المعاهدات الدولية - منتديات الجلفة لكل الجزائريين و العرب

العودة   منتديات الجلفة لكل الجزائريين و العرب > منتديات الجامعة و البحث العلمي > الحوار الأكاديمي والطلابي > قسم أرشيف منتديات الجامعة

قسم أرشيف منتديات الجامعة القسم مغلق بحيث يحوي مواضيع الاستفسارات و الطلبات المجاب عنها .....

http://www.up.djelfa.info/uploads/141389081779231.gif

 

في حال وجود أي مواضيع أو ردود مُخالفة من قبل الأعضاء، يُرجى الإبلاغ عنها فورًا باستخدام أيقونة تقرير عن مشاركة سيئة ( تقرير عن مشاركة سيئة )، و الموجودة أسفل كل مشاركة .

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 2011-11-25, 16:00   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
yacine414
عضو مميّز
 
إحصائية العضو









yacine414 غير متواجد حالياً


B10 المعاهدات الدولية

السلام عليكم،اقدم لكم اليوم هذه المذكرة لصاحبها صـــالح شرفــي وهي عبارة عن مذكرة ماجستير تحمل عنوان الرقـابة على دستورية المعاهدات الدوليـة فــي الجــزائرنوقشت في السنة الجامعية 2005/2006 كما هو مبين في الواجهة

بحـث مقـدم لنيـل شهـادة الماجستير فـي القانـون العـام فرع المؤسسـات الدستـورية والإدارية




إعـداد الطـالب : الأستاذ المشرف/ الدكتـور:
صـــالح شرفــي عمــار رزيـــــــــــق



لجنة المناقشة :
الأستاذ الدكتور: عمـــار بوضيـــاف رئيســـــــــا
الدكتور: عمـــار رزيــــــق مشـــرفا ومــــــقررا
الأستاذ الدكتور: جمال عبد الناصـر مـانع عضوا
الأستــاذ الدكتور: مسـعـــود منتــــري عضـــــوا



السنـة الجامعيـة : 2005/2006






مقدمة
أولا: أهمية الموضوع:
إن المواثيق و الدساتير و القوانين المؤسسات لا تعتبر سوى وسائل أو أطر يستعملها الإنسان لتحقيق أعراض معينة، وأن فاعليتها مرتبطة بمدى إيمان واضعيها والشعب بها والضمانات المقررة لتطبيقها لأن ذلك الإيمان والتقيد بها هو الذي يكفل إستمرار بقائها وإستقرارها.
وعليه فإن صيانة ووضع المواثيق والنصوص، رغم أنها تعبر عن إرادة الشعب كله أو أغلبيته فتكون لها قيمة قانونية وتاريخية الا إذا تم تطبيقها وإحترامها من قبل ممارسي السلطة إذا أريد لها أن تحترم من قبل الشعب ومن أهم الأسس التي تقوم عليها الدولة القانونية مبدأ سمو الدستور على جميع القواعد القانونية في الدولية. وإذا كان مبدأ الشرعية يقتضي ضرورة أن تكون جميع التصرفات للسلطة العامة من الدولة متفقة مع أحكام الدستور، وأن تسود القاعدة القانونية فوق إرادة كافة الأشخاص القانونية، فإن مبدأ علو الدستور يعد أهم النتائج الحتمية والملازمة لمبدأ المشروعية.هذا السمو الذي تتمتع به القواعد الدستورية يستند إلى طبيعة هذه القواعد وموضوعها من جهة، ذلك أن الدستور يعتبر مصدر كل النشاطات القانونية في الدولة، فهو يحتوي على قواعد قانونية أساسية تستمد منها القوانين العادية مصدرها وتتقيد بمضمونها وإلا عدت غير شرعية وإن هذا التمييز الشكلي والموضوعي للدستور كان ولا يزال يهيمن على الحياة القانونية لكل دولة، وقد زادت أهميته مع زيادة المشاكل الإقتصادية والإجتماعية وتضخمها، حيث احتاج الأمر إلى من التدخل، ومع زيادة هذا التدخل زادت التشريعات لحل هذه المشاكل. ومن هذا المنطلق تكمن أهمية موضوع الرقابة على دستورية المعاهدات الدولية، وذلك نظرا لمبدأ سمو الدستور، مما أوجب توفير الحماية الكافية لهذا المبدأ
- هذا من جهة-.
من جهة أخرى تبرز أهمية موضوع الرقابة على دستورية المعاهدات الدولية في الجزائر في أن المعاهدة الدولية تعد أهم مصدر للقانون الدولي العام،ويعتبر هذا الأخير نواة إشكالية الموضوع،من حيث مدى سمو القانون الدولي على القانون الداخلي ،و من ثمة مدى سمو المعاهدات الدولية على الدستور . وإذا ما سلمنا بنظرية التحديد الذاتي وعقيدة السيادة وفكرة الاعتراف بسمو القانون الداخلي على القانون الدولي ،يصبح هذا الأخير في مهب الربح نتيجة للتعديلات الدستورية التي تقدم عليها الدول ،أو
نتيجة إلغاء الدولة للمعاهدات والانسحاب منها أو خرقها.وبالمقابل فان نظرية التحديد الذاتي التي مفادها أن الدولة تلزم نفسها بنفسها ، وبالتالي لا يمكنها أن تكون تابعة لآية سلطة عليا غير إرادتها التي يجوز لها أن تعدل عن أي التزام متى شاءت،سواء كان التزام خارجي،ووفقا لهذه النظرية يستند مبدأ القوة الملزمة للمعاهدة على الدستور الذي يتولى تحديد صحتها و مكانتها (أي مبدأ سمو الدستور على المعاهدات الدولية ). وهذا ما سنحاول توضيحه من خلال دراستنا لهذا الموضوع الهام،بتبيان اجرءات إدراج المعاهدات الدولية و مكانتها في النظام القانوني الجزائري،و ذلك بتحليل موضوع الرقابة على دستورية المعاهدات الدولية للوقوف على مدى أخذ المؤسس الدستوري الجزائري بالرقابة السابقة أو اللاحقة أو الرقابيتين معا للمعاهدات الدولية ومدى خضوعها للدستور .
1- الأهمية العلمية لدراسة هذا الموضوع :
تمكن الأهمية العلمية لدراسة هذا الموضوع على التعرف و بشكل خاص على هذا النوع من الرقابة و تحديد إجراءات و مكانة المعاهدات الدولية في النظام القانوني الجزائري ، وكذا معرفة وفك إشكالية الرقابة السابقة و الرقابة اللاحقة على دستورية المعاهدات الدولية ،على اعتبار أن هذه الرقابة تعتبر وسيلة لحماية الشرعية وكفالة مبدأ السمو الشكلي والموضوعي للدستور على جميع القواعد القانونية في الدولة احتراما للتدرج الهرمي و التسلسل القانوني الذي تقرره جميع الدول بغض النظر عن توجهها السياسي و القانوني و الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و الدولي هذا من جهة ،و من جهة أخرى نجد أن أهمية
2- هذا المبدأ قد زادت مع زيادة المشاكل الاقتصادية و الاجتماعية في الداخل و الدولية في الخارج وتضخمها ، حيث احتاج الأمر إلى إنتاج تشريعي كبير لمعالجة هذه المشاكل ،فتوالت التشريعات العادية و الفرعية في سرعة وتطور وانتشار على نحو لم يسبق له مثيل ،وفي ظل هذه الغمرة من التشريعات تعرضت المبادئ الدستورية و الضمانات الفردية و الفواصل بين السلطة التأسيسية و باقي السلطات للاعتداءات صارخة ، فكان لابد من البحث عن وسيلة نستطيع أن نتحقق بهاعما إذا كانت هذه السلطة المشرعة و السلطة المنفذة قد راعتا حدودهما الدستورية المرسومة لهما أم لا.
2- الأهمية العامة لدراسة هذا الموضوع :
بما أن المكتبة القانونية بالجزائر تفتقر إلى الدراسات و المؤلفات العلمية المختصصة في مجال القانون الدستوري ،ورغم الأهمية البالغة لذلك ،سواء بالنسبة لطلبة الحقوق خاصة ،أو المشتغلين بحقل القانون عامة من: قضاة و محامين ومحضرين و موثقين و إطارات إدارية و غيرهم ،ونأمل بذلك رفع مستو التكوين العلمي المتخصص، وتكريس ثقافة قانونية متداولة لدى جميع الدارسين لمقياس القانون الدستوري ،وترقية الوعي القانوني بما يتوافق و المعطيات و الأسس التي يقوم عليها المجتمع الجزائري في مختلف مؤسساته ومنظوماته و الله من وراء القصد و هو ولي التوفيق.
ثانيا:إشكاليات الموضوع:
1- تحديد الإشكالية:
بناء على ما سبق ستصب دراستنا على الرقابة على دستورية المعاهدات الدولية في الجزائر،وتركز على إجراءات إبرام المعاهدات الدولية و مكانتها ضمن النظام القانوني الجزائري هذا من جهة ،ومن جهة ثانية سنوضح في هذه الدراسة الرقابة اللاحقة على دستورية المعاهدات كصورتين من صور الرقابة باعتبار أنها ستكون محل الإشكالية الأساسية التي سنعالجها في بحثنا هذا.
2-صياغة الإشكالية :
وانطلاقا من هذا التحليل فان هذا الموضوع يطرح جملة من التساؤلات الجديرة بالبحث
عنها والإجابة عليها و المتمثلة في الأتي:
ما هي إجراءات إبرام المعاهدات الدولية في النظام القانوني الجزائري حتى تدخل حيز النفاذ إما داخليا أو خارجيا؟ ومتى تدرج المعاهدات الدولية ضمن القانون الوضعي الداخلي ؟ هل من تاريخ التصديق عليها أم من تاريخ نشرها في الجريدة الرسمية ؟ وما هي اثأر ظهور مرسوم النشر بالجريدة الرسمية فقط ،دون المعاهدة الدولية ؟
كيف عالج المؤسس الدستوري الجزائري مسألة الرقابة على دستورية المعاهدات ؟ وذلك من خلال مدى أخذه بالرقابة السابقة فقط على دستورية المعاهدات الدولية دون الرقابة اللاحقة أو أخذه بالرقابة اللاحقة ،على دستورية المعاهدات الدولية دون اللاحقة ،أو أخذه بالرقابيتين معا السابقة و اللاحقة على دستورية المعاهدات الدولية؟
ثالثا:الدراسات السابقة للموضوع
على الصعيد العلمي لم يأخذ موضوع الرقابة على دستورية المعاهدات الدولية القسط الكافي من الدراسة و التحليل، و لم تتحصل على أي دراسة شاملة لهذا الموضوع ومن هنا فان موضوع الرقابة على دستورية المعاهدات الدولية في الجزائر موضوع حديث جدا لم يتطرق إليه الباحثين الجزائريين في مجال القانون الدستوري سواء كان ذلك في الماجستير أو في رسائل الدكتوراه ،و بالتالي فان هذا الموضوع جفت فيه الأقلام خاصة منها الأقلام الجرئرية،حيث انه عندما نفتح أي مرجع يخص القانون الدستوري ولا سيما منه الرقابة على دستورية القوانين نجد أن الكتاب يركزون على الرقابة على دستورية القوانين بصفة عامة ولا نجد أي تحليل للرقابة على دستورية المعاهدات الدولية وما تحمله من إشكاليات كبيرة جدا , وحتى وان وجدنا هناك إشارة إلى هذا الموضوع , فإن هذه الإشارة لا تتعدى الصفحة أو الصفحتان على الأكثر مثل الدكتور بو الشعير في كتابة النظام السياسي الجزائري ,وكتابة القانون الدستوري والنظم السياسية المقارنة , كذلك الدكتور بوبكرإدريس في لاكتابة :الوجيز في القانون الدستوري والمؤسسات ـ هذا على سبيل المثال إلا انه هناك مقالتين فقط بين أيدينا أشارتا إلى موضوع الرقابة على دستورية المعاهدات الدولية ولو بصفة وجيزة جدا ,المقالة الأولى للأستاذ قشي الخير ـ أستاذ القانون الدولي جامعة سطيف بعنوان: . la Constitution Alge'rienne et La droit international R,G,D,I,P,1990
كما أن الدكتور عمار زريق أستاذ القانون الدولي بجامعة باتنة , أشار إلى هذا الموضوع في أطروحة دكتوراه دولة بعنوان دور الجزائر في إعداد وتنفيذ القانون الدولي الاتفاقي لحقوق الإنسان .
ومنه وانطلاقا من الدراسات العميقة لموضوع الرقابة على دستورية المعاهدات الدولية ,سنحاول دراسة هذا الموضوع مركزين على الجوانب العملية له ,وذلك من اجل السعي إلى إرساء لبنة جديدة في هذا المجال لنكون نواة لدراسات لاحقة مقترحين إضافات من شأنها أن تدعم وتحسن وتنور مسعى المؤسس الدستوري الجزائري في موضوع الرقابة على دستورية المعاهدات الدولية.
رابعا :أسباب ودوافع اختيار الموضوع :
بالنسبة للأسباب التي دفعتها لخوض غمار هذا الموضوع ـ الرقابة على دستورية المعاهدات الدولية في الجزائر ـ تتمثل أساسا ذاتية وأخرى موضوعية .
فلعل الأسباب الذاتية تتمثل في رغبتي الخاصة في محاولة البحث في هذا الموضوع على اعتبار أن موضوع ثري يثير النقاش والجدل والكثير من التساؤلات ,وإحساسي بالقدرة على إمكانية النبش في مثل هذه الموضوعات ومحاولة إثراءها , على اعتبارها تنطوي تحت فرعين مهمين من فروع القانون العام ألا وهما القانون الدولي العام والقانون الدستوري وهو موضوع تخصصنا
أما الأسباب الموضوعية التي جعلتنا نتناول هذا الموضوع بالدراسة هي انه يتعلق بمبدأ متعارف عليه متأصل الجذور تاريخيا تتبناه معظم الدول في دساتيرها وتعمل على حمايته قانونيا وتكريسه واقعيا ,ألا وهو مبدأ سمو الدستور وتدرج القواعد القانونية.
خامسا: أهداف دراسة الموضوع
إن دراسة موضوع الرقابة على دستورية المعاهدات الدولية في الجزائر يجرنا للوصول إلى الأهداف التالية:
- مدى إحترام السلطة التنفيذية بقيادة رئيس الجمهورية حامي الدستور، والسلطة التشريعية للإجراءات المتطلبة قانونا لإبرام المعاهدات الدولية، ومدى كفالة هذه الإجراءات لحماية الدستور.
- توضيح مكانة المعاهدات الدولية في النظام القانوني الجزائري ومنه إزالة اللبس القائم حول مدى سمو المعاهدات الدولية على القوانين العادية من جهة، ومن جهة أخرى إزالة اللبس القائم حول مبدأ سمو الدستور على المعاهدات الدولية.
- إعادة النظر في تشكيل الهيئة المنوط بها مهمة الرقابة على دستورية المعاهدات الدولية( المجلس الدستوري) حتى نستطيع ممارسة مهامها بإستقلالية بعيدا عن ضغوطات الجهاز التنفيذي خاصة إذا علمنا أن رئيس الجمهورية هو الذي يبرم المعاهدات الدولية، وهو في نفس الوقت القائم على تعيين أعضاء هذه الهيئة.
- توسيع مجال الهيئة المنوط بها مهمة الرقابة على دستورية المعاهدات الدولية وذلك بموجب الرقابة الآلية التي تقوم بها الهيئة مباشرة ومن تلقاء نفسها على دستورية المعاهدات الدولية دون الحاجة إلى أي أختار,لان مجال الأخطار قاصر فقط على بعض المؤسسات الدستورية في الدولة كرئيس الجمهورية ورئيس المجلس الشعبي الوطني ورئيس مجلس الأمة .
- وعلى المستوى العملي فإننا نهدف للوصول إلى إيجاد حل في ما يخص صور الرقابة على دستورية المعاهدات الدولية لا سيما منها الرقابة السابقة والرقابة اللاحقة وتوضيح وإزالة اللبس القائم في هذا المجال.
- كذلك الإشارة إلى أهم التعديلات التي نأمل أن يأخذ بها المؤسس الدستوري الجزائري عند تعديل الدستور ( دستور 1996) وذلك بالنسبة لبعض المواد التي تخص موضوع الرقابة على دستورية المعاهدات الدولية ,وكذلك وضع حل عند اعتراف أحكام المعاهدة أو جزء منها والدستور.
سادسا: المنهج العلمي المتبع في دراسة هذا الموضوع
سنعتمد في دراستنا على المنهج المركب الوصفي التحليلي ,مبرزين مختلف جوانب الموضوع وتشريحها بغية الوصول إلى رؤية موضوعية لموضوعنا.


خطة الموضــوع:
مقدمـــــة
الفصل التمهيدي : إجراءات إدماج المعاهدات الدولية ومكانتها في النظام القانوني الجزائري.
المبحث الأول : إجراءات إدماج المعاهدات الدولية في النظام القانوني الجزائري.
المطلب الأول: التصديق على المعاهدات الدولية.
المطلب الثاني: نشر المعاهدات الدولية.
المبحث الثاني: مكانة المعاهدات الدولية في النظام القانوني الجزائري.
المطلب الأول: القيمة القانونية للمعاهدات الدولية في الدساتير الجزائرية.
المطلب الثاني: علاقة المعاهدات الدولية بالقوانين الداخلية الجزائرية.
الفصل الأول: المجلس الدستوري تنظيم وإختصاص.
المبحث الأول: تنظيم المجلس الدستوري.
المطلب الأول: تسمية المجلس الدستوري.
المطلب الثاني : تشكيلة المجلس الدستوري.
المطلب الثالث: طبيعة المجلس الدستوري الجزائري.
المبحث الثاني:إخطار المجلس الدستوري وإختصاصاته.
المطلب الأول: تحريك المجلس الدستوري الجزائري (إخطاره).
المطلب الثاني: اختصاصات المجلس الدستوري الجزائري.
المطلب الثالث: مدى حجية قرارات وآراء المجلس الدستوري وطبيعتها القانونية.
الفصل الثاني: كيفية رقابة المجلس الدستوري للمعاهدات الدولية.
المبحث الأول: الرقابة السابقة لدستورية المعاهدات الدولية.
المطلب الأول: تعريف الرقابة السابقة للمعاهدات الدولية.
المطلب الثاني: دور المجلس الدستوري فيما يخص الحالة المنصوص عليها في المادة 97
المطلب الثالث: عدم دستورية المعاهدة قبل دخولها حيز النفاذ.
المبحث الثاني: الرقابة اللاحقة لدستورية المعاهدات الدولية.
المطلب الأول: تعريف الرقابة اللاحقة لدستورية المعاهدات الدولية.
المطلب الثاني: عدم دستورية المعاهدة بعد لتصديق عليها ونشرها.

المطلب الثالث: الآراء المؤيدة والمعارضة للرقابة اللاحقة لدستورية المعاهدات الدولية.
الخاتــــمة.
الفصل التمهيدي : إجراءات إدراج المعاهدات الدولية ومكانتها في النظام القانوني الجزائري
من الثابت، أن القواعد القانونية في النظام القانوني للدولة ليست في مرتبة واحدة من حيث قوتها وقيمتها القانونية، فهذه القواعد تتدرج بحيث تكون بعضها أسمى وأعلى مرتبة من البعض الآخر، ففي قمة النظام القانوني الجزائري توجد القواعد الدستورية ثم تليها في المرتبة القواعد التشريعية، ثم تليها بعد ذلك القواعد الصادرة عن السلطة التنفيذية وهي اللوائح. ويترتب على تدرج هذه القواعد القانونية، أنه لايجوز لقاعدة أدنى أن تتعارض أو تخالف قاعدة قانونية أعلى منها، وعلى هذا فلا يجوز مثلا لقاعدة قانونية عادية أن تخالف قاعدة قانونية دستورية. إن الدساتير التي عرفتها الجمهورية الجزائرية، تقرر أن المعاهدات أو الاتفاقات الدولية المصادق عليها طبقا للأحكام المنصوص عليها في الدستور تندرج في القانون الوطني الجزائري وتصبح ملزمة داخل الجزائر، وواجبة الاحترام والتطبيق من جانب كافة سلطات الدولة، ونافذة كذلك في حق الأفراد.
والسؤال المطروح في هذا الصدد:
ماهي إجراءات إدراج المعاهدات الدولية ومكانتها في النظام القانوني الجزائري؟
ومنه ارتأينا تقسيم هذا الفصل إلى مبحثين:
المبحث الأول: إجراءات إدراج المعاهدات الدولية في النظام القانوني الجزائري
المبحث الثاني: مكانة المعاهدات الدولية في النظام القانوني الجزائري










المبحث الأول : إجراءات إدراج المعاهدات الدولية في النظام القانوني الجزائري
إن الدساتير التي عرفتها الجمهورية الجزائرية، تقرر أن المعاهدات أو الاتفاقات الدولية المصادق عليها طبقا للأحكام المنصوص عليها في الدستور تندرج في القانون الوطني الجزائري وتصبح ملزمة داخل الجزائر، وواجبة الاحترام والتطبيق من جانب كافة سلطات الدولة، ونافذة كذلك في حق الأفراد.
فالدساتير الجزائرية، وعلى غرار الغالبية العظمى من الدساتير المقارنة، تمنح السلطة التنفيذية ممثلة في رئيس الجمهورية اختصاص التصديق على المعاهدات الدولية، وهذا يتبين من المادة 42 من دستور 1963 (1)، والمادة 159 من الدستور 1976 حيث نصت علـــــى : " المعاهدات الدولية التي صادق عليها رئيس الجمهورية طبقا للأحكام المنصوص عليها في الدستور، تكسب قوة القانون"، وكذلك المادة 123 من دستور1989 التي تقضي بأن: "المعاهدات التي يصادق عليها رئيس الجمهورية، حسب الشروط المنصوص عليها في الدستور، تسمو على القانون"، وهي نفس صياغة المادة 132 من دستور1996.
ومنه فرئيس الجمهورية الجزائرية هو صاحب الاختصاص في التصديق على المعاهدات الدولية حسب الدساتير الجزائرية السابقة والدستور المعمول به حاليا، وهذا بعد موافقة البرلمان بغرفتيه(المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة) على هذه المعاهدات. فإن هذا لا يعني أن صلاحيته في ذلك انفرادية، وإنما يمكن أن تشاركه هيئات وسلطات أخرى في المصادقة على بعض الاتفاقات أو المعاهدات.
إذا فإن شرطا التصديق وموافقة البرلمان إجباريان لكي تندرج المعاهدات الدولية في القانون الداخلي الجزائري، وتصبح إحدى مصادره المباشرة، وهذا بغض النظرعن الإجراءات الخارجية لإبرام المعاهدات2 .


المطلب الأول: التصديق على المعاهدات الدولية
يقصد بالتصديق على المعاهدات الدولية، ذلك الإجراء الذي توافق وتقبل به الدولة أو منظمة دولية للالتزام بصورة نهائية بأحكام معاهدة وفقا للإجراءات القانونية المحددة، وهو ما نصت عنه اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لسنة1969، إذ عرفت التصديق في مادتها الرابعة عشر بأنه التعبير عن رضا الدولة للارتباط بالمعاهدة، وكذلك اتفاقية فيينا لسنة 1986 في مادتها الحادية عشر الفقرة الثانية وذلك بعبارة أخرى وهي "التأكد الرسمي" بدلا من كلمة التصديق.
والجزائر اعتمدت هذا الإجراء أي التصديق لإدراج القانون الدولي الاتفاقي في قانونها الوطني، وهو ما يتضح جليا بالرجوع إلى ما جاء في دساتيرها المختلفة والمتعاقبة، فالمادة 159 من دستور الجزائر لعام 1976 تنص على أن المعاهدات الدولية التي صادق عليها رئيس الجمهورية طبقا للأحكام المنصوص عليها في الدستور تكتسب قوة القانون.
وكذلك المادة 123 من دستور الجمهورية الجزائرية لسنة 1989، حيث نصت في هذا المجال على أن: "المعاهدات التي يصادق عليها رئيس الجمهورية حسب الشروط المنصوص عليها في الدستور تسمو على القانون".
كما نصت المادة 132 من دستور 1996 على ان: "المعاهدات التي يصادق عليها رئيس الجمهورية حسب الشروط المنصوص عليها في الدستور تسمو على القانون".
وهذا ما يثبته التعامل الجزائري في هذا الميدان، ويكفي لإثبات ذلك أن نشير إلى المرسوم الرئاسي رقم 24/29 المؤرخ في 15 جانفي 1994 المتضمن المصادقة على الاتفاق الخاص بإنشاء اللجنة المشتركة الكبرى الجزائرية المغربية، الموقع بالرباط في 30مارس 1989، وكذلك المرسوم الرئاسي المؤرخ في 2 جانفي المتضمن المصادقة على الاتفاق المبرم بين الجزائر وفرنسا بشأن التشجيع والحماية المتبادلين بخصوص الاستثمار وتبادل الرسائل المتعلق بهما، الموقعين بمدينة الجزائر في 13 فيفري 1993، والانضمام للعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية في 10/12/1966 الساري المفعول بالجزائر في 23/08/1976.


فالمؤسس الدستوري الجزائري لم يشترط من إجراءات، لإدراج الاتفاقات الدولية في المجال الداخلي الجزائري، سوى المصادقة على هذه الاتفاقات الدولية، ومن هنا يمكن القول أن القاضي الجزائري يجوز له رفض تطبيق المعاهدات التي لم يصادق عليها رئيس الجمهورية الجزائرية.
الفرع الأول: النظام القانوني للتصديق وشروط صحته
إذا كان التصديق، هو ذلك الإجراء الذي تقبل به الدول أو المنظمة الدولية للالتزام بصورة نهائية بأحكام المعاهدة وفقا للإجراءات الدستورية في كل دولة أو منظمة.
وإذا كان بواسطة التصديق تندرج المعاهدات الدولية في القانون الداخلي وتدخل حيز النفاذ وتصبح لها قوة قانونية ملزمة، فهل هذا يعني أنه إجراءا إلزاميا؟ وما هي شروط صحته؟
الفقرة الفرعية الأولى: النظام القانوني للتصديق
عن أهمية اللجوء إلى التصديق لنفاذ المعاهدات الدولية داخليا، لا تجعل اتفاقية فيينا من تنفيذه إجراء إلزاميا للدول إلا في بعض الحالات، وهو ما يستفاد من قراءة المادة الرابعة عشر من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لسنة 1969، واتفاقية فيينا لعام 1986 حيث نصتا على أنه :
*أ ـ ضمن اتفاقية فيينا لسنة 1969 :
1 ـ تعبر الدولة عن ارتضائها و الالتزام بالمعاهدة، بالتصديق عليها في الحالات الآتية:
أ ـ إذا نصت المعاهدة على أن يكون التصديق هو وسيلة التعبير عن الإرتضاء.
ب ـ إذا ثبت بطريقة أخرى أن الدول المتفاوضة والمنظمات كانت قد اتفقت على اشتراط التصديق.
ج ـ إذا بدت نية الدولة المعنية في أن يكون التوقيع بشرط التصديق اللاحق في وثيقة مثلها أو عبرت عن ذلك أثناء المفاوضة.
2 ـ تعبر الدولة عن ارتضائها بمعاهدة عن طريق القبول والموافقة في حالات مماثلة للحالات الخاصة بالتصديق.
*ب ـ ضمن اتفاقية فيينا لسنة 1986 :
1 ـ تعبر المنظمة الدولية عن ارتضائها الالتزام بالمعاهدة، بالتأكد الرسمي، وذلك في الأحوال التالية:
أ ـ إذا نصت المعاهدة على التعبير عن الارتضاء،بان يكون بواسطة القيام بالتأكيد الرسمي.
ب ـ إذا ثبت بطريقة أو بأخرى، أن الدولة المتفاوضة، والمنظمات، أو حسب الأحوال المنظمات المتفاوضة فيما بينها، قد اتفقت على اشتراط القيام بالتأكيد الرسمي.
ج ـ إذا كان ممثل المنطقة قد وقع المعاهدة مع التحفظ بشرط القيام بالتأكيد الرسمي.
د ـ إذا بدت نية المنظمة في أن يكون التوقيع خاضعا للقيام بالتأكيد الرسمي، من أوراق التفويض الصادرة لممثليها أو عبرت عن ذلك أثناء المفاوضة.
2 ـ تعبر الدولة أو المنظمة الدولية عن ارتضائها الالتزام بالمعاهدة، عن طريق القبول أو الموافقة تحت شروط مشابهة لتلك المطلوبة في التصديق أو حسب الأحوال "التأكيد الرسمي".
ومن هنا، هناك سؤال يمكن أن يطرح نفسه وهو: إذا جاءت المعاهدة خالية مما يفيد اشتراط ضرورة التصديق فهل يكفي التوقيع على المعاهدة لنفاذها على المستوى الداخلي؟
وللإجابة على السؤال المذكور أعلاه، نعود إلى رأي الفقه:
- في هذا الشأن، يرى فريق من الفقهاء عدم ضرورة التصديق في حالة سكوت المعاهدة على النص عليه(النص على التصديق) مؤكدا على أنـه:
"إذا لم يتضح من الإرادة الصريحة أو الضمنية لأطراف المعاهدة ضرورة التصديق على المعاهدة فإن ذلك يعني استقرار العقيدة على تطبيق القاعدة العامة في القانون الدولي، التي مؤداها دخول المعاهدة حيز النفاذ بمجرد التوقيع عليها(1).
ـ أما الفريق الآخر، فيرى أن التصديق شرط أساسي لنفاذ المعاهدة حتى ولو لم تنص على ذلك، وهذا لاعتبارات عديدة منها:
1 ـ يؤدي التصديق إلى تجنب ما قد يؤثر من خلافات حول حقيقة إبعاد التفويض الممنوح للمفوضين عن الدولة في التفاوض وتوقيع المعاهدة.
2 ـ بواسطة التصديق تطمئن الدولة أو المنظمة من أن المفوض قد التزم بحدود الصلاحيات التي منحت له من طرفها.
3 ـ قد يكون موضوع المعاهدة ذو طبيعية ماسة بالمصالح العليا للدولة، الأمر الذي يقتضي موافقة السلطة المختصة في الدولة على هذه المعاهدة بواسطة التصديق (2).
وعليه فإن كان التصديق يعد إجراء لازما لدخول المعاهدة حيز النفاذ داخليا، إلا أنه لا يوجد ما يجبر الدولة على إتمامه بصورة آلية بعد توقيع ممثلها المفوض منها، ومنه فالتصديق يعد سلطة تقديرية للدولة، حيث يظهر ذلك على سبيل المثال عندما وقعت فرنسا على الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان لسنة 1950 ولم تصادق عليها إلا في سنة 1973.
كما تستطيع الدول رفض التصديق على المعاهدات الدولية دون أن تترتب عليها مسؤوليتها الدولية، فتاريخ العلاقات الدولية حافل بسوابق الامتناع عن التصديق، من ذلك امتناع الولايات المتحدة الأمريكية – المشهور- عن التصديق على معاهدة فرنسا لعام 1919 من ميثاق عصبة الأمم نتيجة رفض الكونغرس لذلك.
كما أنه ليس هناك ما يمنع الدول من أن تعلق تصديقها على تحقيق شرط معين، ومثال ذلك اشتراط فرنسا تصديقها على معاهدة حسن الجوار المبرمة مع ليبيا عام 1956 باتفاق على تعيين الحدود الجزائرية الليبية، وقد تحقق هذا الشرط بتاريخ 26/07/1956 (1).
الفقرة الفرعية الثانية: شروط صحة التصديق
إذا كانت الدولة والمنظمات الدولية حرة غير مجبرة على التصديق بعد توقيع ممثلها على المعاهدة، فإنها في حالة إجرائه يجب :
1 ـ أن تصادق على المعاهدة دون قيد ولا شرط، ودود تعديل في أي نص من نصوصها، فإذا علق التصديق على شرط أو اقتران بإدخال تعديلات على نصوص المعاهدة كان باطلا، وأعتبر كأنه عرض لمعاهدة جديدة، وللطرف الآخر أن يقبلها أو يرفضها.
2 ـ أن يشمل التصديق المعاهدة جميعها بصيغتها الأصلية، فلا يجوز أن يقتصر على جزء منها دون الجزء الآخر، وإلا اعتبر ذلك بمثابة عرض لمعاهدة جديدة يجب التفاوض في شأنها من جديد.
3 ـ يجوز للدولة التي أبدت تحفظات على بعض النصوص وقبلت التحفظات أن تقتصر المصادقة على النصوص التي لم تبد بشأنها تحفظ(2).
والجدير بالملاحظة هو أن هناك قاعدة رئيسية هامة تسيطر على النظام القانوني للتصديق في القانون الدولي وهي:
أن السلطة المختصة بالتصديق متروك أمر تحديدها للقانون العام الداخلي لكل دولة، وهو ما تنص عنه صراحة الفقرة الأولى من المادة 110 من ميثاق الأمم المتحدة بقولها "تصادق على هذا الميثاق الدول الموقعة عليه كل منها حسب أوضاعها الدستورية" (1). وكذلك المادة 46 - المتعلقة بالقواعد الوطنية الخاصة بالتصديق- من اتفاقية فيينا لسنة 1969 المتعلقة بتقنين القواعد التي تحكم إبرام المعاهدات الدولية وما يترتب عليها من آثار.
وكون الأوضاع الدستورية ليست موحدة وبالتالي، فإن الجهة المختصة بذلك تختلف من بلد إلى آخر، فما هي الجهات التي تقوم بعملية التصديق في الجزائر؟ وهو ما سنتطرق إليه في الفرع الثاني .
الفرع الثاني: الجهة التي تقوم بالتصديق
إذا كانت السلطة المختصة بالتصديق متروك تحديدها للقانون العام الداخلي لكل دولة أي للدستور على العموم، فإن الغالبية العظمى من دساتير دول العالم تمنح السلطة التنفيذية-ممثلة في رئيس الجمهورية- اختصاص المصادقة على المعاهدات الدولية، وهذا ما اتبعه المؤسس الدستوري الجزائري.
غير أنه إذا كان رئيس الجمهورية الجزائرية هو الذي يقوم بالتصديق على المعاهدات، فإن صلاحيته هذه لا تكون إلا بعد موافقة البرلمان بغرفتيه على تلك المعاهدات الدولية.
وهناك من الدول ما يمنح دساتيرها السلطة التشريعية صلاحية المشاركة في عملية التصديق على كافة المعاهدات، وذلك باشتراط موافقتها قبل التصديق من طرف رئيس الدولة، وهذه هي حالة دستور الولايات المتحدة الأمريكية وهولندا، ومن الدساتير التي تمنح السلطة التشريعية المشاركة في عملية التصديق على بعض المعاهدات فقط قبل التصديق عليها من قبل رئيس الجمهورية الدستور الفرنسي الحالي.





الفقرة الفرعية الأولى: المصادقة الرئاسية لإدراج المعاهدات الدولية في القانون الداخلي
إن الذي يقوم بالتصديق على المعاهدات الدولية في الجمهورية الجزائرية هو رئيس الجمهورية، وهو ما يفهم من نص المادة 77 الفقرة 9 من دستور 28 نوفمبر 1996، والتي تنص على : "يضطلع رئيس الجمهورية بالإضافة إلى السلطات التي تخولها إياه صراحة أحكام أخرى في الدستور بالسلطات والصلاحيات التالية :
ـ ويبرم المعاهدات الدولية ويصادق عليها".
وكذلك المادة 87 الفقرة الثالثة تؤكد عدم السماح لرئيس الجمهورية الجزائرية تفويض سلطته المتمثلة في التصديق على الاتفاقات الدولية بقولها :
"لا يجوز بأي حال من الأحوال أن يفوض رئيس الجمهورية سلطته في ... وتطبيق الأحكام المنصوص عليها في المادة 77 ..." .
والشيء الجدير بالذكر، أن هذا المبدأ كان مكرسا كذلك في دستور 1963 في نص المادة 42 (1)، وفي دستوري 1976 و1989 مع اختلاف طفيف، والمتمثل في أن دستور 1976 لم ينص عن السماح أو عدم السماح لرئيس الجمهورية تفويض سلطته في التصديق على المعاهدات الدولية، بخلاف دستور 1989 الذي أكد منع رئيس الدولة من تفويض سلطته في ذلك كما فعل دستور 1996. بهذا يمكن القول أن المصادقة على المعاهدات الدولية من اختصاص رئيس الجمهورية وحده.
غير أن رئيس الجمهورية يقوم بذلك بعد حصوله على موافقة السلطة التشريعية ممثلة في المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة، وما تصديق رئيس الجمهورية على أغلب المعاهدات إلا دليل على ذلك.
وهكذا يكون المؤسس الدستوري الجزائري قد أخذ بما أخذت به معظم الدساتير المقارنة مثل فرنسا في المادة 55 من دستور سنة 1958، وكذلك الجمهورية التونسية في المادة 48 من دستور سنة 1959.
ولعلى الأسباب التي دفعت بالمؤسس الدستوري الجزائري - الذي جعل عملية التصديق على الاتفاقات الدولية في يد رئيس الجمـهورية - هو ظهور جهاز حـكومي جديد و المتمثل في رئيس الحكـومة، الشـيء الذي يفـرض وضــع حــــــدود واضــــــحة
بينه وبين اختصاصات رئيس الجمهورية في المجال الاتفاقي الدولي، كما يرى ذلك الدكتور "محمد لعرابة" (1).
وحسب رأينا، أن منح رئيس الجمهورية الجزائرية هذا الاختصاص، ما هو إلا تكريس لمبدأ دستوري، الذي يخص رئيس الدولة بالمكانة المميزة (2)، وذلك بتمثيل الدولة داخل البلاد وخارجها، كما يقرر السياسة الخارجية للأمة ويوجهها، وهو ما نستنتجه من قراءة المواد التالية : المادة 111 من دستور 1976، والمادة 74 من دستور 1989، والمادة 77 من الدستور الحالي (د 1996) .
الفقرة الفرعية الثانية: مساهمة البرلمان في إجراءات إدراج المعاهدات في القانون الداخلي (موافقة البرلمان بغرفتيه)
كما سبق وأن ذكرنا، فإن رئيس الدولة هو الذي يقوم بالدور الأساسي في التصديق على المعاهدات، إلا أن صلاحيته هذه ليست دوما انفرادية، بل يمكن- حسب كل دستور- أن تشاركه فيها سلطات أخرى بشكل أو بآخر، وهي حالة رئيس الجمهورية الجزائرية، و حسب الدستور الجزائري، يجب على الرئيس أن يطلب موافقة المجلس الوطني الشعبي ومجلس الأمة عندما يريد التصديق على بعض المعاهدات واستطلاع رأي المجلس الدستوري .
إن المادة 158 من دستور 1976، و المادة 122 من دستور 1989، والمادة 131 من دستور 1996 هي التي حددت المعاهدات الدولية التي تتطلب قبل المصادقة عليها من طرف رئيس الجمهورية موافقة السلطة التشريعية، حيث نصت المادة 158 من دستور1976على : "تتم مصادقة رئيس الجمهورية على المعاهدات السياسية والمعاهدات التي تعدل محتوى القانون بعد الموافقة الصريحة عليها من المجلس الوطني الشعبي"، كما نصت المادة 122 من دستور1989 على:" تتم مصادقة رئيس الجمهورية على اتفاقيات الهدنة والمعاهدات السلم والتحالف والاتحاد والمعاهدات المتعلقة بحدود الدولة والمعاهدات المتعلقة بقانون الأشخاص بعد أن يوافق عليها المجلس الشعبي الوطني صراحة"، وهي نفس الصيغة التي جاءت بها المادة 131 من دستور 1996، والخلاف الوحيد هي الجملة الأخيرة من نص المادة131 من دستور1996 المتمثلة في: "... بعد أن توافق عليها كل غرفة من البرلمان صراحة...".
إن شرط موافقة البرلمان بغرفتيه على المعاهدات الدولية شرط أساسي كي يستطيع رئيس الجمهورية المصادقة عليها.
والشيء الجدير بالملاحظة، أن هناك فرق بين دستور 1976 ودستوري 1989 و1996 وذلك فيما يخص نوع المعاهدات التي تشترط الموافقة الصريحة من طرف الهيئة التشريعية قبل التصديق عليها من طرف رئيس الجمهورية، لذا فإنه من الأهمية بما كان، أن نتطرق إلى كل دستور على حدا .
أولا: موافقة المجلس الشعبي الوطني
أ- في ظل دستور 1976
بالرجوع إلى نص المادة 158 من دستور 1976 التي تنص على أن:" المعاهدات السياسية والتي تعدل محتوى القانون لا يتم المصادقة عليها إلا بعد الموافقة الصريحة من المجلس الشعبي الوطني"، نجد هذا النص غامضا، إذ أنه بالرغم من الأهمية البالغة لهذا النوع من المعاهدات، إلا أنه لم يوضح معنى المعاهدات السياسية، وما وهو المعيار الذي يفرق بين اتفاقيات السياسية وغير السياسية، وكذلك أن قضية المعاهدات التي تعدل محتوى القانون تتطلب نوع من التوضيح.
فأمام عمومية وعدم دقة عبارة المعاهدات السياسية يجدر بنا الأمر إلى اللجوء إلى التحليل والاستنتاج، فهناك حتما من المعاهدات تدخل ضمن فئة المعاهدات السياسية مثل الاتفاقات الهدنة ومعاهدات السلم الواردة في نص المادة 124 من دستور الجزائر لعام 1976 التي تنص صراحة على عرضها على المجلس الشعبي الوطني طبقا لأحكام المادة 108 من الدستور نفسه (1)، لكن هذا النص غير كافي لأنه لا يشمل نوع آخر من المعاهدات التي لا يختلف عليها اثنان بأنها سياسية كمعاهدات عدم الاعتداء، وحسن الجوار، والصداقة، والتحالف والتعاون (2) ... وهذا ما يجعل عبارة المعاهدات السياسية يمكن أن تفسر تفسيرا واسعا فتشمل كافة المعاهدات تقريبا.
ومن هنا، هناك سؤال يمكن أن يطرح نفسه وهو: هل هناك هيئة مختصة للتمييز بين المعاهدات السياسية وغير السياسية ؟، وللإجابة عن السؤال المطروح أعلاه نعود إلى رأي الفقه والتعامل الجزائري.
وفي هذا الشأن ترى الأستاذة "زيراوي مبروكة"، أن الجهاز التنفيذي هو الوحيد المؤهل للتصديق على المعاهدات، لأنه يكفي أن يقرر بأن معاهدة ما ليست سياسية حتى تبعد من موافقة المجلس الشعبي الوطني، وهو ما يؤكد التعامل الجزائري إذ أنه حتى عام 1983 بالرغم من المصادقة على العديد من المعاهدات ذات الصيغة السياسية من طرف الجزائر إلا أنها لم تعرض على المجلس الشعبي الوطني للموافقة عليها ومن بين هذه المعاهدات نجد معاهدة الدول العربية المصدرة للبترول المؤرخة في 9 جانفي 1968 بيروت، لبنان (1).
ب - في ظل دستور 1989 ودستور1996
فالمقارنة مع الأحكام الواردة في دستور 1976 نجد دستور 1989 و1996 يتضمنان فئات متعددة من المعاهدات التي تخضع لموافقة برلمانية، وبصورة أكثر دقة وهي ما نصت عليه المادة 122 من دستور 1989، والتي كررتها بنفس الصيغة تقريبا المادة 131 من دستور الجزائر الجديد لعام 1996 وهذه الاتفاقات هي :
اتفاقيات الهدنة ومعاهدات السلم والتحالف والاتحاد والمعاهدات المتعلقة بحدود الدولة والمعاهدات المتعلقة بقانون الأشخاص والمعاهدات التي تترتب عليها نفقات غير واردة في ميزانية الدولة، وبهذا يكون المؤسس الدستوري الجزائري قد ساير دساتير بعض الدول الأجنبية، ومنها الدستور الفرنسي لعام 1958 في مادته 53، وكذا الدستور البلجيكي.
ولكن الشيء الملاحظ أنه إذا كان الأمر كذلك نظريا فإن الواقع والتعامل الجزائري غير ذلك، حيث أن معظم المعاهدات التي صادقت عليها الجزائر لم يسبق أن عرفت موافقة المجلس الوطني الشعبي حتى تلك التي تعود محتواها من اختصاصه الخاص وفقا للدستور، ومن ذلك المعــاهدات العامــة للضمــان الاجتمـــاعي بيـــن الجـــزائر والمــغرب

الموقع عليها في الجزائر العاصمة بتاريخ 21 فيفري 1991 (1) على غرار تلك التي انعقدت بين تونس والجزائر بتاريخ 1973 التي وقع عليها في 4 مارس 1991 (2) وكذا معاهدات بين الجزائر والولايات المتحدة الأمريكية الموقعة في واشنطن بتاريخ 22 جوان 1990 المستهدفة تشجيع الاستثمارات الاقتصادية (3) وهذا النوع من التعامل يدعي بالتصديق الناقص.
ثانيا: موافقة مجلس الأمة
لقد تقررت مساهمة مجلس الأمة الجزائري في المصادقة على معاهدات الدولية بموجب الدستور الصادر في 28/11/1996 الذي يتميز على سابقته أي دستوري 1976 و1989 بإرساء مبدأ البرلمانية الثنائية أي وجود غرفتين يتشكل منها البرلمان وهما المجلس الوطني الشعبي ومجلس الأمة (4)، إذ نصت المادة 131 منه على أن يصادق رئيس الجمهورية على اتفاقيات الهدنة ومعاهدات السلم والتحالف والمعاهدات التي تترتب عليها نفقات غير واردة في ميزانية الدولة بعد أن توافقت عليها كل غرفة من البرلمان صراحة.
ومن أمثلة مساهمة مجلس الأمة الجزائري في الموافقة على المصادقة على اتفاقيات الاتحاد.
الموافقة على نص القانون المتضمن بالموافقة على القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي المواقع في لومي بتاريخ 11 يوليو سنة 2000 نصت المادة الأولى من محضر الجلسة العلنية الرابعة المنعقدة في 05 ماي عام 2001 لمجلس الأمة على، يوافق على القانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي الموقع في 11 يوليو 2000 (5).
الفرع الثالث: آثار التصديق
الفقرة الفرعية الأولى: دخول المعاهدة حيز التطبيق أو النفاذ
أي تصبح لها قوة قانونية ملزمة، وهي ما نصت عليه المادة 159 من دستور الجزائر لسنة 1976 والمادة 123 من دستورها لعام 1989 وكذلك المادة 132 من دستورها المعدل لعام 1996، وبالتالي يصبح من واجب المحاكم الوطنية الجزائرية الأخذ بها وتطبيق أحكامها كما هو
الحال بالنسبة للأحكام الدستورية، والقانون ومختلف الأنظمة والتصرفات التعاقدية والانفرادية الملزمة، وهكذا يمكن لأي متقاض استظهار المعاهدات المصادق عليها من طرف الدولة الجزائرية أمام الجهات القضائية الجزائرية التي يجب على القاضي احترامها وتطبيقها كونه ملزما بتطبيق القانون.
وإن تاريخ دخول المعاهدة الدولية حيز التنفيذ هو التاريخ الذي تنتج فيه المعاهدة الدولية آثارها القانونية وأن هذا التاريخ لا ينظمه أي إجراء خاص بل يبقى للدول المتعاقدة حرية تحديده، وبالتالي يمكن لها ذكره في المعاهدة كما هو شأن اتفاق الجزائر غنيا لسنة 1972 الذي تقرر دخوله حيز التنفيذ المؤقت ابتداء من أول جانفي 1973 (1)، وكذلك الاتفاق الاقتصادي بين الجزائر وبنقلاديش المؤرخ في 14 أكتوبر 1976 الذي نص دخوله حيز التنفيذ مؤقتا منذ التوقيع عليه وبصفة نهائية بعد المصادقة عليه (2)، وعند سكوت المعاهدة عن ذكر تاريخ سريانها، فإن تاريخ المفترض لدخولها حيز التنفيذ هو يوم التصديق عليها، وهو ما أكده القضاء الدولي (3).
الفقرة الفرعية الثانية : عدم رجعية أثر التصديق
إن دخول المعاهدة حيز النفاذ، لا يرجع إلى الماضي بحيث الوقائع والتصرفات الخاصة بالأطراف قبل القيام بعملية التصديق ومثاله إذا وقعت المعاهدة 1990 وتم التصديق عليها في سنة 1995 فإن جميع التصرفات يأتيها أحد الأطراف في الفترة الزمنية الممتدة بين 1990 و1995 لا يخضع لنصوص المعاهدة حتى ولو كانت آثاره من تاريخ وقوعه(4) وخلاصة أن التصديق على معاهدة إجراء يجعلها واجبة النفاذ في المجال الداخلي الجزائري.
مما سبق يمكن القول أن القانون والتعامل الجزائريين يأخذان من عملية التصديق الوسيلة الرئيسية لإدخال القواعد الدولية في القانون الوطني الجزائري ولعلى ما يؤكد ذلك أن معظم المعاهدات الدولية التي أبرمتها الجزائر كانت محل التصديق (5) كالاتفاقيات المتعلقة بحقــوق الإنسان التي انضمت إليها الجزائر بموجب مرسوم رئاسي رقم 89-67 المؤرخ في 16 ماي 1989 بتحفظ، وخاصة تلك المتعلقة بالحقوق المدنية والسياسية في بندها المتعلق بحرية الزواج عند المرأة، كما سجلت نفس التحفظ حول الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل، أما فيما يتعلق بالاتفاقيات الدولية كاملة التصديق فهي العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية الاجتماعية والثقافية.
ـ البروتوكول الاختباري الملحق بالعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.
ـ اتفاقية مناهضة التعذيب الدولية للقضاء، على جميع أشكال التمييز العنصري الاتفاقية الدولية لقمع جريمة الفصل العنصري المعاقب عليها، اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقب عليها، اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، أما على المستوى الجهوي فقد صادقت الجزائر على الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب كما تعتبر الجزائر عضوا في اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب ...، وبهذا تكون الدساتير الجزائرية المتعاقبة وأخيرها دستور 1996 قد خالف دساتير بعض دول العالم كالدستور الفرنسي لعام 1958 الذي يشترط لاندماج المعاهدات الدولية في القانون الوطني الفرنسي إضافة إلى التصديق شرطي النشر والمعاملة بالمثل وهو ما نصت عليه المادة 55 منه (1).
وخلاصة القول أنه يتبن مما سبق أن الدستور الجزائري ينص على اعتبار المعاهدات التي تبرمها الدولة الجزائرية وتصادق عليها جزء من التشريع الداخلي الجزائري وذلك تأسيسا من نص المادة 159 من دستور الجزائر 1976، ونص المادة 123 من دستور 1989 وكذلك المادة 132 من دستور 1996.
ومنه تصبح تلك المعاهدات الدولية قانون، وبالتالي فهي واجبة الاحترام والتطبيق من جانب كافة سلطات في الدولة، ونافذة في حق الأفراد.
وهكذا يكون المؤسس الدستوري الجزائري قد حذا حذو المؤسس الدستوري الفرنسي(2) .



الفرع الرابع: حالات أخرى لإدراج المعاهدات الدولية في النظام القانوني الجزائري
انه باستقرار المادة 77 الفقرة الثامنة من الدستور الجزائري 1996 والتي تنص "يضطلع رئيس الجمهورية بالإضافة إلى السلطات التي تخولها أيا لصراحة أحكام أخرى في الدستور بالسلطات والصلاحيات الآتية".
"... يمكنه أن يستشير الشعب في كل قضية ذات أهمية وطنية عن طريق الاستفتاء".
وهي حالة عرض التصديق على الاتفاقات ذات أهمية وطنية كبيرة على الاستفتاء الشعبي، وهي حالة نادرة الوقوع.
الفرع الخامس: القيمة القانونية للمعاهدات الدولية الناقصة التصديق
تشترط اغلب دساتير الدول ضرورة عرض المعاهدة على البرلمان للموافقة عليها قبل التصديق عليها من قبل رئيس الجمهورية، كالدستور المصري لسنة 1971 في نص مادته151 التي نصت على:"... على أن معاهدات الصلح والتحالف، والتجارة، والملاحة، وجميع المعاهدات التي يترتب عليها، تعديل في أراضي الدولة أو التي تتعلق بحقوق السيادة أو التي تحمل خزينة الدولة شيئا من النفقات الغير واردة في الموازنة، يجب موافقة مجلس الشعب عليها". أو ما نصت عليه المادة 131 من الدستور الجزائري لسنة 1996 التي اشترطت الموافقة البرلمانية المسبقة قبل تصديق رئيس الجمهورية على اتفاقيات الهدنة، ومعاهدات السلم، والتحالف، والاتحاد والمعاهدات المتعلقة بحدود الدولة والمعاهدات المتعلقة بقانون الأشخاص، والمعاهدات التي تترتب عليها نفقات غير واردة في ميزانية الدولة. أو ما نصت عليه المادة 53 من الدستور الفرنسي لسنة 1958 على أن:" معاهدات السلم والاتفاقيات التجارية والمعاهدات الخاصة بالمنظمة الدولية والتي تحمل مالية الدولة والتي تعدل الأحكام ذات الطبيعة التشريعية، والتي تتعلق بحالة الأشخاص لا يصادق عليها، أو اعتمادها إلا بمقتضى قانون، وليس لها أثر إلا بعد التصديق عليها أو اعتمادها ...".
فما هو الحكم إذا تجاوز رئيس الجمهورية سلطته، فصادق على المعاهدة دون حصول موافقة البرلمان عليها خلافا لما يقتضي به الدستور؟ وما هي القيمة القانونية لمثل هذا التصديق الذي اصطلح الفقه الدولي على تسميته بالتصديق الناقص ؟
اختلف الفقهاء في الإجابة عن ذلك، وانقسموا إلى ثلاث مذاهب (1) أو اتجاهات هي كالآتي:
الفقرة الفرعية الأولى: التصديق الناقص لا يؤثر على المعاهدة
يرى أنصار هذا المذهب، ومنهم لاباند (LABAND) وبتنر (BITTNER) من ألمانيا، وفيتزمريس (FITZMAURICE) من إنجلترا، وكاري دي ماربيرج (Carre de Marberj) فيلا (VELLAS) من فرنسا، بأن التصديق، ولو تم مخالفا للدستور، لا يفقد المعاهدة أثرها القانوني على المستوى الدولي، ويترتب عن ذلك تنفيذ المعاهدة المصادق عليها ويستند أصحاب هذا الاتجاه إلى التمييز بين تكوين إرادة الدولة والإعراب عن هذه الإرادة، فتكوين إرادة الدولة يتطلب إكمال الشروط التي تنص عليها الدولة، وهي مسألة خاصة بالقانون الداخلي، أما الإعراب عن إرادة الدولة فمن اختصاص رئيس الدولة بوصفه الأداة الرئيسية في الإعلان عن إرادتها، ومتى تم ذلك تصبح هذه المسألة في إطار القانون الدولي، سواء كانت هذه الإرادة المعلن عنها تكونت تكوينا صحيحا، أم وقع تكوينها باطلا، ويتميز هذا المذهب بمزايا على الصعيد الدولي والداخلي، فعلى الصعيد الدولي يتماشى مع وجوب احترام قواعد القانون الدولي العام، واستقرار العلاقات الدولية، وعلى الصعيد الداخلي يجنب الدولة تدخل الدول الأخرى للاستقصاء عن الأحكام المتبعة في دستورها في شأن إبرام المعاهدات، هذا بالإضافة إلى أنه من غير المقبول أن تدعي الدولة بأن تصديقها ناقصا غير مستوف للشروط الدستورية في حين كان لها الوقت الكافي قبل التصديق على المعاهدة لاتخاذ احتياطها.
الفقرة الفرعية الثانية: التصديق الناقص يبطل المعاهدة
خلافا للرأي الأول يرى أنصار هذا المذهب، ومنهم شارل روسو الفرنسي، وموريس بوركان البلجيكي، وكارل ستراب الألماني، أن التصديق الناقص يبطل المعاهدة ولا يترتب الأثر القانوني للتصديق، ويستندون في ذلك على أحكام الدستور إذا كانت تقضي بوجوب إشراك البرلمان مع رئيس الدولة في التصديق على المعاهدة، فإذا تجاوز رئيس الدولة اختصاصه، لا يترتب على ذلك نفاذ المعاهدة في الدائرة الدولية فضلا عن التطور الدستوري الحديث الذي يقضي بمشاركة البرلمان مع رئيس الدولة في التصديق على المعاهدات، لأن العبء في النهاية يتحمله مواطنو الدولة، فيجب أن تتم موافقتهم عن طريق ممثليهم، ولكن الإشكال يكمن في أن الأخذ بهذا الرأي قد يؤدي إلى عدم إشراك البرلمان في عدد من المعاهدات التي تتطلب موافقته عليها إذا أرادت السلطة التنفيذية التصديق على المعاهدة وتخوفت من رفض البرلمان، ومن جهة أخرى مادام حسب هذا المذهب التصديق الناقص يبطل نفاذ المعاهدة على المستوى الدولي، يجعل الدولة تلعب هذه الورقة بدون أن تسأل.
الفقرة الفرعية الثالثة: التصديق الناقص عبء تتحمله الدولة استنادا إلى المسؤولية الدولية
من أنصار هذا الرأي، فقهاء المدرسة الإيطالية أنزريلوتي، وكافليرى، وسالفيولي، يرون أن الدولة تتحمل عبء المسؤولية الدولية عن التصرف الصادر عن رئيسها، لأن التصديق الناقص عمل غير مشروع، وبالتالي فالدولة لا تستطيع الإدعاء ببطلان المعاهدة بحجة أن التصديق الذي أجراه رئيسها غير مشروع، وخير تعويض يمكن أن يترتب عن مسؤولية الدولة عن أعمال رئيسها (1) هو إبقاء المعاهدة نافذة ومنتجة لأثرها. ويبدو أن أنصار هذا الاتجاه أرادوا من جهة، أن تلتزم الدولة بالمعاهدة الناقصة التصديق، ومن جهة أخرى اعتبروا التصديق الناقص فعل غير مشروع قام به رئيس الدولة لمخالفته شروط صحة التصديق فهي مسألة داخلية، وما يمكن قوله أن التصديق له وجهان، وجه دولي وهو إعلان الدولة أنها تلتزم أمام الدول الأخرى الأطراف معها في الاتفاقية، فتعمل وفقا لالتزامها بتطبيق وتنفيذ المعاهدة، ووجه داخلي، يؤدي إلى إدماج المعاهدة في القانون الوطني، والسؤال المطروح من يثير مسألة التصديق الناقص، والمادة 132 من الدستور الجزائري تخاطب من ؟
فيما يخص القانون الدولي، فاتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لسنة 1969، تمنع الدول استظهار التعبير عن موافقتها عن الالتزام بالمعاهدة أنه قد تم عن خرق لحكم من أحكام قانونها الداخلي المتعلق بالاختصاص بعقد المعاهدات لإبطال موافقتها في المادة 46 منها.
ونفس الشيء نصت عليه كذلك، اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات بين الدول والمنظمات الدولية، أو بين المنظمات الدولية لسنة 1986 في المادة 46 منها كذلك، حيث منعت كل من الدول والمنظمات الدولية في العلاقات الاتفاقية بينها استظهار ذلك.
ماعدا الاستثناء الوارد في الاتفاقيتين المذكورتين في كون خرق الحكم الدستوري بينا يؤدي بأية دولة التصرف في هذا الشأن وفق السلوك العادي وبحسن نية، وينطبق ذلك في العلاقات بين الدول أو بن هذه لأخيرة والمنظمات الدولية (1)، ويتضح أن التصديق الناقص لا يجوز الاستناد إليه لطلب المعاهدة إلا إذا كان العيب الدستوري الذي شاب التصديق عيبا جليا لا يتصور ألا تدركه الدولة التي وجه إليها التصديق، أما إذا كان التصديق ناقصا، ولم تكن المخالفة الدستورية التي عابته من الأمور الواضحة، ففي هذه الحالة يعتبر التصديق الناقص صحيحا، ومنتجا لكافة أثاره في مجال العلاقات الدولية، ومن ثمة، لا يجوز الاستناد إلى كونه ناقصا لطلب إبطال المعاهدة (2)، وما يلاحظ، أن القضاء الدولي استقر على الأخذ بالرأي الأول الذي يغلب المعاهدة سواء كان التصديق عليها ناقصا أو حتى مخالفا للدستور.
أما من الناحية الداخلية، تطرح هذه المسألة إمكانية رقابة القاضي صحة أو مشروعية التصديق، ففي فرنسا ذهب القضاء في أول لأمر إلى جواز بسط رقابته على صحة التصديق أنه قد صدر عن رئيس الجمهورية المختص وفقا للدستور في إبرام المعاهدات، وأن التصديق قد تم بعد الحصول على موافقة البرلمان بالنسبة للمعاهدات التي يتطلب الدستور بالنسبة لها تلك الموافقة، فإذا تبين للقاضي، أن هذا التصديق لم يصدر عن رئيس الجمهورية، أو صدر عنه بدون الحصول على موافقة البرلمان حيث تجب تلك الموافقة، وجب عليه الامتناع عن تطبيق تلك المعاهدة ولكن أحكام النقص الفرنسية الحديثة، وترفض حق المحاكم في الرقابة على صحة أو مشروعية التصديق على المعاهدات.
ويفسر الفقه هذا الموقف على أساس أن البحث في مشروعية التصديق، تدخل من السلطة القضائية في اختصاصات الحكومة فيما يتعلق بإدارة العلاقات الخارجية، وهذا خرق لمبدأ الفصل بين السلطات (3).
أما فيما يخص الجزائر، فغياب الأحكام القضائية في هذه المسألة يصعب من معرفة هل القاضي الجزائري ينظر في تخلف شرط موافقة البرلمان على التصديق.




المطلب الثاني: نشر المعاهدات الدولية
النشر هو إجراء وجوبي بالنسبة للتشريعات الداخلية، فلا يجبر أحد على احترام تشريع لم ينشر بعد، فهو الوسيلة الوحيدة التي يتم من خلالها علم الأفراد بالتشريع (1)، والمبدأ المعروف" لا يعذر أحدا بجهله للقانون"، منصوص عليه في الدستور الجزائري لسنة 1996 في المادة 60 منه، ونصت المادة الرابعة من القانون المدني الجزائري على تطبيق القوانين من يوم نشرها في الجريدة الرسمية، أما الإصدار فما هو إلا إعلان لشهادة ميلاد التشريع، ولا يصبح ملزما للمخاطبين به، إلا بعد نشره في الجريدة الرسمية(2).
وإذا كان الفرد لا يعذر بجهله للقانون، ففي المقابل النشر، هو الذي يحمله مسؤولية من خلال العلم بحقوقه وواجباته المنصوص عليها في قانونه الوطني، وأحكام المعاهدات الدولية التي صادقت عليها دولته، والقاضي لا يطبق إلا النصوص المنشورة، حيث أن الدستور الجزائري لم يتطرق إلى مسألة نشر المعاهدات، ونلاحظ كذلك، أنه ليس هناك ما يجبر الدول من ناحية القانون الدولي نشر المعاهدات الدولية.
الفرع الأول: غياب شرط النشر في الدستور الجزائري
لم يشترط دستور1996 في المادة 132 منه نشر المعاهدات، كما هو منصوص عليه في الدستور المصري في المادة 151 منه، التي نصت على أن المعاهدة لها قوة القانون بعد إبرامها، والتصديق عليها، ونشرها، أو كما جاء في المادة 55 من الدستور الفرنسي، التي اشترطت في سمو المعاهدة على القانون التصديق عليها من طرف رئيس الجمهورية، وبشرط كذلك نشرها إضافة إلى تطبيقها من الطرف الآخر المتعاقد، فهناك إذن شرطين إضافيين، النشر والمعاملة بالمثل مقارنة بما هو منصوص عليه في الدستور الجزائري، في حين أن نص المادة 126 من هذا الأخير تتكلم عن إصدار القوانين من طرف رئيس الجمهورية، وتستعمل كذلك في إصدار القوانين المتضمنة الموافقة البرلمانية على المعاهدة (3)، ولكن لا يؤدي ذلك إلى إدراج المعاهدة، ويبقى النشر بعد التصديق عليها هو الذي يدرج المعاهدة في القانون الداخلي الجزائري، وحسب ما أشار إليه المجلس الدستوري الجزائري في قراره الأول بتاريخ 20 أوت

سنة 1989، عندما أضاف شرط النشر في مسألة سمو المعاهدة على القانون، وكذلك في إدراجها في القانون الداخلي، ومن جهة أخرى، طرح المجلس الدستوري في قراره هذا مسألة التطبيق المباشر للمعاهدة، عندما أشار أنها تخول كل مواطن جزائري أن يتذرع بها أمام الجهات القضائية، ولا تنتج أثرها إلا بعد نشرها، وبالتالي فالتصديق والنشر شرطان أساسيان لإدراج المعاهدة، رغم أن الدستور نص على التصديق فقط. ويبدو أن المجلس الدستوري في قراره هذا، أراد أن يبادر إلى تعديل المادة 132 من الدستور(1)، ولا يمكن نشر كل المعاهدات لأن، الدول من الناحية التطبيقية، لا تنشر بعض المعاهدات، لأسباب سياسية، أو مالية، أو أمنية ولكن المشكل يطرح عند عدم نشر معاهدات تتعلق بقانون الأشخاص، أو تدخل في مجال تشريع البرلمان بصفة عامة، وفي هذا الإطار، صدر المرسوم الفرنسي بتاريخ 14 مارس 1953 المعدل و المتمم في 11 أفريل 1986 يجبر نشر التحفظات، والتصريحات التفسيرية والانسحاب منها، إن انسحبت الدولة من ذلك، مع وجوب نشر النصوص التي تمس بحقوق الأفراد وواجباتهم، وكذلك نشر نقض المعاهدات، ويمنع المحاكم عن تطبيق المعاهدة غير المنشورة وليس هناك مسؤولية الدولة فيما يخص عدم نشر المعاهدة (2).
بالنسبة للجزائر، لأول مرة صادقت بتصريحات تفسيرية على اتفاقية حقوق الطفل لسنة 1989، فاستبعدت تطبيق بعض من أحكامها المتعلقة بحرية الطفل في الفكر والدين، الخارجة عن تربية دين أبيه وفقا لقانون الأسرة الجزائري، وأحكام أخرى كذلك من هذه الاتفاقية(3) وتجدر الملاحظة، أن المعاهدة المتحفظ عليها بدون ذكر المواد المتحفظ عليها، خاصة إذا كانت تمس بحقوق الأفراد وواجباتهم لا تسمح للفرد المعرفة الكاملة بحقوقه وواجباته، وحتى القاضي لا يعلم بها إلا عند طلب التفسير (وهو إجباري) من وزارة الخارجية بالنسبة للجزائر.
وليس هناك من الناحية الداخلية، ما يجبر السلطة التنفيذية على نشر المعاهدة، وصلاحية وزير الشؤون الخارجية في نشر المعاهدات الدولية حسب المرسوم الرئاسي لسنة 1990 في المادة السادسة منه، هي مجرد "سعي"، ويبدو أن رئيس الجمهورية هو الذي يعطي إشارة نشر المعاهدة بعد سعي وزير الخارجية.
وفيما يخص المعاهدات المتعلقة بحقوق الإنسان، بالرغم من أن نشرها يبقى ضروري للعلم بها، واستظهارها، وتطبيقها من طرف القاضي، فالاجتهاد القضائي يتجه نحو الأخذ بالمعاهدة المصادق عليها ولو لم تنشر في الجريدة الرسمية، وهذا ما جاء في تقرير تونس إلى لجنة حقوق الإنسان (1)، حيث ذكر التقرير، أنه في حالة علم الفرد بوجود اتفاقية في مجال حقوق الإنسان صادقت عليها تونس.
وتبين من خلال الوثائق الرسمية للأمم المتحدة، أو من خلال إحدى المنظمات الدولية المنضمة إليها تونس، أو أية وسيلة أخرى، عدم نشر تلك الاتفاقية، فالفرد في هذه الحالة يمكنه أن يطالب بتطبيق هذه الاتفاقية أمام القضاء التونسي لضمان حقوقه، وفي هذه الحالة أيضا يعود الأمر لوزير الخارجية ليثبت عكس ذلك، ولا يمكن للإدارة الاعتراض عن ذلك إلا إذا اقتنع القاضي بالطابع السري لأحكام الاتفاقية.
وتجدر الإشارة أنه ليس هناك ما يجبر الدول على نشر المعاهدات من ناحية القانون الدولي.
الفرع الثاني: غياب شرط دولي لنشر المعاهدات على المستوى الداخلي
لم يجبر القانون الدولي على الدول نشر المعاهدات بعد التصديق عليها، وأما ما نصت عليه المادة 102 من ميثاق الأمم المتحدة، هو الطلب من الدول تسجيل الاتفاقيات لدى أمانتها لنشرها وفي حالة مخالفة ذلك، لا يمكن لأية دولة إظهار هذه الاتفاقية أمام أحد فروع الأمم المتحدة كمحكمة العدل الدولية، وهذا ما أكدته اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لسنة 1969 في المادة 1/80 منها بقولها "تحال المعاهدات بعد نفاذها إلى الأمم المتحدة لتسجيلها، أو حفظها، أو إثباتها في القائمة، تبعا للحالة، أو نشرها ...".
ونفس الشيء كذلك، نصت عليه اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات بين الدول والمنظمات الدولية أو بين المنظمات الدولية لسنة 1986 في المادة 81 منها، والهدف من هذا هو تجنب الدبلوماسية السرية ، واطلاع أمانة الأمم المتحدة على المعاهدات المعقودة بين الـــــدول



ونشرها (1)، ويرجع تسجيل المعاهدات ونشرها، إلى عهد عصبة الأمم، ومنذ عهد الأمم المتحدة تم تسجيل أكثر من 35 ألف اتفاقية، نشر منها أكثر من 30 ألف (2)، ويبقى نشر المعاهدات داخليا الوسيلة الوحيدة للعمل بها وتطبيقها، وفي ظل غياب إلزام دولي للنشر على الصعيد الداخلي، حان الوقت لفتح مناقشة إشكالية النشر على المستوى الدولي (3)، لإجبار الدول على ذلك، أو اشتراط ذلك في نص المعاهدة، خاصة منها، التي تمس بحقوق الأفراد وواجباتهم، أو التي تدخل في القانون الدولي الجنائي، حيث صادقت عليها الدولة ولم تنشرها، في حين أصبحت نافذة على المستوى الدولي، علما أنه لا عقوبة ولا جريمة إلا بنص.
وتوجد كذلك مسألة التحفظات، والتصريحات التفسيرية، التي أثارتها اللجان المكلفة بمراقبة تنفيذ المعاهدات في مجال حقوق الإنسان، وما يطرح من مشاكل حول مطابقتها وموضوع المعاهدة من جهة، ومن جهة أخرى، قد تعمل من طرف الدول لتجنب تعديل قوانينها الداخلية(4).
الفرع الثالث: نشر المعاهدات في الممارسة الجزائرية
حسب قرار المجلس الدستوري الأول لسنة 1989، فان التصديق وحده لا تدرج بموجبه المعاهدة، ومنه فلابد من نشرها بالجريدة الرسمية، ولكن النشر الناقص يطرح كذلك مشاكل.
ومسألة إدراج المعاهدة في النظام القانوني الداخلي الجزائري يكشف عنها العمل التطبيقي الجزائري من خلال الجريدة الرسمية ولا نتوقف هنا عند الفارق الزمني بين التوقيع على المعاهدة وتاريخ التصديق عليها، وإن كان التعطيل في التصديق عليها يعرقل المعاهدة في دخولها حيز النفاذ على المستوى الدولي لما تتطلبه من عدد معين من التصديقات من جهة ومن جهة أخرى يعطل الإدراج على المستوى الداخلي، وبغض النظر عن بدء نفاذ المعاهدة من تاريخ دخولها حيز التنفيذ على المستوى الدولي، أو من تاريخ تصديق الدولة عليها، ولكن نتطرق إلى مسألة النشر باعتباره يدرج المعاهدة بعد التصديق عليها حسب قرار المجلس الدستوري المذكور.
وتجــدر الإشــارة، فــي مجــال الاتفــاقيات الثنــائية الجــزائرية مــع الـدول، نجـد منـذ 1963 إلــى 1998 صــادقت الجزائـــر علــى 537
اتفاقية، منها ما نشرت نصوصها، وأخرى لم تنشر نصوصها (1)، ولا نتطرق هنا إلى المعاهدات التي ليس لها تأثير على مجال تشريع البرلمان، كاتفاقيات التعاون المالي، أو القروض، أو المعاهدات الخاصة بالمنظمات الدولية، وإنما نركز على المعاهدات المتعددة الأطراف التي صادقت عليها الجزائر، ولم تنشر نصوصها وتدخل في مجال تشريع البرلمان.
ومن خلال الاطلاع على الاتفاقيات الدولية المتعددة الأطراف التي صادقت عليها الجزائر، سواء قبل دستور 1989 أو بعده، نجد معاهدات دولية تمت المصادقة عليها ونشرت مع نصوصها، بمعنى وجود مرسوم التصديق والنشر ونص الاتفاقية، ومعاهدات أخرى تمت المصادقة عليها ونشرت نصوصها بعد عدة سنوات من تاريخ ظهور مرسوم التصديق في الجريدة الرسمية، ومعاهدات أخرى تمت المصادقة عليها ولم تنشر نصوصها إلى غاية تحرير هذا البحث. ويهمنا هنا، المعاهدات المصادق عليها ولم تنشر نصوصها إلا بعد مدة زمنية وكذلك المعاهدات المصادق عليها ولم تنشر نصوصها إلى حد الآن، هذه المسألة تطرح مشكلة إدراج المعاهدة (2)، وخاصة أن القاضي لا يطبق إلا النصوص المنشورة، ويبدو أن في الأمر اختيار ما ينشر من معاهدات، وتأجيل أخرى لعدة سنوات، مع السكوت عن نشر أخرى، وهذا العمل التطبيقي يطرح مشاكل أمام القاضي الوطني، فأي تاريخ يعتد به في تطبيق المعاهدة بالنسبة للفرد هل من تاريخ تصديق دولته على المعاهدة، أو من تاريخ نشرها عند تعطيل نشر نصوصها؟
وسنتطرق إلى بعض الأمثلة لتوضيح الرؤية عن كيفية إدراج المعاهدات حسب العمل التطبيقي الجزائري، ومن أمثلة ذلك انضمام الجزائر سنة 1989 (3) إلى اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ظروف المعاملة، أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهنية، المصادق عليها من طرف الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1984، فنص هذه الاتفاقية لم ينشـر إلا سنة 1997 (4)، وما يلاحظ أن هذه الاتفاقية تمت المصادقة عليها بعد تفتح الجزائر على القانون الدولي بعد دستور1989 ، وفي حين نشر نصوصها تأخر لمدة ثمانية سنوات بعد التصديق عليها، علما أنها تدخل في مجال الحماية الدولية لحقوق الإنسان، والتي تقلص من سيادة الدول في هذا المجال منذ دخول هذه الاتفاقية حيز التنفيذ سنة 1987، وتراقب لجنة مناهضة التعذيب الدول في تنفيذ هذه الاتفاقية، ومراقبة التقدم في ذلك، والنظر في التقارير المقدمة من طرف الدول الأطراف بشأن التدابير التي اتخذتها تنفيذا لتعهداتها بمقتضى هذه الاتفاقية، ويجوز للجنة أيضا، أن تفحص معلومات موثوقا بها يبدو لها أن تتضمن أدلة تشير أن تعذيبا ما يمارس على نحو منتظم في أراضي دولة طرف، ولها أن تعين إذا قررت أن هناك ما يبرر ذلك من طرف عضوا أو أكثر من أعضائها لإجراء تحقيق سري، وتقديم تقرير بهذا الشأن إلى اللجنة بصورة مستعجلة (1).
وان انضمام الجزائر سنة 1989 (2) إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وكذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والبروتوكول الاختياري المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية ، فالنصوص لم تنشر إلا سنة 1997 (3)، وصحيح أن الجزائر دسترت حقا هاما من العهدين الدوليين منذ 1989 يتعلق بحق الإضراب، وحقوقا أخرى من أمثلتها حرية الرأي، وإنشاء الأحزاب السياسية، بالإضافة إلى حرية التجارة والصناعة، والحق النقابي وغيرها (4).
إلا أن مسألة عدم نشر نصوص العهدين المذكورين والبروتوكول الاختياري المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية لمدة ثمانية سنوات، يؤدي خلال هذه المدة إلى حق المواطن في المطالبة بحقوقه استنادا إلى العهدين وذلك أمام القاضي الوطني، وكذلك الأمر بالنسبة لشكاوي الأفراد الذين يدعون أمام لجنة حقوق الإنسان، أن حقوقهم المعددة في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، قد انتهكت بعد استنفاذ كافة الحلول المحلية، وعلى الدولة المعنية فيما بعد، أن تقدم تفسيرات أو بيانات كتابية توضح الأمر والحلول التي قامت بإتباعـها (5).
ومن الأمثلة كذلك، انضمام الجزائر سنة 1992 إلى اتفاقية فيينا لحماية طبقة الأوزون وكذلك الانضمام في نفس السنة إلى بروتوكول مونتريال بشأن المواد المستنفذة في طبقة الأوزون المبرم عام 1978 وإلى تعديلاته بلندن سنة 1990 (1)، حيث أن نصوص هذه الاتفاقية، وهذا البروتوكول، لم تنشر إلا سنة 2000 (2)، في حين التعديل الأخير لهذا البروتوكول بكوبانهجن سنة 1992 الذي صادقت عليه الجزائر سنة 1999 (3)، تم نشره بعد سنة من تاريخ التصديق عليه، وفي الوقت نفسه، مع نشر نصوص الاتفاقية والبروتوكول المذكورين اللذين شهدا تأخرا في النشر مدة ثمانية سنوات، مع العلم أن العدد اللاحق للجريدة الرسمية التي تضمنت هذا النشر، نشر فيه المرسوم التنفيذي المنظم لإفراز الدخان والغاز والغبار والروائح والجسيمات الصلبة في الجو سنة 2000 (4) طبقا لهذه اتفاقية وبروتوكولها، مع الإشارة أن هذا المرسوم التنفيذي جاء متمما لمرسوم سنة 1993 المتضمن تطبيق هذه الاتفاقية وبرتوكولها بعد المصادقة عليهما سنة 1992، بمعنى انه تم نشر المرسوم التنفيذي سنة 1993 المطبق لهذه الاتفاقية وبروتوكولها دون نشر نصوص هذه الاتفاقية وبرتوكولها، وصحيح أن هذه الاتفاقية تنص في المادة الثانية الفقرة الثانية (ب) منها على اتخاذ التدابير التشريعية، أو الإدارية لمراقبة، أو تحديد، أو خفض، أو منع الأنشطة البشرية التي لها آثار ضارة على حدوث تعديل في طبقة الأوزون،
كما نص المرسوم التنفيذي لسنة 2000 على منع استيراد وتصدير المواد المستنفذة لطبقة الأوزون (5)، ولكن نشر نصوص هذه الاتفاقية ضروري لإمكانية التذرع بها أمام القضاء الوطني بعد المصادقة عليها.
فنشر نصوص المعاهدات تمنح الفرصة لإخطار المجلس الدستوري من طرف رئيس المجلس الشعبي الوطني، أو رئيس مجلس الأمة، لاحتمال مخالفة تلك المعاهدات للدستور.
كذلك فان البرلمان لا يشرع قوانين مخالفة لاتفاقية حماية البيئة مثلا، فهي إذا حق من حقوق المواطن أو الإنسان غير القابلة للتصرف، نظرا للطبيعة العالمية للبيئة، فالماء والهواء والفضاء عناصر تعتمد عليها الحياة الإنسانية (1)، بالإضافة إلى أن هذا الحق هو حق الأجيال اللاحقة.
وان مصادقة الجزائر سنة 1976 (2) على الاتفاقية الدولية الخاصة بتبسيط وتنسيق الأنظمة الجمركية وكذلك ملحقاتها بكيوتو سنة 1973 لم تنشر نصوصها، في حين تصديق الجزائر بتحفظ سنة 2000 على بروتوكــول تعديل هذه الاتفاقية المحررة سنة 1999 تم نشره (3).
هذا فيما يخص المعاهدات أو أغلبها المتعددة الأطرف المصادق عليها، وشهدت تأخر في نشر نصوصها.
أما المعاهدات الدولية المصادق عليها والتي لم تنشر نصوصها إلى اليوم نجد اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها من طرف الجمعية العامة للأمم المتحدة في 9 ديسمبر سنة 1948 التي انضمت إليها الجزائر سنة 1963، وكذلك انضمام الجزائر في نفس السنة إلى الاتفاقية الخاصة بالرق الموقعة بجنيف سنة 1926 المعدلة بموجب بروتوكولات نيويورك سنة 1953، والاتفاقية التكميلية لإبطال الرق وتجارة الرقيق والأعراف والممارسات الشبيهة بالرق الموقعة بجنيف سنة 1956، وكذلك انضمام الجزائر بتحفظ إلى الاتفاقيات الدولية لخطر التجارة بالنساء والأطفال الموقعة بجنيف سنة 1921، والاتفاقية الخاصة بخطر الاتجار بالأشخاص واستغلال دعارة الغير الموقعة بنيويورك سنة 1950(4)، وكذلك انضمام الجزائر سنة 1985 إلى الاتفاقية الدولية حول حماية النباتات الموقعة بروما سنة 1951 والمراجعة بقرار رقم 14 سنة 1979 الصادرة عن منظمة الأغذية والزراعة (5)، وكذلك مصادقة الجزائر سنة 1996 (6) علــى اتفــاقية الأمــم المتحــدة لمكــافحة التصحــر فــي البـــلدان الـــتي تـــعاني الجـــفاف الشــديد و التصــحر فـي أفريقيـــا
وعلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لسنة 1982 (1)، ومنه فإجراء نشر المعاهدات مهم جدا، خاصة أن هذه الاتفاقية الأخيرة الخاصة بقانون البحار القاضي الوطني يحتاج إلى نصوصها، لما قد يطرح أمامه من نزاعات في استغلال الموارد الحية في المنطقة الاقتصادية مثلا، سيما أنها (الاتفاقية) أقرت حقوقا سيادية وولاية للدولة الساحلية على المنطقة الاقتصادية، لغرض كشف واستغلال مواردها الحية وغير الحية، وكذا الأنشطة الأخرى كإقامة الجزر الاصطناعية وغيرها من المنشآت، وحق الدول غير الشاطئية أو المتضررة جغرافيا في المشاركة، لا يرد إلا على الموارد الحية فقط، إن كان هناك فائض (2)، علما أن اتفاقية قانون البحار لسنة 1982 أسست محكمة دولية لقانون البحار في أكتوبر سنة 1996، مقرها هامبورغ تختص بالنظر في النزاعات المتعلقة بأعماق البحار.
وكذلك نجد انضمام الجزائر سنة 1989 إلى البروتوكولين الإضافيين إلى اتفاقيات جنيف المعقودة سنة ،1949 والمتعلقين بحماية ضحايا النزاعات الدولية المسلحة (البروتوكول 01)، والنزاعات المسلحة غير الدولية (البروتوكول 02) لسنة 1977 (3) فالنصوص لم تنشر إلى حد الآن، وتدخل اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949 والبروتوكولين الإضافيين في القانون الدولي الإنساني، فهي من القواعد الآمرة التي لا يجوز مخالفتها، فنصت اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لسنة 1969 في المادة 60 الفقرة الخامسة أن الأحكــام المتعلقة بحماية الشخص الإنساني والواردة في المعاهدات ذات الطابع الإنساني- وخاصة الأحكام التي تحضر أي شكل من الأشكال الانتقامية من الأشخاص المحميين بمثل هذه المعاهدات- لا يجوز خرقها أو إنهائها، أو تعليق تنفيذها، وتجدر الإشارة أن اتفاقيات جنيف الأربعة لسنة 1949 تنص على اتخاذ إجراء تشريعي لفرض عقوبات جزائية على الأشخاص اللذين يقترفون، أو يأمرون باقتراف إحدى المخالفات الجسيمة لهذه الاتفاقيات، وتقديمهم إلى المحاكمة أيا كانت جنسيتهم، وما دام أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، فنشر هذه الاتفاقية ضروري، خصوصا أن قواعد القانون الدولي الإنساني مشمولة بمراقبة ثلاث هيئات دولية هي الدولة الحامية، واللجنة الدولية الإنسانية لتقصي الحقائق، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، وتقع كذلك على عاتق الدول والمنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية، وحتى الأشخاص الذين يتحملون مسؤولية أي انتهاك لحقوق الإنسان، في ظل هذا النظام (1)، خصوصا أن الفرد في الوقت الحاضر يشغل قدرا من أحكام القانون الدولي العام، التي ترمي إلى حمايته من تعسف المجتمع البشري الذي هو عضو فيه، وإما إلى حماية هذا المجتمع من بعض تصرفات الفرد التي قد تضر بمصالح الجماعة، فللفرد حقوق وعليه واجبات، تستمد مباشرة من القانون الدولي العام، هذه الحقوق تلزم الدول باحترامها في مواجهة الفرد وواجبات يلتزم الفرد بمراعاتها في مواجهة الدول، وعلى هذا النحو دعا الكثير من الفقهاء إلى اعتبار الفرد شخصا من أشخاص القانون الدولي، بصرف النظر عن جنسيته، وتخاطب قواعد القانون الدولي الأفراد مباشرة في هذا الإطار سواء حكاما للدولة أو محكومين، وأصبح من المقرر جواز خضوع الأفراد لاختصاص قضاء جنائي دولي في حالة ارتكاب جرائم دولية ومساءلته عنها دوليا (2).
وإن كان العمل التطبيقي الجزائري في مجال إدراج المعاهدات، يتميز أحيانا بنشر نصوص المعاهدات مع التصديق عليها، وهنا ليس هناك أي مشكل يطرح، أما عند تخلف نشر نصوص المعاهدات المصادق عليها لعدة سنوات تطرح مشكلة إدراجها خلال الفترة الزمنية التي لم تنشر فيها نصوصها، وكذلك الأمر بالنسبة للمعاهدات التي لم تنشر نصوصها إلى اليوم بالإضافة إلى مشكلة المطالبة بتطبيقها أمام القضاء، لأن القاضي لا يطبق إلا النصوص المنشورة.
وتجدر الإشارة، أنه ابتداء من سنة 1997 لم نعثر على أية اتفاقية دولية في مجال المعاهدات المتعددة الأطراف لم ينشر نصها بعد المصادقة عليها، سواء منها ما يدخل في مجال تشريع البرلمان أو غيرها، ولا يمكن القول أننا دخلنا مرحلة نشر نصوص المعاهدات المصادق عليها، لأن هناك معاهدات تمت المصادقة عليها منذ 1963 وأخرى في سنوات لاحقة ولم تنشر نصوصها إلى اليوم.



المبحث الثاني: مكانة المعاهدات الدولية في النظام القانوني الجزائري
يقصد بمكانة المعاهدات في القانون الداخلي قيمتها ضمن الهرم القانوني الداخلي بعد عملية الإدراج التي غالبا ما ينتج عنها مشكلة تنازع الاتفاقات الدولية مع القانون الوطني، علما بان هاتان المسألتان كثيرا ما عالجتها دساتير الدول ومنها دستور الجمهورية الجزائرية.
وللعلم أن الدولة الجزائرية، ونظرا لتغيير ظروفها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية قد عرفت عدة تعديلات دستورية اختلفت فيها نظرة الجزائر نحو القانون الدولي، وبالأخص للمعاهدات الدولية، إذ عرفت دستور 1963، ودستور 1976، ودستور 1989 وأخيرا دستور 1996، وبالتالي إنه لمن الأهمية بمكان التطرق إلى ما تضمنته الدساتير الجزائرية في هذا المجال.
حيث والحال، فإنه في دراستنا لمكانة المعاهدات الدولية في ظل النظام القانوني الجزائري، سنتعرض أولا إلى القيمة القانونية للمعاهدات الدولية في الدساتير الجزائرية الأربعة ثم علاقة المعاهدات الدولية بالقوانين الداخلية الجزائرية لاسيما منها الدستور والقوانين العادية.
المطلب الأول: القيمة القانونية للمعاهدات الدولية في الدساتير الجزائرية
الفرع الأول: في دستور 1963
سبق وان قلنا أعلاه، أن الجزائر، ونظرا لتغيير ظروفها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، عرفت عدة دساتير اختلفت فيها نظرة الدولة الجزائرية نحو المعاهدات الدولية من دستور إلى آخر، حيث أنه في ظل دستور 1963، وإن كان المؤسس الدستوري الجزائري قد نظم عملية إدماج المعاهدات الدولية بموجب التصديق عليها من قبل الهيئات المختصة قانونا بذلك، وهذا ما نصت عليه المادة 42 من دستور 1963، وأسس جهاز أسند له مهمة السهر على دستورية القوانين حسب المادة 64 منه، كذلك فإن ذات الدستور، تجاهل تماما الإشارة إلى الحلول في حالة وجود تعارض بين المعاهدات الدولية والقانون الداخلي الجزائري (1) كما سنوضحه في المطلب الثاني أدناه، ولكن في ظل الدساتير اللاحقة له أي دستور 1976 و1989 و1996، نلاحظ اهتمام المؤسس الدستوري الجزائري بهذه المسالة، إذ بالإضافة إلى معالجته لقضية إدراج المعاهدات الدولية في القانون الوطني الجزائري، نراه قد أوجد الحلول لحالات التنازع، الذي قد يحدث بين الاتفاقات الدولية والقانون الداخلي الجزائري.
الفرع الثاني: في دستور 22 نوفمبر 1976
نصت المادة 159 منه على أن : " المعاهدات التي صادق عليها رئيس الجمهورية طبقا للأحكام المنصوص عليها في الدستور تكتسب قوة القانون"، فطبقا لهذه المادة المذكورة أعلاه نستنتج أن المؤسس الدستوري الجزائري قد أعطى للمعاهدات الدولية قوة إلزامية تساوي قوة القانون، ولكن الشئ الجدير بالذكر في هذا الصدد، أن المتمعن في نص المادة 159-المشار إليها آنفا- يتبين له أن المعاهدات الدولية لها قوة القانون- التي جاء بها دستور 1976- غامضة وهذا ما جعل الفقه الجزائري يحاول شرح تلك الفكرة.
فيذهب الأستاذ " بجاوي " إلى اعتبار أن عبارة: " المعاهدات تكتسي قوة القانون " يعني أن الاتفاقات المصادق عليها وفقا للدستور تعتبر من يوم تصديقها فصاعدا جزءا من القانون الداخلي (1).
ويرى الأستاذ " بخشي "، أنه في الفترة الممتدة بين 1962 و1976 لم تتجاوز المعاهدة مكانة القانون في أقصى وضع لها(2).
ويرى الأستاذ " بوغزالة "، أن عبارة "المعاهدات تكتسي قوة القانون" تعني أن الدولة الجزائريـة تظل تطبق المعاهدة طيلة الفترة التي تبقى فيها سارية المفعول داخليا (3).
وفي رأينا يقصد بعبارة: " المعاهدة لها قوة القانون"، أنه بعد المصادقة عليها وفقا للإجراءات والشروط المطلوبة دستوريا، تصبح المعاهدة قانونا واجب التطبيق داخليا مثلها مثل القانون العادي، دون حاجة لصدوق تشريع خاص، وبالتالي تصبح واجبة الاحترام من جانب كافة سلطات الدولة بما فيها السلطات القضائية، ونافذة كذلك في حق الأفراد.





الفرع الثالث: في دستور 1989 ودستور 1996
من خلال نص المادة 132 من دستور 1996- التي وردت بصورة حرفية لنص المادة 123 من دستور 1989- والتي نصت على: " المعاهدات التي يصادق عليها رئيس الجمهورية حسب الشروط المنصوص عليها في الدستور تسمو على القانون ".
ومن خلال نص هذه المادة، نجد أن دستور 1996 أوضح سمو المعاهدات على القوانين العادية، أي أنها تحتل المرتبة الأسمى من هذه الأخيرة في الهرم القانوني للدولة الجزائرية ويتولد عن هذا النص نتائج أساسية هي كالتالي:
1 ـ أن المعاهدات الدولية تعتبر نافذة مباشرة داخل الجزائر بمجرد التصديق عليها من طرف رئيس الجمهورية، وبإمكان أي متقاضي استظهارها أمام الجهات القضائية الجزائرية.
2 ـ أن المعاهدات الدولية المصادق عليها من طرف رئيس الجمهورية حسب الشروط المنصوص عليها في الدستور تسمو على القانون العادي، في حين كانت المعاهدات المصادق عليها من طرف رئيس الجمهورية في ظل دستور 1976 تكتسب قوة القانون العادي فقط، أي تعامل والقانون الوطني العادي على قدم المساواة من حيث قوتها القانونية، وهذا ما يستفاد من نص المادة 59 منه والتي تنص على أن : " المعاهدات التي صادق عليها رئيس الجمهورية طبقا للأحكام المنصوص عليها في الدستور تكتسب قوة القانون ".
والجدير بالذكر، أن دستور 1996 قد تجنب التناقض والصعوبات التي كان يعرفها دستور 1976، إذ أن نص المادة 159 منه تسوي بين القانون الداخلي والمعاهدات الدولية المصادق عليها من قبل رئيس الجمهورية. في حين يلاحظ أن كل من القانون المدني في مادته 21 التي تنص على:" لا تسري أحكام المواد السابقة إلا حيث لا يوجد نص على خلاف ذلك في قانون خاص أو معاهدة دولية نافذة في الجزائر"، وقانون الجنسية في مادته الأولى والتي تنص على: " تحدد الشروط الضرورية للتمتع بالجنسية الجزائرية بموجب القانون وعند الاقتضاء بواسطة المعاهدات ولاتفاقات الدولية التي يصادق عليها ويتم نشرها "، يقضيان بسمو أحكام المعاهدات الدولية على القانون الداخلي، هذا من جهة، و من جهة أخرى، فان الإقرار بسمو المعاهدات الدولية يقضي على حالة تناقض القانون الداخلي اللاحق للمعاهدات التي يتعارض معها، والتي قد يتولد عنها صعوبات ذات طابع دولي يؤثر على العلاقات الدولية، إذ أن أمر تعطيل تطبيق أحكام المعاهدات المخالفة لنص القانون الداخلي اللاحق، قد يعرض الدولة الجزائرية التي صادقة عليها، إلى المسؤولية الدولية، ولعل ما يؤكد قناعة المؤسس الدستوري الجزائري بصفة جد واضحة لمبدأ سمو المعاهدات الدولية المصادق عليها على القانون العادي الوطني، هو إلغاؤه للاستثناء الذي أتت به المادة 17 من دستور 1976 في فقرتها الأخيرة، التي نصت على أن: " لا يجوز معارضة إجراء نزع الملكية للصالح العام بحجة أي اتفاقية دولية " ويفهم من هذه الفقرة أن أية اتفاقية كانت، تصبح غير قابلة للتطبيق إذا تعارضت مع القانون الداخلي الجزائري إذا كان يتضمن نزع الملكية للصالح العام، سواء كانت تلك المعاهدة سابقة أو لاحقة لهذا القانون.
فبالرغم من أن هذا الاستثناء كان ممكن الاحتفاظ به تحت غطاء تكريس مبدأ قانوني دولي أساسي ألا وهو: " مبدأ السيادة الدائمة على الموارد والثروات الطبيعية للدول "، والذي كرسه قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 1803 المؤرخ في 17 ديسمبر 1962، إلا أن المؤسس الدستوري الجزائري نراه قد أغفل هذا الاستثناء في دستور 1996، حيث تغاض عنه واكتفى بتقرير تعويض قبلي عادل ومنصف في حالة نزع الملكية للصالح العام، وهو ما يفهم من نص المادة 20 منه، والتي جاءت ثانية بصورة حرفية للمادة 20 من دستور 1989، حيث نصت على: " لا يتم نزع الملكية إلا في إطار القانون ويترتب عليه تعويض قبلي عادل ومنصف "، وربما هذا كان نتيجة اعتقاد المؤسس الدستوري الجزائري بأن ذات النص يعتبر خرقا لأحكام القانون الدولي وعدم انسجام القانون الداخلي مع ما يطلبه القانون الدولي، كما أن وجوده قد يؤدي إلى تخوف الدول المتعاقدة مع الجزائر من لجوء هذه الأخيرة لتطبيق النص.
المطلب الثاني: علاقة المعاهدات الدولية بالقوانين الداخلية الجزائرية
الفرع الأول: علاقة المعاهدة بالدستور
سنعالج هذا الفرع من خلال ما تضمنته الدساتير الأربعة الجزائرية، لاسيما منها دستور 1963 و1976 و1989 وأخيرا دستور 1996.
الفقرة الفرعية الأولى: دستور 1963
لا نجد في هذا الدستور نصوص بشكل واضح تخص معالجته للمعاهدات الدولية المتعارضة معه، أو حتى موقف الدستور من المعاهدات غير الدستورية، وهذا راجع للفترة القصيرة التي أعد فيها هذا الدستور، حيث تم تحضيره من طرف المكتب السياسي للحزب بعيدا عن المجلس الوطني التأسيسي الذي كلف بإعداده.
ففي ضوء هذا الصراع بين الحزب والحكومة، صدر الدستور بصفة استعجاليه مكرسا هيمنة الحزب وقيادة الأركان للجيش الذي يعتبر ثمرة صراع سياسي صرف، وهو ما تعكسه الفقرة 13، 14من ديباجة دستور 1963.
ونتيجة لهذه الخاصية التي جعلت الحزب يسيطر على الحياة السياسية في البلاد ويراقب الحكومة والسلطة التشريعية (1)، فإن الدستور لم ينظم علاقة المعاهدة به، ولا مشاركة الشعب في مجال المعاهدات، واقتصرت المعالجة على كيفية تعديل الدستور في المواد بين 71 ـ 74.
وبالرجوع إلى نص المادة 63 من دستور 1963 نجدها قد نصت على دستورية القوانين والسؤال المطروح هنا هو: هل يقصد المؤسس الدستوري أن تشمل رقابة دستورية المعاهدات ؟ أم أنه اكتفى بالمعنى اللفظي الوارد في المادة وهو دستورية القوانين والأوامر فقط ؟
والحقيقة، أن اعتماد التفسير الموسع-حسب رأي الأستاذ محيو- يمكننا من الوصول إلى اعتبار كلمة "دستورية القوانين" يجوز أن تمتد إلى المعاهدات الدولية، ولكن يعاب على هذا التفسير أنه لو اكتفى المؤسس الدستوري بهذا التأكيد لأمكن القول بأنها تشمل دستورية المعاهدات والأوامر وكل ما خص المجال التنظيمي، لكن استخدام المؤسس الدستوري "الأوامر التشريعية" يبين لنا بوضوح بأنه قد اقتصر على رقابة دستورية القوانين والأوامر فقـط ولم تـمتد إلى دسـتورية المعاهدات (2)، وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على سمو المعاهدات الدولية على الدستور- حسب رأي الأستاذ محيو-.
الفقرة الفرعية الثانية: في دستور 1976
نصت المادة 160 من دستور 1976 على أنه: " إذا حصل تناقض بين أحكام المعاهدة أو جزء منها والدستور لا يؤذن بالمصادقة عليها إلا بتعديل الدستور "، والسؤال الذي يطرح هنا هو : لمن يوجه خطاب "لا يؤذن بالمصادقة عليها" ؟ فهل نحن هنا أمام المجلس الوطني أو أمام رئيس الجمهورية ؟
الراجح أننا أمام رئيس الجمهورية لارتباط هذا الإشكال بالتصديق، ولذلك ولتلافي هذا الإشكال، كان من المفروض أن المادة تكون أكثر دقة في صياغتها فتؤكد على العبارة التالية أو ما يحل محلها: "لا يصادق عليها رئيس الجمهورية" ،وبذلك يتضح مضمون المادة.
وإذا تبين تعارض المعاهدة مع الدستور، فالمؤسس الدستوري احتاط لما يمكن أن يصادفه مستقبلا من معاهدات غير دستورية، فنكون بذلك أمام أحد الحلين، إما المصادقة على المعاهدة وتعديل الدستور، أو عدم المصادقة عليها.
وإذا فضل رئيس الجمهورية الالتزام بالمعاهدة، فلابد من تعديل الدستور ويبدو أن هذا الحل مقبولا، لأن المؤسس الدستوري أراد تلافي إمكانية التعارض المحتمل بين المعاهدة والدستور، ولكن الحل السلبي بعدم تبني المعاهدة - وإن كان يتعارض مع مبدأ سمو أحكام القانون الدولي في المجال الداخلي حسب مدرسة الوحدة مع سمو القانون الدولي- يمكن اعتبار المادة 160 كحاجز لعدم إدخال المعاهدات المتعارضة مع الدستور و شل كل أثارها في القانون الداخلي، وهذا الحل تبناه المؤسس الدستوري الفرنسي لسنة 1946، والذي تبناه كذلك المؤسس الدستوري الجزائري نقلا عنه في دستور 1976 (1).
وبربط المادة 160 من دستور 1976 بالمادة 159 من دستور 1976، تبين لنا انعدام وجود انسجام بين المادتين، فالملاحظ أن الصياغة التي جاءت بها المادة 159 غير دقيقة لأنها ربطت بين فعلين مختلفين من حيث الخطاب زمنيا، فهذه المادة تتكلم على المعاهدات التي صادق عليها رئيس الجمهورية، وكأن المعنى ينصرف إلى معاهدات سابقة وفي فترة سابقة توحي بوجود فاصل زمني بين العملين، بحكم أن المادة حاولت أن تبين أن المعاهدات التي صادق عليها رئيس الجمهورية في الماضي القريب أو البعيد لها قوة القانون، وكأن الاعتراف قد جاء مقرا لها بمكانة القانون ولم ينصرف القصد إلى الربط بين المصادقة والمكانة، ذلك أن مكانة المعاهدة مرتبطة بالتصديق عليها، و الذي تم في الماضي، أو المعاهدات التي سيصادق عليا الرئيس في المستقبل.
وإذا كانت المادة 159 تجعل المعاهدات الدولية لها مكانة القانون، فالمعاهدة المتعارضة مع الدستور لا تتمتع بأية مكانة نتيجة لعدم دستوريتها، اللهم إلا إذا لم يكشف عن العيب الذي يعتريها، ومن هنا يبدو لنا أن هناك اختلافا بينا مفاده طالما تتمتع المعاهدات بمكانة القانون فلا يمكنها أن تتعارض مع الدستور بحكم سمو هذا الأخير عليها2، وهذا الحل واجب الإتباع في كل الأحوال حسب ما تقتضيه نصوص القانون الداخلي في كل الدول تقريبا ماعدا هولندا.
وطالما الوضع كذلك، فصياغة المادة ما كان يمكن أن تتم بهذا الشكل، لأن الفرضية التي تطرحها تمس جانبا جزئيا، وهو أن المعاهدة المتعارضة مع الدستور لا يجري إدخالها في المجال الداخلي، وهذا النص يتعارض مع اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لسنة 1969 خاصة في مادتيها 27، 46.
وخلاصة ذلك، أن الحل الذي جاءت به المادة 27 من اتفاقية فيينا، يأتي بعد إبرام الدولة للمعاهدة ثم يتضح أن إبرامها كان مخالفا للدستور، وهذا النص لا وجود لمثله في القانون الداخلي الجزائري لاسيما في دستور 1976، كونه اقتصر على معالجة التعارض قبل إبرام المعاهدة، ولم يتعرض إلى التعارض اللاحق الذي قد يؤدي إلى تعديل الدستور، وتبقى المعاهدة سارية المفعول إذا لم يتم الكشف عن التعارض وقت إبرامها، وهذا التنظيم يختلف تماما مع ما جاءت به اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات، التي عالجت التعارض بين القانون الداخلي والمعاهدة أثناء فترة إبرامها، وكذلك في الفترة اللاحقة على ذلك.
ويرى "الأستاذ بجاوي" أن الحل الوارد في المادة 160 من دستور 1976 منطقي فالمشرع إذا أراد تبني المعاهدة لابد له من تصرف مزدوج، وذلك بالمبادرة بتعديل الدستور، ثم موافقة البرلمان على المعاهدة (1).
والمفروض أن نص المادة 160 لا يخص كل المعاهدات، فهو يتعلق بمعاهدات معينة ذات أهمية بالنسبة للبلاد، ولكن هذا البعد لم توضحه المادة، لان النص- حسب صياغته- ينطبق على كل معاهدة أرادت الجزائر تبنيها مهما كانت نوعيتها، فلا يعقل أن يقوم المشرع بتعديل الدستور بغية تبني معاهدة غير ذات أهمية، لذا تبدو عدم منطقية هذا النص:
1 ـ من ناحية بعده الذي لم يحدده الدستور.
2 ـ إذا كثر اللجوء إلى تعديل الدستور في كل مرة يتعارض فيها مع معاهدة دولية، يصبح الدستور في مهب الريح.
وهذا الأسلوب يوقف على الاتجاه الذي تعتمده السلطة التنفيذية، لكن من الواضح أن هذه المسألة نظرية أكثر منها عملية، لأنه لم يحدث طيلة فترة تطبيق دستور 1976 أن تم اللجوء إلى تعديل أحكامه تحت طائلة تبني معاهدة دولية، رغم التعديلات الثلاثة التي عرفها من خلال سنوات (1979، 1980، 1988).
والسؤال الذي يمكن طرحه في هذا المجال هو: كيف يمكن حل التعارض بين المعاهدة والدستور في ظل غياب جهاز مختص بالرقابة الدستورية ؟
وأمام هذا الإشكال اقترح "الأستاذ بجاوي" الحلين التاليين:
1 ـ إما الطعن أمام المجس الأعلى في مرسوم التصديق، لان الدستور يؤهله للقيام بالطعون ضد الأعمال التنظيمية استنادا لنص المادة 178 من دستور 1976.
2 ـ أو الطعن أمام الجهات العليا للحزب المكلفة بالرقابة السياسية على الأجهزة التشريعية والتنفيذية التي يمكنها معرفة دستورية التصديق من عدمه (1).
وبحسب "الأستاذ بوغزالة" أن هذا الطرح لا يسمح بإيجاد حل للمسألة المعروضة، حيث يمكن توضيح ذلك بشكل جلي على النحو التالي:
ـ الحل الذي نادى به "الأستاذ بجاوي" لا يمكن التسليم به بحكم انه لا يوجد جهاز بذاته يسند إليه دستوريا مهمة حل النزاع القائم في ظل غياب نص دستوري يحدد الجهاز الذي يمكنه القيام بالرقابة على الدستورية، مع تحديد القواعد القانونية التي تنظم دور هذا الجهاز، ثم أن القاضي لم يقم أبدا بهذا الدور، وهذا دليل كاف لعدم قبول وجهة نظر بجاوي.
وحتى في ظل إسناد المهمة للقاضي لتقدير شرعية المراسيم العادية الصادر عن رئيس الجمهورية، فإن لم يتجرأ على القيام بها، والدليل على ذلك لم يصدر أي حكم عن المجلس الأعلى حول شرعية المراسيم.وإذا كان الأمر على هذا النحو بالنسبة للمراسيم، فما بالك بالنسبة للمعاهدات الدولية ذاتها، ويضيف "الأستاذ بوغزالة" أنه حتى ولو فرضنا بأن المجلس الأعلى دعي للفصل في مرسوم تصديق معاهدة وليس المعاهدة ذاتها بشكل غير دستوري، فإن هذا الطعن يكون غير مقبول استنادا لنظرية أعمال السيادة.
ـ أما عن الحل الثاني الخاص بالأجهزة العليا للحزب فهو ذو طبيعة سياسية لا يمكن اللجوء إليه في معالجة قانونية للموضوع، لأنه لا يمكن اعتبار الحل الصادر عن هذه الجهات أنه يتماشى مع روح الدستور، وهذا النوع من الرقابة السياسية يمكن أن يكون قبل التصديق على المعاهدة المتعارضة مع الدستور.


الفقرة الفرعية الثالثة: في دستور 1989 ودستور 1996
يبدو أن المؤسس الدستوري الجزائري تنبه للنقص الذي اعترى الدساتير السابقة وخاصة دستور 1963، لكونه تدخل موضحا العلاقة بين المعاهدة والدستور والقانون، وفضلا عن ذلك إحداث قاضي دستوري مقدر لتلك العلاقة، حيث عالجته المادة 153 من دستور 1989 والتي تقابلها المادة 163 من دستور 1996، وقد نصت هذه الأخيرة على : " يؤسس مجلس دستوري يكلف بالسهر على احترام الدستور.
كما يسهر المجلس الدستوري على صحة عمليات الاستفتاء، وانتخاب رئيس الجمهورية والانتخابات التشريعية ويعلن نتائج هذه العمليات ".
وحسب "الأستاذ أحمد محيو" فإن: كل من دستور 1989 ودستور 1996 قد هجرا الحل الذي اعتمده دستور 1976 المتعلق بعدم المصادقة على المعاهدة المتعارضة مع الدستور إلا بعد تعديل هذا الأخير (1).
وبحسب تقديرنا، فإن هذا الحل نظري، فما الذي يمنع المؤسس الدستوري من اللجوء إلى نفس الحل إذا ما أراد تبني معاهدة متعارضة مع الدستور.
لكن الإشكالية التي تبقى مثارة متمثلة في طبيعة الحل القانوني إذا ما وجد تعارض بين أحكام المعاهدة أو جزء منها مع الدستور؟
ويرى بعض الفقهاء كالأستاذ الدكتور "عبد المجيد جبار" أن مثل هذه الحالة لا تقع للأسباب التالية:
ـ كون رئيس الجمهورية هو حامي الدستور من جهة، وحجر الزاوية في عملية إدماج المعاهدة الدولية في المجال الوطني لدولته من جهة أخرى، الشيء الذي يجعله يعمل كل ما في وسعه من أجل تجنب ذات المشكلة (2)، لكن مهما يكن من الأمر، فإنه - وبحسب اعتقادنا- أن مثل هذا التعارض قد يحدث، ومنه كيف سيعالجه المؤسس الدستوري الجزائري خاصة وأن الجزائر عرفت عدة دساتير متباينة النظرة تجاه القانون الدولي ؟
- إذا تحتل المعاهدات الدولية مكان وسطي بين الدستور والقانون، فهي دون الدستور وفوق القانون، ويبدو أن هذا الشيء طبيعي وناتج عن مبدأ أن الدستور يعتبر القانون الأساسي للجمهورية الجزائرية، ويتمتع بمنزلة أعلى من منزلة المعاهدات الدولية والقوانين العادية ولا يسري عليه ما يسري عليهما، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، ناتج عن مبدأ سمو الدستور وتدرج القواعد القانونية، وبالتالي لا يجوز للمجلس الدستوري أن يوافق على تصديق معاهدات تتعارض والدستور، وهذا مرتبط بأن المؤسس الدستوري الجزائري يريد أن يلفت النظر إلى أن لكل شيء حدودا، واستقبال المعاهدة في نظامنا القانوني الداخلي لا يجب أن تنهار أمامه كل الحواجز على وجه الإطلاق، وبهذا الموقف، يكون المؤسس الدستوري الجزائري، قد حذا حذو كافة المؤسسين الدستوريين لأغلب دول العالم مثل : فرنسا، ومصر...، وغيرها من البلدان، وتجدر الإشارة إلى أنه لا توجد سوى دولة واحدة في العالم تقرر صراحة في دستورها مبدأ سمو المعاهدة على الدستور وهي هولندا (1).
الفرع الثاني: علاقة المعاهدة بالقوانين العادية
إن رقابة المجلس الدستوري لا تكمن فقط في دستورية أو عدم دستورية معاهدة ما، بل تتعدى ذلك، لأن الغرض من تأسيس مجلس دستوري هو البحث عن الاستقرار في النظام القانوني لأية دولة، لأن تعارض وتصادم القوانين قد يؤثر سلبا على سيادة الدولة، لهذا الغرض وجد المجلس الدستوري، وإن مبدأ تدرج القوانين، وباعتبار أن المعاهدة تتوسط بين الدستور والقانون، ذلك، يستلزم عند صياغة قانون ما، أن يراعى عدم مخالفته للدستور، ونفس الشيء بالنسبة إلى للمعاهدات التي صادق عليها رئيس الجمهورية.
إن المجلس الدستوري أسس من أجل السهر على احترام الدستور طبقا لنص المادة 163 من دستور 1996 (2) باعتبار الدستور القانون الأساسي، فالمواضيع الأولى المتعلقة باختصاصات المجلس الدستوري، قد تم تناولها بنوع من التفصيل أعلاه، وقد تكون النصوص التنظيمية والتشريعية مخالفة لأحكام الدستور، ومن المحتمل جدا أن تكون مخالفة لأحكام معاهدة دولية قد تم التصديق عليها حيث تعتبر امتداد للنظام القانوني لهذه الدولة، خاصة إذا كانت المعاهدة تنظم نفس الموضوع، و قسم منه قد تناوله النص التشريعي أو التنظيمي، وعليه، فتأسيس عمل المجلس الدستوري، يؤسس في هذه الحالة، على اعتبار أن النص التشريعي والتنظيمي غير مطابق للدستور وبذلك يتعارض مع نصوص المعاهدة الدولية المصادق عليها من قبل السلطات

المختصة.
و بالرجوع إلى عمل المجلس الدستوري (1) نجد أن هذا الأخير رغم حداثته كمؤسسة من المؤسسات التي أوكلت إليها مهمة الرقابة والسهر على احترام الدستور،ويتجسد ذلك من خلال قراره الصادر بشأن عدم مطابقة المادتين 86، والمادة 108 (2)، من لقانون الانتخابات لسنة 1989 اللتان تشترطان الجنسية الأصلية لزوج رئيس الجمهورية وزوج نائب بالمجلس الشعبي الوطني، وعند تناوله لهذا الموضوع، رأى المجلس الدستوري أن المادتين مخالفتين لنص المادة 28 من دستور1989، ومخالفة لنصوص مواد من اتفاقية دولية تمت المصادقة عليها من قبل السلطات المختصة، حيث أن التصديق يجعل هذه المعاهدة ملزمة للدولة التي صـادقت عـليها والعكس غير صحيح (3)، وباعتبار أن المعاهدة بعد التصديق عليها تدخل ضمن النظام القانون لتلك الدولة.
ويتضح لنا من قرار المجلس الدستوري أنه أضاف إلى شرط التصديق شرطا آخر لا يقل أهمية عن الشرط الأول هو النشر، فتصدر المعاهدة بعد التصديق عليها في الجريدة الرسمية للدولة الجزائرية، وبالتالي يستطيع أي مواطن جزائري أن يتمسك بالمعاهدة أمام القاضي الوطني، وعليه فإن مجرد التصديق على المعاهدة ونشرها في الجريدة الرسمية تكتسب المعاهدة القوة الإلزامية التي تكتسبها القوانين الداخلية، وما على القاضي الوطني إلا تطبيق المعاهدة متى تمسك بها أطراف الدعوى.
وبالرجوع إلى قرار المجلس الدستوري والمعاهدات الدولية التي صادقت عليها الجزائر المتعلقة بحقوق الإنسان، نجده قد ذكر في القرار، أن هذه المواد من قانون الانتخابات السالفة الذكر مخالفة لنص المادة 28 من دستور1989، ومخالفة للمعاهدة دولية المبرمة(معاهدة حقوق الإنسان)، دون تحديد ما هي المواد من المعاهدة التي خالفتها هذه النصوص، ويمكن تفسير ذلك بأن المجلس الدستوري ينظر إلى المعاهدة ككتلة واحدة.
وبالرجوع إلى أحكام المعاهدة، و الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب (1)، نجد أن المادتين- السالفتي الذكر- قد خالفتا المادة الثالثة من هاته المعاهدة التي تنص على:
" الناس سواسية أمام القانون.
لكل فرد الحق في حماية متساوية أمام القانون."
ويتضح لنا من خلال قراءتنا للمادة الثالثة مـن الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب (2)،والتي ذكرت أن جميع المواطنين متساوين أمام القانون، سواء كانوا من جنسية أصلية أو مكتسبة.
وما أقره المجلس الدستوري يعد سابقة أولى في الجزائر، عند إقراره أن نص المادتين 86 و 108 من قانون الانتخابات مخالفتين لأحكام المعاهدة الدولية، ، ولقد أعطى بقراره هذا تطبيقا لنص المادة 123 من دستور 1989، بحيث أن المعاهدة التي يصادق عليها رئيس الجمهورية تسمو على القانون، ذلك أن التشريع إذا كان مخالفا لأحكام المعاهدة الدولية إذا كانا ينظمان نفس الموضوع، وإذا كانت هذه المعاهدة قد تم التصديق عليها و نشرها في الجريدة الرسمية، قد دخلت حيز النفاذ بعد استكمال شرط التصديق على الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، وهذا ما جعل المجلس الدستوري يفصل بعدم مطابقة نص المادتين 86/108 من قانون الانتخابات للمادة 28 من الدستور، وكذلك عدم مطابقة المادتين للعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية (3)، والميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، ذلك أن المجلس الدستوري في قراره لسنة 1989 قد أثبت وعلل عدم مطابقة المادتين السابقتين للدستور والمعاهدة الدولية، حيث جاء في الفقرة الثانية عشر من القرار : "... ونصل لكون أي اتفاقية بعد المصادقة عليها ونشرها تندرج ضمن القانون الوطني وتكتسب بموجب المادة 123 من الدستور سلطة السمو على القوانين" (4).
ومن خلال قراءتنا لرأي المجلس الدستوري وطبقا لنص المادة 159 من دستور 1989 والتي تعطي الحجية المطلقة لقرارات و آراء المجلس الدستوري بعد نشرها في الجريدة الرسمية
وذلك ما لم يتعرض الدستور للتعديل، فإن مثل هذا القرار هو تأكيد من المشرع الجزائري للأهمية التي يوليها للمعاهدات الدولية، فاليوم هي تسمو على القوانين وقد تصبح في المستقبل تسمو على الدستور وذلك بعد التطور الذي عرفته الجماعة الدولية.
من خلال استقراءنا لقرار المجلس الدستوري السالف الذكر، بشأن مطابقة القانون المتعلق بالانتخابات للدستور وللمعاهدات الدولية، وباعتبار أن قرارات وآراء المجلس الدستوري حسب نص المادة 159 من دستور 1989 التي تنص على : "إذا ارتأى المجلس الدستوري أن نصا تشريعيا أو تنظيميا غير دستوري يفقد هذا النص أثره ابتداء من يوم قرار المجلس"، و بالنظر إلى تمتع قرارات وآراء المجلس الدستوري للحجية، سوف يتم إلغاء تلك المادتين من قانون الانتخابات،المخالفتان لنص المعاهدة السالفة الذكر.
الفقرة الفرعية الأولى: رقابة المجلس الدستوري لمطابقة القانون للمعاهدة
ليس عبثا في بادئ الأمر التذكير بأن المجلس الدستوري مكلف "بالسهر على احترام الدستور" (المادة 153)، وكنتيجة لهذا، فإنه يتولى الفصل في دستورية المعاهدات (المادة 155) لذا يتجلى بوضوح أن نصه المرجعي هو الدستور وليس القانون الدولي أو المعاهدات، وبناءا على هذا كله وفي حالة تعارض معاهدة مع الدستور، فسيكون مجبرا بالنطق بعدم دستورية الأولى وليس بعدم مشروعية الثاني، وما على رئيس الدولة الذي "يقرر السياسة الخارجية" و"يبرم المعاهدات الدولية ويصادق عليها" (المادة 47) إلا أن يبادر في هذه الحالة بإجراء تعديل دستوري قصد التوفيق بين الدستور والمعاهدة (المادتان 163 و164).
وبالإضافة إلى اختصاص المجلس الدستوري النوعي المذكور أعلاه والمتعلق بمراقبة مطابقة المعاهدات بالنظر إلى الدستور، فإن المجلس - وكما سبقت الإشارة إلى ذلك- منح نفسه أيضا حق مراقبة القوانين المخالفة للمعاهدات، ومع العلم دائما أن الدستور لم يقض قط بذلك أي أنه لم يخول هذا الاختصاص بصريح العبارة.
تأسيسا على هذا، يمكن بسهولة اعتبار هذا الحل بالمفاجئ، بل وأكثر من هذا، فإن المفاجأة تنقلت إلى دهشة وإذهال حينما نعلم أنه جاء متناقضا وخلافا للحل الذي اعتمده المجلس الدستوري الفرنسي في قراره المؤرخ في 15 جانفي 1975، والذي من خلاله رفض بصفة قطيعة مراقبة مطابقة القوانين بالنظر إلى المعاهدات، بالإضافة إلى هذا، فإن هذا الحل كذلك، و لأول مرة يعكس جرأة وجسارة لا نجدهما عند القضاة العاديون، وفضلا عن كل هذا، يمكن أيضا تكييف هذا الحل بالقطيعة مع الاختيارات والحلول الفرنسية التي اعتدنا وجودها مكرسة من قبل كل هيئاتنا الوطنية (المؤسس الدستوري، المجل الشعبي الوطني، الإدارة والمحاكم).
لذا وحتى يتسنى لنا القياس و بالتدقيق جرأة وجسارة المجلس الدستوري الجزائري، وفي ذات الوقت قوة هذا الحل وصلابته، معتمدين في ذلك، ليس على أسا نوع من الإرادة أو الارتجال اللذين كثيرا ما نلبسها ونلصقها بالعقول المغامرة والمجازفة، ولكن تأسيسا على أسانيد قانونية وتطبيقية، سنقوم في البداية وبصفة مقتضبة دراسة الحل الذي أتبعه القاضي الدستوري الفرنسي، وبعد سنحلل موقف المجلس الدستوري .
• اختصاص المجلس الدستوري الجزائري برقابة مطابقة القوانين للمعاهدات الدولية
لابد من الإشارة في البداية أن المجلس الدستوري الجزائري عندما أخطر من طرف رئيس الدولة، لم يكن مطالبا للنطق بدستورية قانون الانتخابات بالاعتماد على المعاهدات الموافق والمصادق عليها من طرف الجزائر، بمعنى أنه لم يطالب بالفصل في دستورية هذا القانون سوى بالنظر إلى الدستور بوصفه النص المرجعي الوحيد، وبهذا المفهوم يتجلى بأن المجلس لم يتعرض لهذه المسألة إلا بصفة عارضة، فضلا عن هذا، لم يكن تماما منتظرا أن يبت في قضية ساخنة مثل هذه كانت سبب جدال كبير في فرنسا.
أولا: تحليل موقف المجلس الدستوري
يجب الملاحظة في البداية أن المجلس عندما أخطر على أساس المادة 155، التي تمنحه صلاحية الفصل في دستورية المعاهدات والقوانين واللوائح، لم يقم في أول الأمر سوى بممارسة اختصا نوعي أعطاه إياه المؤسس الدستوري.
إلا أنه عند تعرضه للبحث في دستورية المادة 86 من قانون الانتخابات المتعلقة بالشـــروط الواجب توافرها في المنتخبين للعضوية في المجلس الشعبي الوطني، ذهـب إلى إقامة مواجهة بين هذه المادة وبعض المعاهدات التي أبرمتها الجزائر (1).
وتبعا لهذا يستنتج في البداية أن المجلس لم يقم بهذه المواجهة إلا "كتبرير إضافي" استخدمه لتأكيد تبريره الأول المتمثل في النطق بعدم دستورية المادة المذكورة بالاعتماد على المادتين 27 و47 من الدستور من جهة، وقانون الجنسية من جهة أخرى (1)، وبفعله هذا، يكون في الحقيقة قد بت في أمر اختصاصه المرتبط بصلاحيته في النطق بدستورية القوانين، بالنظر إلى المعاهدات، هذا وللوصول إلى هذه النتيجة، قدم المجلس تحليلا بسيطا ولكنه مقنع استطاع من خلاله الحفاظ على مبدأ سمو المعاهدات الدولية على القوانين العادية.
حيث انه في بادئ الأمر، قام بتحديد الإجراءات اللازم إتباعها (المصادقة والنشر) لإدراج معاهدة ضمن القانون الوضعي (2)، بعدها وبالاستناد إلى المادة 123التي تكرس مبدأ سمو المعاهدات على القوانين، استخلص نتيجته الأولى المتمثلة في أن "كل مواطن جزائري (يستطيع) أن يتذرع (بأية اتفاقية) أمام الجهات القضائية"، وينتهي في الأخير بالتصريح على أن مواثيق الأمم المتحدة والميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان، "تمنع منعا صريحا كل تمييز مهما كان نوعه"، وتأسيسا على كل هذا، نطق بعدم دستورية المادة 86 من قانون الانتخابات.
من خلال هذا المسار، يمكن تحديد المحطات القوية لهذا التحليل، ولعل أول ما يجب الإشارة إليه هو تأكيده على مبدأ سمو المعاهدات على القوانين، وقد يبدو لأول وهلة أن هذا التأكيد تمثيل لكلام حشو وكلام إضافي مادام أن المؤسس الدستوري قد نص على ذلك بصريح العبارة، وفي الحقيقة، أن المراد من وراء ذلك ليس تكرار ما ورد في الدستور، وإنما كان الهدف منه الدفع بما جاء به المجلس الدستوري الفرنسي، الذي صرح بأن: " إذا كان هناك قانونا مخالفا لمعاهدة لا يمكن اعتباره مخالفا الدستور".
ومنه نتساءل هنا عن الأسباب التي سمحت للمجلس الدستوري الجزائري الوصول إلى هذه النتيجة، من خلال إتباعه لمنطق سهل وبسيط، والذي - على خلاف ذلك - مثل حجر عثرة بالنسبة للمجلس الدستوري الفرنسي، الذي لم يوكل لنفسه هذا الاختصاص.
و يجب معرفة أن موقف هذا الأخير لم يكن مفاجئا تماما بالرغم مما يمكن قوله، ويرجع ذلك إلى التقاليد القانونية الفرنسية التي كانت تجعل من "القانون تعبيرا عن الإدارة العامة" (3).
وهذا يعني أن المجلس الدستوري الفرنسي- وإن كان يعتبر (Censeur) البرلمان- فإنه لم يقوم على إعادة النظر في حل عمره كمراقب، لأكثر من مائة سنة، ولقد ظهر له ذلك من قبيل الأمور غير المطاقة وغير المحتملة، وأن القضية التي طرحت عليه لا تتعلق سوى بتنازع قائم بين القانون وقواعد ذات طابع خارجي أثارها "نسبية ومحتملة".
ومنه فان المجلس الدستوري الجزائري لم يكن له الاستعداد الكافي لتكريس هذا الحل وإتباع هذا الموقف، ذلك أنه لا يملك نفس الإدراك الحسي ولا الميول للقانون، أكثر من هذا وفي ظل النظام القانوني الجزائري، فإن القانون ، لم يمثل في يوم من الأيام تلك القاعدة ذات الطابع الاحتفالي التي يلزم احترامها في كل الأحوال ومهما كانت عليه الأمور، فالحكومات المتعاقبة والمتتالية التي حكمت الجزائر كانت تفضل دائما استخدام "الأمر والمرسوم" كنوع من "التدابير الملكية"، وما هذا في الأساس سوى نتيجة منطقية لنظام اشتهر بالسيطرة الكاملة والتامة لرئيس الجمهورية على كل دواليب الحكم، والذي اعتمد في تسييره لأمور الدولة استخدام تدابير مختلفة لبناء دولة القانون.
على كل، يتجلى إذن، أن المجلس الدستوري الجزائري قد استند إلى المادة 123 للنطق في مسألة مطابقة القانون للمعاهدة، وبهذا المفهوم وإتباعا لتحليله، فإن المعاهدة التي أصبحت تمثل نصا مرجعيا بالنسبة له،و يكون أيضا وفي آن واحد استطاعت المعاهدة الدخول واقتحام ما أسماه الفقه بالكتلة الدستورية، وعليه، فإن هذه الأخيرة أصبحت تتكون في نظر المجلس الدستوري، من الدستور طبعا.و تأسيسا على هذا، وكنتيجة لعملية إدخال المعاهدة ضمن الكتلة الدستورية، لا يبقى سوى التعرف على الإفرازات المترتبة على ذلك مع تحديد المشاكل التي يمكن أن تبرز وتظهر إلى الوجود.
ثانيا: النتائج المترتبة عن موقف المجلس الدستوري
سنكتفي في هذا الصدد، بالإشارة فقط إلى ثلاث نتائج:
ـ في البداية لقد عبرت الجزائر، بوصفها دولة في طريق النمو، وفي أكثر من مرة عن ارتيابها واستهجانها لبعض قواعد القانون الدولي التي وضعت من قبل بعض الدول فقط وفي آونة لازالت موجودة فيها تحت نيران الاستعمار، لذا وبالاعتماد خاصة على مبدأي السيادة واستقلال الإرادة، فلقد رفضت منذ استقلالها قبول كل قواعد القانون الدولي ولم تعترف سوى بتلك المجموعة من القواعد التي وافقت عليها بمحض إرادتها المنفردة (1)، ومن هذا نفهم مثلا سبب نضالها الطويل من أجل إقامة نظام دولي جديد ـ دفن حاليا ـ يأخذ بعين الاعتبار مصالح الدول المتخلفة ويسمح لها بالمشاركة في وضع قواعد القانون الدولي خاصة.
تأسيسا على هذا وبصفة غير متوقعة ومنتظرة، فقد تجد الجزائر نفسها بفعل وموقف مجلسها الدستوري، الذي قام بمراقبة قانون على ضوء معاهدات ملزمة بإتباع طريق لم تعهده واتخاذ موقف لم يتنبأ به مسبقا، وهذا ما يؤكده ويكرسه بالفعل دستور 1989 الذي جاء متمتعا بطابع دولي حسب مفهوم منطقي وعملي يأخذ بعين الاعتبار واقـع وتناقضات المـجتمع الدولي (2).
لكن وبالرغم من هذا، فإن التساؤل يظل قائما، لماذا إذن قام المؤسس الدستوري الجزائري بهذا الانفتاح الكبير خاصة وأن المادة 123 لم تشترط مبدأ المعاملة بالمثل كما يظهر ذلك من خلال المادة 55 من الدستور الفرنسي ؟
للإجابة على هذا التساؤل، لابد من الإشارة في بادئ الأمر، أن هذا الحل من وضع مجلس تولى تفسير المادة 123 تفسيرا حرفيا، ولم تضعه سلطات سياسية كثيرا ما تتميز مواقفها بالشك والحذر.
إلا انه بالرغم من هذا فلا يجب إطلاقا أن ننخدع بمثل هذا التساؤل، ذلك أن الأمر لا يتعلق هنا سوى بمعاهدات أدرجت ضمن القانون الوضعي بصفة قانونية، وليس بكل قواعد القانون الدولي، وهذا فان خطر تسرب قواعد دولية ضمن القانون الداخلي بفعل موقف المجلس الدستوري، وهو خطر أكثره وهمي، ذلك أن المؤسس الدستوري، "والمشرع التنظيمي" (3) قد اجتمعا واشتركا في وضع حواجز يصعب اجتيازها ما لم تتوافر شروط معينة في القاعدة الدولية، نذكر منها خاصة التعبير الإرادي الحر والصريح، وكل الإجراءات الداخلية المتطلبة.
ومن نتائج إقحام المعاهدة ضمن الكتلة الدستورية، سيجد المجلس الدستوري نفسه ملزما بمراقـبة مطابقـة القانـون "لكــل" المعـاهدات الـتي أبرمتــها الجــزائر، وتعــتبر


هذه المهمة شاقة ومضنية وعمليا متعذرة ومستحيلة (1).
ولكن يمكن في بادئ الأمر دفع هذا الرد كما أكد ذلك بعض الفقه بصدد قرار المجلس الدستوري الفرنسي، بأن المنازعات المرتبطة بالمعاهدات الدولية تظل نادرة، إلا أن هذا سوف لن يمنع أبدا إمكانية قيام مثل هذا المشكل بمناسبة إصدار كل قانون، وبهذا يظهر بوضوح بأن حجية ندرة المنازعات المتعلقة بالمعاهدات وهمية وغير مقبولة،وذلك على حد تعبير الفقه.
ـ أما النتيجة الأخيرة فتتمثل في السماح "للمواطن الجزائري" (2) الاعتماد على التدابير التعاهدية أمام جهات القضاء العادي، قد تبدو هذه النتيجة لأول وهلة من قبيل الأمور المبتذلة التي لا تستحق إشارة أو تأكيد ما دام أن التدابير التعاهدية بعد إدراجها ضمن القانون الوضعي ستكون مثلها مثل القواعد القانونية الداخلية.
في الحقيقة أن هذه النتيجة تهم جهات القضاء العادي أكثر مما تمس المتقاضين، بمعنى أن المجلس الدستوري- ومن خلال هذا الطرح- قد قام بدعوة هذه الجهات وسمح لها هي الأخرى بالاضطلاع بصلاحية مراقبة مطابقة القوانين على ضوء المعاهدات، وهذا أمر لم يفصح عنها المجلس الدستوري الفرنسي سوى بصفة جد محتشمة كما سبق ذكر ذلك.
وتأخذ هذه النتيجة كل أهميتها، خاصة عند العمل بأن هذه الجهات غالبا ما تنقصها الجرأة الكافية ويختلجها شك كبير عندما يتعلق الأمر بإتباع طريق مخالف لقانون غير دستوري، فدعوة القاضي الدستوري، تمثل بهذه الصفة، وفي هذا المجال، حجة قوية وأساسا قانونيا صلدا يسمحان لها بممارسة هذه الصلاحية دون أن تخاف تجاوز اختصاصاتها.
وكتقييم أول لهذه النتيجة، يمكن القول بأن المجلس الدستوري وبمبادرته هاته، قد حاول بصفة أو بأخرى تشجيع القاضي العادي تجاوز شكوكه وتأرجحه وبالتالي خوفه، وهذا، ويجب الإشارة في هذا الصدد، بأن هذا الأخير الذي لم يتخذ بعد موقفا من هذا الحل عند ممارسة مراقبته مطابقة القانون للمعاهدة، لا يعني أبدا قيامه بالبت في دستورية أو عدم دستورية قانـون



ما، وبالتالي القيام بإبطاله، فالمطلوب منه يتمثل فقط في عدم الاعتداد بقانون غير دستوري وعدم الاستناد إليه حاليا البت في المنازعات المعروضة عليه.
هذا، وكتقييم ثان وأخيرا لموقف المجلس الدستوري الجزائري، يمكن القول، بأن بعد هذا الموقف ومبتغاه الأخير، يتمثلان في محاولة إقامة مطابقة بين واقع عمل الجهات القضائية والمبدأ النظري الذي يحمله تمهيد الدستور والمتمثل في تكريس "دولة القانون".
ومن خلال كل هذا، يظهر جليا أن موقف المجلس الدستوري في هذا المجال، يبدو انه لا يخلو من التعقيدات، ولا ينجو من الانتقادات، إضافة إلى هذا، فإن المجلس الدستوري قد أكد أيضا أن المعاهدات لا تبدأ في إنتاج آثارها على المستوى الوطني إلا بعد نشرها في الجريدة الرسمية، وهذا التأكيد وإن كان يثير العديد من المشاكل كون الدستور لم ينص على دلك.
وتجدر الإشارة أن المجلس الدستوري رغم مراقبته بعدم دستورية الشرط المتعلق باشتراط الجنسية الأصلية لزوج المترشح للانتخابات الرئاسية، إلا أن المشرع أعاد هذا الشرط في أمر 19 جويلية 1995 المعدل لقانون الانتخابات لسنة 1989، وبدون أن يختر، قام المجلس الدستوري بتصريح عن طريق وسيلة الإعلام بتاريخ 26 جويلية 1995 (1)، حيث قال أنه بعد اجتماع المجل الدستوري بتاريخ 25 جويلية 1995، وبعد الإطلاع على الأمر المذكور يذكر بقراره السابق بتاريخ 20 أوت 1989 الذي صرح فيه اشتراط شهادة الجنسية الأصلية الجزائرية لزوج المترشح للانتخابات الرئاسية مخالف للدستور، ويطرح هذا العمل مسألة تدخل المجلس الدستوري تلقائيا في حالة إعادة حكم أو قانون راقبه من قبل، ليؤكد على آرائه أو قراراته، وأدى ذلك برئيس الدولة إلى إخطار المجلس الدستوري بعد خمسة أيام من التصريح الذي قام به المجلس الدستوري، وتضمن الإخطار مراقبة دستورية البند السادس من المادة 108 من أمر 1995 المعدل لقانون الانتخـابات لسنة 1989، وبهذه المناسبة صرح المجلس الدستوري (2)، أن قراراته نهائية وفورية وملزمة للسلطات العمومية. وفيما يخص إعادة شرط شهادة الجنسية الجزائرية الأصلية لزوج المترشح للانتخابات الرئاسية، ذكر المجلس أن هناك تجاهل لإلزامية قرار 20 أوت 1989، ولا داعي للفصل في ذلك مرة أخرى، ومعنى ذلك أن قراره الأول في 20 أوت 1989 ـ الذي ذكرناه سابقا ـ يطبق على ذلك.
وعلى سبيل المقارنة في مسألة مراقبة مطابقة القانون للمعاهدة، نجد المجلس الدستوري الفرنسي أخطر من طرف الرئيس الفرنسي سنة 1975 (1) على أساس المادة 91 من الدستوري الفرنسي لسنة 1958، التي تمنح المجلس اختصاص مراقبة دستورية القوانين، فطرح عليه أن يفصل إن كان القانون المتعلق بالإيقاف الإرادي للحمل مطابق أم لا للمادة الثانية من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان لسنة 1950، فرفض المجلس الدستوري الفصل في ذلك، وقال أن قرارات المجلس الدستوري المتخذة طبقا لنص المادة 61 من الدستور لها طابعا مطلقا ونهائيا وأن سمو المعاهدات المكرس في المادة 55 من الدستور الفرنسي لسنة 1958 لها طابعا نسبيا ومحتملا، واستنتج المجلس الدستوري في قراره هذا بأنه إذا كان هناك قانونا مخالفا لمعاهدة دولية لا يعد حتما مخالفا للدستور، وذكر القرار أن مراقبة احترام المبدأ المنصوص عليه في المادة 55 من الدستور الفرنسي لا يمكن ممارسته في إطار البحث المنصوص عليه في المادة 61 من الدستور الفرنسي لسنة 1958.
وانتهى قرار المجلس الدستوري الفرنسي بالتأكيد على أنه : "لا يحق للمجلس الدستوري عندما يخطر على أساس المادة 61 ... فحص مطبقة قانون على ضوء تدابير معاهدة، أو اتفاق دولي"، إلا أن تحليل المجلس الدستوري في قراره هذا حول الطبيعة النسبية والاحتمالية لمبدأ سمو المعاهدة على القانون، لقي رفض الأستاذ ريفو، بسبب أن الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان لا تخضع لشرط المعاملة بالمثل، ومن جهة أخرى، مبدأ سمو المعاهدة هو المبدأ الدستوري، فالنسبية والاحتمال يعنيان تطبيق المعاهدة من حيث الزمان (2).
وفي قرار آخر للمجلس الدستوري الفرنسي في 13 أوت 1993 المتعلق بدستورية القانون المتضمن التحكم في الهجرة (3)، يبدوا أن المجلس الدستور الفرنسي تقبل أن القانون الذي يصطدم بمعاهدة، يصطدم في نفس الوقت بالمادة 55 من الدستور الفرنسي لسنـة 1958


التي تنص على سمو المعاهدة على القانون، وعليه تكون مخالفة للدستور (1)، ويظهر ذلك من خلال تحليل المجلس الدستوري الفرنسي، عندما أكد سمو المعاهدات الدولية على القوانين الداخلية، حيث استنتج أن القانون المتضمن التحكم في الهجرة لسنة 1993 قد يتجاهل المادة 55 من الدستور الفرنسي إذا تخلى هذا القانون عن حق اللجوء، وأحكام اتفاقية جنيف لـ 28 جانفي 1951، وليس الأمر كذلك إذا تضمن هذا القانون احتمال رفض قبول اللجوء، وهذا بتحفظ لأحكام المادة 33 من اتفاقية جنيف لسنة 1951 المعدلة ببروتوكول نيويورك في 31 جانفي 1967، وأضاف المجلس الدستوري الفرنسي أن هذا التحفظ، يجب أن يفهم على أنه يشمل جميع شروط أحكام هذه الاتفاقية التي يمكن تطبيقها، وإلا القانون (قانون التحكم في الهجرة) قد يتجاهل المادة 55 من الدستور.
لكن رغم هذا التحليل الذي اتبعه المجلس الدستوري الفرنسي في قراره هذا، فيما يخص علاقة القانون الخاضع للرقابة الدستورية من جهة، وعلاقة المعاهدات بالمادة 55 من الدستور الفرنسي من جهة أخرى، فإنه أكد في نفس هذا القرار على أن : " تفحص الأحكام التي يتخذها المشرع لا يمكن أن تستمد بمقارنة بين أحكام القوانين المتتالية، أو مطابقة القانون مع ما تشترطه أحكام المعاهدات الدولية، وإنما ينتج ذلك عن مواجهة هذه الأخيرة مع متطلبات الطبيعة الدستورية لها ...".
وتجدر الملاحظة، أن ما نصت عليه اتفاقية جنيف لسنة 1951 له علاقة بما نصت عليه ديباجة الدستور الفرنسي لسنة 1946 حول حق اللجوء، والتي رجعت إليها كذلك ديباجة دستور 1958، وعندما رجع المجلس الدستوري الفرنسي في تحليل قراره إلى هذه الاتفاقية- في الحقيقة- رجع إلى ديباجة دستور 1946 التي لها قوة دستورية ملزمة، حيث أصدر المجلس الدستوري الفرنسي حكما في 16 جويلية 1971 (2) بعدم دستورية قانون مخالف لديباجة دستور 1958 التي تتضمن ديباجة دستور 1946، حيث نصت ديباجة الدستور الفرنسي لسنة 1958 على ما يلي : "الشعب الفرنسي يعلن ... تمسكه بحقوق الإنسان ... كما هي معرفة في إعلان سنة 1789 المؤكدة والمتممة بديباجة دستور 1946 ..."، وعلق الأستاذ "فرانسوا لاشوم" حول هذا القرار بقوله : "أنه يمكن الاستنتاج أن فحص مطابقة القانون للمادة 55 من الدستور الفرنسي تفترض أن القانون قابل للنزاع مع المعاهدة أو الاتفاقية، ومن خلال هذا، فان المجلس الدستوري يدخل بالضرورة، وبطريقة غير مباشرة، المعاهدة كنص مرجعي للرقابة الدستورية ولكن لا تدخل هذه المعاهدة إلا بواسطة المادة 55 من الدستور الفرنسي "(1)، ونتيجة لقرار المجلس الدستوري الفرنسي هذا ـ حسب فرانسوا لاشوم ـ جاء التعديل الدستوري الفرنسي في 25 نوفمبر 1993 الذي أدخل المادة 53 /1 محتواها "مهما كانت المعاهدات التي تبرمها فرنسا مع الدول الأوروبية في مجال اللجوء لسلطات الجمهورية، الحق دائما منح اللجوء لأي أجنبي مضطهد ... أو يطلب حماية فرنسا ".
وفي قرار آخر للمجلس الدستوري الفرنسي المتعلق بدستورية القانون المعدل لقانون الجنسية (2)، حيث تم إخطار المجلس على أساس أن هذا القانون تجاهل المادة 55 من الدستور الفرنسي، وقاعدة العقد شريعة المتعاقدين المستوحاة من ديباجة الدستور الفرنسي، وكذلك أن هذا القانون قد خرق أحكام الاتفاقية الجزائرية الفرنسية لسنة 1983 والمتعلقة بالتزامات الخدمة الوطنية، ورفض المجلس الدستوري الفرنسي في قراره هذا هذه الحجج، باعتبار أن : "القاعدة المنصوص عليها في المادة 55 من الدستور الفرنسي تلزم حتى في حالة سكوت القانون ويرجع لمختلف مؤسسات الدولة السهر في إطار اختصاصاتها على تطبيق المعاهدات الدولية طالما أن هذه الأخيرة سارية المفعول، وخلافا لما يتمسك به أصحاب الإخطار لا يوجد أي خرق في القانون، وعليه لا يمكن أن ينتج من خلال الحكم المحتج عليه تجاهل للسطر الرابع عشر من ديباجة دستور 1946 ...".
ويعود الأمر إذا حسب قرار المجلس الدستوري الفرنسي إلى القضاة العاديين أو الإداريين لتطبيق سمو المعاهدات على القانون، وفي حالة النزاع بين القانون المعدل لقانون الجنسية الفرنسية والاتفاقية الجزائرية الفرنسية لسنة 1983 تطبق أحكام الاتفاقية، ويستبعد تطبيق القانون المخالف لها (3).

وما يمكن قوله حول مراقبة مطابقة القانون للمعاهدة، أن المجلس الدستوري الفرنسي بقي يرفض الفصل في ذلك منذ قراره الصادر في سنة 1975.
أما برجوعه إلى اتفاقية جنيف لسنة 1951 المتعلقة باللاجئين وعديمي الجنسية والمعدلة ببروتوكول نيويورك في 31 جانفي 1967، فإن اللجوء السياسي منصوص عليه في ديباجة دستور 1946 (1)، التي رجع إليها دستور 1958 في ديباجته ـ كما ذكرنا ذلك سابقا ـ وبالتالي إدخال المعاهدات في الكتلة الدستورية الفرنسية، يبدو أنه يقبل ذلك من طرف المجلس الدستوري الفرنسي، إذا كانت المعاهدة مدسترة، وبالتالي فالرجوع إلى المعاهدة هنا هو الرجوع في نفس الوقت إلى الدستور، لأن المعاهدة المدسترة لها نفس قيمة الدستور، أما فيما يخص الاتفاقيات الثنائية، فلا يمكن أن تدخل في الكتلة الدستورية ولو بطريقة غير مباشرة، لأنه من غير المعقول إدخال كل المعاهدات الثنائية في ذلك، إضافة إلى أنها تعالج مسائل ظرفية (2).
ومنه فالمؤسس الدستوري الجزائري، و بالرجوع إلى الدساتير الجزائرية الأربعة - من جهة -، و إلى الممارسة الجزائرية – من جهة أخرى -، نجده قد تأثر بالمعاهدات الدوليــة ومنه تأثير هذه الأخيرة على التشريع بمختلف أنواعه3، كما نادى بذلك أصحاب مبدأ سمـــو المعاهدات الدولية على القانون الداخلي4.
وبحسب رأينا، وبالنظر إلى اغلب دساتير الدول، فان الدستور هو أسمى القوانين في النظام القانوني الجزائري الداخلي بما في ذلك المعاهدات الدولية، وذلك اعتمادا على مبدأ سمو الدستور وتدرج القواعد القانونية5، وتأتي المعاهدات في المرتبة الثانية، ثم القوانين العادية في المرتبة الثالثة من الهرم القانوني للدولة الجزائرية.







 

الأعضاء الذين قالوا بارك الله فيك/ شكراً لـ yacine414 على المشاركة المفيدة:
مساحة إعلانية
قديم 2011-11-25, 16:03   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
yacine414
عضو مميّز
 
إحصائية العضو









yacine414 غير متواجد حالياً


B10 الفصل الاول

الفصل الأول: المجلس الدستوري تنظيم وإختصاص
إن أول ظهور للمجلس الدستوري الجزائري كان في دستور 1963، ثم ظهر ثانية في دستور 1989 و دستور 1996، ونظم المؤسس الدستوري الجزائري المجلس الدستوري من خلال النظام المحدد لقواعده الصادر سنة 2000.
كما أن المؤسس الدستوري الجزائري اسند للمجلس الدستوري الجزائري مراقبة دستورية المعاهدات الدولية والقوانين والتنظيمات، وذلك بموجب نص المادة 165/1 من دستور 1996، حيث يفصل في ذلك إما برقابة سابقة أو برقابة لاحقة بالإضافة إلى اختصاصات أخرى.
ومنه قسمنا هذا الفصل إلى مبحثين:
- المبحث الأول: تنظيم المجلس الدستوري
- المبحث الثاني: اختصاصات المجلس الدستوري














المبحث الأول: تنظيم المجلس الدستوري
سنتناول في هذا المبحث تسمية المجلس الدستوري، وتشكيلته(أعضائه)،وكيفية إخطاره
وكذلك طبيعته وفقا للتقسيم المنهجي الآتي:
المطلب الأول: تسمية المجلس الدستوري.
المطلب الثاني: تشكيلة المجلس الدستوري.
المطلب الثالث: طبيعة المجلس الدستوري.
لأن ذلك يعطي فكرة حول طبيعته والنتائج المترتبة عن ذلك، بالإضافة إلى محاولة إزالة اللبس حول طبيعة المجلس الدستوري من خلال تحليل تشكيلته، وكذلك بيان طبيعته وفقا للمؤسس الدستوري الجزائري وما اتبعه في الدساتير الأربعة (1963،1976،1989،1996) .
المطلب الأول: تسمية المجلس الدستوري
تعود فكرة إنشاء المجلس الدستوري تحت هذه التسمية "المجلس الدستوري" إلى ما بعد الاستقلال مباشرة، وتبناها المؤسس الدستوري الجزائري عند وضعه لدستور 1963 1، وتخلى المؤسس الدستوري لسنة 1976 عن إنشاءه إلى غاية صدور دستور 1989، حيث أنشأ المجلس الدستوري الذي يكلف بالسهر على احترام الدستور حسب المادة 153 منه، واحتفظ دستور 1996 بنفس التسمية من خلال نص المادة 163 منه.
وبذلك أخذ المؤسس الدستوري الجزائري هذه التسمية من الدستور الفرنسي لسنة 1958، الذي احتفظ بهذه التسمية منذ دستور السنة الثامنة لإعلان الجمهورية الفرنسية لعام 1799، ماعدا تسمية "اللجنة الدستورية" في دستور 1946 2، وفي مسألة الرقابة الدستورية اختلفت الدول في تسمية الجهاز المكلف بالحرص على عدم مخالفة الدستور، فمنها من أوكل هذا الدور إلى القضاء العادي كما هو الشأن في الولايات المتحدة الأمريكية، أو محكمة مختصة تدعى "المحكمة الدستورية" كما هو الشأن في دستور يوغسلافيا لسنة 1962، أو في دستور العراق لسنة 1968، أو دستور النمسا لسنة 1920 وهناك من الدول من أوكل هذه المهمة إلى "المجلس الدستوري" كما هو الحال في الجزائر وفرنسا، وهذه التسمية الأخيرة أثارت جدلا فقهيا حول طبيعة المجلس الدستوري، هل هي قضائية أم سياسية ؟ وينعكس ذلك على دور هذا الجهاز كما سيتم توضيحه في المطلب الثالث.
المطلب الثاني : تشكيلة المجلس الدستوري.
تجدر الإشارة، أولا، أن المجلس الدستوري في دستور 11963، الذي لم يتشكل ولم يمارس مهامه بسبب استعمال المادة 59 من الدستور المتعلقة بالحالة الاستثنائية، خصص مادتين فقط للمجلس الدستوري الذي جاء تحت هذه التسمية، فنصت المادة 64 منه على إخطار المجلس من طرف رئيس الجمهورية، أو رئيس المجلس الوطني، وذلك فيما يخص مراقبة القوانين والأوامر التشريعية، ولم تذكر هذه المادة الرقابة الدستورية على المعاهدات الدولية، كما لم توضح نوع الرقابة، هل هي رقابة سابقة أو رقابة لاحقة ؟.
أما فيما يخص أعضاء المجلس الدستوري، فعددهم سبعة حسب نص المادة 63 من دستور 1963، التي نصت على "يتكون المجلس الدستوري من الرئيس الأول للمحكمة العليا ورئيسا الغرفة المدنية والإدارية في المحكمة العليا، وثلاث نواب يعينهم المجلس الوطني وعضو يعينه رئيس الجمهورية، وينتخب أعضاء المجلس الدستوري رئيسهم الذي له صوت مرجح" وما يلاحظ على دستور 1963، أنه لم يحدد مدة العضوية لأعضاء المجلس الدستوري، ولا الأجل المحدد للفصل في دستورية القوانين، ولا العدد المطلوب كحد أدنى لأعضائه عند الفصل في دستورية القوانين أو الأوامر التشريعية بعد الإخطار، وروعي في تشكيلة المجلس الدستوري جانب التخصص، بمعنى (ثلاثة قضاة)، وجانب التمثيل السياسي (ثلاث نواب + عضو معين من طرف رئيس الجمهورية)، وتجدر الإشارة هنا، أن المجلس الوطني يعين النواب الثلاثة ولا ينتخبهم، ونطرح سؤال هنا : كيف يمكن للمجلس الوطني أن يعين النواب الثلاثة للعضوية في المجلس الدستوري ؟ هل يتم ذلك من طرف رئيس المجلس الوطني أم ماذا ؟، غير أن عدم تشكيل المجلس الدستوري سنة 1963 يعود سببه إلى تجميد دستور 1963.
أما دستور1989 1، فأخذ بنفس العدد أي سبعة أعضاء، ثلاثة يعينهم رئيس الجمهورية بما فيهم رئيس المجلس الدستوري، واثنان ينتخبهم المجلس الشعبي الوطني، واثنان تنتخبهما المحكمة العليا من بين أعضائها، حسب نص المادة154، وما يلاحظ على هذه المادة أن انتخاب العضوين من طرف المجلس الشعبي الوطني لم يحدد النص أن يكونا من النواب كما فعل بالنسبة للمحكمة العليا، أو يكونا العضوين من بين أعضائها ويستثنى بذلك قضاة المجالس القضائية وقضاة المحاكم التابعة لها، لكن في الواقع لم يسبق أن انتخب المجلس الشعبي الوطني خارج أعضائه للعضوية في المجلس الدستوري.
أما دستور1996 2 فوسع العدد إلى تسعة أعضاء حسب نص المادة 164 منه، حيث أن نصيب السلطة التنفيذية في تشكيل المجلس الدستوري ثلاثة أعضاء من بينهم رئيس المجلس يعينهم رئيس الجمهورية، ونصيب البرلمان بغرفتيه أربعة أعضاء، حيث ينتخب المجلس الشعبي الوطني اثنان، ومجلس الأمة اثنان، وعضو واحد تنتخبه المحكمة العليا، وعضو آخر ينتخبه مجلس الدولة، وتجدر الإشارة هنا كذلك، أن انتخاب الأعضاء الأربعة من البرلمان والعضوين من كل من المحكمة العليا ومجلس الدولة للعضوية في المجلس الدستوري، لم يشير النص الدستوري صراحة أن يكون هؤلاء بالضرورة نوابا، أو قضاة في المحكمة العليا ومجلس الدولة، وبالتالي هل يمكن مثلا للمحكمة العليا أن تنتخب عضوا من القضاة العاديين من المجالس القضائية ؟ أو لمجلس الدولة أن ينتخب قاضيا إداريا من المحاكم الإدارية ؟، ونفس السؤال حول انتخاب الأعضاء الأربعة من طرف البرلمان للعضوية في المجلس الدستوري، فهل يمكن لهؤلاء أن يكونوا من خارج البرلمان ؟.
وأعضاء المجلس الدستوري ـ سواء منهم المعينين أو المنتخبين ـ يتوقفون عن ممارسة أي عضوية أو أي وظيفة أو مهام أخرى، أو تكليف، ومدة عضويتهم ستة سنوات غير قابلة للتجديد، على أن يجدد نصف عددهم كل ثلاث سنوات عن طريق القرعة، حسب ما نصت عليه المادة 164/4 من دستور 1996، أما مدة عضوية رئيس المجلس الدستوري ستة سنوات كاملة غير قابلة للتجديد حسب الفقرة الثالثة من المادة 164، فهو طبعا لا يخضع لتجديد نصف أعضاء المجلس الدستوري كل ثلاثة سنوات، لأن تشكيلته فردية، أما السبب الرئيسي له علاقة بالمادة 88 من دستور 1996، بمعنى في حالة الشغور النهائي لرئاسة الجمهورية، وحصول المانع لرئيس مجلس الأمة ففي هذه الحالة يتولى رئيس المجلس الدستوري مهام رئيس الدولة ولا يمكنه الترشح لرئاسة الجمهورية.
وعدم تجديد عضوية أعضاء المجلس الدستوري لولاية أخرى، حسب الأستاذ "سعيد بوالشعير" 1، لها مزايا وتتماشى واستقلالية المجلس، بحيث يكون العضو مطالبا بأداء مهمته بكل موضوعية، وان مجاملة أي جهة لا تحقق له الاستمرار بالبقاء في ذلك المنصب بعد انتهاء المدة المحددة دستوريا.
ونص النظام المحدد لقواعد عمل المجلس الدستوري لسنة 2000 2 في الباب الخامس المخصص للقواعد المتعلقة بأعضاء المجلس الدستوري، في المواد من 54 إلى 58 من هذا النظام، على تقييد أعضاء المجلس الدستوري بإلزامية التحفظ، وعدم اتخاذ أي موقف علني في المسائل المتعلقة بمداولات المجلس الدستوري، وإذا أصبحت الشروط المطلوبة لممارسة مهمة أحد أعضائه غير متوفرة، أو عندما يخل بواجباته إخلالا خطيرا، يعقد المجلس الدستوري اجتماعا بحضور كل أعضاءه، ويفصل إثر المداولة بالإجماع في قضية العضو المعني دون حضوره، وإذا سجل عليه إخلالا خطيرا يطلب المجلس الدستوري منه تقديم استقالته، ويشعر بذلك السلطة المعنية قصد استخلافه تطبيقا للمادة 57 من النظام المحدد لقواعد عمل المجلس الدستوري، التي تنص على "يترتب على وفاة عضو في المجلس، أو استقالته أو حصول مانع دائم له، إجراء المجلس الدستوري مداولة تبلغ نسخة منها إلى رئيس الجمهورية وحسب الحالة إلى رئيس المجلس الشعبي الوطني، أو رئيس مجلس الأمة، أو رئيس المحكمة العليا، أو رئيس مجلس الدولة".
وحسب هذه المادة، فإن رئيس الجمهورية يعلم باستعمال المادة 57 لأي عضو من أعضاء المجلس الدستوري، في حين أن رئيس المجلس الشعبي الوطني لا يعلم إلا إذا مست هذه المادة أحد العضوين المنتخبين من طرف المجلس الشعبي الوطني، ونفس الأمر في الإعلام بالنسبة لرئيس مجلس الأمة، حيث يعلم هذا الأخير إلا إذا كان الأمر يتعلق بأحد العضوين المنتخبين من طرف مجلس الأمة، ونفس الإجراء يطبق في إعلام رئيس المحكمة العليا ورئيس مجلس الدولة.
ونتساءل هنا عن سبب عدم استعمال المادة 57 لإعلام عضو من المجلس الدستوري واقتصار إبلاغ رئيس الجمهورية فقط بذلك، ويبدو أن السبب في ذلك يرجع إلى أن رئيس الجمهورية هو حامي الدستور وفقا لنص المادة 70 الفقرة الثانية من دستور 1996، أما فيما يخص رئيس مجل الأمة ورئيس المجلس الشعبي الوطني، فيبدو أن المجلس الدستوري قد يقصد بعدم إعلامهما أن هناك استقلالية بينهما وبين المجلس الدستوري، ودور البرلمان هو انتخاب الأعضاء التي يتكون منها المجلس الدستوري حسب حصة كل من الغرفتين المحددة بالدستور وبالتالي عندما يعلم رئيس المجلس الشعبي الوطني بتطبيق نص المادة 57 من النظام الداخلي للمجلس الدستوري، فذلك من أجل استخلاف العضو المتوفي أو الذي قدم استقالته فقط لا غير ويتم استخلاف العضو من طرف الجهة التي عينته أو انتخبته خلال الخمسة عشر يوما التي تعقد التبليغ بوفاة عضو المجلس الدستوري، أو استقالته تطبيقا لنص المادة 56/2 من نظام المجلس الدستوري، أو حصول مانع دائم له، ولم يوضح المجلس الدستوري الحالات التي تعتبر إخلال خطيرا لواجبات العضو، ويبدو أن المجلس الدستوري له السلطة التقديرية في ذلك، علما أن العضو الذي يطلب منه المجلس تقديم استقالته تطبيقا لنص المادة 56 من النظام الداخلي الخاص بالمجلس الدستوري لا يملك أي طعن.
وعلى سبيل المقارنة، يتكون أعضاء المجلس الدستوري الفرنسي حسب نص المادة 56 من الدستور الفرنسي لسنة 1958 من تسعة أعضاء1، بالإضافة إلى رؤساء الجمهورية السابقين، فيما يخص التسعة أعضاء يعين منهم رئيس الجمهورية الفرنسية ثلاثة أعضاء من بينهم رئيس المجلس الدستوري، وثلاثة أعضاء يعينهم رئيس الجمعية الوطنية، وثلاثة أعضاء يعينهم مجلس الشيوخ، ومدة العضوية تسعة سنوات غير قابلة للتجديد، ويتجدد الأعضاء بالثلث كل ثلاثة سنوات، ولم يستثنى رئيس المجلس الدستوري الفرنسي من التجديد حسب هذه المادة أما رؤساء الجمهورية السابقين فعضويتهم مدى الحياة، ورئيس المجلس الدستوري الفرنسي له صوت مرجح في حالة تعادل الأصوات، حسب الفقرة الأخيرة من نص المادة 56 من الدستور الفرنسي.
ومنعت المادة 57 من الدستور الفرنسي لسنة 1958 على أعضاء المجلس الدستوري الجمع بين وظيفة العضوية في المجلس الدستوري ووظيفة وزير أو النيابة البرلمانية، وأحالت هذه المادة إلى قانون عضوي يحدد مجالات أخرى لا تتلاءم مع العضوية في المجلس الدستوري الفرنسي، ويختلف الدستور الجزائري عن الدستور الفرنسي في ذلك، من حيث مدة العضوية ومن حيث المخولين لهم حق تحريك المجلس الدستوري.
المطلب الثالث: طبيعة المجلس الدستوري الجزائري
يقصد بطبيعة المجلس الدستوري الجزائري، هل هو هيئة قضائية أم سياسية ؟، وينتج عن تلك الحالتين نتائج مختلفة باختلاف طبيعة الجهاز القائم بالرقابة الدستورية وطبيعة وظيفته، ويظهر الاختلاف من حيث الإخطار، أو تحريك الدعوى، أو تمكين الأفراد حق اللجوء إلى ذلك الجهاز إذا مست مصالحهم نتيجة القانون المخالف للدستور.
والمؤسس الدستوري الجزائري سكت عن وصف لطبيعة جهاز المجلس الدستوري، فلم ينص على هذا الجهاز في الفصل المخصص في الدستور للسلطة القضائية، فيكون بذلك جزء منها، وإنما وضعه في الفصل المخصص للرقابة 1، كما سكت عن طبيعة وظيفة المجلس الدستوري، فلم يمنح المؤسس الدستوري الرقابة الدستورية إلى القضاء العادي كما هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية، كندا، المكسيك، أستراليا والبرتغال، حيث يتمكن الأفراد أمام القضاء العادي بالدفع بعدم دستورية القانون، أو المطالبة بإلغائه بالدعوى الأصلية، كما هو الحال في سويسرا التي أسند دستورها لسنة 1874 هذا الدور إلى محكمة قضائية عليا، وأسندت ذلك إيطاليا إلى محكمة دستورية في دستورها لسنة 1947 1، وإن كانت معظم الدول التي تأخذ بالرقابة الدستورية، بينت في دساتيرها طبيعة الجهاز القائم في الرقابة الدستورية، أنه جهاز قضائي كما هو الحال في دستور النمسا لسنة 1920، حيث جاءت تسمية الجهاز في هذا الدستور "المحكمة الدستورية العليا"، أو إيطاليا ـ كما هو مبين أعلاه ـ ونفس الشيء بالنسبة لإسبانيا في دستورها لسنة 1978، حيث جاءت تسمية الجهاز "المحكمة الدستورية"، وكذلك ألمانيا في دستورها لسنة 1949 "المحكمة الدستورية الفيدرالية".
فالملاحظ أن المؤسس الدستوري الجزائري لم يؤسس المجلس الدستوري في صفة الجهاز القضائي، ونفس الشيء بالنسبة لفرنسا، مما أدى بالفقه في هذا البلد على الاعتكاف لكشف طبيعة المجلس الدستوري الفرنسي، وتجدر الإشارة أن فكرة الرقابة الدستورية في فرنسا ترجع إلى الفقيه "سييز" (Sieyès)، الذي طالب بإنشاء هيئة سياسية، مهمتها إلغاء القوانين المخالفة للدستور، وذلك قبل صدورها (بمعنى رقابة وقائية) 2، واختلف الفقه الفرنسي في البداية حول طبيعة المجلس الدستوري الفرنسي، لكن حاليا حسمت المسألة بالاعتراف بالطبيعة القضائية للرقابة الدستورية في فرنسا من غالبية الفقه، وذلك نظرا إلى قرارات المجلس التي لها قوة الشيء المقضي به، حسب ما جاء في المادة 62 الفقرة الثانية منها في الدستور الفرنسي لسنة 1958، حيث نصت "قرارات المجلس الدستوري غير قابلة للاستئناف وملزمة للسلطات العمومية، ولكافة السلطات الإدارية والقضائية"، علما أن المجلس الدستوري الفرنسي له رقابة وقائية (رقابة سابقة)، واستعمل مصطلح القرار (Décision)، وليس الرأي كما هو الحال في دستور الجزائر إذا كانت الرقابة سابقة. ومن خلال هذا لم يعد يعتمد غالبية الفقه الفرنسي أن الرقابة الدستورية السابقة تمارس بواسطة هيئة سياسية، والرقابة اللاحقة بواسطة هيئة قضائية 3
وفيما يخص الجزائر، يقول الأستاذ نوري مرزة جعفر في تعليقه عن المجلس الدستوري الجزائري 4، أنه ذو طبيعة سياسية وليس هيئة قضائية، ويستشهد في ذلك أنه لم يكن هناك مانع قانوني أو سياسي أن يأخذ المؤسس الدستوري بأسلوب الرقابة القضائية صراحة، مع تسمية المجلس بالمحكمة الدستورية، وبذلك يمنح الأفراد حق اللجوء إليها على أساس ما جاء في المادة 131 من دستور 1989 (تقابلها المادة 140 من دستور 1996)، حيث ان "أساس القضاء مبادئ الشرعية والمساواة، الكل سواسية أمام القضاء، وهو في متناول الجميع ..."، ويستشهد كذلك في قوله بأن أعضاء المجلس الدستوري يحتمل انتخاب أو تعيين عدد معين منهم من حزب سياسي بالإضافة إلى مدة العضوية التي لا تنطبق مع وظيفة القاضي، وينتهي الأستاذ "نوري مرزة جعفر" في تعليقه إلى استبعاد المعاهدات أو الاتفاقيات من الرقابة اللاحقة على التصديق.
لكن ما يمكن قوله في هذا الصدد، أن تسمية "المجلس الدستوري" كتسمية لا تطرح مشاكل في حد ذاتها، لان مجلس الدولة لا تطرح تسميته أية مشكلة في كونه جهاز قضائي وجزء من السلطة القضائية يتمتع بالاستقلالية، علما أن المجلس الدستوري الفرنسي لم يعد ينظر إلى تسميته، وحتى كونه يختص فقط بالرقابة الدستورية السابقة لمعرفة طبيعة جهازه، ووظيفة هذا الجهاز، وفي نفس هذا الاتجاه، فتح الأستاذ" أحمد محيو" الطريق للبحث في طبيعة المجلس الدستوري الجزائري عندما تعرض للقيمة القانونية لرأي المجلس الدستوري واعتبر أن "الرأي" له نفس قيمة "القرار"، وأن المجلس الدستوري يفصل في الرأي كجهاز قضائي1 ، وذلك حسب قرارات وآراء المجلس الدستوري التي تكتسب قوة الشيء المقضي به اعتمادا على المادة 169 من الدستور، وإن كان الدستور الجزائري، لم يتطرق صراحة لقوة الشيء المقضي به بالنسبة لقرارات وآراء المجلس على غرار ما فعله الدستور الفرنسي (المادة 62 الفقرة الثانية)، حيث أكد، أن قرارات المجلس الدستوري غير قابلة للاستئناف، وملزمة لكافة السلطات العمومية والإدارية والقضائية، وهذه الثغرة في الدستور الجزائري سدها المجلس الدستوري 2، عندما أخطر لمراقبة أمر 19 جويلية 1995 المعدل والمتمم لقانون الانتخابات لسنة 1989، حيث صرح المجلس الدستوري بعدم دستورية اشتراط الجنسية الأصلية للمترشح للانتخابات، علما أن المجلس الدستوري راقب من قبل ذلك سنة 1989، وصرح بمناسبة إخطاره للأمر المذكور أعلاه في قراره سنة 1995 3، بقوة الشيء المقضي به وذلك بقوله ان "قرارات المجلس الدستوري نهائية وفورية التنفيذ وملزمة لكافة السلطات العمومية "،وأضاف أن" قراراته تنتج باستمرار أثرها طالما لم يعدل الدستور ...".
وأخيرا، تطرق المجلس الدستوري في نظامه المحدد لقواعد عمله في سنة 2000 إلى مسألة قوة الشيء المقضي به، التي لم ينص عليها الدستور الجزائري صراحة، فنصت المادة 49 من هذا النظام تحت عنوان "حجية آراء وقرارات المجلس الدستوري" في الباب الثالث المخصص فقط لهذه المادة بقولها: "آراء وقرارات المجلس الدستوري ملزمة لكافة السلطات العمومية، والقضائية والإدارية، وغير قابلة لأي طعن "وما يلاحظ أن هذه المادة منحت الرأي نفس قيمة القرار وبالتالي رأي المجلس الدستوري ينتج نفس أثر قراره 1، ولهما نفس قوة أو حجية المقضي به، فكلاهما ملزم وغير قابل لأي طعن، وجاءت هذه المادة بنفس صيغة المادة 62الفقرة الثانية منها من الدستور الفرنسي، الذي منح قرارات المجلس الدستوري الفرنسي قوة الشيء المقضي به، وتجدر الإشارة أن حجية الشيء المقضي به 2، تم النص عليها في المادة 164 من الدستور الإسباني، التي نصت على: "أحكام المحكمة الدستورية ... لها قوة الشيء المقضي به من اليوم الذي يلي نشرها، وهي غير قابلة للطعن"، ونصت المادة 140الفقرة السابعة من دستور النمسا على: "إذا أبطل قانون لعدم دستوريته، أو قضت المحكمة الدستورية بعدم دستورية قانون فهذه القرارات ملزمة لكافة الجهات القضائية والسلطات الإدارية".
أما الدستور الألماني فنص في المادة 92 منه على: "سلطة القضاء يعهد بها للقضاة تمارسها المحكمة الدستورية الفيدرالية ..."، وبطبيعة الحال قوة الشيء المقضي به الممنوحة للقرار تجعله قرارا قضائيا ملزما.
والبحث عن طبيعة المجلس الدستوري الجزائري، سواء من حيث طبيعة جهازه هل هو سياسي ـ استشاري ـ أم قضائي ؟، وبطبيعة وظيفته (الرقابة الدستورية) هل هي سياسية أم قضائية ؟ يعتبر من المسائل الهامة، حيث انه إذا كانت الرقابة الدستورية قضائية أم لها طابع قضائي، فقرارات المجلس إذن في هذه الحالة تتمتع بقوة الشيء المقضي به وتلزم على السلطات العمومية 3، ويبدو أن عدم توضيح ذلك من طرف المؤسس الدستوري الجزائري يرجع إلى كون المجلس الدستوري من جهة، هو جهاز قضائي عندما يقوم بالرقابة الدستورية وبإجراءات قضائية في إطار المادة 165 من دستور 1996، وكذلك فيما يخص صحة عمليات الاستفتاء وانتخاب رئيس الجمهورية والانتخابات التشريعية في إطار المادة 163 الفقرة 2 منها من نفس الدستور، فيفصل في الطعون المتعلقة بذلك 1، ومن جهة أخرى هو جهاز مكلف بالتحقق من مدى وجود مانع لرئيس الجمهورية، ويستشار كذلك في إطار حالات خاصة 2.
المبحث الثاني:إخطار المجلس الدستوري وإختصاصاته
إن المجلس الدستوري له إختصاصات عديدة وذلك حسب دستور 1996،لاسيما نص المادة 163والمادة165/1 منه،حيث أنه لا يقوم بهذه الإختصاصات إلا بموجب إخطار من رئيس الجمهورية أو أحد رئيسي البرلمان (رئيس المجلس الشعبي الوطني أو رئيس مجلس الأمة) بالإضافة إلى إختصاصات أخرى.
وقد قسمنا هذا المبحث إلى مطلبين هما:
المطلب الأول: تحريك المجلس الدستوري الجزائري(إخطاره).
المطلب الثاني:إختصاصات المجلس الدستوري.
المطلب الأول: تحريك المجلس الدستوري الجزائري (إخطاره)
إن مسألة إخطار المجلس الدستوري3 في مراقبته لدستورية القوانين، والقوانين العضوية، والتنظيمات، والمعاهدات، والأنظمة الداخلية للبرلمان، حكرا على رئيس الجمهورية، أو رئيس المجلس الشعبي الوطني، أو رئيس مجلس الأمة.
وهذا الاحتكار الذي لم يوسعه المؤسس الدستوري إلى رئيس الحكومة وعددا معينا من نواب كل من غرفتي البرلمان، قد تكون أسبابه التخوف من المبالغة في إخطار المجلس الدستوري من طرف المعارضة داخل البرلمان، ومن رئيس الحكومة خاصة إذا كان هذا الأخير لا ينتمي إلى حزب رئيس الجمهورية، أو قد يكون السبب في اعتبار المؤسس الدستوري إخطار المجلس الدستوري بمثابة نزاع.
فـــي حـــين أن إخـــطار المـــجلس الدســـتوري مـــا هــــو إلا احـــتمال عـــدم دستورية نص، حــيث يفــصل المجلـــــس
الدستوري بدستوريته أو عدم دستوريته، والمقصود هنا هو النص وليس نزاع بين مشروع النص أو من أصدره أو من كان وراء الإخطار، و في دول عديدة بدأت المناقشات حول توسيع الإخطار إلى الأفراد،أما في الجزائر ذلك محصورا على الأجهزة السياسية فقط، ويرجع حق الإخطار في ألمانيا إلى الحكومة الفيدرالية وحكومة كل مقاطعة وثلاث أعضاء الباندستاغ (BUNDESTAG)، وكذلك يعود الإخطار إلى المحاكم الألمانية بطريقة استثنائية1.
أما في فرنسا، نصت المادة 61 /2 من دستور 1958، على حق الإخطار لكل من رئيس الجمهورية، أو الوزير الأول، أو رئيس الجمعية الوطنية، أو رئيس مجلس الشيوخ، أو ستون (60) عضوا بالجمعية الوطنية، أو ستون (60)عضوا بمجلس الشيوخ، علما أن الأعضاء الستين في الجمعية الوطنية والأعضاء الستين في مجلس الشيوخ، توسع الإخطار إليهم سنة 1974، وهناك اتجاه قوي من طرف أغلبية الأحزاب والشعب يعمل على إقرار قاعدة تمكين المواطنين من حق اللجوء إلى المجلس الدستوري2.
ويكون رد المجلس الدستوري الفرنسي بعد إخطاره خلال شهر، غير أنه تقلص مدة الرد إلى ثمانية أيام في حالة الاستعجال، ويكون ذلك بناء على طلب الحكومة (هذا فيما يخص القوانين)، أما الإخطار بشأن المعاهدات نصت عليه المادة 54 من الدستور الفرنسي، ويختص بذلك حسب هذه المادة نفس المخولين بإخطار المجلس الدستوري في الرقابة على دستورية القوانين المشار إليهم في المادة 61 من الدستور الفرنسي.
أما عن نظام الإخطار بالجزائر، فقد نظمه النظام المحدد لقواعد عمل المجلس الدستوري الجزائري لسنة 2000 3، فتتم هذه الإجراءات طبقا للمادتين 165 (الفقرة الثانية والثالثة) و166 من دستور 1996.
حيث أن المجلس الدستوري الجزائري يتم إخطاره بالنسبة للرقابة على دستورية القوانين، والقوانين العضوية والتنظيمات، والنظام الداخلي لكل من غرفتي البرلمان4 والمعاهدات، وهذا بمعنى أن المجلس الدستوري الجزائري لا يختص بالرقابة الدستورية في هذه المسائل إلا بناء على إخطاره من طرف رئيس الجمهورية، أو أحد رئيسي غرفتي البرلمان وترفق رسالة الإخطار بالنص ثم يعرض على المجلس الدستوري لإبداء الرأي، أو اتخاذ القرار بشأنه، وتسجل لدى الأمانة العامة للمجلس الدستوري في سجل الإخطار ويسلم إشعار باستلامها ويبدأ حساب سريان الأجل المحدد في نص المادة 167 من الدستور، وهي عشرين يوما لإبداء الرأي أو إصدار القرار من التاريخ المبين في إشعار الاستلام، ولا تطبق هذه المدة على المادة 97، حيث تكون البلاد خاضعة لنص المادة 96 من دستور 1996 التي نصت على:"يوقف العمل بالدستور مدة حالة الحرب ..."، فيكون إبداء الرأي من طرف المجلس الدستوري في إطار المادة 97 فوريا، وهذا ما نصت عليه المادة 52 من نظامه الداخلي لسنة 2000.
وما يلاحظ عن مدة العشرين يوما المنصوص عليها في المادة 167/1 من دستور 1996، أن المؤسس الدستوري الجزائري لم يجعل لها استثناءات في الحالات الاستعجالية كما هو منصوص عليه في الدستور الفرنسي، حيث تقلص مدة رد المجلس الدستوري الفرنسي إلى ثمانية أيام من أصل شهر (حسب نص المادة 61/3 من الدستور الفرنسي لسنة 1958).
وبمجرد إخطار المجلس الدستوري الجزائري، يشرع هذا الأخير في رقابة مطابقة النص المعروض عليه، ويعين رئيس المجلس الدستوري بمجرد تسجيل رسالة الإخطار مقررا من بين أعضاء المجلس يتولى تحضير مشروع الرأي أو القرار، ويجمع الوثائق المتعلقة بالملف مع إمكانية استشارة أي خبير يختاره المقرر، ويسلم نسخة من ملف موضوع الإخطار ومشروع الرأي أو القرار إلى رئيس المجلس الدستوري، وإلى كل عضو في المجلس. ويجتمع المجلس الدستوري بناء على استدعاء من رئيسه، ويمكن أن ينوب أحد الأعضاء رئيس المجلس الدستوري باختيار هذا الأخير له في حالة حصول مانع لرئيس المجلس الدستوري، ولا يفصل المجلس في أية قضية إلا بحضور سبعة من أعضائه على الأقل، ويتداول المجلس الدستوري وفق ما نصت عليه المادة 167 من دستور 1996 في جلسة مغلقة، وفي حالة تساوي الأصوات يكون رئيس المجلس الدستوري أو رئيس الجلسة مرجحا، وقد يحدث في حالة واحدة فقط عند اجتماع المجلس الدستوري بثمانية أعضاء وتساوي الأصوات، ويوقع الرئيس والأعضاء الحاضرين آراء المجلس الدستوري أو قراراته، مع تعليلها وإصدارها باللغة العربية، وتبلغ إلى رئيس الجمهورية سواء صدر منه الإخطار أم لا، أما رئيس مجلس الأمة أو رئيس المجلس الشعبي الوطني، إلا إذا كان الإخطار صادرا من أحدهما حسب الحالة، وترسل آراء وقرارات المجلس الدستوري إلى الأمين العام للحكومة لنشرها في الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية وبذلك يتم علم الجميع بآراء أو قرارات المجلس الدستوري، وحول عدم تبليغ رئيس مجلس الأمة قبل نشر الرأي أو القرار إلا إذا كان وراء الإخطار، يقول الأستاذ "سعيد بوالشعير" أن هذا التمييز ليس له ما يبرره سواء تعلق الأمر بالقوانين أو التنظيمات أو بالمعاهدات الدولية وصحيح أن رئيس الجمهورية مكلف بحماية الدستور ورئيس للسلطة التنفيذية، مما يتطلب تبليغه، لكن السلطة التشريعية لها أيضا أن تعرف مبررات المجلس الدستوري في رأيه أو قراره أسوة بالسلطة التنفيذية قبل النشر في الجريدة الرسمية 1.
ونشير هنا أن قول الأستاذ "سعيد بوالشعير" جاء تعقيبا على نص المادة 14 من النظام المحدد لإجراءات عمل المجلس الدستوري لسنة 1989، حيث لم تكن السلطة التشريعية متكونة من غرفتين (المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة)، علما أن النظام المحدد لقواعد عمل المجلس الدستوري لسنة 2000 أبقى على ذلك في نص المادة 22 منه، وكل ما فعله أنه سوى بين رئيس مجلس الأمة ورئيس المجلس الشعبي الوطني في عدم إعلانهما، حيث يعلم فقط أحدهما إلى جانب رئيس الجمهورية كما جاء في نص المادة 22التي نصت على: "يبلغ الرأي أو القرار إلى رئيس الجمهورية، كما يبلغ إلى رئيس المجلس الشعبي الوطني أو رئيس مجلس الأمة إذا كان الإخطار صادرا من أحدهما".
وما يمكن قوله هنا هو، هل يمكن سحب النص بعد إخطار المجلس الدستوري وبعد تبليغ الرأي أو القرار إلى من كان وراء الإخطار ؟ ـ وهذا طبعا قبل النشر في الجريدة الرسمية ـ وإن كانت الإجابة بالسلب، فلماذا إذن يبلغ الرأي أو القرار خاصة أن مدة النشر لا تتجاوز 20 يوما من تاريخ الإخطار ؟، وهذه المسألة لم يتطرق لها النظام المحدد لقواعد عمل المجلس الدستوري لسنة 2000.
وعلى صعيد آخر، ونحن نعالج هذا المطلب الأول، يجدر بنا التعليق على الإخطار الذي يقوم به رئيس الجمهورية للمجلس الدستوري في حالة الرقابة على دستورية المعاهدات الدولية حيث أن رئيس الجمهورية في هذه الحالة لا يقوم بإخطار المجلس الدستوري لسبب واضح وهو أن رئيس الجمهورية نفسه هو الذي صادق على تلك المعاهدة، وكان من اللائق عليه طلب استشارة المجلس الدستوري حول مدى دستورية أي معاهدة دولية أو اتفاقية أو اتفاق قبل المصادقة عليها، وفي هذا الصدد نلاحظ ما يلي:
إن إخطار المجلس الدستوري من طرف رئيس الجمهورية يكون فعالا جديا بالنسبة للرقابة السابقة للمعاهدات الدولية، أي قبل أن تتم المصادقة عليها.
أما في حالة ما إذا تمت المصادقة عليها سواء كانت معاهدات، اتفاقات أو اتفاقيات يكون ذلك الاختصاص من صلاحية رئيس المجلس الشعبي الوطني أو رئيس مجلس الأمة من الناحية العملية، وإن كان يحق لرئيس الجمهورية ذلك قانونا، بحيث لا يوجد أي نص تشريعي أو دستوري يمنع رئيس الجمهورية من طلب إجراء الرقابة الدستورية اللاحقة بالنسبة للمعاهدات الدولية أو الاتفاقيات أو الاتفاقات.
لقد قسم الأستاذ "محيو"، والأستاذ "بوسماح" 1، حالة المعاهدات الدولية المعروضة على المجلس الدستوري لينظر في مدى دستوريتها، إلى خمس حالات متميزة بعضها عن البعض والممكنة، حيث يجوز تلخيصها فيما يلي: 2
1 ـ الحالة الأولى:
وهي حالة الاتفاقية التي لم يتم بعد المصادقة عليها، والتي تم عرضها على غرف البرلمان طبقا لأحكام المادة 131 من دستور 1996.
ويمكن في هذه الحالة لرئيس الجمهورية أن يخطر أو أن لا يخطر المجلس الدستوري ويتم ذلك قبل عرض هذه المعاهدات الدولية على البرلمان ليوافق عليها، كما يمكنه طرحها على البرلمان لمناقشتها، وهنا يمكن أيضا، لرئيسي غرفتي البرلمان إحالتها على المجلس الدستوري ليبدي رأيه فيها.
2 ـ الحالة الثانية :
حالة الاتفاقية التي لم يتم بعد المصادقة عليها، والتي لا تحتاج لموافقة البرلمان، حيث نجد في هذه الحالة انفراد رئيس الجمهورية بإقرارها.
وتجدر الملاحظة إلى أن رئيسا غرفتي البرلمان لا يكونا بالضرورة على علم بهذه الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، فإذا ما تم تبليغهما سواء تم ذلك عن طريق وسائل الإعلام أو عن طريق آخر، جاز لهما إخطار المجلس الدستوري إذا ما لاحظ أو شكا في دستوريتها.
3 ـ الحالة الثالثة:
وهي حالة الاتفاقية التي وافق عليها البرلمان، فهنا يجوز لكل من رئيس الجمهورية ورئيسا غرفتي البرلمان، إخطار المجلس الدستوري إذا ارتأيا أنها تخالف أحكاما في الدستور لكن من الناحية العملية، يكون كل من رئيس الجمهورية ورئيسا غرفتي البرلمان في حرج، إذا طلبوا النظر في دستورية تلك المعاهدة، فلماذا يا ترى ؟
والسبب في ذلك بسيط لأنه كان بإمكانهم (أي رئيس الجمهورية ورئيسا غرفتي البرلمان) تدارك ذلك النقص والمتمثل في مخالفة بعض أو كل بنود تلك المعاهدة لنصوص دستورية ويكون ذلك بالنسبة لرئيس الجمهورية قبل عرضها على البرلمان، أما بالنسبة لرئيسا غرفتي البرلمان (وهما رئيس المجلس الشعبي الوطني ورئيس مجلس الأمة)، فيكون ذلك قبل الموافقة عليها وإن كان من الناحية القانونية مسموح لهم ذلك، لكن تجدر الملاحظة إلى أن مثل هذه الحالات تكون شاذة أي قليلة الحدوث.
4 ـ الحالة الرابعة:
وهي تلك الحالة التي تتم فيها المصادقة على المعاهدة الدولية دون أن تعرض على البرلمان ليوافق عليها، لأنها لا تدخل ضمن الحالات المنصوص عليها في المادة 131 من دستور 1996، حيث في هذه الحالة يلعب رئيس المجلس الشعبي الوطني ورئيس مجلس الأمة دورا هاما بصفتيهما سلطة تعمل على احترام الدستور، خاصة بالنسبة للاتفاقيات أو المعاهدات الدولية التي لا تعرض على أعضاء المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة، حيث يقوما بإخطار المجلس الدستوري ليفصل في دستوريتها وبالتالي تتم المصادقة عليها وهي مخالفة لأحكام الدستور لكي لا تعلوا على النصوص الداخلية وهي مخالفة للنص الأسمى للدولة، وهذا طبقا لنص المادة 132 من دستور 1996.
5 ـ الحالة الخامسة:
وهي حالة المعاهدات الدولية البسيطة، والتي لا تعرف عملية المصادقة، ولا تتم إلا عن طريق التوقيع فقط 1، لكي تصبح سارية المفعول، لكن في حالة الشك في دستوريتها يكون ذلك لرئيس المجلس الشعبي الوطني ورئيس مجلس الأمة من أجل إخطار المجلس الدستوري.
آخر ملاحظة يمكن الإشارة إليها في هذا المجال، تتعلق بالمجال الزمني الذي يحق فيه المجلس الدستوري أن ينظر في أي معاهدة دولية تم إخطاره بعدم دستوريتها، وعلى إثره يمكن للمجلس الدستوري أن ينظر في أي معاهدة دولية تمت المصادقة عليها منذ عدة أعوام، بشرط أن يتم إخطاره بذلك لينظر في مدى دستوريتها وهذا من الناحية القانونية.
لكن الأمر يختلف من الناحية العملية، إذ نلاحظ بان كل من رئيس الجمهورية، ورئيس المجلس الشعبي الوطني، ورئيس مجلس الأمة، لن يغامروا ويقوموا بإخطار المجلس الدستوري لينظر في دستورية أي معاهدة دولية، لأنهم سوف يقعون في إشكال عويص في حالة ما إذا أقر المجلس الدستوري عدم دستوريتها كما سيتم توضح ذلك في الفصل الثاني أدناه.
وإن تحريك الرقابة الدستورية توقف على إجراء الإخطار من إحدى الهيئات المخول لها ذلك دستوريا، وبالتالي فإنه ليس للمجلس الدستوري أن يفحص رقابة دستورية القوانين من تلقاء نفسه، وعليه فإن عملية الإخطار تتم بطريقة رسالة توجه إلى رئيس المجلس الدستوري 1 مرفقة بالنص المراد فحص دستوريته ـكما ذكر ذلك أعلاه ـ والسؤال الذي نطرحه في هذه الحالة هل للمجلس الدستوري سلطة مطلقة عند فحص دستورية القوانين ؟ وهل بإمكانه النظر في دستورية أحكام أخرى متعلقة بالقانون موضوع الإخطار لكن غير واردة برسالة الإخطار ؟
وهل يستوي الأمر بالنسبة لكل القوانين أم أنه يختلف بحسب طبيعة النصوص القانونية موضوع الإخطار ؟ وهنا نقول أن الأمر يختلف بالنسبة للقوانين العادية والقوانين الأخرى.
الفرع الأول: تقيد المجلس الدستوري برسالة الإخطار
يتوقف قيام المجلس الدستوري برقابة دستورية القوانين على إخطار من إحدى الجهات المخول لها ذلك دستوريا، فهو لا يتصدى لفحص دستورية القوانين من تلقاء نفسه، كما أنه بعد أن يتم إخطاره ليس له السلطة التقديرية للنظر في هذه المنازعات الدستورية فليس له أن يقرر فحص أو عدم فحص دستورية موضوع الإخطار، فليس هناك أي مادة دستورية تشير إلى سلطة المجلس الدستوري التقديرية في هذا المجال.
وبالتالي فإنه بعد إخطاره مباشرة هو ملزم بالنظر في مدى دستورية القوانين موضوع الإخطار وذلك خلال المواعيد المحددة دستوريا 2، إذن فالمجلس الدستوري عند ممارسة الرقابة الدستورية للقوانين ـ ماعدا القوانين العضوية والأنظمة الداخلية لغرف البرلمان ـ يفصل بالرقابة السابقة قبل أن تصبح نافذة بموجب رأي،أو بقرار في الحالة العكسية.
والملاحظ أن المجلس الدستوري حين ممارسته لمهمة الرقابة هو مقيد برسالة الإخطار الموجهة إليه من إحدى الهيئات المختصة بذلك، فهو يفحص دستورية هذه القوانين موضوع الإخطار بناء على الأحكام الواردة والمشار إليها في رسالة الإخطار 1، حيث أن الأمين العام للمجلس الدستوري أدلى بشهادة في هذا الموضوع، كما أنه لا يشترط شكل معين أو طابع معين على رسالة الإخطار، وإنما يكفي أنها توجه إلى رئيس المجلس الدستوري تطلب فيها الهيئة صاحبة الإخطار فحص مدى دستورية نص معين دون اللجوء إلى أسباب الإخطار ومبررات الشك في مدى دستوريته، خاصة وأن هذه الرسالة لا تنشر فإنه ليس بإمكاننا أن نعرف محتواها وأسس بناءها2.
لكن رغم هذا، فالمجلس الدستوري بمجرد إخطاره لتحريك الرقابة الدستورية على النص المعروض عليه، فإنه يتابع ذلك حتى النهاية 3، وهذا حسب التعديل الجديد للنظام المحدد لقواعد المجلس الدستوري المصادق عليه بتاريخ 28جوان2000 ،لكن في النظام الداخلي السابق "إجراءات عمل المجلس الدستوري" كانت هناك مادة لا تؤدي نفس معنى المادة الواردة في النظام الجديد، بل كان مفادها أنه في حالة ما إذا سحبت الهيئة التي قامت بالإخطار إخطارها يتوقف المجلس الدستوري عن نظر موضوع رسالة الإخطار ويعتبر الإخطار وكأنه لم يكن.
والملاحظ أن المجلس الدستوري عند فحصه مدى دستورية القوانين يعتبر مقيد برسالة الإخطار، فهو لن يتصدى إلا للحكم الوارد في نص رسالة الإخطار وليس له أن يتصدى إلى أحكام أخرى في النص القانوني ما لم يخطر المجلس بشأنها، وهذا ما يستنتج من النص المادة 07 من النظام المحدد لقواعد عمل المجلس الدستوري التي تنص على ما يلي :
"إذا صرح المجلس الدستوري بعدم دستورية حكم أخطر بشأنه وكان هذا الحكم في نفس الوقت غير قابل للفصل عن باقي أحكام النص المخطر بشأنه، فإن النص الذي ورد ضمنه الحكم المعني يعاد إلى الجهة المخطرة".
وما يفهم من خلال هذه المادة، أنه ليس للمجلس الدستوري حق النظر في دستورية القوانين إلا في حدود النص موضوع الإخطار فقط، حتى وإن كان الحكم المطعون ضده غير دستوري ولا يمكن فصله عن باقي الأحكام المكونة للنص القانوني، ففي هذه الحالة لا يستطيع المجلس الدستوري أن يتعدى نص رسالة الإخطار ويذهب إلى فحص دستورية الأحكام الأخرى للنص القانوني والتي ليست موضوع رسالة الإخطار، و يتوقف عمله على رقابة دستورية الحكم المشار إليه برسالة الإخطار، وعليه يعيد النص القانوني كله إلى الجهة المخطرة حتى تعيد هذه الأخيرة النظر في أحكامه والتحقق فيما إذا كانت فعلا بحاجة إلى إعادة إخطار المجلس الدستوري من جديد فيما يتعلق بالأحكام التي لم ينظر إليها ولم يخطر بشأنها بصدد فحص رقابة دستورية الحكم موضوع الإخطار السابق.
وفيما يخص هذه المادة، أنها تؤدي بالمجلس الدستوري إلى الفصل في مدى دستورية حكم ما من نص قانوني، وإن توصل إلى أنه غير دستوري وغير قابل للفصل عن باقي أحكام النص، فهو لا يتصدى لهذه الأحكام، بل يعيد النص إلى الجهة المخطرة بعد الفصل في الحكم موضوع الإخطار.
ومما يؤكد أيضا تقييد المجلس الدستوري برسالة الإخطار والنص موضوع الإخطار فقط هو ما ورد في المادة 08 من النظام المحدد لقواعد عمل المجلس الدستوري والتي تنص على ما يلي :
"إذا اقتضى الفصل في دستورية حكم التصدي لأحكام أخرى لم يخطر المجلس الدستوري بشأنها ولها علاقة بالأحكام موضوع الإخطار، فإن التصريح بعدم دستورية الأحكام التي أخطر بها أو تصدى لها وكان عن بقية النص يؤدي إلى المساس ببنيته كاملة، فإنه في هذه الحالة يعاد النص إلى الجهة المخطرة".
وما يفهم من هذه المادة، أنه إذا أخطر المجلس الدستوري للنظر في دستورية حكم معين لكن هذا يقتضي التصدي لأحكام أخرى مرتبطة ولها علاقة بالحكم موضوع الإخطار، وأن هذه الأحكام غير واردة في رسالة الإخطار وليست موضوع طعن للنظر في دستوريتها، وانه إذا صرح بعدم دستورية هذا الحكم وكان نتيجة فصله عن بقية أحكام النص إلى المساس بالبنية الكاملة للنص، يترتب عن كل هذا إعادة النص إلى الجهة المخطرة دون تمكين المجلس الدستوري من رقابة دستورية هذه الأحكام الأخرى والتي ترتبط بالحكم موضوع الإخطار وإنما عليه أن يعيد هذا النص أيضا إلى الجهة المخطرة التي قد تعيد النظر في الأحكام الأخرى وقد تخطر المجلس بشأنها ليفحص مدى دستوريتها.
إن هذا يؤدي إلى تقييد المجلس الدستوري برسالة الإخطار خاصة أنه ليس باستطاعته أن يتصدى لفحص رقابة دستورية أحكام غير واردة في رسالة الإخطار، حتى ولو كانت مرتبطة بالحكم المخطر بشأنه، أو كان يقتضي الفصل في دستورية هذا الحكم الرجوع إلى هذه الأحكام وفحص دستوريتها، بل يتوقف الأمر على إعادة النص موضوع الإخطار إلى الجهة المخطرة، وهذا طبعا يؤثر على فعالية الرقابة وأثرها، وان العديد من الأحكام أن تكون غير دستورية وهي مرتبطة بحكم موضوع إخطار، لكن ليس للمجلس الدستوري أن يتصدى لفحص دستوريتها، سواء من تلقاء نفسه أو على أساس نص دستوري وارد، مما قد يؤدي إلى إفلات العديد من أحكام النصوص القانونية من الرقابة الدستورية.
لكن السؤال الذي يطرح هنا: ما الجدوى من أن يعيد المجلس الدستوري في هذه الحالة النص الوارد ضمنه الحكم موضوع الإخطار إلى الجهة المخطرة ؟
فقد يعاد النص إلى الجهة المخطرة دون أن تعيد النظر في الأحكام الأخرى للنص المرتبطة بالحكم موضوع الإخطار، هذا الأخير الذي يتطلب الفصل في دستوريته فحص أحكام أخرى من النص، والذي قد يترتب عليه عدم إعادة إخطار المجلس الدستوري بالأحكام الأخرى وبالتالي إفلاتها من الرقابة الدستورية.
بل كان على المؤسس الدستوري أن يفتح المجال أمام المجلس الدستوري في هذا المجال، ويترك له الحرية، ويوسع سلطته للنظر في دستورية كل أحكام النصوص القانونية المتعلقة بالنص موضوع الإخطار.
الفرع الثاني: المجلس الدستوري غير مقيد بالنسبة للقوانين العضوية والأنظمة الداخلية لغرفتي البرلمان
إذا كان المجلس الدستوري مقيد برسالة الإخطار عند فحص دستورية القوانين الأخرى وسلطته مقيدة عند النظر فيها، بحيث لا يمكنه أن يفحص سوى الأحكام الواردة برسالة الإخطار دون سواها، حتى ولو استلزم أمر الفصل في دستورية الحكم محل الإخطار النظر في دستورية الأحكام الأخرى في نص القانون، فإن الأمر هنا يختلف بالنسبة للقوانين العضوية والأنظمة الداخلية لغرفتي البرلمان، فإذا كان القانون محل الإخطار قانونا عضويا أو نظاما داخليا لإحدى غرف البرلمان، فهو يخضع لرقابة المطابقة المسبقة، والتي يتم على إثرها إخطار المجلس الدستوري بطريقة وجوبية من طرف رئيس الجمهورية قبل دخوله حيز النفاذ.
لكن في هذه الحالة المجلس الدستوري غير مقيد برسالة الإخطار، أي غير مقيد بالنظر فيما يخص الأحكام موضوع الإخطار فقط، وإنما بإمكانه فحص الأحكام الأخرى المتعلقة بكامل النص القانوني للقانون العضوي وللأنظمة الداخلية لغرفتي البرلمان، لأن هذه الرقابة رقابة مطابقة مسبقة، فللمجلس أن يفحص القانون ويراقب مدى مطابقته للدستور، سواء من حيث الإجراءات أو مواضيعه في حد ذاتها.
إن المجلس الدستوري عند فحصه مطابقة القانون العضوي والأنظمة الداخلية لغرفتي البرلمان للدستور، فهو يفحصه وينظر فيه مادة بمادة، خاصة وانه في حالة الإخطار الوجوبي لا يقيد برسالة الإخطار التي يطلب فيها النظر في حكم دون آخر، وإنما النظر في كامل نص القانون العضوي والأنظمة الداخلية الذي يعرض عليه كاملا، فإذا تبين للمجلس الدستوري أن القانون العضوي أو النظام المعروض عليه به حكم غير مطابق للدستور، وأن الحكم يمكن فصله عن باقي أحكام القانون، فبإمكان رئيس الجمهورية أن يصدر هذا القانون ماعدا الحكم الذي ارتأى المجلس الدستوري أنه مخالفا للدستور، وإلا فإنه يطلب من البرلمان قراءة جديدة للنص،ومنه فقد يتدارك فيها الحكم المخالف للدستور، وبعدها فإنه يعاد عرض القانون المعدل على المجلس الدستوري ليفحص مطابقته للدستور مرة أخرى 1.
إن عدم تقيد المجلس الدستوري بحكم معين لفحص مدى مطابقته للدستور،، وجعل الرقابة تنصب على كامل أحكام القانون العضوي أو النظام الداخلي أمر مهم، خاصة وأن هذه القوانين العضوية تنظم مواضيع هامة وإستراتيجية، والأنظمة الداخلية تنظم سير أعمال غرف البرلمان وتعبر عن استقلاليتها، فلابد من فحص مطابقتها للدستور وفتح منافذ لحرية المجلس الدستوري دون تقييده عند القيام بهذه العملية، وأن يترك له كامل السلطة عند فحص القانون ليفحصه مجملا (كل نصوص القانون).
ومن الأفضل، لو أن المؤسس الدستوري الجزائري حذا حذو المؤسس الفرنسي ولم يقيد المجلس برسالة الإخطار عند فحص رقابة الدستورية، وأن يترك له حرية وسلطة تقديرية عند فحص دستورية الحكم محل الإخطار، أو التطرق إلى فحص دستورية الأحكام الأخرى للنص التي هي مرتبطة بالحكم موضوع الإخطار، هذا حتى يتسنى لهذا الجهاز أن يقوم بمهامه على أكمل وجه، وأن تتوقف رقابته بإعادة النصوص إلى الجهات المخطرة، دون منح المجلس سلطة النظر في أحكام أخرى ليست محل إخطار ولكنها مرتبطة بالحكم موضوع الإخطار، ويتطلب الأمر للفصل في دستورية الحكم المنازع فيه النظر في أحكام أخرى من القانون.
إن ما يمكن أن نخلص إليه في نهاية هذا المطلب الأول، هو أن أثر وفعالية الرقابة الدستورية التي هي من مهام المجلس الدستوري منوطة بحسب الهيئات المخول لها حق الإخطار وبالتقنيات والإجراءات المتبعة قيد القيام بذلك.
وأن النظام الجزائري اعتمد الرقابة السابقة واللاحقة للقوانين والتي لابد من إعادة النظر فيها وتنظيمها، خاصة الرقابة اللاحقة بعد إصدار القوانين باللجوء إلى نظام آخر غير المتبع حاليا والذي أثبت قصوره وعدم فعاليته، وإضافة إلى أن نظام الإخطار المتبع وفقا للمؤسس الدستوري نظاما ضيقا لابد من توسيع حق الإخطار إلى هيئات وأشخاص أخرى أشير إليها أعلاه، وهذا لتنشيط الرقابة الدستورية وعمل المجلس الدستوري.
وبما أن المؤسس الدستوري الجزائري ترك للمجلس الدستوري عند النظر في رسائل الإخطار عدم التقيد بها، كان عليه أيضا إلزامه بنشرها 1 ،هذا حتى يتسنى لنا معرفة حجج ودلائل الهيئات المخطرة، وفحص رسائلهم بجدية، وتبين حججهم التي أدت بهم إلى الطعن والشك في دستورية قانون ما.
نظرا لما لعملية نشر رسائل الإخطار من أثر شفافية سير المؤسسات ومصداقيتها بتمكين جمهور الناس من التأكد أو تقييم عمل المجلس الدستوري عند إطلاعهم على هذه الرسائل، ثم إطلاعهم بالجرائد الرسمية على أراء وقرارات المجلس، هكذا تتبين لهم جدية الإخطارات المقدمة وترسخ لديهم مصداقية أو مسار مؤسسات الدولة وأجهزة الرقابة ـ المجلس الدستوري ـ كنتيجة لمبدأ الشفافية الذي يعتبر مقوما لمسار الديمقراطية ودولة القانون.
المطلب الثاني: اختصاصات المجلس الدستوري الجزائري
نظرا للدور الجوهري الذي يلعبه المجلس الدستوري الجزائري كونه حامي الدستور وذلك بالسهر على إحترام النص الأسمى في الدولة، حيث أنيط هذا الأخير- المجلس الدستوري- بعدة إختصاصات من بينها رقابة دستورية القوانين، والتنظيمات، والاتفاقيات الدولية، والاتفاقات ومراقبة دستورية القوانين العضوية، وهذا حسب نص المادة 165من دستور1996،بالإضافة إلى السهر على صحة عمليات الإستفتاء وإنتخاب رئيس الجمهورية والإنتخابات التشريعية، ويعلن نتائج هذه العمليات، كما يكلف بالسهر على إحترام الدستور حسب نص المادة 163 من دستور 1996 . وهذا نظرا لمبدأ سمـو الدستـور وتدرج القواعـد القانونية 1.
وسيتم تفصيل إختصاصات المجلس الدستوري الجزائري في الفروع أدناه.
الفرع الأول: رقابة دستورية القوانين
يتميز القانون عن التنظيمات، في كونه فضلا على أنه ينظم مواضيع أكثر أهمية 2،بحيث تتعلق بمسائل تكون غالبيتها ذات أثر بالغ على حياة الأفراد، نجده كذلك يتميز في كونه يخضع في إصداره إلى إجراءات خاصة تتمثل في المصادقة عليه من طرف البرلمان 3، وباعتباره السلطة صاحبة أو ممثلة للسيادة العامة، وبالتالي ذهب الاعتقاد إلى اعتبار أن كل ما يصدر عنها تعبيرا عن الإرادة العامة لا يمكن أن يخضع لأي نوع من الرقابة، إلا أنه وردا على هذا القول فإن السلطة التشريعية من جهة مكونة من نواب، والنواب هم أشخاص عاديين قد يخطئون وبالتالي قد يتجاوزن حدود سلطتهم، ومن جهة أخرى أنها تستمد سلطاتها مثلها مثل باقي السلطات في الدولة من الدستور، ولذلك لا تملك سن القوانين إلا في الحدود التي رسمها الدستور، ومن باب أولى لا تستطيع هاته السلطة مخالفة الدستور 4، تطبيقا لمبدأ سمو الدستور الذي يقضي أن يكون الدستور منشأ للسلطات وينظم اختصاصاتها، فهو إذا يعلو عليها، وإذا ما خالفته تكون قد تخلت عن سندها القانوني 5، وبالنتيجة لا يصبح القانون تعبيرا عن الإرادة العامة إلا إذا كان مطابقا للدستور.
ـ لكن ما هي الوسيلة القانونية التي تضمن تطبيق هذا المبدأ ؟
يرى الفقيه "بيردو" 1 أنه يبدو منطقيا أن أفضل وسيلة لتفادي أن يصبح القانون أداة تعسف هو كفالة مراقبة دستورية القوانين، وهكذا تكون قد ظهرت الحاجة إلى رقابة الدستورية التي عرفها الأستاذ "سليمان الطماوي" 2 بـ : "يقصد برقابة دستورية القوانين، ألا يخالف قانون حكما مقررا في الدستور على أساس أن الدستور هو مستقر الشرعية في الدولة".
أما الأستاذان "أحمد وافي" و"بكرا إدريس"، فقد عرفاها على أنها تعد أحد نتائج مبدأ تدرج التشريع الذي يقضي بتقيد التشريع الأدنى بالتشريع الأعلى، فإذا صدر أي تشريع وكان مخالفا لتشريع أعلى منه درجة، فإنه يكون غير شرعي 3، إلا أن إقرار هذا النوع من الرقابة يحتاج إلى البحث عمن يقوم بأدائها، إذ لا يمكن أن نتصور إسناده إلى نفس الهيئة التي تصدر القانون وإلا تصبح الرقابة بلا جدوى.
فإن اختلفت الدول في خلق هيئات تتولى هذه المهمة، فإن النظام القانوني أو الدستور الجزائري أوكلها إلى المجلس الدستوري وحده وذلك بصريح مواده4. وهكذا فإلى جانب الاختصاصات الأخرى التي يخولها الدستور صراحة للمجلس، إلا أن أهمها هي تكفل برقابة دستورية القوانين والتنظيمات، كونها مهمة أساسية تجعل من المجلس الدستوري يقوم بدور أساسي في حماية حقوق وحريات الإنسان، وكذا السهر على حفظ التوازنات الأساسية بين السلطات5.
إلا أنه وبالرجوع إلى النصوص القانونية المسموح لها أن تكون موضوع إخطار المجلس الدستوري حتى يقوم بمراقبة مطابقتها للدستور، نجدها تثير إشكالا يتمثل فيما إذا كانت هذه النصوص تظم كل أنواع القوانين مهما كانت درجتها وطريقة إصدارها ؟.
طبقا لنص المادة 165 من دستور 1996 6،التي تجعل رقابة المجلس تظم القوانين العادية والقوانين العضوية، كما هو الحال في فرنسا طبقا لما تنص عليه المادة 61 من دستور 1958 7، بقي أن نعرف إن كانا يخضعان لنفس الرقابة الدستورية.
إذا، المجلس الدستوري الجزائري كغيره من أنظمة الدول التي أخذت برقابة دستورية القوانين العادية، كمصر طبقا لما تنص عليه المادة 25 من قانون رقم 48 لسنة 1979 الخاص بالمحكمة الدستورية، وكذلك الكويت في نص المادة 173 من دستورها، إلا أنه إذا كانت الرقابة في فرنسا سابقة وجوبا، أي تتم قبل صدور القانون (Sa promulgation)، وإذا كانت في مصر والكويت لاحقة تعرض على المحكمة الدستورية بمناسبة منازعة، فتمارس عن طريق دعوى أصلية أو عن طريق الدفع ضد تشريع مكتمل صدر فعلا، فإن المؤسس الدستوري الجزائري جمع بين الرقابة السابقة التي تتم حسب نص المادة 165 من دستور 1996 1، قبل أن تصبح واجبة التنفيذ، أي قبل إصدارها من طرف رئيس الجمهورية، حيث يصدر المجلس الدستوري في هذه الحالة رأيا ، وتسمى هذه الرقابة بالوقائية لأنها تحاول إصلاح ما قد يقع فيه القانون من خطأ دستوري قبل أن يدفع هذا القانون إلى التنفيذ2.
والرقابة اللاحقة هي التي تتم بعد صدور القانون، حيث يصدر بشأنها المجلس الدستوري طبقا لنص المادة 165 المذكورة أعلاه قرارا، وقد حكم بعض الفقهاء بأنها رقابة خطيرة وذلك نظرا للأثر الرجعي الذي يمس بمراكز قانونية أنشأت في ظل القانون، لذلك يوصي الأستاذ "بشير يلس" بإبعادها لأنها تتعلق برقابة قانون الذي يعد تعبير عن الإرادة العامة، وذهب البعض الآخر إلى حد اعتبارها نقصا يقلل من فعالية الجهاز (المجلس الدستوري) رغم تمتعه بصلاحيات واسعة وهامة، لأنه يبقى إجحافا في حق الأفراد وظلما لهم، خاصة إذا علمنا أن هؤلاء الأفراد لا يتمتعون بحق إخطار المجلس الدستوري، وهو الأمر الذي سيقلل من موضوع وهدف هذه الرقابة الدستورية.
هذا فضلا عن كون رقابة دستورية القوانين العادية اختيارية، بحيث ترجع السلطة التقديرية لسلطات الإخطار الممثلة طبقا لنص المادة 166 من دستور 1996 في كل من رئيس الجمهورية، ورئيس المجلس الشعبي الوطني ورئيس مجلس الأمة، بحيث تكون لهم كامل الحرية في استعمال هذا الحق.
أما القوانين العضوية، فلأهمية مكانتها مقارنة مع القوانين العادية، تتميز بإجراءات خاصة قبل إصدارها، ومنها ضرورة إخضاعها وجوبا للرقابة السابقة طبقا لنص المادة 165 /2 من دستور 1996، أي تتم رقابة دستوريتها قبل إصدارها من طرف رئيس الجمهورية وبعد المصادقة عليها من طرف البرلمان، كما أنها رقابة إلزامية بحكم نص المادة المذكورة أعلاه أي يلزم رئيس الجمهورية بإخطار المجلس الدستوري وجوبا حتى يتأكد هذا الأخير أنها لا تخالف الدستور.
إلا أن أهم ميزة تميز القوانين العضوية، أنها تخضع لرقابة المطابقة مثلها مثل النظام الداخلي للمجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة، إلا أنه تجدر الإشارة أن الدستور في نص مادته 165 /2 المذكورة أعلاه التي نصت على: "يبدي المجلس الدستوري، بعد أن يخطره رئيس الجمهورية، رأيه وجوبا في دستورية القوانين العضوية بعد أن يصادق عليها البرلمان".
وبالتالي يكون المؤسس الدستوري قد نص على أن المجلس الدستوري يراقب دستورية القوانين وليس المطابقة للدستور1، كما نص صراحة بالنسبة للنظام الداخلي لغرفتي البرلمان في الفقرة الثالثة من نص المادة 165 التي جاء فيها : "كما يفصل المجلس الدستوري في مطابقة النظام الداخلي لكل من غرفتي البرلمان للدستور، حسب الإجراءات المذكورة"، إلا أن النظام الداخلي للمجلس الدستوري نفسه جاء عنوان بابه الأول كالتالي : "قواعد عمل المجلس الدستوري في مجال رقابة المطابقة والرقابة الدستورية"، إذ يظهر من هذا العنوان أنه يفصل بين رقابة المطابقة ورقابة الدستورية بالفعل، حيث جاء عنوان الفصلين الأولين لهذا الباب كالتالي : الفصل الأول "رقابة مطابقة القوانين العضوية والأنظمة الداخلية لغرفتي البرلمان للدستور"، أما الفصل الثاني "رقابة دستورية المعاهدات والقوانين والتنظيمات".
وبالتالي جاءت المادة الأولى2 من النظام الداخلي للمجلس الدستوري تنص صراحة على أنه : "يفصل المجلس الدستوري في مطابقة القوانين العضوية للدستور قبل صدورها طبقا للفقرة الأخيرة من المادة 123 من الدستور برأي وجوبي بعد أن يخطره رئيس الجمهورية طبقا للفقرة الثانية من المادة 165 من الدستور خلال الأجل المحدد في الفقرة الأولى من المادة 167 من الدستور".
إذا ما يمكن أن نستنتجه، أن إقرار المجلس الدستوري في نظامه الداخلي لرقابة المطابقة بالنسبة للقوانين العضوية، كان استنادا لنص المادة 123 من الدستور وليس المادة 165 /2 التي سبق وان أشرنا إليها أعلاه، لأن نص المادة 123 جاء صراحة : "يخضع القانون العضوي لمراقبة مطابقة النص مع الدستور من طرف المجلس الدستوري قبل صدوره".
بقي أن نتساءل، فيما إذا كان الفرق والاختلاف في التسمية فحسب؟، أم أنه يوجد اختلاف موضوعي بين المصطلحين (المطابقة والدستورية)؟، بمعنى آخر هل يختلفان من حيث مفهومهما؟ وأين يكمن هذا الاختلاف ؟.
يؤكد ويصرح المجلس الدستوري في رأيه الصادر في 28 أوت 1989 الخاص بالنظام الداخلي للمجلس الشعبي الوطني1 ، على أن رقابة المطابقة منفصلة، بل لا يقصد منها رقابة الدستورية، حيث اعتمد على هذا التمييز حتى يبرر تمييز النظام الداخلي للمجلس الشعبي الوطني عن القوانين والمعاهدات والتنظيمات المنصوص عليها في الفقرة الأولى من نص المادة 155 من دستور 1989 ، فعبر في الحيثية على أنه : "نظرا لكون رقابة المطابقة هذه، مانعة لرقابة الدستورية المحددة في الفرقة الأولى من المادة 155 من الدستور المخصصة للمعاهدات والقوانين والتنظيمات، وكون محرر الدستور بتوخيه هذا الفرز كان قصده أن يترك بالفعل للمجلس الشعبي الوطني صلاحية ضبط نظامه الداخلي بواسطة لائحة أو عقد خاص وحيد الطرف من غير القانون والتنظيم".
هذا، ويرى أساتذة القانون، أن رقابة المطابقة رقابة خاصة2 ، إذ هي رقابة الدستورية في معناها الضيق، أي أن المجلس الدستوري أعطاها مفهوما ضيقا، ويستدلون في ذلك على الرأي المشار إليه أعلاه حين أقر في حيثية أخرى منفصلة، أن المطابقة لابد أن يكون مفهومها معلوما بشكل صارم، بحيث يبين المجلس أنه بمقتضاه لابد أن يعبر المجلس الشعبي الوطني بأمانة على أحكام الدستور، لكن يعاب على التعريف الذي قدمه المجلس الدستوري أنه يعتمد على عبارات غامضة يصعب فهمها، بحيث جاء في رأيه أنه : "نظرا لكون مفهوم المطابقة للدستور، يجب أن يكون معلوما بكيفية صارمة، فإنه يتعين من هذه الوجه، على النظام الداخلي للمجلس الشعبي الوطني أن يعبر بأمانة في أحكامه عن الخطة البيانية المضمنة في القواعد الدستورية التي يستنبط منها جوهره".
إذا بقى السؤال: ما المقصود بـ "الخطة البيانية المضمنة للقواعد الدستورية " 1 التي سوف يستنبط المجلس الشعبي الوطني منها جوهره ؟.
بالرجوع إلى الآراء التي أصدرها المجلس الدستوري بشأن مطابقة القانون العضوي للدستور وهي :
ـ الرأي المؤرخ في 06 مارس ،1997 المتعلق بالأمر المتضمن القانون العضوي المتعلق بالأحزاب السياسية2.
ـ الرأي المؤرخ في 06 مارس 1997، المتعلق بالأمر المتضمن نظام الانتخابات 3.
ـ الرأي المؤرخ في 19 ماي 1998، المتعلق باختصاصات مجلس الدولة وتنظيمه وعمله4.
ـ الرأي المؤرخ في 24 ماي 1998، المتعلق باختصاصات محكمة التنازع وتنظيمها وعملها5.
عند تفحص هذه الآراء، نجدها تتميز عن الآراء والقرارات التي قام بها المجلس الدستوري بمناسبة رقابة القوانين العادية، حيث فصل فيها (الآراء الخاصة بالقوانين العضوية) عند رقابته بين الشكل والموضوع، بحيث يتفحص فيما يندرج تحت عنوان "الشكل" كل ما يتعلق باستيفاء الإجراءات الخاصة بها، أي المتعلق بإخطار رئيس الجمهورية للمجلس الدستوري وكذا إجراءات مصادقة غرفتي البرلمان. أما ما يندرج تحت عنوان "الموضوع" فيتعلق بفحص كل أحكام ومواد القانون العضوي المعروض على المجلس بصفة منتظمة بدءا بعنوان القانون ثم المواد تدريجيا، إلا أننا لاحظنا أن المراقبة تتعلق باهتمام المجلس الدستوري بصياغة المواد والتعابير التي رأى في أغلب الأحيان أنها لا تعبر بأمانة عن المصطلحات المقابلة لها في الدستور، وأحسن مثال على ذلك ما عبر عنه في رأيه الخاص بمجلس الدولة، بحيث غير عنوان هذا القانون واستبدل مصطلح "صلاحيات" بـ "اختصاصات"، وكلمتا "سير" و"تسيير" بعبارة "عمل"، مثلما فعل تماما بالنسبة للقانون العضوي الخاص بمحكمة التنازع ليجعلها مطابقة حرفية لنصوص الدستور، لكن ليس معنى ذلك أن المجلس الدستوري عند رقابته لهذه القوانين يتوقف عند التفسير الضيق والمقابلة الحرفية بين نصوص الدستور ونصوص القانون من أجل الكشف عن التعارض الصريح بينهما، بل يتعداه في العديد من المرات إلى التوسع في تفسير النصوص، أين يتطرق إلى المعنى والمقصد الذي أراده المؤسس الدستوري ليحكم بعدم دستورية نص معين، بل إلى الهدف الذي يقصده المؤسس، ويظهر ذلك تقريبا في جميع آراءه ففي رأيه الخاص بمجلس الدولة وبمناسبة مراقبته لنص المادة 2 /3 من مشروع القانون، أقر المجلس الدستوري أن استقلالية مجلس الدولة وحياده وفعالية أشغاله لا تتعلق بالاختصاصات الاستشارية، وإنما الاستقلالية تخص المهام القضائية التي يقوم بها مجلس الدولة، بحيث جاء في الحيثية أنه : "اعتبارا أن المؤسس الدستوري حين منح هذه الضمانات الخاصة بالاستقلالية للقاضي دون غيره، يقصد منح مجلس الدولة هذه الضمانات في ممارسة اختصاصاته القضائية لا غير".
أما في رأيه الخاص بالأحزاب السياسية، الذي جاء بخصوص ما تشترطه المادة 13 من هذا القانون موضوع الأخطار حول الأعضاء المؤسسين للحزب، من ضرورة الإقامة في أرض الوطن، أنه جاء إخلال بنص المادة 44 من الدستور المتعلقة بحق كل مواطن التمتع بحقوقه المدنية والسياسية في اختيار محل إقامته، بحيث عبر في هذا الرأي عن هدف ومغزى هذه المادة وربطه مع نص المادة 13، فحكم بعدم دستوريتها، وجاء في الحيثية صراحة أن : "واعتبارا أنه ما يبرر هذه المادة (المادة 44 من الدستور) أن المؤسس للدستوري باقتصاره على ذكر حرية اختيار موطن الإقامة دون ربطه بالإقليم، كان يهدف إلى تمكين المواطن من ممارسة إحدى الحريات الأساسية المكرسة في الدستور والمتمثلة في حرية اختيار موطن إقامته داخل أو خارج التراب الوطني".
وهكذا اعتمد على التفسير الواسع لنص المادة 44 من الدستور، ويظهر هذا التوسيع أكثر عند استعماله (المجلس الدستوري) مصطلح روح الدستور في رأيه المؤرخ في 06 مارس 1997 المتعلق بقانون الانتخابات، وذلك فيما يخص نص المادة 157 منه البند 14 عندما استعمل مصطلح "سياسية"، اعتبر أن استعمال هذا المصطلح هو مساس بروح الدستور، لذلك توسع في التفسير، بحيث اعتمد على نص المادة 70 /2 من الدستور ،التي تنص على أن رئيس الجمهورية حامي الدستور والتي علاقتها بالمادة 157 بند 17 ليست واضحة إلا أنه اعتمد عليها واعتبر أنه مادام رئيس الجمهورية حامي الدستور هي مهمة تتطلب من العمل على ترقية المكونات الأساسية للهوية الوطنية بأبعادها الثلاثة : الإسلام، العروبة والأمازيغية، وهي ذات طابع سياسي، لكنه قبل أن يعبر عن ذلك سبقها بحيثية جاء فيها "اعتبار أن كل قانون، لاسيما القانون العضوي منه، يجب ألا تتخطى أحكامه الحدود الدستورية حتى لا تتعارض مع روح الدستور ذاته".
فالملاحظة التي يمكن أن تثار هنا، أن المجلس الدستوري ساوى في هذا الحكم بين القانون العادي والقانون العضوي وجعلهما يلتزمان بروح الدستور، هذا ما يدفعنا إلى التساؤل فيما إذا كانت رقابة دستورية القوانين تأخذ نفس أسلوب الرقابة ؟
إن المجلس الدستوري لم يعبر صراحة عن ذلك في رأيه وقراراته الخاصة برقابة القوانين العادية، إلا أنه بالإمعان فيها وتحليلها، نجد أنه في كثير من الأحيان يعتمد المجلس الدستوري على حرفية نصوص الدستور، ويشترط أن تكون مصطلحات القانون مطابقة تماما لتلك المنصوص عليها في الدستور، وأحسن مثال على ذلك قراره الصادر في 13 جويلية 1998 الخاص بنظام التعويضات والتقاعد لعضو البرلمان، فبمناسبة تعليقه على نص المواد 14، 15 و23 من هذا القانون موضوع الإخطار اعتبر أن هذه المواد شملت كل من :
ـ مدة العضوية الخاصة بالنائب.
ـ ترقيته.
ـ التقاعد.
ـ شروط وكيفيات الاستفادة من التقاعد.معتمدين في ذلك على نص المادة 115 فقرة 2 من الدستور، غير أن المجلس الدستوري يرى بأنه عند الرجوع إلى هذا النص في الدستور، نجده لم يتضمن مصطلح "التقاعد" لأن المادة 115/2 تنص على أن : "القانون يحدد ... والتعويضات التي تدفع للنواب وأعضاء مجلس الأمة"، لذلك قرر بأن تحذف عبارة "التقاعد" من مضمون نصوص المواد 14، 15، 23 من هذا القانون معبرا بذلك على أن : "اعتبار أن الأساس الدستوري المعتمد عليه لا ينطبق على المواد 14، 15، 23 من هذا القانون، المعروضة على المجلس الدستوري للفصل في مدى دستوريتها، بل تقتصر على تعويضات البرلمانيين فقط، مما يستوجب استثناء نظام التقاعد من مجال هذا القانون".
إلا أنه مهما يكن التفسير الذي سيضفيه المجلس الدستوري على رقابة القوانين، إلا أن ذلك ليس معناه أنه سيعطي حرية أكثر للبرلمان في التشريع 1، بحيث يظهر من قراره الصادر في 30 أوت 1989 المتعلق بالقانون الأساسي للنائب، عندما عبر في إحدى حيثياته على ضرورة الاهتمام بالمصطلحات، فقرر عند رقابة دستورية نص المادة 13، أنه بإمكانها أن تحدث أوضاع مضرة، وذلك بلزوم استقلالية كل جهاز دستوري، لاستعمالها عبارة غامضة وغريبة عن المصطلحات الدستورية، لذلك يوصي في حيثيته بأنه : "نظرا لكون مفهوم الهيئات السامية غريب عن المصطلحات الدستورية المعمول بها، وأنه يعود للأجهزة الدستورية أن تظل يقظة فيما يخص إجراءات التعاون بين الأجهزة".
لكن ليس معنى هذا أن المجلس الدستوري حتى يقيد السلطة التشريعية في مهمة التشريع يتوقف على المراقبة الحرفية لنصوص الدستور؛ بل يعتمد -حتى بالنسبة للقوانين العادية- على التفسير الواسع للدستور، ما دام أن غالبية قراراته وآرائه الخاصة بالقوانين تتعلق بتنظيم وسير السلطات في الدولة، كالانتخابات والقانون الأساسي لمحافظة الجزائر الكبرى ...، والتي تستلزم التوسيع في التفسير خاصة عندما يكون أمام غياب نصوص صريحة في الدستور تتعلق بأي حكم من أحكام القانون المعروض عليه، ما دام الدستور يكتفي بوضع الخطوط الرئيسية أو الإطار العام للقواعد القانونية دون تفصيلها، فكلما جاءت عبارات الدستور على نحو أكبر من العموم والغموض كلما اتسع نطاق السلطة التقديرية الممنوحة للسلطة التشريعية، ويتسع كذلك بالضرورة نطاق الرقابة التي يمارسها المجلس الدستوري 1،هذا ما دفع أساتذة القانون إلى اعتباره (المجلس الدستوري) أنه يقوم بعمل تشريعي، ويرون أنه يكون بمثابة مشرع إضافي 2 إلى جانب البرلمان، بل هناك من بالغ حين اعتبر أن تفسير الدستور للكشف عن المخالفة المستترة للقوانين تجعله يحل محل ليس المشرع فحسب بل محل المشرع أو المؤسس الدستوري ما دام أنه تعدى إطار الدستور، وهو أمر صرح المجلس الدستوري عن رفضه له في قراراته وآرائه، منها قراره المؤرخ في 28 أكتوبر 1991 المتعلق بالفقرة الثانية من المادة 54 من القانون رقم 91/17 المعدل والمتمم لقانون رقم 89/13 المؤرخ في 7 أوت 1989 المتضمن قانون الانتخابات بحيث جاء في إحدى حيثياته أن : "... ليس من اختصاص المجلس الدستوري التدخل في تحديد الشروط القانونية الخاصة بممارسة الحريات والحقوق الأساسية للمواطنين، إلا انه يعود إليه بصفة خاصة السهر على مطابقتها للمبادئ الدستورية".
إلا أن الوقوف عند التعارض الصريح بين نصوص الدستور والقانون موضوع الإخطار يجعل من دور المجلس الدستوري بسيط، بل أنه كما يرى "بيردو" يكون تدخله لا يجدي شيئا1 مادام أن السلطة التشريعية ليست من السذاجة التي تجعلها تخالف الدستور وتكون مخالفتها واضحة وصريحة، فاللجان البرلمانية والأجهزة الفنية الأخرى التابعة للبرلمان تحاول بدهاء أن تجعل من النص التشريعي ظاهره الصحة وباطنه الفساد والمخالفة للدستور، فالكشف عن هذه المخالفة الدستورية يحتاج إلى البحث في أعماق النص وليس الوقوف عند الظاهر2.
ومن خلال مهمة التفسير يستطيع الكشف عن الطبيعة الحقيقية للنصوص التشريعية فيما إذا كانت تنطوي في داخلها على مخالفة لنص من نصوص الدستور أو لروحه حتى ولو كان الظاهر صحيحا 3، وهو بذلك يدفع المجلس الدستوري إلى التوسع في تفسير نصوص الدستور ففي قراره المؤرخ في 20 أوت 1989 المتعلق بقانون الانتخابات عند مراقبته نص المادة 191 فقرة 1و2 يظهر أنه توسع في التفسير، فقد اعتبر أن هاتين الفقرتين تضعان شروط تقديم المترشحين للانتخابات التشريعية، في حين أن الاختيار المتروك للمترشحين لا يعد مخالف لروح الدستور مما يجعلهما مطابقتين للدستور، بحيث عبر في الحيثية التالية صراحة: "غير أن المجلس الدستوري يعتبر أن الفقرتين الأولى والثانية من المادة 91 تطرحان شروط تقديم المترشحين للانتخابات التشريعية، وأن الاختيار المتروك لمترشحين ليس من طبيعته أن يحدث أوضاعا مخالفة لروح الدستور ونصه ...".
غير أنه يظهر التوسع أكثر في التفسير عندما يجعل المبادئ العامة مرجعا له في رقابة الدستورية وهو ما سوف نتطرق إليه بالتفصيل في المطلب الموالي.
هذا وسلطة المجلس الدستوري في رقابة القوانين العادية والعضوية تكون على جميع نصوص القانون وأحكامه، لكن تجدر الإشارة إلى أنه إذا كان بالنسبة للقانون العضوي لم يرد نص صريح لا في الدستور ولا في النظام الداخلي للمجل الدستوري يجعل الرقابة خاصة وجوبا لكل نصوص هذا القانون، لكن عند التمعن في نص المادة 2 من النظام الداخلي نستنتج أنها (الرقابة) تكون على كامل نصوص القانون، لأن المادة 2 تنص على أنه: "إذا صرح المجلس الدستوري أن القانون المعروض عليه يتضمن حكما غير مطابق للدستور ولا يمكن فصله عن باقي أحكام هذا القانون لا يتم إصداره"، وبذلك لا يمكنه التحقق أن هذا الحكم لا يمكن أن يفصل على باقي أحكام القانون إلا بعد الإطلاع على باقي هذه الأحكام.
وللتأكد من أنه ليس مجرد إطلاع ولا يتعلق برقابة الدستورية، لجأنا إلى فحص كل أراء المجلس الدستوري الخاصة بالقانون العضوي، ولاحظنا أنه رغم عدم تضمين رأي المجلس رقابة كل نصوص القانون إلا أن رأيه يضم أغلب النصوص القانونية، فعند الرجوع إلى رأي المجلس الدستوري الخاص برقابة القانون العضوي الخاص بمحكمة التنازع لاحظنا أنه تضمن فحص المادة 7 والمادة 8 من القانون، إذا هنا لا يمكن أن نتصور أن يراقب المادتين 7، 8 ولا يتوقف ليفحص نص المادة 6.
وما يؤكد قولنا، أنه عند تفحص منطوق أراء المجلس الخاصة بالقوانين العضوية نجدها كلها تضم العبارة التالية في مؤخرة المنطوق : "تعد باقي أحكام القانون العضوي مطابقة للدستور"، وهكذا تأكد اعتبار أن رقابة القانون العضوي تتعلق وتضم كل أحكام ونصوص القانون.أما بالنسبة للقوانين العادية الأمر يظهر مختلف، إذ أن نص المادة 7 من النظام الداخلي للمجلس الدستوري تجعلنا نستنتج أن يكون المجلس ملتزم بنص الإخطار، لأنه في بعض الحالات لا يتعلق الأمر بإخطار كل نصوص القانون بل بمادة فقط من مواده، كما هو الحال بالنسبة للرأي الذي قدمه المجلس الدستوري بناءا على إخطار رئيس الجمهورية حول دستورية المادة 2 من الأمر المتعلق بالتقسيم القضائي المصادق عليه من طرف المجلس الوطني الانتقالي بتاريخ 6 جانفي 1997، بل قد يتعلق بفقرة من المادة كما هو الحال في القرار الذي أصدره المجلس الدستوري في 28 أكتوبر 1991 الخاص بدستورية الفقرة 2 من المادة 54 من القانون رقم 91/17 الذي يعدل ويتمم قانون الانتخابات، وكذلك في القرار المؤرخ في 6 أوت 1995 المتعلق بدستورية البند السادس من المادة 108 من قانون الانتخابات، وقد يتعلق الأمر برقابة دستورية كل القانون كما هو الحال بالنسبة لإخطار المجلس الدستوري من طرف رئيس الجمهورية لرقابة دستورية القانون الأساسي الخاص بمحافظة الجزائر الكبرى، والذي أقر المجلس في قراره المؤرخ في 27 فيفري 2000 عدم دستوريته.
غير أنه بالرغم من كون المجلس ليست له الصلاحية لمنع إصدار قانون أو إلغائه إذا كان يضم حكم مخالف للدستور وكان -هذا الحكم- لا يمكن فصله عن باقي أحكام الدستور كما هو الحال بالنسبة للقوانين العضوية، إذ يلزم بإعادة النص إلى الجهة المخطرة؛ لكن التساؤل هنا أيضا يكمن في أنه: كيف يمكن للمجلس أن يحكم بأن هذا النص موضوع الإخطار لا يمكن فصله عن باقي أحكام النص إذا لم يمتد فحصه إلى باقي النص؟، وبالتالي يكون له ما يسمى بحق التصدي لباقي النصوص طبقا لما نصت عليه المادة 8 من النظام الداخلي للمجلس الدستوري التي تنص على : "إذا اقتضى الفصل في دستورية حكم التصدي لأحكام أخرى لم يخطر بشأنها المجلس الدستوري ولها علاقة بالأحكام موضوع الإخطار ...".
لكن حتى يجوز التصدي، لا يكون ذلك -حسب نص المادة- إلا في الأحكام التي لها علاقة بالنص الذي أخطر بشأنه، وحتى في الحالة التي يرى فيها المجلس الدستوري أن بنية النص القانوني تصبح دون معنى سيرجع ويعيد عرض الأمر على الجهة المخطرة 1، التي تكون لها كامل الحرية إما في إقراره رغم عدم دستوريته أو إلغائه، هذا الذي يجعل دور المجلس الدستوري ناقص الفعالية في رقابة دستورية العادية.
وتجدر الإشارة، أن ما ينتج عن رقابة القوانين العادية والعضوية نفس الحكم، إذ انه في جميع الحالات يحكم المجلس بدستورية النص القانوني إذا تأكد من دستوريته عند الرقابة كما له أن يحكم بإلغاء النص ومحو أثره نهائيا إذا قدر المجلس أن فيه حكم مخالف للدستور فيحكم بعدم دستوريته؛ إلا أنه ونظرا لما له من سلطات واسعة في الرقابة، يجوز له أن يعدل أو يصحح القواعد القانونية، أي أنه في هذه الحالات لا يحكم بعدم الدستورية بل يعطي بديل للحكم أو النص المعيب.
غير أنه، في بعض الحالات يحكم المجلس الدستوري بدستورية نص لكن بتحفظ، بمعنى أن يضع شروط عوض الإلغاء، ويتميز هذا التحفظ الذي يحكم به المجلس بكونه طابع إلزامي بحيث حكم به المجلس الدستوري في آراءه، منها رأيه المؤرخ في 20 أوت 1989 المتعلق بالانتخابات، فعند فحصه ونظره لنص المادتين 82 و85 الخاصة بمنع المترشحين الذين يؤدون وظائف معينة لا يمكنهم الترشح لمهمة انتخابية مدة ممارسة مهامهم إلا بعد سنة من إنهاء مهامهم، ولكن ذلك لا يكون خاصا إلا بدائرة الاختصاص التي مارسوا وظائفهم فيها،و جاء في حيثية الرأي (رأي المجلس الدستوري) أنه : "أية قراءة أخرى تقضي إلى توسيع هذا المطلب الأخير إلى كل دوائر الاختصاص التي سبق لهم أن مارسوا وظائفهم بقول تمييزي لا يستند إلى أساس، وبعد هذا التحفظ تبين أن أحكام المادتين 82 و85 المذكورين لا مساس لهم بأي حكم دستوري"، وجاء في منطوق هذا الرأي أنه : "تحت طائلة التحفظات ... يصرح بأن المواد 82 85 من قانون الانتخابات مطابقة للدستور".
بقي أن نتساءل في الأخير فيما إذا كانت كل النصوص التشريعية تصلح أن تكون موضوع إخطار أمام المجلس الدستوري ؟ أم أنها محددة كما هو الحال في تونس 1 ؟
إن المادتين 165/1 من دستور 1996، وكذا المادة 169 التي تضمنت دستورية القوانين جاءت شاملة، فلم تميز بين القوانين التي يصادق عليها البرلمان 2، والتي تكون بناءا عل مبادرة رئيس الحكومة، أو تلك المشاريع التي يتولى النواب اقتراحها 3، طبقا لنص المادة 119 من دستور 1996 ودون أن تضع المادتين (165، 169) شروطا لذلك.
إلا أنه لابد أن نشير إلى أن هذه الرقابة لا تمتد إلى القوانين التي يسنها الشعب بواسطة الاستفتاء ما دامت تعبرعن السيادة الوطنية طبقا لما تنص عليه المادة 7/ 3 تنص صراحة على أن : "يمارس الشعب هذه السيادة عن طريق الاستفتاء ..."4.
ويظهر تأكيد استبعاد القوانين الناشئة عن استفتاء الشعب، عندما ينظر المجلس الدستوري في مدى صحة التعديل الدستوري طبقا لنص المادة 175، بحيث يكون عرض مشروع القانون الخاص بالتعديل الدستوري قبل أن يطرحه رئيس الجمهورية لاستفتاء 5 الشعب وليس بعده وإلا سوف يتعدى المجلس على إرادة الشعب ويعلو عليها، وهو أمر مخالف للدستور 6 لا يمكنه أن يقدم عليه ما دام هو المكلف أصلا بالسهر على احترام الدستور طبقا لنص المادة 163 من دستور1996، إلا أنه حتى وإن أقر المجلس الدستوري في رأيه بعدم صحة التعديل الدستوري لأنه يمس بالضوابط والمبادئ التي نصت عليها المادة 175، وعرض هذا المشروع على الشعب ووافق عليه، فإن حكم الشعب في هذه الحالة يكون أقوى وأعلى من رأي المجلس الدستوري، لأن الشعب أعلى من كل المؤسسات والسلطات7.
فإذا كان هذا الأمر مفروغ منه بالنسبة للقوانين الناشئة عن الاستفتاء، فما هو الحكم بالنسبة للأوامر؟ أو بتعبير آخر، هل تخضع الأوامر لرقابة المجلس الدستوري ؟
الأصل أن السلطة التشريعية تتولاها غرفتي البرلمان، أي المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة طبقا لنص المادة 98/ 1 من دستور 1996؛ غير أنه لرئيس الجمهورية أن يصدر أعمالا تتمتع بما تتمتع بع القوانين من قوة ملزمة 1، فالدستور الجزائري يعترف كغيره من دساتير الدول التي تعترف بهذه السلطة لرئيس الجمهورية مع اختلاف في التسمية إذ يسميها بـ "الأوامر" في حين تسمى في الدستور المصري بـ "القرارات" التي لها قوة القانون" أما الدستور الكويتي 2 فيسميها بـ "التشريع بقانون" والفرنسي أسماها بـ "Les ordonnances".
تعد الأوامر بمثابة أعمال قانونية استثنائية، لأنها تصدر عندما يتطلب الأمر تدابير مستعجلة، ولم يكن البرلمان بغرفتيه منعقدا، أي خارج دورتي البرلمان، أو في حالة شغور المجلس الشعبي الوطني طبقا لنص المادة 124/ 1 و4، أما كونها مشروطة، فذلك أن الدستور يشترط أن تعرض كل النصوص المتخذة على كل غرفة من غرفتي البرلمان في أول دورة لها وتكون لاغية إذا ما رفض البرلمان المصادقة عليها طبقا لنص المادة 124/ 2،3 من الدستور.
أما بالنسبة لعرضها على المجلس الدستوري، فإن دستور 1963 أقر في مادته 64 أن الأوامر التشريعية تخضع لرقابة الدستورية من طرف المجلس؛ إلا أن دستوري 1989 و1996 لم يعترفا صراحة بهذا الاختصاص للمجلس الدستوري، فإذا كان هذا الأمر أكثر منطقية في دستور 1989 لأنه لا توجد ولا مادة في الدستور تنص صراحة على أن يصدر رئيس الجمهورية الأوامر3 ، غير أن دستور 1996 نص على الأوامر في المادة 124 المشار إليها أعلاه وكذا المادة 179، إلا أن اختصاصات المجلس الدستوري بقيت كما كانت عليه سابقا في دستور 1989، وبقيت المواد الخاصة باختصاصات المجلس خالية من الإقرار صراحة على مراقبة المجلس الدستوري لدستورية الأوامر، فهل معنى ذلك أنها تخرج عن إطار عمل المجلس الدستوري أم ماذا ؟
بالرجوع إلى نص المادة 169 من دستور 1996 استعمل المؤسس الدستوري عبارة "النصوص التشريعية" بخلاف نص المادة 165التي نصت على: "رقابة القوانين" و"التنظيمات" يبدو أن المؤسس الدستوري أراد في نص المادة 169 أن يضم الأوامر إلى رقابة المجلس الدستوري، فتكون بذلك الرقابة منصبة على كافة التشريعات على اختلاف أنواعها ومراقبتها سواء أكانت تشريعات أصلية صادرة من السلطة التشريعية، أو تشريعات فرعية صادرة عن السلطة التنفيذية، هذا فضلا على أنه إذا كان المؤسس الدستوري يعترف للمجلس الدستوري برقابة التنظيمات الأدنى مرتبة والقوانين الأعلى مرتبة، فأولى أن يعترف له برقابة دستورية الأوامر (كما هو الحال في فرنسا) .
لكن عند تفحص قرارات وآراء المجلس الدستوري، وجدنا أن هناك أوامر خضعت لرقابته منها :
1 ـ الأمر المتعلق بالتقسيم القضائي المصادق عليه من طرف المجلس الوطني الانتقالي بتاريخ 6 جانفي 1997 بموجب رأي 19 فيفري 1997.
2 ـ الأمر المتضمن القانون العضوي المتعلق بالأحزاب السياسية بموجب رأي 6 مارس 1997.
3 ـ الأمر المتعلق بنظام الانتخابات بموجب رأي 6 مارس 1997.
لكن المثير للانتباه، أنه لا يعتمد على نص المادة 169 (التي افترضنا أن هذا الاختصاص للمجلس الدستوري يستند عليها)، بل يعتمد على مواد خاصة بالقانون، أي المادة 123، وهي تلك الخاصة بالأوامر المتضمنة القوانين العضوية، وكذلك الخاصة بالقوانين والتنظيمات طبقا لنص المادة 165، وتلك الخاصة بالأوامر هي المادة 179 بالرغم من أن هذه الأخيرة لا تعترف له صراحة برقابة الدستورية بل تنص على التشريع المؤقت بموجبها (أي بموجب الأوامر)، في حين وجدناه يعتمد على نص المادة 163 من الدستور التي تعطيه (للمجلس الدستوري) اختصاص السهر على احترام الدستور، لأنه إذا كانت هذه النصوص ستكسب صفة القانون إذا ما أصدرها البرلمان يجب أن لا تكون مخالفة للدستور.
• الإخطار الوجوبي للقوانين العضوية :
بالرغم من أن القوانين العضوية فكرة مستوحاة من الخارج وارتبط وجودها بتطور سياسي معين وبتقاليد دستورية لبعض الدول، ففي الجزائر لا يعتبر هذا النوع من القوانين نتاجا لمثل هذا المسار، فقد تم إدراجه ضمن الدستور الأخير قصد تجنيب بعض القوانين (أو بعض المواضيع المهمة) التعديلات المتكررة وبخاصة التالية السياسية، مما ينبئ بتهديد الاستقــرار
القانوني وتسيب العمل التشريعي وما يترتب عنه من نتائج1.
إذن لقد أضاف الدستور الأخير ولأول مرة طائفة أخرى جديدة من القوانين وهي "القوانين العضوية"2، وقد حددت المادة 123 من دستور 1996 طائفة من المجالات المخصصة للقوانين العضوية بالإضافة إلى مجالات أخرى حددتها أحكام أخرى في الدستور3.
* ماهية القوانين العضوية:
بالرجوع إلى نص المادة 123 من الدستور وفي فقرتها الأولى فإنها تنص على مايــلي:
"إضافة إلى المجالات المخصصة للقوانين العضوية بموجب الدستور يشرع البرلمان بقوانين عضوية في المجالات الآتية :
ـ تنظيم السلطات العمومية وعملها،
ـ نظام الانتخابات،
ـ القانون المتعلق بالأحزاب السياسية،
ـ القانون الأساسي للقضاء والتنظيم القضائي،
ـ القانون المتعلق بقوانين المالية،
ـ القانون المتعلق بالأمن الوطني".
وبإلاضافة إلى هذه المجالات التي حددتها المادة 123 من الدستور، هناك مجالات أخرى مخصصة للقوانين العضوية، كتحديد كيفيات انتخاب النواب وكيفيات انتخاب أعضاء مجلس الأمة أو تعيينهم4، أو اشتراط استخلاف النائب أو عضو مجلس الأمة في حالة شغور مقعده5.
وبالتالي، فإن هذه القوانين صادرة عن البرلمان الذي يشرع فيها وحده، وأن مواضيعها متعلقة سواء بالنظم أو بالهيئات الدستورية وتنظيمها، حيث تخضع لإجراءات إصدار خاصة كما تخضع وجوبا لرقابة المطابقة الدستورية المسبقة من طرف المجلس الدستوري قبل دخولها حيز النفاذ، وهذا نظرا لأهمية المجالات التي تكون موضوع هذه القوانين العضوية لضمان استقرار أكثر لها واحترامها 1، مما يجعل المجلس الدستوري يتأكد من مطابقتها للدستور قبل إصدارها حتى لا تكون موضوع رقابة لاحقة قد تؤدي إلى إلغائها.
وما تجدر الإشارة إليه التمعن في نص المادة 165/2 من دستور 1996، التي ذكرت عبارة "في دستورية القوانين العضوية" عوض عبارة "مطابقة القوانين العضوية" ،في حين نجد أن النظام المحدد لقواعد عمل المجلس الدستوري فرق بين الرقابتين، حيث أفرد الفصل الأول "لرقابة المطابقة المتعلقة بالقوانين العضوية والأنظمة الداخلية لغرفتي البرلمان"، أما الفصل الثاني فخصه "لرقابة دستورية المعاهدات والقوانين والتنظيمات" -كما ذكر ذلك أعلاه- وبالتالي كان على المؤسس الدستوري مسايرة منطوق المادة 123/4 من الدستور2 المتعلقة أصلا بالقوانين العضوية3 باستعمال عبارة "مطابقة القوانين العضوية للدستور".
والملاحظ على الفقرة الثانية من المادة المذكورة سابقا (م.123)، هو أن طريقة المصادقة على القوانين العضوية تختلف عن تلك الخاصة بالقوانين العادية، بحيث تتم المصادقة على القانون العضوي بالأغلبية المطلقة للنواب (المجلس الشعبي الوطني) وبأغلبية ثلاثة أرباع 4/3 أعضاء مجلس الأمة، إضافة إلى خضوعها الإلزامي والسابق عن إصدارها ودخولها حيز النفاذ لرقابة المطابقة الدستورية (من طرف المجلس الدستوري)، وذلك بعد الإخطار الوجوبي من قبل رئيس الجمهورية لتحال على المجلس الدستوري.
وقد ورد في نص المادة الأولى من النظام المحدد لقواعد عمل المجلس الدستوري مايلي:
"يفصل المجلس الدستوري في مطابقة القوانين العضوية للدستور قبل صدورها طبقا للفقرة الأخيرة من المادة 123 من الدستور برأي وجوبي بعد أن يخطر رئيس الجمهورية طبقا للفقرة الثانية من المادة 165 من الدستور خلال الأجل المحدد في الفقرة الأولى من المادة 167 من الدستور".
فالملاحظ أنه قبل أن يتم إصدار القوانين العضوية وبعد الموافقة عليها من طرف البرلمان حسب الأغلبية المطلوبة دستوريا، يقوم رئيس الجمهورية بإخطار المجلس الدستوري وجوبا، وليقوم هذا الأخير بفحص مدى مطابقة هذه القوانين للدستور، على أن يصدر المجلس رأيه وجوبا خلال 20 يوما المحددة دستوريا، ويكون رأيه ملزما1.
إذن، فالمجلس الدستوري عندما يفحص مدى مطابقة القوانين العضوية للدستور، فهو يفحص ذلك من حيث الإجراءات التي تمت فيها الموافقة على هذه القوانين التي جرت كما نص عليا الدستور، والموافقة عليها تمت بالأغلبية المطلوبة في الدستور، وأيضا، يفحص إن كان محتوى هذه النصوص القانونية ضمن المواضيع التي خول الدستور للبرلمان التشريع فيها بقوانين عضوية، وفحص أيضا إن كانت هذه النصوص في حد ذاتها غير مخالفة للمبادئ الدستورية القائمة.
فإذا صرح المجلس الدستوري أن حكما غير مطابق للدستور، ولا يمكن فصل هذا الحكم عن باقي أحكام القانون العضوي المعروض عليه، فإنه لا يتم إصدار هذا القانون 2، نظرا لأنه ليس من المنطقي ولا من المعقول إصدار قانون رفض وحكم فيه بعدم مطابقته للدستور، وأن هذا الحكم له ترابط مع الأحكام السابقة والتي تليه لما قد يؤدي إلى إصدار ناقص غير متوازن ومعيب.
بالإضافة إلى أنه في حالة ما إذا صرح المجلس الدستوري أن القانون المعروض عليه يتضمن حكما غير مطابق للدستور، ولكن لم يلاحظ بأن الحكم المعني لا يمكن فصله عن باقي أحكام هذا القانون، أي أنه لم يرى أن فصل هذا الحكم (عن الأحكام الأخرى للقانون العضوي) يؤدي إلى نقص في القانون المعروض أو إخلال بمحتواه، ففي هذه الحالة يمكن لرئيس الجمهورية إصدار هذا القانون دون الحكم الذي ارتأى المجلس عدم مطابقته للدستور، أو أن يطلب من البرلمان قراءة جديدة للنص لاستدراك الحكم غير المطابق للدستور واستخلافه بحكم آخر، على أن يعرض الحكم المعدل على المجلس الدستوري مرة أخرى لمراقبة مدى دستوريته3.
لابد من الإشارة، بأن نطق المجلس الدستوري بعدم مطابقة بعض الأحكام للدستور، دفعه في الكثير من الأحيان إلى تصحيحها، بل وإلى إعادة كتابتها وتحريرها من جديد، ومثل هذه العملية غير منصوص عليها لا في الدستور ولا في النظام الذي يحدد إجراءات عمله،و في الحقيقة -بعمله هذا- فإنه يكون قد قام بتعديل محتوى ومضمون بعض الأحكام التشريعية، وفي هذا المسار يستعمل الآلية المعروفة "بالتحفظات"، فمن دوره كهيئة تتكفل بمراقبة دستورية القوانين، انقلب دون سابق إنذار إلى هيئة تتولى التشريع، وبهذا يظهر أن المجلس الدستوري لا يقف عند مراقبة القوانين والنطق بعدم دستوريتها وعدم مطابقتها فقط، وإنما يتعدى إلى حد أخذ مكان المشرع نفسه1.
يقابل تسمية القوانين العضوية مصطلح Lois Organique في النظام الفرنسي، وهي كذلك القوانين الصادرة عن البرلمان، لكن موضوعها يكون دائما أمرا متعلقا بالنظم أو بالهيئات الدستورية، وهذه القوانين تناولتها نصوص عدة من دستور سنة 1958 الفرنسي، و من ذلك على سبيل المثال أن المادة السادسة من الدستور تضمنت النص على أن طريقة انتخاب رئيس الجمهورية بقانون أساسي، والرقابة على دستورية القوانين الأساسية في النظام الفرنسي تعد رقابة وجوبية أيضا، حيث ألزمت المادة 46 من دستور 1958 ضرورة أن تعرض هذه النوعية من القوانين على المجلس الدستوري حتى يتم الاستيثاق من كونها متوافقة مع أحكام الدستور وذلك قبل إصدارها.
فليس للمجلس الدستوري أن يتصدى تلقائيا لفحص دستورية القوانين الأساسية، بل تتم إحالة هذه القوانين على المجلس بواسطة رئيس الوزراء، ولكنه في نفس الوقت لا يتمتع رئيس الوزراء2 في هذا الأمر بأية سلطة تقديرية، ومفاد ذلك، أنه يتعين وجوبا على رئيس الوزراء أن يحيل إلى المجلس الدستوري القوانين الأساسية كافة لفحصها، ولعل السبب في ذلك مرجعه أن المادة 46 من الدستور أكدت في فقرتها الأخيرة أن القوانين تصدر إلا بعد أن يعلن المجلس الدستوري أنها مطابقة للدستور، هذا وأن رئيس الوزراء هو الذي يضطلع بهذا الأمر، وأنه لا يملك في هذا الشأن سلطة تقديرية، ومع ذلك فإن رئيس الوزراء سبق له أن فوض لوزير العدل هذا الأمر.
وبالتالي حينما يحال القانون الأساسي للمجلس الدستوري، فإن هذا الأخير يضطلع بفحص مدى دستورية كافة نصوصه بغرض الوقوف على مدى مطابقتها لأحكام الدستور من عدمه، سواء كان ذلك من الناحية الشكلية أم من الناحية الموضوعية كما هو الحال بالنسبة للمجلس الدستوري الجزائري عندما يفحص مطابقة القوانين العضوية للدستور.
الفرع الثاني: رقابة دستورية التنظيمات وأوامر رئيس الجمهورية
أولا: بالنسبة للتنظيمات
تنص المادة 165 من دستور 1996 على أن المجلس الدستوري يفصل أيضا في دستورية التنظيمات، فقد يحتمل أن تمتد يد السلطة التنفيذية وهي تمارس السلطة التنظيمية إلى المجال التشريعي الذي هو من اختصاص البرلمان طبقا لأحكام الدستور، هذه السلطة التنظيمية المخولة للسلطة التنفيذية بموجب المادة 125 من دستور 1996 والتي تنص على مايلي:
"يمارس رئيس الجمهورية السلطة التنظيمية في المسائل غير المخصصة للقانون. يندرج تطبيق القوانين في المجال التنظيمي الذي يعود لرئيس الحكومة".
حسب الفقرة 1 من المادة المذكورة أعلاه "يمارس رئيس الجمهورية للسلطة التنظيمية في المسائل غير المخصصة للقانون"، فإن صياغة النص على هذا النحو تترك مشكلة تحديد مجال ممارسة هذه السلطة التنظيمية مطروحة كلية، أو بتعبير آخر كيف تتحد المسائل غير المخصصة للقانون والتي تشكل المجال التنظيمي الخاص برئيس الجمهورية ؟ في الواقع لا يمكن تحديد هذا المجال إلا عند معرفة المسائل المخصصة للقانون أي مجال السلطة التشريعية ويفرض هذا المسعى التقنية ذاتها التي اتبعا المشرع في تحديد مجال كل من السلطتين التشريعية والتنظيمية1.
يجدر بنا إذن تحديد مجال السلطة التشريعية لنصل بعد ذلك إلى مجال السلطة التنظيمية.
1 ـ مجال السلطة التشريعية :
يتحدد مجالها طبقا لعدد من الأحكام الدستورية يأتي في مقدمتها نص المادة 122 الذي بمقتضاه يشرع البرلمان في الميادين التي يخصصها له الدستور.
وفضلا عن هذا المبدأ العام يضيف النص المذكور أن البرلمان يشرع كذلك في عدد من المواد ذكرها صراحة وحصرها في 30 بندا.
ويميز هذا النص بين قائمتين من المواد، الأولى مخصصة للبرلمان الذي يعود له وحده تحديد القواعد المتعلقة بالمواد التي تتضمنها، ومثالها حقوق الأشخاص وواجباتهم الأساسية لا سيما نظام الحريات العمومية وحماية الحريات الفردية وواجبات المواطنين،و الضمانات الأساسية للموظفين ...، أما القائمة الثانية فيكتفي فيها البرلمان بتحديد القواعد العامة، ومثالها: "القواعد العامة المتعلقة بالتعليم والبحث العلمي"، "القواعد العامة المتعلقة بالصحة العمومية والسكان"، "القواعد العامة للإجراءات المدنية وطرق التنفيذ". ومعنى ذلك أن البرلمان بالنسبة لهذه المواد لا يضع إلا القواعد العامة تاركا القواعد التفصيلية للسلطة التنفيذية.
ولكن، هذه الأخيرة تتدخل بمقتضى مهمتها العامة في تنفيذ القوانين حتى بالنسبة لمواد القائمة الأولى، فطبقا للفقرة الثانية من المادة 125 من الدستور والتي نصت على "يندرج تطبيق القوانين في المجال التنظيمي الذي يعود لرئيس الحكومة"، فإن التفرقة بين القائمتين تكاد تكون مجرد تفرقة نظرية محدودة الفائدة عمليا، إلى جانب هذا النص العام وطبقا له، يتحدد أيضا المجال الخاص بالسلطة التشريعية بنصوص أخرى نذكر منها نص المادة 123 من الدستور،حيث يخول للسلطة التشريعية وحدها التشريع بقوانين عضوية في المجالات التي تخضع لهذا النوع من القوانين والتي ذكرت هذه المادة أهمها.
2 ـ مجال السلطة التنظيمية :
طبقا لنص المادة 125 من الدستور السالفة الذكر، فإن السلطة التنظيمية يمارسها رئيس الجمهورية في المسائل غير المخصصة للقانون، أي الخارجة عن مجال السلطة التشريعية ونظرا لكون اختصاصات هذه الأخيرة واسعة جدا، فان مجال التنظيم يضيق بنفس القدر، ومع ذلك تثور بشأن تقسيم المجال بين السلطة التشريعية والتنظيمية على الصعيد النظري مشكلة الوقوف عندها، فصيغة النصين المحددين لمجال كل من السلطتين توحي برغبة واضحة في تقليص مجال النصوص ذات القيمة التشريعية، وتوسيع مجال النصوص ذات القيمة التنظيمية والتي يطلق عليها التنظيمات القائمة بذاتها اعتبارا إلى عدم استنادها لأي نص تشريعي.
ولكن التساؤل الذي يطرح حول رقابة دستورية التنظيمات 1هو: هل يقع على التنظيم المستقل (القائم بذاته) والذي هو من صلاحية رئيس الجمهورية أو على التنظيم التكميلي، الذي هو من صلاحية رئيس الحكومة ؟ فإذا استندنا إلى تصريحات الأمين العام للمجلس الدستوري "أحمد بن هني" 2، الذي يرى أنه من الأحرى أن يمارس المجلس الدستوري رقابته على النصوص الكاشفة أو المبينة للتنظيم المستقل، على أن يمارس على النصوص التي تطبق القوانين الموافقة عليها من طرف البرلمان، لأن هذه الأخيرة تكشف عن الرقابة الشرعية أكثر منها عن الرقابة الدستورية1.
ثانيا : بالنسبة لأوامر رئيس الجمهورية
وفضلا عن التنظيمات المستقلة أو القائمة بذاتها التي تعتبر مجالا خاصا تستقل به السلطة التنفيذية ولا تستند فيه للتشريع، يمكن لرئيس الجمهورية طبقا لدستور 28 نوفمبر 1996 أن يشرع بأوامر في المجال المخصص بمقتضى الدستور للسلطة التشريعية، وقد اختلف الأمر فيما يخص منح هذه السلطة الاستثنائية من دستور لآخر، فإذا كان دستور 22 نوفمبر 1976يعترف بموجب المادة 153 منه لرئيس الجمهورية بحق التشريع بأوامر فيما بين دورة وأخرى للمجلس الشعبي الوطني، فإن دستور 23 فبراير 1989 قد تخلى عن هذا الطريق، إذ لم يبق لرئيس الجمهورية - وفقا له - غير أعمال السلطة التنظيمية في حدود المجال المخول له بمقتضى الدستور2.
ويخضع التشريع بأوامر طبقا للدستور الحالي إلى عدد من القواعد لابد من احترامها كما يفترض أن يجد اختيار هذه الوسيلة مبررات في الواقع من أجل معالجة المسائل العاجلة التي لا تحتمل انتظار السلطة التشريعية من أجل تنظيمها3.
فطبقا لنص المادة 124/1 من الدستور الحالي، لرئيس الجمهورية أن يشرع بأوامر في حالة شغور المجلس الشعبي الوطني أو بين دورتي البرلمان، يقتضي هذا النص التفرقة بين وضع عادي تماما حيث يكون المجلس الشعبي الوطني قائما، ووضع استثنائي نوعا ما تمثله حالة شغور المجلس الشعبي الوطني، فحق رئيس الجمهورية في التشريع بأوامر في الحالة الأولى مقيد من حيث الزمان، إذ لا يمكنه ممارسته إلا بين دورتي البرلمان، ومن المعلوم أن هذا الأخير يجتمع في دورتين كل سنة لا تقل الواحدة منهما عن أربعة أشهر، فضلا عن الدورات غير العادية إذا ما تحققت شروطها طبقا لنص المادة 118 من الدستور، مما يجعل المجال الزماني للتشريع بأوامر ينحصر في حدود مدة أقصاها أربعة أشهر سنويا، يمكن أن تقلص بمدة الدورة غير العادية إن حصلت.
أما في الحالة الثانية، فإن المجال الزماني الذي يشرع من خلاله رئيس الجمهورية بأوامر يبتدئ منذ إعلان حالة شغور المجلس الشعبي الوطني، ويبقى مفتوحا طالما بقيت هذه الحالة قائمة.
إن الأوامر المتخذة في الحالتين يمكنها أن تشمل أي ميدان من الميادين الخاصة بالسلطة التشريعية كما حددها الدستور، وسواء تعلق الأمر بميدان لا يوجد تشريع سابق بشأنه أم بميدان سبق تنظيمه بقوانين أو أوامر، فيأتي الأمر الجديد ليلغي أو يعدل النصوص سارية المفعول في هذا الميدان، لكن الأوامر تخضع لشرط أساسي نصت عليه المادة 124 فقرة ثانية من الدستور والتي طبقا لها: " يعرض رئيس الجمهورية النصوص التي اتخذها على كل غرفة من البرلمان في أول دورة له لتوافق عليها "، ويكمل هذا الشرط الجزء الخطير المتضمن في الفقرة الثالثة من النص المذكور، والتي بمقتضاها: " تعد لاغيه الأوامر التي لا يوافق عليها البرلمان ".
هكذا، وتطبيقا للشرطين سالفي الذكر، وكما يشير الأستاذ "زغلاني" فإن الأمر المتخذ من طرف رئيس الجمهورية يشترط أن تتم موافقة صريحة من البرلمان بعد عرضه عليه، فالمادة 124 من الدستور جاءت واضحة عندما استعملت عبارة "لتوافق عليها". ومن جهة أخرى مهما طالت مدة سكوت البرلمان تجاه الأوامر المعروضة عليه، فإن ذلك لن يؤدي إلى المساس بحقوق وحريات الأفراد طالما الأوامر المتخذة من طرف رئيس الجمهورية في هذه الحالة ولغاية إعلان البرلمان عن موقفه تجاهها صراحة، تعد قرارات إدارية قابلة للطعن فيها قضائيا أمام القاضي الإداري، بالإضافة إلى إمكانية خضوعها للرقابة الدستورية1 .
لكن هذا التغيير الناتج عن عدم تحقق الشروط التي يفرضها الدستور لصحة الأوامر التي يتخذها رئيس الجمهورية لا علاقة له بدخول هذه النصوص حيز النفاذ، فالأوامر تتخذ لتنفذ فورا إثر نشرها في الجريدة الرسمية تماما كالقوانين الصادرة عن البرلمان، لأن الانتظار أكثر يفقد هذه النصوص علة وجودها والتي غالبا ما تكون السرعة والاستعجال مبررا لاتخاذ هذه الأوامر، فبواسطتها يمكن تحقيق ربح معتبر مقارنة بما يمكن أن يستغرقه مشروع القانون الذي يستوجب استنفاذ فترة ما بين الدورتين ومدة المناقشة والتصويت أمام الغرفتين إضافة إلى الوقت الكاف للإصدار والنشر في الجريدة الرسمية، وعليه فإن أوامر رئيس السلطة التنفيذية والتي هي اختصاص أصلي لرئيس الجمهورية 1 تخضع لرقابة الدستورية، فقد يتعدى رئيس الجمهورية ليس فقط على اختصاص السلطة التشريعية نظرا لضرورة ومبررات عملية، وإنما قد تكون هذه الأوامر مخالفة للدستور، وهذا ما يبرر عرضها على الرقابة الدستورية، وبما أن الأغلبية البرلمانية هي الأغلبية الرئاسية، فانه عند عرض هذه الأوامر على البرلمان للموافقة عليها فإنه يصوت عليها بالموافقة، حتى لو كانت مخالفة للدستور، ثم إن كلا من رئيسا غرفتي البرلمان لا يقوما بإخطار المجلس الدستوري، لأنهما من نفس المجموعة السياسية الرئاسية، وبالتالي قد تفوت على المجلس الدستوري فحص دستورية هذه الأوامر وتفلت من رقابته، فإلى يومنا هذا لم يكن أي أمر من أوامر رئيس الجمهورية موضوع إخطار، فلم تخطر أي من الجهات المخولة حق الإخطار المجلس الدستوري ليفحص دستوريته.
وبالرغم من ذلك، فإن إلاشكال يبقى قائما، ويتعلق بالأوامر التي اتخذها رئيس الجمهورية في مجال القوانين العضوية، فهل يجب أن تعرض على المجلس الدستوري بعد موافقة البرلمان عليها عملا بالمادة 123 من الدستور؟ التي اشترطت عرضها على المجلس الدستوري قبل إصدارها. و حسب رأي الأستاذ "مراد بدران" في نفس مقاله السابق 2 فانه يجب أن تحال على المجلس الدستوري عملا بالرأي الذي تعتنقه والمتمثل في أن الأوامر تتحول إلى تشريعات بعد موافقة البرلمان عليها، لذلك يميز بين نوعين من الأوامر تدخل في المجال التشريعي المحدد بمقتضى المادة 122 من الدستور ـ التشريعات العادية ـ وهذه لا يشترط إحالتها على المجلس الدستوري قبل إصدارها، وأوامر تدخل في المجال التشريعي المحدد بمقتضى المادة 123 من الدستور ـ القوانين العضوية ـ وهذه يشترط إحالتها على المجلس الدستوري بعد موافقة البرلمان عليها وقبل إصدارها.
وخلاصة القول، فيما يخص الإخطار الجوازي للمجلس الدستوري لتحريك الرقابة الدستورية، والذي هو مخول للسلطات العامة في الدولة المتمثلة في هيئات ثلاث، رئيس الجمهورية، ورئيسا غرفتي البرلمان، فإن هذا الإخطار يحيل كل من القوانين (النصوص التشريعية)، المعاهدات والتنظيمات وأوامر رئيس الجمهورية على المجلس الدستوري لتكون موضوع الرقابة الدستورية، لكن هذا الإجراء ـ الإخطار ـ اختياري يكون بمبادرة من إحدى الهيئات المذكورة سواء قبل أو بعد دخول هذه النصوص حيز النفاذ.
لكن ما دام أن المؤسس الدستوري الجزائري لم يوسع في الأشخاص المخول لهم حق الإخطار كالأقلية البرلمانية والأفراد، فإن فعالية الرقابة ودور المجلس الدستوري في هذا المجال أمر مردود عليه مما قد يجعل الكثير من هذه النصوص تفلت من رقابة المجلس الدستوري لفحص دستوريتها حتى وإن كانت هذه الأخيرة مخالفة للدستور.
وإضافة إلى نقص في الإجراءات و التي تؤدي بدورها إلى إضعاف فعالية هذه الرقابة سواء كانت رقابة سابقة أو رقابة لاحقة.
وفي هذه الحالة نطرح السؤال التالي: من أي لحظة يمكن فيها للهيئة المختصة إخطار المجلس الدستوري بصدد هذا النص ؟ سواء كانت رقابة لاحقة أو سابقة.
وفي هذه الحالة يكون المجال الزمني لإخطار المجلس الدستوري مفتوح حتى بعد سنين من دخول القانون حيز النفاذ.
الفرع الثالث: مراقبة دستورية النظام الداخلي لغرفتي البرلمان
يسهر المجلس الدستوري على فحص تطابق النظام الداخلي لغرفتي البرلمان مع الدستور وذلك بناء على الفقرة الثالثة للمادة 165 من دستور1996 التي تنص على ما يلي :
" كما يفصل المجلس الدستوري في مطابقة النظام الداخلي لكل من غرفتي البرلمان للدستور حسب الإجراءات المذكورة في الفقرة السابقة " .
وبالتالي فإن النظام الداخلي لغرفتي البرلمان يخضع لرقابة وجوبية مسبقة بعد إخطار المجلس الدستوري من طرف رئيس الجمهورية وذلك بعد التصويت عليه، ولكن قبل الشروع في تطبيقه يفحصه المجلس للدستور (رقابة المطابقة) خلال الآجال المحددة في الدستور.
وذلك أيضا ما نصت عليه المادة الرابعة من النظام المحدد لقواعد عمل المجلس الدستوري، والتي جاء فيها ما يلي :
" يفصل المجلس الدستوري في مطابقة النظام الداخلي لكل من غرفتي البرلمان للدستور قبل الشروع في تطبيقه برأي وجوبي طبقا للفقرة الثالثة من المادة 165 من الدستور خلال الأجل المنصوص عليه في الفرقة الأولى من المادة 167 من الدستور" .

وتعتبر هذه الرقابة ضرورية، حيث أن اللائحة الداخلية للبرلمان تحدد الإجراءات المتعلقة بتنظيمه وتسييره 1، فمن الطبيعي أن يقوم المجلس الدستوري عند مباشرته لاختصاصات تنظيم عمله وتجسيد صلاحياته بالتحقق فيما إذا كان البرلمان قد احترم المبادئ التي يقررها الدستور أم لا.
وأكد ذلك المجلس الدستوري في رأي أصدره 2، والمتضمن الدراسة الأولى للنظام الداخلي للمجلس الشعبي الوطني، والذي تم عرضه على شكل قانون، وإثر ذلك قام رئيس الجمهورية بإخطار المجلس الدستوري ليعطي رأيه في هذه المسألة، حيث أكد المجلس الدستوري الفرق الموجود بين القانون والنظام الداخلي للمجلس الشعبي الوطني وذلك تكريسا لمبدأ الفصل بين السلطات.
وقد جاء في هذا الرأي ما يلي :
" نظرا لكون محرر الدستور أقام مبدأ الفصل بين السلطات باعتباره أساسيا في تنظيم السلطات العمومية، ونظرا لكون مثل هذا الاختيار يترتب عليه أن كل سلطة لها صلاحية تنظيم عملها الداخلي وضبطه، كما أن هذا المبدأ يتجسد بدقة أكثر فيما يتعلق بالمجلس الشعبي الوطني ضمن أحكام المادة 109 الفرقة الثانية من الدستور ..." .
وعليه فإن المبادرة بالقوانين يكون من اختصاص السلطة التشريعية، أما السلطة التنفيذية فإنها تصدر المراسيم (رئاسية، تنفيذية)، بينما النظام الداخلي للبرلمان هو بمثابة التعبير عن استقلالية السلطة التشريعية، حيث لا يجب أن يوجد أي تدخل للسلطة التنفيذية في ذلك ولا يمكن لها أن تبادر باقتراح مشروع النظام الداخلي للبرلمان.
حول وجوب تلك الرقابة التي يقيمها المجلس الدستوري حينما ينظر في النظام الداخلي للبرلمان، فإن المسألة لم يكن مفصولا فيها إلا بعد إصدار المجلس الدستوري لرأيه 3 وهذا في ظل دستور 1989، حيث تقضي المادة 155 منه وفي فقرتها الثانية: " كما يفصل في مطابقة النظام الداخلي للمجلس الشعبي الوطني للدستور... "، والتي يفهم منها وجود خلاف أو نزاع بشان النظام الداخلي، وهو ما يؤكده نظام عمل المجلس الدستوري في المادة 20 التي تقضي بأنه: " إذا أخطر المجلس الدستوري في إطار الفقرة الثانية من المادة 155 من الدستور، يفصل في مطابقة النظام الداخلي للمجلس الشعبي الوطني للدستور، خلال الأجل المحدد في المادة 13 أعلاه " .
فالنص يتحدث كذلك عن الإخطار بقوله: "إذا ..." – الاختيارية - التي تفيد أن المجلس لا يتدخل إلا إذا توفر شرط الإخطار وعندها يلتزم بالفصل " يفصل في المطابقة "، بالإضافة إلى أنه من خلال النص الدستوري، نلاحظ عدم وجود نص صريح يلزم رئيس المجلس الشعبي الوطني بتقديم نظامه الداخلي ليخضع لهذه الرقابة، وقد تم فعلا أن أخطر المجلس الدستوري بشأن الموضوع وأدلى برأيه المشار إليه أعلاه حول النص المتضمن قانون النظام الداخلي للمجلس الشعبي الوطني 1، لكنه قضى بأنه: " تطبيقا للمادة 155 الفقرة 02 من الدستور فأن مراقبة النظام الداخلي للمجلس الشعبي الوطني مع الدستور إلزامية وسابقة لتطبيقه "، ونشير إلى أن رئيس المجلس الشعبي الوطني لم يكن راضيا بالتصريحات التي جاءت في هذا الرأي الذي أصدره المجلس الدستوري، فعلى الرغم من عدم رضاه بذلك إلا أنه قد قام أخيرا بتقديمه وتم ذلك بعد مدة طويلة 2، أي بعد دخول هذا النظام حيز النفاذ والتطبيق.
وفيما يخص هذه الحالة، قام المجلس الدستوري بإصدار قرار وهو القرار رقم ثلاثة الصادر في 18 ديسمبر والمتضمن تطابق النظام الداخلي للمجلس الشعبي الوطني والدستور والذي أثير فيه عنصر اللادستورية في نقطة واحدة، والمتعلقة بتنظيم الزيارات التفقدية والميدانية من طرف أعضاء لجان المجلس الشعبي الوطني، ورأى أن مثل هذا الإجراء من شأنه أن يشكل مساسا بمبدأ الفصل بين السلطات، وبالاستقلالية اللازمة للهيئة التنفيذية 3 .
لكن، بعد المراجعة الدستورية الأخيرة، فإن دستور 1996 جاء واضحا فيما يخص إلزامية ووجوب إخطار المجلس الدستوري ليفصل في مدى مطابقة النظام الداخلي لكل من غرفتي البرلمان مع الدستور، وذلك من خلال الفقرة الثالثة من نص المادة 165.
حيث ذكرت المادة في هذه الفقرة ما يلي : " كما يفصل المجلس الدستوري في مطابقة النظام الداخلي لكل من غرفتي البرلمان للدستور، حسب الإجراءات المذكورة في الفرقة السابقة".
والملاحظ أن المادة المذكورة أعلاه جعلت من الإلزام أن يخطر رئيس الجمهورية المجلس الدستوري بالنظام الداخلي لغرفتي البرلمان بعد أن يصادق عليه هذا الأخير، حيث أن عبارة: " يبدي المجلس الدستوري ... رأيه وجوبا " تدل على وقوع هذه الرقابة سابقة عن دخول النظام الداخلي لغرفتي البرلمان حيز النفاذ، والمجلس الدستوري عليه أن يبدي رأيه وجوبا ولا يصدر قرارا، كما أن رئيس الجمهورية هو الذي يحق له ممارسة حق الإخطار الوجوبي للمجلس الدستوري، وهذا ما أشار إليه المجلس الدستوري في رأيه المؤرخ في 13 ماي 2000 المتعلق بمراقبة النظام الداخلي للمجلس الشعبي الوطني للدستور1.
وتدخل أيضا هذه الرقابة ضمن رقابة المطابقة للدستور، والتي هي رقابة وجوبية لابد أن يقوم بها المجلس الدستوري بعد أن يخطره رئيس الجمهورية قبل الشروع في تطبيق النظام الداخلي لكل من غرفتي البرلمان2، وكذلك نفس الإجراء إذا حدث أي تعديل لهذا النظام، وعليه فإن المجلس الدستوري يفحص مدى مطابقة هذا النظام الداخلي للدستور، سواء من حيث إجراءات وضعه ـ إن كانت مطابقة للدستور ـ أو من حيث محتوى نصوصه إن لم تكن مخالفة للنصوص الدستورية، ولا يعتبر هذا التدخل تدخلا في اختصاصات السلطة التشريعية أو اعتداءا على اختصاصها، وإنما هذا راجع لأهمية هذا النظام كونه ينظم أعمال هيئة دستورية تتمتع بسلطة تشريعية في الدولة.
ولكن السؤال الذي نطرحه بهذا الصدد هو: هل يندمج النظام الداخلي للبرلمان ضمن الكتلة الدستورية Le Bloc De Constitutionnalité ؟ وهل يمكن لمن له سلطة الإخطار أن يؤسس طعنه الدستوري على أساس نصوص النظام الداخلي ؟
وهنا نوعين من الإجابة التي يمكن تصورها 1، فالإجابة الأولى تعترف باندماج النظام الداخلي ضمن الكتلة الدستورية على أساس أنه يعتبر النظام امتداد للدستور، والثانية على أنه لا يندمج في الكتلة الدستورية لأنه يبقى مجرد نصوص داخلية تنظم السلطة التشريعية باعتباره نص ذو طابع داخلي، وهذا ما هو معمول به في النظام الفرنسي 2، حيث تقضي المادة 61 فقرة أولى من الدستور الفرنسي لعام 1958 بأن لوائح مجلس البرلمان يتعين وجوبا عرضها على المجلس الدستوري قبل تطبيقها للوقوف على مدى دستوريتها ويطبق هذا الأمر على أية تعديلات يزمع إدخالها على تلك اللوائح.
وبالمقابل، فإن المجلس الدستوري الفرنسي قد أخضع لرقابته اللوائح المنظمة لاجتماع مجلس البرلمان معا في هيئة مؤتمر Règlement du Congrès، وذلك على الرغم من أن المادة رقم 17 فقرة 3 من الأمر رقم 07 نوفمبر 1958 تحدثت عن لوائح تخص إما المجلس الأول أو المجلس الثاني، ولعل السبب الذي حذا بالمجلس الدستوري الفرنسي إلى إخضاع لوائح مجلس البرلمان بهيئة مؤتمر إلى رقابته هو أنه اعتبر أن المادة رقم 61 فقرة 1 من الدستور حينما تناولت موضوع لوائح البرلمان، إنما كانت تعني لوائح كل مجلس على حدى، وفي ذات الوقت تعني اللوائح المنظمة لعمل المجلسين معا في هيئة مؤتمر لأن هذه اللوائح الأخيرة لا تعدو أن تكون لوائح منظمة لعمل البرلمان3.
والسؤال الآن هو : هل في رقابته على لوائح البرلمان يتعين على المجلس الدستوري أن يثبت ما إذا كانت غير متعارضة مع نصوص الدستور فقط ؟ أم أنه يتعين عليه أيضا أن يثبت ما إذا كانت غير متعارضة مع الدستور والقوانين العضوية ؟
إن المجلس الدستوري الفرنسي سبق له أن تصدى لهذه القضية في حكمه الصادر بتاريخ 17، 18، 24 يوليو لسنة 1959، حيث أكد على أن لوائح البرلمان يجب أن تكون متوافقة ليس فقط مع نصوص الدستور، بل أيضا مع نصوص القوانين الأساسية، وهذا يتضح من خلال تقريره بأن المادة رقم 79 من لائحة الجمعية الوطنية تعتبر غير دستورية بسبب عدم موافقتها للأمر رقم 998 لسنة 1959 الصادر بتاريخ 24 أكتوبر 1958 الخاص بالقانون الأساسي المتضمن شروط الترشيح للبرلمان، وفي مناسبات أخرى عديدة أكد المجلس الدستوري الفرنسي على أنه يتعين في لوائح البرلمان أن تكون متوافقة مع أحكام الدستور وأيضا مع نصوص القوانين الأساسية1.
وبالنسبة لرقابة المجلس الدستوري الجزائري للأنظمة الداخلية لغرف البرلمان، فقد تطرق إلى ذلك في رأيه رقم 09 المؤرخ في 22 نوفمبر 1999 المتعلق بمراقبة مطابقة النظام الداخلي المعدل والمتمم لمجلس الأمة للدستور وذلك بناءا على إخطار رئيس الجمهورية2.
حيث أن المجلس الدستوري الجزائري أشار إلى لزوم تطابق النظام الداخلي ليس فقط مع الدستور وإنما أيضا مع القوانين العضوية من خلال فحصه لمطابقة المادة 20 الفقرة الأولى من النظام الداخلي للدستور.
واعتبر المجلس الدستوري أن مجلس الأمة باستعماله مصطلح "اختصاصات" في الفقرة المذكورة أعلاه فإنه لم يعبر بأمانة على المصطلح المقابل له الوارد في المادة 13 (الفقرة الثانية من القانون العضوي رقم 99ـ02 المؤرخ في 08 مارس سنة 1999 الذي تنظيم المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة وعملها وكذا العلاقات الوظيفية بينهما وبين الحكومة). وعليه ارتأى المجلس الدستوري استبدال كلمة "اختصاصات" بكلمة "صلاحيات".
وفيما يخص تحريك رقابة مطابقة النظام الداخلي لكل من غرفتي البرلمان للدستور، فهي ليست رقابة آلية يقوم بها المجلس الدستوري من تلقاء نفسه، حيث أنها تبقى متوقفة على الإخطار الوجوبي من طرف رئيس الجمهورية بعد أن يقدم له رئيس إحدى الغرفتين نظامه الداخلي.
أما في النظام الفرنسي فإن السلطات التي لها حق الإخطار الوجوبي للمجلس الدستوري فيما يخص لوائح البرلمان هي رئيسا غرفتي البرلمان، وذلك في تحريك رقابة المطابقة الدستورية للنظام الداخلي للبرلمان، ومنه فالأمر متوقف على النتائج ـ الآراء ـ التي سيصدرها المجلس الدستوري فيما يخص مدى مطابقتها أو عدم مطابقتها للدستور.


الفرع الرابع : رقابة دستورية المعاهدات
بناءا على المادة 132 من دستور 1996 ( تقابلها المادة 123 من دستور 1989) والتي تنص على أن المعاهدات التي يصادق عليها رئيس الجمهورية حسب الشروط المنصوص عليها في الدستور تسمو على القانون 1، فالمجلس الدستوري له صلاحية وسلطة ضمان احترام هذه المعاهدات للدستور بعد إقرار مبدأ إدخالها في القوانين الداخلية من خلال أول قرار له2.
بالرجوع إلى المادة 165/1 من دستور 1996 فإنها خولت أيضا للمجلس الدستوري حق النظر في دستورية المعاهدات، لذلك نجد المعاهدات تخضع للرقابة السابقة أو اللاحقة للمجلس الدستوري، فبالنسبة للنوع الأول من الرقابة نجده يصدر رأيا، أما بالنسبة للنوع الثاني فإنه يصدر قرارا، وهذا بعدما يتم إخطاره من طرف إحدى الهيئات المختصة بذلك. لكن الدستور الجزائري عندما تطرق لموضوع رقابة دستورية المعاهدات كان تطرقه هذا ناقصا، حيث أن المؤسس الجزائري نص صراحة على النتائج التي تنجر عن الرقابة الدستورية للنصوص التشريعية والتنظيمية وذلك في نص المادة 169 من دستور 1996 "إذا ارتأى المجلس الدستوري أن نصا تشريعيا أو تنظيميا غير دستوري يفقد هذا النص ابتداء من قرار المجلس".
وتطرق أيضا إلى النتائج التي تنجر عن عدم دستورية بعض المعاهدات المتمثلة في تلك المعاهدات التي لم يتم المصادقة عليها فقط دون سواها وذلك من خلال نص المادة 168 من دستور 1996 والتي نصت على ما يلي : "إذا ارتأى المجلس الدستوري عدم دستورية معاهدة أو اتفاق أو اتفاقية فلا يتم التصديق عليها".
بناء على ما سبق ذكره نلاحظ أن كل النصوص التشريعية أو التنظيمية إذا قرر المجلس الدستوري عدم دستوريتها فقدت أثرها من يوم إصدار المجلس الدستوري لقراره أو رأيه، وأن المعاهدات والاتفاقيات التي لا تتم المصادقة عليها بعد فإذا ما قرر المجلس الدستوري عدم دستوريتها فإنه لا تتم المصادقة عليها، وهذا بصريح نص المادة 168 المشار إليها.
وسيتم تفصيل إجراءات رقابة دستورية المعاهدات في الفصل الثاني أدناه.
الفرع الخامس:رقابة صحة الإنتخابات والإستفتاء
يلعب المجلس الدستوري دورا لا يستهان به في هذا المجال، فقد يكلف المجلس طبقا لنص المادة 153 من دستور 1989 والتي تقابلها المادة 163/2 من دستور 1996 بالسهر على صحة عمليات الإستفتاء، وإنتخاب رئيس الجمهورية،والإنتخابات التشريعية ويعلن نتائج هذه العمليات1.
1- بالنسبة للإنتخابات الرئاسية والإستفتاءات
نص الأمر رقم97-07 الصادر بتاريخ 08-03-1997 المتضمن القانون العضوي المتعلق بنظام الإنتخابات، على الطريقة التي يراقب بها المجلس الدستوري الإنتخابات الرئاسية والإستفتاءات ، وذلك في نص مادته رقم166، حيث يتم تسجيل إحتجاج أمام مكتب التصويت في محضر يحول برقيا إلى المجلس الدستوري.
ومنه فان الطعن في نتائج الإنتخابات الرئاسية و في نتائج الاستفتاء يكون في شكل إعتراض وليس عريضة لدى مكتب التصويت،الذي يدونه في محضر الإنتخابات ويرفعه برقيا إلى المجلس الدستوري، فهو إذا لا يتضمن بيانات العريضة ولا يخضع لشكلياتها وشروطها2.
ونحن بدورنا، نؤيد أستاذنا الدكتور" مسعود شيهوب " فيما يخص مهلة الطعن المنصوص عليها بالمادة 167 (ق.إ) 3، وهي مدة تكاد أن تكون منعدمة تقريبا، لأنه على الطاعن تقديم إعتراضه لدى مكتب التصويت في نفس يوم الانتخاب.
ومن هنا تبدو المهلة الممنوحة للطاعن في منازعات الإنتخابات التشريعية على قصرها 48 ساعة 4، أفضل منها في الإنتخابات الرئاسية و الاستفتاء، ولكنها هي الأخرى غير كافية - بحسب رئينا - لتحضير الطاعن وسائل و أوجه دعواه.
ومنه فالمشرع الجزائري انساق كثيرا وراء الطابع الخاص والمستعجل للمنازعات الانتخابية، مما أدى به إلى تقصير المهل والمواعيد بشكل أخل بحقوق المتقاضي وبالضمانات المعروفة إلى درجة انعدام الحق أحيانا واستحالة تحضير الدعوى أحيانا أخرى.
2- بالنسبة للإنتخابات التشريعية
نص الأمر رقم 97/07 المؤرخ في 08/03/1997 المتضمن القانون العضوي المتعلق بنظام الإنتخابات لا سيما نص المادة 118 منه على اختصاص المجلس الدستوري بالفصل في منازعات انتخابات أعضاء المجلس الشعبي الوطني عن طريق دعوى ترفع مباشرة أمام المجلس الدستوري خلال 48 ساعة من تاريخ إعلان نتائج الانتخابات.
وحسب نص المادة 118 المذكورة أعلاه، فأن عريضة الطعن هي عريضة عادية تحرر على ورق عادي دون شروط أخرى، كالدمغة وغيرها، ولكن دون إعفاء الطاعن من الشروط الواجب توافرها في أية عريضة عادية و المنصوص عليها بالمادة 12 من قانون الإجراءات المدنية، ومن الشروط المتعلقة بشخص رافع العريضة المنصوص عليها بالمادة (459 ق.إ.م)، بالإضافة إلى شروط إجرائية خاصة، منها وجوب إيداع العريضة خلال 48 ساعة الموالية لإعلان نتائج الإنتخابات1 .
يشعر المجلس "النائب" الذي تم الاعتراض على انتخابه ليقدم دفاعه المكتوب خلال 04 أيام من التبليغ، على أن يبت المجلس الدستوري بعد ذلك في الطعن خلال03 أيام، ويتضمن قرار المجلس الدستوري إما إلغاء الإنتخاب المنازع فيه، وإما إعادة صياغة محضر النتائج وإعلان المترشح الناجح قانونا وذلك حسب نص المادة 118 ق.إ .
كما نصت المادة 148 ق.إ على اختصاص المجلس الدستوري بمنازعات انتخابات أعضاء مجلس الأمة عن طريق دعوى ترفع مباشرة أمامه خلال 24 ساعة من تاريخ إعلان النتائج، ويفصل المجلس الدستوري في الطعن في أجل 03 أيام، ويمكنه أن يلغي الإنتخابات أو يعدل محضر النتائج وإعلان النتائج.

* استشارة المجلس الدستوري في حالات خاصة
يجتمع المجلس الدستوري بقوة القانون في الحالات المنصوص عليها بالمادة 88 من دستور 1996 – حالات منع رئيس الجمهورية من ممارسة مهامه – ويمكنه في هذا الإطار أن يقوم بجميع التحقيقات، ويستمع إلى أي شخص مؤهل وإلى أية سلطة معنية وذلك حسب نص المادة 42 من النظام المحدد لقواعد عمل المجلس الدستوري الصادر بتاريخ 26/08/2000.
كما يستشار المجلس الدستوري حسب نص المادة 90 من دستور 1996 في الحالة الخاصة بمنع إقالة الحكومة أو تعديلها عند شغور منصب رئيس الجمهورية، حيث يفصل في القضية دونما تعطيل حسب نص المادة 43 من النظام المحدد لقواعد عمل المجلس الدستوري.
ويجتمع المجلس الدستوري كذلك طبقا لنص المادتين 93 و97 من دستور 1996، وذلك أثناء الحالة الاستثنائية عند تهديد البلاد بخطر، وعند وتوقيع رئيس الجمهورية على إتفاقيات الهدنة ومعاهدات السلم، حيث يبدي المجلس رأيه فورا ( المادة 44 من النظام المحدد لقواعد عمل المجلس الدستوري ).
كما يستشار أيضا المجلس الدستوري في إطار أحكام المادة 102 من الدستور – حالات تمديد مهمة البرلمان – حيث يجتمع المجلس ويبدي رأيه فورا ( المادة 45 من النظام المحدد لقواعد عمل المجلس الدستوري ).
المطلب الثالث: مدى حجية قرارات وآراء المجلس الدستوري وطبيعتها القانونية
وفي الأخير، وبعد أن يفصل المجلس الدستوري في المنازعة المطروحة أمامه لفحص مدى دستورية قانون ما، فإنه وحسب المادة 22 من النظام لمحدد لقواعد عمل المجلس الدستوري يبلغ رأي أو قرار المجلس الدستوري إلى رئيس الجمهورية، كما يبلغ إلى رئيس المجلس الشعبي الوطني أو رئيس مجلس الأمة إذا كان الإخطار صادرا من أحدهما، ومع ذلك يبقى لنا أن نتساءل حول مدى ملائمة إيراد نص من النظام المحدد لقواعد عمل المجلس الدستوري للمادة 22 حيث يقضي بأنه: " يبلغ الرأي أو القرار إلى رئيس الجمهورية، كما يبلغ إلى رئيس المجلس الشعبي الوطني أو رئيس مجلس الأمة إذا كان الإخطار صادرا من أحدهما" والذي يفهم من محتواه أن هناك تمييزا بين رئيس الجمهورية ورئيس المجلس الشعبي الوطني ورئيس مجلس الأمة، حيث أقر إعلام الأول بآراء المجلس وقراراته سواء كان الإخطار صادرا عنه شخصيا أو عن المجلس الشعبي الوطني أو عن رئيس مجلس الأمة، في حين أن هذين الأخيرين لا يعلما إلا بالآراء والقرارات الناتجة عن إخطارات واردة منهما فقط.
إن هذا التمييز ليس له ما يبرره، لا في مجال إبداء الرأي أو القرارات، وسواء تعلق الأمر بالمعاهدات والاتفاقيات أو القوانين أو التنظيمات، صحيح أن رئيس الجمهورية هو المكلف بحماية الدستور ورئيس السلطة التنفيذية مما يتطلب تبليغه، إلا أن السلطة التشريعية لها أيضا أن تعرف مبررات المجلس الدستوري والنصوص الملغاة أسوة بالسلطة التنفيذية قبل نشر الرأي أو القرار في الجريدة الرسمية حيث سيطلع عليه الجميع، علما أن أراء وقرارات المجلس الدستوري ملزمة لكافة السلطات العمومية والقضائية والإدارية وغير قابلة لأي طعن1.
والملاحظ على نص المادة 165 فقرة 1 من دستور 1996ان المؤسس الدستوري يستعمل المصطلحين" الرأي والقرار"، ويفهم من ذلك أن هناك اختلاف بين الرأي والقرار.فحينما يعرض على المجلس الدستوري نص قبل إصداره ونشره في الجريدة الرسمية يكتفي بالإدلاء بالرأي 2، أما حينما يصبح النص واجب النفاذ بتوافر الشروط الشكلية من إصدار ونشر فإن المجلس الدستوري يصدر قرارا مما يؤدي إلى طرح التساؤل حول القيمة القانونية للإجرائيين؟ وهل هما ملزمين على حد سواء ؟
فبالرجوع إلى دستور 1996 فإنه جاء خاليا من مادة دستورية واضحة تدعم القوة القانونية لقرارات وآراء المجلس الدستوري وتكون مادة صريحة، كما هو الشأن بالنسبة للمؤسس الدستوري المغربي الذي نص في الفقرة السابعة من المادة 79 من دستور 1992 على أن قرارات المجلس الدستوري المغربي غير قابلة لأي استئناف وهي ملزمة بالنسبة لكل الهيئات سواء كانت إدارية أو قضائية، وعليه فإننا نلاحظ وضوح وصرامة المؤسس الدستوري المغربي في هذا الميدان خلافا للمؤسس الدستوري الجزائري، أين لا نجد المادة التي تنص على إلزامية أراء وقرارات المجلس الدستوري إلا من خلال النظام المحدد لقواعد عمل المجلس الدستوري وليس ضمن مواد الدستور.

خلاصة الفصل الأول
بالرجوع إلى نص المادة 165 /1 من دستور 1996، فإنها خولت للمجلس الدستوري حق النظر في دستورية المعاهدات الدولية، إما برقابة سابقة أو رقابة لاحقة، فبالنسبة للنوع الأول من الرقابة نجد المجلس الدستوري يصدر بشأنها رأيا، أما بالنسبة لنوع الثاني فإنه يصدر قرارا، وهذا بعدما يتم إخطاره من طرف إحدى الهيئات المختصة، لكن المؤسس الدستوري الجزائري عندما تطرق لموضوع الرقابة الدستورية ، كان تطرقه هذا ناقصا، حيث أنه نص صراحة على النتائج التي تنجر عن الرقابة الدستورية للنصوص التشريعية والتنظيمية وذلك في نص المادة 169 من دستور 1996 التي نصت على "إذا ارتأى المجلس الدستوري أن نصا تشريعيا أو تنظيميا غير دستوري، يفقد هذا النص أثره ابتداء من قرار المجلس"، دون ذكر النتائج التي تنجر على رقابة دستورية المعاهدات الدولية وهذا إذا كانت الرقابة لاحقة – وهو ماسيتم توضيحه في الفصل الثاني أدناه -
وتطرق أيضا إلى النتائج التي تنجر عن عدم دستورية بعض المعاهدات فقط دون سواها، والمتمثلة في تلك المعاهدات التي لم يتم المصادقة عليها فقط دون سواها طبقا لنص المادة 168 من دستور 1996 والتي تنص على "إذا ارتأى المجلس الدستوري عدم دستورية معاهدة أو اتفاق أو اتفاقية فلا يتم التصديق عليها".
وبناء على ما سبق ذكره أعلاه، فإننا نلاحظ أن كل النصوص التشريعية أو التنظيمية إذا قرر المجلس الدستوري عدم دستوريتها فقدت أثرها من يوم إصدار المجلس الدستوري لقراره وان المعاهدات الدولية والاتفاقيات التي لا يتم المصادقة عليها بعد فإذا ما ارتأى المجلس الدستوري عدم دستوريتها فإنه لا يتم المصادقة عليها، وهذا بصريح نص المادة 168 المشار إليها.
إن المجلس الدستوري، ليس نظام تنفرد به الجزائر، بل هو نظام قائم بذاته في جميع الدول الديمقراطية الحديثة، ولقد أسندت له الدساتير مسألة الرقابة على دستورية القوانين والتنظيمات والمعاهدات الدولية ومسائل أخرى، وعليه فهو أشبه بالقضاء السياسي ، وهذا لا يختلف عن نص المادة 163 التي تنص على "يؤسس مجلس دستوري يكلف بالسهر على احترام الدستور. كما يسهر المجلس الدستوري على صحة عمليات الاستفتاء، وانتخاب رئيس الجمهورية، والانتخابات التشريعية، ويعلن نتائج هذه العمليات".







الأعضاء الذين قالوا بارك الله فيك/ شكراً لـ yacine414 على المشاركة المفيدة:
قديم 2011-11-25, 16:06   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
yacine414
عضو مميّز
 
إحصائية العضو









yacine414 غير متواجد حالياً


B10 الفصل الثاني

الفصل الثاني: مدى اختصاص المجلس الدستوري برقابة دستورية المعاهدات
إن أول ظهور للمجلس الدستوري الجزائري كان في دستور 1963، ثم ظهر ثانية في دستور 1989 و دستور 1996، ونظم المؤسس الدستوري الجزائري المجلس الدستوري من خلال النظام المحدد لقواعده الصادر سنة 2000.
كما أن المؤسس الدستوري الجزائري اسند للمجلس الدستوري الجزائري مراقبة دستورية المعاهدات الدولية ، وذلك بموجب نص المادة 165/1 من دستور 1996، والسؤال المطروح بهذا الصدد هو:
إلى أي مدى يختص المجلس الدستوري برقابة دستورية المعاهدات الدولية؟ فهل يفصل في ذلك برقابة سابقة ورقابة لاحقة معا؟ أو يفصل فيها برقابة لاحقة فقط؟ وما هو موقف الفقه الدستوري الجزائري من ذلك؟
وللإجابة على هذا السؤال قمنا بتقسيم هذا الفصل إلى مبحثين كالآتي:
* المبحث الأول: تنظيم المجلس الدستوري وإجراءات رقابته للمعاهدات ومدى حـجية قراراته في ذلك
* المبحث الثاني: مدى اخذ المؤسس الدستوري بالرقابة السابقة والرقابة اللاحقة للمعاهدات وموقف الفقه من ذلك










المبحث الأول: تنظيم المجلس الدستوري وإجراءات رقابته للمعاهدات ومدى حجية قراراته وآرائه في ذلك
سنتناول في هذا المبحث تنظيم المجلس الدستوري في المطلب الأول من خلال سميته وتشكيلته(أعضائه) وطبيعته القانونية،وكيفية إخطاره بالمعاهدات ومدى حجية قراراته وآرائه في المطلب الثاني.
حيث أن ذلك يعطي فكرة حول طبيعته والنتائج المترتبة عن ذلك، بالإضافة إلى محاولة إزالة اللبس حول طبيعة المجلس الدستوري من خلال تحليل تشكيلته، وفقا للمؤسس الدستوري الجزائري من خلال الدساتير الأربعة (1963،1976،1989،1996) .
* المطلب الأول: تنظيم المجلس الدستوري
الفرع الأول: تسمية المجلس الدستوري
تعود فكرة إنشاء المجلس الدستوري تحت هذه التسمية "المجلس الدستوري" إلى ما بعد الاستقلال مباشرة، وتبناها المؤسس الدستوري الجزائري عند وضعه لدستور 1963 1، وتخلى المؤسس الدستوري لسنة 1976 عن إنشاءه إلى غاية صدور دستور 1989، حيث أنشأ المجلس الدستوري الذي يكلف بالسهر على احترام الدستور حسب المادة 153 منه، واحتفظ دستور 1996 بنفس التسمية من خلال نص المادة 163 منه.
وبذلك أخذ المؤسس الدستوري الجزائري هذه التسمية من الدستور الفرنسي لسنة 1958، الذي احتفظ بهذه التسمية منذ دستور السنة الثامنة لإعلان الجمهورية الفرنسية لعام 1799، ماعدا تسمية "اللجنة الدستورية" في دستور 1946 2، وفي مسألة الرقابة الدستورية اختلفت الدول في تسمية الجهاز المكلف بالحرص على عدم مخالفة الدستور، فمنها من أوكل هذا الدور إلى القضاء العادي كما هو الشأن في الولايات المتحدة الأمريكية، أو محكمة مختصة تدعى "المحكمة الدستورية" كما هو الشأن في دستور يوغسلافيا لسنة 1962، أو في دستور العراق لسنة 1968، أو دستور النمسا لسنة 1920 وهناك من الدول من أوكل هذه المهمة إلى "المجلس الدستوري" كما هو الحال في الجزائر وفرنسا، وهذه التسمية الأخيرة أثارت جدلا فقهيا حول طبيعة المجلس الدستوري، هل هي قضائية أم سياسية ؟ وينعكس ذلك على دور هذا الجهاز كما سيتم توضيحه في المطلب الثالث.
الفرع الثاني : تشكيلة المجلس الدستوري.
تجدر الإشارة، أولا، أن المجلس الدستوري في دستور 11963، الذي لم يتشكل ولم يمارس مهامه بسبب استعمال المادة 59 من الدستور المتعلقة بالحالة الاستثنائية، خصص مادتين فقط للمجلس الدستوري الذي جاء تحت هذه التسمية، فنصت المادة 64 منه على إخطار المجلس من طرف رئيس الجمهورية، أو رئيس المجلس الوطني، وذلك فيما يخص مراقبة القوانين والأوامر التشريعية، ولم تذكر هذه المادة الرقابة الدستورية على المعاهدات الدولية، كما لم توضح نوع الرقابة، هل هي رقابة سابقة أو رقابة لاحقة ؟.
أما فيما يخص أعضاء المجلس الدستوري، فعددهم سبعة حسب نص المادة 63 من دستور 1963، التي نصت على "يتكون المجلس الدستوري من الرئيس الأول للمحكمة العليا ورئيسا الغرفة المدنية والإدارية في المحكمة العليا، وثلاث نواب يعينهم المجلس الوطني وعضو يعينه رئيس الجمهورية، وينتخب أعضاء المجلس الدستوري رئيسهم الذي له صوت مرجح" وما يلاحظ على دستور 1963، أنه لم يحدد مدة العضوية لأعضاء المجلس الدستوري، ولا الأجل المحدد للفصل في دستورية القوانين، ولا العدد المطلوب كحد أدنى لأعضائه عند الفصل في دستورية القوانين أو الأوامر التشريعية بعد الإخطار، وروعي في تشكيلة المجلس الدستوري جانب التخصص، بمعنى (ثلاثة قضاة)، وجانب التمثيل السياسي (ثلاث نواب + عضو معين من طرف رئيس الجمهورية)، وتجدر الإشارة هنا، أن المجلس الوطني يعين النواب الثلاثة ولا ينتخبهم، ونطرح سؤال هنا : كيف يمكن للمجلس الوطني أن يعين النواب الثلاثة للعضوية في المجلس الدستوري ؟ هل يتم ذلك من طرف رئيس المجلس الوطني أم ماذا ؟، غير أن عدم تشكيل المجلس الدستوري سنة 1963 يعود سببه إلى تجميد دستور 1963.
أما دستور1989 1، فأخذ بنفس العدد أي سبعة أعضاء، ثلاثة يعينهم رئيس الجمهورية بما فيهم رئيس المجلس الدستوري، واثنان ينتخبهم المجلس الشعبي الوطني، واثنان تنتخبهما المحكمة العليا من بين أعضائها، حسب نص المادة154، وما يلاحظ على هذه المادة أن انتخاب العضوين من طرف المجلس الشعبي الوطني لم يحدد النص أن يكونا من النواب كما فعل بالنسبة للمحكمة العليا، أو يكونا العضوين من بين أعضائها ويستثنى بذلك قضاة المجالس القضائية وقضاة المحاكم التابعة لها، لكن في الواقع لم يسبق أن انتخب المجلس الشعبي الوطني خارج أعضائه للعضوية في المجلس الدستوري.
أما دستور1996 2 فوسع العدد إلى تسعة أعضاء حسب نص المادة 164 منه، حيث أن نصيب السلطة التنفيذية في تشكيل المجلس الدستوري ثلاثة أعضاء من بينهم رئيس المجلس يعينهم رئيس الجمهورية، ونصيب البرلمان بغرفتيه أربعة أعضاء، حيث ينتخب المجلس الشعبي الوطني اثنان، ومجلس الأمة اثنان، وعضو واحد تنتخبه المحكمة العليا، وعضو آخر ينتخبه مجلس الدولة، وتجدر الإشارة هنا كذلك، أن انتخاب الأعضاء الأربعة من البرلمان والعضوين من كل من المحكمة العليا ومجلس الدولة للعضوية في المجلس الدستوري، لم يشير النص الدستوري صراحة أن يكون هؤلاء بالضرورة نوابا، أو قضاة في المحكمة العليا ومجلس الدولة، وبالتالي هل يمكن مثلا للمحكمة العليا أن تنتخب عضوا من القضاة العاديين من المجالس القضائية ؟ أو لمجلس الدولة أن ينتخب قاضيا إداريا من المحاكم الإدارية ؟، ونفس السؤال حول انتخاب الأعضاء الأربعة من طرف البرلمان للعضوية في المجلس الدستوري، فهل يمكن لهؤلاء أن يكونوا من خارج البرلمان ؟.
وأعضاء المجلس الدستوري ـ سواء منهم المعينين أو المنتخبين ـ يتوقفون عن ممارسة أي عضوية أو أي وظيفة أو مهام أخرى، أو تكليف، ومدة عضويتهم ستة سنوات غير قابلة للتجديد، على أن يجدد نصف عددهم كل ثلاث سنوات عن طريق القرعة، حسب ما نصت عليه المادة 164/4 من دستور 1996، أما مدة عضوية رئيس المجلس الدستوري ستة سنوات كاملة غير قابلة للتجديد حسب الفقرة الثالثة من المادة 164، فهو طبعا لا يخضع لتجديد نصف أعضاء المجلس الدستوري كل ثلاثة سنوات، لأن تشكيلته فردية، أما السبب الرئيسي له علاقة بالمادة 88 من دستور 1996، بمعنى في حالة الشغور النهائي لرئاسة الجمهورية، وحصول المانع لرئيس مجلس الأمة ففي هذه الحالة يتولى رئيس المجلس الدستوري مهام رئيس الدولة ولا يمكنه الترشح لرئاسة الجمهورية.
وعدم تجديد عضوية أعضاء المجلس الدستوري لولاية أخرى، حسب الأستاذ "سعيد بوالشعير" 1، لها مزايا وتتماشى واستقلالية المجلس، بحيث يكون العضو مطالبا بأداء مهمته بكل موضوعية، وان مجاملة أي جهة لا تحقق له الاستمرار بالبقاء في ذلك المنصب بعد انتهاء المدة المحددة دستوريا.
ونص النظام المحدد لقواعد عمل المجلس الدستوري لسنة 2000 2 في الباب الخامس المخصص للقواعد المتعلقة بأعضاء المجلس الدستوري، في المواد من 54 إلى 58 من هذا النظام، على تقييد أعضاء المجلس الدستوري بإلزامية التحفظ، وعدم اتخاذ أي موقف علني في المسائل المتعلقة بمداولات المجلس الدستوري، وإذا أصبحت الشروط المطلوبة لممارسة مهمة أحد أعضائه غير متوفرة، أو عندما يخل بواجباته إخلالا خطيرا، يعقد المجلس الدستوري اجتماعا بحضور كل أعضاءه، ويفصل إثر المداولة بالإجماع في قضية العضو المعني دون حضوره، وإذا سجل عليه إخلالا خطيرا يطلب المجلس الدستوري منه تقديم استقالته، ويشعر بذلك السلطة المعنية قصد استخلافه تطبيقا للمادة 57 من النظام المحدد لقواعد عمل المجلس الدستوري، التي تنص على "يترتب على وفاة عضو في المجلس، أو استقالته أو حصول مانع دائم له، إجراء المجلس الدستوري مداولة تبلغ نسخة منها إلى رئيس الجمهورية وحسب الحالة إلى رئيس المجلس الشعبي الوطني، أو رئيس مجلس الأمة، أو رئيس المحكمة العليا، أو رئيس مجلس الدولة".
وحسب هذه المادة، فإن رئيس الجمهورية يعلم باستعمال المادة 57 لأي عضو من أعضاء المجلس الدستوري، في حين أن رئيس المجلس الشعبي الوطني لا يعلم إلا إذا مست هذه المادة أحد العضوين المنتخبين من طرف المجلس الشعبي الوطني، ونفس الأمر في الإعلام بالنسبة لرئيس مجلس الأمة، حيث يعلم هذا الأخير إلا إذا كان الأمر يتعلق بأحد العضوين المنتخبين من طرف مجلس الأمة، ونفس الإجراء يطبق في إعلام رئيس المحكمة العليا ورئيس مجلس الدولة.
ونتساءل هنا عن سبب عدم استعمال المادة 57 لإعلام عضو من المجلس الدستوري واقتصار إبلاغ رئيس الجمهورية فقط بذلك، ويبدو أن السبب في ذلك يرجع إلى أن رئيس الجمهورية هو حامي الدستور وفقا لنص المادة 70 الفقرة الثانية من دستور 1996، أما فيما يخص رئيس مجل الأمة ورئيس المجلس الشعبي الوطني، فيبدو أن المجلس الدستوري قد يقصد بعدم إعلامهما أن هناك استقلالية بينهما وبين المجلس الدستوري، ودور البرلمان هو انتخاب الأعضاء التي يتكون منها المجلس الدستوري حسب حصة كل من الغرفتين المحددة بالدستور وبالتالي عندما يعلم رئيس المجلس الشعبي الوطني بتطبيق نص المادة 57 من النظام الداخلي للمجلس الدستوري، فذلك من أجل استخلاف العضو المتوفي أو الذي قدم استقالته فقط لا غير ويتم استخلاف العضو من طرف الجهة التي عينته أو انتخبته خلال الخمسة عشر يوما التي تعقد التبليغ بوفاة عضو المجلس الدستوري، أو استقالته تطبيقا لنص المادة 56/2 من نظام المجلس الدستوري، أو حصول مانع دائم له، ولم يوضح المجلس الدستوري الحالات التي تعتبر إخلال خطيرا لواجبات العضو، ويبدو أن المجلس الدستوري له السلطة التقديرية في ذلك، علما أن العضو الذي يطلب منه المجلس تقديم استقالته تطبيقا لنص المادة 56 من النظام الداخلي الخاص بالمجلس الدستوري لا يملك أي طعن.
وعلى سبيل المقارنة، يتكون أعضاء المجلس الدستوري الفرنسي حسب نص المادة 56 من الدستور الفرنسي لسنة 1958 من تسعة أعضاء1، بالإضافة إلى رؤساء الجمهورية السابقين، فيما يخص التسعة أعضاء يعين منهم رئيس الجمهورية الفرنسية ثلاثة أعضاء من بينهم رئيس المجلس الدستوري، وثلاثة أعضاء يعينهم رئيس الجمعية الوطنية، وثلاثة أعضاء يعينهم مجلس الشيوخ، ومدة العضوية تسعة سنوات غير قابلة للتجديد، ويتجدد الأعضاء بالثلث كل ثلاثة سنوات، ولم يستثنى رئيس المجلس الدستوري الفرنسي من التجديد حسب هذه المادة أما رؤساء الجمهورية السابقين فعضويتهم مدى الحياة، ورئيس المجلس الدستوري الفرنسي له صوت مرجح في حالة تعادل الأصوات، حسب الفقرة الأخيرة من نص المادة 56 من الدستور الفرنسي.
ومنعت المادة 57 من الدستور الفرنسي لسنة 1958 على أعضاء المجلس الدستوري الجمع بين وظيفة العضوية في المجلس الدستوري ووظيفة وزير أو النيابة البرلمانية، وأحالت هذه المادة إلى قانون عضوي يحدد مجالات أخرى لا تتلاءم مع العضوية في المجلس الدستوري الفرنسي، ويختلف الدستور الجزائري عن الدستور الفرنسي في ذلك، من حيث مدة العضوية ومن حيث المخولين لهم حق تحريك المجلس الدستوري.
الفرع الثالث: الطبيعة القانونية للمجلس الدستوري الجزائري
يقصد بطبيعة المجلس الدستوري الجزائري، هل هو هيئة قضائية أم سياسية ؟، وينتج عن تلك الحالتين نتائج مختلفة باختلاف طبيعة الجهاز القائم بالرقابة الدستورية وطبيعة وظيفته، ويظهر الاختلاف من حيث الإخطار، أو تحريك الدعوى، أو تمكين الأفراد حق اللجوء إلى ذلك الجهاز إذا مست مصالحهم نتيجة القانون المخالف للدستور.
والمؤسس الدستوري الجزائري سكت عن وصف لطبيعة جهاز المجلس الدستوري، فلم ينص على هذا الجهاز في الفصل المخصص في الدستور للسلطة القضائية، فيكون بذلك جزء منها، وإنما وضعه في الفصل المخصص للرقابة 1، كما سكت عن طبيعة وظيفة المجلس الدستوري، فلم يمنح المؤسس الدستوري الرقابة الدستورية إلى القضاء العادي كما هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية، كندا، المكسيك، أستراليا والبرتغال، حيث يتمكن الأفراد أمام القضاء العادي بالدفع بعدم دستورية القانون، أو المطالبة بإلغائه بالدعوى الأصلية، كما هو الحال في سويسرا التي أسند دستورها لسنة 1874 هذا الدور إلى محكمة قضائية عليا، وأسندت ذلك إيطاليا إلى محكمة دستورية في دستورها لسنة 1947 1، وإن كانت معظم الدول التي تأخذ بالرقابة الدستورية، بينت في دساتيرها طبيعة الجهاز القائم في الرقابة الدستورية، أنه جهاز قضائي كما هو الحال في دستور النمسا لسنة 1920، حيث جاءت تسمية الجهاز في هذا الدستور "المحكمة الدستورية العليا"، أو إيطاليا ـ كما هو مبين أعلاه ـ ونفس الشيء بالنسبة لإسبانيا في دستورها لسنة 1978، حيث جاءت تسمية الجهاز "المحكمة الدستورية"، وكذلك ألمانيا في دستورها لسنة 1949 "المحكمة الدستورية الفيدرالية".
فالملاحظ أن المؤسس الدستوري الجزائري لم يؤسس المجلس الدستوري في صفة الجهاز القضائي، ونفس الشيء بالنسبة لفرنسا، مما أدى بالفقه في هذا البلد على الاعتكاف لكشف طبيعة المجلس الدستوري الفرنسي، وتجدر الإشارة أن فكرة الرقابة الدستورية في فرنسا ترجع إلى الفقيه "سييز" (Sieyès)، الذي طالب بإنشاء هيئة سياسية، مهمتها إلغاء القوانين المخالفة للدستور، وذلك قبل صدورها (بمعنى رقابة وقائية) 2، واختلف الفقه الفرنسي في البداية حول طبيعة المجلس الدستوري الفرنسي، لكن حاليا حسمت المسألة بالاعتراف بالطبيعة القضائية للرقابة الدستورية في فرنسا من غالبية الفقه، وذلك نظرا إلى قرارات المجلس التي لها قوة الشيء المقضي به، حسب ما جاء في المادة 62 الفقرة الثانية منها في الدستور الفرنسي لسنة 1958، حيث نصت "قرارات المجلس الدستوري غير قابلة للاستئناف وملزمة للسلطات العمومية، ولكافة السلطات الإدارية والقضائية"، علما أن المجلس الدستوري الفرنسي له رقابة وقائية (رقابة سابقة)، واستعمل مصطلح القرار (Décision)، وليس الرأي كما هو الحال في دستور الجزائر إذا كانت الرقابة سابقة. ومن خلال هذا لم يعد يعتمد غالبية الفقه الفرنسي أن الرقابة الدستورية السابقة تمارس بواسطة هيئة سياسية، والرقابة اللاحقة بواسطة هيئة قضائية 3
وفيما يخص الجزائر، يقول الأستاذ نوري مرزة جعفر في تعليقه عن المجلس الدستوري الجزائري 4، أنه ذو طبيعة سياسية وليس هيئة قضائية، ويستشهد في ذلك أنه لم يكن هناك مانع قانوني أو سياسي أن يأخذ المؤسس الدستوري بأسلوب الرقابة القضائية صراحة، مع تسمية المجلس بالمحكمة الدستورية، وبذلك يمنح الأفراد حق اللجوء إليها على أساس ما جاء في المادة 131 من دستور 1989 (تقابلها المادة 140 من دستور 1996)، حيث ان "أساس القضاء مبادئ الشرعية والمساواة، الكل سواسية أمام القضاء، وهو في متناول الجميع ..."، ويستشهد كذلك في قوله بأن أعضاء المجلس الدستوري يحتمل انتخاب أو تعيين عدد معين منهم من حزب سياسي بالإضافة إلى مدة العضوية التي لا تنطبق مع وظيفة القاضي، وينتهي الأستاذ "نوري مرزة جعفر" في تعليقه إلى استبعاد المعاهدات أو الاتفاقيات من الرقابة اللاحقة على التصديق.
لكن ما يمكن قوله في هذا الصدد، أن تسمية "المجلس الدستوري" كتسمية لا تطرح مشاكل في حد ذاتها، لان مجلس الدولة لا تطرح تسميته أية مشكلة في كونه جهاز قضائي وجزء من السلطة القضائية يتمتع بالاستقلالية، علما أن المجلس الدستوري الفرنسي لم يعد ينظر إلى تسميته، وحتى كونه يختص فقط بالرقابة الدستورية السابقة لمعرفة طبيعة جهازه، ووظيفة هذا الجهاز، وفي نفس هذا الاتجاه، فتح الأستاذ" أحمد محيو" الطريق للبحث في طبيعة المجلس الدستوري الجزائري عندما تعرض للقيمة القانونية لرأي المجلس الدستوري واعتبر أن "الرأي" له نفس قيمة "القرار"، وأن المجلس الدستوري يفصل في الرأي كجهاز قضائي1 ، وذلك حسب قرارات وآراء المجلس الدستوري التي تكتسب قوة الشيء المقضي به اعتمادا على المادة 169 من الدستور، وإن كان الدستور الجزائري، لم يتطرق صراحة لقوة الشيء المقضي به بالنسبة لقرارات وآراء المجلس على غرار ما فعله الدستور الفرنسي (المادة 62 الفقرة الثانية)، حيث أكد، أن قرارات المجلس الدستوري غير قابلة للاستئناف، وملزمة لكافة السلطات العمومية والإدارية والقضائية، وهذه الثغرة في الدستور الجزائري سدها المجلس الدستوري 2، عندما أخطر لمراقبة أمر 19 جويلية 1995 المعدل والمتمم لقانون الانتخابات لسنة 1989، حيث صرح المجلس الدستوري بعدم دستورية اشتراط الجنسية الأصلية للمترشح للانتخابات، علما أن المجلس الدستوري راقب من قبل ذلك سنة 1989، وصرح بمناسبة إخطاره للأمر المذكور أعلاه في قراره سنة 1995 3، بقوة الشيء المقضي به وذلك بقوله أن: " قرارات المجلس الدستوري نهائية وفورية التنفيذ وملزمة لكافة السلطات العمومية "،وأضاف أن" قراراته تنتج باستمرار أثرها طالما لم يعدل الدستور ...".
وأخيرا، تطرق المجلس الدستوري في نظامه المحدد لقواعد عمله في سنة 2000 إلى مسألة قوة الشيء المقضي به، التي لم ينص عليها الدستور الجزائري صراحة، فنصت المادة 49 من هذا النظام تحت عنوان "حجية آراء وقرارات المجلس الدستوري" في الباب الثالث المخصص فقط لهذه المادة بقولها: "آراء وقرارات المجلس الدستوري ملزمة لكافة السلطات العمومية، والقضائية والإدارية، وغير قابلة لأي طعن "وما يلاحظ أن هذه المادة منحت الرأي نفس قيمة القرار وبالتالي رأي المجلس الدستوري ينتج نفس أثر قراره 1، ولهما نفس قوة أو حجية المقضي به، فكلاهما ملزم وغير قابل لأي طعن، وجاءت هذه المادة بنفس صيغة المادة 62الفقرة الثانية منها من الدستور الفرنسي، الذي منح قرارات المجلس الدستوري الفرنسي قوة الشيء المقضي به، وتجدر الإشارة أن حجية الشيء المقضي به 2، تم النص عليها في المادة 164 من الدستور الإسباني، التي نصت على: "أحكام المحكمة الدستورية ... لها قوة الشيء المقضي به من اليوم الذي يلي نشرها، وهي غير قابلة للطعن"، ونصت المادة 140الفقرة السابعة من دستور النمسا على: "إذا أبطل قانون لعدم دستوريته، أو قضت المحكمة الدستورية بعدم دستورية قانون فهذه القرارات ملزمة لكافة الجهات القضائية والسلطات الإدارية".
أما الدستور الألماني فنص في المادة 92 منه على: "سلطة القضاء يعهد بها للقضاة تمارسها المحكمة الدستورية الفيدرالية ..."، وبطبيعة الحال قوة الشيء المقضي به الممنوحة للقرار تجعله قرارا قضائيا ملزما.
والبحث عن طبيعة المجلس الدستوري الجزائري، سواء من حيث طبيعة جهازه هل هو سياسي ـ استشاري ـ أم قضائي ؟، وبطبيعة وظيفته (الرقابة الدستورية) هل هي سياسية أم قضائية ؟ يعتبر من المسائل الهامة، حيث انه إذا كانت الرقابة الدستورية قضائية أم لها طابع قضائي، فقرارات المجلس إذن في هذه الحالة تتمتع بقوة الشيء المقضي به وتلزم على السلطات العمومية 3، ويبدو أن عدم توضيح ذلك من طرف المؤسس الدستوري الجزائري يرجع إلى كون المجلس الدستوري من جهة، هو جهاز قضائي عندما يقوم بالرقابة الدستورية وبإجراءات قضائية في إطار المادة 165 من دستور 1996، وكذلك فيما يخص صحة عمليات الاستفتاء وانتخاب رئيس الجمهورية والانتخابات التشريعية في إطار المادة 163 الفقرة 2 منها من نفس الدستور، فيفصل في الطعون المتعلقة بذلك 1، ومن جهة أخرى هو جهاز مكلف بالتحقق من مدى وجود مانع لرئيس الجمهورية، ويستشار كذلك في إطار حالات خاصة 2.
المطلب الثاني:إخطار المجلس الدستوري بالمعاهدات ومدى حجية قراراته وآرائـــه في ذلك
إن المجلس الدستوري له اختصاصات الرقابة على دستورية المعاهدات الدولية حسب دستور1996 لاسيما نص المادة 165/1 منه،حيث أنه لا يقوم بهذه الاختصاصات إلا بموجب إخطار من رئيس الجمهورية أو أحد رئيسا غرفتي البرلمان (رئيس المجلس الشعبي الوطني أو رئيس مجلس الأمة)، ويصدر بهذا الشأن قرارات أو آراء .
الفرع الأول: إجراءات إخطار المجلس الدستوري الجزائري بالمعاهدات الدولية
إن مسألة إخطار المجلس الدستوري3 في مراقبته دستورية المعاهدات الدولية، حكرا على رئيس الجمهورية، أو رئيس المجلس الشعبي الوطني، أو رئيس مجلس الأمة.
وهذا الاحتكار الذي لم يوسعه المؤسس الدستوري إلى رئيس الحكومة وعددا معينا من نواب كل من غرفتي البرلمان، قد تكون أسبابه التخوف من المبالغة في إخطار المجلس الدستوري من طرف المعارضة داخل البرلمان، ومن رئيس الحكومة خاصة إذا كان هذا الأخير لا ينتمي إلى حزب رئيس الجمهورية، أو قد يكون السبب في اعتبار المؤسس الدستوري إخطار المجلس الدستوري بمثابة نزاع.
فـــي حـــين أن إخـــطار المـــجلس الدســـتوري مـــا هــــو إلا احـــتمال عـدم دستورية معاهدة دولية، حـيث يفـصل المجلـــــس



الدستوري بدستوريتها أو عدم دستوريتها، و في دول عديدة بدأت المناقشات حول توسيع الإخطار إلى الأفراد. أما في الجزائر ذلك محصورا على الأجهزة السياسية فقط، ويرجع حق الإخطار في ألمانيا إلى الحكومة الفيدرالية وحكومة كل مقاطعة وثلاث أعضاء الباندستاغ (BUNDESTAG)، وكذلك يعود الإخطار إلى المحاكم الألمانية بطريقة استثنائية1.
و في فرنسا، نصت المادة 61 /2 من دستور 1958، على حق الإخطار لكل من رئيس الجمهورية، أو الوزير الأول، أو رئيس الجمعية الوطنية، أو رئيس مجلس الشيوخ، أو ستون (60) عضوا بالجمعية الوطنية، أو ستون (60)عضوا بمجلس الشيوخ، علما أن الأعضاء الستين في الجمعية الوطنية والأعضاء الستين في مجلس الشيوخ، توسع الإخطار إليهم سنة 1974 وهناك اتجاه قوي من طرف أغلبية الأحزاب والشعب يعمل على إقرار قاعدة تمكين المواطنين من حق اللجوء إلى المجلس الدستوري2.
ويكون رد المجلس الدستوري الفرنسي بعد إخطاره خلال شهر، غير أنه تقلص مدة الرد إلى ثمانية أيام في حالة الاستعجال، ويكون ذلك بناء على طلب الحكومة (هذا فيما يخص القوانين العادية والتنظيمات)، أما الإخطار بشأن المعاهدات نصت عليه المادة 54 من الدستور الفرنسي، ويختص بذلك حسب هذه المادة نفس المخولين بإخطار المجلس الدستوري في الرقابة على دستورية القوانين المشار إليهم في المادة 61 من الدستور الفرنسي.
و نظام الإخطار بالجزائر، نظمه النظام المحدد لقواعد عمل المجلس الدستوري الجزائري لسنة 2000 3، فتتم هذه الإجراءات طبقا للمادتين 165 (الفقرة الثانية والثالثة) و166 من دستور 1996.
حيث أن المجلس الدستوري الجزائري يتم إخطاره بالنسبة للرقابة على دستورية القوانين، والقوانين العضوية والتنظيمات، والنظام الداخلي لكل من غرفتي البرلمان4 والمعاهدات، وهذا بمعنى أن المجلس الدستوري الجزائري لا يختص بالرقابة الدستورية في هذه المسائل إلا بناء على إخطاره من طرف رئيس الجمهورية، أو أحد رئيسي غرفتي البرلمان.
وترفق رسالة الإخطار بالنص ثم يعرض على المجلس الدستوري لإبداء الرأي، أو اتخاذ القرار بشأنه، وتسجل لدى الأمانة العامة للمجلس الدستوري في سجل الإخطار ويسلم إشعار باستلامها ويبدأ حساب سريان الأجل المحدد في نص المادة 167 من الدستور، وهي عشرين يوما لإبداء الرأي أو إصدار القرار من التاريخ المبين في إشعار الاستلام، ولا تطبق هذه المدة على المادة 97، حيث تكون البلاد خاضعة لنص المادة 96 من دستور 1996 التي نصت على:"يوقف العمل بالدستور مدة حالة الحرب ..."، فيكون إبداء الرأي من طرف المجلس الدستوري في إطار المادة 97 فوريا، وهذا ما نصت عليه المادة 52 من نظامه الداخلي لسنة 2000.
وما يلاحظ عن مدة العشرين يوما المنصوص عليها في المادة 167/1 من دستور 1996، أن المؤسس الدستوري الجزائري لم يجعل لها استثناءات في الحالات الاستعجالية كما هو منصوص عليه في الدستور الفرنسي، حيث تقلص مدة رد المجلس الدستوري الفرنسي إلى ثمانية أيام من أصل شهر (حسب نص المادة 61/3 من الدستور الفرنسي لسنة 1958).
وبمجرد إخطار المجلس الدستوري الجزائري، يشرع هذا الأخير في رقابة مطابقة النص المعروض عليه، ويعين رئيس المجلس الدستوري بمجرد تسجيل رسالة الإخطار مقررا من بين أعضاء المجلس يتولى تحضير مشروع الرأي أو القرار، ويجمع الوثائق المتعلقة بالملف مع إمكانية استشارة أي خبير يختاره المقرر، ويسلم نسخة من ملف موضوع الإخطار ومشروع الرأي أو القرار إلى رئيس المجلس الدستوري، وإلى كل عضو في المجلس. ويجتمع المجلس الدستوري بناء على استدعاء من رئيسه، ويمكن أن ينوب أحد الأعضاء رئيس المجلس الدستوري باختيار هذا الأخير له في حالة حصول مانع لرئيس المجلس الدستوري، ولا يفصل المجلس في أية قضية إلا بحضور سبعة من أعضائه على الأقل، ويتداول المجلس الدستوري وفق ما نصت عليه المادة 167 من دستور 1996 في جلسة مغلقة، وفي حالة تساوي الأصوات يكون رئيس المجلس الدستوري أو رئيس الجلسة مرجحا، وقد يحدث في حالة واحدة فقط عند اجتماع المجلس الدستوري بثمانية أعضاء وتساوي الأصوات، ويوقع الرئيس والأعضاء الحاضرين آراء المجلس الدستوري أو قراراته، مع تعليلها وإصدارها باللغة العربية، وتبلغ إلى رئيس الجمهورية سواء صدر منه الإخطار أم لا، أما رئيس مجلس الأمة أو رئيس المجلس الشعبي الوطني، إلا إذا كان الإخطار صادرا من أحدهما حسب الحالة، وترسل آراء وقرارات المجلس الدستوري إلى الأمين العام للحكومة لنشرها في الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية وبذلك يتم علم الجميع بآراء أو قرارات المجلس الدستوري، وحول عدم تبليغ رئيس مجلس الأمة قبل نشر الرأي أو القرار إلا إذا كان وراء الإخطار، يقول الأستاذ "سعيد بوالشعير" أن هذا التمييز ليس له ما يبرره سواء تعلق الأمر بالقوانين أو التنظيمات أو بالمعاهدات الدولية وصحيح أن رئيس الجمهورية مكلف بحماية الدستور ورئيس للسلطة التنفيذية، مما يتطلب تبليغه، لكن السلطة التشريعية لها أيضا أن تعرف مبررات المجلس الدستوري في رأيه أو قراره أسوة بالسلطة التنفيذية قبل النشر في الجريدة الرسمية 1.
ونشير هنا أن قول الأستاذ "سعيد بوالشعير" جاء تعقيبا على نص المادة 14 من النظام المحدد لإجراءات عمل المجلس الدستوري لسنة 1989، حيث لم تكن السلطة التشريعية متكونة من غرفتين (المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة)، علما أن النظام المحدد لقواعد عمل المجلس الدستوري لسنة 2000 أبقى على ذلك في نص المادة 22 منه، وكل ما فعله أنه سوى بين رئيس مجلس الأمة ورئيس المجلس الشعبي الوطني في عدم إعلانهما، حيث يعلم فقط أحدهما إلى جانب رئيس الجمهورية كما جاء في نص المادة 22التي نصت على: "يبلغ الرأي أو القرار إلى رئيس الجمهورية، كما يبلغ إلى رئيس المجلس الشعبي الوطني أو رئيس مجلس الأمة إذا كان الإخطار صادرا من أحدهما".
وما يمكن قوله هنا هو، هل يمكن سحب نص المعاهدة بعد إخطار المجلس الدستوري وبعد تبليغ الرأي أو القرار إلى من كان وراء الإخطار ؟ ـ وهذا طبعا قبل النشر في الجريدة الرسمية ـ وإن كانت الإجابة بالسلب، فلماذا إذن يبلغ الرأي أو القرار خاصة أن مدة النشر لا تتجاوز 20 يوما من تاريخ الإخطار ؟، وهذه المسألة لم يتطرق لها النظام المحدد لقواعد عمل المجلس الدستوري لسنة 2000.
وعلى صعيد آخر، ونحن نعالج هذا الفرع الأول، يجدر بنا التعليق على الإخطار الذي يقوم به رئيس الجمهورية للمجلس الدستوري في حالة الرقابة على دستورية المعاهدات الدولية حيث أن رئيس الجمهورية في هذه الحالة لا يقوم بإخطار المجلس الدستوري لسبب واضح وهو أن رئيس الجمهورية نفسه هو الذي صادق على تلك المعاهدة، وكان من اللائق عليه طلب استشارة المجلس الدستوري حول مدى دستورية أي معاهدة دولية أو اتفاقية أو اتفاق قبل المصادقة عليها، وفي هذا الصدد نلاحظ ما يلي:
إن إخطار المجلس الدستوري من طرف رئيس الجمهورية يكون فعالا جديا بالنسبة للرقابة السابقة للمعاهدات الدولية، أي قبل أن تتم المصادقة عليها.
أما في حالة ما إذا تمت المصادقة عليها سواء كانت معاهدات، اتفاقات أو اتفاقيات يكون ذلك الاختصاص من صلاحية رئيس المجلس الشعبي الوطني أو رئيس مجلس الأمة من الناحية العملية، وإن كان يحق لرئيس الجمهورية ذلك قانونا، بحيث لا يوجد أي نص تشريعي أو دستوري يمنع رئيس الجمهورية من طلب إجراء الرقابة الدستورية اللاحقة بالنسبة للمعاهدات الدولية أو الاتفاقيات أو الاتفاقات.
لقد قسم الأستاذ "محيو"، والأستاذ "بوسماح" 1، حالة المعاهدات الدولية المعروضة على المجلس الدستوري لينظر في مدى دستوريتها، إلى خمس حالات متميزة بعضها عن البعض والممكنة، حيث يجوز تلخيصها فيما يلي: 2
1 ـ الحالة الأولى:
وهي حالة الاتفاقية التي لم يتم بعد المصادقة عليها، والتي تم عرضها على غرف البرلمان طبقا لأحكام المادة 131 من دستور 1996.
ويمكن في هذه الحالة لرئيس الجمهورية أن يخطر أو أن لا يخطر المجلس الدستوري ويتم ذلك قبل عرض هذه المعاهدات الدولية على البرلمان ليوافق عليها، كما يمكنه طرحها على البرلمان لمناقشتها، وهنا يمكن أيضا، لرئيسي غرفتي البرلمان إحالتها على المجلس الدستوري ليبدي رأيه فيها.
2 ـ الحالة الثانية :
حالة الاتفاقية التي لم يتم بعد المصادقة عليها، والتي لا تحتاج لموافقة البرلمان، حيث نجد في هذه الحالة انفراد رئيس الجمهورية بإقرارها.
وتجدر الملاحظة إلى أن رئيسا غرفتي البرلمان لا يكونا بالضرورة على علم بهذه الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، فإذا ما تم تبليغهما سواء تم ذلك عن طريق وسائل الإعلام أو عن طريق آخر، جاز لهما إخطار المجلس الدستوري إذا ما لاحظ أو شكا في دستوريتها.
3 ـ الحالة الثالثة:
وهي حالة الاتفاقية التي وافق عليها البرلمان، فهنا يجوز لكل من رئيس الجمهورية ورئيسا غرفتي البرلمان، إخطار المجلس الدستوري إذا ارتأيا أنها تخالف أحكاما في الدستور لكن من الناحية العملية، يكون كل من رئيس الجمهورية ورئيسا غرفتي البرلمان في حرج، إذا طلبوا النظر في دستورية تلك المعاهدة، فلماذا يا ترى ؟
والسبب في ذلك بسيط لأنه كان بإمكانهم (أي رئيس الجمهورية ورئيسا غرفتي البرلمان) تدارك ذلك النقص والمتمثل في مخالفة بعض أو كل بنود تلك المعاهدة لنصوص دستورية ويكون ذلك بالنسبة لرئيس الجمهورية قبل عرضها على البرلمان، أما بالنسبة لرئيسا غرفتي البرلمان (وهما رئيس المجلس الشعبي الوطني ورئيس مجلس الأمة)، فيكون ذلك قبل الموافقة عليها وإن كان من الناحية القانونية مسموح لهم ذلك، لكن تجدر الملاحظة إلى أن مثل هذه الحالات تكون شاذة أي قليلة الحدوث.
4 ـ الحالة الرابعة:
وهي تلك الحالة التي تتم فيها المصادقة على المعاهدة الدولية دون أن تعرض على البرلمان ليوافق عليها، لأنها لا تدخل ضمن الحالات المنصوص عليها في المادة 131 من دستور 1996، حيث في هذه الحالة يلعب رئيس المجلس الشعبي الوطني ورئيس مجلس الأمة دورا هاما بصفتيهما سلطة تعمل على احترام الدستور، خاصة بالنسبة للاتفاقيات أو المعاهدات الدولية التي لا تعرض على أعضاء المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة، حيث يقوما بإخطار المجلس الدستوري ليفصل في دستوريتها وبالتالي تتم المصادقة عليها وهي مخالفة لأحكام الدستور لكي لا تعلوا على النصوص الداخلية وهي مخالفة للنص الأسمى للدولة، وهذا طبقا لنص المادة 132 من دستور 1996.
5 ـ الحالة الخامسة:
وهي حالة المعاهدات الدولية البسيطة، والتي لا تعرف عملية المصادقة، ولا تتم إلا عن طريق التوقيع فقط 1، لكي تصبح سارية المفعول، لكن في حالة الشك في دستوريتها يكون ذلك لرئيس المجلس الشعبي الوطني ورئيس مجلس الأمة من أجل إخطار المجلس الدستوري.
آخر ملاحظة يمكن الإشارة إليها في هذا المجال، تتعلق بالمجال الزمني الذي يحق فيه المجلس الدستوري أن ينظر في أي معاهدة دولية تم إخطاره بعدم دستوريتها، وعلى إثره يمكن للمجلس الدستوري أن ينظر في أي معاهدة دولية تمت المصادقة عليها منذ عدة أعوام، بشرط أن يتم إخطاره بذلك لينظر في مدى دستوريتها وهذا من الناحية القانونية.
لكن الأمر يختلف من الناحية العملية، إذ نلاحظ بان كل من رئيس الجمهورية، ورئيس المجلس الشعبي الوطني، ورئيس مجلس الأمة، لن يغامروا ويقوموا بإخطار المجلس الدستوري لينظر في دستورية أي معاهدة دولية، لأنهم سوف يقعون في إشكال عويص في حالة ما إذا أقر المجلس الدستوري عدم دستوريتها كما سيتم توضح ذلك في الفصل الثاني أدناه.
وإن تحريك الرقابة الدستورية توقف على إجراء الإخطار من إحدى الهيئات المخول لها ذلك دستوريا، وبالتالي فإنه ليس للمجلس الدستوري أن يفحص رقابة دستورية القوانين من تلقاء نفسه، وعليه فإن عملية الإخطار تتم بطريقة رسالة توجه إلى رئيس المجلس الدستوري2 مرفقة بالنص المراد فحص دستوريته ـكما ذكر ذلك أعلاه ـ والسؤال الذي نطرحه في هذه الحالة هل للمجلس الدستوري سلطة مطلقة عند فحص دستورية القوانين ؟ وهل بإمكانه النظر في دستورية أحكام أخرى متعلقة بالقانون موضوع الإخطار لكن غير واردة برسالة الإخطار ؟
وهل يستوي الأمر بالنسبة لكل القوانين أم أنه يختلف بحسب طبيعة النصوص القانونية موضوع الإخطار ؟ وهنا نقول أن الأمر يختلف بالنسبة للقوانين العادية والقوانين الأخرى.
* تقيد المجلس الدستوري برسالة الإخطار
يتوقف قيام المجلس الدستوري برقابة دستورية المعاهدات الدولية على إخطار من إحدى الجهات المخول لها ذلك دستوريا، فهو لا يتصدى لفحص دستورية المعاهدات من تلقاء نفسه، كما أنه بعد أن يتم إخطاره ليس له السلطة التقديرية للنظر في هذه الرقابة الدستورية فليس له أن يقرر فحص أو عدم فحص دستورية نص المعاهدة موضوع الإخطار، فليس هناك أي مادة دستورية تشير إلى سلطة المجلس الدستوري التقديرية في هذا المجال.
وبالتالي فإنه بعد إخطاره مباشرة هو ملزم بالنظر في مدى دستورية المعاهدة موضوع الإخطار وذلك خلال المواعيد المحددة دستوريا 1، إذن فالمجلس الدستوري عند ممارسة الرقابة الدستورية للمعاهدات ـ ماعدا القوانين العضوية والأنظمة الداخلية لغرف البرلمان ـ يفصل بالرقابة السابقة قبل أن تصبح نافذة بموجب رأي،أو بقرار في الحالة العكسية إن وجدت.
والملاحظ أن المجلس الدستوري حين ممارسته لمهمة الرقابة هو مقيد برسالة الإخطار الموجهة إليه من إحدى الهيئات المختصة بذلك، فهو يفحص دستورية هذه المعاهدات موضوع الإخطار بناء على الأحكام الواردة والمشار إليها في رسالة الإخطار2، حيث أن الأمين العام للمجلس الدستوري أدلى بشهادة في هذا الموضوع، كما أنه لا يشترط شكل معين أو طابع معين على رسالة الإخطار، وإنما يكفي أنها توجه إلى رئيس المجلس الدستوري تطلب فيها الهيئة صاحبة الإخطار فحص مدى دستورية نص معين دون اللجوء إلى أسباب الإخطار ومبررات الشك في مدى دستوريته، خاصة وأن هذه الرسالة لا تنشر فإنه ليس بإمكاننا أن نعرف محتواها وأسس بناءها3.
لكن رغم هذا، فالمجلس الدستوري بمجرد إخطاره لتحريك الرقابة الدستورية على النص المعروض عليه، فإنه يتابع ذلك حتى النهاية 4، وهذا حسب التعديل الجديد للنظام المحدد لقواعد المجلس الدستوري المصادق عليه بتاريخ 28جوان2000 ،لكن في النظام الداخلي السابق "إجراءات عمل المجلس الدستوري" كانت هناك مادة لا تؤدي نفس معنى المادة الواردة في النظام الجديد، بل كان مفادها أنه في حالة ما إذا سحبت الهيئة التي قامت بالإخطار إخطارها يتوقف المجلس الدستوري عن نظر موضوع رسالة الإخطار ويعتبر الإخطار وكأنه لم يكن.
والملاحظ أن المجلس الدستوري عند فحصه مدى دستورية المعاهدات يعتبر مقيد برسالة الإخطار، فهو لن يتصدى إلا للحكم الوارد في نص رسالة الإخطار وليس له أن يتصدى إلى أحكام أخرى في النص القانوني ما لم يخطر المجلس بشأنها، وهذا ما يستنتج من النص المادة 07 من النظام المحدد لقواعد عمل المجلس الدستوري التي تنص على ما يلي :
"إذا صرح المجلس الدستوري بعدم دستورية حكم أخطر بشأنه وكان هذا الحكم في نفس الوقت غير قابل للفصل عن باقي أحكام النص المخطر بشأنه، فإن النص الذي ورد ضمنه الحكم المعني يعاد إلى الجهة المخطرة".
وما يفهم من خلال هذه المادة، أنه ليس للمجلس الدستوري حق النظر في دستورية المعاهدات إلا في حدود النص موضوع الإخطار فقط، حتى وإن كان الحكم المطعون ضده غير دستوري ولا يمكن فصله عن باقي الأحكام المكونة للنص القانوني، ففي هذه الحالة لا يستطيع المجلس الدستوري أن يتعدى نص رسالة الإخطار ويذهب إلى فحص دستورية الأحكام الأخرى للنص القانوني والتي ليست موضوع رسالة الإخطار، و يتوقف عمله على رقابة دستورية الحكم المشار إليه برسالة الإخطار، وعليه يعيد النص القانوني كله إلى الجهة المخطرة حتى تعيد هذه الأخيرة النظر في أحكامه والتحقق فيما إذا كانت فعلا بحاجة إلى إعادة إخطار المجلس الدستوري من جديد فيما يتعلق بالأحكام التي لم ينظر إليها ولم يخطر بشأنها بصدد فحص رقابة دستورية الحكم موضوع الإخطار السابق.
وفيما يخص هذه المادة، أنها تؤدي بالمجلس الدستوري إلى الفصل في مدى دستورية حكم ما من نص قانوني، وإن توصل إلى أنه غير دستوري وغير قابل للفصل عن باقي أحكام النص، فهو لا يتصدى لهذه الأحكام، بل يعيد النص إلى الجهة المخطرة بعد الفصل في الحكم موضوع الإخطار.
ومما يؤكد أيضا تقييد المجلس الدستوري برسالة الإخطار والنص موضوع الإخطار فقط هو ما ورد في المادة 08 من النظام المحدد لقواعد عمل المجلس الدستوري والتي تنص على ما يلي :
"إذا اقتضى الفصل في دستورية حكم التصدي لأحكام أخرى لم يخطر المجلس الدستوري بشأنها ولها علاقة بالأحكام موضوع الإخطار، فإن التصريح بعدم دستورية الأحكام التي أخطر بها أو تصدى لها وكان عن بقية النص يؤدي إلى المساس ببنيته كاملة، فإنه في هذه الحالة يعاد النص إلى الجهة المخطرة".
وما يفهم من هذه المادة، أنه إذا أخطر المجلس الدستوري للنظر في دستورية حكم معين لكن هذا يقتضي التصدي لأحكام أخرى مرتبطة ولها علاقة بالحكم موضوع الإخطار، وأن هذه الأحكام غير واردة في رسالة الإخطار وليست موضوع طعن للنظر في دستوريتها، وانه إذا صرح بعدم دستورية هذا الحكم وكان نتيجة فصله عن بقية أحكام النص إلى المساس بالبنية الكاملة للنص، يترتب عن كل هذا إعادة النص إلى الجهة المخطرة دون تمكين المجلس الدستوري من رقابة دستورية هذه الأحكام الأخرى والتي ترتبط بالحكم موضوع الإخطار وإنما عليه أن يعيد هذا النص أيضا إلى الجهة المخطرة التي قد تعيد النظر في الأحكام الأخرى وقد تخطر المجلس بشأنها ليفحص مدى دستوريتها.
إن هذا يؤدي إلى تقييد المجلس الدستوري برسالة الإخطار خاصة أنه ليس باستطاعته أن يتصدى لفحص رقابة دستورية أحكام غير واردة في رسالة الإخطار، حتى ولو كانت مرتبطة بالحكم المخطر بشأنه، أو كان يقتضي الفصل في دستورية هذا الحكم الرجوع إلى هذه الأحكام وفحص دستوريتها، بل يتوقف الأمر على إعادة النص موضوع الإخطار إلى الجهة المخطرة، وهذا طبعا يؤثر على فعالية الرقابة وأثرها، وان العديد من الأحكام أن تكون غير دستورية وهي مرتبطة بحكم موضوع إخطار، لكن ليس للمجلس الدستوري أن يتصدى لفحص دستوريتها، سواء من تلقاء نفسه أو على أساس نص دستوري وارد، مما قد يؤدي إلى إفلات العديد من أحكام النصوص القانونية من الرقابة الدستورية.
لكن السؤال الذي يطرح هنا: ما الجدوى من أن يعيد المجلس الدستوري في هذه الحالة النص الوارد ضمنه الحكم موضوع الإخطار إلى الجهة المخطرة ؟
فقد يعاد النص إلى الجهة المخطرة دون أن تعيد النظر في الأحكام الأخرى للنص المرتبطة بالحكم موضوع الإخطار، هذا الأخير الذي يتطلب الفصل في دستوريته فحص أحكام أخرى من النص، والذي قد يترتب عليه عدم إعادة إخطار المجلس الدستوري بالأحكام الأخرى وبالتالي إفلاتها من الرقابة الدستورية.
بل كان على المؤسس الدستوري أن يفتح المجال أمام المجلس الدستوري في هذا المجال، ويترك له الحرية، ويوسع سلطته للنظر في دستورية كل الأحكام النصوص القانونية المتعلقة بالنص موضوع الإخطار.
المطلب الثالث: مدى حجية قرارات وآراء المجلس الدستوري وطبيعتها القانونية
وفي الأخير، وبعد أن يفصل المجلس الدستوري في المنازعة المطروحة أمامه لفحص مدى دستورية قانون ما، فإنه وحسب المادة 22 من النظام لمحدد لقواعد عمل المجلس الدستوري يبلغ رأي أو قرار المجلس الدستوري إلى رئيس الجمهورية، كما يبلغ إلى رئيس المجلس الشعبي الوطني أو رئيس مجلس الأمة إذا كان الإخطار صادرا من أحدهما، ومع ذلك يبقى لنا أن نتساءل حول مدى ملائمة إيراد نص من النظام المحدد لقواعد عمل المجلس الدستوري للمادة 22 حيث يقضي بأنه: " يبلغ الرأي أو القرار إلى رئيس الجمهورية، كما يبلغ إلى رئيس المجلس الشعبي الوطني أو رئيس مجلس الأمة إذا كان الإخطار صادرا من أحدهما" والذي يفهم من محتواه أن هناك تمييزا بين رئيس الجمهورية ورئيس المجلس الشعبي الوطني ورئيس مجلس الأمة، حيث أقر إعلام الأول بآراء المجلس وقراراته سواء كان الإخطار صادرا عنه شخصيا أو عن المجلس الشعبي الوطني أو عن رئيس مجلس الأمة، في حين أن هذين الأخيرين لا يعلما إلا بالآراء والقرارات الناتجة عن إخطارات واردة منهما فقط.
إن هذا التمييز ليس له ما يبرره، لا في مجال إبداء الرأي أو القرارات، وسواء تعلق الأمر بالمعاهدات والاتفاقيات أو القوانين أو التنظيمات، صحيح أن رئيس الجمهورية هو المكلف بحماية الدستور ورئيس السلطة التنفيذية مما يتطلب تبليغه، إلا أن السلطة التشريعية لها أيضا أن تعرف مبررات المجلس الدستوري والنصوص الملغاة أسوة بالسلطة التنفيذية قبل نشر الرأي أو القرار في الجريدة الرسمية حيث سيطلع عليه الجميع، علما أن أراء وقرارات المجلس الدستوري ملزمة لكافة السلطات العمومية والقضائية والإدارية وغير قابلة لأي طعن1.
والملاحظ على نص المادة 165 فقرة 1 من دستور 1996ان المؤسس الدستوري يستعمل المصطلحين" الرأي والقرار"، ويفهم من ذلك أن هناك اختلاف بين الرأي والقرار.فحينما يعرض على المجلس الدستوري نص قبل إصداره ونشره في الجريدة الرسمية يكتفي بالإدلاء بالرأي 2، أما حينما يصبح النص واجب النفاذ بتوافر الشروط الشكلية من إصدار ونشر فإن المجلس الدستوري يصدر قرارا مما يؤدي إلى طرح التساؤل حول القيمة القانونية للإجرائيين؟ وهل هما ملزمين على حد سواء ؟
فبالرجوع إلى دستور 1996 فإنه جاء خاليا من مادة دستورية واضحة تدعم القوة القانونية لقرارات وآراء المجلس الدستوري وتكون مادة صريحة، كما هو الشأن بالنسبة للمؤسس الدستوري المغربي الذي نص في الفقرة السابعة من المادة 79 من دستور 1992 على أن قرارات المجلس الدستوري المغربي غير قابلة لأي استئناف وهي ملزمة بالنسبة لكل الهيئات سواء كانت إدارية أو قضائية، وعليه فإننا نلاحظ وضوح وصرامة المؤسس الدستوري المغربي في هذا الميدان خلافا للمؤسس الدستوري الجزائري، أين لا نجد المادة التي تنص على إلزامية أراء وقرارات المجلس الدستوري إلا من خلال النظام المحدد لقواعد عمل المجلس الدستوري وليس ضمن مواد الدستور.


المبحث الثاني: مدى اخذ المؤسس الدستوري بالرقابة السابقة والرقابة اللاحقة للمعاهدات الدولية وموقف الفقه من ذلك
بناءا على نص المادة 132 من دستور 1996 (تقابلها المادة 123 من دستور 1989) والتي نصت على أن المعاهدات التي يصادق عليها رئيس الجمهورية حسب الشروط المنصوص عليها في الدستور تسمو على القانون. فللمجلس الدستوري صلاحية وسلطة ضمان إحترام هذه المعاهدات بعد إقرار مبدأ إدماجها في القوانين الداخلية.
وبالرجوع إلى نص المادة 155/1 من دستور 1996 نجدها قد خولت للمجلس الدستوري حق النظر في دستورية المعاهدات الدولية، لذلك فان المعاهدات تخضع للرقابة السابقة أو الرقابة اللاحقة للمجلس الدستوري، فبالنسبة للنوع الأول من الرقابة نجد المجلس الدستوري يصدر بشأنها رأيا، أما بالنسبة للنوع الثاني فإنه يصدر بشأنها قرارا، وهذا بعد ما يتم إخطاره من طرف إحدى الهيئات المختصة.
لكن المؤسس الدستوري الجزائري عندما تطرق لموضوع رقابة دستورية المعاهدات، كان تطرقه هذا ناقصا، حيث أنه نص صراحة على النتائج التي تنجر عن الرقابة الدستورية للمعاهدات الدولية التي لم يصادق عليها فقط دون سواها طبقا لنص المادة 168 من دستور 1996، والتي تنص على ما يلي: " إذا إرتأى المجلس الدستوري عدم دستورية معاهدة أو إتفاق أو إتفاقية فلا يتم التصديق عليها ".
وإذا قابلنا نص المادة 165/1 بنص المادة 168 من دستور 1996، نجد أن نص المادة 165/1 نصت على الرقابة السابقة والرقابة اللاحقة للمعاهدات الدولية، في حين نجد المادة 168 نصت على الرقابة السابقة فقط دون الرقابة اللاحقة، وهنا يطرح التساؤل حول مصير تلك المعاهدات الدولية التي تمت المصادقة عليها ثم بعد ذلك أخطر المجلس الدستوري لينظر في مدى دستوريتها؟، حيث أنه إذا ما تأكد المجلس الدستوري فعلا من عدم دستورية تلك المعاهدة الدولية وقرر ذلك، فما هو مصير تلك المعاهدة ؟ هل تلغى بصفة نهائية ؟ أو يلغى الجزء المتناقض منها مع الدستور فقط ؟ أم تلغى على الصعيد الوطني وتبقى سارية المفعول على الصعيد الدولي؟ وهل يجوز ذلك أم لا ؟
وما يؤخذ على نص المادة 165 /1 من دستور 1996 التي تنص على الرقابة الدستورية، أنها جاءت ناقصة، لأنها لم تتطرق إطلاقا لنتائج تلك الرقابة، لذلك فكل ما يمكننا قوله في مثل هذه الحالة هو


مجرد وجود خلل ما بين نص المواد 165 و168 و169 من دستور 1996، لأننا نجد المادة165 تــتطرق إلى اختصاصات المجلس الدستوري الجزائري في رقابة دستورية القوانين والتنظـــيمات وكيفية فصله في مدى دستورية المعاهدات الدولية قبل أو بعد دخولها حيز النفاذ، ونجد المادة 168 تتطرق إلى نتائج إقرار عدم دستورية معاهدة أو اتفاق أو اتفاقية قبل المصادقة عليها، وأخيرا نجد المادة 169 تتطرق إلى نتائج إقرار المجلس الدستوري الجزائري، عدم دستورية نصوص تشريعية أو تنظيمية ولا نجد أي أثر لنص يتضمن نتائج إقرار عدم دستورية المعاهدات والاتفاقيات والاتفاقات المصادق عليها والمخـالفة للدستور هذا من جهة.
ومن جهة ثانية، نجد أن نص المادة 165 /1 من دستور 1996 تثير إبهاما كبيرا، وعدم الدقة وعدم الوضوح، حيث أنها نصت على اختصاص المجلس الدستوري بالرقابة على دستورية القوانين والتنظيمات، والمعاهدات، والاتفاقات والاتفاقيات، إما برقابة سابقة أو رقابة لاحقة. حيث أنه كل من الرقابة السابقة والرقابة اللاحقة بالنسبة للقوانين والتنظيمات لا تثير أي إشكال، وذلك على عكس الرقابة السابقة والرقابة اللاحقة بالنسبة للمعاهدات والاتفاقيات والاتفاقات، بالنظر إلى الآثار القانونية التي ستتحملها الدولة إذا ما أقر المجلس الدستوري عدم دستورية تلك المعاهدات والاتفاقات والاتفاقيات و هذا عندما تدخل حيز النفاذ خارجيا وداخليا، مما يجعل نص المادة 165 /1 مبتورا وغير كامل.
ومن هنا يمكننا طرح التساؤل المتمثل في: ما هو دور المجلس الدستوري فيما يخص الحالة المنصوص عليها في نص المادة 97 من دستور 1996 ؟ و ما هو دوره في مراقبة مدى دستورية المعاهدات الدولية ومدى أخذه بالرقابة السابقة أو الرقابة اللاحقة بالنسبة لهذه المعاهدات ؟ فهل هو اخذ بالرقابة السابقة والرقابة اللاحقة معا أو انه اخذ بالرقابة السابقة فقط؟ وما هو موقف القفه الدستوري الجزائري من الرقابة السابقة والرقابة اللاحقة للمعاهدات الدولية؟
ولذلك قسمنا هذا الفصل إلى ثلاثة مطالب :
* المطلب الأول: الرقابة السابقة للمعاهدات الدولية.
* المطلب الثاني: الرقابة اللاحقة للمعاهدات الدولية.
* المطلب الثالث: موقف الفقه من الرقابة اللاحقة للمعاهدات الدولية(الآراء المؤيدة والمعارضة)



* المطلب الأول: الرقابة السابقة المعاهدات الدولية
سنعالج في هذا المبحث تعريف المعاهدات الدولية، بالإضافة إلى دور المجلس الدستوري الجزائري في ما يخص الحالة المنصوص عليها في المادة 97 من دستور 1996، ثم حالة عدم دستورية معاهدة قبل دخولها حيز النفاذ.
الفرع الأول: تعريف الرقابة السابقة للمعاهدات الدولية
تفترض الرقابة السابقة1، أن هناك معاهدة دولية أقرها البرلمان، لكن قبل التصديق عليها من قبل رئيس الجمهورية ونشرها في الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية، تم إحالتها للمجلس الدستوري لينضر في مدى دستوريتها بناءا على إخطار من رئيس الجمهورية أو رئيس المجلي الشعبي الوطني أو رئيس مجلس الأمة2.
حيث أنه إذا ارتأى المجلس الدستوري عدم دستورية تلك المعاهدة الدولية أو الاتفاق أو الاتفاقية فلا يتم التصديق عليها3.
الفرع الثاني: دور المجلس الدستوري فيما يخص الحالة المنصوص عليها في المادة 97
نصت المادة 97 من دستور 1996 على: " يوقع رئيس الجمهورية اتفاقيات الهدنة ومعاهدات السلم. ويلقى رأي المجلس الدستوري في الاتفاقيات المتعلقة بهما. ويعرضها فورا على كل غرفة من البرلمان لتوافق عليها صراحة " .
هذه المادة نصت على حالة خاصة، فالهدنة تكون في ظروف الحرب، ومعاهدات السلم معناها إيقاف الحرب والرجوع إلى الأجواء العادية، والمادة 97 من دستور1996 لها علاقة بالمادة 95 من نفس الدستور، والتي نصت على: " إذا وقع عدوان فعلي على البلاد، أو يوشك أن يقع حسبما نصت عليه الترتيبات الملائمة لميثاق الأمم المتحدة، يعلن رئيس الجمهورية الحرب ... "، وهذه المادة الأخيرة تؤدي إلى إيقاف العمل بالدستور، حسبما نصت عليه المادة 96 منه بقولها: " يوقف العمل بالدستور مدة حالة الحرب ويتولى رئيس الجمهورية جميع السلطات ... ".
والمادة 97 من دستور 1996 ترتبط بالمادة 131 من نفس الدستور، التي نصت على "يصادق رئيس الجمهورية على اتفاقيات الهدنة، ومعاهدات السلم، والتحالف والاتحاد، والمعاهدات المتعلقة بحدود الدولة ... بعد أن توافق عليها كل غرفة من البرلمان صراحة".

وبناءا على ذلك نلاحظ ما يلي :
ـ التوقيع على اتفاقيات الهدنة ومعاهدات السلم من طرف رئيس الجمهورية، سلطة مخولة لهذا الأخير دون سواه، حيث أنه لا يمكنه تفويض سلطته في التوقيع على تلك الاتفاقيات، طبقا لنص المادة 87 /2 من الدستور.
ـ قد يكون اتفاق السلم مباشرة بعد اتفاقية الهدنة، أو قد يبرم الأول بعد فترة طويلة من الثاني.
ـ يتلقى رئيس الجمهورية رأي المجلس الدستوري، الذي يستدعى خصيصا لإبداء رأيه في مدى دستورية المعاهدات المنصوص عليها في نص المادة 97 من الدستور قبل عرضها على البرلمان، حيث يجتمع المجلس الدستوري هنا فورا ويبدي رأيه كذلك فورا، حسب ما نص عليه نظامه الداخلي لسنة 2000 لا سيما نص المادة 52 منه1 .
ـ يستدعى البرلمان خصيصا، وتعرض على غرفتيه المعاهدات المبرمة المنصوص عليها في نص المادة 97 والمادة 131 من دستور 1996، للموافقة عليها صراحة، وهذا بعد رأي المجلس الدستوري.
ومنه فإن نص المادة 97 من الدستور، لم تنص على تصديق رئيس الجمهورية على اتفاقيات الهدنة ومعاهدات السلم، بل توقيعه عليها فقط، أما التصديق فهو مشترط بموافقة كل غرفة من البرلمان صراحة، حسبما نصت عليه المادة 131 من الدستور.
ولا يوجد تناقض بين نص المادة 96 من دستور 1996 التي نصت عن توقيف العمل بالدستور مدة حالة الحرب، ونص المادة 97 من نفس الدستور، حيث أن هذه الأخيرة توضح سلطات رئيس الجمهورية في مجال اتفاقيات الهدنة ومعاهدات السلم والأطراف التي تشاركه، وهي بذلك استثناء لعبارة "... ويتولى رئيس الجمهورية جميع السلطات ..." المنصوص عليها في الفقرة الأولى من نص المادة 96 المذكورة أعلاه، وهو الدليل على عدم وجود تناقض بين المادة 97 والمادة 96 من دستور 1996، و هذه الأخيرة تنص في الفقرة الثالثة والرابعة منها على: "... في حالة استقالة رئيس الجمهورية، أو وفاته، أو حدوث أي مانع آخر له، يخول رئيس مجلس الأمة باعتباره رئيسا للدولة كل الصلاحيات التي تستوجبها حالة الحرب، وفي حالة اقتران شغور رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الأمة، يتولى رئيس المجلس الدستوري وظائف رئيس الدولة، حسب الشروط المبينة سابقا"، وهذا معناه أنه عند توقيف العمل بالدستور في حالة الحرب وأثناء هذه الأجواء استقالة رئيس الجمهورية، أو حدث له أي مانع، فرئيــس

مجلس الأمة هو الذي يوقع على اتفاقيات الهدنة ومعاهدات السلم، وفي حالة شغور رئاسة مجلس الأمة يقوم بذلك رئيس المجلس الدستوري1.
ونلاحظ أن الدستور الجزائري فرق بين حالة شغور رئاسة الجمهورية في السلم (المادة 88 من دستور 1996)2، وحالة شغور رئاسة الجمهورية أثناء الحرب.
الفرع الثالث: عدم دستورية المعاهدة قبل دخولها حيز النفاذ (رقابة دستورية سابقة)
تطرح المعاهدات الدولية على المجلس الدستوري لرقابة دستوريتها وفقا لنص المادة 165 /1 من دستور 1996، بناء على إخطار رئيس الجمهورية، أو رئيس المجلس الشعبي الوطني، أو رئيس مجلس الأمة، علما أن هناك معاهدات دولية تتطلب الموافقة البرلمانية على التصديق، و نصت عليها المادة 131 من دستور 1996 المشار إليها أعلاه، وغيرها تدخل في اختصاص رئيس الجمهورية وحده.
ونصت المادة 168 من دستور 1996 على: " إذا ارتأى المجلس الدستوري عدم دستورية معاهدة، أو اتفاق أو اتفاقية، فلا يتم التصديق عليها "، أي أنها نصت على الرقابة الدستورية السابقة للمعاهدات الدولية قبل التصديق عليها، أي قبل دخول المعاهدة حيز النفاذ وقبل أن تصبح ملزمة للدولة، على عكس ما ذكره المؤسس الدستوري الجزائري في الدستور بقوله : " قبل أن تصبح المعاهدة واجبة التنفيذ "، والأصح " ملزمة للدولة "3.
وبالرجوع إلى نص المادة 165 /1 من دستور 1996 التي تنص على: " يفصل المجلس الدستوري، بالإضافة إلى الاختصاصات التي خولتها إياه صراحة أحكام أخرى في الدستور، في دستورية المعاهدات والقوانين والتنظيمات، إما برأي قبل أن تصبح واجبة التنفيذ، أو بقرار في الحالة العكسية ".
ونلاحظ من خلال قراءتنا للفقرة الأولى من نص المادة 165 المذكورة أعلاه، وبالأخص بالنسبة للرقابة السابقة للمجلس الدستوري للمعاهدات الدولية قبل أن تصبح واجبة التنفيذ، حيث يصدر هذا الأخير في هذا الشأن رأيا فقط إذا ما لاحظ عدم دستوريتها، وما يترتب على ذلك هو عدم عرض الاتفاقية على التصديق من قبل رئيس الجمهورية بعد الموافقة الصريحة من قبل غرفتي البرلمان 4، وعليه تصبح المعاهدة كأن لم تكن، باعتبار أن إجراء التصديق على المعاهدة الدولية هو إجراء جوهري، يجعل مـن

المعاهدة ملزمة للدولة التي صادقت على المعاهدة، أما الدول التي لم تصادق على أية معاهدة دولية فهي ليست ملزمة بأحكامها، وهذا ما قضت به محكمة العدل الدولية في قضية بحر الشمال بين ألمانيا من جهة والدانمارك وهولندا من جهة ثانية 1، فقضت المحكمة بأن ألمانيا غير ملزمة بمعاهدة جنيف لسنة 1958، لأن ألمانيا لم تصادق على معاهدة جنيف لقانون البحار.
إن المجلس الدستوري الجزائري بإقراره عدم دستورية معاهدة ما، قبل أن تصبح المعاهدة واجبة التنفيذ يصدر في هذا الشأن رأيا يمنع من خلاله عرض المعاهدة المطروحة عليه على التصديق، وهذا ما أكدته المادة 168 من دستور 1996 بنصها على: " إذا ارتأى المجلس الدستوري عدم دستورية معاهدة أو اتفاق، أو اتفاقية، فلا يتم التصديق عليها "، و هذه الرقابة السابقة تجعل من الدولة الجزائرية بعيدة عن تحمل التزامات دولية، لأن المعاهدة لم يتم التصديق عليها بعد، وبالتالي فهي غير ملزمة بأحكامها، وهذا ما جعل المجلس الدستوري يصدر في هذا الشأن رأيا يعتبر فيه أن معاهدة ما غير مطابقة للدستور، مما يترتب عنه عدم عرض المعاهدة على التصديق، بشرط أن يكون رأي المجلس الدستوري معللا وفي آجاله القانونية 2.
ومنه يمكننا القول أن رئيس الجمهورية، ورئيس المجلس الشعبي الوطني ورئيس مجلس الأمة إذا ما بادرهم الشك حول عدم دستورية معاهدة دولية قبل دخولها حيز النفاذ، يمكنهم إخطار المجلس الدستوري بذلك، وإذا ما فصل هذا الأخير بعدم دستوريتها، لا يمكن لرئيس الجمهورية التصديق عليها، وإن كان نص المادة 168 من دستور 1996 باللغة الفرنسية أوضح باستعماله عبارة "Juge" وذلك فيما يخص الرقابة السابقة على التصديق، فقيمة رأي المجلس الدستوري لها نفس قيمة القرار ونفس حجية الشيء المقضي به، وعليه فرئيس الجمهورية لا يعرض المعاهدة على البرلمان إذا كانت تدخل في مجال المادة 131 من دستور1996 إذا فصل المجلس الدستوري بعدم دستوريتها، أما في حالة عدم إخطار المجلس الدستوري من طرف رئيس الجمهورية، يستطيع رئيس المجلس الشعبي الوطني، أو رئيس مجلس الأمة، القيام بذلك عندما تعرض المعاهدة على البرلمان، فإن فصل المجلس الدستوري بعدم دستوريتها، فلا يوافق عليها البرلمان، ولا يمكن لرئيس الجمـهورية التصديق عليها.
والمعاهدات الدولية التي تدخل في مجال المادة 131 من دستور، تمنح الفرصة لرئيسا غرفتي البرلمان عند عرضها عليه، إخطار المجلس الدستوري بشأنها إذا لم يفعل ذلك رئيس الجمهورية قــبل


عرضها على البرلمان، فالإخطار هنا من أجل الرقابة الدستورية الوقائية، أما فيما يخص المعاهدات الدولية المنصوص عليها بالمادة 97 من دستور 1996 والمنصوص عليها كذلك في المادة 131 من نفس الدستور، فرأي المجلس الدستوري فيها يكون قبل عرضها على البرلمان، وهذه الحالة خاصة كما سبق الإشارة إلى ذلك سابقا، فقد يتبين من رأي المجلس الدستوري فيها أنها دستورية أو غير دستوريةّ، ففي كلتا الحالتين تعرض على البرلمان بغرفتيه ليوافق عليها صراحة، ورئيس الجمهورية لا يمكنه التصديق عليها، إلا إذا وافقت عليها كل غرفة من البرلمان.
ونص المادة 97 /2 من الدستور جاءت كما يلي : "... ويتلقى رأي المجلس الدستوري في الاتفاقيات المتعلقة بهما ..." ونفس فقرة هذه المادة باللغة الفرنسية جاءت كما يلي : " ... Il recueille l’avis du conseil constitutionnel ..."، وهذا يدل على أن رأي المجلس الدستوري في هذه الحالة الخاصة ليس له قوة ملزمة تمنع موافقة البرلمان عليها، والعبرة هنا بموافقة البرلمان حتى يستطيع رئيس الجمهورية التصديق عليها، أما إذا كانت غير دستورية ووافق البرلمان عليها، وأراد رئيس الجمهورية التصديق عليها، فهذا معناه في نفس الوقت عدم الاعتراض على تعديل الدستور مع مراعاة أحكام المادة 178 منه، ويمكن لرئيس الجمهورية اللجوء إلى إرادة الشعب مباشرة حسب المادة السابعة الفقرة الرابعة منها من دستور 1996، سيما أن الأجواء بعد التوقيع على اتفاقيات الهدنة ومعاهدات السلم تكون ملائمة لترتيب الأمور.
وفيما يخص إخطار المجلس الدستوري بالرقابة الدستورية على المعاهدات التي ينفرد بالتصديق عليها رئيس الجمهورية، هنا البرلمان يكون أحيانا لا علم له بها، وبالتالي فرئيس الجمهورية يخطر المجلس الدستوري بشأنها إن شكك في عدم دستوريتها، لكن المشكل يطرح إن لم يخطر رئيس الجمهورية المجلس الدستوري، وتبين عند النشر عدم دستوريتها، وهذا يطرح مسألة الرقابة اللاحقة على التصديق، سواء في هذه الحالة، أو حالة عدم إخضاع رئيس الجمهورية المعاهدات التي تدخل في المادة 131 من الدستور للموافقة البرلمانية المسبقة،
وتبين كذلك عند النشر عدم دستوريتها، أو كذلك إذا صادق على معاهدة في حالة شغور المجلس الشعبي الوطني، أو بين دورتي البرلمان وهي مخالفة للدستور فمسألة الرقابة اللاحقة للتصديق على المعاهدات الدولية نصت عليها المادة 165 الفقرة الأولى من دستور 1996 بقولها: " يفصل المجلس الدستوري ، بالإضافة إلى الاختصاصات التي خولتها إيه صراحة أحكام أخرى في الدستور، وفي دســـتورية المـــعاهدات والقـــوانين ، والتنظيمــــات ، إما برأي قبل أن تصــــبح

واجبة التنفيذ، أو بقرار في الحالة العكسية ..."، فهذه المادة توضح الرقابة الدستورية على المعاهدات سواء لم يتم التصديق عليها أو بعد ذلك.
ونص النظام المحدد لقواعد عمل المجلس الدستوري لسنة 2000 على انه إذا صرح المجلس الدستوري بعدم دستورية حكم أخطر بشأنه وكان هذا الحكم غير قابل للفصل عن باقي أحكام النص المخطر بشأنه، فإن النص يعاد إلى الجهة المخطرة، وكذلك إذا اقتضى الفصل في دستورية حكم التصدي لأحكام أخرى لم يخطر المجلس الدستوري بشأنها، ولها علاقة لها بالأحكام موضوع الإخطار، فالتصريح بعدم دستورية الأحكام التي أخطر بها أو تصدى لها وكان فصلها عن بقية النص يمس ببنيته الكاملة، ففي هذه الحالة يعاد النص إلى الجهة المخطرة.
وان المادة 165 من الدستور الجزائري جاءت خلافا لما أخذ به المؤسس الدستوري الفرنسي في مجال الرقابة الدستورية على المعاهدات، حيث أخضع هذه الأخيرة وكذلك الاتفاقيات ذات الشكل المبسط إلى الرقابة السابقة على التصديق أو الاعتماد، وإذا صرح المجلس الدستوري الفرنسي بعدم دستوريتها، فلا يرخص بالتصديق عليها، أو اعتمادها، إلا بعد تعديل الدستور حسب المادة 54 من الدستور الفرنسي لسنة 1958، أما فيما يخص المعاهدات التي قد يكون لها آثار سلبية على سير مؤسسات الدولة ولكنها دستورية، فالقانون المرخص للتصديق عليها يمكن إخضاعه من طرف الرئيس الفرنسي للاستفتاء الشعبي وفقا للمادة 11 من الدستور الفرنسي بناء على اقتراح من الحكومة، أو من غرفتي البرلمان، علما أن هذه المادة الأخيرة جاءت إثر تعديل الدستور الفرنسي سنة 1995 1.










* المطلب الثاني: الرقابة اللاحقة لدستورية المعاهدات الدولية
سنعالج في هذا المبحث تعريف الرقابة اللاحقة لدستورية المعاهدات الدولية، ثم عدم دستورية المعاهدة بعد التصديق عليها ونشرها في الجريدة الرسمية، وكذلك الآراء المؤيدة والآراء المعارضة للرقابة اللاحقة لدستورية المعاهدات الدولية.
الفرع الأول: تعريف الرقابة اللاحقة لدستورية المعاهدات الدولية
تفترض الرقابة اللاحقة1 للمعاهدات الدولية أن هناك معاهدة تمت المصادقة عليها من قبل البرلمان – إذا كانت تحتاج إلى هذا النوع من المصادقة -، ثم تم التصديق عليها من قبل رئيس الجمهورية ونشرها بالجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية، حيث تم الطعن فيها (أي في المعاهدة) لعدم دستوريتها إلى المجلس الدستوري بناءا على إخطار من رئيس الجمهورية أو رئيس المجلس الشعبي الوطني أو رئيس مجلس الأمة، وذلك طبقا لإجراءات الإخطار المنصوص عليها قانونا.
الفرع الثاني: عدم دستورية المعاهدة بعد التصديق عليها ونشرها
وفي مسألة الرقابة الدستورية اللاحقة للتصديق على المعاهدة في الجزائر، يطرح السؤال: من يخطر المجلس الدستوري بمعاهدة صادق عليها رئيس الجمهورية؟، فهنا لا يمكن لرئيس الجمهورية من الناحية المنطقية أن يخطر المجلس الدستوري بمعاهدة صادق عليها وكان بإمكانه أن يخطر المجلس الدستوري قبل أن يصادق عليها ويلزم دولته بها، فالأمر يبقى إذن بيد رئيس المجلس الشعبي الوطني، أو رئيس مجلس الأمة، فإذا كانت المعاهدة هنا قد حصلت على موافقة البرلمان فيصعب الأمر من الناحية الواقعية لرئيسا غرفتي البرلمان إخطار المجلس الدستوري، حيث كان بإمكانهما القيام بذلك قبل أن يصادق عليها رئيس الجمهورية، أما في حالة ما إذا لم تعرض المعاهدة على غرفتي البرلمان، سواء لكونها تخرج عن نص المادة 131 من الدستور أو لم يعرضها رغم اشتراط هذه المادة ذلك، أو صادق عليها رئيس الجمهورية أثناء شغور المجلس الشعبي الوطني، أو بين دورتي البرلمان، فهنا يمكن لأحد رئيسا غرفتي البرلمان أن يخطر المجلس الدستوري، وفي حالة سكوتهما عن الإخطار، تبقى المعاهدة المخالفة للدستور محل إخطار في وقت لاحق، لأن الدستور الجزائري لم ينص على ميعاد معين للرقابة الدستورية اللاحقة بعد التصديق، وبالتالي يمكن لرئيس جمهورية لاحقا أن يخطر المجلس الدستــوري

ونفس الشيء بالــنسبة لأحد رئيسا غرفتي البرلمان. وصحيح أنه بالنسبة للمعاهدات وإلى حد الآن لم يتم إخطار المجلس الدستوري بمعاهدة تمت المصادقة عليها، ولكن حدث إخطار المجلس الدستوري على قانون نافذ بعد ثلاثة سنوات 1، ولم يكن وراء الإخطار رئيس الجمهورية الذي أصدر هذا القانون ولا رئيسا غرفتي البرلمان في عهده، وإنما تم إخطار المجلس الدستوري من طرف رئيس الجمهورية الحالي "عبد العزيز بوتفليقة"، وفصل المجلس الدستوري بعدم دستورية الأمر المحدد للقانون الأساسي الخاص لمحافظة الجزائر الكبرى.
لكن المشكل الذي يطرح بالنسبة للرقابة اللاحقة على المعاهدة، وهوانه: إذا فصل المجلس الدستوري بعدم دستوريتها لأن هذه المعاهدة المخالفة للدستور أصبحت الجزائر ملزمة بها على الصعيد الدولي 2، وكما جاء في نص الدستور، تصبح الدولة ملزمة بأحكام المعاهدة ومرتبة لكل آثارها القانونية وحتى إن الفقرة الأولى من المادة 46 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات أردفت بعد ذلك الشروط التي يمكن لدولة ما أن تستظهرها لإبطال موافقتها على الالتزام بتلك المعاهدة. إن المجلس الدستوري بعد إقراره عدم مطابقة المعاهدة لأحكام الدستور مع علمه أن المعاهدة أصبحت ملزمة للدولة الجزائرية وطالما أن عمل المجلس الدستوري ينطوي تحت السهر على احترام الدستور، وأن المجلس الدستوري ليس من صلاحيته تعديل أحكام المعاهدة الدولية التي تتعارض مع الدستور، فكيف يعالج هذه المعاهدة؟.
وعليه، فإن أول عمل يقوم به المجلس الدستوري وذلك حسب المادة السابعة 3 هو أن يعيد النص المخطر بشأنه مع الحكم الذي قضى به المجلس الدستوري وحكم بعدم دستوريته، وذلك كما ذكرنا سالفا أن ليس من صلاحية المجلس الدستوري تعديل أحكام المعاهدة، ولا يفصل فيها اعتمادا على نص مادة تتعارض مع أحكام الدستور، وذلك على غرار رقابته على القوانين والتنظيمات والذي له صلاحية تعديل النصوص. فإذا أصبحت المعاهدة ملزمة للدولة بعد استكمال شرط التصديق عليها، وأن المجلس الدستوري قد أقر عدم دستورية تلك المعاهدة دولية المصادق عليها، فكيف إذا للدولة الجزائرية أن تتملص من التزاماتها الدولية ؟ وذلك وفق ما نصت عليه اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات التي صادقت عليها الجزائر، والتي تلزم الدولة التي صادقت عليها بأحكامها 4.


بالإضافة إلى ذلك، فما هو موقف القضاء الدولي من هذه المسألة؟ وهل تستطيع الدولة الجزائرية أن تتملص من التزاماتها الدولية بالرجوع إلى القضاء الدولي؟، بالنسبة لهذه المسألة نلاحظ أن محكمة العدل الدولية في كثير من أحكامها Dictum أقرت بأن: " الدول لا تستطيع أن تبرر تملصها من التزاماتها الدولية الاتفاقية بحجة أن قانونها الداخلي يمنع ذلك "، وعليه فإن تملص الدولة من التزاماتها الدولية يرتب عليها كامل المسؤولية الدولية، وهذا ما فصلت به محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري بمناسبة تفسير معاهدة السلم بتاريخ 30 مارس 1951 بالنسبة لكل من بلغاريا والمجر ورومانيا، وخلصت المحكمة في الأخير إلى القول بأن تملص الدولة من التزاماتها الدولية التعاقدية والاتفاقية هو السبب الأول في تحريك المسؤولية الدولية على الدولة المخلة بالتزاماتها التعاقدية 1 بالإضافة إلى عدة قضايا أخرى تناولت فيها المحكمة بأنه لا يمكن أن تتذرع أي دولة بقانونها الوطني ضد أحكام المعاهدة، وفي كل الحالات تتحمل الدولة المسؤولية الدولية إذا خالفت ذلك 2.
و بالرجوع إلى اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لا سيما نص المادة 26 بقولها: " العقد شريعة المتعاقدين " يجعل أي إخلال من أحد أطراف بالمعاهدة، مرتبا للمسؤولية الدولية.
ومشكلة عدم دستورية معاهدة دولية تصطدم بالمادة 27 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لسنة 1969، التي نصت على: " لا يجوز لأي طرف أن يستظهر بأحكام قانونه الداخلي لتبرير عدم تنفيذه معاهدة ما ... "، ونفس الشيء نصت عليه اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات بين الدول والمنظمات الدولية أو بين المنظمات الدولية لسنة 1986 في المادة 27 منها، والسؤال المطروح: هل يمكن القول هنا أن المؤسس الدستوري الجزائري لم ينتبه إلى النتائج المترتبة على تصريح المجلس الدستوري بعدم دستورية معاهدة تمت المصادقة عليها ؟ أو يقصد بذلك تشجيع الرقابة السابقة على المعاهدة لأن الرقابة الدستورية اللاحقة للتصديق على المعاهدة تؤدي إلى المسؤولية الدولية في حالة فصل المجلس الدستوري بعدم دستوريتها، ولكن لو كان الأمر كذلك، لماذا لم يوسع المؤسس الدستوري الجزائري الإخطار إلى رئيس الحكومة وعدد معين من غرفتي البرلمان ؟
وهل يمكن القول أن الهدف من الرقابة الدستورية اللاحقة على التصديق ما هو إلا سياسي 3 يلعب المجلس الدستوري فيه دور المحكم بين السلطة التشريعية والتنفيذية في حالة نزاع بينهما حول هذه


المعاهدة ؟، مع العلم أن دور المجلس الدستوري هو الفصل في دستورية هذه المعاهدة، و كيف يمكن للمجلس الدستوري أن يلعب دور المحكم إن أخطر من طرف رئيس جمهورية لاحق؟.
وأمام ذلك، يبدو أن المؤسس الدستوري الجزائري يقصد تعديل الدستور، وصحيح أنه لا توجد هناك مادة في الدستور تنص على تعديله من أجل معاهدة، ولكن ليس هناك ما يمنع ذلك، فيمكن لرئيس الجمهورية وفقا للمادة 174 من دستور 1996 أن يبادر بالتعديل الدستوري، أو الرجوع إلى المادة السابعة الفقرة الرابعة منها في دستور 1996، حيث يلجأ رئيس الجمهورية إلى إرادة الشعب مباشرة عن طريق الاستفتاء.
وبقراءتنا لهذه الأخيرة التي تنص على: " لا يجوز للدولة أن تستظهر بكون أن التعبير عن موافقتها على الالتزام بمعاهدة ما قد تم على وجه ينطوي على خرق لحكم من أحكام قانونها الداخلي يتعلق باختصاص بعقد المعاهدات، كمبرر لإبطال موافقتها تلك، ما لم يكن هذا الخرق ومتصلا بقاعدة ذات أهمية أساسية من قواعد قانونه الداخلي"، وحتى الفقرة الأولى من المادة 46 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات قد أكدت ما جاء في نص المادة 27 من الاتفاقية التي تعتبر القاعدة العامة، وأردفت بعد ذلك الشروط التي يمكن لدولة ما أن تستظهرها كمبرر لإبطال موافقتها على المعاهدة وهذه الشروط هي :
ـ أن يكون الخرق متعلق باختصاص بعقد المعاهدات.
ـ أن يكون الخرق بينا وواضحا.
ـ أن يكون الخرق متصل بقاعدة هامة في القانون الوطني.
ـ أما الشرط الرابع، وحتى يكون الخرق جوهري وبحسن نية لابد أن تقع فيه دولة أخرى.
من خلال هذا، هل يمكن للدولة الجزائرية أن تتمسك بأن التعبير عن موافقتها للالتزام بالمعاهدة قد تم على وجه يخالف القانون الوطني؟
المسألة سهلة في إثبات هذا الخرق واعتباره جوهريا يمس قاعدة هامة من قواعد القانون الوطني خاصة إذا أصبحت المعاهدة نافذة، ومهما يكن الأمر فان هذا التصرف سيرتب المسؤولية الدولية على الدولة الجزائرية، ذلك أن التحلل من الالتزامات الاتفاقية يرتب دائما المسؤولية الدولية، وهو ما قضت به محكمة العدل الدولية في الرأي الاستشاري حول تفسير معاهدة السلم سنة 1951 بين بلغاريا ورومانيا والمجر، فقضت المحكمة بأن التحلل من الالتزامات التعاقدية هو التحريك الطبيعي للمسؤولية الدولية 1.


وعليه فإن المجلس الدستوري في هذه الحالة إذا ارتأى عدم دستورية معاهدة ما، بعد المصادقة عليها، وباعتبار أن المجلس الدستوري لا يملك صلاحية تعديل أحكام المعاهدة، وعدم فصل نص المعاهدة الذي يتعارض مع الدستور عن باقي النصوص الأخرى، وذلك قياسا بعمل البرلمان عند الموافقة على المـعاهدة 1، فعلى المجلس الدستوري تطبيق نص المادة السابعة من النظام المحدد لعمل المجلس الدستوري 2، والتي تنص على: " إذا صرح المجلس الدستوري بعدم دستورية حكم أخطر بشأنه وكان هذا الحكم في نفس الوقت غير قابل للفصل عن باقي أحكام النص المخطر بشأنه، فإن النص الذي ورد ضمنه الحكم المعني يعاد إلى الجهة المخطرة " .
فبإعادة المجلس الدستوري الحكم المخطر بشأنه، هنا تبقى مسألة اتخاذ القرار من طرف السلطة التي صدر منها الإخطار، إضافة إلى رئيس الجمهورية وذلك حسب المادة 22 3، وفي هذه الحالة وتطبيقا لنص المادة السابعة من النظام المحدد لعمل المجلس الدستوري السالف ذكرها، لا يطبق المجلس الدستوري أحكام المادة 23 من نظامه الداخلي والتي تنص على : " ترسل أراء وقرارات المجلس الدستوري إلى الأمين العام للحكومة لنشرها في الجريدة الرسمية "، لأن نشر الرأي أو القرار في الجريدة الرسمية يرتب كل آثاره القانونية، وطالما أن النظام القانوني للدولة الجزائرية لا يعترف بأولوية القانون الدولي على القانون الوطني، وذلك على غرار بعض الدول التي تعطى أولوية القانون الدولي على القانون الوطني، مثل سمو معاهدة ماستريخت على القانون الوطني لأية دولة من دول الاتحاد الأوروبي وذلك بتعبير : Supranational 4.
ذلك أن المعاهدات في الدستور الجزائري تسمو على القانون العادي دون الدستور، وذلك وفقا لنص المادة 132 من دستور 1996 التي تنص على : " المعاهدات التي يصادق عليها رئيس الجمهورية تسمو على القانون "، إن دستور 1976 في مادته 158 التي جاءت صريحة، حيث نصت على أن المعاهدات التي تعدل من محتوى القانون لا تتم المصادقة عليها إلا بعد الموافقة الصريحة من المجلس الشعبي الوطني بقولها : " تتم مصادقة رئيس الجمهورية على المعاهدات السياسية والمعاهدات التي تعدل محتوى القانون، بعد الموافقة الصريحة عليها من المجلس الشعبي الوطني "، أما ما ذكره في نص المادة 159 من دستور 7619 أن المعاهدات الدولية تكتسب قوة القانون.

إن رقابة المجلس الدستوري على المعاهدات الدولية يجب أن تكون سابقة على دخول المعاهدة حيز النفاذ.
وقبل استكمال إجراء التصديق عليها من قبل رئيس الجمهورية وفقا لأحكام الدستور، وذلك حتى لا تترتب على الدولة الجزائرية المسؤولية الدولية، لأنه لا يمكن أن نفسر المادة 165 من دستور 1996 على أنها أعطت للمجلس الدستوري اختصاص الرقابة السابقة فقط، فنحن لا نحمل النص أكثر مما يحتمل، ولكن تأويل المادة جاء هكذا، وأن للمجلس رقابة سابقة ورقابة لاحقة للمعاهدات الدولية، لأن تملص الجزائر من التزاماتها التعاقدية لا يمكن أن يبرر على أن هناك خرق للقانون الداخلي، خاصة مع تطور الجماعة الدولية وسمو القانون الدولي على القانون الوطني، وكذلك تثبيته، كمبدأ السيادة الوطنية فأصبح للقانون الدولي الأولوية على القانون الوطني، وكان على المؤسس الدستوري الجزائري أن يتدارك هذه المسألة لتفادي الجزائر المسؤولية الدولية.
إن المعاهدات الدولية والاتفاقيات الدولية أصبحت تنفذ داخل الدول رغم وجود معارضة، وهذا ما توصلت إليه محكمة العدل الدولية في الرأي الاستشاري التي قالت بموجبه: أن المعاهدات تطبق على السيد "مازيلو" ما دام أنه له مهمة خبير لدى هيئة الأمم المتحدة في قضية MAZILOU سنة 15/12/1989 والتي جاء في هذا الموضوع :
« La cour déclare la convention applicable à Mr. MAZILOU entant qu’expert en mission pour le compte de l’O.N.U » 1
وتجدر الملاحظة، أن بعض المعاهدات تنص صراحة على نصوص تلزم الدول الأطراف بسن التشريعات اللازمة لضمان تطبيق المعاهدة، وإحداث تعديلات على القوانين القائمة بما يتماشى وأحكام المعاهدة، ومن أمثلة ما نصت عليه اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة لسنة 1979 2 حيث جاء في المادة الثالثة منها على أن " تتخذ الدول الأطراف في جميع الميادين ولا سيما الميادين السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، كل التدابير المناسبة في ذلك التشريع، لتطور المرأة وتقدمها، وذلك لتضمن لها ممارسة حقوق الإنسان والحريات الأساسية والتمتع بها على أساس المساواة بين الرجل "، و كذلك ما جاء في المادة 16 – 1 الفقرة (ج) من هذه الاتفاقية، حيث نصت على: " تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة في كافة الأمور المتعََََـــــلقة


بالـــزواج، العلاقات الأسرية، وبوجه خاص تضمن على أساس تساوي الرجل بالمرأة ... نفس الحقوق والمسؤوليات أثناء الزواج وعند فسخه ... " .
وتثير الانتباه المادة الرابعة من اتفاقية حقوق الطفل لسنة 1989 1، حيث نصت على "تتخذ الدول الأطراف كل التدابير التشريعية، والإدارية وغيرها من التدابير الملائمة لأعمال الحقوق المعترف بهــا
في هذه الاتفاقية ..." وحسب هذه المادة فان سن التشريع يكون لكافة الحقوق المذكورة في هذه الاتفاقية هذا بالإضافة إلى اتفاقيات أخرى في مجال القانون الدولي الجنائي تنص على اتخاذ التشريعات.
وبالتالي، هنا كيف يمكن سن التشريعات بالنسبة لمثل هذه المعاهدات إن تمت المصادقة عليها وهي مخالفة للدستور؟، فبناءا على هذه الاتفاقيات قد يبادر بالتشريع رئيس الحكومة، أو عشرون نائبا 2 أو يشرع رئيس الجمهورية بناءا على هذه الاتفاقية بأوامر، أو بالتنظيمات 3، كما جاء ذلك في الأمر المؤرخ في 20 أوت سنة 2001 الذي يتضمن تأسيس تعريفة جمركية جديدة 4، وجاء هذا الأمر بمقتضى القانون رقم 91 ـ 09 المؤرخ في 27 أفريل 1991 والمتضمن الموافقة على الاتفاقية الدولية حول النظام المنسق لتعيين وترميز البضائع المحررة ببروكسل سنة 1983، وهذا الأمر لم يعرض على المجلس الشعبي الوطني لأنه وافق بقانون 91 ـ 09 ـ 1991 المذكور على هذه الاتفاقية التي تمت المصادقة عليها في 20 جوان سنة 1991 5، وهذا الأمر نشر سنة 2001، ونفس الشيء بالنسبة لأمر 01ـ 03المؤرخ في 20 أوت 2001 المتعلق بتطوير الاستثمار6، حيث جاء هذا الأمر بمقتضى قانون 12 جويلية 1988 والمتضمن الانضمام إلى اتفاقية الأمم المتحدة لسنة 1958 والخاصة باعتماد القرارات التحكيمية الأجنبية وتنفيذها، التي صادقت عليها الجزائر بتحفظ سنة 1988 7، وجاء كذلك بمقتضى أمر سنة 1995 والمتضمن الموافقة على تسوية المنازعات المتعلقة بالاستثمارات بين الدول ورعايا الدول الأخرى التي صادقت عليها الجزائر سنة 1995، وكذلك جاء بمقتضى أمر سنة 1995 المتضمن الموافقة على الاتفاقية المتضمنة إحداث الوكالة الدولية لضمان الاستثمارات التي صادقت عليها الجزائر سنة 1995، ونفس الشيء كذلك بالنسبة لأمر 20 أوت 2001 المتعلق بتنظيم المؤسسات العمـــومية

الاقتصادية وتسييرها وخوصصتها 1، حيث جاء هذا الأمر بمقتضى القوانين المتضمنة الموافقة على الاتفاقيات المذكورة في الأمر المتعلق بتطوير الاستثمار المذكور أعلاه، فهنا الأوامر جاءت تشجيعا للاستثمار من جهة، وضمانا لتطبيق الاتفاقيات المذكورة في مرجع تأشيرة هذه الأوامر من جهة أخرى.
وصحيح أن هذه الاتفاقيات تمت موافقة المجلس الشعبي الوطني عليها، في حين ما العمل إذا منح البرلمان موافقته على معاهدة غير دستورية وكان على رئيسا غرفتي البرلمان إخطار المجلس الدستوري؟، لكن لم يفعلان إغفالا منهما، وتمت مصادقة رئيس الجمهورية عليها، ثم صدر تشريعا للعمل بها ضمانا لتطبيقها؟
ففي حالة عدم إخطار المجلس الدستوري، يبقى هذا التشريع محل إخطار، أما في حالة إخطاره وفصل بعدم دستورية التشريع أو التنظيمات، فالمادة 169 من دستور 1996 تنص علــــــــى:
"إذا ارتأى المجلس الدستوري أن نصا تشريعيا أو تنظيميا غير دستوري يفقد هذا النص أثره ابتداء من يوم قرار المجلس "، وأثر إلغاء النص هنا فوري، وبالتالي كيف يمكن تطبيق المعاهدة التي تنص على اتخاذ التشريع؟.
ويزداد الأمر صعوبة إذا كانت المعاهدة التي تتطلب تشريعا وفقا لما تنص عليه علاقته بالقوانين العضوية كقانون الإعلام مثلا، حيث الرقابة الدستورية على صدور القوانين العضوية وفقا للمادة 123/3 من دستور 1996، وتجدر الملاحظة، أن المعاهدات التي لا تنص على اتخاذ التشريع في حالة إخطار المجلس الدستوري بعد التصديق عليها، نلاحظ غياب نص دستوري والذي يبدأ فيه فقدان المعاهدة أثرها، وصحيح أن قرارات المجلس الدستوري نهائية ولها حجية الشيء المقضي به، إلا أن نص المادة 169 من الدستور وضح فقدان الأثر للنص التشريعي، أو التنظيمي، الذي يبدأ من يوم قرار المجلس الدستوري، في حين لم يوضح الدستور بداية فقدان الأثر بالنسبة للمعاهدات بعد التصريح بعدم دستوريتها بقرار (رقابة لاحقة)، ويبدو أن المؤسس الدستوري الجزائري منح الوقت لتعديل الدستور.






*المطلب الثالث: موقف الفقه من الرقابة اللاحقة للمعاهدات الدولية(الآراء المؤيدة والمعارضة)
لقد أتلف الشراح الحل فيما إذا كان المجلس الدستوري الجزائري يملك الرقابة السابقة والرقابة اللاحقة لدستورية المعاهدات الدولية، ونلمس ذلك في عدم إجماع الفقهاء على أن سلطة المجلس الدستوري محصورة في الرقابة السابقة فقط .
حيث يرى الأستاذ "أحمد محيو" في مقاله حول دستور 1989 والقانون الدولي، أن القول بأن سلطة المجلس الدستوري مقصورة على الرقابة السابقة فقط قول غير مقنع بالنظر إلى صراحة نص المادة 155 من دستور 1989 (والتي تشكل حاليا المادة 165 من دستور 1996) والتي تنص على سلطة المجلس الدستوري لممارسة الرقابة السابقة واللاحقة على المعاهدات الدولية. وقد استند الأستاذ "أحمد محيو" إلى مفهومي القياس والمعقولية، بحيث رأى أنه إذا كان الرأي الذي يصدره المجلس الدستوري من شأنه حرمان الاتفاقية التي لم تتم المصادقة عليها من إحداث آثارها فمن باب أولى والأجدر أن يكون لقرار المجلس الدستوري قوة إلغاء مفعول اتفاقية تم التصديق عليها ابتداء من تاريخ صدور القرار مثلما هو الأمر بالنسبة للقوانين والتنظيمات، وأمام سكوت الدستور فإنه يجب أن يطبق نفس الحل على الاتفاقيات، وهكذا نكون قد أعطينا معنى لإجراء الإخطار المنصوص عليه في المادة 155 من دستور 1989 (المادة 165 من دستور 1996) وللتفرقة المـكرسة في هذه المـادة بين الرأي والقرار1.
ولكن هذا المنطق التحليلي تنجر عنه صعوبة، تكمن هذه الأخيرة في أن الاتفاقية المصادق عليها تلوم نهائيا البلد الذي ارتباط بها على المستوى الدولي، ذلك لأن عيب عدم الدستورية لا يمنع الاتفاقية من إحداث أثرها من منظور القانون الدولي، إذ أن المادة 46 من اتفاقية فينا لقانون المعاهدات تمنع أو تقلل من إمكانية إثارة مسألة خرق القانون الداخلي للاعتراض على صحة الاتفاقية من وجـهة القانون الـدولي، وينتج عن ذلك وجود حالة فريدة وشاذة تتمثل في أن المعاهدة المصادق عليها والتي تقرر عدم دستوريتها تلوم الدولة على المستوى الدولي، ولكن لا يمكنها إحداث أثارها على المستوى الداخلي2.
ولتفادي هذه الوضعية، لجا الأستاذ "احمد محيو" إلى إعطاء تفسير للمادة 155 من دستور 1989 (المادة 165 من دستور 1996) مؤداه أن القول بأن الدستور لم ينص على النتائج المترتبة على قرار متعلق بعدم دستورية اتفاقية تم التصديق عليها، هذا يعني بأنه لا يمكن أن يوجد مثل ذلك القرار. فالمادة 158 من دستور 1989 (المادة 168 من دستور 1996) مقصور على النتائج المترتبة على رأي المجلس

الدستوري بعدم دستورية اتفاقية لم يتم التصديق عليها، وهذه هي الفرضية الوحيدة المستصاغة. ومع ذلك لا نرى من يخطر المجلس الدستوري للنظر في دستورية اتفاقية تم التصديق عليها1.
ويرى الأستاذ "أحمد محيو" بأن هذا التفسير الثاني لا يمكن أن يكون مقنعا، إذ أنه من الصعب بل وحتى من المستحيل تجاهل المعنى الواضح لنص المادة 155/1 من دستور 1989 (المادة 165 من دستور 1996) والتي تنص صراحة على الرقابة السابقة واللاحقة، فلا مفر إذا من تكريس سلطة المجلس الدستوري في الرقابة السابقة على دستورية اتفاقية قبل التصديق عليها وكذلك سلطته في إلغائها لاحقا لعدم دستوريتها2.
بينما ذهب الأستاذ " قشي الخير" إلى القول بأن سلطة المجلس الدستوري مقصورة على الرقابة السابقة فقط موضحا بأن محاولة قراءة المادة 155 على ضوء المادتين 158 و159 (من دستور 1989) تثير مشاكل معقدة ...، ولإزالة هذا الغموض يجب اعتماد قاعدة التفسير الثابتة دوليا وداخليا، والتي مقتضاها ضرورة تفسير النص وفقا للمعنى العادي لألفاظه في علاقته مع النصوص الأخرى، ... وكذلك ضرورة الأخذ في الاعتبار الآثار التي تترتب عن اعتماد تفسير معين. وبنـاء على ذلــك يمــكننا
ـ ربماـ الحديث عن "وضوح" المادة 155 (من دستور 1989) بل عن غموضها، و"وضوح المادتين 158، 159" واستند إلى الحجج التالية:
1 ـ إن المادة 155 من دستور 1989 (المادة 165 من دستور 1996) تتضمن غموضا، ومن أجل محو الغموض الذي يشوبها فإنه يجب أن يتم تفسيرها على ضوء المواد 158، 159 من دستور 1989 وهذا بإضافة جملة : " فيما يتعلق بالقوانين واللوائح " في نهاية المادة 155 3، وما يجب ملاحظته في هذا الصدد أن المؤسس الدستوري الجزائري لم يأخذ بعين الاعتبار مثل هذا الاقتراح في تعديلات الدستور التي تم الاستفتاء فيها يوم 28 نوفمبر1996 4.
2 ـ لو كان المؤسس الدستوري قصد التسليم بإمكانية ممارسة المجلس الدستوري للرقابة اللاحقة لدستورية الاتفاقيات لأفراد إذا خصص لها نصا خاصا بالنتيجة المترتبة على عدم دستورية الاتفاقيات ونصا آخر خاص بالنتيجة التي تترتب على عدم دستورية القوانين واللوائح5.

3 ـ يجب أن تفسر المادة 155 على ضوء المادة 123 من دستور 1989 (المادة 132 من دستور 1996). فهذه المادة تكرس مبدأ سمو الاتفاقيات الدولية على القانون الداخلي، وعليه فإنه من الأفضل أن نتوسع في تفسير مفهوم "القانون" لنجعله يضم الدستور وإلا تستقى الحكمة من إقرار مبدأ سمو الاتفاقيات على القوانين.
وإذا اعتمدنا هذا التفسير الموسع لمفهوم القانون الوارد في المادة 123 من دســـتور 1989
(المادة 132 من دستور 1996)، فإنه يكون من غير المنطق ومن غير المعقول الاعتراف للمجلس الدستوري بسلطة الرقابة اللاحقة لدستورية الاتفاقيات والمعاهدات الدولية1.
4 ـ إذا ما فسرنا المادة 155 بكيفية تؤدي إلى التسليم للمجلس الدستوري بسلطة الرقابة اللاحقة لدستورية الاتفاقيات التي تم التصديق عليها بمخالفة للقانون الدستوري، فإن هذا الأمر يتعارض مع المادة 46 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات، والتي تلزم الدول بأن تغلب على الأقل و ترجح تعهداتها الدولية على قواعد قانونها الدستوري في حالة تعارضهما.
5 ـ إذا أعطينا المادة 155 تفسير يؤدي إلى قصر سلطة المجلس الدستوري على إبداء رأيه فقط عن مدى دستورية المعاهدات غير المصادق عليها، فإن ذلك يؤدي إلى تفادي خلق تناقض بين التعهدات الدولية التي تحملها الجزائر بموجب معاهدة وقوانينها الداخلية.
ومن ثم فإن نص المادة 155 من دستور 1989 (165 من دستور 1996) اقتصر على النص على الرقابة السابقة دون اللاحقة، هذا ليتفادى إمكانية حدوث تناقض بين الالتزامات الدولية للجزائر وقوانينها الداخلية2.
6 ـ ثم أن بقية النصوص الدستورية الأخرى تظهر بأن سلطة المجلس الدستوري تقتصر فقط على إبداء رأي في مدى دستورية الاتفاقيات قبل أن تصبح سارية المفعول3.
7 ـ إن التسليم بسلطة المجلس الدستوري في الرقابة اللاحقة لدستورية الاتفاقيات يعني إلغاء قواعد دولية تكون الدولة قد ارتبطت بها بمحض إرادتها، وهذا يؤدي إلى وضع الدولة في موقف حرج ويحملها المسؤولية نتيجة مخالفتها لقواعد دولية، في حين أن إلغاء القواعد الوطنية لا يتترب عليها أية نتيجة سواء على المستوى الدولي وقد لا تنتج عنه أية مشكلة على المستوى الوطني4.

8 ـ لو أن المؤسس الدستوري أعطى للمجلس الدستوري سلطة الرقابة اللاحقة لإلغاء الاتفاقيات التي تم التصديق عليها دون أن يعطيه سلطة الرقابة السابقة لأمكننا في هذه الحالة " تطبيق قاعدة التفسير التي مقتضاها أن من يملك الأكثر يملك الأقل ولكن في وضع عكسي "1 .
9 ـ وأخيرا يرى الأستاذ "قشي الخير" أن المؤسس الدستوري الجزائري في محاولة فاشلة لتقليد المؤسس الدستوري الفرنسي وذلك بمنحه الرقابة السابقة على دستورية الاتفاقيات دون الرقابة اللاحقة.
وخلص الأستاذ "قشي الخير" إلى القول بأنه : " ومهما كان قصد المؤسس الدستوري فإن التفسير الذي اعتمدناه ينسجم أكثر مع محاولة جعل القوانين الداخلية متلائمة مع الالتزامات الدولية، وهو الموقف الذي يجب على القاضي الجزائري اعتمدناه، كما فعل قضاء دول أخرى " .
كما ذهب الأستاذ " نوري مرزة جعفر " في نفس اتجاه الأستاذ "قشي الخير"، بحيث أوضح أن المؤسس الدستوري الجزائري : "... أدخل ... المعاهدات في باب الرقابة الوقائية المسبقة على الإقرار والتصديق، وبذلك استبعد المعاهدات والاتفاقيات الدولية من رقابة الإلغاء أي الرقابة اللاحقة للتصديق وحسنا فعل المؤسس الدستوري الجزائري، لأن المعاهدات والاتفاقيات الدولية تعني وجود أطراف دولية أجنبية، ولذلك أراد أن يتلافى مسألة الدخول في منازعات وخلافات مع تلك الأطراف، إذ أصبحت تلك المعاهدات والاتفاقيات قوانين سارية المفعول مما قد يؤثر على مجمل علاقات الجزائر"2.
في الواقع لا شيء في الممارسة العملية المحتشمة للمجلس الدستوري الجزائري يسمح لنا بتأكيد أو نفي أحد الرأيين، غير أنه نعتقد – حسب رأينا - أن اندماج اتفاقيات دولية متعلقة بحقوق الإنسان في النظام القانوني الجزائري، يجعل المعاهدات تفلت من الرقابة الدستورية اللاحقة، سواء حول المضمون أو حول الإجراءات اللازم اتباعها لإدماج الاتفاقية ضمن القانون الداخلي.
ومن هنا فإن الرقابة التي يمارسها المجلس الدستوري بخصوص الاتفاقيات الدولية تقتصر على الرقابة السابقة بواسطة الرأي الذي يبديه المجلس، شريطة أن يكون قد تم إخطاره من طرف رئيس الجمهورية أو رئيس المجلس الشعبي الوطني أو رئيس مجلس الأمة تطبيقا لما نصت عليه المادة 166 من دستور 28 نوفمبر.
وهكذا فإننا نميل إلى الرأي القائل بأن المؤسس الدستوري الجزائري قد أدخل المعاهدات في باب الرقابة السابقة أو الوقائية دون الرقابة اللاحقة .


بالإضافة إلى الحجج التي قدمها الأستاذ " قشي الخير "، والأستاذ "مرزة جعفر"، فإنه يمكننـــا – بدورنا - أن نضيف الحجج والأسانيد القانونية الآتية دلالة على أن المؤسس الدستوري الجزائري قد خول للمجلس الدستوري الرقابة السابقة لدستورية المعاهدات الدولية دون تخويله اختصاص الرقابة اللاحقة لها طبقا لنص المواد 165/1، 166 و168 من دستور 1996 وذلك كمايلي:
1ـ إن الاتفاقية الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان والتي تمت المصادقة عليها طبقا للأوضاع الدستورية لا تثار بشأنها مسألة عدم دستوريتها قبل الإقدام على التصديق عليها، و تطبيقها يفرض حتى ولو ثبت فيما بعد أنها تنطوي على بنود متعارضة مع الدستور، ذلك لأن التعبير عن الارتضاء النهائي بأحكام اتفاقية يعد قرينة لا يمكن ردها بأن الاتفاقية مطابقة للدستور.
2 ـ إن رئيس الجمهورية هو حامي الدستور والمدافع عنه، ومن ثم فإن الأمر يرجع إليه للسهر على أن تكون الاتفاقيات التي يصادق عليها هو نفسه باسم الجزائر غير متعارضة مع الدستور الجزائري ،وإذا ما أقدم رئيس الجمهورية للتصديق على اتفاقية دولية بشأن حقوق الإنسان فهي تصبح ملزمة لجميع الهيئات والأفراد، حتى ولو كانت بعضا من مضمون بنودها متعارضا مع القواعد الدستورية، على أنه لا يمكن إثارة صحة الاتفاقيات على أساس قواعد القانون الدولي العام.
3 ـ إن المؤسس الدستوري الجزائري قد أخذ بعين الاعتبار العديد من النصوص الدولية التي تقرر ضرورة أن تعطي الأفضلية في التطبيق دائما للاتفاقيات الدولية بعد اندماجها في النظام القانوني الوطني دون تفرقة بين القانون السابق أو اللاحق على دخول الاتفاقية حيز النفاذ في مواجهة الدولة، وأهم هذه النصوص نص المادة 38 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات والتي تنص بأنه : " لا يجوز لطرف في معاهدة أن يتمسك بقانونه الداخلي كسبب لعدم تنفيذ معاهدة "، وما يجب ملاحظته أن الإشارة في النص السابق إلى "القانون الداخلي" يشمل فروع القانون الداخلي بما في ذلك القانون الدستوري.
4 ـ إذا كانت المعاهدة تعترف بحق لا يعترف به في الدستور، أو كانت توفر حماية أكثر من تلك التي يوفرها الدستور لحق مكرس فيه، ففي ماذا تتمثل عدم دستورية مثل هذه المعاهدة ؟ و لم يثبت مطلقا وإن كرس قانون حقا جديدا، أو أصبح في وضع متعارض مع الدستور، ومنه فإن استبعاد معاهدة لفائدة الدستور سيعطي صورة حقيرة عن نظامها الوطني لحماية حقوق الإنسان.
5 ـ يجب أن لا يغيب عن أذهاننا أن القواعد الدولية في حد ذاتها تقر بأنها لا توفر إلا الحد الأدنى من الحماية، وهكذا وحسب نص المادة 19/8 من دستور منظمة العمل الدولية، فإن اعتماد اتفاقية أو توصية من طرف مؤتمر منظمة العمل الدولية أو مصادقة أحد الأعضاء على اتفاقية لا يجب بأي حال مـــن

الأحوال اعتبارها بأنها تمس بأي قانون، أو أي قرار، أو أي عرف من تلك المنصوص عليها في الاتفاقية أو في التوصية. وقد جاء العهد الدولي المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية (المادة 5/2)، والعهد
الدولي المتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (المادة 5/2) لتذكيرنا بنفس ما جاءت به المادة 19/8 من دستور منظمة العمل الدولية.
ومنه لا يمكن تصور تعارض بين الاتفاقية والدستور إلا في الحالة التي لا يوفر فيها الدستور للشخص حماية قانونية ذات نوعية لا تساوي تلك التي لا توفرها القاعدة القانونية الدولية لنفس الشخص سواء لانعدام الحماية كلية أو لعدم كفايتها، ولكن في هذه الحالة لا تنمحي القاعدة الدولية لأنها تشكل الحد الأدنى الذي التزمت الدولة باحترامه.



















خلاصة الفصل الثاني
من خلال معالجتنا للمبحث الأول الذي يحمل عنوان تنظيم المجلس الدستوري وإجراءات رقابته للمعاهدات ومدى حجية قراراته في ذلك ، وبالرجوع إلى نص المادة 165 /1 من دستور 1996، نجدها قد خولت للمجلس الدستوري حق النظر في دستورية المعاهدات الدولية، إما برقابة سابقة أو رقابة لاحقة، فبالنسبة للنوع الأول من الرقابة نجد المجلس الدستوري يصدر بشأنها رأيا، أما بالنسبة لنوع الثاني فإنه يصدر قرارا، وهذا بعدما يتم إخطاره من طرف إحدى الهيئات المختصة، لكن المؤسس الدستوري الجزائري عندما تطرق لموضوع الرقابة الدستورية ، كان تطرقه هذا ناقصا، حيث أنه نص صراحة على النتائج التي تنجر عن الرقابة الدستورية للنصوص التشريعية والتنظيمية وذلك في نص المادة 169 من دستور 1996 التي نصت على "إذا ارتأى المجلس الدستوري أن نصا تشريعيا أو تنظيميا غير دستوري، يفقد هذا النص أثره ابتداء من قرار المجلس"، دون ذكر النتائج التي تنجر على رقابة دستورية المعاهدات الدولية وهذا إذا كانت الرقابة لاحقة.
وتطرق أيضا إلى النتائج التي تنجر عن عدم دستورية بعض المعاهدات فقط دون سواها والمتمثلة في تلك المعاهدات التي لم يتم المصادقة عليها فقط دون سواها طبقا لنص المادة 168 من دستور 1996 والتي تنص على "إذا ارتأى المجلس الدستوري عدم دستورية معاهدة أو اتفاق أو اتفاقية فلا يتم التصديق عليها".
وبناء على ما سبق ذكره أعلاه، فإننا نلاحظ أن كل النصوص التشريعية أو التنظيمية إذا قرر المجلس الدستوري عدم دستوريتها فقدت أثرها من يوم إصدار المجلس الدستوري لقراره وان المعاهدات الدولية والاتفاقيات التي لا يتم المصادقة عليها بعد فإذا ما ارتأى المجلس الدستوري عدم دستوريتها فإنه لا يتم المصادقة عليها، وهذا بصريح نص المادة 168 المشار إليها.
إن المجلس الدستوري، ليس نظام تنفرد به الجزائر، بل هو نظام قائم بذاته في جميع الدول الديمقراطية الحديثة، ولقد أسندت له الدساتير مسألة الرقابة على دستورية القوانين والتنظيمات والمعاهدات الدولية ومسائل أخرى، وعليه فهو أشبه بالقضاء السياسي ، وهذا لا يختلف عن نص المادة 163 التي تنص على "يؤسس مجلس دستوري يكلف بالسهر على احترام الدستور. كما يسهر المجلس الدستوري على صحة عمليات الاستفتاء، وانتخاب رئيس الجمهورية، والانتخابات التشريعية، ويعلن نتائج هذه العمليات".


ومن خلال المبحث الثاني المتمثل في مدى اخذ المجلس الدستوري بالرقابة السابقة والرقابة اللاحقة وموقف الفقه من ذلك، فان المؤسس الدستوري الجزائري قد خول للمجلس الدستوري اختصاص الرقابة السابقة لدستورية المعاهدات الدولية طبقا لنص المادة 165/1 من دستور 1996 دون الرقابــة
اللاحقة طبقا لما أوردناه – أعلاه - من حجج وأسانيد قانونية من طرفنا، أو من طرف أساتذتنا الكرام وكذلك استنادا لنصوص المواد 166و168 من دستور 1996 ، ولنذكر أيضا، أن الجزائر قد صادقت (وبتحفظ) على اتفاقية فيينا حول قانون المعاهدات التي وقعت عليها الجزائر في 23 ماي 1969، حيث كرست قاعدة العقد شريعة المتعاقدين في نص مادتها 26 التي تؤكد على أن: " كل المعاهدات سارية المفعول تربط الأطراف يجب أن تطبقها بحسن نية"، وهذه الاتفاقية أيضا ركزت في مادتها 27 علــى: " ليس لأي طرف أن يتمسك بقوانينه الداخلية ليحتج بعدم تطبيقه للمعاهدة ".
ويمكننا أن نظيف هنا، أن سكوت المؤسس الدستوري الجزائري عن حالة المعاهدات الدولية غير الدستورية والسارية المفعول تقودنا إلى القول بل إلى استنتاج إبعادها عن الرقابة الدستورية اللاحقة وهذا خوفا من الإشكاليات المحتملة الوقوع لو أقر عدم دستوريتها، وهي التعرض للمسؤولية الدولية وفق ما تقتضيه أحكام وقواعد القانون الدولي العام من جهة، ومن جهة ثانية اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لسنة 1969 السالفة الذكر.







الأعضاء الذين قالوا بارك الله فيك/ شكراً لـ yacine414 على المشاركة المفيدة:
قديم 2011-11-25, 16:15   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
yacine414
عضو مميّز
 
إحصائية العضو









yacine414 غير متواجد حالياً


B10 تابع

الملاحـــــق
المجلـس الدستـــوري
قرار رقم 1– ق – ق – مد – مؤرخ في: 18 محرم عام 1410 الموافق 20 غشت سنة 1989 يتعلق بالانتخابات.
إن المجلس الدستـــوري
بناءا على إخطار رئيس الجمهورية، طبقا للمواد 67 الفقرة 2 ، و 153 ، و 155 و 156 من الدستور، برسالة رقمها 259 ! أ . ع . ح، مؤرخة في 8 غشت سنة 1989، والمسجلة بالمجلس الدستوري في 13 غشت سنة 1989، تحت رقم 1 أ م د 1989 و المتعلقة بدستورية أحكام القانون رقم 89-13 المؤرخ في: 05 محرم عام 1410الموافق 7 غشت سنة 1989، الذي نشر في الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، العدد 32 المؤرخ في 7 غشت سنة 1989، لاسيما المواد 61، و 62، و 82، 84، 85، 86، و 91، و 108، 110 و 111 منه
- و بناء على الدستور، في مواده و 153، 154، 155، 156، 157، و 15
- و بمقتضى النظام المؤرخ في : 5 محرم عام 1410 الموافق 7 غشت سنة 1989 الذي يحدد إجراءات عمل المجلس الدستوري، و الذي نشر في الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، العدد 32 المؤرخ 7 غشت سنة 1989.
و بعد الاستماع إلى المقرر.
أولا: فيما يخص المواد 61 ، 62 ، 84 ، المتناولة مجتمعة بسبب مالها من التشابه في الموضوع الذي تعالجه حيث إن المادتين 61 و 84 تعالجان طرق الاقتراع لانتخاب المجالس الشعبية و المادة 62 تبين بدقة الكيفية التي يتم وفقها توزيعها المقاعد بطريقة الاقتراع النسبي عام على القائمة مع أفضلية الأغلبية في دور واحد.
و بما أنه ليست هناك أية أحكام في الدستور تحدد قواعد خاصة تتعلق بطريقة الاقتراع.
فيعود اختيار طريقة الاقتراع حينئذ إلى اختصاص المشرع وحده طبقا للفقرة 10 من المادة 115 من الدستور.
و بما أن نية محرر الدستور تستهدف تحقيق أوسع تمثيل للإرادة الشعبية، علما بأن أية طريقة اقتراع، قد تثير في تفاصيلها تحفظات مبدئية.


و بما أن طرق الاقتراع لا تنطوي على عناصر تمييزية تتنافى مع المبادئ الدستورية التي تتعلق بحقوق المواطنين السياسية.
و إن الاقتراع النسبي على القائمة مع أفضلية الأغلبية في دور واحد ليس إلا كيفية لتوزيع المقاعد المطلوب شغلها في المجالس الشعبية، و لا يمس في شيء الاختيار الانتخابي لدى المواطن.
و أن الأفضلية التي منحت للقائمة التي تحصل على الأغلبية البسيطة مانعة لأية مشاركة في توزيع المقاعد المطلوب شغلها المتبقية.
و أن الأفضلية ليست تميزيه بل نابعة من الاختيار السيد لدى المشرع، الحرص على التوفيق بين ضرورات التمثيل الشعبي المنصف و متطلبات التسيير الفعال للشؤون العمومية و بناء على ما تقدم يصرح المجلس الدستوري بأن المواد 61 ، 62 ، 84، رقم 89 – 13 المؤرخ في : 05 محرم عام 1410 الموافق 7 غشت سنة 1989، و التضمن قانون الانتخابات ، لا تتعارض مع أي حكم في الدستور.
ثانيا: فيما يخص المادتين 82 و 85 المتناولتين مجتمعتين فيما تعالجانه على التوالي من حالات عدم القابلية للانتخابات في المجالس الشعبية البلدية و المجلس الشعبي الوطني.
نظرا لان المشرع عندما نص أن الأشخاص الذين يمارسون الوظائف المذكورة في المادتين 82 و 85 من قانون الانتخابات، غير قابلين للانتخابات في المجالس الشعبية البلدية و المجلس الشعبي الوطني ، يقصد منعهم من الترشيح لمهمة انتخابية ، مدة ممارستهم مهامهم ، و طوال سنة واحدة بعد إنهاء مهامهم ، و من تقديم ترشحهم لمهمة انتخابية في دائرة الاختصاص التي قد سبق لهم أن مارسوا وظائفهم، قول تمييزي لا يستند إلى أساس، و بعد هذا التحفظ، يتبين أن أحكام المادتين 82 و 85 المذكورتين لا مساس لهما بأي حكم دستوري.
غير أن المجلس الدستوري، يلاحظ على أية حال أن نص القانون الذي عرض عليه خال من كل شرط من شروط عدم قابلية الانتخاب للمجلس الشعبي الولائي، و ما هذا إلا نتيجة إغفال لأنه في الحالة العكسية يقضى تحليله إلى تمييز بالمقارنة مع ما هو مشترط في المرشحين للمجالس الشعبية الأخرى.
ثالثا: فيما يخص المادة 86 المتعلقة بالقابلية الانتخاب للمجلس الشعبي الوطني ، يعتبر المجلس الدستوري أنه إذا كان شرط السن المطلوب لا يثير أية ملاحظة خاصة، فإن الأمر ليس كذلك بالمرأة فيما طلب من المرشحين و أزواجهم من أن يكونوا من جنسية جزائرية أصلية.

و نظرا لما نصت عليه أحكام المادة 47 من الدستور، اعترف لجميع المواطنين الذين تتوفر فيهم الشروط القانونية أن ينتخبوا و ينتخبوا، كما أن الأحكام القانونية المتخذة في هذا المجال بإمكانها أن تفرض شروطا لممارسة هذا الحق، لكنه ليس بإمكانها أن تحذفه تماما بالنسبة إلى فئة من المواطنين الجزائريين بسبب أصلهم.
و بعبارة أخرى لا يمكن أن تكون ممارسة هذا الحق موضوع تضييقات ضرورية فقط في مجتمع ديمقراطي ، بغية حماية الحريات و الحقوق الواردة فيس الدستور ، ثم ضمان أثرها الكامل .
و نظرا لكون الأمر رقم 70- 86 المؤرخ في 17 شوال عام 1390 الموافق 15 ديسمبر سنة 1970 و المتضمن قانون الجنسية الجزائرية، قد حدد شروط الحصول عليها و إسقاطها و بين على الخصوص بدقة أثار الحصول على الجنسية الجزائرية و أقر حقوقا كان من أخضها حق تقلد مهمة انتخابية بعد خمس سنوات من الحصول على الجنسية الجزائرية ، مع أنه بالإمكان إلغاء هذا الأجل من جهة أخرى بموجب مرسوم الجنس.
و نظرا إلى أن هذا الحكم القانوني لا يسعه أن يخضع لتطبيق انتقائي و لا جزئي.
و نظرا لكون الجنسية الجزائرية الأصلية لا تشترط في المرشحين لمهمة انتخابية في المجالس الشعبية البلدية و الولائية.
و نظرا لكون المادة 28 من الدستور، تقر مبدأ تساوي المواطنين أمام القانون دون إمكانية التذرع بأي تمييز يعود سببه إلى المولد أو العرق، أو الجنس، و الرأي أو أي شرط أو طرف أخر، شخصي أو اجتماعي.
و نظرا لكون أية اتفاقية بعد المصادقة عليها و نشرها، تندرج في القانون الوطني ، و تكتسب بمقتضى المادة 123 من الدستور، سلطة السمو على القانون، و تخول على كل مواطن جزائري أن يتذرع بها أمام الجهات القضائية، و هذا الشأن خاصة بالنسبة إلى ميثاق الأمم المتحدة لسنة 1966 المصادق عليه بالقانون رقم 89-08 المؤرخ في 19 رمضان عام 1409 الموافق 25 أبريل سنة 1989 الذي انضمت الجزائر إليه بمرسوم رئاسي رقم 89-67 المؤرخ في 11 شوال عام 1409 الموافق 16 مايو سنة 1989، و الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان و الشعوب ، المصادق عليه بالمرسوم رقم 87- 37 المؤرخ في 4 جمادي الثانية عام 1407 الموافق 3 فبراير سنة 1987، فإن هذه الأدوات القانونية تمنع منعا صريحا كل تمييز مهما كان نوعه.


و نظرا لكون الناخبين يملكون حق تقدير أأهلية كل مترشح للاضطلاع بمهام عمومية و بناء على كل ما تقدم، يصرح المجلس الدستوري بان اشتراط الجنسية الأصلية للمترشح للانتخابات التشريعية غير مطابق للدستور.
كما أنه يقول أن الفقرة 3 من المادة 86 التي تنص على وجوب ّأن يكون زوج المرشح و ذا طابع تمييزي.
رابعا: فيما يخص المادة 108 من قانون الانتخابات التي تفرض أن يرفق التصريح بالترشيح لرئاسة الجمهورية بشهادة الجنسية الجزائرية الأصلية لزوجه.
نظرا لأحكام المادة 67 من الدستور، اعتماد على طبيعة الاختصاصات المسندة إلى رئيس الجمهورية قرر أن تحدد شروط قابليته للانتخاب مقاييس تسمو على كل الشروط التي يجب أن تتوفر في المترشحين لأية مهمة انتخابية أخرى كما أن المادة 70 من الدستور، ضبطت في هذا الصدد بكيفية حصرية شروط قابلية الانتخاب لرئاسة الجمهورية.
و نظرا لكون اشتراط تقديم المترشح شهادة زوجه للجنسية الجزائرية الأصلية، لا يمكن أن يماثل إحدى كيفيات الانتخابات ، بل يشكل في الواقع شرطا إضافيا لقابلية الانتخاب، و هو يدخل، زيادة على ذلك، تمييزا مضادا للأحكام الدستورية و للمواثيق المذكورة أعلاه، و بناء على ما تقدم، يصرح المجلس الدستوري بأن الفقرة الثالثة من المادة 108 غير مطابقة للدستور.
خامسا: فيما يخص المادة 110 التي تنص على الترشيح لرئاسة الجمهورية يجب أن تتم الموافقة عليه صراحة و أن تقدمه جمعية أو عدة جمعيات ذات طابع سياسي، و أن تدعمه زيادة على ذلك توقيعات ستمائة ( 600) عضو منتخب في المجالس الشعبية.
و نظرا لوجوب تقديم المترشح لرئاسة الجمهورية الموافقة التي حددت في المادة 110، فإن هذا يبعد عمليا كل المترشيحين الخارجين عن الجمعيات ذات الطابع السياسي.
و نظرا لكون هذا الامر ينطوي على عرقلة لممارسة حق أقرته المادة 47 من الدستور.
و نظرا لوجوب دعم المترشح بستمائة (600) توقيع للمنتخبين، يمثل كفالة هامة، كافية في حد ذاتها و بناء على ذلك، فإن جزء الجملة من الفقرة الأولى من المادة 110 من قانون الانتخابات المحرر هكذا (يجب أن تمم الموافقة صراحة على الترشيح و تقدم من طرف جمعية أو عدة جمعيات ذات طابع سياسي) يصرح بأنه غير مطابق للدستور.


سادسا: فيما يخص المادتين 111 و 91 المتناولتين مجتمعتين بسبب كون الأولى تعفى رئيس الجمهورية الممارس، من الشروط المحددة في المادة 110، و كون الفقرة الثالثة من المادة 91 لا تخضع النائب الممارس، للزوم دعم ترشيحه بتوقيع 10 % من منتخبي ( بفتح الخاء) دائرته الانتخابية أو بخمسمائة (500) توقيع منتخبي ( بسكر الخاء ) هذه الدائرة الانتخابية نفسها ، و ذلك في حالة ما إذا كان لا يترشح من جديد تحت رعاية جمعية ذات طابع سياسي.
و نظرا إلى أن المبدأ الأساسي للسيادة الشعبية و السير العادي للمنظومة الديمقراطية، يأمران حائزي المهمة الانتخابية أن يردوها وجوبا عند حلول أجلها إلى هيئة الناخبين التي لها الحق في تقدير الطريقة التي تم بها أداء تلك المهمة.
و نظرا لكون نص أحكام المادة 47 التي تعترف لجميع المواطنين بحق قابلية الانتخاب و المادة 28 من الدستور، تقر تساوي جميع المواطنين أمام القانون، فإن المترشحين لأي انتخاب يجب فيهم كذلك نفس الواجبات و يتمتعوا بنفس الحقوق.
و نظرا لكون مثل هذا الإعفاء يحتمل أن يقدر على أنه يمثل نقضيا لمبدأ التساوي في التعامل مع المترشحين.
و بناء على ما تقدم، يصرح المجلس الدستوري بأن المادة 111 والفقرة الثالثة من المادة 91 من قانون الانتخابات، غير مطابقتين للدستور.
غير أن المجلس الدستوري يعتبر أن الفقرتين الأولى والثانية من المادة 91، تطرحان شروط تقديم المترشحين للإنتخابات التشريعية، وأن الإختيار المتروك للمترشحين ليس من طبيعته أن يحدث أوضاعا مخالفة لروح الدستور ونصه، وعليه فإن الفقرتين الأولى والثانية من المادة 91، مطابقتان للدستور.
سـابعا: ونظرا إلى أنه لا مجال لأن يثير المجلس الدستوري مسألة المطابقة للدستور بخصوص الأحكام الأخرى في القانون الذي عرضه عليه رئيس الجمهورية لدراسته.
يقــــــرر مـــايلي
1- يصرح بعدم مطابقة ما يأتي للدستور:
أ‌) اشتراط الجنسية الأصلية من المترشح وزوجه المضمن في المادة 86 من قانون الانتخابات، لذا تحرر المادة 86 كما يأتــــي:
المادة 86: يشترط في المترشح للمجلس الشعبي الوطني مايلي:
- أن يكون بالغا سن 30 عاما على الأقل يوم الانتخابات.

أن يكون ذا جنسية جزائرية.
ب‌) الفقرة الثالثة من المادة 91 من قانون الانتخابات لذا تحرر المادة 91 كما يأتي:
" المادة 91: مع مراعاة الشروط الواجب استيفائها قانونا يجب أن تتم الموافقة صراحة على القائمة المذكورة ضمن المادة 89 من هذا القانون، من طرف جمعية أو عدة جمعيات ذات طابع سياسـي وفي حالة ما إذا لم يتقدم المترشح تحت رعاية جمعية ذات طابع سياسي فإنه يلزم بتدعيم ترشيحه بـ 10% على الأقل من منتخبي دائرته أو 500 إمضاء من ناخبي دائرته الانتخابية ".
ج) الفقرة 3 من المادة 108 من قانون الانتخابات لذا تحرر المادة 108 كما يأتي:
" المادة 108: يتم التصريح بالترشيح لرئاسة الجمهورية بإيداع طلب لدى المجلس الدستوري.
ويتضمن هذا الطلب توقيع المترشح واسمه ولقبه وتاريخ ومكان ميلاده ومهنته وعنوانه، يسلم للمترشح وصل إيداع ".
د) تقييد المترشح لرئاسة الجمهورية بشرط " أن تتم الموافقة صراحة على الترشيح وتقدم من طرف جمعية أو عدة جمعيات ذات طابع سياسي " الوارد في الفقرة الأولى من المادة 110 من قانون الانتخابات.
لذا تحرر المادة 110 كما يأتي:
" المادة 110: فضلا عن الشروط المحددة في المادة 70 من الدستور، وأحكام هذا القانون، يجب على المترشح أن يقدم قائمة تتضمن على الأقل توقيعات ستمائة (600) عضو منتخب لدى المجالس البلدية والولائية والمجلس الشعبي الوطني، موزعين على نصف ولايات التراب الوطني على الأقل ".
هـ) المادة 111: من قانون الانتخابات.
2- تحت طائلة التحفظات المعبر عنها أعلاه، يصرح بأن المواد 62، و 82، و 85 من قانون الانتخابات، مطابقة للدستور.
3- يصرح بأن المادتين 61 و 84 والأحكام الأخرى من قانون الانتخابات، مطابقة للدستور.
4- ينشر هذا القرار في الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية.
هكذا تداول في ذلك المجلس الدستوري في جلسته بتاريخ الثامن عشر محرم عام 1410 الموافق عشرون غشت سنة 1989.




الخاتمــــة
حتى يكتمل الهدف المنشود من وراء دراسة موضوع الرقابة على دستورية المعاهدات الدولية في الجزائر، إرتأينا أن نقدم الخطوط العريضة لما توصلنا إليه من نتائج نوجزها فيما يلي:
* بالنسبة للفصل الاول، فإن المكانة التي تحتلها المعاهدات الدولية في النظام القانوني الجزائري عرفت تطورا كبيرا منذ دستورها لعام 1963، ففي البداية كان إهتمام الجزائر بالمعاهدات الدولية قليل إذ لم تخصص لها في دستورها لعام 1963سوى مادتين فقط وهي المادتان 42و43 منه، ويرجع البعض ذلك إلى تخوف السلطة آنذاك من أثار المعاهدات على الدولة الحديثة العهد بالاستقلال.
وبعد أن رتبت الجزائر شؤونها الداخلية بدأت تنشغل بالقانون الدولي أكثر فأكثر سيما المعاهدات الدولية، وهذا ما يستشاف من تخصيصها فصلا كاملا لها ضمن كل دساتيرها اللاحقة لدستورها المؤرخ في 10-08-1963، وإن المعاهدات الدولية التي تحتل مكانة ضمن الهرم القانوني للدولة الجزائرية هي الاتفاقات الدولية التي تم التصديق عليها من قبل رئيس الجمهورية.
حيث نصت المادة 77 من دستور 1996 على أن رئيس الجمهورية يضطلع بإبرام المعاهدات الدولية ويصادق عليها.
ونصت المادة87 منه على أنه لا يجوز لرئيس الجمهورية أن يفوض سلطته في تطبيق الأحكام المنصوص عليها المادة 77 المذكورة أعلاه.
كما أن المعاهدات الدولية تعد مصدر للشرعية وللحقوق بعد المصادقة عليها قانونا، إذ تندرج في القانون الداخلي الجزائري وتكتسي سلطة السمو على القوانين الداخلية العادية، وتلزم الافراد كما تلزم المحاكم، وتخول كل متقاضي حق التذرع بها أمام الجهات القضائية، ويلتزم القاضي بتطبيقها من تلقاء نفسه دون إنتظار طلب الخصوم لذلك، ويخضع في هذا الشأن لرقابة أعلى جهات القضاء.
غير أن الغريب في الأمر، أن النظام القانوني الجزائري لم يضبط عملية إدراج المعاهدات الدولية بشكل واضح، مما قد يهدر حقوق المتقاضين من جهة، ويزيد مهمة القاضي تعقيدا إذا سكت المؤسس الدستوري الجزائري عن إجراء نشر للمعاهدات الذي هو شرط أساسي في عملية دخول القواعد القانونية حيز النفاذ.
لكن رغم ذلك، لاتزال مكانة المعاهدات الدولية وإجراءات إدماجها في النظام القانوني الجزائري يطرح العديد من الإشكاليات على عدة مستويات، والتي سيتم إعتمادها في شكل إقتراحات كالآتـــي:


1 - إحداث فصل أو قسم في الدستور خاص بالمعاهدات الدولية، يعالج كل مايتعلق بهذه الأخيرة، بدلا من الأحكام المتناثرة الخاصة بالمعاهدات والموجودة في مختلف أحكام الدستور، وإن تمت الإستجابة لمثل هذا الإقتراح، يكون القانون الداخلي قد أولى أهمية خاصة لأحكام القانون الدولي لاسيما المعاهدات الدولية، من حيث التنظيم، وسهل عمل الحقوقي بشأن الدراسات القانونية المتخصصة.
2-التعرض للمعاهدات في ديباجة الدستور، حيث أنه لم تتضمن الدساتير الجزائرية الأربعة في ديباجاتها أية إشارة إلى المعاهدات الدولية وضرورة إحترامها كونها تسموا على القوانين العادية، لأن الملاحظ أن هذه الدساتير تتكلم فقط عن الوضع الداخلي ولا تتعداه إلى أسس بناء علاقات دولية قائمة على إحترام سيادة الدول وأنظمتها الداخلية، و أداتها الأساسية في ذلك المعاهدات الدولية، ووجود مثل هذا النص – ضمن الديباجة- يشكل أداة قانونية للتعامل الدولي، ويبرز اهمية المعاهدات في نظر القانون الداخلي.
3 - عدم تجاوز رئيس الجمهورية للبرلمان، فلابد من إيجاد نص دستوري يقضي بتقييد رئيس الجمهورية، بعدم تجاوزه البرلمان، وذلك في المعاهدات الدولية التي يتطلب الدستور عرضها على البرلمان للموافقة عليها، فضلا عن عدم تعديل رئيس الجمهورية للمعاهدة بعد عرضها على البرلمان، مع ترتيب جزاء على ذلك، وليكن ضرورة إرجاعها إلى البرلمان، مادام هذا الأخير لايملك في هذه الحالة إلى رفع الموضوع إلى المجلس الدستوري، ولكن إذا كانت المعاهدة دستورية، فلا يمكن للمجلس الدستوري أن يفعل شيئا إلا بإقرار دستوريتها، وكذلك الحال بالنسبة للبرلمان.
4- إعلام البرلمان بالمعاهدات الدولية المبرمة، حيث أن البرلمان كقاعدة عامة لا يعلم بالمعاهدات الدولية المبرمة، إلا تلك التي تطرح علية لإبداء موافقته عليها، فإن المعاهدات الأخرى(ذات الشكل المبسط) لا يعلم بها إلا بعد نشرها.
وعدم وجود مثل هذا النص، يمكن رئيس الجمهورية من إبرام المعاهدات السرية، طالما لا يرد عليه أدنى قيد في إعلام الأطراف الأخرى، وكذلك نشر المعاهدات، لذا يجب إقرار نص دستوري، يلزم رئيس الجمهورية بإعلام البرلمان بكل معاهدة أبرمت مادام أن في هذا المسعى فائدتان:
أ‌- إعلام البرلمان (المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة).
ب- تدخل البرلمان في طلب الإخطار، إذا تبين له أن المعاهدة المبرمة غير دستورية أو بدي له ذلك.


يضاف إلى هذا، إلزام رئيس الجمهورية بنشر المعاهدات في الجريدة الرسمية تجسيدا لما يقضي به القانون، بجميع موادها أو بنودها، وإذا قصر رئيس الجمهورية في هذا الشأن، فلا بد أن يتولى أحد رئيسا غرفتي البرلمان القيام بذلك العمل استنادا لنص دستوري يحدد هذا الاختصاص ضمن أجال معينة وفي حالة إدخال نص دستوري يتضمن هذا المحتوى، فإن رئيس الجمهورية سيسعى إلى ممارسة صلاحياته وكل إخلال بها يترتب عليه انتقال الاختصاص لغيره، وبذلك فهذا النص يحث رئيس الجمهورية بشكل مباشر على العمل بالدستور.ومنه يجب إضافة مواد في دستور 1996 تتناول نشر المعاهدات الدولية وإجراءات هذا النشر، ومنه يمكن اقتراح تعديل على نص المادة 132 من دستور 1996 بإضافة في آخر نص المادة المذكورة عبارة " بعد نشرها بالجريدة الرسمية "، حيث تصبح صياغة هذه المادة 132 كالآتي: " المعاهدات التي يصادق عليها رئيس الجمهورية، حسب الشروط المنصوص عليها في الدستور، تسمو على القانون، بعد نشرها بالجريدة الرسمية ".
5- ينبغي على البرلمان، أن يشارك بصفة جدية في مجال المعاهدات الدولية، انسجاما مع الأفكار الديمقراطية السائدة، التي من بينها مناقشة البرلمان للمعاهدات الدولية وإبداء التوصيات حولها، مع إمكانية تعديل النص المعروض على البرلمان – إذا تبين له أنه متعارض مع القانون الداخلي – طالما أن الدولة لم تصادق بعد على المعاهدة، فضلا عن عرض النص كليا منذ البداية على البرلمان بكل التحفظات الواردة عليه. ثم ما الذي يمنع أن يناقش البرلمان المعاهدة مادة بمادة ؟ ولماذا يتم حصر رأي البرلمان في الموافقة على المعاهدة أو رفضها بشكل إجمالي ؟ لاسيما إذا علمنا أن الرفض يمكن أن يكون راجعا لمادة، أو فقرة من مادة فقط، لدا وجب أن يكون تدخل البرلمان إيجابيا، وهذا يتطلب إعادة النظر في النظام الداخلي لكل غرفة من غرفتي البرلمان.
* أما بالنسبة للفصل الثاني المتمثل في مدى اختصاص المجلس الدستوري برقابة دستورية المعاهدات الدولية لا سيما المبحث الأول منه ، فان المجلس الدستوري هو المؤسسة الدستورية التي تراقب مدى دستورية المعاهدات الدولية، طبقا لنص المادة 163 من دستور 1996 يكلف بالسهر على إحترام الدستور، كما يسهر المجلس الدستوري على صحة عمليات الإستفتاء، وانتخاب رئيس الجمهورية، والانتخابات التشريعية، ويعلن نتائج هذه العمليات.
كما يفصل المجلس الدستوري طبقا لنص المادة 165 فقرة أولى في دستورية المعاهدات والقوانين والتنظيمات، ومطابقة النظام الداخلي لكل من غرفتي البرلمان للدستور طبقا لنص المادة 165 فقرة ثانية.


ونظرا للدور الجوهري الذي يلعبه المجلس الدستوري الجزائري كونه حامي الدستور، وذلك بالسهر على إحترام النص الأسمى للدولة، وبتكليفه إضافة إلى مهام أخرى بالرقابة على دستورية القوانين – كما ذكرنا ذلك أعلاه – قام المؤسس الدستوري الجزائري بتدعيم هذا الجهاز بنصوص دستورية من حيث الاستقلالية اللازمة للقيام بمهامه خارج كل الضغوطات سياسية كانت أو إدارية، وكذا بتدعيمه بالوسائل القانونية الضرورية.
لكن هذه الوسائل، وإن وجدت، فهي غامضة أو ناقصة، وهذه الاستقلالية المفترضة إن وجدت من جهة، نجدها من جهة أخرى غير كافية، وغير كفيلة من أجل قيام المجلس الدستوري بمهامه على أحسن وجه ممكن. وفي هذا الصدد يمكن اقتراح الآتي:
1- إعادة النظر في جهات الإخطار، ويكون ذلك، إما بجعل المجلس الدستوري يتعرض بصفة تلقائية إلى دستورية القوانين والمعاهدات والتنظيمات – إذا كان هذا الحل ممكن – وإما بتوسيع الجهات التي يحق لها إخطار المجلس لتمتد إلى رئيس الحكومة، ونسبة معينة من أعضاء البرلمان (60 نائبا كما هو معمول به في فرنسا)، بغية التحكم أكثر في دستورية القوانين والتنظيمات والمعاهدات.
2- إعادة النظر في كيفية تولية رئاسة المجلس الدستوري، وذلك عن طريق هجران الطريقة الحالية المعتمدة، القاضية بتعيين رئيس الجمهورية لرئيس المجلس الدستوري، ويكون ذلك عن طريق الانتخاب، بين مختلف الأعضاء، على غرار ماكان معمول به في دستور 1963، بدلا من سيطرة السلطة التنفيذية عليه في الدستور الحالي.
3- استقلالية المجلس الدستوري في العمل، حيث أنه ليست هناك أي إشارة في الدستور تثبت تمتع المجلس الدستوري بالاستقلالية، وهذا الاعتراف له انعكاسات إيجابية على سير عمل المجلس الدستوري فكل ما أكده الدستور، هو توقف أعضاء المجلس الدستوري بمجرد تعيينهم أو انتخابهم عن ممارسة أية وظيفة أو تكليف أو مهمة أخرى، لذا وجب أن يكون نص يعالج مثل هذه الحالة ويستجيب لها، ثم أن هذه الاستقلالية فيها فائدة، حيث تمنع الأعضاء المنتمين إلى المجلس الدستوري من التبعية لأي حزب سياسي.
4- إعادة النظر في مدة عضوية المجلس الدستوري، حيث أن مدة الستة (06) سنوات قليلة بالنظر إلى بعض تجارب الدول الأوروبية، مثل فرنسا (09 سنوات) وكذا إيطاليا وإسبانيا، و ألمانيا (12 سنة) وتتقلص هذه المدة إلى تسعة (09) سنوات في المجر قابلة للتجديد مرتين، أما في البرتغال تقدر المدة بـ: 06 سنوات قابلة للتجديد. لذا يبدو أن اعتماد العضوية لمدة ستة (06) سنوات بالنسبة المجـــلس

الدستوري الجزائري لم يكون على أساس موضوعي، بل على أساس تحكمي، الأمر الذي يحتم إعادة النظر في مضمون هذا النص (المادة 164 فقرة ثلاثة) قصد إظهار فعالية المجلس الدستوري أكثر.
* بالنسبة للمبحث الثاني من الفصل الأول المتمثل في مدى اخذ المؤسس الدستوري بالرقابة السابقة والرقابة اللاحقة وموقف الفقه من ذلك ، فبالرجوع إلى نص المادة 165 فقرة 01 من دستور 1996 نجدها قد خولت للمجلس الدستوري حق النظر في دستورية المعاهدات الدولية، وذلك بخضوع المعاهدات للرقابة السابقة أو الرقابة اللاحقة للمجلس الدستوري، فبالنسبة للنوع الأول من الرقابة نجد المجلس الدستوري يصدر بشأنها رأيا طبقا لنص المادة 168 من دستور 1996، أما بالنسبة للنوع الثاني من الرقابة فإن المجلس الدستوري يصدر بشأنها قرارا وهذا بعدما يتم إخطاره من طرف إحدى الهيئات المختصة المنصوص عليها دستورا.
لكن الدستور الجزائري عندما تطرق لموضوع رقابة دستورية المعاهدات، كان تطرقه هذا ناقص،ا حيث أن المؤسس الدستوري الجزائري نص صراحة على النتائج التي تنجرعن الرقابة الدستورية للنصوص التشريعية و التنظيمية و ذلك في نص المادة 169من دستور 1996"إذا ارتأى المجلس الدستوري أن نصا تشريعا أو تنظيميا غير دستوري يفقد هذا النص أثره ابتداء من قرار المجلس".
وتطرق أيضا إلى النتائج التي تنجر عن عدم دستورية بعض المعاهدات الدولية،المتمثلة في تلك التي لم يتم المصادقة عليها فقط دون سواها، طبقا لنص المادة 168من دستور 1996و التي تنص علـى ما يلي:"إذا ارتأى المجلس الدستوري عدم دستورية معاهدة أو اتفاق أو اتفاقية فلا يتم التصديق عليها".
بناءا على ما سبق ذكره،نلاحظ أن كل النصوص التشريعية أو التنظيمية إذا قرر المجلس الدستوري عدم دستوريتها فقدت أثرها من يوم إصدار المجلس الدستوري لقراره، و أن المعاهدات الدولية و الاتفاقيات التي لم تتم المصادقة عليها بعد، فإذا ما قرر المجلس الدستوري عدم دستوريتها، فانه لا يتم المصادقة عليها،هذا بصريح المادة 168المشار إليها .
ومن هذا المنطلق، نلاحظ وجود خلل وعدم تناسق بين نصوص المواد 165/1و168و169من دستور1996، حيث أن نص المادة 165/1نصت على الرقابة السابقة و الرقابة اللاحقة لدستورية القوانين والمعاهدات و التنظيمات ،في حين أن نص المادة 168نصت على الرقابة السابقة لدستورية المعاهدات الدولية فقط دون الرقابة اللاحقة،والمادة 169 نصت على الرقابة اللاحقة لدستورية التشريعات و التنظيمات فقط دون ذكر المعاهدات الدولية .

ومنه وبحسب رأينا،فان المؤسس الدستوري الجزائري ،قد استبعد الرقابة اللاحقة لدستورية المعاهدات الدولية، و ذلك بناء على الحجج و الأسانيد المقدمة من طرفنا، و التي ذكرناها في المطلب الثالث من المبحث الثاني من الفصل الثاني، ومنه وجب إدخال تعديل على نص المادة 165/1من دستور1996، حتى تتناسق مع نص المادة 168، وذلك كالأتي:" يفصل المجلس الدستوري، بالإضافة إلى الاختصاصات التي خولتها إياه صراحة أحكام أخرى في الدستور، في دستورية المعاهدات والقوانيــن
والتنظيمات، إما برأي قبل أن تصبح واجبة التنفيذ، أو بقرار في الحالة العكسية بالنسبة للقوانين و التنظيمات ".
أو يتم تعديل نص المادة 165/1 من دستور1996 كالآتي:" يفصل المجلس الدستوري، بالإضافة إلى الاختصاصات التي خولتها إياه صراحة أحكام أخرى في الدستور، في دستورية المعاهدات والقوانين والتنظيمات، إما برأي قبل أن تصبح واجبة التنفيذ، أو بقرار في الحالة العكسية مع مراعاة أحكام نص المادة 168 أدناه ".
كما أن المؤسس الدستوري الجزائري لم يعالج في دستور 1996 إشكالية وجود تعارض بين أحكام المعاهدة أو جزء منها و الدستور على عكس دستور 1958 الفرنسي، ومنه نقترح إدخال نص دستوري يعالج هذه الإشكالية وذلك كالأتي:" إذا وجد تعارض بين أحكام المعاهدة أ وجزء منها و الدستور فلا يتم المصادقة عليها إلا بعد تعديل أحكام الدستور".


قـائـــمة المــراجــــــع
I- الدسـاتـير والقوانـين والمراســيم:
1- الدســاتيــر:
- دستور الجمهورية الجزائرية لسنة 1963.
- دستور الجمهورية الجزائرية لسنة 1976.
- دستور الجمهورية الجزائرية لسنة 1989.
- دستور الجمهورية الجزائرية لسنة 1996.
2- القــوانيــــن:
- القانون رقم 89/ المؤرخ في 07/08/1989، المتعلق بقانون الإنتخابات المعدل والمتمم.
- القانون رقم 89/14 المؤرخ في 08/08/1989، يتضمن القانون الأساسي للنائب المعدل والمتمم بالقانون رقم 91/22 المؤرخ في 04/09/1991 ج ر رقم 63/1991.
- القانون رقم 89/16 المؤرخ في 11/12/1989، المتضمن تنظيم المجلس الشعبي الوطني.
- القانون رقم 01/01 المؤرخ في 31/01/2001، المتعلق بعضو البرلمان.
- القانون العضوي رقم 99/02 المؤرخ في 08/03/1999، الذي يحدد تنظيم المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة وعملعما وكذا العلاقات الوضيفية بنهما وبين الحكومة.
3- المــراسيـم:
- المرسوم رقم 87/37 المتعلق بالمصادقة على الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب بتاريخ 30/02/1987، جريدة رسمية 06/1987، دخل حيز النفاذ بالنسبة للجزائر بتاريخ 20/06/1987.
- المرسوم الرئاسي تحت رقم 87/222 المؤرخ بتاريخ 13/10/1987، المتضمن اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات جريدة رسمية عدد 42، سنة 1987.
- المرسوم رقم 89/67 المؤرخ في 16/05/1989 المتعلق بالإنظمام للعهد الدولي الخاص بالحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والبرتوكول الإختياري، جريدة رسمية 20/1989.
- المرسوم رقم 90/590 المؤرخ في 10/11/1990، المتعلق بصلاحيات وزير الخارجية.
- المرسوم الرئاسي رقم 92-354 المؤرخ في 23 سبتمبر 1992 الذي يتضمن الإنضمام إلى إتفاقية فيينا لحماية طبقة الأوزون المبرمة سنة 1985، جريدة رسمية سنة 1992، العدد 69.



- المرسوم رقم 92-355 الذي يتضمن الإنضمام إلى بروتوكول مونتريال بشأن المواد المستنفذة لطبقة الأوزون لعام 1987 وإلى تعديلاته بلندن في 27 و 28 جويلية سنة 1990، جريدة رسمية سنة 1992، العدد 69.
- ملحق المرسوم الرئاسي المتضمن الانضمام إلى إتفاقية فيينا لحماية طبقة الأوزون المبرمة سنة 1985، جريدة رسمية سنة 2000 العدد 17.
- ملحق المرسوم المتضمن الإنضمام إلى بروتوكول بشأن المواد المستنفذة لطبقة الأوزون المبرم في مونتريال سنة 1987 وإلى تعديلاته بلندن في 27 و 29 جويلية سنة 1990، جريدة رسمية سنة 2000 العدد 17.
II- المؤلــفات:
1- المؤلفات بالغة العربية:
1- د. الأمين شريط، الوجيز في القانون الدستوري والمؤسسات السياسية المقارنة، ديوان المطبوعات الجامـعية طبعة 1999، الجزائر.
2- د.إبراهيم درويش، القانون الدستوري- النظرية العامة والرقابة الدستورية- ، دار النهضة العربية، الطبعة الرابعة2004، القاهرة.
3- د. إبراهيم الحمود، توسيع اختصاصات المجلس الدستوري الفرنسي في الرقابة على دستورية القوانين ، مجلة الحقوق الصادرة عن مجلس النشر العلمي بجامعة الكويت، السنة 18، العدد الأول، مارس 1994.
4- د. أحمد إسكندر ومحمد ناصر بوغزالة، محاضرات في القانون الدولي العام – المدخل والعاهدات -، دار الفجر للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 1998، القاهرة.
5- أ. العيغا أو يحيى، النظام الدستوري الجزائري، ( د.د.ن)، (د.ت.ن).
6- د.جمال عبد الناصر مانع، القانون الدولي العام- المدخل والمصادر-، دار العلوم للنشر والتوزيع، طبعة 2005 عنابه، الجزائر.
7- د. حسين عثمان محمد عثمان، القانون الدستوري، دار المطبوعات الجامعية الإسكندرية، طبعة 2002.
8- د. رشاد عارف السيد، القانون الدولي العام في ثوبه الجديد، دار وائل للنشر، الطبعة الأولى 2001.
9- د. محمد الطاهر أورحمون، دليل معاهدات و إتفاقات الجزائر الرسمية المنشورة في الجريدة الرسمية، من 1963 إلى 1998، القصبة للنشر، طبعة 2000، الجزائر.
10- د.محمد المجذوب، القانون الدولي العام، منشورات الحلبي الحقوقية، الطبعة الخامسة 2004، بيروت لبنان.
11- د. محمد فؤاد عبد الباسط، مدى اختصاص القاضي الإداري بتفسير المعاهدات، (دون دار نشر)، طبعة 1994، بيروت.


12- د. محمد فؤاد عبد الباسط، ولاية المحكمة الدستورية العليا في المسائل الدستورية، منشـآت الــــمعارف بالإسكندرية، طبعة 2002.
13- د.محمد سعيد الدقاق، مصطفى سلامة حسين، القانون الدولي المعاصر، دار المطبوعات الجامعية طبعة1997، الإسكندرية.
14- د. محمد سعيد الدقاق، القانون الدولي- المصادر والأشخاص- الدار الجامعية، الطبعة الثانية 1983، بيروت.
15- د. محمد سعيد جعفور، مدخل إلى العلوم القانونية، دار هومة، الطبعة الثالثة 1999، الجزائر.
16- د. محمود احمد زكي، الحكم الصادر في الدعوى الدستورية آثاره وحجيته - دراسة مقارنة - الطبعة الأولى، 2004، دار النهضة العربية، القاهرة.
17- د. محفوظ لعشب، التجربة الدستورية في الجزائر، المطبعة الحديثة للفنون المطبعية، طبعة 2000 الجزائر.
18- د. محسن شيشكلي، الوسيط في القانون الدولي العام، الجزء الأول، المنشورات الجامعية الليبية، بن غــازي طبعة 1971، ليبيا.
19- د. مصطفى صخري، الاتفاقيات القضائية الدولية- أحكامها ونصوصها -، المكتب الجامـعي الحديث طبــعة 2005، تونس.
20- د. عبد الحميد الشواربي والمستشار محمد محمود المصري، دستورية القوانين – في ضوء أحكام المحكمة الدستورية العليا 1979/1985-، منشآت المعارف بالإسكندرية، طبعة 1986.
21- د. عبد الكريم علوان، الوسيط في القانون الدولي العام، الكتاب الأول، المبادئ العامة، مكتبة دار الثقافة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 1997، الأردن.
22- د. عبد الكريم علوان خضير، الوسيط في القانون الدولي العام، الكتاب الثالث، حقوق الإنسان، مكتبة دار الثقافة للنشر و التوزيع، الطبعة الأولى سنة 1997، عمان الأردن.
23- د. علي يوسف الشكري، مبادئ القانون الدستوري والنظم السياسية، ايتراك للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الاولى2004، مصر الجديدة.
24- د. علي عبد القادر القهوجي، المعاهدات الدولية أمام القاضي الجنائي، دار الجامعة الجديدة للنشر، طبعة 1997، الإسكندرية.
25- د. عمار بوضياف، المدخل إلى العلوم القانونية- النظرية العامة للقانون وتطبيقاتها في التشريع الجزائري- دار الريحانة للكتاب، طبعة 1999.


26- د. عمر سعد الله، حقوق الإنسان وحقوق الشعوب، العلاقة والمستجدات القانونية، ديوان المطبوعات الجامعية، طبعة 1993، الجزائر.
27- د. غازي حسن صباريني، الوجيز في مبادئ القانون الدولي العام، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 2005.
28- د. فوزي أوصديق، تحديث المجلس الدستوري الجزائري ضمان لحماية الحريات العامة، محاضرة مقدمة في فعاليات اليومين الدراسيين 15 و 16 نوفمبر 2000، صادرة عن المرصد الوطني لحقوق الإنسان.
29- د. فوزي أوصديق، الوافي في شرح القانون الدستوري الجزائري، الجزء الثاني، النظرية العامة للدساتير ديوان المطبوعات الجامعية، (د، ت، ن).
30- د. سعيد بوشعير، القانون الدستوري والنظم السياسية المقارنة، الجزء الأول، النظرية العامة للدولة والدستور، ديوان المطبوعات الجامعية المؤسسة الوطنية للكتاب، الطبعة الثانية، سنة 1993، الجزائر.
31- د. سعيد بوالشعير، النظام السياسي الجزائري، دار الهدى, الطبعة الثانية، 1993، الجزائر.
32- هنري روسيون، المجلس الدستوري الفرنسي، ترجمة:د.محمد وطفة، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، (د.ت.ن).
2- الـمؤلـفات باللغـة الأجنبيـة:
1- Bastid. S, Les traites dans la vie internationale « Conclusion et effets », Edition économica 1985.
2- Bekhichi. M, Cour de Droit Internationale Public avec Référence à la Pratique Algérienne, O.P.U, 85/86.
3- Bekhechi. M, L’Organisation des Pouvoirs Publics Algérienne et les Compétences de l’Assemblée Populaire Nationale, En Matière de Politique Extérieure, R.D.P 1987.
4- Bekhechi. M, La Constitution Algérienne de 1976 et le droit internationale, O.P.U.
5- Bernard. Ch, Droit constitutionnel, Armand Colin, 19èmme édition, Paris 2002.
6- Bidjaoui. M, Aspects Internationaux de la Constitution Algérienne, A.F.D.I, 1977.
7- Carre. de M, La loi expression de la volonté générale, Sirey 1931, Rééd. Economica 1984.
8- David. R, Droit Internationale Public (MEMONTOS), 14 ème edition, Edition Dalloz 1999, Paris.
9- Djebar. A, La Politique Conventionnel de l’Algérie, O.P.U, Alger 2000.

10- Dhommeaux. J, Monismes et Dualisms en Droit International des Droits de L’homme AFDI.
11- Dominique. Ch, Droit Constitutionnel Contemporain, Tome 2, 3emme édition 2003 Armand Colin, paris.
12- Favareu. L et Philip. L, Les Grandes Décisions du Conseil Constitutionnel, Sirey Paris, 1975.
13- François Luchaire et Gérard Conac, La Constitution de la République Française Economica, Paris 1980.
14- Lachaume. J F, Jurisprudence Française Relative au Droit International (1993), AFDI 1994.
15- Rousseau. Ch, Droit International public, T1; Introduction Et source Paris, siery 1971.
16- Yelles Chaouche. B, Le Conseil Constitutionnel en Algérie, Du Contrôle de Constitutionnalité à la Créativité Normative, O.P.U, 1999.
III- المـــقالات القـــانونية:
أ- باللغـــة العـــربية:
- د. أحمد محيو، الدستور الجزائري والقانون الدولي، المجلة العامة للقانون الدولي لسنة 1990، العدد 02.
- د. الخير قشي، تطبيق القانون الدولي الإتفاقي في الجزائر، مجلة العلوم الإجتماعية والإنسانية، جامعة باتنة العدد04، ديسمبر 1995.
- بن سهلة ثاني بن علي، المجلس الدستوري بين الرقابتين السياسية والقضائية- دراسة مقارنة على ضوء التطور الدستوري في الجزائر-مجلة إدارة الصادرة عن المدرسة الوطنية للإدارة، العدد 22، سنة2001.
- د.طه طيار، المجلس الدستوري الجزائري تقديم وحوصلة لتجربة قصيرة، مجلة إدارة الصادرة عن المدرسة الوطنية للإدارة، المجلد 06 العدد 02، 1996.
- كحولة محمد، المرقبة الدستورية في الجزائر في إطار عمل المجلس الدستوري، المجلة الجزائرية للعلوم القانونية والاقتصادية والسياسية، العدد الثالث1990.
- محمد بجاوي، المجلس الدستوري صلاحيات، إنجازات وآفاق، مجلة الفكر البرلماني الصادرة عن مجلس الأمة، العدد الخامس مارس 2003.


- د.مسعود منتري، تاثير المعاهدات الدولية للعمل على التشريع الجزائري، المجلة الجزائرية للعلوم القانونية والاقتصادية والسياسية العدد 3، 1989.
- د.مسعود شيهوب، المجلس الدستوري الجزائري (تشكيلته ووظيفته)، مجلة النائب، العدد الرابع، 2004.
- نوري مرزة جعفر، المجلس الدستوري بين النظرية والتطبيق، المجلة الجزائرية للعلوم القانونية والاقتصادية والسياسية، سنة 1990 العدد 04.
- د. عبد المجيد جبار، تأملات حول قرار المجلس الدستوري الأول في ما يتعلق ببعض القضايا المرطبة بالمعاهدات الدولية، معهد الحقوق، جامعة وهران، المجلة الجزائرية ع ق ق س، سنة 1996، العدد 1، الجزء 34.
- أ.عطاء الله بوحميدة، المجلس الدستوري ورقابته للتنظيم، أي تنظيم، المجلة الجزائرية للعلوم القانونية والاقتصادية والسياسية، الجزء39 – رقم 03، سنة 2002.
- أ. علي بوبطرة، ضوابط الرقابة على دستورية القوانين في ظل ممارسات المجلس الدستوري الجزائري، مجلة الفكر البرلماني الصادرة عن مجلس الأمة الجزائري، العدد 05، مارس 2003.
- علي مراح، تحديد المجالات البحرية الوطنية وتطبيقاتها في القانون الدولي، المجلة الجزائرية للعلوم القانونية والاقتصادية والسياسية، سنة 1997، العدد 04، الجزء 35.
- أ.عمار عباس، تطور الرقابة الدستورية في الجزائر والعوائق التي تحول دون فعاليتها، مجلة الحقيقة الصادرة عن جامعة أدرار،(د، ت، ن).
- عمار قاسمي، مراقبة الدستورية في الجزائر حقائق وآفاق، المجلة الجزائرية للعلوم القانونية والاقتصادية والسياسية، العدد 1، 1991.
- عمر سعد الله، نظام الالتزام بتنفيذ القانون الدولي الإنساني، بحث في مضامينه وأبعاده، المجلة الجزائرية للعلوم القانونية والاقتصادية والسياسية، سنة 1997، الجزء 35، العدد 04.
- د. فائز أنجق، إبرام المعاهدات الدولية في ضوء الدستور الجزائري، المجلة الجزائرية للعلوم القانونية والاقتصادية والسياسية، عدد 3، 1978.
- أ. شاوش بن يلس، حرية الإعلام والنظام العام، المجلة الجزائرية للعلوم القانونية والاقتصادية والسياسية، سنة 1998، الجزء 36، العدد الأول.




ب- باللغـــة الأجنـبيـــــة:
- Laraba. M,"Chronique de droit conventionnel Algérien 1989.1994", Revue IDARA.
- Ghozali. N et Benouniche. M, Politique Extérieure de l’Algérie à Travers la Charte Nationale et la Constitution, R.G.S.J, 1978 N° 3.
IV- الـرســـائل الجــامعيــة:
ا- باللغـــة العربيـــة:
- خير الدين زيوي، إدماج المعاهدات الدولية في النظام القانوني الداخلي الجزائري طبقا لدستور سنة 1996 مذكرة للحصول على شهادة الماجستير في القانون الدولي والعلاقات الدولية، بن عكنون، الجزائر 2003.
- ماعي يوسف، النظام القانوني لإبرام المعاهدات الدولية وفق التطورات الحديثة، رسالة ماجستير، بن عكنـون الجـزائر.
- د. محمد ناصر بوغزالة، التنازع بين المعاهدة الثنائية والقانون في المجال الداخلي – في ضوء القانون الدولي رسالة دكتوراه، جامعة الجزائر، 1996.
- د. عبد المجيد جبار، المعاهدات الدولية للجزائر، ملامح نظرية وتطبيقية، رسالة دكتوراه، جامعة وهران 1994.
- د. عمار رزيق، دور الجزائر في إعداد وتنفيذ القانون الدولي الإتفاقي لحقوق الإنسان، أطروحة دكتوراه، جامعة قسنطينة، 1998.
- سليمة مسراتي، إخطار المجلس الدستوري، مذكرة لنيل شهادة الماجستير في القانون الدستوري والنظم السياسية، كلية الحقوق – ابن عكنون- الجزائر 2001.
ب- باللغـــة الأجنبيـــة:
- Djabar. M, Les Traites Internationaux de l’Algérie, Thèse Doctorat d’Etat, Non Publiée, L’université D’Oran.
V- المحـــاضـرات:
- د. مسعود شيهوب، الرقابة على دستورية القوانين- النموذج الجزائري-، محاضرة مقدمة في الملتقى الوطني حول إشكاليات تطبيق المادة 120 من الدستور(دستور1996) ديسمبر 2004.
VI- قـرارات وآراء المـجلس الدستوري:
- قرار المجلس الدستوري المؤرخ في 06/08/1995، المتعلق بمراقبة البند السادس من المادة 108 من الأمر المعدل لقانون الانتخابات لسنة 1989 جريدة رسمية سنة 1995 العدد 43.

- قرار المجلس الدستوري رقم 02/200 مؤرخ في 27/02/2000 يتعلق بمدى دستورية الأمر رقم 97/15 المؤرخ في 31/05/1997 المحدد للقانون الأساسي الخاص بمحافظة الجزائر الكبرى، جريدة رسمية، العدد 07، سنة 2000.
VII- وثـائق أخــرى:
- الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948.
- التصريحات التفسيرية الجزائرية الخاصة باتفاقية حقوق الطفل لسنة 1989، المنشورة بالجريدة الرسمية لسنة 1992، العدد 91.
- اتفاقية حقوق الطفل، صادقت عليها الجزائر سنة 1992، جريدة رسمية سنة 1992، العدد 91.
- النظام الداخلي لمجلس الأمة المؤرخ في 22/02/1998، جريدة رسمية رقم 08، سنة 1998.
- النظام المحدد لقواعد عمل المجلس الدستوري لسنة2000, جريدة رسمية سنة2000, العدد 48.







الأعضاء الذين قالوا بارك الله فيك/ شكراً لـ yacine414 على المشاركة المفيدة:
قديم 2011-11-26, 20:54   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
zoubour
عضو مبـدع
 
الصورة الرمزية zoubour
 

 

 
إحصائية العضو









zoubour غير متواجد حالياً


افتراضي

الله يعطيك الصحة و العافية أخي واصل.







قديم 2012-09-26, 08:59   رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
سعيد.القبائلي
عضو نشيط
 
إحصائية العضو









سعيد.القبائلي غير متواجد حالياً


افتراضي

بارك الله فسك موضوع شيق و نادر







 

الكلمات الدلالية (Tags)
المعاهدات, الدولية

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع



الساعة الآن 14:32

المشاركات المنشورة تعبر عن وجهة نظر صاحبها فقط، ولا تُعبّر بأي شكل من الأشكال عن وجهة نظر إدارة المنتدى
المنتدى غير مسؤول عن أي إتفاق تجاري بين الأعضاء... فعلى الجميع تحمّل المسؤولية


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
2006-2013 © www.djelfa.info جميع الحقوق محفوظة - الجلفة إنفو (خ. ب. س)
Protected by CBACK.de CrackerTracker