان " ( 4 / 129 ) قال : أظهرها عندي : الأول .

وقد فصَّل ابن القيم رحمه الله الحال الذي يُحشرون فيه على وجوههم عمياً وبكماً وصمّاً وهو من موقف الحشر إلى وقت دخولهم النار ، وأنهم يكونون قبل ذلك يرون ويتكلمون ويسمعون.

قال ابن القيم – رحمه الله - :

وفصل الخطاب : أن الحشر هو الضم والجمع ، ويراد به تارة : الحشر إلى موقف القيامة كقوله النبي صلى الله عليه وسلم ( إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلا )

وكقوله تعالى ( وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ ) ، وكقوله تعالى ( وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً ) يراد به : الضم والجمع إلى دار المستقر

فحشر المتقين : جمعهم وضمهم إلى الجنة ، وحشر الكافرين : جمعُهم وضمُّهم إلى النار ، قال تعالى ( يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً )

وقال تعالى ( احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ . مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ ) فهذا الحشر هو بعد حشرهم إلى الموقف وهو حشرهم وضمهم إلى النار

لأنه قد أخبر عنهم أنهم قالوا ( يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ . هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ) ثم قال تعالى ( احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ ) وهذا الحشر الثاني

وعلى هذا : فهم ما بين الحشر الأول من القبور إلى الموقف والحشر الثاني من الموقف إلى النار ، فعند الحشر الأول : يسمعون ويبصرون ويجادلون ويتكلمون

وعند الحشر الثاني : يُحشرون على وجوههم عمياً وبكماً وصمّاً ، فلكل موقف حال يليق به ويقتضيه عدل الرب تعالى وحكمته ، فالقرآن يصدِّق بعضُه بعضاً ، ( وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ) .

" مفتاح دار السعادة " ( 1 / 45 ، 46 ) .

والله أعلم

*عبدالرحمن*
2019-03-05, 18:34
متى نزل قوله تعالى قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء

السؤال

طرح أحد النصارى شبهة وهي : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل رسالة إلى هرقل وإلى المقوقس ذكر فيها هذه الآية : (

قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) آل عمران/64

وكان هذا في العام السادس من الهجرة . وعند الرجوع لأسباب النزول في كتاب " أسباب نزول القرآن " للواحدي , نجد أن صدر سورة آل عمران إلى الآية/84 قد نزل في وفد نجران في العام التاسع من الهجرة .

فكيف يذكر الرسول صلى الله عليه وسلم الآية قبل موعد نزولها ؟

الجواب

الحمد لله

أولا :

اعلم أولا أن أكثر الشبهات التي يتناقلها الطاعنون لا تتعلق بأصول الدين وثوابته

ولا على محكمات الشريعة وقواطعها ، ولا على مجمل الكتاب والسنة ، وإنما تتعلق ببعض الروايات والأخبار ، وشيء من الألفاظ التي لا يقوم عليها الدين ، بل لو لم ترد أصلا لما نقص من الدين شيء .

وهكذا ينبغي على الناظر في الشبهة قبل الجواب عليها أن يبحث في قدرها ومحلها

كي لا يلبس عليه الشيطان ، فيتوهم – إذا تكاثرت عليه الإيرادات – أن ذلك دليلٌ على ضعف الدين واضطرابه ، في حين أن تلك الشبهات دليلٌ على قوته ومتانته وسلامة أصوله وثوابته .

ثانيا :

أما الجواب عن الروايات الواردة في السؤال تفصيلا فنقول :

نعم ، حصل تعارض – ظاهري - في الأخبار والروايات في شأن توقيت نزول

قوله تعالى : ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) آل عمران/64.

فدلت الأخبار الصحيحة على أن نزولها وقع في فترة صلح الحديبية ، في العام السادس من الهجرة :

تجد ذلك في حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن أبي سفيان :

( أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ ، وَكَانُوا تِجَارًا بِالشَّأْمِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَادَّ فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ -

فسأله عن مبعث النبي صلى الله عليه وسلم فيهم في حديث طويل جاء فيه - :

ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي بَعَثَ بِهِ دِحْيَةُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى ، فَدَفَعَهُ إِلَى هِرَقْلَ فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ ، سَلَامٌ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى ، أَمَّا بَعْدُ

فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الْإِسْلَامِ ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ

فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الْأَرِيسِيِّينَ وَ ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لَا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ )

رواه البخاري (رقم/7) ومسلم (رقم/1773)

ودلت أخبار أخرى على أن أوائل سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية قد نزل في وفد نجران ، ومعلوم أن وفد نجران إنما قدم إلى النبي صلى الله عليه وسلم في العام التاسع من الهجرة .

تجد ذلك في كتاب " السيرة " لابن إسحاق –

كما في " تهذيب سيرة ابن إسحاق " لابن هشام (1/547) -

قال ابن إسحاق :

" وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير قال : لما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، فدخلوا عليه مسجده حين صلى العصر عليهم ثياب الحبرات

إلى أن قال - : فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم واختلاف أمرهم كله صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها " انتهى.

فإذا تبين ما سبق عرفنا أن المنهج العلمي يقضي بترجيح الرواية الأولى على الثانية

لأن الرواية الأولى صريحة صحيحة ، مروية في أصح الكتب بعد كتاب الله ، أما ما نقله ابن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير فغايته أنه من المراسيل

فمحمد عاصر صغار التابعين ، ولم يدرك الصحابة فضلا عن إدراك زمن وفد نجران ، فالغالب أن الخطأ وقع في هذا المرسل

وأن أوائل سورة آل عمران نزل في وفد نجران ، ولكن ليس إلى بضع وثمانين آية

بل قبل ذلك ، ولعله إلى بداية الآية رقم : (62) ( إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) فإنها تشعر بانتهاء مقطع وفصل خاص

وانتقال إلى معرض جديد فيه تقرير من وجوه أخرى لتوحيد الألوهية .

فالجواب الذي نراه متجها قويا هو ترجيح الرواية الأولى لصحتها ، وترك قوله في الرواية الثانية ( صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها ) لضعفها وإرسالها .

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

" وقوله تعالى : ( تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ) آل عمران/64. بعدها آيات نزلت قبل ذلك – يعني قبل قدوم وفد نجران -

كقوله : (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ .

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) آل عمران/70-71

فيكون هذا مما تقدم نزوله ، وتلك مما تأخر نزوله ، وجمع بينهما للمناسبة كما في نظائره ، فإن الآيات كانت إذا نزلت يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يضعها في مواضع تناسبها ، وإن كان ذلك مما تقدم .

ومما يبين ذلك أن هذه الآية - وهي قوله تعالى ( تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ) - لفظها يعم اليهود والنصارى ، وكذلك ذكر أهل العلم أنها دعاء لطائفتين

وأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا بها اليهود ، فدل ذلك على أن نزولها متقدم ، فإن دعاءه لليهود كان قبل نزول آية الجزية ، ولهذا لم يضرب الجزية على أهل خيبر وغيرهم من يهود الحجاز " انتهى.

" الجواب الصحيح " (1/208-209)

ومع ذلك فقد أجاب أهل العلم بأجوبة أخرى نذكرها ههنا على سبيل الاستئناس .

يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله :

" الجواب من وجُوه :

أحدها : يحتمل أن هذه الآية نزلت مرتين ، مَرّةً قبل الحديبية ، ومرة بعد الفتح .

الثاني : يحتمل أن صدر سورة آل عمران نزل في وفد نجران إلى عند هذه الآية ، وتكون هذه الآية نزلت قبل ذلك ، ويكون قول ابن إسحاق : ( إلى بضع وثمانين آية ) ليس بمحفوظ ، لدلالة حديث أبي سفيان .

الثالث : يحتمل أن قدوم وفد نجران كان قبل الحديبية ، وأن الذي بذلوه مُصَالحةً عن المباهلة لا على وجه الجزية

بل يكون من باب المهادنة والمصالحة

ووافق نزول آية الجزية بعد ذلك على وفق ذلك ، كما جاء فرض الخمس والأربعة الأخماس وفق ما فعله عبد الله بن جحش في تلك السرية قبل بدر ، ثم نزلت فريضة القسم على وفق ذلك .

الرابع : يحتمل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أمر بكَتْب هذا الكلام في كتابه إلى هرقل لم يكن أنزل بعد ، ثم نزل القرآن موافقة له

كما نزل بموافقة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الحجاب وفي الأسارى ، وفي عدم الصلاة على المنافقين

وفي قوله : ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ) البقرة/125

وفي قوله : ( عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ ) التحريم/5 " انتهى.

" تفسير القرآن العظيم " (2/56-57)

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-03-05, 18:42
كم يوما استمرت الريح التي أهلكت قوم عاد

السؤال

الآية/19: سورة القمر : ( إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر ). الآية/16: سورة فصلت

: ( فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات ) الآية/7: سورة الحاقة :

( سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما ) في الآية الأولى أشار إلى أن الريح ستستمر ليوم واحد

بينما في الآية الثانية استعمل صيغة الجمع التي تدل على ثلاثة أيام على الأقل - وفي الآية الثالثة جزم الأمر باستمرار الريح مدة ثمانية أيام . أليس في هذا تناقضاً ؟

الجواب

الحمد لله

أولا :

لا نظن أن مثل هذا السؤال يرد إلا بسببين اثنين :

السبب الأول : عدم الاطلاع على أساليب اللغة العربية ، ولا نقول " عدم العلم " ، إذ يكفي الاطلاع اليسير على اللغة العربية لمعرفة كم هو بعيد عن أساسيات اللغة العربية هذا الذي يؤمن بمثل هذه الشبهات الركيكة .

والسبب الثاني : قياس القرآن الكريم الذي تواتر لفظه ومعناه ونسبته إلى رب العزة جل وعلا على الكتب المحرفة التي – لو فرضنا ثبوتها

فإنما ثبتت من كلام الحواريين الذين جمعوها وشرحوا فيها بلغتهم ما سمعوه من الأنبياء ، فهي

في أعلى تقدير لها ـ ككتب السيرة لدى المسلمين ، بل لا تبلغ ذلك إذا سلَّطنا مقياس النقد ، والدراسة التوثيقية عليها ؛ فليست منقولة بنص كلام الأنبياء ، فضلا عن أن تكون من كلام الله سبحانه وتعالى .

ينظر : " الجواب الصحيح " (3/21-22)

أما القرآن الكريم فهو كلام الله عز وجل المنقول إلينا بالتواتر بنصه وحرفه ومعناه ، ليس اجتهاد بشر ، ولا رواية راو ، ولا حكاية حاك

وإنما هو نقل الكافة عن الكافة عن رب العزة جل وعلا ، فلا يمكن أن يقع فيه مثل هذا التناقض الصريح .

بل إذا فرضنا – جدلا – أن القرآن ليس كلام الله بل كلام بشر : فيبعد أن يخطئ واحد من البشر هذا الخطأ الفادح ، والتناقض الظاهر وهو يدَّعي أن هذا الكتاب هو معجزته التي تحدى بها قومه .

ثانيا :

أما الجواب عن ما ورد في الآيات فهو واضح جدا ، ويسير على من يملك أساسيات اللغة العربية ، ويطلع على شيء من لسانها ، ولتوضيح ذلك نضرب هذا المثال السهل والقريب للفهم إن شاء الله .

أرأيت لو أن رجلا ذهب في سفر للنزهة والسياحة لمدة ثمانية أيام ، ثم لما عاد إلى أهله وشرع في حكاية قصتها عليهم ، وإخبارهم عنها فقال
:
" لقد كانت ثمانية أيام جميلة ، قضينا فيها وقتا ممتعا ، وما أظن أن الذاكرة ستنسى شيئا من تلك الأيام ، وخاصة يوم البداية ، أو قال في نفس السياق

أو في سياق آخر : لقد كان يوم الجمعة ـ يعني : أحد هذه الأيام ـ يوما جميلا ، أو قال : لقد كان أول يوم يوما رائعا "

أو ما أشبه ذلك من الكلام . ؛ هل يتهم أحد هذا المتكلم بالتناقض وإيقاع السامعين في الحيرة حول حقيقة عدد تلك الأيام ؟

لا نظن أن عاقلا يقول ذلك أبدا .

وهكذا ينبغي أن يقال فيما ورد في القرآن الكريم
.
فقد صرح القرآن الكريم أن أيام العذاب التي أهلك الله فيها قوم عاد كانت ثمانية أيام ، وذلك

في قوله عز وجل : ( وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ . سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ) الحاقة/6-7.

وجاء في القرآن الكريم ذكر مجرد لهذه الأيام بصيغة الجمع ، من غير النص على العدد

وذلك في قوله تعالى : ( فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ .

فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ ) فصلت/15-16.

فقوله : ( أيام نحسات ) لا ينافي بوجه من الوجوه تحديدها بعدد ؛ لأن كلمة ( أيام ) جمع ، والجمع يصدق على الثمانية المصرح بها في آية أخرى .

وأما قوله تعالى : ( كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ . إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ ) القمر/18-19.

فيوم النحس هو اليوم الذي بدأ فيه العذاب

وكان مقدمة لثمانية أيام مهلكة لقوم عتوا في الأرض واستكبروا وقالوا من أشد منا قوة

ولذلك لم يقل الله عز وجل ( في يوم نحس واحد ) وإنما قال : ( فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ ) ليؤكد استمرار النحس والهلاك إلى ثمانية أيام يهلك فيها هؤلاء المستكبرون الظالمون .

يقول ابن كثير رحمه الله :

" قوله : ( فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ ) أي : متتابعات . ( سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا ) الحاقة/7

كقوله : ( فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ ) القمر/19

أي : ابتُدِئوا بهذا العذاب في يوم نحس عليهم ، واستمر بهم هذا النحس سبع ليال وثمانية أيام حتى أبادهم عن آخرهم ، واتصل بهم خزي الدنيا بعذاب الآخرة " انتهى.

" تفسير القرآن العظيم " (7/169) .

ويقول العلامة الطاهر بن عاشور رحمه الله :

" أريد بـ ( يَوْمِ نَحْسٍ ) أول أيام الريح التي أرسلت على عاد " انتهى.

" التحرير والتنوير " (27/185) .

وينظر : " مفاتيح الغيب " (29/41) .

والله أعلم .

و اخيرا

الحمد لله الذي بفضلة تتم الصالحات

اخوة الاسلام

اكتفي بهذا القدر و لنا عوده
ان قدر الله لنا البقاء و اللقاء

و اسال الله ان يجمعني بكم دائما
علي خير

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين

*عبدالرحمن*
2019-03-06, 16:49
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)
اخوة الاسلام

أحييكم بتحية الإسلام
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)


لماذا قال تعالى في قصة الغار ( فأنزل الله سكينته عليه ) ولم يقل عليهما ؟

السؤال

لماذا قال الله تعالى : ( فأنزل الله سكينته عليه ) ، ولم يقل : ( عليهما ) ؟

الجواب

الحمد لله

أولا :

الآية المقصودة في السؤال هي قوله تعالى : ( إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ

وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) التوبة/40.

وهي تتحدث عن قصة لجوء النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلى غار ثور ، وذلك في رحلة الهجرة إلى المدينة المنورة .

ولفهم المعنى الإجمالي للآية الكريمة

ننقل كلام العلامة عبد الرحمن السعدي رحمه الله حيث يقول :

" أي : إلا تنصروا رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم فاللّه غني عنكم ، لا تضرونه شيئا ، فقد نصره في أقل ما يكون ( إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) من مكة لمَّا همُّوا بقتله ، وسعوا في ذلك

وحرصوا أشد الحرص ، فألجؤوه إلى أن يخرج ( ثَانِيَ اثْنَيْنِ ) أي : هو وأبو بكر الصديق رضي اللّه عنه ( إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ ) أي : لمَّا هربا من مكة لجآ إلى غار ثور في أسفل مكة

فمكثا فيه ليبرد عنهما الطلب ، فهما في تلك الحالة الحرجة الشديدة المشقة حين انتشر الأعداء من كل جانب يطلبونهما ليقتلوهما ، فأنزل اللّه عليهما من نصره ما لا يخطر على البال ( إِذْ يَقُولُ ) النبي صلى الله عليه وسلم ( لِصَاحِبِهِ )

أبي بكر لمَّا حزن واشتد قلقه : ( لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ) بمعونته ونصره وتأييده ، ( فَأَنزلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ ) أي : الثبات والطمأنينة والسكون المثبتة للفؤاد

( وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا ) وهي الملائكة الكرام الذين جعلهم اللّه حرسا له

( وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى ) أي : الساقطة المخذولة ، فإن الذين كفروا قد كانوا على حرد قادرين في ظنهم على قتل الرسول صلى الله عليه وسلم وأخذه حنقين عليه

فعملوا غاية مجهودهم في ذلك ، فخذلهم اللّه ولم يتم لهم مقصودهم ، بل ولا أدركوا شيئا منه " انتهى.

" تيسير الكريم الرحمن " (ص/337)

ثانيا :

اختلف المفسرون في ضمير الغائب في كلمة ( عليه ) في قوله تعالى : ( فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ ) على من يعود ، وذلك على قولين :

القول الأول :

يعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو " أشهر القولين "

كما قال الحافظ ابن كثير رحمه الله حيث جرى عليه كثير من المفسرين ، كالطبري في " جامع البيان " (14/261)،

والزمخشري في " الكشاف " (2/260)

وابن جزي في " التسهيل " (2/76)

والشنقيطي في " أضواء البيان " (7/397)

والدليل عليه أن الضمير في قوله تعالى : ( وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا ) يعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم قولا واحدا ، فهو الذي أيده ربه بالملائكة

فيبعد أن يراد بالضمير الذي قبله في كلمة ( عليه ) غير النبي صلى الله عليه وسلم ، كي لا يحصل الانتقال في الضمائر .

يقول ابن كثير رحمه الله :

" ( عليه ) أي : على الرسول في أشهر القولين ، وقيل : على أبي بكر ، وروي عن ابن عباس وغيره

قالوا : لأن الرسول لم تزل معه سكينة ، وهذا لا ينافي تجدد سكينة خاصة بتلك الحال ؛ ولهذا قال : ( وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا ) أي : الملائكة " انتهى.

" تفسير القرآن العظيم " (4/155)

القول الثاني :

أنه يعود على أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، وهذا القول مروي عن الصحابي الجليل ابن عباس رضي الله عنهما ولكن بإسناد ضعيف ، ومروي عن عن حبيب بن أبي ثابت من التابعين .

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال :

" ( سكينته عليه ) على أبي بكر ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم تزل السكينة معه " انتهى.

رواه ابن أبي حاتم في " التفسير " (6/1801)

وابن عساكر في " تاريخ دمشق " (30/87)

وعزاه الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " (7/9) للحاكم

ولم نقف عليه في " المستدرك "

ورواه الآجري في " الشريعة " (ص/1807) ت عبد الله الدميجي – دار الوطن .

جميعهم من طريق علي بن مجاهد ، عن أشعث بن إسحاق ، عن جعفر بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس به .

إلا أن الرواية عند الآجري من كلام سعيد بن جبير ، وليست من كلام ابن عباس .

وهذا إسناد ضعيف بسبب علي بن مجاهد ، قال فيه ابن معين : كان يضع الحديث . رغم أن أحمد بن حنبل قال فيه : كتبت عنه ، ما أرى به بأسا .

انظر : " تهذيب التهذيب " (7/378)

كما ورد في " التهذيب " عن يحيى بن الضريس قال : علي بن مجاهد لم يسمع من ابن إسحاق .

وعن حبيب ابن أبي ثابت قال :

" نزلت على أبي بكر ، فأما النبي صلى الله عليه وسلم فكانت سكينته عليه قبل ذلك " انتهى.

" تفسير ابن أبي حاتم " (6/1801) قال : حدثنا أبي ، ثنا أحمد بن عبد الله بن يونس وإبراهيم بن مهدي المصيصي والسياق لإبراهيم ، قالا : أخبرنا أبو معاوية ، ثنا عبد العزيز بن سياه ، عن حبيب ابن أبي ثابت .

واختار هذا القول جماعة من محققي المفسرين ، بل نسبه السهيلي في " الروض الأنف " (4/136) إلى أكثر أهل التفسير .

قال أبو جعفر النحاس رحمه الله :

" الأشبه على قول أهل النظر أن تكون تعود على أبي بكر ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد كانت عليه السكينة ، وهي السكون والطمأنينة ؛ لأنه جل وعز أخبر عنه أنه قال : ( لا تحزن إن الله معنا ) " انتهى.

" معاني القرآن " (3/210)

وقال ابن العربي المالكي رحمه الله :

" قال علماؤنا : وهو الأقوى ؛ لأن الصِّدِّيق خاف على النبي صلى الله عليه وسلم من القوم ، فأنزل الله سكينته ليأمن على النبي صلى الله عليه وسلم ، فسكن جأشه ، وذهب روعه ، وحصل له الأمن " انتهى.

" أحكام القرآن " (2/436) طبعة دار إحياء التراث .

وجاء في " مفاتيح الغيب " للفخر الرازي (16/53-54) ما نصه :

" ومن قال الضمير في قوله : ( عَلَيْهِ ) عائد إلى الرسول ، فهذا باطل لوجوه :

الوجه الأول : أن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات ، وأقرب المذكورات المتقدمة في هذه الآية هو أبو بكر

لأنه تعالى قال : ( إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ ) والتقدير : إذ يقول محمد لصاحبه أبي بكر لا تحزن . وعلى هذا التقدير : فأقرب المذكورات السابقة هو أبو بكر ، فوجب عَوْدُ الضمير إليه .

والوجه الثاني : أن الحزن والخوف كان حاصلاً لأبي بكر لا للرسول عليه الصلاة والسلام ، فإنه عليه السلام كان آمناً ، ساكن القلب بما وعده الله أن ينصره على قريش

فلما قال لأبي بكر : لا تحزن : صار آمناً ، فصَرْفُ السكينة إلى أبي بكر ليصير ذلك سبباً لزوال خوفه أولى من صرفها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، مع أنه قبل ذلك ساكن القلب ، قوي النفس .

والوجه الثالث : أنه لو كان المراد إنزال السكينة على الرسول لوجب أن يقال : إن الرسول كان قبل ذلك خائفاً

ولو كان الأمر كذلك لما أمكنه أن يقول لأبي بكر : ( لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ) فمن كان خائفاً كيف يمكنه أن يزيل الخوف عن قلب غيره ، ولو كان الأمر على ما قالوه لوجب أن يقال : فأنزل الله سكينته عليه ،

فقال لصاحبه : لا تحزن .

ولمَّا لم يكن كذلك ، بل ذكر أولاً أنه عليه الصلاة والسلام قال لصاحبه : لا تحزن ، ثم ذكر بفاء التعقيب نزول السكينة

وهو قوله : ( فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ ) علمنا أن نزول هذه السكينة مسبوق بحصول السكينة في قلب الرسول عليه الصلاة والسلام ، ومتى كان الأمر كذلك وجب أن تكون هذه السكينة نازلة على قلب أبي بكر " انتهى.

وقد أجاب أصحاب هذا القول على استدلال الفريق الأول بعود الضمير في قوله تعالى ( وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا ) إلى النبي صلى الله عليه وسلم بما يلي :

" فإن قيل : وجب أن يكون قوله : ( فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ ) المراد منه أنه أنزل سكينته على قلب الرسول

والدليل عليه : أنه عطف عليه قوله : ( وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا ) ، وهذا لا يليق إلا بالرسول ، والمعطوف يجب كونه مشاركاً للمعطوف عليه

فلما كان هذا المعطوف عائداً إلى الرسول وجب في المعطوف عليه أن يكون عائداً إلى الرسول ؟

قلنا : هذا ضعيف ؛ لأن قوله : ( وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا ) إشارة إلى قصة بدر ، وهو معطوف

على قوله : ( فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ ) وتقدير الآية : إلا تنصروه فقد نصره الله في واقعة الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ، فأنزل الله سكينته عليه ، وأيده بجنود لم تروها في واقعة بدر .

وإذا كان الأمر كذلك فقد سقط هذا السؤال " انتهى.

" مفاتيح الغيب " للفخر الرازي (16/53-54)

*عبدالرحمن*
2019-03-06, 16:50
ثالثا :

على فرض ترجيح القول الأول ، فإن عود الضمير على النبي صلى الله عليه وسلم لا يعني عدم تنزل السكينة أيضا على قلب الصديق رضي الله عنه

بل إن سياق الآية يدل على حصول السكينة لهما جميعا ، ولكنه عز وجل أفرد الضمير ليدل على وحدة الحال بين النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه الصديق ، وتوحد الشخصية التي تخاطب بضمير واحد .

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

" إذا حصل للمتبوع في هذه الحال سكينة وتأييد كان ذلك للتابع أيضا بحكم الحال ، فإنه صاحب تابع لازم

ولم يحتج أن يذكر هنا أبو بكر لكمال الملازمة والمصاحبة التي توجب مشاركة النبي صلى الله عليه وسلم في التأييد ، بخلاف حال المنهزمين يوم حنين

فإنه لو قال : ( فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُوله ) الفتح/26، وسكت لم يكن في الكلام ما يدل على نزول السكينة عليهم لكونهم بانهزامهم فارقوا الرسول

ولكونهم لم يثبت لهم من الصحبة المطلقة التي تدل على كمال الملازمة ما ثبت لأبي بكر ، وأبو بكر لما وصفه بالصحبة المطلقة الكاملة ووصفها في أحق الأحوال أن يفارق الصاحب فيها صاحبه

- وهو حال شدة الخوف - كان هذا دليلا بطريق الفحوى على أنه صاحبه وقت النصر والتأييد

فإن من كان صاحبه في حال الخوف الشديد ، فلأن يكون صاحبه في حال حصول النصر والتأييد أولى وأحرى ، فلم يحتج أن يذكر صحبته له في هذه الحال لدلالة الكلام والحال عليها .

وإذا علم أنه صاحبه في هذه الحال ، علم أن ما حصل للرسول من إنزال السكينة والتأييد بإنزال الجنود التي لم يرها الناس لصاحبه المذكور فيها أعظم مما لسائر الناس

وهذا من بلاغة القرآن وحسن بيانه ، وهذا كما في قوله : ( وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ ) التوبة/62 فإن الضمير في قوله : ( أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ ) إن عاد إلى الله : فإرضاؤه لا يكون إلا بإرضاء الرسول

وإن عاد إلى الرسول : فإنه لا يكون إرضاؤه إلا بإرضاء الله ، فلما كان إرضاؤهما لا يحصل أحدهما إلا مع الآخر - وهما يحصلان بشيء واحد

والمقصود بالقصد الأول إرضاء الله وإرضاء الرسول تابع - وحَّد الضمير في قوله : ( أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ )

وكذلك وحَّد الضمير في قوله : ( فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا ) التوبة/40؛ لأن نزول ذلك على أحدهما يستلزم مشاركة الآخر له ، إذ محال أن ينزل ذلك على الصاحب دون المصحوب

أو على المصحوب دون الصاحب الملازم ، فلما كان لا يحصل ذلك إلا مع الآخر وحَّد الضمير ، وأعاده إلى الرسول ، فإنه هو المقصود ، والصاحب تابع له .

ولو قيل : ( فأنزل السكينة عليهما وأيدهما ) لأوهم أن أبا بكر شريك في النبوة

كهارون مع موسى حيث قال : ( سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ ) القصص/35

وقال : ( وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ . وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ . وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ . وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ . وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) الصافات/114-118

فذكرهما أولا وقومهما فيما يشركونهما فيه ، كما قال : ( فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) الفتح/26

فلو قيل : ( أنزل الله سكينته عليهما وأيدهما ) لأوهم الشركة ، بل عاد الضمير إلى الرسول المتبوع ، وتأييدُه تأييدٌ لصاحبه التابع له الملازم بطريق الضرورة .

ولهذا لم ينصر النبي صلى الله عليه وسلم قط في موطن ، إلا كان أبو بكر رضي الله عنه أعظم المنصورين بعده ، ولم يكن أحد من الصحابة أعظم يقينا وثباتا في المخاوف منه .

ولهذا قيل : ( لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح ) كما في السنن عن أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( هل رأى أحد منكم رؤيا فقال رجل أنا رأيت كأن ميزانا نزل من السماء

فوزنت أنت وأبو بكر فرجحت أنت بأبي بكر ، ثم وزن أبو بكر وعمر فرجح أبو بكر ، ثم وزن عمر وعثمان فرجح عمر ، ثم رفع الميزان ) فاستاء لها النبي صلى الله عليه وسلم فقال : خلافة نبوة ، ثم يؤتي الله الملك من يشاء .

وقال أبو بكر بن عياش ما سبقهم أبو بكر بصلاة ولا صيام ولكن بشيء وقر في قلبه "

انتهى باختصار يسير . " منهاج السنة النبوية " (8/350353)

ويقول العلامة الآلوسي رحمه الله :

" في إنزالها على الرسول عليه الصلاة والسلام - مع أن المنزعج صاحبه - ما يرشد المنصف إلى أنهما كالشخص الواحد " انتهى.

" روح المعاني " (10/100)

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-03-06, 16:55
الفرق بين ( أفلا تسمعون ) و ( أفلا تبصرون ) في سورة القصص

السؤال

أريد أقوال أهل التفسير في هذه الآيات ، وما قول المفسرين في حكمة نهاية كل آية ، الأولى ( أفلا تسمعون ) والثانية : ( أفلا تبصرون ).

والآيات هي : ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلَا تَسْمَعُونَ .

قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ).

الجواب

الحمد لله

أولاً :

الآيات المقصودة في السؤال هي الآيات/71-72 من سورة القصص

حيث يقول الله عز وجل : ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلَا تَسْمَعُونَ .

قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ )

ولبيان المعنى العام لهذه الآيات ننقل أقوال أهل التفسير :

يقول ابن كثير رحمه الله :

" يقول تعالى ممتنًا على عباده بما سخر لهم من الليل والنهار اللذين لا قوَامَ لهم بدونهما ، وبين أنه لو جعلَ الليلَ دائمًا عليهم سرمدًا إلى يوم القيامة لأضرّ ذلك بهم ، ولسئمته النفوس وانحصرت منه

ولهذا قال تعالى : ( مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ ) أي : تبصرون به وتستأنسون بسببه ، ( أَفَلا تَسْمَعُونَ )

. ثم أخبر أنه لو جعل النهار سرمدًا دائمًا مستمرًّا إلى يوم القيامة لأضرَّ ذلك بهم ، ولتعبت الأبدان ، وكلَّت من كثرة الحركات والأشغال

؛ ولهذا قال : ( مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ )

أي : تستريحون من حركاتكم وأشغالكم ( أَفَلا تُبْصِرُونَ ) " انتهى.

" تفسير القرآن العظيم " (6/252)

ويقول ابن جرير الطبري رحمه الله :

" ( أَفَلا تَسْمَعُونَ ) يقول : أفلا ترعون ذلك سمعكم وتفكرون فيه فتتعظون ، وتعلمون أن ربكم هو الذي يأتي بالليل ويذهب بالنهار إذا شاء ، وإذا شاء أتى بالنهار وذهب بالليل ، فينعم باختلافهما كذلك عليكم .

( أَفَلا تُبْصِرُونَ ) يقول : أفلا ترون بأبصاركم اختلاف الليل والنهار عليكم

رحمة من الله لكم ، وحجة منه عليكم ، فتعلموا بذلك أن العبادة لا تصلح إلا لمن أنعم عليكم بذلك دون غيره ، ولمن له القدرة التي خالف بها بين ذلك " انتهى.

" جامع البيان " (19/612-613)

ثانياً :

وفي بيان الحكمة في ختم الآية الأولى بقوله عز وجل : ( أفلا تسمعون ) ، والثانية بقوله تعالى : ( أفلا تبصرون ) قولان لأهل العلم :

القول الأول : أن الآية الأولى ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلَا تَسْمَعُونَ ) إنما تتحدث عن " الليل "

والتفكر في شأنه ، وأن من نعم الله على البشر أن جعله مؤقتاً وليس دائماً ، والحديث عن " الليل " يناسبه ختم الآية بقوله : ( أفلا تسمعون )، فإن حاسة البصر تضعف فيه

وتبقى حاسة السمع أكثر فاعلية ، فكان ختم الآية بالدعوة إلى الاعتبار من خلال السماع أنسب من غيرها من أدوات الاعتبار .

وأما حين تحدث عز وجل في الآية الثانية عن نعمة " النهار "

فقال سبحانه ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ) ناسب أن يختمها بالدعوة إلى التبصر في نعمة الله عز وجل

فالنهار يناسبه الإبصار ، والليل يناسبه السمع .

يقول ابن القيم رحمه الله :

" خص سبحانه النهار بذكر البصر لأنه محله ، وفيه سلطان البصر وتصرفه ، وخص الليل بذكر السمع لأن سلطان السمع يكون بالليل ، وتسمع فيه الحيوانات ما لا تسمع في النهار ؛ لأنه وقت هدوء الأصوات ، وخمود الحركات

وقوة سلطان السمع ، وضعف سلطان البصر ، والنهار بالعكس ، فيه قوة سلطان البصر ، وضعف سلطان السمع "

انتهى من " مفتاح دار السعادة " (1/208).

ويقول العلامة زكريا الأنصاري رحمه الله :

" ختم آية الليلِ بقوله : ( أفلا تسمعون ) ، وآية النهارِ بقوله : ( أفلا تُبصرون ) لمناسبة الليل المظلم الساكن للسَّماع ، ومناسبة النهار النيِّر للِإبصار

" انتهى من " فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن " (ص/261) ترقيم الشاملة.

ويقول العلامة السعدي رحمه الله :

" وقال في الليل : ( أَفَلا تَسْمَعُونَ ) ، وفي النهار : ( أَفَلا تُبْصِرُونَ )؛ لأن سلطان السمع أبلغ في الليل من سلطان البصر ، وعكسه النهار "

انتهى من " تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان " (ص/623).

القول الثاني :

ما قرره الزمخشري - وتبعه عليه بعض المفسرين ممن اعتمد عليه في كشافه - حيث يقول:

" قرن بالضياء ( أَفَلاَ تَسْمَعُونَ ) لأنّ السمع يدرك ما لا يدركه البصر من ذكر منافعه ، ووصف فوائده .

وقرن بالليل ( أَفلاَ تُبْصِرُونَ ) لأنّ غيرك يبصر من منفعة الظلام ما تبصره أنت من السكون ونحوه " انتهى.

" الكشاف عن حقائق التنزيل " (3/433) .

وقد توسع الألوسي رحمه الله في " روح المعاني " (20/107-108)

في بيان أوجه أخرى دقيقة يمكن أن تقال في بيان الفرق بين الخاتمتين .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-03-06, 17:03
تفسير قول الله تعالى : ( وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين...) الآية

السؤال

لقد قرأت سورة الإسراء فاستوقفتني هذه الآيات وتفكرت فيها طويلا وهي (وقضينا إلي بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا

* فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا *

ثم رددنا لكم الكره عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا *إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وان أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مره وليتبروا ما علوا تتبيرا)

ثم قرأت تفسيرها وهي عندما عذب جالوت بني إسرائيل ، ولكن القرآن معجز بآياته وسوره ، وانه شامل لكل زمان ومكان وان القران فيها كل شي

حتى حركاتنا وكلامنا وان فيه أمور غيبيه ستحدث في المستقبل فلا أتعجب عندما اعتقد بان هذه الايه كان يقصد بها هتلر عندما سلطه الله علي بني إسرائيل وعذبهم لان الآية

(فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي باس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا) فإذا هنا تدل على المستقبل أي انه لم يحدث الوعد الأول لبني إسرائيل لا قبل عهد الرسول ولا أثناء

عهد الرسول وانه سيحدث فيما بعد ثم إن القران جاء بالعموم في الآية ولم يذكر جالوت في الآية

كما ذكر في سوره البقرة يعني إن الآية تدخل تحت العموم ثم تأتي الآية (ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال

وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا* ) وهذا حال إسرائيل اليوم فهم أكثر مال وأكثر قوه وأكثر عددا كما في الآية ثم تأتي هذه الآية( فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤوا وجوهكم وليدخلوا المسجد

كما دخلوه أول مره ) وهي إن المسلمين سيدخلون المسجد كما دخلوه أول مره أي كما دخله عمر وكانت أول مره دخل المسلمون المسجد الأقصى هي في عهد عمر رضي الله عنه

فهل من الممكن أن يكون هذا تفسير أخر للآيه؟ والله اعلم أفيدونا

الجواب

الحمد لله

أولاً:

الأصل في المسلم الرجوع إلى كتب التفسير لمعرفة معاني الآيات القرآنية ، ولا مانع من إعمال الذهن في استنباط الفوائد منها إن كان من أهل القدرة على ذلك .

كما أنه على المسلم تجنب تنزيل الآيات على وقائع معينة ، وليس لأحدٍ الجزم بأن ما يريده تعالى في آية معينة هو هذا الحادث المحدد ، دون بينة أو دليل على ذلك التخصيص .

وكلا الأمرين يجب العناية بهما

فإن مخالفة الأمر الأول كان سبباً في ضلال طوائف من الجماعات والمذاهب والأشخاص ، ومخالفة الأمر الثاني كان سبباً في الوقوع في الخطأ في فهم الآية أو تنزيل الحادثة عليها ، فليتنبه المسلم لهذا

وليكن مرجعه في فهم كتاب الله تعالى ما دوَّنه أئمة التفسير الثقات في كتبهم ، وليتجنب تنزيل حوادث معينة على آيات قرآنية ، أو العكس

وليعلم أنه كلما رأى حدثاً يطابق ما فهمه من الآية القرآنية فقد يأتي حدث أكثر مطابقة عليها ، والسعيد من اعتبر بما حصل من لغط كثير في هذا الباب في " أزمة الخليج الأولى " .

ثانياً:

من هنا فإننا رأينا محاولات كثيرة للجزم بحادثتي الإفساد الأول والثاني من بني إسرائيل ، واللذان جاء ِذِكرهما في أول سورة الإسراء

وللأسف فقد كان الاعتماد في حوادث هذين الإفسادين على كتب بني إسرائيل أو على أحاديث موضوعة ، ومنهم من جزم بأن الإفسادين لم يحصلا في التاريخ قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم

بل إن الأول منهما كان في زمانه ، والآخر سيكون في آخر الدنيا ! ومنهم من قال بأن كليهما سيكون بعد زمن النبي صلى لله عليه وسلم

ولا سبيل إلى الجزم بما أراده الله تعالى من تعيين الإفسادين إلا بوحي ! ولا يوجد نص يعيِّن هذين الإفسادين ، فصار الاشتغال بتحديدهما وتعيينهما من تضييع الوقت بما لا طائل من ورائه.

ونرى أن الإمام ابن كثير رحمه الله قد أصاب غاية الإصابة في تعليقه على ما قيل في تعيين هذين الإفسادين ، حيث قال :

وقد اختلف المفسرون من السلف والخلف في هؤلاء المسلَّطين عليهم : من هم ؟

فعن ابن عباس وقتادة : أنه " جالوت الجَزَريّ " وجنوده ، سلط عليهم أولا ، ثم أديلوا عليه بعد ذلك، وقتل داودُ جالوتَ ؛ ولهذا قال : ( ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا ) .

وعن سعيد بن جبير : أنه ملِك الموصل " سنجاريب " وجنوده

وعنه أيضًا وعن غيره : أنه " بختنصر " ملك بابل .

وقد ذكر ابن أبي حاتم له قصة عجيبة في كيفية ترقيه من حال إلى حال إلى أن ملك البلاد ، وأنه كان فقيرًا مقعدًا ضعيفًا يستعطي الناس ويستطعمهم ، ثم آل به الحال إلى ما آل

وأنه سار إلى بلاد بيت المقدس ، فقتل بها خلقًا كثيرًا من بني إسرائيل .

وقد روى ابن جرير في هذا المكان حديثًا أسنده عن حذيفة مرفوعًا مطولا ، وهو حديث موضوع لا محالة

لا يستريب في ذلك من عنده أدنى معرفة بالحديث ! والعجب كل العجب كيف راج عليه مع إمامته وجلالة قدره !

وقد صرح شيخنا الحافظ العلامة أبو الحجاج المزي رحمه الله بأنه موضوع مكذوب ،

وكتب ذلك على حاشية الكتاب .

وقد وردت في هذا آثار كثيرة إسرائيلية لم أر تطويل الكتاب بذكرها ؛ لأن منها ما هو موضوع من وضع بعض زنادقتهم ، ومنها ما قد يحتمل أن يكون صحيحًا

ونحن في غُنْيَة عنها ، ولله الحمد ، وفيما قص الله تعالى علينا في كتابه غنية عما سواه من بقية الكتب قبله ، ولم يحوجنا الله ولا رسوله إليهم

وقد أخبر الله تعالى أنهم لما بغوا وطغوا سلط الله عليهم عدوهم ، فاستباح بَيْضَتَهم ، وسلك خلال بيوتهم ، وأذلهم ، وقهرهم ، جزاء وفاقًا ، وما ربك بظلام للعبيد ؛ فإنهم كانوا قد تمردوا وقتلوا خلقا من الأنبياء والعلماء .

وقد روى ابن جرير : حدثني يونس بن عبد الأعلى أخبرنا ابن وهب أخبرني سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد

قال : سمعت سعيد بن المسيب يقول : ظهر " بُختنَصَّر " على الشام ، فخرب بيت المقدس وقتلهم ، ثم أتى دمشق فوجد بها دمًا يغلي على كِبًا ، فسألهم : ما هذا الدم ؟

فقالوا : أدركنا آباءنا على هذا ، وكلما ظهر عليه الكبا ظهر ، قال : فقتل على ذلك الدم سبعين ألفًا من المسلمين وغيرهم ، فسكن .

وهذا صحيح إلى سعيد بن المسيب ، وهذا هو المشهور ، وأنه قتل أشرافهم وعلماءهم ، حتى إنه لم يبق من يحفظ التوراة ، وأخذ معه خلقًا منهم أسرى من أبناء الأنبياء وغيرهم

وجرت أمور وكوائن يطول ذكرها ، ولو وجدنا ما هو صحيح أو ما يقاربه : لجاز كتابته وروايته ، والله أعلم .

" تفسير ابن كثير " ( 5 / 47 ، 48 ) .

نعم ، هذا الذي نعتقد أنه الصواب والقرآن الكريم كتاب هداية ، ولو كان في ذِكر حادثتي الإفساد فائدة لعيَّنهما رب العالمين

وإنما القصد الاعتبار ، وما يدل على عدم اعتبار التعيين ما قاله الله تعالى مهدداً لهم بقوله ( وَإِنْ عُدتمْ عُدْنَا ) ، ويمكن هنا جعل ما حصل لليهود على يد " هتلر " داخلاً تحت هذا التهديد والوعيد .

قال الشيخ صاح الفوزان – حفظه الله - :

هذا وعيد من الله ، كما أنه عاقبهم على المرتين الأوليين ، فهو كذلك سيعاقبهم كلما أفسدوا في الأرض ، إلى آخر الدنيا ، وهذا واقع ومشاهد

: أن اليهود ما زالوا يسلط عليهم الجبابرة ويسلط عليهم عدوهم كلما حصل منهم علو في الأرض وإفساد في الأرض ، وهذه عقوبة من الله سبحانه وتعالى لهذا الشعب الذي يفسد في الأرض وينشر الفساد فيها ويتكبر على العباد .

" مجموع فتاى الشيخ صالح الفوزان " ( 1 / 156 9 ) .

فالعبرة في ذكر ما حصل من بني إسرائيل وما عاقبهم الله تعالى به : تقرير أن الإفساد في الأرض والتكبّر على الحق والتجبّر على الناس وقهرهم :

ستكون عواقبه وخيمة على أصحابه وعلى بلادهم ، وأن التزام شرع الله تعالى وإقامة العدل سيكون له أثره الحسن على أصحابه وعلى بلادهم .

وثمة فرق كبير بين يشتغل بتعيين حوادث إفساد اليهود قديماً وحديثاً من أجل الحكاية والسرد التاريخي ، وبين من يفعل ذلك مع ذِكر سبب الإفساد والعبرة من ذلك

ومن هؤلاء شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه فهو وإن عيَّن الحادثتين بأن الأولى بعد سليمان عليه السلام والثانية بعد يحي وزكريا والمسيح

لكنه لا يذكر ذلك اشتغالا بالسرد التاريخي بل من أجل العبرة والعظة ، ومن ذلك قوله رحمه الله :

فهذا الاستقراء والتتبع يبين أن نصر الله وإظهاره هو بسبب اتباع النبي ، وأنه سبحانه يريد إعلاء كلمته ونصره ونصر أتباعه على من خالفه ، وأن يجعل لهم السعادة

ولمن خالفهم الشقاء ، وهذا يوجب العلم بنبوته ، وأن من اتبعه كان سعيداً ، ومن خالفه كان شقيّاً ، ومن هذا ظهور " بخت نصر " على بني إسرائيل ، فإنه من دلائل نبوة موسى ، إذ كان ظهور " بخت نصر "

إنما كان لما غيَّروا عهود موسى وتركوا اتباعه ، فعوقبوا بذلك ، وكانوا إذ كانوا متبعين لعهود موسى منصورين مؤيدين كما كانوا في زمن داود وسليمان وغيرهما

قال تعالى (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً ... ) .

"الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح" ( 6 / 416 ) .

ثالثاً:

وثمة أشياء تستحق التنبيه عليها جاءت في سؤال الأخ الفاضل ، ومنها :

1. قلتَ " وإن القرآن فيه كل شيء حتى حركاتنا وكلامنا " ، نقول : هذا غير صحيح ، وإنما ذلك " اللوح المحفوظ " لا القرآن الكريم .

وأما قوله تعالى : ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى ) النحل/89

فقد قال الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله في تفسيرها :

"يَقُولُ: نَزَّلَ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ هَذَا الْقُرْآنَ بَيَانًا لِكُلِّ مَا بِالنَّاسِ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ مِنْ مَعْرِفَةِ الْحَلاَلِ وَالْحَرَامِ ، وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَهُدًى مِنَ الضَّلاَلَةِ وَرَحْمَةً لِمَنْ صَدَّقَ بِهِ، وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ وَأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ

فَأَحَلَّ حَلاَلَهُ وَحَرَّمَ حَرَامَهُ . وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ يَقُولُ: وَبِشَارَةً لِمَنْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَخَضَعَ لَهُ بِالتَّوْحِيدِ، وَأَذْعَنَ لَهُ بِالطَّاعَةِ، يُبَشِّرُهُ بِجَزِيلِ ثَوَابِهِ فِي الآخِرَةِ، وَعَظِيمِ كَرَامَتِهِ "

انتهى من "تفسير الطبري" (14/333) .

2. قلتَ " فـ " إذا " هنا تدل على المستقبل أي : أنه لم يحدث الوعد الأول لبني إسرائيل لا قبل عهد الرسول ولا أثناء عهد الرسول ، وإنه سيحدث فيما بعد "

ونقول : هذا غير صحيح ؛ لأن هذا ليس خبرا مبتدأ في القرآن ، وإنما هو حكاية لخبر موجود في الكتاب السابق ـ " التوراة "

وهو المقصود بقوله تعالى ( فِي الكِتَابِ ) والقضاء في الآية هو بمعنى الوحي بما يكون في علم الله تعالى من إفسادهم

فالإفساد من بني إسرائيل المُخبَر عنه سيقع بعد زمان موسى عليه السلام ، يعني بعد الزمان الذي ورد فيه هذا الإخبار أول مرة ، وليس يعني بالضرورة وقوعه بعد عهد النبي صلى الله عليه وسلم

وحتى على القول الآخر وهو أن المقصود بالكتاب " اللوح المحفوظ " فإن قوله تعالى ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاَهُمَا ) لا يساعد على أنه لن يكون إلا بعد عهد الرسول صلى الله عليه وسلم .

3. قلتَ " ثم إن القرآن جاء بالعموم في الآية ، ولم يذكر " جالوت " في الآية " ، ونقول : القرآن جاء بالعموم في الآية ، ولم يذكر " هتلر " ولا غيره ! مع التنبيه إلى أن هذه الصيغة ليست من صيغ العموم ، كما ظن السائل

وإنما أجبناه على سبيل التنزل ـ أي : الافتراض ـ وإنما يقال هنا : الخبر مجمل ، لم يبين فيه المقصود بذلك على وجه التحديد

؛ وحينئذ ، لم يجز لأحد أن يعين ذلك المجمل إلا ببيان تقوم به الحجة ، وينقطع به العذر .

والله أعلم

*عبدالرحمن*
2019-03-06, 17:08
ما المقصود بالفحشاء والمنكر في قوله تعالى : ( إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ) ؟

السؤال

أود أن أسأل عن تفسير قوله تعالى: ( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر ) و ما المقصود بالفحشاء و المنكر ؟

و هل صحيح أن الفحشاء هو الزنا و المنكر هو الخمر ؟

الجواب

الحمد لله

أولا :

يقول الله عز وجل : ( اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ) العنكبوت/45

وروى ابن أبي شيبة (13 / 298) بسند حسن عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مسْعُود رضِي اللهُ عَنْه قَالَ :

" لاَ تَنْفَعُ الصَّلاَةُ إِلاَّ مَنْ أَطَاعَهَا " ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللهِ : ( إنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ )

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

" نَفْسُ فِعْلِ الطَّاعَاتِ يَتَضَمَّنُ تَرْكَ الْمَعَاصِي ، وَنَفْسُ تَرْكِ الْمَعَاصِي يَتَضَمَّنُ فِعْلَ الطَّاعَاتِ وَلِهَذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ

فَالصَّلَاةُ تَضَمَّنَتْ شَيْئَيْنِ : أَحَدُهُمَا نَهْيُهَا عَنْ الذُّنُوبِ . والثَّانِي تَضَمُّنُهَا ذِكْرِ اللَّهِ " انتهى .

"مجموع الفتاوى" (10 / 753)

قال ابن عاشور رحمه الله :

" الصلاة تشتمل على مذكرات بالله من أقوال وأفعال من شأنها أن تكون للمصلي كالواعظ المذكر بالله تعالى ؛ إذ ينهى سامعه عن ارتكاب ما لا يرضي الله . وهذا كما يقال : صديقك مرآة ترى فيها عيوبك .

ففي الصلاة من الأقوال تكبير لله وتحميده وتسبيحه والتوجه إليه بالدعاء والاستغفار

وقراءة فاتحة الكتاب المشتملة على التحميد والثناء على الله والاعتراف بالعبودية له وطلب الإعانة والهداية منه واجتناب ما يغضبه وما هو ضلال ، وكلها تذكر بالتعرض إلى مرضاة الله

والإقلاع عن عصيانه وما يفضي إلى غضبه ، فذلك صد عن الفحشاء والمنكر .

وفي الصلاة أفعال هي خضوع وتذلل لله تعالى من قيام وركوع وسجود ، وذلك يذكر بلزوم اجتلاب مرضاته ، والتباعد عن سخطه . وكل ذلك مما يصد عن الفحشاء والمنكر .

وفي الصلاة أعمال قلبية من نية واستعداد للوقوف بين يدي الله ، وذلك يذكر بأن المعبود جدير بأن تمتثل أوامره ، وتجتنب نواهيه .

فكانت الصلاة بمجموعها كالواعظ الناهي عن الفحشاء والمنكر ، فإن الله قال ( تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ) ولم يقل تصد وتحول ونحو ذلك مما يقتضي صرف المصلي عن الفحشاء والمنكر .

ثم الناس في الانتهاء متفاوتون ، وهذا المعنى من النهي عن الفحشاء والمنكر هو من حكمة جعل الصلوات موزعة على أوقات من النهار والليل

ليتجدد التذكير وتتعاقب المواعظ . وبمقدار تكرر ذلك تزداد خواطر التقوى في النفوس ، وتتباعد النفس من العصيان حتى تصير التقوى ملكة لها .

ووراء ذلك خاصية إلهية جعلها الله في الصلاة ، يكون بها تيسير الانتهاء عن الفحشاء والمنكر.

روى أحمد وابن حبان والبيهقي عن أبي هريرة قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن فلانا يصلي بالليل فإذا أصبح سرق ، فقال : ( سينهاه ما تقول ) أي صلاته بالليل .

واعلم أن التعريف في قوله ( الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ) تعريف الجنس ، فكلما تذكر المصلي عند صلاته عظمة ربه ووجوب طاعته

وذكر ما قد يفعله من الفحشاء والمنكر ، كانت صلاته حينئذ قد نهته عن بعض أفراد الفحشاء والمنكر "

انتهى ."التحرير والتنوير" (20 / 178-179)

وقال السعدي رحمه الله :

" وجه كون الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ، أن العبد المقيم لها ، المتمم لأركانها وشروطها وخشوعها ، يستنير قلبه ، ويتطهر فؤاده ، ويزداد إيمانه

وتقوى رغبته في الخير ، وتقل أو تعدم رغبته في الشر ، فبالضرورة مداومتها والمحافظة عليها على هذا الوجه تنهى عن الفحشاء والمنكر ، فهذا من أعظم مقاصدها وثمراتها " انتهى .

"تفسير السعدي" (ص 632)

ثانيا :

المقصود بالفحشاء : كل فحش من القول أو الفعل ، وهو كل ذنب استفحشته الشرائع والفطر .

والمنكر : كل مستقبح غير معروف ولا مرضي .

قال ابن العربي رحمه الله :

" قِيلَ : الْفَحْشَاءُ الْمَعَاصِي ، وَهُوَ أَقَلُّ الدَّرَجَاتِ ، فَمَنْ لَمْ تَنْهَهُ صَلَاتُهُ عَنْ الْمَعَاصِي وَلَمْ

تَتَمَرَّنْ جَوَارِحُهُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، حَتَّى يَأْنَسَ بِالصَّلَاةِ وَأَفْعَالِهَا أُنْسًا يَبْعُدُ بِهِ عَنْ اقْتِرَافِ الْخَطَايَا ، وَإِلَّا فَهِيَ قَاصِرَةٌ .
والْمُنْكَرُ : هُوَ كُلُّ مَا أَنْكَرَهُ الشَّرْعُ وَغَيْرُهُ، وَنَهَى عَنْهُ " انتهى .

"أحكام القرآن" (3 / 439-440)

وينظر : "تفسير القرطبي" (10 / 167) .

وقال ابن عاشور رحمه الله :

" الفحشاء : اسم للفاحشة ، والفحش : تجاوز الحد المقبول . فالمراد من الفاحشة : الفعلة المتجاوزة ما يقبل بين الناس . والمقصود هنا من الفاحشة : تجاوز الحد المأذون فيه شرعا من القول والفعل ، وبالمنكر :

ما ينكره ولا يرضى بوقوعه .

وكأن الجمع بين الفاحشة والمنكر منظور فيه إلى اختلاف جهة ذمه والنهي عنه " انتهى .

"التحرير والتنوير" (20 /179)

ثالثا :

تفسير من فسر " الفحشاء " بالزنا ، و " المنكر " بالخمر : ليس خارجا عما ذكرناه سابقا ، وإنما هو من باب تفسير اللفظ العام بأحد أفراده

كما قيل في تفسير " الجبت " بأنه الشيطان ، وقيل : الشرك ، وقيل : الأصنام ، وقيل : الكاهن ، وقيل : الساحر . وقيل غير ذلك .

والجبت يشمل ذلك كله .

راجع : "تفسير ابن كثير" (2 / 334)

ولا شك أن الزنا من الفحشاء ، بل هو من أفحش الفواحش .

ولا ريب ـ أيضا ـ أن الخمر من المنكر ، وهي أم الخبائث ، ومن أنكر المنكر .

لكن ليست الفحشاء مقصورة على الزنا ، وليس المنكر مقصورا على شرب الخمر ، كما سبق بيانه .

والله تعالى أعلم .

راجع جواب السؤال القادم

*عبدالرحمن*
2019-03-06, 17:12
من هو الذي تنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر ؟

السؤال

في القرآن الكريم نجد الآية الكريمة : ( إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ) العنكبوت/45، بينما أجد الكثير من المصلين من يملك أسوأ الأخلاق , نجده مرتشيا

وحراميا، ولصا ، وكذابا ، وكل شيء من هذا القبيل , فاستغربت لهذا . أود منكم الإيضاح .

الجواب

الحمد لله

لا نجد داعيا لاستغرابك أخي السائل ، فالصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر هي الصلاة الحقيقية التي يقبل صاحبها إليها بقلبه وروحه ونفسه ، يتذلل بها بين يدي الله

إظهارا للعبودية واعترافا بالفقر بين يديه ، وهو في ذلك راغب فيما عنده عز وجل ، صادق التوبة والإنابة ، مخلص السريرة له سبحانه .

فمن لم تقم في قلبه هذه المعاني حين يقف بين يدي الله للصلاة

لم تثمر صلاته الثمار الحقيقية المرجوة ، التي من أهمها التذكير بالله والنهي عن الفحشاء والمنكر ، ولم يكتب له من أجرها إلا بقدر ما حققه من معانيها ومقاصدها .

يقول الله عز وجل فيها : ( اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ) العنكبوت/45

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال :

( قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! إِنَّ فُلَانَةَ - يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا - غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا ؟ قَالَ : هِيَ فِي النَّارِ .

قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! فَإِنَّ فُلَانَةَ - يُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا وَصَلَاتِهَا - وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالْأَثْوَارِ مِنْ الْأَقِطِ وَلَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا ؟ قَالَ : هِيَ فِي الْجَنَّةِ )

رواه أحمد في "المسند" (2/440) وصححه المنذري في "الترغيب والترهيب" (3/321) ، والشيخ الألباني في "السلسلة الصحيحة" (رقم/190)

قال الإمام القرطبي رحمه الله :

" في الآية تأويل ثالث ، وهو الذي ارتضاه المحققون ، وقال به المشيخة الصوفية ، وذكره المفسرون ، فقيل المراد بـ ( أقم الصلاة ) : إدامتها ، والقيام بحدودها .

ثم أخبر حكما منه بأن الصلاة تنهى صاحبها وممتثلها عن الفحشاء والمنكر ، وذلك لما فيها من تلاوة القرآن المشتمل على الموعظة

والصلاة تشغل كل بدن المصلي ، فإذا دخل المصلي في محرابه ، وخشع ، وأخبت لربه ، وادكر أنه واقف بين يديه ، وأنه مطلع عليه ويراه : صلحت لذلك نفسه

وتذللت ، وخامرها ارتقاب الله تعالى ، وظهرت على جوارحه هيبتها ، ولم يكد يفتر من ذلك حتى تظله صلاة أخرى يرجع بها إلى أفضل حالة .

فهذا معنى هذه الأخبار ؛ لأن صلاة المؤمن هكذا ينبغي أن تكون .

قلت – أي القرطبي - : لا سيما وإن أشعر نفسه أن هذا ربما يكون آخر عمله ، وهذا أبلغ في المقصود ، وأتم في المراد ، فإن الموت ليس له سن محدود ، ولا زمن مخصوص ، ولا مرض معلوم ، وهذا مما لا خلاف فيه .

وروي عن بعض السلف أنه كان إذا قام إلى الصلاة ارتعد واصفر لونه ، فكُلم في ذلك فقال : إني واقف بين يدي الله تعالى ، وحق لي هذا مع ملوك الدنيا ، فكيف مع ملك الملوك ؟!

فهذه صلاة تنهى - ولا بد - عن الفحشاء والمنكر .

ومن كانت صلاته دائرة حول الإجزاء ، لا خشوع فيها ، ولا تذكر ، ولا فضائل – كصلاتنا ، وليتها تجزي - فتلك تترك صاحبها من منزلته حيث كان

فإن كان على طريقة معاص تبعده من الله تعالى : تركته الصلاة يتمادى على بعده

وعلى هذا يخرج الحديث المروي عن ابن مسعود وابن عباس والحسن والأعمش قولهم : ( من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم تزده من الله إلا بعدا ) " انتهى.

" الجامع لأحكام القرآن " (13/348) .

والحديث المشار إليه في آخر كلامه : ضعفه الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة ، رقم (2) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

" الصلاة إذا أتى بها كما أمر نهته عن الفحشاء والمنكر ، وإذا لم تنهه : دل على تضييعه لحقوقها وإن كان مطيعاً

وقد قال تعالى : ( فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة ) مريم/59

وإضاعتها : التفريط في واجباتها وإن كان يصليها " انتهى.

" مجموع الفتاوى " (22/6)

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :

" فإن قال قائل : كيف تكون الصلاة عوناً للإنسان ؟

فالجواب : تكون عوناً إذا أتى بها على وجه كامل ، وهي التي يكون فيها حضور القلب ، والقيام بما يجب فيها .

أما صلاة غالب الناس اليوم فهي صلاة جوارح لا صلاة قلب ؛ ولهذا تجد الإنسان من حين أن يكبِّر ينفتح عليه أبواب واسعة عظيمة من الهواجس التي لا فائدة منها ؛ ولذلك من حين أن يسلِّم تنجلي عنه وتذهب .

لكن الصلاة الحقيقية التي يشعر الإنسان فيها أنه قائم بين يدي الله ، وأنها روضة فيها من كل ثمرات العبادة : لا بد أن يَسلوَ بها عن كل همّ

لأنه اتصل بالله عزّ وجلّ الذي هو محبوبه ، وأحب شيء إليه ؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( جعلت قرة عيني في الصلاة ).

أما الإنسان الذي يصلي ليتسلى بها ، لكن قلبه مشغول بغيرها : فهذا لا تكون الصلاة عوناً له ؛ لأنها صلاة ناقصة ؛ فيفوت من آثارها بقدر ما نقص فيها

كما قال الله تعالى : ( اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ) العنكبوت/45، وكثير من الناس يدخل في الصلاة ويخرج منها لا يجد أن قلبه تغير من حيث الفحشا

والمنكر ، هو على ما هو عليه، ؛ لا لانَ قلبه لذكر ، ولا تحول إلى محبة العبادة" انتهى.

" تفسير سورة البقرة " ( 1 / 164 ، 165 ) .

وينظر : " اللقاء الشهري " ، للشيخ ابن عثيمين رحمه الله (1/سؤال رقم/17) .

ويقول الشيخ صالح الفوزان حفظه الله :

" للصلاة الصحيحة تأثير في سلوك العبد وأعماله الأخرى ، قال تعالى : ( وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ) العنكبوت/45.

فالذي يصلي بحضور قلبه وخشوع واستحضار لعظمة الله ؛ هذا يخرج بصلاة مفيدة نافعة ، تنهاه عن الفحشاء والمنكر ، ويحصل بها على الفلاح .

أما الذي يصلي صلاة صورية ؛ من غير حضور قلب ، ومن غير خشوع ، قلبه في واد وجسمه في واد آخر ؛ فهذا لا يحصل من صلاته على طائل " انتهى.

" المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان " ( 3 / 53 ، 54 ) .

وينظر : فتاوى اللجنة الدائمة (26/86) .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-03-06, 17:16
من هم أصحاب الأعراف ؟

وما مصيرهم في آخر الأمر ؟

السؤال

سمعت أن هناك مكاناً يقع ما بين الجنة والنار ، أصحيح ذلك ؟

الجواب

الحمد لله

نعم ، هناك مكان بين الجنة والنار يسمَّى " الأعراف " ،

وهو سور عالٍ يطلِّع منه أصحابه على أهل الجنة وعلى أهل النَّار ، ثم يُدخلهم ربهم عز وجل في آخر المطاف جنَّته ولا يدخلون النار ، وأرجح الأقوال فيهم أنهم أقوام استوت حسناتهم وسيئاتهم .

قال تعالى : ( وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ . وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاء أَصْحَابِ النَّارِ قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ .

وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُواْ مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ . أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ) الأعراف/ 46 – 49 .

قال ابن القيم – رحمه الله - :

فقوله تعالى ( وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ ) أي : بين أهل الجنة والنار حجاب ، قيل : هو السور الذي يُضرب بينهم ، له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبَله العذاب

باطنه الذي يلي المؤمنين فيه الرحمة ، وظاهره الذي يلي الكفار من جهتهم العذاب .

والأعراف : جمع عَرف ، وهو المكان المرتفع ، وهو سور عال بين الجنة والنار عليه أهل الأعراف .

قال حذيفة وعبد الله بن عباس : هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة ، وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار ، فوقفوا هناك حتى يقضي الله فيهم ما يشاء ثم يدخلهم الجنة بفضل رحمته .

عن ابن مسعود قال : ... " ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف فوقفوا على الصراط ثم عرَفوا أهل الجنة وأهل النار ، فإذا نظروا إلى أهل الجنة نادوا ( سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ )

وإذا صرفوا أبصارهم إلى أصحاب النار ( قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) فأما أصحاب الحسنات فإنهم يُعطون نوراً يمشون به بين أيديهم وبأيمانهم

ويُعطى كل عبد يومئذ نوراً فإذا أتوا على الصراط سلب الله تعالى نور كل منافق ومنافقة ، فلما رأى أهل الجنة ما لقي المنافقون ( قَالُوا رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا ) .

وأما أصحاب الأعراف : فإن النور لم ينزع من أيديهم فيقول الله ( لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ) فكان الطمع للنور الذي في أيديهم ، ثم أدخلوا الجنة ، وكانوا آخر أهل الجنة دخولاً "
.
يريد : آخر أهل الجنة دخولاً ، ممن لم يدخل النار .

وقيل : هم قوم خرجوا في الغزو بغير إذن آبائهم ، فقتلوا ، فأعتقوا من النار لقتلهم في سبيل الله ، وحبسوا عن الجنة لمعصية آبائهم ، وهذا من جنس القول الأول .

وقيل : هم قوم رضي عنهم أحدُ الأبوين دون الآخر يحبسون على الأعراف حتى يقضي الله بين الناس ثم يدخلهم الجنة ، وهي من جنس ما قبله فلا تناقض بينهما .

وقيل : هم أصحاب الفترة وأطفال المشركين .

وقيل : هم أولو الفضل من المؤمنين علوا على الأعراف فيطلعون على أهل النار وأهل الجنة جميعاً .

وقيل : هم الملائكة لا من بني آدم .

والثابت عن الصحابة هو القول الأول ، وقد رويت فيه آثار كثيرة مرفوعة لا تكاد تثبت أسانيدها ، وآثار الصحابة في ذلك المعتمدة .

وقد اختلف في تفسير الصحابي هل له حكم المرفوع أو الموقوف على قولين ، الأول : اختيار أبي عبد الله الحاكم ، والثاني : هو الصواب ، ولا نقول على رسول الله ما لم نعلم أنه قاله .

ثم يقال لأهل الأعراف ( ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ) .

" طريق الهجرتين " ( ص 564 – 567 ) باختصار .

والقول بأنهم ملائكة هو قول أبي مِجلَز لاحق بن حُمَيد ، وهو بعيد عن الصواب .

قال السيوطي – رحمه الله – وقد نقل القول عنه رحمه الله - :

قال الحليمي في " المنهاج " ثم القونوي في " مختصره " :

وقد قيل : " إن أصحاب الأعراف ملائكة يحبون أهل الجنة ويبكّتون أهل النار " ، وهو بعيد لوجهين :

أحدهما : قوله تعالى ( وَعَلى الأَعرافِ رِجالٌ ) والرجال : الذكور العقلاء ، والملائكة لا ينقسمون إلى ذكور وإناث
.
والثاني : إخباره تعالى عنهم وأنهم يطمعون أن يدخلوا الجنة ، والملائكة غير محجوبين عنها ، كيف والحيلولة بين الطامع وطمعه تعذيب له ، ولا عذاب يومئذ على ملك .انتهى .

نقله السيوطي في " الحبائك في أخبار الملائك " ( ص 88 ) .

ولينظر جواب السؤال القادم ففيه مزيد فائدة .

والله أعلم
.

*عبدالرحمن*
2019-03-06, 17:21
من رجحت حسناته على سيئاته دخل الجنة وسلم من العذاب

السؤال

أود أن أعرف ماذا يحدث للمسلم بعد وزن جميع أعماله على الميزان

هل يذهب للجنة إذا زادت حسناته عن سيئاته ؟

أم يذهب للنار أولا لكى يتطهر من السيئات التى اقترفها ؟

الجواب

الحمد لله

أولا :

مما يجب الإيمان به من أمور الآخرة : الميزان الذي يوزن به أعمال العباد

كما قال سبحانه : ( وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ) الأنبياء/47

قال الطحاوي رحمه الله في عقيدته المشهورة : " وَنُؤْمِنُ بِالْبَعْثِ وَجَزَاءِ الْأَعْمَالِ يَوْمَ الْقِيَامَة ، وَالْعَرْضِ وَالْحِسَابِ ، وَقِرَاءَة الْكِتَابِ ، وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ ، وَالصِّرَاطِ وَالْمِيزَانِ " انتهى .

والميزان يكون بعد الحساب ، وقبل الصراط :

قال القرطبي رحمه الله :

" قال العلماء : و إذا انقضى الحساب كان بعده وزن الأعمال

لأن الوزن للجزاء فينبغي أن يكون بعد المحاسبة ، فإن المحاسبة لتقرير الأعمال والوزن لإظهار مقاديرها ليكون الجزاء بحسبها

قال الله تعالى ( ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا } الآية . و قال ( فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية وأما من خفت موازينه ) إلى آخر السورة "

انتهى من "التذكرة" ص (359).

ومع أنه ـ في الواقع ـ ليس ثمة نص يبين تلك الأعمال مرتبة ، وليس في ذلك إلا اجتهادات لبعض أهل العلم ؛ فإن الترتيب الذي ذكره القرطبي عن العلماء مناسب من حيث الزمن

لأن الله يحاسب الشخص على أعماله ويقرره بها ، ثم بعد ذلك ينصب له الميزان ليكون نتيجة لتلك المحاسبة ؛ ليُطْلِع الله العبد على مصداق تلك المحاسبة ظاهراً في ميزانه.

( انظر : الحياة الآخرة للعواجي 3/1169)

ثانيا :

إذا وزنت الأعمال ، كان الناس على ثلاثة أقسام :

الأول : من رجحت حسناته على سيئاته ، وهذا سعيد مفلح

كما قال تعالى : ( فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ) المؤمنون/102، 103

وقال : ( فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ ) القارعة/6-11

الثاني : من رجحت سيئاته على حسناته ، وهذا إن كان مسلما ، دخل النار ، فإذا هُذّب ونقي أخرج منها ودخل الجنة ، وإن كان كافرا بقي فيها خالدا مخلدا ، كما في آية سورة المؤمنون السابقة .

الثالث : من استوت حسناته وسيئاته ، وهذا من أصحاب الأعراف ، يكونون في مكان بين الجنة والنار ، يطلعون على هؤلاء وهؤلاء

كما قال سبحانه : ( وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا

وَهُمْ يَطْمَعُونَ وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) الأعراف/46 ، 47

ومصير أهل الأعراف دخول الجنة بعد ذلك .

قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره (2/289) :

" لما ذكر تعالى مخاطبة أهل الجنة مع أهل النار نبّه أن بين الجنة والنار حجاباً وهو الحاجز المانع من وصول أهل النار إلى الجنة .

.. قال ابن جرير : والأعراف جمع عرف ، وكل مرتفع من الأرض عند العرب يسمى عرفاً ، وإنما قيل لعرف الديك عرفاً لارتفاعه .

وفي رواية عن ابن عباس : الأعراف : تل بين الجنة والنار ، حبس عليه ناس من أهل الذنوب بين الجنة والنار ،

وفي رواية عنه هو سور بين الجنة والنار . وكذا قال الضحاك وغير واحد من علماء التفسير . وقال السدي : إنما سمي الأعراف أعرافاً لأن أصحابه يعرفون الناس .

واختلفت عبارات المفسرين في أصحاب الأعراف من هم ؟

وكلها قريبة ترجع إلى معنى واحد وهو أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم ، نص عليه حذيفة وابن عباس وابن مسعود وغير واحد من السلف والخلف رحمهم الله ..

. وقال ابن جرير : حدثني يعقوب حدثنا هشيم أخبرنا حصين عن الشعبي عن حذيفة أنه سئل عن أصحاب الأعراف فقال : هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فقعدت بهم سيئاتهم عن الجنة وخلّفت بهم حسناتهم عن النار ،

قال فوقفوا هناك على السور حتى يقضي الله فيهم ... " انتهى .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

"وَقَدْ يَفْعَلُ مَعَ سَيِّئَاتِهِ حَسَنَاتٍ تُوَازِيهَا وَتُقَابِلُهَا فَيَنْجُو بِذَلِكَ مِنْ النَّارِ وَلَا يَسْتَحِقُّ الْجَنَّةَ بَلْ يَكُونُ مِنْ أَصْحَابِ الْأَعْرَافِ . وَإِنْ كَانَ مَآلُهُمْ

إلَى الْجَنَّةِ فَلَيْسُوا مِمَّنْ أُزْلِفَتْ لَهُمْ الْجَنَّةُ أَيْ قُرِّبَتْ لَهُمْ إذْ كَانُوا لَمْ يَأْتُوا بِخَشْيَةِ اللَّهِ وَالْإِنَابَةِ إلَيْهِ "
.
انتهى من مجموع الفتاوى (16/177) .

وسئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :

" سمعت من شخص يقول: إن الأعراف سور بين الجنة والنار يمكثون فيه عدداً من السنين؟

فأجاب : الناس إذا كان يوم القيامة انقسموا إلى ثلاثة أقسام :

قسم ترجح حسناتهم على سيئاتهم ، فهؤلاء لا يعذبون ويدخلون الجنة ، وقسم آخر ترجح سيئاتهم على حسناتهم ، فهؤلاء مستحقون للعذاب بقدر سيئاتهم ثم ينجون إلى الجنة

وقسم ثالث سيئاتهم وحسناتهم سواء ، فهؤلاء هم أهل الأعراف ليسوا من أهل الجنة ، ولا من أهل النار ، بل هم في مكان برزخ عالٍ مرتفع يرون النار ويرون الجنة ، يبقون فيه ما شاء الله وفي النهاية يدخلون الجنة

وهذا من تمام عدل الله سبحانه وتعالى أن أعطى كل إنسان ما يستحق

فمن ترجّحت حسناته فهو من أهل الجنة ، ومن ترجحت سيئاته عذّب في النار إلى ما شاء الله

ومن كانت حسناته وسيئاته متساوية فهو من أهل الأعراف ، لكنها -أي الأعراف- ليست مستقراً دائماً ، وإنما المستقر: إما إلى الجنة ، وإما إلى النار ، جعلني الله وإياكم من أهل الجنة "

انتهى من "لقاء الباب المفتوح" (14/16).

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-03-06, 17:27
تفسير وصف الله عز وجل قوم عاد وثمود أنهم كانوا مستبصرين

السؤال

عندي إشكال عن قوم عاد ، فقد قال الله عنهم : ( وكانوا مستبصرين ) أي : عقلاء .

وقال عنهم سبحانه أنهم قالوا : ( من أشد منا قوة ) كيف كانوا عقلاء وقالوا : مَن أشد منا قوة ، أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة ؟

الجواب

الحمد لله

كلمة " مستبصرين " بمعنى " مبصرين "، والسين والتاء للتأكيد ، مثل : استجاب ، واستمسك ، واستكبر ، وهي كلمة تدل على حصول العلم والبيان لصاحبها

وقد نص علماء اللغة على أن " المستبصر " هو : من تبين ما يأتيه من خير وشر .

انظر: " مفردات ألفاظ القرآن " للراغب الأصفهاني (1/95)

" لسان العرب " لابن منظور (4/64)

وقد وصف الله عز وجل في كتابه الحكيم قوم عاد وثمود بأنهم كانوا " مستبصرين "

وذلك في قوله عز وجل : ( وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ) العنكبوت/38.

ولكن أهل العلم اختلفوا في تحديد وجه استبصارهم ، والأمور التي أثبت الله لهم عز وجل العلم بها والتبصر فيها ، وذلك إلى أربعة أقوال :

القول الأول : وهو الذي نص عليه أئمة المفسرين من الصحابة والتابعين ؛

أن معنى قوله عز وجل : (وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ) أي : كانوا على بصيرة في دينهم ، وعلى علم بعقيدتهم ، ولم يكونوا جاهلين بمذاهبهم ، بل كانوا معجبين بما هم عليه ، يحسبون أنهم على الحق والصواب .

يقول ابن عباس رضي الله عنه :

" قوله : ( فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ) يقول : كانوا مستبصرين في دينهم " انتهى.

ويقول مجاهد رحمه الله :

" ( وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ) في الضلالة " انتهى .

وقال قتادة رحمه الله :

" ( وكانُوا مسْتَبْصِرِينَ ) في ضلالتهم مُعْجَبين بها " انتهى.

وهذا القول هو ما فسر به الآية الإمام ابن جرير الطبري في " جامع البيان " (20/35)

وقد أسند آثار السلف السابقة – ثم قال :

" وكانوا مستبصرين في ضلالتهم ، مُعْجبين بها ، يحسبون أنهم على هدى وصواب ، وهم على الضلال " انتهى.

القول الثاني : ( وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ) أي : كانوا على علم أن ما هم عليه باطل ، وأن الحق مع الرسل والأنبياء ، وكانوا على بصيرة بأنهم على الضلالة ، ولكنهم استحبوا الضلالة على الهدى .

وهذا القول هو ترجيح الإمام القرطبي رحمه الله حيث يقول :

" فيه قولان :

أحدهما : وكانوا مستبصرين في الضلالة ، قاله مجاهد .

والثاني : كانوا مستبصرين قد عرفوا الحق من الباطل بظهور البراهين .

وهذا القول أشبه ، لأنه إنما يقال : " فلان مستبصر " إذا عرف الشيء على الحقيقة " انتهى.

" الجامع لأحكام القرآن " (13/344)

وهو القول الذي قرره العلامة ابن قيم الجوزية رحمه الله في أكثر من كتاب له .

قال رحمه الله :

" ردوا الهدى بعد ما تيقنوه وكانوا مستبصرين به ، قد ثَلِجَت له صدورهم ، واستيقنته أنفسهم ، فاختاروا عليه العمى والضلالة

كما قال تعالى في وصفهم : ( وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى )

وقال : ( وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً )

أي : موجبة لهم التبصُّرَ واليقين ، وإن كان جميع الأمم المهلكة هذا شأنهم ، فإن الله لم يهلك أمة إلا بعد قيام الحجة عليها ، لكن خصت ثمود من ذلك الهدى والبصيرة بمزيد

ولهذا لما قرنهم بقوم عاد قال : ( فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً )

ثم قال : ( وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى ) ولهذا أمكن عادا المكابرة وأن يقولوا لنبيهم ( مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ ) ولم يمكن ذلك ثمود وقد رأوا البينة عيانا

وصارت لهم بمنزلة رؤية الشمس والقمر ، فردوا الهدى بعد تيقنه والبصيرة التامة به " انتهى.

" التبيان في أقسام القرآن " (ص/39) ط عالم الفوائد .

القول الثالث : ( وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ) أي : في أمور الدنيا لا في أمور الدين ، فقد كانوا على علم بكثير من فنون العمارة والصناعة والزراعة وأنواع التجارة ، ولكنهم جاهلون في أمر آخرتهم.

قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله :

" الأظهر في قوله في هذه الآية : ( وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ )

أن استبصارهم المذكور هنا بالنسبة إلى الحياة الدنيا خاصة ; كما دل عليه قوله تعالى : ( يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون )

وقوله تعالى : ( وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير ) ، ونحو ذلك من الآيات " انتهى.

" أضواء البيان " (6/160)

القول الرابع : ( وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ )

أي : كانوا عقلاء ذوي خبرة وتجربة عقلية مستبصرة

ولكن عقولهم هذه لم ترشدهم إلى اتباع الحق والهدى ، نقل أهل العلم هذا القول عن الإمام الفراء ، وتابعه عليه بعض المفسرين .

قال الزمخشري رحمه الله :

" ( وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ ) عقلاء متمكنين من النظر والافتكار ، ولكنهم لم يفعلوا .

أو كانوا متبينين أن العذاب نازل بهم ؛ لأن الله تعالى قد بين لهم على ألسنة الرسل عليهم السلام ، ولكنهم لجوا حتى هلكوا " انتهى.

" الكشاف " (3/458)

ومثله في " أنوار التنزيل " للبيضاوي (ص/316)

والاستشكال الوارد في السؤال إنما يتوجه إذا قيل بالقول الرابع ، أما إن رجحنا أحد الأقوال الثلاثة الأولى فلا يرد الإشكال أصلا ، والذي نميل إليه هو الأخذ بالقول الأول

المستند إلى آثار الصحابة والتابعين رحمهم الله ، فهم أولى بالاتباع والاقتداء وتفسير القرآن على وجهه الذي أنزله الله عز وجل .

والله أعلم .

*عبدالرحمن*
2019-03-06, 17:35
كيف نفهم معنى كون الحرم آمناً لمن دخله مع وجود ما حصل فيه من قتل وإيذاء ؟

السؤال

هناك عدة آيات في القرآن تتحدث عن أمن مكة ، كالآية التي تقول بأن مكة هي البلد الأمين ، ولا أتذكر ما إذا كان هناك حديث أو آية قرآنية أيضاً تقول بأن من دخل مكة كان آمناً ، وقيل أيضا في أحد الأحاديث بأن الدجا

لن يتمكن من دخول مكة ، وبأن الملائكة تحرس طرق الدخول للمدينة ، ولهذا فبوجه عام يمكنني الفهم بأن المقصود بأمن مكة هو الأمن المادي الذي يكفله الله سبحانه وتعالى

لكني مع هذا أشعر بأنه يمكن أن يكون استنتاجا خاطئا ، لأنه حدث في الماضي قتال داخل مكة ، وقد روي عن قتل مسلمين داخل الكعبة المشرفة .

ولهذا فإن السؤال هو : هل " الأمن " المذكور في القرآن والسنَّة يعنى : تحريم القتل داخل المنطقة الحرام وليس وعداً بأمن مادي ؟

. وأنا - والحمد لله - أبعد ما أكون عن الشك في مصداقية وعود الله - والعياذ بالله

- لكني فقط غير متأكد من الفهم الصحيح للمعنى .

الجواب

الحمد لله

أولاً:

ما ذكرتَه أخي السائل في مقدمة سؤالك قد جاء النص عليه في الكتاب والسنَّة الصحيحة ، وإليكه بترتيبك :
1.

قال تعالى ( وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ . وَطُورِ سِينِينَ . وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ ) التين/ 1 – 3 .

قال البيضاوي – رحمه الله - :

( وهذا البلد الأمين ) أي : الآمن ، من أمُن الرجل أمانة فهو أمين ، أو المأمون فيه ، يأمن فيه من دخله ، والمراد به مكة .
" تفسير البيضاوى " ( 5 / 507 ) .

2. ( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ . فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ) آل عمران/ 96 ، 97 .

3. عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَيْسَ مِنْ بَلَدٍ إِلَّا سَيَطَؤُهُ الدَّجَّالُ إِلَّا مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ ؛ لَيْسَ لَهُ مِنْ نِقَابِهَا نَقْبٌ إِلَّا عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ صَافِّينَ يَحْرُسُونَهَا

ثُمَّ تَرْجُفُ الْمَدِينَةُ بِأَهْلِهَا ثَلَاثَ رَجَفَاتٍ ، فَيُخْرِجُ اللَّهُ كُلَّ كَافِرٍ وَمُنَافِقٍ ) .

رواه البخاري ( 1782 ) ومسلم ( 2943 ) .

النقاب : الطرق .

ثانياً:

الأمن الذي ذكره الله تعالى من خصائص بيته المحرَّم ، قد ذكر العلماء رحمهم الله له معاني كثيرة ، منها الضعيف ، ومنها القوي المقبول .

ومن أضعف الأقوال : قول من قال إن من دخل الحرم أمِن من عذاب الآخرة ! .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - :

ومَن ظن أنَّ مَن دخل الحرم كان آمناً من عذاب الآخرة مع ترك الفرائض من الصلاة وغيرها ومع ارتكاب المحارم :

فقد خالف إجماع المسلمين ، فقد دخل البيت من الكفار والمنافقين والفاسقين مَن هو مِن أهل النار بإجماع المسلمين
.
" مجموع الفتاوى " ( 18 / 344 ) .

وأشهر معاني " الأمن " المقبولة :

1. أن الأمن في الحرم في الجاهلية ، وهو الأمن على النفس للداخل فيه ، من القتل والإيذاء من الجبابرة ، وممن هو فيه من الناس ، كولِيِّ من قتله .

2. وأيضاً : الأمن على البيت الحرام أن يصيبه خسف أو هدم عقوبة من الله تعالى ، وهو ما امتنَّ الله تعالى به على أهل الحرم في الجاهلية .

قال تعالى : ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ) العنكبوت/ 67 .

قال الإمام الطبري - رحمه الله - :

يعني بقوله ( آمِناً ) : آمناً من الجبابرة وغيرهم ، أن يُسلَّطوا عليه ، ومِن عقوبة الله أن تناله كما تنال سائر البلدان ، من خسف ، وائتفاك ، وغرق ، وغير ذلك من سخط الله ومثلاته -

أي : عقوباته - التي تصيب سائر البلاد غيره .

" تفسير الطبري " ( 2 / 44 ، 45 ) .

والائتفاك : هو العذاب الشديد .

وقد ذكر ابن العربي المالكي رحمه الله في معنى " الأمن " أقوالاً ، القول الثاني منها : أن " من دخله كان آمناً من التشفي والانتقام ، كما كانت العرب تفعله فيمن أناب إليه من تركها لحقٍّ يكون لها عليه .

" أحكام القرآن " ( 1 / 69 ) .

وهو القول الذي رجحه ، قال :

والصحيح فيه : القول الثاني ، وهذا إخبار من الله تعالى عن منَّته على عباده

حيث قرر في قلوب العرب تعظيم هذا البيت ، وتأمين من لجأ إليه ; إجابة لدعوة إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين أنزل به أهله وولده ، فتوقع عليهم الاستطالة ، فدعا أن يكون آمنا لهم ، فاستجيب دعاؤه .

" أحكام القرآن " ( 1 / 69 ) .

ولمَّا كان الحرم آمناً جاءت أهلَه الثمرات من كل مكان ، رزقاً من رب العالمين ، واستجابة لدعاء إبراهيم عليه السلام .
قال تعالى : ( أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا ) القَصَص/ 57 .

3. أن الأمن المراد في الآية الثانية المذكورة سابقاً أنه خبر بمعنى الإنشاء ، والإنشاء هنا هو الأمر بتأمين من يدخل الحرم ، فليس خبراً مجرداً كما هو الحال في وصفه أيام الجاهلية

أو في آخر الزمان أنه يأمن فيه داخله من الدجال .

ولا أحد ينكر ما حصل في الحرم لبيته ولأهله ، من الهدم والقتل ، وحاشاه أن يكون خبراً مجرَّداً في الإسلام ، والواقع يشهد بعدم وجود أمان لمن دخله في أزمان عديدة .

وكلا المعنيين يحتمله قوله تعالى : ( وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا ) البقرة/ 125 .

قال الطاهر بن عاشور - رحمه الله - :

والمراد من " الجعل " في الآية : إما الجعل التكويني ؛ لأن ذلك قدَّره الله ، وأوجد أسبابه ، فاستقر ذلك بين أهل الجاهلية ، ويسَّرهم إلى تعظيمه .

وإما " الجعل " : أن أمر الله إبراهيم بذلك ، فأبلغه إبراهيم ابنَه إسماعيل ، وبثه في ذريته ، فتلقاه أعقابهم تلقي الأمور المسلَّمة

فدام ذلك الأمن في العصور والأجيال ، من عهد إبراهيم عليه السلام إلى أن أغنى الله عنه بما شرع من أحكام الأمن في الإسلام في كل مكان ، وتم مراد الله تعالى .

فلا يريبكم ما حدث في المسجد الحرام من الخوف ، في حصار " الحجَّاج " في فتنة " ابن الزبير " ، ولا ما حدث فيه من الرعب والقتل والنهب في زمن " القرامطة " حين غزاه الحسن ابن بهرام الجنابي

- نسبة إلى بلدة يقال لها جنَّابة ، بتشديد النون - كبير القرامطة ، إذ قتل بمكة آلافاً من الناس

وكان يقول لهم : " يا كلاب ، أليس قال لكم محمد المكي : ( وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ) آل عمران: من الآية 97

أيُّ أمنٍ هنا ؟! "

وهو جاهل غبي ؛ لأن الله أراد الأمر بأن يجعل المسجد الحرام مأمناً في مدة الجاهلية ، إذ لم يكن للناس وازع عن الظلم ، أو هو خبر مراد به الأمر مثل ( وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ) البقرة/ 228 .

" التحرير والتنوير " ( 1 / 690 ، 691 ) .

فتحصَّل لنا أن معنى " الأمن " في الحرم :

1. أن يكون خبراً مجرداً ، وله أحوال :

أ. أمن البيت في الجاهلية من الهدم والغرق والخسف .

ب. أمن أهله في الجاهلية من القتل من الجبابرة ، وأمن داخله من الناس ، فكان الرجل يرى قاتل والده ولا يمسه بسوء ولا يخيفه .

ج. أمن أهله في الإسلام من فتنة الدجال .

2. أن يكون خبراً بمعنى الإنشاء ، والمراد به : الأمر بتأمين من كان فيه من الناس داخله .

وانظر توسعّاً مفيداً في جواب السؤال القادم

ونرجو بما قلناه أن يكون قد زال عندك الإشكال في معنى " الأمن " في الحرم ، ونسأل الله أن يوفقنا وإياك لما يحب ويرضى .

والله أعلم

و اخيرا

الحمد لله الذي بفضلة تتم الصالحات

اخوة الاسلام

اكتفي بهذا القدر و لنا عوده
ان قدر الله لنا البقاء و اللقاء

و اسال الله ان يجمعني بكم دائما
علي خير

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين

*عبدالرحمن*
2019-03-07, 16:56
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)
اخوة الاسلام

أحييكم بتحية الإسلام
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
https://d.top4top.net/p_7927bchs1.gif (https://up.top4top.net/)


هل يمكن إلغاء فريضة الحج والعمرة بسبب انتشار مرض "انفلونزا الخنازير" ؟

السؤال

هل يمكن إلغاء فريضة الحج والعمرة بسبب انتشار مرض " انفلونزا الخنازير " ؟

وهل يعتبر ذلك طاعوناً ؟

وهل مكة والمدينة في مأمن من الأوبئة بحفظ الله أو يمكن انتقال العدوى في هذه الأماكن ؟

وهل قوله تعالى : ( ومن دخله كان آمناً ) يشمل أيضا الأوبئة ، أي : يكون آمناً من الأوبئة ؟ .

أفيدونا مأجورين ؛ لأني مقدم على العمرة خلال شهر .

الجواب

الحمد لله

أولاً:

لا ريب أن الأمراض والأوبئة الفتاكة التي من طبيعتها الانتشار بالعدوى : تقاس على مرض الطاعون ، من حيث أحكامه المتعلقة بما يسمَّى " الحجر الصحي " .

فعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه خَرَجَ إِلَى الشَّأْمِ حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْغَ لَقِيَهُ أُمَرَاءُ الأَجْنَادِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَأَصْحَابُهُ

فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِأَرْضِ الشَّأْمِ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَقَالَ عُمَرُ : ادْعُ لِي الْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ ... .

فجاء عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رضي الله عنه ، وَكَانَ مُتَغَيِّبًا فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ فَقَالَ

: إِنَّ عِنْدِي فِي هَذَا عِلْماً ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : (إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلاَ تَقْدَمُوا عَلَيْهِ ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلاَ تَخْرُجُوا فِرَاراً مِنْهُ) رواه البخاري (5397) ومسلم (2219) .

قال النووي رحمه الله :

وأما الطاعون : فهو قروح تخرج في الجسد ، فتكون في المرافق ، أو الآباط ، أو الأيدي ، أو الأصابع ، وسائر البدن , ويكون معه ورم ، وألَم شديد , وتخرج تلك القروح مع لهيب ، ويسودّ ما حواليه ، أو يخضر

أو يحمر حمرة بنفسجية ، كدرة ، ويحصل معه خفقان القلب ، والقيء , وأما الوباء : فقال الخليل وغيره : هو الطاعون ، وقال : هو كل مرض عام

, والصحيح الذي قاله المحققون : أنه مرض الكثيرين من الناس في جهة من الأرض ، دون سائر الجهات

, ويكون مخالفاً للمعتاد من أمراض في الكثرة ، وغيرها , ويكون مرضهم نوعاً واحداً ، بخلاف سائر الأوقات ؛ فإن أمراضهم فيها مختلفة ، قالوا

: وكل طاعون وباء ، وليس كل وباء طاعوناً , والوباء الذي وقع في الشام في زمن عمر كان طاعوناً , وهو طاعون " عمواس " , وهى قرية معروفة بالشام .

" شرح النووي " ( 14 / 204 ) .

وعليه : فكل مرض فتاك من شأنه الانتقال للآخرين بالعدوى التي يقدِّرها الله فيه : فإن له حكم الطاعون ؛ لأن الشريعة لا تفرِّق بين متماثلين .

ثانياً :

أخذ العلماء من الحديث السابق أنه لا يجوز القدوم على أرض بها وباء فتَّاك ينتقل بالعدوى , ولا الخروج من أرض وقع فيها ، كما هو ظاهر النص السابق .

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله :

وفِي هذا الحَدِيث جَوَاز رُجُوع مَن أَرَادَ دُخُول بَلدَة فَعَلِمَ أَنَّ بِهَا الطَّاعُون ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَيسَ مِن الطِّيَرَة ، وَإِنَّمَا هِيَ مِن مَنْع الإِلقَاء إِلَى التَّهْلُكَة ، أَو سَدّ الذَّرِيعَة ... .

وَفِي الحَدِيث أَيضاً : مَنْع مَنْ وَقَعَ الطَّاعُون بِبَلَدٍ هُوَ فِيها مِن الخُرُوج مِنهَا .

" فتح الباري " ( 10 / 186 ، 187 ) .

وقال ابن القيم رحمه الله :

"وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم للأمة في نهيه عن الدخول إلى الأرض التي هو بها , ونهيه عن الخروج منها بعد وقوعه : كمال التحرز منه

فإن في الدخول في الأرض التي هو بها تعرضاً للبلاء , وموافاة له في محل سلطانه , وإعانة للإنسان على نفسه , وهذا مخالف للشرع والعقل

بل تجنب الدخول إلى أرضه من باب الحمية التي أرشد الله سبحانه إليها ، وهي حمية عن الأمكنة ، والأهوية المؤذية" انتهى .

" زاد المعاد " ( 4 / 42 - 44 ) .

ثالثاً:

اختلف العلماء في المقصود بالأمن في قوله تعالى : ( وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ) آل عمران/97 على أقوال ، ومنها ما هو مقبول ، ومنها ما هو ضعيف لا يلتفت إليه .

أما الأقوال الضعيفة ، أو الباطلة في معنى الآية :

1. فمنها قول من قال : إن من دخله يأمن من عذاب النار في الآخرة ! .

2. وكقول من قال : إن من دخله يأمن من الموت على غير الإسلام ! .

3. وكقول من قال : إن المعنى : أن من دخل الحرم يأمن من الأمراض .

4. وكقول من قال : إن معنى الآية : الأمن من القتل .

لوجود كل ذلك في واقع الأمر ، كمن مات على الكفر ، والردة ، وكان قد دخل الحرم ، ولوجود المرض ، والوباء فيه ، وكذا حصول القتل فيه ، قديماً ، وحديثاً .

05 وقيل : إن ( مَن ) ها هنا لمن لا يعقل ، والآية في أمان الصيد .

وأما الأقوال المعتبرة في الآية :

1. أن معنى الآية : أن هذا الأمن على النفس من آيات الحرم ؛ لأن الناس كانوا يُتخطفون من حواليه ، ولا يصل إليه جبار ، فقصد الله تعالى بذلك تعديد النعم على كل مَن كان بها جاهلاً ، ولها منكراً من العرب

كما قال تعالى : ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ) العنكبوت/ 67 ، فكانوا في الجاهلية من دخله ولجأ إليه : أمِن من الغارة ، والقتل .

2. أنه أراد به : أن مَنْ دخله عام " عمرة القضاء " مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كان آمِناً

كما قال تعالى : ( لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ آمِنِينَ ) الفتح/ 27 .

3. أنها خبر بمعنى الأمر ، تقديره : " ومَن دخله : فأمِّنوه " ، كقوله تعالى : ( فلا رفثَ ولا فسوقَ ولا جدال في الحج ) البقرة/ 197 ، أي : لا ترفثوا ، ولا تفسقوا .

قال ابن القيم رحمه الله :

وهذا إما خبر بمعنى الأمر ؛ لاستحالة الخُلْفِ في خبره تعالى ، وإما خبرٌ عن شرعه ودينه الذي شرَعه في حرمه ، وإما إخبارٌ عن الأمرِ المعهود المستمِرِّ في حرمه في الجاهلية والإسلام

كما قال تعالى : ( أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ) العنكبوت/ 67

وقوله تعالى : ( وَقَالُواْ إن نَّتَّبِع