الجلفة إنفو للأخبار - قهوة بدوية رفقة شعراء الملحون
الرئيسية | أقلام جلفاوية | قهوة بدوية رفقة شعراء الملحون
قهوة بدوية رفقة شعراء الملحون
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

في منطقتنا السهبية، ولا سيما في الجلفة بوسط الجزائر، نستهلك القهوة بكثرة، نتعاطاها كما لو أنها ماء، أو كما لو أنها هواء، والجسم كلّه رئة. نشربها وحدها كما هي: بالسكّر أو دونه. العجائز يحببنها خفيفة مفلفلة وحلوة. الرجال يحبونها ثقيلة، في الغالب، متوسطة السكّر ومشيّحة، وأنا على مذاق العجائز دائما. تُشرب مع الكعك أيضا، تشرب مع الكسكسي لقمة بحسوة. قديما، في سنيّ العوز والحوج، حلّت محلّ الغذاء، فتشرب مع الخبز والخبز المقرمش.

إذا كان بالسويد لديهم عادة استراحة القهوة، وفيها يقضون مصالحهم على طاولة القهوة، فإن أوقاتها عندنا يكاد يحرّكها محرّك القهوة لا الزمن، على أن أوقاتها الرئيسة لدينا ثلاثة: الصباح الباكر، عقب الضحى مباشرة، (بالعامية قهوة الضحية) والعشية. الأوقات الثانوية، تشرب ليلا، وهنالك من يشربها في كل وقت وحين. حين تخرج إلى الشارع فإن أول من نصادفه من المعارف، نقول له بعد التحية: قهوة؟ يكاد يكون اليوم كلّه استراحة قهوة، حدّ أنها تقريبا تحلّ محلّ التحية، فنكاد نقول لمن نصادفه: القهوة عليكم، ويكاد يردّ التحيّة من يصادفنا: وعليكم القهوة. فهي أول ما يقدّم إلى الضيف، وكذلك آخر ما يقدّم إليه، في المناسبات تتصدّر هي المشهد، وفي غير المناسبات تتصدّره أيضا، حين يدوخ المرء يُنصح بها، وحين يشعر بالتعب يشربها. يقول الشاعر الأغواطي (من الحرازلية) بلحوت بلعتيق:

ڤالت قرّب جيت ماكش من ذ البر *** برّاد القهوة يريّح تعّـابو

حين تندر، أو تمنع، تلجأ العجائز إلى تحميص الحمص والشعير وطحنهما وطهوهما على طريقة القهوة، فيقال: قهوة الحمص أو الشعير، مثلما فعلن دائما، ودائما لم تكن تعطي نكهتها. في سنة 1986، وقد شحّت القهوة بشكل مخيف، وُلدت أختي نجاة، وبعد ولادتها تماما فرجت الأزمة، وتوفّرت القهوة، فكانت عمتي "قمير" تغنّي وتردّد: "يا نجاة القهوة جات .. يا نجاة القهوة جات". ربما كان الأجدر أن تكنّى أختي بـها بمناسبة انعتاقها من عقال الأزمة آنذاك، لكن لا أحد فكّر في ذلك.

القهوة وهوس تعاطيها ...

حدّثني الراوية عبد العزيز فكرون (مواليد 1956م) قال إن الإمام سي أحمد الصغير صادقي (المتوفي سنة 1999م) اشترى، حين اضطرّته الحاجة، كيلو قهوة بثمن يعادل قيمته خمسا وعشرين نعجة، في ثلاثينات القرن الماضي، هذا فقط لأن القهوة كانت ممنوعة عمدا من قبل فرنسا، لأسباب تهدف رأسا من ورائها إلى إخضاع الشعوب. فحين قلّت ازداد حاجة الناس إليها، فكانت تخلع عمّن يحبّها كل ما يمتلك. قال أحدهم مخاطبا القهوة:

يا ريّـاحة التعبان *** (يا عــرّاية المكسي)

نقلا عن ابنه سليمان يقول أحمد بن محاد سراي (ولد في سنة 1901 وتوفي سنة 1995، قضى أكثر حياته في بادية زاقز الشرقي)، في بيتين، ضمن قصيدة رحلية له، في حدود الأربعينات، وكان متّجها إلى التل:

 وندهمي حد السحــــاري ونقــيّل *** ونسحمي ذ العود ونرد جلالو

يا قهواجي طيّب القهوة واقصب *** بالقرفة والطّيب سربي فنجالو

وفي ذات السياق، يقول أحدهم، حيث جعل منها حبيبة لا يمكن مفارقتها رغم معاتبة الصحب والأحبّة:

القهوة محبوبتي غتبـوني فيك *** يـا مَهبل ذ النّاس راهم هطّايا
قالولي بركاك واترك ذ الحـيّة *** وقتلنا مصــروفها ذ الفــــرّاية
خلّات المشرار ما يسعى حيّة *** لا قنـــدورة كاملة لا لحفـــاية

وقدّ ذكر الراوية عمر مزارة (1942م) أن الأبيات أعلاه منسوبة إلى الشاعر محاد بن رقيّق مزارة، ومنها:

يا قهوة لوكان تتغرسي نحظيك *** نبني عنّك سور شغل البنّـايا

بينما روى لي الشاعر لوعيل الحواس (مواليد 1956م)، أنها قيلت سنة 1942، حيث منعت قهوة البنّ، وشرع الناس في تناول قهوة الشعير بدلا عنها، دون أن يذكر لي اسم الشاعر فهي ـ حسبه ـ مجهولة القائل:

يا قهوة لوكان تتغرسي نحظيك *** نبني عنّك سور شغل البنّـايا
نجعلك عسّاس دايم ما يخطــيك *** من أهلي وشريك ولّا قربايا

فردّت القهوة: 

كي تشكرني ما نجي مهدية ليك *** والعالم هو خصيم الخطايا

في ثمانينات القرن الفارط، حدث وأن شحّت القهوة، ولم تعد متوفّرة بالمرة، وكانت الشاعرة نخلة بن سعدة تتخذها، قبلا، أُنسا لها في مكان إقامتها، في مدينة وهران، فأنشأت تقول:

أدزا يا ڨلبي عليها وانساها *** ونديروها كي البر وفارڨناه

عن الأستاذ بلخير عمراني عن خاله سعود بوعزة:

القهوة صفّـــاي ودواها حبة *** والمأكول يجي على كل الصفرات

صحة للي جا وجاب المحبة *** ودڨــة للــي نيتـــو خـــــابت ولات

وهذه أبيات بتصرّف، مجهولة المؤلّف، ويبدو أنه من شعر القطع، نقلا عن والدة الأستاذ بلخير عمراني، المولودة سنة 1956، وهي ابنة بيئة الزعفران:

القهـوة صـــداقها مابا يهوى *** وربي دارلها الحرمة في ذي الجيل

اللي كان ڨبيل مشداڨ الرقدة ***  ضرك يقـلك هـاتلي كـاش فنيجيـل

ولي يعطس في القرارة عاد يهيل

ابن الزكــــرم راه قلاها عنّا *** وابن الحرمة ما يــــــردلنا تاويل

بل إن هنالك من تعلّق بها حدّ الهوس، مثل الشاعر (تنسب للسعيد بن سي قويدر رحمه الله) حين تعذّر عليه ابتياعها فدخل وإياها في نزاع إذ قال:

القهــــوة كيفـــاه نعمل نا ويـاك *** زدتي في الصـاداق وانا زوّالي
يظهر لي قادي ندير نزاع معاك *** القدوة صابح نطلبك عند الوالي

انقلّو: يا شيخ لا تقبل رشوات *** كون نصير صحيح دير الحقّاني
اسّـــرش لحديثها باه تنـــاديك *** واتّــــاول حتى لقــــولي نا ثاني

ومن ذلك يقول عبد الله بن محمد العياشي صاحب الرحلة العياشية (المتوفي سنة 1679، ويَذكر أنه مرّ في رحلة حجّه بربوع أولاد نايل، تحديدا في دمّد وعبد المجيد):

"... وقد شاع وذاع عند كثير من الناس، ذكر غير واحد ممّن تكلّم عليها، أن أول من أحدثها وأخرجها من أرض اليمن الشيخ الولي الصالح المتفق على ولايته سيدي علي بن عمر الشاذلي اليمني، وأمر أصحابه بشربها ليستعينوا بذلك على السهر في العبادة، ثم لم يزل أمرها يفشو شيئا فشيئا، ومن بلد إلى بلد، إلى أن آل إلى ما آل بحيث عمّت البلاد المشرقية وكثيرا من المغربية، فيُحمل منها في كل سنة من بلاد اليمن إلى كل أفق من الآفاق، شرقا وغربا، آلافا من الأحمال، فتُدفع فيها أموال قلّما تُدفع في غيرها من التجارة، فيبلغ الحمل منها في مكّة إذا رخص فوق العشرين ريالة، وبمصر إلى الخمسين، وفي البلاد الشاسعة كإفريقية وبلاد الروم من القسطنطينية وغيرها فوق المئتين".

القهوة والقهوة التقليدية ...

من المعلوم أن القهوة تُحضّر بأكثر من طريقة، من منطقة إلى أخرى، لكن قهوتنا العائلية اليومية، في طريقة تحضيرها، هي الشائعة، وتسمّى: الصفّاي. تكاد تكون واحدة في كل المناطق، ولاسيما السهبية. على أن هناك طريقة تقليدية يندر استعمالها في الكثير من البلاد، وهي القهوة المخلّطة، كما تسمّى حديثا بالفرارة، مع حفظ الفارق، إذ إن الفرارة تختلف عنها قليلا، وإن كانت ابنتها، فالفرارة، كما ذكر مختصّوها، يكون طحين بُنّها أكثر ملاسة، كما أنها تعرف في الحواضر، على عكس المخلّطة، التي تستعمل في الحاضرة مثلما في البادية، فيستعملها الرحّالون فرادى وجماعات، لنكهتها واقتصاد الجهد والوقت في تحضيرها، وقد اشتهرت أكثر في منطقة الجلفة.

والحديث عن القهوة التقليدية، والقهوة عموما، يقودنا، قطعا، إلى جانب صوفيّ مرتبط بالزوايا والمقاومات الشعبية. حدّثني الشيخ الراوية بلقاسم بن الذايدي (مواليد 1925م) أن القهوة عُرفت أكثر في الزوايا، في مدخل الزاوية تجد برّادا كبيرا للقهوة، وما يكاد يفرغ حتى يُستبدل بآخر، ذلك لحاجة مرتادي الزوايا إلى القهوة، فهي المنشّط الرئيس، والمحرّك الحيويّ لشاربها، وكذلك يفعل الصوفيوّن. لقد ورد في مقال بعنوان: البن اليمني، من قمّة التاريخ إلى ذمّته، يقول صاحبه:

"ومع أول ظهور للبن / القهوة، والتي كان يشربها الشيوخ الصوفيون، لتعينهم على قيام الليل والعبادة، فقد ظهرت العديد من القصائد الصوفية التي مجّدت القهوة، وهذه مقتطفات من قصيدة نسبت إلى الشيخ الصوفي علي بن عمر الشاذلي، وهو الذي نسبت إليه بداية استعمال القهوة في اليمن، حيث قال: قهوة البن يا أهل الغرام ساعدتني على طرد المنام / وأعانتني بعون الله على طاعة الله والناس نيام / قافها القوة والهاء الهدى واوها الود والهاء الهيام / لا تلوموني على شربي لها إنها شراب ساداتي الكرام".

هناك رواية تقول: إن أول من عرّف بطريقة تحضير "قهوة الفرارة" التركية إلى منطقة أولاد نايل هو "موسى بن الحسن المدني الدرقاوي". ويؤكّد الباحث في التاريخ المحلّي الأستاذ بن سالم المسعود بأن هذه الرواية لها ما يعضدها إذا علمنا أن جميع من وثقوا سيرة موسى بن الحسن الدرقاوي قد تحدثوا عن مكوثه بزاوية الشيخ "محمد بن حمزة الظافري المدني" بطرابلس والتي كان قد أنشأها سكرتير الباشا التركي "سيد مصطفى" حسب رواية أنطوان آرنو في المجلة الإفريقية سنة 1873 ... مثلما نجد رواية أخرى لمفتي دلّس الحاج قارة، وهو صديق الدرقاوي، حيث يقول أن الحاج موسى الدرقاوي كان يجيد اللغة العثمانية ... وكل ذلك يؤكد على أن قهوة الفرارة قد جلب طريقة تحضيرها الشيخ موسى الدرقاوي الذي مكث ببلاد أولاد نايل ما بين 1831 إلى 1849 تاريخ استشهاده بالزعاطشة".

وهذا ما يحيلنا إلى سبب تسميتها بالعثمانية، أي أنها تنسب إلى العثمانيين، كما أنها تسمّى بالشاذلية، أو الشاذول كما كان متداول لدى أمهاتنا قديما، وتسمّى أيضا: بنت حسين. قال الشاعر محّاد بن القعمز (من أولاد ملخوة، 1875-1952) قديما:

يا من تحضر في كرايب بنت حسين *** تقبض شاو الفايدة من مبداها

أما سبب تسميتها بالشاذلية فنرجّح أنها نسبة إلى الطريقة الشاذلية، فقد كان الصوفيّون من أتباعها مولعون بشربها، ولاسيما أن القهوة، كما ورد أعلاه، ينسب بدايات استعمالها في اليمن إلى الشيخ الصوفي علي بن عمر الشاذلي. بينما سبب تسمية: بنت حسين، فقد تكون وليدة التسمية الأولى، أي بنت الشاذلية، ومؤسس الطريقة الشاذلية هو الشيخ أبو الحسن الشاذلي. واسمه بالكامل هو "الشيخ أبو الحسن علي ابن عبد الله بن عبد الجبار الشاذلي المولود بالمغرب الأقصى في بلدة غمارة القريبة من مدينة سبتة سنة 593 هـ وفي مسقط رأسه أكبّ على حفظ القرآن الكريم ودراسته للعلوم الدينية واللغوية التي برع فيها براعة كبيرة. وكان من أبرز شيوخه الذين أخذ عنهم علوم الظاهر والباطن الصوفي الكبير الشيخ عبد السلام بن مشيش الذي يعد من أكابر المتصوفة بالمغرب الأقصى".

القهوة في وجدان الشعراء ...

إذن، القهوة هي تماما بمنزلة الخمرة عند العربيّ قديما (أنظر في لسان العرب: القهوة الخمر، سميت بذلك لأنها تقهي شاربها عن الطعام، أي تذهب بشهوته). ونقول في لساننا الدارج: تڤهم (القاف هنا بثلاث نقط)، وأصل الكلمة هي: تقهم، ومعناها: تذهب شهوة الأكل، أي تقهي شاربها عن الطعام، فقط استبدل حرف الياء بحرف الميم. وبما أنها مغنية عمّا سواها من ملذّات الطعام، ولأن دوختها لا تعالج إلا بها، حتى صارت هي الطّب المنشود، فقد تربّع ذكرها على النصيب الأكبر عند الشعراء البدويين. قديما وحديثا.

وكانت العجائز يتغنّين في طلبها، ويردّد ذلك حتى الأطفال:

يا ربي جيب القهــوة *** ويجي معاها رشراش
وندير فنجال محرحر *** وينح لي وجع الراس

وقد بلغت ما بلغته في قلب الشاعر المسعدي "بن عبد الله (من أولاد طعبة) رحمه الله" فوصفها وصفا في غاية الجمال، ويقول، بتصرّف منّا، في مطلع قصيدة:

ملكتيني ( يا تايهة) ربي يهديك *** وملكتي ڤاع المدن والرحّالة

ويقول في نصّ آخر:

تخميمك (يا تايهة) ساكن ڤلبي .. وتلّفتي منو اللي كانوا سكّان

يا لها من بلاغة في القولة الأخيرة، ويا لها من حظوة للقهوة في قلب ووجدان الشاعر!
" التفكّر فيك، يا متلفتي، سكن قلبي، وأتلّف عنه كل ساكنته، ولم يبق إلاك متربّعا على مشاعر قلبي".

ويقول الشاعر الخوني سالم (من أولاد ملخوة) في بيت عارض ضمن قصيدة مطوّلة:

القهوة هيا طباع الڤصّارة *** حتى النوم اتلّفو عنا تنفيه

وهنا إشارة إلى أن القهوة من شأنها إطالة السهر وتنشيط الساهرين.

تقول إحداهنّ قديما أيضا:

القهوة راني عليها ماذالي *** توحّشت اللي كان عنها يلقالي

و يقول الشاعر بلحوت بلعتيق:

ڤالت ڤرّب جيت ماكش من ذ البر *** بـــرّاد القهــــوة يريّح تعّـابو
تشكر فيه طيـــاب بقيـــاس معبّـر *** فنجال الفرفور يحلى لشرابو

وتقول شاعرة في نفس السياق، في التأكيد على تفّوق القهوة على الشاي:

القهوة خير من اللتاي *** القهوة خير يا جايح
القهوة راحة اللي عاي *** تفش الغيظ وتريّـح

إحداهنّ صدمها صندوقها الفارغ من القهوة، ولم يكن هذا حاله، حيث، الآن، لا جدوى من النهوض باكرا، وليس ثمّة قهوة، فأنشأت تقول:

يا صندوقي ضارية فيك القهوة *** مـــــولاتك مصّبحــة ما دارت نــار
ما ضـــاقتها لا حلــوة لا مــرّة *** وهاضت عنها كي عّادت نص نهار

وهذا ما يعزّز رواية الشيخ نعاس جرو (1958م)على أن العجائز قديما كنّ حين يتصبّحن من دون قهوة يضربن جباههن أشدّ الضرب، وهنالك من تكوي جبهتها من شدّة الصداع الذي يسببه غياب القهوة. ألم فظيع لا يقاوم، ولا يداوى إلا بحضور القهوة.

ويقول أحدهم:

القهــوة تبكي على الحاج قويدر *** ويطيّبها في النهار اربع مرّات
ويدير مع الشّيح فنجال محرحر *** فوق سنيوة ورث للباشقـــاوات

أي أنه يحضّر القهوة خلال النهار أربع مرّات، كما لو أنها وصفة دواء، بل إنها أنجع من الدواء، ولا مهدّئ أو مسكّن يفعل فعلتها، لقد تفوّقت على المسكّنات جميعها. فقد ألفها شاربها هنا حتى بادلته هي الألفة، وافتقدته بمجرد غيابه.

إنها طبيبة من هدّه التعب، ومؤنسته دائما، يقول أحدهم:

القهوة ونّاسة التاعب مهموم *** ونّاسك بعد التعب ولا رايح

وتقول إحداهنّ:

أنا راني هايفة ع الحب اليوم *** فنجان الفرفور مزين نسماتو

يقول أحدهم وقدّ فضّلها على القوت في سني المجاعة:

واش نمثّل يا القهوة ضركا فيك *** يـاك نتيا فيك نعمــة ونعايــم
ربي رفعك ع الحـوايج ومغلّيك *** نشتي نفطر بيك وانايا صايم

فردّ عليه صاحبه:

واش نمثّل يا الرقدة ضركا فيك *** يـاك نتيا فيك نعمــة ونعايــم
الفـــقــارا دارت المعمــاد عليك *** والغنيا ركبو محاصن تزّارم

في البيتين الأولين واضح تماما أن الشاعر يقدّم القهوة عمّا سواها مما يسدّ الأود، فهو يفضّلها حتى على الطعام في الصوم.

من لطائف ما اتّصل بالقهوة ...

ولعلّ من طرائف ما اتّصل بالقهوة قول امرأة بدوية لزوجها قبل أن يهمّا بالرحيل، كعادة البدو الرحّل، إلى منطقة "السافل" في صحراء مسعد الكبيرة، وقد كانت نسيت القهوة، فأنشأت مخاطبة زوجها:

يا سالم راها القهـــوة ملكتني *** تصلـح في لاذان وقتن صلّينــــاه
انلاقي لمباركة تشتي تحضر *** وسهم الطـــالب في بريقو يستـنّاه
ايلا ڤبّلنا نعمـــلو منها عـولة *** وفنجــــال على الشّيح رانا طيّبناه
نا عــزّيتك قا نتا ولاّ القهــوة *** نديرك في الميزان والغالب ويناه؟

يقال إن زوجها حين وضع والقهوة في ميزان واحد، في انتظار لمن ستكون الغلبة، انتفض واكتال لها شوال قهوة عربية وقد دفع فيه أنفس ما يملك.
تسريد الأبيات أعلاه:

" لقد ملكتنا القهوة، يا سالم، وانتهى الأمر. إنها القهوة التي يصلح طهيها مع وقت الآذان حين ينادى إلى الصلاة. سأدعو أختي مباركة لمشاركتنا القهوة، إنها تحبّ ذلك، أعرف، وحتى حصّة المؤذّن ستكون في انتظاره، في برّاد القهوة. لا يمكننا أن نرتحل دون أن نتزوّد بالقهوة، ودون أن يكون هنالك، دائما، فنجان قهوة معطّر بالشيح. آه يا زوجي العزيز: ما أحببت، في حياتي، غيركما أنت والقهوة، لذلك سأضعكما في الميزان، وسنرى لمن ستكون الغلبة!".

كما حدّثني الراوية عبد العزيز فكرون (مواليد 1956م)، من عرش أولاد سي أحمد، عن قصة لطيفة تتّصل بالقهوة. مفادها أن لصوصا هدّهم الجوع والعطش في إحدى البوادي المنقطعة، فتراءى لهم أحد البيوت في البعيد، فاتّخذوه وجهة لهم بعد اتفاقهم على قضاء ليلتهم فيه ليواصلوا في الغد رحلتهم. استقبلهم صاحب البيت، وعرف توّا، بقيافة البدويّ، أنهم من قطّاع الطرق، لكنه رحّب بهم كما يرحّب بضيف عزيز، وحين أدرك حاجتهم قرّر أن يهديهم أعزّ ما يمتلك، وبالفعل جاءهم ببرّاد قهوة، وكانت أعزّ ما يقدّم إلى الضيوف، فاندهش الحضور مما رأوا، وكما لو أنهم عثروا على كنز مفقود حملق بعضهم في بعض غير مصدّقين. شرب كلّ منهم الفنجان الأول، ثم الثاني، فالثالث. بعدها انتعشت الجماعة ودبّت الحياة في جسومهم من جديد، وانتفض كبيرهم قائلا: أما الآن، وقد شربنا القهوة، فلا حاجة لنا للنوم، ولا للراحة، فقد أدركنا راحتنا، ووجب علينا المضيّ إلى وجهتنا، وهكذا انطلقوا في كامل حيويتهم ونشاطهم.

يقول أحدهم:

هذي القهوة دارت لهرسي فهوة *** وهذي الشهوة كي نتركها نرتاح
ضيف بلا عرضة تهمشيشة وجياح

ويقول آخر:

القهوة اللّي تبنان *** فلفل يا اللي تحسي
يا ريّـاحة التعبان *** يا عــرّاية المكسي

يقول الشاعر شعبان البركاني حين ألحّت عليه أخته بشرب القهوة:

نشربها في خاطرك يا تركية *** ماني ضـاري قهوة الليل ووالات
حرڤتلي قاع المعارق والـريّة *** المعدّة حسّيت منها ڤـاع رشـــات
نطڤت قالت: واش عدّاك عليّا *** وتغــتب فيا بين شبّــــان ولبنـات
أنا راني فـــال مـــاني دونيـة *** نصبح نزهر في برارد وسنيوات
اسنـــيوة مرقــوم فضّة شهّاية *** ومنها راهم يصنعو في الدينارات
وفنــــاجين مورّدة دارت بــيا *** نعتو من فرفور باهي في الصيفات
تصّبـــح شبّــــان فرحـانة بيا *** ومع الفجر يلقّمـــــو فيا خـــودات
حتى بالصبــــيان يلقــاو عليّا *** واذا غبت يشيّبو عني لمــــــوات

وفي رواية أخرى، (رواية والدة الأستاذ المسعود بن سالم) تنسب القصيدة إلى أخيه علي الذي كان مريضا ومنع عنه الطبيب القهوة، فأصرّت عليه أخته تركية أن يحتسي منها حسوة واحدة، ففعل من أجلها، فيقول:

نشربها في خاطرك يا تركية *** ماني ضـاري قهوة الليل وواتات
نذروني عنها الطبّــة والطلبة *** ڤالــــولي في صحتك لاما خلات

كما حدّثني الراوية بلقاسم بن الذايدي عن الشيخ جواف لخضر (المتوفي سنة 1968م) أنه كان دائم الترحال من مكان إلى مكان، بحماريه اللذين ينقلان أغراضه التي كان يعتاش منها، وكان في كل موضع يحطّه يوزّع حصّة من القهوة بالمجّان، ويسمّيها: قلّاية بن معطار. وقلاية بن معطار هذه معروفة في منطقتنا، حتى صارت مثلا، عنوانا للقهوة متى ما ذكرت.

يقول الشاعر محاد بن القعمز:

يا من تحضر في كرايب بنت حسين *** تقبض شـاو الفايدة من مبداها
جميلة مرفــــوعة النسبـــة والـــزين *** وعلى القهوة اللي نقلك معناها
ريحتــــها تنفي (صحيح) الشيــاطين *** واقيلة في كاف ربي تلقــــاها
اضيــــاف الله يخزرو لخلى بالعيــن *** يتبسطو كي يسمعو فال سماها

ويقول:

القهـــوة ع الليـمنة والكيف ثنين *** والثـــالث رفعة تعود لمـولاها

يردّ عنه أحدهم:

يا راجل وعلاه ڤلت الكيف ثنين *** ذ الحسوة وش دا دير لمولاها؟
عاقب ربعة قا يكب على بويدين *** والقهـــوة من ثم يتبدّل مـــاها

( الأبيات الثلاثة الأخيرة رواها لي الشيخ نعاس جرو، بينما رواية الشيخ أحمد خوني للأبيات الأخيرة لم تكن كاملة، وإن وافقت الأبيات أعلاه، مع تغيير خفيف عليها، مثلا يقول:

قشّي منهم كي تقول الكيف ثنين *** ذ الحسوة وش دا دير لمولاها؟

على أن الشيخ محفوظ بلخيري يرجّح أن قائلها واحد، وهو الشاعر محاد بن القعمز، حيث مثّل هو دور السائل وهو المجيب).

القهوة في شعر دحمان بن الخردلة ( من أولاد سي أحمد):

يا ربي سهـــل عليّـــا بالمــرّة *** هوّنلي مصـــروفها يا عـــال الجّــاه
جنّي عاشق خادم اللاهي حرّة *** ما تسكن في ذ الوطن ما تشرب ماه
القصدير جديد عمرو ما صدّى *** لاني نغرس في النخيل ولا نهـــداه
الما صافي زين لاهوش شمرّة *** وعلى الحصبة مــاه سايل نصّصفاه
الميقود صحيـح واجد بالكثــرة *** وفلّاق الكــــرّوش بالبــــوجي قــدّاه
مشنــــوڤة لرياح زين التبخيرة *** واذا قــربع حسّــــها نحضر لـــزقاه
ونسخّيــك بعيد فوڨ المجمورة *** نعرف فـــال اللي مجـــاور ما ننساه
والمفتـــــاح قليـز ماهو فيد مرا *** ما شــــدّو وال النسّـــا مــا يتــــعدّاه
ومن الراس تنح عنيّ ذ الدوخة1 *** وذني تسمعني على دحمان لقــــاه
العيــــن تولّي مرايا مشهــــورة *** والغرب مع الشرق قاع حنا شــفناه

من خلال هذه الأبيات، نخلص إلى أن الشاعر التجأ إلى الله مباشرة أن يسّهل عليه في اقتناء القهوة، فهي لم تعد متاحة، وقد وصفها بالمرّة، ثم عرّج إلى كيفية طهوها في الطبيعة، وحتى نوع الحطب المحبّب إليه، وهو الكرّوش، دون أن ينسى حصّة الجار: "نعرف فـــال اللي مجـــاور ما ننساه"، فالشيء الجميل نحبّ أن يشاركنا فيه الآخرون، على رأي الشاعر، ثم ها هو يقول:

والمفتـــــاح ڨليـز ماهو فيد مرا *** ما شــــدّو وال النسّـــا مــا يتــــعدّاه

وهنا إشارة إلى مكانة القهوة، فقد يكون للنساء الحرية في التصرّف في مؤونة البيت، في كل شيء ربما، باستثناء القهوة، فهي التي يدسّها الرجل في صندوقه الخاص، ويجعل المفتاح في جيبه، وهو من يوزّعها على أهل البيت بمقدار.

ثم اختتم قوله أن القهوة بعد أن تزيح عنا الدوخة يمكن للعين بعدها أن ترى إلى أبعد ما يكون فيه النظر، رؤية كاملة غير منقوصة، هذا فقط من مفعول القهوة، لا غير.

شرح بعض الألفاظ: المــرّة: كناية عن القهوة / هوّنلي: سهّل لي / شمرّة: ماء ملوّث / الميڨود: الحطب / البوجي: نوع من الكبريت / مفتاح ڨليز: مفتاح إنجليزي.

1 يقول الشاعر دحمان بن الخردلة: ومن الراس تنح عنيّ ذ الدوخة1، ولأن كلمة الدوخة، لا تناسب حرف رويّ قافية صدر البيت، ولأن الشاعر متمكن من شعره، فقد تكون الكلمة منقولة خطأ، ويرجّح أن تكون: بورة. أي: ومن الراس تنح عنيّ ذ البورة، تماشيا وموسيقا القصيدة.

القهوة في شعر محّاد بن حرّان (من أولاد أمهاني):

هذه القصيدة نقلا عن الشيخ يحيى خلوفي (مواليد 1925م). إنها واحدة من القصائد التي أفردت للقهوة، تبيّن لنا مدى سطوتها على صاحبها، في قصيدة شعرية سردية، عرف قائلها كيف ينقل إلينا حالته النفسية في غياب القهوة، ما يعني لديه، تقريبا، غياب العقل.

خــادم كحـلــة دارت خصـايم للنـــاس *** عملــت جملة للخـــلايــق شقـــلالة

سحّارة وسحورها تضرب في الــراس *** ما خـــلّات صــــواردا للرجّــــالة

تصبح في الكانون تضبح في المهراس *** ويعـــانوها كي المريض الطلّالة

جمـــعيتــها كـي جمعيـــة الــــريّـــاس *** تقرم فيها في المـــدن والرحّـــالة

حبّة خضـــرا تتڨـلى وادّيـــر اهـــواس *** طِيـــب السكّــــر فايتــاتو بمسالة

ذ الجّنيــــة ڨــلعــت علينــــا لهــــراس *** خلّتنا نتهـــاضعو كي الشـــــوّالة

الواحـــد صــــابح للعيال يدير حسـاس *** يتونتــــر ويسب فيـــهم من والى

ورّوني ذ الحَــب واش ڨضــاه خلاص *** ما ضيّفت ضياف واشن ذ الحالة!

مــــدّة ثــــلث ايّــــام طيّبتي مهـــراس *** تِي والمعـــزج دايـــرالي قلقــــالة

رزقي ضيّعتيـــه عن فنجـــال وكــاس *** منصــــوبة قـــلّايتك لِيمــــن والى

ضــــاري ڨمح قرايري يصفى الڨنطاس *** راني شفتــــو ياك في ذ الكيّــــالة

رانـــي شفـت زمـــالتك عنـــد الدوّاس *** مـــولى البقلة الشاطرة والهروالة

نتي عدسيــــة ما نفعنـــي فيــك دواس *** نـــا واقيـــل نوخّذك ع الحمّــــالة

ولّى نخســــر فيك نا هذا القرطــــاس *** ولّا نلهّـــب فــي ذفـــالك شعّــــالة

قالتلـــو مـــولات بيتــــو دير قيــــاس *** واجبــــر عقلك كي الناس العقــالة

جن القهـــوة ضاربك تبغي لحســــاس *** عندك نشوة في الزّڨى تعطي دالـة

دنّـــڨ للراعي وشوف على الخمّـــاس *** شــــوفو ذيك البيت هلهــا بوخـالى

جيــــرانك عـــدّو عليك من النقّـــاص *** قــــالو ذا حسّـــي ورجـــراج ڨبالة

تلقـــى في الصفّـــاي واقـف كي ترّاس *** وانظـــر للكــــانون والما يتقــــلى

افناجيــــل مرڨّمــــة وسنــــيّ نحـــاس *** بـــــرّاد الطليــــة مــــورّد يتــلالى

تاجــــرها ولّا يتيــــه عــلى الريّــــاس *** باني لينـــا فخّتــــو كي لــوعــــالة

بن سيـــدي بلخير عن بـابك عسّــــاس *** وبليـــس على العيـــن داير ضلّالة

تسريد القصيدة:

هذه الخادم "السوداء" فتنتنا جميعا. لقد فعلت فعلتها وشغلتنا وتربّعت على عقولنا. إنها ساحرة، وسحرها نافذ في الرؤوس. لم تترك للرجال مالًا، ثورتها قامت على الجميع، نساء ورجالا. في كل صباح، تدقّ طبولها في مهاريسها، إيذانا بالسيطرة الكاملة والشاملة على مريديها. إنها كالمريض الذي يعوده الأهل والأحبّة والجيران والمعارف وغيرهم. ترأست على أفئدة الناس، وفرضت جبايتها على المدنيين قبل الرّحالين. هذه الحبّة الخضراء، هذه التي تحترق وتحرق معها مشاعرنا. نفحاتها تصيبنا بالهوس، بل بالجنون، وغيابها يؤرّقنا، ويجعل رؤوسها في تيه بلا دليل، وبلا خليل. طيبها يفاخر عن كل طيّب. كما لو أنها جنّية لم تترك لمريديها ما يستترون به، باعوا عنها كل ما يملكون، وتركتهم في خمرة، وفي انتشاء وعناء، كالحصّادين في القيظ مع حصائدهم. أصبح من لا يملكها في قلق مشين، ينتفض من نومه دوما في مناكفة نفسه وعياله.
أروني كيف انتهت قهوتي، دون أن أظفر بحبّة واحدة، فأنا لم أضيّف أحدا، ولم أهدها إلى صاحب أو حبيب، فكيف قضت؟ أعرف، ففي الأيام الثلاثة المنقضية جئت على آخرها، أنت وجليساتك، في جلسات اللهو والدلال. أضعت مالي عن فنجانك وكأسك، فقهوتك على قيد التحضير في كل الأوقات، للضيف ولغير الضيف. حتى قمحي الذي كان يناطح القنطاس (القنطاس هو أعلى الخيمة) في أكياس تعلوها أكياس لا تعادل بثمن، رأيته يتحوّل إلى قهوة في مطاحن القهوة!
لقد أبصرتك هنالك، في رحى القهوة، عند صاحب البغلة السريعة. بدا لي أنك شبيهة ببني الغجر، لم تنفعني حيلة معك، وقد نفترق بلا رجعة. أو ربما سأخسر فيك آخر رصاصة، أو سأشعل في ملابسك نارا لا تنطفئ.
على أن زوجه انتفضت ورمته بقلّة التعقّل، متهمة إياه بالجنون، جنون القهوة، وأنه اعتاد على إشعال الفتنة في البيت بلا سبب، أو ربما بسبب تافه، بدافع الدوخة التي لا تفتأ تركب رأسه. منبّهة إياه إلى المحيطين بهما، إلى الراعي وإلى الخمّاس، اللذين سيتهمونهما بالبخل قطعا، وأن بيتهما بلا نار. حتى الجيران قالوا ـ تقول الزوجة ـ إن هذا الرجل لا عقل له، وإنه قد أدمن على إثارة الجلبة من حوله، وعلى التشاجر حتى مع ملابسه!
هذه هي القهوة، نشوة تعاطيها ونشوة تحضيرها، فتاجرها بات يتفاخر على أصحاب المراتب العليا، بل وعلى الرؤساء أنفسهم. فمن ذا الذي يرتقي إلى مقامه؟ إنها القهوة، وسحرها النافذ في الرؤوس، سحرها الفتّان!

هكذا كان ذكر القهوة، منها ما جاء عارضا، ومنها ما كانت فيه هي الثيمة الرئيسة في القصيدة. هذا قديما، حديثا أيضا ظلّت محلّ اهتمام الشعراء. يقول الشاعر بن علية عبد السلام (مواليد 1981 حاسي بحبح):

بوصلّوع رفيس بدهان مسرمد *** ( والقهوة ع الكيف تسكب نضّاحة
ديمـا في القّـــلاي دخـــانو لبّـد *** دكّــــات المهـــراس عنها براحة )

يقول طاهر بن سعد بلخيري (مواليد 1988 مسعد):

بمهـــاريس يهلّكـــوك مع لاذان *** بيها صوت الليل مرفوع لـقاها
قهوتها تفج النعاس على التعبان *** من فنجال ينوض رايح مولاها

يقول الشاعر دحمان بن سالم (مواليد 1970 الزعفران):

خصّــتني قهـــوه معاها شيــح *** ولّا تـــاي يعـود نعناعو باهي
هاذ الوقــت ندوخلك ونطيــــح *** واذا نشــــربها نعشيلك زاهي
يضربني وقت الضحي ذالريح *** نثاوب ونعــــود للرقده شاهي
تثقــــل قـاع قـــوايمي ونجيــح *** تخزر فيك العين وانايا ساهي

ويقول أيضا:

هذي قهوه طايبه في الصفّاية *** ومعاها كاس الحليب من المعزات
بعد الفجر تنــوض ليها جدّايا *** وتقشقش من ساحه البيت عويدات
تبعــث للجيـــران منها قــلايا *** حق الجيــــره ما تخليهش هيهـات

يقول الشاعر محمد قارف (مواليد 1966 حاسي بحبح)عن بنّ القهوة بعد تغيّر مذاقها:

بن القهوة خاب ماهوش مأصّـل *** كان الريح يجيب نسمتها تكسيه
كانلها ذ الشان في جلسات محل *** وسني وفناجيل مرفــودة عاليه
سينيــة تلماعها ضـــاوي يشعل *** والفرفوري قد للنظـــرات سنيه

لقد وردت القهوة في كثير من أغاني الطرب الصحراوي، فهاهي في قصيدة للشيخ أحمد بن الحرمة الأغواطي وكان قد أدّاها الأستاذ خليفي أحمد، يقول في مطلعها:

حسراه يالدنيا ضاقت لرواح *** الظن خاب ما قعدتش النية

حتى يصل إلى ذكر القهوة:

ايطيبو القهوة في كل مراح *** من كل خرج جبدولك قلّاية

بينما في قصيدة مغنّاة للمطرب الصحراوي العيشي البشير يقول في مطلعها:

اتوحّشت ولاد نايل في الصّحرى *** شاهي نقصد برّهم قلبي يبغيه

إلى أن يأتي على ذكر القهوة:

نعمل قهوة في حجيلة المذكورة *** بالقرفة والشيح فنجال مواتيه

القهوة لا تحلو لبعضهم، بل لأكثرهم، إلا حين تكون من تحضير العجوز نفسها. فللعجائز أسرار، فتحضير القهوة من قبلهم يختلف عن تحضيرها من قبل الصغيرات. كما أن هنالك عوائل بعينها تشتهر بصنع القهوة، ويظلّ يتساءل المرء (عاشق القهوة): هل السرّ يكمن في نوعية الحبوب؟ أم في الماء؟ أم في طريقة التحضير؟ أم في اليدين؟ أم في ماذا بالضبط؟

كما كانوا يتداوون بها في أكثر من مرض، مثل الجرح، وقد قال الشاعر عيسى بقة (مواليد 1964 حاسي بحبح) فيه في سياق قصيدة هزلية:

إذا عينك تبرا / سفّة قهوة غبرة / ما تبقاش المارة / في ساعتو يتقم

كما حدّثني أحدهم عن أنه أصيب، ذات مرة، بإسهال حاد، فتداوى بالقهوة، لكن ليس في شربها، إنما باستعمال مسحوقها كمملّح للمبيض المسلوق، فشفي بذلك. لقد كانت القهوة تمثّل أيضا طبّا ماديا، وليس فقط نفسيا.

القهوة في منطقتنا كان تسبق الولائم، كانت ومازالت في المقدّمة دائما، حتى حين يحلّ علينا جار جديد في الحيّ، فإننا نرسل له برّاد قهوة في الصباح أو المساء، كدلالة على أن عشاء هذه الليلة على من أرسل بالقهوة، كما أنها عنوان للكرم. فهاهو الرسام الفرنسي غوستاف غيومي (1840-1887م)، صاحب اللوحة الشهيرة عن المجاعة بالجزائر سنة 1869م، يسرد في كتابه "لوحات جزائرية" كيف أن أهل بوسعادة كانوا في غاية الكرم مع ضيوفهم، حيث دائما يستقبلونهم بالكسكسي والتمر والقهوة.

القهوة تَحضر بقوة وسط الجموع في الشوارع، ولاسيما صبيحة الجمعة، في صينيتها الفضية، وفناجين الفرفور التي التصق اسمها بها، فلا تكاد تذكر القهوة في أشعار الأولين إلا وصاحب ذكرها فناجين الفرفوري.

و"الفرفوري"، كلمة عثمانية، وكذلك "طاوة، طابونة، فنجال" إنها أوان بتسميات عثمانية، كما وثّقها الدكتور محمد بن شنب (1867-1929م) في كتابه الشهير "منتخبات في التأليف والترجمة والتحقيق"، ويرى الأستاذ الباحث المسعود بن سالم أن البحث اللساني المقارن قد يحيلنا إلى الأصل العربي لمثل هذه الكلمات العثمانية، فلا يصحّ القول، حسبه، إنه لا علاقة بين كلمة "طاوة" العثمانية والفعل "طهى يطهو طهوا" باللغة العربية، وسنلاحظ أن الهاء قد اختفت بين "طهو - طاوة" مثلما تختفي بين "ينهض - ينوض".
لعلّ ما قيل في القهوة أو في توظيفها أكبر من أن يحصى في مقال أو كتاب. لقد كانت ومازالت شريكا دائما في الشعر، في الشعر وفي غيره، فهي حاضرة في كل وقت وحين. لطالما كانت من الهديات الثمينة بين الجيران والأقارب: إنها صاحبة الحظوة في السوق كما في البيت، في الولائم كما في شتّى المناسبات، ولا يمكن لجلسة أن تحلو دونها، فحتى وإن حلت فهي، ولا شكّ، منقوصة. ولو لم تكن مقدّمة ما افتتحنا بها يومنا، وما كانت مطلب الصغير قبل الكبير. فالقهوة نفسها على لسان الشاعر تقول
:

حتى بالصبــــيان يلقــاو عليّا *** واذا غبت يشيّبو عني لمّــــــات (الأمهات

ختاما يمكن القول إن الشعر الذي يتضمّن القهوة أو غيرها ضاع أكثره، وهذا ليس جديدا، فعدم التوثيق مايزال ناقصا حتى في عصر التكنولوجيا. كذلك لقلّة الاهتمام، ولاسيما من أهل الاختصاص، رغم المحاولات الحثيثة، وعليه لم يبق إلا متفرّقات بين الحفظة والروّاة والشعراء، متفرّقات مهلهلة في أكثرها، كما أنه ليس يسيرا البحث في التراث الشعريّ دون معيقات جمّة، ناهيك عن أن رواية القصيدة الواحدة تختلف من حافظة إلى آخر، وتنسب، في كثير من الأحيان، إلى أكثر من شاعر، وهذا ما لا يجب الغفلة عنه، أبدا لا يجب ذلك، بل على الواحد منا أن يكون متيقّظا، وفي رأسه، على الدوام، فنجان قهوة ساخن ...

المصادر الشفوية:

الراوية بلقاسم بن الذايدي طويل: مواليد 1925 حاسي بحبح

الحافظة يحيى بن سعد خلوفي: مواليد 1925 أم الشقاق / القديد

الراوية خوني أحمد، مولود في حدود 1941 أم لعظام

الشاعر محفوظ بلخيري: مواليد 1965 مسعد

الراوية عمر مزارة: مواليد 1942 حاسي العش

الحافظة نعاس جرو: مواليد 1958 حاسي بحبح

الراوية فكرون عبد العزيز 1956 الزعفران

الشاعر صحراوي روان مواليد 1965 حد السحاري

الأستاذ بن سالم المسعود مواليد 1983 الجلفة

الآخ بولرباح بن سعدة: مواليد 1976 أم الشقاق / القديد.

الأشعار الحديثة كتبت نقلا عن أصحابها.

الكتب والمجلات:

عبد الله بن محمد العياشي، الرحلة العياشية 1661 / 1663 م، الجزء 1، الطبعة الأولى 2006، دار السويدي للنشر والتوزيع، أبوظبي، الإمارات العربية المتحدة
المجلة الإفريقية: مجلد سنة 1873(أنطوان آنرو، 304-305)، مجلد سنة 1856 (أدريان بيربروغر، ص 46-47).
مجلة الخفجي، العددان الثالث والرابع (مارس .. أبريل)، 2011، المملكة العربية السعودية، ص 49
صلاح مؤيد العقبي: الطرق الصوفية والزوايا بالجزائر، تاريخها ونشاطها. دار البراق، بيروت، 2002

Guilliomet Gustave, Tableaux Algériens ouvrage illustrée, Imprimerie Editeur, Paris, 1887, P178

محمد بن شنب، منتخبات في التأليف والترجمة والتحقيق، دار القصبة للنشر، الجزائر، 2007، ص 174، 178، 180

صورة الموضوع (تركيب: شبيري محمد): لوحات الرسام الفرنسي أوجان جيراردي، صورة شويحة عبد القادر، صورة الكاتب بهناس محمد

الكلمات الدلالية :
  حد الصحاري   دمّد   عبد المجيد   محمد قارف   اليمن   بوسعادة   الزعاطشة   الطريقة الشاذلية   بلاد أولاد نايل   الحاج موسى بن الحسن المدني الدرقاوي   محفوظ بلخيري   القهوة   بهناس محمد   خليفي أحمد   بلحوت بلعتيق   الإمام سي أحمد بن الصغير   أحمد بن محاد سراي   زاقز الشرقي   لوعيل الحواس   الشاعرة نخلة بن سعدة   بلخير عمراني   عبد الله بن محمد العياشي   الرحلة العياشية   القسطنطينية   بلقاسم بن الذايدي   علي بن عمر الشاذلي   المجلة الإفريقية   أنطوان آرنو   الشاعر محّاد بن القعمز   الشيخ أبو الحسن الشاذلي   بن عبد الله   الخوني سالم   الشيخ نعاس جرو   عبد العزيز فكرون   شعبان البركاني   الشيخ جواف لخضر   قلّاية بن معطار   دحمان بن الخردلة   بن علية عبد السلام   طاهر بن سعد بلخيري   دحمان بن سالم   أحمد بن الحرمة   العيشي البشير   عيسى بقة   غوستاف غيومي   فناجين الفرفور   محمد بن شنب   يحيى بن سعد خلوفي   بلقاسم بن الذايدي طويل   عمر مزارة   صحراوي روان   بولرباح بن سعدة   Guilliomet Gustave

عدد القراءات : 2386 | عدد قراءات اليوم : 8

       مقالات الرأي و تعليقات القرّاء المنشورة بجريدة " الجلفة إنفو " لا تعبّر بالضرورة عن رأي الجريدة، إنما تعبّر عن رأي كاتبها فقط .

التعليقات :
(5 تعليقات سابقة)

salah bela
(زائر)
11:30 07/06/2020
شكرا على الموضوع
تراث الجزائر
محمد
(زائر)
11:57 08/06/2020
القهوة لها مكانة خاصة في منطقتنا٫شكرا على الموضوع
kamir bouchareb st
(زائر)
22:59 09/06/2020
لحاب يذوق القهوة ، كما قدموها ،يأتي عندا سواء خفيفة وحلوة ، أوثقيلة ،القهوة لديها مذاق خاص خصوصا القهوة الخضراء المحمصة حديثا ثم تطهي .
سفيان
(زائر)
16:36 10/06/2020
اضن فيه ابيات شعر عن القهوة للشاعر بن صولة لكن ضاع لي مصدرها ، وهي ابيات جميلة معبرة ، شكرا
متفائل
(زائر)
20:28 12/06/2020
لست من شرابين القهوة لكن لا يمكن إنكار انتشارها واستهلاكها الواسع في المنطقة والبلادعامة.أعتقد أن كوبين في اليوم معدل مقبول.تحياتي

أضف تعليقك كزائر

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:

Captcha

مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (سورة ق، 18)

سياسة نشر التعليقات في موقع الجلفة إنفو للأخبار

تتيح جريدة "الجلفة إنفو" الإلكترونية للقراء الكرام إمكانية التفاعل مع الأخبار والمقالات المدرجة من خلال التعليق

على المواد المنشورة، و إذ نرحب بتعليقات القراء، نرجو من المشاركين التحلي بالموضوعية وتجنب الاساءات الشخصية

والقبلية، وتحتفظ بحقها في نشر أو عدم نشر أي تعليق لا يستوفي الشروط أدناه، وتشير إلى أن كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من

الأشكال عن آراء فريقها الصحفي وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

و يرجى بذلك الإلتزام بالقواعد التالية:

1- التعليق يجب أن يكون على المادة المنشورة فقط، ولا ينشر أي تعليق يتعلق بموضوع آخر منشور،

2- يهمل كل تعليق يضم شتائم أو ألفاظ خارجة عن إطار الآداب العامة و الدين الإسلامي الحنيف و أعراف مجتمعنا، أو يطال بالقدح والذم والتشهير شخصيات بعينها أو هيئات رسمية،

3- يهمل كل تعليق يتضمن هجوم شخصي وغير مبرر على أفراد محددين بالاسم لهم أو ليس لهم علاقة بالمواد المنشورة،

4- تهمل جميع التعليقات التي تتعرض للكاتب أو صاحب المساهمة باسمه أو لشخصه،

5- تعتذر إدارة الجريدة عن نشر أية تعليقات تتضمن تفاصيل عن شخصيات وأسماء أو أية معلومات لا تخدم المادة المنشورة،

6- لضمان ظهور التعليقات بشكل أسرع يرجى تفادي الإطالة في التعليقات، ويمكن للمداخلات الطويلة أن ترسل عبر البريد الإلكتروني ليتم نشرها كبريد للقراء،

7- تحتاج التعليقات لموافقة المحرر المشرف قبل ظهورها، وقد تحتاج بعض الوقت للظهور لذلك يرجى عدم ارسال التعليق أكثر من مرة،

لكي لا يُهمل التعليق، يرجى الكتابة بلغة عربية فصيحة

نرجو من السادة متصفحي الجريدة الأعزاء التقيد بالقواعد التي أوردناها، وضبط التعليقات بما يتفق مع شروط النشر، ونأسف مسبقا لعدم نشر أية تعليقات تخالف القواعد المبينة أعلاه.

ملاحظات:

  • لإدارة الموقع الحرية الكاملة في اختيار التعليقات ونشرها وحذف كل ما تراه لا يتفق مع الشروط الواردة أعلاه ، ونؤكد على أن إرسال التعليق لا يعني على الإطلاق إلزام إدارة الموقع بنشره،
  • *تتمنى إدارة الموقع من المتصفحين الأعزاء ذكر الاسم الحقيقي في التعليق و تجنب الأسماء المستعارة..
  • * بالنسبة للردود الرسمية يرجى إرسال نسخة من الرد (مع الوثائق الثبوتية) إلى البريد الالكتروني للإدارة وإلا فلن يأخذ الرد بعين الاعتبار ولن يعترف الموقع على مضمونه،
  • * تهمل التعليقات المرسلة كملاحظات إلى إدارة التعليقات، وفي حال وجود شكوى يمكن مراسلة الموقع على البريد الإلكتروني. بريد إدارة الموقع djelfa.info@gmail.com
المجموع: 5 | عرض: 1 - 5

التسجيل في تتبع التعليقات التعليقات :
(5 تعليقات سابقة)

متفائل (زائر) 20:28 12/06/2020
لست من شرابين القهوة لكن لا يمكن إنكار انتشارها واستهلاكها الواسع في المنطقة والبلادعامة.أعتقد أن كوبين في اليوم معدل مقبول.تحياتي
سفيان (زائر) 16:36 10/06/2020
اضن فيه ابيات شعر عن القهوة للشاعر بن صولة لكن ضاع لي مصدرها ، وهي ابيات جميلة معبرة ، شكرا
kamir bouchareb st (زائر) 22:59 09/06/2020
لحاب يذوق القهوة ، كما قدموها ،يأتي عندا سواء خفيفة وحلوة ، أوثقيلة ،القهوة لديها مذاق خاص خصوصا القهوة الخضراء المحمصة حديثا ثم تطهي .
محمد (زائر) 11:57 08/06/2020
القهوة لها مكانة خاصة في منطقتنا٫شكرا على الموضوع
salah bela (زائر) 11:30 07/06/2020
شكرا على الموضوع
تراث الجزائر
المجموع: 5 | عرض: 1 - 5
أدوات المقال طباعة- تقييم
0
image
         أقلام
email أرسل إلى صديق
print طباعة المقال Plain text نسخة نصية كاملة
آخر الأخبار

منطقة الأعضاء منطقة الأعضاء
تسجيل عضوية جديدة

Connect with facebook

آخر التعليقات