--- الحلقة الثالثة ---
3- إنَّ أسامةَ بنَ زيد رضي الله عنهما وقع فيما وقع فيه،
ولم يَسبق له أن عرف حُكمَ ما وقع فيه، ولا كان لديه واقعةٌ
تُشبهها فيقيس عليها حالتَه، فكان لا بدَّ من اجتهاده،
وكان لا بدَّ من وقوع أحد الأمرين: إمَّا قتلُ الرجل أو تَرْكُه.
إذن فالفُرَصُ التي لديه محدودةٌ جدًّا، ولا سيما وهو في معركة،
وقد وجد بين يديه مشركاً شجاعاً ومقاتلاً قويًّا، لم يقدر عليه غيرُه.
كلُّ هذه القرائن لم تَشفع له عند رسول الله ، حتى قال فيه ما قال!
فتأمَّل هذا ـ رحمك الله ـ متجرِّداً عن الهوى، ومتدثِّراً بلباس التقوى.
واعلم أنَّ هذا التصرُّفَ من رسول الله هو سيرتُه في الدِّماء،
فلم يكن يتساهل في هذا الباب أبداً، ومثله ما رواه جابر
رضي الله عنه قال: (( خرجنا في سفر، فأصاب رجلاً منَّا حجرٌ،
فشجَّه في رأسِه، ثم احتلم (أي أصابته جنابةٌ وهو نائم)،
فسأل أصحابَه، فقال: هل تجدون لي رخصةً في التيمُّم؟
قالوا: ما نجدُ لك رخصةً، وأنتَ تقدر على الماء!
فاغتسل فمات، فلمَّا قدمنا على النبيِّ أُخبِر بذلك، فقال:
قتلوه قتَلَهم الله! ألاَ سألوا إذ لَم يعلموا؟! فإنَّما شفاءُ العَيِّ
(أي الجهل) السؤال ))(رواه أبو داود (336)، والدارقطني (69)،
وغيرهما،وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (4362). ).
فتأمَّل غضبَ النبيِّ في حقِّ نفسٍ مؤمنةٍ واحدة!
فكيف بِمَن سطا على أنفسٍ مسلمةٍ من الجيش والشرطة آمنة
في مراكزها؟!
فكيف بِمَن أعمل السيفَ والفأسَ في إزهاق أرواحٍ مسلمةٍ في رمضان
وهم يُؤدُّون صلاة التراويح؟!
لقد دعا النبيُّ بهذا الدعاء الشديد على مجاهدين مجتهدين في ظنِّهم،
ولقد حقَّت عليهم هذه الدعوة لولا أنَّ رسول الله قد قال:
(( اللَّهمَّ إنَّما أنا بشرٌ، أغضبُ كما يغضبُ البشرُ، فأيُّما رجل
من المسلمين سَببْتُه أو لَعنتُه أو جلدتُه فاجعلها له صلاةً وزكاةً
وقُربةً تُقرِّبُه بها إليك يوم القيامة، واجعل ذلك كفَّارةً له إلى يوم القيامة ))،
وفي رواية: (( فأيُّما أحدٍ دعوتُ عليه من أمَّتي بدعوة ليس لَها بأهل ... ))،
الحديث( رواه البخاري (6361)، ومسلم (2600 ـ 2603)).
قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: (( فإنَّ هؤلاء أخطأوا بغير اجتهاد؛
إذ لم يكونوا من أهل العلم ))( مجموع الفتاوى (20/254).
لقد عاشت الجزائر منذ استقلالها عن العدوِّ الفرنسي الكافر
أيامَ فتنةٍ في دينها ودنياها.
أمَّا الدِّين؛ فلأنَّ الاستعمارَ لَم يترك لها منه سوى رواسب الشرك،
وشعائر البدع، ولولا أنَّ اللهَ سخَّر لأهلها جمعية العلماء المسلمين
الجزائريين لَما بقي فيهم من يُفرِّق بين شرك وتوحيد، ولا بين سنة
وبدعة، إلاَّ ما شاء الله.
وأمَّا الدنيا؛ فقد كان للسرقة أثرٌ مقلقٌ، حتى إنَّ الرجلَ ليتحاشى
أن يَحملَ معه فضلَ مالٍ على نفقته اليومية وهو يريد امتطاء النقل
الجماعي، وكان من غرائب المناظر أن ترى على المرأة حِلْيَتَها
إذا خرجت من بيتها؛ خشية أن تُغتصب منها نهاراً جهاراً.
فما لبث الأمر أن تديَّن الناسُ حتى أمنوا على أموالهم، ونسوا
ما كان أقلقهم من قبل.
وجاءت أيامُ رخاء وأمن وتديّن قويٍّ، حتى إنَّ الرجلَ ليَجوبُ
البلادَ شرقاً وغرباً، لا يخاف على نفسه إلاَّ الذئب، بل لا يُفكِّر
أين يأويه المبيت؛ لأنَّ الشعبَ الجزائريَّ شعبٌ اجتماعيٌّ متكافلٌ.
ومرَّ به زمنٌ لا تكاد تصادف فيه فقيراً يتسوَّل.
أمَّا عن الدِّين فقد انتشر فيها ـ قبل هذه الفتنة ـ التوحيدُ والسنة،
وانحسر نشاط طرائق الشرك والبدعة انحساراً شديداً،
ورجعت المرأة إلى خِدْرِها، ووجدت شرفَها في سترها،
وتُركت الخمور في كثير من الأحياء، وازدحمت المساجدُ بأهلها،
ودخل الدِّينُ كلَّ بيتٍ، وعضَّ العدوُّ الأناملَ من الغيظ.
ثمَّ انتبه هذا، فاستفزَّ من الشعب أصلبه عوداً، وأشده جموداً،
وأوقد نار الفتنة بينهم وبين دولتهم، فتقلَّص ظلُّ الدعوة النبوية،
وحلَّ محلَّها خُطبٌ ناريةٌ تهييجية، حتى وُلد منها مولودان
لا يُدرى أيّهما سبق الآخر:
أحدهما: الخروج على الحكَّام.
وثانيهما: التكفير.
والتكفير والخروج رضيعَا لبانٍ واحد، وربيبَا حِجْرٍ واحد،
ما حلاَّ ديار قوم إلاَّ تركوها بلاقع.
ودخلنا فتنةً طال منها الأمد، حتى شاب منها الوالد وما ولد،
فاستحال أمنُ البلاد إلى رُعب، وعمرانُها إلى خُرْب،
وباتَت مساجدُها الآمنة مسارح للإرهاب، وسالت من دماء
هذه الأمة المسلمة أنهار غزار!
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي :
(( والذي نفسي بيده! ليأتينَّ على الناسِ زمانٌ لا يَدرِي القاتلُ
في أيِّ شيء قَتلَ، ولا يدري المقتولُ على أيِّ شيءٍ قُتل ))
(رواه مسلم (2908) ).
فبدءاً بالتَّهيِّيج السياسيِّ على المَنابرِ باسمِ التَّوعيةِ الإسلامية!
وتَثنِيَةً بالتَّعبِئَةِ الجماهيرية باسم الـمُحافَظَةِ على الـهَوِيَّةِ الإسلامية!
وتثليثاً بالخروجِ على الحُكَّامِ باسمِ الأمرِ بالمعروفِ والنَّهْي عن المنكرِ!
وتَربيعاً بتكفِير المسلمين باسمِ الوَلاءِ والبَراءِ!
وتَخميساً بالتَّفجِيرَات العَشوائيَّةِ والـمَجَازِر الجماعية باسم الجهاد!!
هذا الذي شيَّب رؤوس المصلحين، وشاب بكدر عظيم صفاءَ
دين المسلمين!
حتى شوَّه صورته لدى أعدائه، بسبب فساد تصرُّف أدعيائه.
وإنَّني لأتعجَّبُ كلَّ العجبِ من قومٍ يُباركون الفتنةَ القائمةَ
في وطننا العزيز: الجزائر!
ويا لله العجب! أعراضٌ تُنْهَك! ودماءٌ تُسفك! وأموالٌ تُبدَّد!
ودينٌ يُهدَّد!
ويأتي مَن أغمضَ عينيه عن هذا كلِّه، وركب من الجهل كلَّ مركب،
ويقول: لِماذا لا تنصرون إخوانَكم؟!
وما هي إلاَّ ديار المسلمين! تركوا حبلَها في اضطراب،
وأبناءَها في احتراب!
ولو كان هذا من كافرٍ واضحٍ لزال العجبُ، فالعدوُّ الخارجيُّ
لا يألونا خبالاً، ولا يدَّخِّر عنَّا وَبالاً، تلك سنَّةٌ معلومة.
إلاَّ أنَّ المقلِقَ حقيقةً قابليَّةُ المسلمين للتآكلِ الدَّاخليِّ،
حتى كانت كوَخْزِ الإبَر في المضاجع!
الخَـطـبُ خـطـبٌ فـادح والعـيبُ عـيبٌ فاضحُ
وعــارُنــا فـي النَّـاس لا تَـحـمـلـه النَّـواضِــحُ
ثمَّ لا غِنى لسائرِ الأقطارِ الإسلاميةِ عن هذه الرسالة؛
لأنَّ البلاءَ واحدٌ، والمسلمون لحمةٌ واحدةٌ.
وإنَّني مُذكِّرٌ مَن كان له قلبٌ أو ألقى السمعَ وهو شهيد باثنتين:
الأولى: أنَّ الحلول المقترحة اليوم لا تكاد تخرج عن إحدى ثلاث:
ـ إمَّا حلٌّ سياسي.
ـ وإمَّا حلٌّ دعوي.
ـ وإمَّا حلٌّ دموي.
والتزاماً بحدِّ الاختصار، لم أتعرَّض ههنا لأقوالِ أهلِ العلمِ في الحَلِّ
السياسيِّ، لا سيما وأنا محيلٌ القارئَ على كتابي (( مدارك النظر
في السياسة بين التطبيقات الشرعية والانفعالات الحماسية )) فلا أكرِّرُه.
وأمَّا الحَلُّ الدعويُّ، فهو الذي ندعو المسلمين اليوم إلى التركيز عليه،
وقد اتَّحدَت كلمةُ هؤلاء الثلاثةِ على التَّنويهِ به، لا سيما سماحة
الشيخ مفتي الأنام عبد العزيز بن باز، كما تقرؤه إن شاء الله.
وانحصر البحثُ ههنا في جمع كلمات هؤلاء الأفاضل في التَّنديدِ
بالحَلِّ الدمويِّ إجماعاً؛ لمخالفته لسيرةِ سيِّد البشر ،
على تفصيلٍ واضحٍ في فتاواهم، حفظهم الله، ويُضاف إليه أنَّه
قد أتى علينا حينٌ من الدَّهر والدماء تنزف، فلم يزدد الأمرُ إلاَّ سوءاً!