الجلفة إنفو للأخبار - البعد الحضاري لقضية التعريب
الرئيسية | التغيير | البعد الحضاري لقضية التعريب
البعد الحضاري لقضية التعريب
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية؛ يحق لنا أن نتساءل عن مصير ترسانة من النصوص القانونية التي شكلت في مجملها السياسة العامة للتعريب، التي اتخذتها الدولة عبر مراحل ثلاث، وارتدت عنها الإدارة في كل مرّة؛ وعن تفاعلنا كمواطنين مع القضية، باعتبار اللغة العربية أحد مكونات الهوية الوطنية للأمة الجزائرية رفقة الإسلام والأمازيغية.

لأنّ جميعنا يدرك أنه سواء تعلّق الأمر بالمناوئين للتعريب أو المؤيدين له؛ فإنّ جماعات الضغط واللوبيات في الجزائر تستخدم اللغة سلاحاً لاعتلاء مواقع النفوذ، سواء كانت تلك اللغة هي العربية أو الفرنسية – لأنّه لم تتشكّل بعد قوّة أو إجماع على لغة (أو لهجة) أمازيغية منافسة للعربية – ما يعني اعتلاء المناصب السياسية والإدارية والتمركز الاجتماعي والهيمنة الثقافية والاحتكار الاقتصادي.

وأنه مثلما يشوب التوجس من التعريب الذي تتبناه وجهة النظر الفرانكفونية شبهة الاستحواذ على السلطة ونبذ الآخر وإقصاء الطاقات؛ يشوب التحمّس له من وجهة النظر المعرّبة نقص الكفاءة والتحكم والانعدام في الثقة بالنفس؛ حيث أثبتت الممارسات العملية أنّ تركيبة طرفي الصراع، لاسيما المنتسبين إلى الإدارة الجزائرية تضمّ نخبتين متمايزتين؛ إحداهما متغربة أو مفرنسة على وجه الخصوص بما فيهم دعاة "النزعة البربرية"، وهي تعمل أكثر مما تتكلم، للحفاظ على المكتسبات التي حقّقتها بتغييب اللغة العربية، وتساهم بجدية في احتكار مواقع النفوذ؛ بينما تنقسم النخبة الثانية إلى فئتين؛ أقلية تحاول النهوض بالتعريب باعتباره مؤشر وحدة ورمز هوية، وتبذل ما في وسعها لاسترجاع مكانة اللغة العربية في كافة ميادين النشاط في المجتمع؛ وأغلبية تراوح مكانها مردّدة عبارات الأسف والسخط على الوضع الذي آلت إليه اللغة العربية، نتيجة عدم تحكمهم في لغات غيرها، أو لتعارض مصالحهم – ولو آنيا – مع توجهات النخبة المفرنسة، وينتظرون الفرصة السانحة للانقضاض على مكتسبات هذه الأخيرة باسم العروبة.

أما لدى النخبة الواعية فإنه يجب أن ينظر للتعريب باعتباره مشروعا حضاريا، يرتبط مثلما يراه د.عبد الله شريط ارتباطا وثيقا بهوية الأمة ويجمعها حول تاريخها وواقعها ومصيرها، ويعطي بمعناه الأشمل تلك الهوية مضمونها الحضاري المعاصر، ويُعينها على كسر طوق التخلّف، والتحرّر من جميع أنواع التبعيات، والانتقال إلى تحقيق المماثلة للمجتمعات الأخرى، وفي الحالات الأكثر طموحا؛ تحقيق المشاركة التي تفرض تقدما موازيا لا متتابعا، وهي الغاية التي طمح إلى تحقيقها الأستاذ مالك بن نبي – رحمه الله – حينما طرح فكرته الأفروآسيوية على طول المحور جاكرتا – طنجة.

وعليه فإن التعريب يشمل بالمعنى الذي يراد هنا، ما عبّر عنه د. محي الدين صابر بالقول: « كل ما يستوعبه المجتمع، وكل ما يتلقاه بصورة من صور التلقي الفكري والمادي من أهداف وقيم ووسائل، للانطلاق منه كواقع جديد للتفاعل الجدلي، إنتاجا وعلاقات وتأثيرا، أخذا وعطاء، وبصفة عامة رؤية متكاملة للحياة، وقدرة ذاتية على ممارستها »، ممّا يوسع دائرة التعريب ليشمل كافة الفئات من عمّال وموظفين وإداريين وفنيين، وحتى المستهلكين أنفسهم، للاشتراك في خلق المناخ العلمي وامتلاك القدرة العلمية، التي لا يستوعبونها إلا في إطار لغتهم؛ ولا أدل هاهنا على هذا الأمر من المثال التقليدي في هذا المقام، الذي وصلت التجربة اليابانية بواسطته إلى تلك المكانة الحضارية، « ..لا لأنّ أسلافهم كانوا أوربيين من أثينا أو روما، ولا لأن لغتهم كانت اللغة الأولى أو الثانية في العالم، ولكن لأنهم استطاعوا استيعاب المعرفة العالمية استيعابا اجتماعيا، فجعلوها نسيجا من الحياة اليابانية، ثم انطلقوا يبدعون فيها مع احتفاظهم بقوام حياتهم الاجتماعية»، وهو ما يفسر تلك الواقعة التي يرويها في حقهم د.أحمد بن نعمان نقلا عن الكاتب أحمد بهاء الدين في جريدة الأهرام في سياق حديثه عن ضرورة التوازن بين كل من التقدم الفكري والمادي، فيقول: «... منذ أكثر من عشرين عاما، تعرفت على الملحق الصحفي الشاب بسفارة اليابان بالقاهرة، وعرفت منه أنه يواظب على حضور حصص اللغة العربية في مدرسة المنيرة الثانوية.. فدهشت وقلت له: إن هناك وسائل أخرى أسهل لتعلم اللغة العربية بالنسبة له.. فقال لي: إنّه مكلّف بمهمّة أخرى محددة (زيادة عن العمل الدبلوماسي) وهي دراسة اللغة العربية دراسة دقيقة عميقة، تمكِّنه من أداء غاية معينة بعد سنوات وهي: ترجمة كتاب "مقدّمة ابن خلدون" إلى اللغة اليابانية »، حرصا منهم على نقل المعرفة من الخاصّة الذين بإمكانهم مطالعة الكتاب بإحدى ترجماته الإنجليزية أو الألمانية أو الفرنسية، إلى عامّة المثقفين الذين ليس من الواجب عليهم أن يجيدوا اللغات الأجنبية لقراءة المقدمة، وإن كان من الحتمي عليهم إجادة لغتهم اليابانية التي يلقّحونها بكل جديد لتستوعب الحضارة العالمية، وتُعبّر عن المستحدثات من الأشياء التي يخترعها العقل الياباني كل يوم ليُصدِّرها إلى عالمنا الاستهلاكي...

وتعتبر كتابات مالك بن نبي، من أولى المحاولات الجادة النّادرة التي ربطت بين الخصوصية العربية-الإسلامية ومتطلبات التنمية في بلد مثل الجزائر، وفي كافة البلدان العربية والإسلامية، الذي عمِد بواسطتها إلى تحليل دقيق للوضعية التي يتجاوز فيها جهد الأفراد الثقافي هدف الحاجة الفردية، وطرَح شروط النهضة مستصحبًا في كل مرحلة قوله تعالى: ﴿ إنّ الله لا يُغيِّر ما بقومٍ حتى يغيِّروا ما بأنفسهم ﴾، وقطَع الطريق على المتحججين بنتائج الاستعمار في كافة تصرفاتهم، وكأنّ قدرهم المحتوم البقاء على الأوضاع التي يجدون دعة في عدم بذل جهد لتغييرها، بل إن بعضهم يتمنى بقائها لأن في زوالها مخالفة لمصالحهم الآنية، وهو ما عبّر عنه رحمه الله في نظريته حول القابلية للاستعمار.

وفي المقابل، ينعكس الوعي الحضاري على فعالية تنفيذ سياسة التعريب في الإدارات الجزائرية، فبعد الوفاء بمتطلبات تغيير النفس، تتطلب تلك الفعالية المبادرة للتفاعل مع الآخر بثقة القدرة على هذا التفاعل الحضاري، لا الإقصائي ولا التهميشي، الذي لا بديل لمثل تلك السياسة عن كسب قضيتها والانتصار فيها..

عدد القراءات : 1024 | عدد قراءات اليوم : 5

       مقالات الرأي و تعليقات القرّاء المنشورة بجريدة " الجلفة إنفو " لا تعبّر بالضرورة عن رأي الجريدة، إنما تعبّر عن رأي كاتبها فقط .

التعليقات :
(3 تعليقات سابقة)

مواطن
(زائر)
8:36 19/12/2017
التضييق على اللغة العربية ، وعلى طرح الامازيغية وهي ليست موحدة في المضمون جهة القبايل جهة الشاوية جهة الميزابية ، هذا من جهة ومن جهة اخري لايحبذ الكثير كتابة احرفها بالعربية ؟ وامام هذا وذاك تزداد اللغة الفرنسية تجذرا وتطمين فرنسا بانها مازالت تستعمرنا فكرا ولسانا ، والعربية لغة القران الكريم ولغة عالمية ومازالت لم تجد نفسها، فمابال الامازيغية ذات الالوان داخل البلد الواحد، ثم ان العربية هي من شخصيتنا فالمتمسكون بتطويرها سلبيين ومعقدين من الاعتزاز بها ارفع راسك كما قالها رئيس الجمهورية ، وشكرا الدكتور عسالي ، وليت المجتمع المدني يكون فعلا مجتمع بمعنى الكلمة، وتحية للجلفة انفو في سياستها البعيدة عن التملق,
مواطن متفائل
(زائر)
18:48 20/12/2017
كلما حورب هذا الدين ازداد انتشارا وبسط ظله على كل العالم ..
وكلما حوربت العربية كلما انتشرت وزاد المدافعون عنها .. العربية وجدت لتعيش وتنتشر وتتمدد ..
الغربيون يدفعون المال ليتعلموها .. ومنذ أن أعلنت الحكومات المتعاقبة في واشنطن الحرب على العرب واللغة العربية في إنتشار غير مسبوق ( قنوات .صحف . حوارات. شبكات إعلامية.وسائل تواصل اجتماعي..)
الدين الإسلامي والعربية مرتبطان إلى الأبد.. أوروبا حاربت المسلمين وضيقت عليهم فامتلأت شوارعها بالمصلين و انتشر تدريس العربية في كل اقبيتها..
سنوات قليلة وسيصبح العالم كله ثنائي اللغة ..
اللغة الأولى هي ا ب ت ث ج ح ...
اللغة الثانية هي 0110011100 ..
ع.ب.مسعودي
(زائر)
15:44 21/12/2017
الآية الكريمة التي حملتها الصور ، أبلغ تعبير على ما يجب أن يكون . شكرا أخي العسالي على هذا المقال .

https://www.echoroukonline.com/ara/articles/543538.html

أضف تعليقك كزائر

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote
اختر لست برنامج روبوت لكي تستطيع اضافة التعليق

مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (سورة ق، 18)

سياسة نشر التعليقات في موقع الجلفة إنفو للأخبار

تتيح جريدة "الجلفة إنفو" الإلكترونية للقراء الكرام إمكانية التفاعل مع الأخبار والمقالات المدرجة من خلال التعليق

على المواد المنشورة، و إذ نرحب بتعليقات القراء، نرجو من المشاركين التحلي بالموضوعية وتجنب الاساءات الشخصية

والقبلية، وتحتفظ بحقها في نشر أو عدم نشر أي تعليق لا يستوفي الشروط أدناه، وتشير إلى أن كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من

الأشكال عن آراء فريقها الصحفي وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

و يرجى بذلك الإلتزام بالقواعد التالية:

1- التعليق يجب أن يكون على المادة المنشورة فقط، ولا ينشر أي تعليق يتعلق بموضوع آخر منشور،

2- يهمل كل تعليق يضم شتائم أو ألفاظ خارجة عن إطار الآداب العامة و الدين الإسلامي الحنيف و أعراف مجتمعنا، أو يطال بالقدح والذم والتشهير شخصيات بعينها أو هيئات رسمية،

3- يهمل كل تعليق يتضمن هجوم شخصي وغير مبرر على أفراد محددين بالاسم لهم أو ليس لهم علاقة بالمواد المنشورة،

4- تهمل جميع التعليقات التي تتعرض للكاتب أو صاحب المساهمة باسمه أو لشخصه،

5- تعتذر إدارة الجريدة عن نشر أية تعليقات تتضمن تفاصيل عن شخصيات وأسماء أو أية معلومات لا تخدم المادة المنشورة،

6- لضمان ظهور التعليقات بشكل أسرع يرجى تفادي الإطالة في التعليقات، ويمكن للمداخلات الطويلة أن ترسل عبر البريد الإلكتروني ليتم نشرها كبريد للقراء،

7- تحتاج التعليقات لموافقة المحرر المشرف قبل ظهورها، وقد تحتاج بعض الوقت للظهور لذلك يرجى عدم ارسال التعليق أكثر من مرة،

لكي لا يُهمل التعليق، يرجى الكتابة بلغة عربية فصيحة

نرجو من السادة متصفحي الجريدة الأعزاء التقيد بالقواعد التي أوردناها، وضبط التعليقات بما يتفق مع شروط النشر، ونأسف مسبقا لعدم نشر أية تعليقات تخالف القواعد المبينة أعلاه.

ملاحظات:

  • لإدارة الموقع الحرية الكاملة في اختيار التعليقات ونشرها وحذف كل ما تراه لا يتفق مع الشروط الواردة أعلاه ، ونؤكد على أن إرسال التعليق لا يعني على الإطلاق إلزام إدارة الموقع بنشره،
  • *تتمنى إدارة الموقع من المتصفحين الأعزاء ذكر الاسم الحقيقي في التعليق و تجنب الأسماء المستعارة..
  • * بالنسبة للردود الرسمية يرجى إرسال نسخة من الرد (مع الوثائق الثبوتية) إلى البريد الالكتروني للإدارة وإلا فلن يأخذ الرد بعين الاعتبار ولن يعترف الموقع على مضمونه،
  • * تهمل التعليقات المرسلة كملاحظات إلى إدارة التعليقات، وفي حال وجود شكوى يمكن مراسلة الموقع على البريد الإلكتروني. بريد إدارة الموقع djelfa.info@gmail.com
المجموع: 3 | عرض: 1 - 3

التسجيل في تتبع التعليقات التعليقات :
(3 تعليقات سابقة)

ع.ب.مسعودي (زائر) 15:44 21/12/2017
الآية الكريمة التي حملتها الصور ، أبلغ تعبير على ما يجب أن يكون . شكرا أخي العسالي على هذا المقال .

https://www.echoroukonline.com/ara/articles/543538.html
مواطن متفائل (زائر) 18:48 20/12/2017
كلما حورب هذا الدين ازداد انتشارا وبسط ظله على كل العالم ..
وكلما حوربت العربية كلما انتشرت وزاد المدافعون عنها .. العربية وجدت لتعيش وتنتشر وتتمدد ..
الغربيون يدفعون المال ليتعلموها .. ومنذ أن أعلنت الحكومات المتعاقبة في واشنطن الحرب على العرب واللغة العربية في إنتشار غير مسبوق ( قنوات .صحف . حوارات. شبكات إعلامية.وسائل تواصل اجتماعي..)
الدين الإسلامي والعربية مرتبطان إلى الأبد.. أوروبا حاربت المسلمين وضيقت عليهم فامتلأت شوارعها بالمصلين و انتشر تدريس العربية في كل اقبيتها..
سنوات قليلة وسيصبح العالم كله ثنائي اللغة ..
اللغة الأولى هي ا ب ت ث ج ح ...
اللغة الثانية هي 0110011100 ..
مواطن (زائر) 8:36 19/12/2017
التضييق على اللغة العربية ، وعلى طرح الامازيغية وهي ليست موحدة في المضمون جهة القبايل جهة الشاوية جهة الميزابية ، هذا من جهة ومن جهة اخري لايحبذ الكثير كتابة احرفها بالعربية ؟ وامام هذا وذاك تزداد اللغة الفرنسية تجذرا وتطمين فرنسا بانها مازالت تستعمرنا فكرا ولسانا ، والعربية لغة القران الكريم ولغة عالمية ومازالت لم تجد نفسها، فمابال الامازيغية ذات الالوان داخل البلد الواحد، ثم ان العربية هي من شخصيتنا فالمتمسكون بتطويرها سلبيين ومعقدين من الاعتزاز بها ارفع راسك كما قالها رئيس الجمهورية ، وشكرا الدكتور عسالي ، وليت المجتمع المدني يكون فعلا مجتمع بمعنى الكلمة، وتحية للجلفة انفو في سياستها البعيدة عن التملق,
المجموع: 3 | عرض: 1 - 3
أدوات المقال طباعة- تقييم
5.00
image
email أرسل إلى صديق
print طباعة المقال Plain text نسخة نصية كاملة
آخر الأخبار
كاريكاتير كاريكاتير
منطقة الأعضاء منطقة الأعضاء
تسجيل عضوية جديدة

Connect with facebook

آخر التعليقات