وكذلك مشركو العرب أخبر الله تعالى عنهم بما يدل على فهمهم الحجة والرسالة، قال تعالى:
)وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (4) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إنَّ هَذَا لَشَيءٌ عُجَابٌ(5)([سورة: ص].
فهذه الكلمة لا تخرج إلاّ ممن عرف حقيقة رسالة الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-تمام المعرفة؛ إذ عرفوا أن معنى
(لا إله إلا الله)
هو نبذ كل الألهة الباطلة من الأصنام والأشجار وإخلاص العبادة لله وحده
لا شريك له، لكنهم أعرضوا عن قبولها.
فلما أعرض هؤلاء عن حجة الله، كما أعرض مَنْ قبلهم؛ وصفهم بما وصف به كل معرض عن حجته،
بأنهم لا يسمعون ولا يعقلون، وشبههم بسبب إعراضهم بالأنعام
لعدم انتفاعهم بعلمهم فقال سبحانه وتعالى:
)أَمْ تَحْسَبُ أنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُون إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (44)([الفرقان].
وما ذلك إلا لإعراضهم عن حجة الله بعد فهمها.
وقد أخبر الله عن ذلك كله في موضع واحد من كتابه، فقال:
)حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) كتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ(4)([فصلت].
فوصفهم أولاً بأنهم (قَوْم يَعْلَمُون) أي: يعلمون معاني الكتاب