أبو تقي الدّين
2012-11-03, 20:28
مع الشيخ الغزالي..
لم ألتق بالشيخ الغزالي وجها لوجه ..ومع ذلك فإنّني أعتبر نفسي أحد تلاميذه الذين تربّوا على فكره وفهمه للإسلام وقد قرأت معظم كتبه، وكانت البداية بكتابه ( فقه السيرة ) إذ طبع هذا الكتاب في أواسط الثمانينيات في الجزائر..
وكانت أوراقه صفراء وغير مجلّد الغلاف وقد رأيته في مكتبة المعصومة وأنا عائد من الثانويّة مساء، وكنت معتادا على المرور بها مساء قبل الذهاب إلى محطّة الحافلات والعودة إلى القرية، وذلك طلبا لجديد الكتب خصوصا الدينيّة منها أو الأدبيّة، وعندما رأيته تلقفته بلهفة وشوق كبير، ونظرت إلى ثمنه فوجدته مرتفعا قليلا ( 40 دينارا جزائريّا) لكنّه مقبول بالنسبة لطالب ثانوي ( مدمن مطالعة )، ولاحظت على غلافه أنّ الشيخ الغزالي - وكان حينها يدرّس بالجامعة الإسلاميّة بالجزائر- قد تبرّع بحقوق طبع الكتاب إلى القارئ الجزائري..
ولم أكن أحمل المبلغ كاملا معي فقررت العودة صباحا لشرائه، لكن المشكلة أنّ مكتبة المعصومة أحيانا تتأخر في فتح أبوابها فأضطر إلى الانتظار حتى المساء، أي إلى ما بعد انتهاء الدوام، ولا أذكر هل اشتريته صباحا أم مساء، لكنّني في النهاية عدت به إلى البيت والتهمته التهاما..
غير أنّه لم يبلّ الصدى الذي في نفسي للسيرة النبويّة، إذ كنت آمل أن أجد فيه كثيرا من وقائع السيرة، فوجدت فيه فعلا كما سمّاه صاحبه ( فقه السيرة ).. فكر وتأمّل وفهم وتحليل، فوائد جمّة وأفكار عظيمة لكنّها لا تشبع حاجة طالب علم لم يحط بالسيرة بعد خبرا..
وكان كتاب الشيخ الغزالي رحمه الله ( فقه السيرة ) هو الذي قادني إلى ( فقه السيرة ) للدكتور رمضان البوطي إلا أنّه كان أقلّ تأثيرا في نفسي من ( فقه السيرة للشيخ الغزالي) وإن اختلفت طريقة العرض والتحليل، فالأوّل يعتمد على الأسلوب الأدبي المدبّج بالحجة والمنطق العقليّ، والثاني يعتمد المنهج العلمي الأكاديميّ الذي يضح المقدّمات ويصل إلى النتائج البديهيّة، ولم يبلّ كلاهما صدى نفسي للسيرة النبويّة إلى أن قرأت بعد ذلك ( سيرة ابن هشام ) كاملة في أربعة مجلّدات فأحسست بنوع من الرّضا..ولكن ما زال الشوق قائما والحنين متوقدا لسيرة خير البشر..
وكان لي بعد ذلك كتاب واحد على الأقل في السيرة أقرأه كلّ عام، ودأبت على ذلك سنين عددا إلى أن أوغلت فيها إيغالا واستظهرت معظم أحداثها عن ظهر قلب..وألفت فيها كتاب ( هذا نبيّك يا بنبيّ ) للأطفال..
قبل أن أبدأ بقراءة كتب الشيخ محمّد الغزالي تعرّفت عليه من خلال ملتقى الفكر الإسلامي الذي كان يعقد بالجزائر، وذلك عندما تابعت محاضرة له بثت على القناة الوطنيّة فأذهلني أسلوبه الخطابي وطريقته في عرض الفكر الإسلامي ، وكانت تلك هي المرّة الأولى التي أتابع فيها محاضرة يلقيها صاحبها عفو الخاطر ، دون أن يستعين بورقة أمامه يتهجى منها كما ألفنا مشايخنا – من قبل – في قناتنا الجزائريّة..
وكان له بعد هذه المحاضرة درس أسبوعيّ يلقيه مساء كلّ يوم اثنين، ولم يكن عندنا تلفاز بالبيت فكنت أذهب إلى دكان قريب من بيتنا ، به تلفاز وأشاهد ذلك الدّرس الأسبوعي الرائع، ولا أذكر أنّه فاتني يوما فقد كنت حريصا عليه كلّ الحرص، ومن يومها صرت تلميذا في غير مدرسة ( !! ) للشيخ الغزالي – رحمه الله - وجعلت أتتبع أيضا مقالاته وبعض فتاويه التي تنشر في جريدة ( النصر )..وأذكر أنّه كان عندنا شيخ بدوي يتكلّم العامية كأنما يتكلم الفصحى، فدخل مرّة الدّكان أثناء درس الشيخ الغزالي فنظر إليه بهيئته الأزهريّة، فأعجبه فقال:
-إيه.. هذا الشيخ عليه طلعة باهية ..
ولا يخفى على أحد صدق تعبير هذا البدوي الذي يتكلّم على السّليقة، وكذلك فصاحته فعبارته تكاد تكون فصيحة مئة بالمئة..مع تصحيح كلمة ( باهية ) فقط لتصبح بهيّة..إنّه نور العلم وإشعاع الإيمان يضفيه ربّي على العلماء فيبهر الأبصار ويدهش القلوب..
ومنذ أن عثرت على كتابه ( فقه السيرة ) صرت أنقب عن كتبه الأخرى، وأقرأها في وقت قيّاسي.. وقد قرأت كلّ كتبه التي طبعت في الجزائر وبعض الذي طبع في غيرها مما وصلت إليه يدي، ومعظمها تنازل رحمه الله عن حقوقه فيها لمصلحة القارئ في الجزائر.. قرأت ( فقه السيرة ) كما سبق وأن ذكرت وقرأت ( مشكلات في طريق الحياة الإسلاميّة )، و( ظلام من الغرب ) والذي شنّ فيه حملة شديدة على طه حسين وهو محق في كلّ ما قاله ، وذكر أنّه سمع أنّ طه حسين ذهب إلى الحج في آخر أيّامه وبكى عند الكعبة ، وتاب إلى الله ورجع عن كلّ ما بدر منه مما يسيء للإسلام.. وقرأت أيضا ( قذائف الحق ) طبعة الكويت ثمّ طبعة الجزائر والذي تحدّث فيه عن الإخوان المسلمين وسجون عبد الناصر، وكتاب ( الزحف الأحمر ) الذي كان ممنوعا كما سمعت في عدّة بلدان عربيّة، وقيل أنّه طبع في الجزائر ثمّ سرعان ما سحبت نسخه.. وكتاب ( فنّ الذكر والدعاء )..و( حصاد الغرور )..وغيرها كثير..
إلا أنّ الكتاب الذي قرأته بشيء من الريبة والحذر – رغم تعلقي الشديد بالشيخ الغزالي –هو كتاب ( كيف نتعامل مع القرآن )، فقد أثار هذا الكتاب ضجة كبيرة وجدلا واسعا لاسيما من التيار السلفي، الذي كان لا يحبّ الشيخ الغزالي وينعته بأبشع الصفات، وكان الشيخ الغزالي – رحمه الله – عنيفا عليهم لا يهادنهم أبدا ، وكان يرى أنّهم الخطر الذي يهدّد الإسلام من داخله.. وكثيرا ما كان يسميهم في كتبه ومقالاته(أصحاب الفقه البدوي )، ولعلّه بالغ بعض الشيء في ذلك.. وربما كان يقول ذلك في فورات الغضب ، خصوصا أنّه أعطى كتابه ( فقه السيرة ) للشيخ الألباني ليعلق على أحاديثه ، احتراما لتخصصه وتفوّقه في علم الحديث.. وإنّما يعبر ذلك عن قمّة الاحترام للرأي المخالف..
وما أعجبني في الشيخ الغزالي تواضعه وحكمته وفصاحته التي لا تكاد تجد فيها تلجلجا أو تعتعة، فقد كان إذا خطب كالسّيل الذي يهدر هدرا في غير انفعال ولا توتر، وأذكر أنّه قال يوما عن الشيخ يوسف القرضاوي: الشيخ القرضاوي كان تلميذي ثمّ صار صديقي وبعد ذلك صرت تلميذه..
لم ألتق بالشيخ الغزالي وجها لوجه ..ومع ذلك فإنّني أعتبر نفسي أحد تلاميذه الذين تربّوا على فكره وفهمه للإسلام وقد قرأت معظم كتبه، وكانت البداية بكتابه ( فقه السيرة ) إذ طبع هذا الكتاب في أواسط الثمانينيات في الجزائر..
وكانت أوراقه صفراء وغير مجلّد الغلاف وقد رأيته في مكتبة المعصومة وأنا عائد من الثانويّة مساء، وكنت معتادا على المرور بها مساء قبل الذهاب إلى محطّة الحافلات والعودة إلى القرية، وذلك طلبا لجديد الكتب خصوصا الدينيّة منها أو الأدبيّة، وعندما رأيته تلقفته بلهفة وشوق كبير، ونظرت إلى ثمنه فوجدته مرتفعا قليلا ( 40 دينارا جزائريّا) لكنّه مقبول بالنسبة لطالب ثانوي ( مدمن مطالعة )، ولاحظت على غلافه أنّ الشيخ الغزالي - وكان حينها يدرّس بالجامعة الإسلاميّة بالجزائر- قد تبرّع بحقوق طبع الكتاب إلى القارئ الجزائري..
ولم أكن أحمل المبلغ كاملا معي فقررت العودة صباحا لشرائه، لكن المشكلة أنّ مكتبة المعصومة أحيانا تتأخر في فتح أبوابها فأضطر إلى الانتظار حتى المساء، أي إلى ما بعد انتهاء الدوام، ولا أذكر هل اشتريته صباحا أم مساء، لكنّني في النهاية عدت به إلى البيت والتهمته التهاما..
غير أنّه لم يبلّ الصدى الذي في نفسي للسيرة النبويّة، إذ كنت آمل أن أجد فيه كثيرا من وقائع السيرة، فوجدت فيه فعلا كما سمّاه صاحبه ( فقه السيرة ).. فكر وتأمّل وفهم وتحليل، فوائد جمّة وأفكار عظيمة لكنّها لا تشبع حاجة طالب علم لم يحط بالسيرة بعد خبرا..
وكان كتاب الشيخ الغزالي رحمه الله ( فقه السيرة ) هو الذي قادني إلى ( فقه السيرة ) للدكتور رمضان البوطي إلا أنّه كان أقلّ تأثيرا في نفسي من ( فقه السيرة للشيخ الغزالي) وإن اختلفت طريقة العرض والتحليل، فالأوّل يعتمد على الأسلوب الأدبي المدبّج بالحجة والمنطق العقليّ، والثاني يعتمد المنهج العلمي الأكاديميّ الذي يضح المقدّمات ويصل إلى النتائج البديهيّة، ولم يبلّ كلاهما صدى نفسي للسيرة النبويّة إلى أن قرأت بعد ذلك ( سيرة ابن هشام ) كاملة في أربعة مجلّدات فأحسست بنوع من الرّضا..ولكن ما زال الشوق قائما والحنين متوقدا لسيرة خير البشر..
وكان لي بعد ذلك كتاب واحد على الأقل في السيرة أقرأه كلّ عام، ودأبت على ذلك سنين عددا إلى أن أوغلت فيها إيغالا واستظهرت معظم أحداثها عن ظهر قلب..وألفت فيها كتاب ( هذا نبيّك يا بنبيّ ) للأطفال..
قبل أن أبدأ بقراءة كتب الشيخ محمّد الغزالي تعرّفت عليه من خلال ملتقى الفكر الإسلامي الذي كان يعقد بالجزائر، وذلك عندما تابعت محاضرة له بثت على القناة الوطنيّة فأذهلني أسلوبه الخطابي وطريقته في عرض الفكر الإسلامي ، وكانت تلك هي المرّة الأولى التي أتابع فيها محاضرة يلقيها صاحبها عفو الخاطر ، دون أن يستعين بورقة أمامه يتهجى منها كما ألفنا مشايخنا – من قبل – في قناتنا الجزائريّة..
وكان له بعد هذه المحاضرة درس أسبوعيّ يلقيه مساء كلّ يوم اثنين، ولم يكن عندنا تلفاز بالبيت فكنت أذهب إلى دكان قريب من بيتنا ، به تلفاز وأشاهد ذلك الدّرس الأسبوعي الرائع، ولا أذكر أنّه فاتني يوما فقد كنت حريصا عليه كلّ الحرص، ومن يومها صرت تلميذا في غير مدرسة ( !! ) للشيخ الغزالي – رحمه الله - وجعلت أتتبع أيضا مقالاته وبعض فتاويه التي تنشر في جريدة ( النصر )..وأذكر أنّه كان عندنا شيخ بدوي يتكلّم العامية كأنما يتكلم الفصحى، فدخل مرّة الدّكان أثناء درس الشيخ الغزالي فنظر إليه بهيئته الأزهريّة، فأعجبه فقال:
-إيه.. هذا الشيخ عليه طلعة باهية ..
ولا يخفى على أحد صدق تعبير هذا البدوي الذي يتكلّم على السّليقة، وكذلك فصاحته فعبارته تكاد تكون فصيحة مئة بالمئة..مع تصحيح كلمة ( باهية ) فقط لتصبح بهيّة..إنّه نور العلم وإشعاع الإيمان يضفيه ربّي على العلماء فيبهر الأبصار ويدهش القلوب..
ومنذ أن عثرت على كتابه ( فقه السيرة ) صرت أنقب عن كتبه الأخرى، وأقرأها في وقت قيّاسي.. وقد قرأت كلّ كتبه التي طبعت في الجزائر وبعض الذي طبع في غيرها مما وصلت إليه يدي، ومعظمها تنازل رحمه الله عن حقوقه فيها لمصلحة القارئ في الجزائر.. قرأت ( فقه السيرة ) كما سبق وأن ذكرت وقرأت ( مشكلات في طريق الحياة الإسلاميّة )، و( ظلام من الغرب ) والذي شنّ فيه حملة شديدة على طه حسين وهو محق في كلّ ما قاله ، وذكر أنّه سمع أنّ طه حسين ذهب إلى الحج في آخر أيّامه وبكى عند الكعبة ، وتاب إلى الله ورجع عن كلّ ما بدر منه مما يسيء للإسلام.. وقرأت أيضا ( قذائف الحق ) طبعة الكويت ثمّ طبعة الجزائر والذي تحدّث فيه عن الإخوان المسلمين وسجون عبد الناصر، وكتاب ( الزحف الأحمر ) الذي كان ممنوعا كما سمعت في عدّة بلدان عربيّة، وقيل أنّه طبع في الجزائر ثمّ سرعان ما سحبت نسخه.. وكتاب ( فنّ الذكر والدعاء )..و( حصاد الغرور )..وغيرها كثير..
إلا أنّ الكتاب الذي قرأته بشيء من الريبة والحذر – رغم تعلقي الشديد بالشيخ الغزالي –هو كتاب ( كيف نتعامل مع القرآن )، فقد أثار هذا الكتاب ضجة كبيرة وجدلا واسعا لاسيما من التيار السلفي، الذي كان لا يحبّ الشيخ الغزالي وينعته بأبشع الصفات، وكان الشيخ الغزالي – رحمه الله – عنيفا عليهم لا يهادنهم أبدا ، وكان يرى أنّهم الخطر الذي يهدّد الإسلام من داخله.. وكثيرا ما كان يسميهم في كتبه ومقالاته(أصحاب الفقه البدوي )، ولعلّه بالغ بعض الشيء في ذلك.. وربما كان يقول ذلك في فورات الغضب ، خصوصا أنّه أعطى كتابه ( فقه السيرة ) للشيخ الألباني ليعلق على أحاديثه ، احتراما لتخصصه وتفوّقه في علم الحديث.. وإنّما يعبر ذلك عن قمّة الاحترام للرأي المخالف..
وما أعجبني في الشيخ الغزالي تواضعه وحكمته وفصاحته التي لا تكاد تجد فيها تلجلجا أو تعتعة، فقد كان إذا خطب كالسّيل الذي يهدر هدرا في غير انفعال ولا توتر، وأذكر أنّه قال يوما عن الشيخ يوسف القرضاوي: الشيخ القرضاوي كان تلميذي ثمّ صار صديقي وبعد ذلك صرت تلميذه..