1- إن الصيام شرع لعلة وسبب: وهذا السبب هو من أعظم الأشياء وأجلها عند الله، ومن حصل في صيامه وقيامه على هذه الغاية فقد فاز، ألا وهو الإخلاص؛ فأنت صمت لله ثلاثين أو تسعة وعشرين يومًا، فيعلمك الصيام كيف تعيد النظر في قولك، وفي عملك؛ فإذا قلت فقل لله، وإذا عملت فاعمل لله، لأنك عبد لله فإلى متى وأنت تخدع نفسك، ولا تخلص عملك؟ فيعلمك كيف تتجه باللوم على نفسك، فإلى متى هذا النفاق والكذب والغش؟ إن الصيام يعلمك كيف تريد الله وحده ولا تريد شيئًا سواه.
فهنيئًا لمن استفتح صيامه بالسر الأعظم: مراقبة الله }لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ{ وفي الحديث «ألا إن التقوى هاهنا» وأشار إلى قلبه ثلاثًا وفيه إشارة إلى الإخلاص لأنه سر دفين بين العبد وربه، فلا تراه العيون ولا تسمع به الآذان، إن الإخلاص لا يظهر إلا بالأثر، فمن أخلص طيبه الله حيًا وميتًا، وما من عبد يصرف ما لله لغير الله إلا خاب وخسر وخاب رجاؤه وخسر الدنيا والآخرة.
2- هذه الطاعة تعلمك الصبر على طاعة الله ومرضاته، ولا شك أن أعظم ما يكون الصبر حينما تصبر على ما تهوى النفس ومن هنا رتب الله على دخول الجنة أمرين فذكر منها ترك هون النفس، يقول عمر: وجدنا ألذ عيشنا في الصبر، }وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ{، فعبادة الصيام فيها سر يحبه الله، ألا وهو الصبر، وإذا استشعر الصائم أن الله يحب منه هذا الصبر ويثيبه عليه استجمعت نفسه وارتاحت، فيقف في نهاية اليوم وقد ظمأ أو جاع ووجد المشقة والعناء فقال: «اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت، ذهب الظمأ وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله» فهذه لا شك معاملة رابحة.
3- أنت تعلمت أثناء الصيام أن تترك الحلال لله، فحري بك أن تترك الحرام فلا تأكل حرامًا، ولا تشرب حرامًا، فإذا صمت عن الحلال فيجب عليك أيضًا أن تصوم جوارحك عن الحرام، يأتيك الشخص يسأل عن قطرة الماء دخلت جوفه أثناء الوضوء، ولكن تجده ينظر حرامًا ويسمع حرامًا ويأكل حرامًا ويشرب حرامًا؛ تقول عائشة رضي الله عنها: "من أراد أن يسبق الدائب المجتهد فليقف عند محارم الله" ويقول عمر بن عبد العزيز: "ليست التقوى أن تقوم الليل وتصوم النهار ثم تخلط بين ذلك، ولكن تقوى الله أن تؤدي فرائض الله وتقف عند محارم الله" فهذا أبو بكر الصديق ما سبق الناس بكثرة صلاة ولا صيام ولكن بشيء وقر في قلبه، ولما قدم له الخادم طعامًا وكان جائعًا فأكل لقيمات ثم سأله: من أين أتيت بهذا الطعام؟ فذكر له بأنها من كهانة تكهنها في الجاهلية أدخل يده في فمه، وقال: "والله لأخرجنها حتى لو لم تخرج إلا مع روحي" ومن هنا فقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الصيام علاج لجميع الفتن والشهوات.
فالصوم له تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة والقوى الباطنة والسؤال المهم والأهم: متى يورث الصيام تقوى الله؟ والإجابة: حينما تتوافر فيه ثلاثة أمور:
1- الإمساك عن شهوتي البطن والفرج.
2- ترك المعاصي.
3- النية أن يصوم بغرض الطاعة لله، فلا يصوم مسايرة للمجتمع، ولا خوف ملامة، ولا تخفيفًا للوزن «من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له» [رواه أحمد].
4- الصيام مدرسة، يعلمك كيف تصون لسانك فلا تسب ولا تصخب ولا تجهل، فإن سابك أحد سامحه، ففي الحديث «فإن سابه أحد فليقل إني صائم» فهذه العبادة تعلمك كيف تصون لسانك، وكيف يعف الصائم عن أعراض المسلمين، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» [رواه مسلم].
ولنا وقفة قصيرة مع اللسان: إنه عضو خلقه الله وجعله دليلاً على وحدانيته }وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ{، فهو عضو صغير خطير يقود صاحبه إلى الروح والريحان، أو يقوده إلى دركات النيران، وهذا اللسان لحمة صغيرة سبحان من أنطقها، خلقه الله وجعل لكل دابة صوتًا ولغة، وعرف سبحانه لغاتها وأصواتها وحوائجها، فهذا سليمان يمر على وادي النمل، وقد علمه الله منطق الطير فسمع صوت النملة ومناجاتها لربها، وقد قص الله علينا كلامها في سورة النمل.
ومع اختلاف الأصوات فلا يشغله صوت عن صوت، فقد وسع سمعه جميع الأصوات.
خلق الله اللسان ليعرب عما في الصدور، انظر إلى الأخرس وقد وقف وعجز أن يعبر عما في صدره والله أنطقك، وإذا عُرف هذا فإن للسان زلات وهنات، فمن أعظم زلات اللسان ثلاث:
1- الكفر بالله: نسأل الله العظيم أن يعيذنا من هذا البلاء، فقد كفر الإنسان حينما قال: لا إله والحياة مادة، لقد كفر حينما قال: إن لله ولدًا }لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا{ لقد كفر يوم نادي غير الله أو استغاث بغير الله.
2- ومن آفات اللسان يوم يستهزئ بالدين وأهل الدين، سلم منك أهل الفساد والانحلال ولم يسلم منك الراكعون الساجدون، ألم تعلم أن من عادى لله وليًا فقد أذنه الله بالحرب؟! فكن على حذر، ضاقت عليك الدنيا فلم تجد من تستهزئ به إلا عباد الله الصالحين، إن من استخف بالعلماء والصالحين فله نصيب من قوله }قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ{ قال العلماء: من استخف بالعلماء فقد استخف بالقرآن لأن العلماء حملة كتاب الله.