لقد تشبعت قلوبُ الصحابة - رضي الله عنهم - بعقيدة التوحيد بأصليها العظيمين (توحيد الله تعالى، وتوحيد شرعه)، وكانوا حراسًا عليها، حتى إذا ما أحسوا انحرافًا قليلًا عنها شَدَّدُوا عليه النكير. ومن أمثلة ذلك:
أن عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه -، دخل مسجد الكوفة، فرأى حلَقًا، وفي وسط كل حَلْقةٍ كُومًا من الحصى، ورجلًا قائمًا على كل حلقة يقول لهم:
(سبحوا مائة، فيسبحون مائة، احمدوا مائة، فيحمدون مائة، كبروا مائة، فيكبرون مائة) - فقال: لهم عبدالله بن مسعود رضي الله عنه:
(يا قوم، والله لأنتم على ملة هي أهدى من ملة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو مقتحمو باب ضلالة)، وكلامه إليهم معقول، لأنهم بفعلهم ما لم يفعله الرسول - صلى الله عليه وسلم - إما أن يكونوا: أهدى منه، وهذا محال، وإما أنهم افتتحوا بابًا جديدًا للضلالة بالابتداع. فقالوا: "والله يا أبا عبدالرحمن ما أدرنا إلا الخير"، فقال لهم "وكم من مريد الخير لم يبلغه" - فهؤلاء القوم لم يُحَوِّلْ صلاحُ نياتهم عملَهَم المبتدع إلى عمل مشروع. فالله تعالى لا يُعبد إلا بما شرع - فكما أن العبادة لا ينبغي أن تُصرف إلا له وحده، كذلك لا ينبغي أن يتخذ إلى عبادته إلا شرعَهُ وحده.
ولذلك وضع الرسول - صلى الله عليه وسلم - لنا مبدأ قَطَعَ فيه الطريق على كل من تُسوّل له نفسُه المَسَاسَ بتوحيد شرع الله تعالى، فقال (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، ذلك أن العبادات بنصوصها توقيفية لا مجال لإعمال العقول في شيء منها بأي لون من ألوان الاجتهاد، إلا فقهًا في نص اتباعًا ابتداعًا.
وقد روى البخاري ومسلم عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلًا يمشي في الحج بين رجلين يسندانه فقال: "ما هذا؟ فقالوا: "يا رسول الله نذر أن يحج ماشيًا" فقال - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغنيٌ، مُرُوهُ فَلْيَرْكَبْ".
ورأى الرسول - صلى الله عليه وسلم - رجلًا آخر يجلس في الشمس، فسأل عنه، فقالوا: "يا رسول الله نذر أن يصوم، ولا يتكلم، ويجلس في الشمس"، فقال - صلى الله عليه سلم - "ليتم صومه، وليتكلم، وليجلس في الظل".