*«•¨*•.¸¸.»منتدى طلبة اللغة العربية و آدابها «•¨*•.¸¸.»* - الصفحة 9 - منتديات الجلفة لكل الجزائريين و العرب

العودة   منتديات الجلفة لكل الجزائريين و العرب > منتديات الجامعة و البحث العلمي > منتدى العلوم الإجتماعية و الانسانية

منتدى العلوم الإجتماعية و الانسانية منتدى الآداب و اللغات، علوم النفس و التربية، فلسفة، تاريخ ، علم الإجتماع...

 

في حال وجود أي مواضيع أو ردود مُخالفة من قبل الأعضاء، يُرجى الإبلاغ عنها فورًا باستخدام أيقونة تقرير عن مشاركة سيئة ( تقرير عن مشاركة سيئة )، و الموجودة أسفل كل مشاركة .

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 2012-11-29, 21:12   رقم المشاركة : 121
معلومات العضو
**د لا ل**
عضو مميّز
 
الصورة الرمزية **د لا ل**
 

 

 
إحصائية العضو









**د لا ل** غير متواجد حالياً


افتراضي

((الدرس الثامن ))

ــــــــــــــــــــــــــــــــ((البحر الوافر))ـــــــــــــــــــــــــــــ

نبدأ الآن مع بحور الدائرة الثانية
وسنكون مع البحر الوافر يستعمل هذا البحر تاما ومجزوءا

الوافر التام

وزنه في الأساس :
مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن.........مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن

ولكنه لا يستعمل هكذا فالعروض والضرب مقطوفتان وجوبا (فعولن)
وضابطه قول الحلي:

بحور الشعر وافرها جميل .....مفاعلتن مفاعلتن فعولن



العروض والضرب:


للوافر التام عروض واحدة مقطوفة (فعولن)
ولها ضرب واحد مثلها

ومثالهما :

لنا غنم نسوقها غزاز.....كأن قرون جلتها عصي

لنا غنمن/ نسو قها/غزا زن
مفاعلتن / مفاعلتن / فعولن

كأن نقرو/نجل لتها/ عصي يو
مفاعلتن / مفاعلتن / فعولن


جوازات الحشو :مفاعلتن يجوز فيها :
1.العصب(تسكين الخامس) تصبح مفاعَلْتن//ه/ه/ه وتنقل إلى مفاعيلن وهذا الجواز كثير جدا وحسن

2. العضب: حذف الأول المتحرك فتصبح فاعلتن /ه///ه وتنقل إلى مفتعلن وهو قليل

3.النقص :وهو اجتماع العصب والكف(تسكين الخامس وحذف السابع) تصبح مفاعيلُ //ه/ه/ وهو قليل

4. العقل: حذف الخامس المتحرك فتصبح مفاعتن //ه//ه وتنقل إلى مفاعلن
وهو قبيح


((الدرس التاسع ))

...................((مــــــــجزوء الوافر))...........


وزنه: يتألف مجزوء الوافر من أربع تفعيلات مقسمة على شطرين :

مفاعلتن مفاعلتن .......مفاعلتن مفاعلتن

العروض والضرب :
لمجزوء الوافر عروض واحدة صحيحة (مفاعلتن) ولها ضربان :
الضرب الأول : صحيح مثلها (مفاعلتن) ومثاله :

غزالٌ زانه الحور .....وساعد طرفه القدر
غزا لن زا/نهل حورو....وسا عدطر/فهل قدرو
مفاعيلن مفاعلتن .....مفاعلتن مفاعلتن

الضرب الثاني : معصوب (مفاعلْتن )ساكن اللام وينقل إلى مفاعيلن

أعاتبها وآمرها ......فتغضبني وتعصيني
أعا تبها/واا مرها ....فتغ ضبني/ وتع صيني
مفاعلتن مفاعلتن ....مفاعلتن مفاعلتن


جوازات الحشو : جوازات مفاعيلن في المجزوء هي ذاتها في التام
((الدرس العاشر))

ــــــــــــــــــــــ((البحر الكامل))ــــــــــــــــــــــــــ

البحر الكامل:
يستعمل هذا البحر تاما ومجزوءا

الكامل التام

وزنه :
متفاعلن/ متفاعلن/ متفاعلن 0000متفاعلن/ متفاعلن/ متفاعلن

وضبطه الحلي بقوله:
كمل الجمال من البحور الكامل0000متفاعلن متفاعلن متفاعلن


العروض والضرب
:للكامل التام عروضان تتوزعان خمسة أضرب

العروض الأولى: صحيحة (متفاعلن) ولها ثلاثة أضرب:
1_الأول:صحيح مثلها (متفاعلن) ومثاله:
وإذا صحوت فما أقصر عن ندى 0000وكما علمت شمائلي وتكرمي

وإذا صحو/تفما أقص/صرعن ندن
متفاعلن/ متفاعلن/ متفاعلن

وكما علم/تشما ئلي/وتكر رمي
متفاعلن/ متفاعلن/ متفاعلن

2_الثاني:مقطوع (متفاعل)///ه/ه وينقل إلى فعلاتن ومثاله:
وإذا دعونك عمهن فإنه000نسب يزيدك عندهن خبالا

وإذا دعو/نكعم مهن/نفإن نهو
متفاعلن/ متفاعلن/ متفاعلن

نسبن يزي/كعن دهن/نخبا لا
متفاعلن/ متفاعلن/ فعلاتن


3_الثالث:أحذ مضمر(الحذذ:حذف الوتد المجموع من أخر التفعيلة والإضمار تسكين الثاني المتحرك) متْفا /ه/ه وينقل إلى فعلن وهذا الضرب قليل الاستعمال وغير مستساغ ومثاله:
لمن الديار برامتين فعاقل000درست وغير آيها القطر

لمند ديا/ربرا متي/نفعا قلن
متفاعلن/ متفاعلن/ متفاعلن


العروض الثانية: حذاء (متفا)///ه وتنقل إلى فعلن ولها ضربان :
1_الأول:أحذ مثلها (فعلن) مثاله:
دمن عفت ومحا معالمها000هطل أجش وبارح ترب

دمنن عفت/ ومحا معا/لمها
متفاعلن/ متفاعلن/ فعلن

هطلن أجش /شوبا رحن/تربن
متفاعلن/ متفاعلن/ فعلن

2_الثاني:أحذ مضمر(فعلن) /ه/ه
لو قيس وجد العاشقين إلى......وجدي لزاد عليه ما عندي
لو قي سوج/دل عا شقي/نإلى
مستفعلن/ مستفعلن/ فعلن

وج دي لزا/دعلي هما/عن دي
مستفعلن/ متفاعلن/ فعلن



جوازات العروض والضرب:

العروض الصحيحة والضرب الصحيح متفاعلن
يجوز فيهما:
1_الإضمارتسكين الثاني المتحرك) فتصبح متفاعلن وتنقل إلى مستفعلن وهو حسن
2_الوقص(حذف الثاني المتحرك) فتصبح مفاعلن وهو صالح فيه ولكنه قليل
3_الخزل(تسكين الثاني وحذف الرابع) فتصير مفتعلن وهو قبيح

الضرب المقطوع (فعلاتن ) يجوز فيه الإضمار فيصير متفاعل وينقل إلى مفعولن

جوازات الحشو:
متفاعلن يصيبها:
1_الإضمارتسكين الثاني المتحرك) فتصبح متفاعلن وتنقل إلى مستفعلن وهو حسن

2_الوقص(حذف الثاني المتحرك) فتصبح مفاعلن وهو صالح ونادر وقال البعض ليس بالحسن

3_الخزل(تسكين الثاني وحذف الرابع) فتصير مفتعلن وهو قبيح


(("الدرس الحادي عشر"))

ــــــــــــ"مجـــ ــــــــــزوء الكـــ ـامل"ــــــــــــــــــــــ
يستعمل الكامل مجزوءا ووزنه :

مُتَفاعِلُن مُتَفاعِلُن.........مُتَفاعِلُن مُتَفاعِلُن

العروض والضرب:
لمجزوء الكامل عروض واحدة صحيحية "متفاعلن" ولها أربعة أضرب:

1. الأول : مُرَفَّل "متفاعلاتن" ///ه//ه/ه (الترفيل هو زيادة سبب خفيف على آخر التفعيلة) وكما ذكرنا سابقا علل الزيادة تختص بالأبحر المجزوءة
ومثال هذا الضرب:

وكأنَّ رجع حديثها ......قطع الرياض كُسِيْنَ زهرًا
وكأن نرج/عحدي ثها.......قطعر ريا/ضكسي نزه رن
متفاعلن /متفاعلن........متفاعلن /متفاعلاتن

2.الضرب الثاني: مُذَيَّل "متفاعلان " ///ه//ه ه والتذييل هو زيادة ساكن في الآخر بعد الوتد المجموع

جدثٌ يكون مقامه.....أبدًابمختلف الرياح
جدثن يكو/نمقا مهو....أبدن بمخ/تلفر ريا حْ
متفاعلن /متفاعلن.......متفاعلن /متفاعلانْ

3.الضرب الثالث: صحيح مثل العروض "متفاعلن" :
وإذا افتقرت فلا تكن ..........متجشعا وتجمّلِ
وإذف تقر/تفلا تكن...........متجش شعن/وتجم ملي
متفاعلن /متفاعلن.........متفاعلن /متفاعلن

4.الضرب الرابع: مقطوع "متفاعِلْ=فعلاتن" ///ه/ه وهذا الضرب هو الأقل استعمالا :
وإذا هم ذكروا الإسا ......ءة أكثروا الحسنات
وإذا همو/ذكرل إسا.......ءتأك ثرل/حسناتي
متفاعلن /متفاعلن......متفاعلن /فعلاتن


جوازات العروض والضرب:


العروض: يلحقها الإضمار "تسكين الثاني"فتصبح "مستفعلن"
أيضا يلحقها الوقص فتصبح "مفاعلن"
وكذلك يصيبها القطع فتصبح فعلاتن وهذا نادر وقال بعضهم شاذ

الضرب: يلحقه الإضمار


جوازات الحشو في المجزوء هي ذات الجوازات في التام








 

رد مع اقتباس
مساحة إعلانية
قديم 2012-11-29, 21:14   رقم المشاركة : 122
معلومات العضو
**د لا ل**
عضو مميّز
 
الصورة الرمزية **د لا ل**
 

 

 
إحصائية العضو









**د لا ل** غير متواجد حالياً


افتراضي

محاضرات في السيميولوجيا

السميولوجيا والصورة الصحفية


الفصل الأول: السميولوجيا والصورة الصحفية
المبحث 1: ماهية السيمولوجيا
المطلب 1: مفهوم السيمولوجيا
السيميولوجيا لغويا مشتقة من الكلمة اليونانية(Semeon ) والتي تعني العلامة Logos الذي يعني الخطاب وتجدها مشتقة في كلمات مثل Sociologie علم الاجتماع وThéologie علم الأديان وبامتداد أكبر كلمة Logos تعني العلم هكذا يصبح تعريف السيمولوجيا على النحو الآتي: علم العلامـات .
إصطلاحا: السيمولوجيا منهج يهتم بدراسة حياة الدلائل داخل الحياة الاجتماعية. يحيلنا إلى معرفة كل هذه الدلائل وعلتها وكينونتها مجمل القوانين التي تحكمها، فالكون مركب دلائل وبذالك كانت السيمولوجيا بحسب " دي سوسيتر" علم يعرفنا على وظيفة هذه الدلائل والقوانين التي تتحـكم فيها .
ومن خلال هذه التعريفات فان السيمولوجيا تعني دراسة العلامة وهي على مستويين :
• المستوى الأنطولوجي ويعني ماهية العلامة.
• المستوى البراجماتي ويعني بفعالية العلامة وتوظيفها في الحياة العملية .
وإن تاريخ السيمولوجيا يعود إلى بداية الميلاد إلى ألفي سنة مضت، ويرى " ايكو" أن الرواقيين هو أول من قال بأن العلامة دال ومدلول وأن السيميائيات المعاصرة ارتكزت في فلسفتها وبعدها الفكري على اكتشافات الرواقيين وأن العلامة هي كل أنواع السيميائيات
وظلت السيميولوجيا لفترة طويلة تظهر كنظرية عامة للغة التي ظهرت منذ القدم تحتوي ضمنيا على نظرية السيميوطيقية وبذلك تمت الولادة الفعلية للسيميوطيقية على يد عالم المنطق الأمريكي " شارل ساندريرس" (1839-1914) لأنه كان أول من حاول
تكوين علم مستقل بها غير أنه كان لابد من انتظار " فردينانرد و دسيوسير" لكي نشهد الظهور الحقيقي للسيميولوجيا في شكل العلم الذي ندرسه اليوم .
وبالإضافة إلى هذين الأصلين الذين أشار إليهما مختلف الدارسين لتاريخ السيميولوجيا بما فيهم " جوليا كريستفا" ولقد أضاف " تود ورف" ، منابع أخرى تتمثل في مجهودات
" أرسن كسيراف" وخاصة في كتابه ( Les philosophies des formes symboliques) فقد أورد موارد أساسية تبرز اللغة في صور أوسع من مجرد أداة للتواصل.
المطلب 2:اتجاهات السيميولوجيا
السيميولوجيا علم يدرس حياة العلامات في كنف الحياة الاجتماعية .
حسب تعريف " دي سوسير" إذ أن تحديد السيميولوجيا يوحي لما يمكن أن يكون موضوعا لهذا العلم، لكنه لا يقدم عناصر تساعد على قيامه. يجدر القول أن "دي سوسير" في هذه المرحلة من البحث كان حريصا بصفة خاصة على تحديد اللسانيات العامة وبالأخرى موضوع هذه اللسانيات العامة.
نظرا للخلافات بين "بيرس" و"دي سوسير" في مفاهيم السيميائية والتنظير لها ظهر اتجاه سيميولوجي يستفيد من الفلسفة الماركسية على يد الباحثة البرتغالية "جوليا كريستيفا" وفي هذا السياق نحاول أن نتعرف على هذه الاتجاهات السيميولوجية الحديثة التي ترتبت عن وظيفة العلامة وهي كالتالي : ( سيميولوجيا التواصل، سيميولوجيا الدلالة وسيميولوجيا الثقافة).
1- سيميولوجيا التواصل: " المدرسة الأوربية "
يذهب أصحاب هذا الاتجاه وهم " بريتو " و" مونان " إلى أن العلامة تتكون من وحدة ثلاثية المعنى ( الدال، المدلول والقصد ) وهم يركزون على الوظيفة الاتصالية وأن التواصل مشروط بالقصدية وإرادة المرسل في التأثير على الغير حيث يعرف هذا الاتجاه السيميولوجيا بأنها دراسة طرق التواصل أي دراسة الوسائل المستخدمة للتأثير على الغير .
وإذا كان " دي سوسير" قد ذكر أن اللغة هي نظام من أنظمة الاقتصاد فقد ذهب أنصار هذا الاتجاه إلى بلورة هذه الفكرة وإشباعها والتفصيل فيها فمثلا عند " يويسنس " و" بريتو " أساسا متينا لوصف آلية أنظمة الاقتصاد الغير اللغوية وطرائق توظيفها ومن بين هذه الأنظمة : الإعلان، الشفرة، طرف، أرقام، حافلات وغرف الفنادق.... وقد نمى هذا الاتجاه وتطور مع نشأة العلوم الخاصة بالاتصال وتقدمها وارتبط أيضا بتطور علوم الدلالة .
2- سيميولوجيا الدلالة: " المدرسة الأمريكية "
يعتبر أنصار هذا الاتجاه ويمثلهم " بارث " أن العلامة وحدة ثنائية المعنى ( الدال والمدلول ) فقد حدد في كتابه ( الأساطير ) أن السيميائية تقوم على العلاقة بين العلامة الدال والمدلول. فالعلامة مكونة من دال ومدلول، يشكل صعيد الدوال صعيد العبارة ويشكل صعيد المدلولات صعيد المحتوى.
3- سيميولوجيا الثقافة:
تنطلق سيميولوجيا الثقافة من اعتبار الظواهر الثقافية موضوعات التواصلية وأنساق دلالتها والثقافة عبارة عن إسناد وظيفة الأشياء الطبيعية وتسميتها وبذلك تكون مجالا لتنظيم الأخبار في المجتمع الإنساني. واعتبارا من أن حصيلة عمل الإنسان تكمن في سلوكات لها معاني والسلوكات ليست سوى إنجاز لبرامج معينة. فعليه تكون الثقافة برامج وتعليمات تتحكم في سلوك الإنسان ويكون السلوك الإنساني تواصلا لا يتحقق إلا بالاعتماد على بنية سلوكية إنسانية. فالموضوع الثقافي قد صار المحتوى الممكن لأية عملية تواصلية ويعني ذلك أن قوانين التواصل هي قوانين ثقافية.
والحصيلة هي أن كل ظاهرة ثقافية تبدو وحدة دلالية وأن المدلول يضحى وحدة ثقافية .

المطلب 3:مجالات السيميولوجيا
يعني مفهوم السيميولوجيا في الطب الممارسة التي ينكشف بموجبها المرض بالاعتماد على الدلائل أو القرائن أو ما يسمى بالأعراض التي يحملها المريض .
وبفضل " شارل سندرس بيرس " ( 1839 – 1914 ) و" فريدناند دي سوسير "
( 1857 – 1913 ) أصبحت السيميولوجيا علما يشمل كل نظام من الدلائل كما حددها " دي سوسير " لفظية كانت أو غيرها ومن تم يكون علم اللسان جزءا من هذا العلم العام. يقول دي سوسير: " إن اللسان البشري وهو أكثر الأنظمة التعبيرية تعقيدا وانتشارا وهو أكثرها تمثيلا للعملية السيميولوجية، من هذا المنطلق يمكن أن يصبح النموذج العام للسيميولوجيات " .
وبهذا يكون " دي سوسير " قد أولى أهمية قصوى للغة والمجتمع أي الوظيفة الاجتماعية للدليل والاتصال.
بناءا على الأهمية التي توليها السيميولوجيا للدلائل ووظيفتها يمكن أن نستنبط مجالات وهي:
1- تحليل المدلولات : تهتم السيميولوجيا بالدرجة الأولى بالمدلولات أي الدال والمدلول أي أن هدف السيميولوجيا الأول هو اكتشاف واختراع المدلولات وترى انه لا يمكن إرسال دال بدون أن يكون بواسطة المدلول.
2- العلامات الغير لسانية : وتضم العلامة اللمسية، الشمية والذوقية.... أي المتعلقة بالحواس والأكثر استعمالا هي العلامات السمعية، البصرية والأيقونية وهي :
أ‌- العلامات السمعية البصرية: إن لظهور السينما وظهور التلفزيون وبدخول الصوت سنة 1927م ساعد على توسيع مجالات التواصل الإنساني وبالتالي مجال من مجالات السيميولوجيا والتطور التكنولوجي للوسائل السمعية البصرية جعل للاتصال دور فعال في شبكة السمعي البصري.
ب‌- العلامات الأيقونية: مصطلح " أيقوني " يطلق حسب " شارل سندرس بيرس " على أنظمة التمثيل القياسي المميز عن الأنظمة اللسانية.
المصطلح يتكون من كلمة يونانية قديمة تعني الصورة " Image "... والصورة في المجتمعات الغربية قبل كل شيء صورة لله. التمثيل يمر عبر التمثيل الغيبي ( من هنا المرجع الأول لكلمة "ايقونة" "Icône" ) بعد هذا أصبحت الصورة شيئا فشيئا تأخذ دور عماد الخيال.من هنا تم الربط الذي ظل دائما بين(صورة/خيالي، Image/ Imaginaire ).

اللغة الصامتة: إن الاتصال بين الشخصين لا يعني فقط مبادلات شفوية وحتى في إطار الاتصال الكلامي. التعبير يستطيع أن يكون بطريقة غير لسانية كالحركات، الإشارات الإيماءات.....الخ وهذا النوع من المبادلات متعدد ومتنوع وهذا ما يطلق عليهم وسائل
الاتصال الذاتية، فالأفراد لا يقتصر كلامهم بالكلمات بل أيضا بأجسامهم وحركاتهم وتنظيمهم في المكان والزمان وهنا يتشكل ما سماه " Hall " باللغة الصامتة

*المبـحث الثاني : الصــورة )مفاهيم ، نبذة تاريخية ) .
المطـلب الأول : مفهوم الصـورة .
تعـرف الصورة عـلى" أنـها وسـيط حافـل بالرمـوز و الـدلالات و الأنسـاق و المعانـي و هـي فـي ثباتـها تحمـل جزئيـة مكانـية بمعـنى أنهـا مفـردة فـي سـياق التـتابع كأنهـا كلمـة فـي سيـاقات الجـمل التـي تفصـح عـن طبيعـة المكـان " .
وهـي أيـضا كـل تقـليد تمـثيلي مجسـد أو تعبـير بصـري معـاد ،فـهي معطى حسـي للعضـو البصـري حسـب "fulchigmoni" أي إدراك مبـاشر للعـالم الخـارجي فـي مظـهره المضيء . (2)
و يعرفها " هاوزر " على أنها " تباينات مستقلة منفصلة قابلة للتطبيق على مضامين مختلفة " . (3) ولعل في هذا عمقا تأويليا يرتبط بكون الصورة منطوية على المضمون فهي محملة بالمعاني و لكنها غائبة بهذا القدر أو ذاك .
أما " روبـيرت " يقـول بأنـها : " إعــادة إنتـاج طبـق الأصـل أو تمـثل مشـابه لكـائن أو لشـيء ".(4)
و مـن الوجـهة السيمـيولوجية الصـورة هـي علامـة دالـة تعتـمد على منظـومة ثلاثـية من العلاقـات بيـن الأطـراف التالـية : مادة التعـبير و هـي الألـوان و المسـافات ، و أشكـال التعبـير .(5)

(1) طاهر عبد مسـلم ، عبقرية الصورة و المكان : التعبير ، التأويل ، النـقد ، دار الشروق للنشـر و التوزيع المنارة ، ط1 ، 2002 ، ص98 .
(2) حميد سلاسي ، ما هي الصورة ، مجلة علامات ، العدد 5 ، 1996 .
(3) طاهر عبد مسلم عبقرية الصورة و المكان : التعبير، التأويل، النقد، مرجع سابق ص 99
(4)حميد سلاسي ، ما هي الصورة ، مرجع سابق .
(5)صلاح فضل ، قراءة الصورة و صور القراءة ، دار الشروق ، ط1 ، 1997 ، ص 6.

ولقد استـخدمت الصـورة مـنذ آلاف السنـين مـن طـرف الـيونان القدامـى وإنسـان العصـر لدوافـع عديدة ، فعـندما كـان الإنسـان الفرعـوني يخـلف المـوت ولـه رغـبة كبيـرة فـي الخلـود فـكر فـي التحنـيط .
ومـع اختراع آلـة التصـوير الفوتـوغرافي ظـهرت مـعه الصـورة الفوتوغرافية وعادت فكرة المطابـقة وقـضت على النـزعة الـفنية التشـكيلية ، فاكتشاف التصويـر الفوتـوغرافي مـر بعـدة مـراحل ساهـمت فـي تقـديم إضافـات عديـدة لتـطوير الصـور وهـذا مـا سـهل عـلى الإنـسان القـدرة عـلى التفـاهم والاتـصال .
فأصـبحت الصـورة الفوتـوغرافية تعـرف على أنـها تصـوير ضـوئي للـواقع وليس الواقـع ذاتـه ، فـهي تشبـه الواقـع فـي شكلـه الظاهـري ، وإذا ما حللـنا كلـمة فوتـوغرافـيا ، نـجدها ذات أصـل إغـريقي تعـني الكـتابة بالضـوء أو الرسـم بالضـوء .
ومن هنـا نسـتطيع الـقول أن الصـورة الفوتوغرافية مـا هي إلا تسـجيل ضوئي للواقـع على سطـح حسـاس (1)
وتعـود جـذور التصـوير الضـوئي للأبـحاث الـتي قـام بها العـرب ومـن بيـنهم الخازنـي" أبـو الفتح عبـد الرحمـان المنـصور " والـذي وضـع أسـس التصـوير الضوئي من خـلال اكتـشافه لظاهرة الأجسـام المقلـوبة داخـل الـغرفة المظـلمة_(2).

(1) محمود سامي عطا الله ، السينما و فنون التلفزيون ، العربية للطباعة و النشر، القاهرة ، ط1 ،1997 ،ص15.
(2) عبد الجبار محمود علي ، التصوير الصحفي ، دار المعرفة ، ط1 ، 1980 ، ص6 .
أطلـق علـيها اسم " الخيمة المتنقـلة " ولـم تتـسم صورها بالـدوام لعـدم وجـود مـواد كيميائـية تثبـت الصـورة ولقد مرت بعـدة تعـديلات منـها تصـغير الحـجم واستخدام مجموعة من العدسات ، وبعدها جاء العالم الفرنسي نيـبس 1822 وأحـدث نـقلة نوعية للصورة باكتـشافه للمادة الحسـاسة للضوء وسمـيت أول صـورة فوتـوغرافية ب:" motographie " وتعني وصـف الشمس .
أما في سنة 1939 م استنتج الفرنسي"داجير" عن طريق الصدفة عملية الطبق الفضي النحاسي ، حيث طلاه بمركبات كيميائية داخل الظلام و استطاع بذلك طبع الصورة عليه تدريجيا غير أن الطبق الواحد لا يصلح إلا لصناعة موجب صورة واحدة ، و في نفس السنة أعلن الإنجليزي " فوكس تابلوت " عن أسلوب طبع الصورة على الورق بدل الأطباق المعدنية و أصبح بالإمكان طبع عدد كبير من الصور على ورقة واحدة و من هنا كانت الانطلاقة الأولى لفن التصوير الحديث (1) .
أمـا بدايـة التصـوير المـلون فكـان "جيمس كلارك " هـو أول مـن وضـع الأسـس الأولـى للتصويـر الشمـسي الملـون سـنة 1861 ، هـذا ما أتـاح للمهتمين بفـن التصويـر فرصـة كبـيرة ، حيـث توصلت شـركة "كوداك" سنـة 1935 لصناعـة أول شـريط ملون فـي العـالم .
وكانـت للنظريـات الضـوئية الـتي وضعهـا العالـم الكبـير "أبو الحسن ابن الهيثم " في القـرن الحادي عشر ، و طورهـا "نيوتون" في القـرن السابـع عشـر و كـان له الفضـل الكبـير فـي إرسـاء علـم التصويـر الشمسـي ، لأن الضـوء يعتـبر أحـد العنصريـن الأساسيـين في صناعـة الصـورة .

(1)عبد العزيز سعيد الصويعي ، فن صناعة الصحافة ماضيه و حاضره و مستقبله ، المنشأة العامة للنشر و التوزيع و الإعلان ، طرابلس ، د.ط ، ص56.
و ظهـرت بعـد ذلك عـدة نظـريات تقـرّ هـذه النظـريات بظاهـرة انعكـاس الضـوء و انكسـاره و غيرهمـا ، و توصـل العلـم فـي القرن التاسـع عشـر إلى النظريـة الموجيـة التـي أثبـتت أن النقـطة المضيئـة ترسـل الضـوء عـلى هيـئة موجـات تنتشـر حولهـا فـي كـل الجـهات .
أمـّا فـي القـرن العشريـن فقـد عرف نظـريات أخرى منـها نظـرية الكـم التي قررت أن الضـوء ينطـلق من مصدره كالمـقذوفات المتـتالية ، يحتـوي كل مقـذوف عـلى طاقـة صغيـرة تحسـب بدقـة.(1)

. (1) عبد العزيز سعيد الصويعي ، فن صناعة الصحافة ماضيه و حاضره و مستقبله ، مرجع سابق ، ص56ـ57






رد مع اقتباس
قديم 2012-11-29, 21:22   رقم المشاركة : 123
معلومات العضو
**د لا ل**
عضو مميّز
 
الصورة الرمزية **د لا ل**
 

 

 
إحصائية العضو









**د لا ل** غير متواجد حالياً


افتراضي

محاضرات في الادب الشعبي

الادب الشعبي تحديد مفهومه وخصائصه"



الأدب الشعبي تحديد مفهومه وخصائصه عند الباحثين العرب

لاشك أن إسم (الأدب الشعبي) مصطلح عربي أي مؤلف من ألفاظ عربية خالصة في العصر الحديث، وإذا إبتكر العرب هذه الصيغة فقد استعار الباحثون العرب المفهوم من الكلمة الغربية (فولكلور Folklore) في فترة الخمسينيات منهم أحمد رشدي صالح وفاروق خورشيد وفوزي العنتيل ونبيلة إبراهيم وحسين النصار ، ويواجه الباحثون العرب في تحديد مفهوم الأدب الشعبي مشكلة وضع مقايس معينة .ويرتبط الأدب الشعبي في الأبحاث العربية بتعريفات محددة ستكون محاورها الأساسية نقطة إنطلاقنا لمحاولة التوصل إلى تحديد مفهوم الأدب الشعبي.
"إن الأدب الشعبي لأية أمة هو أدب عاميتها التقليدي الشفاهي ،مجهول المؤلف ،المتوارث جيلا بعد جيل".
التقليد : إن مايمثل الأصل في تسمية (أدب العامة التقليدي) متضمن في مفهوم الأدب الشعبي بشكل ملخص إذ نتبنى تعبير الأدب الشعبي للدلالة على مجموعة من الأشكال التقليدية (الأساطير – الحكايات الخرافية – القصص – الأمثال – الأغاني – السير...) وسواء أكانت هذه الأنواع التقليدية شفوية أم أعيدت كتابتها وانتقلت فيما بعد من جيل إلى جيل. غير أن حصر الأدب الشعبي في العراقة يعني بالضرورة اعادة إنتاج إبداعات الأدباء السابقين. إن التقليد مناقض للتطور. والأدب الشعبي ظاهرة اجتماعية تعبر باستمرار عن حاجات جديدة.
تؤدي عراقة الأدب الشعبي دورا هاما في دراسة الحياة الذهنية والروحية لأسلافنا الأقدمين وضبط التاريخ الإجتماعي لهذه المراحل الأولى من المجتمع البشري ، وقد ترتب على عراقة الأدب الشعبي قيام ظاهرة خاصة به ثار حولها جدل وهي اهتمامه بالأسطورة والخرافة والخارقة، فيوصف بذلك بأنه أدب محافظ من حيث الشكل والمحتوى، غير أن هذا الرأي خاطئ إذ يسقط أهم صفات الأدب الشعبي وهي واقعيته. إن الوهم والخرافة والغيب حقائق واقعية عند مؤسس ذلك الأدب وجمهوره.
هناك تداخل بين الأدب الشعبي والمعتقدات الدينية القديمة، فالعمل الأدبي الشعبي لا يتم إلا بالغناء والرقص والتمثيل، فالشعر والأغاني هي من الفنون التي تطورت مع الرقص والموسيقى وارتبطت بالعقائد والطقوس والسحر. وقد ارتبط في اللغة العربية قول الشعر بالإلهام والشيطان، حيث قيل لكل شاعر شيطانه، وتظهر وظيفة الشعر المقفى أو المعنى في تأثيره السحري أكثر من تأثيره الجمالي.
ومن الصعب ربط ظهور الأدب الشعبي بتاريخ معين، وقد ظل الأدب الشعبي مقرونا بالإنسان الأول الذي برز فوق سطح الأرض وهو الذي أطلق عليه علماء الأنتروبولوجيا والأنثولوجيا إسم الإنسان البدائي صاحب المستوى الحضاري البسيط، وقد مارس الإنسان البدائي صراعا مع الطبيعة وقواها فشكلت هذه الممارسات رصيده الثقافي والأدبي فتوارثها أبناؤه عبر العصور، ويتمثل هذا الأدب البدائي في الملاحم والأساطير والحكايات الخرافية وحكايات الحيوانات، وقد احتوت هذه الأنواع العناصر السحرية والدينية كالصراع مع الآلهة وتضمنت التاريخ الإجتماعي، إن غياب الكتابة وانعدام التدوين قد أضاع جزءا كبيرا من هذا الأدب، يرى أحمد رشدي صالح أن أدب الملاحم الشعبية سابق على الدين. وأن قصص الجان القصيرة أو القصص الإخبارية وأغاني العمل قد سبقت الملاحم بدورها بفترة طويلة.
وينبغي أن نميز بين الواقعية في الأدب المدرسي والواقعية في الأدب الشعبي، في الأدب الأول فإن الواقعية تعبير عن المذهب الفني يوظفه الأدباء من أجل التقرب إلى الشعب، ومن عناصر المذهب الواقعي في الأدب المدرسي اللغة العامية، الأمثال، شخصيات مستعارة من التاريخ، إلخ.....
غير أن هذه النزعة اصطناعية بخلاف الأدب الشعبي فإن واقعيته طبيعية عفوية، تدل على فطرة الشعب كيف يكون الأدب الشعبي واقعيا وهو يزخر بالرموز الخيالية والغريبة والعجيبة كالطقوس والقوى الغيبية والسحرية والخروج عن المكان والزمان فأين تتمثل واقعيته ؟
إن الأدب الشعبي مرتبط شكلا ومضمونا بقضايا الشعب إن الخروج عن المألوف ما هو إلا قراءة بطريقة خاصة للواقع. إن العجز عن تحقيق الرغبات والإنشغالات يؤدي بالمبدع إلى اللجوء إلى الخيال، إن الرموز والسحر والخيال والغرابة تعبير عن حرمان اجتماعي يهدف إلى إعادة النظام إلى أصله والتوازن في الإنسان.

جهل المؤلف : إن شرط جهل المؤلف غير وارد في تعريف الأدب الشعبي ذلك أن عددا كبيرا من المؤلفين يذكرون اسماءهم في آخر القصيدة وتاريخ نظمها أحيانا.
وقد دلت الأبحاث منذ نهاية القرن 19 وبداية القرن 20 عن خطأ افتراض مؤلفات انتجها الإبداع الشعبي اللاشخصي وكشفت الأبحاث المنظمة عن حياة الرواة وأعمالهم ممن يسمون "حملة التراث الشعبي" عن الدور الهام الذي تؤديه كل جوانب النشاط الفردي المختلفة كالمهارة والتدريب والموهبة والذاكرة والخيال، إن كل مؤد للأعمال الشفاهية إنما هو مبدعها في آن واحد، إن مجهولية العمل الأدبي وعدم انتسابه إلى مؤلف يرجع إلى أن أسماء المؤلفين لم يكشف عنها في أغلب الأحيان لأنها لم تدون وصارت وسيلة حفظها ذاكرة الشعب فقط. غير أن الحال لم يكن كذلك في كل مكان دائما، إذ أن عددا من الأغاني المؤلفة قديما والحديثة نسبيا تحتفظ بأسماء مؤلفيها وترد هذه الأسماء عادة في آخر الأغنية داخل صياغات صوتية (الوزن، القافية، التجانس). وقد أصبحت هذه الحيلة التي لجأ إليها الشعراء للإحتفاظ بأسمائهم في النصوص معروفة الآن على نطاق واسع، إن أسماء كثير من مؤلفي الأغاني ستظل مجهولة لأنهم لم يسجلوا أسماءهم حين ألقوا هذه الأغاني وإنما نشروها عن طريق الرواية، ومع ذلك نؤكد أن المجهولية لا تعني أن النتاج الشفوي غير شخصي أو ينقصه المؤلف، إن المجهولية ليست سمة خاصة بالأدب الشعبي عند مقارنته بالأدب المدون، لقد أصبح الإبداع الشخصي مع بداية العصر الرأسمالي ينسب إلى مجموع الشعب ضمانا لحياة مؤلفيه وحماية أسمائهم، وفي العصر الإقطاعي كان مؤلفو الآداب المدونة وأصحاب الأعمال الفنية في ميدان فنون الحفر arts graphiques (العمارة، النحت، التصوير) لا يميلون في الغالب إلى نسبة أعمالهم إلى شخوصهم.
إن مفهوم (المؤلف الجماعي) موجود في الفكر الحديث عند مفكرين مختلفين تماما هما : لوسيان غولدمان وميشيل فوكو. فالأول حاول بلورة المفهوم من خلال منظور ماركسي قائلا بأن الكاتب أو الأديب لا يعبر عن ذاته بقدر ما يعبر عن الوعي الجماعي أو قل أنه فيما يعبر عن ذاته ينضج بوعي جماعة ما أو طبقة ما أو فئة ما.
أما ميشيل فوكو فقد طرح فكرة (موت) المؤلف أو إمحاء المؤلف، فالمؤلف ليس فردا ولا صوتا واحدا وإنما حصيلة مجموعة الأصوات والأفكار التي يتلقاها من المحيط وتخترقه فيسجلها على الورق، بمعنى آخر فإنها له وليست له.
وقد يكون معرفة الشاعر سببا في انتشاره بين العامة ولا سيما إذا كان مبدعا بارعا، ولا تخلو مجالس العامة من المقارنة بين الشعراء والمفاضلة بينهم، وقد يحملون الشعراء على التباري في قرض الشعر ويحكمون في النهاية على الشعر الضعيف.
وترجع فكرة حصر الأدب الشعبي في الأثر المجهول المؤلف إلى الإعتقاد بأن هذا النوع يحظى باهتمام الجماعة الشعبية غير أن ممارسة الجماعة للنص الأدبي أمر مشترك بين المؤلف المجهول والمؤلف المعروف، إن ممارسةالجماعة للنص الأدبي معناه أن تجد فيه ما يعبر عن وجدانها بالطريقة التي تفهمها، إن الأثر المعروف المؤلف ليس عاجزا دائما عن تحقيق هذه الوظيفة، كما أن اشتراط (التجهيل) يؤدي إلى إلغاء الأدب الشعبي الحديث، ويبدو الرأي القائل بأن اطلاق الأدب الشعبي على الأثر المجهول المؤلف والأثر المعروف المؤلف سيؤدي إلى تحديد الموضوع مبالغا إذ أن اطلاق الأدب الشعبي على الأثرين يؤدي بالعكس إلى توسيع الإطلاق من جهة وتوحيده من جهة ثانية وحتى لا يصبح الأدب الشعبي الحديث والأدب المعروف المؤلف أنماطا خارجة عن الأدب الشعبي والأدب الرسمي معا.
حيث يكون صاحب النص مجهولا (الحكايات – الأمثال – الألغاز) وقائل النص معروفا (نصوص الشعر).
"الأدب الشعبي هو أدب العامية سواء أكان مطبوعا أم مكتوبا، مجهول المؤلف أو معروفا متوارثا أم أنشأه معاصرون، معلمون"
أدب العامية : يذهب هذا التعريف إلى أن العامية شرط جوهري في تحديد مفهوم الأدب الشعبي ، وبقدر ما تشكل اللغة جزءا هاما من العمل الأدبي فإن المحتوى لا يقل عنها أهمية وهما عنصران متداخلان من الصعب الفصل بينهما.
ويمكن أن نوجز تقديم هذه الإشكالية في النقاط التالية :
أ/- ليس كل ما يكتب بالفصحى يكون بالضرورة أدبا رسميا فقد لاحظنا مثلا أن كثيرا من الآثار الأدبية الخالدة كتبت أو رويت بالفصحى البسيطة وهي مع ذلك تصنف في الآداب الشفوية أو الشعبية ومنها ألف ليلة وليلة والسير العربية، فالفصحى إذن ليست شفيعا لهذا الأدب من أن يكون شعبيا. فشعبيته لا تكمن في عامية لغته على الرغم من أن بعض هذه الآثار السردية تلتجئ في بعض الأطوار إلى الإعتراف من العامية لغايات فنية طورا ولعجز الرواة والساردين، فيما يبدو عن العثور على ألفاظ فصيحة طورا آخر.
ب/- فما كل ما يكتب بالعامية كذلك يعد بالضرورة أدبا شعبيا، وتجري هذه السيرة على ما يكتبه المثقفون من مسرحيات وروايات وكلمات أغان بالعامية التي لا ينبغي أن ترقى إلى درجة الأدب الشعبي.
جـ/- إن صفة الشعبية التي تلازم أجناسا من الأدب وضروب من القول لا تكمن إذن في العامية ولا في الفصحى، وإذا كانت العامية أداة الأدب الشعبي بوصفها من مقوماته وأنها عامل مشترك بين الأثر المجهول المؤلف والمعروف فإنه لا ينبغي الخيار في استخدام اللغة التي يريدها المبدع الشعبي عامية أو فصحى فمن الخطأ أن نطلب من المبدع الشعبي الذي ينتمي إلى الطبقة الدنيا التعبير بالفصحى والعامة الذين يخاطبهم عاجزون عن فهمها.
3- "الأدب الشعبي هو المعبر عن ذاتية الشعب المستهدف تقدمه الحضاري ، الراسم لمصالحه، يستوي فيه أدب الفصحى وأدب العامية، وأدب الرواية الشفاهية وأدب المطبعة".
ذاتية الشعب : لا يقدم هذا التعريف تحديدا واضحا للأدب الشعبي بقدر ما يميل إلى التعميم، من الصعب الإهتداء إلى تحديد المقصود من ذاتية الشعب، إن كلمة الذاتية يمكن أن نفهم منها دلالات مختلفة ولكنها لا تحدد مفهوما خاصا بالأدب الشعبي.
التقدم الحضاري : هو قول عام ذلك أن المطلوب من المبدع – شعبيا أو رسميا – أن يهدف إلى تحقيق هذه الوظيفة الحضارية، إن هذه الخاصية متوفرة في الأدب الشعبي ولكنها أوضح في الأدب الرسمي ثم إن التصور الذي يملكه الأدب الشعبي في مجال الحضارة محدود ويختلف حتما عن الرؤية التي يتضمنها الأدب الرسمي، يعبر المبدع الشعبي عن حياة اجتماعية بسيطة ومحلية.
4- "الأدب الشعبي هو القول التلقائي العريق المتداول بالفعل، المتوارث، جيلا بعد جيل المرتبط بالعادات والتقاليد".
القول التلقائي : يحدد معجم العلوم الإجتماعية التلقائية على أنها "القدرة على الإستجابة بأسلوب مباشر والتكيف مع وضعية معينة" إن الفعل التلقائي هو الذي يحدث بنفسه بدون تفكير سابق ودون إثارة، وهو التعبير في الحال عما نشعر به وكما نشعر به، قول يصدر تحت تأثير العواطف واندفاعها دون الإستناد إلى تحليل أو حساب، ولقد استخدم الباحثون العرب جميع هذه الأوصاف لتحديد معنى هذا المحور، غير أن المصطلحين التلقائية – القول – يعودان إلى دلالة واحدة ضمن هذا السياق المحدد بوصفهما يرتكزان على اقتران كلمتين مترافدتين، وتتمثل الكلمة الأولى في التلقائية التي تدل على مجموعة من الأفعال التي تتوقف على اندفاع السلوك الطبيعي القائم على الوضوح والحرية (تحرر الفاعل من كل عقدة أو نوع من التقويم أو التهذيب أو التكيف) وتتمثل الكلمة الثانية في القول وتدل على استعمال كل واحد منا للقول في نطاق حر من أجل التعبير (تبليغ الأفكار أو الآراء من خلال نظام الأصوات المنطوقة) وبذلك يكون القول عندما نخاطب به الغير انتاجا تلقائيا نخلص في أغلب الأحيان من قواعد لغة النخبة ومن ثم يمكن القول أن تسمية (تلقائي القول) لا تدل على مفهوم بقدر ما تصبح كلمة زائدة لأن الإشكالية الحقيقية لا تتمثل في التلقائية من جهة والقول من جهة ثانية، ولكن تكمن فيما بين الشفوي والمكتوب (وسائل انتقال الأدب الشعبي) ، ويعتبر الأدب الشعبي مخزون المعرفة البسيطة ويقوم هذا المخزون أساسا على ذاكرة متكونة من الملاحظات والأحكام والنصائح الناتجة عن تجربة بشرية طويلة ولذلك يبدو لنا أن مصطلح تلقائية القول الذي اعتبره بعض الباحثين العرب محورا ما هو في الحقيقة إلا تسمية مرادفة للقول المرتبط باللهجة.
التداول والتوارث أو التناقل الجماعي : أسهمت الرواية في نقل التراث العربي الرسمي، كان القرآن الكريم والحديث الشريف يرويان شفاهيا، ويعتبر الفقهاء التواتر من المصادر الهامة، وتظل الرواية أداة هامة في نقل الأدب الشعبي الموزع بين المقلدين والمبدعين من الرواة ولكن لا يمكن أن تكون الرواية مع ذلك شرطا أساسيا، إن اشتراط الرواية يتضمن عدم الإعتراف بالأدب الشعبي المطبوع مثل ألف ليلة وليلة والسير الشعبية، وقد زادت الطباعة هذا الأدب المكتوب انتشارا بين الناس.
إن الرواية أعم من موضوع الأدب الشعبي، إن التراث العربي وصلنا عن طريق الرواية قبل أن توجد وسائل الطباعة والنشر، وقد اتخذ الجاهليون الرواية وسيلة لحفظ أشعارهم.
إن التواتر عند الفقهاء يعتبر من المصادر الهامة في السند كالإجماع، وإذا كانت الرواية لم تصبح قيدا للتراث العربي المدرسي فإنها بالنسبة للأدب الشعبي أداة للحفاظ عليه ولكنها لا ينبغي أن تكون شرطا.
وقد ظل الشعر الجاهلي غير مكتوب نحو قرنين وظلت تتناقله الرواة شفاها وتعرض للخطأ والتغيير ومع ذلك فهو يندرج ضمن الأدب المدرسي، والجدير بالذكر في هذا الصدد أن عددا من الدارسين يقدمون المادة الشعبية كما لو أنها جاءت من مصادر معروفة أو كما لو كانت أدبا مقروءا ولا أدبا مرويا مسموعا ومن ثم يعالجون هذه المادة الشعبية بالمعايير نفسها التي يدرس بها الأدب المدرسي، وقد وقع في هذا الخطأ دارسي الأدب العربي القديم الذي كان معظمه شفويا من ناحية الأصل والمنشأ ومن ناحية التقديم والعرض.
إن الأدب الشعبي جوهرة محصورة في ذاكرة شعب معين، فهو يؤلف الرأسمال الثقافي الذي يعكس الملامح المتميزة لجماعات بشرية مختلفة، إن الأدب الشعبي صدى الماضي لا يصاب بالإتلاف أو الإبتدال، ينتقل من جيل إلى جيل باستمرار ليصل إلينا متأثرا ببصمات الزمان.
كيف ينتقل الأدب الشعبي من جيل إلى جيل آخر ؟ ماهي السبل التي سلكها الأدب الشعبي للوصول إلينا ؟
اعتمد الأدب الشعبي في تناقله على قناتين أساسيتين :
1- القناة الشفاهية
2- القناة الكتابية
ويقوم هذان الأسلوبان المتعلقان بالتناقل على التفاعل المتبادل بينهما من خلال مقابلة نظيرية Bijection وهي (مقابلة بين عنصر واحد من مجموعة وعنصر واحد معين من مجموعة أخرى) وذلك اعتمادا على بعض السمات التي تكون سببا في تعارضهما، إن الإستعانة بالبصر في النقل المكتوب وبالسمع في النقل الشفاهي فعل ضروري ومسلم به، وقد توارث الأجيال الأدب الشعبي من الممارسة العائلية، من فم الشيوخ في المقاهي العمومية أو من فم المداحين وهم المغنون العموميون الذين ينشرون الأدب الشعبي في الأسواق وينقل كل واحد منهم الأدب الشعبي بالطريقة الشفاهية أثناء حفل أو تجمع أو حديث مع القدامى، ويعود أصل النقل المكتوب عند الغير إلى الثقافة الصادرة عن الكتب حيث يتم ترسيخ الأدب الشعبي في الذاكرة البشرية.
ويمكن للإنسان أن ينتج بالكتابة نصا شفاهيا روي إليه ويستطيع أيضا أن يقرأ نصا مكتوبا وأن يرويه شفاهيا بعد ذلك لشخص معين. وهكذا يمكن أن يتحول الإنتاج الشفاهي إلى انتاج مكتوب والعكس صحيح بعد أن يطرأ عليه تعديلات سلبية أو إيجابية في الذهن البشري المبدع، ومن هنا فإن العلاقة النظيرية بين النقل الشفاهي والنقل المكتوب مشروعة ، ويمكن أن نسوق للدلالة على هذه العلاقة الموضوعية بين القناتين عددا من الأعمال الشعبية كالحكاية والأغنية والسيرة التي انتقلت من مرحلة الأدب الشفاهي إلى مرحلة الأدب المدون كما هو الشأن بالنسبة لسيرة عنترة بن شداد وأبي زيد الهلالي والأميرة ذات الهمة، ويعتبر العكس صحيحا كذلك إذ كثير من النصوص التي ثبت أصلها أصبحت موضوعا للأدب الشفاهي مثل (الوقائع الدينية والتاريخية « Recueils de faits religieux et historiques ».
لا نعلم الكثير عن العمليات التي يتم عن طريقها نقل الأدب الشعبي يجب أن نحاول معرفة ممن تعلم الراوي مادته والطرق التي اعتمد عليها في ذلك والزمن والظروف التي أحاطت بسماعه لها لأول مرة وما حدث بعد ذلك وعدد المرات التي استمع إلى هذه المادة في حالة الإعادة وقيامه هو بأدائه لغيره أو ترديدها لنفسه فقط والأسباب التي دعت إلى ذلك في كلتا الحالتين والدور الذي يقوم به الراوي في أداء ما يعرفه في حدود السماع فقط أم إنه يغير في النص ويحذف ويعدل ويضيف وأسباب ذلك وتحديد طبيعة المواقف التي تم ذلك فيها العلاقة القائمة بين هذا الأداء والجمهور.
ومن الطرق الصالحة لإنتقال الأشكال الأدبية التي تعتمد أساسا على الكلمة ومنها الأدب الشعبي هي الإنتقال عن طريق المصادر المطبوعة ولا سيما في المجتمعات الحديثة، إذ يمكن تسجيل النصوص الشعبية وإتاحتها للقادرين على القراءة الذين يمكنهم بعد ذلك أن يروون فيها، والمشكلة التي تبدو في نطاق الأدب الشعبي بأشكاله المختلفة أن الحكاية والمثل واللغز والأغنية تخضع بدون شك في ذلك لقانون واحد ولكن يؤثر الشكل الخاص لكل منها وطبيعته على عملية الإنتقال، فالحكاية والأغنية على سبيل المثال مختلفتان في انتقالهما بين الأفراد والجماعات، وتظهر تغييرات محددة أثناء الإنتقال إذ تبقى بعض العناصر أو يحتفظ بها الراوي وتسقط عناصر أخرى أثناء ذلك، وترتبط هذه العمليات بفترات زمنية وأسباب محددة منها العوامل السيكولوجية كالتذكر والنسيان.
5- "الأدب الشعبي هو الأدب الذي يصدر عن الشعب فيعبر عن وجدانه ويمثل تفكيره ويعكس اتجاهاته ومستوياته الحضارية" .

الإرتباط بالعادات والتقاليد للتعبير عن وجدان الشعب :
يحتوي الأدب الشعبي مجموعة من العناصر التي تعود أساسا إلى الماضي إلا أنها متميزة بالتغيير الذي يطرأ عليها عبر الزمن، وتختفي هذه الرواسب في ثناياها الحكمة والتجارب وأساليب العيش القديمة، ويعبر كل شعب من خلال العادات والتقاليد عن أفراحه وأحزانه، ويذاع الأدب الشعبي في مناسبات تقليدية مثل الزواج والولادة والوفاة وأماكن العمل والتسلية والأسواق العمومية، ويعتمد في هذه الأماكن والظروف نفسها على الأدب الشعبي لإدانة فعل أو حكم على سلوك معين، ويكتسب الأدب الشعبي وزنا اجتماعيا وسياسيا وثوريا ضخما، كما يعد الأدب الشعبي اللغة الوحيدة التي لم تتقلص إلى شعار فهو لغة ذات علاقة جدلية مع الواقع وتتمتع بقدرة كبيرة على تفسيره، إن الأدب الشعبي وعي فردي وجماعي ويعبر عن حياة الأمة بجميع شرائحها في كافة مناطقها، ويغطى الأدب الشعبي باستمرار كل احتياجات الشعب اليومية، ويقوم تناقل الأدب الشعبي من جيل إلى جيل على التغيير في الشكل والثبات في المضمون ويساعد الأدب الشعبي على نقل الخطاب الفلسفي والروحي الموغل في القدم.
يتجذر تناقل الأدب الشعبي في موروثات عشرة قرون ويرسخ في ذاكرة الجماعة إما بالكتابة كالوقائع الدينية والتاريخية على سبيل المثال أو بالكلام المقولب (وهو سلوك مكرر على نحو لا يتغير تعوزه الصفات الفردية المميزة) كالأمثال والأساطير والحكايات والسير، ويرتبط الأدب الشعبي المستمد من التجربة البشرية قبل ظهور الكتابة بالتناقل من جيل إلى جيل إلا أن هذه الإرادة حصرته في قوالب جاهزة قريبة من السلوك المكرر، وتعتبر الكتابة الوسيلة الهامة التي اعتمد الأدب الشعبي عليها لتناقله عبر الأجيال إلى جانب الرواية.
إن اقصاء الأدب الشعبي واحتقاره بمثابة الحد من تعبير الشعب والقضاء على قوته الإبداعية ، إن هذه السلطة الخلاقة هي التي تساعد على إعادة النظر في نظام القيم الذي يقوم على التمييز الواضح بين الخير والشر في المجتمع.
6- "إن الأدب الشعبي لا يمكن أن يكون شعبيا إلا إذا استقبلته الجماعة الشعبية بأسرها ورددته".
الجماعية : يتميز الأدب الشعبي بالروح الجماعية، فالجماعة هي التي تشكل النص حسب مزاجها وظروفها، ويعبر المبدع الشعبي عن وجدان الجماعة، ولا يعني هذا أن دور الفرد معدوم في الأدب الشعبي بقدر ما يدل على أن الجماعة لا تهتم بصاحب النص أكثر من انشغالها بالنص الأدبي ذاته.
اهتم كثير من الباحثين بالبحث عن مصدر انتاج العمل الأدبي، وانشغل هؤلاء بما إذا كان الفرد أو الشعب هو مؤلف الأثر الشعبي، ويعتبر عدد من العلماء فعلا أن الأدب الشعبي إعداد جماعي وغير فردي مقابل الأدب المدون الذي يعد فرديا وشخصيا. إن هذه الفرضية التي ظلت في صالح الأدب الشعبي وقتا طويلا صارت غير مقبولة الآن لأنه لا يمكن أن نتصور عملا شعبيا ألفه شعب بأسره، ومن هنا يبدو لنا أن الأدب الشعبي انتاج مجهول، ويصبح النص الشعبي ممثلا لحدث معين ومتناقل من جيل إلى جيل عن طريق الرواة، ومهما كان دور الفرد في تكوين العمل الشعبي مثلما نجد ذلك في حالات الأغنية الشعبية أو الشعر الشفاهي فإن الإنتاج لا يكون شعبيا إلا إذا استوعبته الجماعة وتداولته، ويتمكن الإنتاج الشعبي من التأقلم والإنتشار عندما يقوم الشعب باسترجاعه، يتخلى المؤلف إن كان موجودا عن العمل الذي انتجه ويصبح جزءا أساسيا من الجماعة التي ينتمي إليها ويتحول بذلك إلى مؤد ويشارك كل مؤد بما فيه المؤلف في العمل الشعبي ولكن لا يصنعه أحدهم بمفرده، ولا يصبح الإنتاج شعبيا بأتم معنى الكلمة إلا بعد أن يدخل عدد لا حصر له من الرواة، تعديلات وتنقيحات وتحويرات عليه، يتحول الأدب الشعبي إذن باستمرار ولكن هذا التعديل مرتبط أساسا بالظروف التي انجز فيها هذا العمل الشعبي نفسه، إذ يحاول المؤدون تعديل آثارهم الشعبية حسب مزاجهم وطبيعة مستمعيهم .
إن الرواوي لا يستطيع أن ينتج نصا بمعزل عن الجمهور، ويتحدد معنى تدخله في النص الأدبي من خلال هذه العلاقة القائمة بين الراوي والجمهور، وتفترض عملية التواصل بين المرسل والملتقى جملة من عوامل تؤدي دورا هاما في صياغة الأثر الأدبي وتشكيله صورة ومعنى. تسيطر على الجمهور حاجات عديدة، وتتفاوت هذه الحاجات من فئة اجتماعية إلى أخرى حسب العمر (الشباب – الكهول – الشيوخ) والجنس (الذكور والإناث) ويعمل الراوي على أشباعها، وتختلف قدرات الرواة على الرواية وطاقاتهم على الحفظ والتذكر ومن ثم فإن النص يتعرض باستمرار للتغيير أثناء انتقاله في المجتمع، ولكن حجم هذا التغيير وأهميته تختلف باختلاف العناصر التي يصيبها التغيير، فالتغيير في مكان الأحداث وزمانها أو في الشخصيات يعد تغييرا بسيطا ولكن التغيير في حبكة الأحداث وتسلسلها أو في وضع نهاية مختلفة يعد أمرا هاما وهو ما يحدث عادة أثناء انتقال الحكاية، وإذا كان الأدب الشعبي يتعارض مع الكتابة فإنه من الطبيعي أن نقدر أن هؤلاء الأميين سوف يكونون المهتمين بالأدب الشعبي المحافظين عليه القادرين على ترديده. ولكن إن ترديد الأدب الشعبي موجود دائما بين الناس جميعا ويرتبط بمناسبات عديدة.
إن نصوص الأدب الشعبي بأنواعه المختلفة تتقبل الإضافة والحذف والتعديل دائما بينما تعيش الأنواع الأدبية الخاصة على حالتها التي ابدعها بها مؤلفها، ويؤثر جمهور كل من الأدبين (الشعبي والمدون) في طبيعة كل منهما، يمكن للكاتب أن يعيش بعيدا عن الناس منعزلا في مكان خاص لا يشاركه فيه أحد أثناء ابداعه ولا يمكن للراوي أن ينعزل عن المستمع فلا بد أن يكون على صلة مباشرة به وأن يواجهه.
إن الكاتب أو الشاعر يشبهان جهاز الإرسال ويصبح الجمهور جهاز الإستقبال، وتوجد علاقة مباشرة بين المرسل والمستقبل.
لا يوجد رد فعل مؤثر مباشر من جانب الجمهور فيما يتعلق بالأدب المكتوب فإن الإرسال (الأثر الأدبي) هنا يعد مكتملا ومنتهيا قبل أن يصل إلى المستقبل وهو الجمهور أو القراء بينما نجد في نطاق الأدب الشعبي، ظهور ردود فعل مباشرة أثناء عملية الإرسال (أي أثناء الأداء) ومن هنا فإن الصورة النهائية التي يبدو بها هي نتيجة التفاعل المتواصل بين المرسل (الراوي – المغني) وبين الملتقى (الجمهور المستمعين) وتؤثر طبيعة الجماعة من حيث السن (الشباب – الكهول – الشيوخ) والجنس (الذكور أو الإناث) والثقافة (القراءة والكتابة – الأمية) في تنوع أساليب رواية النص ومضمونه، يتغير الأدب الشعبي إذن باستمرار ولكن هذا التعديل مرتبط بالظروف التي أنجز فيها هذا العمل الشعبي نفسه، إذ يحاول المؤدون تعديل نصوصهم الشعبية حسب مزاجهم وطبيعة مستمعيهم والمدة الزمنية التي وضعت في تصرفهم، فهم يختزلون العمل الشعبي أو يمددون فيه، يطورونه ويفصلونه أو يحذفون مقطعا منه حفاظا على أصالته إن الأدب الشعبي ملك الجميع وغير معقول أن تكون الجماعة باسرها مصدرا له.
يقول هابرلاندت M. Haberlandt أن من أهم واجبات علم الفولكلور أن ينتبه إلى وجود أولئك الأفراد المبدعين الذي تمكن معرفتهم بالإسم في كل مجال من مجالات الثقافة الشعبية الحية بين الناس وعليه يتحتم علينا أن نعدل بعض الشيء من مفهوم (الثقافة الشعبية الجماعية) ذلك أن الإبداع الثقافي الفردي كامن في كل ثقافة جماعية من هذا النوع والفرق بين شعب وآخر وعصر وآخر هو في عدد وأساليب هذه الشخصيات الإيجابية المبدعة.






رد مع اقتباس
قديم 2012-11-29, 21:23   رقم المشاركة : 124
معلومات العضو
**د لا ل**
عضو مميّز
 
الصورة الرمزية **د لا ل**
 

 

 
إحصائية العضو









**د لا ل** غير متواجد حالياً


افتراضي

ولا يركز علم الفولكلور بالدرجة الأولى على فردية الإبداع الشعبي أي على الصورة الفردية التي يخرج بها الأثر الأدبي إلى الناس وإنما هو يهتم أولا وقبل كل شيء بالرصيد المشترك الشائع بين الأغلبية، ولكن لا يمكن فهم هذا الرصيد المشترك الشائع إلا عن طريق هذا الشيء المتفرد، ودراسة حياة حملة هذه المنتجات الشعبية المتفردة والمتميزة بسمات مبدعيها، فكثير من الصور التي اتخذها التراث المشترك لا يمكن فهمها دون اعتبار دور القوى المبدعة للإنسان الشعبي الفرد، فتحديد اسهام هذا الفرد في التراث الجماعي أمر ضروري ومنهجي في ميدان الدراسات الشعبية.
إن المقصود بالقوة الإبداعية للجماعة الشعبية هو ابداعات الأفراد الموهوبين قد تكون معروفة بالإسم في البداية إلا أنها سرعان ما تدخل ضمن الرصيد المشترك لا يمكن لأحد أن يدعى إزاءه حق شخصي لأنها لا تستند إلى مؤلف معين إن النوع الشعبي هو انتاج شخص مبدع صاحب موهبة ولكن حينما يوجد فيه تعبير معين أو اصطلاح أو صورة غير موفقة أو غير مفهومة للكافة تعمد الجماعة إلى تغييرها من تلقاء نفسها وتجعل كل اجزاء هذا النوع الشعبي سهلا على نطاقها وفهمها، هذه المشاركة هي التي تسمو بالنوع الشعبي إلى درجة فنية راقية إلى الحد الذي تجعله بشكله المتداول فوق مستوى الفرد المبدع.
كان الرومانسيون يرجعون مثلا أسباب التنويعات والروايات المتعددة لحكاية واحدة إلى الأخطاء أو سوء الفهم والإضطراب وغيرها من أسباب كثرة تداول مواد الأدب الشعبي، فيرجعونه إلى الربط غير الواعي بين موتيفات متعددة من حكايات متباينة في حكاية واحدة وليس إلى الخلق الواعي.
إن فرد السرد سواء كان مقلدا أو مبدعا لا يمارسه بين الجماعة سوى أفراد قلائل دائما، إن امثال هؤلاء الرواة لا سيما المبدعون منهم ليسوا كثرة سواء بين الطبقة الدنيا أو العليا، إن المقلد وهو الطراز الملتزم بالرواية الأصلية هو الشائع بين الناس ، فهو يعيش على افراز القلة من المبدعين.
إن الإهتمام بالنص وممارسته من قبل الجماعة على الرغم من أنه من أهم مميزات الأدب الشعبي فإنه قضية نسبية فهناك قصائد شعرية نشرت في المجلات أو لدى بعض الأفراد ولم تدخل حياة الجماعة الشعبية وقد لا تسمع بها اطلاقا.
إن الجماعية هو أن يكون العمل الأدبي مجهول المؤلف لا لإن دور الفرد في إنشائه معدوم ولا لأن العامة اصطلحوا على أن ينكروا على الخالق الفرد حقه في أن ينسب إلى نفسه ما يبدع بل لأن العمل الأدبي الشعبي يستوي أثرا فنيا بتوافق ذوق الجماعة وجريا على عرفهم من حيث موضوعه وشكله ولأنه لا يتخذ شكله النهائي قبلما يصل جمهوره شأن أدب المطبعة وأدب الفصحى عامة بل يتم له الشكل الأخير من خلال الإستعمال والتداول، ثم إن وسيلة إذاعته وهي النقل الشفاهي لا تلزمه حدودا جامدة بحيث يكون من المستطاع أن يضاف إليه أو يحذف منه أو يعاد ترتيب عناصره أثناء انتقاله من موطن إلى آخر.
من هو مؤلف الأدب الشعبي ؟ أهو الشعب كمجموع أم فرد مجهول يعبر عن روح المجموع، ثم يتناقل الرواة ما ألفه بالإضافة والحذف ؟

الجماعية :
الجماعية بالمعنى السياسي أو الإجتماعي المعروفة به هي مبدأ اشتراكي قائل بسيطرة الدولة أو الشعب على جميع وسائل الإنتاج والنشاطات الإقتصادية.
الجماعية في الأدب والفن تعني تيارات الطليعية (وخاصة مذاهب التعبيرية والتجريدية والفعالية والفعالية مذهب خلقي يعني بمتطلبات الحياة الفعلية ومنجزاتها أكثر من عنايته بالمبادئ النظرية هذه التيارات تحاول أن تنقص من النظرة المستقلة الذاتية لصاحب التكوين الفني، في سبيل إثبات الجماعية التي ينبغي عليها أن يكون لها المقام الأول وقد حاول جماعة من الفنانين الذين يدعون إلى الجماعية توحيد صفوفهم وجهودهم في التكوين الفني الواحد لإثبات قوتهم.
ويرى بعض الفلاسفة أن فكرة الجماعية في الفن والأدب هي فكرة خاطئة مستندين إلى أن أصل جوهر التكوين أو الخلق الفني ماهو إلا نظرة ذاتية للفنان يخرج منها إلى الإيضاح وإلى التعبير وإلى عكس الأشياء من وجهة نظر واحدة هي وجهة نظره فقط
الجمهور :
أصل الكلمة اللاتينية Publicus وهي تعني مجموعة المشاهدين والسامعين للعرض الفني، كما تعني المستقبلين لكل عمل فني آخر والجمهور مهما كانت شاكلته، واعيا أم غير واع ، أميا كان أم متعلما هو في النهاية الحكم الحقيقي والفعلي على مختلف الإنتاجات الفنية في أي فرع من الفروع، وفي العروض الحديثة يمكن أن يقوم الممثل بالتمثيل وممارسة فنه ومهنته وسط قاعة الجماهير بما يتشابه مع بعض العصور سابقا كما في دراما السوق في القرون الوسطى أو في الإتصالات بين الممثل وجمهوره في كوميديا الفن (الكوميديا دي لارتي) والعكس يمكن أن يحدث اليوم فإن يصعد الجمهور إلى خشبة المسرح لأماكن معدة له ليشاهد التمثيل في مواجهة لبقيته ووجها لوجه مع صالة الجمهور.
7- الأدب الشعبي هو مجموعة العطاءات القولية والفنية والفكرية والمجتمعية التي ورثتها الشعوب التي أصبحت تتكلم العربية وتدين بالإسلام"
الموروث التاريخي :
يدل هذا التعريف على أن الأدب الشعبي ليس وليد الجزيرة العربية وحدها وإن كانت أصلا رئيسيا فيه ولكنه نتاج رقعة جغرافية وحضارية واسعة شاركت شعوبها التي تعبر بالعربية وتدين بالإسلام في صنعه بموروثها القديم عبر مراحل التاريخ، ويتضمن الأدب الشعبي آثار الفلسفات والعقائد سواء التي انتجتها الشعوب صاحبة هذا الأدب أو التي تتعلق بالبلدان المجاورة لها.
ولا يتحدد معنى الأدب الشعبي دون صلته بكل هذه التأثيرات، ولا يمكن أن نتجاهل التأثير الذي مارسه الموروث التاريخي على الأدب الشعبي.
إن الموروث التاريخي مقوم أساسي للأدب الشعبي، وأن النقاد والدارسين لم يلتفتوا إلى الموروث القديم بصورة كافية، واعتبروه مرة عقبة في سبيل استمرار العقيدة الدينية ومرة مجرد ظواهر لا قيمة لها، أو الوقوف على موروث الجزيرة العربية وحدها وعزل آثار المناطق الجغرافية والتاريخية الأخرى التي اسهمت في تكوين حصيلة الأدب الشعبي بمختلف أنواعه.
ماذا نعني بارتباط الأدب الشعبي بالعنصرين العربية والإسلام، هل نعني أنه الأدب الخارج عن الجزيرة العربية والمرتبط تاريخيا بالعطاء الصادر من الجزيرة العربية والذي يرجع إلى الأصول العربية قبل الإسلام وبعده ؟ وإذا كان الأمر كذلك فهل استطاع العرب أن يزيلوا الموروث الحضاري للشعوب التي دخلت الإسلام منذ سنواته الأولى وكونت من البداية المنطقة الحضارية العربية التي صمدت أمام كل محاولات تفتيتها حتى اليوم، وبمعنى آخر هل تخلت شعوب المنطقة التي تمسكت بانتمائها العربي عن موروثها الحضاري والشعر القديم بمجرد دخولها إلى الإسلام دينا واستخدامها العربية لغة رسمية ؟

إن سبب الخلاف بين العلماء في تحديد مفهوم الأدب الشعبي يعود أساسا إلى عنايتهم بالشروط الخارجة عن ماهية النصوص الأدبية، وقد وضعت هذه القيود في مرحلة الإهتمام بدراسة الأدب الشعبي (الرواية والتوارث وجهل المؤلف – الجماعية – التقليد أو العراقة – اللغة العامية والفصحى – العادات والتقاليد – الوجدان الشعبي – الذاتية الشعبية – التقدم الحضاري – القول التلقائي) وهي شروط لا تقتصر على التعبير الشعبي بقدر ما يشترك في بعض منها الأدب المدون ، وتعتبر هذه الشروط الآن جزءا من تاريخ الأدب الشعبي وهي شروط لا تحدد مفهوم الشعبية في الأدب، ينبغي أن ينصب الإهتمام في تحديد الشعبية على النص الأدبي قبل صاحبه الذي أبدعه والظروف التي أحاطت به ، إن الجماعة تتفاعل مع النص الذي يعبر عن همومها ، إن تعريف الأدب الشعبي يكمن في خصائص أخرى ينفرد بها النص الشعبي في نظر صاحبه وتفكيره وإحساسه وتذوقه ، كالإعتقاد الشديد بالغيب والإلتجاء إلى اصطناع حيز غير جغرافي والتعامل المطلق مع المجهول والإقبال على التعايش مع الكائنات الخارقة وغيرها من العناصر الغريبة والشاذة والمألوفة التي يتألف منها الواقع المعيش L’histoire Vécue






رد مع اقتباس
قديم 2012-11-29, 21:24   رقم المشاركة : 125
معلومات العضو
**د لا ل**
عضو مميّز
 
الصورة الرمزية **د لا ل**
 

 

 
إحصائية العضو









**د لا ل** غير متواجد حالياً


افتراضي

الأدب الشعبي والأدب العامي ومجالهما
1- إشكالية المصطلح :
نحاول أن ندرس الأدب الشعبي والأدب العامي من المنظور اللغوي والدلالي ولكن قبل ذلك ينبغي أن نحدد المصطلحين (الشعبي) و(العامي).
إن السؤال عن الشعب قد وارد الدارسين في القرن 18 الذي ازدهر فيه الإحساس بالفردية والإتجاه العقلاني في التفكير.
أما الأسباب التي دفعت الدارسين إلى البحث عن مفهوم الشعبية فإنها تتمثل فيما يلي :
1/- العامل العلمي : عندما بدأ العلماء يهتمون بفلسفة التاريخ كان من الطبيعي أن يتساءلوا عن الروح الشعبية التي تفوق القوة الفردية في تأثيرها في التطور التاريخي .
2/- العامل الإجتماعي الوطني :كان نتاجا لإعجاب المؤلفين والكتاب الرومانسيين بكل ماهو شعبي وقومي وتدل عبارة (ج ماير) على هذا الإعجاب حينما قال "لقد خلع الكتاب الرومانسيون معطف الشحاذين عن الشعب الألماني وألبسوه معاطف الملوك وتيجانهم"
إن الفترة الرومانسية وهي التي شعر فيها الباحثون بعقدة الذنب تجاه الشعب الذي أهمل طويلا، في دراستنا وأحاديثنا اليومية العامة.
يرى هوفمان كراير في بحث نشره عام 1902 أن كلمة الشعب تحتوي على مفهومين أحدهما سياسي يستخدم مصطلح الأمة والآخر اجتماعي أو حضاري يستعمل مصطلح الشعب ويعتقد هوفمان أن الدراسات ينبغي أن تهتم بالشعب صاحب المفهوم الحضاري
يعاني مصطلح (الشعبي) في الأصل غموضا والتباسا دلاليا إذا أخذنا بالحسبان تعدد المعاني Polysémie الذي يتميز به. إن المؤلفين والدارسين الذين يستخدمون مصطلح الأدب الشعبي لا يعطون جميعا الدلالة نفسها لكلمة (شعبي) بمعنى أن هذه الكلمة ذات قدرة على تقديم عدد وافر من الدلالات وبذلك تتضح مشكلة هذا المصطلح في كونه شكل التعارض بين ما هو عليه الواقع بكل أبعاده الإجتماعية والسياسية والجغرافية والتاريخية والثقافية وبين ما تتطلبه خصوصيات هذا الصنف من الأدب.
في دراساتنا وأحاديثنا اليومية نستعمل مصطلح (الشعبي) فماذا نريد مثلا بقولنا : الأدب الشعبي، الثقافة الشعبية، المهرجان الشعبي، الثورة الشعبية، الأغنية الشعبية الخ... للإجابة هن هذه الأسئلة نقول في البداية أن القدامى من العرب والمسلمين كانت لهم فكرة وعند البعض منهم دراسات عن هذه المادة العريقة ولكنهم وظفوا مصطلحات أخرى للدلالة عليها، وقد ذكر ابن خلدون على سبيل المثال أن أهل أمصار المغرب يسمون القصائد بالأصمعيات نسبة إلى الأصمعى راوية العرب في اشعارهم وأهل المشرق من العرب يسمون هذا النوع بالشعر البدوي، أو الشعر الهلالي كما استخدم صفى الدين الحلي مصطلح الأدب العاطل.
إن الموروث الشعبي في نظر المؤرخين الأوائل شيء يتصل بالعامة التي غالبا ما أعطيت أوصافا سلبية كالغوغاء أو الدهماء أو أنها – على تعبير إخوان الصفا – تضم النساء والصبية واللاحقين بهم في العقل من الرجال، فلقد شكل التضاد الثنائي بين الخاصة، العامة أحد المحاور الأساسية للرؤية العربية الإسلامية التي سادت المجال الإجتماعي والتاريخي المعروف منذ القدم، فالتقدم من شأن الخاصة وهو موجود في الحضر أما العامة فهم جهلاء ويمثلون عقبة في طريق الحضارة.
إن هذا الفهم عن الخاصة والعامة موجود ايضا إلى حد كبير في كتابات الرحالة بل هو جزء من نظام الفكر الذي كان سائدا في عصورهم وخصوصا أن الدين الإسلامي يقر مسألة التراتيب الإجتماعية، إلا أننا نجد اختلافا في معايير التمايز بين الطبقتين، فبينما أوضح إخوان الصفا أن العقل (أو العقلانية) أساس للتنفرقة بين مراتب الناس رأى الجاحظ في التخصص في العمل والمعرفة معيارا للتراتب الإجتماعي في حين نظر ابن بطوطة إلى الخاصة والعامة من خلال ممارسات الحياة اليومية كالطعام والشراب والملبس والمراسيم والإحتفالات.
وإذا كان مصطلح الأدب الشعبي متكون من ألفاظ عربية فإن مفهومه مستمد من الفولكلور الذي اقترحه وليام جون تومز سنة 1846 في حين نجد مصطلح (العامي) أعرق من حيث الإستعمال حيث ميز العرب القدماء المادة الحية التي جمعوها بأنها "الذائعة بين العوام" كما كان الكتاب أمثال الجاحظ ومن عاصره يسمون هذه المادة أدب العامة، ويرجح الباحث التلي بن الشيخ أن تسمية الأدب العامي لا تخلو من تأثير سياسي ذلك أن هذا الوصف يوحي بأن وضع الطبقات الدنيا يختلف عن مكانة الخاصة، أن تسمية الأدب العامي لا تخلو كذلك من تأثير إجتماعي حيث إن بنية التركيب الإجتماعي قبل عصر النهضة الحديثة كانت قائمة على أساس طبقي يفاضل بين أنماط التعبير حسب الوضع الإجتماعي، وقد كان الأديب متأثرا بهذا الواقع ينظر إلى أدب العامة نظرة احتقار وازدراء. وقد كان أحد الأدباء إذا استهجن شيئا قال "هذا من سقط العامة" أو "عقيدة العامة كذا" و"ذلك من سفاف العامة" أو "من أباطيل العوام وأوهامهم" و"هذا ما لم تستطع أن ترتفع إليه العامة".
إن كلمة Popular في اللغة الإنجليزية تدل على الشيوع أكثر من دلالتها على كون الشيء شعبيا. فالشعبي يفترض الشيوع علاوة على العمق الزمني البعيد ولكن الشيوع لا يدل حتما على شعبية المادة فأغاني مطرب مشهور اليوم قد تكون شائعة ولكنها ليست بالضرورة أغاني شعبية. فالشعبي أمر يرجع إلى الشعب أو خاص بالشعب. ويعرف سانتيف Saintyves صفة شعبي تمييزا لها عن كلمة رسمي officiel بأنها ما يمارس أو ينتقل transmission بين الشعب مع استبعاد كل ما تقوم السلطة القائمة بفرضه أو تعليمه.
ويرى أريكسون ARIXON خصائص أخرى لهذا المصطلح. فالعنصر الشعبي في نظره يجب أولا أن يكون جزءا من الشعب وألا يكون شيئا يتمسكون به لفترة قصيرة من الزمن ثم يجب ثانيا أن يكون شامل الظهور داخل الجماعة البشرية ومتكيفا مع ثقافتها.
ونعتبر أن مصطلحنا العربي (الشعبي) ليس في الواقع ترجمة لكلمة popular الإنجليزية ولكنه ترجمة لمصطلح سانتيف الأصلي وأقرب في راينا للدلالة عليه ولا سيما إذا أخذناه بمضامينه الإجتماعية والسياسية السائدة.
لقد جاء الخلط في هذه الدلالة من سوء استعمالنا لكلمة (شعبي) فهي في قاموس حياتنا اليومية تدل على كل ما هو أدنى الدرجات فالقماش الرخيص يطلق عليه إسم القماش الشعبي والفول أساسي في الوجبات الشعبية والأحياء العتيقة والفقيرة في المدينة تسمى الأحياء الشعبية . ومن هنا يرى الباحث عبد المالك مرتاض أن إطلاق مصطلح (الشعبي) على كل نتاج أدبي مروي أو مكتوب بلغة عامية أو مكتوب بلغة فصحى منطقيا غير مستقيم، ويبرر موقفه هذا بأن هذا الإطلاق الشائع ساذج ولا ينبغي له أن يرقى إلى مستوى المصطلح النقدي الدقيق المفهوم الصارم حيث أن الشعبي لدى عامة الناس يطلق تهجينيا على كل ما هو مفتقر إلى الرقي والسمو فكأن مثل هذه الإطلاقات تعني كل موروث سواء أكان راقيا أم رديئا. ويلاحظ أن مصطلح الشعبي ورثه العرب عن علم الأنتروبولوجيا الذي تأسس بالغرب. ولذلك قرر رفض هذا المصطلح الساذج لأمرين : لأنه يهجن كل ما ينتمي إلى الشعب ثم إن الشعبي يطلق على كل نتاج خيالي يعول على الشفوية أساسا، مع أن هذه الشفوية لم تكن تعني في بداية أمرها (الشعبي) كما نلاحظ ذلك في سيرة الشعر العربي قبل الإسلام والآثار الأدبية الإغريقية قبل انتشار الكتابة فكأن الشفوية تعني الأسطوري والكتابة تعني العلمية، ويعتقد هذا الباحث كذلك أن الدارسين يتعاملون مع مصطلح الشعبي بكثير من التجاوز حيث أصبح يطلق على كل أدب مروي أو مكتوب بلغة فصيحة مثل ألف ليلة وليلة والسير العربية أو عامية وهي لغة معظم الآداب الشفوية على اختلاف أجناسها ولكن هذا الأدب في حاليه الإثنتين يصطبغ بصبغة خيالية تميزه عن الأدب المدرسي. ويوجز الباحث تقديم هذه الإشكالية في نقاط : ليس كل ما يكتب بالفصحى يكون بالضرورة أدبا رسميا إذ كثير من الأثار الخالدة كتبت أو رويت بالفصحى البسيطة وهي مع ذلك تصنف في الآداب الشعبية وليس كل ما يكتب بالعامية أيضا يعد بالضرورة أدبا شعبيا.
إن شعبية هذا الأدب تكمن في خصائص أخرى كالإعتقاد بالغيب والتعامل مع المجهول واصطناع حيز غير جغرافي والتعايش مع الكائنات الخارقة. ورغم أن ملاحظات الباحث صحيحة إلى حد ما فإنه مع ذلك لم يقدم إقتراحا فيما يخص تسمية هذا الصنف من الأدب وعندما نحاول أن نعالج إشكالية المصطلح من الناحية الإجتماعية نواجه تساؤلات عديدة قد يتمثل الشعب في الفلاحين وسواد الشعب كما هو الحال بالنسبة لتجار الأثريات Antiquaires وجامعي الحكايات وبعبارة أخرىنقصد بذلك الطبقات الدنيا في مقابل الطبقات العليا، وقد نفكر في الطبقات ذات الثقافة المحدودة أو التعليم البسيط في مقابل النخبة والكتاب والعلماء، ويمكن أن نشير بالشعب إلى الطبقة الغليظة والخشنة في مقابل الطبقة الأنيقة الرشيقة اللبقة.
وقد نقصد بذلك أيضا التعمير Peuplement بالمعنى الذي يمكن أن نقول أن التعمير الألماني هو جرماني والتعمير الروسي سلافي والتعمير الجزائري أمازيغي وعربي. وهل نفكر في الأمة أو الإثنية أو نظام الروابط التي توحد أعضاء السكان أنفسهم لأنهم يتقاسمون اللغة ذاتها والتاريخ نفسه والدين نفسه والقواعد نفسها والإقليم نفسه ؟ وهل نريد بذلك بالعكس الشعب في نطاق علاقته مع السيادة الوطنية، هذا الشعب الذي يرى مونتسكيو وروسو أنهما خاضعان بل تابعان للأمير أو الملك في النظام الملكي أو السلطاني ولكنهما يمثلان الحائز الشرعي المترتب عن السيادة في النظام الجمهوري.
إن كل هذه الأبعاد حاضرة في عبارة الأدب الشعبي كما يتصورها الغربيون، إن مصطلح الشعبي يأخذ دلالات متنوعة وحسب التاريخ الثقافي للبلدان التي استعمل فيها، إن الرجوع إلى الشعب في البلدان الجرمانية مثلا منذ "خطابات للأمة الألمانية" للفيلسوف فخت FICHTE (1807) يرمي بالدرجة الأولى إلى الألمان عامة من حيث هم أمة مبعثرة مشتتة بين دول متعددة، والإشارة إلى كلمة الشعب اليوم ولا سيما بعد توحيد ألمانيا تدل على الجنسية الألمانية والأثنية، وعندما يقول بوسلايف BOUSLAÏEV أن الأدب الشعبي هو (لفظ الشعب بأسره) فإنه لا يرجع إلى الشعب الروسي بقدر ما يشير إلى الشعوب السلافية حتى ولو أن جل أعمالهم الأدبية مثل بروب PROPP (مورفولوجية القصة) موجهة إلى القومية الروسية، كما أن مصطلح الأدب الشعبي يختلف معناه في الثقافة الأمريكية حيث أن الوضعية التاريخية لأمريكا تختلف جذريا عن أوربا، إن مصطلح (الشعبي) أو (التقاليد الشعبية) في الدراسات الأمريكية يقول بن أموس BEN AMOS أداة التفكير وليس موضوعا للبحث لأن موضوع البحث هو الأدب أو التراث أو الفولكلور، ويسندون هذا الموضوع إلى مكونات سكانية محددة وهي الإنجليز والسود وقبائل الهنود الحمر وأهل كندا الناطقين باللغة الفرنسية وأهل المكسيك.
إن الإهتمام بهذه المكونات السكانية ليس بسبب العرق بقدر ما هو محصور في أن المعارف والممارسات والرموز مهددة بالزوال والإتلاف ولا يمكن تعويض هذه العناصر الشعبية والحفاظ على المتشابه والحي منها سواء من خلال الثقافات البدائية أو الثقافات ذات المستوى المتحضر البسيط وهو ما يعني البحث عنها في الطبقات الدنيا من المجتمع الأمريكي. وهكذا نجد أن كل البلدان الغربية تعطي لنفسها الأسلاف والأجداد الذين تختارهم شعوبها. وتمثل هذا الأسلاف رموز الهوية الوطنية وذلك بتجنيد القوى الإجتماعية حولها. إن سربيا كثيرا ما تجعل أبطال معركة كوسوفو مرجعا لها (1389) حيث أدى النزاع مع مسلمين البوسنة إلى إحياء النعرة العرقية من جديد. إن كل الدول الغربية تحاول أن تواجه منذ العهد القديم تحديين : إدراك التأخر بالنسبة للتطور وتأكيد فرديتها بتجنيد قوى المجتمع بأسره حول رموز الهوية الوطنية.
وقد يكون من المفيد في هذا المقام أن نشير إلى كلمة شعب كما وردت في لسان العرب. إن الشعب هو ما تشعب من قبائل العرب، والشعب : القبائل إذن يمكن أن نستخلص منها أنها تعني أكبر الوحدات البشرية تكوينا وأنها ترمز إلى الكل أو المجموع، وعلى هذا الأساس يمكن النظر إلى الشعب باعتباره مجموع الناس بطبقاتهم المختلفة سواء أكانت إثنية أو مهنية أو دينية، إن كلمة الشعب لا تستخدم في الدراسات الأثنوغرافية لتعني الطبقة المدنية مقابل الطبقة الحاكمة كما هو شائع في السياسة والإعلام. وكأن الشعبي عندنا هو الإنسان الذي يرتدي جلبابا أو برنوسا أو عمامة أو عباءة وأن يتردد على مقاهي القرية فقط.
وإذا كان بعض الباحثين يتحفظون في إدماج الطبقة الحاكمة في مجموع الناس فإن ذلك ينطبق فقط على الفترة المعروفة في التاريخ العربي بعصر الإنحطاط حيث شكل الحكام لفترات زمنية طويلة ومتعاقبة طبقة غريبة عن الناس سواء في انتمائها العرقي أو الثقافي. ويرى الباحث موسى الصباغ أن أول معاني الشعبية هو الإنتشار الذي يعود مصدره إلى التشعب الوارد في لسان العرب. وبما أن الشعوب تمتد في تاريخها إلى جذور عميقة موغلة في القدم والعراقة فإن المعنى الثاني للشعبية هو الخلود. ومن ثم فإن كلمة شعبي عندما نطلقها على الشيء لابدّ أن يتسم بالإنتشار والخلود في المكان والزمان، وعليه فإن ماهية كل جنس أدبي أو فني خاضعة بالضرورة لهذين الملمحين (الإنتشار والخلود) أو بمعنى آخر (التراثية والتداول) وذلك سواء في اللغة أو الدلالة.


وهنا يتحتم علينا أن نقف عند آراء الباحثين الذين عرضوا لمفهوم الشعب بالنسبة للدراسة الشعبية. يقوم الباحث بوحبيب بتحليل دلالي لتسمية (أدبي – شعبي) ويرى أنه إذا كانت صفة الشعبي تشير إلى كيان اجتماعي وسياسي وثقافي (الشعب) فإن هذا الوصف يمكن أن يقصد به ثلاثة احتمالات :
- أدب أنتج من أجل الشعب بصفته قارئا أو متلقيا للأدب.
- أدب يتحدث عن الشعب موضوع للأدب
- أدب أنتجه الشعب ذات جماعية مبدعة.
1/- إن الأدب الذي ينتج من أجل الشعب قد ينطبق على أدب المؤسسات وأدب التجمعات معا.
2/- الأدب الذي يتحدث عن الشعب يشمل كل الآثار أو الأشكال التي تعالج السلوك الجماعي وهذا مالا يقبل التصنيف في خانة واحدة.
3/- ويطرح الإحتمال الثالث أشكالا منهجيا : الشعب شخصية معنوية مجردة من الملامح بينما الأدب عملية ابداعية فردية أصلا فكيف يكون الأدب من انتاج جماعة غير محددة في الزمان والمكان نجد منهم من وسع رقعة الجماعة الشعبية بحيث شملت الشعب كله في مستوياته الثقافية والإجتماعية المختلفة.
ميز بعض الباحثين ومنهم نبيلة ابراهيم بين معنى الشعبية في التعبير الفني ومعنى اصطلاح الشعب عندما نتحدث عن الشعب الجزائري مثلا فإنما نعني كل فرد مهما كانت درجة مستواه العلمي أو الإجتماعي ولكن عندما ننطق بعبارة الأدب الشعبي أو التراث الشعبي أو الموروث الشعبي فإننا نكون على وعي تام بأننا نعني نتاج جماعة بعينها وليس الشعب بأسره.
فماهي هذه الجماعة ؟ ولماذا أصبحت موضوعا للدراسة دون غيرها ؟......
إن كل فرد من الشعب الواحد يحتوي في سلوكه على قدر من الشعبية ولهذا ينبغي أن يكون الحس الشعبي مقياسا بدلا من الجماعة الشعبية.
ومن الباحثين من حصر الجماعة الشعبية في الإهتمامات النفسية المشتركة وإن تكن متفرقة ولا تجمعها مساحة محددة من الأرض، ويذهب أصحاب هذا الرأي الثاني أن التعبير الأدبي لا ينبثق عن جماعات مشتة ومتباينة وإن جمعها الإقليم واللغة والدين والتاريخ. إن أفراد هذه الجماعة يتقاربون فكريا واجتماعيا فضلا عن العناصر الحضارية العامة، وإن لم تجمع بينهم مساحة جغرافية محددة، ومنهم من قصرها على الجماعة المرتبطة برقعة محددة من الأرض الأم وجمع بين أفرادها عادات وتقاليد ومعتقدات، وتشمل الفلاحين والعمال والصيادين والبدو.
إن النمط الأول من الجماعة يستخدم أفرادها أشكال التعبير الشعبي بدرجات متفاوتة سواء في النوع أو في الدرجة، أما الجماعة الثانية وإن جمع بينها السلوك الفكري فإنها لا تعد حاملة لكل أشكال التعبير الشعبي. وتحتفظ الجماعة الثالثة بحصيلة هائلة من أشكال التعبير بحيث نلجأ إليها لجمع المادة ولذلك ترى أنه من الضروري تحديد خصائصها، تحدد الباحثة نبيلة ابراهيم هذه الخصائص فيما يلي :
1- ترتبط الجماعة الشعبية بالأرض القديمة التي احتوت تراث قرون وتعيش بإحساس بوحدة الحياة وتداخل الواقع مع الغيب.
2- الإحساس بالقدسية بالنسبة إلى مفهوم المكان وتشيد فيه رموزا للقدسية كالجامع أو الكنيسة أو الضريح، أما المكان الآخر غير الخاضع لمراقبتها فهو يقف معارضا للمكان الأول من حيث يصبح مأوى للمخلوقات الوهمية والغيبية، كما تعيش في الزمن المطلق ومن هنا الإحساس بالصلة الوثيقة بين الأحياء والأموات وتزور الأموات في قبورهم في المواسم والأعياد، ولذلك تحرص على إحياء احتفالاتها بصفة دورية، وتزحزح الشخوص التاريخية من الواقع إلى الخيال أو المثال حيث تقترب من البطولة الأسطورية.
3- ترتبط هذه الجماعة بالطبيعة سواء بالنبات أو الحيوان أو الطير وبجميع مظاهر الطبيعة.
ومن جهة أخرى يرى بعض النقاد أن التعبير الشفاهي (Littérature Orale) المستخدم في فرنسا يتضمن تناقضا في الكلمات لأن الأدب (Littérature) مشتق من مصدر (Lettres) ويشير مفهومه بالتحديد إلى عمل مدوّن وليس إلى عمل شفاهي. فهو يؤكد على أولية الكتابي عاى الشفاهي. ولذلك يفضل النقاد استعمال مصطلح التراث الشفاهي Traditions Orales الأكثر غموضا ولكنه خالي من التناقض. ثم لا ينبغي الخلط بين الأدب المعبر شعبيا Littérature d’expression populaire بمعنىالذي يعبر عن أفكار الشعب وعواطفه وأخلاقه وبين الأدب المنتشر شعبيا Littérature de Diffusion Populaire الموصوف غالبا بالأدب الهامشي، أدب الجوالة سابقا والروايات المسلسلة والروايات البوليسية أو الروايات السوداء، والروايات المصورة، وهو ما أطلق عليه الباحث ريشارد هو قار تسمية (ثقافة الفقير Culture du pauvre) إن الأدب المعبر شعبيا يكتسب صفته الشعبية بالتعبير في حين أن الرواية الشعبية على سبيل المثال Roman Populaire يتوقف انتشارها بين الشعب على الغاية والمقصد والمصير La destination.
كما يستخدم النقاد في فرنسا مصطلح para littérature شبه الأدب، وهو الإنتاج المطبوع الذي يدرج خارج الأدب، وقد أطلق العلماء هذه التسمية على هذا الصنف من الإنتاج خلال الملتقى (حوار حول شبه الأدب) في سيريزي سنة 1967.
إن هذا المصطلح يترجم العلاقة الغامضة التي تربط هذا الإنتاج بالمؤسسات الأدبية. ويزعم بعض الباحثين أن شبه الأدب موجه للشرائح الإجتماعية التي تعيش على هامش التبادلات الثقافية المهيمنة، ويحيل هذا المصطلح إلى التمييز بين المتعلمين أو المثقفين من جهة والمحرومين من التفكير العلمي وروح النقد والقدرة على إصدار حكم على عمل أدبي أو فني من جهة أخرى، ولكن شبه الأدب ليس أسلوب تعبير جماعة محددة ولا يعبر عن قيم طبقة أو زمرة من القراء خاصة، إن شبه الأدب إنتاج يرمي
إلى إقامة رباط مباشر مع الجمهور. وقد وضع الإنجليز القدامى نظاما تدريجيا يتكون من مستويات عديدة :
- الأدب النخبوي Littérature Higt Brow
- الأدب المسلي littérature Middle Brow
- الأدب الشعبي الخالص Littérature Low Brow
نلاحظ أن هذا التمييز بين عدد من أساليب الإنتاج يجرى الإنفصال فيه بواسطة طبيعة الأعمال الأدبية بدلا من التركيب الإجتماعي للجمهور، إن شبه الأدب مجسد في الصحافة والإذاعة والتلفزة والمجلات حيث تنتقل قصص شبه الأدب وإشكاله وشخصياته من المطبوع إلى الصورة ومن الصورة إلى المطبوع.
هل الشعب اليوم هو الفلاحون الذين درسهم جريم في بدايات القرن 19 وهل يدخل معهم (مع الفلاحين) الأميون الذين درسهم علماء الأنتروبولوجية وكانوا قبل معرفتهم الكتابة يتناقلون معارفهم عن طريق الكلمة المنطوقة ؟ أو أنهم هؤلاء الناس الذين يتجردون من الفولكلور (التراث) لأنهم يفتقدون التقاليد الفنية أو الأدبية كما ذكر ذلك (اكسندر كراب) أو لأنهم يفتقدون الطبقة المثقفة كما ذكر (ريتشارد دورسون) هل يتضمن مفهوم الشعب الناس في المجتمعات الصناعية والمدنية أو أن هؤلاء الناس يفتقدون المادة الشعبية (الفولكلور) (التراث) من هو الشعب إذن ؟
إن هذه القضية في غاية الأهمية في الدراسات الشعبية يرى 'الآن دندس) أن بعض علماء الفولكلور لا يزالون يربطون – خطأ- بين الشعب ومجتمع الفلاحين أو المجموعات الريفية. إذا قبلنا أو سلمنا بهذا المفهوم الضيق للشعب كان علينا عند التعريف أن ننتهي إلى أن الناس الذين يسكنون المدينة أو المركز الحضري لم يكونوا يوما من الشعب أو أنهم أصبحوا يشكلون مجتمعا خارج نطاق الشعب أوأنهم ليس لهم فولكلور.
يرى (تومز) عندما صاغ لأول مرة مصطلح الفولكلور أن الشعب يصبح هو ذلك (الجزء من السكان الذي احتفظ بالعادات وآداب اللياقة القديمة) أي الفلاحين وأهل الريف وهذا المفهوم للشعب هو الذي دفع (اندرولانج) إلى تعريف الفولكلور بأنه (دراسة الرواسب أو الموروثات الثقافية) ويذهب (ردفيلد) إلى أن الشعب (جماعة محافظة ملتزمة بالقديم) وأن مصطلح الشعب يشمل الفلاحين والأجلاف الذين لا يعتمدون على المدينة اعتمادا كاملا. أما (أودم) فيري أن الشعب يعني (جماعة تاريخية يرتبط أفرادها بتراث مشترك وشعور خاص بالتعاطف قائم على خلفية مشتركة)

ويعرف (بتش) الشعب معتمدا على التمييز بين هؤلاء الذين يغلب عليهم الجانب العاطفي في تفكيرهم وممارستهم للحياة وبين هؤلاء الذين تسيطر عليهم العقلانية والمنطقية فيقول (إننا نفهم من كلمة FOLK ذلك الحشد الكبير من أولئك الذين تتميز حياتهم الداخلية بصفة عامة بمشاعر حادة وخيال حي، في حين نجد في دنيا المتعلمين أن التفكير المنطقي هو المسيطر فعلا أو ينبغي أن يكون كذلك.)
والشعب عند (فايس) نوع من السلوك الذي يساهم كل فرد فيه بنصيب وهو عبارة عن موقف عقلي وروحي يحدده التراث والمجتمع.
ويدل الشعب في المفهوم الأثنولوجي على (العامة من الناس الذين يشتركون في رصيد أساسي من التراث القديم)
- حاول الكاتبان (لاكور) و(سافارد) أن يحددا مفهوم الشعب فذهبا إلى أن الشعب لا يعرفه الباحث بموطن السكن أو بالعادات أو بالفقر والغنى أو الطبقة الإجتماعية أو باستعمال السياسيين، لا ينبغي أن نميز بين الريفي والحضري أو بين العامل والبرجوازي، بل يجب البحث عن الشعب التلقائي والمادة هي كل ما تنتجه العبقرية الشعبية من أفكار وعادات ومشاعر وخلق وابتكار... إنها كل ما يعبر عن أصالة الشعب عن طريق المثل أو المحاكاة وكل ما تفجره طبيعة الشعوب عن تجارب في كل لحظة.
إن الكاتبين يقولان "إننا لانستطيع أن نجد الشعب في أي مكان بل إن الشعب يتحدد وجوده تبعا لعوامل جغرافية أو اجتماعية محددة. فالشعب يجب أن يكون مختلفا عن الخاصة كما أن الفوكلور مختلف عن مأثورات الطبقات العليا وتراثها. ومهمة دارس الفةلكلور هي أن يتعرف على العبقرية الشعبية من خلال المأثورات الجماعية المجهولة المؤلف التي تعبر عن الحاجات الروحية والمادية للإنسان الشعبي.
ولعلنا نلاحظ من استقراء هاتين العبارتين أنهما يريان أن الإهتمام الرئيسي لدارس الفولكلور يجب أن يكون (الشعب) الذي يعتبر جزءا من السكان بالإضافة إلى الموروثات الشفاهية المجهولة المؤلف الجماعية.
لقد استخدم المؤلفان تعبيرات مثل (شعب تلقائي) (العبقرية الشعبية) (الطبيعة الشعبية) (الماثور الجماعي) (المجهول المؤلف) وهي كلها تعبيرات ذات طابع رومانسي لعلهما متأثران بمثاليات هردر وشلينج والأخوين جريم إذ تظهر عند هؤلاء الرومانسيين صورة هؤلاء الناس التلقائيين الذين يبدعون الشعر والأغاني والحكايات. كما أنهم تحدثوا أيضا عن التدفق الشعري الأصيل في الطبيعة الإنسانية، المجهول الأصل الذي يعود إلى بداية التاريخ واستمر حيا من خلال الشعب حتى اليوم، إن علماء الفولكلور الفرنسيين مازالوا متأثرين بهذه الأفكار وينظرون إلى الفولكلور على أنه عمل فني محض لم تزيفه المدنية والكتب وأنه مؤلف من قبل الجماعة. وهكذا فإن المؤلفين (لاكورسيير وسافارد) تأثرا بالنظرية الرومانسية.
لقد ناقش هانري دافنسون) مؤلف "كتاب الأغاني Le livre de chansons 1965 P 39-40"
المشكلة من ناحية احتمال وجود مثل هذا الشعب من وجهة نظر الأمة الفرنسية، فهو يرى أن هذا المفهوم إذا كان صحيحيا .، فإنه يجب أن يكون هناك جزء من الأمة قد انفصل تماما عن (الخاصة) وأن هذا الجزء يفترض أنه مكون من أفراد أميين لا يعرفون القراءة والكتابة وفي استطاعتهم تطوير ثقافة جمالية خاصة بهم، وأن الباحثين إذا ذهبوا لدراسة هؤلاء الناس فإنهم سيجدون مواد كثيرة تناسب غرضهم ولكنهم سيجدون أيضا أن بعضا من انتاجهم يجب أن يستبعد لأن مؤلفيه معروفون في حين أن ذلك ليس صحيحا، فالمجتمعات الحديثة لم تعد تعرف تلك الطبقة أو الجماعة المعزولة عن بقية الشعب بحيث لا تؤثر فيه ولا تتأثر به، فالمدرسة والراديو والجرائد تنقل إلى كل إنسان تقريبا في أي مجتمع المعلومات والمعارف المختلفة.
إن المؤلفين (لاكور سييروسافارد) يوحيان بأنهما لم يكونا مهتمين بهذا المفهوم عن الشعب، فهو ليس الأفراد ولا الجماعات أو المجتمعات ولكنه آثار جمالية موجودة في بعض الأفراد، وتتبعا بعض الأغاني والحكايات القديمة التي اعتقدا أنهما تحتوي على قيمة أدبية كبيرة، هذه الحكايات والأغاني يمكن أن توجد كما يقولان في أي مكان وبين أي فئة من فئات المجتمع، وبدلا من جمعها حيثما وجدت ودراستها ذهبا إلى الميدان تحت تأثير بعض أفكار الرومانسيين الألمان ونسبا كل المضامين للأفراد الذين أمدوهم ببعض آثار الأدب الشعبي وهكذا قسما المجتمع إلى قسمين :
· الأول : الشعب وهو على السبيل المثال الأفراد الذين يعرفون بعض الأغاني والحكايات والأمثال وما إلى ذلك التي يتذكرونها من الماضي البعيد.
· الثاني : الخاصة وهم أصحاب الثقافة الرفيعة المتعلمة من الكتب.
الحقيقة أن المعرفة أو الجهل ببعض الأغاني والحكايات لا تصلح اساسا معقولا أو مقوما صالحا لتمييز مجموعة من الأفراد على أنهم شعب أو لبناء دراسة علمية. فالإختلافات بين الأفراد والجماعات من وجهة نظر علماء الإجتماع والأنثربولوجيا تأتي من أنهم نتاج بناء اجتماعي يتضمن أشياء كثيرة ويتأثر بدرجة التغير الثقافي الذي ينعكس على الأفراد والجماعات، إن الدراسة التي تنتخب بشكل عشوائي عناصر معينة من ثقافة مجموعة واحدة قد تصلح كأساس لدراسة أدبية أو غير ذلك ولكنها لا تستطيع أن تدعى القدرة على شرح أو وصف العبقرية الشعبية (Génie Populaire) لمجموعة أو مجتمع (أو الإصالة الشعبية) (l’authenticité Populaire) إن الفلاحين مثلا أكثر قدرة من غيرهم أن يحتفظوا لمدة أطول بالعادات والأغاني والحكايات وغيرها وأن يتذكروا أكثر من الذين يسكنون المدن حيث تنشأ أشياء جديدة كل يوم.
إن ما يحتفظ به الفلاحون ليس ملكا لهم وحدهم، فهم يشتركون فيه مع غيرهم من الناس ، فقد نجد أغنية كانت شائعة في مدينة الجزائر العاصمة في الأربعينات أو الخمسينات أو الستينات وما تزال تتردد في بعض القرى حتى اليوم فلا تشير إلى أنها من صنع الفلاحين الذين يغنونها حاليا ولذلك لا يمكن أن نستنتج منها عن العبقرية الشعبية للجماعة التي تنتمي إليها المغنية أو المغني، إن الأغنية التي ترددها قروية من المدينة في الراديو أو التلفزيون ليس دليلا على وجود اختلافات جوهرية بين الأفراد، إن الفرق يمكن أن يوجد بين الأغاني المختلفة نفسها وليس بين الناس الذين يغنون، وقد يقول أحدنا أن الأغنية التي كانت شائعة في الربعينات ليست فولكلورا وليست قديمة قدما كافيا من هم إذن المبدعون لهذه الأشكال المجهولة الأصل ؟ هل أبدعها الشعب ؟ هل أبدعها المتعلمون ؟
وإذا سلمنا مع المؤلفين الرومانسيين بأن هذا الفولكلور هو تراث الأفراد الذين لم تدنسهم الكتابة أو التعليم وأن أشكال التعبير التي كانت الطبقات الإجتماعية الدنيا طوال التاريخ تعبر بها عن نفسها قد ظلت بعيدة عن الخاصة مجهولة، هل الحال كان كذلك دائما ؟

أجاب (لورد راجلان Lord Raglan ) و (تشارلس لويس Charles Lewis) (والبرت دوزات Albert Dauzat) بالنفي وأكدوا أن هذه الأشكال يمكن ان يكون الخاصة قد اشتركوا في ابداعها وتداولتها في الفترة نفسها، لا ينبغي أن يكون فرد على قدر من الموهبة والعلم بهذا الشكل وأسلوب تكوينه لكي يبدع مما يجعله يختلف عن غيره في المجتمع.
إن مصطلح الشعب يمكن أن يشير كما يرى (الآن دندس) إلى مجموعة من الناس تشترك في عامل واحد مشترك على الأقل، وليس من المهم في هذه الحالة ما إذا كان هذا العامل الذي يربطها عامل مشترك أو مهنة مشتركة أو دين واحد ولكن المهم أن يكون أفراد المجموعة مرتبطين مع بعضهم البعض بقدر من التقاليد والموروثات التي يعتبرونها خاصة بهم وتتيح لهم أن تكون لهم حياة شعبية.

وتذهب إحدى النظريات إلى أن المجموعة يجب أن تتضمن على الأقل شخصين، ولكن الحقيقة أن معظم المجموعات تتكون من كثير من الأفراد. وقد لا يعرف عضو المجموعة كل الأعضاء الآخرين ولكن المرجع أنه يعرف الجوهر المشترك للتراث الخاص بالجماعة، والتقاليد التي تساعد هذه الجماعة على أن يكون عندها الإحساس بذاتية معينة خاصة بها ومن ثم فإذا كانت الجماعة تتألف من الصيادين أو الفلاحين أو أعمال البناء فإن الفولكلور سيكون من إنتاجهم.
ويمكن أن يشكل طلاب الجامعة في هذه الحالة جماعة لها فولكلورها الخاص بها الذي يعبر عن الحياة الجامعية وعاداتها وتقاليدها ونظرة الطلاب إليها.
وعلى الرغم من أن الرأي الذي ذهب إليه (آلان دندس) قريب من الصواب إلا أننا ينبغي أن نشير إلى أن الجماعات المختلفة سواء أطلقنا عليها إسم الشعب أو جماعة شعبية لا يعني أن هذه الجماعات تستقل بنفسها عن غيرها من الجماعات التي تكون المجتمع بل أنها تشترك مع بعضها البعض في عناصر كثيرة أثمرها التفاعل المستمر والتأثير والتأثر المتبادل بينها جميعا ويبدو منصهرا في ثقافة شعبية واحدة.
ويرى (جيرامب) في مقال له عنوانه (ماهو الفوكسكندة) أن روح الشعب التي كثر استعمالها تعني تجاربه الداخلية وهو يعني هنا التجارب الجماعية وليس الفردية، والشعب يستعين بالأسطورة والحكاية واللغز والمثل والأغنية والشعر والسيرة للتعبير عن هذه التجارب والخبرات التي تكشف عن هذه التجارب معتقداته وتقاليده وعاداته وأعرافه وقيمه.
عرف (جيرامب) الشعب بأنه تلك الجماعة العضوية التي تشترك معا في تكوين الحضارة، وهذه الجماعة ليست من وجهة نظر الأمة جميعها، ولكنها تلك الجماعة التي تنشأ في الأرض الأم وترتبط بها ارتباطا قويا، مما يجعلها تعيش في شكل وحدة عضوية متماسكة.
وفي عام 1946 صدر كتاب رائد للباحث (ريتشارد فايس) تحت عنوان "الدراسات الشعبية السويسرية" وعلى الرغم من أن هذا الكتاب يختص بدراسة التراث الشعبي السويسري فإنه أحدث صدى كبيرا لما يحتوي عليه من دراسات نظرية على جانب كبير من الأهمية، وقد عارض فيه اختصاص الدراسات الشعبية بطبقة بعينها دون الأخرى، وذلك أن كل فرد من وجهة نظره ينتمي من ناحية السلوك الروحي إلى ما هو شعبي وما هو فردي معا بمعنى أن (فايس) لا يبحث عن الشعب من ناحية تكوينه الإجتماعي بل من ناحية سلوكه الروحي، ومن ثم يمكن أن يكون كل فرد موضوعا للدراسات الشعبية بناء على درجة الشعبية في تكوينه الروحي والفكري ومقياس هذه الشعبية يتحدد بدرجة ارتباط الفرد بمجتمعه وتراثه.
إن مدرسة النقد الإجتماعي الماركسي يعطي للنعوت (حكاية شعبية/تراث شعبي/خيال شعبي) معنى طبقيا يقوم على المفهوم الإجتماعي لكلمة "شعب" وكأن وظيفة التراث الشعبي أو الثقافة الشعبية/ محصورة في التعبير عن الصراع الطبقي، بين الجماهير العاملة والفئة الحاكمة، إن كتاب باكتين Bakhtine يتوخى هذه الطريقة في تأويل ظاهرة الكرنفال في التراث الشعبي الغربي، وقد غاب على ذهن المؤلف أن الحفلة الكرنفالية (La fête carnavalesque) حفلة جماعية تشارك فيها كل الأصناف الإجتماعية دون تمييز.
تجاه هذه الأبعاد فإن المشكلة العويصة المطروحة بإلحاح شديد هي التي تمثل أساسا في تعريف الواقع، ماهو الواقع ؟ ماهي عناصره أو مكوناته ؟ هل على سبيل المثال يمكن أن نعتبر المعتقدات والخرافات والخوارق والقوى الغيبية جزءا من الواقع وعل أي مستوى ؟
وبعبارة أخرى هل يمكن استبعاد وحذف من تصورنا للواقع التأثيرات الحقيقية بسبب أنها تبدو لنا مشبوهة في ملاحظتنا النقدية، أن الناقد أو الأديب الكلاسيكي لن يقبل بسهولة مثل هذا التعريف للواقع. بل سيرفض الحكايات الخيالية وسيتردد من ادماج الطقوس السحرية والدينية بوصفها عنصرا مكونا للأدب ويفضل عند اللزوم أن يخصص لها فصلا خاصا يتضمن المظاهر الزخرفية والغريبة، ونستنتج مما سبق أنه هناك أبعادا مختلفة للواقع وطرقا عديدة للتحليل وتفاعل القوى الحاسمة لأفكارنا ونشاطاتنا بشكل مخالف، ولعل السبب العميق يتمثل في الإختلافات المتنوعة المتصلة بتصورات المجتمعات المتعددة، إذ نلمس فرقا شاسعا على سبيل المثال بين التصور الغربي العقلاني الفاقد لصفة القداسة وبين التصور الثقافي الإفريقي الذي يؤمن بالقوى الحيوية في الحياة اليومية.
إن الخروج عن المألوف ماهو إلا قراءة بطريقة خاصة للواقع، إن العجز عن تحقيق الرغبات والإنشغالات يؤدي بالمبدع إلى اللجوء إلى الخيال فالرموز والسحر والغرابة تعبير عن حرمان اجتماعي يهدف إلى إعادة النظام إلى أصله والتوازن في الإنسان.
يلاحظ رومان جاكوبسون أن في كل تركيب نحوي يوجد عنصر أساسي ينظم ويحول العناصر الأخرى ويضمن تكاملية البنية. فهو يطلق إسم الخاصة الغالبة Dominante على المبدأ الذي يحكم في كل رسالة لفظية. وفي شبه الأدب تثبت الخاصة الغالبة داخل كل جنس أو شكل وتحدد وتوضح خصوصيته، إن رواية شبه الأدب لا يتوقف سوى على سلطة الخاصة الغالبة التي تمتص مجموع الدلالة وتؤثر في كل شخصية وكل حدث أو فعل وتمنحهم جميعا مكانه ووظيفته، وعلى سبيل المثال نجد الخاصة الغالبة في الرواية البولسية تتمثل في اللغز والتحقيق وتنحصر بالنسبة للرواية الخيالية في المفهوم أو المتخيل. وتتمثل الخاصة الغالبة فيما يتعلق بالرواية الجاسوسية في الأسرار والأخبار والعدو الخارجي، إلا أن الخاصة الغالبة غير كافية لأعداد تصنيفة Typologie متعلقة بمجموعات شبه الأدب ولذلك يجب الأخذ بالإعتبار المعطيات الفضائية والزمانية.
ومن هنا نستطيع أن نحدد مجموعة من الصفات التي تميز الأدب العامي عن الأدب الشعبي.
وقد حصر الباحث محمود ذهني هذه الصفات فيما يلي :
1- يستخدم الأدب العامي اللهجة المحلية التي تحررت من الأعراب ولهذا أطلق عليه صفى الدين الحلي إسم الأدب العاطل ووصفه بأن إعرابه لحن وفصاحته لكن وقوة لفظه وهن لذلك فإن ورود ألفاظ فصيحة أو معربة في الأدب العامي يعتبر عيبا بنفس القدر الذي يعتبر ورود ألفاظ عامية في الأدب المدرسي نقصا فادحا، ومن هنا فإن لغة الأدب العامي لاترقى إلى التعبير عن الفكر إذ نجدها مختصرة يصعب كتابة أصواتها غالبا وتختلف في دلالة كثير من مفرداتها. إن كلمة (بز) تعني في الغرب الجزائري الطفل الصغير وفي الشرق تعني عند البعض الصغير الطائش وعند البعض الآخر صفة للشتم بمعنى لقيط. إن الأدب العامي يتوسل بالكلمة ولكنها غير كافية للتعبير عن الغاية لذلك يستعين بالحركة التمثيلية والإشارية (حركة اليد، العين، الرأس).
2- يقتصر الأدب العامي على البيئة المحلية ويعبر عن احتياجات الإنسان فيها.
3- يعبر الأدب العامي عن اهتمامات محصورة في نطاق أصحابها دون أن يستطيع التطرق إلى القضية الإنسانية العامة أو انشغالات الجماهير الواسعة.
4- يتناول الأدب العامي موضوعات الساعة ولهذا يكاد يكون أدبا موسميا لا يعيش إلا في حدود المشكلة التي يعالجها، فإذا ما انتهت المشكلة فقد هذا الأدب جانبا كبيرا من قيمته، فهو من حيث هذه الخاصية أقرب ما يكون شبيها بالرسوم الكاريكاتورية التي تكن قوية التأثير وقت ظهورها المرتبط بحدث معين فإذا مر الزمن على هذا الحدث فقدت قيمتها.
5- وبما أن الأدب العامي محصور في نطاق إقليم ضيق يكون دائما معروف القائل منسوبا إلى صاحبه في حدود المكان والزمان بعكس الأدب الشعبي الذي ينتسب إلى فرد هو أول من أوجده ولكن دوامه يدل على تداوله بين الشعب.
6- يعتمد الأدب العامي على صوتيات الكلام ولذلك يتجه إلى الموسيقى كعامل مساعد، ولذلك كانت معظم ألوانه منظومة. قدم صفى الدين الحلى دراسة كاملة عن الأدب العامي يقول "ومجموع فنونه عند سائر المحققين سبعة فنون لا اختلاف في عددها بين أهل البلاد وإنما الإختلاف بين المغاربة والمشارقة فنين منها، والسبعة المذكورة هي عند أهل المغرب ومصر والشام : الشعر القريض والموشح والدوبيت والزجل والمواليا والكان كان والحماق".
7- يتوقف الأدب العامي على فن الغناء فأصبح لا يصل إلى الناس إلا بواسطة الأغنية وصار الزجال يطلق عليه لقب الشاعر الغناي، إن الغناء الشعبي أسبق الفنون إلى الظهور ولاسيما الغناء الجماعي الذي استخدمه البدائيون في الحرب والسلم معا .وفي بث روح التماسك بين أفراد القبيلة في مواجهة الخطر الخارجي أو من الحيوانات أو من الطبيعة وكذلك في المراسم والطقوس الدينية، وقد أدى فن الغناء بالأدب العامي إلى فقدان ذاتيته. وتعد الأغنية النموذج المفضل لتوضيح حدود الأدب العامي والأدب الشعبي وبيان رواج نصوصهما الغنائية. يرى الباحث محمد عيلان أن مسميات الأغنية تتعدد في الأدبين العامي والشعبي، فقد تنسب إلى المكان مثل أغنية أوراسية، أغنية صحراوية، أو تنسب إلى القبائل والأعراش مثل أغنية قبائلية، ترقية، سوفية أو إلى أفراد لهم قدسيتهم في ذهن العامة أمواتا أو أحياء كالأولياء الصالحين وهو نوع من الغناء الروحاني الصوفي يعد من آثار تمجيد السلف والتعلق بسلوكه وطقوسه وقد تنسب الأغنية إلى الأحداث مثل أغنية ثورة التحرير(يا أمي لا تبكي علي)، وقد تنسب إلى الزمن دون تحديد كقولهم أغاني عصرية أغاني عام الشر، عام الروز، عام الماريكان وهي الأغاني التي تعبر عن أحداث وقعت أثناء الحربين العالميتين، وهي معروفة بالشرق الجزائري، وقد تنسب إلى علم معروف فيقال أغنية فولكلورية نسبة إلى الفولكلور الذي يطلق أحيانا على المادة موضوع الدراسة وأحيانا أخرى على العلم الذي يدرسها بأدواته ومناهجه، تندرج أغاني الحاج رابح درياسة أو عبد الحميد عبابسة وخليفي أحمد ضمن الأدب الشعبي لأنها تستمد مادتها من الشعر الملحون، بينما تعد أغاني (مول الشاش) و(أسا نزها) أو (صب الرشراش) وأغاني الشعبي العاصمي الذي طوره المرحوم الحاج محمد العنقاء وبعض الشيوخ الآخرين من الأدب العامي.
وهناك من الأغاني المعروفة في الأدب العامي باسم الراي، والرأي أصلا من بكائيات الأندلس فهو لحن لأغاني الندب لأن الأندلسيين الفارين من بلادهم التي استرجعها الإسبان والذين نزل بعض منهم بمنطقة الغرب الجزائري كانوا يبكون مدنهم بقولهم (ياراي ياراي لو أنك كذا) وفي مجال الأغنية العامية يمكن أن نشيد بالمرحوم دحمان الحراشي الذي استطاع أن يطور الأدب العامي وينقله إلى مستوى الأدب الشعبي ويتجاوز الحدود ومثال ذلك (يا رايح وين مسافر).
وينفرد الأدب العامي بأن يكون أكثر أداء للأغنية المقاومة، أما الأدب الشعبي بالنسبة للباحث محمد الفاسي في البلاد العربية فإنه نقصد به قبل كل شيء ما قيل من نثر أو شعر باللغة القريبة من الفصحى سواء عرف قائله أو كان مجهولا ومن أشكاله السير الشعبية والملاحم والقصص والخرافات والأساطير والألغاز والأمثال والنوادر ونداءات الباعة والنكت والأغاني والأذكار والشعر الصوفي والحكم.
أما عند الغرب فإن الأدب الشعبي يطلق على الخصوص على ما يروج بين الناس من أجناس دون أن يعرف القائل أو ما ألف بخصوص طبقات الشعب التي ليست لها ثقافة تؤهلها لتذوق الإنتاجات الأدبية لكبار الكتاب والشعراء وتفهمها. ويطلق من جهة ثالثة كذلك على المؤلفات التي تتعرض لوصف الأحوال الإجتماعية لطبقات الشعب العامة، وبما أن اللغة العامية عند أهل الغرب ليست بعيدة عن لغة الكتابة فإن الإنتاجات الأدبية الشعبية ضعيفة .
وتوجد ظاهرة مشتركة بين الأدب العامي والأدب الشعبي وهي أن هناك من الأدب العامي ما يتحول إلى أدب شعبي وكذلك يتحول الأدب الشعبي إلى أدب عامي ويخضع كل منهما في الإنتقال من مرحلة إلى أخرى لعملية التغيير تجعله قادرا على التعبير عن الرغبات الفنية للجمهور.






رد مع اقتباس
قديم 2012-11-29, 21:28   رقم المشاركة : 126
معلومات العضو
**د لا ل**
عضو مميّز
 
الصورة الرمزية **د لا ل**
 

 

 
إحصائية العضو









**د لا ل** غير متواجد حالياً


افتراضي

مناهـــــج دراســـــة الفولكلور

يتمثل هدف علم الفولكلور في دراسة الجوانب المادية والروحية عند الشعوب، ويعود السبيل إلى ذلك إلى الظروف التاريخية والإجتماعية التي مرّ بها هذا العلم وتنوع موضوعاته والخلفيات الثقافية لرواده. ومن هنا تعددت النظريات واختلفت الإتجاهات والمذاهب ثم تركزت هذه الأبحاث مع مرور الزمن واعتمدت على مناهج واضحة.
ويعتمد علم الفولكلورعلى مجموعة من المناهج الأساسية هي : المنهج التاريخي والجغرافي والإجتماعي والنفسي والوظيفي والبنائي وقد ساعدت كل منها على تفسير العلاقات القائمة بين الشعب والثقافة الشعبية.

1- المنهج التاريخي :

يعتبر المنهج التاريخي أقدم مناهج الفولكلور لأنه ارتبط منذ بدايته بالدراسات الأدبية واللغوية. ويقوم هذا المنهج على الكشف عن أصول النصوص الشعبية وتحديد علاقاتها بالظروف التاريخية التي مرت عليها من خلال تبادل الثقافات المختلفة، ويساعد هذا المنهج على معرفة مظاهر الإتفاق والإختلاف بين النصوص الشعبية في المراحل الزمنية المتعاقبة من أجل الوصول إلى فهم التطور الذي قطعته عناصر الفولكلور، والتعرف على العوامل المحلية والأجنبية التي أدت دورا هاما في تشكيل المادة الشعبية في مرحلة محددة، ومن هنا يفيد هذا المنهج في إجلاء الغموض الذي تتعرض إليه عناصر الفولكلور، ولكن الغلو في استعمال هذا المنهج قد يجر الباحث إلى الخوض في مشكلات فرعية، ولذلك اعتبر علماء الفولكلور الجمع بين النظرة التاريخية والنظرة الجغرافية ضرورة ملحة.


2- المنهج الجغرافي :

تعتبر النظرة الجغرافية قديمة وماثلة في مختلف مراحل تطور العلم واستطاعت اليوم أن تبلغ قدرا وافرا من الدقة. إذا كان المنهج التاريخي يسعى إلى تحديد البعد الزماني للظاهرة الشعبية فإن المنهج الجغرافي يهتم أساسا ببعدها المكاني.
يتوقف تنظيم البيئة على الموقع الجغرافي الذي يثير بدوره عند الجماعة كثيرا من الإحتياجات البشرية ويعمل على اشباعها. وتنحدر أو تتشكل عناصر الفولكلور طبقا لهذه الإحتياجات، ويظهر هذا المنهج الجغرافي إذن في ارتباط عناصر الفولكلور بالظروف الجيولوجية والمناخية والإقتصادية...إلخ وتختلف علاقة عناصر الفولكلور بالبيئة الطبيعية من حيث الضعف والقوة. إن الصلة القائمة بين بعض عناصر التراث الشعبي والظروف الجغرافية محدودة كالأغاني والأمثال والألغاز والحكايات الخرافية والأعمال الدرامية الشعبية، بينما تظهر أهمية المنهج الجغرافي في الجانب المادي من الفولكلور إذ يتعذر دراسة أدوات النشاط الزراعي والحرفي إلا في نطاق البيئة المحلية.
يجب ألا تبالغ في تقرير أثر الموقع الجغرافي على تشكيل عناصر الفولكلور وصياغته لأن أكثر النماذج الشعبية ليست نتاجا طبيعيا وحسب ولكنها وليدة إبداع العقل البشري للإنسان الذي يعيش في المكان.

3- المنهج الإجتماعي :

يسعى المنهج الإجتماعي إلى دراسة ظروف المجتمع وطبيعة العلاقات والنظم الإجتماعية، ويهتم أصحابه بالجماعة التي تحمل الفولكلور باعتباره انعكاسا مباشرا لأساليب حياتها وتفكيرها.
إن تعرض الجماعات الشعبية إلى التفكك وإعادة ترتيبها بعد أن كانت متميزة بالتماسك والعزلة ظاهرة شائعة في المجتمعات النامية، ومن هنا جاء الإهتمام أكثر بالدراسة الإجتماعية للفلكلور.
يحاول المنهج الإجتماعي أن يحدد رصيد الطبقات الإجتماعية من الفولكلور بجميع مياديه : الأدب الشعبي، العادات والتقاليد، المعتقدات، الفنون والمنتجات المادية الشعبية، كما يتناول المنهج الإجتماعي التفاوت القائم بين الجماعات الشعبية في الريف والمدينة من الفولكلور سواء أكان من حيث الكم أم النوع. ولا يتمثل هذا الإختلاف في رصيد الفئات من عناصر التراث الشعبي فقط ولكن في ثراء العناصر الشعبية أو فقرها ودرجة السلوك الشعبي عند هذه الفئات ويبين المنهج الإجتماعي الدور الذي تقوم به هذه الجماعات المتنوعة في حمل هذا التراث الشعبي وتناقله عبر الأجيال والعمل على الإبداع فيه وتعديله بالحذف والإضافة. كما يهتم بإبراز تميز الفئات أو الطوائف بأنواع من عناصر الفولكلور وذلك من حيث العمر والجنس (الذكور أو الإناث) ويركز المنهج الإجتماعي كذلك على دراسة حركة التراث الشعبي داخل البيئة الإجتماعية وتعيين خطوطها العمودية أو الأفقية (من الكبار إلى الأطفال – من أسفل إلى أعلى – من أعلى إلى أسفل ... إلخ) ورصد التغيرات التي تطرأ على المادة الشعبية. ومن هنا يمكن القول أن مركز الفرد في المجتمع وسلوكه فيه يكشفان عن قوانين ومشكلات إجتماعية هامة، كما تساعد عناصر الفولكلور على تصور أبعاده هذه المشكلات الإجتماعية ومدى تأثيرها على السلوك الفردي.

4- المنهج النفسي :

ارتبط موضوع الأرض الأم بالدراسات النفسية للشعوب، ويعني الباحثون بذلك تلك الأرض التي نشأ عليها الإنسان البدائي بتصوراته ومعتقداته، وتبحث مدرسة علم النفس التركيبي التي يتزعمها يونغ عن العناصر الشعبية التي تكون اللاشعور الجمعي. وقد أطلق يونغ على هذه الرواسب أو البقايا العقلية البدائية التي تعيش مع الإنسان المتحضر حتى اليوم مصطلح النمط الأصلي، ومن تم تركز المنهج النفسي حول الكشف عن التجارب النفسية ذات الطابع الجماعي ومغزاها وعلاقتها بالأصول الأولى للحضارات.
وينصب الحديث عن المنهج النفسي في تحديد طبيعة مواد التراث الشعبي ودوافع التمسك بها والمستويات المتميزة بها.

1- التحليل السيكولوجي لمواد الفولكلور :

إن الشعب هو موضوع الدراسة في علم الفولكلور وذهب بعض الباحثين، منهم (هوفمان كراير) أن الشعب هو أولئك الناس الذين يتميزون بنوع من الفكر البدائي وبأنهم لا يبتكرون الثقافة وإنما يتداولونها نقلا عن الجماعات أكثر تطورا اجتماعيا وفكريا.
جاء مفهوم (ريتشارد فايس) عن الثقافة التقليدية يؤكد أن في داخل كل إنسان يوجد سلوك رسمي وسلوك شعبي ولذلك يصبح كل إنسان في المجتمع موضوعا للدراسة في علم الفولكلور.
يمكن أن تمثل الأبعاد النفسية إسهاما هاما في فهم الإنسان ولكن الإقتصار عليها يمكن أن تهمل الطبيعة الشاملة للإنسان ومقومات تفرده وتميزه.
حاولت المدرسة الفلندية في ميدان القصص الشعبي أن تربط منهجها التاريخي الجغرافي بنظرة سيكولوجية إلى المادة الشعبية. ليست الأساطير في نظر بعض رواد هذه المدرسة مجرد حكايات عن الآلهة وحسب وإنما مستودعات التجربة الإنسانية.

2- المصادر النفسية للفلوكلور :

يرتبط اهتمام الدراسة للتراث الشعبي بالعوامل النفسية التي ساهمت في صياغة عناصره التي مازالت تعيش فيها وتؤثرعلى حياتها واستمرارها. إن الموقف النفسي الذي صدر عنه العنصر الشعبي في يوم من الأيام قد لا يكون واضحا عند الإنسان الشعبي في الحاضر وقد ينكر حامل التراث الشعبي المعاصر ارتباطه به.
حاول (أدولف باخ) أن يفسر العوامل الأساسية في نشأة عناصر الفولكلور كالحاجة إلى التسلية واللعب. إن الحكاية الخرافية في نظره تروى منذ البداية تحت تأثير التسلية. وكان الباحثون القدامى ينظرون إلى أحداثها باعتبارها محاولة لتقليد مختلف الأحداث التي تطرأ على العالم الطبيعي بظواهره المتعددة، وإذا كانت بعض الحكايات الخرافية تتضمن بعض التصورات الدينية القديمة فإنها تحتوي مع ذلك بعض الأفكار ذات طبيعة أخرى، حاول البعض تفسير الألغاز باعتبارها رواسب لإختيارات الحكمة القديمة بينما رأى الباحثون الآخرون أن اللغز نشأ منذ العهد القديم تعبيرا عن رغبة الإنسان في اللهو.
ليست جميع العناصر الشعبية نقلا مباشرا لبعض الأشكال الدينية والسحرية القديمة ولكنها من إبداع الفنان أو الفرد الشعبي العادي. إن المرح وحب الفكاهة والميل إلى اللهو والدعابة من المصادر النفسية لظهور بعض عناصر الفولكلور.

3- المستويات السيكولوجية في الفولكلور :

ينصب الإهتمام هنا على تحديد المستويات السيكولوجية المتنوعة التي يمكن أن تندرج ضمن تراث الشعوب، أو بمعنى آخر تحديد مدى التزام بعض عناصر الفولكلور بأساليب أو خصائص الثقافة الكلاسيكية (التربية والتعليم). وتتناول هذه الدراسة السيكولوجية كذلك السمات البدائية العامة في ثقافة شعب معين، كما تعد العلاقة بين الثقافة والشخصية من ميادين البحث في علم النفس الذي يتناول تأثير الإنسان في الثقافة أو تأثره بها. وما يؤخذ على هذا المنهج النفسي عموما هو مغالاة أصحابه في البحث عن أعماق الإنسان الشعبي فتتحول دراسة الفولكلور إلى سيكولوجية.

المنهج البنائي :

تمثل المدرسة البنائية أبرز النظريات في ميدان العلوم الإجتماعية واللغوية وعلم الفولكلور، وقد حاولت هذه المدرسة أن تطور أسلوبا جديدا في تناول التراث الشعبي.
شغلت النظرية البنائية في العصر الحديث كافة فروع المعارف البشرية واعتمدت أساسا على الإحصاء والرسوم البيانية.
ويتعرض هذا المنهج في نظر العلماء "لدراسة الشكل بوصفه كلا بعد تحليله إلى عناصره الصغيرة بهدف وضع هذا الشكل في التصنيف المناسب له وعلاقته بالبيئة الحضارية التي يعيش فيها".
إن الأبحاث التي تناولت الأدب الشعبي من خلال المنهج البنائي متنوعة ويمكن حصر اتجاهاتها في نوعين : اتجاه فلاديمير بروب واتجاه كلود ليفي شتراوس.
1- بروب والتحليل المورفولوجي للحكايات الشعبية :
دخل المنهج البنائي في الدراسات الشعبية على يد فلاديمير بروب في كتابه (مورفولوجية الحكايات الخرافية الروسية) وكان يعني بها تلك الأنماط التي ظهرت في تصنيف (آرن طومسون) من رقم 300 إلى 749، ولما ترجم الكتاب رأى الباحثون أن التحليل المورفولوجي الذي قام به بروب ينطبق على أكبر عدد من القصص الشعبي العالمي.
عرف بروب التحليل المورفولوجي بأنه "وصف للحكايات وفقا لأجزاء محتواها وعلاقة هذه الأجزاء بعضها ببعض ثم علاقتها بالمجموع".
ويهدف اتجاه بروب إلى وصف النظام الشكلي للحكايات الشعبية وفقا للتتابع الزمني للأحداث. ومعنى هذا أن منهج بروب في التحليل يسير في اتجاه أفقي. وقد أطلق على هذا الإتجاه (تحليل البناء التركيبي)
Analyse structurale Syntagmatique.
درس بروب بناء الحكاية الذي يتكون من مجموعة الأحداث التي تؤدي وظائف مستقلة وينتهي بروب إلى أن بناء الحكاية قائم على وحدات خاصة تتمثل في الأحداث التي تؤلف الثوابت ويمكن التعرف عليها عن طريق الشكل دون المضمون، تتمثل الثوابت عند بروب في الوظائف دون الظروف، ليست الشخصيات وأبعادها وحدات نمطية، إن المهم هو الحدث ووظيفته أما معرفة فاعل الحدث أو وسيلته فإنها لا تدخل في بناء الحكاية.
يبلغ عدد الوحدات الوظيفية (Unités fonctionnelles) التي تسيطر على الحكايات إحدى وثلاثين وإذا كانت هذه الوظائف لا تورد في كل حكاية فإنها لا تخرج عن حدودها.
يورد بروب في مقدمة الحكاية قائمة من الوظائف ويرى بروب أن هذه الوظائف السبع مجرد تمهيد.
1- غياب (تغيب أحد أفراد الأسرة عن البيت).
2- تحريم أو منع (تحذير البطل من فعل شيء محدد).
3- ارتكاب المحظور أو انتهاك التحريم (عدم الإستجابة للتحذير).
4- استدلال (يبذل الشرير محاولة للإستدلال أو الإستطلاع).
5- الحصول على معلومات (يتلقى الشرير معلومات عن ضحيته).
6- خداع (يحاول الشرير خداع ضحيته ليأخذ مكانه أو ممتلكاته).
7- مشاركة لا إرادية في الجريمة (وقوع الضحية في الشرك ومساعدتها الشرير دون قصد) تبدأ الحركة الفعلية في الحكاية من الوظيفة الثامنة التي يعتبرها بروب ذات أهمية خاصة.
8- نذالة (يحدث الشرير الضرر بأحد أفراد الأسرة).
9- استدعاء للعون أو اانجدة (التعرف على الضرر وأمر البطل بإصلاحه).
10- إبطال الفعل (قبول البطل إصلاح الضرر).
11- رحيل (يترك البطل منزله أو يغادر موطنه لأداء المهمة).
وتؤدي الوحدات 8-9-10-11 إلى مرحلة التأزم في الحكاية.
12- اختبار (يخضع البطل لإمتحان من أجل الحصول على أداة سحرية أو مساعدة من الشخصية المانحة).
13- رد فعل البطل (يستجيب البطل للمساعدة التي قدمتها له الشخصية المانة).
14- الأداة السحرية (توضع الأداة السحرية تحت تصرف البطل).
15- انتقال من مكان لآخر أو من مملكة إلى أخرى (ينتقل البطل إلى العالم المجهول حيث تكون حاجته).
16- صراع (المقابلة أو المواجهة بين البطل والشرير في معركة).
17- علامة (يرسم البطل بعلامة أو إمارة أي يصاب البطل بجرح نتيجة هذا الصراع).
18- انتصار (يهزم البطل الشرير فيهرب منه أو يقتل على يده).
19- اصلاح الضرر (زوال خطر الشرير ويحصل البطل على حاجته).
20- عودة (يعود البطل ويتخذ طريقه قافلا إلى بلده أو بيته).
21- مطاردة (يقتفي الشرير أثر البطل).
22- انقاذ (يهرب البطل من المقتفين لأثره).
23- الوصول متخفيا (يصل البطل إلى بيته أو إلى بلد آخر دون أن يتعرف عليه أحد)
24- تزييف (يدعى البطل المزيف القيام بالعمل غير الموجود، وغالبا ما يكون هذا البطل المزيف أخا للبطل الحقيقي).
25- مهمة صعبة (يكلف البطل بعمل صعب الإنجاز أو التحقيق).
26- تنفيذ (ينفذ الابطل ما اقترحه عليه).
27- تعرف (يتم التعرف بالبطل).
28- افتضاح (يكتشف أمر البطل المزيف).
29- تحول في المظهر (يظهر البطل في شكل أو وضع جديد).
30- عقاب (يعاقب البطل المزيف).
31- زواج أو تتويج / زواج وتتويج (يتزوج البطل أو يتزوج ويعتلي العرش معا).
إن دوائر هذه الوظائف متشابهة في الحكايات الشعبية.
2- اتجاه ليفي شتراوس :

ويمثل الإتجاه الثاني في النظرية البنائية العالم الفرنسي كلود ليفي شتراوس ويسمى (تحليل البناء النموذجي) Analyse structurale paradigmatique
اقتحم ليفي شتراوس ميدان الدراسة البنائية للأدب الشعبي بمقال يحمل عنوان (الدراسة البنائية للأسطورة).
ويقوم منهج ليفي شتراوس على (استخلاص الوحدات المتعارضة من النص بقصد الكشف عن البناء الإجتماعي الذي تعيش الأسطورة في كنفه) وهو يعني مجموعة الألفاظ التي يجمعها اشتقاق واحد كما يعني مجموعة الألفاظ ذاتالطابع المتجانس في المعنى وإن ظهرت متعارضة مثل الحب والكراهية والفرح والحزن والقسوة والشفقة بمعنى مجموعة من التراكيب أو الألفاظ ذات دلالات ذهنية أو نفسية مترابطة كامترادفات مثل الحياة والموت.
نظر كيفي شتراوس إلى النص من الداخل لا من الخارج كما استخدم النظام العمودي في ترتيب عناصره معارضا في ذلك (بروب).
ويمكننا هذا التحليل من الربط الوثيق بين الوحدات الأساسية للحكاية والنظام الإجتماعي الذي تعيش الحكاية في نطاقه إن خروج البطل إلى المغامرة ثم عودته إلى عائلته بعد أداء مهمته والتحريم الذي يرفض عليه والضرر الذي يعود عليه بسبب ارتكاب المحظور عوامل تكشف نظاما اجتماعيا محددا.
يعتبر منهج بروب تجريبيا قابلا للتطبيق على الأنواع الأدبية الشعبية الأخرى. بينما يعد منهج كلود ليفي شتراوس تأمليا ولكنه من الصعب تطبيقه على الأشكال الشعبية الأخرى منها الأسطورة، وهو السبب الذي يفسر النتائج التي حققها أنصار منهج بروب وعلى رأسهم (ألان دندس) و (ميهاي بوب). بينما تميزت أعمال أنصار منهج ليفي شتراوس بالتعقيد والنتيجة المحدودة.

المنهج الوظيفي :
لم تكتسب كلمة (الوظيفية) دلالتها ذات الطابع التخصصي إلا في القرن 19 في الرياضيات أولا ثم في البيولوجيا وبعد ذلك في العلوم الإجتماعية.
تطورت الوظيفة انطلاقا من فكرة أن المجتمع كلّ ومتصور في شكل مؤسسة، والدور الذي تؤديه أجزاؤه إحداها مقابل الأخرى أو تجاه الكل.
ارتبطت الوظيفة بمجموعة من المفاهيم الأساسية التي استعملتها من سبنسر Spenser إلى دور كايم.
إن المدرسة الوظيفية بأتم معنى الكلمة (ظهور الأنتروبولوجية الإجتماعية الأنجلوسكسونية التي يمثلها كل من مالينفسكي malinowski وبراون Brown) جديرة باهتمام خاص دونما أن ننسى أن علم الإجتماع والأنتروبولوجية الإجتماعية حاولا باستمرار (ولا سيما البلدان الأنجلوسكسونية) أن يصححا الضعف الذي تميز به المنهج الوظيفي، وبعبارة أخرى أن كل من مالينفسكي وراد كليف براون شارك في تدعيم النظرية الوظيفية في ميدان الأنتروبولوجية وعلم الإجتماع.
من الضروري أن نميز في البداية بين الوظيفية العلمية في ميدان علم الإجتماع والأنتروبولوجية التي تدعو إلى دراسة الظواهر الثقافية والإجتماعية، والوظيفية في ميدان الفولكلور التي تتمثل في دراسة عناصر المادة الشعبية.
تميزت الوظيفية في ميدان الفولكلور بمجموعة من الباحثين منهم فرانز بواس وفان جنب Van Gennep ووليام باسكوم W. Bascom.
ويعتبر فرانس بواس أحد الرواد الأوائل للنزعة الوظيفية الذين ساهموا في دراسة الفولكلور والثقافة وإقامة العلاقة بين الأدب الشعبي والأسطورة والفلسفة والدين من جهة والحياة اليومية للشعوب باعتبار أن هذه العلوم الإنسانية تعبير منظم عن الأفكار والموفق والقيم الشعبية.
ويحدد وليام باسكوم أركان الدراسة الوظيفية للفولكلور بثلاثة عناصر أساسية هي :

1- السياق الإجتماعي للفولكلور :
وينصب على دراسة موقع العناصر الشعبية في الحياة اليومية كما يهتم بزمان رواية مختلف أشكال الفولكلور ومكانها وطبيعة الرواة وجمهورهم والأساليب والوسائل التي تستعمل في هذا الشأن.
2- السياق الثقافي للفولكلور :
ويقصد به العلاقة القائمة بين عناصر الفولكلور وبقية جوانب الثقافة وكذلك مدى انعكاس عناصر الفولكلور ثقافة الجماعة كاللغة والشعائر الدينية والنظم والأساليب التقنية والمعتقدات والإتجاهات السائدة والعادات.
3- وظائف الفولكلور :
ويبين هذا الركن أداء مختلف العناصر الشعبية لوظائفها في الثقافة. فالأساطير على سبيل المثال تضفى الشرعية على الممارسات السلوكية.
يعتبر (مالينوفسكي) و (جيمس فريزر) و (راد كليف براون) من رواد الدراسة الوظيفية، ويمكن أن نبرز جوانب هامة من هذا المنهج من خلال عقد مقارنة موجزة بين الباحثين الثلاثة.
يتفق مالينوفسكي مع فريزر في وعيهما بالطبيعة الإنسانية المعقدة، ويتميز مالينوفسكي بالحرص الشديد على المنهج الوظيفي وتوضيح الأسس التي تقوم عليها.
ويتفق مالينوفسكي مع براون في معارضتها للمنهج التاريخي وفي أن كلا منهما طور المنهج الوظيفي، ولكن الباحثين يختلفان في مدى الإهتمام بالعمل الميداني. إذ اعتمد مالينوفسكي على النشاط الميداني وقدم من خلال الإتصال المباشر بالجماعات الشعبية والمعايشة الفعلية لها، صورة واضحة عن مظاهر حياتها الإجتماعية والسيكولوجية والفنية، بينما كان الحس الشعبي غائبا عند براون.
ارتبط – عند مالينوفسكي – النجاح في العمل الميداني بالجانب النظري، وتعتبر هذه الدراسة النظرية أن سلوك الإنسان البدائي مزيج من العقلانية والخرافة. إذ يكتسب الإنسان الشعبي نوعا من المعرفة العملية ويستخدمها بطريقة عقلانية لمواجهة احتياجات حياته. ولا يمكن أن يتحقق هذا الهدف إلا عن طريق المنهج الوظيفي.
وتتضمن الوظيفة في نظره على معان مختلفة تبعا لإختلاف مسنويات البناء الإجتماعي.
يختلف مالينوفسكي مع فريزر في مفهوم السحر والدين والعلم، وفي وظيفة كل منها في البيئة البدائية والحضارية، فقد نظر فريرز إلى هذه الجوانب الثلاثة باعتبارها نشاطات مستقلة يؤدي كل منها دورا في مرحلة حضارية مختلفة بينما نظر مالينوفسكي إلى السحر والدين والعلم على أنها نشاطات متداخلة في حياة الشعوب..






رد مع اقتباس
قديم 2012-11-29, 21:28   رقم المشاركة : 127
معلومات العضو
**د لا ل**
عضو مميّز
 
الصورة الرمزية **د لا ل**
 

 

 
إحصائية العضو









**د لا ل** غير متواجد حالياً


افتراضي

الفولكلــــــــــــور


مقدمة تاريخية :

- البدايات – المصطلح : يعتبر "وليم جون تومر William Jhon Thoms" أول من صاغ مصطلح "فولكلور" في رسالة بعث بها في مجلة "ذي اثنيون The Athenacum" في سنة 1846. وقد اعترفت جمعية الفولكلور الإنجليزية بهذا المصطلح عند تأسيس سنة 1877.
وقد جاء هذا الإصطلاح ليخلف عبارة "الآثار الشعبية القديمة (الأثريات) التي كانت تستخدم في دراسة المأثورات والعادات والتقاليد.
يتألف اصطلاح فولكلور من مقطعين Folk ويعني الناس وLore ويعني معرفة أو حكمة، وتعني الكلمة بذلك معارف الناس أو حكمة الشعب- وهناك من العلماء من يرى أن المصطلح هو ترجمة للكلمة الألمانية "فولكسكندة VOLKSKUNDE" التي عرفتها الدراسات الألمانية بداية القرن 19 – البدايات- المادة الفولكلورية :
لعل الإهتمام بالمادة الفولكلورية يعود إلى تلك الكتب التي كتبت حول بعض الأجناس البشرية أو الشعوب والأقوام مع نهاية العصور الوسطى مثل كتاب "جرمانيا" GERMANIA لتاسيتوس الذي نشر في القرن الخامس عشر (15) ولقي اهتماما كبيرا من طرف الدارسين الألمان وأعيد طبعه عدة مرات. وحذا الدارسون خذوه فظهرت عدة دراسات ترمي إلى وصف سكان بعض المناطق وتؤرخ لحياتهم مثل كتابات سبستيان فرانك SBASTIAN FRANK الذي توخى فيها، وصف الأحياء والمدن الألمانية في القرن السادس عشر وقد استمر الإهتمام بالمواد الفولكلورية في الفرون التالية. ونضج هذا الإهتمام في ألمانيا على يد الأخوين "ياكوب جريم" و"فلهلم جريم" في منتصف القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، واتسمت معالجاتهم للمادة الفولكلورية بالمنهجية العلمية فجمعها منظما وعملا على تحليلها وتصنيفها وشرحها. لقد يسر الأخوان جريم للناس الإطلاع على المادة الفولكلورية وقاما بتبسيطها لتكون في متناول الجميع ورغم أن علم الفولكلور اليوم لايسمح بإجراء تعديلات وتغييرات مشابهة لتلك التي أجراها الأخوان جريم على المادة الفولكلورية (إعادة الصياغة) فلا شك أن لهما فضل لفت الأنظار إلى أهمية هذه المادة وتقريبها إلى نفوس الناس وتخليدها في منشورات ظلت تلقى اقبالا كبيرا من طرف القراء إلى يومنا هذا. –لم يكتف الأخوان جريم بعملية الجمع والتنظيم والتصنيف بل تجاوزها إلى محاولة التنظير فقالا بانحدار الحكايات الأوروبية من التراث الهندو أوربي وأن الحكايات الموجودة في عصرهم ما هي إلا بقايا أساطير مندثرة وإذا كانت مثل هذه النظريات قد تجوزت الآن ولم تبق مقبولة، فإنه كان لها فضل إثارة نقاشات واسعة لاسيما بعد أن أنارت السبيل أمام الدارسين لإكتشاف نظريات مجدية في تحليل المادة الفولكلورية إلى جانب جهود الأخوين جريم أسهمت المجلات المحلية التي ازداد عددها في القرن التاسع عشر وراحت تتنافس في نشر التراث المحلي لأقاليم ألمانيا وخاصة تلك المأثورات القديمة التي تعود إلى فترات سابقة على العهد المسيحي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر تأصلت الإتجاهات العلمية المنهجية في مجال الدراسات الفولكلورية ويلاحظ أن الألمان في هذه الفترة وجهوا عنايتهم للثقافة المادية وما يتعلق بالتقاليد والأعراف وأهملوا إلى حد ما الأدب الشفاهي غير أن هذه الحركة العلمية سرعان ما اتسعت وغطت مختلف المجالات مع بداية القرن العشرين فظهرت دراسات "إريس شميدت Erich Smidt " "وجون ماير John Meir" "وفلهلم بسلر Vilhelm Passler وأدولف شبامر Adolf Spamer الذين تناولوا تاريخ الفولكلور ووصفوا أنواعه ودرسوا المخطوطات القديمة وفسروا كثيرا من النماذج الفولكلورية وقد اهتم الألمان أساسا بوضع الموسوعات الفولكلورية وتجميع الأنماط المتشابهة والتعليق عليها ووضع الحواشي، ونجد "كورت رانكه Kurt Ranke" مؤسس الجمعية الدولية للقصص الشعبي يصدر موسوعة ابتداء من سنة 1950 للحكايات الشعبية وموسوعة ثانية للحكايات الخرافية بهدف تغطية مختلف أقطار العالم، كما يعتبر أرشيف الأغنية الشعبية الألمانية في "فرايبورخ Freiburg" المركز الرئيسي لدراسات الأغنية الشعبية وتتمتع فهرسته بشهرة عالمية كبيرة.
ويعد كتاب "فريدريش زايلر Friedrich Seiler" عن الأمثال الشعبية الألمانية من أفضل الدراسات في هذا المجال.
أما في فينلندا فقد كانت عملية جمع ملحمة الفاليفالا نقطة البداية في الإهتمام الجاد بالمواد الفولكلورية الفنلندية. قام "إلياس لونروث" بجمع مختلف الروايات الشفهية من قصص شعري يتداوله الناس غناء متنقلا من منطقة إلى أخرى رغم قساوة الطبيعة وعدم توفر طرق المواصلات، وقام بتنظيمها ثم نشرها لتصبح الملحمة الوطنية للشعب الفنلندي عملا وطنيا بالدرجة الأولى وقام الدارسون بتنظيم عملية الجمع والفهرسة والنشر، وأسسوا أرشيفا ومعهدا للدراسات الفولكلورية لازال إلى اليوم يعتبر المعاهد العالمية ادمامة، ويجب الا ننسى أن الدارسين الفلنديين هم الذين قدموا لنا "المنهج التاريخي الجغرافي" الذي اشتهر في القرن 19 ولا زالت له قيمة تاريخية حتى اليوم. ولعله من الجدير بالملاحظة أن نسجل بأن إهتمام الدارسين الفنلنديين يالمادة الأدبية الشفهية كان طاغيا.
وبعد مرحلة التركيز على "الكاليفالا" بتأثير العالم "الياس لونروث" إتسع مجال اهتمام الدارسين الفنلدنيين فراحوا يهتمون بمختلف أنواع المأثورات، ومن أبرز هؤلاء الدارسين "كارل كرون" الذي أصدر سنة 1886 الجزء الأول من كتابه "الحكايات الشعبية"فضمنه "حكايات الحيوان" ليلحق به بعد ذلك حكايات الملوك سنة 1893. وقد اكتملت المنهجية العلمية في عملية الجمع والتدوين عند هذا الدارس فوجدناه يعتمد على المادة التي أخذت من الناس مباشرة دون إجراء أي تعديل أو تغيير وقد توجت الأعمال العلمية لكارل كرون بحصوله على أول منصب أكاديمي لتدريس الفولكلور في جامعة هلنسكي سنة 1898. وهو بذلك يعد أول من شغل منصب الأستاذية في هذا العلم في العالم. أكد كارل كرون في مؤلفاته على الطبيعة الفنية للفولكلور كما أكد طبيعته العالمية. واصل الباحث الفنلندي الشهير "أنتي آرن" جهود كارل كرون وأغنى مكتبة التراث الشعبي العالمي بـ "فهرس أنماط الحكايات الشعبية" الذي نشره سنة 1910 وقام بتنقيحه الباحث الإنجليزي "ستيث تومسن" وأعيد نشره بالإنجليزية تحت عنوان Type indexe of folk tales. ويعد هذا الفهرس أساسا لمعظم الدراسات الفولكلورية تحتذيه فهارس الحكايات الشعبية في مختلف أرجاء العالم. وقد ظهرت في فنلندا عدة جمعيات فولكلورية من أهمها جمعية أصدقاء الفولكلور التي تأسست سنة 1907 وأصدرت سلسلة من الدوريات نشرت فيها مواد فولكلورية وأبحاثا وتعليقات حول هذه المادة.
ويحتوي أرشيف الفولكلور الفنلندي على ما يقرب مليونين ونصف مادة فولكلورية مسجلة على بطاقات وأشرطة بالإضافة إلى المخططات التي خلفها رواد الدراسات الشعبية في فنلندا. ويضم الأرشيف مكتبة ضخمة وقاعات للدراسة وقاعات للندوات والتسجيل الصوتي ويحتوي على أكبر قدر من الدراسات العالمية حول الفولكلور بجميع لغات العالم. ويجد فيه الزائر عددا كبيرا من الخبراء والمتخصصين في الفولكلور الذين يتقنون عددا من لغات العالم ويقومون بتسهيل مهمة الباحثين الذين يقصدون الأرشيف وإذا كنا قد أشرنا من قبل إلى الدافع الوطني الذي حذا بالباحثين الفنلنديين إلى جمع ملحمة الكاليفالا تجدر بالإشارة إلى أن هذه الملحمة تعتبر مصدر اللغة الفنلندية الحالية وركيزة الأدب الفنلندي وقد لعبت دورا مهما في توحيد هذه اللغة وهذا الأدب وشدت من تماسك الشعب الفنلندي بحيث أصبحت موجودة في كل بيت فنلندي إذ ينشأ الأطفال على سماعها وقد دخلت أشعارها في البرامج الدراسية في جميع مستويات التعليم وأصبحت دراستها جزءا رئيسيا في دراسة الأدب واللغة الفنلندية.


بدأ الإهتمام بالمادة الفولكلورية في بريطانيا متأخرا ويشير مؤرخي الدراسات في هذه البلد إلى بدايات الإهتمام بالمادة الفولكلورية البريطانية إلى كتاب "وليم كامدن William Kamdem" عن لندن 1605 غير أن الدراسات الفولكلورية البريطانية عرفت دفعا جديدا في منتصف القرن الثامن عشر مع انبعاثات الحركة الرومانسية وكان للألمان تأثير كبير في هذا المجال على الدارسين البريطانيين، وقد عرفت هذه الفترة أعمال الأسقف "توماس بيرسي Thomas Percy" كما قام "السير ولتر سكوت Sir Waltir Scott" بجمع مجموعة كبيرة من الأغاني الشعبية القصصية BALLD والأشعار الشعبية، غير أنه كان كثيرا ما يعدل ويجري بعض التغييرات في الصياغة فقد كان شاعرا يقدم المادة الفولكلورية بأسلوب الشعري ولا يتروع عن إضافة أبيات من عنده. ونهج تلميده "روبرت شامبرز Robbert Chaumbers" نفس النهج فنشر سنة 1825 كتابا عن التقاليد السائدة في "أدنبرة" وكتابا آخر عن الأشعار الغنائية السائدة في اسكتلندا ويلاحظ على هؤلاء الدارسين الذين تشكلت أذواقهم واهتماماتهم في ظل الإتجاه الرومانسي ولعهم بالعناصر الفولكلورية التي تعود إلى عهود غابرة في التاريخ وفترات موغلة في القدم كما شغفوا بالمظاهر الشاذة والأشياء العجيبة والطريفة وخاصة منهم أولئك الدارسون المستكشفون الذين رحلوا إلى المناطق المستعمرة في إفريقيا وآسيا وسجلوا عادات الشعوب المستعمرة وتقاليدها وشيئا من تراثها.
وقد نشطت في هذه الفترة حركة الجمعيات المحلية التي كان يترأسها أفراد من الفئات الأرستقراطية في جمع مواد فولكلورية تتعلق بالأثريات الشعبية والعادات وبعض الصناعات القديمة وتقاليد الإحتفالات والأمثال والألعاب الشعبية واللهجات المحلية. كما أن المجلات والصحف البريطانية أصبحت تخصص صفحات لنشر المواد الفولكلورية، وقد ازدهرت هذه الجهود في منتصف القرن التاسع عشر وحل مصطلح "فولكلور" في بريطانيا كبديل لمصطلح "الأثريات الشعبية" بعد أن استعمله "وليم جون تومز" في مقالاته المنشورة بالمجلات.
وقد توجت هذه الجهود بتأسيس جمعية الفولكلور الإنجليزية سنة 1878 ونلاحظ أن الدارسين البريطانيين في القرن التاسع عشر وبداية هذا القرن جعلوا من العادات والتقاليد المحور الأساسي الذي تقوم عليه الدراسات الفولكلورية، وقد دعا مجموعة من الباحثين وعلى رأسهم "جورج لورانس جوم Sir George L. Gomme" إلى تطوير مظاهر الحياة القديمة لتتأقلم مع ظروف حياة معاصريهم، غير أنهم سرعان ما تخلوا عن هذه الفكرة ليسعوا من أجل بناء حياة ما قبل التاريخ من خلال مخلفات هذه العهود الموغلة في القدم فركزوا اهتمامهم حول تراث البدائيين ومعتقداتهم وأنماط حياتهم وتعد كتابات أدوارد تايلور EDWARD TAYLOR من الأبحاث البارزة في هذا المجال خاصة كتابه "الإنسان البدائي" المنشور سنة 1871. ولا شك أن النصف الثاني من القرن التاسع عشر يعد الفترة الأكثر ازدهارا في تاريخ الدراسات الشعبية البريطانيا إذ ظهرت فيها دراسات مجموعة من الباحثين كان لهم فضل كبير في تطوير الدراسات الفولكلورية ليس فقط على مستوى بريطانيا بل في العالم من أمثال "أدوين سيدن هارتلاند EDWIN SIDNY HARLAND" وأندرو لانج ANDREW LANG وألفريد نت ALFRED NUTT . وكان يمكن أن تؤتي هذه الجهود ثمارها في هذا القرن لو احتضنت الجامعات البريطانية الدراسات الفولكلورية وهو ما لم يحدث وما كان له أترسلبي على هذه الدراسات إذ بدأت تأفل مع أفول نجم الإمبراطورية البريطانية مع بدايات هذا القرن.
وقد عرفت الدول الأوربية الشرقية نفس الإهتمام بالمادة الفولكلورية في القرن التاسع عشر وازداد هذا الإهتمام بعد انتصار الثورات الإشتراكية فيها إذا أصبح لتراث الجماهير والشعب العامل حضوة خاصة واهتماما خاصا من طرف المؤسسات العلمية والجامعات.






رد مع اقتباس
قديم 2012-11-29, 21:29   رقم المشاركة : 128
معلومات العضو
**د لا ل**
عضو مميّز
 
الصورة الرمزية **د لا ل**
 

 

 
إحصائية العضو









**د لا ل** غير متواجد حالياً


افتراضي

اللغز في وضع اللغة مفردة تعني ''لغز اليربوع جحره وألغزه'' أي حفره ملتويا وسكنه، واتخاذه مثلا هو الذي نقل المعنى الحقيقي إلى مفهوم اصطلاحي مجازي- التعمية في الكلام تحايلا على المتلقي، وقد اتخذت في العامية الجزائرية اسما آخر حيث تعرف بالأحجية، وتبقى دائما لفظا مخالفا للمعنى، فاشتقاق الأحجية من الحجا -العقل والذكاء والنباهة، لكن الأحجية أصبحت تعقيدات وأغاليط كلامية يتعاطاها المازحون لاختبار ذكاء الآخر، وتوسع مجال استعماله مجرى انتشارهما، ومن الخطأ اعتبار الألغاز مجرد كلمات مبهمة المعنى تطرح في اللقاءات والأمسيات الجميلة بين الأصحاب والمعارف، فهو عمل أدبي شعبي أصيل أصالة الأنواع الأدبية الأخرى، ربما كانت الغاية من الألغاز والأحاجي في بعض أطراف الوطن العربي ليشمل أحيانا الحكاية الخرافية والتعبير كناية عن التبلد والغباء. واللغز نمط من أنماط الأدب الشعبي، عمره عمر الأسطورة والحكاية الخرافية، ساير انتشاره التسلية البريئة في الثقافة الشعبية، والتربية العملية المباشرة، معتمدة الاستعارات والكنايات والمجازات، كون العقل البشري عادة يعجز عند التجريد عن إدراك العلاقة الدلالية بين اللفظ ومضمونه، ولا يتمكن من ذلك إلا حين ينضج ويرقى في سلم المعرفة ومضامين القيم.
إذا سلطنا الضوء وركزنا الاهتمام على مدى انتشار الألغاز فإنه يتبين لنا لأول وهلة أنها قليلة الكم قصيرة النص، لكننا بجرد البحث والجمع والترتيب نقف على ثراء وتنوع هذا النمط من الأدب الشعبي بمعانيه الغزيرة وأذواقه الرفيعة، ونخلص إلى أن سبب تقلص مجالاتها إنما هو الغزو الحضاري لباديتنا العربية، وتعدد الثقافات الوافدة والحياة أصبحت غير سابقة الحياة، وحضارة اليوم غير حضارة الأمس والريادة صارت للوسائل التكنولوجية الحديثة، وما صاحبها من تدرج العسر نحو اليسر في مجالات الحياة.
وقد نتبين من القراءة المتأنية والتأمل الدقيقة لمعاني الأحاجي والألغاز نجد المضمون مغزى عميقا ومقاصد هادفة تنم على ذكاء العقلية الشعبية وتمسكها بالقيم عبر القرون الغابرة، وبلاغتها تتجلى في قدرتها على ربط اللفظ الظاهر المنطوق بالمعنى الباطن المقصود، وتجعل النظرة الجوهرية إلى روح الأشياء واحدة عند الشعب،على الرغم من تباين الألفاظ المعبر عنها باختلاف المناطق واللهجات، الشيء الذي يزيد من صعوبة تحديد نشأة اللغز وموطنه وتطور جوره الحضاري وذلك راجع إلى استئثار الشيء موضوع اللغز بتفكير العام في أزمنة مختلفة وأمكنة متباينة ومتباعدة.
ويظل مسرح الألغاز، مجالس السمر في أوقات السهر بين أشخاص متقاربين السن أو تجمعهم مواطن العمل، أو روابط الدم ومناسبات، ومواضيعها تتغير بتغير الزمان أو المكان أو الجمع، وهي تخضع لبعض القواعد والمبادئ
- تشيع بين النساء أكثر مما تشيع بين الرجال.
-تشيع بين العجائز أكثر مما تشيع بين الفتيات.
-تشيع بين الشيوخ أكثر مما تشيع بين الشباب والكهول.
وهي تعتمد على السجع والجمل القصير وهو ما ييسر تداولها بين الناس بسهولة، وقد تؤثر في المهتمين والمثقفين أكثر من تأثير العلمية الرفيعة، خاصة وأنها بموضوعاتها المتميزة المتصلة بحياة الإنسان واهتماماته اليومية، وفي غالب الأحيان تستغل استغلالا جيدا في التوجيه الأخلاقي والصحة النفسية خاصة إذا اجتمع الكبار-الجدات والأجداد- مع الصبيان، ومادامت بعض الأشياء، والحيوانات، والنبات، تسترعي انتباه الإنسان أو تجلب اهتمامه فقد نجد بعض الألغاز تتكرر مع صنف وآخر، وهي تتناول محاور عديدة أهمها: الموت والحياة - أوقات العبادة- أوقات الغرس والجني-- السلاح- الرسالة- المرأة الحامل- الدجاجة والبيضة - الساعة - الحذاء - البصر - الجهد- الشمس - النبات واستعماله ،الخ.
وبتصنيفها نجد أنها تتناول عبر ..محاور كبرى:
1 الإنسان وأعضاء جسمه
2 الحيوان والطير.
3 الآلات والأسلحة.
4 النباتات والفواكه.
5 مظاهر الطبيعة
6 الآداب العامة.
7 المؤسسات'' الجامع - المسجد - الكتاب- المتجر- الورشة.
8 الأوضاع المستجدة.
إن فن الألغاز تعج به الآداب الشعبية، فهو ليس ترفا ثقافيا لا يعني إلا خيالا جامحا وتسلية عابرة، بل هو صور ودلالات عميقة تمس الحضارة والتاريخ تعني التربية والتعليم وحفظ القيم، له وظيفته الاجتماعية كربط الصلات بين الأفراد والجماعات وترسيخ القيم وإيصال المعارف تبعا للتجارب السالفة.
وقل ما يكون ذا غاية سطحية عابرة،وهو ما يمكن استغلاله كأداة لحفظ الذاكرة الشعبية، وما وسعته من تراث.
عند ما نمر باللغز مثلا:
كيف حال الاثنين؟ ''الرجلين''--صاروا ثلاثة. ''الرجلين''.

وحال الجماعة؟ '' الأسنان''..تفرقوا
ندرك أن اهتمام الحبيب بحبيبه يبدأ بالسؤال عن صحته. ومن منطوق اللغز:
مزود، صوف، يبات يشوف.
نجد ثلاث دلالات حضارية على الأقل:
أولا المزود ويدل على البيئة الحضارية، البادية، حيث المزود وسيلة ادخار الحبوب والطحين.
ثانيا: ذكر الصوف له أكثـر من دلالة فالحضري لا يرى الصوف إلا مصنعا، لكن البدوي يعايشه في كل مراحله.
ثالثا: يبات يشوف كناية عن الكلب، وهو ما يبرز أهمية وجود الكلب في كل بيت بالبادية.
من هذا المنظور، لا بد لنا أن نتفق على حدود معقولة لأرضية مشتركة في تصورنا لمشروع تطورا لمجتمع العربي في إطار العالم الإسلامي بوجه عام، لأننا مازلنا بعيدين كل البعد عن تحقيق هذا المشروع على مستوى الممارسة الميدانية، بالقدر الذي يتيح للأمة أفرادا ومؤسسات أن تتخلص تدريجيا من أعباء الصراعات الهامشية التي ما يزال العالم العربي يشهدها وتتخذ أحياد أبعادا عقائدية فيبرز على شكل جدال بين الرجعيين والتقدميين، بين أصحاب النظرة المستقبلية ودعاة القدوة السلفية، ..الخ.
ومهما يكن من أمر فإن التطور الذي نريد هو ذلك الذي لا يتنكر للتراث ولا يقطع الصلة بالماضي، ويعتمد لغة متخلصة من الشوائب التي علقت بها خلال عقود من ويلات الاستعمار، وما رافقها من ظواهر سلبية أثناء المحن، لغة طيعة نقية ينسكب فيها الفكر العربي الأصيل، وتصاغ بها الإبداعات والمعاني، وأساليب التثقيف المبني على أسس صحيحة، قد ينكر علينا البعض ربط سياسة التسيير بمآثر التراث، ولكن جوابنا أننا مقتنعون بان الانغلاق في الماضي موت، وإهماله أو الانفصال عنه انتحار، وفي تراثنا ما يمكن استغلاله






رد مع اقتباس
قديم 2012-11-29, 21:31   رقم المشاركة : 129
معلومات العضو
**د لا ل**
عضو مميّز
 
الصورة الرمزية **د لا ل**
 

 

 
إحصائية العضو









**د لا ل** غير متواجد حالياً


افتراضي

تطبيق

التفسير النفسي لنموذج من الحكايات الشعبية الخرافية( بقرة اليتامى)التفسير النفسي لنموذج من الحكايات ا


التفسير النفسي لنموذج من الحكايات الشعبية الخرافية( بقرة اليتامى)
ملخص الحكاية: كان لامرأة طفلان؛ بنت وولد. قبل أن تتوفى حذرتهم من شرب الماء الراكد، كما أوصت زوجها أن لايبيع البقرة التي تملكها. تزوج الأب امرأة لها بنت. عرفت بأن الطفلين يتغذيان
من حليب البقرة ولذلك هما يتمتعان بالصحة والجمال. غارت منهما فدفعت بابنتها إلى الاقتراب من البقرة والرضاع من ضرعها، لكن البقرة رفستها وفقأت عينها، قامت زوجة الأب ببيع البقرة، ثم بحرق قبر الأم الذي يلتجئ إليه الطفلان فيوفر لهما بدوره الغذاء، ودفعت بهما إلى الرحيل من موطنهما الأصلي، أثناء الطريق شرب الولد من الماء الراكد فتحول إلى غزال بحث اليتيمان عن ملجأ، كبرت البنت وكانت فائقة الجمال عاشت مع أخيها عند عجوز، تزوجت البنت من شاب وأخذت عليه عهدا بأن لايذبح أخاها الغزال، تبعت زوجة الأب ربيبتها و التحقت بها، وظلت معها هي وابنتها العوراء، بايحاء من زوجة الأب قامت البنت العوراء باستدراج الفتاة اليتيمة نحو البئر ودفعتها فيه، وأخذت مكانها، وعندما استفسرها الشاب عن سبب قبحها، ذكرت له بأن ذلك بسبب طبيعة ماء بلاده، كان الشاب قد شاهد ما حصل فأنقذ زوجته الحقيقية وأخفاها عن الأعين في مكان أمين، عاقب الشاب البنت العوراء ،وبعد تكليفها بمهام شاقة ذبحها ووضعها في تليس وقدمها لأمها.فندبتها هذه الأخيرة. (المصدر: البطل الملحمي والبطلة الضحية في الأدب الشفوي الجزائري، الملحق، عبد الحميد بورايو، الديوان الوطني للمطبوعات، الجزائر، 1998).

إن الملاحظ لهذه الحكاية يستوقفه دور الأم فيها منذ أول وهلة. ويمثل هذا الدور الدليل الواضح على الحضور المكثف لنموذج"الأم" طيلة تطور أحداث القصة.إذن يمثل النمط الأصلي للأم الكبرى المدخل الواضح لدراسة هذه القصة وتحليلها من منظور علم النفس التحليلي اليونغي نسبة إلى "كارل غوستاف يونغ". يجد متلقي الرواية نفسه في مواجهة وجهين لهذا النمط الأصلي؛ الوجه السلبي الذي جسدته زوجة الأب الشريرة، والوجه الإيجابي الذي مثله دور الأم الضحية، التي تبدت في عدة صور خلال مراحل تطور الحكاية؛ في البداية تجلت في شكل نبعين من عسل وسكر يغذيان الطفلين المحرومين من الغذاء من طرف زوجة الأب الشريرة، ثم في شكل البقرة الحنون التي تسقيهما حليبا طيبا يساعد جسميهماعلى النمو، وقد ظل نفس الدور منوطا بضرع البقرة الملتصق بالجلد الذي حمله الأب من السوق إلى ولديه. يمثل توفير الغذاء للطفولة الملمح الأساسي الذي تتأكد من خلاله إيجابية النمط الأصلي. على العكس من ذلك يمثل التسبب في الحرمان من الغذاء الملمح السلبي لهذا النمط الأساسي.تتجسد إيجابية النمط أو سلبيته أيضا من خلال الثنائي: الجمال/ القبح، فالأثر السلبي لنمط الأم الكبرى يظهر من خلال التشوهات التي تصيب الأبناء؛ فمتن الحكاية يذكر بقبح ابنة زوجة الأب الشريرة، أما الولدان اللذان تمتعا بحماية النمط الأصلي في صورته الإيجابية فقد تغنت الرواية طويلا بتمتعهما بالجمال وحسن البناء الجسدي، مما أثار غيرة الزوجة الشريرة. أبرزت الحكاية ملمحا ثالثا على جانب كبير من الأهمية، ميز بدوره بين إيجابية النمط وسلبيته، هو التبعية المطلقة للأم ، وهو وجه سلبي طبع علاقة زوجة الأب الشريرة بابنتها وانعكس عليها، فظلت مسيرة من طرف أمها مما تسبب في هلاكها في نهاية القصة بينما تمتع الشقيقان باستقلال نسبي عن أمهما بعد وفاتها، وخاضا تجربة الحياة فتكونت شخصيتهما وحققا نضجا مرحليا خلال كل قسم من أقسام الحكاية.

جعلت الحكاية الشقيقين اليتيمين يمثلان فضاء الصراع الذي احتدم بين التوجهين السلبي والإيجابي للنمط الأصلي، وبالتالي فهما النموذجان الممثلان للشخصية البشرية في خوضها للصراع النفسي في علاقتها بالنموذج الأصلي الموروث للام الكبرى المستكن في أعماق اللاشعور. وقد قدمتهما الحكاية على أنهما النموذجان المثاليان الجديران بالإقتداء، وجعلت نهايتهما نهاية سعيدة مبشرة بالخلاص من عقدة الارتباط بالأم التي تولد معنا وتظل في أعماق لاشعورنا، تتحين الفرصة للبروز خلال مراحل العمر المختلفة. ومثلت البنت الشوهاء النموذج السيء لسيطرة عقدة الارتباط بالأم، والذي سرعان ما يتحول إلى عائق لنمو الشخصية، وسببا في اللاتوازن الذي عبرت عن مغزاه القصة في نهايتها عن طريق بيان النهاية الكارثية التي تعرضت لها بنت زوجة الأب الشريرة.

إلى جانب النمط الأصلي المتعلق بالأم، تبرز الحكاية نمطا أصليا آخر لا يقل أهمية عن النمط السابق، وهو "القرين" و" القرينة"؛ لقد مثل الشقيقان اليتيمان هذا النمط، كل منهما بالنسبة للآخر، بحيث جسدت الفتاة نمط" القرينة" بالنسبة للطفل، بينما جسد الولد نمط" القرين" بالنسبة للفتاة. وقد تميزت قرينة الفتى بالملمح الايجابي، فساعدته على اجتياز الصعوبات، ومكنته من النضج النفسي، وتغليب الشعور في النهاية، وتجاوز مرحلة اللاشعور بينما مثل القرين بالنسبة للفتاة القوى السلبية التي كانت تشدها للمرحلة اللاشعورية، فتكبح نموها النفسي وتعرضها للخطر، وتخلق عراقيل في سبيل تطور قواها النفسية تقول نبيلة إبراهيم عن هذا النمط:" ...القرين أو القرينة جزء خفي في الإنسان مرتبط به وملازم له فهو جزء من محتوى اللاشعور" ولعل التحول السحري إلى حيوان والذي أصاب الطفل(تحوله إلى غزال) يمثل سمة لاشعورية تؤكد ما ذهبنا إليه تقول الدكتورة نبيلة إبراهيم:" ومن المعروف أن الحيوان المسحور في الحكايات الخرافية يرمز إلى هذا الجزء البهيمي
أو الغريزي الذي يمكن أن يقود الإنسان إلى متاهات اللاشعور المظلمة






رد مع اقتباس
قديم 2012-11-29, 21:39   رقم المشاركة : 130
معلومات العضو
**د لا ل**
عضو مميّز
 
الصورة الرمزية **د لا ل**
 

 

 
إحصائية العضو









**د لا ل** غير متواجد حالياً


افتراضي

محاضرات الادب الاندلسي

المحاضره الاولى
تاريخ حضارة الأندلس
تاريخ الحضـارة الأندلسـية
ظهرت الحضارة الأندلسية عند قيام طارق بن زياد فتح بلاد الأندلس، حيث كانت شبه الجزيرة الأيبرية (اسـبانيا) تحت حكم الملوك القُوط الذين هاجـروا اليها من داخل اوروبا وقد عانى الاسبان كثيرا من ظلمهم وسوء ادارتهم وقد كانوا يتحـينون الفُرص للتخلص منهم.
حـانت الفرصــة عـندما جــاء مـلك القـُــوط لذريــق إلـى الحـكــم بعــد ان اغتـصـــب الحُـكـم من المـلـك الشــرعـي واغتياله فقد طلب بعـض الاسبان النجدة من موسى بن نصــير الذي أرســل قـائداً شـــاباً مع جـيـش صـغـير مـن المســلمين. كان هذا القــائد هو (طــارق بن زيــاد) الذي وطأت اقدامه هو وجيـشـه ارض الاندلـس في شـهر رجـب 92هـ 711م عــند المضيق المسـمى باســمه لهـذا اليوم (جبل طارق).
لم تكن سيطرة المسلمين على اسـبانيا كاملة تماماً اذ بقيت جيوب صغيرة للأسبان في الشمال والشمال الغربي في المناطق الجبلية الوعرة كانوا ينفذون منها للهجـوم والتخريب. لم يَدرْ في خلد المسـلمين الفاتحين. إن هذه الجـيوب الصـغيرة سوف تكون نواة لممالك الاسـبان مستقبلاً لينطلقـوا منها في التهـام ممالك الاسـلام في اسـبانيا الواحدة تلو الاخـرى عندما ضعف المسلمون ولم يكن طموح الاسـبان لينتهي إلاّ بطـرد المسـلمين بصورة نهائية كما سوف نرى.
تسمية الأندلس يعود أصل تسمية الأندلس بالأندلس إلى أسـاطير واحتمالات، إن الغالبية العظـمى من المؤرخين العـرب والمسلمين وخاصـة مؤرخـي العصور القديمة، يعتمدون على الروايات والقصص الدينية في البحث عن أصول شعب أو أرض ما.
• يذكُر كثير من المؤرخيـن العـرب أن الأندلس سُميت بهذا الاسـم نسبة إلى أندلس بن يافث بن نوح الذي هو أول من عمّرها.
• كما ذكـر ابن خـلدون إنّ أول من سـكنها بعد الطـوفان لسفينة نـوح قوم يُعـرفون بالأندلـش ـ بشين مُعجـمة ـ ثم عـرّب هذا الاسم بعد ذلك بسين مهملة.
• أما عبد الرحمن الحجي فإنه يذكر في كتابه (التاريخ الأندلسي) أن أصل مصطلح الأندلس مأخوذ من قبائل الوندال (Vandalos) التي تعود إلى أصل جرماني، احتلت شبه الجزيرة الأيبيرية حوالي القرن الثالث والرابع وحتى الخامس الميلادي، وسميت باسمها فاندلسيا Vandalusia أي بـلاد الوندال ثم نُطقت بالعربية الأندلس.
• ذكر النويـري أن النصارى أي الأسـبان، تسمي الأندلس إشـبانية باسـم رجل صلب فيها يقـال له إشبانش وقيل: باسم ملك كان لها في الزمان الأول اسمه إشـبان بن طيطش.
• على مرّ السـنين دخل الكـثير من الاسبان في الاسلام وكثر التزاوج بين الفاتحـين والأسـبان، بحيث نشأ جيل كبير من المولودين الذين يحملون في عـروقهم دماء اسبانية إضـافة إلى الدمـاء العربية والبربريـة وقد ارتقى الكـثير منهم في مناصب الدولة العالية مثل ابن حزم الاندلسـي الذي اعتنق جده الاسلام.
• دخلت الاندلـس المرحـلة الثـانية من تاريخـها السياسي عندما فوّضت أركان الخـلافة على بنـي أمية في دمشق حيث هزم اخـر خلفائهم مروان بن محمد امام جـيوش العباسـيين في معركة الـزّاب سنة 132هـ.
• ولى هائماً على وجهه وكأن الارض لا تسع لهربه بما وسعت ليلقى حتفه على يد العباسيين ولتـبدأ مرحلة دموية كان الامويون وقُـودُها، حيث أذاق بنو العباس الامويين حَرِّ الحـديد وبَأْسَ السـيف وجرعوهم مرارة الذل والهوان وشـردوهم وراء كل حجرٍ ومدرْ. نجا من تلك المذابح شـاب اموي اسمه عبد الرحمن استطاع عبور الفرات وهـرب إلى شمال افريقيا.
وبمسـاعدة اخواله البربر استطاع العـبور إلى الاندلـس استطاع عبدالرحمن الملقب (الداخـل) من تأليف القـبائل اليمانية التي كانت ناقـمة على هيمنة القـبائل القيسـية وبمساعدة البربر استطاع ان يخضع الاندلس لسيطرته وان يبايعوه أهـل الاندلس اميـراً عليها سنة 138هـ 755م. حاول الخليفة ابو جعفر المنصور عبثاً إِخضاع عبدالرحمن الداخل حيث اسـتطاع عبدالرحمن الناصر هذا الذي لقبـه المنصور بـ(صقر قريش) أن يهـزم جيش المنصور وأن يبرد برؤوس قادة الجـيش إلى المنصور لتصله إلى مكـة اثناء موسم الحج.
-اتخذ عبدالرحمن قرطـبة عاصـمة له وبدأ ببنـاء وتوسـعة مسجدها فدخلت قرطبة مرحلة مزدهرة اصبحت معها فيما بعد محط الانظار ومهد الحضارة
استمرت السُّـلالة الاموية في حكـم الاندلس حيث بلغت أوج حكمها في زمن عبدالرحمن الثـالث الذي دام حكمه لأكثر من خمسين عاماًً وامتد سُلطانه إلى شمال افريقيا وليقهر الأسبان وليجعل من (اسبانيا) قبلة الامصار وعروس اوروبا. إليها تشدّ الرحـال لطـلب العلم والأدب والفنـون وحتى صارت اللغة العربية هي لغة العلم حتى في اوروبا.
• بدأ حُكـم عبدالرحمن الثالث في سنة300هـ وانتهى عام 350هـ واستطاع أن يخلع على نفسه لقب أمير المؤمنين وسمّى نفسه الناصر لدين الله.
• وبهذا اصبحت دار الاسلام يحكمها ثلاثة خلفاء هم: (الامـوي والعباسـي والفاطمـي) في آن واحد.
• جدول يبين حكم الأندلس حسب الفترات الزمنية.
• 1. عصر الولاة الحــاكــم من الى الملاحضات
• طـارق بـن زيــاد 92 93 أول من دخلها وأميرا للجيش
• موسى بن نصير اللخمي 93 94
• أبو عبد الرحمن بن موسى بن نصير 94 95
• * هناك عدد كبير من الحكام لا يسع 59 138
الوقت لذكرهم ونوجز هنا في ذكر
الحكام الذين كانت لهم صبغة في
حكم الأندلس.
جدول يبين حكم الأندلس حسب الفترات الزمنية.
2. الحكام الأمويون في الأندلس (الأمراء) من الى ملاحظات
أول الحكام من الأمراء 138 172 مدة حكمة 34 سنة وتمتاز بطابعها الشامي
أبو المطرف "الداخل" عبد الرحمن
بن معاوية صقر قريش



جدول يبين حكم الأندلس حسب الفترات الزمنية.
الحاكم من الى الملاحظات
أبو المطرف "الناصر لدين الله" 300 350 دام ملكه خمسين حولاً وكان عهداً زاهراً وبلغت الأندلس أوج حكمها
عبدالرحمن (3) بن محمد
جدول يبين حكم الأندلس حسب الفترات الزمنية.
3- عصر الطوائف من الى الملاحظات
استطاعت الأسر القوية أن تستقل ببعض الأقاليم فهناك 629 633 ثم دخول بن الأحمر وأخيرا سقطت في أيدي القشتاليين
بنو جهور في قرطبة- بنو ذي النون في طليطلة-
بنو هود في سَرَقُسْطة- بنو الأفطس في بطليموس
- بنو عبد العزيز في بلنسية- بنو عبّاد في أشبيليا
أخر الحكام كان من عمال بني هود
* في عام 633هـ سقطت (غرناطـة) والأندلس في أيدي الأسبان.
مدن الاندلس قرطبه:
مدينة أندلسية تقع في الغرب الأسباني تتفرع سـفوح جبالها من سـلسلة جبال سيرا مورينا، الممتدة شـمالي المدينـة. وتمتد قرطـبة على الضفة اليمنى لنهر الوادي الكـبير الذي ينحني طفيفا في مجراه نحو الغـرب، مُؤلفا أهم طريق طبيعي في أسبانيا الجنوبية. وقرطبة مدينة
إيبيرية قـديمة البناء كان اسـمها
(إيبيري بحت) وترجم للعربيـة إلى
قرطبة.
سقوط قرطبه: دخول ايزابيـلا وفريـديناند الى غرناطة عشـية سقوطها.
اشبيليه: تقع إشبيبلة إلى الجنوب الغربي من قرطبة وفي شـمال قادس على مسـيرة (60) ميلا من ساحل المحيط الأطلسي. والاسم القديـم لمدينة إشبيلية هو إشبالي من أصل إيبيري، ثم تحول هذا الاسم إلى اسم لاتينيHispalis
بعد أن غزاها الرومان عام 205 قبل
الميلاد، وعَرَّبَ المسلمون هذا الاسم
إلى إشبيلية ومن هذا الاسم المتعرِّب
اشتق الأسـبان الاسم الحالي
غرناطه: تقع غرناطة على بعد267ميلا جنوب
مدينة مدريد (عاصمة أسبانيا). وهي
إحدى ولايات الجنوب الأسباني وتطل
على البحر المتوسط من الجنوب ونهر
شنيل وبساتين قصور الحمراء وتَلِّها العالي وهي تعلو قرابة (669) م فوق سطح البحر مما جعل مناخها غاية في اللطف والجمال. ومنه اشتق اسمها، حيث تعني كلمة غرناطـة عند عجم الأندلس "رمتنة" وذلك لحسنها وجمالها
بلنسية: بلنسية مدينة شهيرة تقع شـرقي مدينتي
تدميـر، وقرطـبة، وتتصـل بزمام إقليم
مدينة تدمير، وبلنسية مدينة برية بحـرية
ذات أشجار وأنهار، وتعرف باسم مدينـة
التراب. ويغلب على شـجرها القراسـيا،
ولا يخلو منها سهل ولا جبل، وينبت في ضواحيها الزعـفران، وكان الروم قد ملكـوها عام 487هـ ـ 1094م، واستردها المُلثمون (المُوحِدُون) عام 495هـ ـ 1101م.
طليطله: طُليطلة مدينة أندلسية عريقة في القـدم تقع على بعد 75 كم من مدريد العاصمة الأسبانية. وتقع على مرتفع منيع تحيط به أودية عميقة وأجراف عميقة، تتدفـق فيها مياه نهر تاجة.
ويحيط وادي تاجـة بطليطلة من ثلاث جهـات مُسـاهما بذلك في حصانتها ومنعتها.
عمارة الاندلس: بلغت الأندلس أوج ازدهارها في ظـل ”عبد الرحمن الناصر“ أول خليفة أموي في الأندلس بعد أن اتخذ منها عاصمة لدولته وجعلها كبرى المدن الأوروبية في عهده وأكثرها أخْـذاً بأسباب الثقـافة.
لقد أصــبحت قـرطـبة مقر خــليفة المســلمين في العــالم الغربـي، وكانت قرطـبة العاصـمة الكبـرى لإسـبانيا، يَفِـد إليها الملـوك والسفراء يقدمون للخـليفة فروض الطاعـة والـولاء. فقد كانت الدولة المسـيحية حتى القرن الحـادي عشر أشبه بالمحمية للدولة الإسلامية. وفـي هـذا العهــد نافـســت قرطـبة بأُبَّـهَـتِها وعــمرانها وحــالتها الثقــافيـة كبريات المـدن الإسـلامية كالقـاهـرة، ودمشــق، وبغـــداد والقيروان حتى أطلق عليها الأوروبيون (جوهرة العالم).
علماء اندلسيون: رَاجَت الثقافة في الأندلس وعزّزها الخـلفاء فنقلوا من الشرق العبّاسي أهم ما صُنـّف في العلوم وأسسوا المعاهد في المـدن والقـرى وشيّدوا المكاتب, وشجّعوا الحركة العقليّة.
من العلماء والأطباء ابن البيطار أحد مشـاهير الأطباء في ذاك العصر الذي بحث في رحلاته الطويلة عن الأعشاب حتى اصبح حجّة في معرفة انواعها وأصنافها وأماكنها وخصائصها. ومن مؤلفات ابن البيطار:
1. تفسير كتاب ديسقوريدس.
2. الإبانة والأعلام بما في المناهج من خلل وأوهام.
3. الجامع لمفردات الأدوية والأغذية.
4. الأفعال الغريبة والخواص العجيبة.
5. رسالة في تداوي السّموم.
6. المغنى في الأدوية المفردة.
7. ميزان الطبيب.
• اشتهر في قرطـبة كثير من العلماء المسلمين في شتى مجالات المعرفة. فمن العلماء الشرعيـين كان أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد الشهير بإبن حزم وهو فقيه من أكبر علماء المذهب الظاهري.
• وكذلك محمد بن فتوح بن عبد الله
الحميدي وكان مؤرخا ومن الفقهاء
ظاهري المذهب.
• ومن أطباء الأندلس أبو داود سـليمان بن حسـان الأندلسي الشهير بابن جلجل وكان بارزا في حَقْـلي الطـب والنبات، وكذلك أبو بكر محمد بن عبد الملك بن محمد ولد قريبا من قرطبة ودرس العلوم الدينية وكان قاضيا.
• وكذلك أبو القاسم خلف بن العباس الزهراوي وكان من أشهر أطباء وجراحي عصره.
• ومن علماء النبات اشتهر أبو المطرف عبد الرحمن بن محمد المعروف بإبن وافد وكان فقيها بالعقاقير والأدوية وعالما بالفلاحـة، وأبو جعفر أحمد بن محمد الأندلسي الغافقي وكان من كبار الأطـباء والنباتيين في الأندلس.
• ومن الفيزيائيين أبو القاسـم العباس بن فرناس وكـان صاحب أول محاولة بشرية للطــيران وكانت له دراية بعلم الكيمياء وتوصل إلى اكتشافات في هذا المجال.
• ومن الجغـرافيـين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الله بن إدريس الحسيني المعروف بالشريف لإدريسي وكان كتابه (نزهـة المشـتاق) الذي أهـداه إلى (روجـيه الثاني النورماندي) ملك صقلية من أعظم الكتب وهو رحالة وعالما بالأدوية المفـردة الفلك والنبات.
• ومن الفلكيين ابن الزرقالي الذي صنع أصـطرلابا عـرف باسمه, وحظـي بأهمية كبرى في ميدان علم الفلك, وكـان أكبر راصد في عصره. شارك في وضع جداول فلكية لمدينة طليطلة نقل عنها (كوبرنيك).
• ومن الأطباء الفلاسفة كان أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد وكان أوحد أهل زمانه في الفقـه وتميز في علم الطب وله فيه مؤلفات كثيرة.
• ويعتبر ابن رشد الفـقيه الطبيب
الفيلسـوف، اشـتهر في أوروبا
شـهرة كبيرة حيث اعـتمد على
مؤلفاته في القـرون الوسـطى.
ولد ابن رشد في سنة520هـ وهي نفـس السـنة التي توفى فيها جده. ونشـأ في مدينة قرطبة. وحفظ القرآن الكريـم، وحفظ كتاب الموطأ للإمام مالك، ودرس الفقـه ونبغ فيـه، كما درس علوم الحساب والفلك وعلم الهيئة ثم درس الطـب وتعمق في دراسته، وفي عام 565هـ تولى القضاء في أشـبيليه، ثم في قرطبة عام 567هـ، واشتهرت أحكامه بالعدل والنزاهة، فتولى قاضي القضاة وألف عدة كتب منها: "بداية المجتهد ونهاية المقتصد" وكتاب "تهافت التهافت" وألف في الطب كتاب "الكليات”.
• أهم المراكـز الثقافيـة والتعليميـة: جامعة قرطبة التي أسسها عبد الرحمن الثالث بجوار الجامع الكبير، من أشهر المؤسسات الثقافية.
• مكتبة قرطبة والتي كـانت تحوي علـى أكـثر من 4000 مجلد.
• مدرسة مسلمة المجريطي في الكيمياء والرياضيات والفـلك.
• مدرسة أبو القاسم الزهراوي في الطب.
أهم المواقـع التاريخيـة: قلعة الملك في الخضراء.
• الحـمامات: كان أهل قرطبة يسترخون في حمامات عامة وخاصة كلها مُدفأة وتجري فيها المياه الساخنة والباردة.
• وكانت الحـمامات العامة تعتبر من أهم المنشـآت المدنيـة في المدينة لكـثرتها وتعـددها من جـهة، ولارتباطها الوثيـق بالطـهارة المتأصلة بعـمق في الإسلام من جهة أخرى، وقد تميزت قرطـبة بوجـه خاص بكـثرة حـماماتـها حتى قيل إن عددها بلغ 300 حمام.
• ومن الآثار الإسـلامية الباقـية في قرطبة حـمامان الأول صغير المسـاحة، عـثر عليه عام 1321هـ 1903م في جوف الأرض في المنطـقة المعـروفة بساحة الشهداء داخل نطاق القصر الخلافي بقرطبة.
مثقـفو وشـعراء الأندلس:
• هناك العديد من المثقفين والشعراء الأندلسيين نُوجِـز بعضاً من الذين وضعوا بصماتٍ تاريخيةٍ في تاريخ الأندلسي في المديح والهجاء والغزل والرثاء.
• لقد انتشرت المدارس في قرطبة حتى لم يعد فيها شخص واحد لايجيد القراءة والكتابة. واشتهرت قرطبة بالعلمـاء والشـعراء، والكثير منهم كانوا من أهـل الحكم أو البيت الحاكـم مثل الخليفة الحكم، والشاعر أبي عبد الملك مروان حـفيد عبد الرحمن الثالث، والخليفة المستعين بالله، والوزير أبو الغيرة بن حزم وهو ابن عم فيلسوف قرطبة الشـهير محمد بن حـزم، والوزير عبد الملك بن جهور، والوزير المصحفي، بالإضافة إلى عشرات بل مئات العلماء في كافة المجالات كـابن طُفيل وابن رشد وابن باجه في الفلسفة، وأبو عبد الله القرطبي في العـلوم الشرعية، والقاضي أبو الوليد الباجي وأبو الحسن على بن القطان القرطبي في الحديث النبوي، ومنذر بن سعيد قاضي الجماعة بقرطبة، وزَرْيَاب الموسيقى، وابن عبد ربه اللغوي الأديب، وغيرهم وغيرهم.
• ابن خفاجة الأندلسي (450-533هـ). إبراهيم بن أبي الفتح بن عبد الله بن خفاجه الهواري الأندلسـي أبو إسحـاق. من أعلام الشعراء الأندلسيين في القرنيـن الخامس والسادس. عُرِف عنه بالتأنق في مظهره ومطعمه، ولم يشـتغل بعمل ولم يتزوج قـط. وكان نزيه النفس سمي بـ”الجنّّان“ اشـهر قصـيدة له ”وصف الجبل“ وهي تشف عن رؤيته للموت والحياة، ويصـور من خـلالها كيف أن الجبل يحس السأم لطول بقائه ويتمنى الموت والفناء. اشتهرت أبياته التي تصـف الأندلس وطبيعتها الجميلة:
• يا أَهْـل أندلـس لله دَرّكُمُ ** ماءٌ وظِلٌ وأزهَـارٌ وأشْجَارُ
• ما جنّةٌ الخلدِ إِلاّ في ديَاركم ** ولو تخيرتُ هذا كنت أختارُ
• من قصائد ابن خفاجة الاندلسي (حلو اللمى)
• وأغيـدٌ حُلْو اللّـمى, أمْلـَـدٌ يُذْكِي عَلـى وِجْنَتِه الجَمْـرُ
• بِـتُّ أُنَاجِـيْـه , ولا رِيْـبـَةٌ تَعَـلّق بِـي فِيـه , وَلا وِزْرُ
• وَالليْـلُ سِتْرٌ وَدُونِـنَا وَمُرْسِلٌ قَدْ طَـرّزتْهُ أَنْجُـمُ حُمْـرُ
• أبْكِي وَيُشْجِيْني , فَفِي وِجْـنَتِي مَاءٌ , وَفِيْ وِجْـنَتَيْه خَـمْرُ
• وَأقْـرَأُ الْحُسْـنَ بِـهِ سُـورَةٌ أنَ لَها , مِنْ وَجْهِهِ , عَـشْرُ
• وَبأت يُسْـقِيْني وَتَحْـت الدُّجَى مَشْمُولةٌ, يَمْزُجُـها الْقَـطْرُ
• وابْتَسَمتْ , عَنْ وَجْـهِهِ , لَيْلَـةٌ كَأَنّهُ , فِـي وَجْهِـهَا , تَغْرُ
ابو البقاء الرُندي
هو صالح بن يزيد بن صالح بن موسى بن أبي القاسم بن علي بن شريف الرندي الأندلسي. من أهل (رُنـدة) قرب الجزيرة الخضراء، من حُفـاظ الحديث والفقهاء. كان بارعا في منظوم الكلام ومنثوره مجيدا في المديح والغزل والوصف والزهد، ولكن ترجـع شُـهرته إلى قصيدةٍٍ نظمها بعد ضياع عدد من المدن الأندلسية.
وفي قصيدته التي نظمها يستنصر أهل العُدوة الإفريقية من بني مُرين لما أخذ ابن الأحـمر محمد بن يوسـف أول سـلاطين غرناطة يتنازل للأسـبان عن عدد من القلاع والمدن إرضاء لهم وأملا في أن يبقى له حكمه المُقلقـل في غرناطة وتُعرف قصيدته بمرثية الأندلس وفيها يقول:
لِكُلِّ شَيْءٍ إِذَا مَاتَم نُـقْصَانُ
فَلا يُغَرَّ بِطِيبِ العَيْشِ إنْسَانُ
هِيَ الأمُورُ كَمَا شَاهَدتُها دُولٌ
مَنْ سَرّه زَمَنٌ سَاءَتْه أَزْمَانُ
وَهَذِهِ الدّارُ لاَ تُبْقِى عَلَى أَحَدٍ
وَلاَ يَدُومُ عَلَى حَالٍ لهَاَ شَانُ
يُمَزِّقُ الدَّهْرُ حَتْماً كُلَّ سَابِغَةٍ
إِذَا نَمَتْ مَشْرَفيّاتٌ وقُرْصَانُ
أيْنَ الملُوكُ ذَوِيْ التيِّجَانِ مِنْ يَمَنٍ
وَأيْنَ مِنْهمُ أَكَالِيْلٌ وَتِيْجَـانُ
وَأيْن مَا شَادَه شَـدّادُ من إِرَمٍٍ
وَأيْن مَا سَاسَه في الفُرسِ سَاسَانُ
وأيْن مَا حَازَه قَارُونُ مِنْ ذَهَبٍ
وَأيْنَ عَـادٌ وشَدّادٌ وقَحْطَانُ
أتى عَلى الْكُلِّ أَمْرٌ لا مَرَدَّ له
حَتَّى قَضَوا فَكَأن القَوم ما كَانُوا
وَصَار ما كان مِنْ مُلْكٍ ومِنْ مَلِكٍ
كَمَا حَكَى عَنْ خَيَال الطّيْف وسْنَانُ
من الشعراء السجناء:
 الشاعر الشريف الطـليق (ت 396 هـ) الذي سجن وهو فتى يافع مع جـماعة من الأدباء فلم يزل يأخذ عنهم حتى (ثري تربه وطار شعره) فكان السجن له المدرسة التي علمته الأدب وفتحت قريحته الشعرية.
 الشاعر يوسف بن هارون الرمادي 403 هـ الذي سجن على يد الحكم المستنصر لأشعار كان ينظُـمها هو وجـماعة من الشـعراء يتبارون في هجاء الخليفة، وضع في سجنه كتابا سماه (الطـير).
 الشـاعر عبد الملك بن غصـن الحجـازي (ت 454هـ) في سجنه وضـع رسـالة في (صفة السجن والمسجون والحزن والمحزون) واودعها الف بيت من شعره في الاستعطاف، وكانت سببا في العفو عنه.
 ابن الابار (ت 658هـ) ألف أثناء نفيه الى بجاية مؤلفه (أعتاب الكتاب).
 وكان من بين الشعراء الأندلسيين الذين سُجنوا عدد لا بأس به من كبار شعراء الأندلس وأدبائها من امثال:
 يحيى بن الحكم الغزال، وابن شهيد وابن زيمن والمعتمد بن عباد، وابن حزم الأندلسي، ولسان الدين بن الخطيب.
ادبيات وشاعرات:
من أشـهر شاعرات الأندلس حسانة التميمية وقمر البغدادية وكانتا في زمن الإمارة الأموية (138ـ316هـ)، وعائشة بنت أحمد القرطبية والغسـانية البجـانية في زمن الخـلافة الأموية (316ـ422هـ)، ولادة بنت المستكفي وأم العـلاء الحجارية وأم الكـرم بنت المعتصـم بن صـمادح في زمن ملوك الطوائف (422ـ483هـ) و نزهـون بنت القلاعـي الغرناطية في زمن المرابطين، و حفصة بنت الحاج الركونية وحمدة بنت زياد المؤدب في زمن الموحدين
نزهون بنت القلاعي الغرناطية: شـاعرة مرحة حُلوة الحديث ذات طبع ندي معطاء ونفس شـفافة عرفت بسرعة البديهة روي أنها كانت تقرأ يوماً على أبي بكر المخزومي الأعمى فدخل عليهما أبو بكر الكتندي فقال مخاطباً الشاعر المخزومي الأعمى لو كنت تبصر من تجالسه؟ وصمت المخزومي بُرهـة يفكر! ولكنه لم يجرْ جواباً، وبسرعة فائقة أجابت عنه نزهون فقالت:
لَغَدَوتَ أخْرَسَ منْ خَلاخِلِه
البدرُ يطْـلُع مِنْ أزِرّتِـهِ
والغُصْـن يَمْرحُ في غَلائِلِهِ
غـاية المُنَى: هي شـاعرةٌ أندلسيةٌ لطيفةٌ جيء بها إلى المعتصم بن صمادح راغبا في امتحانها ليعرف مستواها الادبي فقال: ما إسمك؟ قالت: غاية المنى قال: أجيزي؟
فقال: اسألوا غاية المنى؟؟
من كَسَا جِسْمي الضّنَا .......
فقالت: على الفور:
أرَانِـي مُتَـيّماً .. سَيقُولُ الْهَوىَ أَنَا
صفية بنت عبدالله الرّي: شاعرة لم تعش طويلا ودعت الشباب وهي تتألق بهجة وحيوية لم يعثر على أخبارها إلا القليل القليل، ذات مرة عابتها امرأة على رداءة خطها فقالت:
وعَائِبَةً خَطِّـي فَقُلْتَ لَها اقْصِرِي
فَسَوفَ أُرِيكِ الدُّرَّ فِيْ نَظْمِ أَسْطُرِي
نادَيْتُ كَفِّـي كَيْ تَجُودَ بِخَطِّهَا
وَقَـرّبْتُ أقْـلاَمِي وَورقي وَمِحْبَرِي
فَخَطَّـتْ بِأبْيَـاتٍ ثَلاَثٌ نَظَمْتُها
لِيَبْدُو بِهَا خَـطِّي وَقُلْت لَهَا انْظُـرِي
• بثينة بنت المعتمد بن عباد: بنت ملك شـاعر وبنت شاعرة ظريفة فلا عجب إن أُشربت حُب الشـعر منذ أن كانت بُرعماً يتفتح للحياة، إذ حلت بأبيها النكبة المعروفة وسُبيت فأصبحت من جملة العبيد تباع في الأسواق واشتراها رجل من اشبيليا ثم وهبها لأبنه ولكنه لما أراد البناء بها امتنعت وأعلنت عن نفسها وقالت لا يكون ذلك إلا بموافقة أبي وكتبت له قصيدة تحكي له قصتها في اسى وحسرة فتقول:
اسمع كَلامِي واسْتَمِعْ لِمَقَالَتِي .. فَهِي السُّلُوك بَدَتْ من الأجيادِ
لا تُنْـكِروا أنِّي سُبِيتُ وأنَّني .. بِنْتٌ لِمَلكٍ من بَنِـي عـبادِ
نساء اندلسيات:
• كما اشتهرت المرأة الاندلسية في المجال الثقافي، فنذكر القرطـبية ولاّّدة بنت الخـليفة المُسْـتكفي الشاعرة الأديبة صاحبة الصالون الأدبي الشهير، ومريم ابنة يعقوب الشاعرة الأديبة.
• وعائشة بنت أحمد التي كانت مُربية ومُعلمة لولد المنصور ابن أبي عـامر أشـهر وأقوى وزراء الدولة الأموية في الأندلس.
التراث الاندلسي:
يوجد في الأندلس ثرواتٌ نفيسةٌ من التراث كانت تنافس الثروات في بغداد ودمشق والقيروان وبلاد النيـل والدولة العثمانية وعند سقوط غرناطة وأشبيلية نُهبت وسُرقت هذه الثروات إلى اسبانيا ومنها ما تم تصديره إلى فرنسا وإلى انجلترا
المخطوطات النادره: يوجد في الأندلس مخطوطات عديدة وقديمة وموثقة توثيق تأريخي منها القرآن الكريم الذي كتب في خط اليد الاندلسي، وكذلك مخطوطة ابن البيطـار وهذه المخطوطات ما زالت محفوظة في المتحف الأسباني
العملات في الاندلس: استخدمت في العصر الأندلسي عدة أشكال من العملات الأسلامية ضرب عليها ”الشـهادتين“ على الوجهـين وأسماء الحكـام آنذاك
مقتنيات وحلي اندلسية: تتميز الحلي الأندلسية بعراقتها ودقـة صياغتها حيث كانت تلبسها النساء في المناسـبات وكانت تصنع من الفضة وبعض المعـادن الأخرى مثل الذهب والنحاس
محققين وكتاب معاصرين: من الكتاب الذي كتبوا عن تاريـخ الأندلس كُثر، نستخلص منهم الكتاب البارزين الذين أثروا الساحة العربية بتحقيقاتهم الأندلسية ومن هؤلاء الكتاب، الكاتب الكبير”إحسـان عباس“ الذي حقـق الكثير في التأريخ الأندلسي. فعباساً كان أكثر اهتماماً بالشعر في الأندلس وخارجها. وقد بدأ اهتمامه التحقيقي بالنشرات العـلمية لدواوين الأندلسيـين والصقليـين, مثل: "ابن حمديس الصـقلي (1960), والرصـافي البلنـسي (1960), والأعلى التطـيلي (1963), والكتيبة الكامنة للسان الدين ابن الخطيب في أشـعار الأندلسيين (1963), والتشبيهات من أشعار أهل الأندلـس لابن الكتاني (1966), وتحفة القادم لابن الأبّار (1986), ومعجـم الشعراء الصقلـيين (1995)".
الدكتور والشاعر والمترجم ”عبد الله حمادي“ خريج جامعـة مدريد المركزية في إسبانيا عام1980م ومتخصص في الأدب الأندلسي والإسباني واللاتينو أميركي، ويعـمل حـاليا أستاذا لمادة الأدب في جامعة قسـنطينة بالجزائر، كما يتولى رئاسة قسم الترجمة فيها. وطيلة سنوات دراسته في إسبانيا جعلته يحتك بأدبائها، وشعرائها القـدامى والمحـدثين وكأن شـيئا غامضا يجذبه إلى أعماق الأندلس ليكون مصدر إلهامه. ولهذا جالت معظـم مؤلفاته في فلك الأندلس ومدى تأثيرها على الأدب الإنساني عامة والإسباني خاصة، من مثل: مدخل إلى الشعر الإسباني المعاصر، قصائد غجرية وأندلسيات
يأتي كتابه الجديد القديم "الأندلس بين الحلم والحقيقة" الجديد لأنه صدر في العام الحالي2004 والقديم لأنه
وليـد مطـلع التسعـينيات تَمخـّض مـن خلال
فكــرة التبــادل الشــعوري والفكـــري بيــن
الضـفـتين: الأندلس من جـهـة والســـاحـل
الأفريقي الشـمالي من جهة أخـرى. ورُغـم
استكمال مادته فإنه لمْ يـرَ النـور في أوانه
بســبب الظـروف الأمنـيـة التـي عــرفتـها الجــزائر في تلك الفتـرة المعروفة بعشرية الدماء والدموع.
 الشـعر في قرطـبة تأليـف: د. محمد سعيد محمد صادر
عن المجمع الثقافي ‏2003‏‏. يتكـلم الكـاتب عن في كـتابه الشعر في قرطبة حيث يقول:” تعد قرطبة مركزاً مهماً للعلوم والفنون ولم تصل إلى هذه المكانة إلا بفضل
القادة العظـام ومنهم عبدالرحمن الثالث،
فجعلوا البلاد تعـيش في اسـتقرار الذي
جعل رقعة قرطبة تتسع والحـياة الأدبية
تنشط مع التشجيع المتواصل من قبل ولاه الأمر للشعراء.
من النساء في العصـر الحديث كـتبت الأديبة والمؤلفة: رضوى عاشور عن الحياة الأندلسية في
كتابها (ثلاثية غرناطـة) سـنة النشـر
2001 ومؤلفها يقع في 502 صفحـة
وأبرزت جـميع المراحل التي مرت بها
الاندلـس وهـو كـتاب قيِّـمٌ للغايـة.
تواريخ سقوط بعض المدن الاندلسية:
• برشـلونة 74هـ 985م قــرطــبـــة 633هـ 1236م
• قرطاجـــنة 640هـ 1242م
• مرســــــيـة 641هـ 1443م
• لشــــــبونـة 645هـ 1247م
• إشـــــبيـليـة 646هـ 1248م
• جبل طارق 702هـ 1310م
• رنــــــــــدة 890هـ 1485م
• غــرناطــة 898هـ 1492
• ليـــــــون 392هـ 1002م
• سـلمنـقـة 446هـ 1055م
• مــدريـد 476هـ 1084م
• طليطــلة 477هـ 1085م
• سرقسطة 512هـ 1119م
• مـــــاردة 619هـ 1222م
• يابســـــة 632هـ 1235م
الخاتمه: لا بد لنا ان نعرج ولو باختصار على الجانب الحضاري لمسـلمي الاندلس. فقد ترعرعت حضارة زاهية في ربوع الاندلس كان لسانها العربية ومادتها الاسلام. وقد شملت هذه الحضارة مختلف الجوانب كالزراعة والصناعة والتجارة، الادب والفن،المعمار والفلسفة وفن الحروب والفروسية. فقد انشأ المسلمون نظام ري استطاع ان يحي الكثير من ارض الموات وتحولت ارض اسبانيا الى مروج خضراء، وقد دخل الفاتحون معهم المحاصيل الزراعية التي لم تكن معروفة في اسبانيا من قبل مثل النخيل والرز وقصب السكر. كما برعوا في تربية دود القز وصناعة الحرير، أما بالنسبة للفن المعماري فنظرة فاحصة إلى قصر الحمراء ومسجد قرطبة وقصر اشبيلية جديرة أن تثبت ما وصل إليه المسلمون من درجة عالية من الرقي في الفـن المعماري والذي لا يزال محط انظار العالم إلى وقتنا الحاضر.

المحاضره الاولى
تاريخ حضارة الأندلس
تاريخ الحضـارة الأندلسـية
ظهرت الحضارة الأندلسية عند قيام طارق بن زياد فتح بلاد الأندلس، حيث كانت شبه الجزيرة الأيبرية (اسـبانيا) تحت حكم الملوك القُوط الذين هاجـروا اليها من داخل اوروبا وقد عانى الاسبان كثيرا من ظلمهم وسوء ادارتهم وقد كانوا يتحـينون الفُرص للتخلص منهم.
حـانت الفرصــة عـندما جــاء مـلك القـُــوط لذريــق إلـى الحـكــم بعــد ان اغتـصـــب الحُـكـم من المـلـك الشــرعـي واغتياله فقد طلب بعـض الاسبان النجدة من موسى بن نصــير الذي أرســل قـائداً شـــاباً مع جـيـش صـغـير مـن المســلمين. كان هذا القــائد هو (طــارق بن زيــاد) الذي وطأت اقدامه هو وجيـشـه ارض الاندلـس في شـهر رجـب 92هـ 711م عــند المضيق المسـمى باســمه لهـذا اليوم (جبل طارق).
لم تكن سيطرة المسلمين على اسـبانيا كاملة تماماً اذ بقيت جيوب صغيرة للأسبان في الشمال والشمال الغربي في المناطق الجبلية الوعرة كانوا ينفذون منها للهجـوم والتخريب. لم يَدرْ في خلد المسـلمين الفاتحين. إن هذه الجـيوب الصـغيرة سوف تكون نواة لممالك الاسـبان مستقبلاً لينطلقـوا منها في التهـام ممالك الاسـلام في اسـبانيا الواحدة تلو الاخـرى عندما ضعف المسلمون ولم يكن طموح الاسـبان لينتهي إلاّ بطـرد المسـلمين بصورة نهائية كما سوف نرى.
تسمية الأندلس يعود أصل تسمية الأندلس بالأندلس إلى أسـاطير واحتمالات، إن الغالبية العظـمى من المؤرخين العـرب والمسلمين وخاصـة مؤرخـي العصور القديمة، يعتمدون على الروايات والقصص الدينية في البحث عن أصول شعب أو أرض ما.
• يذكُر كثير من المؤرخيـن العـرب أن الأندلس سُميت بهذا الاسـم نسبة إلى أندلس بن يافث بن نوح الذي هو أول من عمّرها.
• كما ذكـر ابن خـلدون إنّ أول من سـكنها بعد الطـوفان لسفينة نـوح قوم يُعـرفون بالأندلـش ـ بشين مُعجـمة ـ ثم عـرّب هذا الاسم بعد ذلك بسين مهملة.
• أما عبد الرحمن الحجي فإنه يذكر في كتابه (التاريخ الأندلسي) أن أصل مصطلح الأندلس مأخوذ من قبائل الوندال (Vandalos) التي تعود إلى أصل جرماني، احتلت شبه الجزيرة الأيبيرية حوالي القرن الثالث والرابع وحتى الخامس الميلادي، وسميت باسمها فاندلسيا Vandalusia أي بـلاد الوندال ثم نُطقت بالعربية الأندلس.
• ذكر النويـري أن النصارى أي الأسـبان، تسمي الأندلس إشـبانية باسـم رجل صلب فيها يقـال له إشبانش وقيل: باسم ملك كان لها في الزمان الأول اسمه إشـبان بن طيطش.
• على مرّ السـنين دخل الكـثير من الاسبان في الاسلام وكثر التزاوج بين الفاتحـين والأسـبان، بحيث نشأ جيل كبير من المولودين الذين يحملون في عـروقهم دماء اسبانية إضـافة إلى الدمـاء العربية والبربريـة وقد ارتقى الكـثير منهم في مناصب الدولة العالية مثل ابن حزم الاندلسـي الذي اعتنق جده الاسلام.
• دخلت الاندلـس المرحـلة الثـانية من تاريخـها السياسي عندما فوّضت أركان الخـلافة على بنـي أمية في دمشق حيث هزم اخـر خلفائهم مروان بن محمد امام جـيوش العباسـيين في معركة الـزّاب سنة 132هـ.
• ولى هائماً على وجهه وكأن الارض لا تسع لهربه بما وسعت ليلقى حتفه على يد العباسيين ولتـبدأ مرحلة دموية كان الامويون وقُـودُها، حيث أذاق بنو العباس الامويين حَرِّ الحـديد وبَأْسَ السـيف وجرعوهم مرارة الذل والهوان وشـردوهم وراء كل حجرٍ ومدرْ. نجا من تلك المذابح شـاب اموي اسمه عبد الرحمن استطاع عبور الفرات وهـرب إلى شمال افريقيا.
وبمسـاعدة اخواله البربر استطاع العـبور إلى الاندلـس استطاع عبدالرحمن الملقب (الداخـل) من تأليف القـبائل اليمانية التي كانت ناقـمة على هيمنة القـبائل القيسـية وبمساعدة البربر استطاع ان يخضع الاندلس لسيطرته وان يبايعوه أهـل الاندلس اميـراً عليها سنة 138هـ 755م. حاول الخليفة ابو جعفر المنصور عبثاً إِخضاع عبدالرحمن الداخل حيث اسـتطاع عبدالرحمن الناصر هذا الذي لقبـه المنصور بـ(صقر قريش) أن يهـزم جيش المنصور وأن يبرد برؤوس قادة الجـيش إلى المنصور لتصله إلى مكـة اثناء موسم الحج.
-اتخذ عبدالرحمن قرطـبة عاصـمة له وبدأ ببنـاء وتوسـعة مسجدها فدخلت قرطبة مرحلة مزدهرة اصبحت معها فيما بعد محط الانظار ومهد الحضارة
استمرت السُّـلالة الاموية في حكـم الاندلس حيث بلغت أوج حكمها في زمن عبدالرحمن الثـالث الذي دام حكمه لأكثر من خمسين عاماًً وامتد سُلطانه إلى شمال افريقيا وليقهر الأسبان وليجعل من (اسبانيا) قبلة الامصار وعروس اوروبا. إليها تشدّ الرحـال لطـلب العلم والأدب والفنـون وحتى صارت اللغة العربية هي لغة العلم حتى في اوروبا.
• بدأ حُكـم عبدالرحمن الثالث في سنة300هـ وانتهى عام 350هـ واستطاع أن يخلع على نفسه لقب أمير المؤمنين وسمّى نفسه الناصر لدين الله.
• وبهذا اصبحت دار الاسلام يحكمها ثلاثة خلفاء هم: (الامـوي والعباسـي والفاطمـي) في آن واحد.
• جدول يبين حكم الأندلس حسب الفترات الزمنية.
• 1. عصر الولاة الحــاكــم من الى الملاحضات
• طـارق بـن زيــاد 92 93 أول من دخلها وأميرا للجيش
• موسى بن نصير اللخمي 93 94
• أبو عبد الرحمن بن موسى بن نصير 94 95
• * هناك عدد كبير من الحكام لا يسع 59 138
الوقت لذكرهم ونوجز هنا في ذكر
الحكام الذين كانت لهم صبغة في
حكم الأندلس.
جدول يبين حكم الأندلس حسب الفترات الزمنية.
2. الحكام الأمويون في الأندلس (الأمراء) من الى ملاحظات
أول الحكام من الأمراء 138 172 مدة حكمة 34 سنة وتمتاز بطابعها الشامي
أبو المطرف "الداخل" عبد الرحمن
بن معاوية صقر قريش
جدول يبين حكم الأندلس حسب الفترات الزمنية.
الحاكم من الى الملاحظات
أبو المطرف "الناصر لدين الله" 300 350 دام ملكه خمسين حولاً وكان عهداً زاهراً وبلغت الأندلس أوج حكمها
عبدالرحمن (3) بن محمد
جدول يبين حكم الأندلس حسب الفترات الزمنية.
3- عصر الطوائف من الى الملاحظات
استطاعت الأسر القوية أن تستقل ببعض الأقاليم فهناك 629 633 ثم دخول بن الأحمر وأخيرا سقطت في أيدي القشتاليين
بنو جهور في قرطبة- بنو ذي النون في طليطلة-
بنو هود في سَرَقُسْطة- بنو الأفطس في بطليموس
- بنو عبد العزيز في بلنسية- بنو عبّاد في أشبيليا
أخر الحكام كان من عمال بني هود
* في عام 633هـ سقطت (غرناطـة) والأندلس في أيدي الأسبان.
مدن الاندلس قرطبه:
مدينة أندلسية تقع في الغرب الأسباني تتفرع سـفوح جبالها من سـلسلة جبال سيرا مورينا، الممتدة شـمالي المدينـة. وتمتد قرطـبة على الضفة اليمنى لنهر الوادي الكـبير الذي ينحني طفيفا في مجراه نحو الغـرب، مُؤلفا أهم طريق طبيعي في أسبانيا الجنوبية. وقرطبة مدينة
إيبيرية قـديمة البناء كان اسـمها
(إيبيري بحت) وترجم للعربيـة إلى
قرطبة.
سقوط قرطبه: دخول ايزابيـلا وفريـديناند الى غرناطة عشـية سقوطها.
اشبيليه: تقع إشبيبلة إلى الجنوب الغربي من قرطبة وفي شـمال قادس على مسـيرة (60) ميلا من ساحل المحيط الأطلسي. والاسم القديـم لمدينة إشبيلية هو إشبالي من أصل إيبيري، ثم تحول هذا الاسم إلى اسم لاتينيHispalis
بعد أن غزاها الرومان عام 205 قبل
الميلاد، وعَرَّبَ المسلمون هذا الاسم
إلى إشبيلية ومن هذا الاسم المتعرِّب
اشتق الأسـبان الاسم الحالي
غرناطه: تقع غرناطة على بعد267ميلا جنوب
مدينة مدريد (عاصمة أسبانيا). وهي
إحدى ولايات الجنوب الأسباني وتطل
على البحر المتوسط من الجنوب ونهر
شنيل وبساتين قصور الحمراء وتَلِّها العالي وهي تعلو قرابة (669) م فوق سطح البحر مما جعل مناخها غاية في اللطف والجمال. ومنه اشتق اسمها، حيث تعني كلمة غرناطـة عند عجم الأندلس "رمتنة" وذلك لحسنها وجمالها
بلنسية: بلنسية مدينة شهيرة تقع شـرقي مدينتي
تدميـر، وقرطـبة، وتتصـل بزمام إقليم
مدينة تدمير، وبلنسية مدينة برية بحـرية
ذات أشجار وأنهار، وتعرف باسم مدينـة
التراب. ويغلب على شـجرها القراسـيا،
ولا يخلو منها سهل ولا جبل، وينبت في ضواحيها الزعـفران، وكان الروم قد ملكـوها عام 487هـ ـ 1094م، واستردها المُلثمون (المُوحِدُون) عام 495هـ ـ 1101م.
طليطله: طُليطلة مدينة أندلسية عريقة في القـدم تقع على بعد 75 كم من مدريد العاصمة الأسبانية. وتقع على مرتفع منيع تحيط به أودية عميقة وأجراف عميقة، تتدفـق فيها مياه نهر تاجة.
ويحيط وادي تاجـة بطليطلة من ثلاث جهـات مُسـاهما بذلك في حصانتها ومنعتها.
عمارة الاندلس: بلغت الأندلس أوج ازدهارها في ظـل ”عبد الرحمن الناصر“ أول خليفة أموي في الأندلس بعد أن اتخذ منها عاصمة لدولته وجعلها كبرى المدن الأوروبية في عهده وأكثرها أخْـذاً بأسباب الثقـافة.
لقد أصــبحت قـرطـبة مقر خــليفة المســلمين في العــالم الغربـي، وكانت قرطـبة العاصـمة الكبـرى لإسـبانيا، يَفِـد إليها الملـوك والسفراء يقدمون للخـليفة فروض الطاعـة والـولاء. فقد كانت الدولة المسـيحية حتى القرن الحـادي عشر أشبه بالمحمية للدولة الإسلامية. وفـي هـذا العهــد نافـســت قرطـبة بأُبَّـهَـتِها وعــمرانها وحــالتها الثقــافيـة كبريات المـدن الإسـلامية كالقـاهـرة، ودمشــق، وبغـــداد والقيروان حتى أطلق عليها الأوروبيون (جوهرة العالم).
علماء اندلسيون: رَاجَت الثقافة في الأندلس وعزّزها الخـلفاء فنقلوا من الشرق العبّاسي أهم ما صُنـّف في العلوم وأسسوا المعاهد في المـدن والقـرى وشيّدوا المكاتب, وشجّعوا الحركة العقليّة.
من العلماء والأطباء ابن البيطار أحد مشـاهير الأطباء في ذاك العصر الذي بحث في رحلاته الطويلة عن الأعشاب حتى اصبح حجّة في معرفة انواعها وأصنافها وأماكنها وخصائصها. ومن مؤلفات ابن البيطار:
1. تفسير كتاب ديسقوريدس.
2. الإبانة والأعلام بما في المناهج من خلل وأوهام.
3. الجامع لمفردات الأدوية والأغذية.
4. الأفعال الغريبة والخواص العجيبة.
5. رسالة في تداوي السّموم.
6. المغنى في الأدوية المفردة.
7. ميزان الطبيب.
• اشتهر في قرطـبة كثير من العلماء المسلمين في شتى مجالات المعرفة. فمن العلماء الشرعيـين كان أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد الشهير بإبن حزم وهو فقيه من أكبر علماء المذهب الظاهري.
• وكذلك محمد بن فتوح بن عبد الله
الحميدي وكان مؤرخا ومن الفقهاء
ظاهري المذهب.
• ومن أطباء الأندلس أبو داود سـليمان بن حسـان الأندلسي الشهير بابن جلجل وكان بارزا في حَقْـلي الطـب والنبات، وكذلك أبو بكر محمد بن عبد الملك بن محمد ولد قريبا من قرطبة ودرس العلوم الدينية وكان قاضيا.
• وكذلك أبو القاسم خلف بن العباس الزهراوي وكان من أشهر أطباء وجراحي عصره.
• ومن علماء النبات اشتهر أبو المطرف عبد الرحمن بن محمد المعروف بإبن وافد وكان فقيها بالعقاقير والأدوية وعالما بالفلاحـة، وأبو جعفر أحمد بن محمد الأندلسي الغافقي وكان من كبار الأطـباء والنباتيين في الأندلس.
• ومن الفيزيائيين أبو القاسـم العباس بن فرناس وكـان صاحب أول محاولة بشرية للطــيران وكانت له دراية بعلم الكيمياء وتوصل إلى اكتشافات في هذا المجال.
• ومن الجغـرافيـين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الله بن إدريس الحسيني المعروف بالشريف لإدريسي وكان كتابه (نزهـة المشـتاق) الذي أهـداه إلى (روجـيه الثاني النورماندي) ملك صقلية من أعظم الكتب وهو رحالة وعالما بالأدوية المفـردة الفلك والنبات.
• ومن الفلكيين ابن الزرقالي الذي صنع أصـطرلابا عـرف باسمه, وحظـي بأهمية كبرى في ميدان علم الفلك, وكـان أكبر راصد في عصره. شارك في وضع جداول فلكية لمدينة طليطلة نقل عنها (كوبرنيك).
• ومن الأطباء الفلاسفة كان أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد وكان أوحد أهل زمانه في الفقـه وتميز في علم الطب وله فيه مؤلفات كثيرة.
• ويعتبر ابن رشد الفـقيه الطبيب
الفيلسـوف، اشـتهر في أوروبا
شـهرة كبيرة حيث اعـتمد على
مؤلفاته في القـرون الوسـطى.
ولد ابن رشد في سنة520هـ وهي نفـس السـنة التي توفى فيها جده. ونشـأ في مدينة قرطبة. وحفظ القرآن الكريـم، وحفظ كتاب الموطأ للإمام مالك، ودرس الفقـه ونبغ فيـه، كما درس علوم الحساب والفلك وعلم الهيئة ثم درس الطـب وتعمق في دراسته، وفي عام 565هـ تولى القضاء في أشـبيليه، ثم في قرطبة عام 567هـ، واشتهرت أحكامه بالعدل والنزاهة، فتولى قاضي القضاة وألف عدة كتب منها: "بداية المجتهد ونهاية المقتصد" وكتاب "تهافت التهافت" وألف في الطب كتاب "الكليات”.
• أهم المراكـز الثقافيـة والتعليميـة: جامعة قرطبة التي أسسها عبد الرحمن الثالث بجوار الجامع الكبير، من أشهر المؤسسات الثقافية.
• مكتبة قرطبة والتي كـانت تحوي علـى أكـثر من 4000 مجلد.
• مدرسة مسلمة المجريطي في الكيمياء والرياضيات والفـلك.
• مدرسة أبو القاسم الزهراوي في الطب.
أهم المواقـع التاريخيـة: قلعة الملك في الخضراء.
• الحـمامات: كان أهل قرطبة يسترخون في حمامات عامة وخاصة كلها مُدفأة وتجري فيها المياه الساخنة والباردة.
• وكانت الحـمامات العامة تعتبر من أهم المنشـآت المدنيـة في المدينة لكـثرتها وتعـددها من جـهة، ولارتباطها الوثيـق بالطـهارة المتأصلة بعـمق في الإسلام من جهة أخرى، وقد تميزت قرطـبة بوجـه خاص بكـثرة حـماماتـها حتى قيل إن عددها بلغ 300 حمام.
• ومن الآثار الإسـلامية الباقـية في قرطبة حـمامان الأول صغير المسـاحة، عـثر عليه عام 1321هـ 1903م في جوف الأرض في المنطـقة المعـروفة بساحة الشهداء داخل نطاق القصر الخلافي بقرطبة.
مثقـفو وشـعراء الأندلس:
• هناك العديد من المثقفين والشعراء الأندلسيين نُوجِـز بعضاً من الذين وضعوا بصماتٍ تاريخيةٍ في تاريخ الأندلسي في المديح والهجاء والغزل والرثاء.
• لقد انتشرت المدارس في قرطبة حتى لم يعد فيها شخص واحد لايجيد القراءة والكتابة. واشتهرت قرطبة بالعلمـاء والشـعراء، والكثير منهم كانوا من أهـل الحكم أو البيت الحاكـم مثل الخليفة الحكم، والشاعر أبي عبد الملك مروان حـفيد عبد الرحمن الثالث، والخليفة المستعين بالله، والوزير أبو الغيرة بن حزم وهو ابن عم فيلسوف قرطبة الشـهير محمد بن حـزم، والوزير عبد الملك بن جهور، والوزير المصحفي، بالإضافة إلى عشرات بل مئات العلماء في كافة المجالات كـابن طُفيل وابن رشد وابن باجه في الفلسفة، وأبو عبد الله القرطبي في العـلوم الشرعية، والقاضي أبو الوليد الباجي وأبو الحسن على بن القطان القرطبي في الحديث النبوي، ومنذر بن سعيد قاضي الجماعة بقرطبة، وزَرْيَاب الموسيقى، وابن عبد ربه اللغوي الأديب، وغيرهم وغيرهم.
• ابن خفاجة الأندلسي (450-533هـ). إبراهيم بن أبي الفتح بن عبد الله بن خفاجه الهواري الأندلسـي أبو إسحـاق. من أعلام الشعراء الأندلسيين في القرنيـن الخامس والسادس. عُرِف عنه بالتأنق في مظهره ومطعمه، ولم يشـتغل بعمل ولم يتزوج قـط. وكان نزيه النفس سمي بـ”الجنّّان“ اشـهر قصـيدة له ”وصف الجبل“ وهي تشف عن رؤيته للموت والحياة، ويصـور من خـلالها كيف أن الجبل يحس السأم لطول بقائه ويتمنى الموت والفناء. اشتهرت أبياته التي تصـف الأندلس وطبيعتها الجميلة:
• يا أَهْـل أندلـس لله دَرّكُمُ ** ماءٌ وظِلٌ وأزهَـارٌ وأشْجَارُ
• ما جنّةٌ الخلدِ إِلاّ في ديَاركم ** ولو تخيرتُ هذا كنت أختارُ
• من قصائد ابن خفاجة الاندلسي (حلو اللمى)
• وأغيـدٌ حُلْو اللّـمى, أمْلـَـدٌ يُذْكِي عَلـى وِجْنَتِه الجَمْـرُ
• بِـتُّ أُنَاجِـيْـه , ولا رِيْـبـَةٌ تَعَـلّق بِـي فِيـه , وَلا وِزْرُ
• وَالليْـلُ سِتْرٌ وَدُونِـنَا وَمُرْسِلٌ قَدْ طَـرّزتْهُ أَنْجُـمُ حُمْـرُ
• أبْكِي وَيُشْجِيْني , فَفِي وِجْـنَتِي مَاءٌ , وَفِيْ وِجْـنَتَيْه خَـمْرُ
• وَأقْـرَأُ الْحُسْـنَ بِـهِ سُـورَةٌ أنَ لَها , مِنْ وَجْهِهِ , عَـشْرُ
• وَبأت يُسْـقِيْني وَتَحْـت الدُّجَى مَشْمُولةٌ, يَمْزُجُـها الْقَـطْرُ
• وابْتَسَمتْ , عَنْ وَجْـهِهِ , لَيْلَـةٌ كَأَنّهُ , فِـي وَجْهِـهَا , تَغْرُ
ابو البقاء الرُندي
هو صالح بن يزيد بن صالح بن موسى بن أبي القاسم بن علي بن شريف الرندي الأندلسي. من أهل (رُنـدة) قرب الجزيرة الخضراء، من حُفـاظ الحديث والفقهاء. كان بارعا في منظوم الكلام ومنثوره مجيدا في المديح والغزل والوصف والزهد، ولكن ترجـع شُـهرته إلى قصيدةٍٍ نظمها بعد ضياع عدد من المدن الأندلسية.
وفي قصيدته التي نظمها يستنصر أهل العُدوة الإفريقية من بني مُرين لما أخذ ابن الأحـمر محمد بن يوسـف أول سـلاطين غرناطة يتنازل للأسـبان عن عدد من القلاع والمدن إرضاء لهم وأملا في أن يبقى له حكمه المُقلقـل في غرناطة وتُعرف قصيدته بمرثية الأندلس وفيها يقول:
لِكُلِّ شَيْءٍ إِذَا مَاتَم نُـقْصَانُ
فَلا يُغَرَّ بِطِيبِ العَيْشِ إنْسَانُ
هِيَ الأمُورُ كَمَا شَاهَدتُها دُولٌ
مَنْ سَرّه زَمَنٌ سَاءَتْه أَزْمَانُ
وَهَذِهِ الدّارُ لاَ تُبْقِى عَلَى أَحَدٍ
وَلاَ يَدُومُ عَلَى حَالٍ لهَاَ شَانُ
يُمَزِّقُ الدَّهْرُ حَتْماً كُلَّ سَابِغَةٍ
إِذَا نَمَتْ مَشْرَفيّاتٌ وقُرْصَانُ
أيْنَ الملُوكُ ذَوِيْ التيِّجَانِ مِنْ يَمَنٍ
وَأيْنَ مِنْهمُ أَكَالِيْلٌ وَتِيْجَـانُ
وَأيْن مَا شَادَه شَـدّادُ من إِرَمٍٍ
وَأيْن مَا سَاسَه في الفُرسِ سَاسَانُ
وأيْن مَا حَازَه قَارُونُ مِنْ ذَهَبٍ
وَأيْنَ عَـادٌ وشَدّادٌ وقَحْطَانُ
أتى عَلى الْكُلِّ أَمْرٌ لا مَرَدَّ له
حَتَّى قَضَوا فَكَأن القَوم ما كَانُوا
وَصَار ما كان مِنْ مُلْكٍ ومِنْ مَلِكٍ
كَمَا حَكَى عَنْ خَيَال الطّيْف وسْنَانُ
من الشعراء السجناء:
 الشاعر الشريف الطـليق (ت 396 هـ) الذي سجن وهو فتى يافع مع جـماعة من الأدباء فلم يزل يأخذ عنهم حتى (ثري تربه وطار شعره) فكان السجن له المدرسة التي علمته الأدب وفتحت قريحته الشعرية.
 الشاعر يوسف بن هارون الرمادي 403 هـ الذي سجن على يد الحكم المستنصر لأشعار كان ينظُـمها هو وجـماعة من الشـعراء يتبارون في هجاء الخليفة، وضع في سجنه كتابا سماه (الطـير).
 الشـاعر عبد الملك بن غصـن الحجـازي (ت 454هـ) في سجنه وضـع رسـالة في (صفة السجن والمسجون والحزن والمحزون) واودعها الف بيت من شعره في الاستعطاف، وكانت سببا في العفو عنه.
 ابن الابار (ت 658هـ) ألف أثناء نفيه الى بجاية مؤلفه (أعتاب الكتاب).
 وكان من بين الشعراء الأندلسيين الذين سُجنوا عدد لا بأس به من كبار شعراء الأندلس وأدبائها من امثال:
 يحيى بن الحكم الغزال، وابن شهيد وابن زيمن والمعتمد بن عباد، وابن حزم الأندلسي، ولسان الدين بن الخطيب.
ادبيات وشاعرات:
من أشـهر شاعرات الأندلس حسانة التميمية وقمر البغدادية وكانتا في زمن الإمارة الأموية (138ـ316هـ)، وعائشة بنت أحمد القرطبية والغسـانية البجـانية في زمن الخـلافة الأموية (316ـ422هـ)، ولادة بنت المستكفي وأم العـلاء الحجارية وأم الكـرم بنت المعتصـم بن صـمادح في زمن ملوك الطوائف (422ـ483هـ) و نزهـون بنت القلاعـي الغرناطية في زمن المرابطين، و حفصة بنت الحاج الركونية وحمدة بنت زياد المؤدب في زمن الموحدين
نزهون بنت القلاعي الغرناطية: شـاعرة مرحة حُلوة الحديث ذات طبع ندي معطاء ونفس شـفافة عرفت بسرعة البديهة روي أنها كانت تقرأ يوماً على أبي بكر المخزومي الأعمى فدخل عليهما أبو بكر الكتندي فقال مخاطباً الشاعر المخزومي الأعمى لو كنت تبصر من تجالسه؟ وصمت المخزومي بُرهـة يفكر! ولكنه لم يجرْ جواباً، وبسرعة فائقة أجابت عنه نزهون فقالت:
لَغَدَوتَ أخْرَسَ منْ خَلاخِلِه
البدرُ يطْـلُع مِنْ أزِرّتِـهِ
والغُصْـن يَمْرحُ في غَلائِلِهِ
غـاية المُنَى: هي شـاعرةٌ أندلسيةٌ لطيفةٌ جيء بها إلى المعتصم بن صمادح راغبا في امتحانها ليعرف مستواها الادبي فقال: ما إسمك؟ قالت: غاية المنى قال: أجيزي؟
فقال: اسألوا غاية المنى؟؟
من كَسَا جِسْمي الضّنَا .......
فقالت: على الفور:
أرَانِـي مُتَـيّماً .. سَيقُولُ الْهَوىَ أَنَا
صفية بنت عبدالله الرّي: شاعرة لم تعش طويلا ودعت الشباب وهي تتألق بهجة وحيوية لم يعثر على أخبارها إلا القليل القليل، ذات مرة عابتها امرأة على رداءة خطها فقالت:
وعَائِبَةً خَطِّـي فَقُلْتَ لَها اقْصِرِي
فَسَوفَ أُرِيكِ الدُّرَّ فِيْ نَظْمِ أَسْطُرِي
نادَيْتُ كَفِّـي كَيْ تَجُودَ بِخَطِّهَا
وَقَـرّبْتُ أقْـلاَمِي وَورقي وَمِحْبَرِي
فَخَطَّـتْ بِأبْيَـاتٍ ثَلاَثٌ نَظَمْتُها
لِيَبْدُو بِهَا خَـطِّي وَقُلْت لَهَا انْظُـرِي
• بثينة بنت المعتمد بن عباد: بنت ملك شـاعر وبنت شاعرة ظريفة فلا عجب إن أُشربت حُب الشـعر منذ أن كانت بُرعماً يتفتح للحياة، إذ حلت بأبيها النكبة المعروفة وسُبيت فأصبحت من جملة العبيد تباع في الأسواق واشتراها رجل من اشبيليا ثم وهبها لأبنه ولكنه لما أراد البناء بها امتنعت وأعلنت عن نفسها وقالت لا يكون ذلك إلا بموافقة أبي وكتبت له قصيدة تحكي له قصتها في اسى وحسرة فتقول:
اسمع كَلامِي واسْتَمِعْ لِمَقَالَتِي .. فَهِي السُّلُوك بَدَتْ من الأجيادِ
لا تُنْـكِروا أنِّي سُبِيتُ وأنَّني .. بِنْتٌ لِمَلكٍ من بَنِـي عـبادِ
نساء اندلسيات:
• كما اشتهرت المرأة الاندلسية في المجال الثقافي، فنذكر القرطـبية ولاّّدة بنت الخـليفة المُسْـتكفي الشاعرة الأديبة صاحبة الصالون الأدبي الشهير، ومريم ابنة يعقوب الشاعرة الأديبة.
• وعائشة بنت أحمد التي كانت مُربية ومُعلمة لولد المنصور ابن أبي عـامر أشـهر وأقوى وزراء الدولة الأموية في الأندلس.
التراث الاندلسي:
يوجد في الأندلس ثرواتٌ نفيسةٌ من التراث كانت تنافس الثروات في بغداد ودمشق والقيروان وبلاد النيـل والدولة العثمانية وعند سقوط غرناطة وأشبيلية نُهبت وسُرقت هذه الثروات إلى اسبانيا ومنها ما تم تصديره إلى فرنسا وإلى انجلترا
المخطوطات النادره: يوجد في الأندلس مخطوطات عديدة وقديمة وموثقة توثيق تأريخي منها القرآن الكريم الذي كتب في خط اليد الاندلسي، وكذلك مخطوطة ابن البيطـار وهذه المخطوطات ما زالت محفوظة في المتحف الأسباني
العملات في الاندلس: استخدمت في العصر الأندلسي عدة أشكال من العملات الأسلامية ضرب عليها ”الشـهادتين“ على الوجهـين وأسماء الحكـام آنذاك
مقتنيات وحلي اندلسية: تتميز الحلي الأندلسية بعراقتها ودقـة صياغتها حيث كانت تلبسها النساء في المناسـبات وكانت تصنع من الفضة وبعض المعـادن الأخرى مثل الذهب والنحاس
محققين وكتاب معاصرين: من الكتاب الذي كتبوا عن تاريـخ الأندلس كُثر، نستخلص منهم الكتاب البارزين الذين أثروا الساحة العربية بتحقيقاتهم الأندلسية ومن هؤلاء الكتاب، الكاتب الكبير”إحسـان عباس“ الذي حقـق الكثير في التأريخ الأندلسي. فعباساً كان أكثر اهتماماً بالشعر في الأندلس وخارجها. وقد بدأ اهتمامه التحقيقي بالنشرات العـلمية لدواوين الأندلسيـين والصقليـين, مثل: "ابن حمديس الصـقلي (1960), والرصـافي البلنـسي (1960), والأعلى التطـيلي (1963), والكتيبة الكامنة للسان الدين ابن الخطيب في أشـعار الأندلسيين (1963), والتشبيهات من أشعار أهل الأندلـس لابن الكتاني (1966), وتحفة القادم لابن الأبّار (1986), ومعجـم الشعراء الصقلـيين (1995)".
الدكتور والشاعر والمترجم ”عبد الله حمادي“ خريج جامعـة مدريد المركزية في إسبانيا عام1980م ومتخصص في الأدب الأندلسي والإسباني واللاتينو أميركي، ويعـمل حـاليا أستاذا لمادة الأدب في جامعة قسـنطينة بالجزائر، كما يتولى رئاسة قسم الترجمة فيها. وطيلة سنوات دراسته في إسبانيا جعلته يحتك بأدبائها، وشعرائها القـدامى والمحـدثين وكأن شـيئا غامضا يجذبه إلى أعماق الأندلس ليكون مصدر إلهامه. ولهذا جالت معظـم مؤلفاته في فلك الأندلس ومدى تأثيرها على الأدب الإنساني عامة والإسباني خاصة، من مثل: مدخل إلى الشعر الإسباني المعاصر، قصائد غجرية وأندلسيات
يأتي كتابه الجديد القديم "الأندلس بين الحلم والحقيقة" الجديد لأنه صدر في العام الحالي2004 والقديم لأنه
وليـد مطـلع التسعـينيات تَمخـّض مـن خلال
فكــرة التبــادل الشــعوري والفكـــري بيــن
الضـفـتين: الأندلس من جـهـة والســـاحـل
الأفريقي الشـمالي من جهة أخـرى. ورُغـم
استكمال مادته فإنه لمْ يـرَ النـور في أوانه
بســبب الظـروف الأمنـيـة التـي عــرفتـها الجــزائر في تلك الفتـرة المعروفة بعشرية الدماء والدموع.
 الشـعر في قرطـبة تأليـف: د. محمد سعيد محمد صادر
عن المجمع الثقافي ‏2003‏‏. يتكـلم الكـاتب عن في كـتابه الشعر في قرطبة حيث يقول:” تعد قرطبة مركزاً مهماً للعلوم والفنون ولم تصل إلى هذه المكانة إلا بفضل
القادة العظـام ومنهم عبدالرحمن الثالث،
فجعلوا البلاد تعـيش في اسـتقرار الذي
جعل رقعة قرطبة تتسع والحـياة الأدبية
تنشط مع التشجيع المتواصل من قبل ولاه الأمر للشعراء.
من النساء في العصـر الحديث كـتبت الأديبة والمؤلفة: رضوى عاشور عن الحياة الأندلسية في
كتابها (ثلاثية غرناطـة) سـنة النشـر
2001 ومؤلفها يقع في 502 صفحـة
وأبرزت جـميع المراحل التي مرت بها
الاندلـس وهـو كـتاب قيِّـمٌ للغايـة.
تواريخ سقوط بعض المدن الاندلسية:
• برشـلونة 74هـ 985م قــرطــبـــة 633هـ 1236م
• قرطاجـــنة 640هـ 1242م
• مرســــــيـة 641هـ 1443م
• لشــــــبونـة 645هـ 1247م
• إشـــــبيـليـة 646هـ 1248م
• جبل طارق 702هـ 1310م
• رنــــــــــدة 890هـ 1485م
• غــرناطــة 898هـ 1492
• ليـــــــون 392هـ 1002م
• سـلمنـقـة 446هـ 1055م
• مــدريـد 476هـ 1084م
• طليطــلة 477هـ 1085م
• سرقسطة 512هـ 1119م
• مـــــاردة 619هـ 1222م
• يابســـــة 632هـ 1235م
الخاتمه: لا بد لنا ان نعرج ولو باختصار على الجانب الحضاري لمسـلمي الاندلس. فقد ترعرعت حضارة زاهية في ربوع الاندلس كان لسانها العربية ومادتها الاسلام. وقد شملت هذه الحضارة مختلف الجوانب كالزراعة والصناعة والتجارة، الادب والفن،المعمار والفلسفة وفن الحروب والفروسية. فقد انشأ المسلمون نظام ري استطاع ان يحي الكثير من ارض الموات وتحولت ارض اسبانيا الى مروج خضراء، وقد دخل الفاتحون معهم المحاصيل الزراعية التي لم تكن معروفة في اسبانيا من قبل مثل النخيل والرز وقصب السكر. كما برعوا في تربية دود القز وصناعة الحرير، أما بالنسبة للفن المعماري فنظرة فاحصة إلى قصر الحمراء ومسجد قرطبة وقصر اشبيلية جديرة أن تثبت ما وصل إليه المسلمون من درجة عالية من الرقي في الفـن المعماري والذي لا يزال محط انظار العالم إلى وقتنا الحاضر.







رد مع اقتباس
قديم 2012-11-29, 21:40   رقم المشاركة : 131
معلومات العضو
**د لا ل**
عضو مميّز
 
الصورة الرمزية **د لا ل**
 

 

 
إحصائية العضو









**د لا ل** غير متواجد حالياً


افتراضي

المحاضره الثانية:الشعر الاندلسي
1. عهد الولاة.
2. عهد بنو أمية.
3. عهد ملوك الطوائف.
4. عهد المرابطون.
5. عهد الموحدون.
6. عهد بنو الأحمر.
كـــان صَـــــدى الشِّــعر فـي عـــهــد الـــولاة ضَـــعيفاً بالنسبة للشعر الشـــرقــــي وتــردٍ فـي معانيــــه وأســـاليبه. أهم الشعراء في عهد الولاة:
1. بكـر الكـناني
2. عباس بن ناصح
3. يحيى بن حكم الغزال
4. حسانة التميمية
عهد بنو امية: ازداد الشعر ازديادا لما اولاه الحكام كم عناية ولما كان هناك حركة علمية وادبيه وهي اشبه بحركة اوائل العهد العباسي في الشرق
• اهم الشعراء في عهد بنو امية: ابن دراج القسطلي
• ابن شـهيد
• ابن حـزم
• عهد ملوك الطوائف: تنافسوا فـي نظـم الشـعر وكـانو يتراســـلون فيما بينهم شـعرا، ويحـاولون أن يعيشـــون حياة شـــعرية والسـبب تحول بلاد الأندلس إلى أمــارات، وتــنافس فيها الحكام فـي طلب العلم والأخذ بأسباب الأدب وتقريب الشعراء.
• أهم شعراء فـي عهد
ملـــــــــوك الطــــــوائف
• المعتمد بن عباد
• ابن زيـدون
• ولادة بنت المستكفي
• عهد المرابطون: انحط الشعر انحطاطا لـقُصرِ عهد المرابطــين وذلـك بســبب انهــيار المشــــرق، تضــــاءل الشــعر وتلاشى ونزع نزعة الزجل والتوشيح. مما جعل أحد أهل الحرص على جـمع الشـعر الأندلســي خشية عليه أن يضيع، مثل ابن بسـام في كتابه (الذخيرة في محاسن أهل الجــزيرة) وكـذلك كتاب ابن خاقــان القلاعـــي (قلائد العقيان).
• أهم شعراء في عهد المرابطون:
• ابواسحاق ابن خفاجة
• يحي بن الزقاق
• الأعــــمى التطــيلي
• ابن قزمان
• عهد الموحدين: عهد هدوء وسكينة، كما كان عهد عــِلـــمٌ عُـرف فيـــه العـديــد من الأدبــاء والشعراء البارزين.
• أهم الشعراء في عهد الموحدون:
• ابن الطفيل
• ابن رشد
• ابن البيطار
• الرصـــــــافـي
• حفصة الركونية
• عهد بنو الاحمر: كان عهد بنو الأحمر عهد انحلال وفوضى اشتهر فيه عدد من الشعراء البارزين.
• أهم الشعراء في عهد بنو الأحمر:
• لسان الدين الخطيب
مراحل الشعر الاندلسي: حمل العرب إلى الأندلس طبيعتهـم الشـــعرية كــما حـــمـلوا نزعــاتــهـم العـِرقيّــة، وقــــد نـظــر الغــرب إلــى الشــرق نظــر الفــرع إلـى الأصــــل، ونظــر الشــرق إلــى الغــرب نظــرة اسـتصــغار، وانتـشـــر الشــــعر فـي جميع الطــــبقات وما أن كــــان القـــرن الحـادي عشــــر حتـى قويـت الشـخصية الأندلسية وحتى أخذ الأندلسـيون يعرضون شيئاً فشيئاً عن المشارقة.
عهد الولاة: كان الشعر الأندلسـي فـي عهد الولاة صداً للشعر المشــرقي تتردد فيه معــانيه وأســـاليبه، وقد ظهرت في هذا العهد الأراجـيز التاريخية كـما ظهرت الموشحات، وانتشر شعر النّــوريات إلى جــنب الزُّهـديات و التاريخـيات. ومن شــعراء تلك الفــترة بكــر الكــناني، عباس بن ناصــــح، يـحــيى بن حــكــم الغــزال، حســانة التميمية.
ومن شعراء فترة الولاة أبو الأجــرب جعـونة بن الصِّـمَّة، وقيل أن هذا الشاعر كان بمرتبة جرير والفرزدق، كـما روي أن أبا نــواس ســأل عنه عباس بـن ناصــح الأندلـســي، حين التقى أبو نواس بابن ناصــح في العراق، والشاعر أبو الخطــار حُسام بن ضـــرار، وهـــو من أشــراف القحطــانين بالأندلس وكان شاعراً فارساً؛ لذا لقب بـعنترة الأندلس وهذان الشاعران لـم يــعثر إلا على القليل من أشـعارهما.
عهــد بنو أميـة: ازداد الشــعر انتشــاراً لما كـــان مـن حركــة علمية وأدبية ولما أولاه الحكـام من عــناية، وقد اشــتهر من الشــعـراء ابن عبد ربـه، وابن هــاني الإلبيري، والزَّبـيدِي، وابن درّاج القسطلي، واشتهر في فترة الانتقال من العهد الأموي إلى عهد ملوك الطوائف ابن شُـهَيْد، وابن حَـزْم، وقد شهدا سقوط الخلافة الأموية وبكيا قصر الخلافة فـي قرطبة.
عهــد ملــوك الطــوائف: تنافســـوا فـي نظـــم الشـــعر وكانوا يتراســـلون فيما بينهم شـعراً، ويحـاولون أن يعيشـون حياة شـعرية والسـبب تحول بلاد الأندلس إلى إمــارات، وتنافــس فيها الحكــام فـي طـلب العلــم والأخذ بأسباب الأدب وتقريب الشعراء. وقد اشتهر فـي تلك الفترة المعتمد بن عباد ابن زيــدون وولادة بنت المستكفي.
عهد المرابطون: انحــط الشــعر انحطـاطاً منــها قـصــر عهــدهم الذي لم يـهيأ ما يـهـذب خـشــــونـتـهم ويرقـــق أذواقــهم، وكــذلك بســـبب انهــيار المشـــرق، تضـــــاءل الشــعر وتلاشــى ونــــزع نزعـــة الزجــل والتوشـيح. مـما جعــل أحــد أهــل الحرص يجــمع الشــعر خشـية عـليه أن يضـــيع، مثـل ابن بســـــام فـي كـــتابه الذخــيرة فـي محاســن أهل الجــــزيرة وكـذلك كتاب ابن خاقــان القلاعي قلائد العقيان.
وقد تغلب في هذا العهـد ذوق العــوام، ومال الشــعر إلى كــل ما هــو سُـوقـيّ، واتســم بســـــمةٍ البـذاءة، والهـجــاء اللاذع والمتحرِّرين والمجان، وعهد كبار الزجالين. وقد اشتهر من الشعراء أبو إسحاق بن خفاجة، وابن أخـته يحي بن الزقاق، والأعمى التطيلي، وابن قزمان.
عهـد الموحـدون: كـان عهد هــدوء وســكينة كما كان عهد علم عرف فيه ابن الطـفيل وابن رشد ابن البيطار وغــالب البلنســي المعروف بالرُّصــافـي، واشتهر عدد من النســاء اللــواتي يــتــعـاطــين القريــض ، منهــن حفصــة الركــونية، كــما اشــتهر ابن الأبّار القُضَاعي.
اتجاهات الشعر الاندلسي: هناك ثلاث اتجاهات للشعر الأندلسـي وإذا نظـرنا إلى الشــعر في بداية الأمر وجدنا أنه سار في اتجاه المدرسة المشــــرقــيــة المحافظـــة. وإن أو مظـــهر من مظــاهر هـذا الاتجاه المحافظ هو الالتـزام بالموضــوعات التقــليدية، كــما كــان يســــير عـلى منــهــج الأقــدمــيـن فـــي بنـــاء القصيدة وفي تجميع صورها من عالم البادية وتأليف أسلوبها فـي الأعــم الأغـلب على الأسلوب الذي يعتمد على الألفاظ الجـزلة والعــبارات الفخــمة، كـما يميـل إلى الأبحر الطويلة ذات القوافـي الرنانة.
ومن أمثلة ذلك قول أبو المخشي من قصـيدة يمدح بها عبد الرحمن الداخل ويصف الرحلة إليه فيقول:
امْتَطَــيْــنـَا سِـــــمَاناً بُـــــدْنا فَتَركـْــنَاها نَضَــــاء بالـعَـــنا
وذُريْـنَى قدْ تَجـَـاوَزتْ بِهَــا مَهمَها قفراً إلى أهْل النّدى
قَاصِدا خَير مَنافٍ كُلها ومَنافٌ خَيرُ من فَوقِ الثّــرَى
وردت هــذه الأبـيـــات فـي ( الإحاطــــة) لابــن الخــطـــــيب (مخطوط بالإسكوريال رقم 1673، ورقة352) نقــلاً عن أحمد هيكــــل، الأدب الأندلســي ص82. ويتـــصــل نســب الشاعر بالعبــاد نصــارى الحــيرة، وكــان أبــوه مع جند الشام الذين وفدوا على الأندلس في فترة الولاة، وكان أبا المخشــي ذا بــذاء زائد يتســرع به من لا يوافقـــه مــن النـاس، وذا هجــاء يمــس الحـــرم ويتــــناول الأعـــــراض؛ لذا كان الشعراء يجدون فـي أصله النصــراني البعيد مغمزاً يعيرونه به،
وقد ذكر فـي إحدى مدائحه بيتاً من الـشعر اعتبره هشام بن عبد الرحمن الداخل تعريضاً به. وهــو هـذا البيت:
ولَيْسُوا مِثْلَ من إنْ سَيل عرفا
يُـــقَــلِّــب مُقْــلَــة فِيْــــهَــا إِعـْــــوِرَار
فهــشــام كـــــان أحـــــول فاغـــتــاظ مــن أبـــي المخـــشــي، فاســتدعاه إلى مديـــنة مـاردة وكــان هشام واليها فـي حياة أبيه فخــرج إليه طامعاً فـي عطائه، فلــما دخــل عليه قال له: "يا أبا المخشـي إن المـرأة التي هـوت ابنها، فقذفتها فأفحشــت فيها، قد أخلصت دعاءها لله فـي أن ينتقــم لهــا منك، فاســتجاب رجـــاءها، وســلطـــني لأقــتص لها" ثم أمر به فقطــع بعض لســانه وســـملت عيناه، فعظــم مصابه وكــثرت شــكواه فـي أشعاره.
ولما بلغ عبد الرحمن الداخــل صــنيع ابنه عــنفه، ثـم قدم الشـاعر على عبد الرحمن وأنشـده قصيدته التي صدرها بتصوير محنة العمى، فرق له الأميـر وأجازه بألفـي دينار وضـاعف ديـته، ولما صــار الأمر إلى هـشام بعد أبيه استشعر الندم مما أصاب الشاعر على يديه، فتــرضـــاه وضــاعف ديتــه كـذلك. وردت أخـــبـاره فـي المغرب لابن سعيد، ج2، ص124.
الاتجاه المحدث أو الجديد ونعني بهذا الاتجـاه، الاتجاه الذي سـار فـي المشرق مثل أبي نواس ومســلم بن الوليد وأبو العتاهية وأمثالهم من المجددين، والذي تزعمه أبو نواس حــين ثار عـلى الاتجــاه المحــافظ ونـدّد بطــريقتـه وراح يطرق أغراض جديدة وبنهج وأســلوب محدث ثــار عـــلى المقـــدمة الطــــــــللية كـــما ثار على الموضــــــــوعات التقـليدية وأهـتم بأغــراض شــعرية لم تــكن شـــائعة من قبل وتوسع في الغزل والخمر ووصفها.
فمن المعــروف أن أصـــل نشــأة هـذا الاتجاه فـي الشــرق كــان أثــراً للحــياة الجـــديدة التي عاشـــها الناس فــي العـــصـــر العـباســي الأول وأخـــــذ
النـاس يفتحـــون عــيونـهـم عــلــى
دهشــــة مســـتــحــدثات الحضـــارة
لقــد كـــان لهذه الحركــة التــي
تزعمها أبو نواس ومعاصروه أثراً
على بعض الشـــعراء..
من هؤلاء الـشعراء عباس ابن ناصح الذي ســافر إلى المشـــرق والتـقى بأبي نواس فـي العــراق وســمع شــعره وعاد إلى الأندلس فأشاعه بينهــم وما لبث أن تــمثلوه وأنتجوا شعراً مشابهاً به بل يفوقه في بعض الأحايين ونتيجــة الحــياة الجــديدة أيضــاً التي بدأت يحـــيونها العرب في بلاد الأندلس ظهرت تلك الأشعار المحدثة التي أخــذت اتجــاهات جــديدة مثل: الخـــــــــمـــــريــــات، والمجــــونــيـــات، وظــهر الغــــــزل الشــــــاذ.
ومن أمثل هذا الاتجاه قول المطرف بن عبد الرحمن الأوسط:
أفْنَيتُ عُمْري بالشُّرْبِ والوُجُوه الـمِلاح
ولَمْ أضَيع أصيلاً ولا إطِّلاع صَبَاح
أُحـيّ اللّيالِــي سُهْداً فـي نَشْــوةٍ ومِـرَاح
ولم أسْــمَـع مَاذا يَقُــول دَاعِ الفَـلاح
* فالأبيات صريحة في المجون والعبث وضياع الوقت بين الخمر والملذات.
فيمكـن أن نجـمل خصــائص الاتجاه المحـدث بأنه اتجـاه فيه ثورة على الأغراض القديمة؛ ولذلك فموضــوعـاته جديدة، ومن حيث الأسـلوب فنلاحـظ أنه واضـح وســـهل والألفاظ تعبر عن المعاني دون تكلف، ويضـاف إلى ذلك أنه أسلوب يميل إلى التفصيل ويتجه أحياناً إلى القص، وتشـع فيه روح الدعــابة والســخرية والتحــرر الزائـد، أما الموســيقى فهــذا الاتجــاه يتجــه نحــو البحــور القصــــيرة والقوافي الرقيقة.
• ومن أمثلة ثورة أبو نواس والتعريض بكل واقف على الأطلال والنيل من العرب في سخرية قوله:
قُلْ لِمَنْ يَبْكِي عَلَى رَسْمِ دَرْسٍ
وَاقِفاً ما ضَرّ لَوْ كَانَ جَلَسْ
اتْرُكْ الرّبْعَ وَسَلْمَى جَانِباً
واصْطَبِحْ كَرْخِيـَّةَ مِثْل الْقَبَسْ
وظهــر الاتـجــاه المحافــظ الجــديد فــي المـشـــرق كـــرد فعـــل للاتجــاه المحدث الذي تزعـمه أبو نواس والذي خرج بالشعر العربي عن كــثير من تقــاليده فجـاء هذا الاتجـاه المحافظ الـــجديد ليعــيد إلى الشــعر الــعربي طـــبيعــته العـربيــة دون الوقــوف عــلى أو الجــمــود، ومــن هــنـا كــــان هـــذا الاتجــــــاه محافظاً من جــانب ومجــدداً من جــانب آخـر، فهو محافظ فـي منهــج القصــيدة ولغــتـها ومــوســيقــاها ثــــم فـي روحــــها وأخلاقياتها، وهو مجــدد فـي معاني الشعر وصـوره وأسـلوبه وجمالياته.
ومــن خصـــائص هــذا الاتجــاه المحافــظ الجــديد أنــه يســير على الطــريقة القـديمة فـي البدء بالبكـاء على الأطلال أو الافتتاح بالغـزل، ثم الانتقال إلى الغـرض الأساسي الذي قد يسبق فـي وصف رحلة الشاعر وقد يـتبع بالفخــر. وكـذلك من ناحــية اللغــة يفضــلون أصحاب هذا الاتجـــاه الأســلــوب القــديــم ذا الألفــاظ القويــة الجــزلة، وفخاــمة العــبارة.
ومن حـيث الموســيقــى يـؤثــرون الأوزان الطــــويـلة ذات النغــم الوقــور، والقوافـي القــويــة ذات الرنــين الرزيـن. ومن حيث روح الشــعر وأخــلاقيته يبتعـد أصحب هذا الاتجــــــاه عـــن الإفـــــراط فـــي المجــــون والمجــاهـرة فـــي العصــيان واجــتناب الفخــر بارتكــاب الرذائل.
ومن حيث معانــي الشعر وصــوره فقـد كـانوا يســيرون مسـيرة المجـــددين فـي البحث عــن المبتــكر الرائـع، ومن تلـك صــور تشــخيصــية ورائــعة لــوادٍ ظــليل تــقـــدمهــا الشــاعرة حــمدة بنـــت زيـــاد المؤدب إذ تقول:
وقَــانَا لَفْحَــةِ الرّمْضَـــاءِ وَادٍ
سَقَاهُ مُضَاعَفُ الغَيْثِ العَمِيمِ
حَـلَلْنَا دوْحـهُ فَحَــنّا عَــــلَيْنـا
حُنُوَّ الْمُرضِعَاتِ عَلَى الفَطِــيْــم
وأرْشَـفْنَا عـَـلى ظَــمأٍ زُلاَلاً
أَلَــذُّ مـِـــنْ الُمُـــدَامَــــــةِ للنَّــدِيــــمِ
يَصُدُّ الشَّمْسَ أنَّى واجَهَتْنَا
فَيـَـحْجُــبُهَا ويَــأْذَنُ لِلنَّسِــــيـــم
وحــمدة بنت المؤدب تسـمى (حـــمدونة) ونسـب إليها أهـل المغــرب الأبيات الشهيرة المنسوبة للمنازي الشاعر المشهور وهو أحمد بن يوسف المنازي المتوفى سنة سبع وثلاثين وأربعمائة:*
وَقَـــانَا لَفْحَـــةَ الرّمْضَــــاء وَادٍ سَقَاه مًضَاعَف الغَيْثِ العَمِيْم
نَزَلْنَا َدوْحَـــهُ فَحـَــنّا عَـــلَيْنا حُنُوّ الْمُرضِعَاتِ عَلَى الفَطِيْـــم
وَأَرْشَــــفْنَا عَـــلَى ظـَــمَأ زُلاَلاً يَــرُدُّ الــرُّوحَ لِلقَــلْبِ السَّــــقِيــْم
يَصُدُّ الشَّمْسَ أنَّى وَاجَهَتْنا فَيَحْــــجُــبُها وَيَـــأْذَنُ لِلــنَّسِـــيْم
يَرُوعُ حَصَاه حَالِيَةَ العَذَارَى فَتَلْمَسُ جَانِبَ الْعِقْد النّظِيْم
المحاضره الثالثه:
موضوعات الشعر:المدح من ابرز شعراء الاندلس في المدح قمر البغدادية: مَا في المَغَارِبِ مِنْ كَريمٍ يُرتَجَى
إلاّ حَلـِيفُ الجُودِِ ابْرَاهِـيْمُ
إِنِّي حَـلَلْتُ لَدَيْهِ مَنْزِلَ نِعْمَةٍ
كُلَّ المَنَـازِلَ مَا عَدَاهُ ذَمِيْـمُ
الرثاء/ ابو البقاء الرندي في قصيدته رثاء الاندلس لكل شي..."الى خيال الطيف وسنان
المعتمد بن عباد رثا نفسهعندما نفاه يوسف بن تاشفين الى مدينة اغمات التي مات فيها فقيرا مأسورا
فِيْمَا مَضَى كُنتَ بِالأيّامِ مَسْرُورَا
فَجَاءَكَ العِيْدُ فِي أغْماتِ مَأْسُورَا
تَرَى بَنَاتِكَ فـي الأطْـمـَارِ عَارِيَةً
يَطَأْنَ فِي الطيْنِ مَا يَمْلِكْنَ قِطْمِيرَا
• الغزل: تناول كثير من الشـُّعراء في الأندلس شعر الغـزل في قصائدهم خصوصا من هُـم قـريـبون من الحكَّام، أو اللذيـن تــم ســجنهم، ومن أبرز ما كـتب في الغزل ابن خــفاجــة فـي قصـــــيدته المشـــهــورة: (حُلو اللّمى): وأغيدٌ حُلْو اللّمى, أمْلَدٌ** يُذْكِي عَلى وِجْنَتِه الجَمْرُ
• بِتُّ أُنَاجِيْه , ولا رِيْبـَةٌ**تَعَـلّق بِي فِيه, وَلا وِزْرُ
• وَالليْلُ سِتْرٌ وَدُونِنَا وَمُرْسِلٌ**قَدْ طَرّزتْهُ أَنْجُمُ حُمْرُ
• أبْكِي وَيُشْجِيْني فَفِي وِجْنَتِي**مَاءٌ وَفِيْ وِجْنَتَيْه خَمْرُ
هذه هي حفصة الركونية تعبر للوزير الوسيمابي جعفر عن ولعها به ونهمها الى حب يدفع بها الى الغيرهثم ينتقل بها من مرحلة الغيره الى مرحلة الاثره والانانية: أخَافُ عَلَيكَ , مِنْ عَيْنِي ومِنِّي
ومِنْكَ , وَمِنْ زَمَانكَ , والمَكَانِ
وَلَوْ أنِّي خَـبَّأْتُكَ فِي عُـيُونِي
إلَـى يَوْمِ القِـيَامَةِ مَا كَـفَانِي
• لم تلفت ولاّدة من شعر إبن زيدون وهــو يجــوب قُرطـــبة وضـــاحــيتـــهــا الزهـــراء عاشـــقاً ومولـــعــاً ومتيـماً بِحُــب ولادة بنـت المُســـتكــفي، وقـد كتب فيها الكثير، ومن شعره:
• إني ذَكَرتُكِ بالزّهْرَاءِ مُشْتَاقَا **وَالأُفْقُ طَلْقٌ وَمَرْأى الأرْضِ قَدْ رَاقَا
• وَلِلنّسِـيمُ إعْتِلالٌ في أصَائِلِهِ ** كَـأنّهُ رَقَّ لِيْ فَاعْـتَلّ إشْـفَاقَا
• نَلْهُو بِمَا يَسْتَمِيلَ العَيْنَ مِنْ زَهْرٍ ** جَالَ النّدَى فِيه حَتى مَالَ أعْنَاقَا
• كَأنّ أعْيُنُه إذْ عَايَنْت أرْقَـي ** بَكَتْ لِمَا بِي فَجَالَ الدّمْعُ رِقْرَاقَا
• الهجاء: لمْ تَقُم له سوق رائد فـي الأندلس ولا سيما الهجاء الســياسي لقلـّة الأحزاب الســياســية وقد ظـهـر فـي عهـد الأمـراء هجـاء بين الـمُضـريّة واليمنيّة، ولكن لم يحفظ لنا منه شيئا.
• لم يكن هناك هجـاء سياسـي بالمعنى المعـروف عند المشـــارق كالدفــاع عن العُرفِ وذم الشــــعوبية لأن الشعوبية لم يكن لها شأن فـي الأندلس.
وعلى كل حال فإن الشعراء اللذين مارسوا هذا الغرض لم يبلغوا فيه شأن المشارقة، وأشــهر من عُرف بهذا الفن أبو بكر المخزومي الأعمى. بينه وبين نزهون القلاعي الغرناطية معابثات فاحشة قال فيها المخزومي
على وجه نزهون من الحسن مسحةً
وتحت الثياب العار لو كان باديا
قواصد نزهونٍ توارك غيرها
ومن قصد البحرَ استلقى السواقيا
فأجابته نزهون
إنْ كَانَ مَا قُلْتَ حَـقــًّـا منْ بَعْدِ عَهْـــدٍ كَرِيْم
فَصـَــار ذِكْـرَى دَمَـــيْما يُـعْزَى إلىَ كُـــلَّ لَــــوْم
وَصِــــرْتَ أقْــبـَــــحَ شَــــيْءٍ فـي صُورَةَ الْمَخْزُومِي

• الخمر: حظي الخـمر بنصيبٌ كبير من الشعر الأندلســي، وكـان أكـثر ما تـناوله هُـم العاشـقون الهـائمون، ومن أشــعارهم في الخمر.
• قال علي بن أبي الحسن في وصف الراح:
• يَرُوجُ مِنْ الْخَطيِّ فِيْها كَواكِبٌ
• لَهَا منْ قُلُوبِ الْمُجْرِمينَ مَنَازِلُ
• تَرَدّتْ نُحُولَ العَاشِقِيـنَ كَأنّمَا
• بِهَا مِنْ تَبَارِيْـحِ الغَـرَامِ بَلاَبِلُ
• وقال شاعر آخر:
وَنَدِيـمٌ هِمْـتَ في غَرّتِهِ
وَبِشُرْبِِ الرَّاحِ منْ رَاحَـتِهِ
كُلّمَا اسْتَيقَظَ منْ سَكـْرَتِه
جَذَبَ الزِّقَّ إلِيْه واتَّكَا*وَسَقَانِي أَرْبَعَا فِيْ أرْبَع
وقال الغزال في وصف الخمر:
وَمَا رَأيْتُ الشُّربَ أكْدَتْ سَمَاؤُهم
تَأبّطْتُ زِقِّـي وَاحْتَسَـبتُ عَنَائِي
وهذا أبو زكريا يحيى بن محمد المعتصم بن معـن, رفيع الدولة يصف مجلس لهو وخمر:
أبَا العَلاءُ, كُؤُوس الخَمْرِ مُتْرَعَةٌ
ولِلنّدَامَى سُرُورٌ في تَعَاطِيْهَا
ولِلْغُصُونِ تَثن فَوْقَهَا طَرَبا
وَلِلْحَمَائِمِ سَجْعٌ في أَعَالِيْهَا
فَاشْرَبْ عَلى النَّهْرِ منْ صَهْبَاءٍ صَافِيَةٍ
كأَنّها عُصِرَت منْ خَدِّ سَاقِيْها
• الوصف: إن أكـثر ما تم وصـفه في الأندلس هـي المزارع أو أراضــي الفــلاحين حــيث كــان لهـم اهتمام كــبير فـي الطــبيعة لـمَ لها من تأثيـــر نفســي وعمق تأصـيلي في الحياة ومن تلك الأوصاف نذكر ما قــاله: الأميـر عبدالملك بن بشــر بن عبدالملك بن مروان:
• تَبَدّت لَنَا وَسَـطَ الرّصَـافَة نَخْـلَةٌ
• تَنَاءتْ بأَرْضٍ الغَرْبِ عَن بَلَدِ النّخْـلِ
• فَقُلْت شَـبِيْهي فِي التّغَربِ والنّـوَى
• وطُولَ التّنَـائي عنْ بَنِيْ وعنْ أهْلـِي
• نَشَأتُ بأرْضٍ أنْتَ فِيْـهَـا غَرِيبـةٌ
• فَمِثْلُكَ في الإِقْصَـاءِ والمُنْتَـأى مِثْلِي
• سَقَتْكَ غَوَادِي المُزْنَ مِن صَوْبِهَا الّذي
• يَسُـحُّ وَيَسْتَمرِي السّمَاكِين بِالوَبْل
• بِمَهْلكَةٍ يُسْتَهلَكُ الجُهْد عَفْوِها
• وَيَتْركَ شَمْلَ العَزْمِ وَهو مُبَدّد
• تَرَى عَاصِفَ الأرْوَاحِ فِيْهَا كَأنّهَا
• مِنْ الأَيْنِ تَمْشِي ظَالِعٍ أوْ مُقَيدّ
• العفه: من الخصــال التي تمــيز بهــا أهــل الاندلـس (العـفّــة) والمحــفاظــة على خصال الحياء، وتعتبر العفة صفة محمودة في ذاك العصـر الرائع قــال أحـــد الشــــعراء المجــهــوليـن يصــــف الأخلاق والعفة: وطَائِعَةَ الْوِصَالِ عَفَفْتُ عَـنْهَا
• وَمَا الشّـيْطَانُ فِيْـها بِالمُطَاوَعِ
• بَدَتْ فِي اللّيْلِ سَـافِـرَةً فَبَانَتْ
• دَيَاجِـي اللّيلُ سَـافِرَةَ القِـنَاعِ
• وَمَا مِـنْ لَحْـظَـةٍ إلاّ وفِيْـها
• إلى فِتَـنِ القُـلُوبِ لَها دَوَاعِي
• فَمَلّكْتُ النُّهَى جَمَحات شَـوْقِي
• لأجْرِي فِي العَفَافِ عَلى طِبَاعِي
• الحماسه: من شـعرِ الحماسةِ ما قاله الفاتح طـارق بن زيـاد وهو يَحثُّ المسلمين على حماس الجهـاد عبر مســيرته الطـّـويلة في الذود عن دمـــارِ الاســلام والترغــيب في الحـرب والنِّضـال من أجل إعلاء كلمة الله ورفع راية الاســلام في الأندلـس
• رَكِـبْنا سَـفِيناً بالمَجَـازِ مُقِـيرا
• عَسَى أنْ يَكُونَ الله مِنّا قَدْ اشْتـَرَى
• نُفُوسَـاً وَأمْـوَالاً وَأهْـلاً بِجَـنة
• إذَا مَا اشْتَهَيْنا الشّيء فِيْهَا تَيَسـّرا
• وَلَسْنَا نُبَالِي كَيْفَ سَالَت نُفُوسَـنَا
• إذَا نَحْنُ أَدْرَكْنَا الّذي كَانَ أجْـدَرَا
وقال الأمير بن مُردنيش يصف الحماسة والشجاعة في المعركة: أَكُرُّ عَلَى الكَتِيْبَةِ لاَ أُبَالِي
أَحْتَفِي كَان فِيْهَا أمْ سِوَاهَا
الزهد
» هو إنصـراف الإنسان عن متاع الدنيا وحطامها اللذين يكونان سببا في خطيئة الإنسان والإلتفات إلى عـبادة الله وطاعته، وقد اختلفت دواعـي لجـوء الشـــعراء إلى الزهــد، فمنهـــم من
أصـــبح زاهــدا بعـد أن أســـرف فـي
اقتراف المعاصي واقتناص الملذات
بكـل أنواعــها.
قال الشاعر ابو الوليد الباجي:
إذا كُنْتُ اعْلَمُ عِلْماً يقيناً
فَلِمَ لا أكــونُ ضَـــنيناً بـِـها
بأنّ جَميعَ حَيَاتي كَسَاعةٍ
واجْعَلهَا في صَــلاَحٍ وَطَـاعةْ
• المدح: من أبـرز شُــعراء المـدح فـي الاندلـس نـذكـر للعرض لا للحصر، شاعرة عالية القامة في الشعر، ذات رأي سديد وجواب شاف، ومنطق صائب، هي (قـَمَر البغداديـة) التي امتدحت مولاها ابراهيم بن حجاج اللخـمي:
• مَا في المَغَارِبِ مِنْ كَريمٍ يُرتَجَى
• إلاّ حَلـِيفُ الجُودِِ ابْرَاهِـيْمُ
• إِنِّي حَـلَلَتُ لَدَيْهِ مَنْزِل نِعْمَةٍ
• كُلَّ المَنَـازِلَ مَا عَدَاهُ ذَمِيْـمُ
• الحكمة: إنّ الشعراء الأندلسيين بدت حكمتهم ساذجة لم تنشر في تلك الربوع، بل تأخر ظهور الفلاسفة إلى آواخر القرن الخامس في عصر المرابطين والموحدين فقد كان هذا العصر عصر فلسفة وتأليف. فيه ظهر ابن باجة وابن رشد وابن طفيل.
فقد كان للفقهاء سلطانا على ملوك الأندلس فقد ضيّقوا حرية التفكير وكفروا كل مُتفلسف وأفتوا بنفيه وإحراق كتبه. فكانت العامة تُجاري أهواء الفقهاء لذلك لم يظهر شعر الحكمة في شعراء الاندلس وإن كان إبن هانئ أكثر الشعراء الأندلسيين إهتماماً بالحكمة في شعره فهو بذلك محاولاً تقليد المتنبي.
وحكتمه تدور حول شكوى الدهر والتحذير من الدنيا، فكانت كحمة غيره من الشعراء مبتذلة بعيدة عن النضج. ومن قوله في قصيدة يرثي فيها ولداً لإبراهيم بن جعفر بن علي أحد ممدوحيه:
وهب الدهر نفيساً فاسترد ربما جاد بخيلاً فحسد
خاب من يرجو زمانا دائماً تعرف البأساء منه والنكد







رد مع اقتباس
قديم 2012-11-29, 21:41   رقم المشاركة : 132
معلومات العضو
**د لا ل**
عضو مميّز
 
الصورة الرمزية **د لا ل**
 

 

 
إحصائية العضو









**د لا ل** غير متواجد حالياً


افتراضي

المحاضره الخامسه: الموشح :عــرّف ابن ســناء الملـك الموشح فقــال: الموشــح كلام منظوم على وزن مـخصــوص، ومـن هُــنا نـعـلم بـأنّ الموشّـحــات تـخـــتلــف عــن القصـائد بخروجها عن مبدأ القافية الواحدة بل تعتمد على جُــملةٍ من القــوافـي المتــناوبــة والمتناظــرة وفق نسق معين. والموشحات تخـتلف عن الشــعر من ناحــية أخــــرى، حـــيث أنهـــــا تـنطــــــوي فــي بعـــض أجــزائها وبخـاصـــة خاتمــتها على العبــــارة العاميـــــة دون الفُـــصــــحى كــــما تـتـــــصـل الموشــــحات اتصــــالاً وثــيقاً بفن الموســيقى وطريقة الغناء فـي الأندلس.
بداية الموشح الاندلسي: بدأت الموشحات فــي الأندلس منذ القـرن الرابع الهجـري ولا زالـــت تُغـَــنـــى كــأغـــانٍ للمجــمــوعــــة فـي كـل من ليـبـيـــا والجـــزائـــر والمغــرب وموريتـانيا حتى الآن.
تسمية الموشح: تسمية الموشح استعيرت من الوشاح والذي يعّرف فـي المعـاجــم "سـيرٌ منسوج من الجلدِ مُرصّـــع بالجـواهر واللـؤلـؤ تـتـزين به المرأة“ ولهذا سمي هذا النمـط بالمـوشح لما انطــوى عليه مـن ترصيع وتزيين وتناظر صنعه.
تلحين الموشح: تلحــن الموشــحات على الـموازيــين الـمســتعــملة فـي الموسيقى العربية ويستحسن أن تلحن على الموازيين الكبيرة كالمربع والمحجر والمخمس والفاخــت أو من أي وزن آخر يقسـم الـموشـح عند تلحـينه إلى ثــلاثـة أقســام ويســـمــى القســـم الأول بالــدور ويقـاس عـليــه القســم الثــالـث وزنــاً وتلحـــيــناً ، أمـا القســـم الثــــاني فيســمى الخــانة وغــالباً ما يخــتلف الوزن والتلحـــين فـي هذا القسم عن الدور الأول والثالث.
انواع الموشح: هُناك عدة أنواع من الموشح تخـتلـف بعضـها عـن الأخر، من حيث الوزن والشـكل والرسـم والبيئـة وكـذلك من حــيـث التـوشـــح بهــا كـلحنـا أو لفظاً ــ أي الموشح ــ كصــوتا.
الكـار: وهـو الذي يبدأ بالتـرنـُّم ويكـون على إيقـاع كبير كموشح
“برزت شـمس الكـمال“
لأبي خليل القـــباني.
الكــار الناطق: وهو الذي يكون ملحناً على إيقـاعــات متوســطـة مع توريــة فـي الشـــعـر باســم المقــامات كــموشح:
غَـنّـت سُـليمَى فِـي الحِجَاز
وَأطــْـــرَبـَــتْ أهـْــــلَ العـِـــــرَاق
النقـش: وهو الذي يكـون مُلحناً من ثلاثـة إيقاعات إلى خمسـة غير محددة كموشح
"نـَـبّه النّـدْمَان صَـاح"
الزنجــير العربـي: وهـو الذي يكـون مُلحـناً من خــمســة إيقاعـــات غــيــر مُحــددة مـثـــل موسـيقــى نقـش الظــرافات.
نموذج لموشح الكار لابن معتز
أيُّها السّاقي إليكَ المشْتكَى**قَدْ دَعَونَاك وإنْ لَـمْ تَسْمعِ
ونديـــمٌ هِــمْت فــي غَــــرّتـِهِ ** وبــِــشـُربِ الــرّاحَ من رَاحَـتــِــهِ
كُلما اسْتيقَظَ مِنْ سَكـْرتِه
جَـــــذَبَ الزِّقَّ إليــهِ واتّــــــكَـــــا
وَسَـــقانِي أرْبَـعـــا فــــي أرْبَــــع
مَا لِعـَيْـنـي عَشِـيَتْ بالنّــظَــر
أنْكَـرَت بَعْدَكِ ضَــوْء القــَـمَر
وإذا مَا شِـئْت فاسْـمَع خَبَري
عَشِيَت عَيْناي مِنْ طُول البُكا**وَبَكا بَعْضِي عَلى بَعْضِي مَعِي
الزّنْجِـير التركي: وهـو الذي يكــون مُلــحــناً مــن خمســة إيقاعــات محــددة.
الضُّــــربَان: وهو الذي يتــألف من إيقــاعــين غــير محــددين ، فيــكون الدور من إيقــاع والخــانة من إيقـاع آخر كموشح ”ريم الغاب ناداني“ لنديـم الدرويش.
الـمألوف: ويتألف من دورين وخانة وغطـاء ويسمى سلسلة وهو من إيقاع واحد ومثاله”املألي الأقداح“
القَــدْ: موشح من إيقاع صـغير كالوحدة وأولــه يـبدأ كـمذهب يــردده المغـــنـون ، وأول ما لُحِّـنَ هذا اللــون سـمي بالـموشحات الصغيرة ولا يجوز أن نطلق عليه أغنية بل نقول قد وجمعه قدود.
اشهر الموشحيين الاندلسيين: من اشـــهر الـموشــحين الأندلســـيــيــن ابن قـــزمــان الأصــغر وهو محمد بن عيسى بن عبد الملك بن عيســى, أبو بــكر, المعـــروف بابن قــزمــان الأصــغر, تمييزا له عن عمه أبي بكر محـمد بن عبدالملك (ت 508هـ). من أهـل قرطبة كان إمام الزجالين بالأندلس, تناقل الناس أزجاله فـي أيامه.
كـان ينظم الموشحات بكلام العـامــة حين رأى نفـــسه مُقصِّرا عن أندادهِ ومُعاصريه فـي نظـم الشـــعر بكـــلام الفصــحاء من الشـــعراء كـابن خــــفاجــــة وابن حــمديس وغيرهما. فـي شــعره جرأة وشيء من النقـد الاجـــتماعي, وله ديــوان فيه مديــح وغزل وخمريات.
قال فـي الموازنة بين الفارس والأديب:
يُمْسِـك الفَارِس رُمْحـًا بـِيـَـدْ
وَأنـَــا أُمْـسِــكُ فِيْهـَـا قَصَـــبـَـة
فِكَــلاَنـَــا بَطـَــــلٌ فِــي حَــرْبــِـــهِ
إِنّمــَـا الأقـْـــلاَمُ رُمْــحَ الْكَــتَبـَـة
وله فـي الهرم بعد الشباب:
وَعَهْــدِي بِالشـّـبَابِ وَحُسْـنَ قَــدِّي
حَـكَى ألْـفَ ابْن مُقْلَةَ فـي الكِتَاب
فَصُــرْتُ اليَــوْمَ مُنْحَــنِيـًـا كَــأنـِّي
أُفَتِّشُ فِــي الــتُّـرَابِ عَـلَى شَـــبَابِي
وهناك ابن الصابوني الإشبيلي: وهو محمد بن أبي العباس أحمد بن محمد الصابوني الإشبيلي. كان يلقب بالحمار, لقّبه به أبو علي الشلوبين (ت 546هـ) فلزمــه هـــذا اللقـــب , لأنـــه ضــــــيق الصـــــدر مريــض الأعصاب, شـديد الانحراف عن المسلك الاجتماعي السـوي , سيئ التصرف. كــان شــاعرا جــيد المعــاني, متين السبك, جزل
لــه موشــحات , لكــن تطــرفــه فـي الإعجــاب بنفســـه أكســبه عداوات كثيرة وألقى ستارا على شهرته. اتصـل برجـال الدولتـين الـموحدية والحفصـية فلم يـَنلْ ما كان يُؤَمِلُه فــعـزم على الرحـلـة إلى مصــر, فلما وصلها لم يجد من يُقَدره قَدْرَه وعاجلته المنية فمــات فـي الطــريق إلى الإســكــندرية. قال عــنه ابن الأبار (ختمت الأندلس شعراءها بابن الصابوني).
من موشحاته:
قَسَمًا بالهَوَى لِذِي حَجَرٍ * مَا لِلّيْلِ المُشَوقِ مِـنْ فَجْر
خَـــمَدُ الصُّبـْــحُ لَيْسَ يُطْـــرُد
مـَــا لِلَيْــلـِي فِيْمـَــا أظُــنُّ غَــد
صَــحْ يـَـا لَيْــلُ أنـّـــكَ الأَبــَــــد
أوْ تَقَضّتْ قَـوَادِمَ النّسْرِ * فَنُجُـومَ السّـمَاءِ لاَ تَسْـرِي
ابن الجــيان أبو عـبد الله: هو محـمد بن محـمد بن أحمد الأنصــاري, أبو عبد الله بن الجــــيان, من أهــل (مرسية). من الكـتاب الشــعراء. كــان قصــيرا جــدا يظن من يراه من خـلف أنه ابن ثـمانية أعوام. خــرج من بلنســية سنة 640هـ حين استولى عليها الأســبان واســتقر فـي (بجـــــاية) بالـمغرب الأوسـط (الجــزائر) وكــانت بينه وبـين كـــتاب عصـــره مكـاتبـات ظــهرت فيها براعته. توفـي فـي (بجاية).
له موشـحة فـي مدح الرســول صلى الله عليه وسلم يقول فيها:
اللهُ زَادَ مُــحَـــــــمّــدًا تَـــــــكْـــــريــْــــــــمــــا
وَحَبـَـــاه فَضْــــلاً مِـنْ لَدُنْهُ عَظِــــيْــما
وَاخْتَصّــــــهُ فِــي الـمُرْسَلِيْن كَـرِيْما
ذَا رَأْفَـــةٍ بـِالـمُـؤْمـِــنـِـيْـــنَ رَحَــــــيْــمـــا
صَـــلـّـــــوا عَــلَيـْـهِ وَسَــــلِّمِوا تَسْـــلِيْما
هـناك عدد كــثير من الـموشــحين الأندلسـيـيـن نذكـر بعضا منهـم لا للحصر:
1. ابن اللبانة. هو محمد بن عيسى بن محــمــد اللخــمي الدانــي , أبــو بكــــر مــن أهـــل (دانــيـــــة) بالأندلس وإليها نسبته. واللبانـة هي أمــه التـي كــانت فيما يبدو تبيع اللبن. أديب ناثر, شاعر, مُكـثـر ومُجيــد فـي نـثــــره وشــعـــره ولــه قــصــــــائد وموشـحات يتصرف فيها فـي الـمعاني بقليل من التكلف.
2. ابن حزمون المرسي. هو علي بن عبد الرحمن بن حـزمون, شاعر يغـلب عليه نظـم الموشحات. كان كثير الميل إلى الهجاء. لما عاد من وقـعة (الأرك) منتصرا ومطلعها:
حَيّتْكَ مًعَطّـرَةَ الْنَّفَسْ * نَفَحَـاتُ الفَتْحِ بِأَنْدَلُس
فَــذَرْ الكُفـَّـــارَ وَمـَــأْتَمِهِمْ * إنّ الإسْـــلاَمَ لَفـِـي عُــرْس
3. ابن سناء الملك. هو هبة الله بن جـعفر بــن سناء الملــك أبو عـــبد الله محــمد بن هـــبة الله الســـــعدي المصـــري من مصـــنفاتــه (ديــوان رســـائل) و (ديـــوان شعر) ثم ديــوان موشحات ســـماه (دار الطـــراز) ولـــه كتاب (روح الحيوان) اختصره من كــتاب الحيوان للجاحظ وغير ذلك توفي في القاهرة عن 73 عاما.
ولابن سناء موشح فـي الغزل بعد المديح:
وَغَـانِــيـَـة لَـمْ تَعْـد عِشْــــرِيْنَ حُــجَّـــــة
أقـُــــولُ لَهـَــا قـَــــوْلاً لَــــدَيْــــهِ ثـَـــــــــوَاب
عَلَيْــكِ زَكَاةٍ فَاجْعَلِيَهَـا وِصَــــالَــنَا
لأنـَّكِ فِـي الْعِشْـرِيْنَ وَهِـيَ نِصَــــــاب
وَمـَـا طَــــلَـبـِـي إلاّ قُـــبُــولٌ وَقُــــــبْـــلـَـــــةً
وَمَــــــا أَرْبِــــــيْ إلاّ رِضـَـــــــى وَرِضَــــــــاب
قائمة بالوشاحيين الاندلسيين حسب الترتيب الزمني: ابن الصابون الأشـــــبيلي 634هـ
أبو الحجـــاج الأشــــــبيلي 636هـ
شـــهـــاب الديــن العــــــزازي 710هـ
صــدر الدين أبو الوكـــيل 716هـ
الدهـــــــان الدمشـــــــــقـــــــــي 720هـ
إبـــــــــــــــن اللبـــــّـــانـــــــــــــــــــــــــة 507هـ
ابن قــــزمــان الكـــــــــبيـر 508هـ
أبو العباس التطـــيـــلي 525هـ
ابــــــــــــــن عـُــــــــــــرْلــَـــــــــــــــة 554هـ
ابن قـــزمان الأصـــــــــغر 555هـ
مذعـليــس 555هـ
أبو الحــســـن بن نـــــــزار 570هـ
ابـــــــــــــــــن هـــــــــــــــــــــردوس 573هـ
ابـــــــــن ســـــــــناء الـملك 608هـ
ابــــن هـــزمــون الـمرسي 614هـ
الواســـطـي القـاســـــــــــم 614هـ
ابن الجـيـان أبو عـبدالله 650هـ
شهاب الدين الـموصـلي 683هــ







رد مع اقتباس
قديم 2012-11-29, 21:42   رقم المشاركة : 133
معلومات العضو
**د لا ل**
عضو مميّز
 
الصورة الرمزية **د لا ل**
 

 

 
إحصائية العضو









**د لا ل** غير متواجد حالياً


افتراضي

المحاضره السادسة :الازجال
{ بسم الله الرحمن الرحيم}
الحمدلله المنعوت بجميل الصفات, وصلى الله على سيدنا محمد أشرف الكائنات المبعوث بالهدى ودين الحق وعلى آله وصحبه أجمعين...
وأشرعت الأندلس العظيمة أبوابها لقادة راحَ مجدهم التليد في بلاد العرب فبحثوا عنه فلم يجدوه إلا في أحضانها... هكذا هم القادة الأمويين.. هكذا هو عبد الرحمن الداخل يشمر عن ساعديه ليؤسس حضارة إسلامية تليدة شهدت بها قصور الزهراء والحمراء.. شهدت بها الكتب والمخطوطات.. شهدت بها الفنون والعلوم. نعم.. الزجل الذي كان كالموشحات أند لسي النشأة والولادة, وأن الأندلسيين استحدثوه بعدما شاع فن التوشيح عندهم وبلغ الغاية, والحقيقة أن الحديث عن نشأة الأزجال أصعب بكثير من الحديث عن نشأة الموشحات, فإذا كانت الموشحات وليد الأغنية التي يقترن ظهورها بقيام مجالس الأنس والطرب في قصور الملوك والأمراء والوزراء, فإن الأزجال وليدة البيئة العامية
ويبدو أن أنقلاباً خطيراً وقع لأهل الأندلس من قبل الموشحات, يوم قضت على محاولتهم الأولى في مرحلة مبكرة عندما كانت المنظومات الغنائية لا تزال تحبو رويداً, وتخطو خطواتها الأولى نحو التطور, فلم تبق لهم من اغنيتهم الشعبية بلغتهم الدارجة غير " الخرجة" وقد تمكنت الموشحات من نفوس الأندلسيين لعدوبتها وأناقتها, وحلاوة الخرجة فيها, فأنستهم ما كان من أمر ثورتهم وانقيادهم للغتهم العامية, ولكن لم تكد الفرصة المواتية تُتاح لهم, حتى سارعوا بدافع من شوقهم وحنينهم إلى لغتهم الدارجة, يعبرون من خلالها عن شؤونهم وقضاياهم, وعن مظاهر حياتهم العامة بجدها وهزلها, وأفراحها وأحزانها.
هذا هو فن الزجل فن حديث استحدثه أهل الأندلس, وسوف يرد المزيد عنه في ثنايا بحثنا هذا وإن دل على شيء إنما يدل على حضارة المسلمين وفنهم الرفيع.
• متى وكيف ظهر الزجل: الزجل فنُُ من فنون الشعر التي أستحدثها الأندلسيون ، وعلى هذا فهو وليد البيئة الأندلسية، وقد شاع الزجل بعد أن كانت الموشحات قد أحتلت مكانتها العتيدة وثبتت أقدامها ورسخت أركانها في المجتمع الأدبي الأندلسي.
• وطبيعي أَنْ يشكل الزجل المرحلة الثالثة من مراحل تطور الشعر الأندلسي، فالمرحلة الأولى شملت ما قاله الشعراء من الشعر الفصيح ، والمرحلة الثانية كانت إدخال بعض الألفاظ العامية في ذاك الشعر الفصيح , وبعد ذلك ظهر الزجل في المرحلة الثالثة التي تمثلت في تحوير بناء القصيدة ودخول بعض المقطوعات التي تعبر عن رغبات العامة وتتفق مع ميولهم
• أَمَّا عن مخترع الزجل فإنَّ مؤرخو الشعر الأندلسي لَمْ يُشيروا لا من قريب أو من بعيد إلى مخترع هذا الفن لأنَّ الزجل " عبارة عن الأغنية الشعبية وهي عادة تكون من تأليف العوام من الناس أي مجهولة المؤلف، إلا أنهم ذكروا أول مَنُ أبدع القول فيه وهو أبن قزمان ـ على أن ذلك فيه خلاف سوف نشير إليه عند الحديث عن أبن قزمان ـ فهذا عبد الملك بن سعيد(ت685هـ.) يقول عن ذلك " قيلت ـ الأزجال ـ قبل أبي بكر بن قزمان ، ولكن لَمُ تظهر حلاها، ولا أنسبكت معانيها، ولا اشتهرت رشاقتها إلا في زمانه
• الزجل ظهر في عهد المرابطين مع أن في هذا العصر أنحط الشعر الفصيح لأنه لم يوجد مايهيء أو يهذب خشونة أصحاب ذاك العصر ويرقق أذواقهم فغلب في هذا العهد ذوق العوام فنزع نزعة الزجل والتو شيح. كما أن الزجل نشأ وظهر في القصائد والموشحات التي لاترقى إليها أفهام العامة , فأن لهؤلاء العامة أيضاً شعرهم الشعبي ممثلاً في أغانيهم الشعبية التي هي مظهر لحياتهم العقلية، وآرائهم الاجتماعية وآدابهم وأخلاقهم.
• تعريف الزجل: الزجل في اللغة: الصَّوْت يقال: سحاب زَجِل: إذا كان فيه الرعد. ويقال لصوت الأحجار والحديد والجماد أيضاً: زجل. قال الشاعر:
• مررتُ على وادي شِياثٍ فَراغي به زَجلُ الأَحجار تحت المعادلِ
• والزجل في لسان العرب: اللعب والجلية ورفع الصوت، وخص به التطريب.
• وهذه الفنون تختلف بحسب اختلاف بلاد مخترعيها وتفاوت اصطلاح مبتدعيها:
• فمنها ما يكون له وزن واحد، وقافية واحدة، وهو الكانْ وكانْ.
• ومنها ما يكون له وزن واحد، ,أربع قوافٍ، وهو العواليّا.
• ومنها ما يكون له وزنان، وثلاث قوافٍ، وهو القُوُمَا.
• ومنها ما يكون له عدذ أوزان، وعدة قوافٍ، وهو الزجل.
• لما سمي الزجل بهذا الاسم: سمي هذا الفن زجلاً، لأنه لا يلتذُّ به، وتفهم مقاطع أوزانه، ولزوم قوافيه حتى يُغنى به ويُوت، فيزول اللبس بذلك.
وسمي أيضاً بذلك لترجيع الصوت به في الإنشاء
• اقسام الزجل: للزجل أربعة أقسام يفرق بينها بمضمونها المفهوم لا بالأوزان واللزوم فلقبوا :
• 1ـ ما تضمن الغزل والنسيب زجلاً.
• 2ـ ما تضمن الهزل والخلاعة والأحماض بُلّيْقا.
• 3ـ ما تضمن الهجاء والثَّلْب قرقيّا.
• 4ـ وما تضمن المواعظ والحكم مكَفرا ولقبه مشتق من تكفير الذنوب.
• ابن قزمان: بما أن أبن قزمان إمام الزجالين على الإطلاق نورد نبذه عنه.
• هو أبو بكر محمد بن عيسى بن عبد الملك بن عيسى بن قزمان الأصفر، أمام الزجالين بالأندلس. ولد في مدينة قرطبة العريقة سنة406هـ ـ 1068م ، وقيل 480هـ ، أما وفاته فقد كانت في 554هـ ـ 1160م، في الوقت الذي حاصر فيه الأمير محمد بن سعد بن مرنيش قرطبة. وقد بدا حياته شاعراً فلما أحس بأنه لن يصل على مرتبة شعراء عصره كابن خفاجة, وأنس في الوقت نفسه القدره على الزجل والإبداع فيه أنصرف إليه بكل طاقته
• فتفوق على جميع معاصريه في هذا الفن. لم يكن ابن قزمان المبتكر الأول لهذا الفن ، وإنما سبقه إليه آخرون غلا أن أبن قزمان يزعم أن هؤلاء كانوا لا يعرفون طريق الأزجال الصحيحة.
• وقد درس الدكتور الأهواني ابن قزمان من أزجاله دراسة دقيقة تفصيلية, وصورته الشخصية فيها أنه: طويل القامة ابيض الوجه اشعر اللحية ازرق العينين وهذا قد يوحي بأنه كان جميلاً إلا أن أبن سعيد يذكر في ترجمته نزهون الغرناطية أن ابن قزمان كان قبيح المنظر وأنه لبس مرة عفارة صفراء فرأته نزهون وقالت له: أصبحت كبقرة بني إسرائيل ولكن لا تسر الناظرين
• لقد عاشت أزجال أبن قزمان وأولع بها الناس خصوصاً المشارقة، حتى كانت في القرن السابع كما قال ابن سعيد العربي مروية في بغداد أكثر مما هي في حواضر المغرب، وكان أهل الأندلس يقولون " أبن قزمان في الزجالين بمنزلة المتنبي في الشعراء" ولقد كانت فلسفة ابن قزمان في الدنيا تقوم على أن عمر الإنسان ذاهب .
• فإذا حاول أحد أن يحاكيه وجده لا يُدرك ولا يُلحق.
موضوعات الزجل/ وصف الطبيعه
• إذا كانت بيئة الأندلس الطبيعية قد فتنت الشعراء والوشاحين فلا شك أن الزجل لا يستطيع أن يتخلف عن المشاركة في هذا الميدان، وهذا أبو علي الدباغ يقدم هذا الزجل في وصف الطبيعة فيقول :
• لا شرابْ إلا في بستانْ والربيع قد فاح نوارُ
• يبكي الغمام ويضحـــك أقحوان مع بهـــــار
• والمياه مثل الثعـابيـن في ذاك السواقي دارُ
• الهجاء: هو الطرف المناقض للمديح، فإنه من الطبيعي أن يطرق موضوع الهجاء, لقد طرقه بقسوة وإقذاع وتدنّ، إن شعراء الفصحى في الأندلس قد أسرفوا في فحشهم حينما طرقوا هذا الموضوع، فمن المتوقع أن يكون الزجالون أكثر فحشاً وأشد إقذاعا، ولكن ذلك لم يمنع من وجود أهاجي زجليه تتسم بخفة الروح والنكتة البارعة مع اصطناع السخرية اللاذعة, ومن هذا النوع ما أنشأه أبو علي الدباغ في هجاء طبيب:
أن ريت من عداك يشتكي من تلطيخ
وتريـد أن يقبـــــــر أحملُ للمــــــــريخ
قد حلف ملك الموت بجميع أيمانُ
ألا يبرح ساعة من جوار دكـــان
ويريــح روحٌٌٌ ويعظـــــم شــــــانُ
• التصوف: فقد ظهرت نزعة التصوف في القرن السابع، ومن شعراء الصوفية أبو الحسن الشنتري وقيمة هذا الشاعر الكبير تتمثل في غزارة أدبه الصوفي المنوع الأشكال وفي انه الناقل الحقيقي للزجل من الموضوعات الدنيوية المحسّة كالعشق الحسي والغزل في الغلمان والخمر، إلى جو هو تمجيد الله والهيام في حبه
• الغزل/ لن نشأته أتت مصاحبه للغزل واللهو المجون وغيرها من الموضوعات الزجالين لمدحهم بالغزل، كما فعل أبن قزمان في مدائحه جرياً على التقاليد الموروثة في بناء القصيدة العربية وبعضهم مزج غزله بوصف الخمر ومثال ذلك:
• الذي يعشق مليــــح والذي يشرب عتيـــــق
• المليح أبيض سمين والشراب أصفر رقيق
• طريقة بناء الازجال: بناء الأزجال هي الأقرب إلى بناء القصيدة الشعرية منها فن التو شيح في طريقة بناء هيكل الزجل. ويعد الزجل من الفنون الملحونه" هو أرفعها رتبة، وأشرفها نسبة ، وأكثرها أوزاناً ، وأرجحها ميزانا، ولم تزل إلى عصرنا هذا أوزانه متجددة، وقوافيه متعددة، ومخترعوه أهل المغرب، ثم تداوله الناس بعدهم .
فالزجل يبدأ بمطلع ويستمر في النظام حتى الانتهاء من زجله، والأزجال لا تتقيد بعدد من الأقفال والأبيات، ويكون بنائه على الشكل الآتي:
• 1) المطلع .
• 2) الـقفـــل.
• 3) البيــــت.
4) الخرجة
تاريخ الزجل حسب القرون
في القرن الخامس .
• قدر الدارسون أن الزجل ظهر في الوقت الذي أخذ فيه التوشيح يتجه إلى التعقيد والتكلف ويبتعد عن البساطه الأولى .... ومعنى هذا أن الزجل يرجع إلى أواخر القرن الهجري، حيث عاش عبادة بن ماء السماء ويوسف بن هارون الرمادي، وهما اللذان أدخلا التغيير على التوشيح، حسب نص أبن بسّام.ولن نستطيع أن نتحدث حديثاً طويلاً عن الزجل خلال القرون الخامس الهجري لأن نصوص الأزجال في ذلك القرن قد ضاعت كلها، ولم يصل إلينا عن الزجل غير أشارات موجزه نجدها في المقدمة التي كتبها أبن قزمان .
• ابن قزمان يؤكد أن الزجالين في القرن الخامس كانوا يقتربون في فنهم من الوشاحين، وأنهم كانوا يتأثرون بهم، ومعنى هذا إنهم كانوا من المثقفين الذين أرادوا لغتهم أن ينتشر بين طبقات من الخاصة، ولم يقصدوا به جماهير العامة ، ولعل كَساد أزجالهم يرتد إلى أن القرن الخامس، وهو عصر الطوائف، كان قرن التوشيح والقصائد، إذ أن ملوك الطوائف كانوا يتشبهون في حياتهم الأدبية بالعصور الذهبية للشعر العربي في بلاط العباسيين، فلم يكن للأزجال ولكل ماهو ملحون مكان كبير عندهم.
• 2- الزجل في القرن السادس
• إذا كنا لا نعرف من أسماء الزجالين قبل ابن قزمان غير اسمين أو ثلاثة فإننا نعرف من معاصري ابن قزمان، أي ممن عاشوا في القرن السادس الهجري، ضعف هذا العصر، فلدينا غير أبن قزمان بعض من ذكر أسمائهم معه في جولاته في أشبيلية وفي تنزهانه.
• ومن أشهر زجالي هذا العصر أبو عمرو بن الزاهد وهو اشبيلي أيضاً وأبو الحسن المقرئ الداني، أبو بكر بن مرتيت. وهؤلاء الزجالين فيما عدا أبن قزمان وأبن الزاهد لا تعرف عنهم غير أسمائهم ولا نجد لهم غير مقطوعة واحدة .
• 3-الزجل في القرن السابع.
• ولا نعرف عن الزجالين الذين عاشوا في القرن السابع الهجري وما بعده إلا أسماء قليلة, وبعض مختارات لا تتجاوز أسطراً لا يتضح منها سيء عن حياة الزجال أو عن الأطوار التي تقلب فيها الزجل.ولا يذكر غير أسطر قليلة عن أثنين من الزجالين وهما أبن جحد ر الذي فضل الزجالين في فتح ميورقه، وقد جعله أبن سعيد إمام عصره في قوله أثناء الحديث أبن قزمان. غير أن زجالاً آخر في عصر أبن سعيد وهو أبو علي الحسن بن أبي نصر الذباغ ألف كتاباً في مختار ما للزجالين المطبوعين أعتمد عليه أبن سعيد ونقل منه مختارات لزجالي القرن السابع ،
• وإذا جاز لنا بعد هذا أن نحكم على الزجل في القرن السابع الهجري، فليس لنا ما نقوله إلا أن الزجل من ناحية شكله ونظامه الخارجي ظل متجهاً إلى تقليل القوافي والبعد عن مزاحمة الفقرات وتعددها. أما موضوعات الزجل أو أغراضه فقد ظل الحب يستأثر فيه بالمكان الأول وكذلك الحديث عن الرياض وجمال الطبيعة وكل ما يسجل في يبدو أنها استحدثت في هذا القرن ومع ذلك فلا يتبقى أن ننسى أن القرن السابع كان قرن المحنة الكبرى للأندلس ففيه سقطت قرطبة, وضاعت أشبيلية، والتي جعلت أهل الأندلس ينتظرون سقوط الأندلس كلها عاماً بعد عام.
• 4-الزجل في القرن الثامن .
• ومن أهم الزجالين في هذا العصر الوزير ابو عبد الله ابن الخطيب له ثلاث مقطوعات قصيرة في الشراب والتصوف ناحياً فيها منحى الششتري, وأخبار ابن الخطيب كثيرة جداً ولقد وصلت إلينا مؤلفاته منها مخطوط ومنها ماهو مطبوع ، و شهرة أبن الخطيب وحياته ومؤلفاته في شيء غير الزجل وزجله مع ذلك لم يصل إلينا إلا من خلال ما ذكره أبن خلدون, ويظهر لنا أن الزجل كان عارضاً في أنتاج هذا الوزير السياسي الطبيب المؤرخ الشاعر الوشاح ولا يمكن أن نعده من الزجالين لمشاركه اليسيرة في فن الزجل ولك لا يخلو إنتاجه الضخم من شيء منه.
تاريخ الزجل حسب الفئات
الزجل عند المدجنين.
في القرون الوسطى وجد نصاَ لشاعر من اشهر شعراء اللغة الأسبانية على الإطلاق هو المسمى قسيس هيتا الذي عاش في منتصف القرن الرابع عشر الميلادي، أي قبل سقوط غرناطة بقرن ونصف، لهذا الشاعر ديوان بعنوان ellipro do buen amor يقص فيه الشاعر حياته ومغامراته. وقد تحدث فيه الشعر الذي ينظمه وعد من بين ما ينظمه شعراً يصنعه لنساء مسلمات moras وهو هنا يريد الجماعات الإسلامية التي كانت تعيش تحت حكم الدول المسيحية، يعرفون بأسم ( المد جنيين) في العربية ولا ندري إلا أي حد كان القسيس يعرف العربية. ولكن هذه المنظومات التي كان يصنعها للمسلمات كانت فيما يعتقد الباحثون مكتوبة في اللغة الأسبانية التي كان يعرفها المدجنون، ولكنها على نمط الأغاني العربية التي كانت لا تزال متوارثة بين هذه الجماعات، التي احتفظت بالإسلام على أن النصوص الأسبانية كثيرة فيما يتصل بنشاط المد جنيين واشتراكهم في إحياء الحفلات بالغناء والرقص، حتى أن مجمع القساوسة الذي انعقد في بلد الوليد سنة1322م شكا من أن المسيحيين يدخلون الكنائس نفسها المسلمين واليهود، يغنون ويعزفون على الآلات الموسيقية.
• زجل عند المتصوفين : فلقد ظهر قبل ذلك بقرون واسم الششتري مقرون دائماً بالزجل التصوفي, وأبو الحسن علي بن عبدالله الششتري من رجال القرن السابع الهجري ولد في الأندلس وعاش فيها منذ صباه وشبابه، وله ديوان كبير فيه قصائد وموشحات وأزجال، وله رسائل وكتب في التصوف، وقد تحدث عنه كثيراً من تلاميذه وزجله كإنتاجه الآخر يصور مذهبه التصوفي، والقول بوحدة الوجود، ولكننا إذا تركنا جانباً هذه الناحية التصوفية أو الفلسفية في منظوماته وحاولنا أن نلتمس صورة إنسانية لحياة هذه الشخصية العظيمة حقاً, وجدنا هذه الصورة وإن ضاقت حدودها في الزجل، أكثر مما نجد في الشعر
• زجل عند المصريين : كان للزجل عند المصريين تاريخ خاص لموافقة هذه الطريقة مافي طباعهم من اللين ومشايعة الكلام بشيء من التهكم الذي بعث عليه صفوة الفتور الطبيعية فيهم، ويقال فيها ( ذوق حلاوة النيل ).
• ـ أنواع الزجل عند المصريين وسبب تسمية كل نوع بهذا الاسم:
• كان الزجل عند المصريين على ضربين:
• الأول عُرف بالبليقة وعرف الثاني باسم القرقيه.
• وسميت البليقة بهذا الاسم مأخوذة من البلق وهو أختلاف الألوان.
• أما القرقية سميت كذلك من القرق، وهي لعبة يلعب بها صبيان الأعراب, وذكر هذه اللعبة صاحب القاموس: القرِق ، ووصفها ورسمت خطوطها في تاج العروس.
• الفرق بن البليقة والقرقية وبين الزجل:
• أن الزجل متى جاء فيه الكلام المعرب كان معيباً له، أما البليقة لبست كالزجل، بل يذكر فيها المعرب وغير المعرب.
• والبليقة لا تزيد عن خمس حشوات غالباً, وقد تنتمي إلى السبع قليلاً والقرقية تزيد كثيراً على حكم الزجل.
• من أخترع البليقة والقرقيات:
• اخترعت البليقة في القرن السابع، لكنهم تبسطو فيها حتى ظهر عندهم ما يسمى بالقرقيات، ولا تحقق تاريخها ولكنها متأخرة عن المائة السابعة حتماً، والدليل على ذلك ما ورد في ترجمة صدر الدين بن الرحل المتوفى سنة 716هـ بالقاهرة صاحب كتاب( فوات الوفيات) والمعروف كذلك بابن الوكيل المصري حيث قال:" وشعره مليح للقرقيات يدل على أنها كانت غير معروفة في ذلك الوقت وإن كانت من الزجل.
• ـ أشهر نوابغ المصريين في الأزجال من المتقدمين: الغباري كان من المصريين الدين نبغوا في الأزجال وكان ذلك في عهد السلطان حسن، فقد كان لأزجاله شهرة بعيدة لما توفر فيها من دقة الصنعة وإبداع المعاني وكثرة التفنن. وفي مجموعة من مدائحه حملاًً زجلياً( أهل هذا الفن يسمون ما يعادل القصيدة في الشعر منه : حملاً ) لرئيس العامة على عهد محمد علي باشا, وهو محمد الحباك القشاشي، يزاهي (560 ) بيتاً، مدح فيه أهل مصر على طريقة عامية ذكره في الزجل، وقال: إن الغباري ما أستطاع أن يضبط محاسن مصر فيما وصف.
• مدى شهرة الزجل في مصر:
• لا زال هذا الفن مشهوراً بمصر على عهدنا, ولأهله فيه إحسان كثير وهم يرتجلونه ويحاضرون به، فقد ذكر الأذيب ( عبدالله نديم المصري ) الشهير في مجلة الأستاذ واقعة في المساجلة بالزجل مع بعض روؤساء الفن من العامة، وكان الشرط أن من تلعثم أو استبلع الآخر ريقه يبتغي بذلك مهل البديهة وخلسة الفكر فهو المغلبّ، وذكر هناك بعض الأوزان التي أخذوا فيها.
زجل عند الاوربيين: فيما يتصل باللغة البرتغالية توجد أشعار جاءت في قالب زجلي في ديوان الفاتيكانة وفي مختارات برانكوتي وتظهر أيضاً في قصائد فرنان فلهو شاعر من عصر الملك الفونسو العاشر الملقب بالعالم وفي ديوان الشاعر بايوسواريز.
في أنجلتر نلتقي بأغان شعرية قديمة موجهة إلى العذراء أو تقال في أعيــــــــاد الميلاد، صبت في هذا القالب الشعري الأندلسي وحتى يومنا لا نزال نجد في الأغان الشعبية في إسكوتلانده، وفي إيرلندة، رباعيات جاءت على نمط أزجال مسلمي الأندلس.
• فيما يتصل بأسبانيا احتفضت هذه بشكل الزجل حياً خلال العصور الوسطى، وفي العصر الذهبي للأدب الإسباني ( القرن السادس عشر الميلادي ) ولقد حاز العلماء فقه اللغة زمناً في أوزان أغاني الفونسو العاشر، أما الآن وبعد أن قام خوليان ريبيرا بدراسة موسيقاها على نحو رائع وخالد، فيمكن تفسيرها في ضوء الزجل الأندلسي قالباً ووزناً، فإذا كتبت هذه الأغاني دون أن نقطع الأبيات إلى أشطار وجدنا معظمها من طراز الأزجال, وإن كان القفل ينظم على قافية سابقة.
زجل عند المسيحيين: كان لزجل الديني صدَّ في العالم المسيحي المعاصر كما أشار إليه" رامون لول " هو من أهل جزيرة " ميورقه كبرى "
لكن ما وصل إلينا من هذا الزجل الديني بغض النظر عن الششتري، قد ظل هذا النوع يحمل ذكرى انتسابه إلى الزجل الدنيوي في خرجاته، فكثير من أزجال الششتري تحتفظ بخرجيهما كانت موجودة من قبله في أزجال أبن قزمان، ويستتبع وجود هذه الخرجات التزام نفس الوزن ونفس نظام القوافي.
• بيئة الزجل في الاندلس: أن الأزجال الصوفية وجدت لها بيئة خاصة عاشت فيها, وكذلك وجدت الأزجال الغزلية بيئة أخرى خاصة بها بيئة الأولى جماعة الفقراء الذين خلعوا الدنيا وهاموا في حب الله سائحين مقتربين ينشدون أزجال الششتري ويغنون فيها، بل يرقصون على ألحانها وبيئة الثانية طبقة من الشباب الأرستقراطيين من أهل قرطبة وأشبيلية وبقية المدن الأندلسية وجدوا بين أيديهم مالاً, ووجدوا بطالة مصدرها انحلال المجتمع الأندلسي وابتعاده عن مسح الحوادث الكبرى، حيث أنفرد بتدبيره البربر المرابطون من جهة والقشتاليون من الجهة الأخرى: إنهم جماعة من الشباب لا يبالون بغير اللذة واللهو والعكوف على الشراب وإحياء الليالي بالغناء والرقص والبحث عن العشق وغالب الظن أن الحروب الكثيرة قد ذهب ضحيتها كثير من الرجال أهل السن, وخلفوا شباباً ورثوا عنهم بعض المال فأنفقوه في شهواتهم و ولم يجدوا أباً يرعاهم أو عملاً يشغلهم وديوان أبن قزمان يعطينا صورة لهذا المجتمع الأندلسي.
• تاثر القصائد في الازجال: لقد ظهر تأثير القصيدة جلياً واضحاً في الأزجال, ظهر في شكلها الخارجي, كما ظهر في أسلوبها وأصول الصنعة فيها, وظهر في معانيها وأخيلتها.
• ومهما تكن قدم هذه القصائد أو تأخرها من ناحية الزمن, فأنها ستظل شاهداً على سلطان القصيدة على الزجل والزجالين.
• وقد رأينا أن الموضوعات الكبرى التي تناولتها القصيدة تناولها الزجال أيضاً فالنسيب والمديح والخمريات, والهجاء والفخر والرثاء وأحياناً, كل ذلك لم يوجد في الزجل وجوداً مستقلاً وإنما وجد قبل كل شيء لأنه كان موجوداً في القصيدة ونسجل منها بعض هذه الظواهر.
• الغزل مقدمة للمديح:
• المديح موجود في الأزجال وأكبر مجموعة وصل إلينا من الأزجال ـ نحو ثلاثة أرباعها لم تخل من إشارة غلى ممدوح وإنما هو فيما نعتقد، تقليد للقصيدة،ومحاكاة لها.
• الخروج إلى المديح:
أن العلماء عنوا بمسألة الخروج من الغزل إلى المديح وإن منهم من يطغى إلى ذلك دون تمهيد قائلاً ( دع عنك هذا ) أو ما يشبه ذلك من العبارات.
دعُ ذا كل فلس فيه فابد وما مضى الكلام فيه زايد
وامدح بنا الوزير القايـد ابـــن سعـــاد انو عـــبد الله.
• معاني المديح :
ولو نظرنا في المعاني التي مدح بها الزجال ممدوحيه، والتشبيهات التي أستخدمها، وأنواع المجاز لوجدنا في مواضيع كثيرة جداً صورة الشعراء تطل علينا من خلف هذه النصوص، ورأينا جملاً وتراكيب ألفناها في القصائد مثل :
إذ تُســـــــاق إلى أياديه فالسحاب إلى يسثاق.
ولم يقف تأثير الشعراء في الزجاليين عند المعاني والأساليب والصنعة الفنية وإنما كان لهم أثرهم في خلق هذا الوضع الإجتماعي , الذي جعل الصلة بين الزجال والأمير كالصلة بين الشاعر والأمير نريد مادحاً وممدوحاً.
• تأثير القصيدة في أبواب أخرى:
وقد أثرت القصيدة العربية في كل الأبواب الأخرى، التي عالجها الزجالون، فهي واضحة التأثير في الشراب والخمر وفي الوصف وفي الفخر وفي الغزل أيضاً.
• والمقابلات البلاغية بين الشراب والمعشوق انتقلت أيضاً إلى الزجل:
الــذي نعشق مليــح والـــــذي نشرب عتيق
المليح أبيض سمين وتالشراب أصفر رقيق
• وصف الطبيعة :
• وكذلك في وصف الطبيعة نجد عند أبي علي الذباغ هذه الصور.
لأشرب إلا في يستان والربيع قد فاح الأنوار
يبكر الغمام ويضحك اقــــحوان مع بهــــــــار
ومال يقال عن الوصف يقال أيضاً عن جانب كبير من الغزل .
والمعاني العامية في هذا الفن الجديد هو الذي أكسب الزجل طرافته, والذي جعله يستطيع الشباب أمام أصحاب القصيدة لأنه لو ظل قانعاً بالدائرة القديمة لا يخرج عنها، لحكم على نفسه بالموت.
• تاثير الشعبي في الزجا: فالزجل أدب واقعي كلة محادثات فيها حياة فنحن لسنا أمام شاعر يتخيل المواقف تخيلاً, وإنما نحن أمام زجل أندلسي يعيش في قرطبة بأزقتها.. عاداتها.. شبانها ونسائها.. لذلك رأينا أن نستعرض بعض ما أستوقفنا من تلك الأزجال وما فيها من معاني وصيغ وطرافة يستمتع فيها القارىء.. وقد تجيء هذه الحياة في الزجل عن غير تركيب عامي وعن غير ألفاظ جديدة، فيكفي أن يذكر الزجال لفظ.."ياابني" مكان ك يابُنَي" التي يستخدمها الشاعر لنحس بنعمة جديدة كقولةه في مطلع زجل:
ترى يا قمّتي متى تنجلي واش ذا الهجران ياابْني يا علي
• وقد يكتسب الزجل طرافته من أسماء الأصوات التي يكثر منها الزجالونن فتصور للسامع المكان والزمان مع الحركة والسرعة:
طَق من بالباب؟ أن هو خـــــرجْ لي
• وقد تجيء قوة التعبير من ذكر ألوان أقترنت في أذهان الناس بمعان مثل:
يوم نراك ياعين يا بياض
• فهذه كلها أساليب من الحديث اليومي أنتقلت إلى الأزجال زلكنها لم تنتقل على القصائد. ومن الزجل لما اراد الزجَّال أن يعبر عن عصيان المعشوق, ومعاكسة لرغبات العاشق قال :
لم قط يُرى معشوق إلا مُخالف إن قلت له أجلس يقوم واقف
• كذلك ما يقوله الزجال عن ممدوح له:
لًفظه يُغنيك عن العشا والغذا
كل هذا فيه بساطة ومبالغة لطيفة وفي الوقت نفسه, وهو معنى متداول عن الحديث الممتع والحديث المشبع.
هل الزجل فن شعبي: نلاحظ من دراسة ازجال أبن قزمان دراسة دقيقة إن هذه الازجال مهما كان حظ الخيال العامي فيها والمعاني الشعبية, لم تكن فناً شعبياً صحيحاً، وإنما كانت مزيجاً من فنيين فن خاص قديم يتداول بين الشعراء والوشاحين.
• وفن شعبي لا سند له من التراث المكتوب.
وأن جمهور الزجل لم يكن الشعب في الأزقة والحارات كما لم يكن أيضاً الجماعة الضيقة لمحدوده التي نظم لها الشعراء والقصائد.
العلاقه بين الزجل والموشحات: 1- البناء.
يتشابه الموشح مع الزجل حيث يبنى كل منهما المطلع والأبيات والأقفال والخرجة عدا أن بناء المطلع في الموشح يختلف عن بنائه في الزجل؛ ففي الموشح المطلع يكون مثل بناء الأقفال والخرجة ؛ فعلى سبيل المثال:
ياولاة الحبَّ إن دمي سفتكتهُ الأعينُ النَّجلُ
فالمطلع يتكون من جزأين وكذلك بقية الأقفال ن فالقفل الأول:
فتكت بي فتك منتقم بسهام راشها الكحلُ
والقفل الثاني :
صنمُُ, ناهيك من صنم حائرُُ في خدَّه االخجلُ.,
وهكذا في باقي الأقفال حتى الخرجة
فكمالُ الحسن بالكرم والذي يزرى به البخِلُ.
فعدد الأجزاء في المطلع هي نفسها عدد الأجزاء في الأقفال والخرجة.
فبناء المطلع مع الأقفال والخرجة لا يتغير
اما الزجل: فيختلف عن الموشح في هذا البناء وقد يتشابه وهذا نادرو فعلى سبيل المثال الزجل الذي مطلعه:
نهو طـــــباخ أفكـــــــاري خل ناري تقيدهْ.
يارب عبذ وبسورة الدخان ياحميد يا مجيدْ.
والقفل الأول:
وفي دست الهوان على قلبي غليـــــا نو شديد.
حتى يصل إلى الخرجة فيقولك
مـــثل ماجا يقاس الفضــة والذهب بالحديد
والزجل يتكون من تسعة أقفال مكونة من جزأين متفقه في التقفية الخارجية فهنا أتفاق مابين المطلع والأقفال ولكن هناك أزجالاً أختلف عن هذا البناء كالزجل الذي مطلعه: الزمان سعـــيد مواتى والحبيــب حلو رشيقْ
والربيع بساط أخضر والشراب اصفر مروق.
والقفل الأول :
والهزار يعمل طرايق في الغنا مزمور ومطلقْ.
والقفل الثاني:
لا تخاف الصبح يهجم دع يجي ويركب أبلقْ.
والخرجة :
زعقت: حرام زوجي والنبي غدا نطلقْ
ويتشابه الموشح ع الزجل في التقفية الخارجية للأقفال غلا أن أجزل الأقفال في الموشحة قد تأتي معقدة أو كثيرة على خلاف الزجل كالموشح التالي:
شعاعها بكفَّي يخل جنى عند الغنىَّ وقد شربتها كتى
توقعنى في سكره تجدبني بعطفىّ.
وكثر هذا النوع في الموشحات في العصر الملوكي.
• 2- الخرجه وكذلك تتشابه الموشح مع الزجل في الخرجة غلا أن الخرجات أتت في الموشح على الأنواع " العامية , والمعربة, والمقتبسة, والأعجمية" أما في الزجل فأتت على نوعين " العامية والمقتبسة".
• فالخرجة العامية: تمتاز بالبساطة لتشبه حديثاً عادياً إذا أقيست بالموشحة فالوشاح يخرج من المعرب إلى العامين وأن مثل هذه الخرجات في الموشحات هي التي ادت إلى ظهور فن الزجل.
3- اللغه
يتشابه الموشح مع الزدجل في اللغة العامية في خرجة الموشح, وقد كتبت في العصر المملوكي بعض الموشحات باللغة العامية وهذا مادفع بعض الباحثين إلى القول إن" لغة الموشحات يغلب عليها الضعف والركة وأساءة من هذه الناحية إلى اللغة العربية فأصبح الشاعر الوشاح لا يجد حرجاً في التساهل اللغوي طالما يبقى أذواق العامة" وهذا الحكم يعتد به في الخرجات لأن بعضها كتب باللغة العامية القريبة من لغة اللصوص وغيرهم والموشحات " ساعدت على تدعيم مكانة الفصحى لأنها أشاعت هذه اللغة الجميلة بين الناس, ومن ثم حالت دون سيطرة العامة, وجعلت للزجل مكانة ثانوية في الأدب"
• وأتت لغة بعض الموشحات فصيحة زجله والبعض الآخر فصيحة سهلة.
• وأتت لغة الزجل سهلة بسيطة تتماشى طبيعة البيئة .
سمات الزجل: 1 ـ وهناك ظاهرة أخرى في الزجل هي حذف الهمزة تخفيفاً وذلك كما في قول العزاري :
بتُ مشَُغوفاً بحب رَشا
بين حبات القلوب رشا
قد براه الله كيف يشـــا
2 ـ وهذه الظاهرة واضحة بكثرة في الزجل , ومن المظاهر الواضحة أيضاً في الموشحات ابدال السين ثاء كقول أحمد الوصل:
ما كمحبوبي ولا خلقــــا
غصن بان في كثيب نقا
سينه ثـــــاء إذا انطلقـــا
مثكر المثطار من لعث وتحيق المثك لي نفث.
3ـ ومن الظواهر الملفته تتطرفي الأزجال عدم تقيد الزجل بالقواعد النحوية والصرفية.
4ـ واستخدام صيغ وتراكيب معينه استقاها الزجالون من أفواه العامة كما يستخدم كلمة " اش" وهي لهجة عامية كقول علاء الدين بن مقاتل:
اش لو تكون يا جاري
تدعني من فيك أشبع قال أش يكون لك اشعبْ.
5 ـ وكذلك ظهر بوضوح بعض الألفاظ العلمية المتداوله مثل " والنبي" كقول فخر الدين بن مكانس:
والنبي زاد بوهيامى ولا نسمع لوم لايم.
6 ـ واستخدم الزجالون صيغ التصغير وذلك في قول أبن النبيه:
آه على قبله في جيدوا وأخرى في ذا القميم.
7 ـ ومن تلك الظواهر حذف حرف وإشباع حركته كقول فخر الدين بن مكانس:
أي قوم خلص مميشق كنوا إلا اسمر مثقف
8 ـ أو حذف الحرف كقول فخرا لدين بن مكانس في الزجل نفسه:
وبقي يخجل مسيكين ويقول لى كلتْ تفاح.
إلى غير ذلك من سمات خاصه بالزجل.
الخاتمة
ومهما قيل في الأزجال من أنها الأدب الشعبي الذي يصور الأحاسيس وخير مصور لحياة العامة بجدها وهزلها. ويسجل العواطف التي تثور بها نفوس العامة, وأفئدة الدهماء, فإننا لا نراها إلا عنواناً على تخلف اللغة,وهجر الفصحى, وعدم العناية بالضاد, أو الأقبال عليها, ولا يشتغل الناس بها, ويجعلونها لسان تصويرهم وتعبيرهم من ترف في البيان, وتقويم في اللسان وازدهار للأدب, ولنهم يفرون غليها من إفلاس وفقر، وهزال ومرض, وضعف وانتكاس, حينما يطغى تيار العجمة, وتحل العامية محل الفصحى.
• والعربية الصحيحة مهما كانت ثقيلة على الطالب, أو بغيضة إلى الناشئ, أو متشعبة المسالك على المتعلم، فهي ـ على كل حال ـ اللسان الذي لا ينحرف والبيان الذي لا يزيغ, والهادي الذي لا يضل, والرائد الذي لا يكذب أهله, والصديق الذي لا يخون صديقه, ولا يتخلى عنه, ولا يمل صحبته, ولا يكره معاشرته, ولا تختلف معاملته للناس... أما العامية فهي كالمنافق الذي يلقى كل واحد بوجه, وكل صديق بدعوى, وكل صاحب بمقال, وكل رفيق بلون, وعامية المدينة غير عامية القرية, وعامية قطر غير عامية الأخر, وهكذا تكون بلبلة اللسان والبيان, وللفكر والرأي, والعقل والمنطق, والهوى والميل, والذين يدعون إليها, أو يتشجعون عليها, ربما غاب عنهم أنهم فتنة في الأرض وفساد كبير.
• فالزجل فن شعبي عبر عن فلسفة الطبقات الشعبية في الحياة ونظرتهم إليها, إلا أنه يعد رجعة إلى الوراء, مع أن سنة التطور في الحياة تحتم على الأدب أن يرتفع بمستوى جمهور الناس فيسمو بسموه في الشكل والمضمون لا أن ينزل إلى مستواهم فتنحدر لغته وتختل قيمه وتهتز صوره.







رد مع اقتباس
قديم 2012-11-29, 21:44   رقم المشاركة : 134
معلومات العضو
**د لا ل**
عضو مميّز
 
الصورة الرمزية **د لا ل**
 

 

 
إحصائية العضو









**د لا ل** غير متواجد حالياً


افتراضي

محاضرات في الأدب العباسي

الأغراض الشعرية في العصر العباسي :
أوّلا : المديح
نظم العباسيون في المديح الذي هو من الموضوعات القديمة التي نظم فيها
الجاهليون والإسلاميون , وبذلك أبقوا للشعر العربي شخصيته الموروثة ودعموها
بما لاءموا بينها وبين حياتهم العقلية الحصينة وأذواقهم المتحضرة المرهفة ,
فإذا المديح يتجدد من جميع أطرافه تجددا لا يقوم على التفاصل بين صورته
القديمة وصورته الجديدة , بل يقوم على التواصل الوثيق .
تعريف المديح :
المديح ثناء حسن يرفعه الشاعر إلى إنسان حيّ أو جماعة أحياء , عرفانا
بالجميل أو طلب للنوال , أو رغبة في الصفح والمغفرة , أو تمجيدا لقيم
إنسانية تتجسد في سلوك قائد أو أمير , أو شخصية تاريخية فذة مثل محمد - صلى
الله عليه وسلم - الذي مدحه الشعراء من حسان بن ثابت إلى أحمد شوقي إلى
غيرهما من الشعراء في الوقت الحاضر .
ويندرج في مجال المدح هاشميات الكميت , والمدح السياسي الذي قاله الشعراء
في الأحزاب السياسية التي شهدتها مرحلة الصراع على الخلافة في أوائل العهد
الأموي وبدايات العهد العباسي .
تطور المديح في العصر العباسي :
نستهل الحديث عن المدح بقول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في وصفه لزهير بن
أبي سلمى والذي استحسنه قدامة بن جعفر وفيه يقول " إنه لم يكن يمدح الرجل
إلا بما يكون للرجال " وعقب قدامة على ذلك " فإنه في هذا القول إذا فهم
وعمل به منفعة عامة , وهي العلم بأنه إذا كان الواجب أن لا يمدح الرجال إلا
بما يكون لهم وفيهم , فكذا يجب ألا يمدح شيء غيره " ثم ينتقل قدامة إلى
ذكر فضائل مدحهم , فيحددها في أربعة أنواع هي : العقل والشجاعة والعدل
والعفة , مبينا أن المادح للرجال بهذه الخصال تعد مدائحه صائبة , بخلاف
المادح بغيرها فهو مخطئ , ثم وضح بأن الفضائل الأربعة قد لا تجتمع مرة
واحدة للشاعر المادح , ولهذا يجوز له أن يقصد بعضها دون بعضها الآخر .
ونتيجة للتطور الذي طرأ على الحياة العباسية من جهة , ونظرة الناس إلى ما
يجب أن تكون عليه الحياة الفنية التي هي وليدة الحياة العامة , فإن نظرة
المادح والممدوح وموقفهما من تلك المقاييس أصبحت هي أيضا متطورة ومتغيرة ,
وبذلك لم يعد الشعراء في العصر العباسي الأول يتقيدون بتلك المقاييس التي
تحدث عنها قدامة بن جعفر إلا أن هذا لا يعني أنهم تخلوا عنها تماما , لأن
شعر المديح في هذا العصر قد شهد تطورات استدعت تغيرات في شكل القصيدة
ومضمونها .
وفيما يلي أهم التطورات الحادثة على قصيدة المديح في العصر العباسي :
1- كان المديح في العصر العباسي ذا طابع تكسبي , فقد إستطاع أغلب الشعراء
أن يرسموا لشخصية الممدوح صورة رائعة تتسم بجميع الصفات الحسنة والقيم
النبيلة , وذلك كان يرضى غرور الممدوحين لأنه بمثابة الإعلام المسيّس
والموجه , الذي يخدم الممدوح خاصة إذا كان من الطبقات السياسية العليا ,
ولا يثير غضب الناس عليه ولا على سياسته , ومن هذا المنطلق كان الممدوحون
يغدقون الأموال على الشعراء , وينادمونهم ويقربونهم ، تذكر المصادر أن
مروان بن أبي حفصة مدح المهدي فاستهل مدحته برقيق الغزل فقال :
طرقتك زائرة فحيّ خيالها *** بيضاء تخلط بالجمال دلالها
قادت فؤادك فاستقاد ومثلها *** قاد القلوب إلى الصبا فأمالها
ثم يصل مروان بن أبي حفصة إلى لب القصيدة وفكرتها :
هل تطمسون من السماء نجومها *** بأكفكم أو تسترون هلالها .
أو تجحدون مقالة عن ربكم *** جبريل بلغها النبيّ فقالها .
شهدت من الأنفال آخر آية *** بتراثهم فأردتهم إبطالها
فيزحف المهدي من صدر مصلاه حيث كان جالسا حتى صار على البساط إعجابا بما
سمع , ثم يقول لمروان : كم هي ؟ فيقول مائة بيت , فيأمر له بمائة ألف درهم
فكانت أول مائة ألف أعطيها شاعرا في أيام العباسيين .
2- التزموا بنظام القصيدة القديمة في أكثر الأحيان , ولكنهم غيروا من رمزية
هذه الأركان , فاستبقوا على الأطلال والرحلة في الصحراء غير أنهم اتخذوها
رمزا، أما الأطلال فلحبهم الداثر وأما رحلة الصحراء فرحلة الإنسان في
الحياة .
ومثاله قول مسلم بن الوليد :
هلا بكيت ظعائنا وحمولا *** ترك الفؤاد فراقهم مخبولا
فإذا زجرت القلب زاد وجيبه *** وإذا حبست الدمع زاد همولا
وإذا كتمت جوى الأسى بعث الهوى *** نفسا يكون على الضمير دليلا
واها لأيام الصبا وزمانه *** لو كان أمتع بالمقام قليلا
3- النداء بالتخلي عن المقدمات التقليدية بل بدلت بالفعل مقدمة البكاء على
الأطلال أو مقدمة النسيب التقليدي أو سواها بمقدمات وصف الخمرة ومجالس للهو
والعبث والتغزل المتهتك , ولم يتوقف تطور قصيدة المدح عند هذا الحد , بل
تعداه إلى عنصر الرحلة حيث استعاض الشعراء عن وصف الناقة والصحراء وحيوان
الوحش بالحديث عن الرحلة البحرية ووصف السفينة وأهوال البحر , وأحيانا
يقدمون مدحتهم بوصف الرياض في الربيع .
•فمثال المقدمة الخمرية والنداء بالتخلي عن المقدمة الطللية قول أبي نواس :
قل لمن يبكي على رسم درس *** واقفا ما ضر لو كان جلس
تصف الربع ومن كان به *** مثل سلمى ولبينى وخنس
•ومثال وصف الرحلة البحرية ووصف السفينة قول مسلم بن الوليد :
كأن مدب الموج في جنباتها **** مدب الصبابين الوعاث من العفر
كشفت أهاويل الدجى عن مهولة *** بجارية محمولة حامل بكر
لطمت بخديها الحباب فأصبحت *** موقفة الديات مرتومة النجر
إذا أقبلت راعيت بقنة قرهب *** وإن أدبرت راقت بقادمتي نسر
ومثال وصف الرياض في الربيع قول أبي تمام :
رقت حواشي الدهر فهي تمرمر *** وغدا الثرى في حليه يتكسر
نزلت مقدمة المصيف حميدة *** ويد الشتاء جديدة لا تكفر
لولا الذي غرس الشتاء بكفه *** لاقى المصيف هشائما لا تثمر
4- كان المديح موجها للطبقات العليا من الخلفاء والوزراء والولاة والقادة ،ولم يكن يهتم بالطبقات العامة إلا نادرا .
وقد أسهم كثير من الشعراء في الدفاع عن العباسيين وخلافتهم من خلال مدائحهم
, من بين هؤلاء مروان بن أبي حفصة , السيد الحميري , أبو دلامة , سلم
الخاسر وأبو نخيلة الذي يقول في السفاح :
حتى إذا ما الأوصياء عسكروا *** وقام من تبر النبىّ الجوهر
أقبل بالناس الهوى المشهر *** وصاح في الليل نهار أنور
يقول أشجع السلمي مادحا هارون الرشيد :
إلى ملك يستغرق المال جوده *** مكارمه نثر ومعروفه سكب
ومازال هارون الرضا بن محمد *** له من مياه النصر مشربها العذب
متى تبلغ العيس المراسيل بابه *** بنا فهناك الرحب والمنزل الرحب
يقول الأصفهاني < كان هارون الرشيد يحتمل أن يمدح بما تمدح به الأنبياء فلا ينكر ذلك ولا يرده >
5-المدح بالمثالية الخلقية ومثالية الحكم : مضى الشعراء في مديح الخلفاء
والولاة يضيفون إلى المثالية الخلقية من سماحة وكرم وحلم وحزم ومروءة وعفة
وشرف نفسه وعلو همة والشجاعة والبأس , مثالية الحكم وما ينبغي أن يقوم عليه
من الأخذ بدستور الشريعة وتقوى الله والعدالة التي لا تصلح حياة الأمة
بدونها , وبذلك كانوا صوتا قويا لها , صوتا ما يني يهتف في آذان الحكام بما
ينبغي أن يكونوا عليه في سلوكهم .
يقول منصور النمري في هارون الرشيد :
بورك هارون من إمام *** بطاعة الله ذي اعتصام
له إلى ذي الجلال قربى *** ليست لعدل ولا لإمام
ويقول أبو العتاهية فيه أيضا :
وراع يراعي الله في حفظ أمة *** يدافع عنها الشر غير رقود
تجافى عن الدنيا وأيقن أنها *** مفارقة ليست بدار خلود
ويقول أبو نواس مادحا هارون الرشيد كنموذج الحاكم العادل :
إلى أبي الأمناء هارون الذي *** يحيا بصوب سمائه الحيوان
في كل عام غزوة ووفادة *** تنبت بين نواهما الأقران
هارون ألفنا إئتلاف مودة *** ماتت لها الأحقاد والأضغان
متبرج المعروف عريض الندا*** حصر بلا منه فم ولسان
6- كانت قصيدة المديح أحيانا بمثابة رسائل توجيهية للحاكم ليصلح من حال
رعيته , ومثاله مدح أبي العتاهية لهارون الرشيد وتبليغه في مدحته مأساة
اجتماعية فيقول :
من مبلغ عني الإما *** م نصائحا متواليه
إني أرى الأسعار أسـ *** عار الرعية غالية
وأرى المكاسب نزرة *** وأرى الضرورة غاشية
وأرى اليتامي والأرا *** مل في البيوت الخالية
من بين راج لم ينزل *** يسمو إليك وراجية
يا ابن الخلائف لا فقد *** ت ولا عدمت العافية
إن الأصول الطيبا *** ت لها فروع زاكية
ألقيت أخيارا إليـ **** ك من الرعية شافية
ونصيحتي لك محضة **** ومودتي لك صافية


7 - صورت قصيدة المديح في العصر العباسي الإنتصارات الباهرة التي حققها
قادة الأمة الإسلامية وأبطالها في حروبهم ضد أعدائها , ومن تلك المعارك
التي وصفها الشعراء في مدائحهم وصفا رائعا إهتزت لها الجماهير وكأنها هي
الممدوحة بها , معارك هارون الرشيد ضد نقفور إمبراطور بيزنطة
يقول عبد الله بن يوسف مادحا الرشيد :
نقض الذي أعطيته نقفور *** وعليه دائرة البوار تدور
أبشر أمير المؤمنين فإنه **** غنم أتاك به الإله كبير
فلقد تباشرت الرعبة أن أتى ***** بالنقض عنه وافد وبشير
أعطاك جزيته وطأطأ خده **** حذر الصوارم والردى محذور
8- كانت مدائح انتصارات الخلفاء والقادة والأبطال على أعداء الأمة تاريخا
كتب شعراء , إذ أشادت هذه المدائح بكل معركة خاضوها وكل حصن اقتحموه , حتى
كادت لا تترك موقعه ولا بطلا دون تصوير يضرم في النفس العربية الاستبسال
،وجلاد الأعداء جلادا عنيفا، فإذا الشباب العربي يترامى وراء قائده على
منازل الأعداء ترامي الفراش على النار , ولم يكتف الشعراء بهذا التصوير فقط
بل عنوا بتسجيل كل ما يستطيعون من تفاصيل عن تلك المعارك العربية , ومن
أمثلة ذلك :
مديح على بن جبلة للبطل أبي دلف العجلي قائد المأمون المشهور في إحدى وقائعه :
المنايا في مقانبه *** والعطايا في ذرا حجره
وزحوف في صواهله *** كصياح الحشر في أمره
صاغك الله أبا دلف *** صيغة في الخلق في خيره
كل من في الأرض من عرب*** بين باديه إلى حضره
مستعير منك مكرمه **** يكتسيها يوم مفتخره
وكذلك مدحة مسلم بن الوليد ليزيد بن مزيد الشيباني قائد هارون الرشيد الذي فتك بخوارج الموصل :
لولا يزيد لأضحى الملك مطرحا *** أو مائل السمك أو مسترخي الطول
يغشى الوغى وشهاب الموت في يده *** يرمي الفوارس والأبطال بالشعل
موف على مهج في يوم ذي رهج *** كأنه أجل يسعى إلى أمل
لا يرحل الناس إلا نحو حجرته *** كالبيت يفضي إليه ملتقى السبل
تراه في الأمن في درع مضاعفة *** لا يأمن - الدهر – أن يدعى على عجل
لا يعبق الطيب خدّيه ومفرقه *** ولا يمسّح عينه من الكحل

9- مدح الخلفاء بالدين والدنيا : فقد عرف شعر المدح في هذا العصر معاني
إسلامية رددها أكثر من شاعر , ومن هنا فإن رغبة الخلفاء والأمراء أصبحت
تتطلع إلى شعر مديحي يكون مشفوعا بمعان إسلامية , وأن ينعت الممدوحون فيه
بصفات تستمد من منابعه كالذي نجده في شعر عمر بن سلمة المعروف بابن أ بي
السعلاء الذي رضخ لشرط الرشيد بألا يدخل عليه إلا من يمدحه بالدين والدنيا
في ألفاظ قليلة , فقال ابن أبي السعلاء :
أغيثا تحمل الناقـ *** ـة أم تحمل هارونا
أم الشمس أم البدر *** أم الدنيا أم الدنيا
ألا لا بل أرى كل الـ *** ذي عددت مقرونا
على مفرق هارون *** فداه الآدميونا
10- المبالغة والتهويل في المدح : وهي عادة فارسية إلتزمها الشعراء الفرس
في مدح ملوكهم بما يخرجهم عن طبيعتهم الإنسانية إلى ما يشبه الآلهة عندهم .
ومثاله مدح أبي نواس لهارون الرشيد في عدة قصائد نختار منها هذه الأبيات
وأخفت أهل الشرك حتى إنه *** لتخافك النطف التي لم تخلق
فيصف أبو نواس هارون الرشيد بالمهابة والقوة والعظمة , ويبالغ في ذلك لحد
أن النطف في الأرحام تخافه وتهابه , ويهدف الشاعر إلى تجاوز المحسوس أو
الموجود إلى مالا وجود له , وهنا يلمح الشاعر إلى دوام ملك الرشيد واستمرار
نفوذه السلطوي , وقوة خلافته التي تبدوا من خلال بثه الرعب في نفوس
المشركين وسلالاتهم .
ويقول في قصيدة أخرى مادحا دائما الرشيد :
ملك تصور في القلوب مثاله *** فكأنه لم يخل منه مكان
ما تنطوي عنه القلوب بنجوة *** إلا يكلمه بها اللحظان
حتى الذي في الرحم لم يك صورة *** لفؤاده من خوفه خفقان
11- مدح المدن والتعصب لها : يرى مصطفى هدارة أن " من الاتجاهات الجديدة
التي ذهب إليها شعر المديح في القرن الثاني مدح المدن والتعصب لها ,
والإفاضة في تعداد محاسنها ونواحي جمالها , وكان أكثر هذا النوع من المديح
يدور حول الكوفة والبصرة أو بغداد باعتبارها المراكز الرئيسية للحياة
الفكرية والاجتماعية والاقتصادية النشطة , ولا سيما بالنسبة للشعراء
المادحين "
ومن ذلك مديح عمارة بن عقيل لبغداد :
أعاينت في طول من الأرض والعرض *** كبغداد دارا إنها جنة الأرض
صفا العيش في بغداد وأخضر عوده *** وعيش سواها غير صاف ولا غض
12- مدح الذات الإلهية :
ظهر نوع جديد من المدائح يتوجه بها أصحابها إلى الذات الإلهية يمتدحونها ,
مستغنين بمديحها عن البشر وما يضطرون إليه من كذب ونفاق في مديحهم , ومن
ذلك قول أبي العتاهية :
تعالى الواحد الصمد الجليل *** وحاشى أن يكون له عديل
وقد كان عمران بن الحطان الشاعر الخارجي قد دعا إل هذا الاتجاه في المديح , من ذلك قوله :
أيها المادح العباد ليعطى *** إن لله ما بأيدي العباد
فاسأل الله ما طلبت إليهم *** وارج نفع المنزل العواد
لا تقل في الجواد ما ليس فيه *** وتسمي البخيل باسم الجواد
وقد استفحل هذا التيار حتى كاد يتداخل مع تيار الزهد الذي شكل ظاهرة في
العصر العباسي الأوّل , ولكنه تطور فيما بعد ليصبح أهم موضوعات الشعر
الصوفي , وليأخذ أبعادا فنية وجمالية متعددة .
13- مدح فئة الكتّاب :
ساهم الشعراء الكتّاب في تطوير قصيدة المديح، إذ جاء بعضهم بالقيم الفنيّة
القديمة وأضاف قيما فنيّة جديدة متمثلة لحضارة العصر وذوقه , فخاطبوا
بمديحهم فئات من الناس ما كان الشعراء ليقصدوها بمدحة أو هجائية من قبل ,
ووفروا للغتهم في هذه المدائح السهولة , ولتراكيبهم البساطة , ومعانيهم كل
ما هو جديد ومرتبط ببيئاتهم الاجتماعية والفكرية والأدبية ولإيقاع شعرهم
الأوزان الخفيفة .
مدح أحمد بن الخصيب كاتبا له فقال :
وإذا نمنمت بنانك خطا *** معربا عن إصابة وسداد
عجب الناس من بياض معان *** يجتنى من سواد ذاك المداد
14- جنوح الشعراء المداح في العصر العباسي إلى سهولة الألفاظ والتراكيب
ووضوحها وصبغوا قصائدهم بألوان من التطور في الصياغة والتشكيل ، فجاءت
قصائدهم طافحة بالفن والجمال ومجسدة لجماليات الإبداع الشعري في هذا العصر .
15- اعتناء الشاعر العباسي بمدائحه إذ دفعتهم دقتهم الذهنية إلى الملائمة
بين مدائحهم وممدوحيهم , فإذا مدحوا الخلفاء نوهوا بتقواهم وعدلهم في
الرعيّة، وإذا مدحوا الوزراء تحدثوا عن حسن سياستهم ,وإذا مدحوا القادة
الأبطال أطالوا في وصف شجاعتهم , وكذلك صنعوا بالفقهاء والقضاة والكتاب
والمغنين، فلكل أوصافه التي تخصه , وهي أوصاف طلبوا فيها وفي كل مدائحهم
الفكر الدقيق والتعبير الرشيق .
16- شاعت في العصر العباسي المقطوعات في المديح وتقهقرت المطولات نسبيا.
17- أنتقد شعر المديح في العصر العباسي بأنّه مديح بغير الواقع , فأغلبه
نفاق وكذب ومجاملة ورغبة في جنيّ الأموال، والوصول إلى المناصب العليا في
الإدارة , فجلّ القيّم والصفات التي مدح بها هؤلاء الشعراء ممدوحيهم لا
تتوافر في هؤلاء الممدوحين، وقد دافع بعض الكتاب عن ذلك قائلين إن ذلك قد
يكون صحيحا إلى حد ما , ولكن ليس هدف الشعر عامة والمدح خاصة أن يصف أو
يصور لنا الواقع كما هو , إنما الهدف الأساسي من الشعر أن يصور الواقع كما
يجب أن يكون , إذن فطموح الشعر هو تغيير الواقع المشوه إلى واقع أكثر كمالا
وجمالا , ومن هذا المنطلق نستطيع القول أن الشاعر – في أغلب الأحيان – لا
يمدح شخصية بعينها , إنما يمدح الإنسان النموذج الذي له القدرة على تمثل ما
يطمح إليه المجتمع من قيّم، وتجسيد هذه القيّم في الواقع من خلال الممارسة
الفعلية في السلوك قولا وعملا، ومن خلال هذا التفسير للغاية الأساسية من
المديح يمكن فهم جميع الأشعار التي قيلت في هذه المرحلة مع عدم إغفال
خصوصية كل شاعر في مجال الصياغة الفنيّة , والناحية التشكيلية والانتماء
السياسي أو المذهبي .
18- اشتهر عدد كبير من شعراء المدح , وعلى رأسهم أبو تمام والبحتري والمتنبي
أمّا أبو تمام فقد مدح المأمون والمعتصم والواثق والحسن بن سهل وأحمد بن
أبي دؤاد وغيرهم , وكان في مدحه عظيم التصوير , يميل إلى الصناعة البديعية
مع ابتكار الصور , مركزا على التسلسل المنطقي في بناء قصائده , وعمل على
تطوير الأسلوب المدحي فجعل الاستهلال للحكمة , وكانت معانيه موغلة في
الغموض أحيانا يصعب الوصول إلى دقائقها .
وقصيدته في وصف " فتح عمورية " يظهر فيها المدح جليّا للخليفة المعتصم منها هذه الأبيات :
السيف أصدق أنباء من الكتب *** في حده الحدّ بين الجدّ واللعب
بيض الصفائح لا سود الصحائف *** في متونهن جلاء الشك والريب
تدبير معتصم بالله منتقم *** لله مرتقب في الله مرتهب
لم يغز قوما ولم ينهد إلى بلد *** إلا تقدمه جيش من الرعب
أما البحتري فقد نهج في شعره منهج الأقدمين , واكتفى بالمعاني العادية
ولكنّ في مدائحه جمال التصوير , وصفاء الديباجة وموسيقى الألفاظ والقوافي ،
فيقول في قصيدته التي يمدح فيها المتوكل وهو يصف موكبه في عيد الفطر
المبارك، ويثني عليه بالعبادة في شهر رمضان :
عمت فواضلك البرية فالتقى *** فيها المقل على الغنى والمكثر
بالبرّ صمت وأنت أفضل صائم *** وبسنة الله الرّضيّة تفطر
فانعم بيوم الفطر عينا إنه *** يوم أغر من الزمان مشهر
فاسلم بمغفرة الإله فلم يزل *** يهب الذنوب لمن يشاء ويغفر
الله أعطاك المحبة في الورى *** وحباك بالفضل الذي لا ينكر
ولأنت أملأ للعيون لديهم *** وأجل قدرا في الصدور وأكبر
أما أبو الطيب المتنبي فسلك في مدحه سبيل أبي تمام , وأكثر من المدح لينال وليحقق ما يهدف إليه وليكون عظيما من العظماء
ومما قاله في مدح سيف الدولة الحمداني :
لكل امرئ من دهره ما تعودا *** وعادة سيف الدولة الطعن في العدى
هو البحر غص فيه , إذا كان ساكنا **** على الدر واحذره إذا كان مزبدا
المراجع المعتمدة :
1-د.نور الدين السد , الشعرية العربية , ديوان المطبوعات الجامعية , الجزائر 1995
2-د.مصطفى بيطام , مظاهر المجتمع وملامح التجديد من خلال الشعر في العصر العباسي الأول , ديوان المطبوعات الجامعية , الجزائر 1995.
3-د.شوقي ضيف , تاريخ الأدب العربي , العصر العباسي الأول , دار المعارف , مصر , ط6 ,







رد مع اقتباس
قديم 2012-11-29, 21:45   رقم المشاركة : 135
معلومات العضو
**د لا ل**
عضو مميّز
 
الصورة الرمزية **د لا ل**
 

 

 
إحصائية العضو









**د لا ل** غير متواجد حالياً


افتراضي

ثانيا: الهجاء في العصر العباسي
أ- تعريفه : يعد الهجاء فنا من فنون الأدب العربي الرفيعة وهو يعد انتقادا
صريحا للواقع المشوه , ورفضا للقيّم التي تعيق سعادة الإنسان , فالإنسان
النموذج هو الذي يسلم من الصفات السيئة، والهجاء يعين على تصور الحياة عند
الأفراد وفي المجتمع , وقد يساعد على تأريخ الحياة العربية حين يصدق
الشاعر.
والهجاء كسائر الأغراض الشعرية الأخرى بالخصوص المديح منها، يتأثر بما يطرأ
على الحياة والمجتمع من تغير وتطور، فالمديح يتناولها من الناحية
الايجابية والهجاء من الناحية السلبية .
ومعالم التطور في الهجاء أعمق وأوسع منها في المديح لأنه يتصل بحياة العامة اتصالا لعلّه أدق من اتصال المديح .
ب-أسبابه : موضوع الهجاء كانت تدفع إلى القول فيه دوافع مختلفة منها
السياسية والاجتماعية والخلقية والدينية وسوى ذلك . ويعد الصراع العقلي
والديني والفلسفي في العصر العباسي الأول الباعث الأول والدافع القوي
للهجاء , نقف عنده في قصائد بعض الشعراء العباسيين الذين مالوا إلى
الجهربالكفر والإلحاد والمجون , وسواه من الانحرافات التي أدت إلى بروز نوع
غير مباشر من الهجاء الاجتماعي , الذي لم يقف عند حدود الجبن والبخل وكشف
عورات الشرف بل تعداها في أكثر الأحيان إلى الدين والعادات والأخلاق .

ج-تطور غرض الهجاء في العصر العباسي
1-النزوع إلى الشعبية : وهو يعني أنّ الهجاء يميل إلى الشعبية في
أسلوبه،وقد أشار مصطفى هدارة إلى ذلك , ومن هنا كان انتشار الهجاء وسرعة
رواجه , ولعل في هجاء الشمقمق بشارا ما يدل على هذا النزوع الشعبي في أسلوب
الهجاء ومن ذلك قوله :
هلّلينة هلّلينة *** طعن قثاة لتينّة
إنّ بشار بن برد *** تيس أعمى في سيفنة

2-الهجاء المقذع : قد أسرف الشعراء في الهجاء المقذع كالهجاء بالنتانة وعدم
النظافة , وهي مظاهر غير محببة اجتماعيا وأخلاقيا ومثال ذلك :
*هجاء حماد عجرد لبشار في قوله :
والله ما الخنزير في نتنه *** بربعه في النتن أو خمسه
بل ريحه أطيب من ريحه *** ومسّه ألين من مسّه
ووجهه أحسن من وجهه *** ونفسه أنبل من نفسه
وعوده أكرم من عوده *** وجنسه أكرم من جنسه
*ومثاله أيضا هجاء دعبل الخزاعي ( 148هـ/ 246هـ) لبني بسام بسبب اهمال نصر
بن منصور بن بسام قضاء طلب للشاعر، فقال دعبل عامدا إلى التورية والطباق
يا آل* بسام* في المخازي *** وعابسي الوجه في السؤال
حواجب كالجبال سود **** إلى عثانين كالمخالي
وأوجه جهمة غلاظ ***** عطل من الحسن والجمال
3- الهجاء في الأعراض : مثال ذلك هجاء بشار لسبويه بقوله :
أ سيبويه يا ابن الفارسية ما الذي *** تحدثت عن شتمي وما كنت تنبذ
أظلت تغنّى سادرا بمساءتي **** وأمك .........................
وكان سيبويه قد أخذ عليه بعض المآخذ اللغوية في شعره فغاظ ذلك بشار واعتبره
إهانة له , ويلاحظ من السياق أن بشارلم يحاول تبرير أخطائه ولكن طعن في
عرض سيبويه وشرف أمه، ونستخلص من هذه الصورة الشعرية قيمة اجتماعية
وأخلاقية فحواها أن المجتمع العباسي كان يمكنه أن يسوغ خطأ لغويا , ولكنه
لا يسوغ سقطة أخلاقية فمفهوم العرض والشرف كانت له قداسة اجتماعية.
4-الطعن في رجولة المهجو ووصمه بالتخنث والشذوذ وعدم المروءة :
وهي قيمة جديدة مستقبحة استحدثت في العصر العباسي ومثال ذلك
*قوله دعبل الخزاعي في الأمين :
ولست بقائل قذعا ولكن *** لأمر ما تعبّدك العبيد
5- فن الهجاء في العصر العباسي كان في أغلبه من صنع الشعراء المجان الذين
حاولوا من خلاله تحطيم جميع الموانع والقيود التي فرضها الدين الإسلامي
الحنيف على الشعراء الهجائين وشعرهم الهجائي الذي كان مجالا للطعن في أعراض
الناس وقذف المحصنات . وكتاب الأغاني أحد الكتب التي تحوي آلافا من
الجنايات الهجائية التي أقترفت في حق الناس خاصهم وعامهم .
6- استفحال الهجاء السياسي في هذا العصر : وهو هجاء النظام السياسي أو هجاء الخلفاء والأمراء والولاة ومثال ذلك :
*دعبل الخزاعي الذي يعد علويا متعصبا لآل البيت فهجا الخليفة العباسي
المعتصم منتقدا سياسته لأنه ترك الأتراك يحكمون أمور الدولة ويسيرون أمور
الرعية حسب أهوائهم فقال :
ملوك بني العباس في الكتب سبعة *** ولم تأتنا عن ثامن لهم كتب
كذلك أهل الكهف في الكهف سبعة*** خيار إذا عدوا وثامنهم كلب
وإني لأعلي كلبهم عنك رتبة *** لأنك ذو ذنب وليس له ذنب
لقد ضاع ملك الناس إذ ساس ملكهم *** وصيف وأشناس وقد عظم الخطب
*هجاء المتنبي لكافور الإخشيدي
عيد بأيّ حال عدت يا عيد *** بما مضى أم لأمر فيك تجديد
أما الأحبة فالبيداء دونهم **** فليت دونك بيد دونها بيد
7-الهجاء بالخلقة وعيوبها، وجعله نوعا من الهجاء الساخر الذي يعتمد أصحابه
على رسم المفارقات الجسدية والشكلية لشخصية المهجو ومثاله:
*هجاء حماد عجرد لبشار بن برد :
وأعمى يشبه القرد *** إذا ما عمي القرد
دنيء لم يرح يوما *** إلى مجد ولم يغد
ولم يحضر مع الحضا *** ر في خير ولم يبد
ولم يخش له ذم *** ولم يرج له حمد
*ومثاله أيضا قول دعبل الخزاعي واصفا هاجيا جارية له اسمها غزال
رأيت غزالا وقد أقبلت *** فأبدت لعيني عن مبصقة
قصيرة الخلق دحداحة *** تدحرج في المشي كالبندقة
وأنف على وجهها ملصق *** قصير المناخر كالفستقة





8-التكرار :
لقد بلغ تأثر الشعر بالغناء والإيقاع والموسيقى في هذا العصر مبلغه حتى
أصبحنا نجد ظاهرة التكرار على مستوى الألفاظ أو الجمل أو الأشطر كما في قول
بشار بن برد في هجاء أحد الأشخاص :
ذر خلّتنا ذر خلّتنا يا ابن خليق قد أتى
فبشار يوظف التكرار صوتيا ولذلك دلالة جمالية ونفسية كبيرة.
9-أصبح الهجاء يقتصر على مقطوعات قصيرة , يقول مصطفى هدارة " ولعل أول ما
نلحظه في شعر الهجاء في القرن الثاني اقتصاره على المقطوعات الصغيرة " وهذا
يعود إلى تطور الحياة ومتطلبات العصر التي فرضت على الشعراء الإيجاز لا في
الهجاء فقط بل في مختلف الأغراض والموضوعات .
10- التصوير الكاريكاتوري :
يعتبر الهجاء الساخر التطور الفني الذي لحق الهجاء الذي يستهدف إضحاك الناس
على المهجو وسخريتهم منه، فهو يرسم شخصية المهجو المعنوية والحسية رسما
كاريكاتوريا يبعث على الضحك , ويستعين الشاعر في هذا النوع الأصيل من
الهجاء بكل معارف عصره , وبجميع عناصر الفكاهة والهزل الشائعة بين الناس ,
وهذه الصور الشعرية الساخرة تشكل الأساس الرئيسي لمدرسة الصورة الشعرية
الساخرة التي ازدهرت عند ابن الرومي بحيث عرفت به ونسبت إليه والواقع أن
فضلا كبيرا في أصلها يرجع إلى دعبل لخزاعي الشاعر الرسام الساخر الهجاء
الفنان .
*ومثال ذلك قول منصور الأصفهاني في من اسمه مغيرة :
وجه المغيرة كله أنف *** موف عليه كأنه سقف
من حيث ما تأتيه تبصره *** من أجل ذلك أمامه خلف

*ومثاله أيضا هجاء دعبل جاره الذي سرق ديكه وأكله هو وعياله ثم أنكر ذلك ,
فشهّر به دعبل في المسجد بهذه الأبيات الساخرة المضحكة المتحركة:
أسر المؤذن صالح وضيوفه *** أسر الكميّ هفا خلال الماقط
بعثوا عليه بنيهم وبناتهم *** من بين ناتفة وآخر سامط
يتنازعون كأنهم قد أوثقوا *** خاقان أو هزموا كتائب ناعط
نهشوه فانتزعت له أسنانهم *** وتهشمت أقفاؤهم بالحائط

فالهجاء الساخر يعتبر طريقة تعبيرية متطورة لنقد الأوضاع الاقتصادية
والسياسية والاجتماعية والفردية , وهو بذلك محاولة إلى تجاوزها إلى ما هو
أفضل وذلك بالإصلاح والتغيير وكشف الزيف ومواجه التشوه .
المراجع المعتمدة :
1-د.مصطفى ببطام مظاهر المجتمع وملامح التجديد من خلال الشعر في العصر العباسي الأول (132-232) .
2-د.نور الدين السد – الشعرية العربية – دراسة في التطور الفني للقصيدة العربية حتى العصر العباسي .







ثالثا الرثاء :
ظل شعر الرثائي منذ الجاهلية كباقي الأغراض الأخرى مواكبا لركب الحياة
يتطور ويتجدد تبعا لتطورها وتجددها , فلما دانت الرقاب لبني العباس اقتفى
شعراؤهم نهج أسلافهم من شعراء أمية في مراثيهم التي كانوا يجمعون في أكثرها
بين التهنئة والتعزية
1-ومن الشعراء العباسيين الذين تحقق لهم الجمع بين التهنئة والتعزية أبو نواس الذي يعزي الفضل بن ربيع عن الرشيد ويهنئه بالأمين :
تعز أبا العباس عن خير هالك *** بأكرم حيّ كان أو هو كائن
حوادث أيام تدور صروفها *** لهن مساو مرة ومحاسن
وفي الحي بالميت الذي غيّب الثرى *** فلا الملك مغبون ولا الموت غابن
2-ومن بين المواضع التي أكثر فيها الشعراء العباسيون من نظم الشعر الرثائي
موضوع رثاء الخلفاء والوزراء والقادة حيث أبنوهم بمرثيات تعد من روائع
الشعر العربي , أتوا فيها على ذكر أعمالهم الحميدة وبطولاتهم الفذة ومحنة
الأمة في فقدانهم , كما يعد بكاء الرفقاء والأصدقاء والأبناء والآباء
والأمهات والأزواج من المواضيع التي شغلت حيزا كبيرا في أشعارهم .
*يرثى أبو الشيص هارون الرشيد بمرثية عجيبة يقول فيها
غربت في المشرق الشمـ *** ـس فقل للعين تدمع
ما رأينا قط شمسا *** غربت من حيث تطلع
* ومن أمثلة المراثي التي قيلت في القادة مرثية أبي تمام التي رثى فيها محمد بن حميد الطوسي قائد جيش المأمون يقول فيها :
أصم بك الناعي وإن كان أسمعا *** وأصبح معنى الجود بعدك بلقعا
فتى كلما ارتاد الشجاع من الرّدى *** مفرا غداة المأزق إرتاد مصرعا
فإن ترم عن عمر تدانى به المدى *** فخانك حتى لم يجد فيه منزعا
فما كنت إلا السيف لاقى ضريبة *** فقطعها ثم انثنى فتقطعا

*ورثى عبد الله بن أيوب التيمي البطل منصور بن زياد البطل قضى على ثورة بالقيروان لعهد الرشيد فقال :
أما القبور فإنهن أوانس *** بجوار قبرك والديار قبور
والناس مأتمهم عليه واحد *** في كل دار رنّة وزفير
عجبا لأربع أذرع في خمسة *** في جوفها جبل أشم كبير
*ويقول منصور النمري فر رثاء يزيد بن مزيد الذي فتك بخوارج الموصل :
وإن تك أفنته الليالي وأوشكت ** فإن له ذكرا سيفني الليالي
وواضح ما في هذه الأشعار من دقة التفكير وبعد الخيال ولا عجب إذ كانوا يتنافسون في استنباط المعاني النادرة.
*ومن مراثي الرفقاء والأصدقاء : رثاء بشار لأحد أصدقائه من الزنادقة :
اشرب على تلف الأحبة إننا *** جزر المنية ظاعنين وخفضا
ويلي عليه وويلتي من بينه *** كان المحب وكنت حبا فانقض
قد ذقت ألفته وذقت فراقه *** فوجدت ذا عسلا وذا جمر الغضا
*ونجد الرثاء عند أبي العلاء المعري عبارة عن وقفة تأملية يشترك فيهما
العقل والعاطفة والخيال , وأروع قصائده في هذا الغرض تلك التي رثى بها أبا
حمزة، وهو الفقيه الحنفي وكان عزيزا عليه فقال في مطلعها :
غير مجد في ملتي واعتقادي *** نوح باك , ولا ترنم شاد
صاح هذي قبورنا تملأ الرحـ ** ب فأين القبور من عهد عاد
خفف الوطء ما أظن أديم الأر ** ض إلا من هذه الأجساد
ربّ لحد قد صار لحدا مرارا*** ضاحك من تزاحم الأضداد
ودفين على بقايا دفين *** في طويل الأزمان والآباد
تعب كلها الحياة فما أعجب *** إلا من راغب في ازدياد
وبعد مقدمات في ذكر الحكم والعبر , شرع في ذكر خصال الفقيد ومما قاله :
قصد الدهر من أبي حمزة الأواب *** مولى حجى وخدن اقتصاد
أنفق العمر ناسكا يطلب العلم *** بكشف عن أصله وانتقاد
ذا بنان لا تلمس الذهب الأحمر *** زهدا في العسجد المستفاد
4-وظهرت ضروب جديدة للرثاء لم تكن معروفة قبل هذا العصر كرثاء المدن فهذا
ابن الرومي( 255 هـ) يرثي مدينة البصرة عندما أغار عليها الزنج فنهبوها
وأحرقوها فقال واصفا تلك الفضائع :
ذاد عن مقتلي لذيذ المنام *** شغلها عنه بالدموع السجام
أي نوم من بعدما حل بالبصرة *** ما حل من هنات عظام
أي يوم من بعدما انتهك الزنج *** جهارا محارم الإسلام
حتى يقول :
كم أخ قد رأى أخاه صريعا **** ترب الخدين بين صرعى كرام
كم أب قد رأى عزيز بنيه **** وهو يعلى بصارم صمصام
كم فتاة مصونة قد سبوها **** بارزا وجهها من غير لثام
5-ومن ضروب الرثاء الجديدة مراثي الطير الصادح مثل القمري والحيوانات المستأنسة والأحصنة ،
فقد رثى ابن الزيات فرسا له أشهبا لم ير مثله فراهة وحسنا أخذه منه المعتصم فقال :
كيف العزاء وقد مضى لسبيله *** عنا فودعنا الأحمّ الأشهب
منع الرقاد جوى تضمنه الحشا *** وهوى أكابده وهم منصب
6-وتعتبر المعاني الحضارية التي أدخلت في الرثاء إحدى مظاهر التجديد التي
عرفها هذا الغرض كالذي نراه في رثاء المغنين وأهل اللهو حيث شاعت فيهم معان
لم يألفها الرثاء من قبل , فبينما كان يرثى قديما بصفات النجدة والمروءة
والكرم والشجاعة وما إلى ذلك من الصفات، أصبح بعض الناس في بغداد يرثي بمثل
ما رثى به ابن سيابة إبراهيم الموصلي فيقول:
تولى الموصلي فقد تولت *** بشاشات المزاهر والقيان
وأي بشاشة بقيت فتبقى *** حياة الموصلي على زمان
ستبكيه المزاهر والملاهي *** وتسعدهن عاتقة الدنان





ثالثا الرثاء :
ظل شعر الرثائي منذ الجاهلية كباقي الأغراض الأخرى مواكبا لركب الحياة
يتطور ويتجدد تبعا لتطورها وتجددها , فلما دانت الرقاب لبني العباس اقتفى
شعراؤهم نهج أسلافهم من شعراء أمية في مراثيهم التي كانوا يجمعون في أكثرها
بين التهنئة والتعزية
1-ومن الشعراء العباسيين الذين تحقق لهم الجمع بين التهنئة والتعزية أبو نواس الذي يعزي الفضل بن ربيع عن الرشيد ويهنئه بالأمين :
تعز أبا العباس عن خير هالك *** بأكرم حيّ كان أو هو كائن
حوادث أيام تدور صروفها *** لهن مساو مرة ومحاسن
وفي الحي بالميت الذي غيّب الثرى *** فلا الملك مغبون ولا الموت غابن
2-ومن بين المواضع التي أكثر فيها الشعراء العباسيون من نظم الشعر الرثائي
موضوع رثاء الخلفاء والوزراء والقادة حيث أبنوهم بمرثيات تعد من روائع
الشعر العربي , أتوا فيها على ذكر أعمالهم الحميدة وبطولاتهم الفذة ومحنة
الأمة في فقدانهم , كما يعد بكاء الرفقاء والأصدقاء والأبناء والآباء
والأمهات والأزواج من المواضيع التي شغلت حيزا كبيرا في أشعارهم .
*يرثى أبو الشيص هارون الرشيد بمرثية عجيبة يقول فيها
غربت في المشرق الشمـ *** ـس فقل للعين تدمع
ما رأينا قط شمسا *** غربت من حيث تطلع
* ومن أمثلة المراثي التي قيلت في القادة مرثية أبي تمام التي رثى فيها محمد بن حميد الطوسي قائد جيش المأمون يقول فيها :
أصم بك الناعي وإن كان أسمعا *** وأصبح معنى الجود بعدك بلقعا
فتى كلما ارتاد الشجاع من الرّدى *** مفرا غداة المأزق إرتاد مصرعا
فإن ترم عن عمر تدانى به المدى *** فخانك حتى لم يجد فيه منزعا
فما كنت إلا السيف لاقى ضريبة *** فقطعها ثم انثنى فتقطعا

*ورثى عبد الله بن أيوب التيمي البطل منصور بن زياد البطل قضى على ثورة بالقيروان لعهد الرشيد فقال :
أما القبور فإنهن أوانس *** بجوار قبرك والديار قبور
والناس مأتمهم عليه واحد *** في كل دار رنّة وزفير
عجبا لأربع أذرع في خمسة *** في جوفها جبل أشم كبير
*ويقول منصور النمري فر رثاء يزيد بن مزيد الذي فتك بخوارج الموصل :
وإن تك أفنته الليالي وأوشكت ** فإن له ذكرا سيفني الليالي
وواضح ما في هذه الأشعار من دقة التفكير وبعد الخيال ولا عجب إذ كانوا يتنافسون في استنباط المعاني النادرة.
*ومن مراثي الرفقاء والأصدقاء : رثاء بشار لأحد أصدقائه من الزنادقة :
اشرب على تلف الأحبة إننا *** جزر المنية ظاعنين وخفضا
ويلي عليه وويلتي من بينه *** كان المحب وكنت حبا فانقض
قد ذقت ألفته وذقت فراقه *** فوجدت ذا عسلا وذا جمر الغضا
*ونجد الرثاء عند أبي العلاء المعري عبارة عن وقفة تأملية يشترك فيهما
العقل والعاطفة والخيال , وأروع قصائده في هذا الغرض تلك التي رثى بها أبا
حمزة، وهو الفقيه الحنفي وكان عزيزا عليه فقال في مطلعها :
غير مجد في ملتي واعتقادي *** نوح باك , ولا ترنم شاد
صاح هذي قبورنا تملأ الرحـ ** ب فأين القبور من عهد عاد
خفف الوطء ما أظن أديم الأر ** ض إلا من هذه الأجساد
ربّ لحد قد صار لحدا مرارا*** ضاحك من تزاحم الأضداد
ودفين على بقايا دفين *** في طويل الأزمان والآباد
تعب كلها الحياة فما أعجب *** إلا من راغب في ازدياد
وبعد مقدمات في ذكر الحكم والعبر , شرع في ذكر خصال الفقيد ومما قاله :
قصد الدهر من أبي حمزة الأواب *** مولى حجى وخدن اقتصاد
أنفق العمر ناسكا يطلب العلم *** بكشف عن أصله وانتقاد
ذا بنان لا تلمس الذهب الأحمر *** زهدا في العسجد المستفاد
4-وظهرت ضروب جديدة للرثاء لم تكن معروفة قبل هذا العصر كرثاء المدن فهذا
ابن الرومي( 255 هـ) يرثي مدينة البصرة عندما أغار عليها الزنج فنهبوها
وأحرقوها فقال واصفا تلك الفضائع :
ذاد عن مقتلي لذيذ المنام *** شغلها عنه بالدموع السجام
أي نوم من بعدما حل بالبصرة *** ما حل من هنات عظام
أي يوم من بعدما انتهك الزنج *** جهارا محارم الإسلام
حتى يقول :
كم أخ قد رأى أخاه صريعا **** ترب الخدين بين صرعى كرام
كم أب قد رأى عزيز بنيه **** وهو يعلى بصارم صمصام
كم فتاة مصونة قد سبوها **** بارزا وجهها من غير لثام
5-ومن ضروب الرثاء الجديدة مراثي الطير الصادح مثل القمري والحيوانات المستأنسة والأحصنة ،
فقد رثى ابن الزيات فرسا له أشهبا لم ير مثله فراهة وحسنا أخذه منه المعتصم فقال :
كيف العزاء وقد مضى لسبيله *** عنا فودعنا الأحمّ الأشهب
منع الرقاد جوى تضمنه الحشا *** وهوى أكابده وهم منصب
6-وتعتبر المعاني الحضارية التي أدخلت في الرثاء إحدى مظاهر التجديد التي
عرفها هذا الغرض كالذي نراه في رثاء المغنين وأهل اللهو حيث شاعت فيهم معان
لم يألفها الرثاء من قبل , فبينما كان يرثى قديما بصفات النجدة والمروءة
والكرم والشجاعة وما إلى ذلك من الصفات، أصبح بعض الناس في بغداد يرثي بمثل
ما رثى به ابن سيابة إبراهيم الموصلي فيقول:
تولى الموصلي فقد تولت *** بشاشات المزاهر والقيان
وأي بشاشة بقيت فتبقى *** حياة الموصلي على زمان
ستبكيه المزاهر والملاهي *** وتسعدهن عاتقة الدنان









رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
*«•¨*•.¸¸.»منتدى, اللغة, العربية, «•¨*•.¸¸.»*, طلبة

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع



الساعة الآن 09:09

المشاركات المنشورة تعبر عن وجهة نظر صاحبها فقط، ولا تُعبّر بأي شكل من الأشكال عن وجهة نظر إدارة المنتدى
المنتدى غير مسؤول عن أي إتفاق تجاري بين الأعضاء... فعلى الجميع تحمّل المسؤولية


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
2006-2013 © www.djelfa.info جميع الحقوق محفوظة - الجلفة إنفو (خ. ب. س)
Protected by CBACK.de CrackerTracker