الجلفة إنفو للأخبار - المنسج بين الأصالة والعراقة
الرئيسية | تراث و آثار | المنسج بين الأصالة والعراقة
نفحات من عمق تراثنا ... الحلقة الأولى
المنسج بين الأصالة والعراقة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 إذا رجعنا إلى تراثنا نُـفتش فيه عن شيء أصيل فإنما نحاول أن نُضيف إلى الحضارة الإنسانية رافداً من روافدها الجوهرية، ولبـِنة من لبِنات تلك الثقافة التي تمثل عراقة الأصالة النايلية، ولذلك يتوجب علينا أن نعود إلى نبعها الذي نبعت منه، ونستلهم من روح تراثنا، عاداتنا وتقاليدنا حتى نقدم لأجيالنا حضارة تتصدّر الركب نحو الخلود، ومن الحقائق أنّ تراثنا لا يخلو من أشياء وعناصر تلائم حياتنا المعاصرة كما أنّ التجديد في العصرنة لا يعدو أن يكون بديلا لتلك الحضارة القديمة التي تغوص بجذورها في  أعماق التاريخ، والانقطاع عنها لا يُعيننا على تكوين ثقافة جديدة يُعول عليها في إثراء الحياة. ولعلّ من بين الإرث الذي تزخر به ربوع ولاية الجلفة هو النسيج، هذه الحرفة العائلية التي تستعمل المادة الأولية المحلية، لذلك يحرص سكان المنطقة على تربية الأغنام لتوفير الصوف باعتباره المادة الأساسية في الصناعة التقليدية التي ظلت تحصد إرثا ورثه الآباء عن الأجداد منذ أقدم العصور، وكان للمرأة النايلية الدور الكبير في الحفاظ عليه واستمرار تطوره عبر الزمن.

مراحل إعداد الصوف ...

للتعمق أكثر في الخطوات التي تمر بها صناعة النسيج تقربت من خالتي زينب هذه السيدة المسنة المبدعة في حياكة الصوف نسألها عن خبايا هذه الحرفة فأجابتنا قائلة:

.. بعد موسم زج الصوف، يتم غسله جيدا بالماء، لنزع الأوساخ والشوائب العالقة به وتُكرر العملية أكثر من مرة مع تقليبه وضربه، ثم يُعرض للهواء الطلق وأشعة الشمس بعد نشره على أرض نظيفة وتقلب من وقت إلى آخر حتى تجف من الماء، وعند الانتهاء من تنقيته، يفرز الصوف، ثم يتم طرڨه " عملية الطرڨ" أي ضرب الصوف  بواسطة عصا من نبات "الرتم"، أو " القصب" حتى يصبح أكثر ليونة، ثم  يتم تنقيته يدويا بواسطة الايدي وهو ما يسمى بعملية "البشم" من الاشواك العالقة به وكذلك الأجزاء الصلبة التي يصعب فتحها، وبعد أن تصبح الصوف جاهزة، يتم استخدام أداة "المشط" أو ما يسمى "السلسال"  وهو عبارة عن لوح مستطيل له أرجل وفي طرفه مسامير طويلة، حيث تسمح عملية " التسلسيل" هذه من جعل الصوف اكثر طراوة، وبعدها  يستخدم "القرداش" أو " الخدام" وهو عبارة عن آلة تتكون من جزأين متشابهين،  مربعي الشكل، وكل لوحة على حد تسمى فردة، فوق كل منهما يثبت مربع من الجلد مزروعة بها آلاف الأسنان المدببة معقوفة الاتجاه وعند استخدامه يوضع الصوف فوق أحد الفردات ويمشط بالفردة الثانية أي يوضع بين ظلفتي القرداش ويسحب العلوي باليد مع تثبيت السفلي على الفخذ وبالتالي تتفتح جميع كتل الصوف ونحصل على طبقة رقيقة من الصوف على هيئة مربع بعرض القرداش حيث تلف بكلتا اليدين بشكل يشبه القلم، أو ما يسمى بـ "الريطات" لتصبح جاهزة بعد ذلك للغزل بأداة "المغزل" وهو عبارة عن عود خشبي أملس مدبب النهاية، في قاعدته دائرة خشبية أو بلاستيكية ترتكز عندها خيوط الصوف المغزول،  حيث تقوم المرأة بتبريم الصوف على شكل خيوط وإيصال القطع مع بعضها البعض من أجل الحصول على كرات مختلفة الشكل وذلك باستعمال يديها او رجليها، لإنتاج خيوط الصوف الرقيقة والغليظة وذلك حسب نوع المغزل المستعمل. فإذا أخذنا المغزل الصغير نحصل على الخيوط الرقيقة ( الڨيام)، أما إذا استعملنا المغزل الكبير نحصل على خيوط غليظة (الطعـمة) وفي كلتا العــمليتين يتم ربط أصابع الصوف الناتجة من العملية السابقة مع بعضها على هيئة خيوط طويلة، وبعد الانتهاء من مراحل إعداد الصوف يتم تلوين الطعمة حسب الذوق، ففي القديم استخدمت النساء المواد المتوفرة محلياً في صباغة الصوف بواسطة قشور الرمان أو الشاي، وحاليا تستخدم الصبغة الاصطناعية.

تركيب وطي المنسج ..

قديما كان جميع نساء المنطقة يمارسن حرفة النسيج، ولدى أغلب الأسر منسج خاص داخل البيت وكانت تشجع النساء بناتهن على تعلم هذه الحرفة لأن هناك عادات تجبر الفتاة على تعلمها خاصة عندما تقبل على الزواج فتقوم بتحضير بعض المنسوجات بيدها، تزيّن بها بيتها الجديد، لهذا نجد تنافس كبير بين الفتيات على هذه الصناعة. كما أنّ  صناعة النسيج من الحرف التي تحتاج إلى عمل جماعي " التويزة" ولا تستطيع المرأة أن تقوم بها بنفسها فتدعو جارتها وصديقاتها وتوزع المهام بينهن مثل غسل الصوف وبشمه، وكذا تحضير المنسج وطيّه. تصاحب العملية  ترديد لبعض القصائد الشعبية التي تحفظنها مثل:

أطلعي يا طيتي كيما طلع سور النبي *** والبركة في خدمتي والصلاة على النبي 

ولتركيب المنسج لابد من معدات خاصة تتكون في الغالب من قطعتين حديديتين متوازيتين بهما ثقوب أو ما يسمى بـ " المناطو" ويتم تثيبتهم على الحيط بواسطة الحبال و"المنانيش" و"العفافيس" وتثبت عليهما خشبتين مثقوبتين سفلية متحركة وعلوية ثابتة وتشد بهما خيوط "الڨيام" وتثبتان بأربعة أعمدة مثبتة في الحائط مع ترك مسافة تكفي لجلوس الناسجات،  وقضيب حديدي وقصبتان ينزل ويرفع بهما المنسج عند النسج، وهما عبارة عن قطع من نبات القصب الطويل، وتوضعان للتحكم في عملية النسيج الى الامام والى الخلف، واحدة تستعمل للتنيير وأخرى لرفع وتنزيل الڨيام (وحدة تحلس ووحدة تلبس).

ثم تجلس امرأتان عن يمين وعن شمال، وتمرر أخرى خيوط النيرة حول تلك المسامير وتتبادلها من ناحية إلى أخرى. وبعد ذلك يمرر عدد قصبـتين في أماكن مختلفة من السدوى، وتتم عملية النسج باستخدام بعض المعدات هي  "العضاضة" أو "الجــبَّــادة" وهي عبارة عن قطعة من العود صغيرة مثقوبة الوسط، ولها فم ذو لسانين يثبتان في طرف النسيج من الجهتين يميناً ويساراً، وفي ثقب الجبادة خيط يربط بالقائمة ممسكاً بالنسيج لتسوية انكماشه، و"الخلالة" وهي آلة حديدية ذات اصابع رقيقة مستوية، تمتد الى الأمام ولها يد من خشب مثبتة في طرفها الأخير عمودياً، ولها أسنان مثل المشط وتستعملها الناسجة في تثبيت خيط "الطعمة" في مكانه من النسيج، و"المطرق" عود من جريد النخل في الغالب، تدور حوله خيوط "النيرة" وهي التي تتحكم في تبادل خيوط القيام دخول صفي الجداد الواحد في مكان الأخر، بعد مرور خيط الطعمة، و"المقص" يستعمل عند قطع المنسوج ومجموعة مشابك لشد أطراف النسيج ومنع الارتخاء. وتوظف النساء النماذج الهندسية والألوان  حسب الذوق، هذا بالنسبة للمنسج العربي الذي لا يختلف كثيراً مع " منسج الفرنسيس" إلا في تطوره، سهولة تركيبه وتحريكه إلى أي مكان.

الزربية، البرنوس والقشابية جودة عالية وعلامة مسجلة ..

يتفانى الحرفيون في خياطة الملابس التقليدية لكونها سفيرة عن المنطقة وعاداتها العريقة، وتعتبر فخرا وعزا بين العروش، إنها بحق تحفة فنية رائعة نالت شهرة وطنية وعالمية،  نجد من  بينها القشابية، هذا اللباس المحلي، والذي يوجد في بقية بلدان المغرب العربي نظائر لها، وإن اختلفت في التفصيل، وغالبا ما ينسج من صوف الغنم في التل أو وبر الإبل في الصحراء، وأثناء الثورة نسجت القشابية من قبل المرأة الجزائرية على منوال يسمح ويسهل عملية استعمال السلاح، دون ان تفقد الدور المنوط بها وهو الحماية من البرد. تتصدر الجلفة المرتبة الاولى وطنيا في إنتاجه نظرا لتوفر المادة الأولية خاصة منها الصوف والوبر إضافة إلى تفنن الحرفيون في حبك الخيوط والعقد.

.. وللبرنوس ميزة خاصة وجودة ونوعية رفيعة، هذان الرمزان الحضاريان واللباسان التقليديان اللذين تشتهر بهما ولاية الجلفة وتعرف بهما منطقة مسعد على وجه الخصوص، البرنوس الوبري المسعدي، والقشابية البيضاء الزكارية قدموا كهدايا ثمينة لأعيان وعلماء ومثقفي البلاد.

 كذلك نجد الخيمة النايلية " البيت الحمراء" التي تحاكي بألوانها حرارة المنطقة وترمز إلى البدو الرحل لأولاد نايل يمكنها استيعاب من 5 إلى 10 أفراد كما يمكنها أن تحتوي حتى المائة من الأفراد، تصنع من قطع "الفليج".

وتعتبر الزربية النايلية موروث عميق تعكس بأصالتها وبرموزها وألوانها الحياة الاجتماعية والثقافية للمنطقة، بالإضافة إلى منتجات أخرى ذات جودة عالية  كالحايك والجربي، الحنبل والخيام، القندورة، الشد والحولي التي وبالرغم من تجديد بعض اللمسات فيها  غير أنها ما زالت محافظة على بصمتها الأصيلة.

عدد القراءات : 2300 | عدد قراءات اليوم : 9

       مقالات الرأي و تعليقات القرّاء المنشورة بجريدة " الجلفة إنفو " لا تعبّر بالضرورة عن رأي الجريدة، إنما تعبّر عن رأي كاتبها فقط .

التعليقات :
(3 تعليقات سابقة)

salah bela
(زائر)
11:27 07/06/2020
انها ايام البركة في الرزق و الكرم و الجود
ايام تآلف القلوب
متفائل
(زائر)
21:11 12/06/2020
ماأجمل التراث وسيكون أجمل لو غرسنا حبه في أبنائنا أذكر أننا صنعنا مناسج صغيرة بحجم الكراس في حصة الرسم في المتوسط
قاضي بلقاسم
(زائر)
18:41 13/06/2020
تماما نفس الطريقة لعمل الصوف في منطقتنا بقصور ولاية البيض وبالتحديد قصر بلدية الشلالة حيت كانت تحاك الجلابة الوزلوقة والزرابي والحايك

أضف تعليقك كزائر

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:

Captcha

مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (سورة ق، 18)

سياسة نشر التعليقات في موقع الجلفة إنفو للأخبار

تتيح جريدة "الجلفة إنفو" الإلكترونية للقراء الكرام إمكانية التفاعل مع الأخبار والمقالات المدرجة من خلال التعليق

على المواد المنشورة، و إذ نرحب بتعليقات القراء، نرجو من المشاركين التحلي بالموضوعية وتجنب الاساءات الشخصية

والقبلية، وتحتفظ بحقها في نشر أو عدم نشر أي تعليق لا يستوفي الشروط أدناه، وتشير إلى أن كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من

الأشكال عن آراء فريقها الصحفي وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

و يرجى بذلك الإلتزام بالقواعد التالية:

1- التعليق يجب أن يكون على المادة المنشورة فقط، ولا ينشر أي تعليق يتعلق بموضوع آخر منشور،

2- يهمل كل تعليق يضم شتائم أو ألفاظ خارجة عن إطار الآداب العامة و الدين الإسلامي الحنيف و أعراف مجتمعنا، أو يطال بالقدح والذم والتشهير شخصيات بعينها أو هيئات رسمية،

3- يهمل كل تعليق يتضمن هجوم شخصي وغير مبرر على أفراد محددين بالاسم لهم أو ليس لهم علاقة بالمواد المنشورة،

4- تهمل جميع التعليقات التي تتعرض للكاتب أو صاحب المساهمة باسمه أو لشخصه،

5- تعتذر إدارة الجريدة عن نشر أية تعليقات تتضمن تفاصيل عن شخصيات وأسماء أو أية معلومات لا تخدم المادة المنشورة،

6- لضمان ظهور التعليقات بشكل أسرع يرجى تفادي الإطالة في التعليقات، ويمكن للمداخلات الطويلة أن ترسل عبر البريد الإلكتروني ليتم نشرها كبريد للقراء،

7- تحتاج التعليقات لموافقة المحرر المشرف قبل ظهورها، وقد تحتاج بعض الوقت للظهور لذلك يرجى عدم ارسال التعليق أكثر من مرة،

لكي لا يُهمل التعليق، يرجى الكتابة بلغة عربية فصيحة

نرجو من السادة متصفحي الجريدة الأعزاء التقيد بالقواعد التي أوردناها، وضبط التعليقات بما يتفق مع شروط النشر، ونأسف مسبقا لعدم نشر أية تعليقات تخالف القواعد المبينة أعلاه.

ملاحظات:

  • لإدارة الموقع الحرية الكاملة في اختيار التعليقات ونشرها وحذف كل ما تراه لا يتفق مع الشروط الواردة أعلاه ، ونؤكد على أن إرسال التعليق لا يعني على الإطلاق إلزام إدارة الموقع بنشره،
  • *تتمنى إدارة الموقع من المتصفحين الأعزاء ذكر الاسم الحقيقي في التعليق و تجنب الأسماء المستعارة..
  • * بالنسبة للردود الرسمية يرجى إرسال نسخة من الرد (مع الوثائق الثبوتية) إلى البريد الالكتروني للإدارة وإلا فلن يأخذ الرد بعين الاعتبار ولن يعترف الموقع على مضمونه،
  • * تهمل التعليقات المرسلة كملاحظات إلى إدارة التعليقات، وفي حال وجود شكوى يمكن مراسلة الموقع على البريد الإلكتروني. بريد إدارة الموقع djelfa.info@gmail.com
المجموع: 3 | عرض: 1 - 3

التسجيل في تتبع التعليقات التعليقات :
(3 تعليقات سابقة)

قاضي بلقاسم (زائر) 18:41 13/06/2020
تماما نفس الطريقة لعمل الصوف في منطقتنا بقصور ولاية البيض وبالتحديد قصر بلدية الشلالة حيت كانت تحاك الجلابة الوزلوقة والزرابي والحايك
متفائل (زائر) 21:11 12/06/2020
ماأجمل التراث وسيكون أجمل لو غرسنا حبه في أبنائنا أذكر أننا صنعنا مناسج صغيرة بحجم الكراس في حصة الرسم في المتوسط
salah bela (زائر) 11:27 07/06/2020
انها ايام البركة في الرزق و الكرم و الجود
ايام تآلف القلوب
المجموع: 3 | عرض: 1 - 3
أدوات المقال طباعة- تقييم
3.00
image
         مفيدة قويسم
email أرسل إلى صديق
print طباعة المقال Plain text نسخة نصية كاملة
آخر الأخبار

منطقة الأعضاء منطقة الأعضاء
تسجيل عضوية جديدة

Connect with facebook

آخر التعليقات



عبد الرحمن
في 22:08 24/10/2020