الجلفة إنفو للأخبار - "جامع الراس" بمسعد ... قصّة مسجد وتحليل لمسألة بقايا العظام التي وُجِدَتْ داخله!!
الرئيسية | تراث و آثار | "جامع الراس" بمسعد ... قصّة مسجد وتحليل لمسألة بقايا العظام التي وُجِدَتْ داخله!!
"جامع الراس" بمسعد ... قصّة مسجد وتحليل لمسألة بقايا العظام التي وُجِدَتْ داخله!!
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

كنتُ –كعادتي- كلّ يوم، ذاهبا إلى سوق المدينة، وإذ بي أرى عمليّات الترميم قد بدأت في المسجد العتيق "جامع الراس"، وبعد مرور أيّام من تقدّمها، إِذْ بمخبرٍ يُخبرني أنّهم قد وجدوا في داخل المسجد بقايا عظام لأكثر من 26 شخصاً، وذلك بعد حساب عدد الجماجم.

 بعدها مباشرة، كثرت التساؤلات حول تلك البقايا، وعن كيفية دفنها في المسجد، وهل هي لموتى المسلمين أم لغيرهم من اليهود أو الفرنسيين؟ إلى غير ذلك من التساؤلات. حينها بدأت تظهر بعض الأجوبة الارتجالية من بعض سكان المنطقة، والتي لا تمتّ بأيّ صلة للواقع، ومنها: تاريخ بنائه، وأنّه كان في الأصل كنيسة، وأنّ أَصْلَ تلك الجماجم جثثٌ دفنت من طرف المستعمر الفرنسي داخل المسجد وهو مبني.

فآثرتُ أن أكتب هذه المقالة على أن أبقيها في طيّات كتابي (صفحات مطوية من تاريخ منطقة مسعد) -والذي ذكرت فيه تاريخ جامع الراس- وذلك لتعميم الفائدة، لذا فسأجيب على هذه الإشكاليات التالية:  متى بني جامع (الراس)؟ ولماذا سمّي بجامع (الراس)؟ وما هو أصل تلك الهياكل التي وجدت في المسجد؟

تاريخ بناء المسجد:

كثر الحديث حول تاريخ بناء جامع الراس، وهل كان كنيسة في السابق؟ حيث يظنّ بعض سكان المنطقة أنّه بني في سنة 1864م -إن لم يكن  بعدها- على أساس أنّه كنيسة، وكل ذلك غير صحيح من عدّة وجوه.

 فهاهو الترجمان (آرنــو) يذكر في احدى مقالات (المجلية الأفريقية) وصفاً لجامع (الراس)، وكان ذلك في سنة 1863م ويقول أنه قد بُني قبل خمس سنوات، ثم وصَفَهُ بـــ(المسجد) ولم يُشِرْ إلى أنّه كان كنيسة أو ما شابه ذلك.

بل هناك دليل قويٌّ يحدّد التاريخ الدقيق لسنة البناء والذي يتمثّل في إحدى الوثائق الفرنسية المؤرّخة في سنة 1882م، والتي تقول بأنّ المسجد شُيِّدَ سنة 1858م بتكلفة 40000 فرنك فرنسي، إلى جانب 10000 فرنك فرنسي كتكلفة للبناء الذي بجانبه والذي كان يمثّل إقامة القائد، وقد جاء في هذه الوثيقة أنّ (المسجد وبيت القيادة في مسعد يشكلان مبنى واحدا، مخصصا لإقامة الشعائر الدينية و سكن القائد»، وبهذا التصريح، تسقط كلّ الأخبار التي تقول أنّه كان كنيسة.

سبب تسمية المسجد بجامع (الراس):

إنّ هذه التسمية بهذا الشكل تدلّ على عدّة معان ويمكن حملها على عدّة محامل، لكن تقيّدها الوثيقة السابقة، والتي جاء فيها اسم المسجد كاملا وهو: «رأس الجبّان» -أو الجبّانة- بمعنى رأس المقبرة، أي أنّ هذا المسجد شُيِّدَ على رأس مقبرة قديمة نوعا ما، وهذا ما أدّى بالمستعمر الفرنسي إلى إجلائها وجعلها أرضية للمسجد، وهذا يقودنا إلى جواب السؤال الثالث.

أصل الهياكل الموجودة داخل جامع (الراس):

بالاستناد على ما جاء في الوثيقة السابقة، أجزم بأنّ المسجد بُنِيَ على مقبرة قديمة أو بمحاذاتها، ويشهد لهذا الرأي ما ذكره الكاتب (إيميل ماكري) في كتابه (ذكريات ورؤى أفريقيا) -المطبوع سنة 1894م- والذي قال «أنّ المسجد بني على قبر أحد الصالحين»، في حين أنّ أحد السكّان المجاورين للجامع ذكر لي أنّه وجد بعض العظام خلال تهيئته لبيته.

أمّا عن وجود ذلك الكمّ الهائل من الرفاة (والتي تقدّر بـأكثر من 26 جمجة مع العظام) في مساحة صغير من المسجد، فترِدُ بعض الفرضيات منها:

أنّ البنّائين الأوائل لـمّا كانوا في مرحلة التشييد، جمعوا بعض رفاة المقبرة في مكان واحد داخل المسجد، ولم يعيروا اهتماما لحرمته.

أو أنّ تلك الرفاة ترجع إلى بعض سكان المنطقة الذين قتلوا من طرف الاحتلال الفرنسي ودفنوا جماعيا قبل تشييد المسجد سنة 1858م، خاصة وأنّنا نعلم أنّ المنطقة ذاقت ويلات الاحتلال جرّاء احتضانها للشيخ موسى بن الحسن الدرقاوي والأمير عبد القادر  وذلك بين سنتي 1831م و1849م.

أو أنّها بقايا لعظام بعض القتلى، خاصة بعد معرفة أنّ سكن القايد أصبح فيما بعد سجنا للاستعمار الفرنسي.

وفي الأخير، أرجو أنّي قد وفّقت ولو قليلا في وضع تحليل شامل لتاريخ جامع (الراس)، وما وُجِدَ فيه من عظام وجماجم، بعد افتراض ما يمكن تصوّره، في انتظار ما ستسفر عنه التقارير العلمية لبقايا العظام، وتحديد عمرها، والله الموفّق.

في الأخير أرجو من القائمين على التراث توسيع دائرة البحث والتنقيب لتصل إلى دار القايد الملتصقة بالمسجد، وإعادة ترميم الدار خاصة الأسوار الخارجية التي بلغت تشقّقاتها الحد الأقصى.  و كذا ترميم جامع الراس ترميما يليق بعمره الذي بلغ الـ160 عاماً، وذلك بمعيّة المختصين في هذا المجال. بالإضافة إلى رد الاعتبار للمناطق الأثرية في المنطقة على غرار: حوش لارمود، ودار المؤونة، وآثار بني زروال، وغيرها.

صور لمسجد الراس بمسعد

المترجم الفرنسي أرنو - في المجلة الإفريقية ج 7، 1863

وثيقة فرنسية بتاريخ 31 مارس 1882، تثبت تاريخ الإنتهاء من بناء جامع الراس عام 1858م

  

من كتاب "ذكريات ورؤى أفريقيا" للكاتب (إيميل ماكري)

عدد القراءات : 2475 | عدد قراءات اليوم : 2

       مقالات الرأي و تعليقات القرّاء المنشورة بجريدة " الجلفة إنفو " لا تعبّر بالضرورة عن رأي الجريدة، إنما تعبّر عن رأي كاتبها فقط .

التعليقات :
(5 تعليقات سابقة)

بشير
(زائر)
11:47 28/10/2018
مشكور على المعلومات ولقد ذكرتها شخصيا وزدت بعض التفاصيل عنها ولكن وجدت بعض المتعالمين والمتفسلفين ينكر هذه المعلومات فتوقفت الردود خصوصا وأننا محاطون بكثير من الجهال علما أن اغلب سكان المنطقة الاصليين غادروا المنطقة وذهب معهم تاريخ المنطقة وبقى المتعالمين. أما فيما يخص البناء الفرنسي فكنا نسميه قديما "بيدان" وهو معروف بهذا الاسم إلا أن اسمه الحقيقي هو "فيدال" الجبانة الموجودة قرب سوق مسعد الآن تحويلها من منطقة جامع الراس الذي كان في الاصل جبانة.
تعقيب : ساكن مسعدي أصلي
(زائر)
21:59 01/11/2018
متى غادرها سكانها الأصليون يا سيد؟ و نحن و آباؤنا و أجدادنا هل نزلنا من القمر؟ ليكن في علمك يا سيد أن مدينتنا مسعد كالأم بالنسبة لنا، لم و لا و لن نغادرها و لو أعطيت لنا أبراج نيويورك أو فيلات باريس أو قصور لندن أو حتى قارة أوربا بأكملها و لن أقول إقامات موريتي و نادي الصنوبر لأن نومة خفيفة في بحرة هنا و أنا ملفوف بقشابيتي خير منهما معا و زيد لهم سيدهم فرج
لخضر
(زائر)
20:27 29/10/2018
هي معلومات قيمة التي ذكرتها في مقالك و هي قريبة إلى الحقيقة بنسبة 90 بالمائة و أنت مشكور أخي على ذلك و ردي هو على السيّد بشير الذي هاجم سكان بلدتنا الحبيبة مسعد حيث قالأنه جلّ سكان هذه المدينة غادروها و لم يبق فيه إلاّ الجهّال و هو بكل تأكيد من الذين هجروا بلدتنا الذين يسمونهم في البلدان التي يقطنون فيها الآن بالزحف و هي تحمل معاني كثيرة و لعلمك أخي البشير فمسعد مازالت أغلب العائلات المتأصلة و المتجذرة تسكن مسعد منذ بداية القرن الثامن عشر و عائلتي واحدة منهم و هم كثر و الحمد لله أما عن وصفك لنا بالجهل فلن نملك إلاّ أن نسامحك و نعفو عنك و ستعود يوما إلى بلدتك إذا كانت جذورك هنا . تحياتي القلبية
ع.ب.مسعودي
(زائر)
10:28 30/10/2018
بارك الله فيك يا كاتب المقال على هذا المستوى من التحليل، المدعم بالمراجع .
نريد للجلفة إنفو دائما الكتابات ذات المستوى الأكاديمي ، بأسلوب منهجي يفيد القارئ .

تحياتي
سالم زائر
(زائر)
22:22 30/10/2018
بحكم ان المسجد صغير لا يتسع الى سوى عشرات الأفراد لما لا يتم تحويل دار القايد الى مسجد وتحويل المسجد الى متحف الأثار الاسلامية بمسعد.

أضف تعليقك كزائر

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:

Captcha

مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (سورة ق، 18)

سياسة نشر التعليقات في موقع الجلفة إنفو للأخبار

تتيح جريدة "الجلفة إنفو" الإلكترونية للقراء الكرام إمكانية التفاعل مع الأخبار والمقالات المدرجة من خلال التعليق

على المواد المنشورة، و إذ نرحب بتعليقات القراء، نرجو من المشاركين التحلي بالموضوعية وتجنب الاساءات الشخصية

والقبلية، وتحتفظ بحقها في نشر أو عدم نشر أي تعليق لا يستوفي الشروط أدناه، وتشير إلى أن كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من

الأشكال عن آراء فريقها الصحفي وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

و يرجى بذلك الإلتزام بالقواعد التالية:

1- التعليق يجب أن يكون على المادة المنشورة فقط، ولا ينشر أي تعليق يتعلق بموضوع آخر منشور،

2- يهمل كل تعليق يضم شتائم أو ألفاظ خارجة عن إطار الآداب العامة و الدين الإسلامي الحنيف و أعراف مجتمعنا، أو يطال بالقدح والذم والتشهير شخصيات بعينها أو هيئات رسمية،

3- يهمل كل تعليق يتضمن هجوم شخصي وغير مبرر على أفراد محددين بالاسم لهم أو ليس لهم علاقة بالمواد المنشورة،

4- تهمل جميع التعليقات التي تتعرض للكاتب أو صاحب المساهمة باسمه أو لشخصه،

5- تعتذر إدارة الجريدة عن نشر أية تعليقات تتضمن تفاصيل عن شخصيات وأسماء أو أية معلومات لا تخدم المادة المنشورة،

6- لضمان ظهور التعليقات بشكل أسرع يرجى تفادي الإطالة في التعليقات، ويمكن للمداخلات الطويلة أن ترسل عبر البريد الإلكتروني ليتم نشرها كبريد للقراء،

7- تحتاج التعليقات لموافقة المحرر المشرف قبل ظهورها، وقد تحتاج بعض الوقت للظهور لذلك يرجى عدم ارسال التعليق أكثر من مرة،

لكي لا يُهمل التعليق، يرجى الكتابة بلغة عربية فصيحة

نرجو من السادة متصفحي الجريدة الأعزاء التقيد بالقواعد التي أوردناها، وضبط التعليقات بما يتفق مع شروط النشر، ونأسف مسبقا لعدم نشر أية تعليقات تخالف القواعد المبينة أعلاه.

ملاحظات:

  • لإدارة الموقع الحرية الكاملة في اختيار التعليقات ونشرها وحذف كل ما تراه لا يتفق مع الشروط الواردة أعلاه ، ونؤكد على أن إرسال التعليق لا يعني على الإطلاق إلزام إدارة الموقع بنشره،
  • *تتمنى إدارة الموقع من المتصفحين الأعزاء ذكر الاسم الحقيقي في التعليق و تجنب الأسماء المستعارة..
  • * بالنسبة للردود الرسمية يرجى إرسال نسخة من الرد (مع الوثائق الثبوتية) إلى البريد الالكتروني للإدارة وإلا فلن يأخذ الرد بعين الاعتبار ولن يعترف الموقع على مضمونه،
  • * تهمل التعليقات المرسلة كملاحظات إلى إدارة التعليقات، وفي حال وجود شكوى يمكن مراسلة الموقع على البريد الإلكتروني. بريد إدارة الموقع djelfa.info@gmail.com
المجموع: 4 | عرض: 1 - 4

التسجيل في تتبع التعليقات التعليقات :
(5 تعليقات سابقة)

سالم زائر (زائر) 22:22 30/10/2018
بحكم ان المسجد صغير لا يتسع الى سوى عشرات الأفراد لما لا يتم تحويل دار القايد الى مسجد وتحويل المسجد الى متحف الأثار الاسلامية بمسعد.
ع.ب.مسعودي (زائر) 10:28 30/10/2018
بارك الله فيك يا كاتب المقال على هذا المستوى من التحليل، المدعم بالمراجع .
نريد للجلفة إنفو دائما الكتابات ذات المستوى الأكاديمي ، بأسلوب منهجي يفيد القارئ .

تحياتي
لخضر (زائر) 20:27 29/10/2018
هي معلومات قيمة التي ذكرتها في مقالك و هي قريبة إلى الحقيقة بنسبة 90 بالمائة و أنت مشكور أخي على ذلك و ردي هو على السيّد بشير الذي هاجم سكان بلدتنا الحبيبة مسعد حيث قالأنه جلّ سكان هذه المدينة غادروها و لم يبق فيه إلاّ الجهّال و هو بكل تأكيد من الذين هجروا بلدتنا الذين يسمونهم في البلدان التي يقطنون فيها الآن بالزحف و هي تحمل معاني كثيرة و لعلمك أخي البشير فمسعد مازالت أغلب العائلات المتأصلة و المتجذرة تسكن مسعد منذ بداية القرن الثامن عشر و عائلتي واحدة منهم و هم كثر و الحمد لله أما عن وصفك لنا بالجهل فلن نملك إلاّ أن نسامحك و نعفو عنك و ستعود يوما إلى بلدتك إذا كانت جذورك هنا . تحياتي القلبية
بشير (زائر) 11:47 28/10/2018
مشكور على المعلومات ولقد ذكرتها شخصيا وزدت بعض التفاصيل عنها ولكن وجدت بعض المتعالمين والمتفسلفين ينكر هذه المعلومات فتوقفت الردود خصوصا وأننا محاطون بكثير من الجهال علما أن اغلب سكان المنطقة الاصليين غادروا المنطقة وذهب معهم تاريخ المنطقة وبقى المتعالمين. أما فيما يخص البناء الفرنسي فكنا نسميه قديما "بيدان" وهو معروف بهذا الاسم إلا أن اسمه الحقيقي هو "فيدال" الجبانة الموجودة قرب سوق مسعد الآن تحويلها من منطقة جامع الراس الذي كان في الاصل جبانة.
تعقيب : ساكن مسعدي أصلي
(زائر)
21:59 01/11/2018
متى غادرها سكانها الأصليون يا سيد؟ و نحن و آباؤنا و أجدادنا هل نزلنا من القمر؟ ليكن في علمك يا سيد أن مدينتنا مسعد كالأم بالنسبة لنا، لم و لا و لن نغادرها و لو أعطيت لنا أبراج نيويورك أو فيلات باريس أو قصور لندن أو حتى قارة أوربا بأكملها و لن أقول إقامات موريتي و نادي الصنوبر لأن نومة خفيفة في بحرة هنا و أنا ملفوف بقشابيتي خير منهما معا و زيد لهم سيدهم فرج
المجموع: 4 | عرض: 1 - 4
مكان الحدث على الخريطة مكان الحدث على الخريطة
أدوات المقال طباعة- تقييم
5.00
image
         أقلام
email أرسل إلى صديق
print طباعة المقال Plain text نسخة نصية كاملة
آخر الأخبار
كاريكاتير كاريكاتير
منطقة الأعضاء منطقة الأعضاء
تسجيل عضوية جديدة

Connect with facebook

آخر التعليقات