الجلفة إنفو للأخبار - ابن منطقة البيرين "المقاوم بن دلماجة بن الطاهر" ... محكوم عليه بالإعدام وتُوفي مطاردا من طرف المحتل الفرنسي!!
الرئيسية | رجال و تاريخ | ابن منطقة البيرين "المقاوم بن دلماجة بن الطاهر" ... محكوم عليه بالإعدام وتُوفي مطاردا من طرف المحتل الفرنسي!!
أوراق في أدب الرحلة الصحفية (13)
ابن منطقة البيرين "المقاوم بن دلماجة بن الطاهر" ... محكوم عليه بالإعدام وتُوفي مطاردا من طرف المحتل الفرنسي!!
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
بمنزل حفيد المقاوم بن دلماجة

رحلتنا اليوم كانت نحو عاصمة العرش العربي الإدريسي "المويعدات" ألا وهي البيرين والغرض منها هو التوثيق الأماكني والشفوي لسيرة المقاوم الشهيد "بن دلماجة بن الطاهر". المسافة ليست بالبعيدة عن مقر ولاية الجلفة وهي 135 كم عبر بلدية عين وسارة. كما يمكن أن نسافر إلى البيرين عبر طريق حاسي بحبح – حاسي العش- حد السحاري.

التحضير لهذه الرحلة لا يتطلب سوى تحضير المركبة واختيار الرفقة الطيبة وكالعادة لن تجد أفضل من الأستاذين شويحة حكيم وبوعكاز عيساوي لأنهما من الباحثين الذين لا يركنون إلى البحث النظري بل يقرنونه ويزاوجونه بالميدان.

أهمية توثيق الرواية الشفوية التاريخية المقاومة الشعبية

خلال تدريسي مقياس "حلقة البحث" لطلبة السنة الأولى ماستر تاريخ "المقاومة الوطنية" كنت قد فتحت معهم النقاش حول "الرواية الشفوية" في التوثيق التاريخي المحلّي. وقادنا النقاش إلى نتيجة مُهمّة وهي أن الذين يعتبرون المترجم العسكري "أنطوان أرنو" مصدرا ومرجعا مهما لهم فإنه يجب عليهم أن يعلموا أن جُلّ ما وثّقه آرنو إنما هو روايات شفوية وقصص شعبية متواترة. وعلى هذا يجب أن لا ننظر بدونية إلى المصدر الشفوي وإنما ينبغي توثيقه بالطرق الأكاديمية الصارمة من حيث التسجيل (سمعي أو مرئي أو مكتوب) والتعريف بالراوي وسند الرواية وتوثيق المصطلحات المذكورة في الرواية الشفوية حتى ولو كانت بالعامية وبعدها نشتغل على النص من حيث تثمينه ووضعه في سياقه التاريخي الصحيح ومحاولة فهم أسباب وقوعه وتداعياته وفهمه من خلال الإسقاطات الجغرافية والأماكنية له.

وحدث أن وجدتُ في "النشرة الرسمية للحكومة العامة للجزائر- سنة 1873" قرارا بنزع ممتلكات مجموعة من المقاومين الجزائريين التابعة لدائرة المدية ومن بينهم "بن دلماجة بن الطاهر" الذي ينتمي لقبيلة "المويعدات الشراقة" أي مدينة البيرين حاليا. فطلبتُ من إحدى الطالبات أن تستوثق لي في مدينة البيرين وأن يكون موضوع بحثها لحصة الأعمال الموجهة عن هذه الشخصية بالبحث عن أحفاده.

وقد وُفقت الطالبتان "م. هـ" و"ع. ك" في هذا العمل واستطاعتا أن تصلا إلى أحد أحفاد هذا المقاوم ألا وهو السيد جلول دلماجي وأنجزتا عملا يستحق الإشادة. ثم اتصلنا به ووقع الاتفاق على شد الرحال إلى البيرين في رحلة علمية تاريخية يوم الأربعاء الموافق للسادس والعشرين من ماي وهو يوم الذكرى الـ 138 لوفاة قائد المقاومة الشعبية الجزائرية ومؤسس الدولة الجزائرية الحديثة. فإلى روحه الطاهرة وروح المقاوم بن الطاهر بن دلماجة نهدي باكورة هذا البحث التاريخي. كما نتقدم بجزيل الشكر لكل من السيد شيبوط نور الدين الذي أهدانا الكتاب الذي وجدنا فيه قرار الحاكم العام الفرنسي، والسيد بودوح أحمد نظير مساعدته لنا في الإتصال بحفيد المقاوم، والسيد عبد الباسط قاضي لما يبذله من جهود توثيقية لتاريخ منطقة البيرين لا سيما من ناحية تاريخ القضاء الإسلامي بها، والسيد سليم بجقينة مسؤول مكتبة دار الثقافة "ابن رشد" بالجلفة.

بن الطاهر بن دلماجة ... المقاوم المحكوم عليه بالإعدام

وجدنا بـ "النشرة الرسمية للحكومة العامة للجزائر" لسنة 1873 قرارا عقابيا ممضى من طرف الحاكم العام للجزائر "الكونت دو ڨيدون Cte De Guydon" بتاريخ 10 فيفري 1873 بخصوص حجز ممتلكات وأموال 07 مقاومين جزائريين من التيطري. وقد جاء على رأس القائمة اسم "بن دلماجة بن الطاهر، من قبيلة المويعدات الشراڨة" محكوم عليه بالإعدام غيابيا بتاريخ 24 فيفري 1872 من طرف المحكمة الحربية الثانية بالبليدة. ونفس القرار تضمن أسماء كل من:

البختي بن ربيّح، من قبيلة أولاد علان - بشيح والحاج العربي بن عبد القادر بن العوجة، من قبيلة التيطري، محكوم عليهما بالإعدام أيضا / الحاج الدراجي بلحوت، من قبيلة أولاد علان-زكري، المحكوم عليه بالسجن عشرين سنة أشغال شاقة / الشيخ بن بوعلي، من قبيلة أولاد معرف، محكوم عليه بخمس سنوات سجن انفرادي / محمد بن حامت، من قبيلة التيطري، قُتل (استشهد) في معركة ضد المجموعة التي كان عضوا فيها / قدور بن تومي، من قبيلة أولاد علان – زكري، قُتل (استشهد) في معركة ضد المجموعة التي كان عضوا فيها. وقد كان محكوما عليه بالإعدام غيابيا بتهمة الإغتيال.

أما في حيثيات القرار فقد تم الإشارة إلى أن السبعة قد كان لهم دور نشيط في الإنتفاضة وأن 05 منهم قد ارتكبوا جرائم (بمنظور الفرنسيين) مما جعلهم يستحقون الأحكام الصادرة ضدهم من المحكمة الحربية بالبليدة.

ومن بين هؤلاء المقاومين ذكر القرار أن كلا من "بن الطاهر بن دلماجة والبختي بن ربيّح والحاج العربي بن عبد القادر بن العوجة" قد رافقوا بومزراڨ في رحلة لجوئه إلى تونس وأنهم ما يزالون حاليا (أي في فيفري 1873) هناك.

وقد تضمن القرار المذكور الحجز على كل أملاك المقاومين السبعة أينما وُجدت في الجزائر. كما أمر القرار كل من يملك أو يُخزن أو يُسيّر أصولا تعود إلى هؤلاء السبعة سواء كان فلاحا أو مستأجرا لعقار أو يدين لهم بدين أو حقوق غير مادية بأن يُصرّحوا بذلك في أجل 03 أشهر ابتداء من تاريخ نشر هذا القرار.

مطاردة حثيثة ضد المقاوم "بن الطاهر بن دلماجة"

لقد كان للرواية الشفوية المتواترة لدى عائلة "دلماجي" بالبيرين الدور الكبير في تسليط الضوء على هذه الشخصية. وبفضل جهود السيد جلول دلماجي صار في متناولنا رواية شفوية متكاملة ومتواترة عائليا حول سيرة جدّ جدّه.

المقاوم "بن دلماجة بن الطاهر بن الشيخ بن عبد الله" وُلد حسب الروايات الشفوية حوالي سنة 1815م، بمنطقة الجلفة. ينحدر من عائلة عريقة وشريفة. انظم إلى صفوف المقاومة الشعبية بقيادة الأمير عبد القادر سنة 1843م. خاض مع الأمير عدة معارك.

بعد سجن الأمير عبد القادر لجأ المقاوم "بن الطاهر بن دلماجة" الى منطقة البيرين "عرش المويعدات الشراڨة" واستقرّ بها إلى إن علمت فرنسا بمكان وجوده ويبدو أن ذلك كان في سياق مطاردته بعد ثورة الرحمانية سنة 1871 والتي اندلعت بمنطقة مجانة (برج بوعريريج) لتشمل بلاد القبائل وبلاد أولاد نايل وصولا إلى الصحراء الجزائرية بقيادة محمد المقراني ثم أخيه بومزراق المقراني.

ويعود سبب انتشار هذه الإنتفاضة إلى قوة انتشار الشبكة الصوفية وكذلك دور العائلات العربية الشريفة (تسمى في بلاد القبائل امبرابطن أو العائلات المرابطية). هذا النسب العربي الشريف تشترك فيه العديد من القبائل الجزائرية ومنها عائلة المقاوم "بن دلماجة" وعائلة شيخ زاوية الهامل "أبي القاسم الهاملي".  مما جعل منهم محل تقدير واحترام وكلمة مسموعة.

أرسلت فرنسا قواتها الى منطقة "الڨفا" بالبيرين ولما سمع "المقاوم بن دلماجة" بالخبر اختبأ بمغارة تقع شرق مدينة البيرين على مسافة حوالي 02 كيلومتر والموجودة بجبل بـ "جبل عاس رحو". وقد كتبت ابنته زينب على هذه الحادثة قائلة:

تخيّل عزك يا ساكن راس الكاف

عتبك بارد والجليد يكسّر فيك

اكتشف الجنود أمره فحاصروه في المغارة، لكنه وبحنكة وذكاء استطاع الهرب منهم ... توجه بن دلماجة إلى الشرق الجزائري بصحبة ابنه محمد، حيث شاركوا في عدة معارك في الشرق الجزائري. ويُكنى ابنه "محمد" بـ "محمد العَود" أي الحصان نظرا لكونه فارسا قويا في مثل قوة وسرعة الحصان.

يروي الأستاذ جلول دلماجي أن المقاوم "بن دلماجة" قد لجأ فيما بعد الى" تونس" ولبث هناك أربع سنوات، ثم عاد الى منطقة البيرين متنكرا ومتخذا هوية جديدة فعلمت فرنسا بذلك فأرسلت قواتها لتتبعه ومطاردته فهرب منهم مرة ثانية وانتقم من الشخص الذي كان سببا في التبليغ عنه.

بعد ذلك اتخذ من زاوية "الهامل" مخبأ له واستقر بها مدة طويلة. ويُروى أنه قال فيها:

 هذا نهار العيد *** نهار عندي جديد

بقيت وحدي غريب *** فرخ حمام معايا

رانا في الغربة يا لوعتي *** رانا غربة أنا وانت

خليت ناسي وقبيلتي *** ورفعتك غير أنت 

 لكن القوات الفرنسية لم تدخر أي جهد في البحث عليه حيث كشف مكانه مرة أخرى بالزاوية، فهرّبه شيخُها الى "زاوية عين العلق" التابعة لبلدية عين فارس الواقعة خلف جبل ثامر نواحي عين الملح في ولاية المسيلة. وهناك توفي حسب الروايات الشفوية التي تذكر أنه دفن هناك أيضا.

موقع مغارة "كاف عاس روحو"

 بمنزل السيد دلماجي جلول

المعلم التاريخي "كاف القانون"

بمدينة البيرين

عدد القراءات : 2975 | عدد قراءات اليوم : 18

       مقالات الرأي و تعليقات القرّاء المنشورة بجريدة " الجلفة إنفو " لا تعبّر بالضرورة عن رأي الجريدة، إنما تعبّر عن رأي كاتبها فقط .

التعليقات :
(1 تعليقات سابقة)

جزائري من الشعب
(زائر)
11:23 29/05/2021
رحم الله الشهداء و الذين جاهدوا في سبيل الحق و أسكنهم فسيح جناته
أبطال عظام ذوو إرادة و أعصاب فولاذية لا يركنون إلا للحق و لا يرضون إلاّ به

أضف تعليقك كزائر

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:

Captcha

مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (سورة ق، 18)

سياسة نشر التعليقات في موقع الجلفة إنفو للأخبار

تتيح جريدة "الجلفة إنفو" الإلكترونية للقراء الكرام إمكانية التفاعل مع الأخبار والمقالات المدرجة من خلال التعليق

على المواد المنشورة، و إذ نرحب بتعليقات القراء، نرجو من المشاركين التحلي بالموضوعية وتجنب الاساءات الشخصية

والقبلية، وتحتفظ بحقها في نشر أو عدم نشر أي تعليق لا يستوفي الشروط أدناه، وتشير إلى أن كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من

الأشكال عن آراء فريقها الصحفي وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

و يرجى بذلك الإلتزام بالقواعد التالية:

1- التعليق يجب أن يكون على المادة المنشورة فقط، ولا ينشر أي تعليق يتعلق بموضوع آخر منشور،

2- يهمل كل تعليق يضم شتائم أو ألفاظ خارجة عن إطار الآداب العامة و الدين الإسلامي الحنيف و أعراف مجتمعنا، أو يطال بالقدح والذم والتشهير شخصيات بعينها أو هيئات رسمية،

3- يهمل كل تعليق يتضمن هجوم شخصي وغير مبرر على أفراد محددين بالاسم لهم أو ليس لهم علاقة بالمواد المنشورة،

4- تهمل جميع التعليقات التي تتعرض للكاتب أو صاحب المساهمة باسمه أو لشخصه،

5- تعتذر إدارة الجريدة عن نشر أية تعليقات تتضمن تفاصيل عن شخصيات وأسماء أو أية معلومات لا تخدم المادة المنشورة،

6- لضمان ظهور التعليقات بشكل أسرع يرجى تفادي الإطالة في التعليقات، ويمكن للمداخلات الطويلة أن ترسل عبر البريد الإلكتروني ليتم نشرها كبريد للقراء،

7- تحتاج التعليقات لموافقة المحرر المشرف قبل ظهورها، وقد تحتاج بعض الوقت للظهور لذلك يرجى عدم ارسال التعليق أكثر من مرة،

لكي لا يُهمل التعليق، يرجى الكتابة بلغة عربية فصيحة

نرجو من السادة متصفحي الجريدة الأعزاء التقيد بالقواعد التي أوردناها، وضبط التعليقات بما يتفق مع شروط النشر، ونأسف مسبقا لعدم نشر أية تعليقات تخالف القواعد المبينة أعلاه.

ملاحظات:

  • لإدارة الموقع الحرية الكاملة في اختيار التعليقات ونشرها وحذف كل ما تراه لا يتفق مع الشروط الواردة أعلاه ، ونؤكد على أن إرسال التعليق لا يعني على الإطلاق إلزام إدارة الموقع بنشره،
  • *تتمنى إدارة الموقع من المتصفحين الأعزاء ذكر الاسم الحقيقي في التعليق و تجنب الأسماء المستعارة..
  • * بالنسبة للردود الرسمية يرجى إرسال نسخة من الرد (مع الوثائق الثبوتية) إلى البريد الالكتروني للإدارة وإلا فلن يأخذ الرد بعين الاعتبار ولن يعترف الموقع على مضمونه،
  • * تهمل التعليقات المرسلة كملاحظات إلى إدارة التعليقات، وفي حال وجود شكوى يمكن مراسلة الموقع على البريد الإلكتروني. بريد إدارة الموقع djelfa.info@gmail.com
المجموع: 1 | عرض: 1 - 1

التسجيل في تتبع التعليقات التعليقات :
(1 تعليقات سابقة)

جزائري من الشعب (زائر) 11:23 29/05/2021
رحم الله الشهداء و الذين جاهدوا في سبيل الحق و أسكنهم فسيح جناته
أبطال عظام ذوو إرادة و أعصاب فولاذية لا يركنون إلا للحق و لا يرضون إلاّ به
المجموع: 1 | عرض: 1 - 1
أدوات المقال طباعة- تقييم
5.00
image
email أرسل إلى صديق
print طباعة المقال Plain text نسخة نصية كاملة
آخر الأخبار

منطقة الأعضاء منطقة الأعضاء
تسجيل عضوية جديدة

Connect with facebook

آخر التعليقات