يقدم بعض المحللين صورة سوداوية عن مستقبل أسعار النفط ويربطها بزيادة العرض بعد رفع الحظر على إيران ومحافظة دول الأوبك على مستويات انتاجها الحالي، وهي صورة غير واضحة وتفتقد لعديد العناصر المؤثرة فيها. يسود الاعتقاد بأن دول منظمة أوبك هي التي تتحكم في السوق الدولية للنفط، وهو أمر لا يخلو من الصحة، إلا أن إجمالي انتاج تلك الدول لا يتعدى سقف 30 مليون برميل يوميا، في حين يبلغ الانتاج العالمي 80 مليون برميل يوميا حسب إحصائيات سنة 2014, ضف إلى ذلك أن نسبة معتبرة من انتاج دول المنظمة تسيطر عليه الشركات متعددة الجنسيات (إكسون موبيل، بريتيش بتروليوم، ستات أويل، أرامكو...) ووجود شركات مثل غازبروم الروسية وبتروشاينا الصينية جميعها لها مصالح للحفاظ على أسعار جيدة للنفط، في ظل زيادة الطلب العالمي فالولايات المتحدة والصين لوحدهما تستهلكان 30 مليون برميل يوميا وهي مرشحة للارتفاع في ظل النمو الاقتصادي خاصة بالنسبة للصين.
يظن الكثيرون أن التغيرات التي طرأت على سعر النفط هي مقياس للحكم على تراجع أسعاره، في حين أن الواقع عكس ذلك تماما، فبالمقارنة بين متوسط سعر البرميل سنة 2004 الذي كان يساوي 41,5 دولار، وهو حاليا في حدود 44 دولار.
يبدو أن الإعلان على الإجراءات التقشفية أثار ردود فعل تصل حد الغرابة أحيانا، فعلا النفط يمثل 98 % من المداخيل بالعملة الصعبة، ويربط الكثيرون ميزانية الدولة بمداخيله فقط لكن عمليا تشكل الجباية البترولية حوالي 40% من الميزانية، ضف إلى ذلك احتياطات الذهب.
احتياطي الصرف المقدر بـ 200 مليار دولار يعني ما يمكن شراؤه من السوق الدولية من السلع والخدمات، بينما مداخيل الدولة تبدأ من الرسوم الجمركية والضريبة على الدخل وصولا إلى قسيمة السيارات وغيرها من الضرائب المفروضة على التجار ومخالفات المرور، وهي آليات يمكن التحكم من خلالها في مستويات المداخيل، ويمكن إضافة ضرائب جديدة إذا اقتضى الأمر مثلا: ضريبة على الملكية العقارية الإضافية، ضريبة على السيارة الثانية، ... كما يمكن تحرير أسعار المواد المدعمة مثل الوقود، المواد الاستهلاكية ...
تتحكم عوامل أخرى مثل الاستقرار الداخلي والإقليمي والازمات والأحداث الطارئة في إحداث تغيرات طفيفة في الأسعار لكنها تبقى ظرفية مقارنة بتأثير متغيرات أخرى ستؤدي حتما إلى تنظيم مسابقات أخرى لمن لم يسعفهم الحظ هذه المرة. أتمنى أنكم استفدتم واستمتعتم