الجلفة إنفو للأخبار - بين النظام الإلهي و الصدفة
الرئيسية | مساهمات | بين النظام الإلهي و الصدفة
بين النظام الإلهي و الصدفة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

يرى الدهريون و الطبيعيون (نسبة إلى الطبيعة تخلق نفسها) أن النظام الإلهي الكوني خُلق بالصُدفة، وتنشطر الصدفة لتخلق صُدفا، وقديما كان الدهريون يقولون: "الأرحام تدفع و الأرض تبلع"، ما الذي يجعل الأرحام تدفع من أين أتاها هذا الدفع؟ هل هو الصدفة؟ لنرجع إلى المعجم في تعريف المصادفة : تصادف الشخصان على غير موعد ولا قصد، أي من غير تحديد أو تنظيم لقاء، وهذا الذي يحدث من لقاء لا يتكرر دائما و لهذا يأتي من غير تفكير فيه (أي استثناء)، والاستثناء  لبس هو القاعدة العامة قبل أن أتناول النظام الكوني العجيب و الدقيق الذي هو من صنع الله، أذكر أمثلة على النظام الوضعي (الذي هو من صنع الإنسان)...

فالحكومات تضع برامج وآفاقا لتسيير أمورها حسب تنظيم معيّن متبع مدروس ولا تنتظر المصادفة أو تخضع لها. الصدفة لا تخلق الصدف لأنها لا تملك أصلا أسلوب الخلق فهي تأتي طفرة أو استثناء أي أنها لا قاعدة لها فكيف تضع القاعدة ؟! هذا الكون العجيب يخضع لنظام دقيق لا مكان للصدفة فيه، وإذا وقعت هذه الصدفة فإنما هي من قبيل الاستثناء . لقد خلق الاستثناء  ليظهر للخلق أنه مثلما هو قادر على وضع نظام يسير وفق إرادته ولا يخرج عنها خلق هنا الاستثناءات، لا نقول إنها صدف ، وإنما هو شيء خارق للعادة و للطبيعة أيضا، فآدم عندما خلقه الله طينة ثم بث فيه الروح وهذا استثناء لأنه من غير المنطق ولا العادة أن يأتي إنسان هكذا من دون أب و أم، لكنه ليس مستحيلا على الله أن يفعل هذا وهو قد فعل، وحواء ولدت  من أب، هذه قوة إلهية صنعت الاستثناء، لم يتكرر الاستثناء في آدم فيخلق كثير من الأوادم على هذا النحو ولم تتكرر ظاهرة مولود بدون أم أو بدون أب، البشرية كلها خلقت من أنثى و ذكر وحتى الحيتان في البحر و الطيور و الحشرات كلها انطلق وجودها من الأسباب وهو الذكر و الأنثى، فلماذا نغفل القاعدة التي هي هذا النظام الإلهي العظيم ونبحث عن صدف جاءت هكذا عرضا دون جذور لها في الخلق !؟.

أعجبني مؤلف لعالم أمريكي اسمه "كريسى موريسون" واسم الكتاب العلم يدعو للإيمان (كُتب أصلا باللغة الانجليزية وتُرجم إلى العربية) من بين ما يقول فيه عن الصدفة : خذ عشرة بنسات، كلا منها على حدة، وضع عليها ارقامها مسلسلة من 1 إلى 10 ثم ضعها في جيبك وهزها هزا شديدا. ثم حاول ان تسحبها من جيبك حسب ترتيبها، من 1 إلى 10 . ان فرصة سحب البنس رقم 1 هي بنسبة 1 إلى 10 . وفرصة سحب رقم 1 و رقم 2 متتابعين، هي بنسبة 1 إلى 100، وفرصة سحب البنسات التي عليها ارقام 1 و 2 و 3 متتالية، هي بنسبة 1 إلى 1000 . وفرصة سحب 1 و 2 و 3 و 4 متوالية هي بنسبة 1 إلى 10000 ،هكذا، حتى تصبح فرصة سحب البنسات بترتيبها الاول، من 1 إلى 10 ، هي بنسبة 1 إلى 10 بلايين. ثم واصل، إن الغرض من هذا المثل البسيط، هو ان نبين لك كيف تتكاثر الاعداد بشكل هائل ضد المصادفة، فانه مهما أوتيت من حظوظ فلن تستطيع الحصول على الأرقام كلها منظمة مرتبة وهو ما يشبه المستحيل إن لم يكن مستحيلا . انتهى ( مجمل معنى ما قاله هذه المؤلف).

إن الزمن الذي تخضع لدورته كل البشرية لا يعتمد على الاستثناء أو الصدفة بل دقة النظام في التوقيت، فنحن لم يحدث في الكون أن تأخّر شروق الشمس عن موعده أو أن الليل توقف فظل الظلام قابعا لا يتحرك حتى استغرق أربعة و عشرين ساعة أو أن الشمس أرسلت أشعتها صقيعا .

إن نظام الكون الذي قدر الله له مسارا يخضع لمداره،  لم يترك هذا العالم للصدفة. إن أفعال الله في شؤون دنيانا وشؤوننا نحن كبني الإنسان ظاهرة في بديع صنعه،"ولقد أخفى الله ذاته في صفاته " ( فنحن أبعد ما نكون عن فهم كنه ذاته ) " وأخفى صفاته في أفعاله كما نص ذلك الصحابي الجليل عبد الله بن عباس رضي الله عنه، لم تظهر لنا صورته فعلوّ مقامه غيّب عنا هذه الصورة، لأنه لو تمكن البشر من رؤية الله لآمن جميع الخلق . هم لم يؤمنوا بالله في هذه الحالة، وإنما آمنوا بما رأته أبصارهم، ولهذا مدح الله الذين يؤمنون بالغيب، ونحن الآن نؤمن بغيبيات كثيرة لأنها حقيقة حتى ولو لم نشاهدها فليس ضروريا أن نرى بأعيننا لكي نصدق، نحن لم نشاهد أعدادا كبيرة من النجوم ليس في مقدورنا أن نراها ومع ذلك نصدق بها ولم نر الرسل عليهم الصلاة و السلام ومع ذلك صدقنا بهم ولم نر الروح ومع ذلك نصدق بوجودها ولم نر الجن ومع ذلك نصدق بأن هناك مخلوقات مثلنا اسمها الجن ولم نر الملائكة ومع ذلك نصدق بها ، ولعلنا لم نر دولا بعينها ولكننا نصدق بوجودها، الغريب حقا أن يؤمن بعض الذين لا يؤمنون بالله بصعود رجال الفضاء إلى القمر وحتى إلى المريخ مع أنهم لم يشاهدوهم على ما نقل إليهم من صور ولكنهم لا يؤمنون بخالق الكون الذي توجد آثاره على كل شيء في الدنيا، أقتطع الأبيات الأخيرة من قصيدة شاركت بها في مسابقة بقناة BBC  أسميتها تأملات ، أقول في هذا المقطع الأخير :

يقولــــون ما الله إلا ادعــــــاء                 وإلا افتــــراء غــــــفاة البشر

يقولون هـــل ممكــــن أن نراه                  بضوء الصـــباح ونور القمر

لماذا استــتر هــــــذا الالـــــــه                 أيخشى الظهور إذا ما ظهر؟!

فكان لـــذا الــــــــقول وقع أليم                  أصاب الضعاف ضعاف الفكر

فلو عاين الله في الكون، انسي                  لم حـــق للفكــــر أن يفتـــكر

ولو أننا قــــد رأيــــنا الالــــــه                  جهارا نـــهارا بعــــين البصر

فما قيــــــــمة الرأي بعد العيان                 وما الشأن للفكر بعــــد النظر

نرى الله في الكون أين اتجهنا                  على عمق ما في امتداد البصر

ففي الكــــــــون آياته البينات                   وفي العقــــل إلهامـــه المستتر

عدد القراءات : 1758 | عدد قراءات اليوم : 6

       مقالات الرأي و تعليقات القرّاء المنشورة بجريدة " الجلفة إنفو " لا تعبّر بالضرورة عن رأي الجريدة، إنما تعبّر عن رأي كاتبها فقط .

التعليقات :
(2 تعليقات سابقة)

kamir bouchareb st
(زائر)
12:51 17/05/2020
الله وعظمته ،كلما كان تمعن وتمحص في العلم وتدقيق ينشأ ايمان راسخ مما يدفع بالعلماء بوحدانية الله جل وعلا
جنفياف
(زائر)
21:34 20/05/2020
رائع ...موضوع جميل جدا

أضف تعليقك كزائر

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:

Captcha

مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (سورة ق، 18)

سياسة نشر التعليقات في موقع الجلفة إنفو للأخبار

تتيح جريدة "الجلفة إنفو" الإلكترونية للقراء الكرام إمكانية التفاعل مع الأخبار والمقالات المدرجة من خلال التعليق

على المواد المنشورة، و إذ نرحب بتعليقات القراء، نرجو من المشاركين التحلي بالموضوعية وتجنب الاساءات الشخصية

والقبلية، وتحتفظ بحقها في نشر أو عدم نشر أي تعليق لا يستوفي الشروط أدناه، وتشير إلى أن كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من

الأشكال عن آراء فريقها الصحفي وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

و يرجى بذلك الإلتزام بالقواعد التالية:

1- التعليق يجب أن يكون على المادة المنشورة فقط، ولا ينشر أي تعليق يتعلق بموضوع آخر منشور،

2- يهمل كل تعليق يضم شتائم أو ألفاظ خارجة عن إطار الآداب العامة و الدين الإسلامي الحنيف و أعراف مجتمعنا، أو يطال بالقدح والذم والتشهير شخصيات بعينها أو هيئات رسمية،

3- يهمل كل تعليق يتضمن هجوم شخصي وغير مبرر على أفراد محددين بالاسم لهم أو ليس لهم علاقة بالمواد المنشورة،

4- تهمل جميع التعليقات التي تتعرض للكاتب أو صاحب المساهمة باسمه أو لشخصه،

5- تعتذر إدارة الجريدة عن نشر أية تعليقات تتضمن تفاصيل عن شخصيات وأسماء أو أية معلومات لا تخدم المادة المنشورة،

6- لضمان ظهور التعليقات بشكل أسرع يرجى تفادي الإطالة في التعليقات، ويمكن للمداخلات الطويلة أن ترسل عبر البريد الإلكتروني ليتم نشرها كبريد للقراء،

7- تحتاج التعليقات لموافقة المحرر المشرف قبل ظهورها، وقد تحتاج بعض الوقت للظهور لذلك يرجى عدم ارسال التعليق أكثر من مرة،

لكي لا يُهمل التعليق، يرجى الكتابة بلغة عربية فصيحة

نرجو من السادة متصفحي الجريدة الأعزاء التقيد بالقواعد التي أوردناها، وضبط التعليقات بما يتفق مع شروط النشر، ونأسف مسبقا لعدم نشر أية تعليقات تخالف القواعد المبينة أعلاه.

ملاحظات:

  • لإدارة الموقع الحرية الكاملة في اختيار التعليقات ونشرها وحذف كل ما تراه لا يتفق مع الشروط الواردة أعلاه ، ونؤكد على أن إرسال التعليق لا يعني على الإطلاق إلزام إدارة الموقع بنشره،
  • *تتمنى إدارة الموقع من المتصفحين الأعزاء ذكر الاسم الحقيقي في التعليق و تجنب الأسماء المستعارة..
  • * بالنسبة للردود الرسمية يرجى إرسال نسخة من الرد (مع الوثائق الثبوتية) إلى البريد الالكتروني للإدارة وإلا فلن يأخذ الرد بعين الاعتبار ولن يعترف الموقع على مضمونه،
  • * تهمل التعليقات المرسلة كملاحظات إلى إدارة التعليقات، وفي حال وجود شكوى يمكن مراسلة الموقع على البريد الإلكتروني. بريد إدارة الموقع djelfa.info@gmail.com
المجموع: 2 | عرض: 1 - 2

التسجيل في تتبع التعليقات التعليقات :
(2 تعليقات سابقة)

جنفياف (زائر) 21:34 20/05/2020
رائع ...موضوع جميل جدا
kamir bouchareb st (زائر) 12:51 17/05/2020
الله وعظمته ،كلما كان تمعن وتمحص في العلم وتدقيق ينشأ ايمان راسخ مما يدفع بالعلماء بوحدانية الله جل وعلا
المجموع: 2 | عرض: 1 - 2
أدوات المقال طباعة- تقييم
0
image
email أرسل إلى صديق
print طباعة المقال Plain text نسخة نصية كاملة
آخر الأخبار

منطقة الأعضاء منطقة الأعضاء
تسجيل عضوية جديدة

Connect with facebook

آخر التعليقات