الجلفة إنفو للأخبار - الشّيخ نادر السّنوسي العُمراني ( 1972 م ـ 2016 م ) ... أيّ عالم فقدناه !
> الرئيسية | الأخبار | دولي | الشّيخ نادر السّنوسي العُمراني ( 1972 م ـ 2016 م ) ... أيّ عالم فقدناه !

الشّيخ نادر السّنوسي العُمراني ( 1972 م ـ 2016 م ) ... أيّ عالم فقدناه !

الكاتب : بقلم : سعيد هرماس
image

الشّيخ نادر السنوسي العمراني

لقد خسرت مُنذ أُسبوع الأمّة الإسلاميّة و بخاصّة العربيّة منها، و بخاصّة الخاصّة اللّيبيّة منهما، هذه الأيّام، عالما مُحدّثا فقيها مُشاركا مُدرّسا مُؤلّفا، ذا توجّه سلفيّ مُعتدل، زيّنه بالسّماحة و الطّيبة و الأناة و اللّين؛ فضيلة الشّيخ  نادر السّنوسي العُمراني الطّرابلسي اللّيبي، الجزائري الأصل، و هو في سنّ العطاء ( 46 عاما ). اغتاله جهلةٌ نقعةٌ أغمارٌ أغرارٌ تُحوتٌ، ظُلما و طُغيانا، لا لشيء إلّا لخلاف في الفهم و الرُّؤية و التّصوّر، و هذه هي مآلات التّعصّب المقيت و الجهل المُطبق، الّتي لطالما حذّر منها عُلماؤنا العُدول الأثبات. و لا حول و لا قُوّة إلّا بالله. و قد نعته دار الإفتاء اللّيبيّة يوم الاثنين 21 صفر الخير 1438 هـ، المُوافق 21 نوفمبر 2016 م[1]، بعد كان قد اُختطف من طرف جماعة مجهولة، مُنذ ما يزيد عن الشّهر، من أحد مساجد مدينة طرابلس، قبل إقامة صلاة الصُّبح، في ظروف غامضة. 

لقد ظهرت في العُقود الأخيرة في الأمّة الإسلاميّة، عن جهل و عن غيره و هو الكثير منه، نوابت عديدة، بالغت و غالت و حادت في مسائل مُتعلّقة بالتّكفير و الهجر و التّبديع و الخُروج و الإرجاء، و جعلت بعضا منها ديدنا لها، و أطالت النّفس في ذلك، و خرجت خُروجا كبيرا عن القواعد و الضّوابط، و أخلطت بين مسائل عقديّة و منهجيّة و فقهيّة، أصليّة كانت أو فرعيّة، و نصّبت متبوعين و رُؤوسا، تُوالي و تُعادي لأجلهم، حتّى خالفت سواد أهل السُّنّة و الجماعة، و اشتطّت و مرقت و جاءت بالطّامات... من التّسفيه إلى التّبديع و التّضليل إلى التّفسيق إلى التّكفير إلى التّفجير..... و قد وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم، و الحال يدعو إلى القلق و الحيرة. نسأل الله العافية و نعوذ به من الجهل و سُوء الفهم[2].

و إنّ موت العالم لرزيّة كُبرى؛ ففي الصّحيحين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص (رضي الله عنهما)، أنّه قال : سمعت رسول الله (صلّى الله عليه و سلّم) يقول : (إنّ الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد و لكن يقبض العلم بقبض العُلماء حتّى إذا لم يُبق عالما اتّخذ النّاس رُؤوسا جُهّالا فسُئلوا فأفتوا بغير علم فضلّوا و أضلّوا.)[3]

و روى الدّارمي و الطّبراني في الكبير مرفوعا و ابن شاهين في التّرغيب و ابن عبد البرّ في العلم و أبو يعلى في مسنده و من طريقه ابن عساكر في تاريخه و القزويني في التّدوين و الدّيلمي في مسند الفردوس : (موت العالم مُصيبة لا تُجبر، و ثُلمة لا تُسدّ، و موت قبيلة أيسر من موت عالم و هو نجمٌ طُمس.)، صحيح  بشواهده، و أخرج البزّار في مسنده و ابن عساكر في تاريخه و الدّيلمي في مسنده و السّجزي في الإبانة و المرهبي في العلم، من طريق سَعِيد بن سنان، عَن أبي الزّاهريّة، عَن كثير بن مرة، عَن أبي شجرة  و ابن عُمَر قال : قال رَسُول اللهِ (صلّى الله عليه و سلّم) : ( إنّ الله ليس يذهب بالعلم رفعا يرفعه، و لكن يذهب بحملته. أحسبه قال : و لا يذهب عالم من هذه الأمّة إلّا  كان ثغرة في الإسلام لا تسدّ إلى يوم القيامة. )، و أخرج الخطيب في الفقيه و المُتفقّه و أبو الفرج  النّهروانيّ في الجليس الصّالح و الأنيس النّاصح من طريق ابن الأعرابي، و سهل بن هارون، قالا : قال علي بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) : ( من حقّ العالم : أن لا تُكثر عليه السُّؤال، و لا تُعنته في الجواب، و لا تُلحّ عليه إذا كسل، و لا تأخذ بثوبه إذا نهض، و لا تُفشي له سرّا، و لا تغتاب عنده أحدا، و أن تجلس أمامه، و إذا أتيته خصصته بالتّحيّة، و سلّمت على القوم عامّة، و أن تحفظ سرّه و مغيبه ما حفظ أمر الله، فإنّما العالم بمنزلة النّخلة تنتظر متى يسقط عليك منها شيء، و العالم أفضل من الصّائم القائم الغازي في سبيل الله، و إذا مات العالم شيّعه سبعة و سبعون ألفا من مُقرّبي السّماء، و إذا مات العالم انثلم بموته في الإسلام ثُلمة لا تُسدّ إلى يوم القيامة. )، و قد أخرجه الزّبير بن بكّار في الموقفيات من طريق آخر عن محُمّد بن سلّام الجُمحي عن علي بن أبي طالب ( رضي الله عنه )، و أخرج أيضا الخطيب في الفقيه و المُتفقّه عن الإمام علي (رضي الله عنه) قوله : (يموت العلم بموت حملته.)، و أخرج الحاكم في المُستدرك من حديث عطاء[4] عن ابن عبّاس ( رضي الله عنهما ) في قوله الله تعالى : (  أو لم يروا أنّا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها ) (الرّعد / 41). قال : (موتُ علمائها.)، و قال الحافظ ابن كثير في تفسيره للآية المُشار إليها آنفا : ( قال ابن عبّاس (رضي الله عنهما) في رواية : (خرابها بموت عُلمائها و فُقهائها و أهل الخير منها.)، و كذا قال مُجاهد أيضا : (هُو موت العُلماء)، و روى الدّارمي عن عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه) قوله : ( ليكم بالعلم قبل أن يُرفع، و رفعه هلاك العُلماء.)، و روى البيهقي عن معروف بن خربوذ عن أبي جعفر أنّه قال : (موت عالم أحبّ إلى إبليس من موت سبعين عابدا.)

و قال الإمام الحسن البصري (رضي الله عنه) : (موت العالم ثُلمة في الإسلام لا يسدّها شيء ما اختلف اللّيل و النّهار.) اهـ ، فكيف بقتله إذن ؟!، و قد ضمّن الإمام الطّحاوي في عقيدته، أنّ محبّة العُلماء و طاعتهم[5] من صميم الإيمان. أقول يعني بهم عُلماء السُّنّة، و فقيدنا نحسبه منهم إن شاء الله. و هو من مواليد 1392 هـ / 1972 م، بمدينة طرابلس، بالقُطر اللّيبي. و تعود أُصوله إلى عائلة السّنوسيّ الشّلفيّة الجزائريّة المعروفة المشهورة بالأدب و العلم و التّصوّف المليح، الوافدة على التّراب اللّيبي في منُتصف القرن الثّالث عشر الهجريّ، المُوافق بداية القرن التّاسع عشر الميلادي[6]، و سادت به و صار لها رواجا و مكانة بين أهله. دخل التّعليم الحُكومي اللّيبي، و زاول به التّعلّم و الدّراسة إلى أن نال منه الثّانويّة العامّة (البكالوريا)، ثمّ واصل بكلّيّة الطّب بطرابلس زمنا، ليتوجّه بعدها إلى الجامعة الإسلاميّة بالمدينة المُنوّرة، أين حصل على اللّيسانس و الماجستير في الحديث النّبويّ، و أنهى مرحلته الجامعيّة بإحرازه الدّكتوراه في نفس التّخصّص، من جامعة طرابلس الغرب، و قد أثنى عليه بخير كثير طائفة من العُلماء الثّقات.

مارس التّدريس و الخطابة و الإفتاء، و انضمّ إلى عدد من المُؤسّسات الإسلاميّة، داخل و خارج ليبيا، و هو عُضو في بعض الهيئات الشّرعيّة، منها دار الإفتاء اللّيبيّة برئاسة الدّكتور الفقيه المُفتي الصّادق بن عبد الرّحمان الغرياني، و رابطة عُلماء المُسلمين، و نائب رئيس رابطة عُلماء المغرب العربي، و له العديد من المُؤلّفات و المقالات منشورة، غالبها في مباحث فنون الحديث النّبويّ ( رواية و دراية و رعاية)، و أقام حلقا مُتواصلة، شرح فيها كُتبا و مُقرّرات في أُصول الرّواية، كما شارك أيضا في لقاءات تلفزيونيّة تُعنى بالفتوى و الثّقافة الإسلاميّة عُموما. و لقد جعلت له ترجمة طيّبة ضمن كتابي القريب الصُّدور "المُحدّثون و جُهودهم في القرنين الرّابع عشر و الخامس عشر الهجريين".

فيا لله و يا للمسلمين !! إذا قُتل أو أُهين العُلماء و ورثة الأنبياء، من طرف أبناء الأمّة الإسلاميّة، و أكثر من ذلك من طرف من يُحسبون على تيار الصّحوة الإسلاميّة،  فمن هدّم عالما أو انتقصه، فقد أعان على هدم الدّين كُلّه.

رحم الله الشّيخ العالم السّلفيّ المُحدّث نادر العُمراني رحمة واسعة و رزقه الشّهادة في سبيله، و أعظم أجر عائلته المكلومة (أمّا و أبا و زوجة و أولادا و إخوة)، و العزاء التّام لأحرار ليبيا (جمع الله أهلها على الخير و دفع عنهم كيد الأعادي)، و أسأله تعالى أن يأجرنا في مُصيبتنا و أن يخلف علينا خيرا منها، إنّه وليّ ذلك و القادر عليه. و صلّى و سلّم على سيّدنا مُحمّد و على آله و صحبه و من اتّبع هُداه.

هوامش

1 ـ تكملة الوفيات ( 1438 هـ ــ 1447 هـ ) .

2 ـ قال العلّامة مُحمّد بن صالح العُثيمن ( ت 1421 هـ / 2001 م ) : ليس آفة العلم النّسيان ، إنّما آفته سُوء الفهم عن الله و عن رسوله ( صلّى الله عليه و سلّم ) . 

3 ـ قال الحافظ النّوويّ : ( هذا الحديث يُبيّن أنّ المُراد بقبض العلم ليس هو محوه من صدور حُفّاظه ، و لكن معناه : أن يموت حملته و يتّخذ النّاس جُهّالا يحكمون بجهالاتهم فيضلّون و يُضلّون .) اهـ .

4 ـ قال الحافظ ابن عبد البرّ : ( و قول عطاء في تأويل الآية "أو لم يروا أنّا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها" (الرّعد/ 41) حسن جدّا تلقّاه أهل العلم بالقبول .) اهـ .

5 ـ الّذين يُنقصون من قدر العُلماء ، بالإساءة و التّجريح، و يتطاولون على مقاماتهم العالية، و يُقحمون أنفسهم في أمور العامّة مع عجزهم عن إدراكها، و عن فهمها، و عن تأديتها، و قعدوا عن طلب العلم، و لا يزنون الأعمال بقسطاس الشّريعة، هم  الرُّويبضة ، فقد ورد في حديث النّبيّ (صلّى الله عليه و سلّم) ، حين ذكر من أشراط السّاعة  : (أن تنطق الرُّويبضة في أمر العامّة) ، فقيل له : و ما الرُّويبضة  يا رسول الله ( صلّى الله عليه و سلّم) ؟ فقال عليه الصّلاة و السّلام  : (الرّجل التّافه ينطق في أمر العامّة) .  ذكره ابن الأثير الجزري في النّهاية ( ج 1 . ص 58 ) .

6 ـ الوافد هو محمّد بن عليّ السَّنُوسي الخطّابي المجاهري (نسبة إلى مجاهر بن عبد الله) الشّلفي ( نسبة إلى وادي الشلف ) المُتوفّى 1859 م .

عدد القراءات : 28640 | عدد قراءات اليوم : 74

       مقالات الرأي و تعليقات القرّاء المنشورة بجريدة " الجلفة إنفو " لا تعبّر بالضرورة عن رأي الجريدة، إنما تعبّر عن رأي كاتبها فقط .

التسجيل في تتبع التعليقات التعليقات :
(0 تعليقات سابقة)

أضف تعليقك كزائر

:أضف تعليقاتك

رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:

Captcha
المجموع: | عرض:

التعليقات :
(0 تعليقات سابقة)

المجموع: | عرض: