سنيقرة سناقرية
2009-04-13, 06:55
الحروب العالمية
الحرب العالمـية الأولى (1914 - 1918م).
شملت الحرب العالمية الأولى أكثر الأقطار، وسببت أعظم الخسائر التي لم تسببها حرب أخرى فيما عدا الحرب العالمية الثانية (1939 - 1945م). لقد أشعلت طلقات حادثة الاغتيال التي وقعت في النمسا ـ المجر تلك الحرب، وجرت سلسلة من التحالفات بين القوى الأوروبية الرئيسة لخوض القتال، كان كل جانب يتوقع نصراً سريعاً، لكن الحرب استمرت أربع سنوات وأزهقت أرواح مايقرب من عشرة ملايين من القوات المتحاربة.
أدت تطورات عدة إلى إراقة دماء كثيرة في هذه الحرب. وأدى التجنيد الإجباري إلى أن تكون الجيوش أكبر مما كانت عليه من قبل، وكان التعصب الوطني سببا دفع كثيرا من الرجال إلى الموت، كما أدت الدعاية دورها في تأييد الحرب وإظهار كل طرف ـ في عيون الآخر ـ بمظهر الشرير.
في 28 يونيو 1914م، اغتيل، الأرشيدوق فرانسيس فرديناند ولي عهد النمسا ـ المجر في سراييفو وكان للقاتل جافريلو برنسيب ارتباط مع تنظيم إرهابي في الصرب، فاعتقدت النمسا ـ المجر أن حكومة الصرب وراء هذا الاغتيال، وانتهزت الفرصة لتعلن الحرب على الصرب وتأخذ بثأر قديم.
أشعل اغتيال فرانسيس فرديناند الحرب العالمية الأولى، لكن بعض المؤرخين يعتقدون أن الحرب كانت لها أسباب أعمق، وهي أنها نتجت أساسًا من نمو الاعتزاز الوطني بين الشعوب الأوروبية والزيادة الكبيرة في القوات المسلحة الأوروبية، والسباق من أجل المستعمرات، وتكوين تحالفات عسكرية أوروبية. وعندما بدأت الحرب ساندت كل من فرنسا وبريطانيا وروسيا ـ وهي التي عرفت بدول التحالف ـ الصرب، ضد قوى الوسط المكونة من النمسا ـ المجر وألمانيا، ثم انضمت أمم أخرى لدول التحالف أو لقوى الوسط.
أحرزت ألمانيا انتصارات سريعة على الجبهات الأوروبية الرئيسية، وفي الجبهة الغربية أوقفت فرنسا وبريطانيا التقدم الألماني في سبتمبر 1914م، وحاربت الجيوش المعادية في خنادق امتدت عبر بلجيكا وشمال شرقي فرنسا، ولم يحدث تحول في الجبهة الغربية طوال ثلاث سنوات ونصف السنة رغم الحرب الضارية. وفي الجبهة الشرقية تقاتلت روسيا مع ألمانيا والنمسا ـ المجر. تأرجح القتال ما بين كرٍ وفرّ حتى سنة 1917م عندما اندلعت ثورة في روسيا، وسرعان ما طلبت روسيا عقد هدنة.
بقيت الولايات المتحدة على الحياد أول الأمر، لكن كثيرًا من الأمريكيين تحولوا ضد قوى الوسط بعد أن أغرقت الغواصات الألمانية السفن غير الحربية. وفي سنة 1917م انضمت الولايات المتحدة إلى الحلفاء، وأمدت الحلفاء بقوى بشرية كانوا في حاجة إليها لكسب الحرب، واستسلمت قوى الوسط في خريف 1918م.
كان للحرب العالمية الأولى نتائج لم تستطع الدول المتحاربة أن تتنبأ بها. فقد ساعدت الحرب على إسقاط أباطرة النمسا ـ المجر، وألمانيا وروسيا، وساعدت معاهدات الصلح دولاً جديدة في أن تخرج إلى حيز الوجود من نطاق قوى مهزومة. لقد تركت الحرب أوروبا متهالكة، لاتستطيع أن تعود لوضع قيادي في الشؤون العالمية مثلما كان لها من قبل، وأوجدت تسوية الصلح ظروفًا أدت إلى الحرب العالمية الثانية.
أسباب الحرب
تنحصر الأسباب الرئيسية للحرب العالمية الأولى في:
1- نمو النزعات القومية،
2- بناء قوة حربية،
3- التنافس على المستعمرات،
4- التحالفات العسكرية.
الأمم المتحاربة
يبين الجدول التاريخ الذي دخلت فيه كل دولة من دول التحالف ودول الوسط الحرب العالمية الأولى
الحــلــفـــاء
البريـطانية الإمبراطورية 4 أغسطس 1914م الصين 14أغسطس 1914م
البرازيل 26
أكتوبر 1917م كوبــا 7 أبريل 1917م
البرتغال 9 مارس 1916م كوستاريكا 23 مايو 1918م
بلجيكا 4 أغسطس
1914م نيكاراجوا 8 مايو 1918م
بنما 7 أبريل 1917م هاييتي 12 يوليو 1918م
الجبل الأسود 5 أغسطس 1914م الولايات المتحدة 6 أبريل 1917م
جواتيمالا 23 أبريل 1918م اليونان 2 يوليو 1917م
روسيا 1 أغسطس
1914م
دول الوسط
رومانيا 27 أغسطس 1916م ألمانيا 1 أغسطس 1914م
سان مارينو 3 يونيو 1915 الدولة العثمانية 31 أكتوبر 1914م
سيام 22 يوليو 1917م بلغاريا 14 أكتو بر 1915م
صربيا 28 يوليو 1914م النمسا ـ المجر 28 يوليو 1914م
نمو القومية.
تجنبَّت أوروبا حرباً كبرى في المائة عام السابقة على الحرب العالمية الأولى. ورغم أن حروبًا صغيرة اشتعلت، فإنها لم تضم دولا أخرى، لكن فكرة اكتسحت القارة في القرن التاسع عشر ساعدت على بدء الحرب الكبرى، تلك الفكرة كانت القومية وهي الاعتقاد أن الولاء لأمة بعينها ولأهدافها السياسية والاقتصادية يسبق أي ولاء آخر. وزاد هذا النزوع المبالغ فيه من الوطنية من احتمالات الحرب، لأن أهداف أمة ما لابد أن تتعارض مع أهداف أمة أو مجموعة أمم أخرى، بالإضافة إلى ذلك فإن الاعتزاز القومي كان من شأنه أن يجعل الأمم تضخم الخلافات البسيطة وتحولها قضايا كبرى، وأصبح من الممكن أن تؤدي شكوى صغيرة إلى تهديد بالحرب. لقد قويت القومية خلال سنوات القرن التاسع عشر بين أفراد الشعب الذين يشتركون في لغة واحدة، وتاريخ أو ثقافة. وقد أدى استعار المشاعر القومية إلى قيام دولتين جديدتين تأسّستا على أساس من مبادئ القومية هما: ألمانيا وإيطاليا اللتان كانتا نتاجًا لتوحد دول عديدة صغيرة، وكان للحرب دور كبير في تحقيق التوحيد القومي في إيطاليا وألمانيا.
ولقيت السياسات القومية تأييدًا عاطفيا عندما منحت دول كثيرة في غرب أوروبا حق التصويت لأناس أكثر، وأعطى حق التصويت المواطنين اهتماما أكبر وإعجابا أعظم بالأهداف القومية.
ومن ناحية أخرى، أضعفت القومية الإمبراطوريات الشرقية في النمسا ـ المجر، روسيا والدولة العثمانية. كانت هذه الإمبراطوريات تحكم مجموعات كثيرة تناضل من أجل الاستقلال، وكانت الصراعات بين المجموعات القومية متفجرة في دول شبه جزيرة البلقان في الجنوب الشرقي من أوروبا، وعُرفت شبه الجزيرة بأنها برميل البارود في أوروبا، لأن شعوبا كثيرة من البلقانيين كانوا جزءًا من الدولة العثمانية. حصلت اليونان والجبل الأسود والصرب ورومانيا وبلغاريا وألبانيا على الاستقلال في الفترة من 1821 إلى 1913م، لذلك فقد نشبت التوترات عندما احتكت كل دولة مع جيرانها بشأن الحدود، وانتهزت النمسا ـ المجر وروسيا ضعف الدولة العثمانية لتزيدا من نفوذهما في البلقان.
وجاء التنافس من أجل السيطرة على البلقان ليزيد من التوترات التي أدت إلى تفجر الحرب العالمية الأولى، وقادت صربيا حركة لتوحيد العنصر السلافي في المنطقة. أما روسيا وهي أقوى الدول السلافية فقد أيدت صربيا، لكن النمسا ـ المجر كانت تخشى القومية السلافية التي أدت إلى قلق في إمبراطوريتها، حيث كان هناك ملايين من السلاف يعيشون تحت حكم النمسا ـ المجر. وفي سنة 1908م أغضبت النمسا ـ المجر صربيا بإلحاق البوسنة والهرسك إلى إمبروطوريتها، وكانت صربيا تريد السيطرة على هذه الأراضي لأن كثيراً من الصرب يعيشون هناك.
التواريخ المهمة أثناء الحرب العالمية الأولى
1914م
28 يونيو اغتيال الأرشيدوق فرديناند.
28 يوليو أعلنت النمسا ـ المجر الحرب على الصرب وتتابعت عدة إعلانات أخرى حربية في الأسبوع التالي.
4 أغسطس غزت ألمانيا بلجيكا وبدأت القتال.
10 أغسطس غزت النمسا ـ المجر روسيا مبتدئة القتال في الجبهة الشرقية.
6-9 سبتمبر أوقف الحلفاء الألمان في فرنسا في معركة المارن.
1915م
18 فبراير بدأ الألمان حصار بريطانيا.
25 أبريل أنزلت قوات الحلفاء في شبه جزيرة جاليبولي.
7 مايو أغرقت غواصة ألمانية سفينة النقل البريطانية لوزيتانيا.
23 مايو أعلنت إيطاليا الحرب على النمسا ـ المجر وبدأ تطور في الجبهة الإيطالية.
1916م
21 فبراير بدأ الألمان معركة فردان.
31 مايو -1 يونيو حارب الأسطول البريطاني الأسطول الألماني في معركة جتلاند.
1 يوليو بدأ الحلفاء معركة سوم.
1917م
1 فبراير استأنفت ألمانيا حرب الغواصات غير المحدودة.
6 أبريل أعلنت الولايات المتحدة الحرب على ألمانيا.
24 يونيو بدأت القوات الأمريكية الإنزال في فرنسا.
15 ديسمبر وقعت روسيا هدنة مع ألمانيا لإنهاء الحرب في الجبهة الشرقية.
1918م
8 يناير أعلن الرئيس الأمريكي ولسون نقاطه الأربع عشرة أساساً للسلام.
3 مارس وقعت روسيا معاهدة برست ـ ليتوفسك
21 مارس شنت ألمانيا أول معركة من المعارك الثلاثة النهائية في الجبهة الغربية.
26 سبتمبر بدأ الحلفاء هجومهم النهائي في الجبهة الغربية.
11 نوفمبر وقعت ألمانيا هدنة نهاية الحرب العالمية الأولى.
بناء القوة الحربية.
قبل أن تنفجر الحرب العالمية الأولى، وفي أواخر القرن الثامن عشر، كان لدى ألمانيا أحسن جيش مدرب في العالم، اعتمدت فيه على تجنيد عسكري لكل القادرين من الشباب لتزيد من حجم جيشها وقت السلم. وسلكت أقطار أخرى نفس المسلك الذي سلكته ألمانيا وزادت من جيوشها المتحفزة، وظلت بريطانيا في أول الأمر غير مهتمة بشأن بناء ألمانيا لقوتها، حيث كانت دولة في جزيرة تعتمد على أسطولها للدفاع، وكان أقوى أسطول في العالم.
أدى التقدم التقني في الأدوات والمعدات وأساليب التصنيع إلى زيادة القوة التدميرية للقوات الحربية، وأصبحتالمدافع والأسلحة الحديثة الأخرى أكثر دقة وأسرع من الأسلحة السابقة، وأصبحت البواخر والسكك الحديدية قادرة على الإسراع في حركة القوات والإمدادات. وفي نهاية القرن التاسع عشر ساعدت التقنية الأقطار على أن تشن حروباً أطول وتتحمل خسائر أفدح من ذي قبل. ورغم ذلك فإن الخبراء العسكريين أصروا على أن الحروب القادمة سوف تكون أقصر.
أسلحة الحرب العالمية الاولى
التنافس على المستعمرات.
في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين حولت الأمم الأوروبية كل إفريقيا تقريبًا ومعظم آسيا إلى مستعمرات، كما ألهبت زيادة التصنيع التسابق نحو المستعمرات التي أمدت الأمم الأوروبية بالمواد الخام للمصانع وبالأسواق لبضائعها المصنعة وبفرص الاستثمار، لكن التسابق نحو المستعمرات أحدث توترًا بين الأقطار الأوروبية.
نظام التحالفات العسكرية.
أعطت التحالفات القوى الأوروبية إحساسا بالأمن قبل الحرب العالمية الأولى، وكان كل قطر يسعى إلى عدم تشجيع أعدائه بالهجوم عليه بالدخول في اتفاقيات عسكرية مع بلد أو بلدان أخرى، فمثل هذه الاتفاقية تضمن مساعدة أعضاء التحالف لهذا القطر، لكن هذا النظام خلق أخطارًا معينة. إذ إن اندلاع الحرب يضطر أعضاء التحالف الأخرى إلى الدخول في الحرب، وهذا يعني أن عددا من الأمم سوف تشترك في القتال الذي لن يقتصر على الطرفين المتنازعين. وكان التحالف يعني أن يضطر بلد ما إلى أن يعلن الحرب ضد بلد آخر أو الدخول في شأن لايهمه. بالإضافة إلى ذلك فإن بنود كثير من التحالفات ظلت سرا، وكانت السرية من شأنها أن تزيد من فرص إساءة حكم البلد على نتائج أعماله.
التحالف الثلاثي.
كانت ألمانيا في قلب السياسة الأوروبية الأجنبية منذ سنة 1870م وحتى نشوب الحرب العالمية الأولى، حيث كون المستشار أوتو فون بسمارك رئيس وزراء ألمانيا سلسلة من التحالفات لتقوية أمن بلده، فبدأ بتحالف مع النسما ـ المجر. وفي سنة 1879م اتفقت ألمانيا والنمسا ـ المجر أن تشتركا في الحرب إذا ما هوجم أي بلد منهما من جانب روسيا، ثم انضمت إيطاليا إلى التحالف سنة 1882م، وأصبح هذا التحالف يعرف بالتحالف الثلاثي. اتفق أعضاء التحالف الثلاثي أن يساعد كل منهم الآخر في حال وقوع أي عدوان من بلدين أو أكثر.
ثم جعل بسمارك النمسا ـ المجر وألمانيا تدخلان في تحالف مع روسيا، وكان هذا التحالف الذي عرف بعصبة الأباطرة الثلاثة قد تكون سنة 1881م. اتفقت القوى الثلاث على أن تظل على الحياد إذا اشتركت واحدة منها في حرب مع قطر آخر. وحث بسمارك النمسا ـ المجر وروسيا المتنافستين حول النفوذ في البلقان بأن تعترف كل منهما بنفوذ الأخرى في المنطقة، ومن ثم قلل من شأن خطر الاحتكاك بين البلدين.
وساءت علاقات ألمانيا مع البلدان الأوروبية الأخرى بعد ترك بسمارك السلطة سنة 1890م. لقد عمل بسمارك على أن يَحُول بين فرنسا جارة ألمانيا في الغرب، وبين أن تتحالف مع دولة أخرى من جيران ألمانيا في الشرق أي مع روسيا والنمسا. وفي سنة 1894م اتفقت روسيا وفرنسا على تعبئة قواتهما إذا ما عبأت أمة أخرى من دول التحالف الثلاثي قواتها، كما اتفقت فرنسا وروسيا على أن تساعد كل منهما الأخرى إذا ما هوجمت إحداهما من جانب ألمانيا.
الوفاق الثلاثي.
اتبعت بريطانيا سياسة خارجية خلال القرن التاسع عشر عرفت بالعزلة المجيدة. لكن بناء ألمانيا لقواتها البحرية جعل بريطانيا تشعر بالحاجة إلى حلفاء، وأنهت بذلك عزلتها. وفي سنة 1904م سوت كل من فرنسا وبريطانيا خلافاتهما الماضية حول المستعمرات ووقَّعتا الاتفاق الودي. وعلى الرغم من أن الاتفاق لم يتضمن أية التزامات بمساعدة حربية، إلا أنَّ البلدين بدءا مناقشة خططهما الحربية المشتركة. وفي سنة 1907م انضمت روسيا إلى الحلف الودي وأصبح يعرف بالوفاق الثلاثي، ولم يرغم الوفاق الثلاثي أعضاءه أن يشتركوا في الحرب مثلما تضمن التحالف الثلاثي، لكن التحالفات قسمت أوروبا إلى معسكرات متنازعة.
بداية الحرب
اغتيال الأرشيدوق.
ظن الأرشيدوق فرانسيس فرديناند وريث عرش النمسا ـ المجر أن تعاطفه مع الصقالبة (السلافيين) سوف يقلل الاحتكاكات بين النمسا ـ المجر ودول البلقان. ولذلك قرر أن يطوف في البوسنة مع زوجته صوفي. وبينما الركب يطوف في سراييفو في 28 يونيو 1914م، قفز مسلح على سيارتهما وأطلق رصاصتين؛ على إثرهما مات فرديناند وزوجته في الحال، وكان القاتل جافريلو برنسيب ينتمي إلى عصابة صربية إرهابية تسمى اليد السوداء.
أعطى اغتيال فرانسيس فرديناند النمسا ـ المجر عذرًا لسحق صربيا عدوتها القديمة في البلقان. وحصلت النمسا على وعد من ألمانيا بمساعدتها في أي عمل تتخذه ضد صربيا، ثم أرسلت قائمة بطلبات مهمة لصربيا في 23 يوليو وقبلت صربيا معظم المطالب واقترحت أن تسوى المطالب الأخرى في مؤتمر دولي. ورغم ذلك رفضت النمسا ـ المجر العرض وأعلنت الحرب على صربيا في 28 يوليو وتوقعت نصراً سريعاً.
كيف انتشر الصراع ؟
اندفعت القوى الأوروبية إلى الحرب العالمية الأولى خلال أسابيع من قتل الأرشيدوق، وبذلت محاولات قليلة لمنع الحرب. فقد اقترحت بريطانيا مثلا مؤتمرا دوليا لإنهاء الأزمة، لكن ألمانيا رفضت الفكرة مدَّعية أن النزاع يخص النمسا ـ المجر وصربيا. ورغم ذلك فإن ألمانيا حاولت إيقاف الحرب ومنع انتشارها، فحث القيصر الألماني ولهلم الثاني قريبه القيصر نقولا الثاني قيصر روسيا على عدم تعبئة قواته.
وكانت روسيا من قبل قد تقاعست عن مساندة حليفتها صربيا. ففي سنة 1908م كانت النمسا قد أغضبت صربيا بضمها البوسنة والهرسك ووقفت روسيا محايدة. وفي سنة 1914م تعهدت روسيا أن تقف خلف صربيا، وحصلت روسيا على وعد بدعم من فرنسا، ووافق القيصر الروسي على خطط لتعبئة قواته على طول حدود روسيا مع النمسا ـ المجر، لكن القادة العسكريين الروس حثوا القيصر على أن يحشد قواته على طول الحدود مع ألمانيا أيضا، وفي 30 يوليو عام 1914م أعلنت روسيا أنها ستعبئ قواتها كاملة.
أعلنت ألمانيا الحرب على روسيا أول أغسطس 1914م رداً على التعبئة الروسية، وبعد يومين أعلنت ألمانيا الحرب على فرنسا، واكتسح الجيش الألماني بلجيكا في طريقه إلى فرنسا، وكان غزو بلجيكا المحايدة سببا في إعلان بريطانيا الحرب على ألمانيا في 4 أغسطس، ومنذ ذلك الحين وحتى نوفمبر 1918م حين انتهت الحرب، لم تبق سوى مناطق قليلة من العالم محايدة.
الجبهة الغربية.
أعد ألفرد فون شليفن خطة ألمانيا الحربية سنة 1905م، وكان شليفن رئيسا لهيئة أركان حرب الجيش الألماني، وهي المجموعة التي تعطي المشورة بشأن العمليات الحربية. كانت خطة شليفن تقضي أن تحارب ألمانيا كلا من فرنسا وروسيا، بهدف إلحاق هزيمة سريعة بفرنسا، بينما تكون روسيا في تعبئة بطيئة لقواتها، ثم تبدأ ألمانيا الضربة الأولى إذا ما بدأت الحرب. وإذا ما وضعت الخطة موضع التنفيذ، فإن نظام التحالفات العسكرية سوف يؤدي بالتأكيد إلى حرب أوروبية عامة.
كانت خطة فون شليفن ترى أن يكون لألمانيا جناحان يحاصران الجيش الفرنسي في شكل كَمَّاشة؛ فالجناح الأيسر الصغير سوف يدافع عن ألمانيا عبر حدودها مع فرنسا، أما الجناح الأيمن الأكبر فيغزو فرنسا عبر بلجيكا ثم يحاصر عاصمة فرنسا باريس، ثم يتحرك شرقاً. ومع تحرك الجناح الأيمن سوف تقع القوات الفرنسية في مصيدة الكمَّاشات. وكان نجاح هجوم ألمانيا يعتمد على جناح أيمن قوي، ورغم ذلك كان هلمون فون مولتكه، الذي أصبح رئيسا للأركان في سنة 1906م وأدار استراتيجية ألمانيا عند بدء الحرب العالمية الأولى، قد غير من خطة فون شليفن بتخفيض عدد قواته في الجناح الأيمن.
حارب الجيش البلجيكي بشجاعة، وقاوم الألمان لفترة قصيرة، وفي 16 أغسطس 1914م استطاع الجناح الأيمن أن يبدأ حركة كماشة وأرغم القوات الفرنسية وقوة صغيرة بريطانية على أن تتقهقر إلى جنوب بلجيكا، واكتسح فرنسا، لكن بدلا من أن يتجه غربا حول باريس طبقا للخطة فإن جزءًا من الجناح الأيمن اندفع لمطاردة القوات الفرنسية المنسحبة شرقا على نهر المارن، وكانت هذه المناورة من شأنها أن تترك الألمان معرضين لهجوم من الخلف.
وفي هذه الأثناء، فإن الجنرال جوزيف جوفر القائد العام لكل الجيوش الفرنسية ثبت قواته قرب نهر المارن شرقي باريس، واستعد للمعركة، وبدأ قتالاً شرسًا عرف بمعركة المارن الأولى في 6 سبتمبر، وفي 9 سبتمبر بدأت القوات الألمانية تنسحب.
كانت معركة المارن الأولى مفتاح النصر للحلفاء، لأنها أنهت آمال ألمانيا في هزيمة فرنسا سريعا، واستبدل بمولتكه إريخ فون فالكنهاين رئيسًا للأركان.
وتوقف انسحاب الجيش الألماني قرب نهر آين، حيث خاض الألمان والحلفاء سلسلة من المعارك التي أصبحت تعرف بالسباق نحو البحر. وسعت ألمانيا إلى السيطرة على موانئ على القنال الإنجليزي لتقطع خطوط المدد الحيوي بين فرنسا وبريطانيا، لكن الحلفاء أوقفوا تقدم الألمان نحو البحر في معركة إيبر الأولى في بلجيكا، واستمرت المعركة من منتصف أكتوبر حتى منتصف نوفمبر.
وفي أواخر نوفمبر 1914م وصلت الحرب إلى طريق مسدود على طول الجبهة الغربية لأن أحدا من الجانبين لم يمتلك أرضا أكثر، وامتدت جبهة القتال أكثر من 720كم عبر بلجيكا وشمال شرقي فرنسا إلى حدود سويسرا، واستمر التوقف في الجبهة الغربية نحو ثلاث سنوات ونصف.
الجبهة الشرقية.
مضت تعبئة روسيا أسرع مما كانت تتوقع ألمانيا، وفي أواخر أغسطس 1914م اندفع جيشان روسيان بعمق في الأراضي الألمانية في شرقي بروسيا، وعرف الألمان أن الجيشين أصبحا منفصلين فأعدوا خطة حربية، تمكنوا بها من محاصرة جيش روسي في معركة تاننبرج في 31 أغسطس ثم طاردوا الجيش الروسي الثاني في شرق بروسيا في معركة البحيرات الماسورية، وكانت خسائر الروس نحو 25 ألفا، مابين قتيل وجريح ومفقود في المعركتين، وجعلت المعركتان من بول فون هندنبرج وإريخ لودندورف أبطالاً.
أما النمسا ـ المجر فكان نجاحها أقل من نجاح حليفتها ألمانيا في الجبهة الشرقية. ففي نهاية عام 1914م هاجمت القوات النمساوية ـ المجرية صربيا ثلاث مرات، وألحقت بها الهزيمة في كل مرة، وفي هذه الأثناء حاصرت روسيا معظم إقليم جاليسيا في النمسا ـ المجر (وهو الآن جزء من بولندا والاتحاد السوفييتي السابق). وفي أوائل أكتوبر انسحب الجيش النمساوي ـ المجري المهزوم إلى أراضيه.
القتال في الأماكن الأخرى.
أعلن الحلفاء الحرب على الدولة العثمانية في نوفمبر 1914م بعد أن ضربت السفن التركية الموانئ الروسية على البحر الأسود، ثم غزت القوات التركية روسيا واندلع القتال بعد ذلك في الأراضي التابعة للدولة العثمانية في شبه الجزيرة العربية وأراضي الرافدين (العراق حاليا) وفلسطين وسوريا.
واستمرت بريطانيا مسيطرة على البحار بعد نصرين بحريين على ألمانيا في سنة 1914م، وجعل الإنجليز منذ ذلك الحين أسطول الألمان محصورا في مياههم معظم الحرب، ومن ثم اعتمدت ألمانيا على حرب الغواصات.
وسرعان ما امتدت الحرب العالمية الأولى إلى المستعمرات الألمانية فيما وراء البحار، وأعلنت اليابان الحرب على ألمانيا في آخر أغسطس 1914م وطردت الألمان من عدة جزر في المحيط الهادئ، أما قوات أستراليا ونيوزيلندا فقد سيطرت على المستعمرات الألمانية في المحيط الهادئ، وفي منتصف سنة 1915م سقطت معظم أملاك الإمبراطورية الألمانية في إفريقيا في يد القوات البريطانية. ورغم ذلك استمر القتال في الأملاك الألمانية في إفريقيا الشرقية (تنزانيا حاليا) لمدة عامين أو أكثر.
الجمود في الجبهة الغربية
في سنة 1915م حفر الجانبان المتصارعان سلسلة من الخنادق تعرجت على طول الجبهة الغربية، ومن الخنادق دافعا عن مواقعهما وابتدآ هجماتهما. وظلت الجبهة الغربية جامدة في حرب الخنادق حتى سنة 1918م.
حرب الخنادق.
طور كل من الحلفاء وقوات الوسط أسلحة جديدة أرادوا بها أن يكسروا الجمود، وفي أبريل 1915م نشر الألمان الغاز السام على خطوط الحلفاء في معركة إيبر الثانية، وسبب ذلك دخانا وغثيانا واختناقا، ولكن القادة الألمان كانت لديهم ثقة قليلة في الغاز، وفشلوا في انتهاز هذه الفرصة لشن هجوم أكبر. كذلك استخدم الحلفاء الغاز السام بعد ذلك بقليل، وأصبحت كمامات الغاز أداة حربية في الخنادق، كذلك كان قاذف اللهب سلاحا جديدا يقذف نفثة من اللهب المحترق.
يتبع >
الحرب العالمـية الأولى (1914 - 1918م).
شملت الحرب العالمية الأولى أكثر الأقطار، وسببت أعظم الخسائر التي لم تسببها حرب أخرى فيما عدا الحرب العالمية الثانية (1939 - 1945م). لقد أشعلت طلقات حادثة الاغتيال التي وقعت في النمسا ـ المجر تلك الحرب، وجرت سلسلة من التحالفات بين القوى الأوروبية الرئيسة لخوض القتال، كان كل جانب يتوقع نصراً سريعاً، لكن الحرب استمرت أربع سنوات وأزهقت أرواح مايقرب من عشرة ملايين من القوات المتحاربة.
أدت تطورات عدة إلى إراقة دماء كثيرة في هذه الحرب. وأدى التجنيد الإجباري إلى أن تكون الجيوش أكبر مما كانت عليه من قبل، وكان التعصب الوطني سببا دفع كثيرا من الرجال إلى الموت، كما أدت الدعاية دورها في تأييد الحرب وإظهار كل طرف ـ في عيون الآخر ـ بمظهر الشرير.
في 28 يونيو 1914م، اغتيل، الأرشيدوق فرانسيس فرديناند ولي عهد النمسا ـ المجر في سراييفو وكان للقاتل جافريلو برنسيب ارتباط مع تنظيم إرهابي في الصرب، فاعتقدت النمسا ـ المجر أن حكومة الصرب وراء هذا الاغتيال، وانتهزت الفرصة لتعلن الحرب على الصرب وتأخذ بثأر قديم.
أشعل اغتيال فرانسيس فرديناند الحرب العالمية الأولى، لكن بعض المؤرخين يعتقدون أن الحرب كانت لها أسباب أعمق، وهي أنها نتجت أساسًا من نمو الاعتزاز الوطني بين الشعوب الأوروبية والزيادة الكبيرة في القوات المسلحة الأوروبية، والسباق من أجل المستعمرات، وتكوين تحالفات عسكرية أوروبية. وعندما بدأت الحرب ساندت كل من فرنسا وبريطانيا وروسيا ـ وهي التي عرفت بدول التحالف ـ الصرب، ضد قوى الوسط المكونة من النمسا ـ المجر وألمانيا، ثم انضمت أمم أخرى لدول التحالف أو لقوى الوسط.
أحرزت ألمانيا انتصارات سريعة على الجبهات الأوروبية الرئيسية، وفي الجبهة الغربية أوقفت فرنسا وبريطانيا التقدم الألماني في سبتمبر 1914م، وحاربت الجيوش المعادية في خنادق امتدت عبر بلجيكا وشمال شرقي فرنسا، ولم يحدث تحول في الجبهة الغربية طوال ثلاث سنوات ونصف السنة رغم الحرب الضارية. وفي الجبهة الشرقية تقاتلت روسيا مع ألمانيا والنمسا ـ المجر. تأرجح القتال ما بين كرٍ وفرّ حتى سنة 1917م عندما اندلعت ثورة في روسيا، وسرعان ما طلبت روسيا عقد هدنة.
بقيت الولايات المتحدة على الحياد أول الأمر، لكن كثيرًا من الأمريكيين تحولوا ضد قوى الوسط بعد أن أغرقت الغواصات الألمانية السفن غير الحربية. وفي سنة 1917م انضمت الولايات المتحدة إلى الحلفاء، وأمدت الحلفاء بقوى بشرية كانوا في حاجة إليها لكسب الحرب، واستسلمت قوى الوسط في خريف 1918م.
كان للحرب العالمية الأولى نتائج لم تستطع الدول المتحاربة أن تتنبأ بها. فقد ساعدت الحرب على إسقاط أباطرة النمسا ـ المجر، وألمانيا وروسيا، وساعدت معاهدات الصلح دولاً جديدة في أن تخرج إلى حيز الوجود من نطاق قوى مهزومة. لقد تركت الحرب أوروبا متهالكة، لاتستطيع أن تعود لوضع قيادي في الشؤون العالمية مثلما كان لها من قبل، وأوجدت تسوية الصلح ظروفًا أدت إلى الحرب العالمية الثانية.
أسباب الحرب
تنحصر الأسباب الرئيسية للحرب العالمية الأولى في:
1- نمو النزعات القومية،
2- بناء قوة حربية،
3- التنافس على المستعمرات،
4- التحالفات العسكرية.
الأمم المتحاربة
يبين الجدول التاريخ الذي دخلت فيه كل دولة من دول التحالف ودول الوسط الحرب العالمية الأولى
الحــلــفـــاء
البريـطانية الإمبراطورية 4 أغسطس 1914م الصين 14أغسطس 1914م
البرازيل 26
أكتوبر 1917م كوبــا 7 أبريل 1917م
البرتغال 9 مارس 1916م كوستاريكا 23 مايو 1918م
بلجيكا 4 أغسطس
1914م نيكاراجوا 8 مايو 1918م
بنما 7 أبريل 1917م هاييتي 12 يوليو 1918م
الجبل الأسود 5 أغسطس 1914م الولايات المتحدة 6 أبريل 1917م
جواتيمالا 23 أبريل 1918م اليونان 2 يوليو 1917م
روسيا 1 أغسطس
1914م
دول الوسط
رومانيا 27 أغسطس 1916م ألمانيا 1 أغسطس 1914م
سان مارينو 3 يونيو 1915 الدولة العثمانية 31 أكتوبر 1914م
سيام 22 يوليو 1917م بلغاريا 14 أكتو بر 1915م
صربيا 28 يوليو 1914م النمسا ـ المجر 28 يوليو 1914م
نمو القومية.
تجنبَّت أوروبا حرباً كبرى في المائة عام السابقة على الحرب العالمية الأولى. ورغم أن حروبًا صغيرة اشتعلت، فإنها لم تضم دولا أخرى، لكن فكرة اكتسحت القارة في القرن التاسع عشر ساعدت على بدء الحرب الكبرى، تلك الفكرة كانت القومية وهي الاعتقاد أن الولاء لأمة بعينها ولأهدافها السياسية والاقتصادية يسبق أي ولاء آخر. وزاد هذا النزوع المبالغ فيه من الوطنية من احتمالات الحرب، لأن أهداف أمة ما لابد أن تتعارض مع أهداف أمة أو مجموعة أمم أخرى، بالإضافة إلى ذلك فإن الاعتزاز القومي كان من شأنه أن يجعل الأمم تضخم الخلافات البسيطة وتحولها قضايا كبرى، وأصبح من الممكن أن تؤدي شكوى صغيرة إلى تهديد بالحرب. لقد قويت القومية خلال سنوات القرن التاسع عشر بين أفراد الشعب الذين يشتركون في لغة واحدة، وتاريخ أو ثقافة. وقد أدى استعار المشاعر القومية إلى قيام دولتين جديدتين تأسّستا على أساس من مبادئ القومية هما: ألمانيا وإيطاليا اللتان كانتا نتاجًا لتوحد دول عديدة صغيرة، وكان للحرب دور كبير في تحقيق التوحيد القومي في إيطاليا وألمانيا.
ولقيت السياسات القومية تأييدًا عاطفيا عندما منحت دول كثيرة في غرب أوروبا حق التصويت لأناس أكثر، وأعطى حق التصويت المواطنين اهتماما أكبر وإعجابا أعظم بالأهداف القومية.
ومن ناحية أخرى، أضعفت القومية الإمبراطوريات الشرقية في النمسا ـ المجر، روسيا والدولة العثمانية. كانت هذه الإمبراطوريات تحكم مجموعات كثيرة تناضل من أجل الاستقلال، وكانت الصراعات بين المجموعات القومية متفجرة في دول شبه جزيرة البلقان في الجنوب الشرقي من أوروبا، وعُرفت شبه الجزيرة بأنها برميل البارود في أوروبا، لأن شعوبا كثيرة من البلقانيين كانوا جزءًا من الدولة العثمانية. حصلت اليونان والجبل الأسود والصرب ورومانيا وبلغاريا وألبانيا على الاستقلال في الفترة من 1821 إلى 1913م، لذلك فقد نشبت التوترات عندما احتكت كل دولة مع جيرانها بشأن الحدود، وانتهزت النمسا ـ المجر وروسيا ضعف الدولة العثمانية لتزيدا من نفوذهما في البلقان.
وجاء التنافس من أجل السيطرة على البلقان ليزيد من التوترات التي أدت إلى تفجر الحرب العالمية الأولى، وقادت صربيا حركة لتوحيد العنصر السلافي في المنطقة. أما روسيا وهي أقوى الدول السلافية فقد أيدت صربيا، لكن النمسا ـ المجر كانت تخشى القومية السلافية التي أدت إلى قلق في إمبراطوريتها، حيث كان هناك ملايين من السلاف يعيشون تحت حكم النمسا ـ المجر. وفي سنة 1908م أغضبت النمسا ـ المجر صربيا بإلحاق البوسنة والهرسك إلى إمبروطوريتها، وكانت صربيا تريد السيطرة على هذه الأراضي لأن كثيراً من الصرب يعيشون هناك.
التواريخ المهمة أثناء الحرب العالمية الأولى
1914م
28 يونيو اغتيال الأرشيدوق فرديناند.
28 يوليو أعلنت النمسا ـ المجر الحرب على الصرب وتتابعت عدة إعلانات أخرى حربية في الأسبوع التالي.
4 أغسطس غزت ألمانيا بلجيكا وبدأت القتال.
10 أغسطس غزت النمسا ـ المجر روسيا مبتدئة القتال في الجبهة الشرقية.
6-9 سبتمبر أوقف الحلفاء الألمان في فرنسا في معركة المارن.
1915م
18 فبراير بدأ الألمان حصار بريطانيا.
25 أبريل أنزلت قوات الحلفاء في شبه جزيرة جاليبولي.
7 مايو أغرقت غواصة ألمانية سفينة النقل البريطانية لوزيتانيا.
23 مايو أعلنت إيطاليا الحرب على النمسا ـ المجر وبدأ تطور في الجبهة الإيطالية.
1916م
21 فبراير بدأ الألمان معركة فردان.
31 مايو -1 يونيو حارب الأسطول البريطاني الأسطول الألماني في معركة جتلاند.
1 يوليو بدأ الحلفاء معركة سوم.
1917م
1 فبراير استأنفت ألمانيا حرب الغواصات غير المحدودة.
6 أبريل أعلنت الولايات المتحدة الحرب على ألمانيا.
24 يونيو بدأت القوات الأمريكية الإنزال في فرنسا.
15 ديسمبر وقعت روسيا هدنة مع ألمانيا لإنهاء الحرب في الجبهة الشرقية.
1918م
8 يناير أعلن الرئيس الأمريكي ولسون نقاطه الأربع عشرة أساساً للسلام.
3 مارس وقعت روسيا معاهدة برست ـ ليتوفسك
21 مارس شنت ألمانيا أول معركة من المعارك الثلاثة النهائية في الجبهة الغربية.
26 سبتمبر بدأ الحلفاء هجومهم النهائي في الجبهة الغربية.
11 نوفمبر وقعت ألمانيا هدنة نهاية الحرب العالمية الأولى.
بناء القوة الحربية.
قبل أن تنفجر الحرب العالمية الأولى، وفي أواخر القرن الثامن عشر، كان لدى ألمانيا أحسن جيش مدرب في العالم، اعتمدت فيه على تجنيد عسكري لكل القادرين من الشباب لتزيد من حجم جيشها وقت السلم. وسلكت أقطار أخرى نفس المسلك الذي سلكته ألمانيا وزادت من جيوشها المتحفزة، وظلت بريطانيا في أول الأمر غير مهتمة بشأن بناء ألمانيا لقوتها، حيث كانت دولة في جزيرة تعتمد على أسطولها للدفاع، وكان أقوى أسطول في العالم.
أدى التقدم التقني في الأدوات والمعدات وأساليب التصنيع إلى زيادة القوة التدميرية للقوات الحربية، وأصبحتالمدافع والأسلحة الحديثة الأخرى أكثر دقة وأسرع من الأسلحة السابقة، وأصبحت البواخر والسكك الحديدية قادرة على الإسراع في حركة القوات والإمدادات. وفي نهاية القرن التاسع عشر ساعدت التقنية الأقطار على أن تشن حروباً أطول وتتحمل خسائر أفدح من ذي قبل. ورغم ذلك فإن الخبراء العسكريين أصروا على أن الحروب القادمة سوف تكون أقصر.
أسلحة الحرب العالمية الاولى
التنافس على المستعمرات.
في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين حولت الأمم الأوروبية كل إفريقيا تقريبًا ومعظم آسيا إلى مستعمرات، كما ألهبت زيادة التصنيع التسابق نحو المستعمرات التي أمدت الأمم الأوروبية بالمواد الخام للمصانع وبالأسواق لبضائعها المصنعة وبفرص الاستثمار، لكن التسابق نحو المستعمرات أحدث توترًا بين الأقطار الأوروبية.
نظام التحالفات العسكرية.
أعطت التحالفات القوى الأوروبية إحساسا بالأمن قبل الحرب العالمية الأولى، وكان كل قطر يسعى إلى عدم تشجيع أعدائه بالهجوم عليه بالدخول في اتفاقيات عسكرية مع بلد أو بلدان أخرى، فمثل هذه الاتفاقية تضمن مساعدة أعضاء التحالف لهذا القطر، لكن هذا النظام خلق أخطارًا معينة. إذ إن اندلاع الحرب يضطر أعضاء التحالف الأخرى إلى الدخول في الحرب، وهذا يعني أن عددا من الأمم سوف تشترك في القتال الذي لن يقتصر على الطرفين المتنازعين. وكان التحالف يعني أن يضطر بلد ما إلى أن يعلن الحرب ضد بلد آخر أو الدخول في شأن لايهمه. بالإضافة إلى ذلك فإن بنود كثير من التحالفات ظلت سرا، وكانت السرية من شأنها أن تزيد من فرص إساءة حكم البلد على نتائج أعماله.
التحالف الثلاثي.
كانت ألمانيا في قلب السياسة الأوروبية الأجنبية منذ سنة 1870م وحتى نشوب الحرب العالمية الأولى، حيث كون المستشار أوتو فون بسمارك رئيس وزراء ألمانيا سلسلة من التحالفات لتقوية أمن بلده، فبدأ بتحالف مع النسما ـ المجر. وفي سنة 1879م اتفقت ألمانيا والنمسا ـ المجر أن تشتركا في الحرب إذا ما هوجم أي بلد منهما من جانب روسيا، ثم انضمت إيطاليا إلى التحالف سنة 1882م، وأصبح هذا التحالف يعرف بالتحالف الثلاثي. اتفق أعضاء التحالف الثلاثي أن يساعد كل منهم الآخر في حال وقوع أي عدوان من بلدين أو أكثر.
ثم جعل بسمارك النمسا ـ المجر وألمانيا تدخلان في تحالف مع روسيا، وكان هذا التحالف الذي عرف بعصبة الأباطرة الثلاثة قد تكون سنة 1881م. اتفقت القوى الثلاث على أن تظل على الحياد إذا اشتركت واحدة منها في حرب مع قطر آخر. وحث بسمارك النمسا ـ المجر وروسيا المتنافستين حول النفوذ في البلقان بأن تعترف كل منهما بنفوذ الأخرى في المنطقة، ومن ثم قلل من شأن خطر الاحتكاك بين البلدين.
وساءت علاقات ألمانيا مع البلدان الأوروبية الأخرى بعد ترك بسمارك السلطة سنة 1890م. لقد عمل بسمارك على أن يَحُول بين فرنسا جارة ألمانيا في الغرب، وبين أن تتحالف مع دولة أخرى من جيران ألمانيا في الشرق أي مع روسيا والنمسا. وفي سنة 1894م اتفقت روسيا وفرنسا على تعبئة قواتهما إذا ما عبأت أمة أخرى من دول التحالف الثلاثي قواتها، كما اتفقت فرنسا وروسيا على أن تساعد كل منهما الأخرى إذا ما هوجمت إحداهما من جانب ألمانيا.
الوفاق الثلاثي.
اتبعت بريطانيا سياسة خارجية خلال القرن التاسع عشر عرفت بالعزلة المجيدة. لكن بناء ألمانيا لقواتها البحرية جعل بريطانيا تشعر بالحاجة إلى حلفاء، وأنهت بذلك عزلتها. وفي سنة 1904م سوت كل من فرنسا وبريطانيا خلافاتهما الماضية حول المستعمرات ووقَّعتا الاتفاق الودي. وعلى الرغم من أن الاتفاق لم يتضمن أية التزامات بمساعدة حربية، إلا أنَّ البلدين بدءا مناقشة خططهما الحربية المشتركة. وفي سنة 1907م انضمت روسيا إلى الحلف الودي وأصبح يعرف بالوفاق الثلاثي، ولم يرغم الوفاق الثلاثي أعضاءه أن يشتركوا في الحرب مثلما تضمن التحالف الثلاثي، لكن التحالفات قسمت أوروبا إلى معسكرات متنازعة.
بداية الحرب
اغتيال الأرشيدوق.
ظن الأرشيدوق فرانسيس فرديناند وريث عرش النمسا ـ المجر أن تعاطفه مع الصقالبة (السلافيين) سوف يقلل الاحتكاكات بين النمسا ـ المجر ودول البلقان. ولذلك قرر أن يطوف في البوسنة مع زوجته صوفي. وبينما الركب يطوف في سراييفو في 28 يونيو 1914م، قفز مسلح على سيارتهما وأطلق رصاصتين؛ على إثرهما مات فرديناند وزوجته في الحال، وكان القاتل جافريلو برنسيب ينتمي إلى عصابة صربية إرهابية تسمى اليد السوداء.
أعطى اغتيال فرانسيس فرديناند النمسا ـ المجر عذرًا لسحق صربيا عدوتها القديمة في البلقان. وحصلت النمسا على وعد من ألمانيا بمساعدتها في أي عمل تتخذه ضد صربيا، ثم أرسلت قائمة بطلبات مهمة لصربيا في 23 يوليو وقبلت صربيا معظم المطالب واقترحت أن تسوى المطالب الأخرى في مؤتمر دولي. ورغم ذلك رفضت النمسا ـ المجر العرض وأعلنت الحرب على صربيا في 28 يوليو وتوقعت نصراً سريعاً.
كيف انتشر الصراع ؟
اندفعت القوى الأوروبية إلى الحرب العالمية الأولى خلال أسابيع من قتل الأرشيدوق، وبذلت محاولات قليلة لمنع الحرب. فقد اقترحت بريطانيا مثلا مؤتمرا دوليا لإنهاء الأزمة، لكن ألمانيا رفضت الفكرة مدَّعية أن النزاع يخص النمسا ـ المجر وصربيا. ورغم ذلك فإن ألمانيا حاولت إيقاف الحرب ومنع انتشارها، فحث القيصر الألماني ولهلم الثاني قريبه القيصر نقولا الثاني قيصر روسيا على عدم تعبئة قواته.
وكانت روسيا من قبل قد تقاعست عن مساندة حليفتها صربيا. ففي سنة 1908م كانت النمسا قد أغضبت صربيا بضمها البوسنة والهرسك ووقفت روسيا محايدة. وفي سنة 1914م تعهدت روسيا أن تقف خلف صربيا، وحصلت روسيا على وعد بدعم من فرنسا، ووافق القيصر الروسي على خطط لتعبئة قواته على طول حدود روسيا مع النمسا ـ المجر، لكن القادة العسكريين الروس حثوا القيصر على أن يحشد قواته على طول الحدود مع ألمانيا أيضا، وفي 30 يوليو عام 1914م أعلنت روسيا أنها ستعبئ قواتها كاملة.
أعلنت ألمانيا الحرب على روسيا أول أغسطس 1914م رداً على التعبئة الروسية، وبعد يومين أعلنت ألمانيا الحرب على فرنسا، واكتسح الجيش الألماني بلجيكا في طريقه إلى فرنسا، وكان غزو بلجيكا المحايدة سببا في إعلان بريطانيا الحرب على ألمانيا في 4 أغسطس، ومنذ ذلك الحين وحتى نوفمبر 1918م حين انتهت الحرب، لم تبق سوى مناطق قليلة من العالم محايدة.
الجبهة الغربية.
أعد ألفرد فون شليفن خطة ألمانيا الحربية سنة 1905م، وكان شليفن رئيسا لهيئة أركان حرب الجيش الألماني، وهي المجموعة التي تعطي المشورة بشأن العمليات الحربية. كانت خطة شليفن تقضي أن تحارب ألمانيا كلا من فرنسا وروسيا، بهدف إلحاق هزيمة سريعة بفرنسا، بينما تكون روسيا في تعبئة بطيئة لقواتها، ثم تبدأ ألمانيا الضربة الأولى إذا ما بدأت الحرب. وإذا ما وضعت الخطة موضع التنفيذ، فإن نظام التحالفات العسكرية سوف يؤدي بالتأكيد إلى حرب أوروبية عامة.
كانت خطة فون شليفن ترى أن يكون لألمانيا جناحان يحاصران الجيش الفرنسي في شكل كَمَّاشة؛ فالجناح الأيسر الصغير سوف يدافع عن ألمانيا عبر حدودها مع فرنسا، أما الجناح الأيمن الأكبر فيغزو فرنسا عبر بلجيكا ثم يحاصر عاصمة فرنسا باريس، ثم يتحرك شرقاً. ومع تحرك الجناح الأيمن سوف تقع القوات الفرنسية في مصيدة الكمَّاشات. وكان نجاح هجوم ألمانيا يعتمد على جناح أيمن قوي، ورغم ذلك كان هلمون فون مولتكه، الذي أصبح رئيسا للأركان في سنة 1906م وأدار استراتيجية ألمانيا عند بدء الحرب العالمية الأولى، قد غير من خطة فون شليفن بتخفيض عدد قواته في الجناح الأيمن.
حارب الجيش البلجيكي بشجاعة، وقاوم الألمان لفترة قصيرة، وفي 16 أغسطس 1914م استطاع الجناح الأيمن أن يبدأ حركة كماشة وأرغم القوات الفرنسية وقوة صغيرة بريطانية على أن تتقهقر إلى جنوب بلجيكا، واكتسح فرنسا، لكن بدلا من أن يتجه غربا حول باريس طبقا للخطة فإن جزءًا من الجناح الأيمن اندفع لمطاردة القوات الفرنسية المنسحبة شرقا على نهر المارن، وكانت هذه المناورة من شأنها أن تترك الألمان معرضين لهجوم من الخلف.
وفي هذه الأثناء، فإن الجنرال جوزيف جوفر القائد العام لكل الجيوش الفرنسية ثبت قواته قرب نهر المارن شرقي باريس، واستعد للمعركة، وبدأ قتالاً شرسًا عرف بمعركة المارن الأولى في 6 سبتمبر، وفي 9 سبتمبر بدأت القوات الألمانية تنسحب.
كانت معركة المارن الأولى مفتاح النصر للحلفاء، لأنها أنهت آمال ألمانيا في هزيمة فرنسا سريعا، واستبدل بمولتكه إريخ فون فالكنهاين رئيسًا للأركان.
وتوقف انسحاب الجيش الألماني قرب نهر آين، حيث خاض الألمان والحلفاء سلسلة من المعارك التي أصبحت تعرف بالسباق نحو البحر. وسعت ألمانيا إلى السيطرة على موانئ على القنال الإنجليزي لتقطع خطوط المدد الحيوي بين فرنسا وبريطانيا، لكن الحلفاء أوقفوا تقدم الألمان نحو البحر في معركة إيبر الأولى في بلجيكا، واستمرت المعركة من منتصف أكتوبر حتى منتصف نوفمبر.
وفي أواخر نوفمبر 1914م وصلت الحرب إلى طريق مسدود على طول الجبهة الغربية لأن أحدا من الجانبين لم يمتلك أرضا أكثر، وامتدت جبهة القتال أكثر من 720كم عبر بلجيكا وشمال شرقي فرنسا إلى حدود سويسرا، واستمر التوقف في الجبهة الغربية نحو ثلاث سنوات ونصف.
الجبهة الشرقية.
مضت تعبئة روسيا أسرع مما كانت تتوقع ألمانيا، وفي أواخر أغسطس 1914م اندفع جيشان روسيان بعمق في الأراضي الألمانية في شرقي بروسيا، وعرف الألمان أن الجيشين أصبحا منفصلين فأعدوا خطة حربية، تمكنوا بها من محاصرة جيش روسي في معركة تاننبرج في 31 أغسطس ثم طاردوا الجيش الروسي الثاني في شرق بروسيا في معركة البحيرات الماسورية، وكانت خسائر الروس نحو 25 ألفا، مابين قتيل وجريح ومفقود في المعركتين، وجعلت المعركتان من بول فون هندنبرج وإريخ لودندورف أبطالاً.
أما النمسا ـ المجر فكان نجاحها أقل من نجاح حليفتها ألمانيا في الجبهة الشرقية. ففي نهاية عام 1914م هاجمت القوات النمساوية ـ المجرية صربيا ثلاث مرات، وألحقت بها الهزيمة في كل مرة، وفي هذه الأثناء حاصرت روسيا معظم إقليم جاليسيا في النمسا ـ المجر (وهو الآن جزء من بولندا والاتحاد السوفييتي السابق). وفي أوائل أكتوبر انسحب الجيش النمساوي ـ المجري المهزوم إلى أراضيه.
القتال في الأماكن الأخرى.
أعلن الحلفاء الحرب على الدولة العثمانية في نوفمبر 1914م بعد أن ضربت السفن التركية الموانئ الروسية على البحر الأسود، ثم غزت القوات التركية روسيا واندلع القتال بعد ذلك في الأراضي التابعة للدولة العثمانية في شبه الجزيرة العربية وأراضي الرافدين (العراق حاليا) وفلسطين وسوريا.
واستمرت بريطانيا مسيطرة على البحار بعد نصرين بحريين على ألمانيا في سنة 1914م، وجعل الإنجليز منذ ذلك الحين أسطول الألمان محصورا في مياههم معظم الحرب، ومن ثم اعتمدت ألمانيا على حرب الغواصات.
وسرعان ما امتدت الحرب العالمية الأولى إلى المستعمرات الألمانية فيما وراء البحار، وأعلنت اليابان الحرب على ألمانيا في آخر أغسطس 1914م وطردت الألمان من عدة جزر في المحيط الهادئ، أما قوات أستراليا ونيوزيلندا فقد سيطرت على المستعمرات الألمانية في المحيط الهادئ، وفي منتصف سنة 1915م سقطت معظم أملاك الإمبراطورية الألمانية في إفريقيا في يد القوات البريطانية. ورغم ذلك استمر القتال في الأملاك الألمانية في إفريقيا الشرقية (تنزانيا حاليا) لمدة عامين أو أكثر.
الجمود في الجبهة الغربية
في سنة 1915م حفر الجانبان المتصارعان سلسلة من الخنادق تعرجت على طول الجبهة الغربية، ومن الخنادق دافعا عن مواقعهما وابتدآ هجماتهما. وظلت الجبهة الغربية جامدة في حرب الخنادق حتى سنة 1918م.
حرب الخنادق.
طور كل من الحلفاء وقوات الوسط أسلحة جديدة أرادوا بها أن يكسروا الجمود، وفي أبريل 1915م نشر الألمان الغاز السام على خطوط الحلفاء في معركة إيبر الثانية، وسبب ذلك دخانا وغثيانا واختناقا، ولكن القادة الألمان كانت لديهم ثقة قليلة في الغاز، وفشلوا في انتهاز هذه الفرصة لشن هجوم أكبر. كذلك استخدم الحلفاء الغاز السام بعد ذلك بقليل، وأصبحت كمامات الغاز أداة حربية في الخنادق، كذلك كان قاذف اللهب سلاحا جديدا يقذف نفثة من اللهب المحترق.
يتبع >