قضايا الاكتساب عند ابن خلدون - منتديات الجلفة لكل الجزائريين و العرب

العودة   منتديات الجلفة لكل الجزائريين و العرب > منتديات الثقافة و الأدب > منتدى اللّغة العربيّة

منتدى اللّغة العربيّة نقاش في قضايا اللغة العربية و علومها ، في النحو، الصرف، البلاغة ، العروض ...للنهوض بمكانة اللغة العربية، وتطوير مهارات تعليمها ... لتصحيح الأخطاء الشائعة... و الكثير

 

في حال وجود أي مواضيع أو ردود مُخالفة من قبل الأعضاء، يُرجى الإبلاغ عنها فورًا باستخدام أيقونة تقرير عن مشاركة سيئة ( تقرير عن مشاركة سيئة )، و الموجودة أسفل كل مشاركة .

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 2009-02-21, 19:15   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
صوفيا27
عضو مجتهـد
 
الصورة الرمزية صوفيا27
 

 

 
إحصائية العضو









صوفيا27 غير متواجد حالياً


B10 قضايا الاكتساب عند ابن خلدون

بسم الله الرحمن الرحيم
أ_ نظرية اكتساب اللغة :
من بين الظواهر التربوية العائدة إلى ما ألح عليه ابن خلدون من مفهوم الملكة اللسانية وأحوالها ، تبرز ظاهرة اكتساب اللغة ، أو تحصيل الملكة كما سماها ابن خلدون ، وبذلك يشرع لنا باباً آخر مهماً من أبواب الألسنية ، يندرج تحت ما يسمى بعلم النفس اللغوي أو السيكو _ ألسنية .
انطلق ابن خلدون في حديثه عن اكتساب اللغة حديثاً مدوياً ، من قاعدة تقول : " إلا أنَّ اللغات لما كانت ملكات كما مر ، كان تعلمها ممكناً شأن سائر الملكات " . فاللغة عبارة عن ميزة أو صفة إنسانية يكتسبها الإنسان بشكل متدرج غير مقصود، فتبدو هذه المقدرة وكأنها طبيعة وفطرة ، وهو بذلك يرفض ويعنِّف الآراء القائلة بأنَّ متحدثي اللغة ذوي اللغة السليمة الفصيحة إنما يتحدثون بها بالفطرة وحدها وأن لا جدوى من محاولة محاكاتهم، فيقول : " فإن الملكات إذا استقرت ورسخت في محالها ظهرت كأنها طبيعة وجبلة لذلك المحل . ولذلك يظن كثير من المغفلين ممن لم يعرف شأن الملكات أن الصواب للعرب في لغتهم إعراباً وبلاغة أمر طبيعي" .
وابن خلدون بتأكيده على أن الملكة اللسانية مكتسبة يميز بين نوعين من عمليات الاكتساب اللغوي : الاكتساب من خلال الترعرع في البيئة وسماع لغتها ، والاكتساب أو التعلم بواسطة الحفظ والمران .

ب _ اكتساب اللغة من خلال الترعرع في البيئة :
ينشأ الطفل أو الأعجمي في بيئة فتتلقى أذنه التراكيب والصور اللغوية والكيفيات الكلامية فيقوم بالتعبير عن مقاصده بواسطة هذه الكيفيات ، ويستمع إليها أخرى فيحفظها ويعبر بها في مقامات يحتاجها ، يقول ابن خلدون : " فالمتكلم من العرب حين كانت ملكة اللغة العربية موجودة فيهم ، يسمع كلام أهل جيله وأساليبهم في مخاطباتهم وكيفية تعبيرهم عن مقاصدهم ؛ كما يسمع الصبي استعمال المفردات في معانيها ؛ فيلقنها أولاً ، يسمع التراكيب بعدها فيلقنها كذلك . ثم لا يزال سماعهم يتجدد في كل لحظة ومن كل متكلم ، واستعماله يتكرر إلى أن يصير ذلك ملكة وصفة راسخة ويكون كأحدهم" .
إننا لا نستطيع اعتبار كلام البيئة بذلك مادة لغوية تعليمية ، جل ما في الأمر أن الأطفال والعجم يكتسبون المعرفة من خلال تعرض متواصل للكلام الذي يسمعونه من حولهم ، فيحاولون بقدراتهم الذاتية إتقانه إلى أن يصبح ملكة راسخة فيهم ، فالسمع أبو الملكات اللسانية كما يلح عليه ابن خلدون .
إن الطفل يملك قدرات فطرية تساعده على تقبل المعلومات اللغوية ومن ثم تكوين التراكيب اللغوية ، معنى ذلك أنه مهيأ لتكوين قواعد لغته الأم ضمنياً من خلال الكلام الذي يسمعه ، فيبني لغته بصورة إبداعية وبالتوافق مع قدراته الباطنية بقدر تقدمه في عملية الاكتساب، وهذا ما يسمى بالنظرية العقلانية التي يمثلها تشومسكي . بينما يرى علماء النفسِ السلوكيون أن اللغة شكل من أشكال السلوك، فالبيئة وحدها المسؤولة عن عملية الاكتساب ، وهو ما يسمى عندهم بالنظرية البيئية.

ج_ اكتسابها بواسطة الحفظ والمران :
ربط ابن خلدون بين اكتساب اللغة وتعلم اللغة ، وأوجد السبيل لذلك بإيجاد الأجواء المناسبة لعملية تعلم اللغة ، وذكر لنا أن أسلم طريقة تربوية هي إحاطة المتعلم بالنتاج العربي الفصيح ، والتعامل معه حفظاً وممارسة ، وإن فُـقد الجو الفطري المتحدث باللغة السليمة فثمة طريق آخر يقوم مقام السماع وهو حفظ النصوص الجيدة شعراً ونثراً وعلى رأسها القرآن الكريم ليكون المتعلم قادراً على محاكاة هذه النصوص . يقول ابن خلدون : "ووجه التعليم لمن يبتغي هذه الملكة ويروم تحصيلها أن يأخذ نفسه بحفظ كلامهم القديم الجاري على أساليبهم من القرآن والحديث، وكلام السلف، ومخاطبات فحول العرب في أسجاعهم وأشعارهم، وكلمات المولدين أيضاً في سائر فنونهم ؛ حتى يتنزل لكثرة حفظه لكلامهم من المنظوم والمنثور منزلة من نشأ بينهم ولقن العبارة عن المقاصد منهم ؛ ثم يتصرف بعد ذلك في التعبير عما في ضميره عل حسب عباراتهم ، وتأليف كلماتهم ، وما وعاه وحفظه من أساليبهم وترتيب ألفاظهم ؛ فتحصل له هذه الملكة بهذا الحفظ والاستعمال ، ويزداد بكثرتهما رسوخاً وقوة" .
فلا بد إذن من وجود محيط لغوي مشابه لمحيط اللغة المراد تعلمها بحيث تنمو في ذهن المتعلم فيكتسب الملكة اللسانية الشبيهة ، وذلك عبر حفظه لكلام متحدثي اللغة ذوي الملكة الأصيلة وترديد كلامهم واستعماله إلى أن يجري على اللسان بصورة طبيعية ، وحتى ترسخ الملكة أكثر ويكون متعلم اللغة كأحد متحدثيها لا بد من كثرة الحفظ ومداومة الاستعمال،وهذه هي وسيلة التعلم لدى الأوائل ، فكان يعهد بالطفل إلى حلقات المسجد ليحفظ القرآن والحديث والشعر منذ الصغر فيكون متحدثاً فصيحاً . ولا بد أن ننتبه إلى ما ذكره ابن خلدون وناقشناه من قبل من أن الملكة اللسانية تعتمد على الجمل لا على المفردات من حيث تدرجها من الإفهام إلى الصحة إلى البلاغة .
لكن بعض الباحثين يرى أن لغة الطفل لا تعتبر نسخة مصغرة عن لغة مواطنيه من الكبار ، بل إنه يمتلك تنظيماً لغويا خاصاً به ، نراه بوضوح في تراكيبه اللغوية واستخداماته للغة ثم ينمو تدريجياً حتى يلتحق بلغة الكبار ، وهذا يثبت الإبداعية اللغوية لدى الطفل . كما إن الدكتور ميشال زكريا يرفض المفهوم البنياني (البنيوي) لعملية تعلم اللغة الثانية بل يعتبر تعلم اللغة عملية تستند على التفكير وليس على الحفظ الغيبي .
نشير هنا إلى أمور هامة :
1_ اكتساب اللغة يتم من خلال سماع كلام البيئة وحفظه ويتم أيضاً عبر المحاولات التي يقوم بها الطفل لاستعمال الكلام . فشائع تربوياً أن التعلم بالممارسة والمحاولة والخطأ عميق الفائدة في عملية اكتساب أي معرفة أو خبرة ومن ذلك اللغة ، ويتضح ذلك أيضاً عبر التمارين اللغوية التي تدور حولها بحوث الألسنيين والتربويين .
2_ الناحية الإبداعية في عملية الاكتساب وذلك بإشارته إلى أن سماع الطفل "يتجدد في كل لحظة ومن كل متكلم ، واستعماله يتكرر إلى أن يصير ذلك ملكة وصفة راسخة ويكون كأحدهم" ، ويناقش ذلك كثير من الألسنيين ، فالإنسان قادر على التعبير عن أفكاره المتجددة دائماً ، وعلى تفهم التعابير الفكرية بواسطة لغته، وقادر على التعبير عن أفكاره المتجددة دائماً .
3_ يركز ابن خلدون على الممارسة والتكرار حيث يقول : " وإنما تحصل هذه الملكة بالممارسة والاعتياد والتكرر لكلام العرب" .
4_ تتكون مادة الطفل اللغوية من مجموع جمل المتكلمين في البيئة المحيطة به . لذا يتحتم على المجتمعات أن تأسس الطفل تربوياً على لغة مستقيمة لا ازدواجَ فيها من جهة ، ولا اعوجاجَ فيها أو قصوراً قاعدياً من جهة أخرى ، ويمكننا أن نلحظ الأثر السيء لمخالفة ذلك في الأطفال الذين يختلطون بالخادمات كثيراً ، حيث تنشأ لديهم لغة مكسرة مليئة بمفردات شرق آسيوية عرّبها الخدم ، وضمها الطفل لمعجمه اللغوي إذ هي مفردات تكوِّن جمل المتكلمين في البيئة المحيطة به، وإنا لنأسف كل الأسف لما يقرؤه الطفل من أخطاء نحوية ولغوية واضحة في اللوحات المعلقة في الشوارع والأسواق ، ومن أسماء دخيلة على لغتنا تزاحم جمال لغتنا فتكتب بخط عريض وشكل جميل ، ثم كيف يكوّن الطفل مادة لغوية وثقافية وأدبية راقية وهو يرى الاحتفاء بالآداب الشعبية والشعر العامي فترى وسائل الإعلام تتسابق لخدمة هذا النوع من الكلام ونشره والتشجيع عليه؟ ثم كيف ننتظر منه كتابة وظيفية أو أدبية راقية أو شعراً عربياً أصيلا؟
إن نظرية ابن خلدون تقف بين النظرية البيئية عند (سكينر)وبين النظرية العقلانية الفطرية لدى (تشومسكي) ،فابن خلدون يقارب النظرية البيئية حين يركز على الممارسة والتكرار ، ثم يتخطاها باتجاه أفكار (تشومسكي) حين يعتبر عملية الاكتساب عملية وجدانية تمر بحالات نفسية إلى أن تصبح ملكة لسانية . ثم يلتقي مع النظرية المعرفية البنائية لـ (بياجيه) في تركيزه على وقوع الفعل أولاً وفي تركيزه على النمو المتدرج .

د _ النفس لا تتسع لأكثر من ملكة لسانية تامة واحدة :
بعد أن عرفنا كيفية اكتساب اللغة ، سنعرف الآن أن الإنسان لا يمكنه اكتساب أكثر من ملكة لسانية واحدة بصورة كاملة،وبالتالي يكون العائق اللغوي من أهم العوائق في وجه الأعاجم الذين يريدون تعلم اللغة أو يريدون تعلم علوم أخرى تدرس بغير لغتهم ، حيث قرر في مقدمته قوله :"وإذا تبين لك ذلك ، علمت منه أن الأعاجم الداخلين في اللسان العربي الطارئين عليه المضطرين إلى النطق به لمخالطة أهله ، كالفرس والروم والترك بالمشرق وكالبربر بالمغرب ، فإنه لا يحصل لهم هذا الذوق لقصور حظهم في هذه الملكة الذي مررنا أمرها لأن قصاراهم بعد طائفة من العمر وسبق ملكة أخرى إلى اللسان ، وهي لغاتهم ، أن يعتنوا بما تداوله أهل المصر بينهم في المحاورة من مفرد ومركب" . ويقول أيضاً : " في أن العجمة إذا سبقت إلى اللسان قصرت بصاحبها في تحصيل العلوم عن أهل اللسان العربي" .
بيّـن لنا ابن خلدون سبب عدم إتقان الأعاجم للغة الثانية إتقاناً تاماً ، وصور لنا أن ثمة مكاناً في النفس البشرية تحتله اللغة الأم ثم تأتي اللغة الثانية ولا تجد لها إلا أطراف المكان فتكون قاصرة في الإتقان عن اللغة الأم ، ووجه انتباهنا إلى أنّ قصور الأعجمي عن اكتساب اللغة الثانية ليس راجعاً إلى جنسه بل إلى انشغال مكان اللغة في نفسه بلغته الأم الأعجمية ، فالطفل الأعجمي حين يترعرع في بيئة فإنه يكتسب لغتها وتكون هي اللغة الأم بالنسبة له : " إلا أن تكون ملكة العجمة السابقة لم تستحكم حين انتقل منها إلى العربية ، كأصاغر أبناء العجم الذين يربون مع العرب قبل أن تستحكم عجمتهم ، فتكون اللغة العربية كأنها السابقة لهم ، ولا يكون عندهم تقصير في فهم المعاني من العربية " ، ويمثل لهؤلاء بعلماء اللغة المسلمين الذين كانوا أعاجم النسب لا اللغة ومنهم : سيبويه ،والكسائي،والفراء ، وغيرهم .
فبذلك نتذكر وصفه لهذه الملكة بأنها راسخة فلا يمكن نزعها واستبدالها بملكة أخرى مغايرة ، لكن متعلم اللغة الثانية يمكنه اكتساب اللغة ومن ثم تعلم علوم أخرى باللغة الثانية بيد أنها ستكون ناقصة عن لغته الأم في الإجادة ويصف ابن خلدون هذا الواقع بقوله: "إن الملكة إذا سبقتها ملكة أخرى في المحل فلا تحصل إلا ناقصة مخدوشة" . وهذا أمر طبيعي لأن الملكة لن تكون تامة إلا من خلال الترعرع بصورة طبيعية في بيئة اللغة لكي تتأصل في النفس ويؤثر هذا بالتالي على عملية تعلم أي لغة أخرى . ونجد أن هذه المسألة تعترف بها النظرية التوليدية والتحويلية ، حيث إن من الأهداف التي تضعها النظرية الألسنية في مجال تعليم اللغة الثانية إيصال المتعلم إلى كفاية لغوية تقارب قدر الإمكان كفاية متكلم هذه اللغة كلغة أم .
إن التربويين يعانون أشد المعاناة من مشكلة التداخل بين اللغة الأم واللغة الثانية ، كما يعانون ويعاني المجتمع بأسره من وخاصة في الدول النامية والعربية من مشكلة اعتماد لغة تعليم مغايرة للغة المجتمع ،وهذا يثبت ما ذهب إليه ابن خلدون ، ولو عاش ابن خلدون _رحمه الله _ في هذا العصر لكان أول من نادى بتعريب العلوم وتعديل نظام التعليم بحيث يتوفر التعليم كلياً وللجميع باللغة الأم .


هـ_ الملكة اللسانية وتعليم القرآن :
من الشائع أن تعلم القرآن قراءة وحفظاً هو أساس الثروة اللغوية التي يحصلها دارس الفصحى ، ومن لم يعنَ بذلك فسيظل قاصراً عن إجادة اللغة العربية . لكن ابن خلدون يلفتنا إلى شيء جديد ، فيرى أن الاقتصار على تعلم القرآن ينشأ عنه قصور في الملكة اللسانية : " فأما أهل أفريقية والمغرب فأفادهم الاقتصار على القرآن القصور عن ملكة اللسان جملة ، وذلك أن القرآن لا ينشأ عنه في الغالب ملكة لما أن البشر مصروفون عن الإتيان بمثله ، فهم مصروفون لذلك عن الاستعمال على أساليبه والاحتذاء بها " .
وبهذا الصرف لا يتحقق للمشتغلين به وحده ملكة تماثله أو تشابهه، وهذا الانشغال به دون سواه يجعل صاحبه عاجزاً عن تحصيل ملكة لسانية في غيره ، والنتيجة التي توصل إليها هي أن المنشغل بتعلم القرآن وحده سيكون قاصراً في ملكة اللسان العربي، إذ لا تحدث لهم هذه الملكة به أو بغيره .
وقد طبق ابن خلدون بعد ذلك نظريته ميدانياً على المجتمعات العربية فوجد أن المجتمعات التي تقتصر في تعليم أولادها على القرآن الكريم لا يكتسب أولادها الملكة بشكل سليم ، بينما المجتمعات التي تخلط تعليم القرآن بتعليم الشعر وكلام العرب يستفيد أولادها الملكة أكثر من غيرهم .
ثم يطرح حلاً لهذه المشكلة وهو أن يتعلم النشء أولاً كلام العرب وبخاصة الشعر ويدرسون العربية والحساب، ثم يتعلمون القرآن بعد ذلك، لأن تعليمهم القرآن في حداثة سنهم يشق عليهم مع عدم فهمهم له . إن ابن خلدون يؤيد هذا الحل علمياً لكنه يعترف أن العادات الاجتماعية لا توافق عليه طلباً للتبرك وحرصاً على الثواب .
إن فكرة ابن خلدون هذه يدعمها واقع معاش ، وهو أننا نرى الكثير من المسلمين غير العرب يحفظ القرآن الكريم حفظاً قوياً ، بل وبعضهم يمسك القرآن يقرؤه ويرتله ، لكنه مع ذلك عاجز عن مخاطبة غيره بالعربية فضلاً عن إجادتها فصيحة.
ولا يعني ذلك أن ابن خلدون لا يرى فائدة حفظ القرآن ودراسته على الملكة اللغوية ، بل إنه يرى فائدة ذلك لمن تقدم به الزمن قليلاً ، وتمكن من الملكة ،فأمكنه بها فهم القرآن وتدبر معانيه ودرس تفسيره وأساليبه ، ليسهم في بناء تكوينه اللغوي .

و_ التدرج في التعليم :
قال ابن خلدون _رحمه الله تعالى_ : " اعلم أن تلقين العلوم للمتعلمين إنما يكون مفيداً ، إذا كان على التدريج ، شيئاً فشيئاً وقليلاً قليلاً ، يلقى عليه أولاً مسائل من كل باب من الفن هي أصول ذلك الباب . ويقرب له في شرحها على سبيل الإجمال ويراعى في ذلك قوة عقله واستعداده لقبول ما يورد عليه ، حتى ينتهي إلى آخر الفن وعند ذلك يحصل له ملكة في ذلك العلم ، إلا أنها جزئية وضعيفة . وغايتها أنها هيأته لفهم الفن وتحصيل مسائله . ثم يرجع به إلى الفن ثانية فيرفعه في التلقين عن تلك الرتبة إلى أعلى منها ، ويستوفي الشرح والبيان ويخرج عن الإجمال، ويذكر له ما هنالك من الخلاف ووجهه ، إلى أن ينتهي إلى آخر الفن فتجود ملكته ، ثم يرجع به وقد شدا فلا يترك عويصاً ولا مبهماً ولا منغلقاً إلا وضّحه وفتح له مقفله ؛ فيخلص من الفن وقد استولى على ملكته " .
إن حاجة المتعلم للغة تكمن في إعطائه الوعي لاستعمال اللغة في المجتمع ، لا بد أن ندرك أننا لا نعد علماء لغويين بداية أو معلمين للغة أو محللين ألسنين، كل ما نريده هو مستعمل للغة مشابه لأصحاب اللغة الخلّص ، لذا فيرى الباحثون أن تطبيق علم الألسنية في مجال التعليم دون الاستعانة بالعلوم التربوية وصب اللغة في قالبها يسيء إلى عملية التعليم ، وهنا تبرز حاجتنا إلى تعليم تربوي تواصلي تداولي اجتماعي للغة .
إن المادة العلمية اللغوية شاسعة النطاق ، فهل يُتصوّر أن يتم تعليم هذه اللغة بأكملها بكل مادتها للناشئ؟ تربوياً وبما أننا نريد الوصول بالمتعلم للكفاية اللغوية حيث تسنى له بناء قواعد لغته في ممارساته اللغوية، لا بد من عملية غربلة للمادة والقضايا اللغوية التي تقدم للمتعلم ، ويرتبط اختيار المسائل اللغوية بالهدف الموضوع لمادة اللغة وبمستوى التلاميذ وبالوقت المقرر للمادة .
بعد أن يتم اختيار المادة اللغوية لا بد من ترتيب تقديم هذه المادة ، ويؤيد أكثر الباحثين اعتماد التركيب الذي يراعي السهولة والانتقال من العام والخاص وتواتر المفردات، وهذا ما شرحه ابن خلدون في اقتراحه ذي التكرارات الثلاث : التكرار الأول خاص بأصول العلم مع مراعاة عقل المتعلم في اختيار مصطلحات هذا العلم واستعداده لقبوله ، ثم التكرار الثاني وهو خاص بالشرح وتوضيح الخلافات ، ثم التكرار الثالث وهو خاص بحل العويص والغامض مبيناً أنه لا تحصل الفائدة إلا بهذه التكرارات، مع دعوته إلى التقليل من المصطلحات في هذا العلم ، لأن في هذا التكرار ضرراً بالمتعلم والتلميذ لأنه قد يفني عمره ولا يفي بما كتب في علم واحد.

ز_ التمرين اللغوي :
قال رحمه الله : " فأصبحت صناعة العربية كأنها من جملة قوانين المنطق العقلية أو الجدل ، وبعدت عن مناحي اللسان وملكته ، وما ذلك إلا لعدولهم عن البحث في شواهد اللسان وتراكيبه وتمييز أساليبه، وغفلتهم عن المران في ذلك للمتعلم ، فهو أحسن ما تفيده الملكة في اللسان" .
لقد وضح لنا ابن خلدون ثلاثة عناصر تفيد في تعلم اللسان العربي وهي : البحث في شواهد اللسان وتراكيبه، ثم أهمية المران والممارسة في عملية التعلم ، ثم ضرورة التمييز بين الوسيلة والغاية وقد أشرنا إلى الأولى والثالثة فيما سبق .
إن التعليم اللغوي في نظر ابن خلدون وفي نظر كثير من الألسنيين التربويين لا يجدي نفعاً بدون التطبيق العملي ، إذ يصبح التعليم اللغوي بدونه تنظيراً لا أثر له على المتعلم ، ونحن نريد من كما ذكرنا وعياً باستعمال اللغة الاستعمال الصحيح ، لذلك يخصص غالب وقت التعليم في تمرين التلميذ على استعمال اللغة وتقوية ملكته اللغوية وتنويع أساليب تعبيره ، لذا يخضع هذا التمرين إلى دراسات ومنهجية تخدم الهدف التعليمي لتحدد طريقة إعداده .







 

رد مع اقتباس
مساحة إعلانية
قديم 2009-02-21, 22:06   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
توفيق09
مشرف سابق
 
الصورة الرمزية توفيق09
 

 

 
إحصائية العضو









توفيق09 غير متواجد حالياً


افتراضي

بارك الله فيك







رد مع اقتباس
قديم 2009-02-21, 22:34   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
صوفيا27
عضو مجتهـد
 
الصورة الرمزية صوفيا27
 

 

 
إحصائية العضو









صوفيا27 غير متواجد حالياً


افتراضي

لا شكر على واجب







رد مع اقتباس
قديم 2009-02-25, 20:47   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
لوز رشيد
مراقب منتديات الثقافة و الأدب
 
الصورة الرمزية لوز رشيد
 

 

 
إحصائية العضو









لوز رشيد غير متواجد حالياً


افتراضي

بورك فيك و جزاك الله خيرا







رد مع اقتباس
قديم 2009-03-28, 17:17   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
djamilamoussous
عضو مشارك
 
إحصائية العضو









djamilamoussous غير متواجد حالياً


افتراضي

بورك فيك و جزاك الله خيرا






رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع



الساعة الآن 14:43

المشاركات المنشورة تعبر عن وجهة نظر صاحبها فقط، ولا تُعبّر بأي شكل من الأشكال عن وجهة نظر إدارة المنتدى
المنتدى غير مسؤول عن أي إتفاق تجاري بين الأعضاء... فعلى الجميع تحمّل المسؤولية


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
2006-2013 © www.djelfa.info جميع الحقوق محفوظة - الجلفة إنفو (خ. ب. س)
Protected by CBACK.de CrackerTracker