الجلفة إنفو للأخبار - رحلة على صهوة الدراجة في جانفي ... ومحاولة في التأريخ للبرد الجلفاوي!!
الرئيسية | أقلام جلفاوية | رحلة على صهوة الدراجة في جانفي ... ومحاولة في التأريخ للبرد الجلفاوي!!
أوراق في أدب الرحلة الصحفية (06)
رحلة على صهوة الدراجة في جانفي ... ومحاولة في التأريخ للبرد الجلفاوي!!
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

في آخر جمعة من جانفي 2020 رجعت مجموعة دراجي الجبال بالجلفة إلى موقع حملة التشجير في أكتوبر 2019 وأطلقنا عليه اسم "المدّاد" وهي التسمية العربية الجزائرية لشجر "الأرز" ... هاهي ثلاث شهور تنقضي عن غرس 140 شجيرة ولعل العبرة من نجاح هذه الغراسة أنه يجب أن نتجاوز مجرّد فكرة التطوع إلى جمع المعلومات ثم الاعداد والتنفيذ لتجنب فخ التسرع بعيدا عن النوايا والخلفيات والأهداف من التطوع ... ولهذا كان مقترح الأخوين شويحة في محلّه بخصوص دراسة واختيار موقع التشجير أين يتوفر الحد الأدنى لنجاح شجرة الأرز في بيئة مثل الجلفة بمناخها القاري وصقيعها ونقص كمية التماطر.

انطلاق رحلتنا اليوم كان من مدينة الجلفة بعد صلاة الجمعة على صهوة الدراجات. وهذا النوع من الخرجات يتطلب أخذ الاحتياطات الضرورية مثل تفقد الدراجة وتجهيزاتها وعتاد الدرّاج لا سيما خوذة الحماية واللباس الملائم كالحذاء ... وهذه التحضيرات والاحتياطات لا تتعلق فقط بكونك ستكون درّاجا أو لأن غابات"سن اللبا" وعرة بل سيكون لها علاقة مباشرة بشتاء الجلفة وما أدراك ما شتاء الجلفة ثم ما أدراك ما شتاء الجلفة؟

منطقة الجلفة لا تشتهر فقط بكرم أهلها أو كونها سُرّة العروبة في الجزائر أو كونها منطقة سهبية بامتياز أين تشكل الخيمة وتربية المواشي والفروسية رموزا ضاربة في عمق تاريخها ... بل إن الحديث عن الجلفة يقترن أيضا بالتحذير من بردها لمن لا يعرفها أو يزمع زيارتها أو المرور بها ... أو من تُحتّم عليه ظروف ما زيارتها كالخدمة العسكرية مثلا!!

والحديث عن برد الجلفة يتصادف هذه الأيام وحلول "ڤرة المعزة" في ليلة الثالث عشر من فبراير وهي أسطورة عربية عن القرّ (البرد) والمعزة ... عن هذه الأسطورة يقول الصحفي "عيسى خبيزي" أن العنزة بحيوانيّتها الأليفة تحدثت مع شهر "الناير" - جانفي- المعروف في منطقتنا بسطوته الطبيعية ... فسخرت العنزة منه في آخر أيامه وردّدت طربا "يا الناير بوعباير ما عندك ما درت" وأخذت تتراقص وتردّد ذلك لأنها أحست أن الشتاء انقضى. لكن حدث ما لم يكن في الحسبان إذ خاطبها يناير بالقول "يا المعزة يا وجه النار، نسلفلك ليلة ونهار من فورار، ندير لك قرونك في النار" فإذا به سيكون يوما باردا لا يُنسى في فيفري.

إن ما وثقه الصحفي القدير عيسى خبيزي يدخل في إطار التقويم الفلاحي الذي يشكل تراثا للإنسانية لا سيما في البحر المتوسط حيث يتداخل رصيد الحضارات الفينيقية والبونيقية والإغريقية والرومانية والعربية الإسلامية ... وللأسف هذا الاحتفال الفلاحي المتوسطي الجميل تم السطو عليه في الجزائر وتحويله بقرار سياسي من بوتفليقة إلى عيد عرقي وجعله يتصادف -عنوة- مع صراع لفراعنة مصر وبالسطو على اسم "مازيغ بن كنعان" الشامي واسم "يناير" الروماني"!!

الحديث عن برد الجلفة كثيرا ما يثير النقاشات ... ذات مرة دار حوار بين الأصدقاء حول سبب عدم وجود "حديقة ألعاب مائية" بولاية الجلفة على غرار ماهو موجود في ولايتي بسكرة وباتنة وغيرها ... فكان  النقاش بين من يرى بأن الدولة مُقصّرة وبين من ينيح باللائمة على رجال الأعمال إلى أن لفت أحد الحضور الانتباه إلى ضرورة التطرق إلى الموضوع من باب الجدوى الاقتصادية والمردود المالي للمستثمر ... فإذا كان موسم البرد يبدأ في الجلفة مع نهاية أكتوبر ويستمر الى نهاية ماي فماهي الجدوى الاقتصادية لهذا المشروع إذا كانت الحديقة المائية ستعمل لمدة 05 أشهر كأقصى تقدير؟

نعم شتاء الجلفة طويل ودرجات الحرارة فيه تنخفض إلى ما دون الصفر وسترى الجليد كيف يحيل الأرض إلى مرايا كل صبيحة وساعتها ستوقن أن كل نبتة أو شجرة تنمو في هذه المنطقة إنما هي في الحقيقة قصة نضال إذا صح التعبير ... ولعل السر في جودة اللحوم الحمراء للجلفة هو في نوعية الأعشاب التي ترعى عليها المواشي ... وبالتعبير العربي العامي نقول "النبتة تنوض على قنطرة صحيحة"!! ... ولكي نتفاءل أكثر ببرد الجلفة نقول مثلا أن الجليد وانخفاض درجة الحرارة إلى ما دون الصفر يسهمان في ابادة يرقات دودة الصندل التي تقضي على أشجار الصنوبر.

وفي خرجتنا لهذا اليوم برز تأثير الشتاء الجلفاوي على الدرّاجين بمجرد وصولنا إلى معسكرنا في "المَدّاد" ... فالمثل الشعبي يقول "البرد يوكّل" وهاهم الأصدقاء قد تناولوا عشاءهم باكرا فبرز للعيان أن الأمر يتعلق فعلا بالبرد وليس بمسافة 15 كيلومتر التي قطعناها بالدراجة ... وإذا أضفنا إلى ذلك حالة خاصة مثل حمزة الذي قال بأنه لم يتناول غداءه فإن الأكل سيتحول إلى "تسوية وضعية" مع المعدة الفارغة تحت تأثير البرد وقطع مسافة طويلة بالدراجة ... ولعل حمزة مع حالة الجوع هاته سيلتهم أي شيء ولن يَسألك عن طعم الأكل وهي وضعية عبّرت عنها العرب بعدّة أمثال كقولهم "الخاوي ما تسقسيهش على البنة" أو "لي ماديه الواد يشد في السدراية" أو "الغريق لا يختار اليد التي تنقذه"!!

والآن سيُطرح السؤال مرة أخرى ... كيف تتحايل للبرد الجلفاوي وأنت في الجبل؟ أو لنقل كيف تجعل الجبل يتضامن معك ويربط على قلبك في محنتك مع سيبيريا سن اللبا؟ ... والحل لن يكون سوى في منقوع أعشاب الجبل الذي تصدى لتحضيره كل من مصطفى ووليد فجمعوا ربطات مما توفر من هذه الأعشاب الطبية مثل التسلقة وإكليل الجبل والطاڨة ... وبدوره قام مناد بصنع المجمورة ووضع الأجوار في "الطاوة" لتسخن ... وهاهي اللغة العربية الفصيحة حاضرة في المنقوع الذي سنشربه فكلمة "الأجوار" ومفردها "جور" في عامية الجلفة تستمد أصلها من كلمة "جأر" التي ذكرها "ابن منظور" بمعنى "جَأَرَ النبتُ: طال وارتفع، وجَأَرَت الأَرض بالنبات كذلك ... وعُشْبٌ جَأْرٌ وغَمْرٌ أَي كثير" وهكذا فإن كلمة الأجوار هي وصف لكثرة نبات الجبل مثل الدباغة (لحاء الصنوبر) والضرو والشيح وأوراق البلوط وإكليل الجبل والتسلقة والطاڨة والفليو.

وبخصوص الاستخدام العلاجي لبعض الأعشاب يقول الصديق حكيم شويحة أنه لا بد من التعامل بحذر مع النباتات الطبية وعن دراية وبخبرة كافية لأن تجاوز الحد المطلوب في استهلاكها قد يؤدي الى أعراض خطيرة تصل حد الموت. فمثلا منقوع وريقة من الفيجل، وهو من أعشاب الجبل، له مفعول مهدئ ومنوم ولكن تجاوز الحد يسبب أعراض التسمم.

ويؤكد نفس الخبير أن لأعشاب الجبل فوائد طبية جمّة لطالما شكلت مصدرا للتداوي في الموروث الطبي الشعبي لمنطقة الجلفة (نقول بالعامية "دوا لعرب") تماما كما هو الحال مع الأعشاب التي تنمو في السهوب ويصدُق في ذلك المثل "تحت كل عشبة نابتة حكمة ثابتة". فمنقوع عشبة "الطاڨة" مطهر للشعب التنفسية و"التسلقة" لضغط الدم و"الإكليل" مقوي ومسهل للهضم و"الدباغة" مطهرة وقابضة وتقوي بشرة الأطفال الصغار وتدبغ المعدة، و"الضرو" مطهر للشعب التنفسية ومعرّق و"العرعار" مضاد للتسممات المعدية والمعوية وقابض، و"الفليو" مقشّع للرئتين ومسهل للهضم ومهدئ و"الشيح" هاضم ومطهر ... وخذ مثلا "اللبيخة" التي توضع على الرأس لمن أصابته نزلة برد وهي تتكون من طحين القرنفل "عرق الريحة" والقرفة والليمون ... والحديث يطول عن باقي النباتات الطبية بسهوب وجبال الجلفة ويذكّرنا ذلك بالمشروع الذي اقترحته وزارة التخطيط وتهيئة الإقليم سنة 1986 والمتمثل في "معهد الصناعات الصيدلانية" ... كما يُذكرنا أيضا بكتاب نباتات منطقة الجلفة الذي ألّفه الأب الراحل "فرانسوا دوفيلاري"، وللأسف هو كتاب مفقود نتمنى أن يرى النور ويُطبع ... وهذا بمثابة نداء نرفعه لجمع تراث وأعمال كل من عرف هذا الرجل العظيم.

والحديث عن الطب الشعبي بالجلفة لا يقتصر فقط على التطبيب بالنباتات بل يتشعب إلى "الحجامة" و"التشلاط" و"الرقية" وغيرها ... غير أنه بالنسبة لموضوع أمراض البرد لا يجب أن تفوتنا الإشارة إلى "الحمامات الرملية" أو ما يُعرف محليا بكلمة "المَلّ" وهي كلمة فصيحة وردت في "لسان العرب" بمعاني متطابقة "المَلَّة: الرَّماد الحارُّ والجمْر. ويقال: أَكلنا خُبزَ مَلَّة، ولا يقال أَكلنا مَلَّة ... مَلَّ الشيءَ في الجمْر يَمُلُّه مَلاًّ، فهو مَمْلول ومَلِيل ... ويقال: رجل مَلِيل للذي أَحرقته الشمس ... والمُلالُ: عَرَق الحُمَّى".

والمَلّ بالجلفة يتم خصوصا بكثبان منطقة زاغز الشرقي والغربي في مواسم الحر "الصمايم". وقد أجابني أحد الشيوخ حول الحكمة من "الملّ" في الرمال مقارنة بالحمام المعدني بقوله "البرد الساكن في العظام هو ماء في الأصل ... والماء لا يُجفّفه الماءُ بل لابد له من الرمل الساخن". ومن أجل مَلّ مُجدي ومفيد لابد من فترة لا تقل عن أسبوع من الاستحمام الرملي اليومي دون انقطاع بمعدل نصف ساعة يوميا ... كما يجب أن يصاحب ذلك رعاية خاصة ونظام غذائي صارم من الخضار التي تؤكل طازجة كالبصل والطماطم والخيار والسلطة الخضراء. أما الوجبة الدسمة فيُستحب أن تكون من لحم الجدي لتجنب الوجبات الثقيلة غير المنصوح بها. ويُستحب مع الملّ شرب منقوع الأعشاب المُعرّقة كالزعتر ...

نعود الآن إلى برد الجلفة ... فالتاريخ يحدثنا عن السوفيات في الاحتيال بالبرد ضد العدو وأن مناخ روسيا كان هو المستنقع الذي غرق فيه النازيون ... فهل كانت المقاوَمات الشعبية بمنطقة الجلفة تحتال بالبرد؟

إن الكثير من الأحداث التي وقعت إبان الاحتلال الفرنسي في القرن التاسع عشر كانت تجري في موسم البرد. ولهذا فإن الفرنسيين قد اضطروا الى تسيير أكثر من حملتين في آن واحد للتغلب على برد الجلفة مثلما حدث في جانفي وفيفري 1847 ... ومثلما حدث أيضا في شتاء 1846 حين تم تسيير أكثر من 06 حملات مدججة بمختلف الأسلحة والتشكيلات العسكرية من سطيف وقسنطينة والتيطري والأغواط والبليدة والجزائر ... حتى أن مؤرخي تلك السنة كتبوا يقولون أن "الأمير هنري دوق أومال" قد سجل نجاحين: اخضاع منطقة قسنطينة ومنطقة أولاد نايل!!

لقد أجهد أولاد نايل فرنسا في الشتاء مثلما أجهد السوفيات هتلر حين فكّر في السير على المدن السوفياتية الثلاث ستالينغراد وموسكو ولينينغراد ... والدليل على ذلك هو أن الأمير عبد القادر قد قضى تقريبا كل الفترة من ديسمبر 1845 إلى آفريل 1846 ببلاد أولاد نايل ... كما أن وصول المقاوم بومعزة إلى منطقتنا كان في ديسمبر 1846. ونفس الأمر بالنسبة للشيخ "سي قويدر التيطراوي"، خليفة الشيخ موسى الدرقاوي ووالد المقاوم سي المختار التيطراوي، والذي حلّ بزاغز الغربي والتقى المقاوم "التلي بلكحل" في شتاء 1850 ... وأيضا انتفاضة أولاد طعبة كانت في شتاء 1852 ... ومعركة الجنرال ديكرو ضد سحاري أولاد ابراهيم في نوفمبر 1864 ...

وهكذا سيبدو لنا أن أهل منطقة الجلفة كانوا يضعون الشتاء ضمن حساباتهم في المقاومة الشعبية. ولهذا كان رهان الفرنسيين في قهر مقاومة ومناخ بلاد أولاد نايل يعتمد على تكثيف الحملات وخلق نقاط الإمداد ... ففي شتاء 1846 عملوا على إنشاء قوافل تموين ونقاط عسكرية ثابتة في كل من زكار وقلتة السطل والبيضاء إضافة إلى أكثر من 06 حملات عسكرية متحركة قدمت من الشرق والغرب والشمال والجنوب ... ويبدو هنا أن هتلر لم يجد من يفيده بهذه التجربة لكي يقهر السوفيات حين احتالوا ضدّه بالبرد!!

لقد احتالت فرنسا بالبرد الجلفاوي فحوّلتها إلى أرض منفى وإقامة جبرية وأنشأت فيها طيلة الفترة 1830-1962 عدة محتشدات وسجون سامت فيها الجلفاويين والجزائريين ألوان العذاب بل وسنجد فيها أسرى من أوروبا وآسيا وافريقيا ... خذ مثلا إرسال وليّ عهد مملكة كمبوديا "الأمير ديون شاكر" إلى الجلفة كإقامة جبرية فمكث فيها من بداية سبتمبر 1893 إلى تاريخ وفاته في 25 مارس 1897. ويبدو هنا أن زوجته حينما لحقت به إلى الجلفة لم تكن تعلم أن الغربة ونفي زوجها وسرقة مجوهراتها في باريس ومسؤولية ابنتها الصغيرة كُلّها مآسي ... ولكنها لا تكاد تُذكر أمام موت زوجها في اليوم الثالث من حلول فصل الربيع بعد أن اشتكى في رسائله من صقيع الجلفة وانخفاض درجات الحرارة ونقص السمك ... ولعل السيدة "إيفاني شاكر" لا تعلم أن ناس الجلفة يقولون في أحد أمثلتهم "البرد في الربيع والشيعة للشتا" أي أن الشتاء شاع بالبرد بينما فصل الربيع هو الأشد بردا  ... وهكذا ستبقى مأساة ولي عهد كمبوديا لوحدها تُروى للأجيال عن أن قساوة منفى الجلفة تكمن في أن الربيع أقسى من الشتاء!!

ولنأخذ أيضا كمثال معتقل تعظميت الذي افتُتح منتصف القرن التاسع عشر وأغلق سنة 1918 بعد أن استقبل الأسرى من شتى أصقاع الجزائر وتونس والكتابة عن هذا المعتقل تحتاج لوحدها كتابا ... ولنضرب مثالا آخر بأسرى الحرب الأهلية الإسبانية ومعهم الجمهوريون من شتى دول أوروبا حين سيقوا إلى الجلفة زُمرا طيلة الفترة 1941 إلى غاية 1947 حتى تجاوزوا عشرين جنسية ... والنّية كانت واضحة في قتلهم بـ "البرد" بمعتقل عين أسرار ذي الأرضية الصخرية في موقع مرتفع ... فيقول أسير أوروبي في مذكراته أنهم اضطروا إلى صناعة معاطفهم من البطانيات الممنوحة لهم وأنهم كانوا يعانون مع الصقيع الذي تسبب لبعضهم في التهابات رئوية وأنفلونزا مميتة ... بل إن أحدهم قد فارق الحياة متجمدا في خيمته ذات صباح ... وهاهو الأسير البولندي "زولبرغ بول" يتحدث سنة 1942 عن معاناته بالجلفة فيقول "المناخ محيّر ومستحيل ولا يُصدّق، أحيانا لا نصدّق أنها إفريقيا بل سيبيريا. لقد صرنا نعتقد أن الجغرافيا قد خدعتنا عند توجيهنا إلى هذا المكان" ... 

معتقل عين اسرار سنة 1944

هذا حال الأسرى الأوروبيين طيلة ثلاث سنوات فقط في الجلفة ... فكيف كان الحال مع الجلفاويين في الشتاء طيلة 132 سنة من الاحتلال الفرنسي؟

سنجد هنا شهادة مهمة للأطباء الفرنسيين ... مثل الطبيب بوشومب الذي كان بالجلفة في فترة وباء سنة 1868 حيث أسهب كثيرا في تقاريره عن الوباء الذي ضرب الجلفة مشيرا إلى أن البرد قد فاقم من الوفيات ... كما يعطي العقيد تروملي وصفا أدقّ للجلفة في حملة 1864 بقوله "ارتفاعها بـ 1100 متر عن سطح البحر جعلها في مواجهة كل الرياح وتحت تأثير درجات الحرارة القصوى ... حرارة استوائية في الصيف وبرد سيبيري في الشتاء" ... وهكذا فإن برد الجلفة قد فاقم من الأوبئة الشهيرة التي عرفتها المنطقة سنة 1868 وبُعيد الحرب العالمية الأولى أين توفي القبطان محمد بن شريف في شتاء سنة 1921 ... دون أن ننسى "عام الشر" بنهاية الحرب العالمية الثانية ... فهل يصح هنا القول بأن فرنسا هي من عملت على نشر الأوبئة بهذه المنطقة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تنتظر البحث التاريخي والتقصي العلمي الرزين 

هنا سيبدو لنا وكأن الجنرال يوسف حين قرر بناء برج عسكري عند وادي الجلفة في سبتمبر 1852 قد أيقن أنه لابد من أن توطّد فرنسا أركانها بقلب "البرد" حتى تقهر أولئك العرب الهلاليين والأدارسة المتحصّنين بتضاريس الأرض ومناخها ... أولئك الذين لم ينتظروا وصول جحافل الفرنسيين بل أسسوا جيشا مع الحاج موسى الدرقاوي وانطلقوا لتحرير العاصمة في ربيع سنة 1835 ... وهو خطأ لا تغفره فرنسا حتى وان اضطرتها الظروف إلى الاستقرار في سُرّة البرد ... الجلفة!!

وعند هذه النقطة  يقول الصديق حكيم أن الحرب في حرّ الجلفة مجهدة للجميع من حيث إنهاك الخيل والرجال ومدى الحاجة إلى الماء والكلأ والتنقل بالمواشي ... وهذا ما استغله كلّ من المقاومين والعدو الفرنسي حين تدثّروا بموسم البرد ...

لقد استمر شتاء الجلفة يصنع الحديث بل وحتى الفن والمواقف لدى الجميع في القرن العشرين ...  وسنرى ذلك جليا مع مهندس الفلاحة إيميل بريدوم " Emile Prudhomme – 1871-1963" الذي قام في شتاء 1930 بجولة في الجلفة والأغواط وبوسعادة والقولية وغرداية وأومال (سور الغزلان) والعاصمة والبليدة وغيرها ... فالتقط صورا كثيرة ومتنوعة لهذه المناطق ما عدا الجلفة التي يبدو أنه قد حلّ فيها في فصل الشتاء وصادف ذلك عاصفة ثلجية فلم يتمكن سوى من التقاط صورة لنقطة تجميع الحلفاء عند محطة القطار بالجلفة ... ثم صورتين لمركبتهم وسط العاصفة الثلجية على قارعة الطريق بالجلفة ... ولعلّ هذا المهندس قد فرّ مع مرافقيه فكانت حصيلتهم عن الجلفة ككل مجرّد 03 صور فقط من بين 110 صورة التقطها خلال شهر جانفي 1930 ...

وعن سنة 1932 سنجد أستاذ التاريخ الدكتور "داودي مصطفى" يوثق لنا قصة المشهد المأساوي الذي وقف عليه الشيخ "عبد الحميد بن باديس" في زيارته إلى الجلفة في هذه السنة ... حيث قصد الشيخ منطقة المعلبة وهناك وجد راعي غنم كان يرتدي حذاء مصنوعا من الحلفاء وهو ما يعرف عندنا باسم "الفرتالة أو العفّاس" وفي يده حذاء آخر يكاد ينتهي منه. فطلب منه الشيخ ابن باديس أن يبيعه ذلك الحذاء فتعجب مرافقو الإمام ابن باديس وقالوا له "وما تصنع به يا إمام؟" فقال سوف أعلّقه في مكتبي وكلما زارني زائر إلاّ وبيّنت له كيف أن فرنسا ادعت أنها احتلت الجزائر لتُدخلها في مصاف الحضارة وهاهم الجزائريون بعد قرن من الاحتلال يصنعون أحذيتهم من الحلفاء ... وهذه الزيارة حسب الباحث "شكيب الرايس" قد ذُكرت في "مجلة الشهاب" عدد أوت 1932 في إطار رحلة ابن باديس بمدن التيطري والغرب الجزائري ...

ولعل الإمام المصلح يعرف عز المعرفة أن شتاء الجلفة قاس جدا بدليل أن تأثره بصاحب "الفرتالة" كان في فصل الصيف ... ولهذا سنجده سنة 1939 يطلب من تلميذه "محمد الرايس" أن يبتاع له برنوسا مما يشتهر به أولاد نايل ... وبالفعل فإن هذا البرنوس قد نسجته السيدة الماجدة "السعدية" زوجة سي عمر بن بلقاسم فريطيس معلم القرآن بدمّد ... لتصل الأمانة من التلميذ إلى الشيخ في الجامع الأخضر بقسنطينة ... ومن المعروف أن "سي عمر فريطيس" هو خال الشيخ محمد الرايس، رحمهم الله جميعا.

وإذا كان ابن باديس قد روّعه منظر شخص يلبس "عفّاسا" فإن الرسامة الفرنسية "ميراي ميالي Mireille Miailhe" قد زارت الجلفة في موسم ثلج سنة 1952 أين راعها منظر رهيب جسّدته في لوحتين مشهورتين إلى اليوم بعنوان "طفل بقدمين حافيتين في الثلج" و"أقدام حافية في الثلج ... الجلفة 1952" ... وتخيّل معي مدى فداحة الإستدمار الفرنسي وبشاعته في منطقة الجلفة بين ما رآه الشيخ ابن باديس وما رصدته الرسامة ميراي بعد مرور قرن وربع عن الاحتلال!!

 

بالنسبة لفترة ما بعد الاستقلال لن نُطنب كثيرا عنها لأن شهود العصر على هذه الفترة مازالوا على قيد الحياة ولأن التوثيق لم يعد مشكلا ... ولكننا سنذكر حادثة يبدو أنها غير معروفة كثيرا لدى الجلفاويين ... إنها واقعة النزول الاضطراري لإحدى الطائرات المقاتلة للولايات المتحدة الأمريكية بالجلفة يوم الأربعاء 06 جانفي 1965 ... وقد تم يومها إلقاء القبض على قائدي الطائرة الحربية وهُما المقدم "جيرالد لويب" والملازم الأول "رونالد مارون"  ... وعن أسباب ذلك صرّح الناطق الرسمي باسم السفارة الأمريكية بالجزائر أن الطيّارين الأمريكيين تم أخذهما إلى قاعدة عسكرية بالجلفة الواقعة على مسافة 180 ميلا جنوب العاصمة الجزائرية أي 290 كم وأنهما كانا يُحلقان في طقس عاصف ... والمثير للضحك والريبة في آن واحد هو أن الطائرة الأمريكية كانت في مهمة إنسانية في البحر المتوسط للبحث عن طائرة شحن إيطالية ... فجاءت بهما الأقدار إلى الجلفة ليُجرّبا بردها !!

عود على بدء ... كيف يحتال ضد البرد من يرغب في التخييم بالجلفة؟ سؤال أجاب عنه عبد القادر رئيس نادي أسد الأطلس للنشاطات الجبلية بالجلفة ... فقال بأن الحالة الجوية الوحيدة التي تسبب صعوبات للدراجين والمخيّمين هي المطر الغزير وخاصة قبل التخييم لأن الأرضية ستصبح مبتلة مما يجعلها غير صالحة للتخييم سواء بسبب الوحل أو البرد والرطوبة. أما بالنسبة للثلوج فيمكن السير عليها بالدراجة إذا كانت بطبقة أقل من 10 سم مع ضرورة الحذر من الحفر والمطبات.

من جهته يؤكد الدرّاج مصطفى قنون أن العتاد والتجهيز يلعبان دورا في قهر البرد الجلفاوي ... فهناك خيم مضادة للجليد لأنها تحافظ عل درجة الحرارة وهناك الألبسة الحرارية (Thermal clothing) ... ليبقى للغذاء يلعب دور في تدفئة الجسم وخصوصا الحساء الحار والساخن، يقول مصطفى.

رحلة العودة كانت ليلا حيث اختار لنا القائد عبد القادر مسارا مطولا فاق مسافة 20 كم داخل الغابة ... وهنا داخل الغابة يمكنك أن تتدفأ أو تطهو بالأغصان اليابسة عكس المدينة حيث يتوفر غاز المدينة ... ولكن مهلا فليست كل المدن والقرى بالجلفة موصولة بالغاز ... خذ مثلا قطارة التي يمر تحت أرضها 08 أنابيب إمداد وتصدير للولايات الشمال ودول أوروبا ولكنها حالها قد عبر عنه الشاعر في قوله ... كالعيس يقتلها الضمأ والماء فوق ظهورها محمول ... كان الله في عون القرى والمدن المحرومة من غاز المدينة.

 

عدد القراءات : 2716 | عدد قراءات اليوم : 1

       مقالات الرأي و تعليقات القرّاء المنشورة بجريدة " الجلفة إنفو " لا تعبّر بالضرورة عن رأي الجريدة، إنما تعبّر عن رأي كاتبها فقط .

التعليقات :
(2 تعليقات سابقة)

karboua djellal oussama
(زائر)
19:14 16/02/2020
قراءة ممتعة بوركت أستاذنا مسعود
Chakr
(زائر)
16:17 17/02/2020
مقال ممتع مشكور

أضف تعليقك كزائر

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:

Captcha

مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (سورة ق، 18)

سياسة نشر التعليقات في موقع الجلفة إنفو للأخبار

تتيح جريدة "الجلفة إنفو" الإلكترونية للقراء الكرام إمكانية التفاعل مع الأخبار والمقالات المدرجة من خلال التعليق

على المواد المنشورة، و إذ نرحب بتعليقات القراء، نرجو من المشاركين التحلي بالموضوعية وتجنب الاساءات الشخصية

والقبلية، وتحتفظ بحقها في نشر أو عدم نشر أي تعليق لا يستوفي الشروط أدناه، وتشير إلى أن كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من

الأشكال عن آراء فريقها الصحفي وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

و يرجى بذلك الإلتزام بالقواعد التالية:

1- التعليق يجب أن يكون على المادة المنشورة فقط، ولا ينشر أي تعليق يتعلق بموضوع آخر منشور،

2- يهمل كل تعليق يضم شتائم أو ألفاظ خارجة عن إطار الآداب العامة و الدين الإسلامي الحنيف و أعراف مجتمعنا، أو يطال بالقدح والذم والتشهير شخصيات بعينها أو هيئات رسمية،

3- يهمل كل تعليق يتضمن هجوم شخصي وغير مبرر على أفراد محددين بالاسم لهم أو ليس لهم علاقة بالمواد المنشورة،

4- تهمل جميع التعليقات التي تتعرض للكاتب أو صاحب المساهمة باسمه أو لشخصه،

5- تعتذر إدارة الجريدة عن نشر أية تعليقات تتضمن تفاصيل عن شخصيات وأسماء أو أية معلومات لا تخدم المادة المنشورة،

6- لضمان ظهور التعليقات بشكل أسرع يرجى تفادي الإطالة في التعليقات، ويمكن للمداخلات الطويلة أن ترسل عبر البريد الإلكتروني ليتم نشرها كبريد للقراء،

7- تحتاج التعليقات لموافقة المحرر المشرف قبل ظهورها، وقد تحتاج بعض الوقت للظهور لذلك يرجى عدم ارسال التعليق أكثر من مرة،

لكي لا يُهمل التعليق، يرجى الكتابة بلغة عربية فصيحة

نرجو من السادة متصفحي الجريدة الأعزاء التقيد بالقواعد التي أوردناها، وضبط التعليقات بما يتفق مع شروط النشر، ونأسف مسبقا لعدم نشر أية تعليقات تخالف القواعد المبينة أعلاه.

ملاحظات:

  • لإدارة الموقع الحرية الكاملة في اختيار التعليقات ونشرها وحذف كل ما تراه لا يتفق مع الشروط الواردة أعلاه ، ونؤكد على أن إرسال التعليق لا يعني على الإطلاق إلزام إدارة الموقع بنشره،
  • *تتمنى إدارة الموقع من المتصفحين الأعزاء ذكر الاسم الحقيقي في التعليق و تجنب الأسماء المستعارة..
  • * بالنسبة للردود الرسمية يرجى إرسال نسخة من الرد (مع الوثائق الثبوتية) إلى البريد الالكتروني للإدارة وإلا فلن يأخذ الرد بعين الاعتبار ولن يعترف الموقع على مضمونه،
  • * تهمل التعليقات المرسلة كملاحظات إلى إدارة التعليقات، وفي حال وجود شكوى يمكن مراسلة الموقع على البريد الإلكتروني. بريد إدارة الموقع djelfa.info@gmail.com
المجموع: 2 | عرض: 1 - 2

التسجيل في تتبع التعليقات التعليقات :
(2 تعليقات سابقة)

Chakr (زائر) 16:17 17/02/2020
مقال ممتع مشكور
karboua djellal oussama (زائر) 19:14 16/02/2020
قراءة ممتعة بوركت أستاذنا مسعود
المجموع: 2 | عرض: 1 - 2
أدوات المقال طباعة- تقييم
0
image
email أرسل إلى صديق
print طباعة المقال Plain text نسخة نصية كاملة
آخر الأخبار

منطقة الأعضاء منطقة الأعضاء
تسجيل عضوية جديدة

Connect with facebook

آخر التعليقات



الطاهر عبد العزيز
في 23:58 09/04/2021