دراسات في تاريخ الاقتصاد والفكر الاقتصادي" - منتديات الجلفة لكل الجزائريين و العرب

العودة   منتديات الجلفة لكل الجزائريين و العرب > منتديات الجامعة و البحث العلمي > الحوار الأكاديمي والطلابي > قسم أرشيف منتديات الجامعة

قسم أرشيف منتديات الجامعة القسم مغلق بحيث يحوي مواضيع الاستفسارات و الطلبات المجاب عنها .....

http://www.up.djelfa.info/uploads/141389081779231.gif

 

في حال وجود أي مواضيع أو ردود مُخالفة من قبل الأعضاء، يُرجى الإبلاغ عنها فورًا باستخدام أيقونة تقرير عن مشاركة سيئة ( تقرير عن مشاركة سيئة )، و الموجودة أسفل كل مشاركة .

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 2010-01-12, 21:29   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
hind1991
عضو مجتهـد
 
إحصائية العضو









hind1991 غير متواجد حالياً


Bounce دراسات في تاريخ الاقتصاد والفكر الاقتصادي"

"دراسات في تاريخ الاقتصاد والفكر الاقتصادي"

للدكتور ابراهيم كبة


بيّنت الدراسات في تاريخ الاقتصاد والفكر الاقتصادي بأن المجتمع البشري واجه، منذ فجر التاريخ، ظواهر اقتصادية واجتماعية مختلفة كانت ذات صلة عميقة بطبيعته. ومن هنا ظهرت الحاجة الى التعرف والى المعرفة والى امتلاك فهم وادراك دقيق لمختلف هذه الظواهر. ويأتي "الفكر الاقتصادي والتاريخ الاقتصادي" بمثابة جهد وعمل كبير لما قام به المفكرون الاقتصاديون عبر عصور عديدة، في سبيل ايجاد مفاهيم وأفكار للظواهر الاقتصادية بغية معرفتها والتكيف او التكم بها، وجعلها أكثر ملائمة للاستيعاب عند الضرورة. وأن دراسة الاقتصاد وفهمه يرتهنان ايضاً بالمنج الذي يستخدمه هذا الكاتب او ذاك، هذا الباحث او ذاك، هذا الفيلسوف او ذاك، لغرض فهمه وادراك أبعاده.

الفكرة العامة للكتاب


يأتي مؤلف د. ابراهيم كبة "دراسات في تاريخ الاقتصاد والفكر الاقتصادي"، الصادر عام 1970 عن مطبعة الارشاد – بغداد، الطبعة الاولى – الجزء الاول، والذي ساعدت جامعة بغداد على طبعه، ويحتوي على 560 صفحة من الحجم المتوسط، متضمناً مقدمة حول مواد الكتاب في صفحة 7 الى صفحة 48، والقسم الاول تحت عنوان "تاريخ الاقتصاد" من 49 – 262) صفحة. وهو مقسم الى اربعة فصول. الفصل الاول "مقدمة في الادب الاقتصادي (51 – 82)، والفصل الثاني "نظرية انماط الانتاج" (83 – 111)، والفصل الثالث "نظام المشاعية البدائية" (112 – 138)، والفصل الرابع "نظام العبودية" (139 – 262). والقسم الثاني يحمل عنوان "في تاريخ الفكر الاقتصادي" في الصفحات 263 – 559. وقد وضعه في فصول. الفصل الاول "ملاحظات عامة" (ص 264 – 334)، والفصل الثاني "الفكر العبودي" (335 – 380)، والفصل الثالث "الفكر الاقطاعي" (381 – 419)، والفصل الرابع تحت عنوان "شومبيتر والفكر السكولائي" (420 – 459)، والفصل الخامس "الماركنتيلية" (490 – 532)، والفصل السادس "الكامرالية" (533 – 556). واضعاً لكل قسم او فصل من فصوله فهرساً تفصيلياً خاصاً مع هوامش وحواشي لمزيد من التفصيلات، وبعض المفردات المعرفية الخاصة بآراء المفكرين وتواريخ تناولهم للمادة المطروحة.
فلم يكتف المؤلف بمراجعة المصادر الثانوية، بل بذل مجهوداً كبيراً في الرجوع الى المؤلفات الاصلية لاصحاب المذاهب والآراء، وبلغتهم الاصلية، موفراً مادة مليئة بالعطاءات التاريخية والفكرية، وبالوقائع والنظريات وملاحظاته النقدية لها، التي تشكل مادة غنية بين أيدي الدارسين والباحثين والقراء، للاستفادة منها، وأن تكون حافزاً للتعمق اكثر وللتحليل ولمراجعة الاصول التي اعتمدها المؤلف.


المنهج العام للكتاب


تناول د. كبة في القسم الاول "التاريخ الاقتصادي" في الصفحات 49 – 262، بعد مقدمة للتحليلات اللمية، مقدماً مادة منهجية منذ البدايات، تناول أسسه المنهجية، حيث يضع عناوين كمقدمة عامة في مادة التاريخ الاقتصادي، تشمل:
أ – موضوع التاريخ الاقتصادي الذي يعني، حسب المؤلف، بدراسة النشاطات الاقتصادية Activities، كما في الواقع، او حسب تعبير اندريه بيتر Andre Pietter يعني بتاريخ الحياة الاقتصادية Vie او بتاريخ الوقائع الاقتصادية Faits، حسب تعبير مؤرخي الاقتصاد الفرنسيين او بتاريخ الخبرات والتجارب الاقتصادية Experiences حسب تعبير شمبيتر Schumpeter او بتاريخ تطور العمليات الاقتصادية، متجسدة عبر الزمن Process حسب تعبير اوسكار لانجه او تاريخ تعاقب الانظم الاقتصادية Economic Systems.
ب – كما يتناول المؤلف أساليب عرض المادة في المؤلفات الاكاديمية، أي دراسة التاريخ الاقتصادي حسب التقسيم الاكاديمي التقليدي للتاريخ العام الى عصور قديمة ووسطى وحديثة، مثال هيتون Heaton، ومؤلفه "التاريخ الاقتصادي لاوربا"، منتقداً (د. كبة) عيوب هذه الطريقة، فضلاً عن الغموض والشكوك الحديثة حول هذا التقسيم، كما يشير الى اقتصارها على الزوايا والاطر التاريخية فقط من دون التعمق، او في دراسة التاريخ الاقتصادي من زاوية القطاعات الاقتصادية (زراعية، صناعية، تجارة... الخ)، والاسلوب الذي يتخذه برني Brinie في مؤلفه "تاريخ اقتصادي لاوربا"، ويفند د. كبة هذه الطريقة بأنها تكمن في تجزئة العملية الاقتصادية بصورة مصطنعة، او في استعراض تاريخ أجزاء من العمليات الاقتصادية تعود لأنظمة اقتصادية مختلفة من دون ملاحظة وظائفها المتيانية، او الدراسة الاقليمية للتاريخ الاقتصادي، اي استعراض التاريخ من زاوية التوزيع الجغرافي للعملية الاقتصادية. ويعطي مثل كتاب كول G. D. H Cole "مقدمة للتاريخ الاقتصادي 1750 – 1950" وملاحظة د. كبة حول ذلك، لا ضير عن هذه الطريقة، لكن يشرط ان لا تستعمل إلا كتجسيد او تطبيق اقليمي لعملية تطور النظم الاقتصادية نفسها، بالاضافة الى كونها تخلط بين الاسلوب المناسب للتاريخ الاقتصادي وأسلوب الجغرافية الاقتصادية.
كما ان المؤلف يشير الى الدراسة المقارنة للتاريخ الاقتصادي، كما يفعل ولتر بكنكهام W. Buckingham في مؤلفه "النظم الاقتصادية النظرية – دراسة مقارنة"، وهو يقارب بين النظامين الرأسمالي والاشتراكي. وهناك خلط، كما يقول د. كبة، بين التاريخ الاقتصادي والنظرية الاقتصادية، او كما يفعل رالف بلوجت R. Blodgette في مؤلفه "النظم الاقتصادية المقارنة"، وعيوب هذه الافكار والنظريات في أن الاسلوب قد يكون مفيداً من الناحية العملية، ولكنه مضر من ناحية اهماله للطابع العضوي للنظام الاقتصادي، او كما تجري الدراسة المؤسسية Institutional للتاريخ الاقتصادي، أي التركيز على تاريخ المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية، مثال دراسة الاقتصاديين الامريكيين كولمان وسكنر Kuhlman & Skinner في مؤلفهما "النظام الاقتصادي" (طبعة منقحة 1964)، دراسة النظام الامريكي من زاوية الملكية الخاصة ونظام الاسعار الحر Free price system، وعيوب الدراسة، كما يقول د. كبة، من انها تهمل في الحقيقة المفهوم العلمي للنظام الاقتصادي، فضلاً عن مفهومها الخاطئ للراسمالية والخلط بين الدراسة النظرية والواقع الاقتصادي. ويستعرض المؤلف ايضاً دراسة النماذج النظرية Economic Models في التاريخ الاقتصادي، أي دراسة الخصائث الجوهرية للنظم الاقتصادية – التاريخية (اقطاع، رأسمالية، اشتراكية... الخ) بعد تجريدها من التفاصيل غير المهمة. وهنا يقف د. كبة الى جانب هذا الاسلوب من الدراسة للتاريخ الاقتصادي، معتبراً اياه خطوة لا غنى عنها لفهم جوهر الانظمة الاقتصادية التي تعاقبت، ولكن المنهجية العلمية تفترض ان يعقب التجريد عملية اخرى هي عملية التقريب او التمديد المتعاقب Successive Approximation، وغير ذلك ستكون الدراسة مشوبة بعيب التجريد والبعد عن التاريخ الحقيقي، ويعطي مثال دراسة بول سويزي Paul Sweezy المعروفة عن "نظرية التطور الرأسمالي"، او في دراسة التاريخ الاقتصادي من زاوية النمو الاقتصادي Growth او بعبارة أخرى دراسة تاريخ النمو الاقتصادي، وكمثال مؤلف كلاف Clough بعنوان "التطور الاقتصادي للحضارة الغربية"، وتركز الدراسة على الجوانب القطاعية (زراعة، صناعة، تجارة، ائتمان، مواصلات... الخ). وطابعها العام، كما يقول د. كبة، هو الطابع التكنولوجي. كما يشير المؤلف الى اسلوب بعض أنصار المدرسة التاريخية الالمانية، في تقسيم التاريخ الاقتصادي الى مراحل تاريخية مختلفة Stufen، والتي تتميز كل منها بسيادة نظام اقتصادي معين، مع التأكيد على الطابع المثالي او الروحي الذي يميز الانظمة المذكورة، كما يفعل ماكس فيبر (1946 – 1920) في كتابه "التاريخ الاقتصادي العام"، ومؤلف فرنر سومبارت F. Sombart (1863 – 1941) في مؤلفه "الرأسمالية الحديثة"، والاشتراكي البريطاني توني tawny في مؤلفه عن "الدين ونشوء الرأسمالية". وملاحظة د. كبة من ان المفهوم الروحي للتاريخ الاقتصادي يستند على منهج يخالف على طول الخط اولويات المنهج العلمي، الذي يتسم بطابعه المادي، بالمعنى الفلسفي، ومن ان هذه الاساليب يشوبها عيبان مشتركان هما: عيب التجزئة من جهة، وعيب اللاتاريخية من جهة أخرى.
وينتهي د. كبة ملاحظة بالاشارة الى ان الطريقة الصحيحة، في رأيه، في عرض التاريخ الاقتصادي هي طريقة دراسة تطور وتعاقب النظم الاقتصادية (نظم الانتاج والتوزيع) بسائر مقوماتها العلمية، وفي اطرها الاجتماعية والتاريخية (أنظر ص 60). وفي الصفحات التي تليها يضع المؤلف قائمة بأسماء المؤلفات التي تساعد في دراسة المادة في الجامعات.

أهم الاشكاليات التي تناولها المؤلف


يرى د. كبة ان من المناسب الاشارة الى بعض النظريات حول مراحل التاريخ الاقتصادي، ويختار منها بعض نظريات التفسير الاقتصادي، تاركاً النظريات الاجتماعية الأخرى... الخ
أ – مثل نظرية فون لست F. List حول مراحل التاريخ الاقتصادي القومي، وهو من رواد المدرسة التاريخية الالمانية والمدرسة الرومانتيكية الالمانية ومؤسس المدرسة الوطنية فيها. ونظامه الفكري في كتابه "النظام الوطني للاقتصاد السياسي"، ويقوم نظامه الفكري على ثلاث أركان (نظري، عملي، تاريخي). وتستند نظريته الى اعتبار تقسيم العمل هو العامل الحاسم في التطور الاقتصادي، ولهذا العامل ايضاً يكتسب أهمية من قبل آدم سمث، وقبله افلاطون وارسطو، إلا ان هذا العامل، حسب رأي د. كبة، لا يمكن ان يكتسب دلالته إلا ضمن نمط العلاقات الانتاجية بمجموعها.
ب – نظرية هلدبراند حول مراحل التطور الاقتصادي للامم
يعتبر برونو هلدبراند (1812 – 1878) أحد مؤسس المدرسة التاريخية الالمانية، والذي هاجم المدرسة الكلاسيكية البريطانية في مؤلفه "الاقتصاد السياسي للحاضر والمستقبل"، وهو يرى ان مهمة علم الاقتصاد يجب ان تقتصر على دراسة التاريخ الاقتصادي الحقيقي للامم. وطرح نظرية المراحل الثلاث للتاريخ الاقتصادي (الطبيعي – النقدي – الائتماني)، ونظريته لاقت نقداً لعدم تطابقها مع الوقائع التاريخية الحقيقية، حيث يؤكد التاريخ الاقتصادي ان استعمال الائتمان سبق استعمال النقود المعدنية (استعمل الفراعنة الائتمان منذ الألف الثانية قبل الميلاد، بينما لم تستعمل النقود المعنية قبل القران الثامن) (قز م – ص 66). هذا بالاضافة الى نظرتها السطحي للتبادل واعتباره محوراً أسياسياً، في حين ان التبادل هو شكل من أشكال التوزيع.
ج – نظرية مورغان لمراحل التطور الاقتصادي بفعل تطور أدوات الانتاج
من الاوائل الذين ركزوا على أهمية العامل التكنولوجي (تطور أدوات الانتاج) كان الانثروبولوجي بالامريكي هنري موركان H. Morgan، وعلى نشوء وتطور وانحلال النظم الاقتصادية. وتعد نظريته، كما يشير د. كبة، احد المصادر الاساسية للنظرية الاشتراكية، وذلك بتأكيدها على عامل قوى الانتاج، واعتباره الحافز الاول للتطور الاقتصادي والاجتماعي. ويلاحظ على هذه النظرية من انها وحيدة الجانب one side لاعتبار ان التقدم التكنولوجي نفسه مشروط دائماً بالمحيط الاجتماعي.
د. نظرية بوخر في تطور الوحدات الاقتصادية:
كان بوخر (1847 – 1930) احد أقطاب المدرسة التاريخية الالمانية الجديدة بجانب شمولر وماكس فيبر وسومبارت، وهو يشير في كتابه "نشوء الاقتصاد" (1893) الى ان الاقتصاد مر بثلاث مراحل تاريخية هي "المرحلة المنزلية، مرحلة اقتصاد المدن، مرحلة الاقتصاد الوطني". ونظريته لها تأثير في صياغة المدرسة الاقتصادية الامريكية – المؤسسية Institutional (قبلن كوفنر، ميتشل... الخ)، كما اشار لها بوضوح افلاطون وارسطو، كما اشار لها آدم سميث لتقسيم العمل.. الخ، وبسبب طابعها الميكانيكي هاجمها سومبارت، فضلاً عن الاقتصاديين المعاصرين.
هـ - نظرية روستو في مراحل النمو الاقتصادي
يرى روستو بأن جميع الاقطار تمر في تطورها الاقتصادي بخمس مراحل من المرحلة الدنيا الى الأعلى، وهي:
1 – مرحلة المجتمع التقليدي Traditional
2 – مرحلة الشروط المسبقة الانطلاق Preconditions of take off
3 – مرحلة الانطلاق Take off
4 – مرحلة السير نحو النضوج Drive toward maturity
5 – مرحلة الاستهلاك الجماهيري المرتفع High mass consumption
وبعد ان يشير د. كبة لكل مرحلة وما يخبرها من المراحل الاخرى، يقدم ملاحظاته النقدية، في كونها تشكل مجموعة من أفكار البرجوازية، ولا تحتوي على عنصر جديد، لا في فكرها الاجتماعي او الاقتصادي، وهي خليط متنافر من آراء مجموعة الاشتراكيين التصحيحيين Revisionists والتكنولوجيين المعاصرين، وبعض الآراء الكنزية، الى جانب العديد من الاراء المغرقة في الفاشية والنازية وموجهة لتحقيق أهداف محددة، وهي معارضة للاشتراكية ولحركة التحرر الوطني.
و – نظرية اندريه بيتر في ربط مراحل التطور الاقتصادي بمراحل حضارات البحر المتوسط
نظرية اندريه بيتر تتلخص من ان الحضارات اليونانية والرومانية والغربية الحديثة مرت بثلاث مراحل. المرحلة الاولى تميزت بخضوع الاقتصاد Subordonnee للتقاليد الدينية والاخلاقية، حتى القرن الثامن عشر. اما االمرحلة الثانية، فانها تتميزيز بتحرر المجتمع من هذه التقاليد وينتزع الاقتصاد نحو التحرّر ويتحول من خاضع الى اقتصاد مستقل Independent، ودخلت اوربا في هذه المرحلة ابتدءاً من القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، والمرحلة الثالثة تتميز بانحلال عناصر الفردية وتحول الحرية الى فوضى والسلطة الى استبداد، بسبب الطابع اللاأخلاقي لتراكم الثورة، وتضطر الدولة للتدخل في الحياة الاقتصادية، ويتحول الاقتصاد الى الاقتصاد الموجه Dirigee، مرحلة تدخل الدولة Estatisme
ينتقد د. كبة هذه النظرية ويصفها بالمثالية والسطحية في علاقة الاقتصاد بالدولة، بقوله ان جوهر المراحل يتحدّد بطبيعة قوى الانتاج بعلاقات الانتاج والتفاعل بينهما، ونتيجة لهذه الرؤيا لا يفرق بيتر بين المراحل التي مرت بها البشرية (العبودي – الاقطاعي – العصور الحديثة... الخ) ص 79.
كما يتناول د. كبة الجوانب المختلفة من العملية الاقتصادية ، Economic process، أي النشاطات المتعلقة بانتاج وتوزيع الوسائل المادية (أي البضائع) الضرورية لاشباع الحاجات الانسانية، ويقسم العلوم الاقتصادية الى العلوم الاقتصادية النظرية Theoretical، أي دراسة القوانين الاجتماعية التي تحكم العملية الاقتصادية والنظم الاقتصادية التاريخية المختلفة (البدائي، العبودي، الاقطاعي، الرأسمالي، الاشتراكي.. الخ).
وتقوم هذه النظم المختلفة على أساس مشترك هو الانتاج والتوزيع، وكلها اقسام من علم الاقتصاد السياسي، وتشمل ايضاً "تاريخ الفكر الاقتصادي" او ما يسمى احياناً تاريخ المذاهب الاقتصادية (ص 80). كما ان هنالك العلوم الاقتصادية الوضعية Descriptive، وهي التي تدرس العملية الاقتصادية متجسدة بالواقع في الازمنة والامكنة المعينة... بالاضافة الى تناولها التوزيع الجغرافي للعملية الاقتصادية والاحصاء الاقتصادي، والى جانب هذه العلوم، هنالك العلوم الاقتصادية التطبيقية، او كما تسمى أحياناً الفرعية Brach أو القطاعية Sartorial او المتخصصة Specialised او المتخصصة Specialised (حسب تعبير شمبيتر)، التي تعالج قطاعات معينة من الاقتصاد (الزراعي، الصناعي، التجاري، المصرفي، المالي... الخ) – ص 8.
كما ان د. كبة يوضح العلاقة بين التاريخ الاقتصادي وتاريخ الفكر الاقتصادي، والخلط الذي تذهب اليه بعض المؤلفات الاكاديمية بين هذه العلمين، مشيراً الى ان التاريخ الاقتصادي هو علم وصفي، يتناول الواقع التاريخي للعملية الاقتصادية، علم وقائع Factual، انه الوجه الواقعي (وجود – واقع) وجزء من القاعدة الاقتصادية Economic base، جزء من علاقات الانتاج، في حين ان تاريخ الفكر الاقتصادي، هو تاريخ الصياغات النظرية للقوانين الاقتصادية، والوجه النظري للعملية الاقتصادية (فكر – نظرية)، وجزء من مفهوم الايديولوجية او مفهوم البناء الفوقي – العلوي Super structure.
وعليه فان التاريخ الاقتصادي هو الاساس المادي لتاريخ الفكر الاقتصادي (ص 82).

كيف يرى بعض الاشكالات من منظوره؟


يتناول د. كبة الاسس المنهجية في دراسة نظرية انماط الانتاج في الفصل الثاني (ص 85)، واضعاً الاطار المنهجي لمجموع الدراسات الخاصة في هذا القسم. وفي دراسة مكثفة يأخذ في الاعتبار مجموع العوامل المادية والفكرية، التي توجه النظام الاقتصادي، مشيراً الى بعض المفاهيم الاقتصادية الاولية، معرفاً الاقتصاد السياسي بأنه العلم الذي يعنى بدراسة القوانين الاجتماعية التي تحكم انتاج وتوزيع البضائع لاشباع الحاجات الانسانية، سواء كانت هذه الحاجات حيوية (بايولوجية) او اجتماعية، والتي يقرّرها مستوى الثقافة العام في المجتمع، وقد تكون الحاجات فردية او جماعية... وغيرها من التعريفات التي ترتبط بعملية الانتاج والتوزيع والعمل، وكل ما يرتبط بالاقتصاد السياسي من قوانين.
وفي الفصل الثالث تناول نظام الاقتصاد البدائي او "المشاعي"، مؤكداً على طابعه التاريخي الشمولي، رابطاً اياها بالاصول البايولوجية والانتروبولوجية للتاريخ الانساني، الذي يوفر بدوره شروط نشوء النشاط الاقتصادي، وأن الملكية المشتركة لوسائل الانتاج اساس العلاقات الانتاجية، وتطابق تعاونية العمل، وهذا التطابق بين الملكية وقوى الانتاج جاء نتيجة لضعف الفرد المنعزل وليس نتيجة جعل وسائل الانتاج اجتماعية... والقانون الاقتصادي الاساسي لنظام انتاج المشاعية هو ضمان وسائل المعيشة الضرورية للانسان بالاعتماد على أدوات انتاج بدائية، وعلى اساس مشاعية تملك وسائل الانتاج، والعمل الجماعي، وطريقة التوزيع المتساوي للمنتجات. وكان التقسيم الوحيد للعمل هو التقسيم الطبيعي "رجال ونساء" (ص 118).
وفي الفصل الرابع (ص 139 – 261) يتناول المؤلف الاقتصاد العبودي معالجاً فيه مسائل نظرية حول نمط الانتاج العبودي – نظرية شروت وكوتتر، ودور القطاع السلعي، والطبقات) دراسة سولتو، نظرية اوتشتكو، الدولة والمجتمع العبودي، والازمة العامة للنظام العبودي، ملقياً اضواء ساطعة على أهم معالم نشوء المؤسسات الحضارية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، ويمكن القانون الاقتصادي الاساسي للنظام العبودي في انتاج مقدرا من فائض المنتوج Surproduit لاشباع حاجات مالكي العبيد، وذلك عن طريق الاستثمار (الاستغلال) الوحشي للعبيد على اساس التملك الكامل لوسائل الانتاج والعبيد من قبل مالكيهم، وعن طريق استرقاق asservissement والحاق الخراب بالفلاحين والحرفيين وتحويلهم الى عبيد مرحلة الانتقال الى العبودية – وكذلك عن طريق قهر واسترقاق شعوب البلدان الاخرى. موضحاً ملاحظاته (د. كبة) على نظرية شروت وكنتر فيما يتعلق عن العبودية الشرقية وأن طروحاتهما حول النظام الآسيوي نوعاً من العبودية لا تستند لاساس علمي، بالاضافة الى تغطيته الى الحقبة التاريخية البعيدة التي مرت، كقطاع الزراعة والحرف والتجارة وتقسيم العمل والتبادل والسلع والنقود والائتمان والطبقات الاجتماعية والدولة والمؤسسة العسكرية والثورات وغيرها.
والنظام العبودي هو الذي كان قد مكن على نطاق واسع نسبياً من تقسيم العمل بين الصناعة والزراعة، وبالتالي من بلوغ العالم القديم الذروة في الحضارة الهيلينية Hellenisme وبوجون العبودية لم يكن من الممكن وجود الدولة اليونانية او الفن والعلم الاغريقيان. الحال بدون قاعدة الحضارة الهيلينية والامبراطورية الرومانية، ما كان بالامكان ظهور اوربا الحديثة، مقتبسة من انغلز "الرد على دوهرنغ" Engels (Anti-Duhring) ص 199.

اما القسم الثاني من مؤلف د. ابراهيم كبة فمخصص عن "تاريخ الفكر الاقتصادي" (ص 263 – 556)، الذي تناول فيه بعض التيارات الفعالة في تاريخ الفكر الاقتصادي، بدءاً بالفكر اليوناني والروماني، وصولاً عبر السكولائية والماركنتيلية الى النظرية الكنيزية في الثلث الثاني من القرن العشرين.
حاول المؤلف ان يكرس جهداً كبيراً في دراسة الجوانب المنهجية والمبدئية والنظرية العامة، مستعرضاً الجوانب النقدية للمؤلفات الاكاديمية الحديثه، من وجهة نظره، مقدماً منهجاً علمياً شاملاً للافكار والمفاهيم والأسس المنهجية التي يمكن الاطمئنان لها، في دراسة تفاصيل التاريخ والأزمنة والوقائع والافكار الاقتصادية وفي تحديد المفاهيم الاساسية للعلوم الاقتصادية مثل المذهب، النظرية، النظام، المنهج، السياسة، المؤسسة، الفكرة، الفكر... الخ). بالاضافة الى تناول المناهج الاكاديمية (المنهج الكلاسيكي، التاريخي القطاعي، الاقليمي، المقارن... الخ، مركز على العيوب البارزة التي تصاحب التجزئة، التجريد، الشعلية.. الخ، ومن منهجية اعتمدها المؤلف. حيث يتناول الموضوع خلال دراسته لنظرية انماط الانتاج باعتبارها اطار لمجموعة الدراسات المنهجية الخاصة في هذا القسم من الكتاب، مشيراً الى حداثة المادة المطروحة، كما يذهب الى ذلك اريك رول Eric Roll في مؤلفه "تاريخ الفكر الاقتصادي" A History of Economic.
وفي القرن الثامن عشر ظهرت بعض المؤلفات في هذا الموضوع، يأتي في المقدمة منها من حيث الاهمية مؤلف آدم سمث Adem Smith "ثورة الامم" الذي يستعرض فيه الماركنتيلية، وما كتبه المؤرخون الاشتاركيون من الالمان في القرن التاسع عشر لتثبيت المنهج التاريخي مثل شمولر والناقدين للنظام الرأسمالي وفكره الاقتصادي من امثال كارل ماركس ونظريته في فائض القيمة ودوهرنغ في التاريخ النقدي للاقتصاد الوطني والاشتراكية، حتى اواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين حيث اصبح تاريخ الفكر الاقتصادي مادة مستقلة وأكثر مرغوباً Popular.
ويحدد د. كبة الاهمية لدراسة المادة، في انها تؤكد الطابع العلمي لعلم الاقتصاد وتجنب المرء خطر "التجريد" الشائع في علم الاقتصاد الاكاديمي أولاً، وثانياً في كونها تشكل مدخل لدراسة النظرية الاقتصادية المعاصرة واستيعاب الجدل القائم فيها بين الاقتصاديين، حول نظرية ارسطو في الطبقات الاجتماعية، او نظرية ريكاردو في الريع التفاضلي او آراء توماس الاكويني حول الربا او النظريات الفيزيوقراطية حول الزراعية، وكذلك كينز الذي احيى نظريات مالتس وبرودون وسيسموندي في أهمية الطلب الفعال ودوره في التحليل الاقتصادي. وهنا يؤكد د. كبة على أهمية الجدل للنظريات الاقتصادية المعاصرة من جهة، والمفكرين الذين يمثلون هذه الاتجاهات. وثالثاً يشير الى ان دراسة المادة لتجنب تكرار الاخطاء في السياسة الاقتصادية ولضمان التقدم في هذا الميدان، والبناء على أسس الفكر السابق، وتجنب ما يسميه كونار الزيزفية الفكرية Sisiphisme Intellectuelle في اشارة الى اسطورة زيزيف اليونانية المعروفة. ورابعاً لاثبات استمرارية ووحدة الفكر الاقتصادي منذ العصور القديمة حتى الآن. وخامساً هو التأكيد على الطبيعية الاجتماعية للاقتصاد وارتباطه بجميع العلوم الاجتماعية الاخرى كالسياسة، الاخلاق، الفقه، والجماليات وعلم الاجتماع... الخ). وسادساً هو ادراك نسبية Relativity الافكار الاقتصادية، وعدم تمتعها بقيم مطلقة وتوقفها على الظروف الزمانية والمكانية، مما يوحي بأهمية التطور من دون الثورة في زعم هاني Haney في مؤلفه "التاريخ الفكري للاقتصاد " History of Economic، كما يشير الى ذلك د. كبة. وسابعاً، ولأهمية التميز بين "علم الاقتصاد" كمجموعة قوانين موضوعية، وبين الاقتصاديين الذين يختلفون في تفسيراتهم لهذه القوانين، تبعاً لاختلاف فلسفة الحياة واختلاف المنهج Method.
كما ويشير د. كبة الى ان وراء كل فكر اقتصادي "قديم وحديث" فلسفة اجتماعية، هي حسب تعبير شتارك Strak مجموعة الافكار والمثل الاجتماعية التي صدر عنها في الاصل "علم الاقتصاد السياسي والتي يرجع اليها على الدوام". والاختلاف بين المدارس المختلفة حول ماهية الفلسفة، حيث يذهب ستارك الى القول بأن فيلسوفي الاقتصاد الكلاسيكي هما لوك ولايبتز، وان رائدي الاقتصاد الحديث، يقصد الكلاسيكي الجديد، على حد قول كبة، هما جننكس Jenning وكوسن Gossen، وأن خير معبر عن الأزمة الكبرى التي قاد الى التحول من الاقتصاد الاول الى الاقتصاد الثاني هما تومبسون Thompson وهوجسكن Hodgskin، في حين يرى لاجوجي ان هيوم هو فيلسوف الليبرالية الكلاسيكية.
يميل د. كبة الى الربط بين الصلة الأكيدة بين التحليل الاقتصادي والفلسفة الاجتماعية، ومن الصعوبة فهم الاول من دون الثاني، وأن للفكر الاقتصادي جذرين، الاول الجذر الفلسفي، او ما يدعونه "الصورة العالمية للحياة الاجتماعية، والثاني الجذر العملي، اي الآراء والحلول لمشاكل الحياة الاقتصادية العملية، التي تصدر عن الساسة ورجال الادارة ورجال الا عمال... الخ.
وتأتي أفكار الامريكي افرتن تيلر E. Taylor لتدافع عن مؤرخي الفكر الاقتصادي المعاصرين وعن ارتباط الفكر الاقتصادي بتاريخ الفلسفة الاجتماعية ورد على بعض الاعتراضات الاكاديمية الموجهة ضد هذا المنهج بشكل مفصل، واعتراضه الاول مخالفة المنهج لمبدأ التخصص الواجب الالتزام به بدقة في البحث العلمي والثاني قائم على اختلاف الطبيعة بين مادتي الفكر الاقتصادي والفلسفة الاجتماعية. يؤشر الاعتراض من ان الاقتصاد علم من العلوم الوضعية وتاريخ الفكر الاقتصادي، هو تاريخ لاكتشاف نظرية علمية وتسجيل لتطور أنواع المعرفة الحقيقية، بينما لا ترتفع النظريات السياسية والاخلاقية والفلسفية عن المستوى الايديولوجي الصرف، أي مجرد التعبير عن طرائق تفكير تأملية Speculative، لينتهي الى اعتبار المادتين بمثابة كل مركب Composit shole بعد ان درس المناخ الفكري العام في اوربا في القرن الثامن عشر (مناخ حركة التنوير Enlightenment). وحدّد الانجازات الاقتصادية للمدرسة الفيزوقراطية وفكر آدم سمث وفلسفته الليبرالية ودراسته لاقتصاد مالش + ريكاردو + مل، ودراسة للمذهب النفعي والنظام الكلاسيكي، بالاضافة الى دراسته الماركسية وارتباطها بالفكر الاشتراكي العام، وبفلسفة هيغل، والاقتصاد الريكاردي بالاضافة للمذاهب الكلاسيكية الجديدة ونظريات الافريد مارشال، في أواخر القرن الماضي، يقصد القرن التاسع عشر ودرس الجو الفكري في انكلترا "جو الليبرالية المحافظة Conservatoire Liberalism بالاضافة الى دراسته للكينزية ونظريات جمبرلن والنيوديل الخ...

نقاط الاختلاف ونقاط اللقاء


ويخالف د. كبة آراء تيلر Taylor بقوله: "يبالغ تيلر في التأكيد على اندماج الفكر الاقتصادي بالفلسفة الاجتماعية، متجاوز الارتباط بين المادتين الى الرغبة في ادماج في مادة واحدة. ويرى ان الفرق بين المادتين ليس فرقاً في الطبيعة او في الدرجة، بل هو فرق في الموضوع، حيث ان الفلسفة السياسية، الاخلاقية، الاجتماع، الاقتصاد، مواد ولكل من هذه المواد موضوع محدد مختلف عن الموضوعات الاخرى, هذا المبرر لدراسة كل موضوع على حدة، لا يعني نسيان الترابط فيما بينهما.
كما يلاحظ د. كبة بعض التناقضات في استعراض هاني للخطوط العامة بين الفكر المادي والفكر المثالي، ويبرز عيبوه في الخلط بين الانواع المختلفة للمادية والمثالية في الحقول المتعددة للمعرفة (الحقل الوجودي – انتولوجيا، والحقل المعرفي – استمولوجيا، والحقل الاجتماعي – سوسيولوجيا) ويتوقف عند المنهج لهاني في الفكر الاقتصادي والمنهج الاقتصادي وأثره في تحديد الفكر الاقتصادي واختلاف المنهجية سبباً للخلاف في الفكر الاقتصادي بعد ان يضع "المنهج الاستنتاجي" Deductive (من العام الى الخاص)، والمنهج الاستقرائي Inductive (من الخاص الى العام) والمنهج الاحصائي يعتقدها بأنه الجمع بين المنهجين.
وبعد ان يحاجّج د. كبة طروحات هاني ومنهجتيه وبعض التطرف في تفسيره وتطبيقه بعض أقطاب المدرسة التاريخية الالمانية ونفي الطابع الشمولي لمسلمات المدرسة الكلاسيكية الانكليزية "الانسان الاقتصادي انسجام المصالح" ورفض تقسيم العمل الدولي، حرية التجارة الدولية... الخ، وصولاً الى انكار وجود علم للاقتصاد... يشير د. كبة ان تصنيف المنهجية في الاقتصاد لدى هاني الى استقرائية واستناجية احصائية، تؤكد ان هاني لا يستوعب كامل العملية المنهجية ولا حتى جوهر هذه العملية.
غير ان د. كبة يتفق مع هاني في ربطه الفكر الاقتصادي بالفلسفة، ويعطي هاني امثلة بميل المثاليون الى أهمية القوانين العلمية في الحياة الاقتصادية، والى انكار وجو القوانين، ويجعلون علم الاقتصاد اقرب الى الفن Art منه الى العلم الحقيقي، بينما يؤكد الماديون على خضوع الحياة الاقتصادية لمجموعة من "القوانين الطبيعية" لا يمكن الخروج عليها، كما فعل الكلاسيكيون.
ولعل من المفيد الاشارة الى تفرد شوميتر Schumpetere في مؤلفه تاريخ التحليل الاقتصادي History of Economic Analysis من بين المؤرخين وانكاره اثر الفلسفة في تطور الفكر التحليلي في الاقتصاد، وحسب آراءه لا أثر للفلسفة الاغريقية القديمة أي مجموعة المعارف العلمية (العلم الكلي universal Science مجموعة العلو مالطبيعية والاجتماعية والميتافيزقية، التي بقيت سائدة حتى منتصف القرن الثامن عشر، والتي تمثل افكار كبار الموسوعين من امثال ارسطو وتوماس الالكيني ولا ينتبز وفيكو، اصحاب النظم الفكرية الشاملة، فان العلاقة معدومة في رأي شومبيتز بين فلسفة هؤلاء وبين آرائهم في الحقول الحختلفة، لا اثر لفلسفة ارسطو في نظرياته الفيزيائية والاقتصادية ولا أثر لفلسفة لايبتيز (مونادولوجيا Monadology) في آرائه في التجارة الحرة.
يفند د. كبة افكار شومبيتر باشارته الى ان السلوك الاقتصادي يتاثر حتماً بالمعتقدات الفلسفية (دينية ام غيرها) ولهذا فان اثر الفلسفة اكيد في "السياسات" الاقتصادية التي يدعو اليها الاقتصادي، اي بالنسبة لفروض ونظريات وأدوات المحلل الاقتصادي، ومن المؤسف يقول د. كبة او شمبتر لا يقدم أية حجج لاثبات رأيه هذا، بل يحيل القارئ الى تفاصيل في كتابه الضخم "تاريخ التحليل الاقتصادي". كما ويخالف د. كبة شوميتر في الفكر الاقتصادي والتحيز الايديولوجي Ideological bias من ان التحيز الايديولوجي من اكتشاف ماركس وزميله انغلز موجهاً انتقادات للمفهوم الماركسي للايديولوجيا.. الخ. ويشير د. كبة الى ان شومبيتر وحداني Monist التفسير للايديولوجيا، لا صلة له في الواقع، وعلى خلاف ما يضمن شومبيتر وأغلب المفسرين الاكاديميين المعاصرين، من ان المحلل الاقتصادي نفسه هو نتاج محيط اجتماعي محدد، وموقع معين في المحيط المذكور، وانه (د. كبة) ليس وحده في هذا الرأي، بل يشاركه في الرأي الامريكي بتلر، حيث يقف على النقيض من وجهة نظر شومبيتر.
ويخالف د. كبة افكار الامريكي بلوغ Blaug في مؤلفه "النظرية الاقتصادية نظرة الى الوراء" ونظرته للمؤلفين المعاصرين، وأن هدفهم في دراسة تاريخ الفكر الاقتصادي يحددون تفسيراتهم باتجاهين: الاتجاه النسبي Relativist والاتجاه المطلق Absolutist، ويستشهد بكتاب اريك رول "تاريخ الفكر الاقتصادي" وكتاب شتارك "تاريخ الاقتصاد في علاقته بالتطور الاجتماعي"، وبكتاب ليوروجن "معنى وشرعية النظرية الاقتصادية"، الذي لا يكتفي، حسب بلوغ، بربط الفكر الاقتصادي بظروف العصر التاريخية والسياسية، بل يتجاوز ذلك الى تحديد المعنى الموضوعي لاية نظرية اقتصادية، منظوراً اليها لا من زاوية عصرها بل من زاوية عصرنا الحاضر.
ويخطئ د. كبة تفسير بلوغ لنظرية روجن غير أبين على وجه التأكيد، لان روجن يؤكد صراحة على ضرورة تحديد شرعية النظريات الاقتصادية بمقاييس عصرها لا بمقاييس عصرنا نحن، ويقتبس د. كبة عبارته من اللغة الانكليزية “At the time of their projection” كما ينتقد بلوغ الاقتصاديين النسبيين الذين يضعون تفسيرات شاملة مزعومةلتاريخ الفكر الاقتصادي على انه مظهر للصراع بين الفردية Individualism والعالمية Universalism كما يفعل الالماني شبان في مؤلفه "تاريخ الاقتصاد او الصراع بين النظريتين العضوية Organic والآلية Mechanical للنظام الاقتصادي، كما يشير ميردال Myrdal في مؤلفه "العنصر السياسي في تطور الفكر الاقتصادي" والى عوامل سايكولوجية كما فعل فايسمان Weismann في مؤلفه "سايكولوجية الاقتصاد: عندما نسب نظرية وليام بيتي في قيمة العمل الى العمل وحده هو مصدر القيمة، ونظريته في المشكلة الاقتصادية الى النفسية الابوية Patriarchal التي كانت تسيطر على المجتمع البريطاني حينذاك، مختصرة الانثى وممجدة الذكر.
كما يعتقد بلوغ ان تأثير الايديويولجية على نوعية التحليل الاقتصادي امر مفروغ منه، ويستشهد بالنظريات الاقتصادية التاريخية، كنظرية التجارة الدولية لريكاردو، وعائها للملاكين العقاريين، ونظرية ماركس المرتبطة بالعداء للرأسمالية. كما ويشير بلوغ ان مثل هذه التفسيرات الشمولية التعسفية هي التي احدثت ردود فعل عنيفة احياناً، لدى بعض المؤرخين الاقتصاديين المعاصرينفأتجهوا في الاتجاه "الاطلاقي" مؤكدين على الطابع المستقل، الذاتي، للتحليل الاقتصادي، وعدم تأثره بالمصادر الخارجية، فكرية كانت ام واقعية. ولعل شوبيتر في "تاريخ التحليل الاقتصادي" أبرز من يمثل هذا الاتجاه الاطلاقي المتطرف.
لكن بلوغ، كما يشير د. كبة، يصر على وجهة نظره ي ضرورة تقييم التحليلات الاقتصادية النظرية بمقاييس علمية موضوعية، بصرف النظر عن الايديولوجية السياسية التي تغلفها، أي تقيمها بمنطق النظرية الداخلي.
يتوقف دز كبة عند الافكار والمفاهيم خلال العصر العبودي (العبري واليوناني والروماني) ويقيمها بالاتجاه السلبي في انها تنكر وجود أفكار اقتصادية ذات قيمة من أثمال المفكرين (جيد + ريست + كانان + دورنك + شوميتر) او في تقيمها بالاتجاه الايجابي المبالغ فيه في تطور الافكار الاقتصادية، من امثال هاني، مشيراً الى ان التقدير الصحيح كونه لم تظهر نظريات اقتصادية بالمعنة الحديث إلا في عهد نشوء نظام لمانيفكتورة (ص 336 – 339).
كما يتوقف عند الفكر العبري والفكر اليوناني وأساسهما المادي، مشيراً الى الفلاسفة اليونانيين (افلاطون ونظريته في أص المدينة – الدولة، والدولة المثالثة – الجمهورية، وارسطو ونظريته في الدولة المثالية ونظرياته التحليلية في الاقتصاد، وأكزنيوفون وأفكاره في بحث الاقتصاد المنزلي + موارداثينا، هذا بالاضافة الى عرضه للفكر الروماني وأساسه المادي (ص 353).
زفي معرض تناول د. كبة للفكر الاقتصادي في العهد الاقطاعي، وفي تحديد العصر الوسيط والجدل الحاصل بين المؤرخين الاكاديميين، حيث يشير احد المؤرخين الهولنديين الى ان تحدي الفرة الاقتطايعة من 337 ميلادية التي انتهى حكم قسطنين الكبير، وعصر وسيط ينتهي بسقوط القسطنطنية 1453 ملادية، وهي الفترة التي ساد فيها الحكم الاقطاعي في اوربا، والجدل الواسع بين الباحثين، كما اشرنا حول البداية والنهاية للمجتمع الاقطاعي (راجع مؤلف د. كبة في الصفحات 382 – 386).
والمؤلف د. كبة له رأي في هذا الجدل، يشير فيه الى انه من العبث محاولة وضع نظرية عن الفترة الزمنية، ومن المهم تتبع تفاصيل عملية التحول الاجتماعية من النظام القديم (الرق) الى النظام الاقطاعي الجديد، وأن كل نزام ينشأ في احضان النظام الذي سبقه، ويبدأ التصادم فيما بينهما، ويسجل واقع نشوء النظام الرأسمالي اثر انفجرا الثورات السياسية البرجوازية في القرن السابع عشر والثامن عشر، مشيراً الى انه يمكن اعتبار النصف الثاني من القرن الخامس الملادي، باعتباره نقطة التحول من نظام الرق الى النظام الاقطاعي، كما يمكن اعتبار القرن الخامس عشر الميلادي الفنرة الحاسمة للانتقال من الاقطاع الى الرأسمالية (ص 387 – 388).
لكن مصادر الفكر الاقتصادي الاقطاعي، كمال يقول د. كبة، بل ان الحياة الفكرية بمجموعها في العهدالاقطاعي، كانت تحت اشراف الكنيسة، فلا غرابة ان ترتدي شكلاً دينياً سكولائياً، ولا غرابة اذا كانت الآراء الاقتصادية تشكل على الدوام فصولاً من كتب الفقه واللاهوت. ولكن الفكر السكولائي استمد عناصره الكفرية من ثلاث مصادر، هي الفكر اليوناني، وتحديداً اسطو، والفكر المسيحي القديم، وثالثاُ دور الكنيسة ومذهب توما الاكويني، يقوم على التوفيق بين الافكار المسيحية الاولى وبين شروط النظام الاقطاعي. وهنالك آراء شوبيتر لدراسة الفكر السكولائي، رغم ان د. كبة يختلف اختلافاً جذرياً عن خطه العام، ولكنه يضع حيزاً كبيراً لافكار شومبيتر امانة للفكر في الصفحات 421 – 459.
غير ان د. كبة ينتقد رأي شومبيتر في تقيم نظرية الفادئة السكولائيين المتأخرين واعجابه بها، ويعتبر اي تفسير نقدي للفائدة مجرد مس سطحي للظاهرة الاقتصادية لا ينفذ الى جذورها في العملية الاقتصادية نفسها، وفي النظام الاقتصادي (النمط الانتاجي) الذي يفرزها او ان ربط الفائدة بالربح خطوة صحيحة ولكنها خطوة قاصرة، وأنالحل يكمن في دراسة قوانين النمط الراسمالي وخاصة قوانين انتاج وتوزيع فائض القيمة، وهذا ما فعله مؤسسو الاقتصاد العلمي من وليم بني حتى كارل ماركس (ص 459) في الفصل الخامس "الفكر الاقتصادي لعهد الرأسمالية التجارية" في الصفحات 460 حتى 432 واضعاً بعض العناوين التي تساعد على تناول الموضوع بسلاسة، بدأ من الاساس المادي (التراكم البدائي لرأس المال) وشروط نشوء الرأسمالية التجارية وشروط الاناج وعنمية التراكم، والفكر الماركينتيلي باعتباره جزء من الايديولوجية الرأسمالية. مشيراً الى أن آدم سمث في كتابه "ثروة الامم" هو اول من أطلق اسم "الماركينتيلية" وان الاقتصاد الكلاسيكي في القرن الخامس عشر حتى الثامن عشر يعبر عن مدرستين (1) الماركينتيلية تعكس ايديولوجيا نشوء وتطور الرأسمالية التجارية Commercial Capitalism وما الرسمال الصناعي، الذي بدأ ينشأ ويتطور قبيل الثورة الصناعية (أواخر القرن السابع عشر وأوائل القرن الثامن عشر). والمؤسسون الحقيقيون لعلم الاقتصاد يأتي على رأسهم وليم بتي وارولادة الافكار للنظامالرأسمالي ولدت في احشاء المجتمع الاقطاعي في الفترة المذكورة نفسها. وهنالك أفكار انتقائية للدكتور ابراهيم كبة على بعض مفكري المدرسة الماركينتيلية فيما يتعلق بسعر الفائدة والمفهوم النقدي للثروة والتراكم النقدي، والافكار المشتركة لدى الماركينتيليين، وان الخلط بين المفهوم النقدي للثروة هو خلط بين النقود ورأس المال، ويخلص الى القول ان المرسة الماركينتيلية خدمت مصالح فئاتالرأسمالية التجارية الى جانب الملوك وحاشيتهم البيروقراطية والفئات العليا الاحتكارية من لارأسمالية التجارية، وأن اسباب ت خلفها، هو تغير الوقائع الاقتصادية وظهور خبرات جديدة نحو المؤسسات المصرفية وتوسع الاقتصاد السوقي + الثورة الصناعية، التي احلت "المنظم الصناعي" Entrepreneur محل التاجر باعتباره الشخصية الاساسية في النظام الاقتصادي (ص 526).
وهنالك جدل اكايمي حول الفكر الماركينتيلي بين كنز هيكشر وبلوغ وشتافنهاغن. وأنرأي الكينزية في الماركينتيلية، فهم يدافعون عنها، لانها في زعمهم وضعت اليد على المفتاح الحقيقي للمشكلة الاقتصادية.
غير ان د. كبة يخالف كينز في تقيمه للفكر الماركينتيلي، ويكشف عن الطابع التجريدي واللاتاريخي للمنهج الكنزي، ومحاولة النظر لجميع النظريات التارخية السابقة من زاوية المنطلقات الكنزية نفسها والاتجاه لتعميم مشاكل رأسمالية الدولة الاحتكارية State Monopoly Capitalism على مشاكل مرحلة الرأسمالية التجارية (ص 531).
والفصل السادس تحت عنوان "الكامراليون الالمان الاوائل" (الصفحات 534 – 556)، وتطور العلم الكامرائي في المانيا والنمسا، وهو الاسم الذي أطلق على الماركينتيلية ط\يلة ثلاث قرون في هذه البلدان، إذ ترجع افكارها الى بداية القرن السادس عشر، وبذورها لدى لوثرو اوسا Ossa (1506 – 1556) بصورة اوضح لدى الحقوقيين جورج اوبرخت Obrecht وبزولد Besold في أواخر القرن المذكور. كما برز بورنتز Bornitz وكلوك Klock (1583 – 1655)، ومجمل افكارهم المشتركة تتحدد من قبيل أهمية النقود، زيادة السكان، ضرورة التدخل الحكومي، ولكنهماختلفوا حول نقاط أخرى من قبيل اعتماد نفقات الدولة على موادر الدومية الملكي او تحديد معدل الفائدة تحديداً قانونياً، او مدة وطبيعة الحقوق والامتيازات المالية للملوك Regalien تجاه رعاياهم. كما ان الموضوعات التكنيكية (كالزراعة وصيد الاسماك وصناعة الحرير كانت تحتل اهمية خاصة في كتاباتهم.
والملاحظ في الفكر الكامرالي والماركينتيلي في الفكر الاقتصادي المعاصر، كما يشير د. كبة، من ان هناك جملة اتجاهات متباينة لتصور العلاقة بين الفكر الكامرالي الجرماني والفكر الماركينتيلي بصوة عامة وبخاصة نماذجه الانكليزية، ولا شك ان الاختلاف في هذا التصور يعود اساساً الى الاختلاف في النظرة الاصلية لطابع ومحتوة ودلالة الفكر الماركينتيلي نفسه. وهنالك من يعالج الفكرين في اطار واحد وضمن عنوان واحد، هو الفكر الماركينيتلي، وخير مثال على ذلك الاقتصادي السويدي هكشر في مؤلفه المعروف الماركينتيلية، بينما يرى شوميتر لا كتيار من تيارات الفر الماركينيتنلي، بل كتيار من التيارات التي اطلق عليها اسم "أدب المستشارين الادارين"، وركز على فكرة "دولة الرفاه"، أي دولة التدخل الاقتصادي (ص 552)، وهنالك أخرى مختلفة في ص 553 – 554.
ويتفق د. كبة مع الرأي الذي يفرد موضوعاً خاصاً للاكامرالية الالماية، لا باعتباره أدباً منفصلاً او متميز بسماته النوعية الخاصة، وأن خير من يمثل هذا الراي هو الاقتصادي الاميركي هاني (ص 554)، وقد اثرت الكامرالية تأثيرأ مباشراً في الفكر الاقتصادي الالماني الحديث وحددت مساره التاريخي وطبعته بسماتها الخاصة.

الرأي في الكتاب، أسلوب العرض، المنهجية

يقول ارسطو ان "الرجل الرائع من يهب العطايا وليس من يكدس الثروة".
يقوم مؤلف د. ابراهيم كبة بالتعبير على نحو علمي، عن مهمة الاقتصاد وعلى دراسة صادقة للافكار وللحياة الاقتصادية، وتكن قيمة الكتاب العلمية في انها تكشف عن القوانين والمفاهيم التي تتحكم بولادة متخصص وعالم اقتصادي، كيف يبني أفكاره ومفاهيمه وكيف يعالج أفكار المفكرين الآخرين بدرجة عالية من الوضوح، وهذه بحد ذاتها على ما اعتقد قيمة المؤلف، فثمة نقاط كثيرة اشار لها د. كبة وعمد على شرحها يتوسع وبعض اكتفى باشارات عابرة، ولكنه دعم أفكاره بحواشي ومصادر عديدة، فقد قسم الكتاب الى قسمين: مقدمة وفصول، القسم الاول يتضمن الجوانب التاريخية لعلم الاقتصاد مع تحليل لكي يكون العرض واضحاً قد المستطاع ويسهل بلوغه للدراسين وللقراء، باستثناء بعض الجوانب الفكرية التي يحاجج فيها بعض آراء المفكرين وهو يوجه مؤلفه للدراسين والباحثين، الذين يريون ان يعلموا جدياً ويريدون بالالي ان يأخذوا طريقهم بأنفسهم، فهو يطلع القارئ على العشرات من آراء المفكرين ويعرض أفكارهم بشكل سليم، ويعطي وجهات نظره حولهم، ناقداً او مؤيداً، مخالفاً او متفقاً، ويجري حواراته في شروط تؤمن انتظام سيرها ما أمكن.
وعلى حد فهمي، الامر لا يتعلق بطريقة عرض المؤلف لكتاب، بل ما يتعلق بفهم القوانين والأفكار والمفاهيم التي طرحها المؤلف، لكي يتمكن الدراس من رسم طريقه الخاص، لمتباعة تطور هذا العلم. فهو تناول عرض الكتاب بمنهجية علمية وبروحية متخصص، ترك حيزاً كبيراً لتحليل الجوانب التاريخية للمدراس او المذاهب الفكرية (القديمة والحديثة)، التي تمكن الباحث من الاسترشاد منها.
وهدف المؤلف، على ما اعتقد، هو الكشف عن الطروحات غير العلمية التي تتناول موضوع الاقتصاد السياسي، ولحركة المجتمع والمراحل التاريخية للتطور البشري، بعيداً عن الاسلوب الاكاديمي الانتقائي،الذي يكتفي بمجرد استعراض المدارس المختلفة علىعلاتها والوقوف متفرجاً منها، وانما يخضع جميع هذه الأفكار والنظريات لدراسة منهجية، قائمة على نظرة متكاملة موحدة للنشاط الاقتصادي وللعملية الاقتصادية، مما يضفي على المؤلف الترابط العضوي للملامح البارزة فيه. موضحاً بعض المقولات الاقتصادية وتعريفه. وعندما يريد ان ييير الى شاهدة معينة في التاريخ الاقتصادي فانه يشير الى اين ومتى ومن الذي عبر عنها بوضوح.
وفي القسم الثاني يعرض الجوانب النظرية، فقد اعتمد طريقة في البحث في منتهى الدقة، بحيث تناول الافكار من مصادرها الحقيقية، وبلغة أصحاب هذه الافكار والنظريات، وطبقها على الواقع بطريقة منهجية ماركسية، فهو بذلك قد امتلك المادة في كل تفاصيلها وحلّل اشكال نموها وكشف عن الارتباطات لبعض المذاهب الفكرية المطروحة في الكتاب، وتمكن من عرضها بمجموعها وببناء هيكلي للمبادئ والافكار التي يتناها المؤلف. هنالك بعض الملاحظات سأشير لها عند طرح ملاحظاتي على الكتاب، متمنياً ان أوفق في ذلك.

الملاحظات العامة في الكتاب


1.ان الكتاب عبارة عن مجموعة محاضرات لطلبة جامعتي بغداد والمستنصرية. وجاء أسلوبه مكثف وطابعه مركز وبعض الموضوعات فيه بحاجة الى شروحات اوسع، وهذه النقطة يشير لها د. كبة في مقدمته.
2.الكتاب طويل ب 560 صفحة، ويحتوي قسمين: الاول يحمل الجانب التاريخي للاقتصاد السياسي، في حين يحمل القسم الثاني الجانب الفكري للاقتصاد. ومن وجهة نظري، أميل الى تقديمه بجزئين منفصلين، اي يمكن ان يكون كتابين، لتسهيل عملية الاستيعاب لدى الطلبة والباحثين والقراء.
3.يستخدم د. كبة في مؤلفه مفردة الاستثمار تعبيراً عن الاستغلال في المجتمعين العبودي والاقطاعي، وهو التعبير الذي اعتادت ان تستخدمه بعض الأدبيات، والماركسية منها ما قبل الستينات من القرن الماضي. وعلى ما اعتقد ان الاستثمار تعني مفردتها الانكليزية Investment – توظيف مال او تثميره، في حين الاستغلال Exploitation تعني استثمار لمورد طبيعي او استغلال لشخص. ,اعتقد ان استخدام الاستغلال هي المناسبة في هذا الصدد.
4.كما ان د. كبة دائماً ما يشير الى المنتجين في ظل النظام العبودي، وتحولهم الى "بروليتاريا"، في حين ترتبط هذه المفردة بالمجتمع الرأسمالي، وهي تعني العامل او الشغيل الحر، الذي يعمل او يشتغل على أعلى وسائل الانتاج تطوراً. والصناعة ليست الزراعة او الحرفة، واطلاق كلمة "عامل" او "بروليتير" على كل المشتغلين في المجتمعات ومراحلها، يعني عدم التميز الموجود بين المراحل المتدرجة من التاريخ الاقتصادي. فالعبيد في المجتمع العبودي، والاقنان في المجتمع الاقطاعي، وكلاهما غير متساوين في الحقوق. والعبد لا يملك حتى نفسه. اما العمال او البروليتاريا فهم احرار في المجتمع المجتمع الرأسمالي، كما ان المانيفكتورة المؤسسة على تقسيم العمل اليدوي ومرحلة الصناعة الحديثة المؤسسة على الآلة. وكلا الرأسمالي ومالك قوة العمل (العامل) يدخلان السوق بوصفهما مبادلين، أحدهما يشتري (الرأسمالي) والآخر يبيع (العامل). وكلاهما متساويات حقوقياً. والعامل يبيع قوة عمله "مؤقتاً" حر، وإذا باعها جملة واحدة فانه يبيع ذاته ويصبح رقاً، كما في المجتمع العبودي. ان قوة العمل بالنسبة للعامل تكتسب بضاعة هو يملكها وأن عمله هو شكل العمل المأجور، ولا يصبح شكل البضاعة الشكل الاجتماعي السائد إلا ابتداءً من هذه اللحظة. وفي اشارات أخرى حول قطا عام عبودي، في اشارة منه الى تمركز المشاعيات في يد الملك، او البروليتاري الرثة في المجتمعات العبودية المتطورة (الصفحات 202 – 177)، او القطاع الصناعي في فترة الاقطاع (ص 390)، وهي مفردات لا تتناسب مع المراحل التي يجري الحديث عنها، ولكنها لا تقلل من قيمة الكتاب الغنية.
5.صدر الكتاب عام 1970، أي مضى عليه 37 عاماً، وجرت خلالها عدة متغيرات في العالم، وخصوصاً في عالم الاقتصاد والسياسة، فقد فشلت التجربة الاشتراكية، ولا زال الجدل جارياً حول الاسباب الحقيقية للانهيار، ومن مختلف المدارس الفكرية، الى جانب ان الاقتصاد الرأسمالي هو الآخر جرت فيه عدة متغيرات. فلم تعد النظرية الكنزية الموجه لاقتصاديات البلدان الرأسمالية، بل اختفت سياسة التحفيز الكنزية المضادة للركود، واصبحت معيقة للاجراءات الاقتصادية، كما يصفها لستر ثورو Lister Thoro، في مؤلفه "مستقبل الرأسمالية"، بل أخذت الكنزية ومعها الحكومة الكبيرة تحتضران، إن لم يكونا قد ماتتا بالفعل، وأصبح كينز مع نهاية السبعينات من القرن العشرين مجر هامش في التاريخ، وتقلص دور الدولة. ففي الثمانينات جاءت مارغريت ثاتشر الى الحكم في بريطانيا ورونالد ريغان في الولايات المتحدة الامريكية، وهما ينتميان الى اليمين الجديد، وقد تبنيا، بحماس، "السوق الحرة"، وكانا يعاديان بإصرار مفهوم الدولة المتدخلة في شؤون مواطنيها. ورفضا مفهوم كينز وتبنيا آراء اقتصاديين من أمثال مليتون فريدمان Milton Friedman وفريدريش حايك Friedrich Hayek الذين آمنا بأن السوق الحرة قادرة بشكل افضل من الدولة على توزيع البضائع والخدمات. وأصبحت السوق الحرة تشكل العلامة البارزة على التوزيع للبضائع والخدمات. ونادى اليمين في البلدان المتطورة صناعياً الى تخفيض التضخم وخفض النفقات العامة للصميم، والى اعطاء الالولوية للخصخصة بدلاً من القطاعات الحكومية، والى خصخصة الكثير من وظائف الدولة، او تكييف مؤسسات أخرى بالقيام بها (راجع مؤلف نورينا هيرتز Noreen Hertz "السيطرة الصامتة" – ص 25).
6.اشار المؤلف الى مراحل المجتمع العبودي والى الوضع القانوني للعبيد في الشرق القديم (بابل وآشور، مصر، الهند، الصين) والاختلاف والفروق القانونية في وضع العبيد في اليونان والرومان، بأشارة منه (د. كبة) يجب ان نحمل الاتسنتاج بأن النظام الآسيوي القديم، نظام مختلف نوعياً عن عبودية اليونان والرومان الكلاسيكية. ويعود السبب الى سمات العبودية الشرقية عن العبودية الكلاسيكية، يعود لمفعول قانون التطور غير المتساوي، الذي ظهر مفعوله في جميع النظم الاجتماعية التاريخية بما فيها النظام العبودي. وملاحظاتي هنا ان حضارة وادي الرافدين سبقت حضارة مصر الفرعونية، وكان يمكن للمؤلف ان يتعمق اكثر بنمط الانتاج الآسيوي الذي لا زالت الاشكالات تحطيه، وأن يترك حيزاً أكبر في الكتاب.
7.لم يتوقف د. كبة على فترة القرون الوسطى التي مرت بها المجتمعات الغربية، وهل ان المجتمع البشري مر بهذه الفترة؟ هنالك ايضاً جدل بين الباحثين والمختصين حولها.
8.هنالك ملاحظة على شكل تساؤل مفادها لماذا كان مهد الرأسمالية اوربا الغربية، وما هي الاسباب التي مهدت لنشوءه من دون غيرها من البلدان، وما هي وجهة التطور في بلدان آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية آنذاك.

الخلاصات


تناول مؤلف د. ابراهيم كبة القيّم "دراسات في تاريخ الاقتصاد والفكر الاقتصادي" جملة من الافكار والمفاهيم والنظريات لمدارس فكرية متنوعة ومختلفة. فقد تناول الفكر الاقتصادي والتاريخ الاقتصادي في العصور القديمة (العصر اليوناني والعصر الروماني) مروراً بالعصر الوسيط.
تناول الكتاب المسائل التي بحثها كلاً من افلاطون وأرسطو، والتي تتعلق بالقيمة والنقود من جوانب فلسفية وأخلاقية وسياسية، لأن الفكر الاقتصادي لم يعد علماً مستقلاً حتى أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وفي العصر الوسيط، او كما يسمى عصر سيطرة الفكر اللاهوتي وتوما الاكويني أبرز الممثلين له. وتطرقه الى المسائل الاقتصادية ومعالجتها اخلاقياً تبعاً للتعاليم المسيحية. ويواصل د. كبة بحثه من ان الانسان وحياته الاجتماعية منذ بداية التاريخ البشري اتسمت بضرورة توفير الحاجات المتعددة للاستمرار حيات، وتوفير الموارد القادرةلتلبية هذه المطاليب. ونتيجة لذلك تطورت معارفه الاقتصادية والاجتماعية، ومن هنا برزت الحاجة لامتلاك معرفة دقيقة لمختلف الظواهر والوقائع الاقتصادية، وبذلك محاولات جدية عديدة لمفكرين اقتصاديين، وفلاسفة كبار، وفي مرحلة لاحقة ظهرت "المدرسة الماركينتيلية" والمدرسة الطبيعية ومفكريها، كما ظهرت المدرسة الكلاسيكية الاقتصادية. وسارت د=راسته على نهج كبار أصحاب المذاهب الاقتصادية الكبرى من امثال ارسطو وتوماس الاكويني وآدم سمث وماركس وفيلن وكينز.
لقد اتسمت أفكار د. كبة، في مؤلفه المذكور، بكثير من الصرامة والدقة. ويلاحظ في كتابه، الذي يحتوي على 560 صفحة، وبالتبويب الذي يميز شخصية المؤلف ونظرته العميقة، فهو قد يتبنى أفكار كانت تتعارض مع أفكاره التى تناولها في "دراسات في تاريخ الاقتصاد والفكر الاقتصادي"، بدأ من العصور القديمة والوسطى ومن المدارس (السكولائية، الماركينتيلية، الفيزيوقراطية والكلاسيكية) عدا ماركس وبعض المفكرين وصولاً الى الكنزية.
ويعتبر رائد من رواد الفكر الاقتصادي، حيث انبرى لمناقشة أفكار كبار أصحاب المذاهب الاقتصادية. وأبدى آراءه الخاصة حول القضايا المطروحة، متفقاً او مفنداً. ومناقشته وطروحاته وطريقته الايجابية وتلخيصاته لآراء المفكرين حول المسائل النظرية المبحوثة، تشكل مدرسة فكرية نستخلص منها الدروس لغرض تعميق بحوثنا النظرية في الميدان الاقتصادي.
وأن العمل الكبير الذي بذله د. كبة، يساعد على استيعاب المعلومات المعرف5ية، لعمل جيل الرواد الاوائل من الاقتصاديين على اختلاف مشاربهم الفكرية والايديولوجية والسياسية.
د. كبة الاقتصادي والأكاديمي البارز الذي عمل استاذاً في جامعتي بغداد والمستنثرية، والذي تناولت أعماله ومحاضراته، قضايا التاريخ والفكر والفكر الاقتصادي بشكل مكثف، كان قد شهد مراحل تطور البلدان النامية، وعاش الحرب الباردة وتنافس المعسكرين (الرأسمالي والاشتراكي) وأحاط بمعظم الأفكار والنظريات البارزة منذ نشوء المجتمع البشري. وقد تاثر بالفكر الماركسي، وبالبناء الاشتراكي، على ما أعتقد، وهذا الامر يتضح من أفكاره وآراءه التي تجعله قريباً للمدرسة الماركسية، وقربه لا يلغي حقيقة انه رائداً حقيقياً في علم الاقتصاد. وأرى في مؤلفه "دراسات في تاريخ الاقتصاد والفكر الاقتصادي"، الذي نشر عام 1970 لا زال يحظى بالاهمية النادرة، وفي مقدمة الوثائق العلمية المتخصصة في عراقنا اليوم. وأن مؤهلاته العلمية وسعة معرفته سمحت له بمعالجة عدد من المسائل الفكرية الاقتصادية بقدر من العمق والدقة في التحليل. وستحتفظ ذاكرة الاجيال من طلبته وزملائه من الاساتذة بذكرى طيبة لاستاذ اقتصادي كبير، نظراً لاسهامته الغنية في تاريخ الاقتصاد والفكر الاقتصادي.
هذا الكتاب يعيد سرد آراء د. كبة ويفتح نافذة لتسليط الضوء على النواحي غير المرئية من الافكار الاقتصادية على المستوى العالمي ولاثارة نقاش عملي وصحي حول ما يجري الآن من متغيرات في الساحة الاقتصادية والسياسية والايديولوجية في ظل العولمة والخصخصة التي يتبارى حولها مفكرو ومنظرو الرأسمالية.

عباس الفياض
لندن






 

مساحة إعلانية
قديم 2010-02-13, 08:26   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
b.houda
عضو فعّال
 
الصورة الرمزية b.houda
 

 

 
إحصائية العضو









b.houda غير متواجد حالياً


افتراضي

شكراااااااااااااااااااااااا







 

الكلمات الدلالية (Tags)
الاقتصاد, الاقتصادي", تاريخ, دراسات, والفكر

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع



الساعة الآن 00:29

المشاركات المنشورة تعبر عن وجهة نظر صاحبها فقط، ولا تُعبّر بأي شكل من الأشكال عن وجهة نظر إدارة المنتدى
المنتدى غير مسؤول عن أي إتفاق تجاري بين الأعضاء... فعلى الجميع تحمّل المسؤولية


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
2006-2013 © www.djelfa.info جميع الحقوق محفوظة - الجلفة إنفو (خ. ب. س)
Protected by CBACK.de CrackerTracker