الركن المعنوي في الجرائم العمدية و غير العمدية - منتديات الجلفة لكل الجزائريين و العرب

العودة   منتديات الجلفة لكل الجزائريين و العرب > منتديات الجامعة و البحث العلمي > الحوار الأكاديمي والطلابي > قسم أرشيف منتديات الجامعة

قسم أرشيف منتديات الجامعة القسم مغلق بحيث يحوي مواضيع الاستفسارات و الطلبات المجاب عنها .....

 

في حال وجود أي مواضيع أو ردود مُخالفة من قبل الأعضاء، يُرجى الإبلاغ عنها فورًا باستخدام أيقونة تقرير عن مشاركة سيئة ( تقرير عن مشاركة سيئة )، و الموجودة أسفل كل مشاركة .

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 2011-04-16, 15:37   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
yacine414
عضو مميّز
 
إحصائية العضو









yacine414 غير متواجد حالياً


B10 الركن المعنوي في الجرائم العمدية و غير العمدية

مـقـدمة:

ركن الجـريمة جزء من ماهيتها ، و بانعـدامه تنعدم الجـريمة ، و لا يـبقى مبرر للعقـاب فالغرض من دراسة أركان الجريمة هو إثباتها ونسبتها إلى فاعل معين حتى يتحمل المسؤولية على سلوكه ، حيث لا يكفي الإلمام بالركن المادي لإسناد المسؤولية إلى شخص ما ، فالركن المادي يعبر عن جسد الجريمة ووجودها ، بينما الركن المعنوي على الناحية المعنوية للجريمة ، و بها تنسب الجريمة إلى الفاعل ما ليتحمل مسؤولية تلك الجريمة أو لا تنسب اليه ، وشتان بين من ارتكب الجريمة عن علم وقصد وإرادة ، وبين من فعل ذلك خطأ وليس من العدالة تحميلهما المسؤولية معا ، أو إعفائهما منهما معا .
و الذي يقدم على الركن المادي ، إما أن يكون قاصدا إلى ذلك أو لا يكون ، وقد فرقت التشريعات المختلفة بين العمد والخطأ ، فالعمد هو أخطر من الخطأ ، لأن القصد الجنائي هو الذي يكشف عن روح العدوان عند صاحبها ويبرز تماما معنى الإثم في هذا العدوان .
كما فصلت الشريعة الإسلامية بين الخطأ والعمد في القتل و الجروح و الجرائم المختلفة ووضعت تفاصيل و قواعد عامة ، فقد فرق القرآن بين القتل العمد الذي موجبه الاقتصاص من القاتل إذا لم يعف ولي المقتول ، أما القتل الخطأ فليس فيه قصاص وإنما عقوبة مالية وهي الدية بالإضافة الى الكفارة .
كما حللت التشريعات الجنائية الحديثة معنى العمد و الخطأ وفرقت بين الأمرين في موادها من خلال نصها على موانع المسؤولية بالنسبة للصغير و المكره وغيرهم ، مما يعبـر أن هـؤلاء



لا يتحملون المسؤولية لانعدام الإرادة و القصد لديهم ، بينما لا يعفى من المسؤولية من توافر لديه ولم يخرج قانون العقوبات الجزائري حين نص على موانع المسؤولية حيث أسقط المسؤولية على المجنون و القاصر و المكره و الذي يجمع هؤلاء هو إنعدام أساس المسؤولية ، وهو حرية الإختيار و الإرادة ، ومن جهة أخرى فإن قانون العقوبات الجزائري قد نص صراحتا على الجرائم العمدية ، حيث جعل القسم الأول للقتل و الجنايات الأخرى الرئيسية وأعمال العنف العمدية ، و جعل القسم الثالث للقتل الخطأ و الجرح الخطأ ، كما إستعمل كلمة العمد في عدة مواد منه ، واستعمل لفظ الخطأ صراحتا كما هو الشأن في القتل الخطأ ، و لفظ بغير قصد في عدة مواد كذلك وألفاظ معبرة عن صور الخطأ كالرعونة و الإهمال .....الخ.
ومن خلال قانون العقوبات الجزائري يتضح أن هناك تفريق بين الجرائم العمدية و الجرائم غير العمدية مما يستوجب طرح إشكالية التمييز بين الجرائم العمدية والجرائم غير العمدية وهذا بالاستناد الى الركن المعنوي . وعلى هذا الأساس قسمنا بحثنا إلى ثلاثة فصول و هي :
الفصل التمهيدي " مدخل الى القانون الجنـائي العـام "
الفصـل الأول " الركن المعنوي في الجرام العمدية "
الفصـل الثاني " الركن المعنوي في الجرائم غير العمدية "
وللإجابة على الإشكالية المطروحة سنقوم بتفصيل كل فصل على حدا.

الفصل التمهيدي
المبحث الأول: قانون العقوبات أهدافه وخصائصه
يختص قانون الجنائي العام بدراسة الشروط العامة للتجريم و القواعد العامة لتحديد العقوبات ويهتم بتصنيف الجرائم حسب خطورتها أو حسب مميزاتها الأساسية ويولي كل فئة منها بنظام قانوني معين ، كما يختص بتحديد الأركان ( الشرعي ، المادي و المعنوي ) التي لاتقوم الجريمة بدون إلتئامها و يحدد كذلك أحكام المسؤولية لا سيما أسباب إنعدامها سواء كانت موضوعية أو ذاتية ، و يهتم أيضا بدراسة الشروع المعاقب عليه و أيضا مسألة الإشتراك في الجريمة و كيف يتعرض للجزاء من لم يرتكب شخصيا الأفعال المجرم قانونا و إنما ساهم في إرتكابها فقط .
كما يختص قانون العقوبات بدراسة القواعد العامة لتحديد العقوبة التي تتمحور أساسا حول السلطات الممنوحة للقاضي ، كي لا يتجاوز الحد الأقصى أوالنزول عن الحد الأدنى للعقوبة المقررة قانونـا ، و ذلك من خلال دراسـة أسباب تشديـد العقوبـة ( العود ) و تخفيفهـا ( الظروف و الإعفاءات المخففة ) و الإعفاء منها ( الأعذار المعفية و الحصانات ) . ( 1 )
المطلب الأول : قانون العقوبات
صدر قانون العقوبات الجزائري بموجب الأمر رقم 66/156 المؤرخ في 08 يونيو 1966 ، وهو مستوحى من قانون العقوبات الفرنسي ، و تأثر به كثيرا سواء في خطوطه الرئيسية أو في ملامحه العامة ، و هذا راجع أساسا لأسباب تاريخية معروفة . ( 2 )









(1)_(2) د. أحسن بوسقيعة ، الوجيز في القانون الجزائي العام ، الديوان الوطني للأشغال التربوية ، الطبعة الأولى ، الجزائر،ص11

ويقصد بقانون العقوبات مجموعة من القواعد القانونية التي تبين الجرائم وما يقرر لها من عقوبات أو تدابير أمن الى جانب القواعد الأساسية و المبادئ العامة التي تحكم هذه الجرائم و العقوبات و التدابير .(1)
و قد استشف هذا التعريف من محتويات القانون ذاته فهو يشمل من جهة على القواعد القانونية العامة في التجريم و العقاب و هي تشكل القسم العام من هذا القانون الذي يدرس فيه عادة النظرية العامة للجريمة و أيضا القسم الخاص الذي يتناول الجرائم بأعيانها و مفرداتها و أركان كل منها و الظروف المشددة و المخففة فيها و العقوبات المقررة لكل واحد منها و من جهة ثانية فهو يحصي الأفعال التي يعد إتيانها جريمة ، و كل من خرج عنها لا يصلح وصفه بالإجرام كما يتعرض أيضا للعقوبات بأنواعها و التدابير .
كما عرف قانون العقوبات منذ صدوره ، عدة تعديلات تماشيا مع متطلبات المراحل التي مرت بها البلاد و التحولات السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية التي شهدتها إلى يومنا ، و آخر هذه التعديلات ما جاء به الأمر رقم 06/23 المؤرخ في 20 ديسمبر 2006 .
المطلب الثاني : أهداف و خصائص قانون العقوبات
من خلال الرحلة التاريخية التي مرت بها أنظمة التجريم و العقاب ، وصولا إلى ظهور القانون في شكله الحالي الذي أصبح متقاربا جدا بين جميع الدول نستشف الأهداف التي وضع من أجلها ، و التي يمكن تلخيصها في النقاط التالية :
1- حماية المصالح الجماعية و الفردية بأنواعها المادية و المعنوية ، ذلك أن كل فرد يسعى إلى تحقيق مصلحته على أوسع نطاق ، و لو ترك الأمر بغير قانون ينظم هذه المصالح لوقع التضارب ، و ساد الشقاق و الفتن و الإضطرابات فتضيع مصالح الأفراد ، و مصالح المجتمع ، و القانون يمثل الحد الفاصل بين كل مصلحتين متجاورتين .



(1) _ عبد الله سليمان ، شرح قانون العقوبات القسم العام ، دار الهدى عين مليلة ، الجزائر2000 ، ص05

2- توفير الأمن و الطمأنينة لأفراد المجتمع ، فلا يخشى أحد من أن يقع عليه ظلم من غيره ، و لا يخشى أيضا أن يتعرض لعقاب يفرضه عليه القانون بغير ظلم منه ، فوجود قانون يوضح الأفعال المعتبرة جرائم ، و العقوبات المقررة لها مسبقا تجعل الأفراد يقدمون على أعمالهم على يقين دون خوف أو تردد ، كما يعرفون لو وقع عليهم ما إعتبره القانون جريمة فإن فاعل ذلك لا ينجو من العقاب المقر في القانون ، و بهذا يشعر الناس كلهم بالأمان و الطمأنينة .
3- نشر العدالة و تحقيقها بين الناس فلولا وجود الظلم لما طلب أحد بالعدالة ، و لولا هذا و ذاك لما وضع هذا القانون أصلا ، فهو إنما وضع لتحقيق العدالة بين الناس جميعا في الأخذ و العطاء ، و الجريمة و العقاب ، و لذلك فهو ينص في مبادئه العامة أن القانون فوق الجميع و أن الناس جميعا سواسية أمامه يطبق على الجميع بالتفصيلات التي وضعها دون مراعاة الجنس أو السن أو اللون ، فهو يحدد الأفعال المعتبرة جرائم و لا يمكن أن يعاقب من لم يقترفها ، و في حالة إتيانها لا يفرق بين هذا وذاك .
4- و بالإضافة إلى هذه الأهداف العامة فإن القانون يهدف إلى مكافحة الجريمة التي تشكل إعتداء على الأهداف السابقة ، فهي تضر بالمصالح الفردية و العامة ، و تنشر الخوف و القلق ، و تعتدي على العدالة التي تقتضي أن لكل ذي حق حقه ، و لا يعاقب أحد بما إقترف .
5- هناك أهداف أخرى نعتبرها خاصة ، و إن كانت تصب في النهاية في بحر هذه الأهداف ، و منها ترشيد القضاة ببيان حدود الجرائم و العقوبات ، و إعذار المجرمين حتى لا يؤاخذوا على غرة ، و غيرها .








أما خصائص هذا القانون و طبيعته ، فقد وقع الاختلاف بشأنها بسبب تشعب مواضعه التي يعالجها فهناك من اعتبره فرعا من القانون الخاص ، وهناك من اعتبره قانونا مختلطا يدخل في نطاق القانون العام و القانون الخاص على السواء ، ذلك لأنه إذا كان يقوم على حماية المصلحة العامة للمجتمع فيعتبر من هذا الوجه من فروع القانون العام ، الا أنه في أغلب قواعده إنما يعاقب على جرائم تقع على الأفراد أنفسهم وتضر بحقوقهم و مصالحهم الخاصة فضلا عن أن إعمال قواعد هذا القانون بالمطالبة بالعقاب ليس وقفا على السلطة العامة في المجتمع وحده.(1)
و الواقع أن هذا القانون حتى و إن اشتمل على أحكام خاصة تعالج جرائم بعينها تقع على أشخاص معينين مثل إفراده لسرقة الخدم من الأصول و الفروع و الأزواج بأحكام خاصة ، وغير ذلك من الأحكام فانه في النهاية إنما يعالجها في إطار عام فهو في هذه الأمثلة السابقة إنما يتناول الخدم والأب و الابن ، و الزوج والزوجة بأوصافهم لا بأعيانهم ، فلا يفرق بين خادم وآخر ولا بين زوج وآخر ، وهكذا ، وعليه فالصحيح أن نقول بأن هذا القانون كان يعالج أحكام تبدو خاصة ، إلا أنه أقرب إلى القانون العام منه إلى الخاص .
و من خصائصه أن يتناول أمورا تنظمها قوانين أخرى ، فإذا كان القانون المدني ينظم حق الملكية و الحيازة فإن القانون الجنائي يتناول السرقة و النصب و الابتزاز وغير ذلك ، كما أن قانون الإداري ينظم الوظيفة العامة ، و يحميها قانون العقوبات بالعقـاب على الرشـوة و التزوير ، كما أن قانون الأسرة ينظم الزواج وحقوق الزوجية و يتدخل فيه قانون العقوبات بالعقاب على الزنا ، وسوف نرى مزيدا من الأمثلة عن تدخل هذا القانون في القوانين الأخرى عند الحديث عن علاقته ببقية القوانين و العلوم المساعدة .
و من الخصائص الأساسية لهذا القانون كونه ذا صفة آمرة ، فهو يأمر وينهي من خلال مواده و لكن بطريقة غير مباشرة ، فعندما يعاقب على السرقة فهو في الحقيقة بنهى عـنها(2)



(1) عالية سمير ، شرح قانون العقوبات ، القسم العام ، المؤسسة الجامعية للدراسات و النشر و التوزيع ، بيروت ، ص13
(2) د. منصور رحماني ، الوجيز في القانون الجنائي العام ، دار العلوم ، الطبعة 2006 ، ص53.

والنهي يستفاد فيها من العقاب ، و عندما يعاقب على التستر على الخيانات فهو في الحقيقة يأمر بالتبليغ عنها وهكذا .
وأخيرا فان من خصائصه أيضا العموم و الشمول ، وعمومه راجع إلى كونه يمس كل الناس الذين لهم علاقة بالجرائم ، سواء كانوا جنات أو مجنيا عليهم ، أو شهودا وهذا بخلاف القوانين الأخرى التي تعالج فئات خاصة فالقانون التجاري يعالج فئة التجار ، و الإداري يعالج فئة الإداريين ، وهكذا ، وأما شموله فراجع إلى تناوله لكل الأفعال و الأقوال المعتبرة جرائم مهما كان نوعها وميدانه


















(1) _ د.منصور رحماني، الوجيز في القانون الجنائي العام ، جامعة جيجل ، ط 2006 ، ص

المبحث الثاني: موقع القانون الجنائي ضمن القوانين الأخرى
المطلب الأول: القانون الجنائي فرع من فروع القانون العام
يميز عادة بين القانون الخاص و القانون العام ، فأما القانون الخاص يختص في تنظيم علاقات الأفراد فيما بينها وتحديد حقوقهم وواجباتهم ، و أهم فروع القانون الخاص هي القانون المدني الذي ينظم الالتزامات و العقود و القانون التجاري الذي ينظم العلاقات التجارية وقانون الأحوال الشخصية الذي ينظم قواعد الزواج و الطلاق و الإرث .
وأما القانون العام فيختص في تحديد دور الدولة و المؤسسات العامة و علاقة الأفراد بها يرسم حدود الحريات العامة و طرق ممارستها ، و أهم فروع القانون العام هي القانون الدستوري و القانون الإداري و القانون الجبائي .
فيرى البعض أن القانون الجنائي فرع من فروع القانون الخاص بحجة أن أغلبية نصوصه مقررة حماية لحقوق الأفراد و مصالحهم .
فيما يرى البعض الآخر أن القانون الجنائي ذو طبيعة مختلطة بحجة أنه ينظم من جهة سلوك الفرد في المجتمع فيضع له حدود الشرعية التي يتعين عليه عدم تجاوزها كما يضع القواعد التي تحمي شخصه من تعديات الآخرين عليه وعلى أمواله وحقوقه وحرياته ، وذلك بهدف تأمين حقوق الفرد ، ويضع من جهة أخرى ، قواعد لحماية النظام الاجتماعي و السياسي القائم في المجتمع ، وذلك لتأمين مصلحة المجتمع .
غير أن الرأي الراجح أن القانون الجنائي فرع من فروع القانون العام ، سواء بالنظر غالى طبيعة المصالح التي يحميها أو بالنظر إلى الروابط القانونية التي تنشئها الجريمة .
فإذا كان صحيح أن حماية الأفراد هي جوهر و أصل كل حماية فإن المجتمع لا يكمن أن سنقسم ، إلا إذا تمتع أفراد ، بالحماية و الطمأنينة التي بدونهما لا يمكن الانصراف إلى نشاطهم ، وتلك مهمة الدولة ، فعلى سبيل المثال ، لا يقصد القانون الجنائي بتجريم السرقة أو القتل حماية مصلحة فردية لصاحب المال أو حماية القتيل بقدر ما يهدف الى حماية حق الملكية و الحق في الحياة ، وذلك تأمين لمصلحة المجتمع .



وتبعا لذلك لم يخضع القانون الجنائي العقوبة إلى مشيئة الأفراد إلا في حالات استثنائية ترجح فيها مصلحة الفرد على مصلحة المجتمع ، أما في الحالات الأخرى فإن القانون الجنائي يعاقب الجاني ولو أرتكبت الجريمة برضا المجني عليه أو بإلحاحه وحتى و لو صفح المجني عليه عن الجاني .
و من جهة أخرى ، فإن القانون الجنائي لم يخضع متابعة مرتكبي الجرائم إلى شكوى المجني عليه إلا في حالات استثنائية ، فإذا أقدم شخص على ارتكاب جريمة سرقة أو قتل مثلا ، فإن النيابة العامة ، هي ممثلة المجتمع ، تتدخل فورا لمتابعة نرتكب الجريمة سواء تقدم المجني عليه بشكوى أم لا ، فالاعتداء على فرد من أفراد المجتمع لا ينحصـر أثـره بين المعتدي و المعتدى عليه بل يمتد ليشمل المجتمع بأسره ، ذلك أن الجريمة بقدر ما فيها اعتداء على الأفراد فيها تعد على المجتمع ، و القانون الجنائي يحمي الأفراد كما يحمي المجتمع ، و من ثم فأن الروابط القانونية التي تنشئها الجريمة لا تقوم بين الجاني و المجني عليه بقدر ما تقوم بين الجاني و النيابة العامة ممثلة المجتمع ، فلا يجوز للنيابة العامة أصلا أن تتنازل عن الدعوى أو تتصالح فيها ، وقد نضيف إلى هذه الاعتبارات ، اعتبارات أخرى أهمها كون العقوبة أداة عامة للردع يخطر على الأفراد استعمالها بأنفسهم للاقتصاص من المجرم ، كما أن القانون الجنائي هو حام للحريات العامة و حقوق الإنسان بحيث يضمن سلامة الإنسان وحقوقه و حرياته من المعتدي الذي يمكن أن يحصل من قبل من يمارس السلطة العامة أو من قبل الأفراد .
و إذا كان الفقهاء يجمعون على أن القانون الجزائي ينتمي إلى القانون العام فهم يتفقون أيضا على ذلك لا يحول دون قيام علاقات بين القانون الجزائي و القوانين الأخرى، حيث يساندها و يعاقب على بعض الأفعال التي ينص عليها حماية الأفراد و المجتمع.
إلا أن القانون الجزائي يتسم بطابع الاستقلال عن هذه القوانين إذ يحتفظ بكيانه الخاص سواء تعلق الأمر بتجريم الأفعال أو بتقدير العقاب عليها ذلك أنه يجرم بعض الأعمال دون الالتفاف إلى الأحكام التي ترعاها في القوانين الخاصة التي تنص عليها و يعاقب على الجرم



المرتكب و ليس على الإخلال بعقد كما يعاقب على الأضرار اللاحقة بالغير و ليس على الإخلال بالتزام معين .(1)
المطلب الثاني : التعاون بين القانون الجنائي و القوانين الأخرى .
من المعروف أن كل قانون يقترن بجزاء يصبح قانونا جزائيا و هذا ما يجعل من القانون الجنائي قانونا مساندا للقوانين الأخرى ، فهو على سبيل المثـال يساعد القانـون الدستوري و يعاقب على المساس بأمن الدولة و مؤسساتها و الحقوق الفردية و السياسية التي كفلها الدستور كالحرية الشخصية و حصانة المسكن وحق الانتخاب و يعاون القانون الإداري في صيانة الوظيف العمومي من حيث الموظفين الأفراد ، و يحمي القانون الجنائي بعض الحقوق التي يقرها قانون الأحوال الشخصية فيعاقب على الزنا وعدم تسديد النفقة و عدم تسليم الصغير إلى الحضانة و يعاقب القانون المدني في حماية حق الملكية و الحيازة ، و يعاون القانون التجاري في حماية الثقة بين التجار في المعاملات و في الأوراق المالية فيعاقب على التفليس و الاحتكار و الغش في المعاملات التجارية و إصدار شيك بدون رصيد.
و بالمقابل يستعين قانون العقوبات بالقوانين الأخرى و من مظاهر هذه الاستعانة أن قانون العقوبات يرجع بتطبيق نصوص الرشوة و اختلاس أموال عمومية إلى تعريف الموظف العمومي في القانون الإداري ، و في جريمة تحويل المال المحجوز يرجع في قيام الحجز إلى قانون الإجراءات المدنية ، و في جريمة خيانة الأمانة يرجع إلى قانون المدني بتعريف العقود ، وفي جرائم الشيكات يرجع إلى القانون التجاري لتعريف الشيك.
غير أن القانون الجنائي لا يتقيد بأحكام القانون المدني فلا أثر لبطلان العقد في الوجهة المدنية في قيام جريمة إصدار شيك بدون رصيد وهذا مظهر من مظاهر إستقلالية القانون الجنائي العام .(2)



(1)_ د/أحسن بوسقيعة ، الوجيز في القانون الجزائي العام ، مرجع سابق ، ص12، 13 .
(2)_ د/ أحسن بوسقيعة ، مرجع سابق ، ص14 ، 15 .

المبحث الثالث : الجريمة وأركانها
المطلب الأول : تعريف الجريمة و أنواعها .
أولا : تعريف الجريمة
لغة: جرم أي قطع الشيء ، يقال الجريم التمر اليابس ، جرم ما سقط من تمر النخل ، الجريمة :النواة للثمر ، جرم جريمة و أجرم إليه أو عليه بمعنى أذنب و الجرم هـو الخطأ .
اصطلاحا: لم يتطرق قانون العقوبات الجزائري إلى تعريف الجريمة حتى لا يحرج الفقهاء من جهة على تأويل حرفية النص طبقا للقاعدة الفقهية التي نقول لا اجتهاد مع صراحة النص، و من جهة أخرى فإن المشرع حتى و لو وضع تعريفا شرعيا للجريمة فسوف يخفق في جمع كل معاني مدلول لفظ الجريمة و عليه فقد عرفها فريق من الفقهاء بأن الجريمة هي ظاهرة اجتماعية استهجنها الرأي العام فتدخل القانون لحصرها و رصد لها عقوبة ذو تدابير أمن ، و فريق ثاني يعرف الجريمة بأنها كل سلوك أجابي أو سلبي يأمر القانون معاقبة مرتكبيه.(1)
قانونا: أما المفهوم القانوني للجريمة فهو الفعل الذي يجرمه القانون و يقرر له جزاءا جنائيا أو هي فعل أو إمتناع يخالف قاعدة جنائية تحظر السلوك المكون لها و يرتب لمن يقع منه جزاء جنائيا . (2)
ويترتب على المفهوم أن وصف الجريمة محصورا في نصوص قانون العقوبات ، فكل سلوك يخالف المبادئ الأخلاقية و القيم الاجتماعية ، ويفضي هذا التعريف إلى القاعدة الشهيرة " لا جريمة و لا عقوبة إلا بالنص " ، وبذلك فإن التعريف القانوني شأنه شأن التعريف الشرعي بالدقة .
و نحن نميل إلى التعريف التالي ، بأن الجريمة هي القيام بعمل أو الإمتناع عنه يعتبره



(1) مجلة الشرطة ، العدد 54 ، ديسمبر 1996 ، ص32 .
(2) د/محمد زكي أبو عامر ، د/فتوح عبد الله الشاذلي ، مبادئ علم الإجرام و العقاب ، منشأة المعارف بالإسكندرية ، ط1995 ص28


القانون غير مشروع إذا لم يبرره ممارسة حق مشروع أو القيام بواجب قانوني أو طبيعي و يقرر له القانون عقوبة أو تدابير أمن .
و الجريمة تتنوع حسب القانون الذي يحكمها و الجزاء الذي يترتب عليها و المصلحة أو الشخص الذي قام بها أ حق المعتدي عليه .
ثانيا : أنواع الجريمة .
1) تقسيم الجريمة حسب الشخص الذي اقترفها:
تستوحي الأحكام العقابية الخاصة من قانون العقوبات و توضح لطائفة معينة من الناس ، فالقاعدة العامة أن قانون العقوبات يطبق على كافة الناس و تعرف الجرائم في هذه الحالة بجرائم قانون العقوبات إذا قام بها الشخص المدني ، أما إذا ارتكبها شخص عسكري تطبق عليه الأحكام العسكرية غير أنه يلاحظ في هذه الحالة ، أنه في حالة ما إذا قام بها عسكري ضد مدني فيقال عندئذ بأنها مختلطة .(1)
2) تقسيم الجرائم حسب الحق المعتدي عليه:
فإذا كان الحق له اعتبارات سياسية سمية بالجريمة السياسية كالتأمر على نظام الحكم و التحريض على الفتنة ، إذا إرتكب الشخص جريمة يهدف من ورائها شيوع الفحشاء في دولتين فأكثر أو إرتكب أفعال معاقب عليها في ثلاث دول سميت بالجريمة الدولية كتهريب المخدرات و التجارة بأجساد النساء ، أما إذا إستهدف المجرم، و غالبا ما يكون زعيم الدولة أو تواطؤ عدة زعماء، على إشعال الحرب أو الإعتداء على الأثار الثقافية أو الديانات السماوية أو التمييز بين الناس على أساس اللون أو العرق سميت بالجريمة ضد الإنسانية و هي أخطر الجرائم لأنها تقلق الضمير الإنساني و تهدد السلام في الأرض (2)
3) تقسيم الجرائم حسب قانون العقوبات (3)




(1) (2) (3) مجلة الشرطة ، مرجع سابق ، ص39

تنقسم الجريمة في المفهوم الجنائي حسب جسامتها و العقوبة المقررة لها شرعا
• الجنايات : و هي ذات الضرر الكبير و العقوبة الأشد تتراوح عقوبتها من خمسة سنوات و ما فوق سجناإلى الإعدام .
• المخالفات : و هي ذات الضرر الضعيف أو التافه و عقوبتها من يوم إلى شهرين حبسا و غرامة مالية ، و هذا المعيار القانوني مبني على سلم العقوبات .
• الجنح : و هي متوسطة الضرر و عقوبتها من شهرين إلى خمسة سنوات حبسا أو غرامة مالية .
4) تقسيم الجرائم حسب القانون الذي يحكمها
الجريمة التأديبية و هي الإخلال بنظام الإدارة و سير المرافق العامة في إطراد ، فهذا الإخلال يحكمه القانون الإداري الذي يضع العقوبة الإدارية ، تبدأ بالإنذار ثم بالتوبيخ ثم تجميد جزء من الراتب الشهري ثم الإيقاف و الطرد أما الجريمة المدنية فهي مبنية على أساس المسؤولية أو الفعل الضار و جزاؤه التعويض ، أما الجريمة الجنائية فهي الفعل الذي جرمه القانون الجنائي ، و يحدد له عقوبة أو تدابير أمن فجزاؤها إيلام الجرم و إصلاحه (1)
5) تقسيم الجرائم حسب المصلحة المنتهكة
المصلحة قد تهدف إلى حماية النفع العام و تعرف هذه الجرائم بجرائم القنون العام و المشرع في هذا المجال يدمج النفع العام و النفع الخاص بإعتبار أن كلاهما يكمل الآخر و من هنا يدرج الجرائم التي تقع على أحد الناس و أموالهم ، أما إذا كانت المنفعة تمس خصوصيات الشخص بحيث لا يضر التنازل عنها أحد الناس أو المجتمع وهذه الجرائم تعرف بالجرائم التي يتطلب عليها رفع شكوى من طرف المتضرر أو إذن الجهة المعنية بالضرر . وقد تكون الجريمة قصد تخريب الإقتصاد و خططه التنموية في الدولة فتوصف بأنها جريمة إقتصادية . (2)



(1) (2) مجلة الشرطة ، مرجع سابق ، ص38 ، ص40

المطلب الثاني : أركـان الجريمـة
ركن الجريمة جزء من ماهيتها ، و بإنعدامه تنعدم الجريمة و لا يبقى مبرر للعقاب ، و حتى تتحقق الجريمة يجب أن يتوفر فيها عناصر ثلاثة ، الركن الشرعي أي أن يكون الفعل قد نص عليها القانون عن عدم إتيانه ، و الركن المادي ، أي أن يقوم الشخص بنشاط معين إيجابي أو سلبي و يقصد وقوع نتيجة ضارة بالفر أو بالمجتمع ، أما الركن المعنوي أن يعلم الجاني بما أتاه و يعقد العزم على تحقيقه بنية خبيثة .(1)
أولا : الركــن الشـرعــي
و يطلق عليه أيضا بالركن القانوني ، تتحقق الجريمة بالفعل الصادر على الإنسان ، فيتخذ صورة مادية معينو ، تختلف الأفعال المادية بإختلاف أفعال الإنسان، وهذا ما يجعل المشرع لتدخل لتحديد فئة من الأفعال الضارة أو الخطرة على سلامة أفراد المجتمع، فينهي عنها بموجب نص قانوني جزائي يجرم هذه الأفعال و يحدد عقوبة من يآتى على إرتكابها .
و ما عدا ذلك يبقى الإنسان حرا في تصرفه شرط أن لا يلحق ضرر بالغير ، فالنص القانوني هو إذا مصدر التجريم و هو المعيار الفاصل ما بين ما هو مباح و ما هو منهي .
و تبعا لذلك فلا جريمة و لا عقوبة بدون نص شرعي ، و هذا ما يعرف بمبدأ الشرعية (2)
ثانيا : الــركن المــادي
لا يعاقب قانون العقوبات على الأفكار رغم قباحتها و لا على النوايا السيئة ما لم تظهر إلى الوجود الخارجي بفعل أو عمل .
و يشكل الفعل أو العمل الخارجي الذي يعبر عن النية الجنائية أو الخطأ الجزائي ما يسمى بالركن المادي للجريمة .
فعلى سبيل المثال يتمثل الركن المادي في جريمة القتل في الطلقة النارية أو الطعن بالخنجر



(1) مجلة الشرطة ،مرجع سابق ص 40
(2) د/ أحسن بوسقيعة ، الوجيز في القانون الجزائي العام ، مرجع سابق ، ص42 ، ص82


و يتمثل في الإستيلاء على مال الغير في جريمة السرقة .
و إذا كان القانون يوجب دائما فعلا ماديا في الجريمة فإنه لا يشترط أن يترك هذا الفعل أثرا ماديا أو أنه يتسبب في نتائج ضارة .
فحتى إذا لم ينتج الفعل آثاره الجرمية فإنه يشكل ركنا ماديا للجريمة كما في حالتي الشروع و الجريمة الخائبة .
و من ثم نستنتج أن الركن المادي للجريمة يتمثل دائما في عمل أو فعل غير أنه لا يتمثل في نتيجة هذا الفعل . (1)
ثالثا : الــركن المعنـوي
إن الغرض من دراسة أركان الجريمة هو إثباتها و نسبتها إلى فاعل معين حتى يتحمل المسؤولية على سلوكه و لا يكفي الإلمام بالركن المادي لإسناد المسؤولية الى شخص ما ، فالركن المادي يعبر عن جسد الجريمة و وجودها ، بينما يعبر الركن المعنوي عن الناحية المعنوية للجريمة ، وبها تنسب الجريمة الى فاعل ما يتحمل مسؤولية تلك الجريمة أو لا تنسب إليه و شتاتا بين من إرتكب جريمة عن علم وقصد و إرادة ، وبين من فعل ذلك خطأ و ليس من العدالة تحميلهم المسؤولية معا ، أو إعفاؤهما منها معا ، كما إستعمل كلمة العمد فيه في عدة مواد مثل المواد 160 ، 158 ،155 مما يدل بوضوح على التعريف بين الجرائم العمدية و الجرائم غير العمدية و إهتمامه بالقصد الجنائي أو الركن المعنوي للجريمة سندرسه و نفصل فيه من خلال الفصلين الآتيين .







(1) د/ أحسن بوسقيعة ، الوجيز في القانون الجزائي العام ، مرجع سابق ، ص42 ، ص82



الفصل الأول


لا يكفي لقيام الجريمة إرتكاب عمل مادي ينص و يعاقب عليه قانون جزائي بل لا بد أن يصدر هذا العمل المادي عن إرادة الجاني .
تشكل هذه العلاقة التي تربط العمل المادي بالفاعل ما يسمى بالركن المعنوي فلا تقوم الجريمة بدون توافر الركنين المادي و المعنوي علاوة على الركن الشرعي و يتمثل الركن المعنوي في نية داخلية يضمرها الجاني في نفسه و هذا ما سنحاول التطرق إليه في هذا الفصل .
المبحث الأول: القصـد الجنـائي
و يشكل الركن المعنوي في الجرائم العمدية و هي الجنايات و غالبية الجنح و بعض المخالفات فالقصد الجنائي الذي نسميه أحيانا التدليس العام ، يتمثل في أن يتدخل الفاعل بإرادته بهدف إرتكاب فعل غير مشروع مع تمتعه بكل القوى العقلية ، و مثال ذلك : إرادة القاتل في جريمة القتل العمدي و الهادفة الى إزهاق روح الغير ، فهذا الأخير يصوب السلاح الناري و يطلق الرصاص نحو الضحية مع علمه بأنه سوف يقتله (1)
المطلب الأول: تعريف القصد الجنائي
و هو الأصل في الجرائم، فأغلب الجرائم التي تقع هي من قبيل العمد، فإرادة الجاني تتجه إلى إحداث نتيجة معينة ترجمها القانون.
حيث عرفه " أورتولان " بأنه توجيه العمل أو الترك إلى إحداث النتيجة الضارة التي تتكون منها الجريمة .(2)
كما عرفه " جارسون " بأنه إرادة إرتكاب الجريمة كما حددها القانون و هو علم الجاني أيضا بمخالفة نواهي القانون التي يفترض دائما العلم بها (3)





(1) ن شيخ الحسين ، مبادئ القانون الجزائي العام ، دار همه للطباعة و النشر و التوزيع ط2 الجزائر 2000 ، ص96 .
(2) د/ رؤوف عبيد ، مبادئ القسم العام في التشريع العقابي ، دار الفكر العربي ، 1979 ، ص274 .
(3) د/ سمير عالية ، شرح قانون العقوبات ، القسم العام ، دار المطبوعات الجامعية ، الإسكندرية ، 2001 ، ص241 .


و يمكن تعريفه بأنه العلم بعناصر الجريمة مع إتجـاه الإرادة الـى تحقيقهـا أو قبولها. (1)
و الذي يقدم على الركن المادي بعناصره ، إما أن يكون قاصدا الى ذلك أو لا يكون ، وقد دأبت التشريعات المختلفة على التفريق بين الصورتين حتى أصبحت صورة الخطأ العمدي في أواخر العهد و بالتشريع الروماني شرطا مطلوبا في الجرائم كافة و هي أخطر من صورة الخطأ غير العمدي لأن القصد الجنائي هو الذي يكشف عن روح العدوان عند صاحبه و يبرز تمتما معنى الإثم في هذا العدوان .(2)
أما التشريعات الجنائية الحديثة فقد فرقت المتعمد و المخطأ ، وحللت معنى العمد و القصد ودرست كلا من العلم و الإرادة ، كم إهتمت بصورة الخطأ ، وإن لم تنص بعض القوانين بالحرف على التعريف بين الأمرين في موادها ، فإن ذلك ظاهر من خلال نصها على موانع المسؤولية بالنسبة للصغير و المكره وغيرها مما يعبر على أن هؤلاء لا يتحملون المسؤولية لإنعدام الإرادة و القصد لديهم ، بينما لا يعف من المسؤولية مكن توافر لديه .
و لم يخرج قانون العقوبات الجزائري عن هذا حين نص على موانع المسؤولية حيث أسقط المسؤولية على المجنون ( المادة 47 ) ، و المكره ( المادة 48 ) ، و القاصر ( المادة 49 )
و الذي يجمع هؤلاء هو إنعدام أساس المسؤولية ، وهو حرية الإختيار و الإرادة و من جهة أخرى فإن قانون العقوبات الجزائري قد نص صراحة على الجرائو العمدية دون تعريفها كغيره من القوانين ، كما هو الحال في الجنايات و الجنح ضد الأشخاص حيث جعل القسم الأول للقتل و الجنايات الأخرى الرئيسية و أعمال العنف العمدية ، و جعل القسم الثالث للقتل الخطأ و الجرح الخطأ (3)





(1) د/ سمير عالية ، شرح قانون العقوبات القسم العام ، دار المطبوعات الجامعية الإسكندرية 2001 ، ص241 .
(2) د/ رؤوف عبيد ، مبادئ القسم العام من التشريع العقابي ، مرجع سابق ، ص273 .
(3) د/ منصور رحماني ، الوجيز في القانون الجنائي العام ، دار العلوم للنشر و التوزيع ، عنابة 2006 ، ص107 .


أما المشرع الجزائري فلم يعرف القصد الجنائي على غرار غالبية التشريعات و إكتفى بالنص في الجرائم على العمد . (1)
المطلب الثاني : المذهب التقليدي و المذهب الواقعي و موقف القانون الجزائري منهما.
أولا : المذهب التقليدي
و يمثله كل من " نورمان " و" قارو " و " قارصون " .
حيث عرف نورمان القصد الجنائي بأنه علم الجاني بأنه يقوم مختارا بإرتكاب الفعل الموصوف جريمة في القانون و علمه أنه بذلك يخالف أوامره و نواهيه . (2)
وعرفه قارو بأنه إرادة الخروج على القانون بعمل أو إمتناع و هو إرادة الأضرار بمصلحة يحميها القانون الذي يفترض العلم عند الفاعل . (3)
وعرفه قارصون على أنه يتمثل في علم الجاني بأنه يقوم بعمل غير شرعي .(4)
من هذه التعريفات نستنتج أن القصد الجنائي حسب المذهب التقليدي هو إنصراف إرادة الجاني الى إرتكاب الجريمة مع العلم بأركانها كما يتطلبها القانون ، أي أن القصد الجنائي يتكون من عنصرين و هما :
- إتجاه إرادة الجاني نحو إرتكاب الجريمة .
- العلم بتوافر أركانه الجريمة كما يتطلبها القانون . (5)

إتجاه إرادة الجاني نحو إرتكاب الجريمة :
يتطلب القصد الجنائي توافر عنصر الإرادة لدى الجاني لإرتكاب الفعل المعاقب عليه وتحقيق' النتيجة المطلوبة مثلا سيارة تسير بسرعة فائقة أدت الى قتل أحد المارة .
هنا النتيجة لم تتجه إليهـا إرادة السائـق و إن اتجهت منذ البدايـة إلـى مخالفـة الأنظمة ( أي السرعة العالية ) .
و عليه لا تقوم المسؤولية الجنائية عن جريمة القتل العمدي لأن إرادة الجاني لم تتجه الى إزهاق روح الرجل .

(1) (2) (3) (4) ، د/ أحسن بوسقيعة ، الوجيز في القانون الجزائي العام ، مرجع سابق / ص103 .104 .
(5) د/منصور رحماني ، الوجيز في القانون الجنائي العام ، مرجع سابق ، ص108 .112 .

كما أن الأمر يختلف إذا ما أطلق شخص الرصاص على شخص أخر و يريده قتيلا في هذه الحالة إرادة الفاعل تتجه الى فعل آثم ونتيجته مباشرة و هي إزهاق الروح .
العلم بتوافر أركان الجريمة كما يتطلبها القانون :
بالإضافة الى إرادة الجاني في تحديد القصد يجب أيضا تحقيق عنصر العلم بتوافر أركان الجريمة كما يتطلبها القانون .
و يقصد بالعلم هنا إدراك الأمور على نحو الصحيح مطابق للواقع ، فينبغي على الجاني أن يعلم بتوفر أركان الجريمة و إن القانون يعاقب عليها ، و لا يتحقق القصد الجنائي إلا إذا كان الجاني يعلم بالعناصر الأساسية لقيام الجريمة سواء تعلق ذلك بسلوكه الإجرامي أو بموضوع الإعتداء ، فإذا كان جاهلا بشيء من ذلك فلا يتحقق القصد الجنائي ، ففي جريمة السرقة لا يتحقق القصد الجنائي إلا إذا كان الجاني يعلم أن المال المسروق ملك لغيره و لا يتوفر القصد في جريمة التسميم إلا إذا كان الجاني يعرف أن الطعم الذي قدمه للمجني عليه تحتوي على الصم فالذي يأخذ مال غيره معتقدا أنه ماله ، أو الذي يطعم غيره طعاما مسموما و هو يجهل ذلك ، ففي كلاهما لا يتوفر القصد الجنائي و ليس كل جهل ينفي معه القصد الجنائي بل هناك وقائع يؤثر الجهل بها في القصد ، و أخرى لا يتأثر بها القصد .
الوقائع التي لا يؤثر الجهل بها في القصد الجنائي :
هذه الوقائع ترتبط بالجريمة ، و لكن لا تؤثر في وصفها و لا تعتبر ركنا فيها ، و لهذا فإن القانون لم يوجب العلم بها ، و لم يعتبر الجهل مؤثرا ولذلك فإنها لا تؤثر في القصد الجنائي سواء علم بها الجاني أو لم يعلم و هذه الوقائع هي :
1. جهل الجاني بحالته الشخصية التي تتطلب تشديد العقوبة ، كما هو معروف العود يؤدي الى تشديد العقوبة و الجاني الذي يرتكب جريمة و كان قد حكم عليه من قبل ، لا يقبل دفعة بأنه نسي إرتكاب للجريمة السابقة ، بل يعاقب على أساس توفر القصد الجنائي مع الإشارة الى أن هذا الظرف لا يغير من وصف الجريمة ، فالعود في المخالفات لا يرفعها الى جنح ( المادة 465 ) .



2. جهل الجاني بأنه أهل لتحمل المسؤولية ، بأن يعتقد أنه دون السن القانوني لذلك أو كان يظن بحكم وظيفته بأنه يتمتع بالحصانة ، و الواقع غير ذلك ، ففي هذه الأحوال لا ينفي عنه توفر القصد الجنائي على أساس العمد أو كان يعتقد أنه مصاب بمرض عقلي مانع من المسؤولية إعتمادا على ملف طبي ، ظهر أنه خاطيء.
3. الجهل بالقانون أو الخلط به ، فالأصل أن من كان يجهل أن القانون قد منع هذا الفعل أو عاقب عليه فإن جهله لا يؤثر في توفر القصد الجنائي ، إعتمادا على المادة 74 من الدستور التي ينص على أنه " لا يعذر أحد بجهل القانون " و قد أخذت تشريعات كثيرة بهذه القاعدة إلا إن معارضتها بدأت تتصاعد منذ مدة بسبب مخالفاتها للعدالة التي ينشدها القانون ، فإذا كانت جرائم طبيعية يتعارف الناس عادة على أنها كذلك حتى ولو يطلعون على قانون نشأتها كالقتل و السرقة وغيرها ، فإن هناك جرائم أخرى نص عليها القانون و لا تشكل في نظر المجتمع إثما، كنص القانون على منع حيازة سلعة معينة أو نقلها ، أو التعامل بالنقود الأجنبية و غير ذلك من الأمور التي يخطأ ويجهل المتخصصون فضلا عن العوام ، خصوصا و أن القوانين تتغير بإستمرار ، وفي هذه الحالة لا شك أن عقاب المجرم الجاهل بالقانون لسبب أو لآخر على أساس قصده الإجرامي ينافي العدالة .
و لا تقتضي العدالة إزاء هذا الموضوع إعفاء جميع الجاهلين بالقانون من المسائلة الجنائية على أساس القصد الجنائي ، فذلك يؤدي الى انعدام القاعـدة القانونية المتجددة ، وتقتضي العدل حينئذن يقتصر قبول الغدر بالجهل من الأشخاص الذين كانوا في ظروف تعذر عليهم العلم بالقواعد القانونية كالمساجين الذين ظلوا فترة طويلـة في السجـون ، و الأجانب و المهاجرين لفترة طويلة شريطة أن ينصب الغدر على الجرائم المصطنعة لا الجرائم الطبيعية كالقتل و السرقـة التي تتعارف عليـها جميـع القوانيـن و العقـول، و أن تكون قرينة ثابتة تدل على الجهل . (1)


(1) رؤوف عبيد ، مبادئ القسم العام في التشريع العقابي ، مرجع سابق ، ص291 .

ثانيا : المذهب الواقعي
يرى "فيري" هو من رواد المدرسة الوصفية إن النية ليست إرادة مجردة و إنما هي إرادة محددة بسبب أو بباعث ، و من ثم يتعين تحليل الباعث و البحث عما إذا كان اجتماعيا أم لا.
و يكون الفعل معاقبا إلا إذا كانت الغاية منه مخالفة للنظام الإجتماعي (1)
ثالثا : موقف القانون الجزائري من المذهبين
بين المذهب التقليدي و الواقعي إختار المشرع الجزائري المذهب التقليدي على غرارالمشرع الفرنسي ، حيث الفصل بين النية والباعث .
و هكذا يأخذ قانون العقوبات الجزائري بالنية ويصرف النظر عن الباعث فيما يتعلق بقيام الجريمة .
غير أن هناك حالات إستثنائية محدودة أخذ فيها المشرع بالباعث في الجريمة و يتعلق الأمر بالجرائم ضد أمن الدولة بوجه عام و الجرائم الإرهابية بوجه خاص ( المادة 87 مكر ) قانون العقوبات . القذف الموجه إلى شخص بسبب إنتمائه إلى مجموعة عرقية أو مذهبية أو دينية إذا كان الغرض هو التحريض على الكراهية بين المواطنين أو السكان ( المادة 298 مكرر ) قانون العقوبات ، الأفعال و الأقوال و الكتابات العلنية التي يكون الغرض منها التقليل من شأن الأحكام القضائية ( المادة 147/2 ) قانون العقوبات . التحريض على التخلي على الطفل المولود أو الذي يولد بنية الحصول على فائدة ( المادة 320/1) قانون العقوبات ، كما أخذ المشرع استثناءا للقاعدة بالباعث عذرا مخففا للعقوبة .
و من هذا القبيل ما جاءت به ( المادة 279 ) قانون العقوبات التي نصت على أن يستفيد مرتكب القتل أو الجرح من الأعذار إذا إرتكبها أحد الزوجين على الزوج الآخر أو شريكه في اللحظة التي يفاجئه فيها في حالة التلبس بالزنا .





(1) د/ أحسن بوسقيعة ، الوجيز في القانون الجزائي العام ، مرجع ساق ، ص10

ومن أخرى فإن عدم الأخذ بالباعث في تحديد الجزاء لم يمنع المحاكم من الأخذ به في الواقع عند تقدير العقوبة و النطق بها خاصة في ظل حكم ( المادة 53 ) قانون العقوبات التي تعطي القاضي سلطة واسعة في تقدير الجزاء .(1)
المبحث الثاني : صور القصد الجنائي
للقصد الجنائي عدة صور تختلف الواحدة عن الأخرى ، فقد يكون عاما و قد يكون خاصا ، كما أنه قد يكون بسيط أو مشدد ، و يكون محدد أو غير محدد ، كما قد يكون مباشر أو غير مباشر .
المطلب الأول : القصد العام و الخاص و القصد المحدد و غي المحدد
أولا : القصد العام و القصد الخاص
القصـد العـام :
هو القصد الجنائي القائم على العلم و الإرادة و يتحقق إتجاه إرادة الجاني إقتراف الركن المادي للجريمة مع العلم به و بالعناصر التي يتطلبها القانون (2)
و هذا القصد يكون في جميع الجرائم العمدية و الذي يمييزها عن الجرائم غير العمدية ، القصد العام من القتل هو إزهاق روح المجني عليه ، و هو في الدقة الإستيلاء على ماله و قد يكون القصد العام مباشرا أو غير مباشر و يهتم فقط بتحقيق الغرض من الجريمة دون البحث في الدافع و الغاية التي يهدف إليها الجاني(3) ، و إذا كان القصد العام ضروريا لقيام كافة الجرائم العمدية فقط يشترط القانون علاوة على القصد العام قصدا خاصا (4)
القصد الخاص :
و يتمثل في الغاية التي يقصدها الجاني من إرتكاب الجريمة فضلا عن إرادته الواعية خالفة القانون الجنائي .


(1) د/ أحسن بوسقيعة ، الوجيز في القانون الجزائي العام ، مرجع سابق ، ص106
(2) د/ سمير عالية شرح قانون العقوبات ، القسم العام ، مرجع سابق ، ص248
(3) د/ منصور رحماني ، الوجيز في القانون الجنائي العام ، مرجع سابق ، ص112
(4) د/ أحسن بوسقيعة ، الوجيز في القانون الجنائي العام ، مرجع سابق ، ص107

و هكذا إشترط القانون ، بالإضافة إلى القصد العام المتمثل في إرادة الجاني الواعية لمخالفة القانون ، إما نية إزهاق روح كما في جريمة القتل العمدي المنصوص و المعاقب عليها بالمادة 259 قانون العقوبات و إرادة الإستيلاء على شيء مملوك للغير كما في حركة السرقة المنصوص و المعاقب عليها في المادة 350قانون العقوبات ، و إما إرادة الإساءة إلى إعتبار و شرف الشخص كما في جنحة القذف النصوص و المعاقب عليها في المادة 298 قانون العقوبات .
تشكل نية إزهاق الروح ، القصد الخاص في القتل العمد ، أما إذا كان الإعتداء على المجني عليه ليس بنية إزهاق الروح و ككن مجرد ضرب و جروح عمدية أدت إلى الوفات ، مثل ما نص عليه المادة 264 قانون العقوبات .
ففي هذه الحالة تنعدم نية القتل لأن إرادة الجاني نحو إحداث هذه النتيجة (1) ، و قد ورد في قانون العقوبات كثير من العبارات التي تفيد القصد الخاص ، كما ورد في المادة 61 قانون العقوبات التي تعاقب على جريمة الخيانة بالإعدام ، فكل من قام ببعض الأعمال منها القيام مع دولة أجنبية بقصد حملها على القيام بأعمال عدوانية على الجزائر ...
في حين تعاقب المادة 69 قانون العقوبات من يقدم معلومات عسكرية و لم يكن له نية الخيانة و التجسس ، بالحبر من سنة إلى خمسة سنوات و الفرق بين الجريمتين توفر القصد الخاص في الأول ، و ورد في المادة 84 كل من يرتكب إعتداء يكون الغرض منه نشـر التقتيـل أو التجريب في منطقة أو أكثر يعاقب بالإعدام ، كما نصت مواد أخرى كالمادة 211 على الغرض مما يدل على إهمال القانون بالقصد الخاص في بعض الجرائم . (2)





(1) د/ أحسن بوسقيعة ، الوجيز في القانون الجزائي العام ، مرجع سابق ، ص 107- 108
(2) د/ منصور رحماني ، الوجيز في القانون الجنائي العام ، مرجع سابق ، ص 113


ثانيا : القصد المحدد و القصد غير المحدد
القصـد المحـدد :
و هو الذي يتوفر لدى الجاني عندما يعقد العزم على إرتكاب جناية أو جنحة معينة مثل القتل و السرقة في حق شخص معين كما يكون محددا أيضا إذا أراد الجاني النتيجة حتى و إن كان لا يعرف هوية الضحية ، ذلك أن تحديد القصد مرتبط أساسا بمدى الإرادة بالنسبة لنتيجة الجريمة (1) ، وهو إنصراف إرادة الجاني إرتكاب الجريمة بنتائجها المحدودة كما كان يقدرها وقت إرتكابه ، كمن يطلق النار على شخص أو على مجموعة محددة من الناس .(2) الق القصـد غيـر المحـدد :
يكون القصد غير محدد عندما تتجه إرادة الجاني إلى إرتكاب فعل إجرامي غير مبال بشتى النتائج التي تتنتج عن فعله و بهوية الضحية و مثال ذلك من ينهال على عدة أشخاص بالضرب فيصيب البعض بجروح خفيفة و البعض الآخر بجروح بالغة منهم من فقد إبصار أحد العينين ، ففي هذه الحالة سيعاقب الجاني تبعا للنتائج المترتبة عن فعله و حسب خطورتها و إن كان لم يريدها بالضرورة . (3)
المطلب الثاني : القصد البسيط و المشدد و القصد المباشر و غير المباشر
أولا : القصد البسيط و القصد المشدد
يختلف القصد في درجة الخطورة مما يؤثر على الوصف و الجزاء .
يميز الفقه بين القصد البسيط العادي و القصد المشدد و يقصد به سبق الإسرار و الترصد اللذان يشددان الوصف و العقاب.
و يقصد بسبق الإسرار عقد العزم قبل إرتكاب الفعل على الإعتداء على شخص ، و يقصد بالترصد إنتضار شخص لفترة من الزمن للإعتداء عليه .




(1) د/ أحمد بوسمقة ، الوجيز في القانون الجزائي العام ن مرجع سابق ، ص 108
(2) د/ منصور رحماني ، الوجيز في القانون الجنائي العام ن مرجع سابق ن ص 113

و الواقع أن سبق الإسرار ينطوي على الترصد و هو الأمر الذي جعل المشرع الفرنسي في قانون العقوبات الجديد لسنة 1992 يتخلى عن الترصد ، و هكذا يتحول القتل العمدي المادة (263 /2 قانون العقوبات الفرنسي ) إلى القتل مع سبق الإسرار أو الترصد ( المادة261/1 قانون العقوبات الفرنسي ) و العقوبة من السجن المؤبد إلى الإعدام إذا إقترن بأحد هاذين الظرفين .
كما يتحول وصف أعمال العنف التي تؤدي على مرض أو عجز كلي عن العمل لمدة لا تتجاوز خمسة عشرة يوما و هي المخالفة البسيطة المعاقب عليها بالحبس من عشرة أيام إلى شهر (المادة 442 / 1 قانون العقوبات الفرنسي ) ، إلى جنحة و تغلظ عقوبتها لتصبح الحبس من شهرين إلى خمس سنوات إذا وقعت أعمال العنف مع سبق الإسرار أو الترصـد ( المادة 266 قانون العقوبات الفرنسي ) ن و يتحول وصف أعمال العنف التي تؤدي إلى مرض أو عجز كلي عن العمل لمدة تتجاوز خمسة عشرة يوما و هي الجنحة المعاقب عليها بالحبس من شهرين إلى خمسة سنوات ( المادة 264 /1 قانون العقوبات الفرنسي ) ، إلى جناية و تغلظ عقوبتها لتصبح السجن من خمسة سنوات إلى عشرة سنوات إذا وقعت هذه الأعمال مع سبق الإسرار و الترصد ( المادة 265 قانون العقوبات الفرنسي ) .(1)
ثانيا : القصد المباشر و القصد غير المباشر
القصـد المباشـر :
يتوافر هذا القصد المباشر عندما يتجه إرادة الجاني إلى إرتكاب الجريمة مع علمه بتوافر أركانها التي يستلمها القانون فيلزم لتوافر هذا القصد أن يكون الجانـي راغبا فـي النتيجـة و على الأقل قابلا لها .(2)




(1) د/ أحسن بوسقيعة ، الوجيز في القانون الجزائي العام ، مرجع سابق ، ص 109
(2) مجلة الشرطة ، مرجـع سـابـق ، ص 43


و هو قد يكون عاما خاصا بحسب طبيعة الجريمة القانونية ، كما قد يكون محدودا أو غير محدود بحسب ظروفها و هو ما يميز الجرائم العمدية عن غيرها. (1)
فالذي يطلق النار بشخص بنية قتله ، فهو يتوقع نتيجة تتمثل في القتل ، فقصده في هذه الحالة فصد مباشر (2) ، و أما إذا كانت النتيجة غير مؤكدة بل مجرد محتملة أو ممكنة كمن يطلق النار على حيوان وسط الناس و يأتي في تفكيره أنه قد يصيب إنسانا و مع ذلك أطلق النار ، فإصابته لشخص ما ما تكون ناتجة عن قصد غير مباشر و إذا إنتفى القصد المباشر ، و حل محله الخطأ أو الإهمال و أصبحت الجريمة غير عمدية و خضعت للعقاب على هذا الأساس بشرط أن تكون من جرائم الخطأ أو الإهمال و إلا أفلت الجاني من كل مسؤولية جنائية بحسب الأصل (3)
القصـد غيـر المباشـر :
و يسمى أيضا بالقصد الإحتمالي ، فهو وصف يطلق على نوع من القصد الجنائي يقع بين حدود العمد و الخطأ فهو إما يفصل بينهما أو إما يجمع بينهما في واقعة واحدة ، ففي بعض صوره يمثل عمدا مؤسسا لا على إرادة نتيجة معينة ، فتحققت نتيجة أشد جسامة مما كان يريده و يتوقعه بسبب إجتماع خطأ في التقدير مع نشاطه المتعمد .(4)
و مثال ذلك مدير شركة طيران الذي يسمح لطائرة بالإقلاع و على متنها ركاب و هو يعلم أنها غير صالحة للطيران ، فإذا ما سقطت طائرة و توفي ركاب إثر ذلك فهل يمكن القول بأن مدير الشركة مذنب بقتل عمد ؟
و كذلك حال سائق سيارة يتجاوز سيارات أخرى في منعرج خطير فيصطدم سيارة متسببا في قتل سائقها ، فهل لايسأل هذا السائق نت أجل جريمة القتل ؟




(1) د/ رؤوف عبيد ، مبادئ القسم العام في التشريع العقابي ، مرجع سابق ، ص 306
(2) د/ عبد الله سليمان ، شرح قانون العقوبات ،القسم العام مرجع سابق ، ص 226
(3) ، (4) د/ منصور رحماني ، الوجيز في القانون الجنائي العام ، مرجع سابق ، ص 114-115

الواقع أن القصد غير المباشر يختلط تارة بالعمد المطلوب في الجرائم العمدية و تارة أخرى بالخطأ و الإهمال ، غير أن غالبية الفقهاء و كذلك القضاء يميلون إلى إعتبار القصد غير المباشر مجرد خطأ.
و مع ذلك فقد أخذ المشرع الجزائري بالقصد غير المباشر في بعض الجرائم و مثال ذلك ما نصت عليه المادة 399 قانون العقوبات بالنسبة لمرتكب الحريق العمد الذي يؤدي إلى موت شخص أو عدة أشخاص أو يسبب في إحداث عاهة أو جرح ، فهو يعاقب كما لو إرتكب القتل العمد أو الجرح المؤدي إلى عاهة . (1)
و من أهم تطبيقا القصد غير المباشر في قانون العقوبات الجزائري المدتان 263 ، 408 كأن يرتكب الجاني واقعة سرقة بسيطة و هي جنحة و عند لاذا السارق بالفرار إعترضه المجني عليه فقتله السارق للنجاة حتى و لو لم يقصد إحداث القتل في البداية و هكذا نصل إلى أن المشرع الجزائري كثيرا ما يحمل الجاني في الجرائم المتجاوزة القصد المبيت للمسؤولية عن النتائج المحتملة لقتله كما ذكرنا في جرائم الجرح و الضرب إذ ترتب عليها عاهة . (2)












(1) د/ أحسن بوسقيعة ، الوجيز في القانون الجزائي العام ، مرجع سابق ، ص 110
(2) مجلة الشرطة ، مرجع سابق ، ص 43







 

آخر تعديل yacine414 2011-04-16 في 15:44.
مساحة إعلانية
قديم 2011-04-16, 15:38   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
yacine414
عضو مميّز
 
إحصائية العضو









yacine414 غير متواجد حالياً


B10 تابع

الجرائم غير العمدية هي التي ترتكب دون قصد التصرف بصفة سيئة ، فمرتكبها يؤخذ عليه بأنه تصرف عكس ما يتصرف الإنسان المتبصر أو الفطن و الحذر ، فيعاقب إما على إهماله أو رعونته او عدم إنتباهه ة، أو عدم مراعاته للأنظمة ، أو عدم حذره ، و لهذا نص قانون العقوبات على سبيل الحصد لحالات الجرائم غير العمدية ، و هي في المادة 288 المتعلقة بالقتل غير العمدي ، و كذا المادة 289 من قانون العقوبات المتعلقة بالجروح غير المقصودة و المادة 442 / 2 منه الخاصة بالجروح غير العمدية التي لا يتجاوز الحجز فيها ثلاثة أشهر ، و كذا في مواد أخرى ، و تلك الحالات تتمثل في الرعونة و عدم الحذر و عدم الإنتباه و الإهمال و عدم مراعات الأنظمة . (1)
المبحث الأول: الخطأ غير العمدي و خصائصه
تشترط كل الجرائم لقيامها توافر الركن المعنوي ، و يتمثل الركن المعنوي بالنسبة للجرائم العمدية في القصد الجنائي ، أما الركن المعنوي في الجرائم غير العمدية فهو مجرد خطأ .
المطلب الأول : تعريف الخطأ
لم يعرف المشرع الخطأ و إستعمل عدة صور للتعبير عنه ، و عموما يمكننا تعريف الخطأ بأنه تقصير في مسلك الإنسان ، لا يقع من شخص عادي وجد في نفس الظروف الخارجية .
و لكن من هو الشخص العادي الذي يجب أن تقاس على صورته تصرفات الفاعل ؟ فأما القانون المدن يفقد إعتمد مفهوم الأب الصالح كمعيار موضوعي للرجل العادي ذي الحبطة و الحذر ، علما أن القضاء يسوي بين الخطأ المدني و الجزائي .
و أما القانون الجزائي فقد ترك الأمر للقاضي الذي عليه مقارنة تصرفات الفاعل بتصرف الرجل العادي في نفس الوضع الذي وجد فيه . (2)






(1) الأستاذ بن شيخ لحسن ، مبادئ القانون الجزائي العام ، مرجع سابق ، ص98 ، ص99
(2) د / أحسن بوسقيعة ، الوجيز في القانون الجزائي العام ، مرجع سابق ، ص 12

المطلب الثاني : خصائص الخطأ
لحكم ركن الخطأ في نطاق المسائلة الجنائية أربع خصائص رئيسية و هي (1)
- إنعدام القصد الجنائي
- إستناده إلى الجاني شخصيا
- المدى الذي يسأل بناءا عليه
- تقديره يخضع لمعيار موضوعي
أولا : انعدام القصد الجنائي
أي إنتفاء القصد الجنائي العام المطلوب في الجرائم العمدية و فيه تنصرف إرادة الجاني إلى إرتكاب الفعل المادي دون نية تحقيق أي نتيجة إجرامية معينة فهو عندما قام بسلوكه . كان مجردا من القصد العام و الخاص لإرتكاب الجريمة و يترتب على إنتفاء القصد الجنائي في الخطأ ما يلي :
إنتفاء الشروع : لأن الشروع يتطلب توفر قصد إتمام الجريمة بكافة اركانها ، و القصد المنعدم في الخطأ ، فالمخطأ الذي خابت إصابته خارج عن إرادته ، فلا يعتبر ذلك شروعا كما هو الحال في العمد ، بل لا جريمة إطلاقا في هذه الحالة و الخطأ لا يكون إلا لتحقيق جريمة ضارة في الجرائم المادية ، أو بإتيان السلوك المحضور في الجرائم الشكلية ، أما الشروع فمرتبط بالقصد الذي ينتفي في حالة الخطأ .
إنتفاء الإشتراك فيها : لأن الإشتراك يتطلب قصدين حيث حيث يقصد الشريك معاونة الفاعل الأصلي على إتمام الجريمة فإذا إنعدم القصد لدى الفاعل الأصلي فينعدم في باب أولي في فعل الشريك الذي يستمد صفته الإجرامية منه ، فالشخص الذي يطلب رصاصا لحشو سلاحه من أجل إطلاق النار على حيوان و أصاب إنسانا فإن الذي




(1) د/ رؤوف عبيد ، مبادئ القسم العام في التشريع العقابي ، مرجع سابق ، ص 348


قدم الرصاص لا يعتبر شريكا فإذا كان الذي أطلق النار صغيرا أو ضعيف العقل أو أنه معروف برداءة التصويب و سوء التصرف فإن معاونه يمكن أن يكون هو المخطئ الأصلي مثله مثل المصوب تماما كما يمكن أن يكون محرضا أو فاعلا معنويا و تتحدد صفته في ذلك بالنظر إلى الذي أطلق النار .
إنتفاء الظروف المشددة التي تتصل بالقصد :
مثل سبق الإسرار و الترصد لأن الجرائم الخطئية عارية من القصد الجنائي تماما .
ثانيا : إستناده إلى الجاني شخصيا :
أي أن الخطأ سلوك قاصر على من إرتكبه فلا يتحمل إي شخص مسؤولية ما لم يكن صدر منه خطأ شخصي فالإبن الذي أخذ سلاح أبيه و أصاب غيره ، يسأل الأب على أساس انه كان مهملا في مراقبة سلاحه ، أما لو أخذ الولد السلاح من بيت جاره مثلا فإن الجار هو الذي يكون مسؤولا لا الأب ، و هذا من الناحية الجنائية .
ثالثا : المدى الذي يسأل بناءا عليه :
أي حجم الخطأ المطلوب لترتيب المسؤولية الجنائية ، حيث إنقسم الفقه في ذلك إلى قسمين أولهما يذهب إلى أن الخطأ أثره مزدوج جنائي و مدني أي أن هناك خطأ جسيم تترتب عليه المسؤولية الجنائية و المدنية و آخر يسير يتطلب المسؤولية المدنية فحسب فهم يؤسسون هذا الرأي على القول بأن التعويض المدني مقصود به إصـلاح ضرر لحق إنسانا يخطئ مطلقا ( المجني عليه ) و الموازنة بين عدم خطأ المتضرر و خطأ الفاعل مهما كان يسيرا يقتضي وجوب التعويض ، أما العقوبة الجنائية فتهدف على تقويم إعوجاج الجاني لا إلى إصلاح الضرر خاصة أن الجاني قد ساهم في الضرر بإهماله أو رعونته أو غير ذلك ، مما يقتضي عليه تحمله للمسؤولية ، أما الأخطاء اليسيرة التي يخطأ فيها الناس كثيرا فلا تكلف المسؤولية الجنائية ، كما يرون الخطأ المدني الذي يتطلب التعويض مستقل في ذاته عن الخطأ الجنائي الذي يتطلب عقوبة ، فقد يسأل الشخص مدنيا كالصغير و المجنون و لا يسأل جنائيا .






و أما القسم الثاني من الفقه فيذهب على وحدة الخطأ في النطاقين معا ، فليس هناك ما يسمى بالخطأ الجسيم و الخطأ اليسير و يقولون أن التفريق بينهما ليس له ضابط ، و هو يخضع للتحكم ، و يؤدي إلى إفلات الجاني من المسؤولية الجنائية من عواقب خطئه و إهماله و اقتصاره على المسؤولية المدنية التي لا يتأثر بها بسبب وجود شركة تأمين و القول بوحدة الخطأ يزيد من الترابط بين القانونين المدني و الجنائي في مكافحة صور الإهمال المختلفة و نشير إلى أن محكمة النقض الفرنسية تتفق مع الرأي الأخير فأي قدر من الخطأ يكفي لتحمل المسؤولية الجنائية و إستقر على ذلك القضاء الفرنسي بخلاف الفقه القئل بالرأي الأول ، كما أن هناك جزءا من الفقه الفرنسي يتماشى مع محكمة النقض و القضاء .
المبحث الثاني : صور الخطأ و أنواعه
المطلب الأول : صور الخطأ
نصت المادة 288 قانون العقوبات الجزائري على خمسة صور للخطأ حيث ورد فيها " كل من قتل خطأ أو تسبب في ذلك برعونته أو عدم إحتياطه ، أو عدم إنتباهه أو إهماله ، أو عدم مراعاته اللأنظمة يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاثة سنوات و بغرامة من ألف (1000 دج) إلى عشرون ألف (20000 دج ) " و ليس هذه الصور خاصة بالقتل بل تشمل الجرح أيضا كما في المادة 289 ، كما أن هناك مواد أخرى تضمنت بعض صور الخطأ كالمادتين 157 ، 159 قانون العقوبات الجزائري اللتين تضمنتا الحديث عن الإهمال ، كما تضمنت الفقرة الثانية من المادة 442 قانون العقوبات الجزائري جميع صور الخطأ تماما مثل المادة 288 ، كما تضمنت المادة 457 صورتي عدم الإحتياط و الرعونة ، و سوف نفصل كل صورة على حدى
الرعـونـة :
هذه الكلمة تعني في اللغة الحمق و الإسترخاء ، و من ثم فهي تشيد إلى الطيش و الخفة و نقص المهارة و الخبرة التي تتطلبها بعض الأعمال ، و مثال ذلك أن يقوم شخص بتحريك آلة و هو يجهل كيفية إستعمالها فتؤدي إلى جريمة و مثالها أيضا ما يتسبب فيـه المهندسون


والأطباء عند الشرع في أعمالهم مما يؤدي إلى أخطـاء جسيمة يترتب عليها إصابات متفاوتة (1)
كما يقصد بها كذلك سوء التقدير أو عدم الإلمام بقواعد مهنة ما (2) و قد تظهر في واقعة مادية تنطوي على خفة و سوء التصرف ، و مثال ذلك طيش الوالدة التي تنقلب في سريرها على ولدها الصغير و هو نائم فيموت ، و ربة المنزل التي ترمي جسما صلبا من النافذة يصيب عابر سبيل . (3)
عـدم الإحتيــاط :
و هي نقص في الحذر الذي يستلزمه ممارسة بعض الأعمال الخطرة كالقيام بهدم بناء دون إتخاذ الإحتياطات اللازمة لحماية الغير و في هذه الحالات يدرك الجاني خطورة فعله و ما يحتمل أن يترتب عليه من نتائج ، و لكنه لا يتخذ الإحتياطات التي تحول دون تحققها بما يتمثل في نقص الحذر الواجب (4)
كما يمكن القول بأنه عدم التبصر بالعواقب ، و في هذه الصورة يدرك الفاعل أنه قد يترتب على عمله نتائج ضارة و مع ذلك يقدم على النشاط (5)
ومثال ذلك كأن يقود شخص سيارة بسرعة بالقرب من مدرسة مع علمه و توقعه بخروج التلاميذ فجأة بين الحينة و الأخرى ، و لكنه غلب على إعتقاده عدم خروجهم في هذا الوقت فصدم طفلا ، و الإحتياط في الأصل هة التعرف مع توقع الأسوء (6)
عـدم الإنتبـاه :
و هو حالة من حالات عدم الإحتياط و لكن عدم الإنتباه يتميز بعدم التيقظ و لكن الفاعل يتمسك بالأمل كالسائق الذي يسير بجوار حفرة في طريق ضيق و لا يبذل حيطة خاصة . (7)




(1) (6) د/ منصور رحماني ، الوجيز في القانون الجنائي العام ، مرجع سابق ، ص 119
(2) (7) مجلة الشرطة ، مرجع سابق ص 44
(3) (5) أحسن بوسقيعة ، الوجيز في القانون الجنائي العام ، مرجع سابق ، ص 112
(4) د/ عادل قورة ، محاضرات في قانون العقوبات ، القسم العام ، الجريمة ، ديوان المطبوعات الجامعية ، الطبعة الرابعة ، سنة 1994 ، ص 160

و عدم الإنتباه هو من التصرفات السلبية ، و مثال ذلك ، الشخص الذي يقوم بحفر بئر و لا يقوم بإضاءة المكان أو تغطيته ، فإذا حدثت أضرار للغير نتيجة ذلك فإنه يسأل جزائيا (1)
الإهـمـال :
هو الإمتناع عن عمل وجب فعله ، للإستفهام فإن الإهمال حالة من حالات الخطأ الحاصل بوسيلة سلبية كالذي يترك سيارته لشخص غير مرخص له بالقيادة ، هنا إعتمد الفاعل موقفا سلبيا عن القيام بما هو واجب عليه و تركه إلتزاما مفروضا في مسلكه الشخصي ، و التلكؤ عن إتخاذ التدابير و الإحتياطات و الوسائل الضرورية و المناسبة لتفادي وقوع الفعل الجرمي ، و بالتالي حدوث النتيجة الضارة و تتسع هذه الصورة إجمالي لتشمل كافة معالم قلة الإدراك و قصر المعرفة و إنعدام الخبرة و الدراية و إنتقاء الحذر و التبصر و الإنتباه و الإغفال .
و مثال ذلك الممرضة التي تحقن المريض دون تجرى عليه خبرة الحساسية ، و الطبيب الذي ينسى آلة في بطن المريض إثر عملية جراحية (2)
عـدم مراعـاة الأنظمـة :
قد ينص القانون على بعض القواعد المنظمة للمصالح و عدم مراعاتها قد يؤدي إلى وقوع جرائم و إصابات و ما يحدث بسبب ذلك فهو من الخطأ. (3)
و يتعين أخذ عبارة الأنظمة بمفهومها الواسع الذي يشمل القوانين و اللوائح التنظيمية بل و حتى أنظمة بعض المهن و الحرف المنظمة ، و يعود الخطأ في هذه الصورة إلى إعتماد الفاعل لا شرعيا في عدم إنطباق سلوكه الشخصي أو المهني على المسلك المقرر في القواعد و التعليمات الصادرة عن السلطات المختصة بغية تنظيم شؤون و أمور معلومة ، و عدم مراعات الأنظمة يكون مخالفة معاقب عليها ، إن لم يترتب عليه أي ضرر. (4)








(1) الأستاذ بن شيخ لحسن ، مبادئ القانون الجزائي العام ، مرجع سابق ، ص 100
(2) (4) د/ أحسن بوسقيعة ، الوجيز في القانون الجزائي العام ، مرجع سابق ، ص 113-114-115
(3) د/ منصور رحماني ، الوجيز في القانون الجنائي العام ، مرجع سابق ، ص 120

و الخطأ في عدم مراعاة الأنظمة و القوانين إنما هو خطأ مستقل بحد ذاته لا يتعلق بالإهمال و إنما مجرد المخالفة للوائح يتحقق معه الخطأ حتى و لو لم يتحصل الضرر فإذا حصل الضرر كنا أمام خطأ قد يدخل في الإهمال أو الرعونة أو عدم الإنتباه أو عدم الإحتياط ، و لتوضيح الفكرة أكثر نقول لاشك أن القانون يشترط لوجوب معاقبة أن يتوافر لديه القصد أعني الخطأ العمدي ، فإذا لم يتوافر القصد الجنائي لا تقوم المسؤولية الجنائية ضده إلا إذا إرتكب خطأ يعاقب عليه القانون الجنائي الوارد في المادة 288 السالفة الذكر و عليه فتوافر القصد ليس بشرط أساسي إلا في الجريمة العمدية و قد حصرها أغلب الفقهاء في الجناية و الجنح ، أما المخالفات و الجرائم غير العمدية فيكفي مجرد وجود خطأ من جانب الفاعل و هنا نكون أمام حالتين :
* الحالة الأولى : يكتفي فيها المشرع لقيام الجريمة غير العمدية مجرد حصول خطأ و لو بسيط من جانب الفاعل بصرف النظر عن النتيجة أقول سواء حصل الضرر أم لم يحصل كما هو في عدم مراعاة الأنظمة و لكن هنا نستبعد المسؤولية إذا أثبت الفاعل إنعدام إرادته بسبب قهري أرغمه على المخالفة ( السبب الأجنبي بصفة عامة ) .
* الحالة الثانية : في هذه الحالة لا يعاقب القانون الفاعل على الخطأ وحده بل لا بد من تواجد ضرر بسبب الخطأ وحده بل لا بد من تواجد ضرر بسبب الخطأ كما هو الحال في القتل بإهمال ، و عليه فحتى تقوم المسؤولية الجنائية يجب توافر شروط ثلاثة كما أسلفنا القول في عناصر الركن المادي أي :
1) يجب أن يكون الخطأ من جانب الفاعل و يعتبر الشخص مخطئ إذا ترتب على تصرفه إصابة من الممكن تجنبها بشيئ من الحيطة .







2) يجب أن يؤدي الخطأ إلى إحداث نتيجة يعتبرها القانون أي ورد بشأنها نص عقابي كالقتل و الجرح الخطأ بحيث إذا أدى إلى إحداث ضرر لا نص عليه في قانون العقوبات فلا تقوم المسؤولية الجنائية ، مهما كان الخطأ جسيما لأن المشرع هو الوحيد الذي له صلاحية تجريم الأفعال ( و قد يسأل الفاعل بناءا على المادة 124 من القانون المدني و ذلك لإجبار ذلك الضرر أي إسترداد العين أو قيمتها أو مثلها ) .
3) يجب أن يكون خطأ الفاعل هو المحدث للضرر بحيث تربط بينهما السببية .
و إذا ما وصلنا التمعن في ألفاظ المشرع نجده يقيم الركن المعنوي في جرائم الخطأ فهو يحاسب الفاعل عن خروجه على الإلتزام الخلقي أو القانوني و يظهر هذا بالتعرف على خطأ الجاني دونما أن تتوافر لديه الإرادة الآثمة أو بمعنى آخر عدم توافر القصد الجنائي لديه لكن على الرغم من فرض المشرع لإتحاد القصد و الخطأ فإن التمييز بينهما أي بين الجرائم العمدية ذات القصد و غير العمدية المتخلقة القصد يظهر في النتائج التالية :
1) عدم إمكانية تصور الشروع في الجرائم غير العمدية لأن الشروع يستلزم النية الإجرامية و الجناية مبدئيا أو الجنحة إستثناءا.
2) عدم تصور الإشتراك في جرائم الخطأ لأن الإشتراك في الجريمة يستلزم توافر قصد المعاونة و المساعدة للفاعل الأصلي فإذا هو غير متصور لدى الشريك .(1)
* معيار الخطأ المعاقب عليه :
قدمنا فيما سبق أن تقدير توافر الخطأ ينظر إلى مادياته بعكس القصد الجنائي الذي يتجسد في النزعة النفسية للإجرام لدى الشخص أقصد أن الخطأ يساد فيه المعيار المادي أما النية الإجرامية فيتحكمها المعيار الذاتي و طبقا لإستخدام المعيار المادي في الخطأ تتم المقارنة بين الفعل المنسوب للجاني و بين ما يمكن أن يصدر من شخص آخر متوسط الحذر لا يقع فيما وقع فيه المخطئ ، فخطئه غير عمدي إلا إذا كان هذا الشخص المتوسط الحذر لا يقع فيما وقع فيه المخطئ .
(1) مجلة الشرطة ، مرجع سابق ص 44

* طبيعة الخطأ المعاقب عليه و درجاته :
كيف نعرف مقدار الخطأ اللازم لتحقيق المسألة و هل طبيعة تعويض الخطأ الجنائي واحدة لا تختلف عن طبيعة الخطأ المدني ، إفترق الفقهاء في التمييز بين الخطأ الجنائي و الخطأ المدني ، ففريق جعل الخطأ الجنائي الموجب للعقاب هو أن يصل إلى درجة معينة من الجسامة و لا ينبع من مسألة المرء مدنيا على الرغم من عدم توافر الخطأ الجنائي الجسامة و يستدل على ذلك نص المادة 124 قانون المدني " كل عمل أيا كان يرتكبه المرء يسبب ضرر للغير يلزم من كان سببا في حدوثه بالتعويض " ذلك لأن القانون المدني لا يفرق في المسألة بين درجات الخطأ بل يسأل المخطأ و لو كان خطأه تافها و هكذا قالوا بأن الخطأ الجنائي يختلف عن الخطأ المدني في كون :
1) الأول ( الجاني ) : فينظر فيه من حيث الضرر الذي يقع على المجتمع ، أما الثاني ( المدني ) فينظر فيه من حيث الضرر الذي يتكبده الفرد .
2) من حيث مرجع تقديرهما عند القاضي فجزاء الخطأ الجنائي عقوبة رادعة أما جزاء الخطأ المدني فهو تعويض مالي و بالتالي غالبا جزاء خفيف .
أما الفريق الآخر و نحن نجاريه فالخطأ الجنائي في عقيدته لا يختلف عن الخطأ المدني فأي خطأ يرتب المسؤولية المدنية يرتب في الوقت ذاته المسؤولية الجنائية و يستدل على ذلك بخلو التشريع العقابي من الإشارة صراحة أو ضمنا إلى إستلزام درجة معينة من الجسامة في الخطأ الجنائي لأن المعيار القانوني السائد إلى تقسيم الجريمة إلى جناية ، جنحة ، مخالفة ، أي أن الجزاء يجسد بالعقوبة لا بمقدار الضرر ، و عليه نصل في الأخير إلى أن التفرقة بين الخطأين أمر لا يفق مع العدالة و مبادئ المنطق السليم ، بل إن وحدة الخطأ ضمان لتحقيق الغاية إجتماعية واحدة في نظام قانوني لدولة إذ موحدة من المستهجن عقليا و عرقيا قبول التناقض بين القضاء المدني و القضاء الجنائي أمام الخطأ الواحد لمفترق واحد حتى و إن تعددت الغايات .




لا يكفي لقيام الجريمة التامة المنتجة لتقرير المسؤولية الجنائية بأن يصدر على الجاني سلوكا إجراميا ذو مظهر مادي يجرم القانون إتيانه أو الإمتناع عن القيام به ، بل لا بد من توافر ركنا معنويا بمثل الإرادة الآثمة المعبر عنها بالقصد الجنائي و هو يتخذ إحدى الصورتين ، إما القصد المتعمد و هو القصد الجنائي و إما الخطأ غير متعمد و المعبر عنه بالخطأ الجنائي الخالي من الإثم .
المطلب الثاني : أنواع الخطأ
قد يرتكب الجاني جريمة بناءا على خطأ ، و هذا الخطأ قد يكون في الوسيلة المستعملة ، و قد يكون في النتيجة ، و فيما يلي نفصل القول في كل منهما و نرى علاقته بالقصد الجنائي : أ أولا : الخطأ في الوسيلة :
الأصل أن القانون لا يعتمد على الوسيلة و لا يتحدث عنها إلا في القتل بالتسمم ، و ما عدا ذلك فإن الغلطة فيها أو الجهل لا يؤثر بأي نحو على الضابط المعنوي للجرائم العمدية ، فإعطاء ممرضة لمريض جرعة من الدواء وضع فيه شخص آخر مغافلة عنها سما قاتلا نشأ عنه موت المريض ، أو تقديم زوجة إلى زوجها شرابا على أساس كونه قاتلا فإذا به دواء ، فيرقد الخطأ في كل من هاتين الحالتين إلى الغلط غير المقصود (1)
ثانيا : الغلـط فـي النتيجـة :
الأصل أن الخطأ في النتيجة لا يعد جوهرا و لا يؤثر في انعدام القصد الجنائي ، كما لا يؤثر على المسؤولية و ل على وصف الجريمة ، فمن سرق سوارا اعتقده من الذهب الخالص فإذا به من الذهب المصطنع الوهمي فإن هذا الخطأ لا ينفي القصد و لا يعفيه من المسؤولية و الإستثناء على القاعدة الذي يحول الجريمة من جريمة عمدية تتوفر على القصد الجنائي إلى جريمة خطئية تكون حين الغلط في إنسان حي فإذا أطلق صياد النار في غابة على ما إعتبره وحشا أو طريدة و أصابه إصابة قاتلة ، و تبين أن الضحية كان إنسانا قابعا في ذلك المكان فلا يعاقب (2)



(1) (2) د/ منصور رحماني ، الوجيز في القانون الجنائي العام ، مرجع سابق ، ص 124

المبحث الثالث : الخطأ غير العمدي في قانون العقوبات الجزائري
إن المتأمل في قانون العقوبات الجزائري يجد أنه قد نص بصراحة على بعض الجرائم العمدية مثل القتل و الجنايات الأخرى الرئيسية و أعمال العنف العمدية في المادة 254 من قانون العقوبات الجزائري و ما بعدها ، و قد استعمل لفظ العمد للدلالة على توافر القصد الجنائي كما صرح أيضا ببعض الجرائم الخطأية ، و استعمل لفظ الخطأ صراحة كما هو الشأن في القتل الوارد في المادة 288 من قانون العقوبات الجزائري كما استعمل الألفاظ المعبرة عن صور الخطأ كما هو الشأن في المادتين 457 ، 289 من قانون العقوبات الجزائري التي عبر فيها بالرعونة و عدم الإحتياط و المواد 67 ، 66 من قانون العقوبات الجزائري مما يعبر أيضا على إنتفاء القصد الجنائي و الملاحظ أن القانون قد إعتبر كل هذه الجرائم مخالفات أو جنح عدا ما ورد في المادة 66 من قانون العقوبات الجزائري حيث إعتبر إتلاف وثائق متعلقة بأسرار الدفاع الوطني أو تصويرها أو إبلاغها إلى من لا صفة له بالإطلاع عليها أعتبر ذلك جناية و هي إستثناء من العقوبة عن الخطأ .
و من الملاحظ أيضا أن القانون قد نص على جرائم متعددة دون الإشارة إلى القصد الجنائي فيها مما يبعث على الخلاف في كونها جرائم عمدية أو خطأية كما هو الحال في المادة 455 من قانون العقوبات الوطنية و التي تعاقب كل من أتلف أو خرب الطرق العمومية و أخذ حشائش أو تربة من الطرق العمومية . (1)
و فيما يلي سنتطرق إلى خطأ المخالفة ، كنا نتطرق أيضا إلى وحدة عدم الإحتياط الجزائي و الخطأ المدني .






(1) د/ منصور رحماني ، الوجيز في القانون الجنائي العام ، مرجع سابق ، ص

المطلب الأول : التمييز بين الخطأ الجزائي و خطأ المخالفة
أولا : الخطأ الجنائي
تشرط كل الجرائم لقيامها توافر الركن المعنوي ، و يتمثل هذا الأخير بالنسبة للجرائم العمدية في القصد الجنائي أما في الجرائم غير العمدية فهو مجرد خ ، الجرح الخطأ المادتان طأ أهم الجرائم غير العمدية التي وردت في قانون العقوبات الجزائري هي القتل الخطأ المادة 288 الجرح الخطأ المادتان 289 ، 442 ، الحريق غير العمدي المادة 450 ، رمي القاذورات بدون إحتياط المادة 467 ، التسبب في قتل حيوان المادة 457 ، إهمال الحراس إذاترتب عليه هرب المسجونين المادة 130 ، و نضيف إليها الحارس أو الأمين على أسرار الدفاع الذي يتسبب بكشفها بإهماله أو عدم إحتياطه أو عدم مراعاته للأنظمة المادة 66 /2 و هي جناية معاقب عليها بالسجن المؤقت من خمس إلى عشر سنوات .
كما نصت بعض القوانين الخاصة على الجرائم غير العمدية ، نذكر منها القانون رقم 98/ 06 المؤرخ في 27 يونيو 1998 المتضمن تحديد القواعد العامة المتعلقة بالطيران المدني المادتان 205 ، 206 . (1)
ثانيا : الخطأ المخالفة
و هو لا يشترط لقيامه عدم الإحتياط أو إهمال و إنما يقوم بمجرد مخالفة موجبة ، ينص عليها القانون أو التنظيم بصرف النظر عما إذا كانت هذه المخالفة قد صدرت عن قصد أو بسبب عدم إحتياط بحسن نية أو عن جهل .
و من قبل خطأ المخالفة الخطأ الذي تنطوي عليه جل المخالفات بإستثناؤ المخالفات العمدية المنصوص عليها في المواد 440 ، 440 مكرر و 442 -1 و 442 – 2 من قانون العقوبات الجزائري ، ( إهانة مواطن مكلف بأعباء خدمة وطنية ، سب أو إهانـة مواطـن



(1) أحسن بوسقيعة ، الوجيز في القانون الجزائي العام ، مرجع سابق ، ص 111


عندما يرتكبه مواطن ، أعمال العنف العمدية ) و مخالفات عدم الإحتياط المنصوص عليها في المادة 442 / 2 من قانون العقوبات .
بل إن الركن المعنوي لبعض الجنح يتمثل في خطأ المخالفة مثلما هو الحال في الجنح الجمركية و عموما لا يستلزم خطأ المخالفة وجود ضرر ، مرد ذلك إلى كون المخالفة تتمثل غالبا في عدم إحترام تدابير بوليس أو قاعدة تعد ضرورية لحفظ النظام و هذا ما أدى بالبعض إلى الحديث عن الجرائم المادية التي لا تستلزم لقيامها ، توافر الركن المعنوي و ينطبق هذا الوصف على مخالفة المرور و بعض الجنح مثل الجنح الجمركية و جنح المنافسة و الأسعار .
و مع ذلك يستلزم خطأ المخالفة أن يصور الفعل عن إرادة حرة ومن ثم تنعدم مسؤولية مرتكبيها في حالة القوة القاهرة أو الجنون أو حالة الضرورة أو إنعدام التمييز ، تحصيلا لما سبق يمكننا القول أن كل الجرائم تشترط لقيامها توافر ركن معنوي ، فأما الجرائم العمدية فيتمثل ركنها المعنوي في القصد الجنائي ، و أما الجرائم غير العمدية فيتمثل ركنها المعنوي في الخطأ الجزائي .
يكون الخطأ ملازما للضرر بجنح عدم الإحتياط ( القتل و الجرح العمدي ، القتل و الجرح الخطأ ) في حين لا يستلزم الضرر في المخالفات التي يعاقب عليها بمجرد خرق حكم قانوني أو تنظيمي سند المشرع لصالح الأمن العمومي . (1)
المطلب الثاني : وحدة الخطأ الجنائي و الخطأ المدني
كيف نعرف مقدار الخطأ اللازم لتحقيق المسؤولية و هل طبيعة تعويض الخطأ الجنائي واحدة لا تختلف عن طبيعة الخطأ المدني ، إفترق الفقهاء في التميز بين الخطأ الجنائي و الخطأ المدني ، ففريق جعل الخطأ الجنائي الموجب للعقاب هو أن يصل إلى درجة معينة




(1) د/ أحسن بوسقيعة ، الوجيز في القانون الجزائي العام ، مرجع سابق ، ص 116

الجسامة و لا تمنع من مسؤولية المرء مدنيا على الرغم من عدم توافر الخطأ الجنائي بتلك الجسامة و يستدل على ذلك بنص المادة 124 من قانون المدني " كل عمل أيا كان يرتكبه المرء يسبب ضرر للغير يلزم من كان سببا في حدوثه بالتعويض " .
ذلك لأن القانون المدني لا يفرق في المسألة بين درجات الخطأ بل يسأل المخطئ و لو كان خطؤه تافها و هكذا قالوا بأن الخطأ الجنائي يختلف عن الخطأ المدني كون :
1- الأول ( الجنائي ) فينظر فيه من حيث الضرر الذي يقع على المجتمع أما الثاني ( المدني ) فينظر فيه من حيث الضرر الذي يتكبده الفرد .
2- من حيث مرجع تقديرهما عند القاضي ، فجاز الخطأ الجنائي عقوبة رادعة ، أما جزاء الخطأ المدني فهو تعويض مالي ، و بالتالي غالبا جزاء خفيف ، أما الفريق الآخر و نحن نجاريه فالخطأ الجنائي في عقيدته لا يختلف عن الخطأ المدني ، فأي خطأ يرتب المسؤولية المدنية يرتب في الوقت ذاته المسؤولية الجنائية و يستدل على ذلك بخلوا التشريع العقابي من الإشارة صراحة أو ضمنا إلى إستلزام درجة معينة من الجسامة في الخطأ الجنائي ، لأن المعيار القانوني السائد إلى تقسيم الجريمة إلى جناية ، جنحة ، مخالفة أي أن الجزاء يحسب بالعقوبة لا بمقدار الضرر ، وعليه نصل في الأخير إلى أن التفرقة بين الخطأين أمر لا يتفق مع العدالة و مبادئ المنطق السليم ، بل أن وحدة الخطأ ضمان لتحقيق غاية إجتماعية واحدة في نظام قانوني لدولة موحدة فمن غير المعقول قبول التناقض بين القضاء المدني و القضاء الجنائي أمام الخطأ الواحد المفترق واحد حتى و إن تعددت الغايات . (1)






(1) مجلة الشرطة ، مرجع سابق ، ص 44 ، 45


الخـاتمـة

إن الغرض من دراسة أركان الجريمة هو إثباتها و نسبتها إلى فاعل معين حتى يتحمل المسؤولية على سلوكه ، و لا يكفي الإلمام بالركن المادي لإسناد المسؤولية لخص ما ، فالركن المادي يعبر عن جسد الجريمة ووجودها ، بينما يعبر الركن المعنوي على الناحية المعنوية للجريمة ، و بها تنسب إليه ، وشتانا بين من إرتكب الجريمة عن علم و قصد و إرادة و بين من فعل ذلك خطأ .
و لهذا يجب أن نميز بين الجرائم العمدية و الجرائم غير العمدية فالأولى هي كل الجنايات تقريبا و أغلب الجنح ، و كذا جزء كبير من المخالفات و هذت نتيجة توافر القصد الجنائي و الذي نسميه أحيانا التدليس العام و الذي يتمثل في أن يتدخل الفاعل بإرادته بهدف إرتكاب فعل غير مشروع مع تمتعه بكل قواه العقلية .
أما النوع الثاني و هو الجرائم غير المقصودة و هي التي ترتكب دون قصد التصرف بصفة سيئة فمرتكبها يؤخذ عليه بأنه تصرف عكس ما يتصرف الإنسان التبصر ، فيعاقب إلا على إهماله أو رعونته أو عدم إنتباهه أو عدم مراعاته للأنظمة و القوانين .
فقد نص قانون العقوبات صراحة على بعض الجرائم العمدية مثل القتل و أعمال العنف العمدية في المادة 254 و ما بعدها فقد إستعمل لفظ العمد للدلالة على توافر القصد الجنائي ، كما صرح في بعض الجرائم غير العمدية مستعملا لفظ الخطأ صراحة كما هو الحال في القتل الخطأ الوارد في المادة 288 ، كما إستعمل الألفاظ المعبرة عن صور الخطأ كما هو الشأن في المواد 166 ، 457 ، 189 التي عبر فيها بالرعونة و عدم الإحتياط و المواد 190، 159 ، 157 التي عبر فيها بالإهمال ، و هذه الألفاظ كلها تعبر عن صور الخطأ .
كما إستعمل لفظ بغير قصد في عدة مواد مثل 442 ، 67 ، 66 ، مما يعبر عن إنتفاء القصد الجنائي .




و الملاحظ أن القانون إعتبر كل هذه الجرائم مخالفات أو جنح عدا ما ورد في المادة 66 حيث إعتبر إتلاف وثائق متعلقة بأسرار الدفاع الوطني أو تصويرها أو إبلاغها إلى من لا صفة له للإطلاع عليها ، إعتبر ذلك جناية و هي إستثناء من العقوبة من الخطأ .
كما ، القانون قد نص على جرائم متعددة دون الإشارة إلى القصد الجنائي مما يبعث على الخلاف في كونها جرائم عمدية أو غير عمدية كما هو الحال في المادة 455 التي تعهاقب كل منأتلف و خرب و أخذ حشائش أو تربة من الطرق العمومية .



المراجـــع

1) د/ أحسن بوسقيعة ، الوجيز في القانون الجزائي العام ، الديوان الوطني للأشغال التربوية الطبعة الأولى ، الجزائر ، 2002 .
2) عبد الله سليمان ،شرح قانون العقوبات – القسم العام،دار الهدى،عين مليلة،الجزائر 2000 .
3) محمد صبحي نجم ، شرح قانون الإجراءات الجزائية الجزائرية ، ديوان المطبوعات الجامعية ، الجزائر ، 1995 .
4) د/ محمد زكي أبو عامر ، د/ فتوح عبد الله الشاذلي ، مبادئ علم الإجرام و العقاب ، منشأة المعارف ، الإسكندرية ، 1995 .
5) الأستاذ بن شيخ لحسين ، مبادئ القانون الجزائي العام ، دار هومة للطباعة و النشــر و التوزيع الطبعة الثانية ، الجزائر ، 2000 .
6) د/ رؤوف عبيد ، مبادئ القسم العام في التشريع العقابي ، دار الفكر العربي ، 1979 .
7) سمير عالية ، شرح قانون العقوبات – القسم العام ، دار المطبوعات الجامعية ، الإسكندرية 2006 .
8) د/ منصور رحماني ، الوجيز في القانون الجنائي العام ، دار العلوم للنشر و التوزيع ، عنابة 2006 .
9) د/ عادل قورة ، محاضرات في قانون العقوبات – القسم العام – الجريمة ، ديوان المطبوعات الجامعية ، الطبعة الرابعة ، 1994 .
10) مجلة الشرطة العدد 54 .







الأعضاء الذين قالوا بارك الله فيك/ شكراً لـ yacine414 على المشاركة المفيدة:
قديم 2011-04-21, 11:52   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
zoubour
عضو مبـدع
 
الصورة الرمزية zoubour
 

 

 
إحصائية العضو









zoubour غير متواجد حالياً


افتراضي

بارك الله فيك أخ ياسين على هذا العمل الجبار الذي أنت في صدد القيام به.







قديم 2011-04-21, 21:09   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
لقاء الجنة
عضو ماسي
 
الصورة الرمزية لقاء الجنة
 

 

 
إحصائية العضو









لقاء الجنة غير متواجد حالياً


افتراضي

مشكور يآ اخي ~

احسنت ودام قلمك ساطعا~

ـآآلله يعطيك ـآآآلــف عآآآآفية ّ~

دمتـ~








 

الكلمات الدلالية (Tags)
المعنوي, الجرائم, الركن, العمدية

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع



الساعة الآن 05:20

المشاركات المنشورة تعبر عن وجهة نظر صاحبها فقط، ولا تُعبّر بأي شكل من الأشكال عن وجهة نظر إدارة المنتدى
المنتدى غير مسؤول عن أي إتفاق تجاري بين الأعضاء... فعلى الجميع تحمّل المسؤولية


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
2006-2013 © www.djelfa.info جميع الحقوق محفوظة - الجلفة إنفو (خ. ب. س)
Protected by CBACK.de CrackerTracker