الجلفة إنفو للأخبار - الحُلي التقليدية النايلية ... موروث يطل على نافذة الأصالة
الرئيسية | تراث و آثار | الحُلي التقليدية النايلية ... موروث يطل على نافذة الأصالة
نفحات من عمق تراثنا ... الحلقة الثانية
الحُلي التقليدية النايلية ... موروث يطل على نافذة الأصالة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

تعتبر الصناعات التقليدية جزء مهما في الحياة الثقافية، الفنية والمادية ضمن تراثنا الشعبي وارتباطها الأزلي بمختلف أوجُه الحياة المتنوعة والمتعددة جعلها تكتسب هذه الأهمية، كما أنها تُعد من الصناعات العريقة والقديمة التي مارسها ولا يزال يمارسها الإنسان، اذ تركت بصماتها الواضحة على كل حضارة عبر مختلف الحقب والأماكن، ومن أبرز الصناعات العريقة التي تحمل قيمة روحية وجمالية نجد صناعة الحُلي التي تجلب الأنظار في مهارة صنعها، وتداعب القلب بجمال شكلها وجودة مادتها، وتبهر العين ببريقها وزهو ألوانها.

والجلفة عاصمة أولاد نايل تحتوي على القسط الأوفر من تراث بلاد الجزائر بحكم المكان الجغرافي  الذي تمتاز به والذي يتوسط الوطن وانتمائها إلى المجتمعات البدوية بأصولها العربية، بقيت محافظة على موروثها الشعبي الممتد إلى قرون عدّة، وتفرّدت بقطع تختلف عن باقي ولايات الوطن وحتى شبه الجزيرة العربية وشمال إفريقيا، تميّزت بالإتقان والجودة العالية ابتكرها حرفيوها ورافقت هويتهم الثقافية، صنعوها من الفضة لتتسم بالصلابة والجمال البدائي، وتتصف بالانسجام في الأشكال المتواضعة غير المعقدة.

حُلي المرأة النايلية من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها 

اهتمت المرأة النايلية بزينتها واشتهرت بحبها للمجوهرات والحلي منذ القديم، فاكتسبتها للتزيين والمفاخرة و ادخّرتها للنّوازل والشّدائد تصديقاً للمثل الشعبي المعروف "الحدايد للشدايد" والحدايد في موروثنا اللغوي المحلي هم الاساور أو كما يسمون بمناطق أخرى من الجزائر "المسايس" أو "المقاوس".

 ولاشتمام رائحة الماضي ومعرفة  جميع  الحلي التي كانت تتزين بها المرأة النايلية تنقلنا إلى محل عمي " بلخضر شولي" الجامع للحلي التقليدي النايلي والذي يعمل على إحياء ما جمد من تراث ثقافي في المنطقة يكشف عن تقنيات صُنع ظلّت على رونقها العتيق دون تغيير تُعبر  بصدق عن وجود منتوج متشبع برسالة ثقافية تعكس الوزن الحقيقي للتراكم الثقافي والتراث الحضاري الذي خلقته الأجيال السابقة.

ويعددها لنا قائلا: كانت المرأة النايلية تتزين من أعلى رأسها إلى أسفل قدميها وبداية بالأجزاء الخاصة بالرأس فلبست النايلية "الناّصية" على جبينها متزيّنة بريش النّعام لكي تزداد رفعة ووقار، كما لبست "التعصيبة "وهي شكل آخر من الحلي عبارة عن شريط به رعاشات متدلية،  و بالأذنين تحلّت النايلية بأقراط متنوعة الاشكال والأسماء ومن بينها "الونايس" وهي سلك دائري في طرفه قبّة مشكّلة من خيوط مفتولة وغالبا ما تلبس سبع زويجات مرة واحدة تُربط بسلسلة على عمامة الرأس، وللاستدلال على ذلك لعلنا نرجع الى عملاق الطرب البدوي "خليفي احمد" رحمه الله عندما يقول في اغنية له "يا أم العلالق سبعة "، كما تلبس المشاريف وغيرها من الاقراط، هذا ويرجع استعمال الأقراط الطويلة والكبيرة الحجم لإطالة عنق المرأة على أساس أنّ العنق الطويل دليل الجمال.

وعلى الرقبة أقبلت المرأة على وضع العقد باختلاف أشكاله منها الرقيق ومنها الغليظ ومنها الطويل ومنها القصير ومن بينه نجد "الخناڨ" وهو عبارة عن قلادة تحيط  بالرقبة بها خمسات أو لويزات . و" الرعيشة" و" الشنتوف" وغيرها .. كما نجد " الطلڨ"  وهو عبارة عن عقد طويل يصل لأسفل الصدر.

كما أنّ المرأة تضع " الڨلادة" المتكونة من الدرڨة أو الخلالة والخمسات والفكرون مشدودة بسلسلة من نفس المعدن وتسمى بـ"الجزرون" تمسك الملحفة أو الخمري أو الزمالة، مثلها مثل "المدور" مؤدية بذلك الدور الوظيفي للحلي، بالإضافة إلى "المكحلة" وهي كما يدل اسمها عبارة عن قنينة مخروطية الشكل يوضع بها الكحل وبها مرود ومزيّنة بقرن غزال ومشدودة بسلسلة الجزرون كذلك الى ملحفتها وهي وللأسف الشديد من القطع التي انقرضت ولم نعد نراها إلا عبر البطاقات البريدية القديمة للنساء النايليات أو المراجع القديمة من الكتب.

وعلى اليدين توضع "الحدايد" وهي عبارة عن حلي خاصة بالمعصم لها تسميات مختلفة وما يشتهر عندنا هو " السوار" عبارة عن حلقة معدنية كبيرة الحجم ومدببة تلبس في المعصم  ويسهل تحريكها، ويقال أنها تتخذ للدفاع عن النفس، وهذه المقولة بالمطلق خاطئة لأنّ للمرأة النايلية حُرمة ولها أسود يدافعون عنها ولا تحتاج أن تتجاسر لتدافع عن نفسها.

ونجد كذلك " المسيبعة" وتأتي إما غليظة أو رقيقة عليها نقوش ورسومات بأشكال متعددة، تعرف بالمسيبعة لإحتوائها على سبعة حدايد في زربيق، ويعود تقديس هذا العدد (سبعة) دون غيره لمكانته في القرآن الكريم (سبع سماوات) و( سبع سنابل)، وللاحتفال بالمولود في اليوم السابع وغيرها من الطقوس والممارسات الشعبية، وتوضع الخواتم وهي ضرورية لتزيين أصابع المرأة المخضبة بالحناء.

وعلى الخصر توضع "المحزمة " وهي عبارة عن حزام عريض يلف خصر المرأة  ولا يستعمل كل يوم، فقط في المناسبات، وتتزين المرأة أيضا بـ " البثرور" مجموعة الخيوط الملونة المظفورة مع بعضها لتشد  جهة الخصر أيضا.

وفي الأرجل توضع الخلاخل وهي جمع خلخال سمي بهذا الاسم لأنه يوضع في الساق وهو دائري الشكل، وبعدّة أنواع وأشكال فنجد " الذوادي" و" المبروم" و" المظفور"  و" بطن اللفعة" و "رأس الحنش"، هذا الأخير ينتهي طرفيه برأس ثعبان، وكانت المرأة غالبا ما تلبس خلخالين مع بعضهما البعض واحد أكبر من الآخر وتسمى بـ "الرديف" يحدث ذلك صوت جميل يزيد المرأة أنوثة، وكانت المرأة لا تنزع خلخالها حتى تنتقل إلى مثواها الأخير، وفي الموروث الشعبي العربي يقال أنّ المرأة التي لا تلبس الخلخال تُعتبر عارية.

الحلي والمجوهرات أساسيات تُكمل تصديرة العروس النايلية

تكاد تكون الزينة والحلي، عالم المرأة لكل العصور فالزينة ظاهرة وممارسة قديمة، ارتبطت بحياة المرأة وطبيعتها لتحقيق ذاتها وإشباع لغريزتها، لذا أصبح التزيين والتحلّي حقاً من حقوقها وجزءً من شخصيتها وسلوكها، وعملية تكميلية لجمالها وأنوثتها التي لا تستطيع الاستغناء عنها، فنجد أنها منذ العصور البدائية وحتى عصرنا الحالي اعتادت تجميل نفسها بأبسط ما توفر لديها، ثم اجتهدت في ابتكار طرق ووسائل تضفي إلى جمالها جمالا، منتقية بحسها أجمل القطع وأبدعها تناسقاً لتكون قلادة أو قرطاً أو سواراً من أدوات ومكملات الزينة والملابس.

واهتمام المرأة النايلية بالحلي لم يكن مقصورا على النساء من بيوت ميسوري الحال وإنما هو عادة اجتماعية تضرب جذورها في المجتمع على مختلف فئاته، وإلى غاية اليوم بقيت الحلي تكتسب أهمية عظيمة بالرغم من التحول الاجتماعي والتطور الاقتصادي الذي لم يغير من الميل الذي كانت توليه المرأة لاقتنائه، ومن هنا فالفتاة قبل زواجها غالبا ما تعمل من أجل شراء المجوهرات التقليدية نظرا للقيمة الجمالية الكامنة في العودة لعادات الاجداد. وحتى من أجل  عرض تقاليد ولايتها وحتى الولايات الاخرى بالتصديرة في يوم عرسها حين تعرض مجموعة من الالبسة التقليدية مرفوقة بالحلي الذي يتماشى معها، وبالخصوص اللباس النايلي الذي تشتهر به المنطقة ويلازم المرأة في أعراسها ومناسباتها الاحتفالية والذي يتطلب قدرا لا بأس به من الحلي الذي يزيده رونقا وجمالا.

وبعد انتهاء العرس تقوم العروس بالاحتفاظ به في بيتها الزوجي الجديد، إلى أن يحين وقت التزيّن به في المناسبات والأفراح لدى جيرانها أو أهلها أو من دعوها إلى الحضور في مناسباتهم. هذا الحلي تدّخره العروس إلى أن ترزق ببنت ويحين عرسها وتقوم بإعطائه لها لكي تتزين به هي الأخرى ليبقى متوارثا بين المرأة و ابنتها في مرحلة الزواج و هكذا.

ومن هنا يمكننا القول أنّ لكل أمة تراث تفخر وتعتز به، فهو الجذر الذي يمتد في الماضي البعيد ليؤرخ للأمة امجادها العظيمة، والجلفة كغيرها من ولايات الوطن  تمتلك تنوعا ثقافيا مميزا، لا بد من التمسك به  والمحافظة عليه كي يبقى  محفورا في ذاكرة اجيالنا القادمة.

عدد القراءات : 2376 | عدد قراءات اليوم : 11

       مقالات الرأي و تعليقات القرّاء المنشورة بجريدة " الجلفة إنفو " لا تعبّر بالضرورة عن رأي الجريدة، إنما تعبّر عن رأي كاتبها فقط .

التعليقات :
(1 تعليقات سابقة)

salah bela
(زائر)
9:47 19/06/2020
موضوع ممتاز
هو يمثل رائحة الاجداد و عمق التاريخ

أضف تعليقك كزائر

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:

Captcha

مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (سورة ق، 18)

سياسة نشر التعليقات في موقع الجلفة إنفو للأخبار

تتيح جريدة "الجلفة إنفو" الإلكترونية للقراء الكرام إمكانية التفاعل مع الأخبار والمقالات المدرجة من خلال التعليق

على المواد المنشورة، و إذ نرحب بتعليقات القراء، نرجو من المشاركين التحلي بالموضوعية وتجنب الاساءات الشخصية

والقبلية، وتحتفظ بحقها في نشر أو عدم نشر أي تعليق لا يستوفي الشروط أدناه، وتشير إلى أن كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من

الأشكال عن آراء فريقها الصحفي وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

و يرجى بذلك الإلتزام بالقواعد التالية:

1- التعليق يجب أن يكون على المادة المنشورة فقط، ولا ينشر أي تعليق يتعلق بموضوع آخر منشور،

2- يهمل كل تعليق يضم شتائم أو ألفاظ خارجة عن إطار الآداب العامة و الدين الإسلامي الحنيف و أعراف مجتمعنا، أو يطال بالقدح والذم والتشهير شخصيات بعينها أو هيئات رسمية،

3- يهمل كل تعليق يتضمن هجوم شخصي وغير مبرر على أفراد محددين بالاسم لهم أو ليس لهم علاقة بالمواد المنشورة،

4- تهمل جميع التعليقات التي تتعرض للكاتب أو صاحب المساهمة باسمه أو لشخصه،

5- تعتذر إدارة الجريدة عن نشر أية تعليقات تتضمن تفاصيل عن شخصيات وأسماء أو أية معلومات لا تخدم المادة المنشورة،

6- لضمان ظهور التعليقات بشكل أسرع يرجى تفادي الإطالة في التعليقات، ويمكن للمداخلات الطويلة أن ترسل عبر البريد الإلكتروني ليتم نشرها كبريد للقراء،

7- تحتاج التعليقات لموافقة المحرر المشرف قبل ظهورها، وقد تحتاج بعض الوقت للظهور لذلك يرجى عدم ارسال التعليق أكثر من مرة،

لكي لا يُهمل التعليق، يرجى الكتابة بلغة عربية فصيحة

نرجو من السادة متصفحي الجريدة الأعزاء التقيد بالقواعد التي أوردناها، وضبط التعليقات بما يتفق مع شروط النشر، ونأسف مسبقا لعدم نشر أية تعليقات تخالف القواعد المبينة أعلاه.

ملاحظات:

  • لإدارة الموقع الحرية الكاملة في اختيار التعليقات ونشرها وحذف كل ما تراه لا يتفق مع الشروط الواردة أعلاه ، ونؤكد على أن إرسال التعليق لا يعني على الإطلاق إلزام إدارة الموقع بنشره،
  • *تتمنى إدارة الموقع من المتصفحين الأعزاء ذكر الاسم الحقيقي في التعليق و تجنب الأسماء المستعارة..
  • * بالنسبة للردود الرسمية يرجى إرسال نسخة من الرد (مع الوثائق الثبوتية) إلى البريد الالكتروني للإدارة وإلا فلن يأخذ الرد بعين الاعتبار ولن يعترف الموقع على مضمونه،
  • * تهمل التعليقات المرسلة كملاحظات إلى إدارة التعليقات، وفي حال وجود شكوى يمكن مراسلة الموقع على البريد الإلكتروني. بريد إدارة الموقع djelfa.info@gmail.com
المجموع: 1 | عرض: 1 - 1

التسجيل في تتبع التعليقات التعليقات :
(1 تعليقات سابقة)

salah bela (زائر) 9:47 19/06/2020
موضوع ممتاز
هو يمثل رائحة الاجداد و عمق التاريخ
المجموع: 1 | عرض: 1 - 1
أدوات المقال طباعة- تقييم
0
image
         مفيدة قويسم
email أرسل إلى صديق
print طباعة المقال Plain text نسخة نصية كاملة
آخر الأخبار

منطقة الأعضاء منطقة الأعضاء
تسجيل عضوية جديدة

Connect with facebook

آخر التعليقات



عبد الرحمن
في 22:08 24/10/2020