ب) موقف ابن تيمية من خصومه الذين تسببوا في سجنهوطالبوا بقتله .
كان شيخ الإسلام - رحمه- منأكثر العلماء الجهابذة الذين تعرضوا لأذى الحساد من الأقران ، ولكنه كان من ألطفالناس وأرحمهم بالخصوم.
يقول " ابن فضل الله العمري " :
( اجتمع عليه عصبُالفقهاء والقضاة بمصر والشام ، وحشدوا عليه خيلهم ورجلهم، فقطع الجميع، وألزمهمالحجج الواضحات أيّ إلزام ، فلما أفلسوا أخذوه بالجاه والحكام) .
فبعد أن وشى به بعض العلماء وكذبوا عليه وألّبواالحكام والأمراء عليه وتزلفوا لدى الكبراء في ابن تيمية؛ سُجن وعذب ، وتولى كِبرذلك الجُرم الشيخ الصوفي "
نصر المنبجي" والأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير تلميذ المنبجي ، وجماعة من الفقهاء والعلماء ،الذين ناصروا الحاكم بيبرس في انقلابه ضد السلطان ناصر بن قلاوون.
ولكن شاء الله أن تزول أمارة بيبرس ويضم السلطان ناصر بن قلاوون دمشق ومصرإلى حكمه ، ولم يكن همّ السلطان إلا الإفراج عن شيخ الإسلام المسجون ظلما وزوراً .
فأخرجه معززاً مكرماً مبجلاً ، ويصل الشيخ إلىالبلاط الملكي فيقوم له السلطان تكريماً واحتراماً ويضع يده بيد ابن تيمية ويدخلانعلى كبار علماء مصر والشام ... !
ويختلي السلطان ناصرقلاوون بشيخ الإسلام ابن تيمية ويحدثه عن رغبته في قتل بعض العلماء والقضاة بسبب ماعملوه ضد السلطان وما أخرجه بعضهم من فتاوى بعزل السلطان ومبايعة بيبرس، وأخذالسلطان يحث ابن تيمية على إصدار فتوى بجواز قتل هؤلاء العلماء، ويذكره بأن هؤلاءالعلماء هم الذين سجنوه وظلموه واضطهدوه وأنها حانت الساعة للانتقام منهم !
وأصر السلطان ناصر بن قلاوون على طلبه من شيخ الإسلام كييخرج فتاوى في جواز قتلهم !
فماذا كــــــان رد ابن تيميــــــــة؟
هل وجدها فرصة للتنفيس عن أحقاده وخصوماته؟
كلا ... فنفس الكريم أرفع وأطهر من ذلك ، لقد قام ابنتيمية بتعظيم هؤلاء العلماء والقضاة ، وأنكر أن يُنال أحد منهم بسوء، وأخذ يمدحهمويثني عليهم أمام السلطان وشفع لهم بالعفو والصفح عنهم ومنعه من قتلهم ، فقالللسلطان :
(
إذا قتلت هؤلاء لا تجد بعدهم مثلهم من العلماءالأفاضل!)
فيرد عليه السلطان متعجبا متحيراً : لكنهم آذوكوأرادوا قتلك مرارا ؟!
فقال ابن تيمية: من آذاني فهو في حل،ومن آذى الله ورسوله فالله ينتقم منه، وأنا لا أنتصر لنفسي !
وما زال ابن تيمية بالسلطان يقنعه أن يعفو عنهم ويصفح، حتى استجاب لهالسلطان فأصدر عفوه عنهم وخلى سبيلهم !!
إنها النفوس الكبيرة - يا سادة - هي التي تستطيع أنتتجاوز أحقادها ومواقفها الشخصية وتمارس العظمة بكل معانيها .
لقد شهد له كبير خصومه ومن الذين هاجموه وآذوه ، شهد له بعد عمله التسامحيالفريد الذي عمله معهم أثناء غضب السلطان ناصر بن قلاوون عليهم ، لقد كان قاضيالمالكية "
القاضي ابن مخلوف"أحدهم ولما أفرج عنه قال عن ابن تيمية :
(
ما رأيت كريماً واسع الصدر مثل ابن تيمية فقد أثرنا الدولة ضده،ولكنه عفا عنا بعد المقدرة، حتى دافع عن أنفسنا وقام بحمايتنا، حرضنا عليه فلم نقدرعليه ، وقدر علينا فصفح عنا وحاجج عنا)... هذا هو ابن تيمية، هذه هي أخلاقه مع خصومه !
(ج) موقف ابن تيمية من بعض خصومه لما بلغه وفاتهم .
الإنسان في الغالب يفرح إذاسمع بموت أحد خصومه، وأحيانا يتشفى بذلك !
لكن ابن تيمية يختلف عن هؤلاء .. لقدُبلغ يوماً بوفاة أشد خصومه عداوة له وهجوماً عليها، بُلغ ذلك عن طريق أقرب تلاميذهله، والذي بلغه وهو فرح بذلك.
فماذا كان موقف شيخ الإسلامابن تيمية ؟
يقول عنه تلميذه البار الإمام الحافظ ابن قيمالجوزية :
( كان يدعو لأعدائه، مارأيته يدعو على واحد منهم، وقد نعيت إليه يوماً أحد معارضيه الذي كان يفوق الناس فيإيذائه وعدائه،فزجرني، وأعرض عني، وقرأ : "إنّا لله وإنا إليه راجعون" وذهبلساعته إلى منزله، فعزى أهله،وقال : " اعتبروني خليفة له ، ونائباً عنه،وأساعدكم في كل ما تحتاجون إليه" وتحدث معهم بلطف وإكرام بعث فيهم السرور، فبالغ فيالدعاء لهم حتى تعجبوا منه) .
الله أكبر ... من يطيق ما تطيقه يا ابن تيمية؟!
(3) النفسية التسامحية عند ابن تيمية تجاه خصومه .
أنعم الله على شيخ الإسلامبنفسية تسامحية عجيبة جداً قل أن تجدها عن غيره من العلماء، فما كان يحمل في قلبهغلاً ولا حسداً ولا حقداً على أحد، بل ولا على خصومه .
فلماوقف منهابن مخلوف
موقف العداء ورماه بكل قوس في جعبته، وأثار عليه العوام والحكام وأصدر ضدهالأحكام والفتاوى التي أثارت الفتنة بين الناس، وابن تيمية صابر محتسب يقابل السيئةبالحسنة، ولم يحمل في نفسه حقداً ولا بغضاً لهذاالرجل.
يقول ابن تيمية معبراً عن نفسيته المتسامحة :
( وأنا والله من أعظم الناس معاونة على إطفاء كل شر فيها وفي غيرها، وإقامةكل خير، وابن مخلوف لو عمل مهما عمل والله ما أقدر على خير إلا وأعمله له، ولا أعينعليه عدوه قط، ولا حول ولا قوة إلا بالله، هذه نيتي وعزيمتي، مع علمي بجميع الأمورفإني أعلم أن الشيطان ينزغ بين المؤمنين، ولن أكون عوناً للشيطان على أخوانيالمسلمين).
وقال فيرسالة كتبها وهو في السجن إلىتلاميذه ومحبيه يتحدث عن خصومهالذين تسببوا في دخوله السجن ومصادرة كتبه : ( أنا أحب لهم أن ينالوا من اللذة والسرور والنعيم ما تقر به أعينهم وأن يفتح لهم منمعرفة الله وطاعته والجهاد في سبيله ما يصلون به إلى أعلى الدرجات) .
وقال عن خصومه : ( وأنا أحب الخير لكل المسلمين وأريد لكل مؤمنالخير ما أحبه لنفسي).