الجلفة إنفو للأخبار - رحلة آمڨيد
رحلة آمڨيد
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
أ. شويحة حكيم

حينما قرر أعضاء "نادي أسد الأطلس للنشاطات الجبلية بالجلفة" الخروج في رحلة استكشافية الى الصحراء، تبادر الى أذهان بعض عناصره تلك الصورة النمطية عن الصحراء وعن فقرها للغطاء النباتي والزوابع الرملية والموت عطشا في قفارها، إلا انه ولحسن الحظ أن ضمن النادي من زار الصحراء عدة مرات، هؤلاء يدركون جيدا مُقدرات الصحراء وكنوزها المخفية، فقد حدث أحدهم عن الصحراء مبرزا بعض خصائص بيئتها ومآلها في المستقبل القريب.

 بالنسبة للجزائر تُعتبر الصحراء عمقها الاستراتيجي ومشروعها المستقبلي، فقد ظلت لعهود طويلة ملجأ كل ثائر وخلوة كل زاهد ووجد فيها الجزائريون كل خير في كل مناسبة. فلم تعد الصحراء مصدر المحروقات فحسب بل هي الآن في طريقها لأن تصبح مخزن الجزائر وبستانها من الحبوب والفواكه والخضار، بل وحتى مصدرا للماء بعد أن كانت الصحراء رمز العطش والتيه.

بقايا عظمية لجمل نفق نتيجة حوادث الطرق. الطريق الوطني رقم 01 تصوير: شويحة.ح 2019.12.27

لقد حبا الله صحراء الجزائر بكل خير، فهي ترقد على ثروات هائلة من البترول والغاز والحديد والفحم والذهب واليورانيوم والفوسفات والملح ومعادن وفلزات أخرى. كما تغطي رمالُها بحورا من الماء العذب تكفي لمئات السنين من الضخ المكثف وإن قيل أن مياهها الجوفية غير متجددة وأن مخزونها حفري (nappe fossile) فهي على الرغم من ذلك قادرة على الاستمرار الى عهود عديدة. كما تزخر الصحراء بظاهرة غريبة رغم ندرة الأمطار وهي صعود المياه التي يمكن أن تُستغل هي الأخرى في توزيعها على المناطق الجافة وفي بعث تربية المائيات.

مناخ الصحراء الحار هو أيضا من المميزات التي تسمح بوجود فلاحة منتجة طوال أشهر السنة، ناهيك عن القدرة الكبيرة والحجم الخرافي لكمية أشعة الشمس التي تسقط على الصحراء والتي بمقدورها لو استُغلت أن تموّن الجزائر قاطبة بالطاقة الكهربائية، بل وحتى أوروبا ...

رحلة "نادي أسد الأطلس للنشاطات الجبلية بالجلفة" نحو الجنوب الكبير أدرك من خلالها أفراد النادي أن الصحراء الكبرى تبتدئ عند الانكسار الصحراوي (flexure saharienne) أي بضعة كيلومترات جنوب مدينة مسعد وبالضبط عند منطقة ثنية إفري، هذا اللفظ الذي يعني المغارة في لغات البربر وهذه المنطقة هي بداية الصحراء الشمالية (Sahara septentrional) بعد سلسلة من الجبال التي تمثل الحد الفاصل بين السهوب والصحراء والتي أبرزها في تراب ولاية الجلفة سلسلة أصباع مسعد والسن وجبل بلخير وكرابطيط ... 

تبدأ أراضي الصحراء الشمالية بمنطقة تعرف بمنطقة الضايات (Zone des Dayas) وهي عبارة عن أراضي قليلة التضاريس تميزها مئات المنخفضات التي تتجمع فيها المياه بعد الأمطار وتعرف بالضايات. وهي تمثل واحات حقيقية في هذه المناطق الجافة والقاحلة حيث تكتسي هذه الضايات في موسم المطر غطاء كثيفا من الأعشاب مع وجود نباتات خاصة بهذه البيئة مثل أشجار البطم أو الفستق الأطلسي (pistachier de l’Atlas) وشجيرات السدر (jujubier sauvage).

ضاية الزرقة. بلدية سلمانة ولاية الجلفة، تصوير: شويحة.ح

التوجه جنوبا يوحي للمسافر أن الأرض لا يكاد يتغير ارتفاعها وأن الارتفاع الملموس الذي يشعر به الانسان هو ارتقاء هضبة مشهورة جدا في كتب الجغرافيا الخاصة بمرحلة المتوسط والثانوي وتعرف بهضبة تادمايت (plateau de Tademaït) وهي سهل كبير مرتفع عن بقية الأراضي المحيطة به وهي منبع للعديد من أودية الصحراء حيث تعتبر حوض مصب مهم، يعبرها الطريق الوطني رقم 01 الذي يسير فيها الى غاية النزول منها في منطقة "ثنية الحجاج" الواقعة بين المنيعة وعين صالح، وهو انحدار خطير يتجاوز 10٪ وقعت فيه الكثير من الحوادث مما أكسبه سمعة سيئة لدى أصحاب السيارات والشاحنات على الخصوص.

الهبوط الى المنخفض بعد هذه النقطة يصحبه تغير واضح للمناخ (ارتفاع الحرارة) وللطبيعة الجيولوجية للتربة وظهور بعض النباتات الخاصة مثل الطلح (accacia).

شجرة الطلح (الأكاسيا) (accacia tortilis ssp radiana) واد البطحة صورة: شويحة.ح ديسمبر2019

بسفرنا جنوبا مررنا على مدن تحمل من عبق التاريخ ما قد لا تحمله حواضر في الشمال، مدن مثل الأغواط وهي جمع غوطة أي البساتين المتوزعة. وقيل نسبة لمن سكنها من البربر ويعرفون بـ "الأغواط كسال" وهم فرع من قبيلة "مغراوة" والذين هم بدورهم بطن من بطون "زناتة" مثلما أشار لهم إبن خلدون في تاريخه عن البربر. 

الأغواط بلدة قديمة نواتها الأولى من أسر مختلفة تغلبت عليها الكثير من القبائل العربية البدوية كالأرباع والحرازلية والمخاليف وأولاد نايل، الحديث عنها يجرنا الى الحديث عن قصورها القديمة ونخيلها الذي لم يعد يستغل إلا نادرا مع أنها كانت تحوي الى وقت قريب 15 صنفا من التمور مثل تيمجوهرت وتادالة وتيزاوت. وتذكرنا أيضا بواد مزي (واد جدي) وبعام الخلية (04 ديسمبر 1852) الذي امتزجت فيه دماء المقاومين من أولاد نايل وأهل الأغواط وأتباع محمد بن عبد الله ... ولأن المقام لا يسع لذكر ما يخطر ببالنا، نكتفي بهذا القدر لنمرّ الى بلدة أخرى ... غارداية، مدينة العشر قرون والبلدات التي تشكلت من توسّعها بونورة، مليكة، بني يزقن، العاطف جارتهم بلدة عرش المذابيح ضاية بن ضحوة، كل هذه المدن تعيش في تناسق مع واد ميزاب الذي يمثل شريان الحياة في بيئة من القفار والصحاري الصخرية أو ما  يعرف بشبكة واد ميزاب وهي سلاسل من الجبال الصخرية المقفرة ... استطاع أهل واد ميزاب أن يستحدثوا فيها واحات وجنات من نخيل وثمار بفضل نظام ريّ ذكي أقامه أجدادهم بعد الاستقرار في هذا الواد منذ عشرة قرون خلت.

ثم المنيعة أو القلعة الحصينة التي أعطت للبلدة إسمها ... القصر المنيع عن الغارات أو الڨليعة والذي حرّفه الفرنسيون الى ڨولية (Goléa). و"المنيعة" واحة من النخيل ومياه عذبة وفيرة وتسكنها قبائل بدوية وحضرية تتعايش مع بعض. كما تميزها بُحيرتها الكبيرة مقصد الطيور المهاجرة وهي من أهم المواقع الرطبة بالجزائر حسب اتفاقية رامسار للمناطق الرطبة (convention Ramsar) ... تشهد المنيعة نقلة نوعية في مجال انتاج أغذية الأنعام والحبوب وباستطاعتها أن تغطي كل احتياجات الجزائر من مادة الذرة وأغذية الأنعام إذا ما لاقت الاهتمام والتشجيع.

دائما في طريقنا الى الجنوب الكبير حيث الوصول إلى عين صالح (إن صالح) موطن زناتة الصحراء وتشكل أقصى نقطة لتوغل قبائل البدو الجمّالة. وهي عبارة عن واحة كبيرة ومياه وفيرة تمثل قلب الصحراء أحرّ مناطق الجزائر أينَ تمثل المنطقة الممتدة من رقان وأدرار الى شرق عين صالح أقصى درجات الحرارة المسجلة ... مُثلث النار مثلما يصطلح على تسميته. كما تمثل أكبر كمية إشعاع شمسي ويمكن للجزائر أن تستغل هذه المناطق لتوليد الطاقة الشمسية وحتى تصديرها.

ذكر عين صالح يذكرك بـ "قصر باجودة" وبالمقاوم الشرس "باجودة" بمنطقة تيديكالت (راحة اليد بلغة زناتة) الذي هجم على أعضاء بعثة فلامون وَبان (Flamant et Pein) في 27 ديسمبر 1899 ثم هجومه الثاني بتاريخ 05 جانفي 1900 بعد احتلالهم للقصر الكبير الا أن مساهمة قبائل صحراوية أخرى مكّن الفرنسيين من وضع اليد على هذه المناطق.

كان أهالي عين صالح موزعين على 04 قصور مبنية على الطراز السوداني الجديد (Néo-Soudanais) أما الآن فعمرانها عصري يحمل بعض الملامح الصحراوية.

أسوار قصر باجودة المرمم بعين صالح صورة: شويحة.ح. ديسمبر 2019

عين صالح مهد وعدة "سيدي سبعين صالح بن عزي" وبها منزل الراهب فوكو (père de Foucaud) الذي غطته الرمال ونُصب النقيب بان (Pein) الذي احتل الموقع أول مرة. والواحة التي تمتد غرب المدينة تهددها الرياح الشرقية المحملة بالرمال التي غطت مساحة كبيرة من النخيل والمباني.

عين صالح هي أيضا آخر مواقع خط الواحات الذي يمتد من منطقة الساورة وڨورارة وتوات وتيديكالت. وعين صالح هي أيضا أقصى حدود تعاملات التوارڨ (الطوارق) قديما الذين يطلقون على أنفسهم مصطلح آكل (Kel) بمعنى جميعهم. فهناك توارڨ أدرار إفوغاس (Adrar Ifoghas) بمالي وتوارڨ آير(Aïr) بالنيجر وتوارڨ الأهقار والطاسيلي آجر بالجزائر. 

ولأن عين صالح تزخر بمواقع المستحاثات فقد فضل أعضاء النادي زيارة موقع الغابة المتحجرة بـ "إنغرIn Ghar" وهي عبارة عن جذوع أشجار ضخمة متحجرة (Bois pétrifié) تشهد على مناخ ماطر كان يسود المنطقة منذ ملايين السنين، بل وحتى مستنقعات غابية سمحت بتحجر ما يسقط من جذوع. كما وجدت بالمنطقة أيضا بقايا متحجرة لعظام ديناصورات متحجرة مثل بقايا ديناصور السبينوزور (Spinosaurus aegyptiacus) جمعت بعض أجزائه في مقر المديرية الفرعية للحظيرة الثقافية للأهقار بعين صالح.

جذع شجرة متحجر في منطقة إنغر (Bois Pétrifié) صورة: شويحة.ح ديسمبر2019

الوصول الى عين صالح كان من أجل الحصول على سيارات الدفع الرباعي وهي الوسيلة الضرورية لفريق الرياضات الجبلية لبلوغ موقع الفوهة كما كان أيضا من أجل اصطحاب الدليل (Guide). كان هدف المجموعة زيارة الفوهة النيزكية لآمڨيد الواقعة في الكتلة الجبلية "مويدير" في تراب بلدية عين أمقل.

تقع الفوهة في هضبة ارتفاعها أكثر من 1000م عن سطح البحر، قطرها حوالي 500م وعمقها من أقصى ارتفاعات محيطة بها هو 65م. يذكر علماء الجيولوجيا أنها تشكلت بعد إصطدام نيزك على الأرض منذ حوالي 100.000 سنة أي في عصر البلاستوسان (Pléistocène) أي الفترة الثانية من العصر الجيولوجي الرابع.

كما يذكر علماء الجيولوجيا الذين درسوا الفوهة أن أراضي الفوهة مشكلة من الحجر الرملي الذي يعود الى العصر الجيولوجي الأول فترة الديفونيان (Dévonien) أي لأكثر من 300 مليون سنة. 

كان كل تخطيط المجموعة الوصول الى الفوهة عن طريق الصعود عبر طريق "إن أكر" (in Aker) الى قرية آمڨيد (بلدية إدلس) ثم التوجه الى الغرب حوالي 120كلم إلا أن دليلنا من منطقة عين صالح كان له رأي آخر حيث اقترح علينا الخروج من عين صالح شرقا مرورا بـ "فقارة الزوى" وبـ "فقارة العرب" والتوجه شرقا مسافة أكثر من 225 كلم لبلوغ مصب واد تڨانت (Tganet)، أو إغرغر كما يدعوه آخرون، لمحاولة صعود مجرى الواد للإقتراب من الفوهة قدر الإمكان.

تميز أراضي الصحراء تشكيلات تضاريسية مختلفة يمكنها أن تمتد على مساحات كبيرة مثل الحمادة وهي أراضي منبسطة على العموم تغطيها الحصى والرمال. وهناك الرق وهي أراضي من الحجارة والحصى صعبة السير وتعتبر اختبارا قاسيا للقوافل. وهناك أيضا العرق وهو عبارة عن كثبان رملية تتشكل وفق الرياح السائدة وقد تمتد لمساحات هائلة مثل بحر من الرمال تتخللها أحيانا ممرات خالية من الرمال يدعوها أهالي الصحراء بـ "الڨاسي" تتخذها القوافل للسير فيها مثلما هي الآن ممر لأحد أهم طرق الصحراء وهو "طريق ڨاسي الطويل". 

كانت الطريق في غالبها قليلة التضاريس تتخللها أودية كبيرة جافة يمكنها أن تتحول الى سيول جارفة في حالة سقوط أمطار غزيرة. وعلى منابع هذه الأودية (هضبة مويدير وتادمايت) مساحات على مد البصر من السهول والهضبات البسيطة وبعض الكثبان الرملية.

صادفنا في طريقنا بعض النباتات التي تميز هذه المناطق والتي تنبت في غالبها في أسرّة الأودية وعلى حوافها. ونذكر منها أشجار الأكاسيا بأنواعها حيث تنبت في صحراء الجزائر 05 أنواع من الأكاسيا التي تدعى محليا بـ "الطلح" وهي أشجار من عائلة القرنيات (légumineuse). والآراك (Salvadora Arak) و"شجيرات المركبة" panicum Turgidum" وهي نبات من العائلة النجيلية يشبه في منظره "الدرين" الذي ينبت في الأراضي الرملية، ونبات الدرين (aristida pungens) والغلقة (pergularia tomentosa) والعرفج (anvillea radiata) والنقد (asteriscus graveolens) والشبرق (Zilla spinosa) والطورشا (calotropis procera) التي يستعملها التوارق لإشعال النار نظرا لخفة خشبها وجفافه. وهناك نبتة مميزة يدعوها التوارق فلزلز(hyoscyamus muticus) ويدعوها الشعانبة "الهبالة" وهي نبتة سامة تثير الهلوسة وحتى الموت اذا ما تناولها الإنسان ... وكثير من النباتات التي لا يسع المقال لذكرها.

وفي الحقيقة يعتقد الكثير من الناس أن الصحراء تخلو من الغطاء النباتي وهذا اعتقاد خاطئ لأن العديد من المناطق خاصة الأودية ينبت فيها الكثير من النباتات التي تظهر أحيانا في صورة مناطق كثيفة مثل الغابات خاصة من نباتات الطلح والطرفاء (Tamarix) والعلندا والرتم ...

نبتة الفلزلز (Hyoscyamus muticus) صورة: شويحة.ح (منطقة عين صالح)

بعد أن سرنا مسافة كبيرة إلى ناحية الشرق وصلنا الى بداية الكتلة الجبلية "مويدير" والى مصب "واد إغرغر" أو "تڨانت" وهو واد كبير فيه الكثير من الأشجار والشجيرات وعند الكتلة الجبلية توجد كثبان رملية ضخمة تدعى "عرق بوزرافة" يمتد على مسافة أكثر من 30 كلم وبعرض يفوق أحيانا 04 كلم تجمعت هذه الرمال باتجاه الرياح السائدة مشكلة عرقا هائلا من الرمال التي لا يمكن تجاوزها.

كثبان عرق بوزرافة. صورة: شويحة.ح ديسمبر2019

ما يلفت الانتباه في مدخل الوادي هو الغطاء النباتي الموحي منظره بالسافانا الإفريقية وكذلك وجود معالم جنائزية كثيرة ومتنوعة أهمها ذو شكل "فتحة القفل en Goulet" و"حلقات الطقوس cercles rituels" والكثير من المعالم الجنائزية في شكل جثوات وبازينات (Tumulus et Bazinas) ... وأشكال أخرى كثيرة تعكس بصدق ما عرفته المنطقة من ازدهار ومن توالي الحضارات والمجموعات البشرية المختلفة على هذه المنطقة والصحراء على العموم.

لقد تكلم هنري لوط (Henri Lhote) وجينات أوماسيب (Ginette Aumassip) والكثير من علماء ما قبل التاريخ عن تلك العربات التي تجرها أحصنة في واد جرات (oued djarat) والطاسيلي وعن شعب الجرامانت القادم من الشمال والمتغلب على الزنوج أصحاب الأرض القدامى. فالنقوش والرسوم الحجرية في مناطق "تيديكالت وآهنت وكتلة الهقار وهضبات منطقة تافداست ومرتوتك والأمدغور وجبال الأمدير وآراك والطاسيلي ناجر" تحوي الكثير من المعطيات التي أرّخت لعصور ما قبل التاريخ في الصحراء ... موجات بشرية ربما تدافعت بتناسق مع دورات من تغير المناخ من ماطر الى جاف لتعطي الصورة الحالية للصحراء بعد أن كانت الى زمن ما سافانا ماطرة تجوبها قطعان من الظباء والغزلان ومجموعات من الزرافات والفيلة والمفترسات مثل الأسود والفهود ...

الوصول الى هذه الأماكن ذكرنا بمقاومة التوارڨ للتوغل الفرنسي في الصحراء. ففي هذا المكان لم نكن بعيدين عن مسار بعثة بول فلاتر (Paul Flatters) سنة 1881م والتي أبيدت من طرف تحالف من توارق "آكل أهقار" و"آكل آجر" في "بئر غرامة" بتاريخ 16 فيفري1881م. كما لاقت بعثات أخرى نفس المصير كبعثة بالا (Palat) سنة 1886م وبعثة دولس (Douls) سنة 1889 والماركيز موراس (Mores) سنة 1896م الذي لاقى نفس المصير حيث لم تهدأ المنطقة الا بعد معركة تيت (tit) بتاريخ 07 ماي 1902م.

بعد وصولنا الى مصب الوادي حاولنا اقتحامه بالصعود في مجراه للوصول الى أقرب نقطة من الفوهة التي كانت بعيدة بحوالي 17 كلم إلا أن سرير الواد كان مليئا بالحجارة الكبيرة والرمال ومقاطع لا تسمح بتقدم السيارتين وإن كانتا رباعيتي الدفع.

لذا كان لزاما علينا محاولة الصعود عبر الهضبة الى الفوهة وهي طريق صعبة جدا. لكنها تتقدم الى غاية مسافة 04 كلم عن الفوهة وهي آثار طريق كانت قد استحدثتها البعثات الأولى لدراسة هذه الفوهة ... كانت الطريق كلها صعبة مع صعودها حيث اكتشفنا بعد إطلالتنا على الواد أننا قد ارتفعنا بضة مئات من الأمتار.

توقفت قافلتنا في مكان اتخذه أوائل المستكشفين للموقع كمخيم للانطلاق الى الفوهة وكان أهم ما ميز المخيم وجود معلم غريب يمثل الاتجاهات الأساسية (شمال، جنوب، شرق، غرب) يعرف عند من شاهدوا الموقع بالمفتاح إلا أن شكله أبعد من أن يكون مفتاحا.

المعلم الذي يمثل الاتجاهات الجغرافية الأربع (زنبقة الاتجاهات) صورة: شويحة.ح

تحركنا مباشرة بعد تحضير أمتعتنا والتزود بالماء والأكل حتى نربح الوقت الذي لم يكن في صالحنا. حيث سرنا بوتيرة سريعة لحوالي 05 كلم وكانت المفاجأة الكبرى ... الإطلالة على الفوهة التي لطالما حضّرنا لرؤيتها ... منظر رائع زادته جمالية غروب الشمس والوهج الذي كان ينعكس من عمقها نتيجة وجود طبقة من الطمي والطين الأبيض فكانت مثل المرآة العاكسة. ولعل هذه الخاصية لا توجد إلا في فوهة آمڨيد حيث تنعدم في كل فوهات النيازك المجودة في الجزائر وفي غيرها.

تقع فوهة آمڨيد على مسافة 105 كلم بخط مستقيم غرب قرية آمڨيد (بلدية إدلس) وحوالي 225 كلم بخط مستقيم عن عين صالح، حيث شوهدت عدة مرات من الطائرة من طرف لولوبر(M.leloubre) وكاربوف (R.Karpoff) سنة 1954م وبوردي (P.Bordet). وقد ذُكرت أول مرة من طرف كاربوف (karpoff) في 1954 وتمت زيارتها أول مرة سنة 1968م من طرف جون بيار لوفرون (J.P.Lefranc) أما دراستها أكاديميا فكانت من طرف لومبير (lambert) سنة 1980م وبلحي مع شراكة أجنبية في 2002 و2006.

قطر الفوهة حوالي 550م وعمقها 65م تقع الفوهة بين وادين هما "واد تفرارك" من الشرق و"تيهت" من الغرب. وقد دُرست الفوهة باهتمام كبير من طرف الجيولوجيين باعتبارها دليلا هاما على وجود احتباس للمحروقات (indice de piège a hydrocarbure) حسب دراسة الخبير في علم الجيولوجيا جلول بلحي وآخرون (2006).

فوهة آمڨيد النيزكية. صورة: شويحة.ح ديسمبر2019

زيارتنا لموقع الفوهة سجلنا فيه بعض الملاحظات الميدانية والتي من بينها:

- وجود شواهد على سكن الإنسان القديم في الفوهة قد تعود لفجر التاريخ وحتى الى العصر الحجري الحديث.

- وجود طبقة نظيفة من الطمي والطين الأبيض التي تظهر بالأقمار الصناعية كالمرآة العاكسة والتي لم تتطور تربتها نتيجة ندرة الأمطار (15 ملم/سنة).

- وجودة صهارة توحي بوقوع اصطدام ولّد حرارة كبيرة أدت الى انصهار الصخور (Les éjectas) مما يعزز فرضية أصلها النيزكي.

- وجود شواهد على بعثات علمية سابقة مرت على المكان (نصب).

كان المكوث في الفوهة رائعا، حيث كان يسود فيها هدوء خرافي لم تعهده المجموعة من قبل لا يشبه في ذلك سوى مخيم فوهة تلمزان بحاسي الدلاعة بولاية الاغواط أو مادنة كما يحلو للبعض تسميتها ... قضى أفراد "نادي النشاطات الجبلية بالجلفة" ليلتهم قرب الفوهة وفي الصباح كانت رحلة العودة الى عين صالح ...

إطلالة على فوهة آمڨيد .صورة: شويحة.ح

إن المناظر التي شاهدناها في رحلة الذهاب والإياب كفيلة بأن تكون وجهة سياحية بامتياز ناهيك عن موقع الفوهة الرائع وواد تڨانت أو إغرغر ... مساحات أيضا من الحمادات الجاهزة للاستصلاح الزراعي الذي يمكنه أن يكون منتجا طوال السنة والمؤسف جدا أن تفكر الدولة في استغلال غاز الشيست (Gaz de schiste) الملوث للمياه الجوفية والمكلف جدا ...

وفي الأخير فإن عشرات الرحلات الى الصحراء لن تكون كافية لرفع الغموض عليها ولاكتشاف كل أسرارها وأن الحديث عن الصحراء هو في الحقيقة للاستئناس لا غير.

عن نادي أسد الأطلس للنشاطات الجبلية/ الأستاذ شويحة حكيم

صلاة الغائب على روح الفقيد المجاهد الفريق أحمد قايد صالح رحمه الله

 

عدد القراءات : 1737 | عدد قراءات اليوم : 10

       مقالات الرأي و تعليقات القرّاء المنشورة بجريدة " الجلفة إنفو " لا تعبّر بالضرورة عن رأي الجريدة، إنما تعبّر عن رأي كاتبها فقط .

التعليقات :
(1 تعليقات سابقة)

مهموم
(زائر)
11:51 11/02/2020
موضوع شيق وصور رائعة فعلا بلادنا جنة وملآنة بالكنوز ومنها الأعشاب الطبية لأنها مجال بحثي وأتمنى لنا كجزائريين أن نستفيد من خيراتها تحت قيادة حقيقية ورشيدة تلتزم بمطالب الشعب الحزائري...آه أتمنى أن أكتب كل مايجول في خاطري

أضف تعليقك كزائر

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:

Captcha

مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (سورة ق، 18)

سياسة نشر التعليقات في موقع الجلفة إنفو للأخبار

تتيح جريدة "الجلفة إنفو" الإلكترونية للقراء الكرام إمكانية التفاعل مع الأخبار والمقالات المدرجة من خلال التعليق

على المواد المنشورة، و إذ نرحب بتعليقات القراء، نرجو من المشاركين التحلي بالموضوعية وتجنب الاساءات الشخصية

والقبلية، وتحتفظ بحقها في نشر أو عدم نشر أي تعليق لا يستوفي الشروط أدناه، وتشير إلى أن كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من

الأشكال عن آراء فريقها الصحفي وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

و يرجى بذلك الإلتزام بالقواعد التالية:

1- التعليق يجب أن يكون على المادة المنشورة فقط، ولا ينشر أي تعليق يتعلق بموضوع آخر منشور،

2- يهمل كل تعليق يضم شتائم أو ألفاظ خارجة عن إطار الآداب العامة و الدين الإسلامي الحنيف و أعراف مجتمعنا، أو يطال بالقدح والذم والتشهير شخصيات بعينها أو هيئات رسمية،

3- يهمل كل تعليق يتضمن هجوم شخصي وغير مبرر على أفراد محددين بالاسم لهم أو ليس لهم علاقة بالمواد المنشورة،

4- تهمل جميع التعليقات التي تتعرض للكاتب أو صاحب المساهمة باسمه أو لشخصه،

5- تعتذر إدارة الجريدة عن نشر أية تعليقات تتضمن تفاصيل عن شخصيات وأسماء أو أية معلومات لا تخدم المادة المنشورة،

6- لضمان ظهور التعليقات بشكل أسرع يرجى تفادي الإطالة في التعليقات، ويمكن للمداخلات الطويلة أن ترسل عبر البريد الإلكتروني ليتم نشرها كبريد للقراء،

7- تحتاج التعليقات لموافقة المحرر المشرف قبل ظهورها، وقد تحتاج بعض الوقت للظهور لذلك يرجى عدم ارسال التعليق أكثر من مرة،

لكي لا يُهمل التعليق، يرجى الكتابة بلغة عربية فصيحة

نرجو من السادة متصفحي الجريدة الأعزاء التقيد بالقواعد التي أوردناها، وضبط التعليقات بما يتفق مع شروط النشر، ونأسف مسبقا لعدم نشر أية تعليقات تخالف القواعد المبينة أعلاه.

ملاحظات:

  • لإدارة الموقع الحرية الكاملة في اختيار التعليقات ونشرها وحذف كل ما تراه لا يتفق مع الشروط الواردة أعلاه ، ونؤكد على أن إرسال التعليق لا يعني على الإطلاق إلزام إدارة الموقع بنشره،
  • *تتمنى إدارة الموقع من المتصفحين الأعزاء ذكر الاسم الحقيقي في التعليق و تجنب الأسماء المستعارة..
  • * بالنسبة للردود الرسمية يرجى إرسال نسخة من الرد (مع الوثائق الثبوتية) إلى البريد الالكتروني للإدارة وإلا فلن يأخذ الرد بعين الاعتبار ولن يعترف الموقع على مضمونه،
  • * تهمل التعليقات المرسلة كملاحظات إلى إدارة التعليقات، وفي حال وجود شكوى يمكن مراسلة الموقع على البريد الإلكتروني. بريد إدارة الموقع djelfa.info@gmail.com
المجموع: 1 | عرض: 1 - 1

التسجيل في تتبع التعليقات التعليقات :
(1 تعليقات سابقة)

مهموم (زائر) 11:51 11/02/2020
موضوع شيق وصور رائعة فعلا بلادنا جنة وملآنة بالكنوز ومنها الأعشاب الطبية لأنها مجال بحثي وأتمنى لنا كجزائريين أن نستفيد من خيراتها تحت قيادة حقيقية ورشيدة تلتزم بمطالب الشعب الحزائري...آه أتمنى أن أكتب كل مايجول في خاطري
المجموع: 1 | عرض: 1 - 1
أدوات المقال طباعة- تقييم
0
image
         حكيم شويحة
email أرسل إلى صديق
print طباعة المقال Plain text نسخة نصية كاملة
آخر الأخبار

منطقة الأعضاء منطقة الأعضاء
تسجيل عضوية جديدة

Connect with facebook