الجلفة إنفو للأخبار - جيـّـاع الصّومال... و تخمة موائد الأمة الرّمضانية
> الرئيسية | الأخبار | دولي | جيـّـاع الصّومال... و تخمة موائد الأمة الرّمضانية

جيـّـاع الصّومال... و تخمة موائد الأمة الرّمضانية

الكاتب : الجلفة إنفو/ بقلم: مداح زكرياء
image

تؤكد كل التقارير القادمة من الصّومال أن الوضعية التي يعيشها الشعب الصومالي العربي المسلم أصبحت تنذر بكارثة إنسانية لم تعرفها البشرية إلا في الحرب العالمية الثانية من حيث ضحاياها، ذلك  أنه يموت كل ست دقائق طفل في صورة مأساوية تجعل من الإنسان يتبرأ من أمة عربية  لا تمت  بصلة لشهامة العربي الذي يبيت نار القرى لطارقها ، أمة لم يهذبها دين و لم تطورها مدنية اليوم، أمة فقدت الإحساس بالانتماء, و أمة إسلامية لا لأخلاق الإسلام وقيّمه فيها أثر, هي اليوم تبحث في مجامعها الفقهية في فتاوى الحيض و النفاس و التكفير و الثأر للحسين، و تبحث عن من له أحقية في الحكم علي أم معاوية ؟ وإعلام عربي مسلم  يتفنن في أطباق البذخ  الرمضاني و المسابقات, وإثارة النعرات.

الصّومال ...  صراع التاريخ و لعنة الجغرافيا

للتذكير أن الصومال دخلت في الإسلام في القرن 10 و أحتلها البريطانيون في 1884، وأقام في جزئها الشمال حامية عرفت بالصّومال البريطاني، و احتلها الإيطاليون في 1889 ، فأقاموا على ساحلها الشرقي محمية هي الأخرى عرفت بالصومال الإيطالي، و قد اتحد الصومال في سنة 1960 ليؤسس لدّولة جمهورية الصومال، و التي انظمت للأمم المتحدة في 1960، و لمنظمة الوحدة الإفريقية 1963، و لجامعة الدول العربية في سنة1974، وهي عضو في منظمة المؤتمر الإسلامي .

وجاء استقلالها لتبدأ الدّولة هزيلة في ظل صراع متصل جعل المعارضة تنجح في الإطاحة برئيس الدّولة الديكتاتور "محمد سياد برى" لتبدأ حروب أهلية, ومشكلات ظلمات بعضها فوق بعض, من مجاعات و خراب و مجازر و جفاف و قحط و دمار شامل لتتآكل الدولة الفتية، مما دفع بالمجتمع الدولي للتدخل سنة 1992 عن طريق الأمم المتحدة في عملية سميت آنذاك( إعادة الأمل) لتأمين وصول المعونات الإنسانية للسكان المحاصرين بفرق الموت من جهة, و غضب الطبيعة من جهة أخرى، ليجد هذا الشعب نفسه بين تاريخ مليء بالحروب و الصراعات، و جغرافية للجفاف و الصّحاري القاحلة, فلم تجد الدول الكبرى فائدة منها فقامت الولايات الأمريكية بالخروج منها خاصة و أنها كانت تحمل أجندة البقاء في القرن الإفريقي نظرا لموقعه الجيوستراتيجي بعدما أخفقت في تواجدها في أفغانستان و العراق، و هكذا في  ظل النسيان المتعمد لبلد غير معترف به بقيت الجغرافيا تصارع التاريخ .

الحرب الأهلية و أزمة الشعب الصّومالي.

لقد كانت الحرب الأهلية التي عرفها المجتمع الصومالي سببا في تردي أوضاعه و تفكيك الكيان الصومالي، حيث تفاقمت الحياة المعيشية و حالفت هذه الأوضاع الظروف الطبيعية من جفاف و قحط لتزيد من مأساة الصوماليين فاختفى الغذاء، و أصبح السّلاح أرخص من ثمن خبزة، واختلط الحابل بالنابل, فسادت فوضى جنونية أتت على الأخضر و اليابس في هذا البلد الصغير، و احتكم الجميع للغة السّلاح لتحكم كل قبيلة منطقتها، و هذا كله في غياب حل عربي إسلامي دولي.

  و نشأ جيل من الصوماليين بعد انهيار الحكومة المركزية سنة 1991 لم تسمع أذناه إلا أصوات البنادق، و لم يخزّن في ذاكرته إلاّ صورا لمشاهد القتل و الدّمار و موت الأبرياء و العصابات الإجرامية، و الدّاهية الكبرى في الصّومال اليوم هي صبغة هذا الدّمار و هذه الفوضى بأنها حروب إسلامية، فشباب المجاهدين هؤلاء الذين خرجوا من عباءة جماعات المحاكم, يقاتلون شباب المحاكم الإسلامية، هؤلاء الذين وصلوا إلى الحكم بعد الانتخابات التي عقبت اتفاقية جيبوتي، و ممّا يفهم من هذا السّرد أنه لا توجد جدّية للمجتمع الدّولي  ولا للعرب ولا للمسلمين لحل مشكلة الصّومال العالقة لتزيد المجاعة الطين بلة فيه، و لا وجود لأمة تسمى عربية أو أمة إسلامية في الإطار الحل السياسي, فعلى الأقل وحفاظا على ماء الوجه إذا بقي للأمة ما تستحي عليه أمام أمم الأرض أن تقدم مساعدات إنسانية لشعب يموت جوعا أمام ناظريها.

واليوم منظمة المؤتمر الإسلامي تمخضت لتجد أن مشكلتها في تسميتها فهي تغير ثوب تسميتها من المؤتمر الإسلامي إلى مجلس التعاون الإسلامي، قمة الترف الفكري الذي يمر به المسلمون اليوم، فكم هي المشاكل التي حلتها هذه المنظمة في المجتمع الإسلامي، و ما موقعها اليوم في المجتمع الدولي و أزماته, خاصة بما يجري في الساحة الإسلامية، و ما محلها من الإعراب في جملة الشعب الصومالي الذي يعاني مجاعة، ناهيك عن المؤامرة التي تحاك على العالم الإسلامي وهي قابعة توازن بين المصطلحات والتسميات.

 

مجاعة الصومال... و الربيع العربي

الحالة التي يعرفها المجتمع العربي منذ بداية السنة الجارية و ما عرف بـ "الربيع العربي" و الذي يعتبر الشجرة التي غطت على كل الغابة، فلم يبال العرب بما يجري في جزء من أرضهم وما يحدث لجزء من مواطنيهم، ففي الصومال الحرب الخفية المنسية، و المجاعة معلنة، فلولا المجتمع الدولي عن طريق المنظمات الإنسانية التي دقت ناقوس الخطر لمّا استفاق العرب لما يجري في الصومال المنسي  الجائع، فالديمقراطية و الديكتاتورية في البلاد العربية و جهان لعملة واحدة، فالإعلام الذي يتفنن في برامج مواد الطعام هو نفسه في ظل الديكتاتوريات أو في ظل المناخ الديمقراطي، و السؤال يبقى مطروحا ماذا خصصت التلفزيونات العربية من الوقت لحالة الصومال مقارنة ببرامج طهو الطعام والفوازير، أو أية برامج أخرى، و هنا أقول أن الأمة العربية, هذا إذا كانت موجودة واقعيا وحقا- فهي مازالت في غيبوبة تاريخية منذ حرب داحس و الغبراء وحرب الباسوس أو قبل ذلك بكثير.وأمة إسلامية  فرقها أكثر من دولها, فهي مازالت تبحث عن الفرقة الناجية.

 فمجاعة الصومال و صمة عـــــارفي جبين الأمة وستظل هذه  المجاعة نقطة سوداء في تاريخ حكام العرب والمسلمين, و في سجل المجتمع العربي والمسلم إذا ما بقي فيه من بياض، و في ذاكرة الأمة العربية خاصة, تلاحقهما مستقبلا لتقاعسها في نصرة إخوتها في الصومال و رفع الغبن عنهم.،في ظل جفاف أهلك الزرع و الضرع، فإن كان حاكم ومواطن هذه الأمة يغيب عنه ما يجري في أرض الصومال، فنقول له ما قاله الشاعر العربي:

إن كنت لا  تدري فتلك منك جهالة  ــ  أو كنت تدري فالمصيبة أعظم

 
أمريكا ... و حماية المدنيين

و قد سعت أمريكا لحماية مصالحها  في الصومال مركزة على جوانبها الأمنية في المنطقة بحجة وجود تنظيمات  تابعة للجماعات الإرهابية، كما عمدت أمريكا للقضاء على الفعل الخيري في الصومال من خلال القضاء على المنظمات و المؤسسات الخيرية كمؤسسة الحرمين الخيرية  في هذا البلد, و القضاء على فاعلية المؤسسات الاقتصادية بتجميد نشاطاتها و فرض حظر على تحويلاتها المالية بحجة قطع الإمدادات عن الإرهاب، لكن أمريكا أخفقت في تحييد الإسلاميين على حكم الصومال، حيث هناك صراعات و حلّها في يد الصوماليين و حلّ ملف الصومالي، فأمريكا تحمي المدنيين، وتقتل الأبرياء!؟ لكم الله يا أهل الصومال و أقول لكل صومالي: إن ما يحدث في بلادكم حلّه بأيديكم، فلا تنتظروا من أمة متخمة  تزخر قماماتها بملايين الأطنان من بقايا موائدهم الرّمضانية، و تنفق الملايير على قنوات العار الفنية و على النجوم في الرياضة والفن  وعلى طاولات القمار وعلى... و على شراء ترسانة من الأسلحة تصدأ مع الأيام  لتباع في المزاد  العلني خردة حديدية أو في قتال بعضنا بعضا وتنفق الملايير في وفي... فعوا إخوتنا في الصومال، إن العين  لتدمع و القلب ليخشع و لا نقول إلا حسبنا الله في هذه الأمة المترفة التي هي عار اليوم على الأمم أمة الأثرياء المتخمين، أمة أرصدتها في بنوك أعدائها تحل الأزمات المالية للدّول التي تعادي شعوب الأمة المغيّبة، فأين العالم الإسلامي من مشاهد الموت البطيء للأطفال الصوماليين التي تتناقلها الوكالات العالمية عبر تلفزيوناتها و شبكاتها الإلكترونية بصورة مؤثرة تدّمي القلوب، صورة تعكس غياب وعي الأمة، صور تعكس واقع أمة عبثية باعت نفسها للهو و المجون و للشيطان؟ أمة شيعتها يندبون الحسين(ع) و يرددون يالثارات الحسين! و يسبّون أم المؤمنين عائشة، و يستعجلون الرّجعة ,و نصفها الآخر من السنة فقهاء تبرير تصرفات مولانا السلطان ولو كان عبدا حبشيا وقد ضرب ظهرك وأخذ مالك ،أو عليك أن تتفقّه في عقيدة الولاء والبراءة وتكفّر حاكمك وتخرج عليه ,وكل هذا من السنة, وآخرون غارقون بين التخلية و التحلية والكل يتقرب لله يرجو جنته.

صرخة مدّوية في أذن الحكام و الأثرياء

بلغة الحسرة المدّوية هذه صرخة لكل الحكام و الأثرياء أن يسارعوا إلى إغاثة شعب يموت أمام شاشات التلفزيونات الدولية، و أن يخصصوا جزء من أموال المسلمين و من الثروات العربية للدول البترولية وغير البترولية الموجودة في البنوك السّيادية في خزائن الصهيونية العالمية.

فيا حكام و أثرياء العرب و المسلمين النجدة .. لشعب يموت جوعا، في ظل حرب منسية و مجاعة أصبحت معلنة، فأين  أنتم أيها المسلمون مما يحدث اليوم في الصومال ؟   وأين أنتم يا فقهاء السّلطان ؟ و أين أنتم يا علماء  التكفير؟ وأين أنت أيتها النخبة المثقفة؟ لم نسمع صوتكم وأين أنتم يا من تدعون أنكم الفرقة الناجية "كبر مقتا  عند الله أن تقولوا مالا تفعلون " و يا كل فرقة تلعن أختها، و كل تدّعون أنكم الفرقة الناجية، فأين أنتم من الناجين من شبح المجاعة من إخوتهم في الصومال ، فأين علماء السنة، وأين مرجعيات الشيعة، و بل و أين المسلمون ممّا حلّ بإخوانهم في الصّومال الجريحة التي عاشت الديكتاتورية,والصراعات,واليوم تعيش المجاعة.إن مثلث الموت هذا هو سيناريو لزوال دولة و شعب يموت بصمت أمام صمت رهيب للهيئات الرسمية و لقنوات إعلامية عربية و إسلامية لا تبث إلا مسابقات يحضرني منها مهزلة تقول "دولة أولها ألف و لام، و أخرها ألف و لام، و بينها ركن في الإسلام "يا سلام! فلتزل هذه القنوات الغشاوة عن عيونها لترى ما يحدث لأطفال الصومال من موت رهيب تقشعر منه الأبدان، فعفوا إخوتنا في الصومال المنسية , فيا أثرياءنا ,ويا حكامنا ويا قنوات العرب والمسلمين  لقد أكّد الأمين العام للأمم المتحدة هذه المجاعة بقوله: "يموت الناس جوعا في أرجاء القرن الإفريقي..." ..." و لقدا قاومنا باستخدام كلمة المجاعة، إلا أننا اعترفنا رسميا بالواقع المتغير بسرعة و هو وجود مجاعة في أجزاء من الصومال، و هي آخذة بالانتشار".

 فيا أمة الإسلام إن لم تجدي حلا للأزمة سيزيد انتشارها و  سيزيد في فقدان أنفس وبالملايين، فهل لكم من إحيائها، فمن أحيا نفسا فكأنما أحيا الناس جميعا، فالصومال تعاني منذ عشرين سنة وأنتم غافلون عنها، هذه الصّومال جائعة  ,وشعبها يموت بصمت هي الآن تستغيكم.فهل من مجيب؟

وأخيرا:

أدعو كل قلب رحيم أن يشاهد اليوتوبات المصورة في الشبكة الدولية و الصور التي تتناقلها وكالات الأنباء للمجاعة في الصومال والتي أبكت الملايين, ليصل إلى أحد أمرين أولهما :إدراك النعمة التي هو فيها من أمن و استقرار و ظروف معيشية ميسورة وإن كانت دون المستوى، و ثاني الأمرين ليتأكد من تفاهة الإعلام العربي المسلم في معالجة قضايانا المختلفة، فالمساحات الإعلامية المخصصة للتفاهات و التراهات تتسع دائرتها في الإعلام العربي الإسلامي كل يوم, في ظل غياب إعلامي جاد يتعامل مع واقع الأمة بما يقتضيه الانتماء لها، و بما تقتضيه الاحترافية و الرسالة الإعلامية الجادة، ذلك أن مشاهدة هذا الصخب من الأغاني الماجنة الإباحية و البرامج التافهة التي تأخذ وقتا طويلا و تستنزف مبالغ مالية طائلة، برامج تستهتر بالمشاهد و تضحك على مأساتنا في زمن التردي هذا، كل هذا و شعب بالملايين أبناؤه يتضورون جوعا، فما عسانا نقول لأمتنا إلا: الإغاثة الإغاثة ، و لكل الرؤساء و الملوك و أمراء هذه الأمة أوجه نداء الضمير العربي المسلم انطلاقا من قوله تعالى: "إنما المؤمنون إخوة" الإغاثة الإغاثة لشعب عربي مسلم حاله لا يسر الأعداء، فالأمة تنظر و أنتم على رأسها, إن ما يجري في الصومال و إن الملايين من أبناء جلدتنا مهددون بالموت وبأبشع صوره، فالأفضل من كل المشاريع التي هي أمامكم فمبدأ الأولويات يحتم عليكم  إحياء النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق فهذا أولى الأولويات، فإن تقاعس الحكام و الأمة في هذا الظرف هو القتل نفسه للملايين مع سبق الإصرار و الترصد جريمة تشارك فيها الأمة حكاما و محكومين، و لن يغفر الله خطاياها للحكام و الأثرياء بالدرجة الأولى، و للأمة بالدرجة الثانية، ذلك أن هذه اللامبالاة عن إحياء هذه النفوس في ظل المليارات التي تنفق هنا و هناك، و منها المودعة في البنوك الدولية هي جريمة تاريخية أخلاقية لكل الأمة لا تسقط بالتقادم، هذه الأمة التي أصبح الموت إحدى أولوياتها للأسف، فمن لم يمت فيها برصاص الحاكم أو خنجر الإرهابي أو بالموت البطيء في ظل الأزمات الخانقة التي يعيشها الفرد العربي المسلم...أو بالجوع الذي أصبح اليوم حالة جديدة للموت، و من المؤسف أننا عاصرنا زمنا ينقل فيه موت الجياع منا على المباشر،وكلنا يرى  فإلى متى يا أمة ضحكت من جهلها الأمم هذه الحالة؟

عدد القراءات : 5518 | عدد قراءات اليوم : 2

       مقالات الرأي و تعليقات القرّاء المنشورة بجريدة " الجلفة إنفو " لا تعبّر بالضرورة عن رأي الجريدة، إنما تعبّر عن رأي كاتبها فقط .

التسجيل في تتبع التعليقات التعليقات :
(0 تعليقات سابقة)

أضف تعليقك كزائر

:أضف تعليقاتك

رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:

Captcha
المجموع: | عرض:

التعليقات :
(0 تعليقات سابقة)

المجموع: | عرض: