الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (2) - منتديات الجلفة لكل الجزائريين و العرب

العودة   منتديات الجلفة لكل الجزائريين و العرب > منتديات الدين الإسلامي الحنيف > قسم البرامج الإسلامية

قسم البرامج الإسلامية يعنى بجمع البرامج الإسلامية كالأقراص الاسلامية لتعليم القرآن و برامج الأذان ...وكذا تفريغ الخطب والمحاضرات

في حال وجود أي مواضيع أو ردود مُخالفة من قبل الأعضاء، يُرجى الإبلاغ عنها فورًا باستخدام أيقونة تقرير عن مشاركة سيئة ( تقرير عن مشاركة سيئة )، و الموجودة أسفل كل مشاركة .

آخر المواضيع

الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (2)

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 2019-10-23, 19:38   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
احمد الصادق
عضو مميّز
 
إحصائية العضو










New1 الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (2)

https://benaa.islamacademy.net/files...forqan2/01.mp3


https://benaa.islamacademy.net/files...forqan2/02.mp3


https://benaa.islamacademy.net/files...forqan2/03.mp3



https://benaa.islamacademy.net/files...forqan2/04.mp3







 

رد مع اقتباس
مساحة إعلانية

قديم 2019-10-23, 19:41   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
احمد الصادق
عضو مميّز
 
إحصائية العضو










افتراضي

الفُرقَان بينَ أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (2)
الدَّرسُ الأول (1)
فضيلة الشيخ د./ فهد بن سليمان الفهيد
{بسم الله الرحمن الرحيم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أرحب بكم إخواني وأخواتي المشاهدين الأعزَّاء في حلقةٍ جديدةٍ من حلقات البناء العلمي، وفي مطلع هذه الدروس المباركة أرحب بفضيلة الشيخ الدكتور فهد بن سليمان الفهيد، فأهلًا وسهلًا بكم فضيلة الشيخ}.
حياكم الله، وحيا الله الإخوة جميعًا.
{في مطلع هذا الفصل نستكمل ما توقفنا عنده في الفصل الماضي، من قول شيخ الإسلام ابن تيمية -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (وَلِهَذَا عَامَّةُ كَلَامِهِمْ إنَّمَا هُوَ فِي الْحَالَاتِ الشَّيْطَانِيَّةِ)، وَيَقُولُونَ مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْفُتُوحَاتِ: (بَابُ أَرْضِ الْحَقِيقَةِ وَيَقُولُونَ هِيَ أَرْضُ الْخَيَالِ .
فَتُعْرَفُ بِأَنَّ الْحَقِيقَةَ الَّتِي يَتَكَلَّمُ فِيهَا هِيَ خَيَالٌ وَمَحَلُّ تَصَرُّفِ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يُخَيِّلُ لِلْإِنْسَانِ الْأُمُورَ بِخِلَافِ مَا هِيَ عَلَيْهِ، قَالَ تَعَالَى: ï´؟وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ * وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَï´¾.
وَقَالَ تَعَالَى: ï´؟إنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا * لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا * وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا * يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًاï´¾.
وَقَالَ تَعَالَى: ï´؟وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌï´¾، وَقَالَ تَعَالَى: ï´؟وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِï´¾.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ إنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ يَزَعُ الْمَلَائِكَةَ، وَالشَّيَاطِينُ إذَا رَأَتْ مَلَائِكَةَ اللَّهِ الَّتِي يُؤَيِّدُ بِهَا عِبَادَهُ هَرَبَتْ مِنْهُمْ وَاَللَّهُ يُؤَيِّدُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِمَلَائِكَتِهِ.
قَالَ تَعَالَى: ï´؟إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُواï´¾، وَقَالَ تَعَالَى: ï´؟يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَاï´¾.
وَقَالَ تَعَالَى: ï´؟إذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَاï´¾، وَقَالَ تَعَالَى: ï´؟إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَï´¾)}.
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.
نحمد الله -سبحانه وتعالى- ونشكره، ونسأله أن ينفع بهذه المجالس وأن يجعلها خالصةً لوجهه الكريم ونافعةً لعباده.
ثم في مطلع هذه الدروس نحاول أن نربط بين ما مضى وبين ما نحن في صدده الآن، فإنَّ القراءة في كتاب "الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان" قد وصلنا فيها إلى هذا الموضع الذي قرأته.
وهذا الموضع هو ضمن فصلٍ ذكر فيه شيخ الإسلام ابن تيمية -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- أنَّه قد اتَّفق سلف الأمَّة وأئمتها على أنَّ الأنبياء أفضل من الأولياء، وهذا دلَّ عليه القرآن والسُّنَّة وإجماع الأمَّة، ولم يُخالف فيه إلا بعض الضُّلَّال المبتدعة من هؤلاء غلاة الصُّوفيَّة، أو غيرهم من أهل الفلسفة كما مرَّ معنا.
وكان في ضمن الحديث -حتى نربط ما مضى بما نحن فيه الآن- أن قال -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن الأنبياء أفضل من الأولياء"، ثم ذكر أدلَّة كثيرة جدًّا، وقال: ظنَّ طائفةٌ غالطةٌ أنَّ خاتم الأولياء أفضل الأولياء، قياسًا على أنَّ خاتم الأنبياء أفضل الأنبياء، ثم بيَّنَ فسادَ هذا القول وبطلانه، ثم ذكرَ أنَّ ابن عربي، وهو محمد بن علي بن محمد بن عربي الطائي، أبو بكر الملقَّب بمحيي الدين بن عربي، ولد سنة خمسمائة وستين، وتوفي سنة ستمائة وثمانية وثلاثين، وهذا الشَّخص له كتبٌ طافحة بالكفريَّات مثل: كتاب "الفتوحات المكيَّة" وكتاب "فصوص الحكم"، وسيمرُّ معنا بعض النُّقولات التي يقشعرُّ منها جلد كلِّ مسلم ومسلمة من هذه الكتب، ومع ذلك زعم عن نفسه وزعم بعض الناس المعجبين به أنه أفضل الأولياء، وزعم أنه خاتم الأولياء.
ويجدر التَّنبيه أنَّ "ابن عربي" هذا بدون "ال"، وهناك عالم آخر مالكي اسمه "ابن العربي"، فهذا المالكي رجل فاضل وعالم جليل، وله كتب نافعة، وهو من العلماء الفضلاء وليس عنده هذه الضَّلالات، ولكن "ابن عربي" بدون "ال" هذا من أهل الضَّلال ، ومصنفاته فيها الكفر الصَّريح -كما ستأتي بعض النقول عنه.
والشيخ نبَّه عليه؛ لأنَّه قريب مِن زمنه، فالشيخ وُلد سنة ستمائة وواحد وستين، وهذا الزِّنديق ابن عربي توفي قبل ولادة الشَّيخ بنحو ثلاث وعشرين سنة، ولكن له أتباع كُثُر، فمن ضمن ضلالاتهم أنَّهم زعموا أنَّ الولي أفضل من النَّبي، وهذا موجود إلى الآن في كتب غلاة الصُّوفيَّة، فاحتاج الشَّيخ إلى التَّوسُّع فيه، فذكر ابن عربي، وابن الفارض، وابن سبعين، والقنوي، وذكر ضلالاتهم وردَّ عليهم في أول هذا الفصل الذي نقرأ فيه، وذكر من أقوالهم الكفريَّة أنهم يقولون: "مقام النبوة في برزخٍ فويق الرسول ودون الولي"، فالولي أعلى في زعم هؤلاء الضُّلَّال، ولهم شبهات سبقَ الرَّد عليها.
ومن ضِمن ضلالاتهم أنَّهم يقولون: نحن نأخذ مِن المعدن الذي يأخذ منه الملك، فصرنا أعلى درجة من الرَّسول الذي يأخذ من الملك ثم عن الله، فنحن نأخذ عن الله مباشرة!
وهذا كلُّه من التَّلاعب الذي تتلاعب به شياطين الإنس والجن، وذكر الشَّيخ أنَّ هؤلاء ركَّبوا باطلهم على فلسفة أرسطو ومَن معه، وتابعوه في بعض أقوالهم الكفريَّة، مثل قولهم "إنَّ الأفلاك قديمة أزليَّة لا علَّةٌ تتشبَّه بها"، فأنكروا وجود الخالق.
وذكر الشيخ أنَّ هؤلاء صوفيَّة الملاحدة؛ لأنَّهم يعتقدون عقيدة الملاحدة المتفلسفة، وذكر أقوالهم، ويُمكن لكل طالب أن يُراجع النَّص السابق.
وذكر الشيخ أنَّ بعضهم يقول: إنَّ النُّبوَّة مكتسبة؛ يُمكن للإنسان أن يصير نبي!
وهذا من أعظم الكفر والتَّكذيب لكلام الله وكلام رسوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ومن أقوالهم الباطلة: أنَّهم يُنكرون كثيرًا مِن حقائق الشَّرع، ويجعلون حقائق من عندهم أخذوها عن الفلاسفة ويلبِّسوها لبوسًا إسلاميًّا، مثل قوله: إنَّ هناك عقول عشرة هي التي تحرك الأفلاك، وأنَّها صدرت عن العقل الأول، وعن هذا العقل صدر كل شيء!
وبيَّن الشَّيخ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- هذه الكفريَّات وهذه الضَّلالات، ومع الأسف أنَّ هؤلاء الصُّوفيَّة الغلاة لبَّسوا على المسلمين تلبيسًا كثيرًا، فجعلوا جبريل هو العقل الأول، وجعلوه هو الخيال التَّابع للعقل، وزعموا أنهم هم الأولياء يأخذون عمَّن فوق جبريل -كما سبق ذكر هذا.
وأكَّد الشيخ على مسألة، فقال: (فإن ابن عربي وأمثاله فإنهم وإن ادعوا أنهم صوفية فإنهم من صوفية الملاحدة الفلاسفة، وليسوا من صوفيَّة أهل الكلام، فضلًا عن أن يكونوا من مشايخ أهل الكتاب والسنة، كالفضيل، وإبراهيم بن أدهم، والجنيد، وغيرهم).
فالصوفيَّة أنواع، فهؤلاء لم يقعوا في بدعِ أهلِ الكلام من المتصوِّفة؛ بل وقعوا فيما هو أشدَّ، فوقعوا في كفريَّات وضلالات، وردَّ عليهم الشَّيخ في زعمهم أنَّ جبريل هو العقل الفعَّال أو أنَّه هو العقل الأوَّل.
قال الشَّيخ: (وَغَايَةُ حَقِيقَةِ هَؤُلَاءِ إنْكَارُ " أُصُولِ الْإِيمَانِ " بِأَنْ يُؤْمِنَ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَحَقِيقَةُ أَمْرِهِمْ جَحْدُ الْخَالِقِ فَإِنَّهُمْ جَعَلُوا وُجُودَ الْمَخْلُوقِ هُوَ وُجُودُ الْخَالِقِ وَقَالُوا: الْوُجُودُ وَاحِدٌ وَلَمْ يُمَيِّزُوا بَيْنَ الْوَاحِدِ بِالْعَيْنِ وَالْوَاحِدِ بِالنَّوْعِ).
إذن هذه حقيقة عقيدتهم، فخلاصة عقيدة الملاحدة الفلاسفة من الصُّوفية الذين تابعوهم هو إنكار أركان الإيمان السِّتَّة والزَّعم بأنَّها خيالات، فلا تغتر بهم حتى ولو أظهروا الإسلام تستُّرًا فإنَّهم منافقون زنادقة، يُنكرون الإيمان بالله والملائكة والكتب والرُّسل واليوم الآخر.
قال الشَّيخ: (وَحَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ قَوْلُ فِرْعَوْنَ الَّذِي عَطَّلَ الصَّانِعَ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُنْكِرًا هَذَا الْوُجُودَ الْمَشْهُودَ ; لَكِنْ زَعَمَ أَنَّهُ مَوْجُودٌ بِنَفْسِهِ لَا صَانِعَ لَهُ).
فرعون لم يُنكر أنَّ الوجود المشهود هذا ليس موجودًا، ولكن أنكر أن له خالقًا، وزعم أن هذا الوجود ليس له صانع.
قال: (وَهَؤُلَاءِ وَافَقُوهُ فِي ذَلِكَ)، أي: وافقوه في إنكار الخالق، فحقيقة قولهم أن لا خالق.
قال: (لَكِنْ زَعَمُوا بِأَنَّهُ هُوَ اللَّهُ فَكَانُوا أَضَلَّ مِنْهُ)، زعموا أنَّ هذا الكون وهذه المخلوقات هي الله، فصاروا أضل من فرعون من هذا الوجه.
قال: (وَإِنْ كَانَ قَوْلُهُ هَذَا هُوَ أَظْهَرُ فَسَادًا مِنْهُمْ وَلِهَذَا جَعَلُوا عُبَّادَ الْأَصْنَامِ مَا عَبَدُوا إلَّا اللَّهَ وَقَالُوا: "لَمَّا كَانَ فِرْعَوْنُ فِي مَنْصِبِ التَّحَكُّمِ...")، هذا النَّص منقول من كتاب "الفصوص والحكم" لابن عربي حتى يعرفَ طالب العلم ويعرف كلَّ مسلم أنَّ هؤلاء الذين يُدافعون عن ابن عربي ويُروِّجونَ له أنَّهم يروِّجون لهذا الكلام، وحتى تعرف أنَّ الدعايات لابن عربي وللحلَّاج وأمثالهم هي دعوات لإنكار الإسلام ومحاربة الدِّين الإسلامي.
قال عن فرعون: (مَّا كَانَ فِرْعَوْنُ فِي مَنْصِبِ التَّحَكُّمِ صَاحِبَ السَّيْفِ وَإِنْ جَارَ فِي الْعُرْفِ النَّامُوسِي كَذَلِكَ قَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الْأَعْلَى -أَيْ وَإِنْ كَانَ الْكُلُّ أَرْبَابًا بِنِسْبَةِ مَا فَأَنَا الْأَعْلَى مِنْكُمْ بِمَا أُعْطِيته فِي الظَّاهِرِ مِنْ الْحُكْمِ فِيكُمْ".
قَالُوا: "وَلَمَّا عَلِمَتْ السَّحَرَةُ صِدْقَ فِرْعَوْنَ فِيمَا قَالَهُ أَقَرُّوا لَهُ بِذَلِكَ وَقَالُوا: ï´؟فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَاï´¾).
السَّحرة آمنوا، وليس كلام السَّحرة لفرعون ï´؟فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَاï´¾ هو اعتقاد منهم بأنَّ فرعون صادق؛ لا، فهم كفروا بفرعون وآمنوا بالله وأسلموا واتَّبعوا موسى وقالوا لفرعون "اقضِ ما أنت قاضٍ"، يعني أيشٍ تسوِّي فنحن صابرين على الدِّين ومتمسِّكين بالإسلام، لن نتركَ الإسلام ولن نتركَ الإيمان بالله، وكل ما تقدر عليه يا فرعون أنت وجندك هو هذه الدنيا، أن تعذبنا وتؤذينا في هذه الدنيا، ولكن ما تقدر على الآخرة.
أما هذا الطاغوت ابن عربي قال: (فَصَحَّ قَوْلُ فِرْعَوْنَ ï´؟أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىï´¾ وَكَانَ فِرْعَوْنُ عَيْنَ الْحَقِّ).
هل يقول مسلم مثل هذا! والله ما يقول هذا إلَّا زنديق كافر.
قال: (ثُمَّ أَنْكَرُوا حَقِيقَةَ الْيَوْمِ الْآخِرِ فَجَعَلُوا أَهْلَ النَّارِ يَتَنَعَّمُونَ كَمَا يَتَنَعَّمُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَصَارُوا كَافِرِينَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبِمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، مَعَ دَعْوَاهُمْ أَنَّهُمْ خُلَاصَةُ خَاصَّةِ الْخَاصَّةِ مِنْ أَهْلِ وِلَايَةِ اللَّهِ، وَأَنَّهُمْ أَفْضَلُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ إنَّمَا يَعْرِفُونَ اللَّهَ مِنْ مِشْكَاتِهِمْ).
عرفتم يا إخواني الكرام كيف هؤلاء يقلبون الحقائق ويدَّعون أنهم أهل الولاية، وأنَّهم خلاصَّة خاصَّة الخاصَّة، حتى قالوا في الجنة والنار: إنَّ أهل النار يتنعَّمون كما يتنعَّم أهل الجنة، يعني: لم تكن النار عذابًا ولا عقوبةً، وسوُّوا بينَ الكفَّار وبين أهل الإسلام والمسلمين، والله -جلَّ وَعَلَا- يقول: ï´؟أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَï´¾، هؤلاء يقولون: إنهم سواء وكلهم يتنعَّمون، فهذا من كفريَّات هؤلاء.
ومن يُروِّج لهذا المجرم ابن عربي وكتبه فهو من أصحاب هذه العقائد الفاسدة، ونشهد الله أنَّنا برآء ممن يقول به وممَّن يدعو إليه، ونحذر إخواننا المسلمين من عقيدة ابن عربي، ومن عقيدة الصُّوفيَّة الملاحدة الفلاسفة، ومن كل بدعة، ونبرأ إلى الله من هذا ، ونثبت على الدين والإسلام، ونثبت على ما كان عليه الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قال الشيخ: (وَلِهَذَا عَامَّةُ كَلَامِهِمْ إنَّمَا هُوَ فِي التَّخيُّلات الشَّيْطَانِيَّةِ وَيَقُولُونَ مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْفُتُوحَاتِ)، الشَّيخ يرجع مرة أخرى وينقض كلام ابن عربي صاحب الفتوحات، كتاب اسمه "الفتوحات المكيَّة" يقول: إنَّه كان في مكَّة ويُفتَح عليه، أي بخواطر تأتيه فيكتبها، فهذه النُّصوص التي قرأناها عن فرعون؛ هذه من الفتوحات!!
فالشيخ يقول إنَّ هذه تخيُّلات شيطانيَّة وليست فتوحات، فنقل عنه الشيخ في: (بَابُ أَرْضِ الْحَقِيقَةِ وَيَقُولُونَ هِيَ أَرْضُ الْخَيَالِ)، فليس عندهم حقيقة؛ بل كلها خيالات.
ثم يقول: (فَيعْترف بِأَنَّ الْحَقِيقَةَ الَّتِي يَتَكَلَّمُ فِيهَا هِيَ خَيَالٌ وَمَحَلُّ تَصَرُّفِ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يُخَيِّلُ لِلْإِنْسَانِ الْأُمُورَ بِخِلَافِ مَا هِيَ عَلَيْهِ).
الشيخ يؤكِّد أن كلام ابن عربي في هذه الكتب ما هو إلا من الشَّيطان وليس من الرحمن، وأنَّها، أي: كتبه تحوي ضلالات وتخيُّلات وليست حقائق.
وأورد الشَّيخ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- مجموعة من الآيات القرآنية تدلُّ على أنَّ الشَّياطين تضل الناس.
نأخذ الآية الأولى: قَالَ تَعَالَى: ï´؟وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ * وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَï´¾.
قوله: ï´؟وَمَنْ يَعْشُï´¾، أي: من يغفُل.
قوله: ï´؟عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِï´¾، أي: عن القرآن.
قوله: ï´؟نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًاï´¾، أي: نُسلِّط عليه شيطان.
قوله: ï´؟فَهُوَ لَهُ قَرِينٌï´¾، أي مصاحب له، يُملي عليه ويُضلَّه ويُفسده، ويجعله ضالًّا -نسأل الله العافية والسَّلامة- وهذه عقوبة من الله لأنَّه أعرض عن ذكر الرحمن، فما سلَّطَ الله عليه القرين إلَّا لإعراضه عن ذكر الله.
قوله: ï´؟وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِï´¾، الشياطين يصدُّون هؤلاء الذين أعرضوا عن ذكر الرَّحمن، ولهذا فإنَّ المؤمن إذا أعرض عن القرآن وأقبل على مزامير الشَّيطان تسلَّطت عليه الشَّياطين، وإذا أعرض عن الوحي -الكتاب والسُّنَّة- وأقبل على كلام الفلاسفة وأقبل على كلام ضُلَّال الصُّوفيَّة تسلَّطت عليه الشَّياطين وقلبت عنده الموازين، فأصبح يرى الحقَّ باطلًا والباطل حقًّا، والمعروف منكرًا والمنكر معروفًا، ويرى السُّنَّة بدعة والبدعة سنَّة، ويرى الشِّركَ توحيدًا والتَّوحيد شركًا، قال تعالى: ï´؟وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَï´¾.
قال: ï´؟حَتَّى إذَا جَاءَنَاï´¾، أي: يوم القيامة.
قوله: ï´؟قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُï´¾، يلعنه ويذمُّه ويدعو عليه ويسبُّه ويشتمه، ويتمنَّى أنَّه كانَ بينه وبينه بُعدَ المشرقين، يتمنَّى أنَّ ما كان حوله هذا الشيطان -نسأل الله العافية والسَّلامة.
وقوله: ï´؟وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَï´¾، الاشتراك في العذاب في الدنيا يُخفف قليلًا، يعني لو واحد ضُربَ ضربًا شديدًا ولكن لوحده؛ فإنَّ ألم هذا الضَّرب شديد جدًّا عليه، ولكن إذا جُمعت المجموعة كلها وضُرِبُوا بنفس المقدار من الضَّرب، ويرى بعضهم بعضًا أنَّهم يُضربون بنفس المقدار، ويُعذَّبون بنفس التَّعذيب؛ فإنَّهم إذا رأوا بعضهم هان عليهم ما هم فيه، إلَّا في الآخرة فلن ينفعهم أنَّهم مشتركون في العذاب؛ بل يشتد عليهم، قال تعالى: ï´؟وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَï´¾.
قال تعالى: ï´؟إنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا * لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا * وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا * يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًاï´¾.
إذن؛ ما حصل لابن عربي وأمثاله وما يحصل لكلِّ مَن أعرض عن الدِّين هو من أمنيات الشيطان ومن تلاعب الشيطان بهؤلاء ومن تضليلاته، والحمد لله أنَّ الله -جلَّ وَعَلَا- منَّ علينا بكتابه وبسنَّة رسوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فنعرف الفرق بين الحق والباطل، أمَّا هؤلاء فإنَّ الشيطان يعدهم ويمنِّيهم، فكل ما عندهم أماني ووعود وظنون، حتى إذا مات الواحد منه رأى الحقائق، وراى ملائكة العذاب، ولا حول ولا قوَّة إلَّا بالله، نسأل الله حسن الخاتمة، ونسأل الله أن يعافينا من هذه الضَّلالات.
قال: ï´؟وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًاï´¾، تركوا القرآن والسُّنَّة، وأعرضوا عن الوحي؛ فلما ماتوا رأوا الحقائق، فذهبت أفكارهم وزُبالات عقولهم، تولَّاهم الشَّيطان وسيتبرَّأ منهم ويهرب، فمآلهم هذا قبيح -نسال الله العافية والسلامة.
قال تعالى: ï´؟وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْï´¾، هذا تأكيد لالآية السابقة ï´؟يعدهمï´¾ وهنا قال: ï´؟وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْï´¾، فكيف تمشي مع هواك ومع الشيطان، ومع هذه الخيالات وهذه الوساوس التي يُلقيها.
قال: ï´؟وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِيï´¾، ليس هذا بسلطةٍ منه وضرب وتشديد عليهم؛ بل هم الذين أقبلوا عليه ورضوا بالشيطان، وأعرضوا عن الرحمن، وأعرضوا عن القرآن، ولهذا كل أئمَّة الإلحاد وأئمة الكفر سيتبرؤون من متبوعيهم، المتبوع سيتبرَّأ من الأتباع ويقول: اذهبوا، أنا ما قلت لكم كذا وكذا...
وهذا فيه دعوى لكل إنسان يغتر بدعاة الضَّلالة، هذا الشَّخص الذي له تأثير -وكاريزما- وله شخصيَّة تؤثر فيك سيتبرَّأ منك يوم القيامة، فلا تتبع إلَّا الرسول محمد -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَالَ تَعَالَى: ï´؟وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِï´¾.
هذا يوم بدر، فما بالك بما يكون يوم القيامة، فهذا هو موقف الشيطان من أصحابه وأتباعه -نسأل الله العافية والسَّلامة.
قال: (وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ إنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ يَزَعُ الْمَلَائِكَةَ)، يعني أنَّه يسوقهم ويصفُّهم للقتال، وهذا جاء في الحديث عن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنَّه قال: «ما رُئِيَ الشيطان يوماً هو فيهِ أصغرُ، ولا أَدْحَر، ولا أَحْقَر، ولا أَغْيَظْ منه في يومِ عَرَفَةَ وما ذلكَ إلا لمَا يرَى من تنزُّلِ الرّحمةِ وتجَاوزِ اللهِ تعالى عن الذنوبِ العظامِ، إلا ما أُري يوم بدر»، قيل: وما رأى يوم بدر يا رسول الله؟ قال: «أما إنه قد رأى جبريل يزع الملائكة»، يعني يصفهم ويسوقهم إلى القتال، فأخزاه الله خزيًا عظيمًا، وكانت معركة بدر هي الغزوة الكبرى، وهي الفتح الأعظم، وهي بوابة قوَّة الإسلام، ونُصرَة الإسلام إلى يوم القيامة، وسمَّاه الله -جلَّ وَعَلَا- "يوم الفرقان"، فانتصر فيه أهل الإسلام على أهل الكفر، وظهر الحق ولله الحمد، وهذا من أفضل أيام الله -جلَّ وَعَلَا- ولهذا كان الشيطان في ذلك اليوم ذليلًا حقيرًا متغيِّظًا، لأنَّه رأى عزَّة الإسلام وثبات الإسلام وبقائه من خلال انتصار المسلمين في هذه الغزوة.
قال الشيخ: (وَالشَّيَاطِينُ إذَا رَأَتْ مَلَائِكَةَ اللَّهِ الَّتِي يُؤَيِّدُ بِهَا عِبَادَهُ هَرَبَتْ مِنْهُمْ وَاَللَّهُ يُؤَيِّدُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِمَلَائِكَتِهِ.
قَالَ تَعَالَى: ï´؟إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُواï´¾).
الله أكبر! الله -جلَّ وَعَلَا- يؤيِّد المؤمنين بالملائكة، أمَّا الشياطين فإنَّها لا تصل للمؤمنين، فالله -جلَّ وَعَلَا- يُعيذهم من الشَّيطان، فتأييد الله -جلَّ وَعَلَا- لعباده المؤمنين بالملائكة في قوله: ï´؟إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْï´¾، فالملائكة تنزل لتثبيت المؤمنين وتأييدهم وإعانتهم وتطمينهم وإنزال السَّكينة عليهم.
قال تعالى: ï´؟إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُï´¾، فالحمد لله على نصرة الله -جلَّ وَعَلَا- وهذا من آيات الله الكبرى، فعدد المسلمين كانوا ثلاثمائة وأربعة عشر، وكان عدد الكفَّار قرابة ألف، ومع ذلك نصر الله الفئة القليلة على الفئة الكافرة الكثيرة.
ومِن أدلَّة كون الملائكة تكون مع المؤمنين لا الشَّياطين: قوله تَعَالَى: ï´؟يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَاï´¾، الجنود هم الملائكة، وهذا في غزوة الأحزاب، والتي تسمى غزوة "الخندق"، لأنَّ النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حفر حول المدينة خندقًا يمنع وصول الكفَّار.
وَقَالَ تَعَالَى: ï´؟إذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَاï´¾، أي: الملائكة، فالملائكة تنزل لتأييد الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ومن حفظ الله لنبيه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنَّ الكفَّار أرسلوا عددًا لطلب النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وقتله فلم يروا النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وحماه الله منهم، حتى قال أبو بكر الصِّديق: "يا رسول الله! لو نظر أحدهم إلى قدميه لرآنا" فقال -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا» ، وقال: «لا تحزن إن الله معنا»، فهذا فيه فضل أبي بكر الصِّديق -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- لأنَّ الله تعالى قال: ï´؟إذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِï´¾، فأثبت الصُّحبَة، وهذا يدلُّ على أنَّه أفضل الصَّحابة، فأنزل الله -عزَّ وجلَّ- ما أنزل من الجنود والنُّصرة والتأييد، وردَّ الله الكفَّار خائبين، والحمد لله رب العالمين.
قَالَ تَعَالَى: ï´؟إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَï´¾.
هذا في غزوة أحد، وقيل إنها في بدر، فأنزل الله -عزَّ وجلَّ- ملائكة.
قوله: ï´؟مُسَوِّمِينَï´¾، يعني مُعلَّمين بعلامات ليست من علامات البشر، وهذا من إمداد الله ونُصرَة الله لأوليائه.
وأما الكفَّار والمشركون والملاحدة فإنَّ الملائكة لا تأتيهم؛ بل تأتيهم الشَّياطين، فلا تنزل عليهم الملائكة، ولا تعينهم ولا تحفظهم؛ بل هؤلاء تصاحبهم الشياطين، قال تعالى: ï´؟وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌï´¾.
وهذا من أعظم الفُرقان، أن نقول: مَن رأينا منه علامات الإيمان وأعمال الإيمان وأقوال الإيمان وعقائد الإيمان؛ فهذا يكون من أهل الإيمان، ومن رأينا منه علامات الكفر والشِّرك والضَّلال والرِّدَّة فإنَّه لا يكون وليًّا للرحمن أبدًا.
قال الشيخ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (وَهَؤُلَاءِ تَأْتِيهِمْ أَرْوَاحٌ تُخَاطِبُهُمْ وَتَتَمَثَّلُ لَهُمْ وَهِيَ جِنٌّ وَشَيَاطِينُ فَيَظُنُّونَهَا مَلَائِكَةً، كَالْأَرْوَاحِ الَّتِي تُخَاطِبُ مَنْ يَعْبُدُ الْكَوَاكِبَ وَالْأَصْنَامَ، وَكَانَ مِنْ أَوَّلِ مَا ظَهَرَ مِنْ هَؤُلَاءِ فِي الْإِسْلَامِ: الْمُخْتَارُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، الَّذِي أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ «سَيَكُونُ فِي ثَقِيفٍ كَذَّابٌ وَمُبِيرٌ»، وَكَانَ الْكَذَّابُ: الْمُخْتَارَ بْنَ أَبِي عُبَيْدٍ وَالْمُبِيرُ: الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ).
قول الشيخ: (وَهَؤُلَاءِ تَأْتِيهِمْ أَرْوَاحٌ تُخَاطِبُهُمْ وَتَتَمَثَّلُ لَهُمْ وَهِيَ جِنٌّ وَشَيَاطِينُ فَيَظُنُّونَهَا مَلَائِكَةً)، المقصود ملاحدة الصُّوفية الذين سبق ذكرهم كابن عربي وأمثاله، فيسمع أصواتًا ويرى أشياءً؛ فيظن أنَّها ملائكة لجهله ولبدعته ولتزيين الشيطان له، وإنَّما هي جن وشياطين، وهذا من الضَّلالات التي تنزل عليهم.
وضرب الشيخ مثالًا ليستدل به: ( كَالْأَرْوَاحِ الَّتِي تُخَاطِبُ مَنْ يَعْبُدُ الْكَوَاكِبَ وَالْأَصْنَامَ)، وهذا موجود قديمًا حتى في زمن نبي الله إبراهيم، وقبل بعثة النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فكانت بعض الأصنام وبعض الكواكب وبعض المعبودات التي تُعبَد من دون الله يصدر منها أصواتًا، وهي أرواح شيطانيَّة تتكلَّم، فيظنُّونها أنَّها معبودات.
وكان أوَّل مَا ظهر من هؤلاء في الإسلام المختار بن أبي عبيد الثقفي، هذا الشَّخص كان مسلمًا وأبوه صحابي، لكن المختار هذا أخباره سيئة جدًّا، وأول أمره كان مذكورًا بما يُذكَر به الناس من الإسلام ولم يُعرَف عنه غير ذلك، ثمَّ بدأ يرى أشياء ويكتم الفسق، ويُظهر بعض الكلمات الغريبة، ثم صار يدَّعي أنَّه يُوحى إليه، وبعد ذلك ادَّعى النبوة في آخر أمره، وصار يُلقي أسجاعًا وأشعارًا كأنَّها إلهامًا، فجلسَ على ادِّعاء النُّبوَّة سنةً وأربعةَ أشهر، فطلبه وقاتله مصعب بن الزبير فقتله سنة سبع وستين من الهجرة، يعني فترة ادِّعائه للنبوَّة حتى مات سنة وأربعة أشهر، وكان قد تغلَّب على العراق في ذلك الوقت، انظر كيف تحصل الفتن!
والحمد الله أنَّ جميع مدَّعي النبوَّة يُهلكهم الله -عزَّ وجلَّ- فهذا كان يرى أشياءً ويسمع أصواتًا، وسيأتي الكلام لابن عباس.
ونجزم ونقطع أن المختار هذا كذَّاب، وأنَّ الحجَّاج بن يوسف الثقفي مبيرٌ، للحديث...
قال الشَّيخ: (الَّذِي أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ «سَيَكُونُ فِي ثَقِيفٍ كَذَّابٌ وَمُبِيرٌ»، وَكَانَ الْكَذَّابُ: الْمُخْتَارَ بْنَ أَبِي عُبَيْدٍ، وَالْمُبِيرُ: الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ).
كذَّاب: أي يدَّعي النُّبوَّة ويكذب.
والمبير: هو الحجَّاج بن يوسف الثَّقفي، وكلهم في ثقيف، ومن علامات نبوة النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إخباره بالمغيَّبات التي يُخبره الله عنها، فأخبر أنَّه سيخرج في قبيلة ثقيف رجلان، أحدهما كذَّاب والآخر مبير -يعني مفسد، يقتل الناس ويظلمهم.
فالكذاب هو المختار بن أبي عُبيد، فكان أوَّل أمره -كما سبق- ثم ادَّعى النُّبوَّة وأنَّه يُوحَى إليه، فصار كذَّابًا، فتخدعه الشَّياطين، وهلك سنة سبع وستين للهجرة.
وأمَّا المبير: فهو الحجَّاج بن يوسف الثقفي، وكان أميرًا لبني أميَّة، وكان شجاعًا قويًّا فاتكًا، وبحث عن قتَلَةِ عثمان وتتبعهم وقتلهم، وكان فيه ظلمٌ وإيذاءٌ للمؤمنين، فقتل أناسًا كثيرًا جدًّا، واشتهر بالظُّلم، وعنده بعض الأشياء مثل حفظ القرآن، وبعض الأشياء التي يُمدَح على مثلها ولكنَّها قليلة، وأكثر حاله هو الظُّلم والإفساد والقتل -نسأل الله العافية والسَّلامة.
قال الشيخ: (فَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ: إنَّ الْمُخْتَارَ يَزْعُمُ أَنَّهُ يَنْزِلُ إلَيْهِ فَقَالَا: صَدَقَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ï´؟هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍï´¾. وَقَالَ الْآخَرُ: وَقِيلَ لَهُ إنَّ الْمُخْتَارَ يَزْعُمُ أَنَّهُ يُوحَى إلَيْهِ فَقَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ï´؟وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْï´¾).
احتجَّ عبد الله بن عمر واحتجَّ عبد الهُ بن عباس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما- أنَّ دعوى بعض الناس أنَّه يتكلَّم بكلام ويزعم أنَّه وحي؛ فقال: صدقَ، ولكنه وحي شيطان وليس وحي الرحمن.
وهذا من أعظم الفرقان الذي أعطيه الصَّحابة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُم- فالصَّحابة لم يكن يلتبس عليهم أمثال هؤلاء، ولكن في القرون المتأخِّرة لمَّا كثُرَ الجهل وكثُرَت البدع وكثُرَ دعاة الفتنة والضَّلالة صار هناك التباس، فيلتبس على بعض الناس أمر هؤلاء فيصدِّقونهم، أو ربَّما يسكتون عنهم أو يحتارون فيهم، والواجب على المؤمن ألَّا يحتار في أمر هؤلاء، مَن يدَّعي النُّبوَّة أو يكذب على الله فإنَّه كذَّاب، وإذا قيل إنَّه تنزل عليه أشياء فهو لا يكذب، صحيح أنَّه يحس بأشياء تنزل عليه، ويحس بكلمات تصل إليه ليست من نفسه ويسمعها، فهو لا يكذب في هذا، ولكن هذا من الشياطين وليست من الملائكة.
فاحتج ابن عباس بقوله تعالى: ï´؟هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍï´¾، وسبقت هذه الآية في أنَّ الشياطين تنزل على بعض النَّاس.
واحتجَّ ابن عمر بقوله: ï´؟وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْï´¾، إذن هناك شياطين توحي، جاءت معلومة لهذا الإنسان البشري من شيطان، سمَّاه الله وحيًا، ولكنَّه وحي شيطاني.
قال: ï´؟وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إلَى أَوْلِيَائِهِمْï´¾، الوحي هنا: هو الإخبار بخفيةٍ. فالوحي في اللغة العربية: هو الإعلام السَّريع بخفيةٍ.
فهناك وحيٌ للرحمن، تأتي به الملائكة، أو يأتي به جبريل إلى النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ولا يُوحَى إلى غير النبي أبدًا، وهناك وحي للشيطان يُوحي به إلى هؤلاء، فوحي الشيطان إعلام سريع خفي وإخبار بخُفيةٍ، قال تعالى: ï´؟وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْï´¾، وهذا يحصل للكُهَّان، كما حصل للمختار هذا وأمثاله.
{أحسن الله إليكم..
هل يُمكن أن تكون هذه الحالات الشَّيطانيَّة امتحانٌ لبعضِ النَّاس حتى ولو كان مؤمنًا صادقًا؟}.
المؤمن الصَّادق إذا وجدَ في نفسه كلامًا أُلقِيَ على قلبه أو أحسَّ بشيءٍ، أو خطرت له خاطرة، أو سمع صوتًا يهتف؛ فيزن هذا بالكتاب والسُّنَّة، فإذا وافق الكتاب والسُّنَّة قَبِلَه ولا يعتمد على هذه الأشياء، فالمعيار عند المسلم والمسلمة هو كلام الله وكلام رسوله، والوحي قد انقطعَ، ولا يستقيم الإسلام ولا الدِّين إذا صارَ يتلقَّى من هذه المصادر الخفيَّة الباطلة، فإذا وجدَ الإنسان المسلم في نفسه صوتًا، أو وجدَ كلامًا أُلقيَ في قلبه؛ فلا يتلفت إليه ولا يركن إليه ولا يعتمد عليه.
وإذا سأل: ما الموقف من هذا الكلام الذي سمعه؟
نقول: اعرضه على القرآن والسُّنَّة، فما وافق الحق قُبِلَ، وما خالفَه رُدَّ.
قال الشيخ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (وَهَذِهِ الْأَرْوَاحُ الشَّيْطَانِيَّةُ هِيَ الرُّوحُ الَّذِي يَزْعُمُ صَاحِبُ "الْفُتُوحَاتِ" أَنَّهُ أُلْقِيَ إلَيْهِ ذَلِكَ الْكِتَابُ؛ وَلِهَذَا يَذْكُرُ أَنْوَاعًا مِنْ الْخَلَوَاتِ بِطَعَامِ مُعَيَّنٍ وَشَيْءٍ مُعَيَّنٍ، وَهَذِهِ مِمَّا تَفْتَحُ لِصَاحِبِهَا اتِّصَالًا بِالْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ، فَيَظُنُّونَ ذَلِكَ مِنْ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ الْأَحْوَالِ الشَّيْطَانِيَّةِ، وَأَعْرِفُ مِنْ هَؤُلَاءِ عَدَدًا، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَحْمِلُ فِي الْهَوَاءِ إلَى مَكَانٍ بَعِيدٍ وَيَعُودُ).
هذا كلام مهم حتى يعرف المسلمون ما اشتمل عليه كتاب "الفتوحات" و"فصوص الحِكَم" وما هي عقيدة ابن عربي، لأن هذه كلمات نتمنَّى أن تصل إلى كل مَن اغترَّ بهذا الرَّجل من حاكمٍ أو شخص يدَّعي العلم، أو مسؤول في قناة إعلاميَّة، أو عموم المسلمين، فنتكلَّم معهم بهذا الكلام؛ نقول: اعرفوا هذا الشخص الذي تدافعون عنه، إنه زنديق ضال، واسمعوا كلامه بنفسه:
يقول الشيخ ابن تيمية عنه: (وَهَذِهِ الْأَرْوَاحُ الشَّيْطَانِيَّةُ هِيَ الرُّوحُ الَّذِي يَزْعُمُ صَاحِبُ "الْفُتُوحَاتِ" أَنَّهُ أُلْقِيَ إلَيْهِ ذَلِكَ الْكِتَابُ، وَلِهَذَا يَذْكُرُ أَنْوَاعًا مِنْ الْخَلَوَاتِ بِطَعَامِ مُعَيَّنٍ وَشَيْءٍ مُعَيَّنٍ).
نقرأ مقدمة كتاب ابن عربي: "أما بعد فإني رأيت رسول الله في مبشرة أريتها في العشر الأواخر من محرم سنة ستمائة وسبع وعشرين من الهجرة بدمشق، وبيده كتاب، فقال لي: هذا كتاب فصوص الحكم، خذه واخرج به إلى الناس ينتفعون به. فقلت: السَّمع والطاعة".
هنا يزعم هذا الضَّال أنَّه جاءته روح يظن أنها الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأنَّه أمره بنشر هذا الكتاب.
يقول: "فتحققت الأمنية وأُخلصت النية، وجرَّدتُّ القصد والهمَّة إلى إبراز هذا الكتاب، فمن الله فاسمعوا، وإلى الله فارجعوا".
صار كتابه من الله! وصار أعظم من القرآن! لأنَّ القرآن في زعمه هو سمعه المسلمون عن رسول الله عن جبريل عن الله، أما ابن عربي فهو عن الله مباشرة، فقال: "فمن الله فاسمعوا"!!
فأيُّ ضلالٍ أعظم من هذا الضَّلال! وأيُّ كفرٍ أعظم من هذا الكفر! وهذا في مقدِّمة كتابه.
قال الشيخ: (وَهَذِهِ الْأَرْوَاحُ الشَّيْطَانِيَّةُ هِيَ الرُّوحُ الَّذِي يَزْعُمُ صَاحِبُ "الْفُتُوحَاتِ" أَنَّهُ أُلْقِيَ إلَيْهِ ذَلِكَ الْكِتَابُ، وَلِهَذَا يَذْكُرُ أَنْوَاعًا مِنْ الْخَلَوَاتِ بِطَعَامِ مُعَيَّنٍ وَشَيْءٍ مُعَيَّنٍ)، يقول: إنَّه يخلو دائمًا ويترك الجماعة والجُمُعة ومعه طعام معيَّن! فإذا رأيت الرجل يخلو عن الناس ويبتعد عن الجماعة فهذا دليل على تلبُّس الشياطين به وأنَّها تضلِّه، فالانعزال عن المساجد وعن المسلمين سبب للضلال.
قال الشيخ: (وَهَذِهِ مِمَّا تَفْتَحُ لِصَاحِبِهَا اتِّصَالًا بِالْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ)، فإذا خلا وخفَّفَ الأكلَ وترك الشُّرب يأتيه الشَّيطان فيُغرِّر به ويظن أنَّه ملك، وهو من الشيطان، فلا يُستغرَب أنَّه يتمثَّل له الشيطان ويقول له: أنا رسول الله!
ومن المعلوم أنَّه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لا يتمثل به الشَّيطان في المنام، ولكن الشَّأن أن يُرَى كما هو -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، لكن هذا الشَّخص تنقطع يقينًا أنَّه لم يرَ الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فهو إمَّا يكذب ويفتري، وإمَّا أنَّه شيئًا وظنَّ أنَّه الرسول وهو ليس بالرَّسول، ولا شكَّ أنَّ هذا وأمثاله من أجهل الناس بصفة الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قال الشيخ: (فَيَظُنُّونَ ذَلِكَ مِنْ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ الْأَحْوَالِ الشَّيْطَانِيَّةِ، وَأَعْرِفُ مِنْ هَؤُلَاءِ عَدَدًا)، أي: يعرف ناسًا أخر -وليس فقط ابن عربي- تحملهم الشَّياطين وتساعدهم؛ كل هذا لأنَّهم انقطعوا عن المسلمين وصاروا في هذه الخلوات، ويخدمون الشَّياطين وتخدمهم -نسأل الله العافية والسَّلامة.
لعلنا نقف عند هذا الموضع، وسيذكر الشيخ أمثلة لمن تتصل بهم الشَّياطين وتخدمهم، والحقيقة أنَّ هذا الفصل فصل مهم كما ترون، لأنَّه نقض لعقيدة كفرية ضلالية صوفيَّة تعتقد وتقول إنَّ هناك وحي غير القرآن والسنَّة، ويُعظِّمون هذه الضَّلالات الت يروجها ابن عربي وأمثاله -نسأل الله العافية والسَّلامة- وسيأتي مزيد لنقض كلامهم في الحلقة القادمة -إن شاء الله تعالى.
نسأل الله -جلَّ وعلا- أن يُعزَّ دينه، وأن يُعزَّ سنَّة نبيه، وأن يجعلنا من أنصار دينه وسنَّة نبيه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأن يُصلح أحوال المسلمين في كل مكان، وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد.
{وفي الختام نشكركم فضيلة الشيخ على ما تقدمونه، أسأل الله أن يجعل ذلك في موازين حسناتكم.
هذه تحيَّةٌ عطرةٌ من فريق البرنامج ومنِّي أنا محدثكم عبد الله بن أحمد العمر، إلى ذلكم الحين نستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته}.







رد مع اقتباس
قديم 2019-10-23, 19:41   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
احمد الصادق
عضو مميّز
 
إحصائية العضو










افتراضي

الفُرقَان بينَ أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (2)
الدَّرسُ الأول (1)
فضيلة الشيخ د./ فهد بن سليمان الفهيد
{بسم الله الرحمن الرحيم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أرحب بكم إخواني وأخواتي المشاهدين الأعزَّاء في حلقةٍ جديدةٍ من حلقات البناء العلمي، وفي مطلع هذه الدروس المباركة أرحب بفضيلة الشيخ الدكتور فهد بن سليمان الفهيد، فأهلًا وسهلًا بكم فضيلة الشيخ}.
حياكم الله، وحيا الله الإخوة جميعًا.
{في مطلع هذا الفصل نستكمل ما توقفنا عنده في الفصل الماضي، من قول شيخ الإسلام ابن تيمية -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (وَلِهَذَا عَامَّةُ كَلَامِهِمْ إنَّمَا هُوَ فِي الْحَالَاتِ الشَّيْطَانِيَّةِ)، وَيَقُولُونَ مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْفُتُوحَاتِ: (بَابُ أَرْضِ الْحَقِيقَةِ وَيَقُولُونَ هِيَ أَرْضُ الْخَيَالِ .
فَتُعْرَفُ بِأَنَّ الْحَقِيقَةَ الَّتِي يَتَكَلَّمُ فِيهَا هِيَ خَيَالٌ وَمَحَلُّ تَصَرُّفِ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يُخَيِّلُ لِلْإِنْسَانِ الْأُمُورَ بِخِلَافِ مَا هِيَ عَلَيْهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ * وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا * لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا * وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا * يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ إنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ يَزَعُ الْمَلَائِكَةَ، وَالشَّيَاطِينُ إذَا رَأَتْ مَلَائِكَةَ اللَّهِ الَّتِي يُؤَيِّدُ بِهَا عِبَادَهُ هَرَبَتْ مِنْهُمْ وَاَللَّهُ يُؤَيِّدُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِمَلَائِكَتِهِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾)}.
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.
نحمد الله -سبحانه وتعالى- ونشكره، ونسأله أن ينفع بهذه المجالس وأن يجعلها خالصةً لوجهه الكريم ونافعةً لعباده.
ثم في مطلع هذه الدروس نحاول أن نربط بين ما مضى وبين ما نحن في صدده الآن، فإنَّ القراءة في كتاب "الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان" قد وصلنا فيها إلى هذا الموضع الذي قرأته.
وهذا الموضع هو ضمن فصلٍ ذكر فيه شيخ الإسلام ابن تيمية -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- أنَّه قد اتَّفق سلف الأمَّة وأئمتها على أنَّ الأنبياء أفضل من الأولياء، وهذا دلَّ عليه القرآن والسُّنَّة وإجماع الأمَّة، ولم يُخالف فيه إلا بعض الضُّلَّال المبتدعة من هؤلاء غلاة الصُّوفيَّة، أو غيرهم من أهل الفلسفة كما مرَّ معنا.
وكان في ضمن الحديث -حتى نربط ما مضى بما نحن فيه الآن- أن قال -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن الأنبياء أفضل من الأولياء"، ثم ذكر أدلَّة كثيرة جدًّا، وقال: ظنَّ طائفةٌ غالطةٌ أنَّ خاتم الأولياء أفضل الأولياء، قياسًا على أنَّ خاتم الأنبياء أفضل الأنبياء، ثم بيَّنَ فسادَ هذا القول وبطلانه، ثم ذكرَ أنَّ ابن عربي، وهو محمد بن علي بن محمد بن عربي الطائي، أبو بكر الملقَّب بمحيي الدين بن عربي، ولد سنة خمسمائة وستين، وتوفي سنة ستمائة وثمانية وثلاثين، وهذا الشَّخص له كتبٌ طافحة بالكفريَّات مثل: كتاب "الفتوحات المكيَّة" وكتاب "فصوص الحكم"، وسيمرُّ معنا بعض النُّقولات التي يقشعرُّ منها جلد كلِّ مسلم ومسلمة من هذه الكتب، ومع ذلك زعم عن نفسه وزعم بعض الناس المعجبين به أنه أفضل الأولياء، وزعم أنه خاتم الأولياء.
ويجدر التَّنبيه أنَّ "ابن عربي" هذا بدون "ال"، وهناك عالم آخر مالكي اسمه "ابن العربي"، فهذا المالكي رجل فاضل وعالم جليل، وله كتب نافعة، وهو من العلماء الفضلاء وليس عنده هذه الضَّلالات، ولكن "ابن عربي" بدون "ال" هذا من أهل الضَّلال ، ومصنفاته فيها الكفر الصَّريح -كما ستأتي بعض النقول عنه.
والشيخ نبَّه عليه؛ لأنَّه قريب مِن زمنه، فالشيخ وُلد سنة ستمائة وواحد وستين، وهذا الزِّنديق ابن عربي توفي قبل ولادة الشَّيخ بنحو ثلاث وعشرين سنة، ولكن له أتباع كُثُر، فمن ضمن ضلالاتهم أنَّهم زعموا أنَّ الولي أفضل من النَّبي، وهذا موجود إلى الآن في كتب غلاة الصُّوفيَّة، فاحتاج الشَّيخ إلى التَّوسُّع فيه، فذكر ابن عربي، وابن الفارض، وابن سبعين، والقنوي، وذكر ضلالاتهم وردَّ عليهم في أول هذا الفصل الذي نقرأ فيه، وذكر من أقوالهم الكفريَّة أنهم يقولون: "مقام النبوة في برزخٍ فويق الرسول ودون الولي"، فالولي أعلى في زعم هؤلاء الضُّلَّال، ولهم شبهات سبقَ الرَّد عليها.
ومن ضِمن ضلالاتهم أنَّهم يقولون: نحن نأخذ مِن المعدن الذي يأخذ منه الملك، فصرنا أعلى درجة من الرَّسول الذي يأخذ من الملك ثم عن الله، فنحن نأخذ عن الله مباشرة!
وهذا كلُّه من التَّلاعب الذي تتلاعب به شياطين الإنس والجن، وذكر الشَّيخ أنَّ هؤلاء ركَّبوا باطلهم على فلسفة أرسطو ومَن معه، وتابعوه في بعض أقوالهم الكفريَّة، مثل قولهم "إنَّ الأفلاك قديمة أزليَّة لا علَّةٌ تتشبَّه بها"، فأنكروا وجود الخالق.
وذكر الشيخ أنَّ هؤلاء صوفيَّة الملاحدة؛ لأنَّهم يعتقدون عقيدة الملاحدة المتفلسفة، وذكر أقوالهم، ويُمكن لكل طالب أن يُراجع النَّص السابق.
وذكر الشيخ أنَّ بعضهم يقول: إنَّ النُّبوَّة مكتسبة؛ يُمكن للإنسان أن يصير نبي!
وهذا من أعظم الكفر والتَّكذيب لكلام الله وكلام رسوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ومن أقوالهم الباطلة: أنَّهم يُنكرون كثيرًا مِن حقائق الشَّرع، ويجعلون حقائق من عندهم أخذوها عن الفلاسفة ويلبِّسوها لبوسًا إسلاميًّا، مثل قوله: إنَّ هناك عقول عشرة هي التي تحرك الأفلاك، وأنَّها صدرت عن العقل الأول، وعن هذا العقل صدر كل شيء!
وبيَّن الشَّيخ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- هذه الكفريَّات وهذه الضَّلالات، ومع الأسف أنَّ هؤلاء الصُّوفيَّة الغلاة لبَّسوا على المسلمين تلبيسًا كثيرًا، فجعلوا جبريل هو العقل الأول، وجعلوه هو الخيال التَّابع للعقل، وزعموا أنهم هم الأولياء يأخذون عمَّن فوق جبريل -كما سبق ذكر هذا.
وأكَّد الشيخ على مسألة، فقال: (فإن ابن عربي وأمثاله فإنهم وإن ادعوا أنهم صوفية فإنهم من صوفية الملاحدة الفلاسفة، وليسوا من صوفيَّة أهل الكلام، فضلًا عن أن يكونوا من مشايخ أهل الكتاب والسنة، كالفضيل، وإبراهيم بن أدهم، والجنيد، وغيرهم).
فالصوفيَّة أنواع، فهؤلاء لم يقعوا في بدعِ أهلِ الكلام من المتصوِّفة؛ بل وقعوا فيما هو أشدَّ، فوقعوا في كفريَّات وضلالات، وردَّ عليهم الشَّيخ في زعمهم أنَّ جبريل هو العقل الفعَّال أو أنَّه هو العقل الأوَّل.
قال الشَّيخ: (وَغَايَةُ حَقِيقَةِ هَؤُلَاءِ إنْكَارُ " أُصُولِ الْإِيمَانِ " بِأَنْ يُؤْمِنَ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَحَقِيقَةُ أَمْرِهِمْ جَحْدُ الْخَالِقِ فَإِنَّهُمْ جَعَلُوا وُجُودَ الْمَخْلُوقِ هُوَ وُجُودُ الْخَالِقِ وَقَالُوا: الْوُجُودُ وَاحِدٌ وَلَمْ يُمَيِّزُوا بَيْنَ الْوَاحِدِ بِالْعَيْنِ وَالْوَاحِدِ بِالنَّوْعِ).
إذن هذه حقيقة عقيدتهم، فخلاصة عقيدة الملاحدة الفلاسفة من الصُّوفية الذين تابعوهم هو إنكار أركان الإيمان السِّتَّة والزَّعم بأنَّها خيالات، فلا تغتر بهم حتى ولو أظهروا الإسلام تستُّرًا فإنَّهم منافقون زنادقة، يُنكرون الإيمان بالله والملائكة والكتب والرُّسل واليوم الآخر.
قال الشَّيخ: (وَحَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ قَوْلُ فِرْعَوْنَ الَّذِي عَطَّلَ الصَّانِعَ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُنْكِرًا هَذَا الْوُجُودَ الْمَشْهُودَ ; لَكِنْ زَعَمَ أَنَّهُ مَوْجُودٌ بِنَفْسِهِ لَا صَانِعَ لَهُ).
فرعون لم يُنكر أنَّ الوجود المشهود هذا ليس موجودًا، ولكن أنكر أن له خالقًا، وزعم أن هذا الوجود ليس له صانع.
قال: (وَهَؤُلَاءِ وَافَقُوهُ فِي ذَلِكَ)، أي: وافقوه في إنكار الخالق، فحقيقة قولهم أن لا خالق.
قال: (لَكِنْ زَعَمُوا بِأَنَّهُ هُوَ اللَّهُ فَكَانُوا أَضَلَّ مِنْهُ)، زعموا أنَّ هذا الكون وهذه المخلوقات هي الله، فصاروا أضل من فرعون من هذا الوجه.
قال: (وَإِنْ كَانَ قَوْلُهُ هَذَا هُوَ أَظْهَرُ فَسَادًا مِنْهُمْ وَلِهَذَا جَعَلُوا عُبَّادَ الْأَصْنَامِ مَا عَبَدُوا إلَّا اللَّهَ وَقَالُوا: "لَمَّا كَانَ فِرْعَوْنُ فِي مَنْصِبِ التَّحَكُّمِ...")، هذا النَّص منقول من كتاب "الفصوص والحكم" لابن عربي حتى يعرفَ طالب العلم ويعرف كلَّ مسلم أنَّ هؤلاء الذين يُدافعون عن ابن عربي ويُروِّجونَ له أنَّهم يروِّجون لهذا الكلام، وحتى تعرف أنَّ الدعايات لابن عربي وللحلَّاج وأمثالهم هي دعوات لإنكار الإسلام ومحاربة الدِّين الإسلامي.
قال عن فرعون: (مَّا كَانَ فِرْعَوْنُ فِي مَنْصِبِ التَّحَكُّمِ صَاحِبَ السَّيْفِ وَإِنْ جَارَ فِي الْعُرْفِ النَّامُوسِي كَذَلِكَ قَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الْأَعْلَى -أَيْ وَإِنْ كَانَ الْكُلُّ أَرْبَابًا بِنِسْبَةِ مَا فَأَنَا الْأَعْلَى مِنْكُمْ بِمَا أُعْطِيته فِي الظَّاهِرِ مِنْ الْحُكْمِ فِيكُمْ".
قَالُوا: "وَلَمَّا عَلِمَتْ السَّحَرَةُ صِدْقَ فِرْعَوْنَ فِيمَا قَالَهُ أَقَرُّوا لَهُ بِذَلِكَ وَقَالُوا: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾).
السَّحرة آمنوا، وليس كلام السَّحرة لفرعون ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ هو اعتقاد منهم بأنَّ فرعون صادق؛ لا، فهم كفروا بفرعون وآمنوا بالله وأسلموا واتَّبعوا موسى وقالوا لفرعون "اقضِ ما أنت قاضٍ"، يعني أيشٍ تسوِّي فنحن صابرين على الدِّين ومتمسِّكين بالإسلام، لن نتركَ الإسلام ولن نتركَ الإيمان بالله، وكل ما تقدر عليه يا فرعون أنت وجندك هو هذه الدنيا، أن تعذبنا وتؤذينا في هذه الدنيا، ولكن ما تقدر على الآخرة.
أما هذا الطاغوت ابن عربي قال: (فَصَحَّ قَوْلُ فِرْعَوْنَ ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ وَكَانَ فِرْعَوْنُ عَيْنَ الْحَقِّ).
هل يقول مسلم مثل هذا! والله ما يقول هذا إلَّا زنديق كافر.
قال: (ثُمَّ أَنْكَرُوا حَقِيقَةَ الْيَوْمِ الْآخِرِ فَجَعَلُوا أَهْلَ النَّارِ يَتَنَعَّمُونَ كَمَا يَتَنَعَّمُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَصَارُوا كَافِرِينَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبِمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، مَعَ دَعْوَاهُمْ أَنَّهُمْ خُلَاصَةُ خَاصَّةِ الْخَاصَّةِ مِنْ أَهْلِ وِلَايَةِ اللَّهِ، وَأَنَّهُمْ أَفْضَلُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ إنَّمَا يَعْرِفُونَ اللَّهَ مِنْ مِشْكَاتِهِمْ).
عرفتم يا إخواني الكرام كيف هؤلاء يقلبون الحقائق ويدَّعون أنهم أهل الولاية، وأنَّهم خلاصَّة خاصَّة الخاصَّة، حتى قالوا في الجنة والنار: إنَّ أهل النار يتنعَّمون كما يتنعَّم أهل الجنة، يعني: لم تكن النار عذابًا ولا عقوبةً، وسوُّوا بينَ الكفَّار وبين أهل الإسلام والمسلمين، والله -جلَّ وَعَلَا- يقول: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾، هؤلاء يقولون: إنهم سواء وكلهم يتنعَّمون، فهذا من كفريَّات هؤلاء.
ومن يُروِّج لهذا المجرم ابن عربي وكتبه فهو من أصحاب هذه العقائد الفاسدة، ونشهد الله أنَّنا برآء ممن يقول به وممَّن يدعو إليه، ونحذر إخواننا المسلمين من عقيدة ابن عربي، ومن عقيدة الصُّوفيَّة الملاحدة الفلاسفة، ومن كل بدعة، ونبرأ إلى الله من هذا ، ونثبت على الدين والإسلام، ونثبت على ما كان عليه الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قال الشيخ: (وَلِهَذَا عَامَّةُ كَلَامِهِمْ إنَّمَا هُوَ فِي التَّخيُّلات الشَّيْطَانِيَّةِ وَيَقُولُونَ مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْفُتُوحَاتِ)، الشَّيخ يرجع مرة أخرى وينقض كلام ابن عربي صاحب الفتوحات، كتاب اسمه "الفتوحات المكيَّة" يقول: إنَّه كان في مكَّة ويُفتَح عليه، أي بخواطر تأتيه فيكتبها، فهذه النُّصوص التي قرأناها عن فرعون؛ هذه من الفتوحات!!
فالشيخ يقول إنَّ هذه تخيُّلات شيطانيَّة وليست فتوحات، فنقل عنه الشيخ في: (بَابُ أَرْضِ الْحَقِيقَةِ وَيَقُولُونَ هِيَ أَرْضُ الْخَيَالِ)، فليس عندهم حقيقة؛ بل كلها خيالات.
ثم يقول: (فَيعْترف بِأَنَّ الْحَقِيقَةَ الَّتِي يَتَكَلَّمُ فِيهَا هِيَ خَيَالٌ وَمَحَلُّ تَصَرُّفِ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يُخَيِّلُ لِلْإِنْسَانِ الْأُمُورَ بِخِلَافِ مَا هِيَ عَلَيْهِ).
الشيخ يؤكِّد أن كلام ابن عربي في هذه الكتب ما هو إلا من الشَّيطان وليس من الرحمن، وأنَّها، أي: كتبه تحوي ضلالات وتخيُّلات وليست حقائق.
وأورد الشَّيخ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- مجموعة من الآيات القرآنية تدلُّ على أنَّ الشَّياطين تضل الناس.
نأخذ الآية الأولى: قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ * وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾.
قوله: ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾، أي: من يغفُل.
قوله: ﴿عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾، أي: عن القرآن.
قوله: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾، أي: نُسلِّط عليه شيطان.
قوله: ﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾، أي مصاحب له، يُملي عليه ويُضلَّه ويُفسده، ويجعله ضالًّا -نسأل الله العافية والسَّلامة- وهذه عقوبة من الله لأنَّه أعرض عن ذكر الرحمن، فما سلَّطَ الله عليه القرين إلَّا لإعراضه عن ذكر الله.
قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾، الشياطين يصدُّون هؤلاء الذين أعرضوا عن ذكر الرَّحمن، ولهذا فإنَّ المؤمن إذا أعرض عن القرآن وأقبل على مزامير الشَّيطان تسلَّطت عليه الشَّياطين، وإذا أعرض عن الوحي -الكتاب والسُّنَّة- وأقبل على كلام الفلاسفة وأقبل على كلام ضُلَّال الصُّوفيَّة تسلَّطت عليه الشَّياطين وقلبت عنده الموازين، فأصبح يرى الحقَّ باطلًا والباطل حقًّا، والمعروف منكرًا والمنكر معروفًا، ويرى السُّنَّة بدعة والبدعة سنَّة، ويرى الشِّركَ توحيدًا والتَّوحيد شركًا، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾.
قال: ﴿حَتَّى إذَا جَاءَنَا﴾، أي: يوم القيامة.
قوله: ﴿قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾، يلعنه ويذمُّه ويدعو عليه ويسبُّه ويشتمه، ويتمنَّى أنَّه كانَ بينه وبينه بُعدَ المشرقين، يتمنَّى أنَّ ما كان حوله هذا الشيطان -نسأل الله العافية والسَّلامة.
وقوله: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾، الاشتراك في العذاب في الدنيا يُخفف قليلًا، يعني لو واحد ضُربَ ضربًا شديدًا ولكن لوحده؛ فإنَّ ألم هذا الضَّرب شديد جدًّا عليه، ولكن إذا جُمعت المجموعة كلها وضُرِبُوا بنفس المقدار من الضَّرب، ويرى بعضهم بعضًا أنَّهم يُضربون بنفس المقدار، ويُعذَّبون بنفس التَّعذيب؛ فإنَّهم إذا رأوا بعضهم هان عليهم ما هم فيه، إلَّا في الآخرة فلن ينفعهم أنَّهم مشتركون في العذاب؛ بل يشتد عليهم، قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾.
قال تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا * لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا * وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا * يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾.
إذن؛ ما حصل لابن عربي وأمثاله وما يحصل لكلِّ مَن أعرض عن الدِّين هو من أمنيات الشيطان ومن تلاعب الشيطان بهؤلاء ومن تضليلاته، والحمد لله أنَّ الله -جلَّ وَعَلَا- منَّ علينا بكتابه وبسنَّة رسوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فنعرف الفرق بين الحق والباطل، أمَّا هؤلاء فإنَّ الشيطان يعدهم ويمنِّيهم، فكل ما عندهم أماني ووعود وظنون، حتى إذا مات الواحد منه رأى الحقائق، وراى ملائكة العذاب، ولا حول ولا قوَّة إلَّا بالله، نسأل الله حسن الخاتمة، ونسأل الله أن يعافينا من هذه الضَّلالات.
قال: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾، تركوا القرآن والسُّنَّة، وأعرضوا عن الوحي؛ فلما ماتوا رأوا الحقائق، فذهبت أفكارهم وزُبالات عقولهم، تولَّاهم الشَّيطان وسيتبرَّأ منهم ويهرب، فمآلهم هذا قبيح -نسال الله العافية والسلامة.
قال تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾، هذا تأكيد لالآية السابقة ﴿يعدهم﴾ وهنا قال: ﴿وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾، فكيف تمشي مع هواك ومع الشيطان، ومع هذه الخيالات وهذه الوساوس التي يُلقيها.
قال: ﴿وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾، ليس هذا بسلطةٍ منه وضرب وتشديد عليهم؛ بل هم الذين أقبلوا عليه ورضوا بالشيطان، وأعرضوا عن الرحمن، وأعرضوا عن القرآن، ولهذا كل أئمَّة الإلحاد وأئمة الكفر سيتبرؤون من متبوعيهم، المتبوع سيتبرَّأ من الأتباع ويقول: اذهبوا، أنا ما قلت لكم كذا وكذا...
وهذا فيه دعوى لكل إنسان يغتر بدعاة الضَّلالة، هذا الشَّخص الذي له تأثير -وكاريزما- وله شخصيَّة تؤثر فيك سيتبرَّأ منك يوم القيامة، فلا تتبع إلَّا الرسول محمد -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
هذا يوم بدر، فما بالك بما يكون يوم القيامة، فهذا هو موقف الشيطان من أصحابه وأتباعه -نسأل الله العافية والسَّلامة.
قال: (وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ إنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ يَزَعُ الْمَلَائِكَةَ)، يعني أنَّه يسوقهم ويصفُّهم للقتال، وهذا جاء في الحديث عن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنَّه قال: «ما رُئِيَ الشيطان يوماً هو فيهِ أصغرُ، ولا أَدْحَر، ولا أَحْقَر، ولا أَغْيَظْ منه في يومِ عَرَفَةَ وما ذلكَ إلا لمَا يرَى من تنزُّلِ الرّحمةِ وتجَاوزِ اللهِ تعالى عن الذنوبِ العظامِ، إلا ما أُري يوم بدر»، قيل: وما رأى يوم بدر يا رسول الله؟ قال: «أما إنه قد رأى جبريل يزع الملائكة»، يعني يصفهم ويسوقهم إلى القتال، فأخزاه الله خزيًا عظيمًا، وكانت معركة بدر هي الغزوة الكبرى، وهي الفتح الأعظم، وهي بوابة قوَّة الإسلام، ونُصرَة الإسلام إلى يوم القيامة، وسمَّاه الله -جلَّ وَعَلَا- "يوم الفرقان"، فانتصر فيه أهل الإسلام على أهل الكفر، وظهر الحق ولله الحمد، وهذا من أفضل أيام الله -جلَّ وَعَلَا- ولهذا كان الشيطان في ذلك اليوم ذليلًا حقيرًا متغيِّظًا، لأنَّه رأى عزَّة الإسلام وثبات الإسلام وبقائه من خلال انتصار المسلمين في هذه الغزوة.
قال الشيخ: (وَالشَّيَاطِينُ إذَا رَأَتْ مَلَائِكَةَ اللَّهِ الَّتِي يُؤَيِّدُ بِهَا عِبَادَهُ هَرَبَتْ مِنْهُمْ وَاَللَّهُ يُؤَيِّدُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِمَلَائِكَتِهِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾).
الله أكبر! الله -جلَّ وَعَلَا- يؤيِّد المؤمنين بالملائكة، أمَّا الشياطين فإنَّها لا تصل للمؤمنين، فالله -جلَّ وَعَلَا- يُعيذهم من الشَّيطان، فتأييد الله -جلَّ وَعَلَا- لعباده المؤمنين بالملائكة في قوله: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ﴾، فالملائكة تنزل لتثبيت المؤمنين وتأييدهم وإعانتهم وتطمينهم وإنزال السَّكينة عليهم.
قال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، فالحمد لله على نصرة الله -جلَّ وَعَلَا- وهذا من آيات الله الكبرى، فعدد المسلمين كانوا ثلاثمائة وأربعة عشر، وكان عدد الكفَّار قرابة ألف، ومع ذلك نصر الله الفئة القليلة على الفئة الكافرة الكثيرة.
ومِن أدلَّة كون الملائكة تكون مع المؤمنين لا الشَّياطين: قوله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾، الجنود هم الملائكة، وهذا في غزوة الأحزاب، والتي تسمى غزوة "الخندق"، لأنَّ النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حفر حول المدينة خندقًا يمنع وصول الكفَّار.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾، أي: الملائكة، فالملائكة تنزل لتأييد الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ومن حفظ الله لنبيه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنَّ الكفَّار أرسلوا عددًا لطلب النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وقتله فلم يروا النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وحماه الله منهم، حتى قال أبو بكر الصِّديق: "يا رسول الله! لو نظر أحدهم إلى قدميه لرآنا" فقال -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا» ، وقال: «لا تحزن إن الله معنا»، فهذا فيه فضل أبي بكر الصِّديق -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- لأنَّ الله تعالى قال: ﴿إذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾، فأثبت الصُّحبَة، وهذا يدلُّ على أنَّه أفضل الصَّحابة، فأنزل الله -عزَّ وجلَّ- ما أنزل من الجنود والنُّصرة والتأييد، وردَّ الله الكفَّار خائبين، والحمد لله رب العالمين.
قَالَ تَعَالَى: ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾.
هذا في غزوة أحد، وقيل إنها في بدر، فأنزل الله -عزَّ وجلَّ- ملائكة.
قوله: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾، يعني مُعلَّمين بعلامات ليست من علامات البشر، وهذا من إمداد الله ونُصرَة الله لأوليائه.
وأما الكفَّار والمشركون والملاحدة فإنَّ الملائكة لا تأتيهم؛ بل تأتيهم الشَّياطين، فلا تنزل عليهم الملائكة، ولا تعينهم ولا تحفظهم؛ بل هؤلاء تصاحبهم الشياطين، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾.
وهذا من أعظم الفُرقان، أن نقول: مَن رأينا منه علامات الإيمان وأعمال الإيمان وأقوال الإيمان وعقائد الإيمان؛ فهذا يكون من أهل الإيمان، ومن رأينا منه علامات الكفر والشِّرك والضَّلال والرِّدَّة فإنَّه لا يكون وليًّا للرحمن أبدًا.
قال الشيخ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (وَهَؤُلَاءِ تَأْتِيهِمْ أَرْوَاحٌ تُخَاطِبُهُمْ وَتَتَمَثَّلُ لَهُمْ وَهِيَ جِنٌّ وَشَيَاطِينُ فَيَظُنُّونَهَا مَلَائِكَةً، كَالْأَرْوَاحِ الَّتِي تُخَاطِبُ مَنْ يَعْبُدُ الْكَوَاكِبَ وَالْأَصْنَامَ، وَكَانَ مِنْ أَوَّلِ مَا ظَهَرَ مِنْ هَؤُلَاءِ فِي الْإِسْلَامِ: الْمُخْتَارُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، الَّذِي أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ «سَيَكُونُ فِي ثَقِيفٍ كَذَّابٌ وَمُبِيرٌ»، وَكَانَ الْكَذَّابُ: الْمُخْتَارَ بْنَ أَبِي عُبَيْدٍ وَالْمُبِيرُ: الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ).
قول الشيخ: (وَهَؤُلَاءِ تَأْتِيهِمْ أَرْوَاحٌ تُخَاطِبُهُمْ وَتَتَمَثَّلُ لَهُمْ وَهِيَ جِنٌّ وَشَيَاطِينُ فَيَظُنُّونَهَا مَلَائِكَةً)، المقصود ملاحدة الصُّوفية الذين سبق ذكرهم كابن عربي وأمثاله، فيسمع أصواتًا ويرى أشياءً؛ فيظن أنَّها ملائكة لجهله ولبدعته ولتزيين الشيطان له، وإنَّما هي جن وشياطين، وهذا من الضَّلالات التي تنزل عليهم.
وضرب الشيخ مثالًا ليستدل به: ( كَالْأَرْوَاحِ الَّتِي تُخَاطِبُ مَنْ يَعْبُدُ الْكَوَاكِبَ وَالْأَصْنَامَ)، وهذا موجود قديمًا حتى في زمن نبي الله إبراهيم، وقبل بعثة النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فكانت بعض الأصنام وبعض الكواكب وبعض المعبودات التي تُعبَد من دون الله يصدر منها أصواتًا، وهي أرواح شيطانيَّة تتكلَّم، فيظنُّونها أنَّها معبودات.
وكان أوَّل مَا ظهر من هؤلاء في الإسلام المختار بن أبي عبيد الثقفي، هذا الشَّخص كان مسلمًا وأبوه صحابي، لكن المختار هذا أخباره سيئة جدًّا، وأول أمره كان مذكورًا بما يُذكَر به الناس من الإسلام ولم يُعرَف عنه غير ذلك، ثمَّ بدأ يرى أشياء ويكتم الفسق، ويُظهر بعض الكلمات الغريبة، ثم صار يدَّعي أنَّه يُوحى إليه، وبعد ذلك ادَّعى النبوة في آخر أمره، وصار يُلقي أسجاعًا وأشعارًا كأنَّها إلهامًا، فجلسَ على ادِّعاء النُّبوَّة سنةً وأربعةَ أشهر، فطلبه وقاتله مصعب بن الزبير فقتله سنة سبع وستين من الهجرة، يعني فترة ادِّعائه للنبوَّة حتى مات سنة وأربعة أشهر، وكان قد تغلَّب على العراق في ذلك الوقت، انظر كيف تحصل الفتن!
والحمد الله أنَّ جميع مدَّعي النبوَّة يُهلكهم الله -عزَّ وجلَّ- فهذا كان يرى أشياءً ويسمع أصواتًا، وسيأتي الكلام لابن عباس.
ونجزم ونقطع أن المختار هذا كذَّاب، وأنَّ الحجَّاج بن يوسف الثقفي مبيرٌ، للحديث...
قال الشَّيخ: (الَّذِي أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ «سَيَكُونُ فِي ثَقِيفٍ كَذَّابٌ وَمُبِيرٌ»، وَكَانَ الْكَذَّابُ: الْمُخْتَارَ بْنَ أَبِي عُبَيْدٍ، وَالْمُبِيرُ: الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ).
كذَّاب: أي يدَّعي النُّبوَّة ويكذب.
والمبير: هو الحجَّاج بن يوسف الثَّقفي، وكلهم في ثقيف، ومن علامات نبوة النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إخباره بالمغيَّبات التي يُخبره الله عنها، فأخبر أنَّه سيخرج في قبيلة ثقيف رجلان، أحدهما كذَّاب والآخر مبير -يعني مفسد، يقتل الناس ويظلمهم.
فالكذاب هو المختار بن أبي عُبيد، فكان أوَّل أمره -كما سبق- ثم ادَّعى النُّبوَّة وأنَّه يُوحَى إليه، فصار كذَّابًا، فتخدعه الشَّياطين، وهلك سنة سبع وستين للهجرة.
وأمَّا المبير: فهو الحجَّاج بن يوسف الثقفي، وكان أميرًا لبني أميَّة، وكان شجاعًا قويًّا فاتكًا، وبحث عن قتَلَةِ عثمان وتتبعهم وقتلهم، وكان فيه ظلمٌ وإيذاءٌ للمؤمنين، فقتل أناسًا كثيرًا جدًّا، واشتهر بالظُّلم، وعنده بعض الأشياء مثل حفظ القرآن، وبعض الأشياء التي يُمدَح على مثلها ولكنَّها قليلة، وأكثر حاله هو الظُّلم والإفساد والقتل -نسأل الله العافية والسَّلامة.
قال الشيخ: (فَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ: إنَّ الْمُخْتَارَ يَزْعُمُ أَنَّهُ يَنْزِلُ إلَيْهِ فَقَالَا: صَدَقَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾. وَقَالَ الْآخَرُ: وَقِيلَ لَهُ إنَّ الْمُخْتَارَ يَزْعُمُ أَنَّهُ يُوحَى إلَيْهِ فَقَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾).
احتجَّ عبد الله بن عمر واحتجَّ عبد الهُ بن عباس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما- أنَّ دعوى بعض الناس أنَّه يتكلَّم بكلام ويزعم أنَّه وحي؛ فقال: صدقَ، ولكنه وحي شيطان وليس وحي الرحمن.
وهذا من أعظم الفرقان الذي أعطيه الصَّحابة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُم- فالصَّحابة لم يكن يلتبس عليهم أمثال هؤلاء، ولكن في القرون المتأخِّرة لمَّا كثُرَ الجهل وكثُرَت البدع وكثُرَ دعاة الفتنة والضَّلالة صار هناك التباس، فيلتبس على بعض الناس أمر هؤلاء فيصدِّقونهم، أو ربَّما يسكتون عنهم أو يحتارون فيهم، والواجب على المؤمن ألَّا يحتار في أمر هؤلاء، مَن يدَّعي النُّبوَّة أو يكذب على الله فإنَّه كذَّاب، وإذا قيل إنَّه تنزل عليه أشياء فهو لا يكذب، صحيح أنَّه يحس بأشياء تنزل عليه، ويحس بكلمات تصل إليه ليست من نفسه ويسمعها، فهو لا يكذب في هذا، ولكن هذا من الشياطين وليست من الملائكة.
فاحتج ابن عباس بقوله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾، وسبقت هذه الآية في أنَّ الشياطين تنزل على بعض النَّاس.
واحتجَّ ابن عمر بقوله: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾، إذن هناك شياطين توحي، جاءت معلومة لهذا الإنسان البشري من شيطان، سمَّاه الله وحيًا، ولكنَّه وحي شيطاني.
قال: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾، الوحي هنا: هو الإخبار بخفيةٍ. فالوحي في اللغة العربية: هو الإعلام السَّريع بخفيةٍ.
فهناك وحيٌ للرحمن، تأتي به الملائكة، أو يأتي به جبريل إلى النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ولا يُوحَى إلى غير النبي أبدًا، وهناك وحي للشيطان يُوحي به إلى هؤلاء، فوحي الشيطان إعلام سريع خفي وإخبار بخُفيةٍ، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾، وهذا يحصل للكُهَّان، كما حصل للمختار هذا وأمثاله.
{أحسن الله إليكم..
هل يُمكن أن تكون هذه الحالات الشَّيطانيَّة امتحانٌ لبعضِ النَّاس حتى ولو كان مؤمنًا صادقًا؟}.
المؤمن الصَّادق إذا وجدَ في نفسه كلامًا أُلقِيَ على قلبه أو أحسَّ بشيءٍ، أو خطرت له خاطرة، أو سمع صوتًا يهتف؛ فيزن هذا بالكتاب والسُّنَّة، فإذا وافق الكتاب والسُّنَّة قَبِلَه ولا يعتمد على هذه الأشياء، فالمعيار عند المسلم والمسلمة هو كلام الله وكلام رسوله، والوحي قد انقطعَ، ولا يستقيم الإسلام ولا الدِّين إذا صارَ يتلقَّى من هذه المصادر الخفيَّة الباطلة، فإذا وجدَ الإنسان المسلم في نفسه صوتًا، أو وجدَ كلامًا أُلقيَ في قلبه؛ فلا يتلفت إليه ولا يركن إليه ولا يعتمد عليه.
وإذا سأل: ما الموقف من هذا الكلام الذي سمعه؟
نقول: اعرضه على القرآن والسُّنَّة، فما وافق الحق قُبِلَ، وما خالفَه رُدَّ.
قال الشيخ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (وَهَذِهِ الْأَرْوَاحُ الشَّيْطَانِيَّةُ هِيَ الرُّوحُ الَّذِي يَزْعُمُ صَاحِبُ "الْفُتُوحَاتِ" أَنَّهُ أُلْقِيَ إلَيْهِ ذَلِكَ الْكِتَابُ؛ وَلِهَذَا يَذْكُرُ أَنْوَاعًا مِنْ الْخَلَوَاتِ بِطَعَامِ مُعَيَّنٍ وَشَيْءٍ مُعَيَّنٍ، وَهَذِهِ مِمَّا تَفْتَحُ لِصَاحِبِهَا اتِّصَالًا بِالْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ، فَيَظُنُّونَ ذَلِكَ مِنْ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ الْأَحْوَالِ الشَّيْطَانِيَّةِ، وَأَعْرِفُ مِنْ هَؤُلَاءِ عَدَدًا، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَحْمِلُ فِي الْهَوَاءِ إلَى مَكَانٍ بَعِيدٍ وَيَعُودُ).
هذا كلام مهم حتى يعرف المسلمون ما اشتمل عليه كتاب "الفتوحات" و"فصوص الحِكَم" وما هي عقيدة ابن عربي، لأن هذه كلمات نتمنَّى أن تصل إلى كل مَن اغترَّ بهذا الرَّجل من حاكمٍ أو شخص يدَّعي العلم، أو مسؤول في قناة إعلاميَّة، أو عموم المسلمين، فنتكلَّم معهم بهذا الكلام؛ نقول: اعرفوا هذا الشخص الذي تدافعون عنه، إنه زنديق ضال، واسمعوا كلامه بنفسه:
يقول الشيخ ابن تيمية عنه: (وَهَذِهِ الْأَرْوَاحُ الشَّيْطَانِيَّةُ هِيَ الرُّوحُ الَّذِي يَزْعُمُ صَاحِبُ "الْفُتُوحَاتِ" أَنَّهُ أُلْقِيَ إلَيْهِ ذَلِكَ الْكِتَابُ، وَلِهَذَا يَذْكُرُ أَنْوَاعًا مِنْ الْخَلَوَاتِ بِطَعَامِ مُعَيَّنٍ وَشَيْءٍ مُعَيَّنٍ).
نقرأ مقدمة كتاب ابن عربي: "أما بعد فإني رأيت رسول الله في مبشرة أريتها في العشر الأواخر من محرم سنة ستمائة وسبع وعشرين من الهجرة بدمشق، وبيده كتاب، فقال لي: هذا كتاب فصوص الحكم، خذه واخرج به إلى الناس ينتفعون به. فقلت: السَّمع والطاعة".
هنا يزعم هذا الضَّال أنَّه جاءته روح يظن أنها الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأنَّه أمره بنشر هذا الكتاب.
يقول: "فتحققت الأمنية وأُخلصت النية، وجرَّدتُّ القصد والهمَّة إلى إبراز هذا الكتاب، فمن الله فاسمعوا، وإلى الله فارجعوا".
صار كتابه من الله! وصار أعظم من القرآن! لأنَّ القرآن في زعمه هو سمعه المسلمون عن رسول الله عن جبريل عن الله، أما ابن عربي فهو عن الله مباشرة، فقال: "فمن الله فاسمعوا"!!
فأيُّ ضلالٍ أعظم من هذا الضَّلال! وأيُّ كفرٍ أعظم من هذا الكفر! وهذا في مقدِّمة كتابه.
قال الشيخ: (وَهَذِهِ الْأَرْوَاحُ الشَّيْطَانِيَّةُ هِيَ الرُّوحُ الَّذِي يَزْعُمُ صَاحِبُ "الْفُتُوحَاتِ" أَنَّهُ أُلْقِيَ إلَيْهِ ذَلِكَ الْكِتَابُ، وَلِهَذَا يَذْكُرُ أَنْوَاعًا مِنْ الْخَلَوَاتِ بِطَعَامِ مُعَيَّنٍ وَشَيْءٍ مُعَيَّنٍ)، يقول: إنَّه يخلو دائمًا ويترك الجماعة والجُمُعة ومعه طعام معيَّن! فإذا رأيت الرجل يخلو عن الناس ويبتعد عن الجماعة فهذا دليل على تلبُّس الشياطين به وأنَّها تضلِّه، فالانعزال عن المساجد وعن المسلمين سبب للضلال.
قال الشيخ: (وَهَذِهِ مِمَّا تَفْتَحُ لِصَاحِبِهَا اتِّصَالًا بِالْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ)، فإذا خلا وخفَّفَ الأكلَ وترك الشُّرب يأتيه الشَّيطان فيُغرِّر به ويظن أنَّه ملك، وهو من الشيطان، فلا يُستغرَب أنَّه يتمثَّل له الشيطان ويقول له: أنا رسول الله!
ومن المعلوم أنَّه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لا يتمثل به الشَّيطان في المنام، ولكن الشَّأن أن يُرَى كما هو -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، لكن هذا الشَّخص تنقطع يقينًا أنَّه لم يرَ الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فهو إمَّا يكذب ويفتري، وإمَّا أنَّه شيئًا وظنَّ أنَّه الرسول وهو ليس بالرَّسول، ولا شكَّ أنَّ هذا وأمثاله من أجهل الناس بصفة الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قال الشيخ: (فَيَظُنُّونَ ذَلِكَ مِنْ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ الْأَحْوَالِ الشَّيْطَانِيَّةِ، وَأَعْرِفُ مِنْ هَؤُلَاءِ عَدَدًا)، أي: يعرف ناسًا أخر -وليس فقط ابن عربي- تحملهم الشَّياطين وتساعدهم؛ كل هذا لأنَّهم انقطعوا عن المسلمين وصاروا في هذه الخلوات، ويخدمون الشَّياطين وتخدمهم -نسأل الله العافية والسَّلامة.
لعلنا نقف عند هذا الموضع، وسيذكر الشيخ أمثلة لمن تتصل بهم الشَّياطين وتخدمهم، والحقيقة أنَّ هذا الفصل فصل مهم كما ترون، لأنَّه نقض لعقيدة كفرية ضلالية صوفيَّة تعتقد وتقول إنَّ هناك وحي غير القرآن والسنَّة، ويُعظِّمون هذه الضَّلالات الت يروجها ابن عربي وأمثاله -نسأل الله العافية والسَّلامة- وسيأتي مزيد لنقض كلامهم في الحلقة القادمة -إن شاء الله تعالى.
نسأل الله -جلَّ وعلا- أن يُعزَّ دينه، وأن يُعزَّ سنَّة نبيه، وأن يجعلنا من أنصار دينه وسنَّة نبيه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأن يُصلح أحوال المسلمين في كل مكان، وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد.
{وفي الختام نشكركم فضيلة الشيخ على ما تقدمونه، أسأل الله أن يجعل ذلك في موازين حسناتكم.
هذه تحيَّةٌ عطرةٌ من فريق البرنامج ومنِّي أنا محدثكم عبد الله بن أحمد العمر، إلى ذلكم الحين نستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته}.







رد مع اقتباس
قديم 2019-10-23, 19:43   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
احمد الصادق
عضو مميّز
 
إحصائية العضو










افتراضي

الفُرقَان بينَ أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (2)
الدَّرسُ الثاني (2)
فضيلة الشيخ د./ فهد بن سليمان الفهيد

{بسم الله الرحمن الرحيم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أرحبُ بكم إخواني وأخواتي المشاهدين الأعزَّاء في حلقةٍ جديدةٍ مِن حلقاتِ البناء العلمي، وأرحب بفضيلة الشيخ الدكتور/ فهد بن سليمان الفهيد، فأهلًا وسهلًا بكم فضيلة الشيخ}.
حيَّاكم الله، وحيَّا الله الإخوة جميعًا.
{نشرع في هذه الحلقة -بإذن الله- من قول شيخ الإسلام ابن تيمية -رَحِمَهُ اللهُ: (وَهَذِهِ الْأَرْوَاحُ الشَّيْطَانِيَّةُ هِيَ الرُّوحُ الَّذِي يَزْعُمُ صَاحِبُ "الْفُتُوحَاتِ" أَنَّهُ أُلْقِيَ إلَيْهِ ذَلِكَ الْكِتَابُ؛ وَلِهَذَا يَذْكُرُ أَنْوَاعًا مِنْ الْخَلَوَاتِ بِطَعَامِ مُعَيَّنٍ وَشَيْءٍ مُعَيَّنٍ، وَهَذِهِ مِمَّا تَفْتَحُ لِصَاحِبِهَا اتِّصَالًا بِالْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ فَيَظُنُّونَ ذَلِكَ مِنْ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ الْأَحْوَالِ الشَّيْطَانِيَّةِ، وَأَعْرِفُ مِنْ هَؤُلَاءِ عَدَدًا وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَحْمِلُ فِي الْهَوَاءِ إلَى مَكَانٍ بَعِيدٍ وَيَعُودُ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يُؤْتَى بِمَالِ مَسْرُوقٍ تَسْرِقُهُ الشَّيَاطِينُ وَتَأْتِيه بِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَتْ تَدُلُّهُ عَلَى السَّرِقَاتِ بِجُعْلِ يَحْصُلُ لَهُ مِنْ النَّاسِ أَوْ بِعَطَاءِ يعطونه إذَا دَلَّهُمْ عَلَى سَرِقَاتِهِمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَلَمَّا كَانَتْ أَحْوَالُ هَؤُلَاءِ شَيْطَانِيَّةً كَانُوا مُنَاقِضِينَ لِلرُّسُلِ -صَلَوَاتُ اللَّهِ تَعَالَى وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ- كَمَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ صَاحِبِ "الْفُتُوحَاتِ الْمَكِّيَّةِ" وَ "الْفُصُوصِ" وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، يَمْدَحُ الْكُفَّارُ مِثْلَ قَوْمِ نُوحٍ وَهُودٍ وَفِرْعَوْنَ وَغَيْرِهِمْ، وَيَتَنَقَّصُ الْأَنْبِيَاءُ، كَنُوحِ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَهَارُونَ، وَيَذُمُّ شُيُوخَ الْمُسْلِمِينَ الْمَحْمُودِينَ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ، كالجنيد بْنِ مُحَمَّدٍ وَسَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التستري، وَيَمْدَحُ الْمَذْمُومِينَ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ، كَالْحَلَّاجِ وَنَحْوِهِ، كَمَا ذَكَرَهُ فِي تَجَلِّيَاتِهِ الْخَيَالِيَّةِ الشَّيْطَانِيَّةِ)}.
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله، اللهمَّ صلِّ وسلم وبارك على رسول الله محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه ومَن والاه.
أمَّا بعدُ؛ في هذا الدَّرس يواصل الشَّيخ بيان أنَّ هؤلاء المتصوِّفة الذين تبعوا صوفية الملاحدة كابن عربي وأمثاله وقد ضلوا في باب الأولياء، فظنُّوا أنَّهم أفضل من الأنبياء، وضلُّوا في مسائل أخرى، مثل اعتقادهم أنَّ ما يُلقَى عليهم أنَّه وحيٌ وأنَّه من الله.
وذكر الشَّيخ أنَّ ابن عربي في كتابه "الفتوحات المكيَّة" كانت تأتيه روحٌ وتُلقَى إليه، ويقول الشَّيخ: إنَّ هذه الرُّوح شيطانيَّة ولا شكّ.
أمَّا ابن عربي قال في أوَّل كتابه: إنَّه رأى الرَّسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-في المنام ولا شكَّ أنَّ هذا كذب، أو أنَّه رأى شيطانًا، والشَّيطان لا يتمثَّل بالرَّسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لكن ربَّما رآه على غير هيئته، والشَّيطان يتمثَّلُ بهيئاتٍ ثم يقول لمَن خرج له في المنام: أنا الرسول، أو أنا كذا وكذا، وهو شيطان!
وحريٌّ بابن عربي وأمثاله أن تتمثَّل لهم الشَّياطين، وأن يكونوا جاهلين بصفة النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فكان يقول: إنَّ النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أمره بإخراج هذا الكتاب، وأنَّه راضٍ عنه، ثم قال: "فمن الله فاسمعوا، وإليه فارجعوا"، فهذا كلام ابن عربي!
يقول الشيخ: لا شكَّ أنَّ هذا روح شيطانيّ ألقى عليه، وأوهمه بهذا الوهم.
وذكر الشَّيخ أنَّ ابن عربي كان يخلو خلوات، ويمتنع عن الطعام والشَّراب ونحو ذلك، وهذا يفتح الاتِّصال بالجنِّ -نسأل الله العافية والسَّلامة- وهذا كثيرٌ حتى عند الغربيين والشَّرقيين من الكفَّار مَن يخلو خلوات ويتخيَّل أشياء وتنزل عليه الشَّياطين، فيظنُّونَ أنَّ هذا علامةُ كرامةٍ لهم وأنَّهم خيرةُ النَّاس؛ ولكن هذه أحوال شيطانيَّة.
يقول الشيخ: (وَأَعْرِفُ مِنْ هَؤُلَاءِ عَدَدًا وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَحْمِلُ فِي الْهَوَاءِ إلَى مَكَانٍ بَعِيدٍ وَيَعُودُ)، فيتعجَّب النَّاس، يقول: ذهبتُ من دمشق لبغداد ورجعتُ، ويأتيهم بسلعةٍ أو بضاعةٍ من بغداد لا تُعرَف إلَّا هناك، ومنهم مَن يخرج إلى مكَّة ويجلس في عرفات ويراه الناس في عرفاتٍ وهو بثيابه، لم يُحرِم من الميقات، قد طارت به الجن.
ومنهم مَن تأتيه الشَّياطين بالأموال المسروقة، فبعض النَّاس يفقدُ مالًا -أو يُسرَق منه- فيأتي عندَ الكُهَّان ومَن يدَّعون المخاريق، فيدَّعون الولاية وهم أعداء لله وشياطين إنسيَّة، فيأتونهم ويقولون: فقدنا مالًا؛ فيخاطب الشَّياطين ويناديهم ويستغيث بهم، فتذهب الشياطين وتأتي بالمال المسروق، أو تقول له: إنَّ المال المسروق في المكان الفلاني، فيُعطَونَ جُعلًا على ذلك، ويأخذون الأموال، ولهذا فإنَّ هؤلاء لا ينفكُّونَ عن الإفك والإثم؛ لأنَّهم يأكلون أموال الناس بالباطل.
بعدما ذكر الشيخ هذه الأنواع قال: (وَلَمَّا كَانَتْ أَحْوَالُ هَؤُلَاءِ شَيْطَانِيَّةً كَانُوا مُنَاقِضِينَ لِلرُّسُلِ -صَلَوَاتُ اللَّهِ تَعَالَى وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ)، فتجد أعمالهم مخالفة لأعمال الرسل، وأقوالهم مخالفة لأقوال الرسل، وعقائدهم مخالفة لعقائد الرُّسل، وهذا من الفرقان بينَ أولياء الرحمن وأولياء الشيطان.
قال الشيخ: (كَمَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ صَاحِبِ "الْفُتُوحَاتِ الْمَكِّيَّةِ" وَ "الْفُصُوصِ" وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ)، هو نفسه ابن عربي الطَّائي، وقد سبقت الإشارة إليه في أكثر من مرَّة، فصاحب الفتوحات المكيَّة وفصوص الحكم هو شخص واحد، ألَّفَ هذين الكتابين، وهذان الكتابان مملوءان بالضلالات، ومن ضمن هذه الضلالات ما ذكره الشيخ هنا، قال: (يَمْدَحُ الْكُفَّارُ)، تخيَّل مسلم يمدَح الكفَّار ويذمُّ المؤمنين والرُّسل!
قال: (مِثْلَ قَوْمِ نُوحٍ وَهُودٍ وَفِرْعَوْنَ وَغَيْرِهِمْ)، يمدح قوم نوح الذين كفروا بالنبي نوح.
قال: ( وَيَتَنَقَّصُ الْأَنْبِيَاءُ)، أي: يزدريهم ويتنقَّص نوحًا وموسى وإبراهيم وهارون، فإنَّ هذا علامة لمناقضة الرسل أشد مناقضة.
قال: (وَيَذُمُّ شُيُوخَ الْمُسْلِمِينَ الْمَحْمُودِينَ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ)، يذمُّ علماء الإسلام الصَّادقين المعروفين بالسُّنَّة والاتِّباع من الصَّحابة والتَّابعين وأتباعهم، والعُبَّاد الصَّالحين، كالجنيد بْنِ مُحَمَّدٍ وَسَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التستري.
قال: (وَيَمْدَحُ الْمَذْمُومِينَ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ)، مَن أجمع المسلمون على ذمِّهم يمدحهم ابن عربي هذا.
قال: (كَالْحَلَّاجِ وَنَحْوِهِ)، يُدافع عن الحلَّاج ويمدحه، ويذمُّ علماء الإسلام، فهذه مناقضة.
والحلَّاج هو: الحسين بن منصور الحلَّاج، أصله من فارس، ولم يُعرَف عنه انحراف في بدايته، ثم انسلَخَ من الدِّين، وسافر إلى الهند وتعلَّم السِّحر، وتعلَّم هذه المخاريق التي عند السَّحرة، وأجمع الفقهاء على قتله، وكانت له أقوال شيطانيَّة وكلمات كفريَّة، ومن ضمن كلماته المشهورة أنَّه يقول عن نفسه لمَّا لَبِسَ الجبَّة: "ما في الجبَّة إلَّا الله"، يعني: أنَّ الله حلَّ فيه، وهذا اتَّفقَ الفقهاء على قتله، وذكر المؤرخون هذا وأجمعوا عليه.
ومع هذا كلِّه نجد الآن مَن يُدافع عن الحلَّاج، فما تفسير هذه المدافعة؟
الذي لا شكَّ فيه -والله تعالى أعلم- أنَّ هذه المدافعة نابعة من موافقةٍ لعداوة الإسلام وعدواة القرآن والسُّنَّة، سواء شعُر القائل بذلك أو لم يشعُر، فإن كان لا يشعر فإنَّ هذا ناتجٌ عن جهله العميق واغتراره الكبير بمَن يمدح هؤلاء الزَّنادقة السَّحرة المشعوذين الكذَّابين المفترين على الله ورسوله، فالذي يمدح هؤلاء المجرمين كالحلَّاج وابن عربي حقيقةً هو يصفُّ في صف أعداء الإسلام وأعداء القرآن، وعداوة السُّنَّة، وعداوة الصَّحابة، وعداوة أهل العلم والإيمان؛ شاء أم أبى!
قال: (كَمَا ذَكَرَهُ فِي تَجَلِّيَاتِهِ الْخَيَالِيَّةِ الشَّيْطَانِيَّةِ).
هذه التَّجليَّات في نفس كتابه، والتَّجليات أن تأتيه الهواجس ويُحدِّث نفسه، ثم تأتيه خواطر من هنا وهناك فيسميها تجليَّات ثم يكتبها!
ولا شكَّ ولا ريبَ أنَّها من الشَّيطان؛ لأنَّ الشيطان حريص على ذمِّ الأنبياء ومدح الكفَّار، وهذا يذم الأنبياء ويمدح الكفَّار، يمدح فرعون -كما مرَّ معنا في الدرس الماضي- يقول: "فصحَّ وصدَقَ فرعون"، ويسب السَّحرة الذين آمنوا، ويسب موسى، وسيذكر الشيخ بعض مقالاته.
ومن ضمن ضلالات ابن عربي هذا أنَّه يتنقَّص الجنيد بن محمد، والجنيد بن محمد عالم زاهد، يعدُّه الصُّوفيَّة من كبارهم، ولكنَّه من خيار المتعبِّدين، ولم تُعرَف عنه مقولات بدعيَّة؛ بل له مقولات تنفي البدعة -كما سيأتي- ولما كانت له مقالات تنفي البدعة أبغضه ابن عربي وسبَّه وشتمه -كما سيأتي.
{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (فَإِنَّ الجنيد -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- كَانَ مِنْ أَئِمَّةِ الْهُدَى فَسُئِلَ عَنْ التَّوْحِيدِ فَقَالَ: التَّوْحِيدُ إفْرَادُ الْحُدُوثِ عَنْ الْقِدَمِ)}.
يعني: أنَّ المخلوقات ليست هي الخالق، ولكنَّه عبَّرَ بتعبيرٍ غير معروفٍ عندنا الآن، ولكنَّه كان معروفًا عندهم، والحقيقة أن تعبيرات "الحدوث والقدم" اصطلاحات غير شرعيَّة، ولكنَّنا نتجاوز هذا الخطأ إلى المعنى.
ماذا يُريد الجنيد بقوله: (إفْرَادُ الْحُدُوثِ عَنْ الْقِدَمِ)؟
يعني أنَّ الخالق ليس هو المخلوق، وهذه الشَّرارة أحسَّ بها الجنيد، وزلَّ فيها أقوامٌ في عصره، ولهذا قال لهم: (إفْرَادُ الْحُدُوثِ عَنْ الْقِدَمِ)، أي: لا تجعلوا الخالق هو المخلوق، ولا تغترُّوا بأنفسكم.
ثم استمرَّ هذا الضَّلالُ وتوسَّعَ، ولهذا ضاق صدر ابن عربي من هذه الكلمة، ومن الجنيد نفسه.
{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (فَبَيَّنَ أَنَّ التَّوْحِيدَ أَنْ تُمَيِّزَ بَيْنَ الْقَدِيمِ وَالْمُحْدَثِ وَبَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ.
وَصَاحِبُ "الْفُصُوصِ" أَنْكَرَ هَذَا؛ وَقَالَ فِي مُخَاطَبَتِهِ الْخَيَالِيَّةِ الشَّيْطَانِيَّةِ لَهُ: يَا جنيد هَلْ يُمَيِّزُ بَيْنَ الْمُحْدَثِ وَالْقَدِيمِ إلَّا مَنْ يَكُونُ غَيْرَهُمَا؟ )}.
هو بينه وبين الجنيد أربعمائة سنة، فالجنيد مات قبله بأربعمائة سنة، وجلس يتخيَّل وتأتيه الهواجس وكأنَّه يُخاطب الجنيد، فيقول: "يَا جنيد هَلْ يُمَيِّزُ بَيْنَ الْمُحْدَثِ وَالْقَدِيمِ إلَّا مَنْ يَكُونُ غَيْرَهُمَا؟"، وهذا كلام باطل! فالإنسان قد يُميِّز وهو أحد الطَّرفين، فأنت مخلوق وأنا مخلوق، ونعرف أنَّ الخالق ليس مثل المخلوق، ونُميِّز بينَ الخالق والمخلوق ونحن الطَّرف الأوَّل الضَّعيف.
فهو يقول: لا، الذي يُميِّز يكون طرفًا ثالثًا! وهذا من فساد عقله وتلاعب الشَّياطين به.
{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (فَخَطَّأَ الجنيد فِي قَوْلِهِ: "إفْرَادُ الْحُدُوثِ عَنْ الْقِدَمِ" لِأَنَّ قَوْلَهُ هُوَ: إنَّ وُجُودَ الْمُحْدَثِ هُوَ عَيْنُ وُجُودِ الْقَدِيمِ)}.
هذه عقيدة غُلاة الصُّوفيَّة الاتِّحادية الملاحدة أهل وحدة الوجود، فالخالق والمخلوق عندهم شيء واحد، ولهذا فإنَّ الجنيد لما قال: "إفْرَادُ الْحُدُوثِ عَنْ الْقِدَمِ" فرَّق بينَ الخالق والمخلوق، وهذه عقيدة كل مسلم ما فيها شك، فخطَّأه ابن عربي؛ لأنَّ عقيدة ابن عربي أنَّ الخالق والمخلوق شيءٌ واحد.
وهذا -يا إخواني الكرام- نقل عن كتاب "فصوص الحكم" الذي لا يزال يُطبَع حتى هذه اللحظة عند أولياء الشيطان، لكي تعرفوا من هم أولياء الرحمن ومن هم أولياء الشيطان، فأولياء الشيطان يطبعون هذا الكتاب ويروِّجونَ له، وإذا حُكِمُوا وضُيِّقَ عليهم قالوا أنت ما تفهم الكلام، والكلام له ظاهر وباطن، أو هذا مدسوس، فيفرُّونَ كما يفر المنافقون والجبناء.
{قال -رَحِمَهُ اللهُ: ( كَمَا قَالَ فِي فُصُوصِهِ: "وَمِنْ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى "الْعَلِيُّ" عَلَى مَنْ؟ وَمَا ثَمَّ إلَّا هُوَ، وَعَنْ مَاذَا؟ وَمَا هُوَ إلَّا هُوَ فَعَلُوهُ لِنَفْسِهِ وَهُوَ عَيْنُ الْمَوْجُودَاتِ فَالْمُسَمَّى مُحْدَثَاتٌ هِيَ الْعَلِيَّةُ لِذَاتِهِ وَلَيْسَتْ إلَّا هُوَ". إلَى أَنْ قَالَ: " هُوَ عَيْنُ مَا بَطَنَ وَهُوَ عَيْنُ مَا ظَهَرَ، وَمَا ثَمَّ مِنْ يَرَاهُ غَيْرُهُ، وَمَا ثَمَّ مَنْ يَنْطِقُ عَنْهُ سِوَاهُ، وَهُوَ الْمُسَمَّى أَبُو سَعِيدٍ الْخَرَّازُ)}.
هذا واحدٌ من الصُّوفيَّة يقول: الله هو أبو سعيد الخرَّاز!
ما هذه الجرأة؟! وأنا أسأل مَن يطبع هذا الكتاب ويُروِّج لهذه الشَّخصيَّة وأمثاله: هل ما يعقل وام يُفكِّر؟ فهذا يكيد للإسلام والمسلمين ولا شك!
يقول: "عَلَى مَنْ؟ وَمَا ثَمَّ إلَّا هُوَ، وَعَنْ مَاذَا؟" ويقول: "هُوَ عَيْنُ مَا بَطَنَ وَهُوَ عَيْنُ مَا ظَهَرَ"، وبعضهم يُصرِّح بالكلمات القذرة، كالكلب والخنزير والحمار، والقاذورات -تعالى الله عمَّا يقولون- ونستغفر الله ونتوب إليه!
فأيُّ كفرٍ أعظم من هذا الكفر، وأي استهزاء بالله وبدينه أعظم من هذا؟!
{قال -رَحِمَهُ اللهُ: ("وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُحْدَثَاتِ")}.
يعني يقول: إنَّ الله هو أبو سعيد الخرَّاز وغير ذلك، كلّ المحدثات هي الله!
{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (فَيُقَالُ لِهَذَا الْمُلْحِدِ: لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْمُمَيِّزِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ بِالْعِلْمِ وَالْقَوْلِ أَنْ يَكُونَ ثَالِثًا غَيْرُهُمَا، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ النَّاسِ يُمَيِّزُ بَيْنَ نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ وَلَيْسَ هُوَ ثَالِثٌ، فَالْعَبْدُ يَعْرِفُ أَنَّهُ عَبْدٌ وَيُمَيِّزُ بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ خَالِقِهِ، وَالْخَالِقُ -جَلَّ جَلَالُهُ- يُمَيِّزُ بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ مَخْلُوقَاتِهِ، وَيَعْلَمُ أَنَّهُ رَبُّهُمْ وَأَنَّهُمْ عِبَادُهُ)}.
لما قال للجنيد: "هَلْ يُمَيِّزُ بَيْنَ الْمُحْدَثِ وَالْقَدِيمِ إلَّا مَنْ يَكُونُ غَيْرَهُمَا؟"؛ نقول: هذا كلام غير صحيح، نعم الخالق يعلم أنَّه هو الخالق سبحانه، وقد وصف نفسه بصفاته وأسمائه الحسنى، والمخلوق يعلم أنَّه مخلوق ويُميِّز.
والشيخ يُصرِّح هنا بكفر ابن عربي فقال: (فَيُقَالُ لِهَذَا الْمُلْحِدِ)، ولهذا جمع أحد المشايخ وهو "دغش العجمي" في كتاب له عن ابن عربي يُقدِّم له معالي الشيخ صالح اللحيدان -حفظه الله-، جمع كل أقوال العلماء في هذه الشَّخصيَّة؛ ليُبيِّن تحذير المسلمين وعلمائهم من هذا.
{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (كَمَا نَطَقَ بِذَلِكَ الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَالِاسْتِشْهَادُ بِالْقُرْآنِ عِنْدَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُقِرُّونَ بِهِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا.
وَأَمَّا هَؤُلَاءِ الْمَلَاحِدَةُ فَيَزْعُمُونَ مَا كَانَ يَزْعُمُهُ التلمساني مِنْهُمْ - وَهُوَ أَحْذَقُهُمْ فِي اتِّحَادِهِمْ - لَمَّا قُرِئَ عَلَيْهِ "الْفُصُوصُ" فَقِيلَ لَهُ: الْقُرْآنُ يُخَالِفُ فُصُوصَكُمْ.
فَقَالَ: الْقُرْآنُ كُلُّهُ شِرْكٌ، وَإِنَّمَا التَّوْحِيدُ فِي كَلَامِنَا.
فَقِيلَ لَهُ: فَإِذَا كَانَ الْوُجُودُ وَاحِدًا فَلِمَ كَانَتْ الزَّوْجَةُ حَلَالًا وَالْأُخْتُ حَرَامًا؟ فَقَالَ: الْكُلُّ عِنْدَنَا حَلَالٌ، وَلَكِنْ هَؤُلَاءِ الْمَحْجُوبُونَ قَالُوا حَرَامٌ فَقُلْنَا حَرَامٌ عَلَيْكُمْ)}.
هذا كلام يقوله مسلم؟!
يقول الشيخ: إنَّ الاستشهاد بالقرآن والانتفاع بالقرآن يكون للمؤمنين، أمَّا هؤلاء فلا يرون القرآن شيئًا، فهم عندهم من الكفريَّات الشَّيءَ العظيم.
ابن عربي كان يقول في فتوحاته المكيَّة: "العبدُ ربٌّ والرَّبُّ عبدٌ، يا ليت شعري مَن المكلفُ!"، هل فيه مسلم يقول هذا؟!!
فهؤلاء الملاحدة -كما يزعم التِّلمساني- أنَّه أحذقهم، وهذا شاعر من شعراء الصُّوفيَّة الضُّلَّال يسمونه العفيف التِّلمساني، والشيخ ابن تيمية في مواضع يقول: "الفاجر التِّلمساني"؛ هذا التِّلمساني اسمه: سليمان بن علي التلمساني، وله مصنفات كثيرة، وهو يتبع ابن عربي في أقواله وأفعاله، واتُّهم بالميل إلى مذهب النُّصيريَّة، وهلك سنة ستمائة وتسعين، وله أقوال عظيمة في الحلول والاتِّحاد والزَّندقة والكفر المحض.
كمال الدِّين المراغي أحد العلماء الصَّالحين في زمن قبل ابن تيمية قليلًا، كان كمال الدين المراغي جالسًا، والتلمساني موجود ويقرؤون عليه من فصوص الحكم، فقال له: يا هذا، القرآن يُخالف قولكم!
فقال: "الْقُرْآنُ كُلُّهُ شِرْكٌ، وَإِنَّمَا التَّوْحِيدُ فِي كَلَامِنَا"؛ فهذا من كبار الملاحدة!
وآخر قال له: "فَإِذَا كَانَ الْوُجُودُ وَاحِدًا فَلِمَ كَانَتْ الزَّوْجَةُ حَلَالًا وَالْأُخْتُ حَرَامًا؟" فجاء الرَّد أخبث وأخبث، قال التلمساني: "الْكُلُّ عِنْدَنَا حَلَالٌ"، فحلال عند التلمساني أن يطأ الرجل أمَّه، أو أن يفجر الرجل ببنته، فهذا حلال عندهم.
ثم قال: "وَلَكِنْ هَؤُلَاءِ الْمَحْجُوبُونَ قَالُوا حَرَامٌ فَقُلْنَا حَرَامٌ عَلَيْكُمْ"، نعوذ بالله من هذا الكفر.
{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (وَهَذَا مَعَ كُفْرِهِ الْعَظِيمِ مُتَنَاقِضٌ ظَاهِرٌ فَإِنَّ الْوُجُودَ إذَا كَانَ وَاحِدًا فَمَنْ الْمَحْجُوبُ وَمَنْ الْحَاجِبُ؟)}.
من هم المحجوبون؟ فيه حاجب ومحجوب، فأنتم تقولون: إنَّ الوجود واحد! فينطق بكلامه ما يدلُّ على تناقضه، فإذا كنت تقول: إنَّ هناك محجوبون؛ إذن أنت ميَّزتَ، فصار فيه حاجب ومحجوب، فلا يكون الوجود واحدًا، وصار الوجود مختلفًا!
وهذا أمر ما يحتاج إلى دليل، وهو واضحٌ جدًّا عند كل إنسان، لكن أن يصل بنا الحال إلى أن نصل إلى هذه المناطق العليا من الإقناع في مسائل بديهيَّة يدلُّكَ على شدَّة الانحراف وشدَّة الإلحاد -نسأل الله العافية والسَّلامة.
{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ شُيُوخِهِمْ لِمُرِيدِهِ: مَنْ قَالَ لَك: إنَّ فِي الْكَوْنِ سِوَى اللَّهِ فَقَدْ كَذَبَ.
فَقَالَ لَهُ مُرِيدُهُ: فَمَنْ هُوَ الَّذِي يَكْذِبُ؟ وَقَالُوا لِآخَرَ: هَذِهِ مَظَاهِرُ)}.
المريد –التلميذ- خَصَم وحجَّ وأفحم الأستاذ المشرك الملحد الاتحادي، فالاتحادي الضَّال يقول: إذا قيل لك أن في الكون سوى الله شيء فهذا يكذب عليك، كل ما في الكون هو الله.
فقال له المريد: من الذي يكذب؟
إذن فيه شخص آخر! فهذا تناقض ظاهر جدًّا.
{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (فَقَالَ لَهُمْ: الْمَظَاهِرُ غَيْرُ الظَّاهِرِ أَمْ هِيَ؟ فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَهَا فَقَدْ قُلْتُمْ بِالنِّسْبَةِ وَإِنْ كَانَتْ إيَّاهَا فَلَا فَرْقَ)}.
المظاهر مثل: الجبال والبحار والسماء؛ يقولون إن هذه المظاهر غير الظَّاهر، أنت تقول إنَّ الله -جَلَّ وَعَلَا- ظاهر في كل شيء وأنَّه هو كل شيء، فهذه المظاهر غير الظاهر، أو هي الظَّاهر؟ هي الله أو غيره؟
فإن كانت هي غير الله فقد قلتم بالنِّسبة، وهذا هو الحق، أن الله فوق خلقه، والخلق لم يكن متَّحدًا بالله ولا حالًّا في الله، إذن لا تسميها مظاهر، فلما تقول أنَّ هذه مظاهر فإنَّ كلامك فيه تناقض.
{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى كَشْفِ أَسْرَارِ هَؤُلَاءِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَبَيَّنَّا حَقِيقَةَ قَوْلِ كُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَأَنَّ صَاحِبَ "الْفُصُوصِ" يَقُولُ الْمَعْدُومُ شَيْءٌ، وَوُجُودُ الْحَقِّ فَاضٍ عَلَيْها، فَيُفَرِّقُ بَيْنَ الْوُجُودِ وَالثُّبُوتِ.
وَالْمُعْتَزِلَةُ الَّذِينَ قَالُوا: الْمَعْدُومُ شَيْءٌ ثَابِتٌ فِي الْخَارِجِ مَعَ ضَلَالِهِمْ خَيْرٌ مِنْهُ، فَإِنَّ أُولَئِكَ قَالُوا: إنَّ الرَّبَّ خَلَقَ لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ الثَّابِتَةِ فِي الْعَدَمِ وُجُودًا لَيْسَ هُوَ وُجُودُ الرَّبِّ.
وَهَذَا زَعَمَ أَنَّ عَيْنَ وُجُودِ الرَّبِّ فَاضَ عَلَيْهِ فَلَيْسَ عِنْدَهُ وُجُودُ مَخْلُوقٍ مُبَايِنٌ لِوُجُودِ الْخَالِقِ، وَصَاحِبُهُ الصَّدْرُ القونوي يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمُطْلَقِ وَالْمُعَيَّنِ، لِأَنَّهُ كَانَ أَقْرَبَ إلَى الْفَلْسَفَةِ فَلَمْ يُقِرَّ بِأَنَّ الْمَعْدُومَ شَيْءٌ؛ لَكِنْ جَعَلَ الْحَقَّ هُوَ الْوُجُودُ الْمُطْلَقُ وَصَنَّفَ "مِفْتَاحَ غَيْبِ الْجَمْعِ وَالْوُجُودِ".
وَهَذَا الْقَوْلُ أَدْخَلُ فِي تَعْطِيلِ الْخَالِقِ وَعَدَمِهِ)}.
قول الشيخ: (وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى كَشْفِ أَسْرَارِ هَؤُلَاءِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَبَيَّنَّا حَقِيقَةَ قَوْلِ كُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ)، فالشيخ له كتب كثيرة، وله رسالة مشهورة اسمها "حقيقة مذهب الاتِّحاديَّة"، وهذه موجودة في مجموع الفتاوى - المجلد الثاني، الصفحة مائة وأربعة وثلاثين، وأغلب المجلد الثاني في هذه الرسالة وهي حقيقة مذهب الاتِّحاديين.
وكذلك له كلام في عدَّة رسائل في مجموع الفتاوى، ومواضع كثيرة مثل درء التَّعارض وغيرها، فالشيخ في كثير من المواضع يأتي ويضرب هذا المذهب الخبيث ويُبيِّن فساده، وكذلك في الصَّفديَّة وشرح الرسالة الأصفهانيَّة له كلام كثير عن هؤلاء.
وخلاصة الكلام: أن هؤلاء خرجوا في القرن الخامس والسادس، وقبل أن يُولَد الشيخ، وبعدما وُجِدَ ابن تيمية كان يراهم ويرى انتشارهم واغترار الحكَّام بهم، وإفسادهم لأديان الناس، فنشطَ في تتبُّعهم، ثم اتَّضح لابن تيمية -ووضَّح هذا في كتبه- أنَّهم على ثلاثة أقسام:
الأول: مذهب الحلول.
الثاني: مذهب الاتِّحاد.
الثالث: مذهب وحدة الوجود.
الدَّرجة الأولى: الحلول، يعني مثلًا هذا الماء حلَّ في الكأسِ، فالماء شيء والكأس شيء، والقول بأن الخالق حلَّ في المخلوقات كفر، ولكن هؤلاء الكفَّار الحلوليَّة يقولون: إنَّ الخالق شيء والمخلوقات شيء آخر. وهذه هي الدَّرجة الأولى من مذهب هؤلاء الكفار.
الدرجة الثانية: يسمون بالاتِّحاديَّة الصُّوفيَّة، يقولون: إن الخالق اتَّحدَ بالمخلوق.
نضرب مثالًا في المخلوقات التي نفهمها: إذا وضعنا ملحًا في الماء ومزجناه، أو صببنا لبنًا على الماء ومزجناه؛ اتَّحدَ الماء واللبن -أو الملح مع الماء- فاختلطا فصارا شيئًا واحدًا، فكان قبلُ شيئين ثم صار شيئًا واحدًا، وهذا هو مذهب الاتِّحاديَّة وهو أشد كفرًا من مذهب الحلوليَّة.
فالاتِّحاديَّة يقولون: إنَّ هناك خالق ومخلوقات، ثم اتَّحدَ الخالق والمخلوقات فصارا شيئًا واحدًا.
الدرجة الثالثة: وهي أشد غلوًا، وهو مذهب ابن عربي -ونبه الشيخ هنا على ذلك- يقولون: إنَّ الخالق والمخلوق هو شيء واحد في الأصل، لم يكونا شيئين ثمَّ اتَّحدا، فكل ما في الوجود هو الله، فهم يقولون: بوحدة الوجود، وهذا أشدُّ وأدخلُ في الكفر.
يقول الشيخ: (وَبَيَّنَّا حَقِيقَةَ قَوْلِ كُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ)، يعني: في المراجع.
فصاحب الفصوص يقول: (الْمَعْدُومُ شَيْءٌ، وَوُجُودُ الْحَقِّ فَاضٍ عَلَيْها)، يعني: يفرِّق بينَ الوجود والثُّبوت، فأول أمره كان يُفرِّق، ثم صار بأقواله إلى الاتِّحاد، فكان أول يقول المعدوم شيء والخالق شيء، ثم فاض الخالق على المخلوق -المعدوم- فصارا شيئًا واحدًا. قال الشيخ: (فَيُفَرِّقُ بَيْنَ الْوُجُودِ وَالثُّبُوتِ).
ويُنبِّه الشيخ هنا تنبيهًا عقليًّا على فساد هذه العقيدة فيقول: المعتزلة على أنهم ضُلَّالٌ ومعروفٌ عند الناس ضلالهم أخف منه شرًّا؛ لأنَّهم يقولون: إنَّ المعدوم شيء ثابت في الخارج، وهذا غير صحيح، المعدوم لا شيء، وحتى لو قالوا بهذا فإنهم يقولون: إن الله هو الذي خلق هذه الأشياء، ولا يقولون: إنها غير مخلوقةٍ لله، ولا يقولون: إن وجودها هو وجود الرَّب، ولا يقولون: إنَّ الله فاض عليها وحلَّها أو اتَّحدَ بها.
قال -جَلَّ وَعَلَا: (وَصَاحِبُهُ الصَّدْرُ القونوي)، هذا رومي، واسمه: صدر الدين محمد بن إسحاق القونوي، وهو من كبار تلاميذ ابن عربي، ومن مشايخ الاتِّحاديَّة، وهو شيخ التِّلمساني، توفي سنة ستمائة ثلاثة وسبعين، هذا الضَّال يُفرِّق بين المطلق والمعين؛ لأنَّه أقرب للفلسفة، فعنده نوعٌ من التَّعقُّل فلم يقع في وحدة الوجود.
قال الشيخ: (فَلَمْ يُقِرَّ بِأَنَّ الْمَعْدُومَ شَيْءٌ؛ لَكِنْ جَعَلَ الْحَقَّ هُوَ الْوُجُودُ الْمُطْلَقُ وَصَنَّفَ "مِفْتَاحَ غَيْبِ الْجَمْعِ وَالْوُجُودِ". وَهَذَا الْقَوْلُ أَدْخَلُ فِي تَعْطِيلِ الْخَالِقِ وَعَدَمِهِ)، يعني الصدر القونوي أشدُّ إلحادًا.
{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (وَهَذَا الْقَوْلُ أَدْخَلُ فِي تَعْطِيلِ الْخَالِقِ وَعَدَمِهِ، فَإِنَّ الْمُطْلَقَ بِشَرْطِ الْإِطْلَاقِ - وَهُوَ الْكُلِّيُّ الْعَقْلِيُّ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ، وَالْمُطْلَقِ لَا بِشَرْطِ وَهُوَ الْكُلِّيُّ الطَّبِيعِيُّ.
وَإِنْ قِيلَ إنَّهُ مَوْجُودٌ فِي الْخَارِجِ، فَلَا يُوجَدُ فِي الْخَارِجِ إلَّا مُعَيَّنًا، وَهُوَ جُزْءٌ مِنْ الْمُعَيَّنِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِثُبُوتِهِ فِي الْخَارِجِ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ وُجُودُ الرَّبِّ إمَّا مُنْتَفِيًا فِي الْخَارِجِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ جُزْءًا مِنْ وُجُودِ الْمَخْلُوقَاتِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَيْنُ وُجُودِ الْمَخْلُوقَاتِ.
وَهَلْ يَخْلُقُ الْجُزْءُ الْكُلَّ أَمْ يَخْلُقُ الشَّيْءُ نَفْسَهُ؟ أَمْ الْعَدَمُ يَخْلُقُ الْوُجُودَ؟ أَوْ يَكُونُ بَعْضُ الشَّيْءِ خَالِقًا لِجَمِيعِهِ.
وَهَؤُلَاءِ يَفِرُّونَ مِنْ لَفْظِ "الْحُلُولِ" لِأَنَّهُ يَقْتَضِي حَالًا وَمَحَلًّا، وَمِنْ لَفْظِ "الِاتِّحَادِ")}.
هؤلاء يفرُّون من لفظ "الحلول" ومن لفظ "الاتِّحاد" لأنَّهم هم أهل وحدة الوجود، وهؤلاء أغرق وأشد في الكفر والإلحاد.
{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (لِأَنَّهُ يَقْتَضِي شَيْئَيْنِ اتَّحَدَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ وَعِنْدَهُمْ الْوُجُودُ وَاحِدٌ. وَيَقُولُونَ: النَّصَارَى إنَّمَا كَفَرُوا لَمَّا خَصَّصُوا الْمَسِيحَ بِأَنَّهُ هُوَ اللَّهُ وَلَوْ عَمَّمُوا لَمَا كَفَرُوا)}.
هذا من أقوال غلاة الاتِّحاديَّة وأهل وحدة الوجود، يقولون: إنَّ النَّصارَى كفروا لأنَّهم خصَّصوا عبادة المسيح وعبدوه، ولو أنَّهم عمَّموا وعبدوا كلَّ شيءٍ لَمَا كفروا، وهذا يُبيِّن لك شدَّة كفر هؤلاء.
{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ فِي عُبَّادِ الْأَصْنَامِ: إنَّمَا أَخْطَئُوا لَمَّا عَبَدُوا بَعْضَ الْمَظَاهِرِ دُونَ بَعْضٍ، فَلَوْ عَبَدُوا الْجَمِيعَ لَمَا أَخْطَئُوا عِنْدَهُمْ.
وَالْعَارِفُ الْمُحَقِّقُ عِنْدَهُمْ لَا يَضُرُّهُ عِبَادَةُ الْأَصْنَامِ)}.
انظر! يقولون: إنَّ عُبَّاد الأصنام ما كفروا إلَّا لأنَّهم عبدوا الأصنام فقط، وإلَّا لو عبدوا كلَّ شيءٍ ما كفروا! وأيُّ كفرٍ أعظم من هذا؟!
ولهذا يقول الشيخ: (وَالْعَارِفُ الْمُحَقِّقُ عِنْدَهُمْ لَا يَضُرُّهُ عِبَادَةُ الْأَصْنَامِ).
لاحظ هذه الجملة! المحققون من هؤلاء الكفرة الاتِّحاديَّة وأهل وحدة الوجود يقولون: إنَّ الذي يعبد الأصنام لا شيء عليه، العارف المحقق عندهم لا تضره عبادة الأصنام، فنحن الآن نتحدَّث عن قومٍ بلغوا في الكفر مَبلغًا لم يبلغه لا اليهود ولا النَّصارى.
{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (وَهَذَا مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْكُفْرِ الْعَظِيمِ فَفِيهِ مَا يَلْزَمُهُمْ دَائِمًا مِنْ التَّنَاقُضِ لِأَنَّهُ يُقَالُ لَهُمْ: فَمَنْ الْمُخْطِئُ؟ لَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ الرَّبَّ هُوَ الْمَوْصُوفُ بِجَمِيعِ النَّقَائِصِ الَّتِي يُوصَفُ بِهَا الْمَخْلُوقُ.
وَيَقُولُونَ: إنَّ الْمَخْلُوقَاتِ تُوصَفُ بِجَمِيعِ الكمالات الَّتِي يُوصَفُ بِهَا الْخَالِقُ.
وَيَقُولُونَ مَا قَالَهُ صَاحِبُ "الْفُصُوصِ": "فَالْعَلِيُّ لِنَفْسِهِ هُوَ الَّذِي يَكُونُ لَهُ الْكَمَالُ الَّذِي يَسْتَوْعِبُ بِهِ جَمِيعَ النُّعُوتِ الْوُجُودِيَّةِ وَالنِّسَبِ الْعَدَمِيَّةِ، سَوَاءٌ كَانَتْ مَحْمُودَةً عُرْفًا أَوْ عَقْلًا أَوْ شَرْعًا، أَوْ مَذْمُومَةً عُرْفًا وَعَقْلًا وَشَرْعًا، وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا لِمُسَمَّى اللَّهِ خَاصَّةً، وَهُمْ مَعَ كُفْرِهِمْ هَذَا لَا يَنْدَفِعُ عَنْهُمْ التَّنَاقُضُ فَإِنَّهُ مَعْلُومٌ بِالْحِسِّ وَالْعَقْلِ أَنَّ هَذَا لَيْسَ هُوَ ذَاكَ، وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ مَا كَانَ يَقُولُهُ التلمساني: إنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَنَا فِي الْكَشْفِ مَا يُنَاقِضُ صَرِيحَ الْعَقْلِ. وَيَقُولُونَ: مَنْ أَرَادَ التَّحْقِيقَ - يَعْنِي تَحْقِيقَهُمْ - فَلْيَتْرُكْ الْعَقْلَ وَالشَّرْعَ")}.
قول صاحب الفصوص: "فَالْعَلِيُّ لِنَفْسِهِ هُوَ الَّذِي يَكُونُ لَهُ الْكَمَالُ الَّذِي يَسْتَوْعِبُ بِهِ جَمِيعَ النُّعُوتِ الْوُجُودِيَّةِ وَالنِّسَبِ الْعَدَمِيَّةِ، سَوَاءٌ كَانَتْ مَحْمُودَةً عُرْفًا أَوْ عَقْلًا أَوْ شَرْعًا، أَوْ مَذْمُومَةً"، فالله عندهم يوصف حتى بالنَّقائص، فهذا هو كلام صاحب الفصوص -نسأل الله العافية والسلامة.
{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (وَقَدْ قُلْت لِمَنْ خَاطَبْته مِنْهُمْ: وَمَعْلُومٌ أَنَّ كَشْفَ الْأَنْبِيَاءِ أَعْظَمُ وَأَتَمُّ مِنْ كَشْفِ غَيْرِهِمْ، وَخَبَرَهُمْ أَصْدَقُ مِنْ خَبَرِ غَيْرِهِمْ، وَالْأَنْبِيَاءُ -صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ- يُخْبِرُونَ بِمَا تَعْجِزُ عُقُولُ النَّاسِ عَنْ مَعْرِفَتِهِ؛ لَا بِمَا يَعْرِفُ النَّاسُ بِعُقُولِهِمْ أَنَّهُ مُمْتَنِعٌ، فَيُخْبِرُونَ بِمَحَارَاتِ الْعُقُولِ لَا بِمُحَالَاتِ الْعُقُولِ، وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ فِي إخْبَارِ الرَّسُولِ مَا يُنَاقِضُ صَرِيحَ الْعُقُولِ، وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَتَعَارَضَ دَلِيلَانِ قَطْعِيَّانِ: سَوَاءٌ كَانَا عَقْلِيَّيْنِ أَوْ سَمْعِيَّيْنِ، أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا عَقْلِيًّا وَالْآخَرُ سَمْعِيًّا، فَكَيْفَ بِمَنْ ادَّعَى كَشْفًا يُنَاقِضُ صَرِيحَ الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ؟)}.
يقول التلمساني: "ثَبَتَ عِنْدَنَا فِي الْكَشْفِ مَا يُنَاقِضُ صَرِيحَ الْعَقْلِ. وَيَقُولُونَ: مَنْ أَرَادَ التَّحْقِيقَ - يَعْنِي تَحْقِيقَهُمْ - فَلْيَتْرُكْ الْعَقْلَ وَالشَّرْعَ"، والشيخ أراد الرَّد على التلمساني.
يقول التلمساني: عندنا كشف فوق مستوى العقل وفوق مستوى الشرع، فاترك عنك العقل واترك عنك الشَّرع، وامشِ مع كشفنا.
فالشيخ قال له: أعظم كشف هو كشف الأنبياء، وخبر الأنبياء أعظم خبر، فكيف يأتي أحد بشيءٍ فوق الأنبياء؟! ثم إن الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- يُخبرون الناس بما تعجز عقول الناس عن معرفته وإدراكه على التفصيل، لا بما يعرف الناس أنه ممتنع.
وهذه عبارة الشيخ وقد كررها في مواضع: " فَيُخْبِرُونَ بِمَحَارَاتِ الْعُقُولِ لَا بِمُحَالَاتِ الْعُقُولِ"، يعني: تأتي أخبار عن الله وعن نبيِّه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وعن الغيب والآخرة ما تحار فيه العقول، أن تتعجَّب من عظمة الله، وتتعجَّب من قدرة الله، وتعجز العقول عن إدراكه بمفردها، لكن لا يُمكن أن يأتي في خبر الله وخبر نبيِّه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأخبار الأنبياء ما تقطع العقول بأنَّه ممتنع ومستحيل، فهذا لا يُمكن، وهذا هو معنى قوله: "فَيُخْبِرُونَ بِمَحَارَاتِ الْعُقُولِ لَا بِمُحَالَاتِ الْعُقُولِ"، يعني: تجعله مستحيلًا ممتنعًا، فهذه العبارة كررها الشيخ واستعملها في كثير من المواضع، ففرقٌ بين ما يقصر العقل عن دَرَكه، وبينَ ما يعلم العقل استحالته، فهذا هو الفرق بين محارات العقول ومحالات العقول.
قال: (وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ فِي إخْبَارِ الرَّسُولِ مَا يُنَاقِضُ صَرِيحَ الْعُقُولِ، وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَتَعَارَضَ دَلِيلَانِ قَطْعِيَّانِ: سَوَاءٌ كَانَا عَقْلِيَّيْنِ أَوْ سَمْعِيَّيْنِ، أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا عَقْلِيًّا وَالْآخَرُ سَمْعِيًّا، فَكَيْفَ بِمَنْ ادَّعَى كَشْفًا يُنَاقِضُ صَرِيحَ الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ؟)، هذا لا يُمكن، فهذا الكشف هو كشفٌ شيطاني إذا عرض الشرع.
وهذا هو الرد على أتباع التلمساني الذين قالوا "ثَبَتَ عِنْدَنَا فِي الْكَشْفِ مَا يُنَاقِضُ صَرِيحَ الْعَقْلِ، مَنْ أَرَادَ التَّحْقِيقَ فَلْيَتْرُكْ الْعَقْلَ وَالشَّرْعَ"!
فهذا كلام فاسد وباطل، وهؤلاء الضُّلَّال نقض الشيخ كلامهم هنا.
ومَن أراد التَّوسُّع من طلبة العلم والمتخصصين يُراجع الكتب الموسَّعتة، مثل "درء تعارض العقل والنقل"، فنقض أصول الفلاسفة وأصول الملاحدة، ملاحدة الباطنيَّة هؤلاء وغيرهم.
نسأل الله -جَلَّ وَعَلَا- أن يغفر للشيخ، وأن يجزيه خيرًا على هذا الجهاد العظيم، والنُّصرة لدين الإسلام، ونسأل الله أن ينفع بهذا الكلام ويجعله نافعًا لمسلمين.
{وفي الختام نشكركم فضيلة الشيخ على ما تقدمونه، أسأل الله أن يجعل ذلك في موازين حسناتكم.
هذه تحيَّةٌ عطرةٌ من فريق البرنامج ومنِّي أنا محدثكم عبد الرحمن بن أحمد العمر، إلى ذلكم الحين نستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته}







رد مع اقتباس
قديم 2019-10-23, 19:43   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
احمد الصادق
عضو مميّز
 
إحصائية العضو










افتراضي

الفُرقَان بينَ أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (2)
الدَّرسُ الثالث (3)
فضيلة الشيخ د./ فهد بن سليمان الفهيد

{بسم الله الرحمن الرحيم.
السَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أرحب بكم إخواني وأخواتي المشاهدين الأعزَّاء في حلقةٍ جديدةٍ من حلقات البناء العلمي، وأرحب بفضيلة الشيخ الدكتور/ فهد بن سليمان الفهيد، فأهلًا وسهلًا بكم فضيلة الشيخ}.
حيَّاكم الله، وحيَّا الله الإخوة جميعًا.
{نشرع في هذه الحلقة -بإذن الله- من قول شيخ الإسلام ابن تيمية-رَحِمَهُ اللهُ: (وَهَؤُلَاءِ قَدْ لَا يَتَعَمَّدُونَ الْكَذِبَ، لَكِنْ يُخَيَّلُ لَهُمْ أَشْيَاءُ تَكُونُ فِي نُفُوسِهِمْ وَيَظُنُّونَهَا فِي الْخَارِجِ، وَأَشْيَاءَ يَرَوْنَهَا تَكُونُ مَوْجُودَةً فِي الْخَارِجِ لَكِنْ يَظُنُّونَهَا مِنْ كَرَامَاتِ الصَّالِحِينَ، وَتَكُونُ مِنْ تَلْبِيسَاتِ الشَّيَاطِينِ)}.
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمدُ لله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.
أمَّا بعد؛ فلا زال شيخ الإسلام ابن تيمية -رَحِمَهُ اللهُ- يُبيِّن حال هؤلاء الحلوليَّة وأهل وحدة الوجود والاتِّحاديَّة، وذكر أنَّ طائفةً من هؤلاء الضَّالينقد لا يتعمَّدون الكذب، وهذا يعني أنَّ هناك أناس يتعمَّدون الكذب، ويتعمَّدون الافتراء ليخدعوا الناس، ومنهم من لا يتعمَّد الكذب، ولكن تُخيَّل إليه الأشياءويرى أشياءً بسبب هذه الأفعال المنكرة، أو الخلوات المحرَّمة شرعًا، أو الرياضات التي فيها تشديد على النفس، فيتخيَّل خيالات فيظن أنها حقيقة، وهي ليست بشيء، فهذا قد ينفع معه النَّصيحة والبيان، وأمَّا مُتَعَمِّد الكذب، والمتعمِّد لإغواء الناس أشد وأنكى، نسأل الله العافية والسَّلامة.
{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِالْوَحْدَةِ قَدْ يُقَدِّمُونَ الْأَوْلِيَاءَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، وَيَذْكُرُونَ أَنَّ النُّبُوَّةَ لَمْ تَنْقَطِعْ كَمَا يُذْكَرُ عَنْ ابْنِ سَبْعِينَ وَغَيْرِهِ، وَيَجْعَلُونَ الْمَرَاتِبَ ثَلَاثَةً يَقُولُونَ: الْعَبْدُ يَشْهَدُ أَوَّلًا طَاعَةً ومَعْصِيَةً، ثُمَّ طَاعَةً بِلَا مَعْصِيَةٍ، ثُمَّ لَا طَاعَةَ وَلَا مَعْصِيَةَ)}.
قوله: (وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِالْوَحْدَةِ)، يعني: وحدة الوجود، أنَّ الخالق والمخلوق شيء واحد، ولا شكَّ أنَّ هذا من أعظم الأقوال كفرًا.
قوله: (قَدْ يُقَدِّمُونَ)، وفي نسخة (يُقدِّمون) بدون "قد"، وقد مرَّ معنا ذكر ابن عربي، وأنَّه يُقدِّم الأولياء على الأنبياء والرُّسل، والذي قال: "مقام النبوة في برزخ فويق الرسول ودون الولي".
وهنا يذكر المؤلف شخصًا آخر غير ابن عربي، وهو ابن سبعين، قال: (وَيَذْكُرُونَ أَنَّ النُّبُوَّةَ لَمْ تَنْقَطِعْ كَمَا يُذْكَرُ عَنْ ابْنِ سَبْعِينَ وَغَيْرِهِ)، ابن سبعين من الصُّوفيَّة الغلاة، واسمه عبد الحق بن إبراهيم الرَّاقوطي، نسبة إلى راقوطة، وهي بلدة قريبة من مرسيليا، اشتغل بعلم الفلسفة وتولَّد له إلحادٌ، وكان يقول عنه المؤرخون: إنَّه يذهب إلى غار حراء ينتظر الوحي -نسأل الله العافية والسلامة- وكل هذا من عقيدته الفاسدة؛ لأنَّه يظن أنَّ النبوة مكتسبة، فهؤلاء يذكرون أنَّ النبوة لم تنقطع.
وأجمع المسلمون على كفر من يقول بهذا القول، لكن هناك ضلالة أخرى، أنَّهم يقولون: إنَّ مراتب الناس ثلاثة:
• أولًا: أن يعرف العبد أنَّ هناك طاعة وهناك معصية.
• ثانيًا: طاعة بدون معصية.
• ثالثًا: لا طاعة ولا معصية.
وهم يُريدون بذلك مراتب الحلول ووحدة الوجود، وسيأتي شرح هذه المراتب عند هؤلاء الصُّوفيَّة. قال المؤلف: (وَيَجْعَلُونَ الْمَرَاتِبَ ثَلَاثَةً يَقُولُونَ: الْعَبْدُ يَشْهَدُ أَوَّلًا طَاعَةً ومَعْصِيَةً، ثُمَّ طَاعَةً بِلَا مَعْصِيَةٍ، ثُمَّ لَا طَاعَةَ وَلَا مَعْصِيَةَ).
{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (وَالشُّهُودُ الْأَوَّلُ: هُوَ الشُّهُودُ الصَّحِيحُ، وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الطَّاعَاتِ وَالْمَعَاصِي)}.
يعني هذا هو الحق، أنَّ المؤمن يُفرِّق بينَ ما أحل الله وبين ما حرَّم، وبينَ الطَّاعة وبينَ المعصية، فإذا علم العبد أنَّ الصلاة طاعة وأنَّ شُربَ الخمر معصية ومشى على طريق أنَّه يُؤمن بما أخبر الله به من الطاعات ويعمل بها، ويعرف المحرمات فيجتنبها؛ فهذا هو الطريق الصَّحيح.
{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (وَأَمَّا الشُّهُودُ الثَّانِي: فَيُرِيدُونَ بِهِ شُهُودَ الْقَدَرِ كَمَا أَنَّ بَعْضَ هَؤُلَاءِ يَقُولُ: "أَنَا كَافِرٌ بِرَبِّ يُعْصَى" وَهَذَا يَزْعُمُ أَنَّ الْمَعْصِيَةَ مُخَالَفَةُ الْإِرَادَةِ الَّتِي هِيَ الْمَشِيئَةُ، وَالْخَلْقُ كُلُّهُمْ دَاخِلُونَ تَحْتَ حُكْمِ الْمَشِيئَةِ وَيَقُولُ شَاعِرُهُمْ:
أَصْبَحَتْ مُنْفَعِلًا لِمَا تَخْتَارُهُ** مِنِّي فَفِعْلِي كُلُّهُ طَاعَاتٌ
وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا خِلَافُ مَا أَرْسَلَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ وَأَنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ؛ فَإِنَّ الْمَعْصِيَةَ الَّتِي يَسْتَحِقُّ صَاحِبَهَا الذَّمُّ وَالْعِقَابُ مُخَالَفَةُ أَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:ï´؟تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌï´¾ وَسَنَذْكُرُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْإِرَادَةِ الْكَوْنِيَّةِ وَالدِّينِيَّةِ وَالْأَمْرِ الْكَوْنِيِّ وَالدِّينِيِّ.
وَكَانَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَدْ اشْتَبَهَتْ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ الصُّوفِيَّةِ، فَبَيَّنَهَا الجنيد -رَحِمَهُ اللهُ-لَهُمْ، فمَنْ اتَّبَعَ الجنيد فِيهَا كَانَ عَلَى السَّدَادِ، وَمَنْ خَالَفَهُ ضَلَّ، لِأَنَّهُمْ تَكَلَّمُوا فِي أَنَّ الْأُمُورَ كُلَّهَا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ.
وَفِي شُهُودِ هَذَا التَّوْحِيدِ، وَهَذَا يُسَمُّونَهُ الْجَمْعَ الْأَوَّلَ، فَبَيَّنَ لَهُمْ الجنيد أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ شُهُودِ الْفَرْقِ الثَّانِي، وَهُوَ أَنَّهُ مَعَ شُهُودِ كَوْنِ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا مُشْتَرَكَةً فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ وَخَلْقِهِ يَجِبُ الْفَرْقُ بَيْنَ مَا يَأْمُرُ بِهِ وَيُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ، وَبَيْنَ مَا يَنْهَى عَنْهُ وَيَكْرَهُهُ وَيَسْخَطُهُ، وَيُفَرِّقُ بَيْنَ أَوْلِيَائِهِ وَأَعْدَائِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى:ï´؟أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَï´¾ وَقَالَ تَعَالَى:ï´؟أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِï´¾ وَقَالَ تَعَالَى:ï´؟أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَï´¾ وَقَالَ تَعَالَى:ï´؟وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَï´¾.
وَلِهَذَا كَانَ مَذْهَبُ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَرَبُّهُ وَمَلِيكُهُ، مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ؛ ولَا رَبَّ غَيْرُهُ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ أَمَرَ بِالطَّاعَةِ وَنَهَى عَنْ الْمَعْصِيَةِ، وَهُوَ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ، وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ، وَلَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ، وَإِنْ كَانَتْ وَاقِعَةً بِمَشِيئَتِهِ فَهُوَ لَا يُحِبُّهَا وَلَا يَرْضَاهَا؛ بَلْ يُبْغِضُهَا وَيَذُمُّ أَهْلَهَا وَيُعَاقِبُهُمْ)}.
هذه هي المرتبة الثانية -أو الشُّهود الثَّاني- الذي قال فيه هؤلاء الضَّلاَّل: الطاعة بلا معصية.
تقدَّم أن المرتبة الأولى: أن يشهد الطَّاعة والمعصية؛ وهم يقولون: إنَّ هذه مرتبة العامة -يعني أنقص المراتب- أنه يُفرِّق بين الطاعات والمعاصي.
وعندهم المرتبة الأحسن: أن يرى الأشياء كلها طاعة بلامعصية، فيرون أن هذه منزلة عليا، وهي أنَّهم يُريدون شهود القدر، فكل ما قُدر فهو مرضيٌّ لله بزعمهم، ولهذا يقول بعضهم: "أَنَا كَافِرٌ بِرَبِّ يُعْصَى"، نستغفر الله ونتوب إليه!
ومعنى كلام هذا الضَّال: أنَّ الله -جَلَّ وَعَلَا- لا يُمكن أن يُعصَى، وكل ما يقع في الكون من معاصي ليست معاصي، فإذا رأيتها أنت معاصٍ؛فهذا الصُّوفي الضَّال يراها ليست معاصٍ.
ولهذا يقول: لو أثبتَّ أنَّها معاصي فمعناه أنَّ الرَّبَّ يُعصى، وهو كافر بربِّ يُعصَى؛ فيقول: نرى كل شيء في الكون طاعة، وكل ما يقع في الكون مرادٌ لله شرعًا، فلا يُفرِّق بين الإرادة الشرعيَّة والإرادة الكونيَّة.
حتى يقول قائلهم:
أَصْبَحَتْ مُنْفَعِلًا لِمَا تَخْتَارُهُ** مِنِّي فَفِعْلِي كُلُّهُ طَاعَاتٌ
يعني حتى -والعياذ بالله- لو زنا أو سرق وشرب الخمر وقتل؛ يرى أن هذا كله وقع بالقدر، إذن هي مُرضيَّة لله وكلها طاعة لله، فلا يرى معصيةً إطلاقًا.
ومعلوم أنَّ هذا خلاف ما جاءت به الرُّسل كلهم، فالرسل -عليهم الصلاة والسلام- أرسلهم الله -جَلَّ وَعَلَا- وأنزل عليهم الكتب مبشرين ومنذرين، فيبشرون مَن أطاعهم بالجنة، ويُنذرون مَن عصاهم بالنَّار.
وهؤلاء يقولون: لا يوجد معصية! والله يقول: ï´؟تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌï´¾.
إذن؛ هناك من يُطيعه وهناك مَن يعصي، ولكن هؤلاء لجهلهم ظنُّوا أنَّ هذا الشيء وقع بقدر الله ومراده الكوني؛ إذن هو محبوب لله ومرضيٌّ لله، ويعتبرُ طاعة لله!
وهذا كلام باطل؛ فهم اشتبه عليه عدم التفريق بين المراد الكوني والمراد الشَّرعي.
ما هو المراد الكوني والمراد الشَّرعي؟
نقول: فرعون وجميع المخلوقات كلها مخلوقة لله -عز وجل-، والكفر الذي وقع من فرعون وقع بقدر الله، أي: أراده الله كونًا.
الصُّوفي الضَّال وأمثاله من الجبريَّة يقولون: ما دام أنَّه وقع كونًا فهو محبوبٌ لله شرعًا!
الشَّرع وضَّحه الله، وأرسل إليه موسى وأنذره وحذَّره من هذا التَّكذيب وهذا الكفر ومن هذا الضَّلال، فالله لا يضى كفر فرعون ولا يرضى كفر الكافرين.
ففرقٌ بينَ المراد الكوني والمراد الشَّرعي.
يقول الشيخ: (هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَدْ اشْتَبَهَتْ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ الصُّوفِيَّةِ، فَبَيَّنَهَا الجنيد -رَحِمَهُ اللهُ-لَهُمْ)، فرَّق الجنيد وبيَّن الحق.
يقول الشيخ: (فمَنْ اتَّبَعَ الجنيد)، والصَّواب أنَّ مَن اتَّبعَ الكتاب والسَّنة، ولكن الشيخ هنا ذكر الجنيد؛ لأنَّ غالب المخاطَبين بهذا يُعظِّمون الجنيد، وهو رجل صالح ولم تصدر منه شطحات كثيرة ولا غلطات، فهو من العُبَّاد الزُّهَّاد وله كلمات طيِّبة -رَحِمَهُ اللهُ- فأراد-رَحِمَهُ اللهُ- أن يحتجَّ عليهم بمَن يُعظِّمونه.
وهؤلاء يسمُّونَ جهلهم بالتَّفريق بين المراد الشَّرعي والكوني وظنِّهم أنَّ كل الأمور التي تحدث إنَّما هي طاعات؛ فيسمونه "الجمع الأول"، فكان يقول لهم: لابدَّ أن تعرفوا الفرق الثاني: وهو أن ما حرَّمه الله ونهى عنه لا يجوز لنا أن نفعله، ولا يجوز لنا أن نقول إنه طاعة؛ لأنَّ هذا معصية.
وربَّنا -جَلَّ وَعَلَا- فرَّق في القرآن، فقال:ï´؟أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَï´¾ وَقَالَ تَعَالَى:ï´؟أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِï´¾، فعند هؤلاء الضُّلَّال الصُّوفيَّة يقولون هم سواء، فيُعاندون الله ويُخالفون خبره.
ثم ذكر الآيات: ï´؟أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَï´¾ وَقَالَ تَعَالَى:ï´؟وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَï´¾.
ولهذا قرَّرَ الشَّيخ أنَّ مذهب سلف الأمَّة وأئمتهم: أنَّ الله خالق كل شيء، فهذا إقرار بالقدر، وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ومع إقرارنا بالقدر نُقرُّ بالأمرِ والنَّهي، فما أمرَ الله به فهو طاعة، وما نهى عنه فهو معصية، قال: (وَهُوَ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ، وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ...) إلى آخره.
بقي معنا المرتبة الأخيرة، وهي مرتبة وحدة الوجود والقول بالحلول، وهذه يعتبرونها هي المقام الأعلى، لظنِّهم أنَّها أكمل من المرتبة التي سبقت، وهي أن يشهد طاعة بلا معصية، والآن سيقول: (لَا يَشْهَدَ طَاعَةً وَلَا مَعْصِيَةً).
{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (وَأَمَّاالْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ لَا يَشْهَدَ طَاعَةً وَلَا مَعْصِيَةً - فَإِنَّهُ يَرَى أَنَّ الْوُجُودَ وَاحِدٌ وَعِنْدَهُمْ أَنَّ هَذَا غَايَةُ التَّحْقِيقِ وَالْوِلَايَةُ لِلَّهِ؛ وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ غَايَةُ الْإِلْحَادِ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ وَآيَاتِهِ، وَغَايَةُ الْعَدَاوَةِ لِلَّهِ، فَإِنَّ صَاحِبَ هَذَا الْمَشْهَدِ يَتَّخِذُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى وَسَائِرَ الْكُفَّارِ أَوْلِيَاءَ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى:ï´؟وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْï´¾ وَلَا يَتَبَرَّأُ مِنْ الشِّرْكِ وَالْأَوْثَانِ، فَيَخْرُجُ عَنْ مِلَّةِ إبْرَاهِيمِ الْخَلِيلِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ- قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:ï´؟قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُï´¾ وَقَالَ الْخَلِيلُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- لِقَوْمِهِ الْمُشْرِكِينَ:ï´؟أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَï´¾ وَقَالَ تَعَالَى:ï´؟لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُï´¾)}.
هذه هي المرتبة الثالثة عند غلاة الصُّوفيَّة وهي القول بوحدة الوجود: (أَنْ لَا يَشْهَدَ طَاعَةً وَلَا مَعْصِيَةً)، فيرى كل الأشياء هي الله، وأنَّ كل المخلوقات هي الله، وأنَّ الوجود شيء واحد، ويقولون: إنَّ هذا هو غاية التَّحقيق، والشيخ يقولوَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ غَايَةُ الْإِلْحَادِ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ وَآيَاتِهِ، وَغَايَةُ الْعَدَاوَةِ لِلَّه).
ثم قال الشيخ: (فَإِنَّ صَاحِبَ هَذَا الْمَشْهَدِ يَتَّخِذُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى وَسَائِرَ الْكُفَّارِ أَوْلِيَاءَ)، وهذا وُجد في هؤلاء في زمن الشيخ -رَحِمَهُ اللهُ- فوقفوا مع التَّتار ضد المسلمين، ورأوا أن اليهود والنصارى أهلُ حقٍّ وأهلُ طريقٍ صحيح، وأنَّهم يدخلون الجنَّة، وأنَّهم يصلون إلى الله، ومَن سلكَ منهجهم يصل إلى الله، وصرَّحوا بذلك، وهذه مسألة خطيرة جدًّا؛ لأنَّه تكذيب لما أخبر الله به من عدواة اليهود والنَّصارى ومن كفرهم.
ثم قال الشيخ: (وَلَا يَتَبَرَّأُ مِنْ الشِّرْكِ وَالْأَوْثَانِ)، يعني أنَّ صاحب هذه العقيدة الفاسدة الذي يرى أن الوجود شيء واحد؛ يرى أن الشرك والأوثان مثل التَّوحيد، ولهذا قال الشيخ (فَيَخْرُجُ عَنْ مِلَّةِ إبْرَاهِيمِ الْخَلِيلِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ)، فمن اعتقد هذه العقيدة خرج عن ملَّةِ إبراهيم؛ لأنَّ الله وضَّحَ لنا ملَّةَ إبراهيم، وهي ملَّة محمد -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وهي في قوله تعالى:ï´؟قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُï´¾ الذين معه: أي الرسل الذين على منهجه وطريقته.
قال تعالى: ï´؟إذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِï´¾، فكيف تقول أن الوجود شيء واحد، وكلها حق، ولا يتبرَّأ من الشِّرك، والله -جَلَّ وَعَلَا- جعل أفضل عباده يتبرَّؤون من هذا الشرك، وجعلهم قدوةً لنا.
قال تعالى: ï´؟إنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْï´¾، إذن نتبرَّأ من نفس الكفَّار، من اليهود والنصارى وسائر الكفار.
قال: ï´؟وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِï´¾، يعني معبوداتكم الباطلة.
ثم قال: ï´؟كَفَرْنَا بِكُمْï´¾، يعني نُصرِّح بكفركم، وأنَّ الحق هو الإسلام فقط وما جاء به الرسول-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قال: ï´؟وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًاï´¾، العداوة في الظَّاهر، والبغضاء في القلب وتظهر آثارها؛ فهذه هي ملَّة إبراهيم.
قال تعالى: ï´؟أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَï´¾، فالمؤمن الحق يُعادي أعداء الله ويتبرَّأ من معبوداتهم الباطلة.
{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (وَهَؤُلَاءِ قَدْ صَنَّفَ بَعْضُهُمْ كُتُبًا وَقَصَائِدَ عَلَى مَذْهَبِهِ مِثْلِ قَصِيدَةِ ابْنِ الْفَارِضِ الْمُسَمَّاةِ بِـ "نَظْمِ السُّلُوكِ" يَقُولُ فِيهَا:
لَهَا صَلَاتِي بِالْمَقَامِ أُقِيمُهَا** وَأَشْهَدُ فِيهَا أَنَّهَا لِي صَلَّتْ
كِلَانَا مُصَلٍّ وَاحِدٌ سَاجِدٌ إلَى **حَقِيقَتِهِ بِالْجَمْعِ فِي كُلِّ سَجْدَةِ
وَمَا كَانَ لِي صَلَّى سِوَائِي وَلَمْ تَكُنْ** صَلَاتِي لِغَيْرِي فِي أدا كُلِّ رَكْعَةِ
(إلَى أَنْ قَالَ
وَمَا زِلْت إيَّاهَا وَإِيَّايَ لَمْ تَزَلْ **وَلَا فَرْقَ بَلْ ذَاتِي لِذَاتِي أَحَبَّتْ
إلَيَّ رَسُولًا كُنْت مِنِّي مُرْسَلًا **وَذَاتِي بِآيَاتِي عَلَيَّ اسْتَدَلَّتْ
فَإِنْ دُعِيت كُنْت الْمُجِيبَ وَإِنْ ** أَكُنْمُنَادًى أَجَابَتْ مَنْ دَعَانِي وَلَبَّتْ
إلَى أَمْثَالِ هَذَا الْكَلَامِ؛ وَلِهَذَا كَانَ هَذَا الْقَائِلُ عِنْدَ الْمَوْتِ يَنْشُدُ وَيَقُولُ:
إنْ كَانَ مَنْزِلَتِي فِي الْحُبِّ عِنْدَكُمْ** مَا قَدْ لَقِيت فَقَدْ ضَيَّعْت أَيَّامِي
أُمْنِيَةً ظَفِرَتْ نَفْسِي بِهَا زَمَنًا** وَالْيَوْمَ أَحْسَبُهَا أَضْغَاثُ أَحْلَامِ

فَإِنَّهُ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ هُوَ اللَّهُ، فَلَمَّا حَضَرَتْ مَلَائِكَةُ اللَّهِ لِقَبْضِ رُوحِهِ تَبَيَّنَ لَهُ بُطْلَانُ مَا كَانَ يَظُنُّهُ)}.
يقول الشيخ: (وَهَؤُلَاءِ قَدْ صَنَّفَ بَعْضُهُمْ كُتُبًا وَقَصَائِدَ عَلَى مَذْهَبِهِ)، مرَّ معنا بعض الكتب مثل: كتب ابن عربي "الفتوحات المكيَّة، وفصوص الحكم"؛ كلها مشتملة على مذهب وحدة الوجود وأنَّ الكون شيء واحد، وأنَّ الخالق والمخلوقات شيء واحد، وتقدَّم بيان هذا.
ومن القصائد: قَصِيدَةُ ابْنِ الْفَارِضِ الْمُسَمَّاةِ بِـ "نَظْمِ السُّلُوكِ"، وابن الفارض هو: عمر بن علي بن الفارض، أبو صاحب الفرائض، يقضي عند السلطان ويقسم الفرائض والمواريث للناس، فسمي "ابن الفارض"، وكان في مصر، وُلد بها وتُوفِّيَ بها، وهو شاعرٌ مُجِيدٌ، ولكنَّه نظمَ قصائده كلها فاسدة وضالَّة، منها أنَّه يعتقد عن نفسه أنَّه هو الله -تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا- فكان يقول عن نفسه:
لَهَا صَلَاتِي بِالْمَقَامِ أُقِيمُهَا **وَأَشْهَدُ فِيهَا أَنَّهَا لِي صَلَّتْ
يعني: أنَّ نفسه صلَّت له هو.
يقول:
كِلَانَا مُصَلٍّ وَاحِدٌ سَاجِدٌ إلَى** حَقِيقَتِهِ بِالْجَمْعِ فِي كُلِّ سَجْدَةِ
وَمَا كَانَ لِي صَلَّى سِوَائِي وَلَمْ تَكُنْ** صَلَاتِي لِغَيْرِي فِي أدا كُلِّ رَكْعَةِ
أنا أسأل كل مسلم ومسلمة: هل يرضى كل مسلم أن يقول إنَّه صلَّى لنفسه، أو أنه يعبد نفسه، ونفسه تعبده!فهذا لا يقوله إلا كافر ضال -نسأل الله العافية والسلامة.
وهذا الجاهل الضَّال يقول:
وَمَا زِلْت إيَّاهَا وَإِيَّايَ لَمْ تَزَلْ** وَلَا فَرْقَ بَلْ ذَاتِي لِذَاتِي أَحَبَّتْ
إلَيَّ رَسُولًا كُنْت مِنِّي مُرْسَلًا** وَذَاتِي بِآيَاتِي عَلَيَّ اسْتَدَلَّتْ
صار له آيات، وصار رسول مرسل إليه!
يقول:
فَإِنْ دَعَيت كُنْت الْمُجِيبَ وَإِنْ ** أَكُنْمُنَادًى أَجَابَتْ مَنْ دَعَانِي وَلَبَّتْ
يقول: إن دعوتني أنت كنت أنا المجيبُ، وإن يكن هو المنادي أجابت نفسه؛ فكان يظن عن نفسه أنَّها هي الله -تعالى الله عما يقول علوًّا كبيرًا.
هذه القصيدة إلى الآن تُطبَع -مع الأسف- فهناك مَن يُروِّج هذه المذاهب الخبيثة، ويُدافع عنأصحابها وأربابها.
يقول ابن تيمية في مجموع الفتاوى المجلد الرابع صفحة (73) عن هذه القصيدة: "وقد نظم فيها الاتِّحاد نظمًا رائق اللفظ، فهو أخبث من لحم خنزير في صينيَّة من ذهب"، فصينية الذَّهب جميلة ومنظرها عجيب، لكن عليها لحم خنزير -نسأل الله العافية والسلامة.
فالجرس الشِّعري للقصيدة جرس جميل، فهو إنسان مجيد في الشِّعر، ولكن مع الأسف لم يستخدم هذا الشِّعر في الحق، ولكن استخدمه في الباطل.
يقول الشيخ: "فهو أخبث من لحم خنزير في صينيَّة من ذهب، وما أحسن تسميتها بنظم الشكوك"، وليست "نظم السلوك" كما يزعم.
وفي المجلد الرابع صفحة (74) يقول: "هذه القصيدة نفقت كثيرًا، بالغ أهل العصر في تحسينها، والاعتداد بما فيها من الإلحاد".
فانظروا إخوتي الكرام؛ الشيخ يُعاني من ذلك الوقت ويقول: إنَّ أهل عصره من الوزراء والمسؤولين والتَّجار انتشرت فيهم هذه القصيدة، وأحبوها وصاروا يروِّجونها ويكتبون فيها ويمدحونها ويحفظونها.
قال: "وبالغ أهل العصر في تحسينها"، مع ما فيها من الإلحاد!
وهذا يدلنا -إخواني الكرام- على أنَّ الباطل وإن راج وظهر أمره فهو مثل الدُّخان، تأتي ريح الحق لا يبقى منه شيء، فلا تحزن ولا تقلق وتوكل على الله، وتمسَّك بدينك.
لما حضرت الوفاة ابن الفارض، حضر بعض الناس المعروفين وفاته، وزمنه قريب من زمن ابن تيمية، فابن الفارض هلك سنة (632)، وابن تيمية وُلد سنة (661)، يعني بينهما واحد وثلاثين سنة، أضف إليها عشرين عامًا عندما كان ابن تيمية شابًّا، يعني في حود خمسين سنة، يقول ابن تيمية: "وَحَدَّثَنِي لشَّيْخُ رَشِيدُ الدِّينِ بْنُ الْمُعَلِّمِ عَنْ الشَّيْخِ إبْرَاهِيمَ الجعبري: أَنَّهُ حَضَرَ ابْنَ الْفَارِضِ عِنْدَ الْمَوْتِ وَهُوَ يُنْشِدُ:
إنْ كَانَ مَنْزِلَتِي فِي الْحُبِّ عِنْدَكُمْ... مَا قَدْ لَقِيت فَقَدْ ضَيَّعْت أَيَّامِي
أُمْنِيَّةٌ ظَفِرَتْ نَفْسِي بِهَا زَمَنًا"
يعني كنت أمنِّي نفسي وأظن أنِّي أنا الله.
قال: "....................... وَالْيَوْمَ أَحْسَبُهَا أَضْغَاثَ أَحْلَامٍ".
فلمَّا رأى سكرات الموت وملائكة الموت تكلَّم بهذا الشِّعر.
قال الشيخ: (فَإِنَّهُ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ هُوَ اللَّهُ، فَلَمَّا حَضَرَتْ مَلَائِكَةُ اللَّهِ لِقَبْضِ رُوحِهِ تَبَيَّنَ لَهُ بُطْلَانُ مَا كَانَ يَظُنُّهُ)
وهكذا كل الكفار يرون الحقائق عند الموت، ولكن لا تنفعهم التوبة، ففرعون قال:ï´؟آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَï´¾[يونس: 90]، وكل ضال زنديق إذا جاءته سكرة الموت عرف الحق، ولكن هيهات! نسأل الله العافية والسلامة.
فهذا تحذير لكل مسلم من سلوك مسلك هؤلاء الضَّالِّين، وفيه دعوة لمن وقع في أركاس وأنجاس هؤلاء الفَسَدة وعقائدهم الباطلة أن يتوب إلى الله قبل أن ينزل به الموت، فهذه عبرة قد وقعت في الزمن الماضي، فلا يتكرر الخطأ، نسأل الله الهداية لجميع إخواننا.
{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (فَإِنَّهُ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ هُوَ اللَّهُ، فَلَمَّا حَضَرَتْ مَلَائِكَةُ اللَّهِ لِقَبْضِ رُوحِهِ تَبَيَّنَ لَهُ بُطْلَانُ مَا كَانَ يَظُنُّهُ
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى:ï´؟سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُï´¾ فَجَمِيعُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يُسَبِّحُ لِلَّهِ؛ لَيْسَ هُوَ اللَّهُ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى:ï´؟لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌï´¾)}.
يعني أنَّ الله فرَّق بين المخلوقات وبينه -سبحانه وتعالى- وأن المخلوقات تسبح الله وتنزِّه الله وليست هي الله، فقوله ï´؟سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِï´¾ يعني كل المخلوقات تسبح الله، وهذا ردٌّ على هؤلاء الزَّنادقة غلاة الصُّوفيَّة.
وقد ألَّف أحد علماء المسلمين وهو البقاعي-رَحِمَهُ اللهُ- كتابًا اسمه "تنبيه الغبي على كفر ابن عربي" وحققه الشيخ عبد الرحمن الوكيل -رَحِمَهُ اللهُ- وألَّف غيره في الرد على ابن عربي عدَّة رسائل، وكذلك ابن الفارض وكل مَن سار على هذه الشَّاكلة السَّيئة.
{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ:«اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى، مُنَزِّلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ؛ أَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّ كُلِّ دَابَّةٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا، أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَك شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَك شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَك شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَك شَيْءٌ؛ اقْضِ عَنِّي الدَّيْنَ وَاغْنَنِي مِنْ الْفَقْرِ»)}.
وهذا يدلُّ على الفرق بين الخالق والمخلوق؛ لأنه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: «أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَك شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَك شَيْءٌ»، وأما المخلوقات كلها فلها أول ولها آخر، كل مخلوق مسبوق بعدم يلحقه موتٌ وزوالٌ وفناء، قال تعالى:ï´؟كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍï´¾[الرحمن: 26]،وكذلك المخلوقات محصورة في خلقٍ مخلوقٍ، في الأرض وفي السماوات ونحوها، وأمَّا الله -عز وجل- فهو فوق كل شيء، وهو العلي الأعلى.
قال: «وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَك شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَك شَيْءٌ» يعني لا يفوتك شيء سبحانك! فهو لا يفوته شيء، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السَّماء.
وقوله «اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ» فرَّقَ بين الخالق وبين المخلوقات.
{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (ثُمَّ قَالَ:ï´؟هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌï´¾ فَذَكَرَ أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ - وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ - ï´؟وَمَا بَيْنَهُمَاï´¾ مَخْلُوقٌ مُسَبِّحٌ لَهُ، وَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ)}.
الأدلَّة في هذا كثيرة جدًّا، لكن هذه أمثلة يريد الشيخ تنبيه القارئ الكريم عليها فقط، وإلَّا فإنَّ الأدلَّة كثيرة جدًّا في الفرق بين الخالق والمخلوق، وهذا أمرٌ بدهي يُعرف بدلالة العقل والفطرة، فضلا عن دلالة الكتاب والسُّنَّة.
{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (وَأَمَّا قَوْلُهُ ï´؟وَهُوَ مَعَكُمْï´¾ فَلَفْظُ "مَعَ" لَا تَقْتَضِي فِي لُغَةِ الْعَرَبِ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الشَّيْئَيْنِ مُخْتَلِطًا بِالْآخَرِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى ï´؟اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَï´¾، وَقَوْلُهُ تَعَالَى:ï´؟مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِï´¾ وقَوْله تَعَالَى ï´؟وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْï´¾)}.
قد يُشكل على بعض الناس قوله تعالى:ï´؟وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌï´¾، فبيَّن الشَّيخُ أنَّ معنى المعيَّة أنَّها لا تقتضي الاختلاط والامتزاج، فليس معنى قوله:ï´؟وَهُوَ مَعَكُمْï´¾ أنَّ الخالق حالٌّ في المخلوقات وممتزج بها ومتَّحدٌ بها، لا والله! فكلمة "مع" في اللغة العربية لا تقتضي الاختلاط والامتزاج، وإن كان قد يوجد أحد المعاني هذا لكن لها موارد، ومن ذلك قوله تعالى: ï´؟اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَï´¾، فإذا علمتَ أنَّ الصَّادقين سواء كانوا في مكَّة أو في المدينة أو في الشَّام أو في مصر؛ فكـــن معهم، وكنْ صادقًا، وليس المعنى أنَّ: تمتزج معهم كالشيء الواحد، لأن هذا لا يُمكن.
ومثل ذلك قوله تعالى: ï´؟مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُï´¾، الذين معه هم الصَّحابة، فمنهم من كان مصاحبًا للرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كثيرًا كأبي بكر وعمر، ومنهم من كان يرى النبي-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في الصَّلوات الخمس، ومنهم من كان يرى النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كل جمعة، ومنهم من لم يرَ النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إلَّا في موضع أو موضعين وهو صحابي، فقوله ï´؟وَالَّذِينَ مَعَهُï´¾ لا يقتضي الامتزاج والاختلاط.
وذكر الآية التي بعدها: ï´؟وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْï´¾، فلفظ "مع" لا يقتضي الاختلاط والامتزاج.
{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (وَلَفْظُ (مَعَ)جَاءَتْ فِي الْقُرْآنِ عَامَّةً وَخَاصَّةً، فَالْعَامَّةُفِي هَذِهِ الْآيَةِ وَفِي آيَةِ الْمُجَادَلَةِ:ï´؟أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌï´¾فَافْتَتَحَ الْكَلَامَ بِالْعِلْمِ وَخَتَمَهُ بِالْعِلْمِ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكُ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ: هُوَ مَعَهُمْ بِعِلْمِهِ.
وَأَمَّا الْمَعِيَّةُ الْخَاصَّةُفَفِي قَوْله تَعَالَى ï´؟إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَï´¾ وقَوْله تَعَالَى لِمُوسَى:ï´؟إنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىï´¾ وَقَالَ تَعَالَى:ï´؟إذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنَاï´¾يَعْنِي النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَبَا بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)}.
لمَّا عرفنا أنَّ المعيَّة لا تقتضي الاختلاط والممازجة؛ نعرف أنَّ المعيَّة الواردة في القرآن الكريم تكون عامَّة وتكون خاصَّة:
فالعامة: مثل الآية التي في سورة الحديد التي سبق قراءتها وهي:ï´؟يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌï´¾[الحديد: 4]، والآية التي في سورة المجادلة: ï´؟أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌï´¾.
يقول الشيخ: (فَافْتَتَحَ الْكَلَامَ بِالْعِلْمِ وَخَتَمَهُ بِالْعِلْمِ) وهذا في قوله:ï´؟أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُï´¾ فوصف الله بأنَّه يعلم ما في السماوات وما في الأرض، إلى آخره، ثم ختم الآية بالعلم فقال: ï´؟إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌï´¾؛ فعلمنا أن المراد من قوله -سبحانه وتعالى: ï´؟إلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواï´¾، أي: معهم بعلمه، وأيضًا بسمعه وبصره، فهو يراهم ويسمع كلامهم ويُحيط بهم، وهو قادرٌ عليهم ولا يفوته أحد منهم؛ فهذه تسمى المعيَّة العامَّة.
وهناك معيَّة خاصَّة تدلُّ على هذا المعنى وتزيد معنًى آخر، وهو حفظ الله وكلاءته ونصرته وتوفيقه لعبده الذي هو معه، مثل قوله تعالى: ï´؟إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَï´¾، فخصَّصهم، فقال في الخلق كلهم:ï´؟وَهُوَ مَعَكُمْï´¾ وï´؟إلَّا هُوَ مَعَهُمْï´¾، وهنا قال: ï´؟مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْاï´¾؛ إذن خصَّص المحسنين بمعيَّة.
مثال آخر: قَوْله تَعَالَى لِمُوسَى:ï´؟إنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىï´¾، أي: مع موسى وهارون.
وَقَالَ تَعَالَى:ï´؟إذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنَاï´¾، صاحبه أبو بكر، فهذه معيَّة خاصَّة تقتضي الحفظ والنُّصرة والتأييد والحماية من الأعداء.
{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (فَهُوَ مَعَ مُوسَى وَهَارُونَ دُونَ فِرْعَوْنَ، وَمَعَ مُحَمَّدٍ وَصَاحِبِهِ دُونَ أَبِي جَهْلٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَعْدَائِهِ، وَمَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَاَلَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ دُونَ الظَّالِمِينَ الْمُعْتَدِينَ.
فَلَوْ كَانَ مَعْنَى الْمَعِيَّةِأَنَّهُ بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ تَنَاقَضَ الْخَبَرُ الْخَاصُّ وَالْخَبَرُ الْعَامُّ؛ بَلْ الْمَعْنَى أَنَّهُ مَعَ هَؤُلَاءِ بِنَصْرِهِ وَتَأْيِيدِهِ دُونَ أُولَئِكَ)}.
إذن قوله:ï´؟إنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىï´¾، فيه معيَّة خاصَّة مع موسى وهارون دون فرعون، وقوله:ï´؟لَا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنَاï´¾ هذه المعيَّة للنبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ولصاحبه أبي بكر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- دون أبي جهل وكفار قريش، فهؤلاء أعداء، والله ليس معهم بهذا المعنى، وقوله: ï´؟إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَï´¾، دون الظالمين الكافرين الفاجرين، فالله ليس معهم بهذا المعنى.
إذن؛ معنى المعية الخاصَّة غير معنى المعيَّة العامَّة؛ لأنَّ الله أثبت المعيَّة الخاصة لهؤلاء.
قال الشيخ: (فَلَوْ كَانَ مَعْنَى الْمَعِيَّةِأَنَّهُ بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ) كما يزعم غلاة الصوفيَّة وأشباههم.
قال: (تَنَاقَضَ الْخَبَرُ الْخَاصُّ وَالْخَبَرُ الْعَامُّ)، يعني: ما صار هناك معيَّة خاصَّة، صار معنى أنَّه معهم في كل مكانٍ وأنَّه حالٌّ في كل مكان حتى مع فرعون؛ وهذا لا يُمكن أن يقوله مسلم، فقوله:ï´؟إنَّنِي مَعَكُمَاï´¾ يعني: موسى وهارون، وليس مع فرعون، وهذا يدل على بطلان قول الحلوليَّة.
{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (وقَوْله تَعَالَى ï´؟وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إلَهٌï´¾ أَيْ هُوَ إلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَإِلَهُ مَنْ فِي الْأَرْضِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:ï´؟وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُï´¾، وَكَذَلِكَ وقَوْله تَعَالَى ï´؟وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِï´¾ كَمَا فَسَّرَهُ أَئِمَّةُ الْعِلْمِ كَالْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ الْمَعْبُودُ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ)}.
هاتان الآيتان يحتجُّ بها بعض ضُلَّال الصُّوفيَّة ويظنون أنَّهما يدلان على القول بأنَّ الخالق حالٌّ في المخلوقات وأنَّه مختلط بالمخلوقات وممتزج بها؛ وهذا فهمٌ فاسدٌ، وكامٌ باطلٌ.
الآية الأولى: قوله -سبحانه وتعالى: ï´؟وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إلَهٌï´¾، هذه الآية الكريمة لا تدل على أنَّ الله -عز وجل- مختلط بالمخلوقات وحالٌّ فيها؛ لا، بل إنَّ معنى قوله: ï´؟وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إلَهٌï´¾ أي: معبودٌ يُعبَد، فهو إله مَن في السَّماوات، يألهونه ويعبدونه، وكذلك مَن في الأرض يعبدون الله -عز وجل- وهذا هو الواجب عليهم، فهو المألوه الحق الذي يجب أن يعبده أهل السَّماء، ويجب أن يعبده أهل الأرض، إله مَن في السماء وإله مَن في الأرض اللهُ وحده لا شريك له.
الآية الأخرى: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:ï´؟وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُï´¾، المثل الأعلى: أي الوصف الأكمل والأتم، فالله له الأسماء الحسنى والصفات العلى، فله من كل كمالٍ أعظمه، جلَّ جلاله وتقدَّسَت أسماؤه.
قوله تعالى:ï´؟وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَï´¾[الأنعام: 3]، وليس معنى قوله ï´؟وَفِي الْأَرْضِï´¾ أنَّه حالٌّ في الأرض، أو حالٌّ في وسط السَّماء، ولكن معناها كما قال الإمام أحمد وأئمة العلم: "أَنَّهُ الْمَعْبُودُ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ".
{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (وَأَجْمَعَ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا عَلَى أَنَّ الرَّبَّ تَعَالَى بَائِنٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ، يُوصَفُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَبِمَا وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ، يُوصَفُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ دُونَ صِفَاتِ النَّقْصِ وَيَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فِي صِفَاتِ الْكَمَالِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:ï´؟قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌï´¾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "الصَّمَدُ: الْعَلِيمُ الَّذِي كَمُلَ فِي عِلْمِهِ، الْعَظِيمُ الَّذِي كَمُلَ فِي عَظَمَتِهِ، الْقَدِيرُ الْكَامِلُ فِي قُدْرَتِهِ، الْحَكِيمُ الْكَامِلُ فِي حِكْمَتِهِ، السَّيِّدُ الْكَامِلُ فِي سُؤْدُدِهِ.
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُ: "هُوَ الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ".
وَالْأَحَدُ: الَّذِي لَا نَظِيرَ لَهُ.
فَاسْمُهُ الصَّمَدُ يَتَضَمَّنُ اتِّصَافَهُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ وَنَفْيِ النَّقَائِصِ عَنْهُ، وَاسْمُهُ الْأَحَدُ يَتَضَمَّنُ اتِّصَافَهُ أَنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ.
وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ وَفِي كَوْنِهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ)}.
يقول -رَحِمَهُ اللهُ: (وَأَجْمَعَ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا عَلَى أَنَّ الرَّبَّ تَعَالَى بَائِنٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ)، كلمة "بَائِنٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ" احتاج السلف أن ينصُّوا عليها بعدما اشتهرت مقالة هؤلاء الحلوليَّة، فصرَّح السَّلف ووضَّحوا ما دلَّ عليه الكتاب والسَّنة من الآيات الكثيرة جدًا والأحاديث الكثيرة جدًّا الدَّالَّة على الفرق بين الخالق والمخلوق، وأنَّ الله فوق عرشه-سبحانه وتعالى- وليس مختلطًا بالمخلوقات كما يقول هؤلاء الحلوليَّة.
قال: (وَأَجْمَعَ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا عَلَى أَنَّ الرَّبَّ تَعَالَى بَائِنٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ يُوصَفُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَبِمَا وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فنصف الله بما جاء في القرآن والسُّنَّة
قال: (مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ)، هذه هي المحذورات الأربع، فيجب على كل مسلم ومسلمة أن يُثبت ما جاء في القرآن وما جاء في السُّنَّة الصَّحيحة عن رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في حقِّ الله، فما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله يجب الإيمان به، ويجب أن نحذر من أربعة محاذير:
• التحريف.
• التعطيل.
• التكييف.
• التمثيل.
فالتَّحريف: هو التَّغيير، تغيير اللفظ أو تغيير المعنى، ولا يستطيع أعداء الله أن يُغيِّروا لفظ القرآن، لأنهم ينفضحون، وإلَّا فقد حاولوا ولكن فضحهم الله، لأن الله حفظ كتابه من التغيير، قال تعالى: ï´؟إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَï´¾[الحجر: 9].
وأمَّا التغيير في المعنى فيتجرَّؤون عليه، يقولون مثلًا في قوله:ï´؟الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىï´¾[طه: 5] لا نثبت الاستواء، وإنما المراد: استولى!
فهذا تحريف، وهكذا تفسيراتهم الباطلة لبقية النصوص؛ فهذا التَّحريف محرَّم.
وأمَّا التَّمثيل: أن يقول إن الله استوى كاستواء المخلوق، فهذا كفرٌ، لأن الله تعالى يقول:ï´؟لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌï´¾[الشورى: 11]، وليس له كفوءًا أحد.
والتكييف: هو أن يتخيَّل كيفيَّة لصفات الله وإن لم تكن موجودة في الواقع، فنقول: هذا لا يجوز، وهذا باطل، والله تعالى يقول:ï´؟وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًاï´¾[طه: 110]، وقال:ï´؟لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُï´¾[الأنعام: 103]، وقال في المحرَّمات:ï´؟وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَï´¾[الأعراف]، فهذا قولٌ على الله بغير علمٍ.
والتعطيل: هو إنكار الصِّفات ونفيها.
ثم قال-رَحِمَهُ اللهُ: (يُوصَفُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ دُونَ صِفَاتِ النَّقْصِ)، فله المثل الأعلى -سبحانه وتعالى- فلا يوصف بصفات النقص، فهو منزَّهٌ عن العيب والنَّقائص، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
قال -رَحِمَهُ اللهُ: (وَيَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فِي صِفَاتِ الْكَمَالِ)، يعني: ليس مثل الله لا في ذاته ولا في صفاته شيءٌ من المخلوقات، فلا يُماثل الله أحد.
ثم قال: (كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:ï´؟قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌï´¾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "الصَّمَدُ: الْعَلِيمُ الَّذِي كَمُلَ فِي عِلْمِهِ، الْعَظِيمُ الَّذِي كَمُلَ فِي عَظَمَتِهِ، الْقَدِيرُ الْكَامِلُ فِي قُدْرَتِهِ، الْحَكِيمُ الْكَامِلُ فِي حِكْمَتِهِ، السَّيِّدُ الْكَامِلُ فِي سُؤْدُدِهِ)، فهو الكامل في كل شيءٍ -سبحانه وتعالى.
وجاء من تفاسير السلف قول ابْن مَسْعُودٍ-رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: "هُوَ الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ. وَالْأَحَدُ: الَّذِي لَا نَظِيرَ لَهُ".
وجاء أيضًا في تفسير الصَّمد: أنَّه الذي تصمد إليه الخلائق في حاجاتها، أي: تضطر إليه وتحتاج إليه وتلجأ إليه -سبحانه وتعالى.
قال -رَحِمَهُ اللهُ: (فَاسْمُهُ الصَّمَدُ يَتَضَمَّنُ اتِّصَافَهُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ وَنَفْيِ النَّقَائِصِ عَنْهُ، وَاسْمُهُ الْأَحَدُ يَتَضَمَّنُ اتِّصَافَهُ أَنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ).
إذن؛ اشتملت هذه الآيات في سورة الإخلاص على نقض طريقة الاتِّحادية والحلوليَّة.
قال الشيخ: (وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ وَفِي كَوْنِهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ)، للشيخ كتاب مشهور اسمه "جواب أهل العلم والإيمان في أن سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن"، وهو كتاب نفيسٌ ردَّ فيه على كثيرٍ من الضَّالِّين، وهم هؤلاء الاتِّحاديَّة.
نسأل الله -جَلَّ وَعَلَا- أن ينفعنا وإيَّاكم بالعلم النافع والعمل الصَّالح.
{وفي الختام نشكركم فضيلة الشيخ على ما تقدمونه، أسأل الله أن يجعل ذلك في موازين حسناتكم.
هذه تحيَّةٌ عطرةٌ من فريق البرنامج ومنِّي أنا محدثكم عبد الله بن أحمد العمر، إلى ذلكم الحين نستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته}.







رد مع اقتباس
قديم 2019-10-23, 19:44   رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
احمد الصادق
عضو مميّز
 
إحصائية العضو










افتراضي

الفُرقَانُ بينَ أولياءِ الرَّحمنِ وأوليَاءِ الشَّيطَانِ (2)
الدَّرسُ الرابع (4)
فضيلة الشيخ د./ فهد بن سليمان الفهيد
{بسم الله الرحمن الرحيم.
السَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أرحبُ بكم إخواني وأخواتي المشاهدين الأعزَّاء في حلقةٍ جديدةٍ مِن حلقاتِ البناء العلمي، وأرحب بفضيلة الشيخ الدكتور/ فهد بن سليمان الفهيد، فأهلًا وسهلًا بكم فضيلة الشيخ}.
حيَّاكم الله وحيَّا الله الإخوة جميعًا.
{قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رَحِمَهُ اللهُ- في كتاب "الفُرقَانُ بينَ أولياءِ الرَّحمنِ وأوليَاءِ الشَّيطَانِ": (فَصْلٌ: وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ تُشْتَبَهُ عَلَيْهِمْ الْحَقَائِقُ الْأَمْرِيَّةُ الدِّينِيَّةُ الْإِيمَانِيَّةُ بِالْحَقَائِقِ الْخِلْقِيَّةِ الْقَدَرِيَّةِ الْكَوْنِيَّةِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ï´؟إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَï´¾، فَهُوَ سُبْحَانَهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وَرَبُّهُ وَمَلِيكُهُ، لَا خَالِقَ غَيْرُهُ وَلَا رَبَّ سِوَاهُ، مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، فَكَلُّ مَا فِي الْوُجُودِ مِنْ حَرَكَةٍ وَسُكُونٍ فَبِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَخَلْقِهِ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ أَمَرَ بِطَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رُسُلِهِ، وَنَهَى عَنْ مَعْصِيَتِهِ وَمَعْصِيَةِ رُسُلِهِ، أَمَرَ بِالتَّوْحِيدِ وَالْإِخْلَاصِ، وَنَهَى عَنْ الْإِشْرَاكِ بِاَللَّهِ، فَأَعْظَمُ الْحَسَنَاتِ التَّوْحِيدُ، وَأَعْظَمُ السَّيِّئَاتِ الشِّرْكُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ï´؟إنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُï´¾ وَقَالَ تَعَالَى: ï´؟وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِï´¾.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَك» قُلْت: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَك مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَك» قُلْت: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «أَنْ تَزْنِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِك».
فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ ï´؟وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًاï´¾)}.
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمدُ لله، والصَّلاة والسَّلام على رسولِ الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
هذا الفصل يؤكِّد فيه ابن تيمية -رَحِمَهُ اللهُ- ما تقدَّم من معانٍ في الفَرقِ بينَ أولياء الرَّحمن وأولياء الشَّيطان، وتقدم في الحلقات القريبة الماضية ذكر حالَ غُلاةِ الصُّوفيَّة الذين زعموا أنَّ الوجود شيءٌ واحدٌ، واشتبهت عليهم الحقائق الشَّرعيَّة بالحقائق الكونيَّة، وذكر ابن تيمية -رَحِمَهُ اللهُ- أنهم يرون المراتب ثلاثة:
ïƒک طاعة ومعصية.
ïƒک طاعة بلا معصية، وهذه أعلى -بزعمهم.
ïƒک لا طاعة ولا معصية، وهي الدرجة الثالثة وأشدها خبثًا، ويرون أنهم أفضل، وأنها الغاية في التَّحقيق.
يقول الشَّيخ: إنَّ من أسباب الضَّلال عند هؤلاء هو اشتباه الحقائق الكونيَّة بالحقائق الشَّرعيَّة، واشتباه الحقائق القدريَّة بالحقائق الأمريَّة، فقال: (وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ تُشْتَبَهُ عَلَيْهِمْ الْحَقَائِقُ الْأَمْرِيَّةُ الدِّينِيَّةُ الْإِيمَانِيَّةُ بِالْحَقَائِقِ الْخِلْقِيَّةِ الْقَدَرِيَّةِ الْكَوْنِيَّةِ)، فيرى أنَّ المخلوقات كلها مُرادة لله وأنها دينٌ، وأنَّ ما يقع من جميع المخلوقات محبوبٌ لله وشرعٌ لله، وليس الأمر هكذا؛ بل فيه فرق بينَ الشَّرع وبينَ القدر، وفيه فرق بين الخلقِ وبين الأمرِ، وفيه فرقٌ بين ما هو دينٌ وبين ما هو كونٌ، فما يكون في الكون لا يقتضي بالضَّرورة أنَّه دين الله ومرضيٌّ عنه، فالكون يقع فيه الخيرُ والشَّرُّ، وتقع فيه الطَّاعة والمعصية، ويقع فيه الكفر والإيمان، فليسَ هذا كلُّه محبوب لله؛ بل المحبوب لله هو الإيمان والطَّاعة وما أمر الله به، والمنهيَّات كلها مبغوضة لله، فإذا اشتبهت الأمور على هؤلاء جعلوا الأمر شيئًا واحدًا، ثم تطوَّرَ الأمر بهم حتى رأوا أنَّ الخالق مع المخلوقات شيئًا واحدًا، فيُبيِّن الشَّيخ في هذا الفصل سبب الضَّلال ويرد عليهم.
قال: (فَإِنَّ اللَّهَ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ï´؟إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَï´¾)، فقوله ï´؟أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُï´¾، فالعطف هنا يدلُّ على المغايرة.
فالخلق: المخلوقات كلها.
والأمر: هو الشرع، وما أمر الله به رسله، وهو أمره ونهيه، وما جاء في كتبه المنزَّلة.
فالأمر ليس مثل الخلق، فما أمر الله به فهو محبوب، وما نهى الله عنه فهو مبغوض، أما ما خلقه الله في الكون فقد يكون فيه هذا وهذا.
قال -رَحِمَهُ اللهُ: (فَهُوَ سُبْحَانَهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وَرَبُّهُ وَمَلِيكُهُ، لَا خَالِقَ غَيْرُهُ وَلَا رَبَّ سِوَاهُ، مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، فَكَلُّ مَا فِي الْوُجُودِ مِنْ حَرَكَةٍ وَسُكُونٍ فَبِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَخَلْقِهِ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ أَمَرَ بِطَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رُسُلِهِ، وَنَهَى عَنْ مَعْصِيَتِهِ وَمَعْصِيَةِ رُسُلِهِ، أَمَرَ بِالتَّوْحِيدِ وَالْإِخْلَاصِ، وَنَهَى عَنْ الْإِشْرَاكِ بِاَللَّهِ، فَأَعْظَمُ الْحَسَنَاتِ التَّوْحِيدُ، وَأَعْظَمُ السَّيِّئَاتِ الشِّرْكُ)، وهذا يدلُّك على أنَّه ليس فقط الشَّيخ محمد بن عبد الوهاب الذي قال هذا؛ بل حتى أئمة السنَّة وأئمة العلم، والشيخ محمد بن عبد الوهاب له كلمة مشهورة في الأصول الثلاثة، قال: (وَأَعْظَمُ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ التَّوْحيِدُ، وَهُوَ: إِفْرَادُ اللهِ بِالْعِبَادَةِ، وَأَعْظَمُ مَا نَهَى عَنْهُ الشِّرْكُ وَهُوَ: دَعْوَةُ غَيْرِهِ مَعَهُ).
وهنا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فَأَعْظَمُ الْحَسَنَاتِ التَّوْحِيدُ، وَأَعْظَمُ السَّيِّئَاتِ الشِّرْكُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ï´؟إنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُï´¾ وَقَالَ تَعَالَى: ï´؟وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِï´¾.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَك» قُلْت: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَك مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَك» قُلْت: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «أَنْ تَزْنِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِك»)، فبدأ بالشِّركِ، ثم تأتي الكبائر بعد الشرك.
ثم يستمر الشَّيخ في إيرادِ النُّصوصِ الدَّالة على الفرقِ بينَ ما أُمر به شرعًا أو نهي عنه شرعًا وبين ما خلقه وقدَّره.
{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (وَأَمَرَ سُبْحَانَهُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَنَهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ وَيُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَيُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، وَيُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ، وَيُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ، وَهُوَ يَكْرَهُ مَا نَهَى عَنْهُ كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ سُبْحَانَ ï´؟كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًاï´¾.
قَدْ نَهَى عَنْ الشِّرْكِ وَعُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ، وَأَمَرَ بِإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى الْحُقُوقَ، وَنَهَى عَنْ التَّبْذِيرِ وَعَنْ التَّقْتِيرِ، وَأَنْ يَجْعَلَ يَدَهُ مَغْلُولَةً إلَى عُنُقِهِ، وَأَنْ يَبْسُطَهَا كُلَّ الْبَسْطِ، وَنَهَى عَنْ قَتْلِ النَّفْسِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَعَنْ الزِّنَا، وَعَنْ قُرْبَانِ مَالِ الْيَتِيمِ إلَّا بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ؛ إلَى أَنْ قَالَ ï´؟كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًاï´¾ وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ.
وَالْعَبْدُ مَأْمُورٌ أَنْ يَتُوبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى دَائِمًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ï´؟وَتُوبُوا إلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَï´¾
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إلَى رَبِّكُمْ، فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبَ إلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً». وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: «إنَّهُ ليغان عَلَى قَلْبِي وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ». وَفِي السُّنَنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "كُنَّا نَعُدُّ لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ؛ يَقُولُ «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ إنَّك أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» مِائَةَ مَرَّةٍ" أَوْ قَالَ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ مَرَّةٍ ")}.
وهذا يدلُّ على وجوب العمل الصَّالح، ووجوب التَّوبة، وجوب الاستغفار، ولو كان لا طاعة ولا معصية لَمَا أُمر العبدُ بالاستغفار، فهذا أفضل خلق الله وهو محمد -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يأمرنا بالتَّوبة كما أمرنا الله بالتَّوبة، قال -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ»، وهذا يدلُّ على ما تقدَّم ذكره، وهو وجود التَّقصير مِن الخلق مهما كانوا، فأعظم النَّاس عبادةً لله واعظم الناس منزلةً عند الله هو رسوله محمد -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ومع ذلك لعظيم قدر الله -جَلَّ وَعَلَا- ولعظيم شانه -جَلَّ وَعَلَا- فإنَّه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يتوب إلى اله ويستغفره، إدراكًا لعظمة الرب -سبحانه وتعالى- ولأنَّ العبد مهما كان فإنه لا ينفك عن تقصيرٍ، وإلَّا فالرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قد بلغَ الكمال في عبوديَّته لله وفي منزلته عند الله، وهو يستغفر الله ويتوب إليه؛ فما بالك بنا نحن!
وهذا فيه ردٌّ على هؤلاء الزَّنادقة الحلوليَّة الذين يقولون لا توجد طاعة ولا توجد معصية، أو توجد طاعة بدون معصية؛ فلا يشهدون إلَّا الكون، فهذا رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وهو أفضل خلق الله أمرَ بالاستغفار وبالتَّوبة، وهذا يدلُّ على أنَّ الذُّنوب يجب أن يُتابَ منها، فلا يقول أنا ولي لا أُذنِبَ، أو أنَّ المعاصي تصير بالنِّسبةِ لي طاعات؛ فكل هذا من الانحراف الشديد عن الإسلام وعن منهج الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (وَفِي السُّنَنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "كُنَّا نَعُدُّ لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ؛ يَقُولُ «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ إنَّك أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» مِائَةَ مَرَّةٍ" أَوْ قَالَ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ مَرَّةٍ".
وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عِبَادَهُ أَنْ يَخْتِمُوا الْأَعْمَالَ الصَّالِحَاتِ بِالِاسْتِغْفَارِ، فَكَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا سَلَّمَ- مِنْ الصَّلَاةِ يَسْتَغْفِرُ ثَلَاثًا وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْك السَّلَامُ تَبَارَكْت يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ»، كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْهُ
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ï´؟وَالْمُسْتَغْفِرِين بِالْأَسْحَارِï´¾ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَقُومُوا بِاللَّيْلِ وَيَسْتَغْفِرُوا بِالْأَسْحَارِ.
وَكَذَلِكَ خَتَمَ سُورَةَ الْمُزَّمِّلِ -وَهِيَ سُورَةُ قِيَامِ اللَّيْلِ- بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ï´؟وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌï´¾، وَكَذَلِكَ قَالَ فِي الْحَجِّ في سورة البقرة: ï´؟فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌï´¾؛ بَلْ أَنْزَلَ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- فِي آخِرِ الْأَمْرِ لَمَّا غَزَا النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- غَزْوَةَ تَبُوكَ وَهِيَ آخِرُ غَزَوَاتِهِ: ï´؟لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إلَّا إلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُï´¾. وَهِيَ آخِرُ مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ.
وَقَدْ قِيلَ: إنَّ آخِرَ سُورَةٍ نَزَلَتْ قَوْله تَعَالَى ï´؟إذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كَانَ تَوَّابًاï´¾، فَأَمَرَهُ تَعَالَى أَنْ يَخْتِمَ عَمَلَهُ بِالتَّسْبِيحِ وَالِاسْتِغْفَارِ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- "أَنَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: «سُبْحَانَك اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِك اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» - يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ"
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي هَزْلِي وَجِدِّي وَخَطَئِي وَعَمْدِي وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْت وَمَا أَخَّرْت وَمَا أَسْرَرْت وَمَا أَعْلَنْت لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ».
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي" قَالَ: «قُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْت نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِك وَارْحَمْنِي إنَّك أَنْتِ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ».
وَفِي السُّنَنِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ إذَا أَصْبَحْت وَإِذَا أَمْسَيْت" فَقَالَ «قُلْ: اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضُ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ أَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّ نَفْسِي وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ وَأَنْ أَقْتَرِفَ عَلَى نَفْسِي سُوءًا أَوْ أَجُرَّهُ إلَى مُسْلِمٍ. قُلْهُ إذَا أَصْبَحْت وَإِذَا أَمْسَيْت وَإِذَا أَخَذْت مَضْجَعَك».
فَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَظُنَّ اسْتِغْنَاءَهُ عَنْ التَّوْبَةِ إلَى اللَّهِ وَالِاسْتِغْفَارِ مِنْ الذُّنُوبِ؛ بَلْ كُلُّ أَحَدٍ مُحْتَاجٌ إلَى ذَلِكَ دَائِمًا)}.
الله -جَلَّ وَعَلَا- أمرَ العبادَ أن يختموا الأعمالَ الصَّالحة بالاستغفارِ، وسبقَ أنَّ التَّوبة واجبة من جميع الذُّنوب، وهنا ملحظٌ عظيمٌ جدًّا دلَّت عليه الشَّريعة، وهو أنَّه حتى مع قيامك بالأعمال الصَّالحة تختمها بالاستغفار، ووجه ذلك: أنَّ العملَ الصَّالح من توفيقِ الله لك، فأنتَ تستغفر الله من تقصيرك في شكر نعمه، وتستغفر الله ممَّا يحصل في هذا العملِ من خطأ أو نسيان، لأنَّه هذا العمل قد يُخرَق بأشياء من الغفلةِ أو أشياء تكون في القلوب.
فإذا قيل: ما الدَّليل على أنَّ الأعمال الصَّالحة يُشرَع أن تُختَم بالاستغفار؟
ذكر الشَّيخ هنا مجموعة كبيرة من الأدلَّة تدلُّ على حسنِ الاستنباطِ، أولها: حديثُ ثوبان: فَكَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا سَلَّمَ- مِنْ الصَّلَاةِ يَسْتَغْفِرُ ثَلَاثًا وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْك السَّلَامُ تَبَارَكْت يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ»، فكانَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بعدَمايفرغ من الصَّلاة يستغفر.
وانظر إلى قوله تعالى: ï´؟وَالْمُسْتَغْفِرِين بِالْأَسْحَارِï´¾، يُصلُّون بالليل ثم إذا جاء السَّحرُ يستغفرون.
وفي سورة المزمَّل ويقول عنها الشيخ: (وَهِيَ سُورَةُ قِيَامِ اللَّيْلِ)، ختمها الله تعالى بقوله: ï´؟وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌï´¾.
قال الشيخ: (وَكَذَلِكَ قَالَ فِي الْحَجِّ في سورة البقرة: ï´؟فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌï´¾؛ فأمر بالاستغفار بعدَ عرفة والمزدلفة.
قال -رَحِمَهُ اللهُ-: (لَمَّا غَزَا النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- غَزْوَةَ تَبُوكَ وَهِيَ آخِرُ غَزَوَاتِهِ: ï´؟لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ...ï´¾)، فبعد كل هذه الأعمال العظيمة مِن بدء الوحي بالنَّبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- والجهر بالدَّعوة إلى الله، وما لاقوه من الصِّعاب؛ ثم في آخر الأمر في غزوة تبوك يقول الله تعالى: ï´؟لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ...ï´¾، ذكر التَّوبة.
يقول الشيخ: (وَقَدْ قِيلَ: إنَّ آخِرَ سُورَةٍ نَزَلَتْ قَوْله تَعَالَى ï´؟إذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كَانَ تَوَّابًاï´¾، فَأَمَرَهُ تَعَالَى أَنْ يَخْتِمَ عَمَلَهُ بِالتَّسْبِيحِ وَالِاسْتِغْفَارِ)، وهو رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فكل هذا دلائل على أنَّ الأعمال يُشرَع أن تُختَم بالاستغفار.
قال -رَحِمَهُ اللهُ: (وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- "أَنَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: «سُبْحَانَك اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِك اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» - يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ")، يتأوَّل القرآن: يعني يمتثل القرآن.
قال -رَحِمَهُ اللهُ: (وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي»)، والذي قول هذا هو رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- معلمًا الأمَّة.
وكذلك يُرشد أبا بكر وهو أفضل هذه الأمَّة، وهو أفضل صدِّيقٍ وأفضل ولي لله، يقول للنبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي" قَالَ: «قُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْت نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ».
وهذا الصِّديق الأكبر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- سأل النَّبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وروى عنه حديثًا آخر، فقَالَ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ إذَا أَصْبَحْت وَإِذَا أَمْسَيْت" فَقَالَ «قُلْ: اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضُ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ أَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّ نَفْسِي وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ وَأَنْ أَقْتَرِفَ عَلَى نَفْسِي سُوءًا أَوْ أَجُرَّهُ إلَى مُسْلِمٍ. قُلْهُ إذَا أَصْبَحْت وَإِذَا أَمْسَيْت وَإِذَا أَخَذْت مَضْجَعَك»، يعني: ختام اليوم تستغفر الله بهذا الذِّكر.
إذن؛ يُشرع للمؤمن أن يستغفر، وهذا شيء مؤكَّد للمؤمن والمؤمنة، فأمامك الآن أبا بكر وقبله النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فبعضُ هؤلاء الذين يتحدَّث عنهم ابن تيمية زعموا أنَّه لا يوجد معصية، فما دام أن الله خلقها فكلها طاعات، وزعموا أنَّ الكون شيء واحد؛ فكل هؤلاء مخالفون للنبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ومجانبون للإسلام، ومحادُّون لله ولرسوله، ومخالفون لهذه النصوص الشَّرعيَّة.
يقول الشَّيخ صالح آل الشيخ في شرحه لهذا الكتاب: "الذين ادَّعوا ولاية الله ممَّن ضلوا، قال طائفةٌ منهم: إذا حصل لي حالٌ -يعني شعور معنوي إيماني بزعمه- أو حصل علي شيء، فإنَّ هذا نفوذ أمر الله في، فاستسلامي لذلك ورضائي به هو حقيقةُ التوحيد والاستسلام لله، وهذا باطل؛ لأن الله أوجب على العبد أن يفرح بالطاعة وأن يُبغض المعصية، وإذا غفل أو قصَّر أن يتوب ويستغفر"، فهؤلاء ينظرون للأمر الكوني، ويغفلون عن الأمر الشَّرعي، وهذا من أعظم أسباب الضَّلال.
ويُشبه هؤلاء من ناحية أخرى كثيرٌ من النَّاس، يبحث عن رضى مَن فوقه من مرؤوسٍ، فإذا كان رئيسه أو وزيره أو سلطانه قد أقرَّ أمرًا باطلًا فإذا به ينقلب ويقول ما دامَ أنَّ فلانًا أقرَّه انتهى الأمر ونحنُ معه، فيستسلم بزعم أنَّ هذا الشَّيء قُدِّر وحصل؛ لا، بل اُثبُت على الشَّرع حتى لو حادَ عنه الأكثرون، فاثبُت على شرع الله واستقم، قال -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قل آمنتُ بالله ثم استقم»، أمَّا لو بحثت عن هواك أنت أو هوى السُّلطان أو هوى المسؤول؛ فهؤلاء قد يُخطئون وقد يضلُّونَ وقد ينحرفون، فأنت لا تكون مع المخطئ والمنحرف والضَّال مهما كان.
{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (فَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَظُنَّ اسْتِغْنَاءَهُ عَنْ التَّوْبَةِ إلَى اللَّهِ وَالِاسْتِغْفَارِ مِنْ الذُّنُوبِ؛ بَلْ كُلُّ أَحَدٍ مُحْتَاجٌ إلَى ذَلِكَ دَائِمًا)}.
هذه هي النَّتيجة، فكل أحد محتاج إلى التوبة والاستغفار بدلالة النُّصوص السَّابقة، فلما يقول بعضهم أنَّه لا توجد معصية وأنَّ كلَّ الكون طاعات؛ فهذا خالف الشَّرع ولا شك.
{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ï´؟وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا * لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًاï´¾ فَالْإِنْسَانُ ظَالِمٌ جَاهِلٌ، وَغَايَةُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ التَّوْبَةُ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ بِتَوْبَةِ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ وَمَغْفِرَتِهِ لَهُمْ)}.
اللهم اغفر لنا وارحمنا.
قوله: (وَغَايَةُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ)، يعني طِلبتهم وهدفهم والشَّيء الذي يقصدونه هو التَّوبة، أنَّ الله يتوب عليهم، وهذا كل مؤمن يتمنَّاه، وأمَّا الجُهَّال الملاحدة الصُّوفيَّة الذي يقول لا توجد معاصي وكل الكون طاعات، ولا يفكِّرون حتَّى بالتَّوبة؛ فهذا يلتحق بالمنافقين أو بالمشركين، فالله -جَلَّ وَعَلَا- وصف المؤمنين ووصف المشركين في سورة الأحزاب، فقال: ï´؟وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًاï´¾، أمَّا أن يقول ليست هناك توبة ولا حاجة لي بالتوبة؛ فهذا من الضَّالِّينَ -نسأل الله العافية والسَّلامة.
{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ» قَالُوا وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا أَنَا إلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةِ مِنْهُ وَفَضْلٍ»، وَهَذَا لَا يُنَافِي قَوْلَهُ ï´؟كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِï´¾ فَإِنَّ الرَّسُولَ نَفَى بَاءَ الْمُقَابَلَةِ وَالْمُعَادَلَةِ، وَالْقُرْآنُ أَثْبَتَ بَاءَ السَّبَبِ)}.
هذا هو الجمع بين النُّصوص الشَّرعيَّة، فإذا قيل لك: كيف يقول النَّبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ» قَالُوا وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا أَنَا إلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةِ مِنْهُ وَفَضْلٍ»، وبين قَوْلَهُ ï´؟كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِï´¾، فكيف أثبتَ الله الباء، ونفاها النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في السنَّة؟
فالجواب: أنَّ المثبَت غير المنفي، يقول الشيخ: (فَإِنَّ الرَّسُولَ نَفَى بَاءَ الْمُقَابَلَةِ وَالْمُعَادَلَةِ)، النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ»، يعني عملك -أيُّها الإنسان- من الصَّلاة والتَّوحيد والصَّوم والزَّكاة وكل أعمالك؛ ومهما فعلتَ فلا تساوي ولا تقابل ولا تعادل الجنَّة، الأعمال قليلة جدًّا في مقابل سَعَة الجنَّة وفضلها ورحمة الله لك بالجنَّة، فالجنَّة أعظم بكثير جدًّا جدًّا مِن أعمالك، مهما عملتَ فلا تساوي أعمال ثواب الهه لك بالجنَّة، فهذا معنى قوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ»، يعني ليس عملكم مقابل للجنَّة.
لما أنت تشتري هذا الكأس، تقول: هذا الكأسُ بكم؟ بريالين أو بخمسة، فهذا معقول، أمَّا لو قال لك واحد: هذا الكأس بخمسة آلاف! تقول: هذا لا يُقابل الخمسة آلاف!.
فأنت لمَّا تأتي بأعمالك أمام هذه الجنة العظيمة بما فيها من النَّعيم العظيم والكرامة العظيمة للمؤمنين؛ فليست أعمالك شيء في مقابل هذا، وهذه الباء تسمى باء العوض، أو باء المقابلة والمعادلة.
أمَّا الباء المثبتة هي باء السببيَّة، فالقرآن أثبت السَّببيَّة، يعني: دخولك الجنَّة لم يكنْ بلا سببٍ، بل أنت لمَّا هداكَ الله وقمتَ بالأعمال الصَّالحة؛ كان هذا سببًا في دخولك الجنة.
{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: إذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا لَمْ تَضُرَّهُ الذُّنُوبُ.
مَعْنَاهُ أَنَّهُ إذَا أَحَبَّ عَبْدًا أَلْهَمَهُ التَّوْبَةَ وَالِاسْتِغْفَارَ، فَلَمْ يُصِرَّ عَلَى الذُّنُوبِ، وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ الذُّنُوبَ لَا تَضُرُّ مَنْ أَصَرَّ عَلَيْهَا فَهُوَ ضَالٌّ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ؛ بَلْ مَنْ يَعْمَلُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)}.
هذا القول يتناقله بعضُ النَّاس عن بعض المتقدِّمين من السَّلف، وهو قول: "إذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا لَمْ تَضُرَّهُ الذُّنُوبُ"، فيقول الشَّيخ: لو ثبت هذا النَّص فمعناه أن الله يُوفِّق العبدَ للتوبَة، وليس معناه أن لا تضره الذنوب، فهذا هو معنى الأثر.
وعلى النَّظر فإنَّ هذا الكلام بإطلاقه بهذا الشَّكل بدون تقييد هو كلام المُرجئة وليس كلام أهل السُّنَّة والجماعة، فالقول بأنَّ الله إذا أحبَّ العبد لا تضرُّه الذنوب مطلقًا؛ هذا قولٌ غيرُ صحيحٍ، فإن الله -جَلَّ وَعَلَا- لا يُحب مَن يفعل الذُّنوب، بل تنقص محبَّته عند الله بمقدار ذنوبه، ولا شك أن التَّوحيد يُنجي، ولكن إذا كثُرَت الذُّنوب فهو تحت المشيئة، إن شاء الله عذَّبه، وإن شاء عفا عنه، وإن عذَّبه فلا يُخلَّد في النار، ولهذا أخبر النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عن كثير جدًّا من أهل الذنوب من الموحِّدين رآهم في النَّار، ثم يشفع فيهم فيخرجون كأنهم انتُحِشوا وصاروا فحمًا، ومعهم التَّوحيد!
فهذا كلام المرجئة وفيه نظر، ولو أردنا حمل الكلام على المحمل الصَّحيح فكما قال ابن تيمية أنَّ المراد: (إذَا أَحَبَّ عَبْدًا أَلْهَمَهُ التَّوْبَةَ وَالِاسْتِغْفَارَ، فَلَمْ يُصِرَّ عَلَى الذُّنُوبِ)، فلم تضره لأنَّه سوف يتوب منها، أما إذا عملها بدون توبة فلا يُمكن أن يُحبه الله.
ومن هذا قول بكر المزني -عفا الله عنه ورحمه: "ما سبقهم أبو بكر بكثير صلاةٍ ولا صيام، ولكن بشيءٍ وقر في قلبه".
ولو تأمَّلت تجد أنَّ أبا بكر الصِّديق سبقهم بالأعمال، فعمر لما جاء يتصدَّق بنصف ماله وجد أبا بكر قد تصدَّق بماله كله، وفي الجهاد وجدوا أبا بكر أقدر الناس وأقدمهم وأشجعهم، وهو الذي حمى النَّبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في مكَّة، وكان معه في كل المواقف، فهو سبقهم بالأعمال الصَّالحة، ولو أردنا أن نُعدِّد أعماله العظيمة التي قام بها؛ لكن لا شكَّ أن القلوب تؤثِّر، لكن بعض النَّاس يفهم هذا على أنَّ عمل القلب يكفي ولا ينظر للأعمال، بل إنَّ الأعمال حقيقةً تغرف مما في القلب، واللسان يغرف ممَّا في القلب، فإذا صلُحَ القلب صلُح الجسد، فينهما تلازمٌ.
{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (وَإِنَّمَا عِبَادُهُ الْمَمْدُوحُونَ هُمْ الْمَذْكُورُونَ فِي قَوْله تَعَالَى ï´؟وَسَارِعُوا إلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَï´¾.
وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ الْقَدَرَ حُجَّةٌ لِأَهْلِ الذُّنُوبِ فَهُوَ مِنْ جِنْسِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ: ï´؟سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍï´¾ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى رَادًّا عَلَيْهِمْ: ï´؟كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إنْ تَتَّبِعُونَ إلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إلَّا تَخْرُصُونَ * قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَï´¾.
وَلَوْ كَانَ الْقَدَرُ حُجَّةً لِأَحَدِ لَمْ يُعَذِّبْ اللَّهُ الْمُكَذِّبِينَ لِلرُّسُلِ، كَقَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ وَقَوْمَ فِرْعَوْنَ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِإِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَى الْمُعْتَدِينَ، وَلَا يَحْتَجُّ أَحَدٌ بِالْقَدَرِ إلَّا إذَا كَانَ مُتَّبِعًا لِهَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ)}.
يقول الشيخ: (وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ الْقَدَرَ حُجَّةٌ لِأَهْلِ الذُّنُوبِ فَهُوَ مِنْ جِنْسِ الْمُشْرِكِينَ)، الإيمان بالقضاء والقدر هو أحد أركان الإيمان الستَّة، وأركانه:
ïƒک أن نؤمن بأنَّ الله علم الأشياء قبل أن توجَد بعلمه القديم.
ïƒک أن نؤمن بأن الله كتبها في اللوح المحفوظ.
ïƒک وأنَّ مشيئة الله تعالى نافذة، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنَّه لا يقع شيء إلا بمشيئته.
ïƒک أن نؤمن بأن الله خالقُ كلِّ شيء.
وهذا لا يعني إهمال الأمر والنَّهي، فما أمر الله به يجب العمل به، وما نهى الله عنه يجب تركه، وهناك فرقٌ بين الطَّائع والعاصي، والمؤمن والكافر، فالله يحب المؤمنين ويُبغض الكافرين، والأفعال تُضاف إلى مَن قام بها، كما أضافها الله إليهم في القرآن.
أما الضَّلال في القدر فهو فريقان:
ïƒک فريق أنكر القدر بقولهم: لا قدر، فغلاة القدريَّة أنكروا علم الله وكتابته وخلقه ومشيئته، والمتوسطون من القدريَّة أنكروا المشيئة والخلق، وكلُّهم ضُلَّال.
ïƒک وفي المقابل الجبريَّة، ضلوا في القدر وغلوا فيه، أثبتوا قدر الله وأنَّ الله قدَّرَ الأشياء وكتبها وشاءها وخلقها، ولكن زعموا أنَّ العباد مجبورون، وأنَّ كل ما يقع يُضاف إلى الله وبرضى الله، ومن هذه الضَّلالات أنهم احتجوا بالقدر لأهل الذُّنوب، فإذا فعل المذنب معصيةً قالوا هذا بقدر ولا ننكر عليه، وهذا حجَّةٌ له عند الله!
يقول الشَّيخ: (وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ الْقَدَرَ حُجَّةٌ لِأَهْلِ الذُّنُوبِ فَهُوَ مِنْ جِنْسِ الْمُشْرِكِينَ)، يكون من جنس المشركين لأنَّ الله حكَى عن المشركين هذه المقولة: ï´؟سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَاï´¾ فاحتجوا بمشيئة الله على بقائهم على الشِّرك، فمن احتجَّ بمشيئة الله وقدره على ما يفعل من الذنوب والمعاصي والكفر فهو مثل المشركين، ويقول الشيخ في الرد عليهم: (وَلَوْ كَانَ الْقَدَرُ حُجَّةً لِأَحَدِ لَمْ يُعَذِّبْ اللَّهُ الْمُكَذِّبِينَ لِلرُّسُلِ، كَقَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ وَقَوْمَ فِرْعَوْنَ)، لأنَّ كفرهم وقع بقدر، ولكن الله عذبهم وأهلكهم؛ فهذا دليل على أنَّ القدر ليس حجَّة لهم، ولو كان القدر حجَّة لم يأمر الله -جَلَّ وَعَلَا- بإقامة الحدود على المعتدين وأصحاب الحدود، كالسَّارق ونحوه، قال الشيخ: (وَلَا يَحْتَجُّ أَحَدٌ بِالْقَدَرِ إلَّا إذَا كَانَ مُتَّبِعًا لِهَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ).
{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (وَلَوْ كَانَ الْقَدَرُ حُجَّةً لِأَحَدِ لَمْ يُعَذِّبْ اللَّهُ الْمُكَذِّبِينَ لِلرُّسُلِ، كَقَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ وَقَوْمَ فِرْعَوْنَ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِإِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَى الْمُعْتَدِينَ، وَلَا يَحْتَجُّ أَحَدٌ بِالْقَدَرِ إلَّا إذَا كَانَ مُتَّبِعًا لِهَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ.
وَمَنْ رَأَى الْقَدَرَ حُجَّةً لِأَهْلِ الذُّنُوبِ يَرْفَعُ عَنْهُمْ الذَّمَّ وَالْعِقَابَ؛ فَعَلَيْهِ أَنْ لَا يَذُمَّ أَحَدًا وَلَا يُعَاقِبَهُ إذَا اعْتَدَى عَلَيْهِ؛ بَلْ يَسْتَوِي عِنْدَهُ مَا يُوجِبُ اللَّذَّةَ وَمَا يُوجِبُ الْأَلَمَ، فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ مَنْ يَفْعَلُ مَعَهُ خَيْرًا وَبَيْنَ مَنْ يَفْعَلُ مَعَهُ شَرًّا، وَهَذَا مُمْتَنِعٌ طَبْعًا وَعَقْلًا وَشَرْعًا)}.
هذا الذي يحتج بالقدر؛ فعلى مذهبه أنَّه حتى في نفسه لا يذمُّ أحدًا ولا يلوم أحدًا، حتى لو وُجدت لذَّة أو ألم، فإذا جاءت اللَّذة فلا يمدح أحدًا، وإذا جاء الألم لا يذمُّ أحدًا، فلو صفعه أحد وضربه وبصق في وجهه؛ فعلى مذهبه القدري الباطل لا يلومه، لأنَّه فعل شيء مقدر، وهذا المذهب ممتنع وتنفر منه الطباع عقلًا وشرعًا.
{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ï´؟أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِï´¾. وَقَالَ تَعَالَى: ï´؟أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَï´¾. وَقَالَ تَعَالَى: ï´؟أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَï´¾. وَقَالَ تَعَالَى: ï´؟أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَï´¾. وَقَالَ تَعَالَى: ï´؟أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًىï´¾، أَيْ: مُهْمَلًا لَا يُؤْمَرُ وَلَا يُنْهَى.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: «احْتَجَّ آدَمَ وَمُوسَى قَالَ مُوسَى: يَا آدَمَ أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ خَلَقَك اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيك مِنْ رُوحِهِ وَأَسْجَدَ لَك مَلَائِكَتَهُ لِمَاذَا أَخْرَجْتنَا وَنَفْسَك مِنْ الْجَنَّةِ فَقَالَ لَهُ آدَمَ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاك اللَّهُ بِكَلَامِهِ وَكَتَبَ لَك التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ فَبِكَمْ وَجَدْت مَكْتُوبًا عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ ï´؟وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىï´¾؟ قَالَ: بِأَرْبَعِينَ سَنَةٍ قَالَ: فَلِمَ تَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ بِأَرْبَعِينَ سَنَةٍ؟ قَالَ: فَحَجَّ آدَمَ مُوسَى»، أَيْ: غَلَبَهُ بِالْحُجَّةِ.
وَهَذَا الْحَدِيثُ ضَلَّتْ فِيهِ طَائِفَتَانِ:
- طَائِفَةٌ كَذَّبَتْ بِهِ لَمَّا ظَنُّوا أَنَّهُ يَقْتَضِي رَفْعَ الذَّمِّ وَالْعِقَابِ عَمَّنْ عَصَى اللَّهَ لِأَجْلِ الْقَدَرِ.
- وَطَائِفَةٌ شَرٌّ مِنْ هَؤُلَاءِ جَعَلُوهُ حُجَّةً وَقَدْ يَقُولُونَ: الْقَدَرُ حُجَّةٌ لِأَهْلِ الْحَقِيقَةِ الَّذِينَ شَهِدُوهُ، أَوْ الَّذِينَ لَا يَرَوْنَ أَنَّ لَهُمْ فِعْلًا.
وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ: إنَّمَا حَجَّ آدَمَ مُوسَى لِأَنَّهُ أَبُوهُ، أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ تَابَ، أَوْ لِأَنَّ الذَّنْبَ كَانَ فِي شَرِيعَةٍ وَاللَّوْمَ فِي أُخْرَى، أَوْ لِأَنَّ هَذَا يَكُونُ فِي الدُّنْيَا دُونَ الْأُخْرَى.
وَكُلُّ هَذَا بَاطِلٌ؛ وَلَكِنَّ وَجْهَ الْحَدِيثِ أَنَّ مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- لَمْ يَلُمْ أَبَاهُ إلَّا لِأَجْلِ الْمُصِيبَةِ الَّتِي لَحِقَتْهُمْ مِنْ أَجْلِ أَكْلِهِ مِنْ الشَّجَرَةِ، فَقَالَ لَهُ: لِمَاذَا أَخْرَجْتنَا وَنَفْسَك مِنْ الْجَنَّةِ؟ لَمْ يَلُمْهُ لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ أَذْنَبَ ذَنْبًا وَتَابَ مِنْهُ، فَإِنَّ مُوسَى يَعْلَمُ أَنَّ التَّائِبَ مِنْ الذَّنْبِ لَا يُلَامُ، وَهُوَ قَدْ تَابَ مِنْهُ أَيْضًا، وَلَوْ كَانَ آدَمَ يَعْتَقِدُ رَفْعَ الْمَلَامِ عَنْهُ لِأَجْلِ الْقَدَرِ لَمْ يَقُلْ: ï´؟رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَï´¾)}.
قصَّة احتجاج آدم وموسَى في الصَّحيحين، وهي قصَّة ثابتة وصحيحة، وبعض النَّاس لا يفهمها على الفهم الصَّحيح:
فالطَّائفة الأولى قالت: إنَّ هذا الحديث كذب -نستغفر الله ونتوب إليه- كذَّبوا بالحديث لأنَّهم ظنُّوا أنه حجَّة لأهل المعاصي، وأن العصاة سوف يحتجُّون بهذا، وظنُّوا أنَّ هذا يؤيِّد مذهب العصاة، وهذا يدلُّ على فهمهم الخاطئ للحديث، فلجؤوا إلى تكذيبه، وهذا منهجٌ باطل.
والطَّائفة الثانية شرٌّ من هؤلاء، فقالوا هو حجَّة للعصاة، فيقولن إنَّ القدر حجَّة لأهل الحقيقة، ويقصدون غلاة الصُّوفيَّة وأمثالهم ممن يدعون الولاية ويدَّعون أنَّهم أهل الحقيقة، وقالوا: نفعل المعاصي ولا تضرُّنا.
وبعض النَّاس قالوا أقوالًا فاسدة وباطلة، قال الشَّيخ: (إنَّمَا حَجَّ آدَمَ مُوسَى لِأَنَّهُ أَبُوهُ)، والأب يغلب ولدَه! وهذا كلام لا قيمة له.
وبعضهم يقول: حجَّ آدم موسَى لأنَّه تابَ.
وبعضهم يقول: الذنب كان في شريعة واللوم كان في شريعة أخرى.
وبعضهم يقول: هذا في الدنيا دون الآخرة.
قال الشيخ: (وَكُلُّ هَذَا بَاطِلٌ؛ وَلَكِنَّ وَجْهَ الْحَدِيثِ أَنَّ مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- لَمْ يَلُمْ أَبَاهُ إلَّا لِأَجْلِ الْمُصِيبَةِ الَّتِي لَحِقَتْهُمْ مِنْ أَجْلِ أَكْلِهِ مِنْ الشَّجَرَةِ، فَقَالَ لَهُ: لِمَاذَا أَخْرَجْتنَا وَنَفْسَك مِنْ الْجَنَّةِ؟ لَمْ يَلُمْهُ لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ أَذْنَبَ ذَنْبًا)، يعني لم يقل له: لماذا أكلتَ من الشَّجرة؟ بل قال له (لِمَاذَا أَخْرَجْتنَا وَنَفْسَك مِنْ الْجَنَّةِ؟)، فتكلم معه عن المصيبة، فبيَّنَ له آدم -عليه الصلاة والسلام- أن هذه المصيبة مقدَّرة، وإلَّا فإنَّ موسى لا يلوم أباه ولا يلوم غيره على ذنبٍ قد تاب منه، فالحديث «التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ» .
{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (وَالْمُؤْمِنُ مَأْمُورٌ عِنْدَ الْمَصَائِبِ أَنْ يَصْبِرَ وَيُسَلِّمَ، وَعِنْدَ الذُّنُوبِ أَنْ يَسْتَغْفِرَ وَيَتُوبَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ï´؟فَاصْبِرْ إنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَï´¾، فَأَمَرَهُ بِالصَّبْرِ عَلَى الْمَصَائِبِ وَالِاسْتِغْفَارِ مِنْ المعائب.
وَقَالَ تَعَالَى: ï´؟مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُï´¾، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "هُوَ الرَّجُلُ تُصِيبُهُ الْمُصِيبَةُ فَيَعْلَمُ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَيَرْضَى وَيُسَلِّمُ"، فَالْمُؤْمِنُونَ إذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ مِثْلُ الْمَرَضِ وَالْفَقْرِ وَالذُّلِّ صَبَرُوا لِحُكْمِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ ذَنْبِ غَيْرِهِمْ كَمَنْ أَنْفَقَ أَبُوهُ مَالَهُ فِي الْمَعَاصِي فَافْتَقَرَ أَوْلَادُهُ؛ لِذَلِكَ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَصْبِرُوا لِمَا أَصَابَهُمْ، وَإِذَا لَامُوا الْأَبَ لِحُظُوظِهِمْ ذَكَرَ لَهُمْ الْقَدَرَ)}.
هذا مثال: أبٌ أنفقَ ماله في المعاصي، فذهبت أمواله فافتقر الأولاد، فإذا لاموا أباهم يُذَكَّرون بالقدر أن يصبروا، فهذا أشبه ما يكون بقصَّة آدم وموسى.
{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (وَالصَّبْرُ وَاجِبٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَأَعْلَى مِنْ ذَلِكَ الرِّضَا بِحُكْمِ اللَّهِ، وَالرِّضَا قَدْ قِيلَ: إنَّهُ وَاجِبٌ. وَقِيلَ: هُوَ مُسْتَحَبٌّ وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَأَعْلَى مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَشْكُرَ اللَّهَ عَلَى الْمُصِيبَةِ لِمَا يَرَى مِنْ إنْعَامِ اللَّهِ عَلَيْهِ بِهَا، حَيْثُ جَعَلَهَا سَبَبًا لِتَكْفِيرِ خَطَايَاهُ، وَرَفْعِ دَرَجَاتِهِ، وَإِنَابَتِهِ وَتَضَرُّعِهِ إلَيْهِ، وَإِخْلَاصِهِ لَهُ فِي التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وَرَجَائِهِ دُونَ الْمَخْلُوقِينَ)}.
إذن مقام الصبر، ثم مقام الرضا، ثم مقام الشُّكر، وفيه مقام رابعه محرَّم وهو مقام التَّسخُّط والجزع.
{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (وَأَمَّا أَهْلُ الْبَغْيِ وَالضَّلَالِ فَتَجِدُهُمْ يَحْتَجُّونَ بِالْقَدَرِ إذَا أَذْنَبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ، وَيُضِيفُونَ الْحَسَنَاتِ إلَى أَنْفُسِهِمْ إذَا أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِهَا، كَمَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ "أَنْتَ عِنْدَ الطَّاعَةِ قَدَرِيٌّ وَعِنْدَ الْمَعْصِيَةِ جَبْرِيٌّ؛ أَيُّ مَذْهَبٍ وَافَقَ هَوَاك تَمَذْهَبْت بِهِ")}.
وهذا حال كثير من النَّاس، يبحث عن هوى نفسه فقط، فإذا وافقته معصية قال هذا شيء مقدَّر وصار جبريًّا، وإذا قيل له قم بالأمر واترك النَّهي يمتنع؛ وصارَ قدريًّا -نسأل اله العافية والسلامة- فيحتج بالقدر عند المعاصي إذا فعلها، ويحتج بأن هذا الشيء ليس بمناسب له إذا جاءت الأوامر والنواهي، وهذا حال كثير من الناس، فاللهم اهدنا فيمن هديت.
{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (وَأَهْلُ الْهُدَى وَالرَّشَادِ إذَا فَعَلُوا حَسَنَةً شَهِدُوا إنْعَامَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِهَا، وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ وَجَعَلَهُمْ مُسْلِمِينَ، وَجَعَلَهُمْ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ، وَأَلْهَمَهُمْ التَّقْوَى وَأَنَّهُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِهِ، فَزَالَ عَنْهُمْ بِشُهُودِ الْقَدَرِ الْعَجَبُ وَالْمَنُّ وَالْأَذَى، وَإِذَا فَعَلُوا سَيِّئَةً اسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَتَابُوا إلَيْهِ مِنْهَا)}.
معنى قوله "أَنْتَ عِنْدَ الطَّاعَةِ قَدَرِيٌّ"، أي: ينسب الطَّاعة لنفسه، فيقول هذا بجهدي وبعقلي وباجتهادي، فيضيف الطَّاعت إلى نفسه إذا فعلها، وإذا ارتكب المعاصي صار جبريًّا؛ فهؤلاء أهل الأهواء وما أكثرهم! وكثير من النُّفوس تسلك هذا المسلك تهرُّبًا من شرع الله -جَلَّ وَعَلَا- نسأل الله الهداية.
{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ يَقُولَ الْعَبْدُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُك، وَأَنَا عَلَى عَهْدِك وَوَعْدِك مَا اسْتَطَعْت، أَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْت، أَبُوءُ لَك بِنِعْمَتِك عَلَيَّ، وَأَبُوءُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ. مَنْ قَالَهَا إذَا أَصْبَحَ مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِنْ لَيْلَتِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ».
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: «يَا عِبَادِي إنِّي حَرَّمْت الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْته بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا يَا عِبَادِي إنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا وَلَا أُبَالِي فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ. يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إلَّا مَنْ أَطْعَمْته فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إلَّا مَنْ كَسَوْته فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ.يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إلَّا مَنْ هَدَيْته فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ. يَا عِبَادِي إنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضُرِّي ; فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي. يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا. يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا. يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ اجْتَمَعُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْت كُلَّ إنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْبَحْرُ إذَا غُمِسَ فِيهِ الْمِخْيَطُ غمسة وَاحِدَةً. يَا عِبَادِي إنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَن إلَّا نَفْسَهُ»)}.
هذا هو حالُ المؤمنين، يحمدون الله -جَلَّ وَعَلَا- ويضيفون النِّعَم إلى الله -سبحانه وتعالى- وهذا ما دلَّ عليه حديث سيد الاستغفار، بخلاف ما يقول الضُّلال.
{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (فَأَمَرَ سُبْحَانَهُ بِحَمْدِ اللَّهِ عَلَى مَا يَجِدُهُ الْعَبْدُ مِنْ خَيْرٍ وَأَنَّهُ إذَا وَجَدَ شَرًّا فَلَا يَلُومَن إلَّا نَفْسَهُ.
وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يَتَكَلَّمُ بِلِسَانِ الْحَقِيقَةِ، وَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ الْكَوْنِيَّةِ الْقَدَرِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِخَلْقِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَبَيْنَ الْحَقِيقَةِ الدِّينِيَّةِ الْأَمْرِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِرِضَاهُ وَمَحَبَّتِهِ، وَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ مَنْ يَقُومُ بِالْحَقِيقَةِ الدِّينِيَّةِ مُوَافِقًا لِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ عَلَى أَلْسُنِ رُسُلِهِ وَبَيْنَ مَنْ يَقُومُ بِوَجْدِهِ وَذَوْقِهِ غَيْرَ مُعْتَبِرٍ ذَلِكَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ)}.
الواجب على المؤمن عندَ الطَّاعة أن يحمد الله عليها، وأن يُضيف النِّعمَة إلى الله، وعند المعصية أن يستغفر الله منها ويُضيفها إلى نفسه، وعند الابتلاء بالمرض أو الفقر ونحوه أن يصبر ويحتسب، ومع الصبرِ الرِّضا، وأعلى منه الشُّكر، فهذه مقامات عظيمة، ولهذا قيل: "عُنُوانُ السَّعَادَةِ: إِذَا أُعْطِيَ شَكَرَ، وَإِذَا ابْتُلِيَ صَبَرَ، وَإِذَا أَذَنَبَ اسْتَغْفَرَ"، وبهذا نعرف العكس؛ فعنوان الشَّقاوة: إذا أُعطيَ العبدُ بطرَ واستكبرَ وأَشِرَ وفَرِحَ، وإذا أذنب قال هذا ليس بذنب، وهذه أمور لا تضرني، أو يقول أنا ولي ولي مقام عند الله، فلا يستغفر الله، ولا يرى الذنوب شيئًا؛ نسأل الله العافية
ومن علامات الشَّقاوة: إذا ابتُليَ يجزع ويتسخَّط ويشكو الخالق إلى المخلوق -نسأل الله العافية والسلامة.
فهذه مقامات عظيمة يجب أن ننتبه لها، وهذا الكلام الذي سيقَ في الردِّ على مَن يدَّعي الولاية وهو يُخالف هذه النُّصوص الشَّرعيَّة، وبالتَّالي نعرف أنَّهم ليسوا أولياء للرَّحمن، وأنَّ هؤلاء الذين يقولون هذه المقالات إنَّما هم أولياء الشَّيطان، وهم ضالُّون ومخالفون لهذه النُّصوص الشَّرعيَّة، فيكون المؤمن مع أولياء الرحمن، ويبتعد عن أولياء الشَّيطان.
نسألُ الله أن يهدينا وجميع إخواننا المسلمين لما يُحبه ويرضاه، وصلَّى الله وسلم على نبينا محمد.
{وفي الختام نشكركم فضيلة الشَّيخ على ما تقدمونه، أسأل الله أن يجعل ذلك في موازين حسناتكم.
هذه تحيَّةٌ عطرةٌ من فريق البرنامج ومنِّي أنا محدثكم عبد الرحمن بن أحمد العمر، إلى ذلكم الحين نستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، والسَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته}.







رد مع اقتباس
قديم 2019-11-19, 17:49   رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
ساركو
عضو جديد
 
إحصائية العضو










افتراضي

بارك الله فيك







رد مع اقتباس
قديم 2019-11-30, 06:58   رقم المشاركة : 8
معلومات العضو
احمد الصادق
عضو مميّز
 
إحصائية العضو










افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ساركو مشاهدة المشاركة
بارك الله فيك
وفيك بارك الله






رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 02:35

المشاركات المنشورة تعبر عن وجهة نظر صاحبها فقط، ولا تُعبّر بأي شكل من الأشكال عن وجهة نظر إدارة المنتدى
المنتدى غير مسؤول عن أي إتفاق تجاري بين الأعضاء... فعلى الجميع تحمّل المسؤولية


2006-2019 © www.djelfa.info جميع الحقوق محفوظة - الجلفة إنفو (خ. ب. س)

Powered by vBulletin .Copyright © 2018 vBulletin Solutions, Inc