الجلفة إنفو للأخبار - تاريخنا ومخاطر التوظيف
الرئيسية | مساهمات | تاريخنا ومخاطر التوظيف
تاريخنا ومخاطر التوظيف
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

اقترن التاريخ بالعلامة ابن خلدون، الذي لفت الانتباه لهذا العلم ووصفه بما يستحقه من صفات الجمال والكمال عندما قال بأنه (فن عزيز المذهب جم الفوائد شريف الغاية...)، فالماضي ليس زمنا بائدا ومرحلة غابرة بالنسبة للشعوب والدول التي تريد أن تستمد منه مصادر قوتها وتستلهم منه الدروس والعبر لتواصل مسيرتها المتماسكة ووجهتها الموحدة بين الدول الأخرى. فالرجوع إلى حوادثه وسبر أغواره واستنطاق مخلفاته المادية والمعنوية المكتوبة منها والشفوية يعتبر مسؤولية تتوارثها الأجيال وأمانة تحافظ عليها حتى يبقى حاضرها ومستقبلها استمرارا لماضيها (الحقيقي) دون تزوير أو تلفيق معتزة بأمجاده وانتصاراته معتبرة بنكساته وهزائمه.

ومما يجعل من التاريخ عزيز المذهب هو البحث عن الحقيقة لأنه من السهل الكذب على الأموات، وبأنه جم الفوائد لأن التلفيق والتزوير لا يجدي فيه نفعا ولا يكسب صاحبه شرفا لا يستحقه ولا يجعل من الخائن بطلا ولا من الجبان شجاعا، ولا تتحقق غايته الشريفة عندما يسعى البعض لكتابة ما يعتبرونه تاريخا ولكنه في حقيقته مجرد أساطير مزعومة وأحجيات سخيفة. فاللجوء إلى هذه الطرق الرخيصة للكتابة لا تُدَون تاريخا ولكن تشعل نيرانا للفتنة تنعكس على حاضر الناس ومستقبلهم، وتثير فيهم أسباب الانقسام وتشوه جمال تاريخهم المشترك. وكتابة التاريخ تهتم بحوادث بشرية بكل ما تحمله من متناقضات ووقائع يكتفي المؤرخ بنقلها وتسجيل مراحلها بكل موضوعية متسلحا بتجرده مجتهدا في حياده ليكون ناقلا بصحة ومدعيا بدليل لما يستهدف استجلاء غموضه وإبراز أهميته وكشف لبسه دون تستر عما هو فضيع أو إجحاف لما هو نبيل وشريف.

وتاريخ بلادنا الذي يزخر بماض ثري بالحوادث وغزير بالأخبار عن حضارة مشرقة ودول متعاقبة وبطولات ومؤامرات كغيره من حوادث التاريخ عبر الزمان والمكان جدير بأقلام نزيهة تقدمه للأجيال المتعاقبة ليشكل استمرارية مترابطة تبدأ من عهد يوغرطة إلى تاريخنا الثوري المجيد مرورا بالفتوحات وأبطالها عقبة وطارق وغيرهما. وهو تاريخ يروي قصة شعب عصي عن الأعداء لم يخضع إلا لله عندما اعتنق الدين الجديد وشرفه بعدما تشرف به. وعليه فإن حاجتنا للتاريخ ينبغي أن تكون لتمتين العلاقات وتوطيدها بين أبناء الشعب الواحد الذي طحنته سنوات الاحتلال وعجنته محنها وتعلم منها أن فرنسا هي العدو الذي لم يميز بين قرية في أعالي جرجرة وبيت شعر في الصحراء وغرفة صغيرة يختبئ فيها على لابوانت وحسيبة بن بوعلي في أعالي القصبة. أما الأقلام المأجورة التي أدخلت ملكا فرعونيا إلى عقر دارنا بتيزي وزو الصامدة فإن هذه الأقلام لا تنفعها الفتاوى المعلبة حتى ولو كانت على لسان مسؤول كبير مكلف بحماية وتسيير الشأن الديني ببجاية عاصمة الحماديين التاريخية ولا يعبأ بهذيان دكتورة تبحث عن أصلها قبل آدم وأبناءه.

إن كل محاولة لإعادة قراءة التاريخ لخدمة تحريفية للحاضر وتوظيف حوادثه لتحقيق مكاسب راهنة ومصالح سياسية مؤقتة أو دائمة، يعتبر أسوأ تعامل مع هذا العلم العظيم والفن النبيل كما يفعل هذه الأيام المؤرخ الفرنسي (بنيامين ستورا) عندما سن قلمه لإعادة كتابة تاريخنا الثوري بحسب تصور (نيوكولونيالي) حاقد يعتبر فيه بأن (مصالي الحاج) أب الحركة الوطنية الجزائرية قد استلهم أفكاره من اليسار الفرنسي وتأثر بفكره الثوري ولم يتردد الدكتور نور الدين جباب بالرد على كتاب ستورا قائلا : " علقت على الكتاب في الصحافة الوطنية وحاولت الكشف عما قاله في الكتاب ولم يكتبه، وهو أن نشأة الوطنية الجزائرية كان منبتها فرنسا ومتنها ومضمونها كان اليسار الفرنسي وليس كما قال في تلك (الأخوة الإسلامية الغامضة) وكان يلوح هنا عن علاقة مصالي الحاج - وهو أبو الوطنية الجزائرية بلا منازع – بشكيب أرسلان" ومن هنا تتضح الرغبة في إجتثاث الثورة الجزائرية من جذورها الإسلامية واعطائها طابعا ماركسيا أو ستروتسكيا لم يكن ينتظر ولا يحتاج إليه الأبطال الذين استشهدوا ونداء (الله أكبر) يزلزل الأرض تحت أقدام جنرالات فرنسا المغتصبة، وعندما يتطاول ستورا ويسمح لنفسه التأريخ للجزائر فإنه يخدم القراءة الفرنسية التي تجد لها آذانا صاغية ومتزايدة في بلدنا ومن أبناء جلدتنا.

وأمام هذا التهافت في تشويه التاريخ والذاكرة الوطنية تستمد فرنسا أسباب قوتها وتستثمر في تشرذمنا حيال تاريخنا المجيد لتواصل جبروتها وتعنتها في رفض الاعتذار عن جرائمها التي بدأت بمذبحة وادي الحراش وانتهت بمجازر ثورة التحرير مرورا بحوادث 8 ماي 1945 والتجارب النووية في الصحراء على الأبرياء العزل التي لم تسلم منها حتى قطعان ماشيتهم.

لقد حان الوقت ليسكت الجهال الحاقدون عن تلويث تاريخنا الرائع الجميل ولتلجم أفواه هؤلاء المرتزقة عن الخوض في مسائل لا تناسب قدراتهم العقلية المحدودة ومعارفهم السطحية وأن يترك الشأن التاريخي لأصحابه حفاظا على الوحدة الوطنية التي نحن في أمس الحاجة إليها في عصر الفضائيات المأجورة ووسائط التواصل الاجتماعي المخترقة.

عدد القراءات : 7415 | عدد قراءات اليوم : 21

       مقالات الرأي و تعليقات القرّاء المنشورة بجريدة " الجلفة إنفو " لا تعبّر بالضرورة عن رأي الجريدة، إنما تعبّر عن رأي كاتبها فقط .

التعليقات :
(3 تعليقات سابقة)

نوح amar ar
(زائر)
14:42 26/01/2021
تحية طيّبة وبعد/ استسمح السادة المشرفين والفاضل صاحب المقال لأقول:
استهلّ الأستاذ الدكتورالموضوع بذكر حكيم للعلامة ابن خلدون،أبدع في تفسيره، واستخلاص عبره، وتبليغ مقاصده؛ كما أبدى انزعاجه من حفريات بعض الذين يعبّون من المخيال الشعبي تمثلات اجتالهم شذوذها إلى الاختلاف في تحديد هوية أصحاب الزعامة.
ويلوح سنا غيرته على الإسلام؛ من انتفاضته على الحاقد المؤرخ اليهودي 'ستورا'، حين رغب في اجتثاث الثورة من جذورها الإسلامية بالتجنى على الزعيم 'مصالي' واتّهامه بالماركسية وتأثره بفكرها الثوري، وهي سموم نفثت في عقول حتى أقرب مقربيه من المتهافتين على تشويه التاريخ والذاكرة الوطنية.
فلا يليق بصديقه المجاهد 'محمد. ق' أن يضمر اتّهامه بالأتاتوركية في كشف أنه كان يهتف بحياة مصطفى كامل في مقهى بمدينة تلمسان على مسمع ومرآى من الزيانيين. يتبع
نوح amar ar
(زائر)
14:43 26/01/2021
ولا برفيق دربه المجاهد الكبير المتديّن 'بن.ب' أن يكشف علاقته بالسيدة الشيوعية الفرنسية 'كردينال' صاحبة "الفيلا" التي وضعت تحت تصرفه لاستقبال ضيوفه بمدينة "نيور"، خارج مقر أقامته الجبرية ب"فندق ترمينوس"، ولا أن يشهر رئاسته الشرفية لجمعية "زمرفيلد".
فالطوطم 'مصالي' - أبو الوطنية الجزائرية بلا منازع ـ كما هو في المخيال المحلي، عندما أخذ حفنة من تراب الجزائروقال للجميع هذه الأرض ليست للبيع، لم يكن ذلك إلّا من منطلق حرصه على إرث أجداده (آل بربروس) الذي حرّروه بجهادهم.
والطوطم 'مصالي' هو من جمع بين "الشيخ زيان" و"بلونيس" وجيشهما ضدّ عدوّه اللّدود وورّث 'بلونيس'
جيش "الشيخ زيان"، وهو من وحّد موقفهما من دسترة ثورة نوفمبر، فما أحوج "وحدتنا" إلى رجال من طينة 'مصالي'. شكرا
محمد.ب
(زائر)
21:10 03/02/2021
كل الشكر لكم و للدكتور عبد الرحمن بن شريط.ننتظر منك المزيد

أضف تعليقك كزائر

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:

Captcha

مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (سورة ق، 18)

سياسة نشر التعليقات في موقع الجلفة إنفو للأخبار

تتيح جريدة "الجلفة إنفو" الإلكترونية للقراء الكرام إمكانية التفاعل مع الأخبار والمقالات المدرجة من خلال التعليق

على المواد المنشورة، و إذ نرحب بتعليقات القراء، نرجو من المشاركين التحلي بالموضوعية وتجنب الاساءات الشخصية

والقبلية، وتحتفظ بحقها في نشر أو عدم نشر أي تعليق لا يستوفي الشروط أدناه، وتشير إلى أن كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من

الأشكال عن آراء فريقها الصحفي وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

و يرجى بذلك الإلتزام بالقواعد التالية:

1- التعليق يجب أن يكون على المادة المنشورة فقط، ولا ينشر أي تعليق يتعلق بموضوع آخر منشور،

2- يهمل كل تعليق يضم شتائم أو ألفاظ خارجة عن إطار الآداب العامة و الدين الإسلامي الحنيف و أعراف مجتمعنا، أو يطال بالقدح والذم والتشهير شخصيات بعينها أو هيئات رسمية،

3- يهمل كل تعليق يتضمن هجوم شخصي وغير مبرر على أفراد محددين بالاسم لهم أو ليس لهم علاقة بالمواد المنشورة،

4- تهمل جميع التعليقات التي تتعرض للكاتب أو صاحب المساهمة باسمه أو لشخصه،

5- تعتذر إدارة الجريدة عن نشر أية تعليقات تتضمن تفاصيل عن شخصيات وأسماء أو أية معلومات لا تخدم المادة المنشورة،

6- لضمان ظهور التعليقات بشكل أسرع يرجى تفادي الإطالة في التعليقات، ويمكن للمداخلات الطويلة أن ترسل عبر البريد الإلكتروني ليتم نشرها كبريد للقراء،

7- تحتاج التعليقات لموافقة المحرر المشرف قبل ظهورها، وقد تحتاج بعض الوقت للظهور لذلك يرجى عدم ارسال التعليق أكثر من مرة،

لكي لا يُهمل التعليق، يرجى الكتابة بلغة عربية فصيحة

نرجو من السادة متصفحي الجريدة الأعزاء التقيد بالقواعد التي أوردناها، وضبط التعليقات بما يتفق مع شروط النشر، ونأسف مسبقا لعدم نشر أية تعليقات تخالف القواعد المبينة أعلاه.

ملاحظات:

  • لإدارة الموقع الحرية الكاملة في اختيار التعليقات ونشرها وحذف كل ما تراه لا يتفق مع الشروط الواردة أعلاه ، ونؤكد على أن إرسال التعليق لا يعني على الإطلاق إلزام إدارة الموقع بنشره،
  • *تتمنى إدارة الموقع من المتصفحين الأعزاء ذكر الاسم الحقيقي في التعليق و تجنب الأسماء المستعارة..
  • * بالنسبة للردود الرسمية يرجى إرسال نسخة من الرد (مع الوثائق الثبوتية) إلى البريد الالكتروني للإدارة وإلا فلن يأخذ الرد بعين الاعتبار ولن يعترف الموقع على مضمونه،
  • * تهمل التعليقات المرسلة كملاحظات إلى إدارة التعليقات، وفي حال وجود شكوى يمكن مراسلة الموقع على البريد الإلكتروني. بريد إدارة الموقع djelfa.info@gmail.com
المجموع: 3 | عرض: 1 - 3

التسجيل في تتبع التعليقات التعليقات :
(3 تعليقات سابقة)

محمد.ب (زائر) 21:10 03/02/2021
كل الشكر لكم و للدكتور عبد الرحمن بن شريط.ننتظر منك المزيد
نوح amar ar (زائر) 14:43 26/01/2021
ولا برفيق دربه المجاهد الكبير المتديّن 'بن.ب' أن يكشف علاقته بالسيدة الشيوعية الفرنسية 'كردينال' صاحبة "الفيلا" التي وضعت تحت تصرفه لاستقبال ضيوفه بمدينة "نيور"، خارج مقر أقامته الجبرية ب"فندق ترمينوس"، ولا أن يشهر رئاسته الشرفية لجمعية "زمرفيلد".
فالطوطم 'مصالي' - أبو الوطنية الجزائرية بلا منازع ـ كما هو في المخيال المحلي، عندما أخذ حفنة من تراب الجزائروقال للجميع هذه الأرض ليست للبيع، لم يكن ذلك إلّا من منطلق حرصه على إرث أجداده (آل بربروس) الذي حرّروه بجهادهم.
والطوطم 'مصالي' هو من جمع بين "الشيخ زيان" و"بلونيس" وجيشهما ضدّ عدوّه اللّدود وورّث 'بلونيس'
جيش "الشيخ زيان"، وهو من وحّد موقفهما من دسترة ثورة نوفمبر، فما أحوج "وحدتنا" إلى رجال من طينة 'مصالي'. شكرا
نوح amar ar (زائر) 14:42 26/01/2021
تحية طيّبة وبعد/ استسمح السادة المشرفين والفاضل صاحب المقال لأقول:
استهلّ الأستاذ الدكتورالموضوع بذكر حكيم للعلامة ابن خلدون،أبدع في تفسيره، واستخلاص عبره، وتبليغ مقاصده؛ كما أبدى انزعاجه من حفريات بعض الذين يعبّون من المخيال الشعبي تمثلات اجتالهم شذوذها إلى الاختلاف في تحديد هوية أصحاب الزعامة.
ويلوح سنا غيرته على الإسلام؛ من انتفاضته على الحاقد المؤرخ اليهودي 'ستورا'، حين رغب في اجتثاث الثورة من جذورها الإسلامية بالتجنى على الزعيم 'مصالي' واتّهامه بالماركسية وتأثره بفكرها الثوري، وهي سموم نفثت في عقول حتى أقرب مقربيه من المتهافتين على تشويه التاريخ والذاكرة الوطنية.
فلا يليق بصديقه المجاهد 'محمد. ق' أن يضمر اتّهامه بالأتاتوركية في كشف أنه كان يهتف بحياة مصطفى كامل في مقهى بمدينة تلمسان على مسمع ومرآى من الزيانيين. يتبع
المجموع: 3 | عرض: 1 - 3
أدوات المقال طباعة- تقييم
0
image
email أرسل إلى صديق
print طباعة المقال Plain text نسخة نصية كاملة
آخر الأخبار

منطقة الأعضاء منطقة الأعضاء
تسجيل عضوية جديدة

Connect with facebook

آخر التعليقات