الجلفة إنفو للأخبار - لهجتنا بين الأمس واليوم
الرئيسية | تراث و آثار | لهجتنا بين الأمس واليوم
لهجتنا بين الأمس واليوم
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

علَّقتْ محدثتي قائلة: وما أحسب ذلك إلا مجّاوْقة!

قلت باسمة: وما مجّاوْقة؟ ثم أضفتُ: أو ما زلت تستعملين هذه المفردات البائدة من قاموسنا اللغوي اليوم!

ودخل زميل ثالث في الحوار فقال: صدقت يا أستاذة فقد ذكرتني بقصة وقعت لي منذ يومين.

قلت: وما تلك؟

قال: أنهيت صلاتي ثم التفت، وأنا لا أزال جالسا على السجاد، وناديت على ابنتي الصغرى فحضرت مسرعة، ودون تركيز مني قلت لها: جيبي لي نْقالْتي!

حملقت مشدوهة فيّ وقد فغرت فاها، كرّرت كلامي: هاتيلي اسْبرْدينة!

قال: أسرعتْ جريا صوب والدتها مرددة: أمي أمي، إن والدي يقول كلاما لا أفهمه!

فردت عليها أمها بهدوء: عودي إليه واستفسري منه جيدا ماذا يريد.

ولما عادت البنت كان والدها قد انتبه إلى خطإه فسألها:

  • ماذا تسمون حذاء الوضوء يا ابنتي؟

قالت: لبليقة، لكلاكيت، البشماق، الشعشبونه.

قال: فذاك الذي أريد، هيا انقشعي وأحضريه بسرعة.

ثم وجه الكلام إلي قائلا: لذا أوافقك الرأي في أن لهجتنا التي كنا نتكلمها ثمانينات القرن الماضي، قد انقرضت جلُّ مفرداتها في وسطنا الجلفاوي، وبين فئة الشباب على الخصوص، وبقيت حكرا على المناطق الجبلية، وهي في تناقص حتى في القرى.

وقد حدثت معي - لشدة اهتمامي بموضوع اللهجات – أمثلة مشابهة كثيرة سأذكر منها:

كانت احدى الزميلات تُدَرِّس ستة أقسام، وخلال تصحيح الامتحانات تراكمت عليها الأوراق، فنسيت مجموعة منها على الطاولة، تناثرت هذه الأوراق وقامت بجمعها.

وبعد يوم أو يومين، وجدت زميلة أخرى احدى هذه الوريقات ساقطة بين الكراسي، تناولتها ولما علمت أنها للزميلة المذكورة آنفا، سلمتها إياها قائلة:

  • ما بك! أمِن كثرة الأقسام ( عُدْنا قَ نْقشقْشوا وْرَاك في لَوْراقا) !

وما إن صكت أذني كلمة (نقشقشوا) حتى علَت وجهي ابتسامة عريضة.

 إنها كلمة لم أسمعها منذ أمد بعيد..!

لقد ذكرتني باديتنا حين كنت في صغري، أنطلق وأختي (نقشقشوا فالقشقاش!) لإشعال النار وطهي الطعام عليه.

 ويحضرني أنني قلت لأحد أبنائنا يوما: نْدَوَّرْ نَنْدْهَك!

فبدا وكأنه لم يسمعني، فكررت طلبي مفهمة إياه أنه المعني بخطابي.

حينها قال: والله يا خالة، أنا لا أفهم شيئا مما تقولين!

كما حدثتني يوما احدى قريباتي فقالت: بت عند سيدة قروية في احدى ليالي رمضان، ولما حان وقت السحور، نادت على ابنتي قائلة: قولي لوالدتك: ريبي، ريبي.

قالت البنت - وكانت جامعية – إن سيدة البيت تقول لك: ريبي، فما معنى هذا الكلام يا أمي؟

قالت: فضحكتُ وقلتُ لها: هيا ننزل فقد طلبت منا ذلك.

وهكذا فنحن جيل الآباء والأمهات اليوم نفهم هذه المفردات، لكننا نادرا ما نستعملها، إذ لم نعد نجد من يفهمنا، ونفس الشيء كان قد وقع معنا ونحن شباب في ثمانينات القرن الماضي، حين كانت الجدات والكبار عموما، يتكلمون بمفردات نعتبرها نحن بائدة، وسأذكر أمثلة عنها:

كلمة (الكَمَزُّورَة) وهي جبة بدون أكمام كانت تلبسها المرأة، وكذلك (البَثْرور) أي حزام الوسط الذي تتحزم به المرأة، وهو مصنوع من خيوط ملونة من غزل الصوف.

وليت شعري! أين الكمزورة والباثرور؟ لقد صارا في خبر كان، ليس لفظا فقط بل تواجدا واستعمالا.

كذلك قولهم: (وَيْوَك: متى) (يلْفاو: يعودوا) (يتّاول: يهتم)... فهذه مفردات بادت مع جيل آبائنا.

وقد كان للشعر الشعبي دور كبير في حفظ هذه الألفاظ وبقائها بالرغم من ندرة استعمالها.

كما نبهني منذ فترة في قصيدة (ابن قيطون) في الحب العذري (حيزية)، أن الشارح - وأحسبه من الشرق الجزائري – ذكر مفردات داخل النص الأصلي، مبينا أنها تلاشت من الاستعمال اليومي منذ أمد ( والنص موجود على قوقل).

وقد لاحظت أننا عند الانفعال تندلق رغما عنا هذه المفردات، وكأنها مخزنة لحالات الغضب أو الإعجاب أو التأثر بشيء ما، ربما لأننا حينها يغلبنا واقعُ الحال، قبل أن نقوم بعملية الترجمة، لمسايرة من نخاطبه كما وقع مع الزميل الأستاذ آنف الذكر.

فنحن نساير من نكلمه تلقائيا، وقد يظهر ذلك جليّا حينما نتنقل داخل التراب الوطني، فنتكلم باللهجة الجزائرية المشتركة التي يفهمها الجميع.

بل ويحدث هذا حتى حينما نخاطب أشقاءنا العرب المشارقة، فترانا نستعمل تراكيب ومفردات مشرقية من هنا وهناك.

وما أكثر ما تدق مسامعنا أجراسُ مفردات وتراكيب من تلك اللهجة الجميلة، لهجة آبائنا كلما التقينا بأهل القرى والمداشر عندنا وخاصة الكبار منهم، وسأعطي بعض الأمثلة عنها مع الشرح والبيان:

(هوَدنا من اسْكالي: نزلنا من الدرج)، (رِبْنا ليْهم: هبطنا)، (طاحت تشحرر: وبدأت تتدلل)، (نار السّخية: نار الحطب)، (راه هْبا حالو: ضعف وهزل)، (شاش فيا: حملق في)، (راها درْقَت عليا: اختفت عن ناظري)، (بَاط ما قلتش: لا لم أقل شيئا)، (يقبا وينبا: يشتد سقمه)، (يا مضنوني: يا عزيزي)، (يا عياية: وا تعبي)، (قتلك يا عيني: وأقول لك يا عزيزتي) (او يا عينيش: وكذلك) (محسوبش: أي).

ولازلت أذكر ونحن طلاب في المتوسط، حين كنا نضحك من بعض المفردات التي ينبغي ألا نذكرها أمام الغرباء، لكنها تنفلت من ألسنتنا عنوة، مثال لفظة (مَهَلّا) التي يبدو أنها جاءت من كلمة (مَهْلا) باللغة العربية، لكن نطقنا لها يخرجها تماما عن طورها، فهي تنطق عندنا هكذا: (مَهَالآّ) رغم أنها تحمل نفس المعنى: ( مَهَالآّ ما كنتش في الدار ) أي:( مَهْلا، لم أكن في الدار).

وهكذا إذا قارنا بين طريقة ومفردات كلام أبنائنا اليوم، وطريقة ومفردات كلام آبائنا بالأمس، أي لهجة أبنائنا مقارنة بلهجة الآباء، نكاد نلحظ فروقا جلية، نستنتج من خلالها أن انقراض لهجتنا يحدث بطريقة تدرَجية سلسلة، لا ينتبه إليها عامّة الناس ، مع تسجيلهم لبعض الملاحظات من حين لآخر، إلا أن الباحث المدقق يلحظ ذلك بجلاء.

(*) قوادري خناثة (الخنساء): أستاذة تعليم ثانوي

الكلمات الدلالية :

عدد القراءات : 4089 | عدد قراءات اليوم : 1

       مقالات الرأي و تعليقات القرّاء المنشورة بجريدة " الجلفة إنفو " لا تعبّر بالضرورة عن رأي الجريدة، إنما تعبّر عن رأي كاتبها فقط .

التعليقات :
(4 تعليقات سابقة)

سالم زائر
(زائر)
0:14 09/03/2018
يبدوا ان هناك ايضا اختلاف بسيط في لهجاتنا المحلية في بعض المفردات (هناك كتاب عنوانه الغريب من كلام العرب) تجد فيه كل مفرداتنا الشعبية.
ين أحمد
(زائر)
23:14 11/03/2018
مرحبا بكم

أغلب هذه الكلمات جاء بها الهلاليون..لأن بعضها موجود عند الهلاليين في الدول العربية الأخرى.
زائر
(زائر)
18:14 12/03/2018
سواء لهجتنا او لهجة آبائنا كلاهما لهجتين **** تبتعدان عن اللغة العربية كل البعد فلا داعي لتمجيد الدارجة وما صاحبها من اللهجات سواء القديمة او الحديثة وسواء اكانت نثرا او شعرا(شعر ملحون) كلاهما طريقين لافساد اللغة الاصل اللغة العربية.
ين أحمد
(زائر)
20:57 12/03/2018
أرجو أن تكونوا أكادميين خاصة في مواضيع كهذه..
----
الكلمات الدلالية :
اللهجة الجلفاوية اللهجة النايلية
هل - حقا- توجد لهجة نايلية؟!
هل تختص كل ولاية بلهجة؟..خاصة الولايات القريبة من لايتنا؟
كونوا واعقيين..يا جماعة..سيدي نايل رجل صالح.. أكبر من هذا..

أضف تعليقك كزائر

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:

Captcha

مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (سورة ق، 18)

سياسة نشر التعليقات في موقع الجلفة إنفو للأخبار

تتيح جريدة "الجلفة إنفو" الإلكترونية للقراء الكرام إمكانية التفاعل مع الأخبار والمقالات المدرجة من خلال التعليق

على المواد المنشورة، و إذ نرحب بتعليقات القراء، نرجو من المشاركين التحلي بالموضوعية وتجنب الاساءات الشخصية

والقبلية، وتحتفظ بحقها في نشر أو عدم نشر أي تعليق لا يستوفي الشروط أدناه، وتشير إلى أن كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من

الأشكال عن آراء فريقها الصحفي وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

و يرجى بذلك الإلتزام بالقواعد التالية:

1- التعليق يجب أن يكون على المادة المنشورة فقط، ولا ينشر أي تعليق يتعلق بموضوع آخر منشور،

2- يهمل كل تعليق يضم شتائم أو ألفاظ خارجة عن إطار الآداب العامة و الدين الإسلامي الحنيف و أعراف مجتمعنا، أو يطال بالقدح والذم والتشهير شخصيات بعينها أو هيئات رسمية،

3- يهمل كل تعليق يتضمن هجوم شخصي وغير مبرر على أفراد محددين بالاسم لهم أو ليس لهم علاقة بالمواد المنشورة،

4- تهمل جميع التعليقات التي تتعرض للكاتب أو صاحب المساهمة باسمه أو لشخصه،

5- تعتذر إدارة الجريدة عن نشر أية تعليقات تتضمن تفاصيل عن شخصيات وأسماء أو أية معلومات لا تخدم المادة المنشورة،

6- لضمان ظهور التعليقات بشكل أسرع يرجى تفادي الإطالة في التعليقات، ويمكن للمداخلات الطويلة أن ترسل عبر البريد الإلكتروني ليتم نشرها كبريد للقراء،

7- تحتاج التعليقات لموافقة المحرر المشرف قبل ظهورها، وقد تحتاج بعض الوقت للظهور لذلك يرجى عدم ارسال التعليق أكثر من مرة،

لكي لا يُهمل التعليق، يرجى الكتابة بلغة عربية فصيحة

نرجو من السادة متصفحي الجريدة الأعزاء التقيد بالقواعد التي أوردناها، وضبط التعليقات بما يتفق مع شروط النشر، ونأسف مسبقا لعدم نشر أية تعليقات تخالف القواعد المبينة أعلاه.

ملاحظات:

  • لإدارة الموقع الحرية الكاملة في اختيار التعليقات ونشرها وحذف كل ما تراه لا يتفق مع الشروط الواردة أعلاه ، ونؤكد على أن إرسال التعليق لا يعني على الإطلاق إلزام إدارة الموقع بنشره،
  • *تتمنى إدارة الموقع من المتصفحين الأعزاء ذكر الاسم الحقيقي في التعليق و تجنب الأسماء المستعارة..
  • * بالنسبة للردود الرسمية يرجى إرسال نسخة من الرد (مع الوثائق الثبوتية) إلى البريد الالكتروني للإدارة وإلا فلن يأخذ الرد بعين الاعتبار ولن يعترف الموقع على مضمونه،
  • * تهمل التعليقات المرسلة كملاحظات إلى إدارة التعليقات، وفي حال وجود شكوى يمكن مراسلة الموقع على البريد الإلكتروني. بريد إدارة الموقع djelfa.info@gmail.com
المجموع: 4 | عرض: 1 - 4

التسجيل في تتبع التعليقات التعليقات :
(4 تعليقات سابقة)

ين أحمد (زائر) 20:57 12/03/2018
أرجو أن تكونوا أكادميين خاصة في مواضيع كهذه..
----
الكلمات الدلالية :
اللهجة الجلفاوية اللهجة النايلية
هل - حقا- توجد لهجة نايلية؟!
هل تختص كل ولاية بلهجة؟..خاصة الولايات القريبة من لايتنا؟
كونوا واعقيين..يا جماعة..سيدي نايل رجل صالح.. أكبر من هذا..
زائر (زائر) 18:14 12/03/2018
سواء لهجتنا او لهجة آبائنا كلاهما لهجتين **** تبتعدان عن اللغة العربية كل البعد فلا داعي لتمجيد الدارجة وما صاحبها من اللهجات سواء القديمة او الحديثة وسواء اكانت نثرا او شعرا(شعر ملحون) كلاهما طريقين لافساد اللغة الاصل اللغة العربية.
ين أحمد (زائر) 23:14 11/03/2018
مرحبا بكم

أغلب هذه الكلمات جاء بها الهلاليون..لأن بعضها موجود عند الهلاليين في الدول العربية الأخرى.
سالم زائر (زائر) 0:14 09/03/2018
يبدوا ان هناك ايضا اختلاف بسيط في لهجاتنا المحلية في بعض المفردات (هناك كتاب عنوانه الغريب من كلام العرب) تجد فيه كل مفرداتنا الشعبية.
المجموع: 4 | عرض: 1 - 4
أدوات المقال طباعة- تقييم
0
image
         أقلام
email أرسل إلى صديق
print طباعة المقال Plain text نسخة نصية كاملة
آخر الأخبار

كاريكاتير كاريكاتير
منطقة الأعضاء منطقة الأعضاء
تسجيل عضوية جديدة

Connect with facebook

آخر التعليقات