لقد أفْهَمْتَ لو خاطبتَ عاقلا؛ ولكن لم يبقَ من عقل لدى "القيادة الفعلية" لحركة "حماس" حتى تخاطبه، وتسعى في إقناعه، فالقوم لم يتخلُّوا عن بحثهم عن دليل على وجود النهار. لقد استسهلوا، إذ نظروا إلى الشعب الفلسطيني ومصالحه وحقوقه وقضيته القومية عَبْر ثُقْب الإبرة السياسية لجماعة "الإخوان المسلمين"، الزجَّ بالشعب الفلسطيني، بدءا من قطاع غزَّة الذي "حرَّرته" إسرائيل من مستوطنيها وجنودها من أجل أن يعيث فيه "عدوها المفيد"، في حرب أهلية، لن تنتصر فيها "حماس"، إذا ما انتصرت، إلا لتهدي انتصارها على طبق من فضَّة إلى "عدوِّها اليهودي اللدود".
"حماس" هي الآن، وبلا ريب، المصيبة التي حلَّت بالشعب الفلسطيني وقضيته القومية، فما عجزت عنه إسرائيل على مدى صراعها الضاري ضد الشعب الفلسطيني وقواه القيادية القومية والعلمانية واليسارية شرعت قيادة "حماس" تحاول النجاح فيه، متوهمة، وموهمة بعض الفلسطينيين، بأنَّ الحرب الأهلية الفلسطينية ستأتي حتما بنتائج يَصُح فيها قول "رُبَّ ضارة نافعة"، وستذلِّل العقبات من طريق "المجاهدين" من "كتائب القسَّام" و"القوَّة التنفيذية" المشتقة منها، فلو لم يُنْهَ "صلح الحديبية" لما فُتِحت مكة؛ وقد حان لـ "اتِّفاق مكة" أن يُنْهى من أجل فَتْح غزة، التي ما أن يَفْتحها مجاهدو "حماس" حتى يَدْخُل الفلسطينيون في "حماس" أفواجا!
من قبل، ومن أجل درء مخاطر الحرب الأهلية عن الفلسطينيين، جامَلْنا "حماس"، وساستها، الذين يسوسون الأمور بغير عقل حتى إذا نفذ أمرهم توهَّموا أنَّهم ساسة؛ ولكنَّ المجاملة لم تُجْدِ نفعا، وجَمَّلت البشاعة في قولهم وفعلهم، فنصرهم الانتخابي، الذي فاجأهم وهُم أغرار، أعمى أبصارهم وبصائرهم، ففهموه على أنَّه "الشرعية" التي تَصْلُح أن يتَّخِذوها سيفا يحاربون به كل شرعية نالتها واكتسبتها القضية القومية للشعب الفلسطيني بعرق ودماء أبنائها الذين لو جُبِلوا من طينٍ كالطين الذي جُبِلَت منه "حماس" لبَقِيَت تلك القضية على الحال التي تجتهد قيادة "حماس" في قيادة الشعب الفلسطيني إلى العودة إليها!
نَعْلَم أنَّ غالبية الناخبين الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة قد انتخبوا، في انتخابات المجلس التشريعي، "حماس" إذ رأوا في مرشَّحيها أناسٌ من ذوي النفوس الكبيرة؛ ولكن ما نفع "النفوس الكبيرة" إذا ما أكَّد أصحابها، بالقول والفعل، أنَّهم، في الوقت ذاته، من ذوي "العقول الصغيرة"، التي اسْتَصْغَرَت كل شأن فلسطيني في منتهى الأهمية حتى جعلها هذا الاستصغار تَسْتَصْغِر حتى مخاطر الحرب الأهلية.
لقد فشلوا إذ انْتُخِبوا، وحَكَموا من ثمَّ، في كل شيء. فشلوا في أن يؤسِّسوا للشعب الفلسطيني "مقاومةً" يمكن أن تعود عليه، وعلى قضيته القومية"، ولو بنزر من الفائدة التي يمكن وَزْنها بميزان عالَم السياسة الواقعي، فاخترعوا له "القنابل البشرية" و"صورايخ القسَّام"، التي لا ترعد وتبرق في إسرائيل إلا لتمطر على الفلسطينيين موتا ودمارا. وفشلوا في أن يحكموا بما يقي الفلسطينيين شر "الحصار الدولي"، ضاربين صفحا عن حقيقة أنَّهم قد فازوا بسلطة تَضْرِبُ جذورها المالية والاقتصادية.. عميقا في خارج المكان الذي فيه فازوا. وفشلوا إذ وعدوا الفلسطينيين بنهج سياسي جديد، تَظْهَر فيه وتتأكَّد "عبقرية" شيوخ "حماس" في الجَمْع الفَذ بين "المقاومة" و"السلطة"، فانتهت "التجربة الفريدة" إلى الإفراط في حُبِّ "السلطة"، والتفريط في "المقاومة"؛ وقد فضَّلوا بقاءً في "السلطة" لم يُبْقِ على شيء من "السلطة"، أو "المقاومة".
ثلاثة أشياء يحتاج إليها الشعب الفلسطيني احتياجه إلى الهواء والماء.. "المقاوِم الجيِّد"، و"المفاوِض الجيِّد"، و"الحاكم الجيِّد"، فجاءته "حماس" إذ انْتُخِبَت وحَكَمَت بـ "المقاوِم السيئ"، و"المفاوِض السيئ"، و"الحاكم السيئ"؛ وها هي قيادة "حماس" التي فشلت في كل شيء تَنْجَح في شيء واحد فحسب هو تحويل الفلسطيني من مُنْتَخِبٍ لها إلى مُنْتَحِبٍ على نفسه، يلعن اليوم الذي انْتَخَب فيه "حماس".