الجلفة إنفو للأخبار - سيرة المجاهد سي عمر بن فتاشة ... "الخوجة الجوّال" ومدوّن تاريخ وذاكرة عرش أولاد يحيى بن سالم!!
> الرئيسية | رجال و تاريخ | سيرة المجاهد سي عمر بن فتاشة ... "الخوجة الجوّال" ومدوّن تاريخ وذاكرة عرش أولاد يحيى بن سالم!!

بقلم الأستاذ مبروك بن فتاشة

سيرة المجاهد سي عمر بن فتاشة ... "الخوجة الجوّال" ومدوّن تاريخ وذاكرة عرش أولاد يحيى بن سالم!!

الكاتب : بقلم الأستاذ بن فتاشة مبروك **
image

شكل عرش "أولاد يحيى بن سالم" كيانا منفردا بخاصية انتشاره عبر مناطق عدة بالجلفة وحولها من المداشر والولايات. وفي الماضي كانت تجتمع أو تتكتل أغلب فرق أولاد يحيى بن سالم إلا عند التنقل بين مناطق الرعي في رحلة الصيف إلى التل أو الشتاء إلى زاغز. ونظرا لما شكله هذا العرش من تهديد، لما عرف عن ماضيه من تمرد وعنف وعدم الرضوخ لحكم الأتراك وللمحتل الفرنسي بعدهم، فقد عمد هذا الأخير إلى الإمعان في تشتيت هذا العرش وعرقلة تمدّنهم وإقامتهم في حاضرة موحدة.

ومن أعرق عائلات هذه القبيلة الكبيرة برز أحد الفاعلين مُحققا إنجازات مشهودة خدمة لها؛ والذي كان عمله في نظر الكثيرين بمثابة سد منيع للحيلولة دون بلوغ المستعمر مآربه للنيل من وحدتها ... لم تكن هذه الشخصية سوى "سي عمر بن فتاشة" صاحب الذاكرة القوية والنضج المبكر وهو لم يتجاوز العشرين ربيعا.

هذه الخصال والملَكات الفريدة كان لها بالغ الأثر في تحصيله العلمي وفي حياته وإنجازاته. فقد كان شديد الإهتمام بشؤون أهله وعشيرته، كثير السؤال عن أرضهم ومقامهم وجديدهم على جميع الأصعدة، مستقيا المعلومة كبيرة كانت أم صغيرة. كما أظهر قدرة كبيرة في معرفة (البر) بمسالكه واتجاهاته وقد تعزز ذلك بكثرة تجواله في ربوع المنطقة وما وراءها مما أهّله لأن ينجز خريطة (مخطط) بخط يده لحدود ومناطق تواجد عرشه بعد تقسيم المهندس الفرنسي (بوكس Poox).

كان سي عمر لما يُسأل من زوّاره ومريديه عن شؤونهم أو قضاء حوائجهم لا يعجز عن تقديم الأخبار بالتفاصيل. ثم اهتدى فيما بعد إلى فكرة الحفاظ على هذه الميزة والأسبقية التي يراها المنصفون أنها قد ساعدت في تماسك أنساب هذا العرش وسهلت ارتباط أفراده ببعض وبالأرض. لقد كانت سابقة فريدة خاصة لما قام بتسجيل ما يصله من الأخبار بطريقة علمية متقنة وذلك بتدوين: اسم المعني وجنسه وفرقته واسم الأب والأم ونسبه وتاريخ الميلاد وكذلك منطقة تواجده في دفتر. لقد كان ذلك العمل التوثيقي ديدنه أينما حل وارتحل: في البرية وفي زياراته المختلفة أو رحلات الصيد أو في قرية مسعد أو في السوق، في بيته وفي خيمته وأثناء السفر ... كان سي عمر دائما يسأل ويُدَوِن الزيجات والمواليد والوفيات في دفاتر يحملها في جراب على حماره أو حصانه.

وهكذا ومع مرور الوقت واكتسابه سمعة ورصيدا من المصداقية لدى الجميع تطور عمل سي عمر بن فتاشة وصار يشير إلى الشهود ويُهمش أي معلومة للتوضيح ثم صار يستقبل طلبات التسجيل من المعنيين عن طريق مبعوثين أو بالرسائل. كما اجتهد في الإعتراض على تدوين بعض الألقاب المشينة لبعض العائلات فيما بعد.

إن كل هذه الخبرة والإخلاص المشوب بالصرامة جعلت نسبة الأخطاء تكاد تكون منعدمة وإذا وقع خطأ فإن ذلك لا يكون سوى نتيجة لعمليتي النقل والترجمة إلى الفرنسية. وليكون في مستوى ثقة الناس وقضاء حوائجهم وتنظيم أمورهم فقد اتخذ "سي عمر" غرفة في بيت العائلة يستقبل فيها أصحاب الحاجات وقد أُطلق عليها (دار البيرو) ... فكان بيته دائما عامرا بالزوار لشتى الحاجات مما أكسبه معرفة واسعة بمناطق تواجد العرش والأماكن المستغلة من قبل فرقه وعائلاتهم ... وهكذا كانت استشارة سي عمر ورأيه بمثابة الوثيقة الأكثر مصداقية في أي خصام يقع حول الأرض أو الإنتساب أو النسب لأنه كان يعرف قبيلته فردا فردا وبالتفاصيل!

هكذا أسس "سي عمر بن فتاشة" الحالة المدنية لعرشه على الورق قبل وضع المقر لها بل وحتى قبل استقرار العرش في منطقة حضرية موحدة. فكانت أعماله وتوثيقاته هي المرجع الوحيد والأساسي لمّا تم تأسيس مقر أول بلدية مهيكلة لعرش "أولاد يحي بن سالم" بقصر الحيران دون غيره من المناطق سنة 1958 على الرغم من وجود أكثرية بالجلفة وخاصة بمسعد. فهذا الإختيار كان دون شك لأهداف استعمارية بحتة.

ورغم هذا التطور ظلّ سي عمر يحافظ على عادته في التدوين إلى غاية انتقاله للعمل بمسعد في مقر البلدية. لكنه دأب على عادة التدوين والسؤال أثناء تجواله ليُدون الجديد في أوساط العرش في جميع الأوقات والظروف والأماكن كما كان يقوم بعدة وظائف:

-  إمام يؤم المصلين ويصلي على الجنازة ويعقد قران المتزوجين ويصلح بين المتخاصمين.

-  فقيه يُلجأ إليه للفتوى وللسؤال حول مسائل حول الصلاة والصيام والزكاة والمعاملات. 

-  طبيب ماهر يرقي (يسبب) لمن به علة كـ (رصد) الضرس ومعالجة أنواع الأمراض النفسية كـ (الهلاك) والوسواس والصرع بالقرآن وما عرف عنه أن القليل فقط من استعصى عليه مداواته ... فلُقّب حينئذ بـ (ماض القُليم).

-  كاتب عمومي لكل من يريد مراسلة أو كتابة تظلم.

-  ذا سلطة معنوية ومن كبار العرش لا يقام تجمع أو مأدبة إلا ويكون هو على رأس المدعوين.

المولد والنسب ...

ينحدر "سي عمر بن فتاشة" من عائلة خدمت أهلها ومنطقتها والوطن كابرا عن كابر ... فهو بن فتاشة سي عمر بن سي علي (معلم وباش عدل وخوجة) بن سي محمد (فقيه وكاتب وقاض القضاة، 1790-1891) بن البشير (المعلم، دڨاڨ البارود والرحالة) بن قويدر بن رابح بن فتاشة وأمه هي السيدة فاطنة ميلودي (من عرش أولاد طعبة). ينتمي سي عمر إلى أولاد أحميدة من فرقة أولاد سعد بن بوزيد من عرش أولاد يحي بن سالم بن مليك بن سيدي نائل.

ولد سنة 1903 بمسعد وكان وحيد والده الذي أنجبه بعد ثلاث بنات وانتظار وترقب وأمل في المولى عز وجل. توفي والده قبل بلوغه سن السادسة وقد نزل خبر فاجعة وفاة والده بغرداية على أخته البكر "الشايعة بنت سي علي". وبلوعة انهمرت كلماتها مع دموع الحزن والأسى ببكائية جد حزينة:              

                     غرداية شاهي قصرها نا نخليه *** نشبها ونطيح السور العالي

                     لي جاها ضيف ما فرحتش بيه *** عشاتو لَلحَاد والكفن البالي

نا سربوا لي قا سروج على لعياد

نا سربوا لي قا العودات حفايا

ربي صبًر خاطري يا مولاي

تزوج سي عمر عدة زيجات أنجب منها ثلاثة أولاد وأربع بنات. ويوم زواجه أنشدت إحداهن فرحا بهذه الزيجة قائلة في (قوال) طويل نختار ما تردد كثيرا:

 اسكتي يا غالطة وحديثك شين يحشم *** هي خذات الفتاشي خوجة في البيرو يحكم

الدراسة ...

كان سي عمر دارسا عصاميا ومجتهدا وحافظا لكتاب الله تعالى. ونظرا لنبوغه المبكر تلقى سور القرآن الأولى على يد والده في حوالي السن (الثالثة) فقد كان يوليه اهتماما بالغا ولا يكاد يفارقه لما كان يُدرّس أبناء البلدة ويَحضر معه إلى الجامع. وسي علي كان كذلك معلما ومن حفظة القرآن؛ اشتهر بخطه الجميل في الكتابة مثل آبائه ليقال فيهم "زينين الخط فيهم باباي". وقد كان له عدد من المخطوطات منها المصحف الشريف وخوفا من مصادرتها لما استهدف بالمتابعة بوشاية امتلاكه كمية من البارود لما لاحظ البعض استهلاكه الورق المقوى للكتابة فقام بإخفائها بمنطقة "شادن" قرب "ساقية الرمانة" بغابة مسعد. وبعد فاجعة وفاته بحثوا عنها لكنها كانت قد اختفت.

ومن بين معلميه المقدم "سي موسى بن سي البشير"، خرّيج زاوية الهامل، فهو المعلم الأول والمذاكر لسي عمر لمدة زمنية بالبادية بعد وفاة والده وحين استقر في جواره زمنا. وقد ساعدت رحلات سي عمر واحتكاكه بالمشايخ على تكوين صداقات وتطوير ثقافته وتحصيله العلمي بعد حفظه لكتاب الله وأيضا توطينا لعلمه واستزادة في التفقّه. ففي زيارتين لأحد أصدقاء والده "سي علي" بتڨرت كان له اتصال بالشيخ "الطاهر بن العبيدي" سنة 1933 ثم زار الزاوية المختارية وربطته صداقة بالشيخ خالد بن الشيخ عبد الحميد سنوات الخمسينات. وفي زاوية "الهامل" كان له لقاءات مع "محمد المكي بن مختار القاسمي".  وبزاوية "سيدي علي بن عمر" حضر دروس "الشيخ عبد الرحمن" غير أن كل هذا الكم من العلاقات لم يكن بصورة متواصلة فمكوثه في تلك الأماكن لا يتعدى الأسبوعين.

وكما أسلفنا فإن سي عمر كان قوي الذاكرة وحاضر البديهة مما مكنه من حفظ متن "ابن عاشر" والإطلاع على الأجرومية وألفية ابن مالك ومختصر الشيخ خليل في الفقه بشكل مقبول. وقد كان شغوفا بالمطالعة التي لا يمل ولا يكل منها في الأدب والشعر والتاريخ والفقه. وحدث في مرات أن كان يداعب شيخ زاوية طولقة بمطارحة شعرية في أوقات أنس بعد صلاة العصر ... هكذا كان لا يفارق مجالس العلم ولا ينقطع عن التردد على الزوايا وحضور مجالس الذكر. كما تلقى العديد من الدعوات من زاوية الشيخ "سي عبد القادر الزنيني الطاهري" بالإدريسية والشيخ "سي أحمد المغربي" بزاوية "سيدي بولرباح" بنواحي الدويس وتوطدت علاقاته مع بعض مرتاديها. إضافة إلى جماعة من الشعانبة وبني ميزاب بكل من متليلي وغرداية أثناء زياراته أحيانا لشؤون عمله وأخرى لواجبات يفرضها العرف ومنصب كبير العرش.

لقد توارثت عائلة (الفتاتشة) تبجيل العلماء والصالحين فصار شعار شيوخهم:

الفتاشي يشتيك ويحب يجيك *** يكرم شيبو بيديك يا بن عثماني

ولم تتنازل هذه العائلة عن عادات أجدادها فكان أفرادها يحضرون الاحتفالات الدينية التي تقام في جامع (لحباب) بحي النواورة بمسعد وهذا بتلاوة القرآن جماعة وترديد القصائد والمدائح الدينية. وقد شغفت العائلة بالمديح الذي كان يستقبل به (ركب) سيدي علي بن اعمر عند مشارف المدينة بمقام الرقاديات:

الله الله يا رحماني، يا واسع لركاني، يا سلطاني، عظيم القدرة

يا شيخ لا تنساني، هاهو جاني، يغرسني غرس النخل بين الحيطاني، شيخ علي بن عمر

وسيدي عميرة جاني، من طولڨة يا ماب عدو، ومطوّع الجهالي، في ذكر ربي يعبدو

وقد لازم سي عمر جماعة "الزاوية القادرية" وكذلك "الزاوية الطاهرية" يشارك في ترتيل القرآن ويُقدم أحيانا دروسا في بعض المناسبات وإثر صداقته لمشايخها ويُذكر أنه تم دعوته لحضور لقاء وزيارة "جمعية العلماء المسلمين" لمسعد سنة 1947 كأحد أعيان البلدة غير أنه لظروف عمله القاهرة استأذن ليغادر في منتصف اللقاء مجبرا (ملاحظة مدونة في دفتره).

وقد يكون أسدى إليه سي عبد الرحمن بن الطاهر إحدى قصائده العامية بخط يد (عبدو) وجاء في مطلعها (وجود نسخة أصلية):

        إذا دخل في الطريڨ دڨداڨ *** يتكلم بالعلم السماوي

      اتقوملو أهل الدنيا على ساڨ *** في وقت تكثر الدعاوي

      بالجنود الهوى للغيب طرباڨ *** طبيب يجرح ويداوي

كان سي عمر يلتقي الشيخ "سي عبد القادر بن ابراهيم" وأيضا الإمامين "بن ماهية" و"بن حرز الله" بالأغواط ومعارف أخرى بتڨرت ومليانة والبيّض والمدية. إضافة إلى مراسلات (وجود نسخ) من خارج الوطن من تونس ومصر وليبيا من طرف أتباع الطريقتين القادرية والرحمانية من أمثال "أحمد بن محمد بن أبو القاسم" من منطقة "زليتن". كل هذه العلاقات المتشعبة زادت أفقه اتساعا. ومن المغرب مكث عنده مجموعة من الحجاج المغاربة لما يقارب العشرين يوما وكانوا مشايخ ذوو باع علمي تدارس معهم تلك الأيام وأعجبوا بعلمه ومن أول نقاش وتلاوة صاروا ينادونه "شيخنا العجرمي" تاركين له بعضا من كتبهم.

وأخيرا ربطت سي عمر علاقة صداقة مع وزير المجاهدين السابق "السعيد عبادو" إبان الثورة. بدايتها كانت في الزاوية المختارية واستمرت لمدة حتى أنه كان كلما استقر بالقرب من مسعد يستدعيه و كانت آخر مرة التقاه بنواحي عين الإبل رفقة جماعة من عرش المخاليف أحدهم لازال على قيد الحياة. وفي آخر اللقاء افترقا على خلاف ودي حول كتاب لمالك بن نبي.

ومن بعض ما ترك في مكتبة البيت من مراجع: سيرة الأمير عبد القادر، تراجم لبعض الفاتحين، الأجرومية، تفسير ابن كثير، الظاهرة القرآنية، شروط النهضة لمالك بن نبي وأيضا كتب إسلامية أخرى مثل "كتاب سبل الهدى والرشاد في سيرة خير الأنام"، كتاب "حجة الله البالغة"، غير أنه الكثير تلف منها وأخرى لم يتبقّ منها إلا صفحات.

شخصيته ... 

سي عمر بن فتاشة شخصية ذات وقار وثقافة وعلم وصداقات ومعارف عديدة؛ كان يلبس أبيض الثياب ومهتما بمظهره بهندام أنيق لا تفارقه لا السبحة ولا ساعة الجيب؛ محافظا على طهارته وصلاته في وقتها. رجل حباه الله بالطيبة والتسامح والكرم رغم أنه كان متوسط الحال معتمدا على ما تدره الوظيفة من دخل لإعالة عائلته وهو لا يزال غضا وفيما بعد اعتمد كليا على ولده البكر المجاهد سي أحمد.

كان شديد الولع بهواية الصيد محبا للسفر ميالا إلى الأكل الجيد ... كان بشوشا رقيق الشعور خفيف الدمع جادّا وقليل الهزل. من سمات شخصيته كذلك خدمة الصالح العام والفخر بالإنتماء خدوما يرافق كل من التجأ إليه طالبا النصرة والمؤازرة لينقذ الكثيرين من دخول السجن والمتابعة.

كما عمل على إصلاح ذات البين بين المتخاصمين لعلاقاته وحسن تدبيره وسداد رأيه فكان رحمه الله دائم الإبتسامة ويمتاز بالغيرة على أهله. يكسب احترام ومحبة الناس بسرعة، ويفتقده الجميع إن غاب عن لقاءاتهم؛ وتروى حكايات كثيرة عن ذلك ونستذكر في ذلك أبيات قيلت لما تأخر عن زيارة بعض أقربائه:

               علي صحتى علينا ذي ليام *** وهَمّ الضرسة والوحش عنا جارو

               يا مبعد قاشي خوالك للظهرة *** وهات العَود لمسمر يصفاهم

               اتوحشنا سي عمر ضاوي للباس *** بيتو كودا بعدتنا ع التحواس

                واتوحشنا يا بَي عال الڨنطاس *** لي يصَبَح عن عمر لازم يفطر

                وماذا من مصروف خلالو باباه  *** رفد الضاية ياك عنا مسركب

                                    لا تاڨوا لحباب رانا شفناهم

 نشاطه وأعماله ... 

المعلم: عمل كأبيه "سي علي" مدرسا للقرآن ثم كاتبا فكان في البدء معلما لأبناء عائلة (المالمية، لقب لملمومة) وهُم فرقة من "أولاد الرڨاد" يدرس أولادهم، ثم درّس أولاد قبيلته لاسيما عائلات خوليفة وزريق بسد رحال وهؤلاء أغدقوا عليه بسخاء لفاقته. ليتابع بعد ذلك تدريس أولاد قايد العرش (لحرش أحمد الأمين) والذي كان مثقفا مطلعا وأحب سي عمر باحترام شديد لما وُظف كاتبا في حوش سد رحال. كما تولى بدايات تعليم وتحصيل ولده أحمد. ومع الوقت كان النقاش العلمي والمنافسة تشتد بين الوالد والإبن ومعهما الأخت "التالية بنت سي علي بن فتاشة" وهي من النساء المثقفات بالمنطقة وكانت تعمل باش عدل بمحكمة مسعد في زمن "القاضي عطا الله". وهي زوجة "عبد الله بوشويرب".

الكاتب والخوجة ...

كتب العديد من المقالات في شؤون عدة منها تاريخية لشخصيات مثل الأمير عبد القادر وشرح بعض المسائل الفقهية وكذلك خطب الجمعة والأعياد. تميز بأسلوب قمة في الجمالية والتركيب في كتابة الرسائل وترك العديد من نسخها في شتى المواضيع ... وفيما يلي مقتطف من إحدى رسائله:

"... كتبي بالشوق واصلة إليك مع الأنفاس تتصل لكنني والذي يبقيك لي أبدا على جميل وداد منك اتكل، وأسأل الله أن يجمعنا في صفاء الأوقات، انه مجيب الدعوات. وإني لكثير الشغف برؤيتك شديد التمسك بصحبتك قد شرف الله أرضا أنت ساكنها. وإني والحمد لله على حال تسرك. ونحن كما تحب لا ينقصنا إلا مشاهدة أنوارك، فبشرنا بذلك عن قريب واكتب إلينا به على جناح السرعة ولك الشكر الدائم والفضل العظيم ...".

لقد كان سي عمر خطيبا فصيحا قوي العبارة فاشتهر بكتابة أدعية جد هادفة ومؤثرة بكلمات منتقاة وهذا جزء من دعاء ألقاه أثناء الثورة في أحد الإجتماعات:

"... اللهم آمن روعتنا واستر بحلمك عورتنا ... وأن تأمن الخوف و الجوع بلادنا .. وأن تصرف كل فتنة عنا وأن لا تدع لنا في ساعتنا هذه المباركة دينا إلا قضيته ولا ذنبا إلا غفرته ولا عيبا إلا سترته ولا هما إلا فرجته ولا أسيرا إلا سرّحته ولا مسجونا في غير حق إلا سرحته ولا مسافرا غير عاص بسفر إلا وصلته ولا بابا للخير إلا فتحته ولا بابا للشر إلا غلقته ... ولا سلطانا مسلما إلا نصرته ولا جبارا عنيدا إلا خذلته وقصمته و لا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة، لك فيها رضى ولنا فيها سعادة وصلاح، إلا قضيتها بتيسير منك وعافية يا أرحم الراحمين يا رب العالمين .... اللهم أهلك الكفار ما ابتدعوا اللهم وهوّن كيدهم ما صنعوا اللهم بدد شملهم ما جمعوا اللّهم خالف رأيهم ما فرضوا اللهم اجعل كيدهم فيئا للمؤمنين ونفلا وغنيمة للمسلمين وانصرنا عليهم يا خير الناصرين يا ذا القوة يا متين يا رب العالمين ... اللهم إني أسالك إيمانا دائما والشكر على العافية ونسألك أحسن الخاتمة ونسالك الغناء عن الناس يا أرحم الراحمين يا رب العالمين واغفر لنا ولوالدينا ولعبدك الواقف هذا المكان ولتنظر فيه بخير وإحسان ...".  

كان سي عمر شاعرا مرهف الحس اتسم شعره بإيحاء فريد وموسيقى تطرب آذان سامعها وقارئها؛ فقد كانت له أشعار يولجها في ثنايا الرسائل والخطب والمقالات. وهذه أبيات تضمنتها رسالة تهنئة بالعيد لأحد الأصدقاء:

                 دم في سرورك سيدي *** وافرح بعيدك كل عام

                 كتب البنان مهنئا *** دام الصديق لكل عام

ولما كان من عائلة علم وبحث كان محل إهتمام وتقدير ومحج الجميع للتعلم والسؤال والخدمة. فعمل كاتبا لعرشه في قصر الحيران ثم مسعد وقد ساهم في تسجيل الكثير من الأشياء الخاصة بعرشة تاريخيا وسياسيا واجتماعيا ليصبح بذلك مرجعا في الأحوال الشخصية وقضايا العرش والمنطقة وقد لجأ إليه الكثير حين يستعصي عليهم أمر ما.

المناضل ...

كانت بدايات العمل السياسي في مسعد بسرية تامة لحساسية وظيفته فانخرط في الحركة الوطنية في حزب البيان متشبعا بروح وطنية متجذرة. ولما كان على علاقة نسب وقرابة بالناشطين من أمثال الإخوة بوشويرب (علي وأحمد) و"مومن محاد الصغير" و غيرهم شارك أحيانا في اجتماعاتهم بمنزل "محاد الصغير مومن". كما دُعي مرات إلى لقاءات جماعة العلماء المسلمين بالأغواط ليساهم ويدعم إنشاء مدارس قرآنية خاصة إحداها بالقرب من المسجد العتيق هناك أسوة بما عمله جده سي محمد.

كما ساهم سي عمر بالإشتراكات العديدة لمراكز الإشعاع العلمي بعدة مناطق خاصة بزوايا الفقه المالكي وكان يجتهد في كتابة الأشعار المناسباتية والابتهالات والأدعية والمقالات والملخصات التي يلقيها على المجتمعين أو زواره في مسعد وسد رحال والأغواط وقصر الحيران والبادية. وكانت تتمحور كلها حول الحضارة العربية الإسلامية وسير الخلفاء وتضحيات الجزائريين وبث الروح الوطنية والجهاد بكتابات عن الأبطال الوطنيين من أمثال الأمير عبد القادر. فتأثيرها دفع عددا من المغرر بهم مع العدو أو بلونيس بالعدول عن توجهاتهم.

المجاهد ...

كان لسي عمر أعمال مشهودة ومشاركته كانت ذات تأثير كبير على العمل الثوري. وكما أسلفنا فعلاقاته قد مهدت له الطريق في عديد القضايا ذات البعد المحلي والوطني. فقد عيّنه المجاهد "حاج سليمان غزال" على رأس لجنة أولاد يحي بن سالم. وقد التقاه مرات بالزاوية المختارية لما كان يتردد عليها. مع العلم أن حاج سليمان كان على علاقة مع الشهيد الرمز زيان عاشور في أكتوبر 1955 طبقا لما ورد في كتاب "ومضات من تاريخ القرارة" للأستاذ حماني أحمد التجاني المزوزي.

وهكذا شارك "سي عمر" في الثورة التحريرية كمسبل ورجل اتصال وكان بيته جسرا للعديد من الشباب من بين أولاد نائل وبني ميزاب والحرازلية الذين التحقوا بجبل بوكحيل عن طريق ولده المجاهد أحمد. كما كان بيته ملجأ للفدائيين بعد عملياتهم ضد المصالح والمراكز والقومية على غرار اللجوء إليه بعد الهجوم على مركز دمد.

ونتيجة لهذا الدور الجهادي الكبير تعرض سي عمر لأنواع التعذيب ولم تفارق بيته دوريات التفتيش والمضايقات المختلفة. وقد اختطف في مارس من سنة 1958 من قبل مرتزقة بلونيس بعد وشاية من كانوا مجندين في صفوفه فاقتيد إلى منطقة تقرسان أين التقى الشهيد الرائد "عبد الرحمن حاشي" وتلقّى صنوفا من التعذيب. لما أطلق سراحه دعا من وشوا به إلى وليمة، والغريب أنهم كلهم حضروا، فألقى عليهم موعظة كانت شديدة الوقع عليهم فلم يبرحوا منزله إلا وقد أزمعوا أمرهم على التارجع عن مساندة الخائن بلونيس. ويروى أن أحدهم عند الخروج من بيت سي عمر كان يجهش بالبكاء وعانقه طويلا وآخر بعد الندم على فعتله قيل أنه هجر المدينة.

مآثر و أحداث خالدة ...

موقف مشرف سنة 1963: هذه قصة يرويها السيد "براهيمي علي بن محاد صغير"، من عرش أولاد فاطنة وهو لا يزال على قيد الحياة، حيث منع الجيش قوافل عروش أولاد يحي بن سالم وأولاد طعبة وأولاد فاطنة من الرحيل إلى التل وأتوا بهم من "جبل لزرق" بسيدي مخلوف ومن الواد لبيض" وأمروهم بالتوجه إلى منطقة "رأس العين"، بنواحي قرية انثيلة حاليا، قصد الإنتخاب. ويقول الشاهد على الواقعة أن سي عمر تصدى لبعض ضباط الجيش لما أرادوا إخراج النساء للإنتخاب فوقف ضد هذا القرار بكل شجاعة قائلا: "لن يكشف الستر عن نساء أولاد نائل ... النايلي يموت وما تخرجش مرته، تفرضوا علينا هذا الأمر نحبسو كلش". كان سي عمر يومها كالعادة يحمل دفاتره مرتديا (زويجة برانيس) وعلى رأسه شاشا وفوقه (مظل) ويقف أمام طاولة وعلى يمينه ويساره جنديان. ولما سمع الضابط المسؤول صراخ سي عمر وتعالي الأصوات حوله وخوفا من انفلات الأمور طلب من سي عمر الحل الملائم فأجاب: "النايلي يموت وما يتكشفش الستر على أهله ... كل راجل ينتخب على حريمه" ولما كان كل من حضروا مؤيدين له ومناصرين رضخ المسؤول لأمر الواقع وهكذا تمت إنتخابات سنة 1963.

حضور بتميز: أقيمت وليمة كبيرة بحضور بعض المسؤولين سنة 1967 في "ضاية بن حراث". وبينما بدأت الوفود من عدة عروش في المنطقة اضافة إلى عرش أولاد يحيى بن سالم بالتوافد. لاحظ "بوزيد بن الحاج أحمد زريق" غياب "سي عمر بن فتاشة" فسأل عنه مقربيه فتفاجؤوا كذلك للأمر وبدأ الأمر يؤول إلى صدام بين أطراف من فرقتين من عرش أولاد يحي بن سالم لما تبادلا التهم حول عدم مشاركة أحد رؤوس العرش وتوقف كل شيء إلى حين حضوره. وقد أمر بوزيد صاحب سيارة يدعى محمد كحللش (الجعرون) بالرجوع إلى مسعد والحضور مع سي عمر ... أخذ محمد 30 ألف فرنك من عند بوزيد وما كانت إلا ساعتا زمن حتى عاد معه واستقبلوه على بعد 02 كلم بالخيل والبارود.

لما رأى سي عمر هذا الإحتفاء دمعت عيناه؛ وتحجج له منظمو الحفل بعد الاعتذار بعدم وصول الدعوة إليه. هذا الأمر ترك انطباعا حسنا لدى الضيوف من المسؤولين عكس ما كان ينتظر ويتمنى من تجاهل استدعائه.

الوفاة ...

توفي رحمه الله سنة 1972 بعد مدة قصيرة من مرضه وحضرت الجنازة جموع غفيرة من عدة ولايات. لم يخلد اسمه مثله مثل كثير من شخصيات ورجالات أولاد نائل. ترك بعض الكتابات على قصاصات ولم يدون آثارا في كتب رغم اتساع أفقه العلمي والفكري لكنه خلف إرثا أسطوريا لأجيال تبقى تفتخر بإنجازاته.

** بقلم الأستاذ بن فتاشة مبروك: أستاذ انكليزية متقاعد من قطاع التربية، أستاذ متعاقد سابقا بجامعة الجلفة، مهتم وباحث في تاريخ منطقة مسعد.

صورة سي عمر بن فتاشة رحمه الله

رسالة أحمد بن محمد 

تعيين سي عمر رئيس لجنة في فترة حرب التحرير، من كتاب "ومضات من تاريخ القرارة"

 شهادة اعتراف بصفة مجاهد (مسبل أثناء حرب التحرير)

 سي عمر الكاتب وفكّ الخصومات

 

دعوة من صديقه شيخ الزاوية المختارية 

 

رسالة من جيش التحرير الوطني الى سي عمر للاتصال بابنه من أجل التنسيق مع شباب من الحرازلية

 

صداقة سي عمر مع سي أحمد الأمين لحرش لما كان قايد العرش فقد كان كاتبه و مدرس أولاده

خلصه من بلونيس في مارس 1958 لما تدخل أولاد القايد

عدد القراءات : 4715 | عدد قراءات اليوم : 25

       مقالات الرأي و تعليقات القرّاء المنشورة بجريدة " الجلفة إنفو " لا تعبّر بالضرورة عن رأي الجريدة، إنما تعبّر عن رأي كاتبها فقط .

التسجيل في تتبع التعليقات التعليقات :
(1 تعليقات سابقة)

محمد.ب
(زائر)
20:28 06/04/2021
استمتعت بقراءة جزء من سيرة هذه الشخصية وأتمنى أن أراها فيلما يوما ما.بالتوفيق لكم

أضف تعليقك كزائر

:أضف تعليقاتك

رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:

Captcha
المجموع: 1 | عرض: 1 - 1

التعليقات :
(1 تعليقات سابقة)

محمد.ب (زائر) 20:28 06/04/2021
استمتعت بقراءة جزء من سيرة هذه الشخصية وأتمنى أن أراها فيلما يوما ما.بالتوفيق لكم
المجموع: 1 | عرض: 1 - 1