مذكرة تخرج أمين المغبون أريد تقييما - منتديات الجلفة لكل الجزائريين و العرب

العودة   منتديات الجلفة لكل الجزائريين و العرب > منتديات الثقافة و الأدب > قسم الإبداع > قسم الخـــواطر

قسم الخـــواطر قسم خاصّ بإبداعات الأعضاء النّثريّة، يُمنَعْ النّقل

 

الجلفة إنفو  ثاني أغلى موقع الكتروني في الجزائر  حسب دراسة أمريكية

في حال وجود أي مواضيع أو ردود مُخالفة من قبل الأعضاء، يُرجى الإبلاغ عنها فورًا باستخدام أيقونة تقرير عن مشاركة سيئة ( تقرير عن مشاركة سيئة )، و الموجودة أسفل كل مشاركة .

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 2009-04-19, 11:25   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
أمين المستغانمي
عضو متألق
 
الصورة الرمزية أمين المستغانمي
 

 

 
الوسام الفضي لقسم الأسرة و المجتمع 
إحصائية العضو









أمين المستغانمي غير متواجد حالياً


Question مذكرة تخرج أمين المغبون أريد تقييما


لمحة تاريخية للرواية:
إن للروايّة بخلاف أجناس أدبية أخرى، كالمسرح أو الشعر، لا تتحد بسماتها الشكلية بقدر ما تتحدد بمدلولها، المرتبط عادة بفكرة المتخيّل، فالفن الدرامي يخضع لسنن أدبي وفرجوي، في حين يتبنى الشعر على تصرف خاص باللغة، أي النظم الكلاسيكي أو الشعر الحر، فما ليس نثرا يعد شعرًا، وما يفترض أداءًا دراميا للغة يعد مسرحًا.
أمّا الرّواية، وعلى غرار أدب الأفكار، فيبدو أنها لا تخضع لقواعد كتابية تختص بها، بل إن الموضوعات المطروقة هي ما يحدّد كينونتها كجنس، فهي تسرد مغامرات وهمية أو ترسم شخصيات غير حقيقية أو تنسج حركات متخيّلة، ممّا يجعل خطابها في صميم اللاواقع، الذّي يحتسم فضاءه الرّمز مع الخرافة والأسطورة والملحمة.
كما أنه من الصعب وضع حد فاصل بين الأسطورة والرّواية، بحيث يمكن أن نتساءل: هل يتعلق الأمر بقطيعة بينهما أم بانتقال من الدّيني إلى الدّنيوي، من القيم الجماعية إلى تفاصيل الحياة الشخصية، مثلما تقترح Dumézilذلك. أما التعارض بين الملحمة والرّواية، فإشكالية ما تزال تحيرّ النقاد المتخصصين، حيث يرى البعض أن الرّواية تنحدر من المحكي الملحمي في مستواه المألوف وإلى حد ما المعلمن.
وهو رأي يعتمد صراحة على أطروحات المؤرخ المجري Lukacsأو يمكن قراءتهضمنيا في Mimésisلمؤلفه الألماني Auerbach. ويعتبر Le roman comiqueالمعزوّ لـScarron تجسيدا لهذه الحركة التي فرضها الأدب السردي الحديث على النموذج السردي الأصيل، أي دمقرطته وتجريده من هالة القداسة.




المدخل

وقد خضعت الرواية زمنا طويلا للتأريخ والتحقيب، وهما إجراءان عمليان معياريان هيمنا باستمرار على النقد الأدبي كافة.(1)
وتكمن فائدتها في رصد أشكال سردية مختلفة مثل: رواية الفروسية والرّواية الرّعويّة ورواية الأجيال والرّواية الإستباقية ورواية الخيال العلمي، من حيث ظهورها وتطوّرها وربّما إضمحلالها. كما يهتم هاذان الإجراءان بتحليل في منتهى الدقة للمؤثرات الأجنبية وللتحوّلات الدلالية: ففي أي تاريخ انتقلت القصة القصيرة إلى فرنسا؟ وما هي العوامل التي أتاحت ذلك؟ في أي زمان ومكان ظهرت الرّواية التراسلية؟ وما هو التطور الإجتماعي الذي إرتبط به نشوء هذه التقنية السّردية؟ ما هي مدلولات هذه الكلمات الأنجلوـ سكسونية.
وتطرح المقاربة الجناسية أو التكوينية مسالة مزدوجة تتعلق بتاريخ الرواية وبالمصطلح الجدير بتعيينها. كما يتأسس فعل القراءة المتعدّدة، التي يغلب عليها المنزع السيكولوجي أو السوسيولوجي، بمجرّد ما يتم تحديد الوحدات الملائمة التي تسهم في إنتاج المعنى الرّوائي.
أما اللسانيات الحديثة، وخاصة منها التداولية، فهي تقدم مساهمة شديدة الأهمية لبلاغة المحكي الرّوائي، في حين تسمح البنيوية أو الشعريّة أخيرا بدراسة دقيقة للإشتغال السّردي، سواء تمّ على مستوى الأحداث الحقيقية أو الخيالية، أي سواء تعلّق بالتاريخ أو بالمتخيّل.(2)
2-الأنماط المختلفة للرواية:
إن لفظة رواية هي بالأحرى دال ينتمي إلى النصوص المعاذية، أي كلّ ما يسبق النّص أو يمهّد له أو يحيط به، أكثر ممّا هي سمة فنية أو شكلية


ـــــــــــــــ
(1) برنار فاليط، النص الرّوائي تقنيات ومناهج، ترجمة: رشيد بنحَدّو- ص 6-8.
(2) المرجع نفسه ص 9-13.

المدخل

تخص جنسا معيّنا. لئن كانت اللفظة، فهي مدلولها الشائع تعني سرد أو إبداع أحداث خيالية، فينبغي مع ذلك الإقرار بأن الرّواية لا تطابق سوى صنف حكائي محدد تاريخيا يلعب فيه سرد مغامرات حقيقية أو خيالية دورا أساسا. في هذه الحالة، هل تستحق L’educaion sentimentale لـ Flauber. وقد تم استبعاد مفهوم الحبكة منها بقصد اسم "رواية" أو "لا رواية"، فقد نجد بعض الكتاب المعاصرين، أمثال Richard Millerيتجنبون هذه الصعوبة برفضهم لكل تسمية تجنيسية، ناعتين كتاباتهم بلفظة "نص" إلى هي في آن واحد أكثر التباسا وأقل حثا على القراءة الإختزالية.
3- الخلفية السياسية والإجتماعية لظهور مصطلح الرّواية في الجزائر:
إن الإحاطة بكل الجوانب السياسية أو بمعظمها، التّي سادت قبل الإستقلال، والتي كان لها دور رئيسي في ظهور الرّواية الجزائرية واكتمال معالمها أمر في غاية الصعوبة، وبناء على ذلك، كان من الضروري اللجوء إلى بعض العمليات المنهجية التبسيطية التي يمليها البحث الأدبي، وهي تقسيم هذه الفترات التاريخية ولو على مستوى شكلي، مع العلم مسبقا أن هذه الفترات هي حلقات في سلسلة واحدة ورئيسية، هي التاريخ.
وهناك 3 فترات هامة كان لها الدور الحاسم في بلورة الوعي الجماهيري، واستقلال الجزائر، وتحديد هويتها التاريخية وهوية الإتجاهات الرّوائية في الآن ذاته.(1)
1- أولاها مرتبطة تحديدا بثورة الفلاحين سنة 1871، التي كانت لها مساهمات عظمى في تشكيل الفكر الإشتراكي في الجزائر، وتكريسه من خلال الإسهامات التي قدمتها بشكل مباشر أو غير مباشر.

ـــــــــــــــ
(1) اتجاهات الرّواية العربية ي الجزائر لواسيني الأعرج – بحث في الأصول التاريخية والجمالية للرواية الجزائرية – ص 17.

المدخل

2- أما الفترة الثانية فهي ذات صلة مباشرة بإنتفاضة 1945م الجماهيرية التي أيقظت الحس القومي لدى الشعب، ودفعته إلى الإقتناع من خلال الحياة اليومية، بأن الإستعمار مهما كان حضاريا، فسيظل استعمارا يستهدف تدليل الشعب وتركيعه، وتصادف هذه المرحلة ظهور أول رواية جزائرية مكتوبة باللغة العربية "غادة أم القرى"(1) للكاتب أحمد رضا حوحو سنة 1947 كتعبير عن تبلور الوعي الجماهيري بالرّغم من أفاقها المحدودة.
3- أما الفترة الثالثة والأخيرة، فهي دخول الحركة الوطنية في نهج جديد أدّى لها في النّهاية إلى تجميع كل قواها الممزّقة، هذا التمزّق الذّي استثمره الإستعمار للتفرقة بين الجماهير الشعبية والحركة الوطنية، لسنوات عديدة.
وهذه الفترة الأخيرة شهدت قفزة نوعيّة وكميّة في الرّواية الجزائريّة باللغة الفرنسية، في وقت لم تظهر فيه إلاّ روايتان باللغة العربية، الأولى "الطالب المنكوب" لـعبد المجيد الشافعي سنة 1951، والثانية "الحريق" لـنور الدين بوجدرة سنة 1957 ومردّ ذلك طبعا إلى الظروف السياسية الإستعمارية مقومات شخصية، واستمرّ في ضرب الحصار حولها وإجهاض كل المبادرات الوطنية التي كانت تستهدف بعث ثقافة عربية متنيرة. (2)
لدى كانت الكتابة بالفرنسية حتمية لا بّد منها، وينبغي النّظر إليها على أنها لم تكن قط انتماء إلى فرنسا أو ضربا للتاريخ العربي الجزائري إنما جعلها الكتاب وسيلة للمقاومة وطعن طغيان فرنسا وخدمة لقضية النّضال في الجزائر فكانوا مجاهدين بسلاح القلم.




ـــــــــــــــ
(1) محمد رتيعي ادريس بودية – مقال مقدمة في الرّواية الجزائرية المكتوبة بالعربية- مجلة الثقافة الثورة- ديوان المطبوعات الجامعية – الجزائر- العدد 5 يناير 1978، ص 9.
(2) المرجع نفسه ص 81، اتجاهات الرواية العربية في الجزائر لواسيني الأعرج.
المدخل

لقد كان في أدبهم إدراك "لقيمة الإنسان من حيث هو معطى متعدد وبحث عن معنى الحريّة لا في المعاجم بل في الشوارع التي يسير فيها الناس في المظاهرات الصاخبة وفي الأقبية التي تعقد فيها الإجتماعات السرّية، وفي شوارع القصبة ومدينة الجزائر وكلّ المدن و القرى والأحياء التي قاومت.
وأمام ميناء الرّوايات المكتوبة بالفرنسية. وقد جمعهم واحد يقودونها بشموخ ينم عن حس وطني فياض وبراءة فنية، ومن بينهم "مالك حداد" سأهبك غزالة و رصيف الأزهار لا يجيب "كاتب ياسينالمرأة المتوحشة ورائعة نجمة "لكاتب ياسين"، "محمد ديب": بثلاثية الدار الكبيرة، الحريق، النول "لمولود فرعون"، فكل رواياتهم تجسد مدى ارتباطهم الوثيق بقضايا وطنهم وحريته المنفية.(1)
بيد أن مشوار الكتابة بالعربية يبدأ في خضم الإنتاج الرّوائي العربي الزّاخر, وفي هذا الصّدد يقول حنا مينا: « الرّواية ديوان العرب في القرن العشرين ».
ونحن نضيف أنها كانت ديوان الجزائر في السبعينات، إذ في الوقت الذي أخذت فيه الرواية العربية – بشكل عام- تحقق تقدّمها على يد نجيب محفوظ مصر، حنا مينا سوريا، الطيب صالح السّودان، غسّان كنفالي فلسطين، كانت لجزائر آنذاك تخطو خطوتها الفنية الأولى مع عبد الحميد بن هدوقة في "ريح الجنوب" زينت الجزائر إن صح التعبير وذلك في سنة 1971، فاتحا الأبواب على مصراعيها للرّواية الفنية المكتوبة بالعربية، ليحمل الطّاهر وطّار مشعلها في اللاّز تدعيما لبناء الصرح الرّوائي في ظل ظروف سياسية واجتماعية متغيرة دخلت يها الجزائر مرحلة البناء والتشييد "الإشتراكية" .
وهكذا تتالت الأعمال الرّوائية ولمعت أسماء روائيين في فلك الأدب الجزائري متّخذين من الثورة الجزائرية منهلا لجل موضوعاتهم أمثال: "رشيد بوجدرة" و"مرزاق بقطاش"، "جيلالي خلاص"، "عبد الحميد بن هدوقة" ...، وهلمّ حرا.(1)


ـــــــــــــــ
(1) نجاح العطار، حنّا مينا –أدب العرب، ط 2، دار الأدب بيروت- ط2 1979، ص 200.
المدخل
ومعظم هذه الأعمال الرّوائية بمختلف اتجاهاتها، تستهدف في مجملها خلق المجتمع البديل الذّي يدمّر كلّ القيم البالية، ويوفّر الخبز لكلّ فم والفراش والدفء والمدرسة لكلّ إنسان، ونشير إلى التفاوت الواضح من تجربة روائية لأخرى لدى الفنان الواحد "فالإنسان نتاج المجتمع، ومثلما يتطوّر هذا الأخير، يتطوّر الإنسان"، أو لدى كتاب مختلفين ، حسب الإتّجاه الفكري لدى كل واحد، كما يجدر بنا، أن نذكر بعض الإبداعات الرّوائية التي عملت وتعمل على تكريس العقلية المتخلفة في الجزائر وهي ليست في النهاية إلاّ استثناءات تؤكدّ القاعدة.(2)
4- مفهوم الفضاء في الدّراسة الرّوائية:
يعد مصطلح "الفضاء" من أهم المصطلحات النقدية التّي دخلت عالم الدّراسات، والبحوث، والتّي تتخذ العلوم الإنسانية مجالا للتنظير والممارسة، وقد نشأ عن هذا الإهتمام بروز دراسات كثيرة جعلت من دراسة هذا المفهوم شغلا أساسا لها.
ولم يظهر هذا المصطلح في حقول الدّراسات الأدبّية إلاّ حديثا وذلك بسبب انصراف النقاد والباحثين إلى الإهتمام والتركيز على عناصر أخرى، مثل: الأبعاد الأيديولوجية للنّص الرّوائي، والزّمن، والشخصيات، والحوار، والأحداث، إلاّ أنّ مجموعة من الباحثين، قد أولت – بعد الحرب العالمية الثانية- عنصر الفضاء اهتماما لائقا يحصل للدراسات السابقة أن بلغته، سواء من حيث الممارسة التطبيقية.
وممن أسهموا بفاعلية في إلفات نظر الباحثين إلى أهميته في نية نسيج العمل الإبداعي، نجد الأسماء التالية: الباحث الروسي يوري لوتمان والباحثين الألمانيين روبير بيتش و هيرمان ميير .


ـــــــــــــــ
(1) حنا مينا – حوار أجراه سليمان جوادي- عمار بن زايد- مجلة الثقاة، الجزائر العدد 78، نوفمبر، ديسمبر 1983، ص 291.
(2) اتجاهات الرّواية العربية، الجزائر لواسيني الأعرج- بحث في الأصول التاريخية والجمالية للرّواية الجزائرية- ص 110.
المدخل


كما أدي تركيز الباحثين الفرنسيين على مصطلح الفضاء تنظيرا وممارسة خلال سنوات الستينات والسبعينات، إلى تطوّره، وذيوعه سواء بين أوساط الباحثينأو في جلبه لفضول المهتمين والقراء، وأرز هؤلاء الباحثين: جورج بولي في كتابه L’espace proustienالصادر عام1963م وجلبير دورانو رولان بورنوف الذّي أضاف عدّة أمور جديرة بالإهتمام لما وصل إليه غيره من الباحثين، وذلك من خلال سعيه لسدّ الثغرات المنهجية والتطبيقية التي ظهرت عند زميله بولي و دوران، وكان ذلك حين تساءل بصدد الضرورات الدّاخلة التّي يخضع لها التنظيم المكاني في الرّواية، مقترحا أن نصف بطريقة دقيقة طوبوغرافية الحدث، وأن نحلّل مظاهر الوصف، ونهتم بوظائف المكان في علاقته أو سيولة الفضاء الرّوائي محاولين الكشف عن القيم الرّمزية والأيديولوجية المرتبطة بعرضه وتقديمه.
إن انتقال مصطلح الفضاء إلى المعرفة النقدية العربية الجديدة لم يظهر إلاّ في السنوات الأخيرة، وقد كان استخدامه مختلفا من باحث لآخر، ومن تجربة نقدية لأخرى، فمرة يرد بلفظ الحيّز ومرّة بلفظ المكان ومرة ثالثة بلفظ الفضاء.
و جاء في ديوان " لسان ا لعرب" لابن منظور أن الفضاء هو المكان الواسع من الأرض و الفعل فضا يفضو فضوا هو فاض, قال رؤبة:
أفرخ قيض بيضها المنقاض *** عنكم, كراما بالمقام الفاضي
و قد فضا المكان و أفضى إذا اتسع و أفضى فلان إلى فلان أي وصل إليه, و قال ثعلب بن عبيد يصف نحلا:
شتت كثة الأوبار لا القرى تتقي *** و لا الذئب تخشى و هي بالبلد المغضي
أي العراء الذي لا شيء فيه, و أفضى إليه الأمر كذلك و أفضى الرجل دخل على أهله.
و الفضاء الخالي الفارغ الواسع من الأرض, و الفضاء الساحة و ما اتسع من الأرض



المدخل


و يقال: أفضيت إذا خرجت إلى الفضاء و الفضاء ما استوى من الأرض و اتسع, قال و الصحراء فضاء , قال أبو بكر : الفضاء ممدود كالحسا و هو ما يجري على وجه الأرض و الفضية الماء المستنقع و الجمع فضاء.
و مكان فاض و مفض أي واسع و المفضى المتسع. قال رؤبة:
جاوزته بالقوم حتى أفضى *** بهم و أمضى سخر ما أمضى
قال أفضى بلغ بهم مكانا واسعا(1)
و قد ذكر ابن منظور في ديوانه أن المكان في الأصل تقدير الفعل مفعل لأنه موضع لكينونة الشيء فيه , غير أنه لما كثر أجروه في التصريف مجرى فعال. فقالوا: مكنا له فقد تمكن و ليس هذا بأعجب من تمسكن من المسكن, و المكان الموضع و الجمع الأمكنة كقذال و أقذلة و أماكن جمع الجمع.قال ثعلب يبطل أن يكون مكان فعالا لأن العرب تقول: كن مكانك و قم مكانك و اقعد مقعدك فقد دل هذا على أنه مصدر من كان أو موضع منه قال: و إنما جمع أمكنة فعاملوا الميم الزائدة معاملة الأصلية لأن العرب تشبه الحرف بالحرف و قالوا: مكانك؟ تحذره شيئا من خلفه(2)















ـــــــــــــــ
(1) ابن منظور- ديوان لسان العرب- المجلد الحادي عشر , دار صادر, بيروت, ص195
(2) ابن منظور – ديوان لسان العرب – المجلد الرابع عشر, دار صادر , بيروت, ص113
المدخل

وقد أولى الباحثون والمثقفون المغربيون هذا المصطلح اهتماما واضحا وخاصّة في البحوث الجامعية، والدراسات النقدية التي ظهرت بعد سنة 1980م، كما أولى بعض الباحثين والنقاد العرب إشكالية الفضاء اهتماما واضحا في بحوثهم وانشغالهم الأدبي النقدي، وأخصّ هنا بالذكر الأساتذة: سيزا قاسم وكذلك ما قامت به مجلة الفصول وبعض المجلات العربية.
وأما أثره في الدراسات الجزائرية الحديثة، فإنّه حسب ظنّي لم يتمكن بعد من اختراق أعمال بعض الباحثين، إذ يتجاوز عددهم عدد أصابع اليد الواحدة، إذ لم يكن أقل وذلك كوم المثقف عندنا لا يعاني من حصار واحد فحسب (تحليل ناقص)





















المدخل

5- ترجمة لحياة عبد الحميد بن هدوقة:
ولد عبد الحميد بن هدوقة يوم 9 جانفي 1925م في قرية المنصورة بولاية سطيف في شرق الجزائر، وهي قرية تدخل ضمن المنطقة التاريخية المسماة بالقبائل الصغرى، التّي اشتهر سكانها الجبليون المنحدرون من أصول عربية ـ بربرية منذ القدم بتقاليدهم العريقة في حب الحرّية، وأمضى بن هدوقة طفولته في تلك القرية الجبلية، ولم يقطع روابطه بها، أخذ عن أبيه، وبعد ذلك في المدرسة الإبتدائية، مبادئ اللغة العربية الفصحى وأسسها، ثم تابع دراسته في جامع الكتانية بمدينة قسنطينة، وابتداءا من سنة 1950 قضى أربع سنوات في التحصيل العلمي بفرع الآداب بجامع الزيتونة بتونس، وكان في الوقت نفسه طالبا في معهد الفن الدّرامي، وأصبح بين 1954- 1955 مدّرسا للأدب العربي.(1)
شارك بن هدوقة منذ نعومة أظافره مشاركة فعّالة في حركة التحرير الوطني، ولم تلبث الشرطة أن لاحقته بسبب ذلك، فسافر في نهاية 1955 إلى فرنسا، حيث أمضى أكثر من عامين، وجرّب مختلف ضروب الحرمان، وغيّر أكثر من مرّة عمله، ثم مرض مرضا أقعده الفراش في عيادة. ومنذ بداية الخمسينات شرع بن هدوقة في تجريب مواهبه في الفن الدرامي، فكتب بالدّارجة عدّة مسرحيات للإذاعة، وارتحل سنة 1958 إلى تونس وكرّس جهده كله في الصحافة والتأليف، فكان يكتب للإذاعة ومجلة "جبهة التحرير الوطني"، وفي السنة نفسها صدر الكتاب الأول له بعنوان " بين الأمس واليوم".(2)
وبعد استرجاع الجزائر استقلالها سنة 1962 عاد بن هدوقة على أرض الوطن مكرّسا حياته لإحياء الثقافة الوطنية، وفي تلك الفترة كتب العديد من
المسرحيات للإذاعة والتلفزيون، كما نشر أسفارا وقصصا، وابتداءا من السبعينات برز بن هدوقة ككاتب روائي ناجح.
ـــــــــــــــ
(1) ب- عبد العزيز- مجلة إبتكار- الجزائر- العدد 2- جانفي 2000، ص 22.
(2)عبد الحميد بن هدوقة – غدا يوم جديد- ص1
المدخل


إن الإرث الإبداعي لإن هدوقة ضخم ومتنوع للغاية، فبالإضافة إلى كتاب المقالات " بين الأمس واليوم"، كتب بن هدوقة ديوانا شعريًّا الأرواح الشاغرة 1967 وثلاثة مجموعات قصصية هي ظلال جزائرية 1960 و الأشعة السبعة1962 و الكاتب وقصص أخرى 1974 وخمس روايات هي ريح الجنوب 1971 ونهاية الأمس 1975 وبان الصبح 1980 والجازية والدّراويش 1983 وآخر رواية ألها هي غدا يوم جديد 1992.
ومن خلال تواريخ تأليف هذه الرّوايات فإنّنا نتبيّن بأنّ فعل الكتابة الرّوائية لدى الأستاذ عبد الحميد بن هدوقة بطيء، إذ كان ينجز عملا روائيا واحدا طوال 4 سنوات و6 أشهر و12 يوما. (1)
وقد توفي روائي الجزائر في أكتوبر سنة 1996 مخلّفا وراءه ثراءًا روائيا شهد له المثقفون الجزائريون والعرب وتعتبر مخلّفاته شاهدا على تجربته الإبداعية خدمة لثقافة الجزائر.














ـــــــــــــــ
(1) عبد الحميد بن هدوقة – غد يوم جديد-ص2




الفصل الأول
يعد الفضاء عنصرا أساسيامن عناصر النّص الرّوائي إلى جانب الشخصية، والزّمن، والرؤية، والحدث. فهي الأسس الجمالية التّي ينهض عليها المتن الرّوائي الحديث، ولقد أولت الدّراسات النقدية الحديثة في الغرب مصطلح الفضاء اهتماما كبيرا، ولكن لم يلتفت إلى هذه الأهمية في النقد العربي الحديث إلاّ مؤخرا، وذلك بسبب انصراف النقد الأدبي العربي إلى دراسة عوالم النّص الرّوائي الأخرى مثل تركيزه على البعدين: التاريخي والإيديولوجي طوال عقود عديدة.(1)
كما أنّ اهتمام بعض النّقاد العرب المحدثين بالفضاء الرّوائي وتأثيره في بنية النّص الرّوائي لم يؤسّس لحد الآن تيارا قويّا داخل مسار الحركة النقدية العربية المعاصرة، ويرجع ذلك في نظرنا إلى قلّة المعرفة النظرية لمفهوم مصطلح الفضاء وندرة التجارب التطبيقية، بالإضافة إلى تراجع المقروئية في العالم العربي.
وإذا كانت مثل هذه المصطلحات: المكان، الحيّز، الفضاء، تتردّد في الدّراسات والبحوث التّي تناولت هذا الموضوع تنظيرا، وممارسة، فإنّ مصطلح الفضاء كان أكثرها حضورا، وأغناها دلالة وتجربة وأعمقها بعدا.(2)
ويعد الباحث المغربي الأستاذ الدكتور سعيد علوش الناقل للمصطلح السيميائي عن غريمسgrimas ، حيث ترجمه من اللغة الأجنبية مثلا: بالفرنسية Espace أو بالإنجليزية Space وأدخله إلى المعجم الأدبي العربي الحديث، وذلك حسب دلالته الجديدة، وكما أشيعت في الدّراسات الأدبية الغربية المعاصرة، إذ أورد جل تعاريف هذا المصطلح في معجمه معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة(3) وأهمها:
1- يستعمل هذا المصطلح في السيميائية، كموضوع تام يشتمل على عناصر غير مستمرة، انطلاقا من انتشارها، لهذا جاءت تكوّن موضوع الفضاء إعتبار كلّ


ـــــــــــــــ
(1) الفارابي عبد اللطيف – شكير أبو ياسين- العالم الرّوائي عند غسان كنفني- ص 31.
(2) د. سعيد علوش- معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة – الطبعة الأولى – بيروت، لبنان – دار الكتاب اللبناني سوسبيريس، 1985- مادة الفضاء، ص 163.
(3) المرجع نفسه، ص 164.


الفصل الأول

الحواس في سيميائية الإهتمام بالفاعل، كمنتج، ومستهلك للفضاء.
2- يقابل "موضوع الفضاء" جزئيّا، سيميائية العالم الطبيعي، لأن اكتشاف الفضاء هو تكوّن مباشر لهذه السيميائية.
3- وتبحث سيميائية الفضاء، عن التحوّلات التي تعانيها السيميائية الطبيعية بفضل تدخل الإنسان في إنتاج علاقات جديدة.
4- بالإضافة إلى مفهوم الفضائية والتحديد الفضائي، تستعمل السيميائية السردية، والخطابية الفضاء الإدراكي.
1- علاقة الفضاء بالشعر العربي القديم:
إذا كن الباحث لا يسعه إلاّ أن يعترف بحداثة استخدامات هذا المصطلح في الدّراسات الأدبية المعاصرة، فإن تجلياته في النّصوص الإبداعية، وتأثيره في حياة المبدعين غائرة، وموغّلة في التاريخ الأدبي العربي، وغيره من الآداب للأمم الأخرى، كما يبدو للباحث في اهتمامات تأسيس الإبداعية العربية، أنّ ظاهرة الوقوف على الطلل في الشّعر الجاهلي من أبرز التجارب والنماذج الإنسانية ومن أهمّها من حيث الصّلة اللّغوية التي تكوّنت بين الشاعر والفضاء، والذّي ظلّ الهاجس الخفي السحري الذّي يشدّ الإنسان إليه بمجموعة من القيم النفسية والغرائزية.
فقد كان الطّلل منبعا يتدفق منه شعور الشاعر الجاهلي، ويستعير كما كان الطّلل ملاذ الشاعر الجاهلي، فهو حين تضيق الدّنيا به وتسود الآفاق أمامه يحتمي به، ويبثه لواعجه وهمومه، ويستمد منه قوّته وكينونته.
ولقد أعطى الشاعر الجاهلي الطلل أبعادا كثيرة، تتنوع بحسب التجربة الإبداعية والمواقف الإنسانية، ولذلك فهو يأخذ أحيانا بعدا من أبعاد التعلّق بالموطن، وأحيانا أخرى يتخذ بعدا عاطفيا تستفزه ذكريات "الحبيبة" أو المرأة "الوطن"، كما أدى
استهلال الشاعر الجاهلي قصيدته بالوقوف على الأطلال إلى وجود أربع وظائف له:




الفصل الأول



1- استرجاع التجربة.
2- التعبير عن استمرارية الحب المستمد من استمرارية بقاء الطلل.
3- فراق الحبيب والبكاء على هذا الفراق.
4- تحدي صمت الأطلال.(1)
وتبرز أيضا جل مطالع قصائد الشعر الجاهلي احتفاء الشعراء بالمعجم الطبيعي الواقعي، ومنحه أبعادا نفسية، وحضارية، فمن ذلك قول الحارث بن حلزة:
آذنتنا بينها أسماءُ * ربّ ثاو يُملُّ منه الثواءُ
بعدعهدٍ لها ببرقة شماء * فأذي ديارها الفلصاءُ
فمحياة، فالصِّفاح فأعلى * ذي فتاق مفاذَبٌ فالوفاءُ
فرياض القطا فأدوية الشر * بُبِ فالشعبنانِ فالأبْلاءُ
لا أرى من عهدت فيما أبكي * اليوم دلهًا وما يَرِدُّ البُكاءُ
فإنّ المتأمّل في هذه الأبيات السابقة، وخصوصا في معجمها اللّغوي سيجده يتكوّن وبنسبة كبيرة من أسماء مواضيع وأسماء أماكن وأسماء جبال، وهي جميعا تدّل على دوام صلتها بالشاعر، وتُعبِّر عن معنى الدّوام والبقاء في قصيدة لبيد بن ربيعة:
عشت دهرًا، ولا يدوم علي * الأيّام إلا يرمرم و تعارِ
وتلاق وضلفع وبضيع * والذّي فوق قبة تيمار
أما الشاعر الجاهلي العظيم اِمرؤ القيس، فإنّ الأطلال في معلّقته تشكّل مصدرًا للبكاء ومرارة الذّكرى، وهي مصدر يتذكر من خلاله حياة الحي وصباياه الجميلات

ـــــــــــــــ
(1) سمير ستيتة – السيميائية اللّغوية وتطبيقاتها على نماذج من الأدب العربي مجلة الأبحاث – اليرموك- المجلّد السّابع- العدد الثاني- 1410هـ/1989، ص 61/62



الفصل الأول
وممّن يتصايحن في نشوة وعزّة، كما يستحضر ماضي القبيلة أو الوطن الذّي اندرست معالمه، ولم يبق منها غير أطلال شاحبة، وأسماء مواضع تدّل على حيوية الماضي وغناه وديمومته:
قفانبك من ذكرى حبيب ومنزل * بسقط اللّوى بين الدّخول نحو ملِ
فتوضح، فالمقراة، لم يعفُ رسمها * لما نسجتها من جنوب وشمالِ
ترى بعد ألا رام في عرصاتها * وقيعانها كأنّه حبُ فُلفُلِ
وقوفا بها صحبي عليّ مطِيَّهم * يقولون لا تهلك أسى وتجملِ
وإذا بحثنا موضوع تطوّر دلالات الفضاء عبر مختلف مراحل المجتمع العربي، فسوف نجد أنّ الدّين الإسلامي أمدّ بعدًا روحيا مقدّسا للمكان، كما ذهب الشاعر العبّاسي إلى إصباغ الفضاء بروح الأصالة والهويّة، بينما راح بعض الشعراء "المجدّدين" يسقطون على المكان رمزية التجديد والإختلاف.
من ذلك نجد الشاعر أبا نواس عاب على الشعراء العرب في العصر العباسي تمسكهم بالطلّل، وأبعاده الحضارية والجمالية، بينما راح هو وأتباعه يتباهون ويفتخرون بفضاءات جديدة:
عاجَ الشقي على رسم يسائله * وعجت أسأل عن خمارة البلد
وقد برز الإهتمام بمصطلح الفضاء ي الدّراسات النقدية الأدبية التّي ظهرت بعد الحرب الكونية الثانية، وكان بدايته مصطلحا أدبيا غير واضح، ويفتقر إلى معرفة نظرية عميقة، إلاّ أنّ الكتابات التنظيرية التي قام بها بعض النقاد الألمان بعد



ـــــــــــــــ
سمير ستيتة – السيميائية اللّغوية وتطبيقاتها على نماذج من الأدب العربي مجلة الأبحاث – اليرموك- المجلّد السّابع- العدد الثاني- 1410هـ/1989، ص 61/62




الفصل الأول

الحرب وخصوصا الناقد هـ. مايير (H.Meyer)، بالإضافة إلى كتابات هنري متران(Henry Miterand)إذ أسهمت وبأمر حاسم في تقريب الأسس الجمالية لمصطلح الفضاء باعتباره مصطلحا نقديّا حديثا يمكنّه أن يغني الدراسات النقدية الحديثة، وخاصة البحوث النقدية التّي تتخذ الأعمال السردية مجالا لها للدّراسة والتطبيق.
كما كان للشعريين اهتمام كبير بهذا المصطلح، فعملوا على تطويره في بحوثهم وأعمالهم النقدية، وانصبّ اهتمامهم خصوصا على: دراسة الفضاء الرّوائي الذي قصدوا به المكان الذّي تجري فيه القصة وليس فضاء الألفاظ أو الفضاء الطباعي كالبياضات والجداول والهوامش.(1)
وقد أعدّ الباحث الرّوسي يوري لوتمان فضاء النص هو: مجموعة من الأشياء المتجانسة من الظواهر، أو الحالات، أو الوظائف، أو الأشكال المتغيرة، تقوم بينها علاقات شبيهة بالعلاقات المكانية المألوفة العادية مثل: الإتصال، المسافة... إلخ.(2)
ومصطلح -الفضاء – وإن بلغ شأوا في البحوث النقدية الغربية، فإنّه لا يزال في الدّراسات النقدية العربية يتدرج، ويحبو، وكما يصف مكانته أحد الباحثين العرب بأنّه:«مصطلح غامض ومبهم على الأقل في عالمنا العربي».(3)






ـــــــــــــــ
(1) حسن بحراوي بنية الشكل الروائي – الطبعة الأولى- الدار البيضاء- المركز الثقافي العربي- 1990، ص 28.
(2) يوري لوتمان- مشكلة المكان الفني – ترجمة وتقديم سيزا قاسم- ضمن كتاب جماليات المكان جماعة من الباحثين – الطبعة الثانية – عيون المقالات- الدار البيضاء- المغرب 1988م، ص 69.
(3) منيب محمد البوريمي- الفضاء الرّوائي في الغربة- الإطار والدّلالة- الطبعة الأولى- سلسلة دراسات تحليلية، دار النشر المغربية 1984، ص 11.



الفصل الأول
2- إشكالية المصطلح:
دون ريب إنّ مصطلحا مثل: الفضاء الروائي"L’espace Romantique" لم يبلغ مرحلة الإتفاق بين جميع النّقاد، شأنه شأن العديد من المصطلحات الأدبية واللّغوية الحديثة.
فكما اختلف النقاد حول نشأته، وتطوّره ودوره في تطوّر الدّراسات النقدية الحديثة، فقد اختلفوا حول شكله ومضمونه، إذ هناك من آثر استخدام مصطلح المكان عوض الفضاء، ويوجد من النقاد من فضّل استخدام مصطلح الحيّز بدل مصطلح الفضاء L’espace .
وقد استعمل الأستاذ عبد الحميد بورايو في دراسته "المكان والزمان في الرواية الجزائرية"(1)، مصطلحا جمع فيه صيغتين، إذ ورد استعماله بهذه الصيغة الحيز المكاني رغم أنّه استخدم مصطلح المكان بكثرة في بحثه المشار إليه، دون مصطلح الحيز.
كما استعمل عبد المالك مرتاض في كتابه "القصة الجزائرية المعاصرة" مصطلح الحيز عندما بحث إشكالية الفضاء في القصة الجزائرية.(2)
ولقد بدا لنا أنّ مصطلح الفضاء L’espace في الدّراسات النقدية المغربية أكثر استعمالا ورواجًا ووضوحًا منه في الدّراسات النقدية العربية، وسبب ذلك في نظرنا يرجع إلى الصّلة العميقة للكتابة الأدبية في المغرب بمثيلتها في الغرب، وكذلك إلى تنشيط حركة الترجمة و تنوعها، خصوصًا في السنوات الأخيرة ، ومن أبرز النقاد المغاربة ممن أولوا مصطلح الفضاء في كتابتهم النقدية أهمية عميقة،



ـــــــــــــــ
(1) عبد الحميد بورايو – المكان والزمان في الرواية الجزائرية – مجلة المجاهد – الجزائر- العدد 1392هـ مارس 1987م، الحلقة الأولى، ص 11.
(2) عبد المالك مرتاض- القصة الجزائرية المعاصرة (الطبعة الأولى. الجزائر) المؤسسة الوطنية للكتاب 1990، ص 99.



الفصل الأول

هؤلاء الباحثين هم: "حسن البحراوي" و "الدّكتور حميد لحميداني"، "منيب البوريمي"....وغيرهم.
فقد اهتم هؤلاء النّقاد بهذا المصطلح في كتاباتهم وبحوثهم النّقدية تعريا وتنظيرا وممارسة.
عرّف الباحث البوريمي مصطلح الفضاء بقوله:«أمّا في الإصطلاح، فالفضاء الرّوائي هو الحيّز الزماني espace- Temporels ، الذّي تتمظهر فيه الشخصيات والأشياء ملتبسة بالأحداث تبعا لعوامل عدّة تتّصل بالرؤية الفلسفية ونوعيّة الجنس الأدبي، وبحساسية الكاتب أو الرّوائي، وعلى هذا الفضاء الرّوائي يتسع اصطلاحًا ليحتوي أشياء متباينة ومتعددّة، لا حصر لها، بدءًا من المساحة الورقية التّي يتحقق عبر بيانها جسد الكتابة: إلى المكان والزمان، الأشياء اللّغة والأحداث، التّي تقع تحت سلطة إدراكنا عبر أنماط السّرد، والتّي تجسّد عالم الرّواية»(1) .
وأولى الناقد أيضا "حسن البحراوي" في بحثه "بنية الشكل الروائي": مصطلح الضاء اهتمامًا بالغًا، حيث خصّص مبحثا كاملا للتعريف به، وبنشأته وتطوّره في الدراسات النقدية الغربية الحديثة، وقد استخلص تعريفا له بعد أن ذكر آراء عديدة، وأفكار كثيرة عن الفضاء وإشكاليته، ومما جاء في هذا التعري قوله: «ليس في العمق سوى مجموعة من العلاقات، والشخصيات التي يستلزمها الحدث، أي الشّخص الذي يحكي القصّة والشخصيات المشاركة فيها»(2) .
أما الباحث الدكتور "حميد لحميداني"، فإنه آثر أن يستعمل مصطلح الفضاء في دراسته وبحوثه على مصطلح المكان حيث أنّه مجموعة الأشياء التي تحيط بنا مثل:

ـــــــــــــــ
(1) منيب محمد البوريمي- الفضاء الرّوائي في الغربة: الإطار والدلالة- ص 21.
(2) حسن بحراوي- بنية الشكل الرّوائي- ص 31.





الفصل الأول
المقهى، الشارع، الساحة، البيت... إلخ، وقد أوضح ذلك في هذه الفقرة:«إن مجموعة هذه الأمكنة هو ما يبدو منطقيا أن نطلق عليه إسم فضاء الرّواية، لأن الفضاء أشمل وأوسع من معنى المكان بهذا المعنى هو مكوّن الفضاء، فالمقهى، أو المنزل، أو الشارع أو الساحة،كلّ واحد منها يعتبر مكانا محدّدًا، ولكن إذا كانت الرّواية تشمل هذه الأشياء كلّها، فإنها جميعا تشكل فضاء الرّواية.....»(1) .
واضح مما سبق تحليله أنّ الفضاء الرّوائي ليس فضاء ماديًّا صرفًا، وإنّ الكثير من النصوص الرّوائية تتأسس فضاءاتها على فضاء جغرافي محدّد ومضبوط مثل الفضاء الذّي احتضن أحداث رواية الزلزال "للطاهر وطّار"، فهو يتكوّن من أسماء الجسور التاريخية، وأسماء الشوارع والمطاعم والمقاهي وأماكن العبادة.... إلخ إلاّ أنّه ورغم هذه الواقعية التّي تتيحها أسماء الجسور والشوارع وأماكن العبادة، يظل عنصر الفضاء في رواية "الزلزال" مكوّنًا من حروف وكلمات، وهو فضاء لفظي، لا يوجد إلا بواسطة الكلمات المطبوعة «إنّ الفضاء الرّوائي مثل المكوّنات الأخرى للسّرد، لا يوجد إلاّ من خلال اللّغة، فهو فضاء لفظي بإجتياز، إنّه فضاء لا يوجد سوى من خلال الكلمات المطبوعة في الكتاب، ولذلك فهو يتشكل كموضوع للفكر الذّي يلحقه الرّوائي بجميع أجزائه، ويحمله طابعا مطابقًا لطبيعة الفنون الجميلة، ولمبدأ المكان نفسه»(2) .
وإنّ هذا الفضاء المتكون أساسا من رموز الحروف، وعلامات الكلمات والجمل، يمكنه أن يسع ما يتّسع إليه المكان الجغرافي، وإنّ كونه فضاءًا قائمًا بذاته،


ـــــــــــــــ
(1) د. حميد لحميداني ، بنية النص الروائي من منظور النقد الأدبي ( الطبعة الأولى، المركز العربي للطباعة والنشر، بيروت، الدار البيضاء 1991م)، ص 63،64.
(2) حسن بحراوي، بنية الشكل الروائي، ص 23


الفصل الأول
ومؤسّسًا على سعة خيال المؤلّف أو صيغته فإنّ مجال مليء بالناس والأشياء، ومجهّز بأثاث وأشياء، ولا تعطي اعتباطا، وإنّما تلعب دورا أساسيًّا في تعميق دلالة الحدث ووضع الشخصيات وأفعالها(1).
إن الفضاء أو المكان أو الحيّز وإن اختلفت آراء النقّاد والباحثين حول أيّ مصطلح أكثر دقة وأهمية، إنّه يعدّ من أرز مكاسب الحركة النقدية الأجنبية والعربية على السّواء.
2- تعدّد الفضاء:
يقوم الفضاء في العمل السّردي بدورٍ أساسي لا يقل أهمّية عن الوظائف التي تسند إلى الشخصيات وعنصر الزّمن وعنصر الأحداث، وتنشئها نشأة مثلما أرادها المؤلّف أو الرّاوي، فإنّ الفضاء هو المجال الطبيعي الذّي يحتضن هذه الأحداث ويعطيها أبعادها، ويمنحها دلالاتها، فمن الطبيعي أنّ أحداثا تجري داخل مركز الشرطة، تختلف أبعادها ودلالاتها عن أبعاد ودلالات أحداث تجري في كوخ صغير يقع على سفح مدينة.
كما تتجلى وظيفة الفضاء في كونه يسمح للحدث بأن يتجلى تدريجيا وقد يغدو في بعض الروايات أداة بنائية وعاملا حقيقيا يتوقف عليه الحدث الروائي نفسه(2).
فروّاد المقاهي مثلا، أو روّاد الحدائق العامة يؤثرون دائما أماكن معينة على غيرها تلك التي تكون منزوية ومحتجبة قليلا عن الأنظار، ولا تثير فضول الرّواد الآخرين، ولقد لفت نظر سوبير حبّ النّاس الجلوس على الموائد القريبة من الجدران في المقاهي، وشغلها قبل شغل الموائد الأخرى(3).



ـــــــــــــــ
(1) الفرابي عبد اللّطيف- شيكر أبو ياسين- العالم الرّوائي عند غسّان كنفاني من خلال رجال في الشمس- الطبعة الأولى- الدار البيضاء- دار الثقافة للنشر والتوزيع 1987،ص 91.
(2) جان بول غولدن نشتاين، الحيز المكاني الرّوائي، ترجمة الدكتور، حامد فرزات، مجلة الآداب الأجنبية، ، دمشق، العدد 7، السنة الثانية عشرةربيع 1992م، ص 160.
(3) يوري لوتمان- مشكلة المكان الفني ضمن كتاب جماليات المكان، ص 61 .



الفصل الأول

وقد شغل البيت في جل النّصوص السّردية مكانة مرموقة، وذلك لما يتضمنه من إحساس بالألفة، وشعور بالطمأنينة والأمن، وقد عبّر عنه غاستون باشلار في قوله:« البيت هو ركننا في العالم، إنّه كما قيل مِرَارًا كوننا الأوّل، كون حقيقي بكل ما للكلمة من معنى، وإذا طالعنا بألفة فسيبدو أبأس بيت جميلا ... لا كلّ الأمكنة المأهولة حقا تحمل جوهر فكرة البيت»(1) .
ويوجد نماذج من البيوت، غير بيوت الإقامة والسّكن الفخمة والمتواضعة، وتسمى هذه البيوت ببيوت الأشياء أو الأغراض، وهي تتألف من الأدراج والصنادق والخزائن، أي سيكولوجيا تختفي وراء مفاتيحها وأقفالها المخفية(2) .
كما تتميز بعض الفضاءات بالإنغلاق والإنسداد، ويتعرّف فيها الإنسان إلى سلب حريته وتحدد له المجالات التي يتحرّك فيها، وتمنع مجالات أخرى.
ومن أمثلة هذه الأمكنة فضاء السّجن أو فضاء الإقامات الجبرية أو فضاء أبراج المراقبة الرّسمية، ولا يعدم فضاء البيت من صفات هذا النّوع، فالطّفل الصغير لا يسمح له أن يقوم بكل ما تحتاج إليه غرائزه ودوافعه، فدائما ما تصدّه كلمة لا تقترب ... لا .... لا تلمس هذه الباقة ... إلخ.
ويبدو أن فضاء السّجن أشدُّ هذه الأمكنة ضيقا، وسلبا للحرّية، فهو يتميّز بالإنغلاق وتحديد حرية الحركة، وخضوع المقيم فيه للقانون الصارم، وانغلاقه هو مصدر المرارة والألم التي تنضح مشاعر الشخصيات التي توجد داخله(3) .
فإذا حدث وإن وقعت جل أحداث الرّواية في "فضاء مغلق" مثل فضاء السجن أو فضاء ثكنة عسكرية أو غرفة علاج، فإن الراوي أو المؤلف سوف لن يعْدمَا


ـــــــــــــــ
(1) غاستون باشلار، جماليات المكان، ترجمة: غالب هلسال الطبعة الثالثة- بيروت- المؤسسة الجامعية للدّراسات و النشر والتوزيع 1987، ص 35.
(2) غاستون باشلار، جماليات المكان، ص 32.
(3) عبد الحميد بورايو، المكان والزمان في الرواية الجزائرية- مجلة المجاهد- الجزائر ع 1392، ص 65.



الفصل الأول
وجود منفذ أو شعاع يتسللاّن منه إلى فضاء آخر يكون أرحب وأوسع معتمدين في ذلك على خيال الشخصيات أو قوة خيال الرّاوي الذّي أنابه عنه المؤلّف، وترك له زمام تأليف النّص وتشكيل الحكاية.
وقد عبّر عن مثل هذه الفضاءات جان بول غولد نشتاين goldeبالفضاء:"الهنا" و "الهناك"، فالأوّل يمثّل الحيّز المحدّد، حيث يصنع فيه الكاتب بطله الذّي لا يتحدّد وجوده فقط في واقعية الحيّز الرّوائي، حيث تمّ بناء وجوده ككائن من ورق بل يحلم أيضا بأفاق أخرى، حيث يرى ويتصوّر نفسه في ظروف أخرى، ومن هنا يولد حيّز آخر هناك وهو يأتي ويضاف إلى الأوّل الذي يمثذل إطار الحدث(1) .
وذهب الباحث الرّوسي ميخائيل باختين إلى اقتراح أربعة أنواع من الفضاء:
1- الفضاء الخارجي.
2- الفضاء الدّاخلي.
3- الفضاء المعادي.
4- وأطلق عليه مصطلح فضاء العتبة وهو فضاء يتمثل في المداخل والممّرات والأبواب والنوافذ المشرعة على الشوارع، كما أنه فضاء يتمثل في الحافلات والأكواخ والخنادق والبواخر والسيارات والقطارات(2) .
أما الباحث " لوتمان يوري" louman والذي اعتمد في بحثه للمكان على تقسيم مول وروميرroumir فإنّه قسّم الفضاء إلى أربعة أصناف:
1-عندي وهو المكان الذي أمارس فيه سلطتي، ويكون بالنسبة لي مكانا حميما أليفًا.
2- عند الآخرين وهو مكان يشبه الأوّل في نواحٍ كثيرة، ولكنّه يختلف عنه من



ـــــــــــــــ
(1) جان بول غولدن نشتاين، الحيز المكاني الرّوائي- مجلة الآداب الأجنبية - دمشق، عدد 7، 1992م، ص154.
(2) منيب محمد البوريمي- الفضاء الرّوائي في الغربة و الإطار والدلالة- ص 22.




الفصل الأول



حيث أنني بالضرورة أخضع فيه لوطأة سلطة الغير ولابد لي أن أعترف بهذه السّلطة.
3- الأماكن العامة وهذه الأماكن ليست ملكًا لأحدٍ معيّن، ولكنّها ملك للسلطة العامة (الدولة)، النابعة من الجماعة التي يمثلها الشرطي المتحكم فيها.
4- المكان اللامتناهي ويكون هذا المكان بصفة عامّة، خاليًا من النّاس، فهو الأرض التي لا تخضع لسلطة أحد، مثل الصحراء، هذه الأماكن لا يملكها أحد وتكون الدّولة وسلطانها بعيدة، بحيث لا تستطيع أن تمارس قهرها، ولذلك تصبح أسطورة نائية(1) .
إذا كنّا نتفق مع ما ذهب إليه يوري لوتمان في تحليله للأنواع الثلاثة الأولى وما تضمنته من أفكار وآراء، فإن النوع الرّابع والذي أطلق عليه اسم "المكان المتناهي"، فإنّنا نرى أنّه لم يعد يحتفظ بتلك الصور القديمة، فالصحاري الشاسعة والأدغال الوعرة والمناطق النائية أصبحت في السنوات الأخيرة وبفضل التقدم العلمي والتكنولوجي، ورغبة الإنسان الملحة في الإكتشاف والبحث وإخضاع الطبيعة لحاجته ورغباته، أصبحت هذه الأماكن تفتقد إلى كثير من وحشيتها، وانعزالها، ولم تعد مجرّد أماكن تنتج الموت والرّعب، بل عدت مناطق منتجة، ومراكز تجارية واقتصادية هامة، كما أنّها لم تعد آمنة من الإنسان ورغباته الطموحة، حيث ذلّلت وسائل النقل والإتصال العصرية أساليب الإقامة وترويضها واستغلال نعيمها.
وقد قدّم لنا الدكتور حميد لحميداني دراسة تبين لنا بنية الفضاء وتعدّده من خلال الأطروحات النظرية والتطبيقية، وقد استخلص لنا أربعة أنواع بارزة لتعدّد الفضاء وهي:
1- الفضاء الجغرافي: L’espace géographique، فالرّاوي يقدّم لنا دائما حدا أدنى من الإشارات الجغرافية التي تكون فيه مجرّد نقطة انطلاق من أجل تحريك خيال القارئ(2).

ـــــــــــــــ
(1) سيزا قاسم (المقدمة) مشكلة المكان الفني ليوري لوتمان، جماليات المكان، ص 61-62.
(2) د. حميد لحميداني، فضاء الحكي بين النظرية والتطبيق، ص 16.





الفصل الأول

ويعتبر الحيز الذي يتحرك فيه الأبطال، وتزخر الثلاثية بالفضاءات والأماكن التي تتوّزع إلى فئات ذات تنوّع كبير من حيث الدّلالة والوظيفة حيث نجد أماكن الإنتقال العامة والإقامة الإختيارية وأماكن الإقامة الجبرية(1) .
2- الفضاء النّصي: هو ذلك الحيّز الذي تشغله الكتابة ذاتها باعتبارها أحرفا طباعية وتشمل تصميم الغلاف ووضع المقدّمة وتنظيم الفصول وتشكيل العناوين، وعليه فهو ذلك المكان الذي تتحرك فيه الأبطال، وهذا النّوع من الفضاء يقل دور المؤلّف فيه، بينما يبرز دور الطابع والناشر والمشرف على الخطوط، والمشرف على عمليات التركيب والسّحب والإخراج(2) .
3- الفضاء الدّلالي: L’espace sémantique ، وهو ما تكلّم عنه جيرار جينيت G . Genetteحيث رأى أن لغة الأدب لا تقوم بوظيفتها بطريقة بسيطة، إذ ليس للتعبير الأدبي معنى واحد، بل تتضاعف معانيه وتكثر إذ يقول في هذا الصّدد:«الفضاء الدّلالي يتأسّس بين المدلول المجازي والمدلول الحقيقي» (3).
4- الفضاء كمنظور أو كرؤية: وقد تحدّثت عنه جوليا كريستيغا joulya، فرأت أن الفضاء مراقب بواسطة وجهة نظر الوحيدة للكاتب، والتي تهيمن على مجموع الخطاب، بحيث يكون المؤلف متجمعا في نقطة واحدة، وتشبّه كريستيغا الرّواية بالواجهة المسرحية(4) .
ومن الباحثين الجزائريين نجد الدكتور عبد الملك مرتاض في كتابه ألف ليلة وليلة، تحليل سيميائي تفكيكي لحكاية جمال بغداد، موضوع الحيّز أو الفضاء، وقد درس فيه المستويات التالية:


ـــــــــــــــ
(1) جوليا كريستيغا، النص الرّوائي 1976، ص1.
(2) حميد لحميداني، بنية النص (من منظور النقد الأدبي)، ص 16.
(3) المرجع نفسه، ص 61.
(4) جوليا كريستيفا، النص الرّوائي 1976، ص 186.




الفصل الأول



1- الحيّز الجغرافي /-2 الحيّز الشبه الجغرافي
3- الحيّز المائي/ 4- الحيّزالمتحرّك
5- الحيّز التّائه / 6- الحيز الجغرافي
7- الحيز العجيب الغريب(1).
وما نستخلصه هو أن النقد العربي المعاصر، بدأ يهتم بمصطلح الفضاء ويغيره من المصطلحات النقدية الحديثة، كما بدأ النّقاد العرب يسهمون وبجدية ووعي نقديين في الإضافة إلى هذه المنجزات، وقد صرّح الدكتور عبد الملك مرتاض بمناسبة إنعقاد "الملتقى الوطني الثاني للأدب الجزائري في ميزان النقد" المنعقد أيام 10 و11، 12ماي 1993م بعنابة، بأنّه ينطلق في كتاباته النقدية من معرفته وقدراته النقديّة الخاصة، وأنّه من حقّه أن يؤسس لنفسه مناهج نقدية جديدة، حتى وإن كانت تتفق أو تتباين أو تتقاطع من مصطلحات ورؤى إنجازات النّقد الأجنبي الحديث.

3- الفضاء: التّأويل والدّلالة:
يكتسي الفضاء دلالات ورموزًا حضارية وإنسانية وقومية ووطنية وذاتية، ويمكن أن تفكك دلالته وتتوالد مشكلة بذلك شبكة من ذكريات الطفولة الحميمة ونسيجا من أحلام المستقبل، وقد أصّرت الباحثة جوليا كريستغيا أثناء حديثها عن الفضاء على منحه أبعادًا حضارية(2) .
كما أنّ الفضاء يرتبط كثيرا بمختلف عناصر الرّواية ويؤثر فيها، مثلما يستقبل
مؤثراتها، وتبرز هذه المؤثرات المتبادلة خصوصا على مستوى اللغة والشخصية والحيّز، فالإقامات المتواضعة تعبّر دوما عن انتساب أصحابها إلى الطبقات الدنيا



ـــــــــــــــ
(1) عبد الملك مرتاض – ألف ليلة وليلة- تحليل سيميائي تفكيكي لحكاية – جمال بغداد- الطبعة الأولى- الجزائر – ديوان المطبوعات الجامعية- 1993, ص 336.
(2) الدكتور حميد لحميداني، بنية النص الروائي من منظور النقد الأدبي، ص 54.




الفصل الأول


وإلى فئة البسطاء والضعفاء ممن لا يتوفرون على إمكانات التطوّر والرقي الإجتماعي وهذا ما أطلق عليه جيرار جينات تسمية إستعارة مكانية، بمعنى أنّ المكان له دلالة إستعارية إيمائية تتصل بدلالة الرّواية(1) .
كما تحدّث غاستون باشلار bachlar عن المكان الذي ينجذب نحو خيال الشخصيات, وقد كشف عن صلة حميمية بين هذه الأمكنة المتخيلة وبين الشخصيات المتخيلة. «إنّ المكان الذي ينجذب نحوه الخيال لا يمكن أن يبقى مكانا لا مباليا, ذا أبعادهندسية وحسب, فهو مكان قد عاش فيه البشر, ليس بشكل موضوعي فقط، بل بكل ما في الخيال من تحيّز، إنّنا ننجذب نحوه لأنّه يكثف الوجود في حدود تتسم بالحماية»(2).
واهتم يوري لوتمان في بحثه بوظيفة لغة العلاقات المكانية، وقد اعتبرها وسيلة من الوسائل الرئيسية لوصف الواقع، وينطبق هذا حتى على مستوى ما بعد النّص أي على مستوى النمذجة، فإذا نظرنا إلى مفاهيم مثل: " الأعلى- الأسفل" أو "يسار- يمين" أو "قريب- بعيد" فإنّها تستخدم لَبِنَات في بناء نماذج ثقافية لا تنطوي على محتوى مكاني فتكسب معاني جديدة مثل "قيم- غير قيم" أو "حسن- سيء"(3) والإنسان كما يرى لوتمان يُخضع العلاقات انسانية والنظم لإحداثيات المكان، ويلجأ إلى اللّغة لإضفاء إحداثيات مكانية على المنظومات الذهنية(4) .






ـــــــــــــــ
(1) الفارابي عبد اللطيف – لشكير أبو ياسين- العالم الرّوائي عند غسان كنغاني من خلال رجال في الشمس، ص 92
(2) غاستون باشلار، جماليات المكان، ص 31.
(3) يوري لوتمان – مشكلة المكان الفني- ضمن كتاب جماليات المكان، ص 70.
(4) د. سيزا أحمد- بناء الرواية- دار التنوير، بيروت 1985، ص 75.


الفصل الأول

أثارت البحوث والدّراسات التي اهتمت ببحث إشكاليات الفضاء عدّة قضايا من أهمّها التقاطب وهو يطلق على تلك التقاطبات التي ترد عادة في شكل ثنائيات ضدّية تجمع بين قوى أو عناصر متعارضة، بحيث تعبّر عن العلاقات، والتوترات التي تحدث عند إتصال الرّوائي أو الشخصيات بأماكن الأحداث(1) .
وقد قدّم لنا غاستون باشلار gaston رؤية تصنيفية أخرى، حيث تحدّث عن مكان أليف وهو البيت الذي يوجد فيه الإنسان، ثمّ تحدّث عن المكان المتناهي في الصّغر
والمكان المتناهي في الكبر، وأكدّ أنّهما: «ليسا متضادين كما يظن البعض، ففي الحالتين يجب ألا نناقش الصغير والكبير بما هو عليه موضوعيا... بل على أساس كونهما قطبين لإسقاط الصّور، كما أكّد أنّ الإحساس بهما يوجد في داخلنا وليس بالضرورة بشيء في الخارج»(2).
وقد أسّس حسن بحراوي منهجا لتصنيف المكان وفق ثلاثة مفاهيم، وهي التقاطب وتعني وجود قطبين متعارضين في المكان وفق "تقابلات ضدّية" كالإقامة والإنتقال، ومفهوم التراتب الذي يتوزّع فيه الفضاء إلى عدّة طبقات أو فئات مكانية وفق مبدأ تراتبي معقد، وقد درس من خلال هذا المفهوم طبقات الفضاء السجني بناءًا على أهميتها من حيث الدرجة والرتبة والمفهوم الأخير الذي اعتمده هو الرؤية وهي التي ستمدّنا بالمعرفة الموضوعية أو الذاتية التي تحملها الشخصية عن المكان وتحيطنا علمًا بالكيفية التي ندرك بها أبعاده وصفاته(3) .


ـــــــــــــــ
(1) حسن بحراوي – بنية الشكل الرّوائي- المركز الثقافي العربي- بيروت الدار البيضاء 1990، ص 33.
(2) باشلار غاستون – جماليات المكان- ترجمة غالب هلسا- المؤسسة الجامعية للنشر، بيروت، الطبعة الثانية 1984، ص 33.
(3) حسن بحراوي، بنية الشكل الروائي، ص 34.



الفصل الأول

و لا يزال تحديد ماهية المكان الروائي خاضعا للاجتهادات الخاصة للنقاد, إذ لم يتم التوصل إلى اعتماد تصور واحد للمكان الروائي تستند عليه الدراسات الأدبية, و لذا نجد في الأبحاث القائمة على دراسة المكان الروائي أنواعا متباينة و مختلفة فكان المكان الأليف و الطارد و الطبيعي و المتخيل و المكان البسيط و المركب و المكان الموضوعي المفترض و المكان التاريخي و النفسي و الواقعي و التعبيري و الذاتي.
و أمام إشكالية افتقار هذه الأنواع من الأنواع من الأماكن إلى التحديد و التوضيح اقترحت بعض الدراسات المعاصرة تصورا جادا لأنواع المكان في الرواية يقوم على طبيعة المكان نفسه و على خصائصه المكونة له, بدلا من الأوصاف التي قام التصنيف التقليدي عليها, و من هذه الدراسات نذكر على سيل المثال لا الحصر " مشكلة المكان الفني" لـ يوري لوتمان loutman و " بناء الرواية" لـ سيزا قاسم و " بنية الشكل الروائي "لـ حسن بحراوي و " شعرية الفضاء" لـ حسن نجمي.
و يمكن اعتبار " الثنائيات الضدية " للمكان التي تمحورت حولها دراسة يوري لوتمان loutman و الدراسات البنيوية عموما من أهم الإجراءات النقدية التي أضافتها الدراسات المعاصرة إلى حقل دراسة المكان الروائي (1) فقد أضفت على البحث الأدبي ثراءًا أكثر وغنى لا عوض له، ولقد إرتسمت نجاحات البحوث التي اتّخذت هذا السبيل منهجًا لها في بلوغها إلى بلورة كل عناصر الخطاب الأدبي، وأنزلته االمكانة اللاّئقة بوظيفتها، ودورها في بنية نسيج العمل الفنّي كوجود يتمتع بخصوصيات جمالية وفكرية.






ـــــــــــــــ
(1) بوعلام عوفي- معارف- مجلة علمية فكرية محكمة, يصدرها المركز الجامعي بالبويرة – الجزائر- العدد الأول, ماي 2006 ص 326













ـــــــــــــــ
(1) عبد الحميد بن هدوقة – غد يوم جديد-ص2
الفصل الأول الفضاء المصطلح والإشكاليات الجمالية

يعد الفضاء عنصرا أساسيامن عناصر النّص الرّوائي إلى جانب الشخصية، والزّمن، والرؤية، والحدث. فهي الأسس الجمالية التّي ينهض عليها المتن الرّوائي الحديث، ولقد أولت الدّراسات النقدية الحديثة في الغرب مصطلح الفضاء اهتماما كبيرا، ولكن لم يلتفت إلى هذه الأهمية في النقد العربي الحديث إلاّ مؤخرا، وذلك بسبب انصراف النقد الأدبي العربي إلى دراسة عوالم النّص الرّوائي الأخرى مثل تركيزه على البعدين: التاريخي والإيديولوجي طوال عقود عديدة.(1)
كما أنّ اهتمام بعض النّقاد العرب المحدثين بالفضاء الرّوائي وتأثيره في بنية النّص الرّوائي لم يؤسّس لحد الآن تيارا قويّا داخل مسار الحركة النقدية العربية المعاصرة، ويرجع ذلك في نظرنا إلى قلّة المعرفة النظرية لمفهوم مصطلح الفضاء وندرة التجارب التطبيقية، بالإضافة إلى تراجع المقروئية في العالم العربي.
وإذا كانت مثل هذه المصطلحات: المكان، الحيّز، الفضاء، تتردّد في الدّراسات والبحوث التّي تناولت هذا الموضوع تنظيرا، وممارسة، فإنّ مصطلح الفضاء كان أكثرها حضورا، وأغناها دلالة وتجربة وأعمقها بعدا.(2)
ويعد الباحث المغربي الأستاذ الدكتور سعيد علوش الناقل للمصطلح السيميائي عن غريمسgrimas ، حيث ترجمه من اللغة الأجنبية مثلا: بالفرنسية Espace أو بالإنجليزية Space وأدخله إلى المعجم الأدبي العربي الحديث، وذلك حسب دلالته الجديدة، وكما أشيعت في الدّراسات الأدبية الغربية المعاصرة، إذ أورد جل تعاريف هذا المصطلح في معجمه معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة(3) وأهمها:
1- يستعمل هذا المصطلح في السيميائية، كموضوع تام يشتمل على عناصر غير مستمرة، انطلاقا من انتشارها، لهذا جاءت تكوّن موضوع الفضاء إعتبار كلّ


ـــــــــــــــ
(1) الفارابي عبد اللطيف – شكير أبو ياسين- العالم الرّوائي عند غسان كنفني- ص 31.
(2) د. سعيد علوش- معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة – الطبعة الأولى – بيروت، لبنان – دار الكتاب اللبناني سوسبيريس، 1985- مادة الفضاء، ص 163.
(3) المرجع نفسه، ص 164.
الفصل الأول الفضاء المصطلح والإشكاليات الجمالية

الحواس في سيميائية الإهتمام بالفاعل، كمنتج، ومستهلك للفضاء.
2- يقابل "موضوع الفضاء" جزئيّا، سيميائية العالم الطبيعي، لأن اكتشاف الفضاء هو تكوّن مباشر لهذه السيميائية.
3- وتبحث سيميائية الفضاء، عن التحوّلات التي تعانيها السيميائية الطبيعية بفضل تدخل الإنسان في إنتاج علاقات جديدة.
4- بالإضافة إلى مفهوم الفضائية والتحديد الفضائي، تستعمل السيميائية السردية، والخطابية الفضاء الإدراكي.
1- علاقة الفضاء بالشعر العربي القديم:
إذا كن الباحث لا يسعه إلاّ أن يعترف بحداثة استخدامات هذا المصطلح في الدّراسات الأدبية المعاصرة، فإن تجلياته في النّصوص الإبداعية، وتأثيره في حياة المبدعين غائرة، وموغّلة في التاريخ الأدبي العربي، وغيره من الآداب للأمم الأخرى، كما يبدو للباحث في اهتمامات تأسيس الإبداعية العربية، أنّ ظاهرة الوقوف على الطلل في الشّعر الجاهلي من أبرز التجارب والنماذج الإنسانية ومن أهمّها من حيث الصّلة اللّغوية التي تكوّنت بين الشاعر والفضاء، والذّي ظلّ الهاجس الخفي السحري الذّي يشدّ الإنسان إليه بمجموعة من القيم النفسية والغرائزية.
فقد كان الطّلل منبعا يتدفق منه شعور الشاعر الجاهلي، ويستعير كما كان الطّلل ملاذ الشاعر الجاهلي، فهو حين تضيق الدّنيا به وتسود الآفاق أمامه يحتمي به، ويبثه لواعجه وهمومه، ويستمد منه قوّته وكينونته.
ولقد أعطى الشاعر الجاهلي الطلل أبعادا كثيرة، تتنوع بحسب التجربة الإبداعية والمواقف الإنسانية، ولذلك فهو يأخذ أحيانا بعدا من أبعاد التعلّق بالموطن، وأحيانا أخرى يتخذ بعدا عاطفيا تستفزه ذكريات "الحبيبة" أو المرأة "الوطن"، كما أدى
استهلال الشاعر الجاهلي قصيدته بالوقوف على الأطلال إلى وجود أربع وظائف له:




الفصل الأول الفضاء المصطلح والإشكاليات الجمالية

1- استرجاع التجربة.
2- التعبير عن استمرارية الحب المستمد من استمرارية بقاء الطلل.
3- فراق الحبيب والبكاء على هذا الفراق.
4- تحدي صمت الأطلال.(1)
وتبرز أيضا جل مطالع قصائد الشعر الجاهلي احتفاء الشعراء بالمعجم الطبيعي الواقعي، ومنحه أبعادا نفسية، وحضارية، فمن ذلك قول الحارث بن حلزة:
آذنتنا بينها أسماءُ * ربّ ثاو يُملُّ منه الثواءُ
بعدعهدٍ لها ببرقة شماء * فأذي ديارها الفلصاءُ
فمحياة، فالصِّفاح فأعلى * ذي فتاق مفاذَبٌ فالوفاءُ
فرياض القطا فأدوية الشر * بُبِ فالشعبنانِ فالأبْلاءُ
لا أرى من عهدت فيما أبكي * اليوم دلهًا وما يَرِدُّ البُكاءُ
فإنّ المتأمّل في هذه الأبيات السابقة، وخصوصا في معجمها اللّغوي سيجده يتكوّن وبنسبة كبيرة من أسماء مواضيع وأسماء أماكن وأسماء جبال، وهي جميعا تدّل على دوام صلتها بالشاعر، وتُعبِّر عن معنى الدّوام والبقاء في قصيدة لبيد بن ربيعة:
عشت دهرًا، ولا يدوم علي * الأيّام إلا يرمرم و تعارِ
وتلاق وضلفع وبضيع * والذّي فوق قبة تيمار
أما الشاعر الجاهلي العظيم اِمرؤ القيس، فإنّ الأطلال في معلّقته تشكّل مصدرًا للبكاء ومرارة الذّكرى، وهي مصدر يتذكر من خلاله حياة الحي وصباياه الجميلات

ـــــــــــــــ
(1) سمير ستيتة – السيميائية اللّغوية وتطبيقاتها على نماذج من الأدب العربي مجلة الأبحاث – اليرموك- المجلّد السّابع- العدد الثاني- 1410هـ/1989، ص 61/62
الفصل الأول الفضاء المصطلح والإشكاليات الجمالية

وممّن يتصايحن في نشوة وعزّة، كما يستحضر ماضي القبيلة أو الوطن الذّي اندرست معالمه، ولم يبق منها غير أطلال شاحبة، وأسماء مواضع تدّل على حيوية الماضي وغناه وديمومته:
قفانبك من ذكرى حبيب ومنزل * بسقط اللّوى بين الدّخول نحو ملِ
فتوضح، فالمقراة، لم يعفُ رسمها * لما نسجتها من جنوب وشمالِ
ترى بعد ألا رام في عرصاتها * وقيعانها كأنّه حبُ فُلفُلِ
وقوفا بها صحبي عليّ مطِيَّهم * يقولون لا تهلك أسى وتجملِ
وإذا بحثنا موضوع تطوّر دلالات الفضاء عبر مختلف مراحل المجتمع العربي، فسوف نجد أنّ الدّين الإسلامي أمدّ بعدًا روحيا مقدّسا للمكان، كما ذهب الشاعر العبّاسي إلى إصباغ الفضاء بروح الأصالة والهويّة، بينما راح بعض الشعراء "المجدّدين" يسقطون على المكان رمزية التجديد والإختلاف.
من ذلك نجد الشاعر أبا نواس عاب على الشعراء العرب في العصر العباسي تمسكهم بالطلّل، وأبعاده الحضارية والجمالية، بينما راح هو وأتباعه يتباهون ويفتخرون بفضاءات جديدة:
عاجَ الشقي على رسم يسائله * وعجت أسأل عن خمارة البلد
وقد برز الإهتمام بمصطلح الفضاء ي الدّراسات النقدية الأدبية التّي ظهرت بعد الحرب الكونية الثانية، وكان بدايته مصطلحا أدبيا غير واضح، ويفتقر إلى معرفة نظرية عميقة، إلاّ أنّ الكتابات التنظيرية التي قام بها بعض النقاد الألمان بعد



ـــــــــــــــ
سمير ستيتة – السيميائية اللّغوية وتطبيقاتها على نماذج من الأدب العربي مجلة الأبحاث – اليرموك- المجلّد السّابع- العدد الثاني- 1410هـ/1989، ص 61/62
الفصل الأول الفضاء المصطلح والإشكاليات الجمالية

الحرب وخصوصا الناقد هـ. مايير (H.Meyer)، بالإضافة إلى كتابات هنري متران(Henry Miterand)إذ أسهمت وبأمر حاسم في تقريب الأسس الجمالية لمصطلح الفضاء باعتباره مصطلحا نقديّا حديثا يمكنّه أن يغني الدراسات النقدية الحديثة، وخاصة البحوث النقدية التّي تتخذ الأعمال السردية مجالا لها للدّراسة والتطبيق.
كما كان للشعريين اهتمام كبير بهذا المصطلح، فعملوا على تطويره في بحوثهم وأعمالهم النقدية، وانصبّ اهتمامهم خصوصا على: دراسة الفضاء الرّوائي الذي قصدوا به المكان الذّي تجري فيه القصة وليس فضاء الألفاظ أو الفضاء الطباعي كالبياضات والجداول والهوامش.(1)
وقد أعدّ الباحث الرّوسي يوري لوتمان فضاء النص هو: مجموعة من الأشياء المتجانسة من الظواهر، أو الحالات، أو الوظائف، أو الأشكال المتغيرة، تقوم بينها علاقات شبيهة بالعلاقات المكانية المألوفة العادية مثل: الإتصال، المسافة... إلخ.(2)
ومصطلح -الفضاء – وإن بلغ شأوا في البحوث النقدية الغربية، فإنّه لا يزال في الدّراسات النقدية العربية يتدرج، ويحبو، وكما يصف مكانته أحد الباحثين العرب بأنّه:«مصطلح غامض ومبهم على الأقل في عالمنا العربي».(3)






ـــــــــــــــ
(1) حسن بحراوي بنية الشكل الروائي – الطبعة الأولى- الدار البيضاء- المركز الثقافي العربي- 1990، ص 28.
(2) يوري لوتمان- مشكلة المكان الفني – ترجمة وتقديم سيزا قاسم- ضمن كتاب جماليات المكان جماعة من الباحثين – الطبعة الثانية – عيون المقالات- الدار البيضاء- المغرب 1988م، ص 69.
(3) منيب محمد البوريمي- الفضاء الرّوائي في الغربة- الإطار والدّلالة- الطبعة الأولى- سلسلة دراسات تحليلية، دار النشر المغربية 1984، ص 11.

الفصل الأول الفضاء المصطلح والإشكاليات الجمالية

2- إشكالية المصطلح:
دون ريب إنّ مصطلحا مثل: الفضاء الروائي"L’espace Romantique" لم يبلغ مرحلة الإتفاق بين جميع النّقاد، شأنه شأن العديد من المصطلحات الأدبية واللّغوية الحديثة.
فكما اختلف النقاد حول نشأته، وتطوّره ودوره في تطوّر الدّراسات النقدية الحديثة، فقد اختلفوا حول شكله ومضمونه، إذ هناك من آثر استخدام مصطلح المكان عوض الفضاء، ويوجد من النقاد من فضّل استخدام مصطلح الحيّز بدل مصطلح الفضاء L’espace .
وقد استعمل الأستاذ عبد الحميد بورايو في دراسته "المكان والزمان في الرواية الجزائرية"(1)، مصطلحا جمع فيه صيغتين، إذ ورد استعماله بهذه الصيغة الحيز المكاني رغم أنّه استخدم مصطلح المكان بكثرة في بحثه المشار إليه، دون مصطلح الحيز.
كما استعمل عبد المالك مرتاض في كتابه "القصة الجزائرية المعاصرة" مصطلح الحيز عندما بحث إشكالية الفضاء في القصة الجزائرية.(2)
ولقد بدا لنا أنّ مصطلح الفضاء L’espace في الدّراسات النقدية المغربية أكثر استعمالا ورواجًا ووضوحًا منه في الدّراسات النقدية العربية، وسبب ذلك في نظرنا يرجع إلى الصّلة العميقة للكتابة الأدبية في المغرب بمثيلتها في الغرب، وكذلك إلى تنشيط حركة الترجمة و تنوعها، خصوصًا في السنوات الأخيرة ، ومن أبرز النقاد المغاربة ممن أولوا مصطلح الفضاء في كتابتهم النقدية أهمية عميقة،



ـــــــــــــــ
(1) عبد الحميد بورايو – المكان والزمان في الرواية الجزائرية – مجلة المجاهد – الجزائر- العدد 1392هـ مارس 1987م، الحلقة الأولى، ص 11.
(2) عبد المالك مرتاض- القصة الجزائرية المعاصرة (الطبعة الأولى. الجزائر) المؤسسة الوطنية للكتاب 1990، ص 99.

الفصل الأول الفضاء المصطلح والإشكاليات الجمالية

هؤلاء الباحثين هم: "حسن البحراوي" و "الدّكتور حميد لحميداني"، "منيب البوريمي"....وغيرهم.
فقد اهتم هؤلاء النّقاد بهذا المصطلح في كتاباتهم وبحوثهم النّقدية تعريا وتنظيرا وممارسة.
عرّف الباحث البوريمي مصطلح الفضاء بقوله:«أمّا في الإصطلاح، فالفضاء الرّوائي هو الحيّز الزماني espace- Temporels ، الذّي تتمظهر فيه الشخصيات والأشياء ملتبسة بالأحداث تبعا لعوامل عدّة تتّصل بالرؤية الفلسفية ونوعيّة الجنس الأدبي، وبحساسية الكاتب أو الرّوائي، وعلى هذا الفضاء الرّوائي يتسع اصطلاحًا ليحتوي أشياء متباينة ومتعددّة، لا حصر لها، بدءًا من المساحة الورقية التّي يتحقق عبر بيانها جسد الكتابة: إلى المكان والزمان، الأشياء اللّغة والأحداث، التّي تقع تحت سلطة إدراكنا عبر أنماط السّرد، والتّي تجسّد عالم الرّواية»(1) .
وأولى الناقد أيضا "حسن البحراوي" في بحثه "بنية الشكل الروائي": مصطلح الضاء اهتمامًا بالغًا، حيث خصّص مبحثا كاملا للتعريف به، وبنشأته وتطوّره في الدراسات النقدية الغربية الحديثة، وقد استخلص تعريفا له بعد أن ذكر آراء عديدة، وأفكار كثيرة عن الفضاء وإشكاليته، ومما جاء في هذا التعري قوله: «ليس في العمق سوى مجموعة من العلاقات، والشخصيات التي يستلزمها الحدث، أي الشّخص الذي يحكي القصّة والشخصيات المشاركة فيها»(2) .
أما الباحث الدكتور "حميد لحميداني"، فإنه آثر أن يستعمل مصطلح الفضاء في دراسته وبحوثه على مصطلح المكان حيث أنّه مجموعة الأشياء التي تحيط بنا مثل:

ـــــــــــــــ
(1) منيب محمد البوريمي- الفضاء الرّوائي في الغربة: الإطار والدلالة- ص 21.
(2) حسن بحراوي- بنية الشكل الرّوائي- ص 31.
الفصل الأول الفضاء المصطلح والإشكاليات الجمالية

المقهى، الشارع، الساحة، البيت... إلخ، وقد أوضح ذلك في هذه الفقرة:«إن مجموعة هذه الأمكنة هو ما يبدو منطقيا أن نطلق عليه إسم فضاء الرّواية، لأن الفضاء أشمل وأوسع من معنى المكان بهذا المعنى هو مكوّن الفضاء، فالمقهى، أو المنزل، أو الشارع أو الساحة،كلّ واحد منها يعتبر مكانا محدّدًا، ولكن إذا كانت الرّواية تشمل هذه الأشياء كلّها، فإنها جميعا تشكل فضاء الرّواية.....»(1) .
واضح مما سبق تحليله أنّ الفضاء الرّوائي ليس فضاء ماديًّا صرفًا، وإنّ الكثير من النصوص الرّوائية تتأسس فضاءاتها على فضاء جغرافي محدّد ومضبوط مثل الفضاء الذّي احتضن أحداث رواية الزلزال "للطاهر وطّار"، فهو يتكوّن من أسماء الجسور التاريخية، وأسماء الشوارع والمطاعم والمقاهي وأماكن العبادة.... إلخ إلاّ أنّه ورغم هذه الواقعية التّي تتيحها أسماء الجسور والشوارع وأماكن العبادة، يظل عنصر الفضاء في رواية "الزلزال" مكوّنًا من حروف وكلمات، وهو فضاء لفظي، لا يوجد إلا بواسطة الكلمات المطبوعة «إنّ الفضاء الرّوائي مثل المكوّنات الأخرى للسّرد، لا يوجد إلاّ من خلال اللّغة، فهو فضاء لفظي بإجتياز، إنّه فضاء لا يوجد سوى من خلال الكلمات المطبوعة في الكتاب، ولذلك فهو يتشكل كموضوع للفكر الذّي يلحقه الرّوائي بجميع أجزائه، ويحمله طابعا مطابقًا لطبيعة الفنون الجميلة، ولمبدأ المكان نفسه»(2) .
وإنّ هذا الفضاء المتكون أساسا من رموز الحروف، وعلامات الكلمات والجمل، يمكنه أن يسع ما يتّسع إليه المكان الجغرافي، وإنّ كونه فضاءًا قائمًا بذاته،


ـــــــــــــــ
(1) د. حميد لحميداني ، بنية النص الروائي من منظور النقد الأدبي ( الطبعة الأولى، المركز العربي للطباعة والنشر، بيروت، الدار البيضاء 1991م)، ص 63،64.
(2) حسن بحراوي، بنية الشكل الروائي، ص 23
الفصل الأول الفضاء المصطلح والإشكاليات الجمالية

ومؤسّسًا على سعة خيال المؤلّف أو صيغته فإنّ مجال مليء بالناس والأشياء، ومجهّز بأثاث وأشياء، ولا تعطي اعتباطا، وإنّما تلعب دورا أساسيًّا في تعميق دلالة الحدث ووضع الشخصيات وأفعالها(1).
إن الفضاء أو المكان أو الحيّز وإن اختلفت آراء النقّاد والباحثين حول أيّ مصطلح أكثر دقة وأهمية، إنّه يعدّ من أرز مكاسب الحركة النقدية الأجنبية والعربية على السّواء.
2- تعدّد الفضاء:
يقوم الفضاء في العمل السّردي بدورٍ أساسي لا يقل أهمّية عن الوظائف التي تسند إلى الشخصيات وعنصر الزّمن وعنصر الأحداث، وتنشئها نشأة مثلما أرادها المؤلّف أو الرّاوي، فإنّ الفضاء هو المجال الطبيعي الذّي يحتضن هذه الأحداث ويعطيها أبعادها، ويمنحها دلالاتها، فمن الطبيعي أنّ أحداثا تجري داخل مركز الشرطة، تختلف أبعادها ودلالاتها عن أبعاد ودلالات أحداث تجري في كوخ صغير يقع على سفح مدينة.
كما تتجلى وظيفة الفضاء في كونه يسمح للحدث بأن يتجلى تدريجيا وقد يغدو في بعض الروايات أداة بنائية وعاملا حقيقيا يتوقف عليه الحدث الروائي نفسه(2).
فروّاد المقاهي مثلا، أو روّاد الحدائق العامة يؤثرون دائما أماكن معينة على غيرها تلك التي تكون منزوية ومحتجبة قليلا عن الأنظار، ولا تثير فضول الرّواد الآخرين، ولقد لفت نظر سوبير حبّ النّاس الجلوس على الموائد القريبة من الجدران في المقاهي، وشغلها قبل شغل الموائد الأخرى(3).



ـــــــــــــــ
(1) الفرابي عبد اللّطيف- شيكر أبو ياسين- العالم الرّوائي عند غسّان كنفاني من خلال رجال في الشمس- الطبعة الأولى- الدار البيضاء- دار الثقافة للنشر والتوزيع 1987،ص 91.
(2) جان بول غولدن نشتاين، الحيز المكاني الرّوائي، ترجمة الدكتور، حامد فرزات، مجلة الآداب الأجنبية، ، دمشق، العدد 7، السنة الثانية عشرةربيع 1992م، ص 160.
(3) يوري لوتمان- مشكلة المكان الفني ضمن كتاب جماليات المكان، ص 61 .
الفصل الأول الفضاء المصطلح والإشكاليات الجمالية

وقد شغل البيت في جل النّصوص السّردية مكانة مرموقة، وذلك لما يتضمنه من إحساس بالألفة، وشعور بالطمأنينة والأمن، وقد عبّر عنه غاستون باشلار في قوله:« البيت هو ركننا في العالم، إنّه كما قيل مِرَارًا كوننا الأوّل، كون حقيقي بكل ما للكلمة من معنى، وإذا طالعنا بألفة فسيبدو أبأس بيت جميلا ... لا كلّ الأمكنة المأهولة حقا تحمل جوهر فكرة البيت»(1) .
ويوجد نماذج من البيوت، غير بيوت الإقامة والسّكن الفخمة والمتواضعة، وتسمى هذه البيوت ببيوت الأشياء أو الأغراض، وهي تتألف من الأدراج والصنادق والخزائن، أي سيكولوجيا تختفي وراء مفاتيحها وأقفالها المخفية(2) .
كما تتميز بعض الفضاءات بالإنغلاق والإنسداد، ويتعرّف فيها الإنسان إلى سلب حريته وتحدد له المجالات التي يتحرّك فيها، وتمنع مجالات أخرى.
ومن أمثلة هذه الأمكنة فضاء السّجن أو فضاء الإقامات الجبرية أو فضاء أبراج المراقبة الرّسمية، ولا يعدم فضاء البيت من صفات هذا النّوع، فالطّفل الصغير لا يسمح له أن يقوم بكل ما تحتاج إليه غرائزه ودوافعه، فدائما ما تصدّه كلمة لا تقترب ... لا .... لا تلمس هذه الباقة ... إلخ.
ويبدو أن فضاء السّجن أشدُّ هذه الأمكنة ضيقا، وسلبا للحرّية، فهو يتميّز بالإنغلاق وتحديد حرية الحركة، وخضوع المقيم فيه للقانون الصارم، وانغلاقه هو مصدر المرارة والألم التي تنضح مشاعر الشخصيات التي توجد داخله(3) .
فإذا حدث وإن وقعت جل أحداث الرّواية في "فضاء مغلق" مثل فضاء السجن أو فضاء ثكنة عسكرية أو غرفة علاج، فإن الراوي أو المؤلف سوف لن يعْدمَا


ـــــــــــــــ
(1) غاستون باشلار، جماليات المكان، ترجمة: غالب هلسال الطبعة الثالثة- بيروت- المؤسسة الجامعية للدّراسات و النشر والتوزيع 1987، ص 35.
(2) غاستون باشلار، جماليات المكان، ص 32.
(3) عبد الحميد بورايو، المكان والزمان في الرواية الجزائرية- مجلة المجاهد- الجزائر ع 1392، ص 65.
الفصل الأول الفضاء المصطلح والإشكاليات الجمالية

وجود منفذ أو شعاع يتسللاّن منه إلى فضاء آخر يكون أرحب وأوسع معتمدين في ذلك على خيال الشخصيات أو قوة خيال الرّاوي الذّي أنابه عنه المؤلّف، وترك له زمام تأليف النّص وتشكيل الحكاية.
وقد عبّر عن مثل هذه الفضاءات جان بول غولد نشتاين goldeبالفضاء:"الهنا" و "الهناك"، فالأوّل يمثّل الحيّز المحدّد، حيث يصنع فيه الكاتب بطله الذّي لا يتحدّد وجوده فقط في واقعية الحيّز الرّوائي، حيث تمّ بناء وجوده ككائن من ورق بل يحلم أيضا بأفاق أخرى، حيث يرى ويتصوّر نفسه في ظروف أخرى، ومن هنا يولد حيّز آخر هناك وهو يأتي ويضاف إلى الأوّل الذي يمثذل إطار الحدث(1) .
وذهب الباحث الرّوسي ميخائيل باختين إلى اقتراح أربعة أنواع من الفضاء:
1- الفضاء الخارجي.
2- الفضاء الدّاخلي.
3- الفضاء المعادي.
4- وأطلق عليه مصطلح فضاء العتبة وهو فضاء يتمثل في المداخل والممّرات والأبواب والنوافذ المشرعة على الشوارع، كما أنه فضاء يتمثل في الحافلات والأكواخ والخنادق والبواخر والسيارات والقطارات(2) .
أما الباحث " لوتمان يوري" louman والذي اعتمد في بحثه للمكان على تقسيم مول وروميرroumir فإنّه قسّم الفضاء إلى أربعة أصناف:
1-عندي وهو المكان الذي أمارس فيه سلطتي، ويكون بالنسبة لي مكانا حميما أليفًا.
2- عند الآخرين وهو مكان يشبه الأوّل في نواحٍ كثيرة، ولكنّه يختلف عنه من



ـــــــــــــــ
(1) جان بول غولدن نشتاين، الحيز المكاني الرّوائي- مجلة الآداب الأجنبية - دمشق، عدد 7، 1992م، ص154.
(2) منيب محمد البوريمي- الفضاء الرّوائي في الغربة و الإطار والدلالة- ص 22.
الفصل الأول الفضاء المصطلح والإشكاليات الجمالية

حيث أنني بالضرورة أخضع فيه لوطأة سلطة الغير ولابد لي أن أعترف بهذه السّلطة.
3- الأماكن العامة وهذه الأماكن ليست ملكًا لأحدٍ معيّن، ولكنّها ملك للسلطة العامة (الدولة)، النابعة من الجماعة التي يمثلها الشرطي المتحكم فيها.
4- المكان اللامتناهي ويكون هذا المكان بصفة عامّة، خاليًا من النّاس، فهو الأرض التي لا تخضع لسلطة أحد، مثل الصحراء، هذه الأماكن لا يملكها أحد وتكون الدّولة وسلطانها بعيدة، بحيث لا تستطيع أن تمارس قهرها، ولذلك تصبح أسطورة نائية(1) .
إذا كنّا نتفق مع ما ذهب إليه يوري لوتمان في تحليله للأنواع الثلاثة الأولى وما تضمنته من أفكار وآراء، فإن النوع الرّابع والذي أطلق عليه اسم "المكان المتناهي"، فإنّنا نرى أنّه لم يعد يحتفظ بتلك الصور القديمة، فالصحاري الشاسعة والأدغال الوعرة والمناطق النائية أصبحت في السنوات الأخيرة وبفضل التقدم العلمي والتكنولوجي، ورغبة الإنسان الملحة في الإكتشاف والبحث وإخضاع الطبيعة لحاجته ورغباته، أصبحت هذه الأماكن تفتقد إلى كثير من وحشيتها، وانعزالها، ولم تعد مجرّد أماكن تنتج الموت والرّعب، بل عدت مناطق منتجة، ومراكز تجارية واقتصادية هامة، كما أنّها لم تعد آمنة من الإنسان ورغباته الطموحة، حيث ذلّلت وسائل النقل والإتصال العصرية أساليب الإقامة وترويضها واستغلال نعيمها.
وقد قدّم لنا الدكتور حميد لحميداني دراسة تبين لنا بنية الفضاء وتعدّده من خلال الأطروحات النظرية والتطبيقية، وقد استخلص لنا أربعة أنواع بارزة لتعدّد الفضاء وهي:
1- الفضاء الجغرافي: L’espace géographique، فالرّاوي يقدّم لنا دائما حدا أدنى من الإشارات الجغرافية التي تكون فيه مجرّد نقطة انطلاق من أجل تحريك خيال القارئ(2).

ـــــــــــــــ
(1) سيزا قاسم (المقدمة) مشكلة المكان الفني ليوري لوتمان، جماليات المكان، ص 61-62.
(2) د. حميد لحميداني، فضاء الحكي بين النظرية والتطبيق، ص 16.
الفصل الأول الفضاء المصطلح والإشكاليات الجمالية

ويعتبر الحيز الذي يتحرك فيه الأبطال، وتزخر الثلاثية بالفضاءات والأماكن التي تتوّزع إلى فئات ذات تنوّع كبير من حيث الدّلالة والوظيفة حيث نجد أماكن الإنتقال العامة والإقامة الإختيارية وأماكن الإقامة الجبرية(1) .
2- الفضاء النّصي: هو ذلك الحيّز الذي تشغله الكتابة ذاتها باعتبارها أحرفا طباعية وتشمل تصميم الغلاف ووضع المقدّمة وتنظيم الفصول وتشكيل العناوين، وعليه فهو ذلك المكان الذي تتحرك فيه الأبطال، وهذا النّوع من الفضاء يقل دور المؤلّف فيه، بينما يبرز دور الطابع والناشر والمشرف على الخطوط، والمشرف على عمليات التركيب والسّحب والإخراج(2) .
3- الفضاء الدّلالي: L’espace sémantique ، وهو ما تكلّم عنه جيرار جينيت G . Genetteحيث رأى أن لغة الأدب لا تقوم بوظيفتها بطريقة بسيطة، إذ ليس للتعبير الأدبي معنى واحد، بل تتضاعف معانيه وتكثر إذ يقول في هذا الصّدد:«الفضاء الدّلالي يتأسّس بين المدلول المجازي والمدلول الحقيقي» (3).
4- الفضاء كمنظور أو كرؤية: وقد تحدّثت عنه جوليا كريستيغا joulya، فرأت أن الفضاء مراقب بواسطة وجهة نظر الوحيدة للكاتب، والتي تهيمن على مجموع الخطاب، بحيث يكون المؤلف متجمعا في نقطة واحدة، وتشبّه كريستيغا الرّواية بالواجهة المسرحية(4) .
ومن الباحثين الجزائريين نجد الدكتور عبد الملك مرتاض في كتابه ألف ليلة وليلة، تحليل سيميائي تفكيكي لحكاية جمال بغداد، موضوع الحيّز أو الفضاء، وقد درس فيه المستويات التالية:


ـــــــــــــــ
(1) جوليا كريستيغا، النص الرّوائي 1976، ص1.
(2) حميد لحميداني، بنية النص (من منظور النقد الأدبي)، ص 16.
(3) المرجع نفسه، ص 61.
(4) جوليا كريستيفا، النص الرّوائي 1976، ص 186.
الفصل الأول الفضاء المصطلح والإشكاليات الجمالية

1- الحيّز الجغرافي / 2- الحيّز الشبه الجغرافي
3- الحيّز المائي/ 4- الحيّزالمتحرّك
5- الحيّز التّائه / 6- الحيز الجغرافي
7- الحيز العجيب الغريب(1).
وما نستخلصه هو أن النقد العربي المعاصر، بدأ يهتم بمصطلح الفضاء ويغيره من المصطلحات النقدية الحديثة، كما بدأ النّقاد العرب يسهمون وبجدية ووعي نقديين في الإضافة إلى هذه المنجزات، وقد صرّح الدكتور عبد الملك مرتاض بمناسبة إنعقاد "الملتقى الوطني الثاني للأدب الجزائري في ميزان النقد" المنعقد أيام 10 و11، 12ماي 1993م بعنابة، بأنّه ينطلق في كتاباته النقدية من معرفته وقدراته النقديّة الخاصة، وأنّه من حقّه أن يؤسس لنفسه مناهج نقدية جديدة، حتى وإن كانت تتفق أو تتباين أو تتقاطع من مصطلحات ورؤى إنجازات النّقد الأجنبي الحديث.

3- الفضاء: التّأويل والدّلالة:
يكتسي الفضاء دلالات ورموزًا حضارية وإنسانية وقومية ووطنية وذاتية، ويمكن أن تفكك دلالته وتتوالد مشكلة بذلك شبكة من ذكريات الطفولة الحميمة ونسيجا من أحلام المستقبل، وقد أصّرت الباحثة جوليا كريستغيا أثناء حديثها عن الفضاء على منحه أبعادًا حضارية(2) .
كما أنّ الفضاء يرتبط كثيرا بمختلف عناصر الرّواية ويؤثر فيها، مثلما يستقبل
مؤثراتها، وتبرز هذه المؤثرات المتبادلة خصوصا على مستوى اللغة والشخصية والحيّز، فالإقامات المتواضعة تعبّر دوما عن انتساب أصحابها إلى الطبقات الدنيا



ـــــــــــــــ
(1) عبد الملك مرتاض – ألف ليلة وليلة- تحليل سيميائي تفكيكي لحكاية – جمال بغداد- الطبعة الأولى- الجزائر – ديوان المطبوعات الجامعية- 1993, ص 336.
(2) الدكتور حميد لحميداني، بنية النص الروائي من منظور النقد الأدبي، ص 54.
الفصل الأول الفضاء المصطلح والإشكاليات الجمالية

وإلى فئة البسطاء والضعفاء ممن لا يتوفرون على إمكانات التطوّر والرقي الإجتماعي وهذا ما أطلق عليه جيرار جينات تسمية إستعارة مكانية، بمعنى أنّ المكان له دلالة إستعارية إيمائية تتصل بدلالة الرّواية(1) .
كما تحدّث غاستون باشلار bachlar عن المكان الذي ينجذب نحو خيال الشخصيات, وقد كشف عن صلة حميمية بين هذه الأمكنة المتخيلة وبين الشخصيات المتخيلة. «إنّ المكان الذي ينجذب نحوه الخيال لا يمكن أن يبقى مكانا لا مباليا, ذا أبعادهندسية وحسب, فهو مكان قد عاش فيه البشر, ليس بشكل موضوعي فقط، بل بكل ما في الخيال من تحيّز، إنّنا ننجذب نحوه لأنّه يكثف الوجود في حدود تتسم بالحماية»(2).
واهتم يوري لوتمان في بحثه بوظيفة لغة العلاقات المكانية، وقد اعتبرها وسيلة من الوسائل الرئيسية لوصف الواقع، وينطبق هذا حتى على مستوى ما بعد النّص أي على مستوى النمذجة، فإذا نظرنا إلى مفاهيم مثل: " الأعلى- الأسفل" أو "يسار- يمين" أو "قريب- بعيد" فإنّها تستخدم لَبِنَات في بناء نماذج ثقافية لا تنطوي على محتوى مكاني فتكسب معاني جديدة مثل "قيم- غير قيم" أو "حسن- سيء"(3) والإنسان كما يرى لوتمان يُخضع العلاقات انسانية والنظم لإحداثيات المكان، ويلجأ إلى اللّغة لإضفاء إحداثيات مكانية على المنظومات الذهنية(4) .






ـــــــــــــــ
(1) الفارابي عبد اللطيف – لشكير أبو ياسين- العالم الرّوائي عند غسان كنغاني من خلال رجال في الشمس، ص 92
(2) غاستون باشلار، جماليات المكان، ص 31.
(3) يوري لوتمان – مشكلة المكان الفني- ضمن كتاب جماليات المكان، ص 70.
(4) د. سيزا أحمد- بناء الرواية- دار التنوير، بيروت 1985، ص 75.
الفصل الأول الفضاء المصطلح والإشكاليات الجمالية


أثارت البحوث والدّراسات التي اهتمت ببحث إشكاليات الفضاء عدّة قضايا من أهمّها التقاطب وهو يطلق على تلك التقاطبات التي ترد عادة في شكل ثنائيات ضدّية تجمع بين قوى أو عناصر متعارضة، بحيث تعبّر عن العلاقات، والتوترات التي تحدث عند إتصال الرّوائي أو الشخصيات بأماكن الأحداث(1) .
وقد قدّم لنا غاستون باشلار gaston رؤية تصنيفية أخرى، حيث تحدّث عن مكان أليف وهو البيت الذي يوجد فيه الإنسان، ثمّ تحدّث عن المكان المتناهي في الصّغر
والمكان المتناهي في الكبر، وأكدّ أنّهما: «ليسا متضادين كما يظن البعض، ففي الحالتين يجب ألا نناقش الصغير والكبير بما هو عليه موضوعيا... بل على أساس كونهما قطبين لإسقاط الصّور، كما أكّد أنّ الإحساس بهما يوجد في داخلنا وليس بالضرورة بشيء في الخارج»(2).
وقد أسّس حسن بحراوي منهجا لتصنيف المكان وفق ثلاثة مفاهيم، وهي التقاطب وتعني وجود قطبين متعارضين في المكان وفق "تقابلات ضدّية" كالإقامة والإنتقال، ومفهوم التراتب الذي يتوزّع فيه الفضاء إلى عدّة طبقات أو فئات مكانية وفق مبدأ تراتبي معقد، وقد درس من خلال هذا المفهوم طبقات الفضاء السجني بناءًا على أهميتها من حيث الدرجة والرتبة والمفهوم الأخير الذي اعتمده هو الرؤية وهي التي ستمدّنا بالمعرفة الموضوعية أو الذاتية التي تحملها الشخصية عن المكان وتحيطنا علمًا بالكيفية التي ندرك بها أبعاده وصفاته(3) .


ـــــــــــــــ
(1) حسن بحراوي – بنية الشكل الرّوائي- المركز الثقافي العربي- بيروت الدار البيضاء 1990، ص 33.
(2) باشلار غاستون – جماليات المكان- ترجمة غالب هلسا- المؤسسة الجامعية للنشر، بيروت، الطبعة الثانية 1984، ص 33.
(3) حسن بحراوي، بنية الشكل الروائي، ص 34.
الفصل الأول الفضاء المصطلح والإشكاليات الجمالية

و لا يزال تحديد ماهية المكان الروائي خاضعا للاجتهادات الخاصة للنقاد, إذ لم يتم التوصل إلى اعتماد تصور واحد للمكان الروائي تستند عليه الدراسات الأدبية, و لذا نجد في الأبحاث القائمة على دراسة المكان الروائي أنواعا متباينة و مختلفة فكان المكان الأليف و الطارد و الطبيعي و المتخيل و المكان البسيط و المركب و المكان الموضوعي المفترض و المكان التاريخي و النفسي و الواقعي و التعبيري و الذاتي.
و أمام إشكالية افتقار هذه الأنواع من الأنواع من الأماكن إلى التحديد و التوضيح اقترحت بعض الدراسات المعاصرة تصورا جادا لأنواع المكان في الرواية يقوم على طبيعة المكان نفسه و على خصائصه المكونة له, بدلا من الأوصاف التي قام التصنيف التقليدي عليها, و من هذه الدراسات نذكر على سيل المثال لا الحصر " مشكلة المكان الفني" لـ يوري لوتمان loutman و " بناء الرواية" لـ سيزا قاسم و " بنية الشكل الروائي "لـ حسن بحراوي و " شعرية الفضاء" لـ حسن نجمي.
و يمكن اعتبار " الثنائيات الضدية " للمكان التي تمحورت حولها دراسة يوري لوتمان loutman و الدراسات البنيوية عموما من أهم الإجراءات النقدية التي أضافتها الدراسات المعاصرة إلى حقل دراسة المكان الروائي (1) فقد أضفت على البحث الأدبي ثراءًا أكثر وغنى لا عوض له، ولقد إرتسمت نجاحات البحوث التي اتّخذت هذا السبيل منهجًا لها في بلوغها إلى بلورة كل عناصر الخطاب الأدبي، وأنزلته االمكانة اللاّئقة بوظيفتها، ودورها في بنية نسيج العمل الفنّي كوجود يتمتع بخصوصيات جمالية وفكرية.


المدخل

لمحة تاريخية للرواية:
إن للروايّة بخلاف أجناس أدبية أخرى، كالمسرح أو الشعر، لا تتحد بسماتها الشكلية بقدر ما تتحدد بمدلولها، المرتبط عادة بفكرة المتخيّل، فالفن الدرامي يخضع لسنن أدبي وفرجوي، في حين يتبنى الشعر على تصرف خاص باللغة، أي النظم الكلاسيكي أو الشعر الحر، فما ليس نثرا يعد شعرًا، وما يفترض أداءًا دراميا للغة يعد مسرحًا.
أمّا الرّواية، وعلى غرار أدب الأفكار، فيبدو أنها لا تخضع لقواعد كتابية تختص بها، بل إن الموضوعات المطروقة هي ما يحدّد كينونتها كجنس، فهي تسرد مغامرات وهمية أو ترسم شخصيات غير حقيقية أو تنسج حركات متخيّلة، ممّا يجعل خطابها في صميم اللاواقع، الذّي يحتسم فضاءه الرّمز مع الخرافة والأسطورة والملحمة.
كما أنه من الصعب وضع حد فاصل بين الأسطورة والرّواية، بحيث يمكن أن نتساءل: هل يتعلق الأمر بقطيعة بينهما أم بانتقال من الدّيني إلى الدّنيوي، من القيم الجماعية إلى تفاصيل الحياة الشخصية، مثلما تقترح Dumézilذلك. أما التعارض بين الملحمة والرّواية، فإشكالية ما تزال تحيرّ النقاد المتخصصين، حيث يرى البعض أن الرّواية تنحدر من المحكي الملحمي في مستواه المألوف وإلى حد ما المعلمن.
وهو رأي يعتمد صراحة على أطروحات المؤرخ المجري Lukacsأو يمكن قراءتهضمنيا في Mimésisلمؤلفه الألماني Auerbach. ويعتبر Le roman comiqueالمعزوّ لـScarron تجسيدا لهذه الحركة التي فرضها الأدب السردي الحديث على النموذج السردي الأصيل، أي دمقرطته وتجريده من هالة القداسة.




المدخل

وقد خضعت الرواية زمنا طويلا للتأريخ والتحقيب، وهما إجراءان عمليان معياريان هيمنا باستمرار على النقد الأدبي كافة.(1)
وتكمن فائدتها في رصد أشكال سردية مختلفة مثل: رواية الفروسية والرّواية الرّعويّة ورواية الأجيال والرّواية الإستباقية ورواية الخيال العلمي، من حيث ظهورها وتطوّرها وربّما إضمحلالها. كما يهتم هاذان الإجراءان بتحليل في منتهى الدقة للمؤثرات الأجنبية وللتحوّلات الدلالية: ففي أي تاريخ انتقلت القصة القصيرة إلى فرنسا؟ وما هي العوامل التي أتاحت ذلك؟ في أي زمان ومكان ظهرت الرّواية التراسلية؟ وما هو التطور الإجتماعي الذي إرتبط به نشوء هذه التقنية السّردية؟ ما هي مدلولات هذه الكلمات الأنجلوـ سكسونية.
وتطرح المقاربة الجناسية أو التكوينية مسالة مزدوجة تتعلق بتاريخ الرواية وبالمصطلح الجدير بتعيينها. كما يتأسس فعل القراءة المتعدّدة، التي يغلب عليها المنزع السيكولوجي أو السوسيولوجي، بمجرّد ما يتم تحديد الوحدات الملائمة التي تسهم في إنتاج المعنى الرّوائي.
أما اللسانيات الحديثة، وخاصة منها التداولية، فهي تقدم مساهمة شديدة الأهمية لبلاغة المحكي الرّوائي، في حين تسمح البنيوية أو الشعريّة أخيرا بدراسة دقيقة للإشتغال السّردي، سواء تمّ على مستوى الأحداث الحقيقية أو الخيالية، أي سواء تعلّق بالتاريخ أو بالمتخيّل.(2)
2-الأنماط المختلفة للرواية:
إن لفظة رواية هي بالأحرى دال ينتمي إلى النصوص المعاذية، أي كلّ ما يسبق النّص أو يمهّد له أو يحيط به، أكثر ممّا هي سمة فنية أو شكلية


ـــــــــــــــ
(1) برنار فاليط، النص الرّوائي تقنيات ومناهج، ترجمة: رشيد بنحَدّو- ص 6-8.
(2) المرجع نفسه ص 9-13.

المدخل

تخص جنسا معيّنا. لئن كانت اللفظة، فهي مدلولها الشائع تعني سرد أو إبداع أحداث خيالية، فينبغي مع ذلك الإقرار بأن الرّواية لا تطابق سوى صنف حكائي محدد تاريخيا يلعب فيه سرد مغامرات حقيقية أو خيالية دورا أساسا. في هذه الحالة، هل تستحق L’educaion sentimentale لـ Flauber. وقد تم استبعاد مفهوم الحبكة منها بقصد اسم "رواية" أو "لا رواية"، فقد نجد بعض الكتاب المعاصرين، أمثال Richard Millerيتجنبون هذه الصعوبة برفضهم لكل تسمية تجنيسية، ناعتين كتاباتهم بلفظة "نص" إلى هي في آن واحد أكثر التباسا وأقل حثا على القراءة الإختزالية.
3- الخلفية السياسية والإجتماعية لظهور مصطلح الرّواية في الجزائر:
إن الإحاطة بكل الجوانب السياسية أو بمعظمها، التّي سادت قبل الإستقلال، والتي كان لها دور رئيسي في ظهور الرّواية الجزائرية واكتمال معالمها أمر في غاية الصعوبة، وبناء على ذلك، كان من الضروري اللجوء إلى بعض العمليات المنهجية التبسيطية التي يمليها البحث الأدبي، وهي تقسيم هذه الفترات التاريخية ولو على مستوى شكلي، مع العلم مسبقا أن هذه الفترات هي حلقات في سلسلة واحدة ورئيسية، هي التاريخ.
وهناك 3 فترات هامة كان لها الدور الحاسم في بلورة الوعي الجماهيري، واستقلال الجزائر، وتحديد هويتها التاريخية وهوية الإتجاهات الرّوائية في الآن ذاته.(1)
1- أولاها مرتبطة تحديدا بثورة الفلاحين سنة 1871، التي كانت لها مساهمات عظمى في تشكيل الفكر الإشتراكي في الجزائر، وتكريسه من خلال الإسهامات التي قدمتها بشكل مباشر أو غير مباشر.

ـــــــــــــــ
(1) اتجاهات الرّواية العربية ي الجزائر لواسيني الأعرج – بحث في الأصول التاريخية والجمالية للرواية الجزائرية – ص 17.

المدخل

2- أما الفترة الثانية فهي ذات صلة مباشرة بإنتفاضة 1945م الجماهيرية التي أيقظت الحس القومي لدى الشعب، ودفعته إلى الإقتناع من خلال الحياة اليومية، بأن الإستعمار مهما كان حضاريا، فسيظل استعمارا يستهدف تدليل الشعب وتركيعه، وتصادف هذه المرحلة ظهور أول رواية جزائرية مكتوبة باللغة العربية "غادة أم القرى"(1) للكاتب أحمد رضا حوحو سنة 1947 كتعبير عن تبلور الوعي الجماهيري بالرّغم من أفاقها المحدودة.
3- أما الفترة الثالثة والأخيرة، فهي دخول الحركة الوطنية في نهج جديد أدّى لها في النّهاية إلى تجميع كل قواها الممزّقة، هذا التمزّق الذّي استثمره الإستعمار للتفرقة بين الجماهير الشعبية والحركة الوطنية، لسنوات عديدة.
وهذه الفترة الأخيرة شهدت قفزة نوعيّة وكميّة في الرّواية الجزائريّة باللغة الفرنسية، في وقت لم تظهر فيه إلاّ روايتان باللغة العربية، الأولى "الطالب المنكوب" لـعبد المجيد الشافعي سنة 1951، والثانية "الحريق" لـنور الدين بوجدرة سنة 1957 ومردّ ذلك طبعا إلى الظروف السياسية الإستعمارية مقومات شخصية، واستمرّ في ضرب الحصار حولها وإجهاض كل المبادرات الوطنية التي كانت تستهدف بعث ثقافة عربية متنيرة. (2)
لدى كانت الكتابة بالفرنسية حتمية لا بّد منها، وينبغي النّظر إليها على أنها لم تكن قط انتماء إلى فرنسا أو ضربا للتاريخ العربي الجزائري إنما جعلها الكتاب وسيلة للمقاومة وطعن طغيان فرنسا وخدمة لقضية النّضال في الجزائر فكانوا مجاهدين بسلاح القلم.




ـــــــــــــــ
(1) محمد رتيعي ادريس بودية – مقال مقدمة في الرّواية الجزائرية المكتوبة بالعربية- مجلة الثقافة الثورة- ديوان المطبوعات الجامعية – الجزائر- العدد 5 يناير 1978، ص 9.
(2) المرجع نفسه ص 81، اتجاهات الرواية العربية في الجزائر لواسيني الأعرج.
المدخل

لقد كان في أدبهم إدراك "لقيمة الإنسان من حيث هو معطى متعدد وبحث عن معنى الحريّة لا في المعاجم بل في الشوارع التي يسير فيها الناس في المظاهرات الصاخبة وفي الأقبية التي تعقد فيها الإجتماعات السرّية، وفي شوارع القصبة ومدينة الجزائر وكلّ المدن و القرى والأحياء التي قاومت.
وأمام ميناء الرّوايات المكتوبة بالفرنسية. وقد جمعهم واحد يقودونها بشموخ ينم عن حس وطني فياض وبراءة فنية، ومن بينهم "مالك حداد" سأهبك غزالة و رصيف الأزهار لا يجيب "كاتب ياسينالمرأة المتوحشة ورائعة نجمة "لكاتب ياسين"، "محمد ديب": بثلاثية الدار الكبيرة، الحريق، النول "لمولود فرعون"، فكل رواياتهم تجسد مدى ارتباطهم الوثيق بقضايا وطنهم وحريته المنفية.(1)
بيد أن مشوار الكتابة بالعربية يبدأ في خضم الإنتاج الرّوائي العربي الزّاخر, وفي هذا الصّدد يقول حنا مينا: « الرّواية ديوان العرب في القرن العشرين ».
ونحن نضيف أنها كانت ديوان الجزائر في السبعينات، إذ في الوقت الذي أخذت فيه الرواية العربية – بشكل عام- تحقق تقدّمها على يد نجيب محفوظ مصر، حنا مينا سوريا، الطيب صالح السّودان، غسّان كنفالي فلسطين، كانت لجزائر آنذاك تخطو خطوتها الفنية الأولى مع عبد الحميد بن هدوقة في "ريح الجنوب" زينت الجزائر إن صح التعبير وذلك في سنة 1971، فاتحا الأبواب على مصراعيها للرّواية الفنية المكتوبة بالعربية، ليحمل الطّاهر وطّار مشعلها في اللاّز تدعيما لبناء الصرح الرّوائي في ظل ظروف سياسية واجتماعية متغيرة دخلت يها الجزائر مرحلة البناء والتشييد "الإشتراكية" .
وهكذا تتالت الأعمال الرّوائية ولمعت أسماء روائيين في فلك الأدب الجزائري متّخذين من الثورة الجزائرية منهلا لجل موضوعاتهم أمثال: "رشيد بوجدرة" و"مرزاق بقطاش"، "جيلالي خلاص"، "عبد الحميد بن هدوقة" ...، وهلمّ حرا.(1)


ـــــــــــــــ
(1) نجاح العطار، حنّا مينا –أدب العرب، ط 2، دار الأدب بيروت- ط2 1979، ص 200.
المدخل
ومعظم هذه الأعمال الرّوائية بمختلف اتجاهاتها، تستهدف في مجملها خلق المجتمع البديل الذّي يدمّر كلّ القيم البالية، ويوفّر الخبز لكلّ فم والفراش والدفء والمدرسة لكلّ إنسان، ونشير إلى التفاوت الواضح من تجربة روائية لأخرى لدى الفنان الواحد "فالإنسان نتاج المجتمع، ومثلما يتطوّر هذا الأخير، يتطوّر الإنسان"، أو لدى كتاب مختلفين ، حسب الإتّجاه الفكري لدى كل واحد، كما يجدر بنا، أن نذكر بعض الإبداعات الرّوائية التي عملت وتعمل على تكريس العقلية المتخلفة في الجزائر وهي ليست في النهاية إلاّ استثناءات تؤكدّ القاعدة.(2)
4- مفهوم الفضاء في الدّراسة الرّوائية:
يعد مصطلح "الفضاء" من أهم المصطلحات النقدية التّي دخلت عالم الدّراسات، والبحوث، والتّي تتخذ العلوم الإنسانية مجالا للتنظير والممارسة، وقد نشأ عن هذا الإهتمام بروز دراسات كثيرة جعلت من دراسة هذا المفهوم شغلا أساسا لها.
ولم يظهر هذا المصطلح في حقول الدّراسات الأدبّية إلاّ حديثا وذلك بسبب انصراف النقاد والباحثين إلى الإهتمام والتركيز على عناصر أخرى، مثل: الأبعاد الأيديولوجية للنّص الرّوائي، والزّمن، والشخصيات، والحوار، والأحداث، إلاّ أنّ مجموعة من الباحثين، قد أولت – بعد الحرب العالمية الثانية- عنصر الفضاء اهتماما لائقا يحصل للدراسات السابقة أن بلغته، سواء من حيث الممارسة التطبيقية.
وممن أسهموا بفاعلية في إلفات نظر الباحثين إلى أهميته في نية نسيج العمل الإبداعي، نجد الأسماء التالية: الباحث الروسي يوري لوتمان والباحثين الألمانيين روبير بيتش و هيرمان ميير .


ـــــــــــــــ
(1) حنا مينا – حوار أجراه سليمان جوادي- عمار بن زايد- مجلة الثقاة، الجزائر العدد 78، نوفمبر، ديسمبر 1983، ص 291.
(2) اتجاهات الرّواية العربية، الجزائر لواسيني الأعرج- بحث في الأصول التاريخية والجمالية للرّواية الجزائرية- ص 110.
المدخل


كما أدي تركيز الباحثين الفرنسيين على مصطلح الفضاء تنظيرا وممارسة خلال سنوات الستينات والسبعينات، إلى تطوّره، وذيوعه سواء بين أوساط الباحثينأو في جلبه لفضول المهتمين والقراء، وأرز هؤلاء الباحثين: جورج بولي في كتابه L’espace proustienالصادر عام1963م وجلبير دورانو رولان بورنوف الذّي أضاف عدّة أمور جديرة بالإهتمام لما وصل إليه غيره من الباحثين، وذلك من خلال سعيه لسدّ الثغرات المنهجية والتطبيقية التي ظهرت عند زميله بولي و دوران، وكان ذلك حين تساءل بصدد الضرورات الدّاخلة التّي يخضع لها التنظيم المكاني في الرّواية، مقترحا أن نصف بطريقة دقيقة طوبوغرافية الحدث، وأن نحلّل مظاهر الوصف، ونهتم بوظائف المكان في علاقته أو سيولة الفضاء الرّوائي محاولين الكشف عن القيم الرّمزية والأيديولوجية المرتبطة بعرضه وتقديمه.
إن انتقال مصطلح الفضاء إلى المعرفة النقدية العربية الجديدة لم يظهر إلاّ في السنوات الأخيرة، وقد كان استخدامه مختلفا من باحث لآخر، ومن تجربة نقدية لأخرى، فمرة يرد بلفظ الحيّز ومرّة بلفظ المكان ومرة ثالثة بلفظ الفضاء.
و جاء في ديوان " لسان ا لعرب" لابن منظور أن الفضاء هو المكان الواسع من الأرض و الفعل فضا يفضو فضوا هو فاض, قال رؤبة:
أفرخ قيض بيضها المنقاض *** عنكم, كراما بالمقام الفاضي
و قد فضا المكان و أفضى إذا اتسع و أفضى فلان إلى فلان أي وصل إليه, و قال ثعلب بن عبيد يصف نحلا:
شتت كثة الأوبار لا القرى تتقي *** و لا الذئب تخشى و هي بالبلد المغضي
أي العراء الذي لا شيء فيه, و أفضى إليه الأمر كذلك و أفضى الرجل دخل على أهله.
و الفضاء الخالي الفارغ الواسع من الأرض, و الفضاء الساحة و ما اتسع من الأرض



المدخل


و يقال: أفضيت إذا خرجت إلى الفضاء و الفضاء ما استوى من الأرض و اتسع, قال و الصحراء فضاء , قال أبو بكر : الفضاء ممدود كالحسا و هو ما يجري على وجه الأرض و الفضية الماء المستنقع و الجمع فضاء.
و مكان فاض و مفض أي واسع و المفضى المتسع. قال رؤبة:
جاوزته بالقوم حتى أفضى *** بهم و أمضى سخر ما أمضى
قال أفضى بلغ بهم مكانا واسعا(1)
و قد ذكر ابن منظور في ديوانه أن المكان في الأصل تقدير الفعل مفعل لأنه موضع لكينونة الشيء فيه , غير أنه لما كثر أجروه في التصريف مجرى فعال. فقالوا: مكنا له فقد تمكن و ليس هذا بأعجب من تمسكن من المسكن, و المكان الموضع و الجمع الأمكنة كقذال و أقذلة و أماكن جمع الجمع.قال ثعلب يبطل أن يكون مكان فعالا لأن العرب تقول: كن مكانك و قم مكانك و اقعد مقعدك فقد دل هذا على أنه مصدر من كان أو موضع منه قال: و إنما جمع أمكنة فعاملوا الميم الزائدة معاملة الأصلية لأن العرب تشبه الحرف بالحرف و قالوا: مكانك؟ تحذره شيئا من خلفه(2)















ـــــــــــــــ
(1) ابن منظور- ديوان لسان العرب- المجلد الحادي عشر , دار صادر, بيروت, ص195
(2) ابن منظور – ديوان لسان العرب – المجلد الرابع عشر, دار صادر , بيروت, ص113
المدخل

وقد أولى الباحثون والمثقفون المغربيون هذا المصطلح اهتماما واضحا وخاصّة في البحوث الجامعية، والدراسات النقدية التي ظهرت بعد سنة 1980م، كما أولى بعض الباحثين والنقاد العرب إشكالية الفضاء اهتماما واضحا في بحوثهم وانشغالهم الأدبي النقدي، وأخصّ هنا بالذكر الأساتذة: سيزا قاسم وكذلك ما قامت به مجلة الفصول وبعض المجلات العربية.
وأما أثره في الدراسات الجزائرية الحديثة، فإنّه حسب ظنّي لم يتمكن بعد من اختراق أعمال بعض الباحثين، إذ يتجاوز عددهم عدد أصابع اليد الواحدة، إذ لم يكن أقل وذلك كوم المثقف عندنا لا يعاني من حصار واحد فحسب (تحليل ناقص)
المدخل

5- ترجمة لحياة عبد الحميد بن هدوقة:
ولد عبد الحميد بن هدوقة يوم 9 جانفي 1925م في قرية المنصورة بولاية سطيف في شرق الجزائر، وهي قرية تدخل ضمن المنطقة التاريخية المسماة بالقبائل الصغرى، التّي اشتهر سكانها الجبليون المنحدرون من أصول عربية ـ بربرية منذ القدم بتقاليدهم العريقة في حب الحرّية، وأمضى بن هدوقة طفولته في تلك القرية الجبلية، ولم يقطع روابطه بها، أخذ عن أبيه، وبعد ذلك في المدرسة الإبتدائية، مبادئ اللغة العربية الفصحى وأسسها، ثم تابع دراسته في جامع الكتانية بمدينة قسنطينة، وابتداءا من سنة 1950 قضى أربع سنوات في التحصيل العلمي بفرع الآداب بجامع الزيتونة بتونس، وكان في الوقت نفسه طالبا في معهد الفن الدّرامي، وأصبح بين 1954- 1955 مدّرسا للأدب العربي.(1)
شارك بن هدوقة منذ نعومة أظافره مشاركة فعّالة في حركة التحرير الوطني، ولم تلبث الشرطة أن لاحقته بسبب ذلك، فسافر في نهاية 1955 إلى فرنسا، حيث أمضى أكثر من عامين، وجرّب مختلف ضروب الحرمان، وغيّر أكثر من مرّة عمله، ثم مرض مرضا أقعده الفراش في عيادة. ومنذ بداية الخمسينات شرع بن هدوقة في تجريب مواهبه في الفن الدرامي، فكتب بالدّارجة عدّة مسرحيات للإذاعة، وارتحل سنة 1958 إلى تونس وكرّس جهده كله في الصحافة والتأليف، فكان يكتب للإذاعة ومجلة "جبهة التحرير الوطني"، وفي السنة نفسها صدر الكتاب الأول له بعنوان " بين الأمس واليوم".(2)
وبعد استرجاع الجزائر استقلالها سنة 1962 عاد بن هدوقة على أرض الوطن مكرّسا حياته لإحياء الثقافة الوطنية، وفي تلك الفترة كتب العديد من
المسرحيات للإذاعة والتلفزيون، كما نشر أسفارا وقصصا، وابتداءا من السبعينات برز بن هدوقة ككاتب روائي ناجح.
ـــــــــــــــ
(1) ب- عبد العزيز- مجلة إبتكار- الجزائر- العدد 2- جانفي 2000، ص 22.
(2)عبد الحميد بن هدوقة – غدا يوم جديد- ص1
المدخل


إن الإرث الإبداعي لإن هدوقة ضخم ومتنوع للغاية، فبالإضافة إلى كتاب المقالات " بين الأمس واليوم"، كتب بن هدوقة ديوانا شعريًّا الأرواح الشاغرة 1967 وثلاثة مجموعات قصصية هي ظلال جزائرية 1960 و الأشعة السبعة1962 و الكاتب وقصص أخرى 1974 وخمس روايات هي ريح الجنوب 1971 ونهاية الأمس 1975 وبان الصبح 1980 والجازية والدّراويش 1983 وآخر رواية ألها هي غدا يوم جديد 1992.
ومن خلال تواريخ تأليف هذه الرّوايات فإنّنا نتبيّن بأنّ فعل الكتابة الرّوائية لدى الأستاذ عبد الحميد بن هدوقة بطيء، إذ كان ينجز عملا روائيا واحدا طوال 4 سنوات و6 أشهر و12 يوما. (1)
وقد توفي روائي الجزائر في أكتوبر سنة 1996 مخلّفا وراءه ثراءًا روائيا شهد له المثقفون الجزائريون والعرب وتعتبر مخلّفاته شاهدا على تجربته الإبداعية خدمة لثقافة الجزائر.





ـــــــــــــــ
(1) عبد الحميد بن هدوقة – غد يوم جديد-ص2






الفصل الأول الفضاء المصطلح والإشكاليات الجمالية

2- إشكالية المصطلح:
دون ريب إنّ مصطلحا مثل: الفضاء الروائي"L’espace Romantique" لم يبلغ مرحلة الإتفاق بين جميع النّقاد، شأنه شأن العديد من المصطلحات الأدبية واللّغوية الحديثة.
فكما اختلف النقاد حول نشأته، وتطوّره ودوره في تطوّر الدّراسات النقدية الحديثة، فقد اختلفوا حول شكله ومضمونه، إذ هناك من آثر استخدام مصطلح المكان عوض الفضاء، ويوجد من النقاد من فضّل استخدام مصطلح الحيّز بدل مصطلح الفضاء L’espace .
وقد استعمل الأستاذ عبد الحميد بورايو في دراسته "المكان والزمان في الرواية الجزائرية"(1)، مصطلحا جمع فيه صيغتين، إذ ورد استعماله بهذه الصيغة الحيز المكاني رغم أنّه استخدم مصطلح المكان بكثرة في بحثه المشار إليه، دون مصطلح الحيز.
كما استعمل عبد المالك مرتاض في كتابه "القصة الجزائرية المعاصرة" مصطلح الحيز عندما بحث إشكالية الفضاء في القصة الجزائرية.(2)
ولقد بدا لنا أنّ مصطلح الفضاء L’espace في الدّراسات النقدية المغربية أكثر استعمالا ورواجًا ووضوحًا منه في الدّراسات النقدية العربية، وسبب ذلك في نظرنا يرجع إلى الصّلة العميقة للكتابة الأدبية في المغرب بمثيلتها في الغرب، وكذلك إلى تنشيط حركة الترجمة و تنوعها، خصوصًا في السنوات الأخيرة ، ومن أبرز النقاد المغاربة ممن أولوا مصطلح الفضاء في كتابتهم النقدية أهمية عميقة،



ـــــــــــــــ
(1) عبد الحميد بورايو – المكان والزمان في الرواية الجزائرية – مجلة المجاهد – الجزائر- العدد 1392هـ مارس 1987م، الحلقة الأولى، ص 11.
(2) عبد المالك مرتاض- القصة الجزائرية المعاصرة (الطبعة الأولى. الجزائر) المؤسسة الوطنية للكتاب 1990، ص 99.

الفصل الأول الفضاء المصطلح والإشكاليات الجمالية

هؤلاء الباحثين هم: "حسن البحراوي" و "الدّكتور حميد لحميداني"، "منيب البوريمي"....وغيرهم.
فقد اهتم هؤلاء النّقاد بهذا المصطلح في كتاباتهم وبحوثهم النّقدية تعريا وتنظيرا وممارسة.
عرّف الباحث البوريمي مصطلح الفضاء بقوله:«أمّا في الإصطلاح، فالفضاء الرّوائي هو الحيّز الزماني espace- Temporels ، الذّي تتمظهر فيه الشخصيات والأشياء ملتبسة بالأحداث تبعا لعوامل عدّة تتّصل بالرؤية الفلسفية ونوعيّة الجنس الأدبي، وبحساسية الكاتب أو الرّوائي، وعلى هذا الفضاء الرّوائي يتسع اصطلاحًا ليحتوي أشياء متباينة ومتعددّة، لا حصر لها، بدءًا من المساحة الورقية التّي يتحقق عبر بيانها جسد الكتابة: إلى المكان والزمان، الأشياء اللّغة والأحداث، التّي تقع تحت سلطة إدراكنا عبر أنماط السّرد، والتّي تجسّد عالم الرّواية»(1) .
وأولى الناقد أيضا "حسن البحراوي" في بحثه "بنية الشكل الروائي": مصطلح الضاء اهتمامًا بالغًا، حيث خصّص مبحثا كاملا للتعريف به، وبنشأته وتطوّره في الدراسات النقدية الغربية الحديثة، وقد استخلص تعريفا له بعد أن ذكر آراء عديدة، وأفكار كثيرة عن الفضاء وإشكاليته، ومما جاء في هذا التعري قوله: «ليس في العمق سوى مجموعة من العلاقات، والشخصيات التي يستلزمها الحدث، أي الشّخص الذي يحكي القصّة والشخصيات المشاركة فيها»(2) .
أما الباحث الدكتور "حميد لحميداني"، فإنه آثر أن يستعمل مصطلح الفضاء في دراسته وبحوثه على مصطلح المكان حيث أنّه مجموعة الأشياء التي تحيط بنا مثل:

ـــــــــــــــ
(1) منيب محمد البوريمي- الفضاء الرّوائي في الغربة: الإطار والدلالة- ص 21.
(2) حسن بحراوي- بنية الشكل الرّوائي- ص 31.
الفصل الأول الفضاء المصطلح والإشكاليات الجمالية

المقهى، الشارع، الساحة، البيت... إلخ، وقد أوضح ذلك في هذه الفقرة:«إن مجموعة هذه الأمكنة هو ما يبدو منطقيا أن نطلق عليه إسم فضاء الرّواية، لأن الفضاء أشمل وأوسع من معنى المكان بهذا المعنى هو مكوّن الفضاء، فالمقهى، أو المنزل، أو الشارع أو الساحة،كلّ واحد منها يعتبر مكانا محدّدًا، ولكن إذا كانت الرّواية تشمل هذه الأشياء كلّها، فإنها جميعا تشكل فضاء الرّواية.....»(1) .
واضح مما سبق تحليله أنّ الفضاء الرّوائي ليس فضاء ماديًّا صرفًا، وإنّ الكثير من النصوص الرّوائية تتأسس فضاءاتها على فضاء جغرافي محدّد ومضبوط مثل الفضاء الذّي احتضن أحداث رواية الزلزال "للطاهر وطّار"، فهو يتكوّن من أسماء الجسور التاريخية، وأسماء الشوارع والمطاعم والمقاهي وأماكن العبادة.... إلخ إلاّ أنّه ورغم هذه الواقعية التّي تتيحها أسماء الجسور والشوارع وأماكن العبادة، يظل عنصر الفضاء في رواية "الزلزال" مكوّنًا من حروف وكلمات، وهو فضاء لفظي، لا يوجد إلا بواسطة الكلمات المطبوعة «إنّ الفضاء الرّوائي مثل المكوّنات الأخرى للسّرد، لا يوجد إلاّ من خلال اللّغة، فهو فضاء لفظي بإجتياز، إنّه فضاء لا يوجد سوى من خلال الكلمات المطبوعة في الكتاب، ولذلك فهو يتشكل كموضوع للفكر الذّي يلحقه الرّوائي بجميع أجزائه، ويحمله طابعا مطابقًا لطبيعة الفنون الجميلة، ولمبدأ المكان نفسه»(2) .
وإنّ هذا الفضاء المتكون أساسا من رموز الحروف، وعلامات الكلمات والجمل، يمكنه أن يسع ما يتّسع إليه المكان الجغرافي، وإنّ كونه فضاءًا قائمًا بذاته،


ـــــــــــــــ
(1) د. حميد لحميداني ، بنية النص الروائي من منظور النقد الأدبي ( الطبعة الأولى، المركز العربي للطباعة والنشر، بيروت، الدار البيضاء 1991م)، ص 63،64.
(2) حسن بحراوي، بنية الشكل الروائي، ص 23
الفصل الأول الفضاء المصطلح والإشكاليات الجمالية

ومؤسّسًا على سعة خيال المؤلّف أو صيغته فإنّ مجال مليء بالناس والأشياء، ومجهّز بأثاث وأشياء، ولا تعطي اعتباطا، وإنّما تلعب دورا أساسيًّا في تعميق دلالة الحدث ووضع الشخصيات وأفعالها(1).
إن الفضاء أو المكان أو الحيّز وإن اختلفت آراء النقّاد والباحثين حول أيّ مصطلح أكثر دقة وأهمية، إنّه يعدّ من أرز مكاسب الحركة النقدية الأجنبية والعربية على السّواء.
2- تعدّد الفضاء:
يقوم الفضاء في العمل السّردي بدورٍ أساسي لا يقل أهمّية عن الوظائف التي تسند إلى الشخصيات وعنصر الزّمن وعنصر الأحداث، وتنشئها نشأة مثلما أرادها المؤلّف أو الرّاوي، فإنّ الفضاء هو المجال الطبيعي الذّي يحتضن هذه الأحداث ويعطيها أبعادها، ويمنحها دلالاتها، فمن الطبيعي أنّ أحداثا تجري داخل مركز الشرطة، تختلف أبعادها ودلالاتها عن أبعاد ودلالات أحداث تجري في كوخ صغير يقع على سفح مدينة.
كما تتجلى وظيفة الفضاء في كونه يسمح للحدث بأن يتجلى تدريجيا وقد يغدو في بعض الروايات أداة بنائية وعاملا حقيقيا يتوقف عليه الحدث الروائي نفسه(2).
فروّاد المقاهي مثلا، أو روّاد الحدائق العامة يؤثرون دائما أماكن معينة على غيرها تلك التي تكون منزوية ومحتجبة قليلا عن الأنظار، ولا تثير فضول الرّواد الآخرين، ولقد لفت نظر سوبير حبّ النّاس الجلوس على الموائد القريبة من الجدران في المقاهي، وشغلها قبل شغل الموائد الأخرى(3).



ـــــــــــــــ
(1) الفرابي عبد اللّطيف- شيكر أبو ياسين- العالم الرّوائي عند غسّان كنفاني من خلال رجال في الشمس- الطبعة الأولى- الدار البيضاء- دار الثقافة للنشر والتوزيع 1987،ص 91.
(2) جان بول غولدن نشتاين، الحيز المكاني الرّوائي، ترجمة الدكتور، حامد فرزات، مجلة الآداب الأجنبية، ، دمشق، العدد 7، السنة الثانية عشرةربيع 1992م، ص 160.
(3) يوري لوتمان- مشكلة المكان الفني ضمن كتاب جماليات المكان، ص 61 .
الفصل الأول الفضاء المصطلح والإشكاليات الجمالية

وقد شغل البيت في جل النّصوص السّردية مكانة مرموقة، وذلك لما يتضمنه من إحساس بالألفة، وشعور بالطمأنينة والأمن، وقد عبّر عنه غاستون باشلار في قوله:« البيت هو ركننا في العالم، إنّه كما قيل مِرَارًا كوننا الأوّل، كون حقيقي بكل ما للكلمة من معنى، وإذا طالعنا بألفة فسيبدو أبأس بيت جميلا ... لا كلّ الأمكنة المأهولة حقا تحمل جوهر فكرة البيت»(1) .
ويوجد نماذج من البيوت، غير بيوت الإقامة والسّكن الفخمة والمتواضعة، وتسمى هذه البيوت ببيوت الأشياء أو الأغراض، وهي تتألف من الأدراج والصنادق والخزائن، أي سيكولوجيا تختفي وراء مفاتيحها وأقفالها المخفية(2) .
كما تتميز بعض الفضاءات بالإنغلاق والإنسداد، ويتعرّف فيها الإنسان إلى سلب حريته وتحدد له المجالات التي يتحرّك فيها، وتمنع مجالات أخرى.
ومن أمثلة هذه الأمكنة فضاء السّجن أو فضاء الإقامات الجبرية أو فضاء أبراج المراقبة الرّسمية، ولا يعدم فضاء البيت من صفات هذا النّوع، فالطّفل الصغير لا يسمح له أن يقوم بكل ما تحتاج إليه غرائزه ودوافعه، فدائما ما تصدّه كلمة لا تقترب ... لا .... لا تلمس هذه الباقة ... إلخ.
ويبدو أن فضاء السّجن أشدُّ هذه الأمكنة ضيقا، وسلبا للحرّية، فهو يتميّز بالإنغلاق وتحديد حرية الحركة، وخضوع المقيم فيه للقانون الصارم، وانغلاقه هو مصدر المرارة والألم التي تنضح مشاعر الشخصيات التي توجد داخله(3) .
فإذا حدث وإن وقعت جل أحداث الرّواية في "فضاء مغلق" مثل فضاء السجن أو فضاء ثكنة عسكرية أو غرفة علاج، فإن الراوي أو المؤلف سوف لن يعْدمَا


ـــــــــــــــ
(1) غاستون باشلار، جماليات المكان، ترجمة: غالب هلسال الطبعة الثالثة- بيروت- المؤسسة الجامعية للدّراسات و النشر والتوزيع 1987، ص 35.
(2) غاستون باشلار، جماليات المكان، ص 32.
(3) عبد الحميد بورايو، المكان والزمان في الرواية الجزائرية- مجلة المجاهد- الجزائر ع 1392، ص 65.



الفصل الأول
الفضاء المصطلح والإشكاليات الجمالية

وجود منفذ أو شعاع يتسللاّن منه إلى فضاء آخر يكون أرحب وأوسع معتمدين في ذلك على خيال الشخصيات أو قوة خيال الرّاوي الذّي أنابه عنه المؤلّف، وترك له زمام تأليف النّص وتشكيل الحكاية.
وقد عبّر عن مثل هذه الفضاءات جان بول غولد نشتاين goldeبالفضاء:"الهنا" و "الهناك"، فالأوّل يمثّل الحيّز المحدّد، حيث يصنع فيه الكاتب بطله الذّي لا يتحدّد وجوده فقط في واقعية الحيّز الرّوائي، حيث تمّ بناء وجوده ككائن من ورق بل يحلم أيضا بأفاق أخرى، حيث يرى ويتصوّر نفسه في ظروف أخرى، ومن هنا يولد حيّز آخر هناك وهو يأتي ويضاف إلى الأوّل الذي يمثذل إطار الحدث(1) .
وذهب الباحث الرّوسي ميخائيل باختين إلى اقتراح أربعة أنواع من الفضاء:
1- الفضاء الخارجي.
2- الفضاء الدّاخلي.
3- الفضاء المعادي.
4- وأطلق عليه مصطلح فضاء العتبة وهو فضاء يتمثل في المداخل والممّرات والأبواب والنوافذ المشرعة على الشوارع، كما أنه فضاء يتمثل في الحافلات والأكواخ والخنادق والبواخر والسيارات والقطارات(2) .
أما الباحث " لوتمان يوري" louman والذي اعتمد في بحثه للمكان على تقسيم مول وروميرroumir فإنّه قسّم الفضاء إلى أربعة أصناف:
1-عندي وهو المكان الذي أمارس فيه سلطتي، ويكون بالنسبة لي مكانا حميما أليفًا.
2- عند الآخرين وهو مكان يشبه الأوّل في نواحٍ كثيرة، ولكنّه يختلف عنه من



ـــــــــــــــ
(1) جان بول غولدن نشتاين، الحيز المكاني الرّوائي- مجلة الآداب الأجنبية - دمشق، عدد 7، 1992م، ص154.
(2) منيب محمد البوريمي- الفضاء الرّوائي في الغربة و الإطار والدلالة- ص 22.


الفصل الأول

الفضاء المصطلح والإشكاليات الجمالية

حيث أنني بالضرورة أخضع فيه لوطأة سلطة الغير ولابد لي أن أعترف بهذه السّلطة.
3- الأماكن العامة وهذه الأماكن ليست ملكًا لأحدٍ معيّن، ولكنّها ملك للسلطة العامة (الدولة)، النابعة من الجماعة التي يمثلها الشرطي المتحكم فيها.
4- المكان اللامتناهي ويكون هذا المكان بصفة عامّة، خاليًا من النّاس، فهو الأرض التي لا تخضع لسلطة أحد، مثل الصحراء، هذه الأماكن لا يملكها أحد وتكون الدّولة وسلطانها بعيدة، بحيث لا تستطيع أن تمارس قهرها، ولذلك تصبح أسطورة نائية(1) .
إذا كنّا نتفق مع ما ذهب إليه يوري لوتمان في تحليله للأنواع الثلاثة الأولى وما تضمنته من أفكار وآراء، فإن النوع الرّابع والذي أطلق عليه اسم "المكان المتناهي"، فإنّنا نرى أنّه لم يعد يحتفظ بتلك الصور القديمة، فالصحاري الشاسعة والأدغال الوعرة والمناطق النائية أصبحت في السنوات الأخيرة وبفضل التقدم العلمي والتكنولوجي، ورغبة الإنسان الملحة في الإكتشاف والبحث وإخضاع الطبيعة لحاجته ورغباته، أصبحت هذه الأماكن تفتقد إلى كثير من وحشيتها، وانعزالها، ولم تعد مجرّد أماكن تنتج الموت والرّعب، بل عدت مناطق منتجة، ومراكز تجارية واقتصادية هامة، كما أنّها لم تعد آمنة من الإنسان ورغباته الطموحة، حيث ذلّلت وسائل النقل والإتصال العصرية أساليب الإقامة وترويضها واستغلال نعيمها.
وقد قدّم لنا الدكتور حميد لحميداني دراسة تبين لنا بنية الفضاء وتعدّده من خلال الأطروحات النظرية والتطبيقية، وقد استخلص لنا أربعة أنواع بارزة لتعدّد الفضاء وهي:
1- الفضاء الجغرافي: L’espace géographique، فالرّاوي يقدّم لنا دائما حدا أدنى من الإشارات الجغرافية التي تكون فيه مجرّد نقطة انطلاق من أجل تحريك خيال القارئ(2).

ـــــــــــــــ
(1) سيزا قاسم (المقدمة) مشكلة المكان الفني ليوري لوتمان، جماليات المكان، ص 61-62.
(2) د. حميد لحميداني، فضاء الحكي بين النظرية والتطبيق، ص 16.


الفصل الأول

الفضاء المصطلح والإشكاليات الجمالية

ويعتبر الحيز الذي يتحرك فيه الأبطال، وتزخر الثلاثية بالفضاءات والأماكن التي تتوّزع إلى فئات ذات تنوّع كبير من حيث الدّلالة والوظيفة حيث نجد أماكن الإنتقال العامة والإقامة الإختيارية وأماكن الإقامة الجبرية(1) .
2- الفضاء النّصي: هو ذلك الحيّز الذي تشغله الكتابة ذاتها باعتبارها أحرفا طباعية وتشمل تصميم الغلاف ووضع المقدّمة وتنظيم الفصول وتشكيل العناوين، وعليه فهو ذلك المكان الذي تتحرك فيه الأبطال، وهذا النّوع من الفضاء يقل دور المؤلّف فيه، بينما يبرز دور الطابع والناشر والمشرف على الخطوط، والمشرف على عمليات التركيب والسّحب والإخراج(2) .
3- الفضاء الدّلالي: L’espace sémantique ، وهو ما تكلّم عنه جيرار جينيت G . Genetteحيث رأى أن لغة الأدب لا تقوم بوظيفتها بطريقة بسيطة، إذ ليس للتعبير الأدبي معنى واحد، بل تتضاعف معانيه وتكثر إذ يقول في هذا الصّدد:«الفضاء الدّلالي يتأسّس بين المدلول المجازي والمدلول الحقيقي» (3).
4- الفضاء كمنظور أو كرؤية: وقد تحدّثت عنه جوليا كريستيغا joulya، فرأت أن الفضاء مراقب بواسطة وجهة نظر الوحيدة للكاتب، والتي تهيمن على مجموع الخطاب، بحيث يكون المؤلف متجمعا في نقطة واحدة، وتشبّه كريستيغا الرّواية بالواجهة المسرحية(4) .
ومن الباحثين الجزائريين نجد الدكتور عبد الملك مرتاض في كتابه ألف ليلة وليلة، تحليل سيميائي تفكيكي لحكاية جمال بغداد، موضوع الحيّز أو الفضاء، وقد درس فيه المستويات التالية:


ـــــــــــــــ
(1) جوليا كريستيغا، النص الرّوائي 1976، ص1.
(2) حميد لحميداني، بنية النص (من منظور النقد الأدبي)، ص 16.
(3) المرجع نفسه، ص 61.
(4) جوليا كريستيفا، النص الرّوائي 1976، ص 186.



الفصل الأول

الفضاء المصطلح والإشكاليات الجمالية

1- الحيّز الجغرافي / 2- الحيّز الشبه الجغرافي
3- الحيّز المائي/ 4- الحيّزالمتحرّك
5- الحيّز التّائه / 6- الحيز الجغرافي
7- الحيز العجيب الغريب(1).
وما نستخلصه هو أن النقد العربي المعاصر، بدأ يهتم بمصطلح الفضاء ويغيره من المصطلحات النقدية الحديثة، كما بدأ النّقاد العرب يسهمون وبجدية ووعي نقديين في الإضافة إلى هذه المنجزات، وقد صرّح الدكتور عبد الملك مرتاض بمناسبة إنعقاد "الملتقى الوطني الثاني للأدب الجزائري في ميزان النقد" المنعقد أيام 10 و11، 12ماي 1993م بعنابة، بأنّه ينطلق في كتاباته النقدية من معرفته وقدراته النقديّة الخاصة، وأنّه من حقّه أن يؤسس لنفسه مناهج نقدية جديدة، حتى وإن كانت تتفق أو تتباين أو تتقاطع من مصطلحات ورؤى إنجازات النّقد الأجنبي الحديث.

3- الفضاء: التّأويل والدّلالة:
يكتسي الفضاء دلالات ورموزًا حضارية وإنسانية وقومية ووطنية وذاتية، ويمكن أن تفكك دلالته وتتوالد مشكلة بذلك شبكة من ذكريات الطفولة الحميمة ونسيجا من أحلام المستقبل، وقد أصّرت الباحثة جوليا كريستغيا أثناء حديثها عن الفضاء على منحه أبعادًا حضارية(2) .
كما أنّ الفضاء يرتبط كثيرا بمختلف عناصر الرّواية ويؤثر فيها، مثلما يستقبل
مؤثراتها، وتبرز هذه المؤثرات المتبادلة خصوصا على مستوى اللغة والشخصية والحيّز، فالإقامات المتواضعة تعبّر دوما عن انتساب أصحابها إلى الطبقات الدنيا



ـــــــــــــــ
(1) عبد الملك مرتاض – ألف ليلة وليلة- تحليل سيميائي تفكيكي لحكاية – جمال بغداد- الطبعة الأولى- الجزائر – ديوان المطبوعات الجامعية- 1993, ص 336.
(2) الدكتور حميد لحميداني، بنية النص الروائي من منظور النقد الأدبي، ص 54.


الفصل الأول
الفضاء المصطلح والإشكاليات الجمالية


وإلى فئة البسطاء والضعفاء ممن لا يتوفرون على إمكانات التطوّر والرقي الإجتماعي وهذا ما أطلق عليه جيرار جينات تسمية إستعارة مكانية، بمعنى أنّ المكان له دلالة إستعارية إيمائية تتصل بدلالة الرّواية(1) .
كما تحدّث غاستون باشلار bachlar عن المكان الذي ينجذب نحو خيال الشخصيات, وقد كشف عن صلة حميمية بين هذه الأمكنة المتخيلة وبين الشخصيات المتخيلة. «إنّ المكان الذي ينجذب نحوه الخيال لا يمكن أن يبقى مكانا لا مباليا, ذا أبعادهندسية وحسب, فهو مكان قد عاش فيه البشر, ليس بشكل موضوعي فقط، بل بكل ما في الخيال من تحيّز، إنّنا ننجذب نحوه لأنّه يكثف الوجود في حدود تتسم بالحماية»(2).
واهتم يوري لوتمان في بحثه بوظيفة لغة العلاقات المكانية، وقد اعتبرها وسيلة من الوسائل الرئيسية لوصف الواقع، وينطبق هذا حتى على مستوى ما بعد النّص أي على مستوى النمذجة، فإذا نظرنا إلى مفاهيم مثل: " الأعلى- الأسفل" أو "يسار- يمين" أو "قريب- بعيد" فإنّها تستخدم لَبِنَات في بناء نماذج ثقافية لا تنطوي على محتوى مكاني فتكسب معاني جديدة مثل "قيم- غير قيم" أو "حسن- سيء"(3) والإنسان كما يرى لوتمان يُخضع العلاقات انسانية والنظم لإحداثيات المكان، ويلجأ إلى اللّغة لإضفاء إحداثيات مكانية على المنظومات الذهنية(4) .






ـــــــــــــــ
(1) الفارابي عبد اللطيف – لشكير أبو ياسين- العالم الرّوائي عند غسان كنغاني من خلال رجال في الشمس، ص 92
(2) غاستون باشلار، جماليات المكان، ص 31.
(3) يوري لوتمان – مشكلة المكان الفني- ضمن كتاب جماليات المكان، ص 70.
(4) د. سيزا أحمد- بناء الرواية- دار التنوير، بيروت 1985، ص 75.


الفصل الأول

الفضاء المصطلح والإشكاليات الجمالية


أثارت البحوث والدّراسات التي اهتمت ببحث إشكاليات الفضاء عدّة قضايا من أهمّها التقاطب وهو يطلق على تلك التقاطبات التي ترد عادة في شكل ثنائيات ضدّية تجمع بين قوى أو عناصر متعارضة، بحيث تعبّر عن العلاقات، والتوترات التي تحدث عند إتصال الرّوائي أو الشخصيات بأماكن الأحداث(1) .
وقد قدّم لنا غاستون باشلار gaston رؤية تصنيفية أخرى، حيث تحدّث عن مكان أليف وهو البيت الذي يوجد فيه الإنسان، ثمّ تحدّث عن المكان المتناهي في الصّغر
والمكان المتناهي في الكبر، وأكدّ أنّهما: «ليسا متضادين كما يظن البعض، ففي الحالتين يجب ألا نناقش الصغير والكبير بما هو عليه موضوعيا... بل على أساس كونهما قطبين لإسقاط الصّور، كما أكّد أنّ الإحساس بهما يوجد في داخلنا وليس بالضرورة بشيء في الخارج»(2).
وقد أسّس حسن بحراوي منهجا لتصنيف المكان وفق ثلاثة مفاهيم، وهي التقاطب وتعني وجود قطبين متعارضين في المكان وفق "تقابلات ضدّية" كالإقامة والإنتقال، ومفهوم التراتب الذي يتوزّع فيه الفضاء إلى عدّة طبقات أو فئات مكانية وفق مبدأ تراتبي معقد، وقد درس من خلال هذا المفهوم طبقات الفضاء السجني بناءًا على أهميتها من حيث الدرجة والرتبة والمفهوم الأخير الذي اعتمده هو الرؤية وهي التي ستمدّنا بالمعرفة الموضوعية أو الذاتية التي تحملها الشخصية عن المكان وتحيطنا علمًا بالكيفية التي ندرك بها أبعاده وصفاته(3) .


ـــــــــــــــ
(1) حسن بحراوي – بنية الشكل الرّوائي- المركز الثقافي العربي- بيروت الدار البيضاء 1990، ص 33.
(2) باشلار غاستون – جماليات المكان- ترجمة غالب هلسا- المؤسسة الجامعية للنشر، بيروت، الطبعة الثانية 1984، ص 33.
(3) حسن بحراوي، بنية الشكل الروائي، ص 34.


الفصل الأول

الفضاء المصطلح والإشكاليات الجمالية

و لا يزال تحديد ماهية المكان الروائي خاضعا للاجتهادات الخاصة للنقاد, إذ لم يتم التوصل إلى اعتماد تصور واحد للمكان الروائي تستند عليه الدراسات الأدبية, و لذا نجد في الأبحاث القائمة على دراسة المكان الروائي أنواعا متباينة و مختلفة فكان المكان الأليف و الطارد و الطبيعي و المتخيل و المكان البسيط و المركب و المكان الموضوعي المفترض و المكان التاريخي و النفسي و الواقعي و التعبيري و الذاتي.
و أمام إشكالية افتقار هذه الأنواع من الأنواع من الأماكن إلى التحديد و التوضيح اقترحت بعض الدراسات المعاصرة تصورا جادا لأنواع المكان في الرواية يقوم على طبيعة المكان نفسه و على خصائصه المكونة له, بدلا من الأوصاف التي قام التصنيف التقليدي عليها, و من هذه الدراسات نذكر على سيل المثال لا الحصر " مشكلة المكان الفني" لـ يوري لوتمان loutman و " بناء الرواية" لـ سيزا قاسم و " بنية الشكل الروائي "لـ حسن بحراوي و " شعرية الفضاء" لـ حسن نجمي.
و يمكن اعتبار " الثنائيات الضدية " للمكان التي تمحورت حولها دراسة يوري لوتمان loutman و الدراسات البنيوية عموما من أهم الإجراءات النقدية التي أضافتها الدراسات المعاصرة إلى حقل دراسة المكان الروائي (1) فقد أضفت على البحث الأدبي ثراءًا أكثر وغنى لا عوض له، ولقد إرتسمت نجاحات البحوث التي اتّخذت هذا السبيل منهجًا لها في بلوغها إلى بلورة كل عناصر الخطاب الأدبي، وأنزلته االمكانة اللاّئقة بوظيفتها، ودورها في بنية نسيج العمل الفنّي كوجود يتمتع بخصوصيات جمالية وفكرية.


الفصل الثاني
الفضاء الروائي في رواية "غدا يوم جديد"

1) تقديم رواية غدا يوم جديد:
تعد رواية غدا يوم جديد العدد رقم خمســة (5) في تجربة الأديب الأستاذ عبد الحميد بن هدوقة, حيثصدرت له قبلها الروايات التالية: ريح الجنوب, نهاية الأمس, بان الصبح, الجازية و الدراويش.
و إذا رجعنا إلى المدة الزمنية التي كتبت أثناءها هذه الروايات الخمس و التي تمتد من سنـ1970ـة تاريخ صدور روايته الأولى " ريح الجنوب " و سنـ1992ـة تاريخ صدور روايته الخامسة " غدا يوم جديد ", فإننا ندرك أن فعل الكتابة الروائية لدى الأستاذ عبد الحميد بن هدوقة بطيئ, إذ كان ينجز عملا روائيا واحدا طوال أربع سنوات....*
و قد أسهم الدكتور عمار زعموش و أفاض الحديث في بعض القضايا حول
رواية " غدا يوم جديد " مثل: تشريح العنوان و تفكيك رمزية صفحة الغلاف و الفضاء الطباعي و فصول الرواية و الفراغات و الذي أسهم ببحثه هذا في فعاليات الملتقى الوطني الثاني : الأدب الجزائري في ميزان النقد و الذي نظمه معهد اللغة العربية و آدابها بجامعة عنابة في: 12,11,10 ماي 1993م(1)
* و سوف يكون تركيزنا في هذه الدراسة على تناول موضوع الفضاء النصي , و قبل أن نشرع في بحث الموضوع الأساس, يجدر بنا أن نشير إلى قضيتين هامتين:
1/ تعنى القضية الأولى ببنية الشكل الروائي في " غدا يوم جديد": أولا يتأسس
نص الرواية على تقنيتين ركيزتين:
ـــــــــــــــــــ
* كان ينجز عملا روائيا طوال أربع سنوات و ستة أشهر و إثنا عشر يوما.
(1) د. عمار زعموش غدا يوم جديد بين الإدراك و الإنهزامية – محاضرة- ألقيت بمناسبة أشغال الملتقى الوطني الثاني, الأدب الجزائري في ميزان النقد جامعة عنابة 12.11.10 1993 ص 11
الفصل الثاني
الفضاء الروائي في رواية "غدا يوم جديد"

شكل الاعترافات و تتجلى من خلال البوح الذي تقوم به الساردة مسعودة للكاتب, هي تبدو كأنها أمام رجل دين, أو كاتب سير تاريخية فتسرد له وقائع و تفاصيل ماضيها و قد حثته أكثر من مرة أن يكتب قصتها بأي طريقة, و ليس مهما أن تترابط أجزاء حكايتها, فالمهم عندها هو الاعتراف و البوح, و إفراغ أعماقها من ترسبات الماضي و الحاضر المشوهة و هي ترجو من كل ذلك التطهير, و قد وصفت الساردة طريقة سردها لعناصر قصتها باللامنطق , و كررت ذلك عدة مرات مثل قولها: " و كذلك هذا اللامنطق الذي أحكي به حكايتي." (1)
و قد قادت هذه التقنية إلى جعل النص الروائي يتميز ببنية مفككة و مهددة بالتداعي و أن هناك لوحات منفردة تطول أو تقصر بحسب المعنى المراد التعبير عنه و التي لا يربطها ببعضها سوى خيط ماضي الشخصية المحورية لدرجة تكاد بعض تلك اللوحات أو الفواصل قصصا قائمة بذاتها, و يمكن الإستغناء عنها كاملة دون تأثير السياق الروائي. (2)
2/ أما القضية الثانية فتبرز من خلال استماع المؤلف لقصة الساردة و قيامه بكتابة اعترافاتها, و قد يوحي استخدام هذا الشكل من قبل المؤلف إلى صعوبة التعبير, و هي نفسية سارية في وسط المجتمع الجزائري, إذ كثيرا ما يعتمد أفراده على الذاكرة و الشفوية أكثر من التجائهم إلى التدوين و الكتابة, و قد وجدت في النص الروائي جملا و فقرات تؤكد مقدرة الساردة على الحكي, و استذكار تفاصيل الماضي و لكنها تعجز عن التعبير على أفكارها واسطة الكتابة و التدوين, و لذلك صممت فطلبت من الكاتب الشاهد أن يدون اعترافاتها و ذلك بعد تجربة حياتية و معيشة مريرة كما يبدو من أحداث الرواية أن حوادث 5 أكتوبر 1988 هي التي حررت


ـــــــــــــــــــ
(1) عبد الحميد بن هدوقة " غدا يوم جديد " ص17
(2) د.عمار زعموش. غدا يوم جديد بين الإدراك و الإنهزامية – الأدب الجزائري في ميزان النقد – جامعة عنابة 12,11,10 1993م ص 15
الفصل الثاني
الفضاء الروائي في رواية "غدا يوم جديد"
لسان الساردة لتقول كل شيء حتى ما لا يقال و قد وصفت ذلك بقولها: " أكتوبر أنطقني, أكوام الزجاج التي ملأت الأنهج, أذخنة الغازات و السيارات و البنايات المحترقة, أزيز الرشاشات و البنادق ذكرني في 11 ديسمر و أياما أخرى." (1)
و نظن أن هذا الشكل الفني الذي لجأ الروائي إليه, قد أفاد الشخصية الساردة لأن تعبر عن أفكارها بأسلوب متدفق شلالي و تعبر هذه الحالة النفسية عن عمق الجرح الغائر الذي تعاني الساردة من آلامه, و كذلك عن امتلائها حتى الفيضان, الطوفان ينقل الماضي, و صدمات الحاضر, و لذلك اندفعت تقص كل شيء, و تسرد كل تفاصيل حياتها, فحتى الأشياء و الأمور التي تسيء إلى سمعتها اندفعت فجأة من أعماق طفولتها منسابة بين الحلم و الواقع, و لذلك كانت تردد دائما هذه الجمل:
" أكتوبر أنطقني, أقول كل شيء, ثم أذهب إلى مكة أغسل عظامي و أيامي." (2)
* يشكل فضاء الثلاثينات من القرن الماضي, الرقعة الشاسعة للمساحة الزمنية التي شهدت وقائع و أحداث و شخوص رواية " غدا يوم جديد" كما يكون فضاء الثمانينات امتدادا طبيعيا و مماثلا لسنوات الثلاثينات و يستخلص من هذا ديمومة الأوضاع الفاسدة و كذلك استمرارية الظلم و مظاهر العنف و الخوف و الاستلاب
و اللإستقرار و المعاناة عبر امتداد هذا الفضاء الزمني الطويل, و قد عبرت الرواية عن هذه الحالة الغير السوية في هذه الجملة " أكتب القصة مبعثرة لكي لا يبعد الزمن بين أحداثها , لكي لا يكون شاسعا بين أكتوبر و ديسمبر مثلا بين باشاغا بوعلام و بوعلام باشاغا؟ فهمت؟ لا تخش أحدا."(3)



ـــــــــــــــــــ
(1) عبد الحميد بن هدوقة – غدا يوم جديد ص 14
(2) المصدر نفسه ص 15
(3) المصدر نفسه ص17
الفصل الثاني
الفضاء الروائي في رواية "غدا يوم جديد"

و تسعى رواية " غدا يوم جديد" إلى اعتمادها على هذه الثنائية الزمنية
' الماضي و الحاضر', و التي تتصف بالتشابه في القول ببقاء أوضاع المجتمع الجزائري: الإجتماعية و الثقافية و النفسية متشابهة و من هنا تطفو جرأة هذا العمل الروائي الجديد و تتجذر أحداثه و شخوصه في أعماق أخدود المجتمع الجزائري المعاصر.
الفصل الثاني
بنية الفضاء
1/ الحيز عند عبد الحميد بن هدوقة:
يشكل تعدد الفضاء في أعمال الأديب عبد الحميد بن هدوقة ظاهرة جمالية متميزة, و يكاد محور الريف و المدينة يطغيان على أعماله الروائية و القصصية, بحيث تتداخل فضاءات الريف بفضاءات المدينة فيكونان نسيجا متشابكا من الصلات و الدلالات و الرموز.
و قد استنتج الدكتور عبد المالك مرتاض في دراسة له لمجال "الحيز" في قصص عبد الحميد بن هدوقة القصيرة بأن حجم الحيز المدني يفوق حجم الحيز القروي,
و أن نسبة الفضاء المدني ترقي مجموعة الكاتب و قصص أخرى إلى 60% و في مجموعة الأشعة السبعة إلى76.92 % (1)
و لكن هذه النسبة المرتفعة لحضور فضاء المدينة في قصص عبد الحميد بن هدوقة تتناقض بشكل ملفت للإنتباه في نتاجه الروائي حيث يكون الريف, و فضاءاته, و أبعاده حضورا مكثفا و غزيرا, و قد نستثني من هذه الملاحظة فضاء رواية " بان الصبح " التي يهيمن فيها فضاء المدينة. و قد قمنا بدراسة تطبيقية على رواية عبد الحميد بن هدوقة محددين العناصر التالية:
1/ الفضاء الريفي:
* فضاء الدشرة:
أ) فضاء البيت: يركز النص كثيرا على تصوير بيت الحاج أحمد من الداخل و من الخارج, و تبرز صورته على لسان الساردة, فعيناها تلتقطان بسرعة مذهلة و فضولية قِطع و ملامح البيت " حجرة جانبية" , " فناء الدار " , " حجرة العائلة ".



ــــــــــــــــــــ
(1) د.عبد المالك مرتاض. القصة الجزائرية المعاصرة – الطبعة الأولى – الجزائر – المؤسسة الوطنية للكتاب – 1992 ص 99 .
الفصل الثاني
بنية الفضاء
ب) المقهى:
يشغل فضاء المقهى في الدشرة مكانا بارزا في حياة المجتمع الريفي, هو يقوم بوظائف عديدة, هو مكان يجتمع فيه القرويون كل مساء و يتخذون منه مكانا للسهر و السمر و المؤانسة, و هو أيضا مكان للعب الأوراق و مدارسة أمور شؤون الدشرة و الخوض أيضا في القضايا الإجتماعية و السياسية و عموما فالمقهى بمثابة مركز إعلامي تتوارد إليه أخبار الوطن و العالم.
و قد برزت شخصية قدور إحدى الشخصيات الرئيسية في المتن الروائي من خلال المقهى حيث كان يتردد عليها بإستمرار كلما زار عمته, فيظهر كرمه و يسره من خلال دفعه لثمن قهوة من يكون حاضرا, كما كان يتحدث للريفيين عن عمله في ميناء الجزائر و عن مجالسها النقابية, ففضاء المقهى فضاء رجالي بالدرجة الأساس, يقوم بدور كبير في حياة مجتمع الريف, و هو إذا شئنا نواة الدشرة, و قد يفوق دوره عن دور المسجد خصوصا في تنظيم شؤون الأهالي الإجتماعية.
ج) العين:
تعد فضاءا أساسيا, يجلب سكان الدشرة الماء منه, فهو مصدر الحياة لديهم,
وهي بالإضافة إلى دورها الأساس في توفير أحد أهم عناصر الحياة, فهي أضل مكان يجتمع نسوة الدشرة فيه, و يتناقلن أخبار كل الدنيا: أخبار الدشرة, و أخبار الوطن و أخبار العالم و أخبار المحبين و العشاق من أهالي الدشرة و أخبار خصومات الأهالي و مصالحاتهم كما أنها تعد المكان المفضل الذي يختار الشاب فيه عروسه أو العكس, و هي بهذا لا تقل وظيفتها في بنية مجتمع الدشرة عن وظيفة المقهى, إلا أن المقهى فضاء رجالي بينما العين فضاء نسوي تعالج يه أمور كثيرة تستأثر باهتمام المرأة و قد مثل المؤلف العين في الدشرة بفضاء الحمام في المدينة.




الفصل الثاني
بنية الفضاء

- إن فضاء العين الذي يقع تحت سفح الجبل الأحمر يرمز إلى البنى القاعدية التي تتأسس عليها المجتمعات البشرية, فهي ترمز للحياة و الحب و الخصب, كما ترمز إلى وعورة الطريق المؤدية إليها و إلى شظف الحياة و قساوتها في فضاء الدشرة.
لقد شغل فضاء الدشرة حيزا كبيرا في بنية نسيج النص الروائي و أكسبه دلالة من خلال تركيزه على الفضاءات التي تمثل قيم المرتفع و المنخفض.
2/ فضاء القرية: يعد فضاء القرية امتدادا لفضاء الدشرة و لكنه أرقى منه في أمور كثيرة, فالقرية LE VILLAGE تتميز بكونها تجمعا سكانيا, و تكون عين الرقابة الاستعمارية فيه أكثر تحكما و هيمنة باعتباره فضاءا محدودا, و يقوم السكان فيه بِحِرف متنوعة مدينية و ريفية فهناك من يعتمد على الزراعة و رعي المواشي كمصدر حياتي له بينما يعتمد آخرون على التجارة و بيع المواشي, كما تعد القرية موردا أساسيا لتموين أهالي الدشرة فإليها يتسوقون و منها يقضون حاجاتهم المعيشية, و فيها يحصلون على بعض أغراضهم الإدارية, كما يتم فيها التقرب من أجهزة الإدارة, كأعوان الدرك و القيادة و " الشنابط ".
و قد غدت القرية عبارة عن ' سجن ' تسلب الحريات فيه و تحدد فضاءات التنقل و عموما فهو فضاء يفقد الأهالي فيه كثيرا من الإمتيازات المعنوية و المادية, و تخضع شؤونها خضوعا تاما لنزوة و جموح الأفراد الأوروبيين الذين يتميزون عن الأهالي بارتدائهم للقبعة, جاء من النص الروائي: " يتحكم فيها كل شيء من يلبس قبعة, سبعة من الأوروبيين يقيمون بها يتحكمون في هذه القرية, و في كل القرى المجاورة, إذا تحرك ساكن تحركت خيول الدرك به و لو اختلف في بطن أمه."(1)


ـــــــــــــــــــــ
(1) عبد الحميد بن هدوقة – غدا يوم جديد – ص25
الفصل الثاني
بنية الفضاء

تبرز صورة الفرنسي في القرية من خلال إعلانات خارجية تميزه عن الأهالي فهو يُعرف بارتداء بدلة كاكي و يضع على رأسه قبعة و يمتطي حصانا, فالفرد الأوروبي يشغل في القرية صفات الجسد الغريب الذي يشيع الظلم و القهر بين أفراد الأهالي و يسلب حريتهم و خيراتهم و حتى إنسانيتهم " كل الأهالي " أي الحيوانات الداجنة قابلون للسجن أو سجناء بالقوة, إن لم يحن وقت إلقاء القبض عليهم فذلك لا يعني أنهم بُرءاء.
إن فضاء القرية لا يختلف عن فضاء الريف في أمور عديدة , فحياة الأهالي فيه لا تتميز عن حياة المجرمين و القتلة داخل السجون و المحاجر و يفقد الجزائري فيه كل صفاته, كما يغدو في نظر الفرنسي حيوانا مدجنا لم يولد سوى للطاعة
والأعمال الشاقة.
3/ فضاء المدينة:
يشكل فضاء المدينة انشغالا بارزا في نتاج الأديب عبد الحميد بن هدوقة القصصي و الروائي, رغم أن الإحتفاء بفضاء الريف يكون دائما هو الأرجح
والأكثر تأثيرا في بنية نسيج العمل الأدبي و تبدو روايته ' بان الصبح ' أكثر رواياته استئثارا بفضاء المدينة و أكثرها استلهاما و استيعابا لعالم المدينة و مختلف تشكلاتها و مدلولاتها.
- و لقد احتفت رواية " غدا يوم جديد " ببعض هذا الاستئثار رغم أن عناصر المدينة تبدو فيها شاحبة, كما أن تأثيرها على بنية نسيج النص باهت و غير ناصع مثلما هو صاخب و ساطع في رواية ' بان الصبح ' و كذلك في رواية ' الزلزال ' للطاهر وطار.
و من بين فضاءات المدينة التي كان لها تأثيرها على مجرى النص الروائي نجد:



الفصل الثاني
بنية الفضاء
أ) المدينة " الحلم ":
يبرز من خلال مقاطع سردية عديدة ي الرواية, و بأسلوب شعري يرمز إلى توق الريفي الأهلي إلى فضاء المدينة, فهي في نظره بمنزلة الحلم الجميل الذي يصعب مناله, و القبض عليه, فقدور عندما تيقن من أن الريف لن يحقق له طموحه صمم على الرحيل صوب الغرب, أي إلى المدينة حيث استقر بها أي في حي القصبة ثم انضم إلى عالم الحمالين في ميناء الجزائر و قد أكسبه عمله الجديد تقديرا عميقا من قبل أهالي دشرته و رفعته رحلته منازل لدى رجال الدشرة و عند فتياتها أيضا حتى أن مسعودة لم تقبل به زوجا إلا من أجل أن تتنقل إلى المدينة و عبرت عن ذلك بقولها: " هي رضيت الزواج من أجل المدينة: تزوجت المدينة." و قالت أيضا: " أنا لم أتزوج به, تزوجت المدينة بالحلم ! آخر رعاة القرية أقرب إلى قلي منه لكن المدينة. " (1) و كانت المدينة تتراءى لها عندما يتحدث عنها " بأضوائها التي محت عنها الليل بخبزها الذي تتلقفه الأبصار قبل الأفواه. " (2)
كما ترد صورة فضاء المدينة على لسان معظم الريفيين, و تكاد جميع أحاديثهم عنها تتفق على أنها بمثابة الحلم, فيتوفر المال و الخبز و السعادة و يتخذ الحديث أحيانا عن المدينة بعدا أسطوريا " قالوا في المدينة الليل أضوأ من النهار. " كما أن صورة المدينة قد ارتسمت في خيال القرويين على هذه الشاكلة " قصور واسعة الأرجاء من قصور ألف ليلة و ليلة أو من قصور بن ذي يزَن التي بنتها له الجن. " (3)




ـــــــــــــــــ
(1) عبد الحميد بن هدوقة – غدا يوم جديد – ص35
(2) المصدر نفسه ص65
(3) المصدر نفسه ص 129
الفصل الثاني
بنية الفضاء
إلا أن هذا الموقف يشذ عنه موقف الحاج أحمد فهو يعارض زواج مسعودة من قدور, ينعته بصفات كثيرة مثل قوله : " أن أبَ هذه البنت مجنون ! لو كان له عقل هل يزوجها لهذا المديني البائس! هل الحمال, أو هذا ... النشال, أو لست أدري ماذا زوًَجها ببائس من سكان الحمامات و الوكالات, زَوًَجها بغبي. " (1)
كما أن ' فضاء ' المدينة الحلم لم يظل محافظا على جماله و روحانيته في ذهن مسعودة فهي ما إن خبرت المدينة و امتلكت بعض أسرارها و ثناياها حتى أدركت أن العيش فيها يقوم على مبدأ اختلال التوازن و الصراع و التناقضات و تغير القيم و تلخص الفقرة التالية صدمتها و شدة فجيعتها بعد أن سكنت في المدينة و عايشت عوالمها الظاهرة و الباطنة, فعبرت عنها بقولها: " في المدينة لا يُفصَل بين الحلال
و الحرام إلا الدين و الضمير, و الناس باعوا ضمائرهم باعوها لأمهم فرنسا, حتى صار الحلال و الحرام زوجين شرعيين أو جارين بجانب كل مسجد و كنيسة بجانب الحارة خمارة, بجانب المقبرة ثكنة, بجانب المدرسة دار للدعارة أو للتجارة , هذه هي المدينة. " (2)
فإذا كنا قد لاحظنا أن فضاء المدينة يمثل الحلم و الإنحياز بالنسبة لمعظم الشخصيات الريفية, فإنه ما إن اكتشفت بعض هذه الشخصيات المدينة, و تعرفت على عوالمها الباطنة و الظاهرة و اطلعت على سرها حتى بدت لها فضاءا مشوها رهيبا يقوم على انهيار القيم و سقوط الأحلام و الأقنعة, و بذلك يسترد فضاء الريف لديهم عذريته و خصوصيته, و حلمـــــــه.


ـــــــــــــــــــ
(1) المصدر السابق ص 46
(2) المصدر نفسه ص 56
الفصل الثاني
بنية الفضاء
ب) فضاء بيت المواطن الأهلي في الأحياء الفرنسية:
إن الطريف و الغريب في الآن نفسه, أننا نجد الفرنسي في فضاء المدينة يختلف عن الفرنسي في فضاء الريف و فضاء القرية من حيث طباعه و خصوصا في علاقته مع بعض الفئات الاجتماعية مثل فئة الخدم.
و تبرز هذه الظاهرة – الشاذة – من خلال انتقال زوجة قدور لإلى الحي الأوروبي للعمل في بيت أحد الموظفين الأوروبيين فقد جعلها تحس و كأنها انتقلت من طبقة تفتقر فيها إلى وسائل الحياة الجديدة مثل البيت المريح الواسع و الأثاث الحديث الذي يوفر لها الراحة البدنية و الروحية إلى بيت يتوفر على كثير من عناصر الحياة الجديدة , و قد جعلها هذا الوضع الجديد تعبر عن إعجابها و فرحها بقولها : " تصور امرأة قروية لم تبلغ الثلاثين تحت مرش " الدوش " كم كان يحلو لي ذلك ! كان يذكرني ب " الشرشار " في وادي الدشرة. " (1) كما عبرت عن صورة شقتها بقولها " مرتبة كأي شقة أخرى ".
و يمثل هذا النموذج أيضا من الفضاء فسحة تبرز من خلال بعض عادات الزوج الأوروبي, هو يجلب إلى منزل الخادمة من حين إلى آخر عشيقته و لكنه دون أن يسيء للخادمة بأي أمر, فهذا الفضاء بيت الجزائري في الأحياء الفرنسية يدل على تسخير الأوروبيين للأهالي و هي حالة تشبه علاقة الأوروبي في الفضاء الريفي بالمواطن الأهلي كما يدل من جهة ثانية على وجود أبعاد إنسانية لدى بعض الفئات الفرنسية.







ــــــــــــــــ
(1) المصدر السابق ص 175
الفصل الثاني
بنية الفضاء

* فالإنسان كلما اقترب من المدينة و ارتبطت علاقته بفئات اجتماعية متنوعة كلما فقد و حشيته و شراسته و هو الذي لا تعثر عليه لدى الأوروبي الذي يقطن بالريف و القرية , حيث تميز بغلظة الطباع و الجشع اللامحدود و الكراهية الشديدة للمواطن الأهلي , و بتعبير آخر فالأوروبي المدني يمثل الشر النسبي, بينما الأوروبي الذي استقر في الريف و ربط مصدره عيشه بالأرض يمثل الشر المطلق و يفتقر للروح الإنسانية.
ج) فضاء القصر:
يرد الحديث عن فضاء القصر عبر اعترافات الساردة , و يبدو من خلال كلامها عن هذا الفضاء و الذي يفترض فيه أن يوفر لصاحبه جميع الظروف المناسبة للإحساس بالسعادة و الإطمئنان النفسي, إلا أن إفضاءات الساردة لا تبرز ذلك الشعور الذي ينبئ بالحياة الرغدة و هي ترد ذلك أن هذا القصر لم يشيده أبناؤها بعرقهم و إنما بنتة بنادقهم.
و دفع هذا الإحساس بها إلى حالة نفسية عميقة, مجللة بندم و خيبة و فجيعة أيقظت في أعماقها وعيها بالقيم الجميلة و الحلم, و قد سبب لها الإحساس الحلم المستيقظ إدانة حاضرها و احتقار ذاتها , كما أن القصر لم يعد مكانا للإقامة المريحة , و علامة من علامات الإرتقاء الحضاري و التطور الإجتماعي و إنما غدا وكرا بشعا و مغارة تنهار القيم فيها و بؤرة لفساد الضمير فقد أصبح و مثلما عبرت عنه الساردة في قولها " منذ سكنت هذا القصر و أنا أرى كل يوم و أسمع ما لا يصدقه عقل كل شيء يباع و يشترى ... الأملاك الوظائف, الضمائر, الحريات , الجهاد
و النضال. كل شيء حتى الشر."(1)





ـــــــــــــــــــــــــ
(1) المصدر السابق ص 37
الفصل الثاني
بنية الفضاء
كما عبرت عن العلاقات التي تربط بين زوار القصر بقولها " هي نس الخيوط التي يتشكل منها ' الترابندو ' السياسي في بلدنا " (1)
- إن فضاء القصر في هذه الرواية يعبر عن اختلال القيم و انهيار المبادئ المحتفى بها في الماضي و هو أخيرا فضاء بُؤريٌ لإدارة كل ما هو غير مشروع و البلوغ إلى كل ما هو غير مستحق.
د) فضاء الشارع :
لم يرد الحديث كثيرا عن هذا الفضاء لأن الكاتب مغرم بالتعبير عن الفضاءات المغلقة في المدينة و هو الأمر الذي يتجنبه أثناء حديثه عن فضاء الريف, حيث يسترسل في الكلام عن الطبيعة و النجوم و الدروب الملتوية و المنخفضات ,
و إن جاء حديثه عن فضاء الشارع مقتضبا و عاجلا , فإنه كان حادا و عنيفا بحيث أخرج الساردة عن صمتها – أي مرضها – و أعاد إليها وعيها و حلمها الماضي الجميل.
و قد كانت صدمة أكتوبر 1988 العنيفة بمثابة الحدث النفسي العنيف الذي يعيد للمريض توازنه, فخرجت بقولها " أكتوبر انطقني ...أكوام الزجاج التي ملأت الأنهج أدخنة الغازات و السيارات و البنايات المحترقة , أزيز الرشاشات و البنادق
و الدبابات ذكرني في 11 ديسمبر 1960م و أياما أخرى. " (2)
فصورة الشارع الدموية , الجريحة , الكسيرة كانت حدثا قويا و عنيفا أنطق الكثير






ـــــــــــــــــ
(1) عبد الحميد ن هدوقة – غدا يوم جديد – ص 75
(2) المصدر نفسه ص 14
الفصل الثاني
بنية الفضاء
و جعلهم يدركون و يعيشون و يعبرون عن واقع آخر غير معلن عنه, و تشبه هذه الحالة حالة مظاهرات 11 ديسمبر 1960م التي أخرجت الشعب من صمته و جعلته يعبر بِمَلئِ فيه عن مرارة الحياة و بشاعتها.
ه/ فضاء المستشفى:
جاء الحديث عن هذا الفضاء أيضا على لسان الساردة و ذلك حين طلبت من كاتب قصتها أو مدون اعترافاتها , فهي تقابل بين وضع الأطفال الذين ولدوا في المستشفى , و تلقوا كل الرعاية الطبية الحديثة , و بين الأطفال الذين ولدوا في ظروف اجتماعية قاسية و وحشية , عبرت عنها بقولها: " ولدتهم أمهاتهم على أدخنة الحطب ولدتهم و أيديهن ممسكات بحبال معلقة في السقوف السوداء"(1)
لقد اكتفت الساردة بالإشارة إلى اختلال الجيل الجديد و ليونة تكوينه,
و لذلك فإنها لا ترجو منه أمرا عظيما, يماثل الأمر الجلل الذي حققه الجيل الماضي, و الذي روضته الظروف الصعبة , و صَنَعَت منه إنسانا بطلا خالق معجزة ثورة جبارة.

4/ الفضاء المغلق:
نهتم هنا بتحليل الفضاءات المنغلقة , سواء كانت تمثل الفضاء المبنى مثل: السجن و مقر الحكومة و مركز الشرطة أو الفضاءات التي تحددها قوانين إدارية جائرة مثل: المحجر.




ـــــــــــــــ
(1) المصدر السابق ص 40.


الفصل الثاني

بنية الفضاء

* و يلاحظ أيضا أن هذه الفضاءات يفقد فيها المواطن الأهلي كل مظاهر إنسانيته
و يخضع فيها خضوعا تاما لأوامر الحارس أو السُجان أو القاضي.
أ/ فضاء المحطة:
يرد الحديث عنه بمناسبة سفر الساردة مسعودة و زوجها قدور إلى مدينة الجزائر , و يمكن اعتبار هذا الفضاء بمثابة عتبة للمدينة , أو المرتفع الذي يطل عليها , ففي المحطة يلتقي الإنسان بأناس من مختلف القرى , و يرى الحُراس و رجال الدرك و عمال المحطة و يحس بازدحام يشبه ازدحام المدينة, كما تتصادف فيه قيم الريف , و قد يكون أيضا معبرا لتحقيق الأحلام أو انكسارها.
و قد كانت المحطة في الرواية مصدرا لإنكسار أحلام مسعودة فهي لم تتمكن من السفر إلى المدينة الحلم مع زوجها قدور بسبب خصامه مع الرجل صاحب البدلة و الذي كان يروح و يجيئ أمامها .
و يصور الوصف التالي حالتها النفسية و هي تشاهد زوجها يقتاد الدركيان, بينما في اللحظة نفسها كان القطار يتهيأ للمسير نحو العاصمة الحلم و الذي تبخر فجأة بسبب غيرة زوجها المفرطة و نفاذ صبره بسرعة : " عيناها تدور في كل اتجاه لكنهما لا تجدان مستقرا " يا رب" شخير القطار ينشط من جديد , رئيس المحطة يشير بعلمه في اتجاه رأس القطار , حيث السائق و يصفر , القطار يرد بتصفيرتين حادتين ينخلع لهما القلب , و يقلع القطار عجلاته الغليظة تحدث باحتكاكها مع السكة صوتا رهيبا يمحق كل أمل في راس مسعودة ! ما أبعد ذلك الأفق الذي تريد أن تعرفه ! إنه أفق بعيد , بعيد ! لا تصل إليه حتى الأحلام ! " (1)
فالمحطة في الرواية تعد رمزا للإنتقال من الفضاء المبغض إلى الفضاء المستحب,

ـــــــــــــــــــ
(1) عبد الحميد ن هدوقة " غدا يوم جديد ص 33 .
الفصل الثاني
بنية الفضاء
كما أنه تعد جسرا يحقق الناس من خلاله أحلامهم و يتطلعون إلى الأفق, و لكنها غدت في النص الروائي مثل مركز الدرك و مركز التعذيب و فضاء المحجر, حيث تسلب الحرية فيها و تقمع الأحلام و يفتقد العدل فيها كذلك.
ب/ فضاء مركز الدرك:
يشكل هذا الفضاء أيضا مجالا واسعا, تسلب فيه من الإنسان إنسانيته و يتعرض فيه لجميع أنواع الإهانات و التعذيب , و هو رغم كونه نقطة انتقال إلا أنه يمثل دورا أساسا في بنية الفضاءات الإدارية و العسكرية , ففيه تدار كل الأمور و الحيل غير القانونية , و تحضر الملفات و تُحَرَفُ الأقوال, و تتضاعف التُهم.
و تبرز من خلال التركيز على عملية التعذيب شخصية المواطن الأهلي العميل, حيث اشترك مع الضابط الفرنسي في استنطاق " قدور " و قد كان أشدَ منه إيذاءا و تعريضا و استفزازا و تأويلا لكلام قدور, كما شلركه في ضربه و تعذيبه بعنف
و قساوة حتى كاد يقتله, فالمركز لا يعدو أن يكون فضاء ضيقا , مغلقا تنتهك فيه الحقوق و القوانين و الأعراف و الأعراض و يُسلَبُ الموقوف فيه من كل عناصر شخصيته و يُذَلُ الرجل فيه إذلالا بشعا و بطرق وحشيته.
ج/ فضاء المحكمة:
لا يختلف فضاء المحكمة عن بقية الفضاءات الأخرى , ففيه تجري المحاكامات الصُورية , و يحكم على المتهمين بأساليب غير قانونية و يحكم فيها على المواطن الأهلي لأتفه الأسباب بالأشغال الشاقة و السجن لأمد طويل , و دفع الضرائب و مثلما عبرت عنه إحدى الشخصيات: فهو بؤرة للرشوة و الفساد و التزوير و الجشع و الطمع كما أن هذا الفضاء محظور على المواطنين , و أن من يرغب في حضور



الفصل الثاني
بنية الفضاء
بعض الجلسات عليه أن يدفع ل " الشاوش" باسم " البركة" خمس فرنكات حتى يأذن له بالدخول إلى قاعة المحكمة , كما اضطر مرة ثانية أن يدفع باسم "الجيل الأحمر' بركة للدركي, لكي يأذن له أن يجلس على أحد مقاعد مؤخرة القاعة.
كما أن التهم التي توجه إلى الأهالي يبالغ القاضي في عرضها حتى تصير جرائم ضخمة, فقد اتهمت مجموعة من الأهالي بالعصيان و عدم الإمتثال للقانون لأنها لم تتمكن من دفع المبالغ المالية التي فرضتها الإدارة المحلية على المواطنين ليسهموا في التحضير للذكرى المأوية على احتلال فرنسا للجزائر , و اتهمت مجموعة ثانية من الأهالي بأنها لم تحسن التعبير عن فرحها أثناء مرور موكب الرئيس (1 )
إن فضاء المحكمة هو فضاء يفقد القانون فيه روحه و صدقه و تُزَورُ فيه التهمُ و تديره المصالح و الأهواء , و تقدَم فيه الرشاوي و لا يصدر عنه غير الجور و الفساد, و كما أنه فضاء للحشوة و احتقار الغير.
د/ فضاء المحجر:
يعد أيضا من أبرز الفضاءات التي يفقد فيها المواطن الأهليُ ميزات حياته الإنسانية و يتحول فيها إلى عبد كما يطلب منه القيام بأعمال شاقة و تتجلى فيه أيضا شخصية الفرنسي المُتوحش.
و يماثل هذا الفضاء أيضا فضاء السجن و فضاء المركز من حيث المجال المسموح به للحركة, و خضوعه لقوانين جائرة , و فقدان الإنسان فيه لجميع حقوقه كما يتعرض المواطن فيه لأبشع أنواع التعذيب , و يقوم بأعمال تفوق أعمال السخرية شقاءا و خطورة , و قد ورد الحديث عن المحجر على لسان " مسعودة '


ـــــــــــــــــ
(1) المصدر السابق ص 280.
الفصل الثاني
بنية الفضاء
لأول مرة في النص الروائي عندما كانت ذاهبة مع الحاج أحمد إلى منزله , بعد أن فشل مشروع الإنتقال إلى مدينة الجزائر للإقامة فيها مع زوجها " قدور " و ذلك بسبب اعتداء زوجها للرجل المجهول, و قد عبرت عن هولها و رعبها في أن يأخذ رجال الدرك زوجها إلى المحجر: " إن المحجر الذي يقاد إليه كل من دفعه لسانه إلى الإحتجاج , جعل من لا عقل له عاقلا ..... لو عرف قدور المحجر لهان عليه وقع أقدام الرجل الوسيم على رصيف المحطة لكن. " (1)
يركز النص بعد ذلك و في أماكن عديدة على أخبار تعذيب مواطنين من الأهالي هو " المخفي " والد مسعودة و الثاني " قدور " زوجها.
فقد كان المخفي يؤمن بالأفكار الوطنية , و يعمل على نشرها بين مواطنيه إلا أن أحد الخونة باعه أي وشى به إلى السلطات الإستعمارية , فألقت القبض عليه ثم أرسلته إلى لمحجر , فعُذب ثم قُتلَ, و قد أشاعت الإدارة بأن سبب موته أنه لم يحسن استعمال المتفجرات, و لكن حقيقة موته هي التي وردت على لسان انته
و يعرفها أهلها أيضا , و هي التي أوردتها الساردة في قولها : " أما الحقيقة التي نعرفها نحن أهله , إنه قُتلَ بالمحجر, قتلته فرنسا, و موهت العقل بحادث المتفجرات, نعلم أيضا أنه قرأ مع ابن باديس " (1)
أما الشخصية الثانية التي عذبت في المحجر فهو قدور , فقد تعرض جسمه للضرب الشديد بالسوط و اللكمات القاسية و كل أنواع الشتم و الإهانات , و ركز النص الروائي كثيرا على وصف صورة تعذيب المخفي من أجل إبراز فظاعة و بشاعة
ــــــــــــــــ
(1) المصدر نفسه ص 104.
الفصل الثاني
بنية الفضاء
الإستعمار , و كذلك انعدام الضمير الوطني لدى بعض الأهالي , فالذي كانت سياطه أشد وقعا و أكثر تأثيرا على جسم قدور هو الدركي الأهلي.
- كما يبرز تركيز المؤلف على وصف مشهد التعذيب تصوير الطرق و الأساليب غير الإنسانية التي عامل الإستعمار بها الأهالي و تكشف الفقرة التالية صورة التعذيب في فضاء المحجر " يرى مكان الدركيين حارسين أشعَثَين من حراس المحجر يقتادانه إلى المجبذ , تفك أغلاله , تتزعم ملابسه يضع الحارس القيود الحديدية في رجليه و يديه , ثم ينحني الحارس الثاني الذي يبدو أنه أعلى رتبة , و تجربة من الأول, فيضع الغل في عنق قدور..... يبدو قدور كأنه مصلوب على الأرض , كل طرف من أطرافه مشدودة إلى وتد , يدير الحارس الخبير حلقات الأوتاد في اتجاه عقارب الساعة حتى تتوتر أعضاء قدور , بل تكاد تتفكك !قدور يحس بالألم يمزقه . الحارس يتلذذ بمواصلة توتير السلاسل " (1)
- إن فضاء المحجر ليس سوى فضاء يفقد الإنسان فيه صفاته الإنسانية و يفقد فيه جميع حقوقه , و يطلب منه القيام بأعمال شاقة و يتعرض جسده أيضا لكل أنواع التعذيب المادي و المعنوي.
و هو فضاء يتساوى مع فضاء السجن في أمور كثيرة , حيث يفقد فيهما الإنسان ميزات إنسانية و يتعرض جسمه لجميع أنواع الآلام المادية و النفسية , و هما أخيرا رمزا من رموز الظلم و الإستغلال.




ـــــــــــــــ
(1) عبد الحميد بن هدوقة " غدا يوم جديد " ص 307.
الفصل الثاني
بنية الفضاء
أ/ فضاء السجن:
لم يشكل حضور السجن المادي في رواية غدا يوم جديد حضورا مكثفا و إنما ورد ذكره على لسان بعض الشخصيات الروائية , و لعل ذلك يلمحُ إلى أن مجموع الوطن صار سجنا , فلا فرق بين المحطة و المركز و قاعة المحكمة و المحجر, فالمواطن يفقد ميزات مواطنته في كل مكان وُجدَ فيه.
و قد جاء الحديث عن السجن لأول مرة على لسان الحاج أحمد و ذلك في
قوله: " السجون كلها مفتوحة إذا قيل لها هل امتلأت قالت: هل من مزيد ! كل يوم يفتح مراكز جديدة و محاجر جديدة " محجر ألبير " صار لا يكفي " ( 1)
و من الأمور الطريفة في الرواية , أننا نجد حديثا واقعيا و وصفا دقيقا للسّجن، فقد ورد على لسان المرأة الفرنسية التي تشتغل عندها الرواية مسعودة وصفا لسجن سان لوران: "سجن رهيب! من قضى فيه سنة زالت إنسانيته. السجانُ والسجين في ذلك سواء، إنسانيتهم تنزل إلى ما تحت الصّفر، هؤلاء في الفظاعة، وهؤلاء في الحيوانية التي يتحوّلون إليها من جّراء التّعذيب الذي لا مثيل له في الدنيا".
ويعبّر حديث "عزوز" عن فضاء السجن بتساوي الأهالي لدى السلطات الإدارية، فهم إن بدا من أحدهم أيّ تصرّف، أو من أحد أقاربه أو معارفه، فإنّه سيتعرّص للخطر والسّجن، مهما كان منصبه الذي يشغله، وموقعة الإجتماعي، ومهما جلت الخدمات التي أسداها للإدارة الفرنسية " إذا كان القائدُ،، وما أدراك! يمكن أن يُنْفَى إلى كيان، فكيف الحال بالنسبة للآخرين".(2)
رغم أنّ الحديث عن "فضاء السجن" لم يكن حديثا مطوّلا في هذه الرّواية، إلاّ أنّ


ـــــــــــــــ
(1) المرجع نفسه، ص 46.
(2) المرجع نفسه، ص 248.
الفصل الثاني
بنية الفضاء

الرّوائي لم يغص في أعماق عالم السّجن لنقل تفاصيل يومياته، إلاّ أنّنا نعتقد أنّ حديثه عنه وإن جاء على لسان بعض الشخصيات غير الفاعلة، فهو حديث يصوّر
بعضا من واقع السّجن، ولعلّ المؤلّف لم يشأ أن يغوص في أعماقه، وسراديبه الباردة، المواطن الجزائري مُعَرَّضٌ للخطر في أي مكان، وفي أي زمان.
5- الفضاء الثقافي:
يحوز الفضاء الثقافي على مساحة من حجم النّص الرّوائي وخاصة فضاء الزاوية الذي على صفحات عديدة من حجم الرّواية، كما حظيت الزاوية بتفصيل دقيق لما يقع داخلها.
أ/فضاء الزاوية:
بعتر مقرّ الزاوية في مكان نائي نسبيا عن مقر التجمعات السكانية وقد حُددَ في النّص بأنّه يبعد بنحو عشر كيلومترات من محطة القطار، إلاّ أنّ عزلتها هذه لم تمنعها من أن تكون فضاءًا نشيطا، تدب فيه الحركة في كل الأوقات وخصوصا في المواسم المعتدلة، وكما عبّر عنها الرّاوي، فهي "خليّة نحل حقيقية، فيها العُبَّاد والزهّادُ والفُجَّارُ والتُجَّارُ والسّماسرة والمختلّون والمثقفون والفّنانون والمكبوتون، فيها المرضى والكسالى والأصحّاء والعمال كأيّ مدينة أخرى، لكنّها مدينة روحية بالدّرجة الأولى من حيث الرّمز، مدينة علم من حيث ما يقدَّم فيها من دروس، ملجأ من حيث إيواء الفقراء والمساكين والعاطلين والعجزة والأرامل لياليها ساهرة أبدًا، الزوّار لا ينقطعون، بعد العشاء يقيمون الحفلات الفلكلورية ذات الصبغة الصّوفية، رقص، درس – رقص يدق الراقصون فيه الأرض بأرجلهم صفوفا صفوا- حفلات موسيقية، حلقات ذكر، حلقات قراءة قرآن..."(1)
ـــــــــــــــ
(1) المرجع نفسه، ص 219.
الفصل الثاني
بنية الفضاء
فهي بهذه الصفات والوظائف الكثيرة تكون أقرب إلى الفضاءات الشاسعة، مثل المدن والقرى والتجمعات السكانية الكبرى.
وقصد الكاتب بتركيزه على هذا الفضاء إلى نقد واقعه الذي ضلّ عن هدفه الحضاري الذي أنشئ من أجله، وتحوّل إلى مركز تجاري فخم، يتاجر فيه الخلق بكلّ شيء، ويقومون بجميع الأعمال المشروعة والمحظورة، وقد أصبحت الوظيفة الأساسية التي أسست الزاوية من أجله – وهي التربية والتعليم- مثل بقية الأعمال الأخرى التي تنجز داخل فضاء الزّاوية، رغم أنّها تتميز بدقة التنظيم، سواء في مواعيد الدراسة أو المواد المقررة طوال مدّة الدراسة.
تميز فضاء الزاوية بانفلاق شديد، وإدارة قوانين صارمة تشبه القوانين العسكرية، ولعلّ بسبب ذلك يعود إلى النّظام الدّاخلي وقلة إمكانيات الاستقبال وكثرة الطلبة وهي حالة اجتماعية أدّت ببعض الطلبة إلى الشذوذ.
ورغم ما تتمتع به الزاوية من مصادر متنوّعة للتموين فإنّ الطلبة يعيشون أوضاعا اجتماعية مزرية، ويعانون من ضغوط نفسية قاسية، وقد نشأ عن انعدام حرية التعبير داخل الزاوية، وجود طبقتين متعارضتين: الأولى تملك وتُدير وتقدّم الأوامر وتتمتع بكلّ ما لَذَّ وطاب من الخيرات الواردة إلى الزاوية وتتمثل هذه الحياة خصوصا في شخصية شيخ الزاوية، وبعض مساعديه وكذلك المشائخ الذين يتولّون وظيفة التدريس، فأما الفئة الثانية هي تتكون من الطّلاب وبعض الخدم، حيث تكاد هذه الفئة تحرم من جميع المنافع التي ترد إلى الزاوية وتعيش وضعا اجتماعيا قاسيا إذ نجد في قوله: "في العشاء جيء بجفنة طعام مدهون بزيت – الصانقو- وهو زيت نباتي فظيع الطعم في الكسكسي، لم يكن عدد الطلبة حينئذ كثيرا، كنا حوالي 30 طالبا، جيء بثلاث جفان خشبية، كان المرق الذي يسقى به الكسكسي يتكون من ماء وقرع، يشبه لونه لون البول"(1)
ـــــــــــــــ
(1) المرجع نفسه، ص 216.
الفصل الثاني
بنية الفضاء
ب/فضاء المدرسة: يلتقي هذا الفضاء مع فضاء الزاوية في وظيفة التعليم، ولكنها يتوازيان في أمور كثيرة، حيث أن فضاء المدرسة يتميز بهيمنة العنصر الأجنبي عليه، فهو الذي يعلم ويدير المدرسة ويقرر مواد البرنامج، وإضافة إلى كل هذا، فهو يسعى إلى التفرقة بين التلاميذ الفرنسيين وبين التلاميذ الجزائريين، كما أنه يبث التفرقة بين التلاميذ الجزائريين حيث حاول في البداية وضع العرب في جهة والأطفال والقبائل في صف آخر، وفي القسم خصص لكلّ فريق جانبا من مقاعده، كجانب الأيمن للعرب والجانب الأيسر للقبائل.
ويمكننا أن نشير أنه رغم ما كان يبثه المعلم الفرنسي من تفرقة بين التلاميذ الجزائريين وتضليل وتشويه الحقائق التاريخية فإن التلاميذ لم يستجيبوا لأفكاره، ولم يتأثروا بمحتوى دروسه وإنما تمردوا على مضامين هذه الدروس، وسَخِرُوا من الأفكار التي يسعى لغرسها في أذهانهم.
وقد بلغت هذه الثورة ذُروتها في شخصية ابن "القائد" إذ كان من أكبر المحرّضين على العبث والسخرية بالمعلم، ولغ وعي ابن القائد مداه، حينما قرر المعلم الفرنسي أن يكون موضوع الإختبار الكتابي في مادة الإنشاء عن موضوع "حمار عومل معاملة سيئة من طرف أحد الأهالي"(1) ، فقد كتب موضوعه في شكل قصصي جميل، وجعل الحمار يتكلم ثلاث لغات: الفرنسية والعربية والقبائلية وقد تمكن من أن يكون من بين الذين استقبلوا الرئيس الفرنسي وألقى خطابا بليغا أمامه، فأعجب به، ودار الحوار التالي بينهما: "ما إن سمع بمقدم رئيس الجمهورية في طريقه إلى قسنطينة، حتى كان من أول المستقبلين له! تعجّب الناس وأسرعت سلطاتُ الأمن لإبعاده عن طريق رئيس الجمهورية، لكن الحمار تكلم! فإنصعق الجميع لذلك، ولم يدروا ماذا يفعلون! الأمر الذي يسّر للحمار العجيب الإقتراب من رئيس الجمهورية
ـــــــــــــــ
(1) عبد الحميد بن هدوقة "غدا يوم جديد"، ص 242.
الفصل الثاني
بنية الفضاء
وكان يحبُّ الحيوانات فمسح على رأس الحمار العجيب يطمئنه، شكره الحمار على ذلك بلغةٍ فرنسية فصيحة! فتعجّب رئيس الجمهورية إلى درجة الذّهول! لم يدع الحمارُ فرصة لرئيس الجمهورية ولا لأحد أن يتمكن من إقصائه، فبادر بإلقاء خطابه"(1).
لقد صوّر فضاء المدرسة تماسك الشبان الجزائريين، وعدم استسلامهم للأفكار العنصرية التي تُدَسُّ إليهم في الدروس، كما بيّن وعي الشبان بواقع بلدهم، والمصير المأساوي الذي آل شعبُهم إليه.
والطريق في هذه الرواية هو أنّنا وجدنا أبناء أعوان فرنسا وسادتها من الأهالي يتمردون ويتجاوزون أفكار الطبقات التي ينتمون إليها، فيثرون على الأوضاع ويعبرون عن مواقفهم الوطنية بجرأة وثورية نادرتين، ويعد هذا من بين الأمور التي لم تهتم بها الرواية الجزائرية المكتوبة باللغة العربية إلا نادرا.
ج/ فضاء النّوادي:
لم يرد الحديث عن فضاء النّوادي سوى نادي التّرقي الذي كان موجودا قبل الإستقلال، ولعب دورا هاما في نشر الثقافة العربية والمحافظة عليها طوال سنوات العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي، وقد جاء الحديث عنه عن طريق حالات التّداعي، حينما استنطق الدّركيان " قدور" بأسلوب استفزازي عن موقف العلماء وصهره المخفي، وإقدام الأهالي على القيام بحرب من أجل إخراج فرنسا من الجزائر.
وعموما فإن هذا الفضاء لم يكن عنصرًا بارزًا ي الرواية وإنما ورد ذكره ضمن حالة نفسية أصابت قدور بسبب استفزازات الدّركيين، وهطول أسئلتهما على سمعه، مثل الوقع الثقيل، فنذكر عدّة أماكن، كان يتردد على بعضها، وسمع بالأماكن الأخرى: الميناء، المقهى،÷ المسجد، نادي الترقي.
إن الفضاء الثقافي في رواية " غدا يوم جديد " لم يكن واضح القسماتِ، مثلما

ـــــــــــــــ
(1) المرجع نفسه، ص 246.



الفصل الثاني

بنية الفضاء

كان فضاء الريف عنصرا مؤثرا وفعالا في بنية النسيج الروائي، فمثلا وظيفة المقهى في الريف كانت مؤثرة وبارزة بينما كادت تحتجب هذه الوظيفة في المدينة رغم يقيننا أن المقهى من الفضاءات التي تدار وتحسم فيها أمور كثيرة، كما كانت من الأماكن التي انبعثت منها الأفكار الوطنية، وهي تكاد أن تكون مجمعا للأخبار السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتعقد فيها الاتفاقات كما تنقض فيها أيضا.
6- فضاءات البلدان والمدن:
جاء الحديث عنه ي النص الروائي على لسان بعض الشخصيات، كما أن تأثيره في بنية الرواية غير قوي، فهو لم يشهد أحداثا مثل: فضاء المحجر وفضاء المحكمة.
أ/ الفضاء المقدس:
يُكثِرُ النص الروائي من ذكر بعض المعالم المقدّسة مثل مكة، ومِنَى والحجر الأسود، ويرد ذكرُ هذه الأسماء على لسان الرواية في بعض جملها، حيث تكاد تكرر ذكرها كلما جلست إلى المؤلف مدوّن قصة حياتها ومنها قولها: " أقول كل شيء، وأذهبُ إلى مكة، أغسل عظامي بماء زمزم، أبنائي آباؤهم ليسوا آباهم! كل شيء بدأ من المحطة"(1).
كما جاء ذكر فضاء مِنَى في هذه الفقرة: " أخاف الموت اختناقا في غار منى، إنّ الحجّاج كثيرون على ما سمعت، كثرةُ البشر لا تعني التطوّر إلى الأفضلِ سواءٌ في الحج أو في الصلاة أو الحياة العامة"(2) .
ـــــــــــــــ
(1) عبد الحميد بن هدوقة "غدا يوم جديد"، ص 37.
(2) المرجع نفسه، ص 180.
*ملاحظة: هذه مذكرة تخرجي تحت إشراف الدكتورة بوشفرة نادية من جامعة مستغانم و قد تحصلت بموجبها على 16 من 20 . و أنتم قيموني من فضلكم.








 

رد مع اقتباس
مساحة إعلانية
قديم 2009-04-20, 08:41   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
أمين المستغانمي
عضو متألق
 
الصورة الرمزية أمين المستغانمي
 

 

 
الوسام الفضي لقسم الأسرة و المجتمع 
إحصائية العضو









أمين المستغانمي غير متواجد حالياً


افتراضي

أريد تقييما يا أبو الشفاء







رد مع اقتباس
قديم 2009-07-07, 21:32   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
عبدو المسيلي
عضو مميّز
 
الصورة الرمزية عبدو المسيلي
 

 

 
إحصائية العضو









عبدو المسيلي غير متواجد حالياً


افتراضي

الف مبروك اخي امين وعقبال الدكتوراه ان شاء الله
[IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/A/LOCALS%7E1/Temp/moz-screenshot.jpg[/IMG]تقبل مرور اخيك عبدو المسيلي







رد مع اقتباس
الأعضاء الذين قالوا بارك الله فيك/ شكراً لـ عبدو المسيلي على المشاركة المفيدة:
قديم 2009-07-22, 16:21   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
abdou_54
عضو جديد
 
الصورة الرمزية abdou_54
 

 

 
إحصائية العضو









abdou_54 غير متواجد حالياً


افتراضي

الف مبروك اخي امين







رد مع اقتباس
الأعضاء الذين قالوا بارك الله فيك/ شكراً لـ abdou_54 على المشاركة المفيدة:
قديم 2009-08-04, 11:23   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
*المشتاقة للرحمن*
عضو متألق
 
الصورة الرمزية *المشتاقة للرحمن*
 

 

 
إحصائية العضو









*المشتاقة للرحمن* غير متواجد حالياً


افتراضي

بارك الله فيك اخي امين لم استطع تقييمك للاسف







رد مع اقتباس
الأعضاء الذين قالوا بارك الله فيك/ شكراً لـ *المشتاقة للرحمن* على المشاركة المفيدة:
قديم 2009-08-30, 19:03   رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
أمين المستغانمي
عضو متألق
 
الصورة الرمزية أمين المستغانمي
 

 

 
الوسام الفضي لقسم الأسرة و المجتمع 
إحصائية العضو









أمين المستغانمي غير متواجد حالياً


افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة شبل الاسلام مشاهدة المشاركة
بارك الله فيك اخي امين لم استطع تقييمك للاسف
شكرا على المرور و لكن لما الأسف و ما هو السبب






رد مع اقتباس
قديم 2009-12-24, 09:49   رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
عنقاء44
عضو جديد
 
إحصائية العضو









عنقاء44 غير متواجد حالياً


16

أخي العزيز:
بكل شفافية أنت لم تجئ بالجديد ،و إنما قمت بمحاكاة دراسة شريبط أحمد شريبط التي نشرها في مجلة الثقافة، السنة الثانية والعشرون -العدد 115 سنة .1997 تحت عنوان " بنية الفضاء في رواية غدا يوم جديد لعبد الحميد بن هدوقة.
احتراماتي.







رد مع اقتباس
الأعضاء الذين قالوا بارك الله فيك/ شكراً لـ عنقاء44 على المشاركة المفيدة:
قديم 2010-11-25, 21:51   رقم المشاركة : 8
معلومات العضو
khalil800
عضو جديد
 
إحصائية العضو









khalil800 غير متواجد حالياً


افتراضي

السلام عيكم شكرا لك اخي الكريم على هذا الموضوع







رد مع اقتباس
الأعضاء الذين قالوا بارك الله فيك/ شكراً لـ khalil800 على المشاركة المفيدة:
قديم 2010-11-26, 16:36   رقم المشاركة : 9
معلومات العضو
أمين المستغانمي
عضو متألق
 
الصورة الرمزية أمين المستغانمي
 

 

 
الوسام الفضي لقسم الأسرة و المجتمع 
إحصائية العضو









أمين المستغانمي غير متواجد حالياً


افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عنقاء44 مشاهدة المشاركة
أخي العزيز:
بكل شفافية أنت لم تجئ بالجديد ،و إنما قمت بمحاكاة دراسة شريبط أحمد شريبط التي نشرها في مجلة الثقافة، السنة الثانية والعشرون -العدد 115 سنة .1997 تحت عنوان " بنية الفضاء في رواية غدا يوم جديد لعبد الحميد بن هدوقة.
احتراماتي.

السلام عليكم أختي قد تتشابه الدراسات أو الكتابات و لكن أؤكد لك أني قمت بدراستها أنا و زميلي الأستاذ في الإبتدائي السيد بعيزية مصطفى و تحت تقييم أستاذة الأدب الجزائري الدكتورة بوشفرة نادية أما البقية فلكل دوره و لكن أشكر ملاحظتك و حنكتك في التعامل مع هذه الدراسات و الله أعلم






رد مع اقتباس
الأعضاء الذين قالوا بارك الله فيك/ شكراً لـ أمين المستغانمي على المشاركة المفيدة:
قديم 2011-01-01, 19:45   رقم المشاركة : 10
معلومات العضو
ferase
عضو مشارك
 
الصورة الرمزية ferase
 

 

 
إحصائية العضو









ferase غير متواجد حالياً


افتراضي

شكرا أخي بارك الله فيك وجزاك الله خير الجزاء







رد مع اقتباس
الأعضاء الذين قالوا بارك الله فيك/ شكراً لـ ferase على المشاركة المفيدة:
قديم 2011-01-01, 20:11   رقم المشاركة : 11
معلومات العضو
أمين المستغانمي
عضو متألق
 
الصورة الرمزية أمين المستغانمي
 

 

 
الوسام الفضي لقسم الأسرة و المجتمع 
إحصائية العضو









أمين المستغانمي غير متواجد حالياً


افتراضي

أجمل كلمات نبدا بها عامنا الجديد
لاتنظر خلفك فذالك ماضي يؤلمك..
ولا إلى اليوم فإنه حاضر يزعجك..
ولا إلى الأمام فهو مستقبل قد يؤرقك..
لكن انظر إلى فوق فإن لك ربا يرحمك..






رد مع اقتباس
قديم 2011-01-01, 20:53   رقم المشاركة : 12
معلومات العضو
سارة
عضو مميّز
 
الصورة الرمزية سارة
 

 

 
إحصائية العضو









سارة غير متواجد حالياً


افتراضي

الف مبروك خويا امين







رد مع اقتباس
الأعضاء الذين قالوا بارك الله فيك/ شكراً لـ سارة على المشاركة المفيدة:
قديم 2011-01-02, 19:08   رقم المشاركة : 13
معلومات العضو
أمين المستغانمي
عضو متألق
 
الصورة الرمزية أمين المستغانمي
 

 

 
الوسام الفضي لقسم الأسرة و المجتمع 
إحصائية العضو









أمين المستغانمي غير متواجد حالياً


افتراضي

أجمل كلمات نبدا بها عامنا الجديد
لاتنظر خلفك فذالك ماضي يؤلمك..
ولا إلى اليوم فإنه حاضر يزعجك..
ولا إلى الأمام فهو مستقبل قد يؤرقك..
لكن انظر إلى فوق فإن لك ربا يرحمك..







رد مع اقتباس
قديم 2011-04-15, 14:50   رقم المشاركة : 14
معلومات العضو
hananeibtisam
عضو جديد
 
إحصائية العضو









hananeibtisam غير متواجد حالياً


B4 التقيم

بصراحة الموضوع جيد بالتاكيد تستحق عليه هذه العلامة خاصة انه موضوع لمذكرة وليس رسالة ماستر لهذا لا يتطلب ان يكون الموضوع جديد وبما انني تعرضت للفضاء في رسالتي فانا اعرف صعوبت الحصول على المراجع وتشعب الموضوع واختلاف حول مفهوم محدد للفضاء
اتمنى لك توفيق اخي امين واكمال مسيرتك العلمية







رد مع اقتباس
قديم 2011-05-22, 22:39   رقم المشاركة : 15
معلومات العضو
أمين المستغانمي
عضو متألق
 
الصورة الرمزية أمين المستغانمي
 

 

 
الوسام الفضي لقسم الأسرة و المجتمع 
إحصائية العضو









أمين المستغانمي غير متواجد حالياً


افتراضي

الله أكبر تكبيرا

والحمد لله كثيرا

وسبحان الله بكرة وأصيلا







رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع



الساعة الآن 15:46

المشاركات المنشورة تعبر عن وجهة نظر صاحبها فقط، ولا تُعبّر بأي شكل من الأشكال عن وجهة نظر إدارة المنتدى
المنتدى غير مسؤول عن أي إتفاق تجاري بين الأعضاء... فعلى الجميع تحمّل المسؤولية


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
2006-2013 © www.djelfa.info جميع الحقوق محفوظة - الجلفة إنفو (خ. ب. س)
Protected by CBACK.de CrackerTracker