اسهامات ابن خلدون في النظرية الاجتماعية - منتديات الجلفة لكل الجزائريين و العرب

العودة   منتديات الجلفة لكل الجزائريين و العرب > منتديات الجامعة و البحث العلمي > الحوار الأكاديمي والطلابي > قسم أرشيف منتديات الجامعة

قسم أرشيف منتديات الجامعة القسم مغلق بحيث يحوي مواضيع الاستفسارات و الطلبات المجاب عنها .....

http://www.up.djelfa.info/uploads/141389081779231.gif

 

في حال وجود أي مواضيع أو ردود مُخالفة من قبل الأعضاء، يُرجى الإبلاغ عنها فورًا باستخدام أيقونة تقرير عن مشاركة سيئة ( تقرير عن مشاركة سيئة )، و الموجودة أسفل كل مشاركة .

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 2009-04-28, 01:07   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
tahaberrabeh
عضو مشارك
 
الصورة الرمزية tahaberrabeh
 

 

 
إحصائية العضو









tahaberrabeh غير متواجد حالياً


افتراضي اسهامات ابن خلدون في النظرية الاجتماعية

عنصر 3ابن خلدون
1332 - 1406 ولد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون في تونس وعاش في اقطار المغرب العربي المختلفة ما يقارب الخمسين عاماً . ثم استقر به الامر بعد ذلك في مصر التي وصل اليها سنة 1384 ، وبقي فيها حتى وفاته. وهو يعد من كبار العلماء الذين انجبهم العالم العربي و الإسلامي ، اذ قدم نظريات كثيرة جديدة في علمي الاجتماع والتاريخ ، بشكل خاص في كتابيه : العبر والمقدمة . وقد عمل في التدريس في بلاد المغرب ، بجامع القرويين في فاس ، ثم في الجامع الازهر في القاهرة ، والمدرسة الظاهرية، وغيرها من محافل المعرفة التي اكثرت في ارجاء العالم الاسلامي المختلفة خلال القرن الثالث عشر نظراً لحض الدين الحنيف للناس على طلب العلم. وقد عمل ابن خلدون في مجال القضاء اكثر من مرة ، وحاول تحقيق العدالة الاجتماعية في الاحكام التي اصدرها. ونحن نقتطف وصفه لمعاناته في هذا المجال في كتاب مذكراته التعريف بأبن خلدون.
ولكن ابن خلدون كان دبلوماسياً حكيماً ايضاً . وقد أُرسل في اكثر من وظيفة دبلوماسية لحل النزاعات بين زعماء الدول : مثلاً ، عينه السلطان محمد بن الاحمر سفيراً له الى امير قشتالة للتوصل لعقد صلح بينهما 'نص عريض'.. وبعد ذلك بأعوام استعان به اهل دمشق لطلب الامان من الحاكم المغولي القاسي تيمور لنك ، وتم اللقاء بينهما . ونحن في الصفحات التالية نقتطف ايضاً وصف ابن سينا لذلك اللقاء في مذكراته. اذ يصف ما رآه من طباع الطاغية ، ووحشيته في التعامل مع المدن التي يفتحها ، ويقدم تقييماً متميزاً لكل ما شاهد في رسالة خطها لملك المغرب. الخصال الاسلامية لشخصية ابن خلدون ، اسلوبه الحكيم في التعامل مع تيمور لنك مثلاً، وذكائه وكرمه ، وغيرها من الصفات التي ادت في نهاية المطاف لنجاته من هذه المحنة، تجعل من التعريف عملاً متميزاً عن غيره من نصوص ادب المذكرات العربية والعالمية. فنحن نرى هنا الملامح الاسلامية لعالم كبير واجه المحن بصبر وشحاعة وذكاء ولباقة.
من التعريف بأبن خلدون ورحلته غرباً وشرقاً[1] الرحلة الى المشرق ، وولاية القضاء بمصر: ولما رحلت من تونس منتصف شعبان من سنة اربع وثمانين ، اقمنا في البحر نحواً من اربعين ليلة ، ثم وافينا مرسى الاسكندرية يوم الفطر . ولعشر ليال من جلوس الملك الظاهر على التخت ، واقتعاد كرسي الُملك دون اهله بني قلاوُن، وكنا على ترقب ذلك، لما كان يؤثر بقاصية البلاد من سموه لذلك ، وتمهيده له . واقمت بالاسكندرية شهراً لتهيئة اسباب الحج ولم يُقدّر عامئذ ، فانتقلت الى القاهرة اول ذي العقدة ، فرأيت حضرة الدنيا ، وبستان العالم ، ومحشر الامم ، ومدرج الذر[2] من البشر ، وايوان الاسلام ، وكرسي المُلك ، تلوح القصور والاواوين في جوه ، وتزهر الحوانك والمدارس بآفاقه ، وتضئ البدور والكواكب من علمائه ، قد مثل بشاطئ بحر النيل نهر الجنة ومدفع مياه السماء ، يسقيهم النهل والعلل سيحه[3] ويجني اليهم الثمرات والخيرات ثجه[4] ، ومررت في سكك المدينة تغص بزحام المارة ، واسواقها تزخر بالنعم ، وما زلنا نحدثُ عن هذا البلد ، وبُعد مداه في العمران ، واتساع الاحوال ، ولقد اختلفت عبارات من لقيناه من شيوخنا واصحابنا ، حاجبهم وتاجرهم ، بالحديث عنه . سألت صاحبنا قاضي الجماعة بفاس ، وكبير العلماء بالمغرب ، ابا عبد الله المقري ، مقدمه من الحج سنة اربعين ، فقلت له : كيف هذه القاهرة؟ فقال: من لم يرها لم يعرف عز الاسلام . وسالت شيخنا ابا العباس ابن ادريس كبير العلماء ببجاية مثل ذلك فقال : كأنما انطلق اهله من الحساب ، يُشير الى كثرة اممه وامنهم العواقب . وحضر صاحبنا قاضي العسكر بفاس ، الفقيه الكاتب ابو القاسم البرجي بمجلس السلطان ابي عنان ، منصرفه من السفارة عنه الى ملوك مصر ، وتادية رسالته النبوية الى الضريح الكريم ، سنة ست وخمسين وسأله عن القاهرة فقال:
اقول في العبارة عنها على سبيل الاختصار : ان الذي يتخيله الانسان ، فانما يراه دون الصورة التي تخيلها ، لاتساع الخيال عن كل محسوس ، الا القاهرة ، فانها اوسع من كل ما يُتخيل فيها . فأعجب السلطان والحاضرون بذلك.
ولما دخلتها ، اقمت اياماً ، وانثال على طلبة العلم فيها ، يلتمسون الافادة مع قلة البضاعة ، ولم يُوسعوني عذراً ، فجلست للتدريس بالجامع الازهر منها. ثم كان الاتصال بالسلطان ، فأبر اللقاء ، وأنس الغُربة، ووفر الجراية من صدقاته ، شأنه مع أهل العلم ، وانتظرت لحاق اهلي وولدي من تونس ، وقد صدهم السلطان هنالك عن السفر ، اغتباطاً بعودي اليه ، فطلبت من السلطان صاحب مصر الشفاعة اليه في تخلية سبيلهم .
ثم هلك بعض المدرسين بمدرسة القمحية[5] بمصر ، من وقف صلاح الدين بن ايوب ، فولاني تدريسها مكانه ، وبينما أنا في ذلك ، اذ سخط السلطانُ قاضي المالكية في دولته ، لبعض النعات فعزله ، وهو رابعُ اربعة بعدد المذاهب ، يُدعى كل منهم قاضي القضاة ، تمييزاً عن الحكام بالنيابة عنهم ، لاتساع خطة هذا المعمور ، وكثرة معالمه ، وما يرتفع من الخصومات في جوانبه ، وكبير جماعتهم قاضي الشافعية ، لعُموم ولايته في الاعمال شرقاً وغرباً ، وبالصعيد والفيوم ، واستقلاله بالنظر في اموال اليتام ، والوصايا، ولقد يقال بأن مباشرة السلطان قديماً بالولاية انما كانت تكون له. فلما عُزل هذا القاضي المالكي سنة ست وثمانين ، اختصني السلطان بهذه الولاية ، تاهيلاً لمكاني ، وتنويهاً بذكري ، وشافهته بالتفادي من ذلك ، فأبى الا امضاءه ، وخلع عليه بايوانه ، وبعث من كبار الخاصة من اقعدني بمجلس الحكم بالمدرسة الصالحية ، بين القصرين ، فقمت بما دفع الي من ذلك المقام المحمود ، ووفيت جهدي بما امنني عليه من أحكام الله ، لا تاخذني في الحق لومة ، ولا يزعني عنه جاهً ولا سطوة ، مسوياً في ذلك بين الخصمين ، آخذاً بحق الضعيف من الحكمين ، معرضاً عن الشفاعات والوسائل من الجانبين ، جانحاً الى التثبيت في مساع البينات ، والنظر في عدالة المنتصبين لتحمل الشهادات ، فقد كان البر منهم مختلطاً بالفاجر ، والطيب متلبساً بالخبيث ، والحكام ممسكون عن انتقادهم ، متجاوزون عما يظهرون عليه من هناتهم ، لما يموهون به من الاعتصام باهل الشوكة ، فان غالبهم مختلطون بالامراء ، معلمين للقرآن ، وائمة في الصلوات ، يلبسون عليه بالعدالة، فيظنون بهم الخير ، ويقسمون لهم الحظ من الجاه في تزكيتهم عند القضاة ، والتوسل لهم ، فاعضل داؤهم ،وفشت المفاسد بالتزوير والتدليس بين الناس منهم ، ووقفت على بعضها فعاقبت فيه بموجع العقاب ، ومؤلم النكال ، وتأدى الي العلم بالجرح في طائفة منهم ، فمنعتهم من تحمل الشهادة، وكان منهم كتاب لدواوين القضاة ، والتوقيع في مجالسهم ، قد دربوا على املاء الدعاوى ، وتسجيل الحكومات ، واستخدموا للأمراء فيما يعرض لهم من العقود باحكام كتابتها ، وتوثيق شروطها ، فصار لهم بذلك شفوف[6] على اهل طبقتهم ، وتمويه على القضاة بجاههم ، يدرعون[7] به مما يتوقعونه من عتبهم ، لتعرضهم لذلك بفعلاتهم ، وقد يسلط بعض منهم قلمه على العقود المحكمة، فيوجد السبيل الى حلها بوجه فقهي ، او كتابي ، ويبادر الى ذلك متى دعا اليه داعي جاهٍ او منحة ، وخُصوصاً في الاوقاف التي جاوزت حدود النهاية في هذا المصر بكثرة عوالمه ، فاصبحت خافية الشهرة ، مجهولة الاعيان ، عرضة للبطلان ، باحتلاف المذاهب المنصوبة للحكام بالبلد ، فمن اختار فيها بيعاً او تمليكاً ، شارطوه واجابوه ، مُفتاتين فيه على الحكام الذين ضربوا دُونه سد الحظر والمنع حماية من التلاعب، وفشا في ذلك الضرر في الاوقاف ، وطرق[8] الغرر في العقود والاملاك.
فعاملت الله في حسم ذلك بما آسفهم على واحقدهم ، ثم التفت الى الفتيا بالمذهب ، وكان الحكام منهم على جانب من الخبرة ، لكثرة معارضتهم ، وتلقينهم الخصوم ، وفُتياهم بعد نفوذ الحكم، واذا فيهم اصاغر ، بيناهم يتشبثون بأذيال الطلب والعدالة ولا يكادون ، اذا بهم طفروا الى مراتب الفتيا والتدريس ، فاقتعدوها ، وتناولوها بالجُزاف ، واجتازوها من غير مثرب[9] ولا منتقد للاهليه ولا مرشح ، اذ الكثرة فيهم بالغة ، ومن كثرة الساكن مشتقة ، وقلم الفتيا في هذا المصر طلق، وعنانها مرسل ، يتجاذب كل الخصوم منه رسنا ، ويتناول ممن حافته شقاً ، يرزم به الفلج على خصمه ، ويستظهر به لارغامه ، فيعطيه المفتي من ذلك ملء رضاه ، وكفاء امنيته ، متتبعاً اياه في شعاب الخلاف ، فتتعارض الفتاوى وتتناقض ، ويعظم الشغب ان وقعت بعد نفوذ الحكم ، والخلاف في المذاهب كثير ، والانصاف متعذر ، واهلية المفتي او شهرة الفتيا ليس تمييزها للعامي ، فلا يكاد هذا المدد ينحسر ولا الشغب ينقطع. فصدعت في ذلك بالحق ، وكبحت اعنة اهل الهوى والجهل ، ورددتهم على اعقابهم ، وكان فيهم ملتقطون سقطوا من المغرب ، يشعوذون بمفترق من اصطلاحات العلوم هنا وهناك ، لا ينتمون الى شيخ مشهور ، ولا يعرف لهم كتاب في فن ، قد اتخذوا الناس هزؤا ، وعقدوا المجالس مثلبة للاعراض ، ومأبنة للحرم ، فارغمهم ذلك مني ، وملأهم حسداً وحقداً علي ، وخلوا الى اهل جلدتهم من سُكان الزوايا المنتحلين للعبادة ، يشترون بها الجاه ليُجيروا به على الله ، وربما اضطر اهل الحقوق الى تحكيمهم ، فيحكمون بما يلقي الشيطان على السنتهم يترخصون به للاصلاح ، لا يزعهم الدين عن التعرض لاحكام الله بالجهل ، فقطعت الحبل في ايديهم ، وامضيت احكام الله فيمن اجاروه ، فلم يغنوا عنه من الله شيئاً ، واصبحت زواياهم مهجورة ، وبئرهم التي يمتاحون منها معطلة. وانطلقوا يراطنون السفهاء في النيل من عرضي ، وسوء الاحدوثة عني بمحتلف الافك ، وقول الزور ، يبثونه في الناس ، ويدسون الى السلطان التظلم مني فلا يصغي اليهم ، وانا في ذلك محتسب عند الله ما منيت به من هذا الامر ، ومعرض فيه عن الجاهلين ، وماض على سبيل سواء من الصرامة ، وقوة الشكيمة ، وتحري المعدلة ، وخلاص الحقوق ، والتنكب عن خطة الباطل منى دعيت اليها ، وصلابة العود عن الجاه والاغراض متى غمزني لامسها ، ولم يكن ذلك شأن من رافقته من القضاة ، فنكروه علي ، ودعوني الى تبعهم فيما يصطلحون عليه من مرضات الاكابر ، ومراعاة الاعيان ، والقضاء للجاه بالصور الظاهرة ، او دفع الخصوم اذا تعذرت ، بناء على ان الحاكم لا يتعين عليه الحكم مع وجود غيره ، وهم يعلمون ان قد تمالأوا عليه. وليت شعري ! ما عذرهم في الصور الظاهرة ، اذا علموا خلافها ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في ذلك : "من قضيت له من حق اخيه شيئاً فانما اقضي له من النار" فأبيت في ذلك كله الا اعطاء العهدة حقها ، والوفاء لها ولمن قلدنيها ، فاصبح الجميع علي البا[10] ، ولمن ينادي بالتافف مني عونا ، وفي النكير على امة ،واسمعوا الشهود الممنوعين ان قد قضيت بغير الحق ، لاعتمادي على علمي في الجرح ، وهي قضية اجماع ، وانطلقت الالسنة ، وارتفع الصخب ، وارادني بعض على الحكم بغرضهم فوقفت ، واغروا بي الخصوم فتنادوا بالتظلم عند السلطان ، وجمع القضاة واهل الفتيا في مجلس حفل للنظر في ذلك ، فخلصت تلك الحكومة من الباطل خلوص الابريز ، وتبين امرهم للسلطان ، وامضيت فيها حكم الله ارغاماً لهم ، فغدوا على حرد قادرين ، ودسوا لاولياء السلطان وعظماء الخاصة ، يقبحون لهم اهمال جاههم ، ورد شفاعتهم مموهين بان الحامل على ذلك جهل المصطلح ، وينفون هذا الباطل بعظائم ينسبونها الي ، تبعث الحليم ، وتغري الرشيد ، يستثيرون حفائظهم علي ، ويشربونهم البغضاء لي ، والله مجازيهم ومسائلهم . فكثر الشغب علي من كل جانب ، واظلم الجو بيني وبين اهل الدولة ، ووافق ذلك مصابي بالاهل والولد ، وصلوا من المغرب في السفين[11] ، فاصابها قاصف من الريح فغرقت ، وذهب الموجود والسكن والمولود ، فعظم المُصاب والجزع ، ورجح الزهد ، واعتزمت على الخروج عن المنصب ، فلم يوافقني عليه النصيح ممن استشرته ، خشية من نكير السلطان وسخطه ، فوقفت بين الورد والصدر ، وعلى صراط الرجاء والياس، وعن قريب تداركني اللطف الرباني ، وشملتني نعمة السلطان –ايده الله- في النظر بعين الرجمة ، وتخلية سبيلي من هذه العهدة التي لم اطق حملها ، ولا عرفت – كما زعموا – مصطلحها ، فردها الى صاحبها الاول ، وانشطني من عقالها ، فانطلقت حميد الاثر ، مشيعاً من الكافة بالاسف والدعاء وحميد الثناء ، تلحظني العيون بالرحمة ، وتتناجى الامال فيّ بالعودة، ورتعت فيما كنت راتعاً فيه من قبل من مراعي نعمته وظل رضاه وعنايته ، قانعاً بالعافية التي سألها رسول الله صلى وسلم من ربه ، عاكفاً على تدريس علم او قراءة كتاب ، او اعمال قلم في تدوين او تاليف ، مؤملاً من الله قطع صبابة العمر في العبادة ، ومحو عوائق السعادة بفضل الله ونعمته. لقاء الامير سلطان المغل والطرر: ما وصل الخبر الى مصر بأن الامير تمُر ملك بلاد الروم ، وخرب سيواس ، ورجع الى الشام ، جمع السلطان عساكره ، وفتح ديوان العطاء، ونادى في الجند بالرحيل الى الشام ، وكنت انا يومئذ معزولاً عن الوظيفة ، فاستدعاني دواداره يشبك[12] ، وارادني على السفر معه في ركاب السلطان ، فتجافيت عن ذلك. ثم اظهر العزم علي بلين القول ، وجزيل الانعام فاصخيتُ ، وسافرت معهم منتصف شهر المولد الكريم من سنة ثلاث ، فوصلنا الى غزة ، فارحنا بها أياماً نترقب الأخبار ، ثم وصلنا الى الشام مسابقين الططر الى ان نزلنا شقحب واسرينا فصبحنا دمشق ، والامير تمُر في عساكره قد رحل من بعلبك قاصداً دمشق ، فضرب السلطان خيامه وابنيته بساحة قبة يُلبُغا. ويئس الامير تمُر من مهاجمة البلد ، فاقام بمرقب على قبة يُلبُغا يراقبنا ونراقبه اكثر من شهر ، تجاول العسكران في هذه الايام مرات ثلاثاً او اربعاً ، فكانت حربهم سجالاً ، ثم نمي الخبر الى السلطان واكابر امرائه ، ان بعض الامراء المنغمسين في الفتنة يحاولون الهرب الى مصر للثورة بها ، فاجمع رايهم الرجوع الى مصر خشية من انتقاض الناس وراءهم ، واختلال الدولة بذلك ، فأسروا ليلة الجمعة من شهر (….) وركبوا جبل الصالحية ، ثم انحطوا في شعابه ، وساروا على شافة البحر الى غزة ، وركب الناس ليلاً يعتقدون ان السلطان سار على الطريقة الاعظم الى مصر ، فساروا عصباً وجماعات على شقحب الى ان وصلوا الى مصر ، واصبح اهل دمشق متحيرين قد عميت عليهم الانباء. وجائني القضاة والفقهاء ، واجتمعت بمدرسة العادلية ، واتفق رايهم على طلب الامان من الامير تمُر على بيوتهم وحرمهم ، وشاوروا في ذلك نائب القلعة ، فابى عليهم ذلك ونكره ، فلم يوافقوه . وخرج القاضي برهان الدين بن مفلح الحنبلي ومعه شيخ الفقراء بزاوية (…) فاجابهم الى التامين ، وردهم باستدعاء الوجوه والقضاة ، فخرجوا اليه متدلين من السور بما صبحهم من التقدمة، فاحسن لقاءهم وكتب لهم الرقاع بالامان ، وردهم على احسن الآمال ، واتفقوا معه على فتح المدينة من الغد ، وتصرف الناس في المعاملات ، ودخول امير ينزل بمجل الامارة منها ، ويملك امرهم بعز ولايته. واخبرني القاضي برهان الدين انه ساله عني ، وهل سافرت مع عساكر مصر او اقمت بالمدينة ، فاخبره بمقامي حيث كنت ، وبتنا تلك الليلة على اهبة الخروج اليه ، فحدث بين بعض الناس تشاجر في المسجد الجامع ، وانكر البعض ما وقع من الاستنامة الى القول. وبلغني الخبر من جوف الليل ، فخشيت الباردة على نفسي ، وبكرت سحراً الى جماعة القضاة عند الباب ، وطلبت الخروج او التدلي من السور ، لما حدث عندي من توهمات ذلك الخبر ، فابوا على اولاً ، ثم اصغوا لي، ودلوني من السور ، فوجدت بطانته عند الباب ، ونائبه الذي عينه للولاية على دمشق ، واسمه شاه ملك ، من بني جقطاي اهل عصابته ، فحييتهم وحيوني ، وفديت وفدوني ، وقدم لي شاه ملك ، مركوباً ، وبعث معي من بطانة السلطان من اوصلني اليه . فلما وقفت بالباب خرج الاذن باجلاسي في خيمة هنالك تجاور خيمة جلوسه ، متكئاً على مرفقه ، وصحاف الطعام تمُر بين يديه ، يُشير بها الى عصب المغل جلوساً امام خيمته ، حلقاً حلقاً . فلما دخلت عليه فاتحت السلام ، اوميت ايماءة الخضوع ، فرفع راسة ، ومد يده الى فقبلتها ، واشار بالجلوس فجلست حيث انتهيت . ثم استدعى من بطانته الفقيه عبد الجبار بن النعمان من فقهاء الحنفية بخوارزم ، فاقعده يترجم ما بيننا ، وسألني من اين جئت من المغرب؟ ولما جئت؟ فقلت : جئت من بلادي لقضاء الفرض وركبت اليها البحر ، ووافيت مرسى الاسكندرية يوم الفطر سنة اربع وثمانين من هذه المائة الثامنة ، والمفرحات باسوارهم لجلوس الظاهر على تخت الملك لتلك العشرة الايام بعددها. فقال لي : "وما فعل معك؟" فقلت : "كل خير، بر مقدمي ، وأرغد قراي ، وزودني للحج ، ولما رجعت وفر جرايتي ، واقمت في ظله ونعمته ، رجمه الله وجزاه. فقال : وكيف كانت توليته اياك القضاء ؟ فقلت: مات قاضي المالكية قبل موته بشهر ، وكان يظن بي المقام المحمود في القيام بالوظيفة ، وتحري المعدلة والحق ، والاعراض عن الجاه ، فولاني مكانه ، ومات لشهر بعدها ، فلم يرض اهل الدولة بمكاني ، فادالوني منها بغيري جزاهم الله.[13] فقال لي : "واين ولدك؟" فقلت : بالمغرب الجواني كاتب للملك الاعظم هنالك. فقال وما معنى الجواني في وصف المغرب؟ فقلت هو في عرف خطابهم معناه الداخلي ، أي الابعد ، لان المغرب كله على ساحل البحر الشامي من جنوبه ، فالاقرب الى هنا برقة ، وافريقية ، والمغرب الاوسط : تلمسان وبلاد زناتة ، والاقصى : فاس ومراكش ، وهو معنى الجواني. فقال لي : وسبتة؟ فقلت: ليست على البحر ، وهي في وسط التلول ، وكرسي ملوك المغرب من بني مرين. فقال : وسجلماسة؟ قلت: في الحد ما بين الارياف والرمال من جهة الجنوب. فقال : لا يقنعني هذا، واحب ان تكتب لي بلاد المغرب كلها ، اقاصيها وادانيها وجباله وانهاره وقراه وامصاره ، حتى كانني اشاهده. فقلت: يحصل ذلك بسعادتك ، وكتبت له بعد انصرافي من المجلس لما طلب من ذلك ، واوعيت الغرض فيه في مختصر وجيز يكون قدر اثنتي عشرة من الكراريس المنصفة القطع. ثم اشار الى خدمه باحضار طعام من بيته يسمونه الرشتة، ويحكمونه على ابلغ ما يمكن ، فاحضرت الاواني منه ، واشار بعرضها علي ، فمثلت قائماً وتناولتها وشربت واستطبت ، ووقع ذلك منه احسن المواقع ، ثم جلست وسكتنا ، وقد غلبني الوجل بما وقع من نكبة قاضي القضاة الشافعية ، صدر الدين المناوي ، اسره التابعون لعسكر مصر . بشحقب ، وردوه ، فحبس عندهم في طلب الفدية منه ، فاصابنا من ذلك وجل ، فزورت في نفسي كلاماً اخاطبه به ، واتلطفه بتعظيم احواله ، وملكه . وكنت قبل ذلك بالمغرب قد سمعت كثيراً من الحدثان في ظهوره ، وكان المنجمون المتكلمون في قرانات العلويين يترقبون القآن العاشر في المثلثة الهوائية ، وكان يترقب عام ستة وستين من المائة السابعة . فلقيت ذات يوم من عام احد وستين بجامع القرويين من فاس ، الخطيب ابا علي بن باديس خطيب قسنطينة ، وكان ماهراً في ذلك الفن ، فسالته عن القران المتوقع ، فقال لي: يدل على ثائر عظيم في الجانب الشمالي الشرقي ، من امة بادية اهل خيام ، تتغلب على الممالك ، وتقلب الدول ، وتستولي على اكثر المعمورة . فقلت : ومتى زمنه؟ فقال : عام اربعة وثمانين تنتشر اخباره. وكتب لي بمثل ذلك الطبيب ابن زرزر اليهودي ، طبيب ملك الافرنج ابن اذفونش ومنجمه . وكان شيخي رحمه الله امام المعقولات محمد بن ابراهيم الابلي منى فاوضته في ذلك ، او سايلته عنه يقول: امره قريب ، ولابد لك ان عشت ان تراه.






 

مساحة إعلانية
قديم 2009-04-28, 05:19   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
المعزلدين الله
عضو مميّز
 
الصورة الرمزية المعزلدين الله
 

 

 
وسام الاستحقاق 
إحصائية العضو









المعزلدين الله غير متواجد حالياً


افتراضي

شكرا بارك الله فيك
على هده المعلومات القيمة







 

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع



الساعة الآن 16:00

المشاركات المنشورة تعبر عن وجهة نظر صاحبها فقط، ولا تُعبّر بأي شكل من الأشكال عن وجهة نظر إدارة المنتدى
المنتدى غير مسؤول عن أي إتفاق تجاري بين الأعضاء... فعلى الجميع تحمّل المسؤولية


2006-2013 © www.djelfa.info جميع الحقوق محفوظة - الجلفة إنفو (خ. ب. س)