[معنى حجز التوبة من المبتدع]
قال المروذي: سئل أحمد رضي الله عنه عما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : «أن الله عز وجل احتجز التوبة عن صاحب بدعة» وحجز التوبة أي شيء معناه؟ قال أحمد: لا يوفق ولا ييسر صاحب بدعة لتوبة، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قرأ هذه الآية: { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ } [159/6] فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «هم أهل البدع والأهواء ليست لهم توبة».
قال الشيخ تقي الدين: لأن اعتقاده لذلك يدعوه إلى ألاَّ ينظر نظرًا تاما إلى دليل خلافه فلا يعرف الحق، ولهذا قال السلف: إن البدعة أحب إلى إبليس من المعصية. وقال أيوب السختياني وغيره: إن المبتدع لا يرجع. (المستدرك على فتاوى ابن تيمية لابن القاسم).
الرد على المخالف :
تاريخ الردّ على المخالف ، قال الشيخ بكر ابو زيد رحمه الله في كتابه الرد على المخالف من أصول الاسلام المبحث الأول ( ص 21 ـ 46 ).
هذا التاريخ مرتبط بظهور كل بدعة يكاد بها الدين وبكل هوى وضلالة تخالف توحيد المرسلين .. ومن استقرأ الوحيين الشريفين : رأى في مواقف الأنبياء مع أممهم والمصلحين مع أهليهم مواقف الحجاج والمجادلة والردّ على كل ضلالة وهكذا ورثهم من بعدهم على تطاول القرون ، وهذه المواقف أدلة عملية على المشروعية بجانب الأدلة القولية .. ثم ذكر الأدلة من الكتاب والسنة .. ثم نقل كلاما للإمام أبي إسحاق الجويني المتوفى سنة 478 هـ ( .. فإذا رأى العالم مثله يزل ويخطئ في شيء من الأصول والفروع وجب عليه من حيث وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دعاؤه عن الباطل وطريقه إلى الحق وطريق الرشد والصواب فيه ، وجب على المصيب دفعه عن باطله والكشف له عن خطئه بما أمكن من طريق البرهان ..
ثم إن السنة في نصوصها قولا وفعلا وتقريرا في عامة أبواب التوحيد والشريعة ترى وقائع كثيرة يردّ بها النبي صلى الله عليه وسلم ما ليس حقا ، فرد على من قال له اعدل يا محمد ، وردّ على عثمان بن مضعون رضي الله عنه التبتل ، وردّ على من حرّم بعض المطاعم والمناكح ، وردّ صلى الله عليه وسلم مجموعة كبيرة من الأقوال والأفعال الشركية والبدعية والمنكرة سواء كانت بحضرته صلى الله عليه وسلم او انه بلغته ...
وقد تنوعت المواقف النبوية المشرفة في محاصرة أهل الأهواء ومن مفردات العقوبات : عدم مجالسته ، الابتعاد عن مجاورته ، ترك توقيره ، ترك مكالمته ، ترك السلام عليه ، ترك التسمية له ، عدم بسط الوجه له ، عدم سماع كلامه وقراءته ، عدم مشاورته . والسنة شاهدة من وجه آخر إلى مدح القائمين بهذا الواجب وأنهم هم العدول المصلحون الغرباء وان عملهم من الجهاد وواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. ثم ذكر الشيخ نصوص كثيرة ..
مواقف الصحابة رضي الله عنهم : فقام الصحابة بواجب هذه الحمالة لهذا الأصل العقدي خير قيام من ردّ البدع والأهواء المضلة والدفع في نحورها وأعجازها لإبطالها ووأدها من أول بدعة حدثت في الإسلام بدعة الخوارج فهم أول من فارق المسلمين من أهل البدع المارقين وهم أول من كفر المسلمين بالذنوب وهذه حال أهل البدع يبتدعون بدعة ويكفرون من خالفهم غيها .. فردّ الصحابة رضي الله عنهم على الخوارج بدعة الافتراق وبدعة التكفير فكشفوا منهم الأسرار وهتكوا الأستار وفضحوهم على المنابر ثم بدا الرفض والنصب ثم القدرية والمرجئة ثم الاعتزال فقام عليهم الصحابة رضي الله عنهم باللسان والسنان فقتل من قتل وخصم من خصم فتزلزلت هذه البدع ورقّت واندحرت وذّلت .
مواقف التابعين : سار التابعون على هذا الأصل العقدي فقاموا في وجوه أهل الأهواء وقاموا بحق الله عليهم خير قيام فكاسروا المبتدعة بالقلم واللسان ، والسف والسنان .. فأخمدوا ثائر الفتن وسكنوا قائم الشبهات والشهوات وأقاموا سوق الكتاب والسنة ، فأحيا الله بهم السنن وأطفأ بهم البدع وأظهر الحق على أيديهم ونصحوا للمسلمين برهم وفاجرهم فهداهم الله وهدى بهم ..
ثم ذكر الشيخ نماذج مما مرّ على الأمة من المصائب وذكر مواقف علماء الأمة من الوقوف في وجوههم ، ثم قال : وقد ألّف العلماء في الردّ عليهم كتبا متكاثرة .. ولو أخذنا نذكر ما لهم من مآثر وآثار في مؤلفات حافلة وسير زاكية ومناظرات صادقة ومواقف مشرفة لكان أمرا لا يبلغ منتهاه ، وحسبك أن أسماء الكتب التي فيها الردّ على البدع والضلالات والأخطاء والمخالفات تبلغ مجلدا بل مجلدات ..
وقيل لأحمد بن حنبل يثقل عليّ أن أقول فلان كذا وفلان كذا فقال أحمد بن حنبل : ( إذا سكتّ أنت وسكتّ أنا فمتى يعرف الجاهل الصحيح من السقيم ) ، ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة فإن بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين .. ثم انظر لو أن أحدا انتحل بيتا من المعلقات الشعرية لبادره الناس بالإنكار والتقريع !!
بل إن مناحي الوجوب وجهاته متعددة على الولاة وعلى العلماء وعلى العامة كواجب الهجر ونحوه من الواجبات الشرعية في عقوبات المبتدع شرعا ، وعلى ولي الأمر بسط السلطة في معارضة الهوى والبدعة وكفّ البأس من المسلمين ، فإن من المفتونين من لا ينكفّ شرّه ولو أقمت على بطلان فتنته ألف دليل ، فلابد من أدب يردعه وزاجر يمنعه وإلحاق عصا السلطان في ظهره ..
فاتضح من هذا عقلا وشرعا أن من حق الله على عباده ردّ الطاعنين على كتابه ورسوله ودينه وجاهدتهم بالحجة والبيان والسيف والسنان والقلب والجنان وليس وراء ذلك حبّة خردل من إيمان ...