روايات مكذوبة في كتاب فضائل الأعمال
السؤال
لقد حضرت محاضرة دينية منذ أيام ، وسمعت فيها بعض الأحاديث التي أرغب معرفة مدى صحتها ، إنها أحاديث متعلقة بالصحابة رضي الله عنهم . لقد ذكر المُحاضِر أن الصحابة بلغوا من الإيمان إلى درجة أنهم كانوا يطلعون
على بعض الأمور الغيبية ، وساق الأدلة التي عزاها إلى كتاب فضائل الأعمال - وهو كتاب معروف لدى جماعة التبليغ -.. من ضمن هذه الأحاديث : أن عبد الله بن عمر رضي الله عنه مرّ ذات مرة بالمكان الذي وقعت فيه غزوة بدر
فرأى قبراً مفتوحاً ، ورأى في ذلك القبر شخصاً يُعذب ويصرخ : أعطني ماءً.. ولكنه كان يُمنع من أن يأخذ الماء.. وعندما ذُكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم قال : نعم ، هذا أبو جهل يُعذب هكذا إلى يوم القيامة
. وحديث آخر : أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً نائماً في المسجد ، فأيقظه وسأله عن إيمانه ، فرد عليه الرجل وقال : إيماني على أكمل حال . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : وما علامة ذلك ؟
فرد الرجل وقال : أنه يرى عرش الرحمن ، وملائكة الرزق.. - وذكر واحدة ثالثة لا أستذكرها الآن -... فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم : إيمانك كامل فاحرص عليه . فما صحة هذه الأحاديث
وإذا كانت صحيحة فهل معنى ذلك أن الصحابة كانوا يشاهدون بعض الأمور الغيبية ، وما صحة كتاب " فضائل الأعمال " ؟
أرجو التوضيح والتفصيل وجزاكم الله خيراً .
الجواب
الحمد لله
أولا :
أما قصة رؤية عبد الله بن عمر عذاب أبي جهل بن هشام في بدر ، فهذا سرد متنها :
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال : ( بَيْنَا أَنَا سَائِرٌ بِجَنَبَاتِ بَدْرٍ ، إِذْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ حُفَيرٍ ، فِي عُنُقِهِ سِلْسِلَةٌ ، فَنَادَانِي : يَا عَبْدَ اللَّهِ اسْقِنِي ، يَا عَبْدَ اللَّهِ اسْقِنِي
فَلَا أَدْرِي ، أَعَرفَ اسْمِي أَوْ دَعَانِي بِدِعَايَةِ الْعَرَبِ ، وَخَرَجَ أَسْوَدُ مِنْ ذَلِكَ الْحُفَيْرِ ، فِي يَدِهِ سَوْطٌ ، فَنَادَانِي : يَا عَبْدَ اللَّهِ ، لَا تَسْقِهِ ، فَإِنَّهُ كَافِرٌ ، ثُمَّ ضَرَبَهُ بِالسَّوْطِ حَتَّى عَادَ إِلَى حُفْرَتِهِ
فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْرِعًا ، فَأَخْبَرْتُهُ ، فَقَالَ لِي : أَوَ قَدْ رَأَيْتَهُ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ . قَالَ : ذَاكَ عَدُوُّ اللَّهِ أَبُو جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ ، وَذَاكَ عَذَابُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ )
رواه الطبراني في " المعجم الأوسط " (6/335) قال : حدثنا محمد بن أبي غسان ، ثنا عمرو بن يوسف بن يزيد البصري ، ثنا عبد الله بن محمد بن المغيرة ، عن مالك بن مغول ، عن نافع ، عن ابن عمر فذكره . ثم قال :
"لم يرو هذا الحديث عن مالك بن مغول إلا عبد الله بن محمد بن المغيرة الكوفي " انتهى .
وهذا إسناد ضعيف جدا بسبب عبد الله بن المغيرة الكوفي ، قال فيه أبو حاتم : ليس بقوي ، وقال ابن يونس : منكر الحديث ، وقال ابن عدي : عامة ما يرويه لا يتابع عليه
وقال النسائي : روى عن الثوري ومالك بن مغول أحاديث كانا [يعني: الثوري ومالكا] أتقى الله من أن يحدثا بها ، وسرد له الإمام الذهبي بعض الأحاديث ثم قال : هذه موضوعات .
انظر : " ميزان الاعتدال " (2/487-488)
قال الهيثمي رحمه الله :
" وفيه عبد الله بن محمد بن المغيرة، وهو ضعيف "
انتهى من " مجمع الزوائد " (3/57)
وقال أيضا :
" وفيه من لم أعرفه "
انتهى من " مجمع الزوائد " (6/81)
وروى ابن أبي الدنيا في " القبور " (ص/93، رقم/92) قال : حدثنا أبي ، ثنا هشيم ، ثنا مجالد ، عن الشعبي : أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إني مررت ببدر فرأيت رجلا يخرج من الأرض
فيضربه رجل بمقمعة معه حتى يغيب في الأرض ، ثم يخرج فيفعل به مثل ذلك مرارا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ذاك أبو جهل بن هشام يعذب إلى يوم القيامة .
وهذا كما ترى حديث مرسل ، فالشعبي ليس من الصحابة ولا من كبار التابعين ، وله مراسيل كثيرة عن الصحابة .
وفيه أيضا مجالد بن سعيد ، ضعفه يحيى القطان ، وأبو حاتم ، وأحمد ، وابن معين ، والنسائي وغيرهم
انظر : " تهذيب التهذيب " (10/41)