قمع حرية التعبير، ومصادرة اوجه الابداع الثقافي كافة، وتضييق الخناق على الصحافة والصحافيين، كلها، مجتمعة او متفرقة، عجلت بانفجار الثورة التونسية الشعبية، ونزول عشرات الآلاف من المحتجين الى شوارع المدن والقرى التونسية للمطالبة بالتغيير الديمقراطي المشروع.
الاعلاميون في تونس يشتكون من الرقابة ومضايقات يتعرضون لها من قبل اجهزة السلطة، ويعبرون عن شكاواهم هذه من خلال اضرابات واعتصامات ومقالات نارية في مواقع التواصل الاجتماعي مثل 'الفيس بوك' و'التويتر'.
وزير الخارجية التونسي الدكتور رفيق عبد السلام القيادي في حركة النهضة الذي قضى عشرين عاما من عمره في المنفى هربا من اضطهاد نظام الرئيس زين العابدين بن علي، اكد في تصريحات نسبت اليه بالامس ان الحكومة التونسية لا تسعى للسيطرة على الاعلام، ولكنها تريد 'تطهيره' لكي لا تتحول وسائل الاعلام الى 'منابر معادية' للحكومة التي تهيمن عليها حركة النهضة الاسلامية بعد فوزها بنصف المقاعد تقريبا في الانتخابات الاخيرة. وقال 'ان الحكومة ماضية في ابعاد ازلام النظام السابق عن الحياة السياسية والادارية والاعلامية عبر تفكيك هذه المنظومة'.
استخدام كلمة 'تطهير' في كلام الدكتور عبد السلام يبعث على الخوف والقلق، وكنا نتمنى ان لا يستخدمها خاصة في ظل حالة الغليان التي تسود حاليا بعض الاوساط الصحافية. وربما يفيد التذكير بان اجهزة الاعلام التونسية رحبت بالثورة، ووقفت الى جانب الثوار، وساندت عملية التغيير في الفترة الانتقالية لمرحلة ما بعد نجاح الثورة.
صحيح ان بعض الاقلام الصحافية والمحطات التلفزية الخاصة شهدت حالة من الحماسة، وتجاوزت الكثير من 'الخطوط الحمراء' السابقة من حيث انتقاد بعض ممارسات السلطة، في انفجار للحريات التعبيرية غير مسبوق في البلاد بعد كبت استمر لاكثر من اربعين عاما، ولكن هذا الانفجار مشروع ومفهوم، ورأيناه يتكرر في كل الدول التي شهدت ثورات اطاحة بانظمة ديكتاتورية توليتارية تغولت في قمع الحريات.
المشكلة الاعلامية في تونس، ولا بد من الاعتراف بان هناك مشكلة فعلا، على درجة كبيرة من الحساسية، ويجب ان تعالج بطريقة عقلانية علمية تحافظ على وجه الثورة التونسية المشرق، ومبادئ التعايش بين كل الوان الطيف السياسي التونسي، وهو التعايش الذي تجلى بوضوح اثناء فعاليات هذه الثورة الاحتجاجية، واختلاط دماء الشهداء من كل التيارات دون اي تفرقة او تمييز.
امر مسيء للثورة التونسية وتضحيات شهدائها ان نسمع اسبوعيا عن محاولات اعتداء على هذا الشاعر او المفكر او مصادرة مقالات او برنامج هذا الاعلامي لانه اختلف مع السلطة او انتقد سياساتها وطالب بالحريات المدنية.
تونس الثورة يجب ان تكون الارضية التي تلتقي عليها كافة التيارات السياسية والعقائدية بروح من الانفتاح، واحترام الرأي الآخر، واحتضانه بطرق حضارية، ولا نعتقد ان الاعتداء الذي تعرض له شاعر تونس المعروف محمد الصغير اولاد احمد الذي عانى طويلا من اضطهاد النظام السابق وكان من الاصوات القوية المساندة للثورة يصب في هذا الاطار.
السلطة التونسية المنتخبة، ونصر على هذه الكلمة، في انتخابات حرة ونزيهة، يجب ان يتسع صدرها للرأي الآخر، وان تتعود عليه، بل وتشجعه لان هذا كله من ابرز ابجديات التغيير الديمقراطي التي ضحى مئات التونسيين بارواحهم من اجلها.
نحن لسنا مع التجاوزات، ولا يمكن ان نكون مع التجريح والخروج عن معايير المهنية الاعلامية، والقذف والسب في حق الناس دون اثبات، ولا يمكن ان نقبل بالانفلات الاعلامي والمبالغة في النقد والتشهير، خاصة ان الثورة ما زالت في بداياتها الاولى، ومن الطبيعي ان تخطئ وتتعلم من اخطائها، ولكننا في الوقت نفسه لسنا مع 'التطهير' القائم على اسباب عقائدية.
الحكم او المعيار في التعاطي مع التجاوزات الاعلامية التي تتحدث عنها السلطات، ولا يمكن ان ننفي وجودها، هو القانون، فمن يخالف القانون يجب ان يلقى جزاءه غرامة وليس سجنا، لان صاحب الرأي لا يجب ان لا يسجن يوما واحدا بسبب رأيه، مثلما هو الحال في كل الدول المتقدمة التي تطبق العدالة وتتمسك بالقضاء المستقل.
تونس الثورة كانت المنارة التي اهتدت بنورها جميع الثورات العربية الاخرى، ونتمنى ان تقدم لنا سابقة اخرى لا تقل اهمية وهي الحريات الاعلامية المسؤولة والمحكومة بالقانون، نريد ان تكون صحافة تونس واعلامها السلطة الرابعة فعلا، ولا نعتقد ان تونس التي فاجأتنا بريادتها الثورية ستخيب آمالنا في هذا المضمار.