إعلان ماجستير جامعة الأمير عبد القادر - الصفحة 4 - منتديات الجلفة لكل الجزائريين و العرب

العودة   منتديات الجلفة لكل الجزائريين و العرب > منتديات الجامعة و البحث العلمي > الحوار الأكاديمي والطلابي > قسم أرشيف منتديات الجامعة

قسم أرشيف منتديات الجامعة القسم مغلق بحيث يحوي مواضيع الاستفسارات و الطلبات المجاب عنها .....

 

في حال وجود أي مواضيع أو ردود مُخالفة من قبل الأعضاء، يُرجى الإبلاغ عنها فورًا باستخدام أيقونة تقرير عن مشاركة سيئة ( تقرير عن مشاركة سيئة )، و الموجودة أسفل كل مشاركة .

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 2011-10-07, 18:43   رقم المشاركة : 46
معلومات العضو
محمد جديدي التبسي
عضو فضي
 
الصورة الرمزية محمد جديدي التبسي
 

 

 
إحصائية العضو









محمد جديدي التبسي غير متواجد حالياً


B9

تاريخ الجزائر في العهد العثماني ( الجزء الأول)


ميلاد الدولة العثمانية و أسباب سقوطها



يرجع الدكتور عدنان العطار في كتاب له بعنوان "الدولة العثمانية من الميلاد إلى السقوط " في طبعته الأولى 2006 الأسباب التي أدت إلى سقوط الدولة العثمانية أهمها: صغر سن السلاطين في توليهم العرش تراوحت أعمارهم بين سن السابعة و سن الرابعة عشر، رفض فتح باب الاجتهاد و نبذ وصايا الحاكم الأول مؤسس الدولة العثمانية، شجع ذلك على انتشار الفساد و الظلم من قبل البشوات و الانغماس في الملذات و الشهوات، وقد أثرت البعثات التنصيرية في بلاد الشام سلبا على الدولة العثمانية فكان مآلها السقوط ابتداء من القرن السابع عشر

أصل العثمانيون "تركماني" و باد شاه آل عثمان هو مؤسس الدولة العثمانية

اهتم المستشرقون و الأوربيون أكثر اهتمام بالدولة العثمانية و بالتاريخ العثماني و أنجزوا في ذلك دراسات معادية للدولة العثمانية و للإسلام عموما بعد سقوط الدولة البيزنطية و حولها العثمانيون إلى دار الإسلام و أطلقوا عليها اسم ( إسلام بول) أي دار الإسلام، و أحرزت الدولة العثمانية باسم الإسلام انتصارات و اجتاحت جيوشها أوروبا و بلغت فتوحاتها إلى حدود فيينا عاصمة النمسا، و قامت بدور هام في نشر الإسلام و توحيد الشعوب الإسلامية و المساواة بينهم و بين أتباع الأديان الأخرى في تطبيق الشريعة الإسلامية..

و ينتسب العثمانيون إلى قبيلة تركمانية كانت في بداية القرن السابع الهجري تعيش في كردستان و تزاول حرفة الرعي ثم هاجرت إلى بلاد ألأناضول بقيادة سليمان جد عثمان ألأول مؤسس الدولة العثمانية، كان ذلك في عام 717 هـ - 1220 م عندما تعرضت القبيلة للغزو المغولي بقيادة جنكيز خان على العراق و مناطق شرق آسيا الصغرى، و استقرت القبيلة في بلاد الأناضول مدة عشر سنوات إلى أن توفي سليمان جد عثمان الأول عام 628 هـ - 1230م فخلفه ابنه الأوسط أرطغول و كان معه حوالي مائة أسرة و أربعمائة فارس، و في طريقه سمع هذا الأخير أصواتا فوجد قتالا حاميا بين المسلكين و النصارى و كانت كفة الغلبة للجيش البيزنطي فقام لنجدة إخوانه المسلمين فكان للجيش الإسلامي السلجوقي الانتصار، توفي أرطغول سنة 699هـ- 1299م فخلفه ابنه عثمان الذي تنتسب إليه الدولة العثمانية و يعتبر بحق مؤسس الدولة العثمانية و هو من حدد وضعها الديني و السياسي و العسكري للعثمانيين بعدما اعتنق الإسلام و تبعه ألأتراك، و تمكن بنشاطه العسكري من استكمال رسالة الدولة السلجوقية، فتح عثمان بن أرطغول قلعة قرة جه حصار عام 1291م الواقعة جنوب سكود و جعلها قاعدة له، كذلك السيطرة عسكريا على بروسة و نيقيه و نيقومكيديا، و فتح مدينة يني شهر و اتخذها عاصمة له، ثم لقب نفسه " باد شاه آل عثمان" ..، وضع باد شاه آل عثمان أسس الدولة العثمانية و استوحى نظمها من الدولة السلجوقية الرومية و لتعلقه بالجهاد و الدعوة في سبيل الله حظي عثمان بن أرطغول التفافا كبيرا من علماء الدين، و قل وفاته ترك لابنه أورخان وصية في السير بالحكم بما يرضي الله و ألأخذ بمشورة العلماء و أهل الشريعة، كما أوصاه بأن إقامة الحروب ليس لشهرة أو شهوة حكم أو سيطرة أفراد، بل بالإسلام يحي و بالإسلام يموت، توفي عثمان أرطغول في 21 رمضان من سنة 726 هـ - 1327م عن عمر يناهز 70 سنة، ودفن في مدينة بورصة، و كان رفضه منح الحكم لولده علاء الدين لأن هذا الأخير كان رجل تصوف و زهد لا يحب الحرب و كان يقضي جل وقته في العبادة، و بالتالي لا يصلح لإدارة الدولة التي تحتاج إلى حاكم شجاع جريء عالي الهمة سديد الرأي فكان أن يختار أخوه أورخان.

30 خليفة يحكمون الدولة العثمانية

استطاع السلطات أورخان من تحقيق عدة فتوحات، ففي آسيا الوسطى فتح مدينة أزمير بعد سنتين من الحصار، ثم ضم إمارة قرة شي الواقعة غرب الأناضول على بحر مرمرة إلى الشرق من بحر إيجة، و ذلك بسبب الخلافات التي كانت تدور بين أمرائها، و أنشأ السلطان أورخان الجوامع و المدارس لنشر العلم، و احتل جزءًا من الساحل الأوروبي ليكون قاعدة له للتوسع في أوروبا رفقة ولده سليمان باشا و قبل أن يتوفي ابنه سليمان تولى السلطنة أخوه مراد عام 1359م و هي السنة التي توفي فيها السلطان أورخان حزنا على ولده سليمان ، و هكذا بقيت الدولة العثمانية تتوسع على يد خمسة سلاطين، و اشرف على تسيير حكمها كذلك 30 خليفة يعودون لأب واحد هو الأمير أورخان، و في عهد مراد الأول ابن أورخان أصبحت الدولة العثمانية من أقوى الدول و خلق لها هيبة ، أسس فرقة الخيالة هذا الأخير فرقة للخيالة العثمانية المسماة " سيباه" و جعل علمهم الأحمر المزين بالهلال و الذي ما يزال إلى اليوم و هو علم تركيا..
كل هذه الفتوحات في أوروبا كان وراءها خير الدين باشا أشهر قواد ( جمع قائد) الدولة العثمانية مما دعت الروم البيزنطيين للتآمر على الدولة العثمانية و استخدام ابن السلطان مراد ( صاووجي) للثورة على الدولة العثمانية و هي الأسباب التي دفعت السلطان مراد إلى قتل ابنه صاووجي بدون شفقة ثمنا لخيانته و التمرد على والده..، من هنا بدأت الحروب تتوالى على الدولة العثمانية مع ( القرم و العجم، و الروس و انجلترا و اليونان..)، كما وقت الدولة العثمانية معاهدات صلح مع دول عديدة منها النمسا، و نصرة شعوب أخرى مثلما حدث في جدّة عندما أرسلت الدولة العثمانية عثمان باشا إلى جدة و نصرتها على المسيحيين و حكم على المجرمين بالإعدام..

هذا و لم تسلم الدولة العثمانية من الاضطرابات خاصة مع روسيا عندما وقعت معها معاهدة سان ستيفانو، غير أن روسيا كانت قد أثارت المشاكل للدولة العثمانية بواسطة سكان طشقند الذين هاجموا السرايا و دخلوا الأستانة بدعوى حماية المسيحيين، كما قام جواسيس الروس بحرق الدوائر العثمانية ، و انتهت هذه الاضطرابات بعقد مؤتمر برلين عام 1878م و كانت إحدى بنود المؤتمر محاولة الإصلاح في الدولة العثمانية التي تزعمها مدحت باشا بتأييد من الدول الأوروبية، لا لشيء إلا لنزع الصفة الإسلامية من الدولة العثمانية، وقد أعلن الدستور الحرية للأمة العثمانية مع المساواة بين المسلمين و المسيحيين، ووقعت تنازلات لم يبق فيها للدولة العثمانية في أوروبا إلا مدينة اسطنبول ( الأستانة) ومنطقة ألبانيا و البوسنة و الهرسك..



الخليفة العثماني محمد رشاد الخامس وجها لوجه مع الصهيونية العالمية
و نهاية الخلافة الإسلامية كانت على يد مصطفى كمال



كان للصهيونية العالمية فرصة للقضاء على الدولة العثمانية باسم الحرية و استغلت الصهيونية العالمية الديون التي كانت على عاتق الدولة العثمانية في عهد الخليفة العثماني محمد رشاد الخامس بن عبد المجيد الأول فكان على هذا الأخير إلا أن يوقع عل معاهدة مع الدول الأوروبية لتقسيم الدولة العثمانية، و تسليم جزء منها إلى الدول الأوروبية لضمان بقائه في الحكم و محاربة الشعور القومي لدى العرب و الترك و الأرمن و اليونان و الشركس و..الخ
في هذه الفترة برز مصطفى كمال في الواجهة السياسية و تمكن من استعادة جزء كبير من تركيا، لقد تزامن ظهور مصطفى كمال بعد تنازل الخليفة لعثماني محمد وحيد الدين الملقب بمحمد السادس عن العرش عام 1922م ، و تسليمه الحكم للخليفة العثماني عبد المجيد الثاني بن عبد العزيز عام 1924م، و في عهد هذا الأخير سطع نجم مصطفى كمال ، حيث أصبح الحاكم القوي إثر معاهدة الصلح مع لوزان عام 1933م ، بموجبها استعادت تركيا آسيا الصغرى و اسلامبول و تراقيا الشرقية، و بسطت نفوذها من جديد إلى أن تم ألإعلان في نفس السنة عن الجمهورية التركية و انتخب مصطفى كمال رئيسا لها، و لكي لا يكون أي منافس له من المسلمين اصدر مصطفى كمال عن طريق الجمعية الوطنية قرارا يقضي بإنهاء دور الخلافة و إخراج الخليفة من البلاد، و صدر القرار في 13 ( آذار ) مارس من عام 1924م و هي السنة التي سقطت فيها الخلافة الإسلامية و نهاية عهد الدولة العثمانية التي حكمت أكثر من ستمائة ( 600) عام..

الجزائر في العهد العثماني ( الجزء الثاني)

ثورات المرابطين و شيوخ الزوايا كانت عاملا حاسما في زوال التواجد العثماني في الجزائر

مؤتمر دولي للأرشيفيين و المؤرخين حول التواجد العثماني في البلاد العربية و جمع الأرشيف العثماني بداية من السنة المقبلة 2011

تصادف نزول العثمانيين في المغرب العربي مع بداية حكم الأسرة السعدية، و كان الهدف من التوسع العثماني من المشاريع التوسعية هو تحقيق السيطرة على طريق الذهب الذي يربط المغرب ببلاد السودان و الوصول الى المحيط الأطلسي لفك الحصار الذي فرضه البرتغال على الدولة العثمانية جنوب القارة الأفريقية و صادف نزول العثمانيين في المغرب العربي بداية حكم الأسرة السعدية بالمغرب الأقصى عام 1524، و قد عرفت الجزائر مع مطلع القرن التاسع عشر لليملاد سلسلة من الثورات قادها مجموعة من المرابطين و شيوخ الزوايا هددت التواجد العثماني و كانت عاملا حاسما في زواله

تميز وجود الأتراك العثمانيون بالجزائر بالهيمنة شبه المطلقة على امور الإدارة و الجيش و ألإقتصاد و تهعميش كبير للسكان و إبقائهم بعيدا عن المشاهمة في أمور النيابة مع فرض عليهم الضرائب و الغرامات فعاش النظام في الجزائر منعزلا، لأن ألأتراك تعمدوا تهميش ذوي ألصول الجزائرية في تمثيل الحكومة لدى القوى ألأوروبية و إعطاء الأولوية لمن لهم صلة الدم لهم كالكراغلة أو العنصر التركي العثماني قبل ان يتم إبعادهم في عهد الدايات لأسباب سياسية و ساهمت هذه السياسية في تهميش الجزائريين من المحافظة على الطابع الإنكشاري، و خلقت هذه السياسة نوعا من الحقد تولد عنه ثورات عديدة قادها سكان منطقة القبائل خلال أعوام 1804 و 1810 و 1823م، و أمام هذا التهميش كانت الجالية اليهوديةتتمتع بسيطرة كبيرة على دواليب أفقتصاد الجزائرية بقيادة بكري بوشناق الذي كان الحاكم الفعلي لإيالة الجزائر و كانت له تعيين من يشاء في الوظائف الحكومية و يحدد قيمة الضرائب و أسعار السلع.

العلاقات الخارجية للجزائر مع جاراتها خلال العهد العثماني

لعبت تونس و المغرب دورا سياسيا و عسكريا في إضعاف القدرات الدفاعية للجزائر منن خلال الحروب المتبادلة بين الجارات الثلاث ( تونس ، المغرب و الجزائر) أواخر القران اتلثامن عشر و أوائل القرن التاسع عشر بعد انفصال ألإيالات عن بعضها، و تحالف المغرب مع اسبانيا لضرب مدينة الجزائر و عمل سلاطين المغرب منذ العهدين والسعدي و العلوي على مبدأ إضعاف إيالة الجزائر و إعانة العثمانيين بالمال و السلاح، ووقعت حروبا بين الجارات الثلاث، في هذهى الفترة لم ينس بايات تونس العداء التقليدي لدايات الجزائر فكان موقفهم من الجزائريين اللتاييد لألإحتلال الفرنسي الجزائري و كانت النتيجة أن الجارات الثلاث وقعت تحت سيطرة ألإحتلال الفرنسي و كان احتلال الجزائر سنة 1830 تمهيدا لإحختلال تونس و المغرب.

يقول الدكتور حنيفي هلايلي في كتابه" " أوراق الجزائر في تاريخ الجزائر في العهد العثماني" أنه لو أجرينا استقراءً للتاريخ نلاحظ أن بلدان المغرب العربي فشلت في تكوين تكتلا سياسيا موحدا يكون امتدادا لعمل الدولة الموحدية وبالرغم من محاولات شسلاطين آل عثمان في تحقيق هذا الحلم فإن العلاقات السياسية بين مختلف بلدان المغرب العربي تميزت بالتوتر و العداء فيما بينها..

ففي تونس زاد هذا التباعد السياسي عن الجزائر بعد الإنفصال تونس عن الجزائر بتكوين باشويتين مستقلتين عن بعضهما البعض، كمما لعبت الصراعات و الماحنات القائمة بين حدود الدولتين تأزما في العلاقات فقد خرق التونسيون في عهد يزوسف داي المعاهدة التي أبرمتها الجزائرمع إيالة تونس في عهد حسين باي قسنطينة عام 1614 م ، فلجأ مراد باي تونس الى استعمال القوة من خلا ل شن حملة عسكرية ضد الجزائر، انتهت بهزيمة الجيش التوةنسي في معركة السطارة قرب مدينة الكاف في لا17 ماي 1628م، و كانت هجومات باي تونس لسباب اقتصادية ارتكزت أساسا على الضرائب و التوسع في الأراضي و التعويضات ، لاسيما و أن وضع تونس كان وقتذاك حرجا جدا لتورطها في خلاف مع جمهورية البندقية ..

التنافس نفسه ساد العلاقات الجزائرية المغربية خلال المرحلة الأولى من تأسيس الإيالة، بدأت الصراعات بوضع تلمسان تحت المراقبة نظرا للعلاقة و الوشائج التاريخية القديمة التي كانت تربطهم مع الأسر، فازداد التنافس على مدينة تلمسان كمدينة حضارية لها محطة تجارية هامة، و لها استراتيجية، و كان لح الحظ من يسيطر عليها فيصبح له حق التدخل في لاعمق الجزائر و المغرب، فكانت تلمسات هدفا قجديما لحككام المغرب وهدفا لغزواتهم التوسعية منذ العهد المريني ( ملوك فاس)..

و تتضح الصورة جيدا للصراع الجزائري المغربي يقول ذات المؤلف الحملات العسكرية التي دامت ما يقارب ربع قرن من سنة 1551 الى 1576م في العهد السعدي، و للإشارة هنا أن نزول العثمانيين في المغرب العربي تصادف مع بداية حكم الأسرة السعدية للمغرب الأقصى ( 1524م)، و ساهم العثمانيون في الجزائرلا منذ مطلع القرن السابع عشر على تجزئة المغرب الى إمارات تابعة للأشراف و الزوايا و الطرق الصوفية، و يشير الدكتور هلايلي ان تجزأ المغرب ألقصى الى إمارات بعضها كان تحت ىحكم صلحاء مرابطين أصحاب زوايا كالدلائيين في الأطلس المتوسط، أو السملاليين في سوس، و بعضها بيد مجاهدين كمحمد العياشي الذي حارب البرتغاليين في البريحة ثم أفسبان في المعمورة، و بعضها كانت تمثل جمهوريات حرة كسلا و تطوان و كان اغلب سكانها من سكان الأندلس..

ثورات المرابطين و شيوخ الزوايا كانت عاملا حاسما في زوال التواجد العثماني ( الثورة الدرقاوية) نموذجا

لقد لعبت عدة عوامل في تأزم العلاقة بين الأتراك العثمانيين و رجال الطرق الصوفية نظرا للتطور التي شهدته هذه الأخيرة ، إذ ظهر دور الشرفاء في ثورة الطريقة الدرقاوية التي تزعمها الشيخ محمد علي الإدريسي مرابط قرية عين الحوت قرب مدينة تلمسان سنة 1736م و التي استمرت الى غاية 1759م، اي حوالي 24 سنة و التي جعلت تلمسان شبه جمهورية مستقلة ، لكن رد فعل الأتراك كان عنيفا بزعامة الباي محمد الكبير لولا تدخلى السلطان العلوي مولاي يزيد في إبرام الصلح مع باي المغرب، كما ارتكز أسلوب الدايات في فرض سيطرتهم على الطرق الصوفية على "المراوغة" لما لهؤلاء من نفوذ روحي و مادي على جموع القبائل..

و لتنفيذ مشروعه السايسي اعتمد المغرب على نفوذ الطرق الصوفية التي كانت مراكزها تشكل حلقة تمتد من فاس الى تلمسان و تونس مرورا بالواحات ، في هذه الفترة بدأ مسلسل القتل مثلما حدث مع ابي حسون آخر سلاطين الدولة الوطاسية الذي قضى عليه محمد الشيخ المهدي..

و تكون الثورة الدرقاوية أكبر الثورات التي ذكرتها الكتابات التاريخية و هي تنسب الى ابن الشريف الردقاوي الذي دارت بينه و بين با وهران مصطفى العجمي معركة كبيرة في موقعة "قرطاسة" الواقعة جنوب مدينة غليزان و تعرف اليوم بوادي الأبطال و كانت هذه المعارك دافعا قويا لتعاطف محمد بن عثمان الملقب بوكابوس أو المسلوخ و التأثير فيه حسبما ذهبت اليه الوثائق الإسبانية.

والدرقاوية كما أشار اليها الدكتور هلايلي في الإشتقاق اللغوي عند جميع الدارسين تعني " الخرقة" كناية للرجال الذين اعتادوا لبس" البرانس" المرقعة، و أجرعها آخرون الى "درقة" و هي بلدة قريبة من فاس، و كانمت الدرقاوية من أقوى الطرق الصوفية في الجزائر ىو كان لها أتباع كثيرون في غرب الجزائر و كانت عاصمتها الروحية فاس بالمغرب و رغم الحملات العسكرية عليها فقد ازداد نفوذها و قوي أتباعها بعين ماضي في الصحراء أواخر العهد العثماني..

أزيد من 150 مليون وثيقة في الأرشيف العراقي تخص تاريخ الجزائر في العهد العثماني

الإطلاع على الأرشيف العثماني اليوم مرهون بتعلم اللغة العثمانية ، هكذا قال باحثون ومؤرخون خلال الملتقى الدولي الأول حول الجزائر و العالم العثماني الذي انقعد بجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية قسنطينة و الذين أرجعوا تأخر الدراسات حول الفترة العثمانية إلى نقص الوثائق التاريخية من جهة و إلى كون الباحثين العرب لم تشكل لهم بعد الثقافة التاريخية من جهة أخرى فضلا عن الافتقار لقوانين التعامل مع الشعوب مقارنة مع أوروبا التي اهتمت بهذا الجانب و قدمته بلغة أوروبية..

الملتقى الدولي الأول حول "الجزائر و العالم العثماني" شارك فيه باحثين و خبراء من دول عربية( العراق، ليبيا، الأردن، تونس و المغرب و غيرها )، لمناقشة مراحل الحكم العثماني طيلة ثلاثة قرون و كيف نشأت السلطة العثمانية في دول المغرب العربي و بخاصة الجزائر، و ما تأثير السياسة العثمانية على الشعوب، و كانت أول ورقت قدمت خلال اليوم الأول من انطلاق الملتقى الدولي محاضرة الدكتورة عليا هاشم المشهداني التي أشارت إلى أن دراسات العهد العثماني في العراق حظيت باهتمام كبير منذ سنوات السبعينيات و كانت موضوع رسائل الماجستير و أطاريح الدكتوراه التي تناولت تاريخ المغرب العربي في العصور الإسلامية و التي تتوقف عند المدة الانتقالية بين العصور الإسلامية و العصر العثماني الذي يصنف في العراق ضمن التاريخ الحديث ركز فيها الباحثون العراقيون عن وضع الجزائر في العهد العثماني، و يوجد حاليا بالأرشيف العراقي حسبما أكدته الدكتورة عليا هاشم المشهداني و الباحثة في تاريخ المغرب العربي أزيد من 150 مليون وثيقة للحوادث التي حصلت على الدولة العثمانية تخص الجزائر وحدها و حركات التمرد على الحكم العثماني، و أخرى تتعلق بالحكم الفرنسي للجزائر في العهد العثماني و هواجس السلطان الثاني و مكاتبات فرنسا و جواسيسها مع المبشرين للضغط على الجزائريين ، فضلا عن وثائق تخص جهود العثمانيين الدبلوماسية مع بريطاني من أجل احتلال فرنسا للجزائر، و تقول الدكتور المشهداني أن وثائق الأرشيف العراقي حول الجزائر في العهد العثماني مدونة باللغة العثمانية ، مشيرة إلى وجود ترجمة واحدة و هي نادرة جدا بالعربية تعود لفاضل بياتي ، غير أنها عبارة عن ملخص لما هو مكتوب ، و بالتالي فهذه الوثائق تحتاج إلى ترجمة.

كما توجد 10 وثائق أخرى تتعلق بمقاومة قسنطينة للاحتلال الفرنسي، و كانت هذه الوثائق موضع اهتمام الباحثين العراقيين في السنوات العشر الأخيرة و أثارت العديد من التساؤلات حول دخول ألأتراك العثمانيين إلى الجزائر و من أهم الوثائق التي عالجاه الباحثون العراقيون الوثيقة التي نشرها عبد الجليل التميمي و هي أول رسالة من أهالي مدينة الجزائر إلى السلطان سليم الأول سنة 1519م تقول المحاضرة أن هذه الوثائق في حاجة إلى الإطلاع عليها من قبل الباحثين الجزائريين و دراستها و تحليلها تحليلا معمقا لتدوين تاريخهم، و يقف إلى موقفها الدكتور العراقي جميل موسى رضا النجار الذي أكد أن التاريخ بحاجة إلى وثائق الأرشيف العثماني الذي كان محجوبا عن الباحثين العرب، ليوضح أن مثل هذه الوثائق أكثر أهمية من بقية الوثائق الأخرى لاسيما في العراق و على الباحثين الجزائريين و الدولة الجزائرية و مؤسساتها الاهتمام بموضوع وثائق العهد العثماني الموجود باسطنبول ، و أن تهيئ جيلا من الباحثين ليقفوا على هذه الوثائق السرية و ترجمتها و فك رموزها..

و يرى المحاضرون أن الفترة العثمانية تعرضت إلى التزييف و التشويه من قبل الفرنسيين، تقول الدكتورة عائشة غطاس من جامعة بوزريعة الجزائر التي قدمت حوصلة عن الرسائل الجامعية التي نوقشت بالجامعة الجزائرية و الدراسات التي ناقشها الجزائريون بالخارج ( تونس ، الشام و فرنسا..)، مؤكدة أن إعادة كتابة التاريخ أصبحت مطروحة بإلحاح من قبل الباحثين العرب و بخاصة الجزائريين..، وحسب الباحثين فإن الإنتاج التاريخي تميز بنزعة تهجمية و لم تحظ موضوعات التاريخ بالاهتمام، خاصة مع بداية الاستقلال إلى غاية التسعينيات التي ظهرت فيها توجهات متعددة، حيث استندت العديد من الدراسات التاريخية لمغرب العربي و الجزائر خاصة إلى الوثائق الفرنسية، و مع بداية التسعينيات حدث توجه جديد أهمل فيه كتابة التاريخ و تفرغ الباحثون إلى الدراسات الاجتماعية و الاقتصادية انطلاقا من الوثائق المحلية بأنواعها أي الرصيد العثماني و سجلات المحاكم الشرعية و دفاتر بيت المال..

من أجل تقريب وجهات النظر و جمع الأرشيف المبعثر: مؤتمر دولي للأرشيفيين

و المؤرخين العرب حول التواجد العثماني في البلاد العربية

و لقد حظي مشروع تنظيم مؤتمر دولي للأرشيفيين و المؤرخين حول التواجد العثماني في البلاد العربية إيجابياته و سلبياته على الشعوب العربية موافقة دكاترة جامعيين و مؤرخين في التاريخ العثماني و لقي ترحيبا كبيرا لتنظيمه لتسليط الضوء على الحقبة العثمانية و جمع الأرشيف و النصوص و الوثائق التي ما تزال مخزنة و دراستها ، و تدليل الصعاب خاصة ما تعلق بالمصطلحات، جاء اقتراح تنظيم مؤتمر دولي حول الأرشيفيين و المؤرخين العرب حسبما كشفه السيد عبد المجيد شيخي مدير مركز الأرشيف الوطني خلال المناقشة التي دارت بالمجلس الدولي للأرشيف ألشهر الماضية أين تم الاتفاق على عقد المؤتمر الدولي و هو الاقتراح الذي تقدمت به الجزائر و لاقى موافقة المجلس الدولي للأرشيف، الهدف منه حسب مدير مركز الأرشيف مد جسور التواصل و إيجاد التعاون المثمر و مناقشة الأرشيف، لاسيما و المسائل حول تواجد الدولة العثمانية في البلاد العربية ما تزال مطروحة ، و تم اختيار تنظيم المؤتمر الدولي في الفترة الممتدة بين 2011 و 2012 ..

و قد وجه مدير مركز الأرشيف الوطني في ذلك و على هامش الملتقى الدولي حول الجزائر في العالم العثماني الذي تتواصل فعالياته بجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية قسنطينة عدة دعوات عديدة للأساتذة الباحثين و المؤرخين و المختصين في الأرشيف و محبيه و كذا الجامعات و معاهد التاريخ لتحضير المؤتمر، كما ستكون المشاركة على مستوى عربي أي دول المشرق العربي و دول المغرب العربي، و قال مدير مركز ألأرشيف الوطني أنه حان الوقت لتقريب وجهات النظر بين الباحثين و المؤرخين قبل أن تذهب معلوماتهم التي ينشرونها إلى الكتب المدرسية ، لأن الكثير من المسائل التاريخية ما تزال موضع نقاش و تناقض و ما يزال المؤرخين و الباحثين في التاريخ يعيشون تباينا جذريا في بعض المواقف بالنسبة للتاريخ، خاصة في مجال تحديد المصطلحات و عملية ألإسقاط في المسائل التاريخية الغير مبنية على معايير قيمية و بخاصة التاريخ الجزائري ، الذي معظم الكتابات التاريخية تقول أن الجزائر في الفترة ما قبل العثمانية كانت مقسمة، و هي أفكار مغلوط فيها لتشويه ماضي الدولة الجزائرية..

و في سياق متصل أشار عبد المجيد شيخي مدير مركز الأرشيف الوطني أن الفرنسيين استولوا على المئات من المخطوطات قبل خروجهم من الجزائر و لم يتركوا إلا القشور، مشيرا إلى الاتفاقيات التي أبرمت مع الحكومة التركية على أن تسلم للأرشيف الوطني نسخة كاملة من الأرشيف الخاص بالجزائر في العهد العثماني و اتفاقيات أخرى مع فرنسا، و لكن يضيف مدير الأرشيف الوطني أن هذه الجهود تذهب سدى لغياب الاتصال المباشر مع الباحثين لأن الكثير من الباحثين الجزائريين لا يولون اهتمامهم بالبحث التاريخي و لا يزورون حتى الأرشيف الوطني و ما يزخر به هذا الأخير من رصيد تاريخي..

و لم يستثن عبد المجيد شيخي من دعوة الجامعيين الجزائريين و حتى الباحثين العرب من الإنظمام إلى جمعية أصدقاء الأرشيف و نفض عنها غبار الركود، و إعادة تنشيطها و تحقيق عن طريقها مشاريع كبرى و القيام كذلك بعمليات تحسيسية لجمع الأرشيف الموجود في المكتبات المغلقة، و الذي استعصي على الباحثين الوصول إليه بعيدا عن دهاليز الإدارة.






 

الأعضاء الذين قالوا بارك الله فيك/ شكراً لـ محمد جديدي التبسي على المشاركة المفيدة:
مساحة إعلانية
قديم 2011-10-07, 18:48   رقم المشاركة : 47
معلومات العضو
محمد جديدي التبسي
عضو فضي
 
الصورة الرمزية محمد جديدي التبسي
 

 

 
إحصائية العضو









محمد جديدي التبسي غير متواجد حالياً


B9

علاقات المغرب الأقصى بالدولة العثمانية

إن علاقات المغرب مع الدولة العثمانية تكتسي أهمية خاصة، باعتبار أن المغرب ظل البلد الوحيد من بلدان العالم العربي الذي أفلت من الخضوع للإمبراطورية التركية2، كما أن المغرب كان يمثل مسرحا للصراع بين المسيحية ممثلة في الدول الأوربية، والإسلام ممثلا في دولة الخلافة العثمانية .

وتزداد أهمية العلاقة المغربية العثمانية بالنظر إلى التقارب المذهبي والديني الذي ميز الطرفين (الانتماء إلى المذهب السني ).

كيف يمكن إدراك هذه العلاقات الغنية والمعقدة إلى درجة التناقض؟ والتي تشوبها أحيانا صراعات لكن تفضي أحيانا أخرى إلى نوع من الثقة المتبادلة5 ؟وما هي الميكانيزمات التي تحكمت في هذه التناقضات؟وكيف تطورت العلاقات بين الطرفين ؟ .

لا يمكن فهم طبيعة العلاقات المغربية العثمانية إلا في ظل نوعية العلاقات التي ربطت دار الإسلام / دار الإسلام6، فالمغرب والدولة العثمانية ينتميان إلى نفس المنظومة الدينية والمذهبية (إسلامية سنية) وهو الأمر الذي يعطي لموضوع العلاقات المغربية العثمانية تميزا عن نوعية العلاقات التي جمعته مع الدول الأوربية.7

وإذا كان كل من الشرفاء المغاربة والعثمانيين اكتسبوا حظوة ونفوذا على أساس قيامهما بالجهاد ضد الكافر، فقد حاول كل طرف فرض هيمنته على الطرف الآخر تحت هذا الشعار، لكن الفرق هو أن العثمانيين بفضل ما توفر لهم من موارد وإمكانات دخلوا عالم الإمبراطوريات بخلاف المغرب، فالدولة العثمانية استطاعت أن ترقى إلى المستوى الآخر الأوربي، وظل المغرب حبيس مشاكله الداخلية، ويبقى السؤال المطروح هو لماذا لم تعمل الإمبراطورية العثمانية على إخضاع المغرب بدعوى وحدة الأمة؟.

هل الأمر يتعلق بما يفرضه الامتثال للشريعة الإسلامية، والمتمثل في أن الفتح لا يمكن أن يشمل دار الإسلام ، وان الحرب لا يمكن أن تكون موجهة سوى ضد الكفار كما ذهب إلى ذلك الأستاذ بنحادة ، والحال أن المغرب بلد إسلامي8 أم أن الأمر تحكمت فيه عوامل أخرى ؟

للجواب على هذه الإشكالية لابد من العودة إلى أواخر القرن الخامس عشر، حيث عرف عالم البحر الأبيض المتوسط مرحلة مهمة جدا تجلت في بدء التفوق الأوربي في مجال التقنيات الحربية والبحرية، وهو الأمر الذي ساهم في تغيير ميزان القوى بين الضفتين دار الإسلام ودار الحرب.9

وكان من نتائج هذا التفوق احتلال الإسبان والبرتغاليين للسواحل الأطلسية والمتوسطية في الشمال الإفريقي ، وإذا كان المغرب قد استطاع التصدي للحملة الإيبرية على شواطئه بفضل الدولة السعدية الناشئة، فان بلدان شمال إفريقيا الأخرى اختارت حلا مغايرا تجلى في استقدام قوة خارجية عن البلاد وهي القوة التركية، فأمام الصعوبات التي وجدها عروج بعد فشله في استخلاص قلعة الجزائر بعث بوفد إلى استانبول سنة 1519 محملا بالهدايا والبيعة للسلطان سليم الأول هذه البيعة التي لم يتردد السلطان العثماني في قبولها ؛ لأنها فتحت الطريق لهم بسهولة للوصول إلى الحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط .10

ومقابل البيعة المذكورة تم تعيين خير الدين بعد مقتل أخيه عروج حاكما على جزائر الغرب، ومن ثم أصبحت شرعية الحاكم في الجزائر مرتبطة بالباب العالي11.

ومن هنا يمكننا القول : إن البدايات الأولى للعثمانيين بالشمال الإفريقي كانت نتيجة عملية الاستنجاد المقرونة بالبيعة الطوعية، وليست ناتجة عن الحرب والغزو، فالإدارة العثمانية لم يكن في نيتها ضم شمال إفريقيا بالقوة لأسباب مالية وعسكرية وطبيعية .

وبعد ضم خير الدين بمساعدة الأتراك تونس، بقي المغرب البلد الوحيد في الغرب الإسلامي الذي أفلت من التبعية العثمانية، ومن ثم يمكن تفسير طابع التوتر والحذر الذي ميز علاقات الدولتين .12

لقد أملت الوضعية السابقة الذكر على السلاطين المغاربة نهج سياية لم تراع كثيرا وضعية الانتماء لنفس الدار، لكن السياسة التي تمكن المغرب من الحفاظ على استقلاله عن الأتراك، ومن ثم تراوحت هذه العلاقة بين الحدة والتوتر من جهة، وبين التقارب والتعاون من جهة أخرى 13.

ونشير هنا إلى أن العثمانيين حاولوا منذ البداية اتباع سياسة الاحتواء اتجاه السلاطين السعديين الأوائل، وهذا ما تؤكده مضامين الرسائل العثمانية التي كانت تجس نبض هؤلاء من خلال طبيعة المخاطبة التي لم تكن تحمل أكثر من صفة لحاكم ولاية فاس، وهو ما كان يعتبر من منظور العثمانيين أن المغرب ولاية تابعة لهم14، ويتجلى ذلك أيضا في السفارة العثمانية إلى محمد الشيخ حين اقترحت عليه المساعدة لمحاربة المسيحيين مقابل الخطبة باسم السلطان العثماني15، والتي إن تحققت تعني ضمنيا تبعية المغرب للباب العالي.

ولعل هذه المحاولات العثمانية تنم عن وسيلة ذكية كانت تتوخى من ورائها تكرار النموذج الجزائري بالمغرب ، وهو ما رفضه السلطان المغربي، مما أغضب الباب العالي الذي دبر مؤامرة اغتياله.

وقد تريث العثمانيون خلال فترة حكم السلطان عبد الله الغالب ، إذ رفضوا دعم أخيه عبد الملك السعدي(1576/1578) الذي التجأ إلى الأراضي الجزائرية " إني لا أعينك على فتنة المسلمين ..." .

وقد تحكمت في مواقف عبد الله الغالب( 1557/1574) معطيات الصراع العثماني الأوربي، لكن وفاته جاءت قبل أن تكتمل سفارته إلى استانبول بقيادة التمكروتي16، لكن وعي العثمانيين أدى بهم إلى المراهنة على التدخل في الصراع الداخلي لصالح عبد الملك ضد المتوكل(1574/1576)، فدعموه بحملة انتهت بدخوله فاس وفرار المتوكل الذي لجأ إلى البرتغال .

وقد أغدق عبد الملك على الأتراك أموالا كثيرة ، وحملهم بأنواع من الهدايا مكافأة لهم، كما استمر في بعث الهدايا إلى القسطنطينية، وكان يلقي الخطبة باسم السلطان العثماني، ويسك النقود باسمه، وهذه كلها مظاهر تؤكد التبعية للباب العالي، كما أن الرسائل العثمانية للسلطان عبد الملك كانت تحضه على الجهاد والتعاون مع أمير الجزائر17، وقد ظل الباب العالي مساندا لعبد الملك السعدي، وهو ما يتجلى في مشاركة الأتراك في معركة واد المخازن بغض النظر عن طبيعة وحجم المشاركة.

لكن سرعان ما ستتغير الوضعية بعد انتصار السعديين في معركة واد المخازن ، فرغم أن المنصور (1578/1603) استمر في بعث الهدايا إلى الباب العالي، فقد دشن من جهة ملامح سياسة تختلف عن سابقه، فقد تلقب بالخليفة وأصبحت الخطبة تلقى باسمه، وكان هذا تأكيدا من أحمد المنصور على استقلالية المغرب عن الباب العالي .18

وقد استغل أحمد المنصور الأوضاع الدولية لصالحه، ولعب الورقة الإسبانية الرابحة، وهو الشيء الذي فطن له سيلفا الذي بعث رسالة إلى الملك فيليب الثاني سنة 1583 يقول فيها : " إن إمبراطور المغرب يسخر منا فهو متأرجح بين مصانعتنا ومصانعة الأتراك، فعندما يطالبه صاحب الجلالة بالعرائش يقول هيا بنا إلى الجزائر، وعندما يهدده الأتراك يقول هيا بنا إلى أسبانيا "19.

ولا شك أن التخوف العثماني من إمكانية قيام تحالف سعدي إسباني يعتبر في نظرنا من الأسباب التي جعلت العثمانيين لم يسعوا بتاتا إلى القيام بغزو شامل للمغرب، والدخول في مغامرة غير محتومة النتائج، خصوصا مع الوعي العثماني بان القوى الأوربية لن تقف صامتة إزاء مثل هذا المشروع الذي يهدد طموحاتها في السيطرة على الموارد الإفريقية انطلاقا من السواحل الأطلسية، كما نعتقد أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يسمح الأوربيون لقوة بحرية واحدة بالسيطرة على الطرق التجارية المتوسطية والأطلسية في آن واحد.

كما أن بعد المسافة عن استانبول ووعورة تضاريس المنطقة وحتمية التحالف المغربي الأوروبي في مثل هذه الحالة قد يجعل المهمة صعبة إن لم نقل مستحيلة.

كما أن هذه الفترة تزامنت مع بداية التراجع العثماني عن مخططاتها التوسعية في غرب البحر الأبيض المتوسط ، خصوصا بعد فشل حملة مالطا، وتولي سليم الثاني(1566/1574) السلطة حيث بدأ العثمانيون عزوفا عن المجابهات مع الأوربيين وتوجهوا شرق الإمبراطورية20، ولعل ما يبرز هذا التراجع عدم تلقي المورسكيين أثناء محنتهم بالأندلس أي مساندة عثمانية خلال سنة 1568، فقد كانوا منشغلين بحملة قبرص21.

وقد ازداد هذا التراجع بعد حملة ليبانتو الفاشلة سنة1571على البندقية، فقد شكلت هذه المعركة بداية نهاية التفوق العثماني في حوض البحر الأبيض المتوسـط، وإن استطاعت الدولة العثمانية إعادة هيبتها عبـر انتصارها في حلق الوادي فإنها اعتمدت في ذلك على الدعم المحلي الكبير للجزائر وتونس21.

ولا شك أن المواجهات الثلاث السابقة قد استنزفت إلى حد كبير الدولة العثمانية ماديا وعسكريا، فكانت مضطرة إلى الدخول في مفاوضات مع إسبانيا لتحقيق الهدنة (وهذا ما حصل) والتفرغ لمواجهة الصفويين والثورات الداخلية.

هذه الهدنة مع الإسبان أدت إلى تخفيف الحدة بين الطرفين، وهو ما يعني استحالة التصعيد العثماني بالتفكير في غزو المغرب.

وساهمت هذه الهدنة من جانب آخر في توتير العلاقات بين ولايات الشمال الإفريقى عموما والسلطة المركزية العثمانية، إذ يبدو أن الولاة الجزائريين لم يكونوا راضين على هذه الهدنة، ويتجلى ذلك في استمرار تحرشاتهم ضد السفن الإسبانية في البحر الأبيض المتوسط ، وامتناعهم عن أداء مستحقاتهم المالية لاستانبول22. وهو الأمر الذي دعا إلى إقرار تجريء ولايات الشمال الإفريقي، ومع ذلك ظلت التوترات مستمرة بينهما.

يمكن القول : إن السلام العثماني الإسباني خدم بشكل كبير النزعة الاستقلالية في بلدان شمال إفريقيا التابعة للباب العالي .

لا شك أن الظروف السابقة والتي تزامنت مع مشاكل العثمانيين على الواجهة الصفوية وعلى واجهة أوروبا الشرقية، توضح أن غزو المغرب لم يكن ليحقق أي نفع للدولة العثمانية سوى إلحاق مزيد من الاستنزاف بها.

في ظل المعطيات المذكورة يمكننا التأكيد أن الرهان العثماني حول ضم المغرب كان يتوخى النموذج الجزائري ، أي أن الباب العالي كان يسعى إلى أخدها برغبة ومباركة من السلاطين المغاربة ، وهو ما لم يحصل .

وبالمقابل ألا يمكننا الحديث عن أطماع للشرفاء السعديين ومن بعدهم العلويين في التوسع على حساب الأراضي التركية بالمغرب الأوسط ، خاصة وأن الشريف السعدي كان قد نظم حملات وصلت إلى تلمسان، الأمر الذي أدى بالأتراك العثمانيين إلى نهج خطاب المهادنة (عزل أمير الجزائر )، ألا يفسر هذا الخطاب التخوف العثماني من خطر التوسع السعدي؟.

أليست فكرة رسم الحدود بين البلدين والتي طرحها العثمانيون تدخل في إطار هذا التخوف؟ وكيف لا تتناقض فكرة الحدود مع الأعراف التي يؤطرها مبدأ وحدة دار الإسلام ؟

والى أي حد تجيب مسالة الحدود التي طرحها العثمانيون على إشكالية عدم ضم الأتراك للمغرب ؟ بمعنى آخر أن من يطرح مسالة الحدود لا يمكن أن يفكر في الغزو؟ .

تؤكد مجموعة من الكتابات التاريخية أن فكرة الحدود السياسية دخيلة على المنطقة المغاربية، وأن الفهم الذي كان سائدا خلال هذه الفترة هو أن دار الإسلام مجال جغرافي وفضاء حضاري يحق للمسلم أن يستوطن في مختلف جهاته، وأن الحدود لا يمكن أن تكون إلا بين دار الإسلام ودار الحرب23. فإلى أي حد يمكن اعتبار فكرة ترسيم الحدود سلوكا جديدا في تاريخ العلاقات المغربية العثمانية ؟

لقد كان الباب العالي يتخوف كثيرا من مسالة التوسع المغربي على الواجهة الغربية الجزائرية ، خصوصا وأنهم يتمتعون بالشرعية الجهادية التي منحتهم تعاطفا من القبائل الجزائرية، بالإضافة إلى شرعية النسب الشريف الذي أعطاهم الأولوية لدى العامة.

لذا حرص العثمانيون على عنصر الحدود، فكيف تم إقرار هذا العنصر في العلاقات المغربية بالأتراك في المغرب الأقصى ؟ .

لقد كان المغرب دائما يسعى إلى توسيع نفوذه شرقا، وهذا ما تجلى في كثرة الحملات العسكرية خصوصا في بدايات الحكم العلوي، وهو ما كانت السلطة التركية على وعي كبير به، لذلك كان الأتراك هم السباقين لطرح مسالة الحدود بين الطرفين، متجاوزين بذلك الفكرة السائدة عن رفض الإسلام تقسيم تراب البلدان الإسلامية، وقد استطاعت البعثة التركية إقناع الشريف محمد العلوي (1636/1664) بفكرة رسم الحدود بين المغرب والولاية التركية، وانتزعوا منه أول تعهد مكتوب بذلك، لكن الملوك العلويين ظلوا مقتنعين بإمكانية ضم مناطق على الواجهة الشرقية وهو ما تجلى في كثرة الحملات خصوصا في عهد المولى الرشيد (1666/1672) والمولى إسماعيل (1672/1727)، في حين لوح الأتراك الجزائريون بورقة الحدود واعتمدوها كسبيل لإيقاف هذه التهديدات23.

ويوحي التمسك التركي بواد تافنا كحد فاصل بين الطرفين اعتبار هؤلاء الاتفاق مع المولى محمد حجة قانونية أشهروها في وجه المولى إسماعيل 24.

خلاصة الأمر يمكننا القول : إن الأتراك حاولوا منذ العهد السعدي تطويق موقف الشرفاء بخطة الحدود المرسومة ؛ حتى يمكن حصر نفوذهم بالمغرب الأقصى، وإن فشلوا في بداية الأمر مع السعديين فإنهم نجحوا مع العلويين.

والواقع أن طموحات الشرفاء كانت تهدف إلى إحياء مشروع الإمبراطورية الموحدية الكبرى ، وقد يكون إحساسهم بالانتماء لآل البيت الدافع الأساسي لهذا المشروع ، وهو الأحقية في الخلافة الإسلامية...ولعل هذا ماجعل البعض يعتبر الصراع بين السعديين والعثمانيين صراعا حول الخلافة ، فهي تتجاوز بذلك مسالة الحدود .25

فالعماري يرى أن الخلاف بين الشرفاء والأتراك لم يكن في عمقه يدور حول مشكلة الحدود، وإنما كان يدور حول مسالتين أساسيتين

أولا: أحقية الخلافة التي كان السعديون والعلويين يعتبرون أنفسهم أحق بها من الأتراك ، وينظرون إلى هؤلاء كمغتصبين للخلافة.

ثانيا: وحدة المغرب العربي التي كانت تبدو ضرورة تاريخية وقومية.26

لقد كانت السلطة العثمانية على وعي بهذين المبدأين....لذلك حاول الأتراك تطويق موقف الشرفاء بخطة سياسة الحدود.

وهذا يعني أن العلاقات الدبلوماسية بين الجانبين تحكم فيها بقوة الصراع حول أحقية الخلافة .

فالعثمانيون امتلكوا مفاتيح الكعبة بتأييد شريف مكة أبو البركات27، فأصبح السلطان حامي الحرمين الشريفين وراعيا للحجاج المسلمين، بالإضافة إلى ذلك أصبحت الدولة العثمانية الحامل لراية الجهاد ، خصوصا بعد عجز المماليك عن مواجهة الإفرنج ، فتقوضت بذلك زعامتهم نهائيا كحماة للإسلام28، ومن هنا اكتسب العثمانيون أحقية الزعامة والقيادة، ومنحهم ذلك تأييد الزعامات المحلية في غالبية البلاد العربية، ومنها المغرب وهكذا نجد الفقيه ابن أبي محلي يصف السلطان أحمد العثماني بملك البحرين وإمام الحرمين الشريفين، ويرى في العثمانيين عصابة الجهاد في الحروب ، ولذلك استنفرهم للجهاد ضد من كان يسميهم عبدة الصليب،29 كما أن الحجري خصص للأتراك مكانة متميزة في رحلته "ناصر الدين على القوم الكافرين " إذ تحدث بإعجاب كبير عن دولتهم ودورهم في صيانة دار الإسلام، واعتبرهم القوة الوحيدة القادرة على مواجهة المد الأوربي " وكل واحد من السلاطين النصارى يرتعد ويخاف من سلاطين الإسلام والدين المجاهدين في سبيل رب العالمين ....وهم السلاطين الفضلا العظما ..العثمانيون التركيون ..".30

وإذ كان السلاطين المغاربة يشتركون مع العثمانيين في القيام بواجب الجهاد فإنهم ارتكزوا على النسب الشريف الذي له دلالة خاصة في مسالة شرعية الخلافة، لكن التساؤل الذي يطرح نفسه بقوة هو لماذا كان السلاطين الأشراف يلجئون في بعض الأحيان إلى الدعاء للعثمانيين على المنابر؟ ومن ثم نتساءل هل كان هذا الاعتراف وسيلة لقطع الطريق على أي تدخل عثماني محتمل، أم أنه ناجم عن قناعة بوجوب وحدة دار الإسلام . ؟

إن الصراع حول الخلافة تحكم في كثير من الأحيان في نوعية العلاقات بين الطرفين إلى حد كبير ، ونذكر على سبيل المثال:

* اتخاذ المنصور لقب الخليفة وأمير المؤمنين بعد توليه السلطة، مما أثار حفيظة العثمانيين ، خاصة عندما استقبل سفارة من ملك بورنو إدريس ألوما الذي بحث عن دعم عسكري لمواجهة أعدائه الصونغاي. يقول القشتالي :

" … ورد الرسول ...إلى الأبواب العلية المشرفة فوافق أمير المؤمنين بحضرته العلية مراكش دار الخلافة ، فأزاح اللبس وبين الغرض فصدع لهم أمير المؤمنين … وطالبهم بالمبايعة له والدخول في دعوته المباركة التي أوجب الله عليهم … وقرر لهم … أن الجهاد الذي ينقلونه ويظهرون الميل إليه ،لا يتم لهم فرصة ولا يكتب إليهم عمله، ما لم يستندوا في أمرهم إلى إمام الجماعة الذي اختصه الله إلى يوم الدين بوصفه الشريف … وعلق لهم أيده الله الإمداد على الوفاء بهذا الشرط فالتزمه الرسول " وموازاة مع ذلك قام الأتراك بتقديم الدعم العسكري لإمبراطورية الصونغاي ، وهذا لاشك يدخل في إطار الصراع الخفي حول الخلافة وزعامة العالم الإسلامي .31

ونجد هذا الصراع الخفي حتى في رحلة التمكروتي التي دونها بعد سفارته إلى استانبول، إذ يقول : "والترك جاروا على أهل تلك البلاد وأفسدوها ، وضيقوا على أهلها في أرضهم وديارهم وأموالهم ..إلى غير ذلك من الذل والإهانة ..هذا وأهل أفريقية....في كثرة اشتياقهم وحنينهم إلى حكم موالينا الشرفاء. تالله لقد كنا من تحدثنا معه من خيار أهل تونس وأعيان مصر الذين لقيناهم بالقسطنطينية يبكون على ذلك ...ويودون لو وجدوا سبيلا إلى الانتقال إلى المغرب والتخلص إليه لاشتروه بالدنيا ومافيها .."32

إن هذا الموقف يوضح ما كان بين الكيانين من تنافس وصراع حول ولايات الشمال الإفريقي، وكان خطاب التمكروتي أكثر وضوحا في مسالة الأحقية في الخلافة، يقول : " والعثمانيون من جملة ..الموالي الذين دافع الله بهم على المسلمين، وجعلهم حصنا وسورا للإسلام ، وإن كان أكثرهم وأكثر أتباعهم ممن يصدق عليه قوله صلى الله عليه وسلم : "إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر ، وإنما كانوا حملوا الإمارة وقلدوا الأمر في الحقيقة نيابة وأمانة يؤدونها إلى من هو أحق بها .. وهم موالينا الشرفاء ملوك بلاد المغرب الذين شرفت بهم الإمامة والخلافة ، وكل مسلم لا يقول عكس هذا ولا خلافه .. وقد اجتمع المسلمون على أن الإمامة لا تنعقد إلا لمن هو من صحيح قريش، لقوله صلى الله عليه وسلم : "الخلافة في قريش " وكون ملوك المغرب أولى بهم من غيرهم "33

من هذه النصوص نستنتج أن التمكروتي لم ينكر دور العثمانيين في نشر الإسلام، لكنه ينتقل إلى مستوى ثان في التحليل وهو أن العثمانيين جائرون لم يلتزموا العدل بين الرعية ، ثم ينتقل إلى المقصود وهو من الأحق بالخلافة؟، فالتمكروتى كفقيه كان واعيا يضرورة التبعية لسلطة سياسية واحدة وهي الخلافة الإسلامية التي كان يراها من حق الشرفاء السعديين.34

ولعل مسالة تشوف سكان شمال إفريقيا إلى حكم شرفاء المغرب تثير أكثر من سؤال ، فإذا كان الأمر كذلك يقول الدكتور الغاشى لماذا لم يتوجه سكان هذه المناطق إلى طلب التدخل المغربي بدل التدخل العثماني لمواجهة الغزو الإيبري ؟ ثم هل يتطابق تصريح التمكروتي مع أهداف مهمته الدبلوماسية ؟ 35

ولعل هذا ما دفع الدكتور حسن ابراهيم شحادة إلى الاعتقاد بان الرحلة كانت تعكس العلاقات المغربية العثمانية خلال فترة حكم المولى إسماعيل ، والتي تزامنت مع فترة كتابة النسخة المتداولة حاليا، وهو ما يدفع إلى الاعتقاد بان الرحلة قد خضعت لبعض التغييرات.36

ومهما يكن فان هذا يعكس بوضوح الصراع الخفي حول موضوع شرعية الخلافة بين العثمانيين والمغاربة.

2- العلاقات المغربية العثمانية : من المواجهة والصراع إلى التعاون .

بوفاة المولى إسماعيل سنة1727 انتهت حقبة من العداء والحذر في علاقات المغرب الخارجية، خصوصا مع العثمانيين الأتراك، و بدا التغير تدريجيا في سياسة البلدين من التوتر والمواجهة إلى المهادنة والتعاون.

ويتجلى ذلك بداية في التبعية التامة التي أعلنها السلطان المولى عبد الله (1728/1757) للباب العالي، وذلك في رسالة تقول " وأنا أخطب بك في مساجد الجمعة والأعياد كما فعل والدنا مع أسلافكم الجياد ، ولولا أن الغرب صعب المرام ، لاستعملت أقدام الأقدام إلى حضرة ذلك الهمام فهو جدير أن يجعلني من أحبائه، وأن يحمل علي من هذا الخطب عظيم أعبائه، ولبذلت المجهود والمقصود ".37

وإن كان هذا المقتطف يثير قضايا كبرى ومستعصية على الجواب...بين ما له علاقة بالجانب الواقعي في الرسالة وماله علاقة بالجانب الدبلوماسي.38

وباستثناء هذه الرسالة فإن فترة الأزمة السياسية تميزت عموما بانشغال العثمانيين بحروبهم مع روسيا وحلفائها، والمغاربة بخلافاتهم حول السلطة.39






الأعضاء الذين قالوا بارك الله فيك/ شكراً لـ محمد جديدي التبسي على المشاركة المفيدة:
قديم 2011-10-07, 19:16   رقم المشاركة : 48
معلومات العضو
طالبة تاريخ
عضو مميّز
 
الصورة الرمزية طالبة تاريخ
 

 

 
إحصائية العضو









طالبة تاريخ غير متواجد حالياً


Flower2

بارك الله فيك







قديم 2011-10-07, 19:21   رقم المشاركة : 49
معلومات العضو
طالبة تاريخ
عضو مميّز
 
الصورة الرمزية طالبة تاريخ
 

 

 
إحصائية العضو









طالبة تاريخ غير متواجد حالياً


Flower2

فيما يخص العلاقات الثقافية جل ما و جدته من معلومات قليلة تتحدث عن انتقال العلماء فقط و دراساتهم سواء في تونس أو في المغرب الأٌقصى
كالمقري أو ابن حمادوش و غيرهم
و كذلك قدوم علماء مغاربة للجزائر كالعياشي
لا أظن أنّ العلاقات الثقافية تقتصر على هذا و المادة العلمية قليلة جدا

و الله المستعان
بالتوفيق لجميع المشاركين






الأعضاء الذين قالوا بارك الله فيك/ شكراً لـ طالبة تاريخ على المشاركة المفيدة:
قديم 2011-10-07, 19:29   رقم المشاركة : 50
معلومات العضو
محمد جديدي التبسي
عضو فضي
 
الصورة الرمزية محمد جديدي التبسي
 

 

 
إحصائية العضو









محمد جديدي التبسي غير متواجد حالياً


افتراضي

لا تقتصر على ذلك نعم ، فهي تشمل الزوايا وما كان لها من أثر في الحياة الاجتماعية والثقافية وكذلك تشمل المراكز الثقافية التي كانت متواجدة في بلاد المغرب
وانتقال العلماء كما اشرت وهي متواجدة في كتاب العلاقات بين الجزائر والمغرب لعمار بن خروف إلا أن الخط غير واضح لكن الله المستعان







قديم 2011-10-07, 20:01   رقم المشاركة : 51
معلومات العضو
طالبة تاريخ
عضو مميّز
 
الصورة الرمزية طالبة تاريخ
 

 

 
إحصائية العضو









طالبة تاريخ غير متواجد حالياً


Flower2

حتى الزوايا و المراكز الثقافية تذكر للشرح فقط داخل الإقليم و لا نجد دورها خارجيا
فلقد تحدّث عنها بإسهاب الدكتور أبو القاسم سعد الله في كتابه تاريخ الجزائر الثقافي في الجزء الأوّل الخاص بالفترة العثمانية ، فذكر المدارس التعليمية و المساجد في داخل الجزائر فقط
فلو كان الموضوع حول الأوضاع الثقافية أو الإقتصادية في الجزائر العثمانية لكان الأمر هيّنا ، وهذا الموضوع من الأهمية بمكان .
خاصة و أن العثمانيين في بلادنا لم يكن اهتمام بالجانب الثقافي

الله المستعان






الأعضاء الذين قالوا بارك الله فيك/ شكراً لـ طالبة تاريخ على المشاركة المفيدة:
قديم 2011-10-08, 08:57   رقم المشاركة : 52
معلومات العضو
نسمات الربيع
عضو جديد
 
الصورة الرمزية نسمات الربيع
 

 

 
إحصائية العضو









نسمات الربيع غير متواجد حالياً


افتراضي

السلام عليكم
كان الله في عوننا إخوتي ...فالمادة العلمية تكاد أن تنعدم في هذا الموضوع
وفقكم الله







الأعضاء الذين قالوا بارك الله فيك/ شكراً لـ نسمات الربيع على المشاركة المفيدة:
قديم 2011-10-10, 20:23   رقم المشاركة : 53
معلومات العضو
بيان 5
عضو محترف
 
الصورة الرمزية بيان 5
 

 

 
إحصائية العضو









بيان 5 متواجد حالياً


افتراضي

انا ايضا لم اجد من المعلومات مايفوقكم لندرة المادة العلمية
لكن هناك ايضا الطرق الصوفية الشاذلية بتونس لها علاقة بالشرق الجزائري والدرقلوية لها علاقة بالمغرب كما ان السلطان الحفصي ابا علي منح قاعدة لعروج بتونس والهدف ضمان مورد اقتصادي اما ابنه الحسن فحاول ان يتقرب من الجزائر كما كان ينوي اتباع النظام الاقتصادي الجزائري ولكن خوفه من قيام ثورة تعزله وتاتي باخيه الرشيد جعله يتراجع هذا من الجانب الاقتصاي الذي يمكن ان نظيف معركة نافارين والحصار البحري الاوروبي على الجزائر ما جعلها تحول تجارتا باتجاه تونس بعد ان اغلقت امامها الاسواق الاوروبية







الأعضاء الذين قالوا بارك الله فيك/ شكراً لـ بيان 5 على المشاركة المفيدة:
قديم 2011-10-17, 12:20   رقم المشاركة : 54
معلومات العضو
محمد جديدي التبسي
عضو فضي
 
الصورة الرمزية محمد جديدي التبسي
 

 

 
إحصائية العضو









محمد جديدي التبسي غير متواجد حالياً


B9

الزوايا في الجزائر


ظهرت الزوايا في المغرب الإسلامي منذ القرن السادس الهجري، الثالث عشر ميلادي، حيث حلت تدريجيا محل الرباط، ثم تطورت مهامها وتوسعت على يد المرابطين والطرق الصوفية، وجمعت بين العبادة والتعليم والتوجيه والإصلاح والجهاد فيوقت واحد.
نمت هذه الزوايا وانتشرت بكثرة في القرن الثامن عشر الهجري= الخامس عشر ميلادي كرد فعل لحادثين كبيرين في حياة المسلمين في الجزائر وهما: ضياع الأندلس والغزو الصليبي المتمثل في احتلال اسبانيا لثغور الجزائر لاسيما المدن الساحلية.
واللافت للانتباه أن هذه الزوايا واسعة الانتشار، فهي في المدن والقرى والأرياف على قمم الجبال وفي أعماق الصحراء وعلى السواحل في الرباطات والمنارات حيث التجأ إليها وأقام فيها أناس نذروا أنفسهم لعبادة الله كانوا فيها فرسانا بالنهار رهبانا بالليل حريصين على أن يكونوا المعنيين بالحديث الشريف: "عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله".
وقد كان للزوايا في الجزائر دور فعال في المحافظة على التماسك الديني والخلقي والاجتماعي، وفي حفظ المجتمع من تهديد الأخطار الكبرى، بل قد كانت حركات الجهاد المسلّح ضد الطغيان الاستعماري الفرنسي تنطلق من هذه الزوايا التي شكّلت مراكز تعبئة ضد الغزاة المعتدين، لعلّ أبرزها حركة الأمير عبد القادر والشيخ الحداد والشيخ بوعمامة والمجاهدة لالا فاطمة انسومر…
ويذهب بعض الباحثين إلى أن الزوايا في الجزائر هي التراث والرمز الأكبر لهذا الوطن، لأنها حفظت طيلة عهد الاحتلال لهذه الأمة المسلمة قرآنها ولغتها ودينها وأخلاقها الإسلامية من طاعة وأدب وغيرة وحياء وتضامن وسخاء وشجاعة وغير ذلك من فضائل الأخلاق، بالإضافة إلى حب الإسلام وبغض الكفر والكافرين، إلى جانب ما قامت به من جهاد ودعت إليه وجندت له أتباعها، إذ ما من ثورة أو انتفاضة أو مقاومة أو جهاد إلا وهو مقرون باسم شيخ زاوية أو زوايا.
وعندما اندلعت ثورة التحرير تحولت زوايا كثيرة إلى مراكز للثورة تحت غلاف التعليم أو التعبد، تعقد فيها الاجتماعات للتنظيم والإعلام والتجنيد والتمويل وجمع السلاح والدواء وغير ذلك مما تتطلبه الثورة. وتكوّن بكثير من الزوايا محاكم شرعية بأمر الثورة للفصل في قضايا المواطنين بشريعة الله بدل الاحتكام عند المحاكم الفرنسية، وقد سجن كثير من شيوخ الزوايا وأبنائهم وعذبوا ونفوا واستشهد بعضهم، وأحرقت ودمّرت زوايا عديدة في بلاد القبائل وغيرها.
واعتبرها البعض الآخر وكرا للخرافة والدجل والشعوذة، ومن الأسباب الرئيسة التي أدت إلى انهيار المجتمعات العربية الإسلامية.
على أنه ظهرت في السنوات الأخيرة كثير من الأطروحات والأعمال العلمية التي أعدت لدراسة دور الزوايا في الحياة الثقافية والعلمية والاجتماعية والاقتصادية، كما عقدت في الفترة الماضية عديد الندوات والحلقات الدراسية لمعرفة الأدوار الأساسية التي قامت بها الزوايا في الماضي والحاضر. وهي دراسات تهدف إلى معرفة حقيقة هذه المؤسسات الدينية بعيدا عن الميولات العاطفية أو التوجهات الإيديولوجية.
سنحاول ضمن هذه المدونة معرفة الأدوار التي قامت بها الزوايا في الجزائر، من أدوار علمية وروحية ثقافية واجتماعية وجهادية، نريد التعرف على هذه الأدوار، مع ملاحظة صعوبة العمل بالنظر إلى التراكمات والخلفيات الني تكونت لدى كثير من الباحثين حول هذه المؤسسات، ومحاولة بعضهم تشويه تاريخ هذه المؤسسات.
وتندرج هذه المحاولة ضمن المجهودات التي تبذل مؤخرا من قبل باحثين جادين للعمل على توضيح الصورة بشكل أكثر واقعية وأقرب إلى الحقيقة العلمية، على رأسهم مجهودات الأستاذ محمد أرزقي فراد الذي أعطى الموضوع حقه من الدراسة والبحث والنظرة الموضوعية النزيهة.






قديم 2011-10-17, 12:50   رقم المشاركة : 55
معلومات العضو
فارس المسيلي
عضو مميّز
 
الصورة الرمزية فارس المسيلي
 

 

 
إحصائية العضو









فارس المسيلي غير متواجد حالياً


افتراضي

رسالة ماجستير :حركة التصوف في الجزائر خلال القرن العاشر الهجري السادس عشر الميلادي



http://www.4shared.com/document/ZNX7...___-_-___.html

في الصفحة 185 يتكلم على العلاقات بين الطرق الصوفية في الجزائر و المغرب و كذا تونس







قراءة في بحث

" للدكتور أبو القاسم سعد الله "

حول:
السلطةوالطرق الصوفية في المغرب العربي

- في العهد العثماني –
من خلال الوثائق المحلية [1]


¨ ملخص البحث:
تناول الأستاذ سعد الله في هذا البحث جانبا مهمّا من تاريخ المغرب عموما، والجزائر خصوصا، في العهد العثماني، من خلال تسليطه الضوء على " العلاقة بين السلطة والطرق الصوفية "، تلك العلاقة التي اتسمت بالتحالف تارة، والتخالف أطوارا أخرى، وهو ما جعل المؤلف يركز في طرح إشكاليته حول العوامل التي أدت إلى تحالف السلطة الزمنية (العثمانية) مع السلطة الروحية (الطرق الصوفية)، ومن جهة أخرى تساءل عن نتائج كل من التحالف والتخالف؟ وحدد إطار دراسته بالمغرب العربي مكانا، والقرن الخامس عشر إلى الثامن عشر زمانا. واعتمد في معالجة هذا الموضوع على المصادر المحلية من كتب الرحالة والمؤرخين والمتصوفة أنفسهم.
¨ السلطة والتصوف في الجزائر: تضمن هذا الجزء محورين أساسيين:
أولا/ ظروف نشأة العلاقة بين الطرق الصوفية والعثمانيين، والتي أوعزها صاحب البحث إلى التهديدات الإسبانية والبرتغالية على السواحل المغربية، وضعف سلطة الحكام المحليين على مواجهة ورد هذه الاعتداءات، بل والتعاون مع العدو ضد مصلحة أبناء البلد مثلما وقع مع الزيانيين. وهذا ما جعل سلطان الطرق الصوفية يبرز ويتقوى، ويتجلى ذلك في الخطاب الديني الذي استعمله المرابطون لتعبئة الناس للجهاد في سبيل الله، والتفاف الناس حولهم، يأتمرون بأوامرهم، ويخضعون لسلطانهم.
وعندما ظهر نجم العثمانيين في المنطقة، نجد المرابطين يستخدمون نفس الخطاب لمبايعة العثمانيين وتحميس الجماهير للانضواء تحت لوائهم.
وجدير بالذكر – حسب تنويه الأستاذ سعد الله- أن الحركة الصوفية في الجزائر كانت موجودة وشائعة حتى قبل الوجود العثماني في الجزائر، غير أن فترتهم وحكمهم هو الذي شاع فيه التصوف بشكل ملفت للانتباه.
ثانيا/ طبيعة العلاقة بين السلطة والطرق الصوفية، التي تجسدت في التحالف تارة، والتخالف تارة أخرى.
فعلاقة التحالف بدأت في القرن الخامس عشر - نوعا ما – وطيدة، لتقارب المصالح بين الجانبين، حيث كانت الطرق الصوفية تساعد على تحميس الجماهير في التجنيد ومساعدة العثمانيين على قتال العدو المشترك (الإسبان)، ومحاربة الحكام المتخاذلين والمتعاونين مع العدو، والمقاومين للعثمانيين (الحفصيين، الزيانيين...). والعثمانيون يدعمون المكانة الاقتصادية لأصحاب الطرق الصوفية، ويحفظون لهم امتيازاتهم.
لذلك يعتقد الدكتور سعد الله أن كلا الطرفين استفاد من التحالف مع الآخر، بل العثمانيون كان لهم الحظ الأوفر من هذه الفائدة، لكونهم استطاعوا بسط نفوذهم على البلاد، والتحكم فيها فيما بعد، بأقل الخسائر الممكنة. ومن النماذج التي ساقها المؤلف عن هذا التحالف: تقريب أسرة أولاد الفكون، والتحالف مع الشيخ أحمد بن يوسف الملياني...
أما علاقة التخالف والاصطدام، فقد بدأت في القرن السابع عشر، الذي يوصف بفترة الانتعاش والرخاء الاقتصادي بفضل غنائم الأسطول، واستتباب السلطة في أيدي العثمانيين، ما جعلهم يعزفون بشكل أو بآخر عن الاستعانة بالصوفيين.
ومن رجال الدين الذين عارضوا السياسة العثمانيةالقائمة على الظلم والسيطرة: محمد بن سليمان الجزولي، الشيخ أحمد بن الصخري، الشيخ عيسى الثعالبي، وغيرهم.
واعتمد المؤلف في رسم صورة التصوف خلال القرن السابع عشر في الجزائر على جملة من المؤلفات المحلية مثل "كعبة الطائفين" لمحمد بن سليمان الجزولي، "البستان" لمحمد بن مريم المديوني، و"منشور الهداية" لعبد الكريم الفكون.
¨ السلطة والمتصوفة في تونس:
من أهم المؤلفات التونسية في هذا المجال: ذيل بشائر أهل الإيمان لحسين خوجة، الحلل السندسية للوزير السراج، الشهب المخرقة لأحمد برناز...
واستخلص المؤلف من خلالها أن العلاقة كانت وطيدة بين السلطة ورجال التصوف، يقربونهم ويهدونهم ويشيدون لهم القبب والزوايا، لكن هذا الصفاء شابته غيوم الظلم والتسلط من الأتراك، مثل مواقف الداي محمد طاطار من العلماء، ومراد باي الثالث، وعلي باي...
¨ السلطة والمتصوفة في ليبيا:
كانت ليبيا تحت نفوذ الطريقة الزروقية (نسبة إلى الشيخ أحمد زروق المغربي)، التي وقفت في وجه البدع والخرافات التي انتشرت في ليبيا من غلاة الصوفية، ومن هؤلاء يذكر الدكتور أبوالقاسم سعد الله "محمد بن علي الخروبي"، و"عبد الرحمان الاخضري" الذين ذاع صيتهما في الجزائر، وكان الخروبي على علاقة طيبة ومتعاون إلى حد كبير مع العثمانيين في الجزائر.
وأشار أيضا إلى الشيخ عبد السلام الأسمر الذي عارضه محمد باشا وعثمان باشا، ولم يشرح سبب هذه المعارضة.
ومن المؤلفات التي عارضت السياسة العثمانية ووجهت لهم الاتهامات كتاب "فتح العليم" لعبد السلام بن عثمان، كما أشار إلى رحلة الورتلاني المعروفة بنزهة الأنظار، التي ضمّنها مواقفه من أصحاب السلطة في ليبيا كرجل دين.
¨ السلطة والمتصوفة في المغرب:
رغم اختلاف النظام السياسي في المغرب عن باقي الأقطار المغاربية، إلا أن العلاقة بين الطرق الصوفية والسلطة الحاكمة لا تختلف عن مثيلاتها في الجزائر وتونس وليبيا. كما أن المغرب يعتبر منبعا لكثير من الطرق الصوفية التي انتشرت في باقي الأقطار.
ومن أهم المصادر التي تناولت الموضوع في القرن السادس عشر " كتاب وصف إفريقيا" لحسن الوزان، الذي تحدث عن المتصوفة في المغرب "حديثا مرا وصريحا".
وكانت السلطة في المغرب تدعم هذه الطرق الصوفية، إما إرضاء لأصحابها ودفعا لنقمتها، أو إيمانا بتعاليمها، على حد تعبير الدكتور سعد الله.
غير أن هذه العلاقة اتجهت للتأزم في العهد السعدي، بسبب تعاظم قوة ونفوذ الزوايا وشيوخها، حيث حاول السعديون تقزيم هذه القوة بتحويل الزوايا إل مراكز علمية واجتماعية، لأنها أصبحت تنافسهم في سلطتهم الزمنية.
¨ استخلاص ونقد:
بعد هذا العرض المختصر لأهم ما احتوى عليه هذا البحث، نورد هذه الملاحظات التي أمكننا تسجيلها:
1. تبدو في هذا المقال لأول وهلة شخصية الدكتور سعد الله ومنهجه الدقيق في البحث العلمي، الذي يعتمد فيه على البحث والتقصي، والمقارنة والاستدلال والاستنتاج، ويوصلنا إلى الحقيقة العلمية بأسلوبه السلس العذب، بعيدا عن التكلف والمبالغة.
2. لا يمكن بمكان تجاهل مدى أهمية اعتماد المؤلف على المصادر المحلية في الإجابة عن الإشكالية المطروحة، فقد رسمت هذه المصادر صورة للأحداث التي وقعت بروح عصرها، وهي " تعكس بصدق وجهة النظر الداخلية المنبثقة من الواقع والمتماشية مع المعطيات التاريخية، عكس الكتابات الغربية والأرشيفات الأوروبية التي لا تقدم لنا - في أغلب الأحيان - سوى وجهة النظر الخارجية التي تعكس اهتمامات الأوروبيين، ولا تتماشى وطبيعة الأحداث" [2] التي مرت بها المنطقة في فترة من الفترات. [3]
وفي الحقيقة مهما تكن في المصادر المحلية من مبالغات أو مزايدات، فالباحث الفطن هو من يحسن استخدامها، ليصل إلى إعادة رسم الصورة الأقرب إلى الحقيقة، وفق معايير دقيقة، لا وفق هواه، وهذا ما قام به الدكتور أبو القاسم سعد الله.
3. الدكتور أبو القاسم سعد الله- كعادته فيما يكتب- أثار في هذه الدراسة عدة إشكاليات تستحق أن نعالجها، وهي بمثابة مفاتيح لبحوث جديدة في غاية الأهمية، خاصة إذا علمنا أن هذا الموضوع -على أهميته- مازالت عديد جوانبه مبهمة أو مغفلة، وتحتاج إلى جهود الباحثين لكشفها والتدقيق في جوانبها، خاصة فيما يتعلق بعلاقة التأثير والتأثر بين الطرق الصوفية في الأقطار المغاربية، أوالمقارنة بين علاقة الطرق الصوفية والسلطة في الأقطار المغاربية، وغيرها...
4. بالنسبة لعلاقة السلطة بالطرق الصوفية، والعكس، فيجمع معظم الدارسين لها، على وجود علاقة التحالف تارة والتخالف تارة أخرى، ومهما تعددت أسباب هذا التأرجح في العلاقات فهي ليست بالظاهرة الجديدة في العلاقات بين الساسة ورجال الدين، ونعتقد أن العثمانيين لو وجدوا ضالتهم في غير شيوخ الطرق الصوفية لتدعيم حكمهم في المناطق التي سيطروا عليها لفعلوا ذلك، فالأحداث التاريخية المتعاقبة ساهمت بدور فعال في صناعة السياسة العثمانية تجاه الطرق الصوفية، من تقريب في وقت الشدة، أو إبعاد و تهميش في وقت الرخاء، وما أكثر الأمثلة على ذلك مما ساقه الدكتور أبو القاسم سعد الله من خلال المصادر المحلية.
5. لكن الإشكالية الأهمَ التي نعتقد أنه يجب أن تُطرح بإلحاح في هذا المقام – ولم يتطرق إليها صاحب هذه الدراسة- هي حول نتائج وآثار هذه العلاقة على السكان المحليين؟ فأين موقع الجماهير من هذه العلاقة؟ وماذا استفادت منها؟ وهل صحيح أن علاقة التحالف كانت عبارة عن "تواطؤ" بين رجال الدين والسلطة الحاكمة لتحقيق مآرب كل طرف، واقتسام المنفعة المتبادلة بينهما دون الاهتمام بالطبقة الشعبية العريضة؟
ثم هل كانت أسباب علاقة التخالف وحركة التمردات التي قادها زعماء الطرق الصوفية بدعوى الظلم والتعسف من طرف الحكام الأتراك في حق العامة، هي أسباب حقيقية، أم مجرد مطية استخدمها رجال الدين لاستخدام العامة من الشعب في استعادة نفوذهم الذي لم يستفد منه العامة في وقت الرخاء؟
6. فالمعروف أنه في منتصف القرن الثامن عشر عندما شحت موارد الأسطول وغنائم البحر، حاولت الإدارة العثمانية إيجاد مصادر أخرى للدخل ، فالتفتت إلى المناطق التي كانت تحت حكم العائلات الكبيرة، لتفرض الضرائب عليها، وهنا تعارضت المصالح، وتوترت العلاقة، مما أدى إلى نشوء عدة ثورات ضد العثمانيين بقيادة رجال الدين.
فالعامة إذن كانت تنساق للحرب لأنها مضطهدة، ورجال الدين لأنهم فقدوا امتيازاتهم أو لأنهم يبحثون عن توسيعها أكثر، وهكذا بقيت الروح القبلية هي المسيطرة على المجتمع الجزائري خلال هذه الفترة، فلم يكن الشعور الوطني الموحد يدفعهم، بل الحاجة والمصلحة.
7. ويمكن القول أن كلا من الطرق الصوفية والسلطة العثمانية قد استغلت بساطة الجزائريين وسذاجتهم لتحقيق أغراض خاصة، وإلا كيف نفسّر انتشار ظاهرة الدروشة والبدع والخرافات على يد متصوفة متطفلين في ظل تشجيع السلطة العثمانية؟
يقول المؤرخ الأمريكي وليم سبنسر أن الاعتقاد في الأرواح الشريرة وتدخل قوات المرابطين كان قويا [3] وهذا يجعلنا نتساءل عن مدى فعالية الطرق الصوفية سياسيا وثقافيا؟ وإذا كانت لها سلطة التأثير وتعبئة العامة فلماذا لم تستغلها لتصل إلى السلطة الزمنية -خاصة في الجزائر- ؟ أم أن ذلك كان خارج اهتماماتها بسبب أطماعها الاقتصادية التي كانت تلبيها لها الإدارة العثمانية!
ويذكر الدكتور أبو القاسم سعد الله في تاريخ الجزائر الثقافي (ج1/ ص 470) أن العثمانيين كانوا يكثرون من الهدايا والعطايا لرجال الدين عامة، والمرابطين خاصة، إرضاء لهم وتقربا منهم، وهو الأمر الذي يثبته الشيخ الفكون في منشوره، والورتلاني في رحلته. كما لم ينف وجود طائفة من العلماء والصلحاء من رجال الدين تنصح للحكام وتقف ضد ظلمهم للعامة، لكن هذه الفئة بقيت مهمشة، ولم يثمر تأثيرها في السياسة العثمانية أي تغيير في الأوضاع، بدليل كثرة الثورات والتمردات خاصة خلال القرن الثامن عشر.
كل هذا يقودنا إلى القول أن السلطة الزمنية (العثمانية) عرفت كيف تتحكم في زمام الأمور من خلال التقرب من الصوفية، وإضفاء هالة من التقديس الأعمى عليهم، ورسخت لديهم مفهوم "التفكير الغيبي" في مقابل تعطيل "التفكير العقلي"، وهمشت بالمقابل الداعين إلى الإصلاح.
ومن المنطقي أن تتأرجح العلاقة - بين السلطة الروحية والسلطة الزمنية- بين التحالف والتخالف طيلة هذا العهد، لأنها محكومة بمعايير السياسة والمصلحة الخاصة، لا بمعيار الدين والعدل والمصلحة العامة.
ويبقى هذا الموضوع يحتاج إلى دراسة وبحث جديين، لنخرج منه بنتائج دقيقة، وأحكام صادقة يمكن تعميمها على هذه الفترة من تاريخنا الذي مازال مغفلا.
إعداد الباحثة: حفيظة بن دحمان
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ
1. هذا البحث في الأصل هو جزء من كتاب بعنوان "على خطى المسلمين" لمؤلفه الدكتور "أبو القاسم سعد الله"، تسلمنا هذه النسخة من الأستاذ سعد الله لقراءتها والتعليق عليها في إطار الأعمال الأسبوعية التي نقوم بها في السنة التحضيرية للماجستير ( تخصص: الدولة والمجتمع في المغرب الكبير)، والكتاب لا يزال تحت الطبع (مارس 2009 ).
2 . سعيدوني ( ناصر الدين)، ورقات جزائرية، ط 1، دار الغرب الإسلامي، ص 589
3. الجزائر في عهد رياس البحر، تعريب وتقديم عبد القادر زبادية، ط 1، (ش،و،ن،ت الجزائر 1980) ص 105

__________________






الأعضاء الذين قالوا بارك الله فيك/ شكراً لـ فارس المسيلي على المشاركة المفيدة:
قديم 2011-10-17, 13:50   رقم المشاركة : 56
معلومات العضو
محمد جديدي التبسي
عضو فضي
 
الصورة الرمزية محمد جديدي التبسي
 

 

 
إحصائية العضو









محمد جديدي التبسي غير متواجد حالياً


افتراضي

مذكرات خير الدين بربروس تترجم لأول مرة من التركية إلى العربية من طرف الأستاذ محمد دراج أستاذ التاريخ الحديث بجامعة الجزائر

المذكرات موجود في ملفات مضغوطة و مجزأة حتى يسهل التحميل

الجزء الأول
http://www.9alam.com/up/do.php?id=1036


الجزء الثاني
http://www.9alam.com/up/do.php?id=1037


الجزء الثالث
http://www.9alam.com/up/do.php?id=1038


الكتاب على شكل

pdf

http://www.archive.org/download/Khay...hayr-Adden.pdf

أرجو الإستفادة للجميع






قديم 2011-10-17, 14:28   رقم المشاركة : 57
معلومات العضو
محمد جديدي التبسي
عضو فضي
 
الصورة الرمزية محمد جديدي التبسي
 

 

 
إحصائية العضو









محمد جديدي التبسي غير متواجد حالياً


افتراضي


الجزائر في ظل الحكم العثماني

كان لظهور الأتراك في الجزائر دورا فعالا في إنقاذ هذا البلد من الاحتلال الاسباني، الذي كان أمرا واقعا لا محالة، لذلك قبل السكان بالانضواء تحت لواء الخلافة العثمانية بعد الاستنجاد بالأخوين "عروج وخيرالدين برباروس". وكان لرابطة الدين الدور الرئيسي للقبول، خاصة وأن الصراع بين المسلمين والصلبيين كان على أشده، فقد بذل العثمانيون جهودا كبيرة في حماية الجزائر من التحديات الاستعمارية طيلة ثلاثة قرون من الزمن تحفظ لهم في التاريخ.

– إلحاق الجزائر بالخلافة العثمانية:
بعد استشهاد عروج كان خيرالدين قد أعلن تبعيته للسلطان العثماني "سليم الأول" ليس لأنه كان من أصل تركي، ولكن بعد بروز الخلافة العثمانية بوصفها أكبر دولة إسلامية تتجه نحو حماية المسلمين، لذلك قرر خيرالدين إلحاق دولته الناشئة بالخلافة العثمانية، فأرسل إلى السلطان العثماني يعرض عليه مباعيته، وحدث ذلك عام 1518م، فكان رد السلطان القبول وكان وقتذاك بالقاهرة، فأرسل إليه "2000 جندي مسلحين بالبنادق وعددا من رجال المدفعية والمتطوعين، وبل وقام بتوجيه رسائل إلى حكام تونس وتلمسان يحذرهم فيها من الاعتداء على إمارة الجزائر، وبعد تعيين خيرالدين حاكما للجزائر صار يلقب بالبايلرباي، وأصبحت الجزائر من إحدى ولايات الدولة العثمانية، وغدت قوة لا يستهان بها على المستوى الدولي.
** مراحل الحكم العثماني:
استمر الحكم العثماني بالجزائر من 1518م إلى غاية الاحتلال الفرنسي عام 1830م وقد مر بأربعة عهود هي:
1- عهد البايلربايات: 1518-1587م:
تميزت هذه المرحلة بالقوة وتوطيد ركائز الحكم، وتوحيد رقعة البلاد والقضاء على التوسع الاسباني وعلى الكثير من التمردات، وقد اتخذ خيرالدين من مدينة الجزائر مركزا لحكومته، وعين "أحمد بن القاضي الغبريني" سلطان جبل كوكو ( تبعد 18كلم من أربعاء نايت ايراتن ببلاد القبائل) حاكما على بلاد القبائل والناحية الشرقية، ومن مميزات هذا العصر:
أ- على المستوى السياسي:
تم إلحاق الجزائر بالخلافة العثمانية، وأصبحت الجزائر إحدى ولايات الخلافة العثمانية، مما جعلها تكتسب قوة في الداخل والخارج.
وقد استطاع البايلربايات أن يحققوا الوحدة الإقليمية والسياسية للجزائر، التي امتد نفوذها وسيطرتها إلى كل الجهات شرقا وغربا وجنوبا، والقضاء على كل الإمارات المحلية: إمارة تلمسان، الإمارات الحفصية، قسنطينة وعنابة، وإمارة جبل كوكو، ويعد السلطان "صالح رايس"( 1552-1556) البطل في تحقيق هذه الوحدة، لاجتهاده في مد نفوذ الأتراك إلى واحات الجنوب وقضى على الدولة الزيانية بتلمسان، وقام بفرض طاعة سلطة الجزائر على كل المناطق، لتصل تخوم الجزائر إلى ما هي عليه الآن.
أما على مستوى العلاقات السياسية، فبفضل امتلاك الجزائر لأسطول قوي، فقد استطاعت أن تفرض إرادتها على الدول الأوروبية وإرغامها على دفع إتاوات مقابل ضمان الأمن والسلام لمراكبها في حوض البحر الأبيض المتوسط، وما يعاب على هذه العلاقات هو بدء تسرب النفوذ الفرنسي إلى الجزائر، نتيجة للعلاقات الطيبة التي كانت تربط بين البلدين، وبسبب عداء الجزائريين والأتراك للأسبان، إضافة إلى تنافس فرنسا التقليدي حول وراثة مشاكل القارة الإفريقية. " وتعود العلاقات الطيبة بين فرنسا والدولة العثمانية إلى أيام السلطان سليمان القانوني وفرانسوا الأول، حيث حصلت فرنسا على امتيازات واسعة في أملاك الخلافة العثمانية عام 1535، وهو كما سنرى سيمهد إلى تلك النهاية المأسوية للدولة الجزائرية بالاحتلال الفرنسي لها…".
ب- على المستوى العسكري:
– في عام 1519 م:
قامت اسبانيا بشن حملة على الجزائر ولكنها منيت بهزيمة نكراء، في وقت تمرد فيه احمد بن القاضي وقطع خط الرجعة على خيرالدين إلى الجزائر وهو في جهاده ضد الأسبان، إذ استقر بالجزائر مدة 06 سنوات من(1521-1527م) وهو يحارب الأسبان إلى أن تمكن من فتح الجزائر من جديد وكان ذلك عام 1527م. والقضاء على الحصن الاسباني ببرج الفتار في 16/05/1529م. " وأسر الأسبان الموجودين فيه وكان عددهم 700 جندي ووصلوا البرج بالساحل وانشئوا رصيفا لحماية الميناء، فأصبح ميناء الجزائر في غاية الروعة، وأقاموا قرب البرج ثكنة عسكرية واعتبارا من ذلك التاريخ تأسس أوجاق الجزائر واستمر الأمر حتى 1830م".
– حملة أندري دوريا الاسبانية على مدينة شرشال عام 1531م:
انتقاما للهزيمةالتي منيت بها اسبانيا عام 1519م دخلت على مدينة شرشال عام 1531م وعاثوا فيها فسادا وخرابا وتقتيلا، عندها تدخل خيرالدين بقواته فاضطر الأسبان إلى التراجع والفرار، ونظرا للقدرة والجدراة التي يمتلكها خيرالدين تم استدعاؤه إلى القسطنطينية عام 1535م ليعين وزيرا على رأس البحرية أو أمير البحر العام لجميع الأسطول العثماني، فلبى النداء واستخلفه نائبه محمد حسن آغا على رأس الدولة الجزائرية.
– حملة شارلكان الاسبانية على الجزائر 1541م:
برحيل خير الدين اعتقد الأسبان أن الأمر أصبح سهلا لاحتلال الجزائر وطرد الأتراك، فاحتلوا موانئ تونس وشارك في الصراع ضدهم خيرالدين نفسه، ثم قاموا بحملة قادها شارلكان نفسه ونزلوا بجهة حسين داي يوم 23/10/1541م . كان مصيرها الفشل. " ولقد شوهد شارلكان لأول مرة في تاريخه يبكي على الخسائر التي مني بها جيشه وأسطوله". وبعد هذه الهزيمة حولوا جهدهم إلى الناحية الغربية إلى إمارة بن زيان الضعيفة وذلك لنجدة الأمير الزياني عبد الله ضد شقيقه احمد، فأبيدت حملتهم عن آخرها، بالقرب من عين تموشنت عام 1543م ، وأعادوا الكرة على تلمسان في العام الموالي فاقتحموها ونهبوا خزائنها، ونصبوا فيها عبد الله الزياني مدة إلى أن ثار السكان ضده، فطردوه وأعادوا أخاه احمد، ليتم في نهاية المطاف إلحاق تلمسان بالجزائر وعزل أسرة بني زيان عام 1554م.
فتح بجاية:
لم يكن صالح رايس يهتم إلا بمحاربة الأسبان، وكان يرى أنه من الضروري فتح مدينة وهران أولا ثم النزول بالبلاد الاسبانية، وفي إحدى الأيام وصلت إليه أنباء بوهن القوى الاسبانية ببجاية، فجهز حملة قوية في جوان 1555م واقتحم المدينة واستطاع تحريرها، وتم إزالة أثر الاحتلال الاسباني بالساحل الشرقي (القل)، وفي المقابل ظلت مدينة وهران تحت الاحتلال، وقد كان هم "صالح رايس" هو تحرير وهران والاتجاه صوب الأندلس في وقت كان فيه التراجمة اليهود يحاولون الوصول إلى اتفاق حربي- سياسي ضد الجزائر يقضي عليها ويقسمها، فوصل الخبر إلى الجزائر، فأبلغت بدورها السلطان "سليم" في اسطنبول، الذي كان رده سريعا وحاسما بوجوب فتح وهران قبل أن تستقر المفاوضات بين مراكش والأسبان عن نتائج عملية، فأرسل السلطان مددا بحريا كبيرا، وفي والوقت الذي كان يتأهب فيه صالح رايس للإقلاع أصيب بالطاعون وتوفي عام 1556م، فحمل يحي الراية مؤقتا ليأتي أمرا من السلطان يأمر فيه برفع الرايس حسان قورصو إلى منصب البايلرباي، ووصل الجيش إلى مدينة وهران التي حوصرت حصارا شديدا ولكن لم يتمكنوا من فتحها بسبب الرد الاسباني العنيف، فتم الاضطرار إلى رفع الحصار ورجع حسان قورصوا يالجيش البري إلى الجزائر، وما كان من الشريف السعدي بالمغرب الأقصى إلا أن ينتهز هذه الفرصة ليقتحم تلمسان وعين على رأسها ابن غانم زعيم قبائل بن راشد.
– أحداث 1557م:
عاشت الجزائر أثناء ذلك أحداث وقلائل خطيرة، فعقب وفاة صالح رايس حدث هيجان شديد نتيجة غضب الانكشارية من انسحاب الأسطول العثماني أثناء محاصرة مدينة وهران، إضافة إلى ما أصابهم من متاعب وعدم الرضا عن الأداء في الحرب.
بعد مصرع حسان قورصو والبايلرباي محمد باشا، اضطر السلطان إلى إعادة تعيين حسن بن خير الدين ثانية نظرا لما يمتلكه من قدرة في مخاطبة الأهالي وصداقته لجميع الرياس، وقد وصل الجزائر عام 1557م، وبهذه القوة وقوة الجزائر تمكن من إقرار السلم والأمن، وقد تمكن حسن بن خير الدين من استرجاع تلمسان وبفتح مدينة مستغانم في 26/08/1558م.
وهكذا أصبحت للجزائر هبة تتخطى حدودها وأصبح لقادتها وأسطولها دورا كبيرا في أحداث منطقة البحر الأبيض المتوسط، وفي مراحل تالية جرت محاولات لدخول المغرب الأقصى في ولاية البايلرباي "قايد رمضان" وعاود "جعفر باشا" المحاولة ولكن تم رفع الحصار نتيجة لتوسلات حكومة فاس إلى السلطان العثماني.
جـ-على المستوى الإداري:
عرف الجهاز الإداري للجزائر في العهد العثماني تطورا ملحوظا، وذلك منذ استقرار الحكم التركي بالجزائر، وامتد نفوذ السلطة التركية إلى معظم المناطق الشرقية والغربية والجنوبية للبلاد، وقد اهتم البايلرباي حسن باشا بن خير الدين في ولايته الثانية بتنظيم إدارتها، حيث قسمها إلى أربعة بايلكات (عمالات):
- بايلك الجزائر ومركزها مدينة الجزائر.
- بايلك الشرق ومركزها مدينة قسنطينة.
- بايلك التيطري ومركزها مدينة المدية.
- بايلك الغرب ومركزها مدينة مازونة ثم معسكر ثم وهران.
وكان ولاة هذا العهد كلهم أقوياء اثبتوا جدارتهم سواء في الداخل أو الخارج، وبفضل مركزهم ومكانتهم مدوا سيطرتهم على تونس وطرابلس، وتحكموا في تسييرها والوصاية عليها، فبحكم لقبهم البايلرباي يعينون باشوات تونس وطرابلس، وذلك نيابة على الدولة العثمانية وكذا من يخلفهم بالجزائر.
د - على المستوى الاقتصادي والعمراني:
أما على المستوى الاقتصادي والعمراني، فقد اهتم البايلربايات بتشييد المساجد وسخروا الأوقاف الطائلة على مشاريع البر والإحسان، وقاموا بتأجير المياه في سبيل المنفعة العامة، وشهدت مدينة الجزائر العاصمة خاصة حركة عمرانية كبيرة: بناء الحصون، المدارس، القصور، حمامات، مستشفيات، وقلاع ضخمة لا تزال آثارها شاهدة إلى الوقت الحالي. وقد لعب مهاجري الأندلس دورا كبيرا في الازدهار العمراني بفضل ما يتمتعون به من خبرة فائقة في مجال الزخرفة والعمارة.
ومن الناحية الاقتصادية امتازت البلاد بغناها الاقتصادي الكبير مصدره الثروات الزراعية والحيوانية، وما يأتيها من أموال الزكاة على الماشية والحبوب والزيتون وأنواع المدخولات الأخرى من رسوم وضريبة الصادرات وأموال الجزية التي كانت مفروضة على الدول الأوروبية، وعلى المستوى الصناعي فقد عرفت الصناعة تطورا كبيرا مثل: صناعة النسيج، البرانس، الزرابي، والحياك، كما كانت تصدر كميات وفيرة من الحبوب والبضائع: الصوف، الجلود، الشمع والنسيج إلى الخارج.


2- عهد الباشوات (1587-1659):
أ– أسباب استبدال نظام البايلربايات بنظام الباشوات:
- الصراع القائم بين طبقة الرياس وجنود الانكشارية, منذ نشأة الدولة الجزائرية فقد قامت وتأسست على أكتاف رجال طائفة الرياس مثل خيرالدين ومن خلفه، وبالتالي كان هذا الصراع من الأسباب الرئيسية التي دفعت غلى تغيير النظام السابق.
- طوال فترة حكم البايلربايات ظلت الانكشارية تثير تخوفات وشكوك الباب العالي في نية البايلربايات، الأمر الذي جعل من رجال الدولة العثمانية يرون أن السلطة في الولايات الثلاث: الجزائر, تونس, طرابلس تحت حكم رجل واحد قد يشكل خطرا على الإمبراطورية العثمانية, وبالتالي لابد من تقسيم الحكم وفصل الولايات عن بعضها البعض، وإسناد كل إدارة إلى باشا يحكم لمدة ثلاث سنوات, وذلك لإحكام السيطرة على البلاد ومنع حدوث أي تمرد ضدها.
- نظرا للنفوذ الذي كان يتمتع به البايلربايات، ولفضلهم في فتح كل من تونس وطرابلس وإلحاقها بالدولة العثمانية إضافة إلى الفترة غير المحدودة للحكم، بدأت الدولة العثمانية تشم رائحة التمرد ومحاولة الانفصال والاستقلال بهذه البلاد، لاسيما أن الشقة كانت بعيدة بين الجزائر والقسطنطينية، لذلك فكرت في تغيير النظام السابق بنظام الباشاوات عله يحقق لها السيطرة الكاملة على البلاد.
– سياسة الباشاوات: إن تعيين الباشا لمدة ثلاث سنوات على رأس الحكم قد جعل منه يشعر أنه ليس بحاجة لولاء الشعب مادامت مدة ولايته محدودة، فأصبح همه الوحيد هو جمع أكبر قدر ممكن من الأموال طوال فترة حكمه, ويحصل الباشوات على هذا المنصب بشرائه من الباب العالي عن طريق دفع الرشوة أو الهدايا نظرا للأموال الطائلة التي يدرها هذا المنصب, وما دام الحصول على الثروة أصبح هدفا أساسيا للباشوات، فقد باتت قضية الحكم لهم مسالة ثانوية, ومن ثم غدت السلطة فاقدة لعنصر التآلف والتآخي والمحبة والدفاع عن راية الإسلام, وبات ولاء الانكشارية للمال والنفوذ والسلطة, أما بالنسبة للفداء والتضحية والتفاني فقد أصبحت مبادئ ميتة منذ أن تخلى السلطان عن مسؤوليته.
وكان من نتيجة هذه السياسة هو زيادة سخط العلماء والذين كانوا يحذرون من عواقب وأخطار هذه السياسة ويقدمون لهم النصح بضرورة إقامة العدل والاهتمام بشؤون الرعية والحرص على مصالحها, التي أرهقت بالضرائب والتكاليف التي لا تحتمل فظهرت القلائل وتمردت القبائل.
وبعد تفاقم الاضطرابات والصراع على الحكم تم القضاء على نظامهم عام 1659م أين تم القضاء على سلطة الباشا وأحيلت السلطة التنفيذية للآغا رئيس فرقة عسكرية بشرط أن لا تتجاوز مدة حكمه شهرين(02 شهر)، في حين أعطيت السلطة التشريعية إلى الديوان، وهكذا أصبحت طائفة الديوان تحتل مكانة ثانوية في الحكم.
ب– أبرز أحداث عهد الباشوات:
إذا كان عهد البايلربايات يمثل عهد رجال البحر والرياس الذين صانوا الشمال الإفريقي من الأسبان، فإن عهد الباشوات يمثل عهد موظفي عهد الخلافة العثمانية، وإذا كانت الوحدة في الشمال الإفريقي تشكل عنصر قوي تعتز به الدولة العثمانية وتحافظ عليه، فقد أصبحت تشكل مصدر خطر وقلق بالنسبة لها ويثير مخاوفها من انفصال الجزائر. " لأن المبدأ الذي اعتمدته بتجديد مدة الباشا بثلاث سنوات، قد أثار في نفس الباشا مسألة الفصل بينه وبين رعيته الأمر الذي يدفع مباشرة إلى جمع المال وشراء المناصرين له طمعا بالمطالبة به لعهدة أخرى، والباشا المعين مدرك تماما أن قضاء الفترة المحددة لن يتم إلا إذا زاد في تعميق الخلاف بين العناصر الانكشارية وطائفة الرياس".
– على الصعيد الخارجي:
- في عام 1588م هاجم أحمد باشا شواطئ نابولي صقلية والدولة البابوية وكورسيكا واسبانيا، وعاد بثروة ضخمة إلى الجزائر ثم خلفه "خضر باشا" الذي واصل الجهاد ونال شهرة عظيمة.
- بعد فشل الحملة الاسبانية على مدينة الجزائر عام 1601م . والتي وضع خطتها قرصان فرنسي "روكي" عمل باشوات الجزائر على وضع حد لامتيازات التجار الفرنسيين فقام الباشا خضر بتحطيم المركز الفرنسي بالقالة وأسر رواده.
- بعدها أخذ الفرنسيون يعتدون على السفن الجزائرية وكان رد الجزائر بالمثل، حيث أسر القنصل الفرنسي.
- تعقدت العلاقات الفرنسية مع الجزائر من جهة ومع الخلافة العثمانية من جهة أخرى، فاضطرت فرنسا إلى التفاوض وإبرام معاهدة بتاريخ 19/09/1628م. نصت على مايلي:
— إطلاق صراح الأسرى من الجانبين.
— التوقف عن الأسر من الجانبين.
— مسالمة البواخر الفرنسية في البحر.
— تعيين قنصل فرنسي بالجزائر يتمتع بحصانة.
– إعادة بناء المركز الفرنسي بالقالة.
- لم تحافظ فرنسا على نصوص المعاهدة وقامت بالاعتداء المتكرر وقتلت الكثير من الجزائريين، وكان رد الجزائر بالمثل بتتبع مراكب فرنسا وأسر ما فيها.
- سوء العلاقة السياسية بين الجزائر وتونس بسبب تدخل البايات التونسيين في بشؤون شرق الجزائر، وتمت المصالحة بين البلدين بإبرام معاهدة صلح عام 1628م.
– على الصعيد الداخلي:
لقد اشتد الصراع بين القوة العسكرية وطائفة الرياس وبات ضباط الإنكشارية يتطلعون إلى السيطرة والحكم بشتى الوسائل، فحاول ولاة البايلربايات التخلص من عناصرها المتمردة وإدماجها في فرقة البحارة وتحت سلطة الرياس واستحداث فرقة المشاة الجزائريين، إلا أن كل هذه المحاولات باءت بالفشل، وأصبحت البلاد مهددة في عصر الباشوات فاضطربت البيئة وانتشر القتل والنهب والسلب.
لقد حاول البشر "خضر " التخلص من هذه الفرقة (1583م-1592م) التي لم يعد لها ولاء لا للسلطة ولا للدين ولا للشعب، وإنما للمال والنفوذ والسلطان، ولكن المحاولة فشلت وعزل الباشا خضر إلى أن تدخل السلطان العثماني وعالج الوضع بصفة مؤقتة.
وقد ازدادت عمليات السلب والنهب التي ترتكبها عناصر الانكشارية وازداد تسلطها، حيث برزت عد مظاهر تركت آثارها على البلاد وهي:
الصراع بين الانكشارية وطائفة الرياس:
هذا الصراع راح ضحيته الأهالي وذلك بسبب ظلم الانكشارية وانصراف طبقة الرياس إلى مصالحها وعدم الاهتمام بالرعية، أما الباشوات فكان همهم هو جمع أكبر قدر ممكن من المال، ونتيجة لهذه الأوضاع السياسية وغياب روح المسؤولية؛ فإن هذه الأوضاع المزرية ستتطور في المستقبل وستمهد بدون شك إلى النهاية المأسوية والتي أدت بالبلاد إلى الاحتلال.
– ثورة الكراغلة:
كان من أهم القرارات التي اتخذها الديوان ضد الباشوات هو إخضاع خزينة الدولة تحت إدارته، وإرغام الباشوات على دفع مرتبات الجنود، وقد أدى هذا الحدث إلى إشعال فتيل الثورة عام 1633م. تزعمتها عناصر الكراغلة الذين هاجموا مدينة الجزائر وحاصروا القوات التركية بالقصبة بسبب عجز الولاة عن دفع تجور الجنود، وانتهى الأمر إلى سيطرة الرايس العلج بتشيني ذو الشهرة الواسعة، ولم تمض سنوات على ثورة الكراغلة حتى نشبت ثورة أخرى، امتدت إلى أعماق الصحراء وإلى منطقة القبائل، وقد تعرض الحكم العثماني إلى هزات عنيفة وفي ميادين عدة، نجم عنها اضطراب كبير على المستوى الإداري بالجزائر.
– ثورة القبائل 1643م:
لم تكن حكومة تركيا تتدخل في شؤون القبائل منذ البداية، واكتفت منها بدفع ما عليها من ضرائب وكانت القبائل ترفض الخضوع لزعامة غير زعامتها المحلية، وقد حدثت ثورة القبائل خلال عهد الباشوات بسبب محاولة الباشوات الجمع المزيد من المال وبسرعة، واعتقدوا أن القبائل لا يمكنها أن تثور في الوقت الذي تحالفت فيه مع الكراغلة، أما الأسبان فكانوا يشجعون القبائل على التمرد طمعا في الاستيلاء على بعض المناطق، فعمت الثورة في مختلف أنحاء الجزائر ضد الأتراك، فاضطرب الأمن وخشي التجار من التحرك، وامتنع الجباة عن القيام بدور الجباية، فتناقصت موارد الخزينة ولم يعد بمقدار الباشا حتى دفع مرتبات الجنود، وتزامنا مع ثورة القبائل نشبت خلاف بين ولاة تونس والجزائر من جهة، والفرنسيين من جهة أخرى، إضافة إلى كارثة لافلون. " فقد استنجد الباب العالي بأسطول الجزائر لمساعدته في حروبه في منطقة البحر الأدرياتيكي بشرق المتوسط، وذهب العلج بتشيني على رأس هذا الأسطول، واضطرته العواصف الهوجاء إلى الاحتماء ببعض الموانئ الإيطالية لافلون، حيث تعرض لهجوم غادر أدى إلى تحطيم نصفه تقريبا ومقتل الكثير من قادته، ورغم أن الباب العالي وعد بتعويض تلك الخسائر إلا أنه لم يف بعهده، مما جعل الجزائر تعمل بجد على معارضة كل التعليمات التي تأتي منه ما دامت لا تكترث بما يجري من أحداث واضطرابات في الداخل".
وفي أواخر عهد الباشا إبراهيم (1656-1659م). قامت ثورة عارمة ضده تزعمها رياس البحر
والانكشاريون". أما الرياس فثاروا بسبب قيام الباشا "ابراهيم" بحرمانهم من المبالغ المالية التي خصصها لهم الباب العالي كتعويض عن الخسائر التي مني بها في الادرياتيكي والتي دفعت كرشاوى لرجالات الدولة في القسطنطينية حتى يبقوه في منصبه، وقد هاجم الرياس قصره واعتقلوه وحبسوه ثم رحل. وأما الانكشاريون فكانوا يحاولون اغتنام فرصة الاستيلاء على الحكم فقاموا بانقلاب مفاجئ على الرياس وقضوا على سلطة الباشا وإسناد السلطة التنفيذية للآغا على أن لا تزيد مدة حكمه عن شهرين فقط.
إن ظلم الانكشارية وعصية البحارة وفساد الإدارة وعدم تنفيذ أوامر الإدارة المركزية، إضافة إلى ثورة الكراغلة التي أدت إلى تعقد الوضع الداخلي واتساع الهوة بين المجتمع والسلطة وعدم الثقة كلها عوامل أدت إلى القضاء على نظام الباشاوات وسيطرة الانكشارية على الحكم، حيث تقرر إعطاء السلطة التنفيذية للأغا (رئيس الفرقة العسكرية يشرط أن لا تتجاوز مدة حكمه شهرين) أما السلطة التشريعية فقد تقرر بأن تكون بيد الديوان ومن ثم أصبحت طائفة الرياس تحتل مكانة ثانوية.
3-عهد الأغوات (1659-1671):
تميزت فترة الأغوات بوضع أسوا من ذي قبل,(اهتزاز نظام الحكم, الاغتيالات, التآمر ضد الحكام, الخسائر بسبب أساطيل أوروبا, الفوضى, عدم الاستقرار, قصر مدة حكم الأغا, معظم الأغوات يموتون ميتة غير طبيعية, تغذية طائفة الرياس وإثارتها للقلائل والاضطرابات ضد الأغوات سعيا لاسترجاع الحكم.
– أبرز الأحداث:
أ-على الصعيد الداخلي: كانت مهمة الأغا كمحاولة للانفصال على الخلافة العثمانية والاستقلال بالجزائر من الناحية الشكلية, وقام هذا النظام انتقاما من طبقة الرياس، علما أن الأهالي لم يكونوا راضين على الطبقة الانكشارية, وقد ازداد هذا النظام سوءا وتفجرت صراعات داخلية, وامتنع الرياس عن تقديم الدعم الاقتصادي للانكشاريين " الطبقة الحاكمة" وكانوا يسعون إلى إثارة الاضطرابات ضد الأغوات محاولة منهم لاستعادة السلطة, وبسبب رفض الأغوات التخلي عن الحكم, فقد مات معظمهم مقتولا.
ب-على الصعيد الخارجي: لقد سعى ديوان الأوجاق إلى تحسين علاقته مع فرنسا ولكنها أعرضت واستمر القراصنة الفرنسيون في اعتداءاتهم على السفن الجزائرية في البحر وعلى شواطئ الجزائر، ودخل في الصراع إلى جانب فرنسا كل من الانجليز والأسبان والهولنديين، وكاد الأمر يتحول إلى تحالف أوروبي ضد الجزائر، إلا أن الجزائر تفطنت وفوتت الفرصة فصالحت الهولنديين عام 1663 لمحاربة الفرنسيين، وصالحت الفرنسيين لتحارب الانجليز والهولنديين، وفي عام 1671 صالحت فرنسا وهكذا.
ولقد كان لويس الرابع عشر (1643-1715) شديد الحقد على الإسلام وكانت له أطماع لاحتلال الجزائر، فأرسل إليها جواسيس (إلى القل وجيجل) منذ عام 1558. وحشدت قوات كبيرة لاحتلال القل عام 1663. ولكنها فشلت. وتعرضت لهزيمة أيضا عندما اتجهت نحو مدينة الجزائر في نفس العام, وفي عام 1664 . شن لويس الرابع عشر حملة عسكرية ضد جيجل واحتلها قرابة 03 أشهر وقد فشلت وانسحبت "وتذكر المصادر التركية أن الفرنسيين كانوا يصيحون سندخل الإسلام". ولقد خسر الفرنسيون في هذه المعركة (1400قتيل و100مدفع)، وقد اضطرت فرنسا إلى مفاوضة الجزائر وإمضاء اتفاقية في 07ماي 1666م. والتي نصت على إطلاق الأسرى من الجانبين والمسالمة؛ ليحصل هدوء نسبي بين البلدين، ثم بدأت تتدخل قوات أخرى في الصراع. وما بين 1669-1671. قام الانجليز بمحاولات عديدة على الجزائر والاعتداء على مراكبها ومينائها.
ولم يلتزم الفرنسيون بالاتفاقية التي عقدها معهم علي أغا عام 1666م. بل شاركت سفنهم إلى جانب السفن الانجليزية والهولندية, وقد أدى سخط طائفة الرياس التي ظنت أنها دفعت ثمن سياسة الأغا إلى قتل هذا الأخير، وعقب مقتله عين خمسة أغوات أو ستة في ظرف 03 أيام, وقد اقتنع عدد كبيرمن الضباط بعدم الجلوس على كرسي الأغوية لأنه يؤدي إلى الموت.
وما يمكن استنتاجه أن نظام الأغوات الذي دام 12 عاما كان يحمل بين طياته بذور فنائه، لأنه جاء نتيجة لرغبة الطبقة العسكرية الحاكمة في فرض رقابة مستمرة على السلطة التنفيذية وحرصها على تلبية رغبات رؤسائها، فسادت الصراعات والمنافسات بينهم، وقد دفع الأهالي الثمن باهظا، وتحفز الرياس لاستعادة السلطة من الأغا الذي كان همه الوحيد نزواته، فلم يعد هذا النظام قادرا على المواصلة، وتردى وضع البلاد في وقت كانت تسعى فيه الدول الغربية إلى تحطيم هذه القوة العسكرية مستندين إلى ضعف الخلافة العثمانية وانقسامها واحتدام الصراع بين أجزائها، وفشلها في إقامة أمة واحدة، وبعد اغتيال علي أغا عام 1671. ألغي هذا النظام بقرار من ديوان الأوجاق والذي عوض بنظام الدايات، حيث يظل الداي في الحكم طوال حياته دون أن يكون له الحق في تعيين من يخلفه.
4-عهد الدايات(1671-1830):
كان عصر الدايات مليئا بالمؤامرات والثورات. ولم تكن مدة حكمهم تستمر طويلا، باستثناء الداي محمد بن عثمان (1766-1791)، وفي فترة حكم هذا الداي عرفت الجزائر هدوءا نسبيا، وتغلبت على العجز الذي كانت تعاني منه في الميزانية بسبب التقشف وحسن التصرف، والسعي نحو تحقيق الازدهار. كما عرف الغرب الجزائري هو الآخر حركة نشيطة، حيث تم تحرير المرسى الكبير ومدينة وهران من الاحتلال الاسباني الذي لبث فيها ما يربو عن قرنين، ونظرا للحنكة السياسية التي كان يتمتع بها كل من محمد بن عثمان باشا والباشا محمد الكبير وصالح باي قسنطينة، فقد تمكنوا من إدارة البلاد داخليا وخارجيا، إلا أن حكومة الأوجاق بدأت منذ مطلع القرن الثامن تسير نحو الانهيار الكلي، لا سيما في الوقت الذي تتوقف فيه المنافسات الأوروبية بين بعضها البعض.
أ– الوضع الداخلي:
لا شك في أن بقاء الداي في منصب الرياسة لمدة طويلة أعطى للداي سلطة واسعة حدت من سلطة الديوان، وقد أبقى الداي على منصب الباشوية الشرفي لمدة، ليصبح في مراحل تالية هو نفسه الباشا، وبذلك استأثروا بكل مظاهر السلطة والنفوذ، واستطاعوا أن يحققوا للجزائر استقلالها الحقيقي عن الدولة العثمانية التي لم يكن لها يد في هذا الانقلاب، ولم تستطع مواجهته ولم يكن للسلطان نفوذ سوى الموافقة على تسمية الدايات الذي يعينهم الديوان. ولكن تعيين الباشا أصبح مشكلة للداي، لأن السلطان كان بواسطته يحاول استعادة ما فقد من نفوذ، وبدأ يشعر الدايات بوجود مضايقة وازدواجية في الحكم فسعوا للقضاء عليه فأدمج منصب الباشوية مع منصب الداي، وأكثر من ذلك قاوم الدايات حتى وساطة الباب العالي في المشاكل الداخلية والخارجية للجزائر، ولم يعد للسلطان أي نفوذ في الجزائر، وأصبحت تبعية الجزائر للخلافة العثمانية تبعية اسمية، وبالرغم من ذلك تميزت الأوضاع الداخلية بالقلائل والاضطرابات المستمرة، والتناحر على الحكم والاستبداد، والاغتيالات ونشوب الفتن الأهلية والتمرد والعصيان من طرف الأهالي بسبب السياسة التي انتهجها الدايات بإرهاق الأهالي بالضرائب والإتاوات، وكان التمرد والعصيان يواجه بالقوة وسفك الدماء. وفي مراحل تالية كثرت التمردات والثورات (القبائل- كراغلة تلمسان-القبائل الكبرى- سكان البليدة- الحضنة- واحات الجنوب- الاوراس). وظهرت حوادث بقسنطينة أدت إلى مقتل صالح باي عام 1792. وبعد ذلك ظهرت ثورة بن الاحرش وبعد سلسلة من الملاحقات تمكن الباي من وضع حد لابن الاحرش الذي التحق بمجموع درقاوة بالغرب الجزائري التي أعلنت الثورة على الأتراك بزعامة ابن الشريف عبد القادر الدرقاوي ليخوض معه عدة معارك مهمة، كما ثار التيجانيون بعين ماضي ضد الحكم التركي.
وكان أبرز دوافع هذه الثورات هو ما ناله الفقراء والمساكين وسائر الرعية من تعسف الأتراك وظلمهم واستخدامهم لأسلوبي القتل والطرد، إضافة إلى معاداة شيوخ الزوايا للحكم؛ الأمر الذي دفع ببعضهم إلى الانضمام ثورة ابن الأحرش(مقدم الطريقة الرحمانية، الدرقاوية)، وأصبحت الطريقة الدرقاوية القوة الرئيسية المعادية للأتراك التي قامت بتجنيد الفلاحين ضد سلطة البايلك عام 1780. واقتنع سكان الأرياف بإمكانية الثورة على سلطة الأتراك ورفض دفع الضرائب. كما ظهرت حركات تمرد أخرى بالجهات الشمالية .
وقد انتشرت هذه الحركات التمردية لتشمل أوساط القبائل الجبلية والجهات الشرقية والوسطى من البلاد، وكان من نتائجها حصول اضطرابات في الأوضاع الاقتصادية، حيث أهملت الفلاحة وحدثت مجاعات من جراء كثرة الفتن والأهوال واهتزاز المجتمع . كما أغلقت الأسواق خوفا من قطاع الطرق. إضافة إلى ظاهرة الجفاف وارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة، وانتشار الأوبئة، وانتشار الزلازل التي هلكت الكثير من الأرواح والممتلكات. فكان الوضع مأساويا حقا كما نشأت طبقة من الدخلاء غالبيتها كان من اليهود الذين لعبوا دورا كبيرا في وقوع الجزائر تحت الاحتلال الفرنسي، بسيطرة بوخريص وبوشناق على التجارة الخارجية لتتأزم العلاقات مع فرنسا . ولتكون الجالية اليهودية أموال ضخمة على حساب الجزائر وتوجه الاحداث لصالحها. وبات نفوذها على البلاد والأتراك واضحا، واصبح الحكام ألعوبة في أيديهم. هذا إضافة إلى الخطر الذي كانت تشكله الدولة الصليبية على الإسلام والجزائر والخلافة العثمانية.
ب- السياسة الخارجية:
- على المستوى المغاربي: كانت السياسة المغاربية متوترة . فكانت الجزائر تعتبر تونس إقليما تابعا لها وكانت تونس ترفض ذلك. وكانت لتونس أطماع في قسنطينة. وكان المغرب ينظر للجزائر كخطر يهدده ويجب تفاديه حتى وان اقتضى الأمر التحالف مع الغرب، وكان للمغرب أطماع قديمة في تلمسان . وقد ظهرت مؤامرات كثيرة بين البلدان المغاربية من أبرزها زحف تونس والمغرب والأقصى وطرابلس متحالفين من تونس إلى قسنطينة عام 1702. وزحف المغرب على تلمسان، وهكذا ظلت الحوادث مستمرة إلى أن بدأت التحالفات الأوروبية تتهيأ لاقتسام ممتلكات ما يسمى بالرجل المريض.
-على المستوى الأوروبي: كانت الجزائر لا سيما في عهد البايلربايات تتمتع بمكانة مرموقة، يحسب لها ألف حساب من الدول الأوروبية، إذ كانت تقدم لها الهدايا وتدفع لها الضرائب. أما الأسبان فقد استمر في حملاته الصليبية على الجزائر منها: حملة 1770 بالحراش، حملة أوريللي 1775، حملة 1784، وكلها منيت بشر الهزيمة ، وظل الأسبان في مدينة الأسبان يعيثون فيها فسادا وتخريبا.







قديم 2011-10-17, 15:13   رقم المشاركة : 58
معلومات العضو
**د لا ل**
عضو مميّز
 
الصورة الرمزية **د لا ل**
 

 

 
إحصائية العضو









**د لا ل** غير متواجد حالياً


Icon24

ربي ينجحكم جميعا ااااااااااااااااااااااااااااااااااامين يا رب العالمين







الأعضاء الذين قالوا بارك الله فيك/ شكراً لـ **د لا ل** على المشاركة المفيدة:
قديم 2011-10-17, 16:06   رقم المشاركة : 59
معلومات العضو
محمد جديدي التبسي
عضو فضي
 
الصورة الرمزية محمد جديدي التبسي
 

 

 
إحصائية العضو









محمد جديدي التبسي غير متواجد حالياً


افتراضي

العلاقات الخارجية للجزائر مع جاراتها
خلال العهد العثماني


لعبت تونس و المغرب دورا سياسيا و عسكريا في إضعاف القدرات الدفاعية للجزائر منن خلال الحروب المتبادلة بين الجارات الثلاث ( تونس ، المغرب و الجزائر) أواخر القران اتلثامن عشر و أوائل القرن التاسع عشر بعد انفصال ألإيالات عن بعضها، و تحالف المغرب مع اسبانيا لضرب مدينة الجزائر و عمل سلاطين المغرب منذ العهدين والسعدي و العلوي على مبدأ إضعاف إيالة الجزائر و إعانة العثمانيين بالمال و السلاح، ووقعت حروبا بين الجارات الثلاث، في هذهى الفترة لم ينس بايات تونس العداء التقليدي لدايات الجزائر فكان موقفهم من الجزائريين اللتاييد لألإحتلال الفرنسي الجزائري و كانت النتيجة أن الجارات الثلاث وقعت تحت سيطرة ألإحتلال الفرنسي و كان احتلال الجزائر سنة 1830 تمهيدا لإحختلال تونس و المغرب.
يقول الدكتور حنيفي هلايلي في كتابه" " أوراق الجزائر في تاريخ الجزائر في العهد العثماني" أنه لو أجرينا استقراءً للتاريخ نلاحظ أن بلدان المغرب العربي فشلت في تكوين تكتلا سياسيا موحدا يكون امتدادا لعمل الدولة الموحدية وبالرغم من محاولات شسلاطين آل عثمان في تحقيق هذا الحلم فإن العلاقات السياسية بين مختلف بلدان المغرب العربي تميزت بالتوتر و العداء فيما بينها..
ففي تونس زاد هذا التباعد السياسي عن الجزائر بعد الإنفصال تونس عن الجزائر بتكوين باشويتين مستقلتين عن بعضهما البعض، كمما لعبت الصراعات و الماحنات القائمة بين حدود الدولتين تأزما في العلاقات فقد خرق التونسيون في عهد يزوسف داي المعاهدة التي أبرمتها الجزائرمع إيالة تونس في عهد حسين باي قسنطينة عام 1614 م ، فلجأ مراد باي تونس الى استعمال القوة من خلا ل شن حملة عسكرية ضد الجزائر، انتهت بهزيمة الجيش التوةنسي في معركة السطارة قرب مدينة الكاف في لا17 ماي 1628م، و كانت هجومات باي تونس لسباب اقتصادية ارتكزت أساسا على الضرائب و التوسع في الأراضي و التعويضات ، لاسيما و أن وضع تونس كان وقتذاك حرجا جدا لتورطها في خلاف مع جمهورية البندقية ..
التنافس نفسه ساد العلاقات الجزائرية المغربية خلال المرحلة الأولى من تأسيس الإيالة، بدأت الصراعات بوضع تلمسان تحت المراقبة نظرا للعلاقة و الوشائج التاريخية القديمة التي كانت تربطهم مع الأسر، فازداد التنافس على مدينة تلمسان كمدينة حضارية لها محطة تجارية هامة، و لها استراتيجية، و كان لح الحظ من يسيطر عليها فيصبح له حق التدخل في لاعمق الجزائر و المغرب، فكانت تلمسات هدفا قجديما لحككام المغرب وهدفا لغزواتهم التوسعية منذ العهد المريني ( ملوك فاس)..
و تتضح الصورة جيدا للصراع الجزائري المغربي يقول ذات المؤلف الحملات العسكرية التي دامت ما يقارب ربع قرن من سنة 1551 الى 1576م في العهد السعدي، و للإشارة هنا أن نزول العثمانيين في المغرب العربي تصادف مع بداية حكم الأسرة السعدية للمغرب الأقصى ( 1524م)، و ساهم العثمانيون في الجزائرلا منذ مطلع القرن السابع عشر على تجزئة المغرب الى إمارات تابعة للأشراف و الزوايا و الطرق الصوفية، و يشير الدكتور هلايلي ان تجزأ المغرب ألقصى الى إمارات بعضها كان تحت ىحكم صلحاء مرابطين أصحاب زوايا كالدلائيين في الأطلس المتوسط، أو السملاليين في سوس، و بعضها بيد مجاهدين كمحمد العياشي الذي حارب البرتغاليين في البريحة ثم أفسبان في المعمورة، و بعضها كانت تمثل جمهوريات حرة كسلا و تطوان و كان اغلب سكانها من سكان الأندلس..






قديم 2011-10-18, 16:30   رقم المشاركة : 60
معلومات العضو
bagadi
عضو مجتهـد
 
الصورة الرمزية bagadi
 

 

 
إحصائية العضو









bagadi غير متواجد حالياً


افتراضي

الحضور الصّوفي في الجزائر على العهد العُثماني - د.مختار حبّار*

اتسم العهد العثماني في الجزائر بانتشار ظاهرة التصوف، وسيطرتها على توجيه مسار الحياة السياسية والاجتماعية والروحية بوجه لم يسبق لهذه البلاد أن عرفت مثيلاً له، رغم أنه كان منتشراً قبل وبعد هذه الفترة التي ندرسها. ولذلك لا يبدو عجيباً أن تتميز بداية هذه الفترة بنهاية حياة متصوف جزائري شهير، هو عبد الرحمن الثعالبي (ت 875ه)(1)، وتنتهي - بعد مرور زهاء ثلاثة قرون- ببداية حياة مجاهد ومتصوف جزائري آخر شهير أيضاً هو الأمير عبد القادر الجزائري (ت 1300ه)(2)، الذي قضى من عمره أربعاً وعشرين سنة في هذا العهد العثماني، وبقية العمر في عهد الاحتلال الفرنسي. وكأن اليد التي صافحت العثمانيين، ومهدت لدخولهم إلى الجزائر، هي نفسها اليد التي ودعتهم عند خروجهم منها، وهي اليد الصوفية.

قد يعترض المؤرخون المتمسكون "بالرسميات" على هذا الطرح بادعاء أن الوجود العثماني الرسمي في الجزائر يبتدئ بالضبط سنة 920 هجرية، لمَّا وطئت أقدام الأخوين: عروج وخير الدين بربروس، بلاد الجزائر(3) وينتهي سنة 1246 هجرية، عندما خرج هؤلاء، ووطئت أقدام الغزاة الفرنسيين أرض الجزائر(4). إن هذه أحداث تاريخية ثابتة لا جدال فيها، لكن الاستعمار الفرنسي لمَّا دخل الجزائر سنة 1830م، لم يعمّ حينئذ القطر الجزائري بأكمله في تلك السنة، بل ظل محاصراً في منطقة (متّيجة) أمداً طويلاً، ويكفي أن نذكر أن الأمير عبد القادر ظلَّ مستقلاً بالجزائر الغربية زهاء سبع عشرة سنة، عقد خلالها الجانبان (الأمير وفرنسا) معاهدات، وتبادلا السفراء.

كذلك الأمر بالقياس إلى العثمانيين فقبل وجودهم الرسمي بالجزائر سنة 920 هجرية كانت أساطيلهم تجوب البحر المتوسط، وكانت لهم علاقات جهادية مع أمراء وزعماء المدن والحصون المحاذية للبحر، لأن المدّ الصليبي الأوروبي عامة كان يهدد مدن شواطئ شمال أفريقيا بالسقوط والاحتلال، قبل ذلك التاريخ بأمد طويل، إذ يذكر بعض المؤرخين(5) أن: "سقوط مرفأ عنابة (كان سنة 867ه" قبل وفاة الثعالبي، وقد سقط إلى جانب مرفأ عنابة عدد من المدن الساحلية الأخرى: كالمرس الكبير، ووهران، وبجاية، وغيرها، وقد تكثفت الحملات الصليبية على الشواطئ المغاربية منذ "سقوط غرناطة سنة 897ه"(6).

ولذلك فقد ألفينا بعض الباحثين(7) يرون أنه "من الخطأ أن نبدأ تاريخ الجزائر العثمانية سنة 920ه/1516م، كما تذهب معظم كتب التاريخ فالوجود العثماني في الجزائر، وفي الحوض الغربي للبحر الأبيض أقدم من هذا التاريخ، فهو يعود في الحقيقة إلى أواخر القرن التاسع" ثم يقول: "وفي بعض النصوص المحلية وجدنا العثمانيين كانوا على صلة بأهل المدن الساحلية الجزائرية ولاسيما رجال الدين يتعاملون معهم، ويحاربون معهم العدو المشترك".

ومما لا شك فيه أن عبد الرحمن الثعالبي الذي كان آنئذ (أي أواخر القرن التاسع) على رأس إمارة "الثعالبة بمدينة الجزائر وسهول متيجة يحكم المنطقة حكماً ذاتياً(8) قد عانى كثيراً من الهجمات الصليبية، ولا يستبعد أبداً أنه كانت له اتصالات مع العثمانيين(9) بحكم رئاسته لقبيلته، وبحكم شهرته كرجل روحي كبير، له كلمته المسموعة في الأوساط الشعبية، ورؤساء القبائل المجاورة، وهو ما نلمسه واضحاً في رسالته(10) التي وجهها إلى نظيره محمد بن أحمد بن يوسف الكفيف ببجاية، ومن أهم ما يمكن استنتاجه منها، هو ذلك الفراغ السياسي، وفقدان سلطة زمنية واحدة تجمع كلمة الأهالي، والقبائل المنتشرة في ربوع هذه الأرض، فلم يجد الثعالبي سلطاناً لهذه البلاد يوجه إليه خطاب الجهاد، وحماية الشواطئ من مداهمة "بني الأصفر" لها –كما يسميهم- لمّا وجدناه فيها يشرح لنظيره "الكفيف" الخطة التي اتبعها والعدّة التي هيأها لمدافعة العدو وقتاله.

أما الربانيون الذين قيل في التاريخ، أنهم كانوا يحكمون من العاصمة تلمسان، المغرب الأوسط، أو "أهل الواسطة"(11) –مقابل حكم المرينيين للمغرب الأقصى، والحفصيين للمغرب الأدنى- فلم يكن لهم في حقيقة الأمر على هذه الربوع سلطان، ولا حتى للحفصيين، بدليل أن الثعالبي لم يستصرخ في رسائله(12) سلطاناً بعينه، بل استصرخ فيها رؤساء القبائل، مما يوضح لنا أن الحبل كان منقطعاً بين القبائل، والسلطة الزيانيّة الرسمية، وأنه لم يكن لأطراف هذه الأرض سلطان، إلا سلطان القبائل والعشائر تحكم نفسها بنفسها، ولا تخضع في أغلبها، لا لسلطان الحفصيين في الشرق، ولا لسلطان الزيانيين في تلمسان، الذين كانوا "نظرياً يحكمون المغرب الأوسط وهم في الحقيقة لا يحكمون عملياً إلا تلمسان وضواحيها، وساحل البحر إلى مقربة من مدينة الجزائر(13)، أما بقية البلاد الجزائرية، فقد كانت تتبع النظام العشائري أو القبلي، تخضع تارة عند الغزو والغلبة –للحفصيين أو المرينيين، وتارة أخرى للزيانيين، وفي أغلب الأحيان –وعندما تنتهي حملة الغزو- لا تخضع لأية سلطة، إلا لسلطة مشيختها، أو رؤساء الإقطاع والأمراء.

ومن أهم ما يمكن استخلاصه من رسالة الثعالبي أيضاً، هو شيوع الروح الصوفية وتحكمها في توجيه الأهالي إلى الجهاد، فمصدر رسالته في التحريض على القتال وإعداد العدة الموصوفة لمواجهة "بني الأصفر" لم يكن كل ذلك من تدبير عقل حكيم صقلته السياسة وحنكته تجارب الحرب، وإنما كان مصدره "رؤيا"(14) من رؤى الشيخ الصوفية، أخبر بها أولاً: قومه وعشيرته الأقربين، ثم بعد ذلك عممها فراسل في شأنها من راسلهم، وأكد لهم: إن ما يأمرهم به هو أتاه في "رؤياه" وإن العدة التي وصفها لهم: "دَرَق العُود" كذلك جاءت في الرؤيا، ويذكر أن قومه أنفسهم –بدواً وحضراً- لم يجتهدوا في إعداد العدة إلا لمَّا علموا أن ما يمليه عليهم هو من قبيل الرؤيا، لإيمانهم العميق بكل ما يمت بصلة إلى الغيب، وثقتهم العمياء في أقطابهم من رجال التصوف.

ونستخلص من كل ذلك أن الأوضاع السياسية للبلاد، كانت مضطربة، وخريطتها السياسية، لم تكن واضحة المعالم والحدود، فمثل الجزائر بمشيخة الثعالبة كان له ما يماثله من المشيخات والإمارات في مناطق أخرى من الوطن، وظلت الذهنية الشعبية مرتبطة بالسلطة الروحية المتمثلة في "مشائخ الصوفية" أكثر مما كانت مرتبطة بسلطة زمنية معينة تجمع شتات القبائل المتنافرة، فقد كان لكل مدينة رمزها الروحي، الذي يؤلف بين القلوب. فالثعالبي ظلَّ حياً –ثم ميتاً- يمثل رمز السلطة الروحية في مدينة الجزائر وأحواض متّيجة، وكان القطب الصوفي محمد الهواري يمثل تلك السلطة في وهران، وكانت مازالت قسنطينة "مدينة سيدي راشد" وتدعى تلمسان –رغم وجود سلطة زمنية بها آنئذ- "مدينة سيدي بومدين الغوث"(15)، وفي معسكر كانت "الطريقة القادرية" التي أسسها سلف الأمير عبد القادر هي التي تمثل تلك السلطة، وفي أحواض شلَف وتنَس كان يمثلها آل أبَهْلَول المجاجي(17)، وفي عنابة كانت المشيخة في عائلة "ساسي البوني" وفي غيرها من المدن والجبال والسهول كان غيرهم من الرموز الروحيين، الذين مازالت آثارهم المتمثلة في الأضرحة والقبب تدل عليهم، وتدل على ما كان لهم من سلطة روحانية على الأهالي.

وإلى جانب تلك الرموز الروحية، كانت قائمة بعض الإمارات الضيقة، والمستقلة بعضها عن بعض، فضلاً عن سلطة الزيانيين بتلمسان(18) إلا أن الوجود العثماني الفعلي والرسمي بالجزائر منذ بداية القرن العاشر الهجري عمل على تذويبها، وجمع شمل كثير من القبائل والإمارات المتنافرة لتوحيدها تحت سلطته، كما عمل العثمانيون على إعادة رسم خريطة جديدة لأقطار المغرب العربي، بقيت –مع بعض التعديلات الطفيفة- منذ ذلك التاريخ إلى الآن، ومنذ ذلك التاريخ أيضاً أصبحت الجزائر تابعة للخلافة العثمانية مثلها في ذلك مثل مجمل الأقطار العربية، بخلاف المغرب الأقصى الذي ظل مستقلاً عن العثمانيين(19).

ولكي نعرف دور الصوفية السياسي وموقفهم من الوجود العثماني كسلطة بديلة، لابد من الإشارة إلى أن الحركة الصوفية بالجزائر كانت قد انتشرت بكامل القطر قبل مجيء العثمانيين(20)، وإذا كان الحس "الوطني" كما نفهمه اليوم يكاد يكون منعدماً عند الخاصة بله العامة، فإن "الحس الروحي" المشوب بالتصوف هو الذي كان يجمع شتات القبائل والإمارات تحت مظلته، وبه كانوا يشعرون أن مصيرهم واحد إزاء الغزو الصليبي لهم، فرغم تفرقهم وتناحرهم أحياناً، من أجل توسيع نفوذهم واكتسابهم لمزيد من الإقطاعات، إلا أنهم سرعان ما توحدهم كلمة "الجهاد" في سبيل الذود عن حرمة الإسلام وحماه، وأن الصوفية في الغالب هم الذين كانوا يغذون تلك الوطنية الدينية" أو ما يمكن أن نطلق عليه "سلطة الصوفية".

ففي تلمسان مثلاً عاصمة الغرب الجزائري الثقافية، كان يغذي تلك السلطة الروحية كثيرون من أشهرهم عائلة ابن مرزوق، وتلاميذها(21)، وكان "قطب زمانه" الشيخ أحمد بن يوسف الراشدي الدار والنسب، دفين مليانة، المتوفى سنة 927ه(22) يروج للطريقة الشاذلية –التي كان يرتدي خرقتها –في كامل القطر بعامة، وفي الجهة الغربية منه بخاصة(23) وقد اشتهر "بالقطبانية" و"الولاية" في عهده، وذاع صيته في الناس، ونزل إلى العامة يستميلهم إليه، فلقنهم "الذكر"، فتبعه خلق كبير، حتى النساء، وقيل له في ذلك: "أهنت الحكمة في تلقينك الأسماء للعامة حتى النساء، فقال: قد دعونا الخلق إلى الله فأبوا: فقنعنا منهم بأن نشغل جارحة من جوارحهم بالذكر"(24).

وكان من نتيجة نشاط الشيخ ابن يوسف، أن انتشرت الطريقة الشاذلية في كامل القطر الجزائري، فضلاً عن انتشارها في المغرب والمشرق قبله بواسطة مؤسسها أبو الحسن الشاذلي، وأتباعه، ونذكر من أتباع ابن يوسف الملياني في الجنوب الغربي من الجزائر: الشيخ ابن سليمان، المعروف باسم: سيد الشيخ، صاحب "الياقوتة"، وتأسست في هذه الجهة زوايا كثيرة من أهمها الشاذلية، وقد لعبت هذه الطريقة، ممثلة في شخص ابن يوسف الملياني دوراً ريادياً في إعلاء "سلطة الصوفية". ولخطرها، فقد اتصل العثمانيون بممثلها، واستمالوه لجهتهم، فما كان منه إلا أن بارك وجودهم، وتحالف معهم على محاربة العدو المشترك: الإسبان من جهة، وسلطة الزيانيين بتلمسان المتحالفة مع الإسبان على العثمانيين من جهة أخرى(26).

وأما في قسنطينة التي كانت تابعة للسلطة الحفصية بتونس، قبل الوجود العثماني بالجزائر، كان أمر "السلطة الروحية" فيها بيد أكثر من عائلة: أهمها عائلة الباديس، وعائلة آل عبد المؤمن، وعائلة الفكون، وهذه الأخيرة هي التي عمل معها العثمانيون نفس ما عملوه مع ابن يوسف الملياني في الغرب، فقد رحبت بالوجود العثماني، وتحالفت معه، فآل إليها مصير قسنطينة "الروحي"، أما عائلة آل عبد المؤمن التي كان بيدها الحل والربط والتي انتصرت للحفصيين، فكان مآلها الخسران مع العثمانيين(27) وفي الجزائر سبقت الإشارة إلى أن صوفية الثعالبة تحالفوا مع العثمانيين، وعقدوا مع بابا عروج العثماني، معاهدة لصد الإسبان الذين كانوا متمركزين بصخرة "بنيون" على مقربة من شاطئ المدينة)(28)... وقد خان سالم التومي –الذي كان يمثل السلطة الزمنية- المعاهدة، فخنقه الترك، ولكن ثقتهم في رجال الدين بعامة، والصوفية بخاصة، بقيت على حالها ثابتة، فقد عيَّن العثمانيون أبا عبد الله محمد بن علي الخروبي سفيراً لهم مرتين على الأقل، يمثلهم لدى سلاطين المغرب الأقصى، وكان الخروبي من رجال الدين والتصوف، وهو من تلاميذ أحمد زروق، قدم إلى الجزائر من طرابلس، فاستوطنها وتوفي بها سنة 961 هجرية(29).

وأما في عنابة، فقد قصد العثمانيون عائلة ساسي البوني، التي كانت تمثل السلطة الروحية هناك، فلم تخيب العائلة قصدهم، بل توطدت بينهم علاقة حميمة على مر الزمان، وتتجلى هذه العلاقة من خلال الرسائل (30) المتبادلة بين محمد ساسي البوني، ويوسف باشا (الجزائر) من جهة، وبين أحمد بن قاسم البوني (الحفيد) ومحمد بكداش من جهة أخرى. ويمكن النظر إلى موضوع هذه الرسائل من جوانب ثلاثة:

الأول: يفيد تقرب السلطة العثمانية من الصوفية، وإضفاء هالة من التقديس الأعمى عليهم، وإيمانها العميق بهم كأولياء الله الروحيين في الأرض.

والثاني: يتمثل في ما يمكن أن نسميه "سلطة الصوفية" على كل من الحكام والرعية، لخضوع الكل لمشورتهم عند العزم.

والجانب الثالث الذي يمكن أن نستشفه منها، هو تعميق وترسيخ "التفكير الغيبي" في مقابل تعطيل التفكير العقلي، وتهميش ممثليه الذين تشتم منهم رائحة الإصلاح.

وفي داخل الوطن اقتفى كثير من مشايخ الصوفية أثر من سبق في تحالفهم مع العثمانيين، فأتباع الملياني وتلاميذه اقتفوا في أغلبهم صنيع شيخهم، نذكر منهم محمداً بن شاعة الذي أعفاه العثمانيون من الضرائب لموقفه الإيجابي منهم(31)، ومن غير المستبعد أن يكون تلميذ الملياني: محمد بن عبد الجبار الفيجيجي المتوفى سنة 950 هجرية قد تعاون مع العثمانيين اقتداءً بشيخه، فقد كانت له زاوية بمنطقة تاسالة، جعلها وقفاً على المريدين الذاكرين(32).

وفي ضواحي شلَف كان يرابط الشيخ ابن المغوفل، وهو من صلحائها الروحيين، وكان له في قومه نفوذ، لذلك كان أول من قصده العثمانيون في هذه الجهة، وطلبوا إليه مبايعتهم، ومناصرتهم على الزيانيين، ومباركة حملتهم عليهم، فكان لهم منه ما أرادوا، وجهَّز لهم حملة وبعث معهم ولديه بعد أن اعتذر الشيخ عن الذهاب معهم(33).

وفي مجاجة قرب مدينة تنَس، كانت ترابط عائلة أبهلول المجاجي، وقد أسست هذه العائلة زاوية بمجاجة، وكان من بين أهداف مؤسسيها: الجهاد في سبيل حماية الإسلام والأرض الإسلامية من الغزو الصليبي. وقد تعاونت هذه العائلة –لذلك- مع العثمانيين، وكان من أشهر رجالاتها لهذه الفترة، الشيخ محمد بن علي آبهلول المجاجي(34)، وقد ظلت هذه الزاوية تؤدي دورها في الجهاد في العهد العثماني، ولم ينقطع هذا الدور بذهاب العثمانيين، إذ برز أحفاد الشيخ كمجاهدين مع الأمير عبد القادر الجزائري، الذي تصدى للغزو الفرنسي(35).

ولقد تعمدت سوق هذه الطوائف من المتصوفة والطرق الصوفية التي سطع نجمها، وتزامن مع الوجود الفعلي للعثمانيين بالجزائر لسببين:

الأول منهما، هو أن الحركة الصوفية بهذه البلاد كانت موجودة وشائعة قبل الوجود العثماني في الجزائر، فليس العثمانيون هم الذين أوجدوها، أو جلبوها معهم، كما قد يتبادر إلى كثير من الأذهان، بسبب أن فترتهم هي التي ذاع فيها التصوف والطرق الصوفية أكثر من أي وقت آخر، فلم يكن العثمانيون في حقيقة الأمر إزاء انتشار ظاهرة التصوف بشكل يبعث على الدهشة والتساؤل، إلا كمصن يصب الوقود على النار(36).

وأما الثاني منهما، فهو أن الشعور "بالوحدة الوطنية"(37) سياسياً كان منعدماً، بمعنى أن حلقات السلطة الزمنية التي كانت تمثلها الدولة الزيانية بتلمسان كانت مفككة، ولم تكن شيئاً مذكوراً في الواقع، وإن كانت نظرياً تقوم ببعض ذلك، كما سبقت الإشارة. والذي كان يقوم مقام تلك الوحدة هو "الدين" بعامة، و"التصوف" بخاصة، أو ما يمكن أن نسميه "بالسلطة الصوفية"، التي كانت تغذي تلك الروح عن طريق "سلاسلها" و "طرقها" الصوفية"، التي كانت بمثابة الأحزاب في وقتنا المعاصر، تشعر الأتباع، والناس عموماً بالمصير المشترك كلما داهمهم خطر المد الصليبي، حتى إذا جاء العثمانيون ألفينا الصوفية هم الذين سارعوا في بادئ الأمر بحكم "سلطتهم الروحية" على الأهالي إلى مبايعة العثمانيين، والتعاون معهم، ومباركة حركتهم الجهادية، في حين أن ممثلي السلطة الزمنية مثل (الزيانيين) وبعض الأمراء مثل سالم التومي، وغيره قد تنكروا للوجود العثماني وحاربوه، بل تحالف بعضهم مع العدو (الإسبان) على أن يذعن للسلطة العثمانية(38).

ولقد شجع العثمانيون رجال التصوف، وأهل الطرق الصوفية، وذلك بانحيازهم في بادئ الأمر إلى رجال الدين والتصوف –كما أسلفنا القول- وفيما بعد شاركوا مشاركة فعلية في بناء القبب والأضرحة والمزارات، وفي "دار السجل" الوطني عدد كبير من الوثائق التي تدل على تلك المشاركة السخية. وقد تولت (المجلة الأفريقية) بنشر بعضها، ويصادف المتصفح لها كثيراً من العبارات مثل "أما بعد فهذا ضريح الوليّ الصالح الزاهد الورع (كذا) سيدي عبد الله بن منصور أدركنا الله برضاه آمين(39).

ويجد القارئ أيضاً عبارات أو نصوصاً كثيرة تدل على مشاركتهم في تشييد القبب مثل: "أمر بتشديد هذه القبة المباركة مع التابوت أمير المسلمين السيد مصطفى باي أيده (كذا) الله، ونفعه بذلك سنة ثمانية عشر بعد المائتين وألف"(40). ومثل: "أما بعد أمر ببناء هذا المقام السعيد، أمير المسلمين..." إلى آخر النص الذي يوضح أن صاحبه أمر بذلك ويقصد من وراء عمله "وجه الله، ورجاء ثوابه"(41).

كما ساعدوا "الصالحين" ببناء الزوايا والرباطات، وأنفقوا في سبيل ذلك أموالاً سخية، فرتبوا لبعضها أوقافاً خاصة(42) وأعفوا المقربين منهم من الضرائب(43) ومنحوهم حرمة وحصانة، فالمستنجد بحماهم لا يلحقه أذى ما دام في حمى "الشيخ" ولو كان المستجير مجرماً!

وبذلك وجد التصوف المجال خصباً للنماء والانتشار والشيوع بين العامة والخاصة، وتطعم بالمعتقدات الشعبية المحلية فانتشرت –لذلك بجانبه الخرافة والإيمان بالشعوذة، وعمت الطرقية، فلا نكاد نجد علَماً من الأعلام المشهورين بعلم الظاهر أو الباطن غير منتسب لطريقة معينة أو لشيخ معين، وكيف لا، وحكمة أبي يزيد البسطامي القائلة: "من لا شيخ له فشيخه الشيطان"(44). كانت رائجة على كل لسان، لذلك كان الناس يفخرون بانتسابهم إلى هذه الطريقة أو تلك، وإلى هذا الشيخ أو ذاك، وكثيراً ما نجد في تراجم الأعلام لهذه الفترة عبارة مثل: فلان "أخذ" عن الشيخ الفلاني "علم الظاهر" أو "علم الباطن" أو هما معاً، وأما العامة من الناس، وبخاصة منهم النساء، فيكتفون غالباً بالاعتقاد الراسخ في "الشيخ" أو "الضريح" القريب منهم، ويلجأون إليه كلما أصابهم ضرّ أو ألمَّت بهم مصيبة(45). وما تزال آثار هذه الاعتقادات سارية إلى اليوم في بعض الأوساط الشعبية، وأحياناً في أوساط المتعلمين (وحتى المثقفين منهم).

ولقد أعطى ذلك التجاوب بين الصوفية والسلطة العثمانية، نتاجاً ثقافياً غزيراً، مشوباً في أغلبه بالتصوف، والتفكير الباطني، المعتمد على المجاهدة وتصفية النفس بالترك والزهد والتخلي للتحلي، وقلَّما نجد نتاجاً ثقافياً يعود إلى هذه الفترة قد نجا من "حمّى" التصوف، ذلك لأن أغلب الشيوخ المتصدين للإفتاء والتدريس كانوا يجمعون بين علمي الظاهر والباطن، كما أن المؤسسة التعليمية المفضلة كانت غالباً هي "الزاوية" وكانت المواد المدرسة في أغلبها دينية مشبعة بروح صوفية، وكان التصوف من بين المواد المدرسة من خلال بعض الكتب المشهورة: كالرسالة القشيرية، وحِكَم ابن عطاء الله، وإحياء علوم الدين للغزالي، وقوت القلوب لأبي طالب المكي، وغيرها من أمهات الكتب والتراجم.

وكانت "الزاوية" إلى جانب قيامها بالتعليم، تقوم بوظائف أخرى مكملة لغرس بذرة "الفكر الباطني" في الطالب أو المريد، والذي يغرس هو عادة "شيخ الزاوية" أو "مقدمها"(46)، ففيها يتم أخذ "العهد" أو الطريقة، وتعتبر الزاوية، والشيخ، والمريد، والطريقة، من أهم الأسس التي تعدُّ الفرد في المجتمع الجزائري إبّان العهد العثماني إعداداً "باطنياً" وتجعله قابلاً لتلقي "المعرفة الوهبية" إذا "فتح" الله عليه، وفي الوقت نفسه يتقلص تلقائياً بناء العقل فيه، ويصبح دوره مقتصراً على الحفظ والتخزين والاعتقاد بلا انتقاد، ما دام أن "العلم" الذي ينشده ليس من قبيل العلم الذي يتم إدراكه بالعقل، فالعقل في نظر مجمل الصوفية يولد وهو يحمل معه عاهة قصوره، يقول الكلا بادي(47) "العقل محدث والمحدث لا يمثل إلا نفسه".

وإن كنا لا نستطيع إحصاء كل الزوايا التي كانت تقوم بتلك المهمة فإننا نحاول أن نذكر هنا أشهرها مع الإشارة إلى أهم الطرق الصوفية، ولا غرو أن أشهر طريقة من حيث الذيوع والانتشار، كانت الطريقة القادرية –الشاذلية، كما سلف القول، ليس في الجزائر فحسب بل وفي العالم الإسلامي قاطبة(48).

وحسب بعض الروايات(49) فإن الطريقة القادرية التي تنتسب إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني المتوفى سنة 561ه(50) قد انتقلت إلى الجزائر بخاصة والمغرب بعامة عن طريق الشيخ أبي مدين التلمساني سنة 594 هجرية بتلمسان، وتقول نفس الروايات: إن أبا مدين التقى بالجيلاني في موسم من مواسم الحج، وفي الحرم المكي كان اللقاء، وأنه لمَّا عاد إلى وطنه أشاع الطريقة القادرية ونشرها في المغرب عموماً عن طريق مريديه وأتباعه، وعن طريق هؤلاء انتشرت في كامل بلاد المغرب. والمشرق، وانتشرت معها وبها الزوايا والمشيخات.

وكان من تلاميذ أبي مدين عبد السلام بن مشيش، وكان هذا أستاذاً ومربياً لأبي الحسن الشاذلي مؤسس الطريقة الشاذلية(51) والذي كان قد ولد سنة 593ه بإحدى قرى المغرب الأقصى بسنة واحدة قبل موت أبي مدين التلمساني، وقد استقر أبو الحسن بمنطقة "شَاذلَة" بتونس، فننسب إليها، وظل يتردد بينها وبين الإسكندرية والقاهرة كلما طرأ طارئ، وقد وسعت حركته وتنقلاته هذه، معارفه وتلاميذه، وكثر بذلك المنتسبون إلى طريقته الشاذلية التي هي فرع من القادرية، وقد توفي أبو الحسن الشاذلي سنة (656 هجرية)(52)؛ ونريد أن نصل من كل ذلك إلى أن أغلب الطرق في الجزائر "قادرية" الأصل، رغم أنها تسمى "بالشاذلية" أو "باليوسفية" أو غيرها من الأسماء.

وقد يتساءل سائل عن سبب تسمية هذه الطرق بأسماء أصحابها من المشايخ دون الانتساب إلى الأصل أي "القادرية"؟ وأرى أن مرجع ذلك يعود إلى أحد مبادئ الطريقة القادرية التي كان يبثها عبد القادر الجيلاني في مريديه وهو "الانفصال"(53) بمعنى أن المريد بمجرد أن يصل إلى مستوى المشيخة، ويجيزه الشيخ الذي أخذ عنه، فهو في حل من أمره، بل من المستحب والواجب عليه أن (ينفصل) عن شيخه ويصبح في عداد الشيوخ الذين يعتمدون على أنفسهم في اجتهاداتهم وسلوكهم، ويمكن لهم عندئذ أن يؤسسوا زواياهم، وأن يدعوا إلى طرقهم التي تسمى غالباً بأسمائهم، كما هي الحال مع أبي الحسن الشاذلي الذي تنسب إليه معظم الطرق الصوفية الموجودة بالجزائر إبّان العهد العثماني، ولكن معظم تلك الزوايا، تسمى بأسماء أصحابها أيضاً مثل (الزاوية البكرية التي أسسها الشيخ البكري بمنطقة تمنطيط، وكان قادرياً –شاذلي المذهب، وتوفي 1133ه)(54) وقد سبقت الإشارة إلى أن سيد الشيخ الياقوتة، وكان قادرياً –شاذلي المذهب، كما أن عبد الكريم الفكون، وأحمد بن عمار، كانا مثله على الطريقة الشاذلية.

أما في الشرق الجزائري فقد اشتهرت في كل من الجزائر، وقسنطينة –الطريقة الرحمانية، التي أسسها عبد الرحمن الأزهري) (مجاورة) وتأسست بها عدة زوايا من أهمها زاوية باش تارزي بقسنطينة التي أسسها عبد الرحمن باش تارزي، والزاوية "العزوزية" بضواحي بسكرة التي أسسها تلميذها ابن عزوز البرجي المتوفى سنة 1233هجرية، وقد امتدت فروع هذه الزاوية إلى تونس وطرابلس، عن طريق أبناء ابن عزوز البرجي.

وكانت الطريقة التجانية التي أسسها أحمد التجاني المتوفى سنة 1230 هجرية من أهم الطرق التي شدّت انتباه الناس إليها، لأنها كانت من بين الزوايا أو الطرق التي ثارت في وجه الوجود العثماني. ولها عدة فروع في المغرب الأقصى والسينغال وغيرها من الدول الأفريقية، وفي منطقة القبائل نذكر الحسين الورثلاني المتوفى سنة 1193هجرية(55) الذي ورث الطريقة والزاوية عن جدوده إذ كانت لهم ببني ورثلان زاوية عامرة بالطلبة والمريدين.

وإن كنا نفتقد الآن إلى إحصائيات رسمية لكل الزوايا ومذاهبها في الجزائر فإن ذلك لا ينفي أن عددها كان كبيراً مع نهاية العهد العثماني، ونذكر على سبيل المثال أن مدينة قسنطينة وحدها كان بها زهاء ست عشرة زاوية(56) ومدينة تلمسان كان بها ما يزيد عن ثلاثين زاوية(56)، وأما بمنطقة القبائل وبجاية فقد كانت من أكثر جهات البلاد كثافة من حيث عدد الزوايا إذ بلغ عددها نحو الخمسين(56)، هذا في شمال البلاد، أما جنوبها فلم تكن تخلو عشيرة منها، بل لقد كانت الزاوية ترحل أحياناً مع الراحلين كما هو بالقياس إلى زاوية سيد الشيخ، الذي اضطرته الخلافات المذهبية إلى التنقل بزاويته.

وفضلاً عما كانت تقوم به الزاوية من وظائف متعددة تحدثنا عن بعضها فإنها كانت كذلك مخازن للكتب، ومن أشهرها مكتبة زاوية الفيجيجي التي وصفها ابن عبد السلام الناصري، وأشار إلى اعتناء آل الفيجيجي بها، ومباهاة غيرهم بما فيها من نفائس الكتب(57)، وكانت زاوية سيدي الهواري بوهران التي آلت إلى تلميذه إبراهيم التازي، تحتوي على مكتبة ضخمة(58). ومما لاشك فيه أن الاستعمار الإسباني قد انتهبها، وأكمل انتهابها الاستعمار الفرنسي بعده. وقد ذكر الكفيف في رسالته إلى الثعالبي(59) عنايته بمكتبته وتدبير أمر تهريبها خارج المنطقة الحضرية خوفاً عليها من الانتهاب لأن شواطئ بجاية كانت بدورها عرضة لهجمات الإسبان آنئذ. وكانت لعائلة الفكون مكتبة ضخمة وغنية بنفائس المخطوطات وكان اعتماد الفكون (الحفيد) في ثقافته الدينية والصوفية والأدبية عليها كبيراً وكانت مكتبة الفكون من ضمن المكتبات التي مسها الإحصاء أثناء الحملة الفرنسية على الجزائر(60) كما كانت مكتبة عبد الرحمن باش تارزي من أشهر المكتبات بقسنطينة إذ ذكر تقرير الإحصاء الفرنسي بها ما يزيد عن خمسمائة مخطوط جلَّها في الفقه والدين(61) وحسب هذا التقرير، فلا تكاد تخلو زاوية أو مسجد من مكتبة.

ولقد ساعدت هذه المكتبات على نشر الثقافة الدينية في أوساط المريدين المترددين على مشائخها، ويذكر أحد التقارير(62) أن المستوى الثقافي للجزائريين في نهاية العهد العثماني كان أفضل بكثير من مستوى الجنود الفرنسيين الذين كانوا في الجزائر أثناء حملتهم على العثمانيين بها، إذ شهد شاهد من قواد الجيش الاستعماري يومئذ أن الأمية بين جنوده بلغت (45%)، وبالمقابل كان عدد القادرين على القراءة والكتابة من الجزائريين يفوق بنسبة (55%)، ولكن بعد أكثر من قرن من الاحتلال الفرنسي يقول تقرير آخر(63): أن الأمية وصلت بين الجزائريين ما بين (70-75%) مما يدل على سياسة التجهيل التي انتهجتها فرنسا في الجزائر.

لكن إذا كانت هذه الإحصاءات تبين بعض جوانبها ارتفاع نسبة المتعلمين في العهد العثماني، فإنها لم تكشف بذلك عن درجة وعي هؤلاء المتعلمين. لقد كان جلَّ المتصوفة –الذين ندرس أثرهم- متعلمين، بل ومؤلفين، ولا أريد أن أشير هنا إلى جلَّ مؤلفاتهم(64)، ولكن أريد أن أشير إلى أنها كانت أغلبها في الدين والتصوف، وإلى أنها كانت حصيلة للفكر الباطني السائد الذي غذته المؤسسة التعليمية التي كانت غالباً "زاوية" أو مذهبها القائم على أساس "اعتقد ولا تنتقد"، كما كان قائماً أيضاً على أساس "العلم الوهبي" المنافي للتحصيل القائم على العقل. ودوافع التأليف غالباً ما كانت قائمة على أساس غيبي، أو خدمة للطريقة أو حباً لأولياء الله، ورجاء كراماتهم ورضاهم.

ولنا أن نتخذ لذلك كتاب "البستان في ذكر الأولياء والعلماء بتلمسان "لابن مريم" نموذجاً لمجموعة كبيرة من المؤلفات مشابهة له مضموناً، لندرك أن الأساس الذي قام عليه تأليف كتابه –وهو في التراجم- لا يخرج عما ذكرنا آنفاً، وفي معناه يقول في المقدمة "أنه إذا كان مجرد حب الأوليات ولاية، وثبت أن المرء مع من أحب، فكيف بمن زاد على مجرد المحبة بموالاة أولياء الله تعالى وعلمائه. وخدمتهم ظاهراً وباطناً بتسطير أحوالهم، ونشر محاسنهم، في أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم. نشراً يبقى على مرّ الزمان. ويزرع المودة لهم، والحب في صدور المؤمنين للاقتداء بهم بحسب الإمكان(65).

وإذا كان منطلق ابن مريم في تأليفه "لبستانه" منطلقاً باطنياً يخضع لروح العصر كما هو واضح من بعض مقدمة الكتاب، وكذلك متنه، فإننا نأتي –بالمقابل- بنموذج آخر، مناقض له، يزعم فيه مؤلفه الشيخ عبد الكريم الفكون(66) أنه سيشهر سيف العقل على كل الباطنية والدجاجلة بوجه خاص. وقد قسم الفكون كتابه إلى مقدمة، وثلاثة فصول وخاتمة، وبين في المقدمة أن الذي حمله على وضع هذا الكتاب هو ما كان يراه من انقلاب الأوضاع أمام عينيه: فالجهلة أصبحوا أدعياء للعلم، والعلماء أصبحوا في موضع الخساسة، وأهل الطريقة الحقة علاهم أهل الزندقة والبدع، وبعد ذلك يقول "كل ذلك والقلب مني يتقطع غيرة على حزب الله العلماء أن ينتسب جماعة الجهلة المعاندين الضالين المضللين لهم، أن يذكروا في معرضهم، وغيرة على جانب السادة الأولياء الصوفية أن تكون أراذل العامة، وأنذال الحمقى المغرورين أن يتسموا بأسمائهم"(67).

لكننا عندما نقرأ هذا الكتاب، نجد سيف العقل الذي سلَّه الفكون حاداً في المقدمة. مغلولاً في الفصول، وأن هذا السيف بدوره لم يتحرر من روح العصر الصوفي الذي كان مسيطراً على الثقافة العامة، وحتى لا نظلم الشيخ نعرض بعض ما جاء في الفصل الأول الذي خصه "لمن لقيه من العلماء والصلحاء المقتدى بهم، ومن لم يلقهم ممن توفوا، ونقلت إليه أحوالهم وصفاتهم يعرف بهم ويذكر مناقبهم" وقد جعل على رأس هذه الطائفة عمر الوزان (ت695ه) وهو من أعيان قسنطينة الذين عاصروا الفكون (الجد)، وقد وصفه الفكون (الحفيد) أي صاحب الكتاب، بعدة أوصاف منها قوله: "شيخ الزمان" ومنها "العالم العارف بالله الرباني" ومنها "وله في طريق القوم اليد الطولى" ومنها "ويقال أنه دعوة الشيخ الصالح القطب الغوث أبي العباس أحمد زروق" ومنها "ومن كراماته رضي الله عنه..." ثم يذكر عدداً منها(68) وللعلم فهو لا ينكر كل ذلك بل يشيد به.

وإذا واصلنا فحص كتاب الفكون محاولة منا لمعرفة المقياس الذي يحكم به ما صح عنده من التصوف، وما هو من قبيل البدع، نجده يتناقض أحياناً مع نفسه فما نسبه إلى الطائفة التي جعلها في فصل المغضوب عليهم(69) نجد له نظيره أو أكثر منه بدعة أحياناً مما نسبه إلى الطائفة التي جعلها في فصل الذين رضي الله عنهم(70)، فينكر ذلك عمن سبق، ولا ينكره عمن لحق، بل كان يميل إلى الاعتقاد به أكثر مما كان ينفر منه، فهو القائل: "وكرامات الأولياء مما يجب الإيمان بها، ورؤية الملائكة جائزة"(71) وكان ذلك تعليقاً منه على حكاية سمعها عن فقيه، قيل له: أنه رأى "جبريل وميكائيل وبين يديهما ثلاثة أباعر"، ولكنه بالمقابل يعيب على الشيخ محمد ساسي البوني أنه صار في "بلد بونة" أي عنابة "رئيس الباطن والظاهر" ويعتقد الناس في البلد ونواحيها أنه "وارث شيخه وخليفته"(72) ثم ينكر عليه أنه "ادعى مقام الأكابر من الأولياء" ثم يذكر أنه كان شاعراً، وينكر عليه أنه قد ملأ شعره بعبارات "الحانِ والدنانِ" و "يزعم أنه شرب من كأس الصفوة" وأنه "جلس على بساط القرب" وأنه "عرج به إلى السماء وكشف له عن أحوال الملكوت"(73) وكل هذه وغيرها مما يتهم به الفكون، الشيخ البوني، ويعتبر ذلك من البدع! وهو كما نرى من "شطحات" الصوفية.

وعندما حاول أن يضع مقياساً لتصديق مثل هذه الرؤى، وخوارق الكرامات والشطحات الصوفية، مرة، وإنكارها هي نفسها مرات أخرى نجد ذلك المقياس يتلخص في: أن لا إنكار على من يأتي بها أو يرويها عن نفسه وغيره، إذا "كان بالمثابة المثلى من طريق أتباع السنة والمعرفة بالله والحق أبلج والباطل لجلج"(74).

ومما يلاحظ على شيخنا الفكون –رحمه الله- أن ذلك المقياس- إن جاز تسميته كذلك- كان كثير التلجلج والاضطراب في يده، ويبدو أنه كان يعيش نوعاً من القلق والاضطراب بين عقله وقلبه، فرغم أننا ألفيناه في (المقدمة) عازماً على تنصيب (العقل) ميزاناً للحكم على الأمور الغيبية بعامة والتصوف منها بخاصة، لإسقاط سلطة العقل الباطن من عرشه، إلا أن الشيخ –وكما يبدو لي- قد أخفق في ذلك إخفاقاً كبيراً، وانتصر عليه "قلبه" انتصاراً خطيراً، لأنه لانَ أمامه واستسلم له، ولم ينكر ما ينسب إلى التصوف من علم لدني، وولاية، وكرامة، وما إلى ذلك من المغيبات، ولكنه أنكر على من يرتدي ذلك مدعياً أو ليس أهلاً له، ومن ثمَّ بات التصوف في نظر الشيخ مثل "الجبَّة" أو "الخرقة" يلبسها أحدهم فتزينه، وهي نفسها يلبسها آخر فتشينه، لا لعيب فيها، بل في من يلبسها.

وهكذا نلاحظ أن لا الفكون ولا غيره استطاع أن ينفلت انفلاتاً كلياً من طوق التصوف الذي كان يحوط العهد العثماني في الجزائر بطوقه، ويطبعه بطابعه. فظهر ذلك جلياً في مؤلفات هذا العهد، مثل مؤلف ابن مريم، ومؤلف الفكون، فضلاً، عن مؤلفات أخرى مثل رحلة الورثلاني(75) ورحلة ابن عمار(76) ورحلة ابن حمادوش(77) ورحلة العياشي(78) وتراجم الحفناوي(79) التي كتبها بعد العهد العثماني، وغيرها، وهي في أغلبها عبارة عن تراجم وأخبار، اعتنت بالحركة الصوفية ممثلة في الشخصيات المترجم لها، فإذا تصفحناها فإننا نجد العبارات الصوفية مثل (العارف بالله) و(الشيخ الرباني) و (صاحب المكاشفات والكرامات) و (من كشف له الغطاء) و (مجاب الدعوة) وغيرها من الأوصاف التي لها علاقة (بالكرامة) و (الولاية) و (القطبانية العظمى) هي العبارات الرائجة أكثر من غيرها.

كما ظهر ذلك في النظم بعامة، ومن أشهر المنظومات التي تعود لهذا العهد منظومة عبد الرحمن الأخضري المتوفى سنة 953 هجرية(80) وقد سماها "القدسية" وأطال نفَسَه فيها فجاءت في حوالي ثلاثمائة بيت، وقد اعتز الفكون بالمنظومة القدسية اعتزازاً كبيراً، وتمثل بها في منشور هدايته كثيراً. لأنه يتفق مع الأخضري. في الحملة على "الدجالة" الذين ينتسبون إلى التصوف لاستلاب الناس أرزاقهم، والأخضري في منظومته، مثل الفكون في منشوره. لم يكن ضد التصوف في حد ذاته- لأنه مثل الفكون صوفي- ولم يكن ضد النعوت الصوفية في حد ذاتها كالولاية والقطبانية وما إليهما، ولكنه كان ضد الأدعياء الذين يخالفون نهج الكتاب والسنّة، وأنه لم يقبل بغيرهما حكماً في الفصل بين الادعاء والصدق أو بين "الإفك والصواب" كما يقول في القدسية(81):

واعلم بأن الوالي الربَّاني *** لتابع السنَّة والقرآنِ

والفرق بين الإفك والصواب *** يعرفُ بالسنَّة والكتابِ

وفي بعض الأحيان نجده يعتمد على أقوال الصوفية المنصفين، لاستنتاج بعض المقاييس التي يمكن له بواسطتها أن يحكم على "صاحب الإفك من صاحب الصواب"، ومعرفة الحقيقة من الادعاء، وفي معنى ذلك يقول(82):

وقال بعض السَّادة الصوفيَّة *** مقالةً جليلةً صفيهْ

إذا رأيت رجلاً يطير *** أو فوق ماء البحر يسيرْ

ولم يقف عند حدود الشَّرع *** فإنه مستدرجٌ وبدعيْ

ويبدو لنا أن الأخضري في قدسيته قد وفق إلى تحديد المنهج الذي يجب أن يقوم عليه التصوف، ويتمثل في الحث على الرجوع إلى الكتاب والسنَّة لأن طريقة أهل السنَّة أو السلف الصالح قائمة على إقامة الشريعة أساساً للوصول أو الترقي في سلَّم الحقيقة، وذلك هو ما يقابل عند الصوفية القيام بالمقامات أساساً للوصول أو الترقي في سلَّم الأحوال المفضية بالسالك إلى الحقيقة. وبذلك يترقى الولي أو السالك على بيّنة وشرعة، لا على الادعاء الباطل(83)، ومن أهم الأبيات التي يغمز بها الدعاة الذين يركبون الدين لابتزاز الناس قوله(84):

كفَاكَ في جميعهم خيانَةْ *** أن قتلوا العبادَ بالديانةْ

وإذا كان الأخضري قد وظَّف "قدسيته" لانتقاد أباطيل العصر، فإن بعضهم الآخر قد وظَّف النظم لنشر الطريقة الصوفية التي يعتنقها، وهم الأغلب الأعم، ومن هذه المنظومات "المنظومة الرحمانية" لعبد الرحمن باش تارزي المتوفى سنة 1222هجرية(85) التي عرف فيها ناظمها بطريقته ومؤسسها، وبيَّن فيها شروط المريد الذين يسلك الطريقة الرحمانية، وتكلم فيها عن آداب السلوك، وعلاقة المريد بالشيخ، وعلاقة الشيخ بمريده، كما بيَّن فضائل الطريقة التي وصل الكثير من السالكين بفضلها إلى الحقيقة، حسب رأيه وتتضمن المنظومة فضلاً عن ذلك سلسلة الطريقة في الشريعة و الحقيقة وقد تولد شرح هذه المنظومة الشيخ مصطفى باش تارزي ابن الناظم بعد وفاة والده وبعد إلحاح كثير من محبي الطريقة كما يقول الشارح(86).

ومنها منظومة ابن عزوز البرجي المنتمي إلى الطريقة الرحمانية ولذلك فمن غير المستبعد أن يكون البرجي قد تأثر بمنظومة أستاذه باش تارزي فألَّف هو منظومة في التصوف خدمة للطريقة ولمريديه، وقد سماها "رسالة المريد في قواطع الطريق وسوالبه وأصوله وأمهاته" وقد اتخذتُ منها نموذجاً لمنظومات هذا العقد، وألحقتها بسفر للتراجم والمختارات الشعرية، لنعرف من خلالها اللون الثقافي السائد الذي كان يروِّج له أغلب أصحاب المنظومات لهذا العهد*.

وظهر ذلك بخاصة في الشعر الصوفي، عندما يجد المتصوف بعض القدرة على صياغة الشعر ونظمه. وتعتبر مجمل القصائد التي وقع عليها اختيارنا صوراً صادقة لما كان يسود العصر العثماني –الذي صنعته الصوفية- من اعتقاد راسخ بالأولياء والصلحاء والأقطاب، وبكراماتهم وخوارقهم، والتوسل بهم ورجاء بركتهم، ورحمتهم، ومنهم عليهم بالفتح عليهم، كما فتح على أوليائهم، والتقرب بهم، وجعلهم "وسطاء" بينهم وبين من ترجى شفاعته، ومن يتَّقى غضبه وعقابه، وترجى رحمته ورضاه ومنَّه.

ولقد لمست عند تعاملي مع شعر هؤلاء، أن أغلب الصوفية كانوا يعتبرون القصيدة المتدينة بعامة، والمتصوفة بخاصة، من أقدس المقدسات التعبيرية، بعد القرآن والحديث، فقد فسحوا لها المجال واسعاً، لتدخل المساجد من أبوابها الواسعة، ولتتوِّج بحضورها محافل المآدب والمناسبات الدينية، وبخاصة منها المدائح النبوية التي ينظر فيها منشئها إلى النبي نظرة روحية خالصة، ولذلك فإن قصائد المدح النبوي هي من أكثر الشعر إنشاداً إنشاءً في هذا العهد، تليها من حيث الكثرة والأهمية، قصائد الاستغاثة والتوسل بالأولياء، ومشائخ الطرق، الأموات منهم والأحياء ثم تأتي بعض الأغراض الأخرى التي لها صلة بالتصوف، كالوقوف على الإطلال، والغزل، والرحلة، هذا فضلاً عن بعض القصائد الأخرى كالأخوانيات والمراثي، ووصف ا لطبيعة، التي لا تخلو في عمومها من النفحات الروحية أو الصوفية.

ولقد بنيت أغلب قصائد المديح النبوي –التي اطلعت عليها- على نظرية "الحقيقة المحمدية" التي يسري سريانها من قصائد السلف إلى قصائد الخلف؛ وقد نقل إلينا ابن عمار في رحلته(87) صوراً عميمة عن الاحتفال بالمولد النبوي في الجزائر إبّان العهد العثماني، ممثلة في بعض الأخبار، وفي بعض المولديات، والمدائح النبوية، التي تحتفل بسريان "النور المحمدي" في الوجود؛ وقد يختلف شكل التعبير عن ذلك من القصيدة إلى الموشح، إلى السمطية، لكن الفكرة تظل واحدة، وهو ما حاولنا دراسته في كتاب من جزئين: أحدهما، دراسة عرفانية، وآخرهما دراسة أسلوبية.

وخلاصة القول في هذا المقال، هو أن الجزائر العثمانية، قد تحولت في آخر المطاف إلى "ورشة" لصناعة طرق "علم الباطن"، وقد طغى ضجيجها، وعمَّ عجيجها أطراف البلاد، وطمس بعض الأصوات التي كانت تحاول –عبثاً- صنع "علم الظاهر". ولا عجب بعد ذلك أن خاطب المحتل الفرنسي أعيان البلاد في منشوره(88) الذي وزعه على الأهالي عشية الاحتلال، بلغة "أهل الباطن" وكان مما جاء في الخطاب "يا أيها أهل الإسلام، إن كلامنا هذا صادر عن الحب الكامل"!

*الحواشي:

(1)انظر: محمد الحفناوي –تعريف الخلف برجال السلف: مؤسسة الرسالة –بيروت-ط2- 1985- ص1-70.

(2)انظر: ديوان الأمير عبد القادر الجزائري (جمع وتحقيق د.زكريا صيام) ديوان م.ج. الجزائر 1988-ص55.

(3)انظر: أ.عبد الرحمن الجيلالي –تاريخ الجزائر العام: دار الثقافة- بيروت 1982-ص3-37.

(4)انظر: المرجع السابق –ص3-403.

(5)أحمد توفيق المدني- حرب الثلاثمائة سنة بين الجزائر وإسبانيا –المؤسسة و.ظ. –الجزائر- ط3-1984. ص96.

(6)د.عبد الرزاق قسوم –عبد الرحمن الثعالبي والتصوف –الشركة و.ن.ت- الجزائر 1978- ص13.

(7)د.أبو القاسم سعد الله- تاريخ الجزائر الثقافي- ص 1- 131.

(8)انظر: د.عبد الرزاق قسوم- عبد الرحمن الثعالبي والتصوف (هامش) ص25.

(9)انظر: وليم سبنسر- الجزائر في عهد رياس البحر- تعريب: د.عبد القادر زبادية- ص31.

(10)حقق الرسالة ونشرها: د.أبو القاسم سعد الله- أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر- ص 1- 208.

(11)مذكرات الحاج أحمد الشريف الزهار- تحقيق: أحمد توفيق المدني- ص85.

(12)ذكر في رسالته التي بين أيدينا الجهات التي وجه إليها رسائله.

(13)انظر: المرحوم توفيق المدني- حرب الثلاثمائة سنة- ص 93- 95.

(14)انظر: نص الرسالة: أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر – ص1- 209 (سبقت الإشارة إليها).

(15)انظر: د.قسوم- عبد الرحمن الثعالبي والتصوف- ص25.

(16)انظر: الشيخ المهدي البوعبدلي- الجزائر في التاريخ- ص 4- 129.

(17)انظر: الجزائر في التاريخ- ص 4 -121.

(18)انظر: حرب الثلاثمائة سنة –ص 93- 95 وتاريخ الجزائر الثقافي- ص 131- 133.

(19)انظر: تاريخ الجزائر الثقافي- ص- 1- 131، وانظر: الجزائر في التاريخ- ص- 4- 126.

(20)انظر تاريخ الجزائر الثقافي- ص- 1- 464.

(21)انظر: رحلة القصادي- هامش 96، وابن مريم، البستان في ذكر الأولياء والعلماء بتلمسان- ص74.

(22)نظر: تعريف الخلف برجال السلف- ص 103- 106.

(23)انظر: ميلاد عيسى- الياقوتة (باللغة الفرنسية) المؤسسة الوطنية للكتاب- الجزائر 1986- ص6.

(24)تعريف الخلف برجال السلف –ص 2- 106.

(25)انظر: الجزائر في التاريخ- ص 4- 181.

(26) انظر تاريخ الجزائر الثقافي- ص- 1- 470.

(27)انظر: محمد بن علي شغيب- أم الحواضر في الماضي والحاضر، تاريخ قسنطينة، مطبعة البعث، قسنطينة، ص 133- 134 (1980).

(28)انظر: الجزائر في عهد رياس البحر- ص31.

(29)انظر: تعريف الخلف برجال السلف: 2/489- 490. انظر تاريخ الجزائر الثقافي- ص، وانظر: الجزائر في التاريخ 4- 138.

(30)حققها ونشرها: د. أبو القاسم سعد الله- مجلة الثقافة (الجزائرية) عدد 51- سنة 1979- ص- 21- 29.

(31)انظر: تاريخ الجزائر الثقافي –ص 1- 741.

(32)انظر: البستان لابن مريم- ص287- 288.

(33) انظر تاريخ الجزائر الثقافي- ص471.

(34)انظر: ترجمته وشعره الصوفي في تعريف الخلف برجال السلف.

(35) انظر تاريخ الجزائر الثقافي- ص-1- 198

(36) انظر: المرجع السابق –ص 1- 464.

(37) بدأت ملامح الشعور بالوطنية تظهر في كتابات بعض الجزائريين أثناء العهد العثماني، قال الورثلاني: "وصلنا إلى مدينة قسنطينة وهي مدينة في وطننا.." الرحلة الورثلانية- ص685.

(38). انظر: عبد القادر المشرفي الجزائر- بهجة الناظر في أخبار الداخلين تحت ولاية الإسبانيين- تحقيق: محمد بن عبد الكريم- دار مكتبة الحياة- بيروت (د.ت) ص 8- 13.

(39) المجلة الأفريقية- عدد 31- السنة السادسة جانفي- 1862- ص16

(40) المرجع السابق- ص16.

(41)المرجع نفسه: 17، والرسالة مؤرخة بسنة 1174ه.

(42) انظر: تاريخ الجزائر الثقافي- ص 1/ 84- 85 وغيرها.

(43)مثل عائلة الفكون بقسنطينة.

(44)د.عامر النجار، الطرق الصوفية في مصر- دار المعارف بمصر- ط 3/1986، ص42.

(45)انظر تاريخ الجزائر الثقافي- ص-1- 183.

(46)المقدم: هو المريد الذي يقدمه الشيخ على غيره من المريدين لينوب عنه في القيام بكل ما يخص شؤون المشيخة أو الزاوية.

(47)التعرف لمذهب أهل التصوف: مكتبة الكليات الأزهرية بالقاهرة –ط2، 1980- ص78.

(48)انظر: سميح عاطف الزين- الصوفية في نظر الإسلام- دار الكتاب اللبناني- ط3، 1985- ص445.

(49)رواية ابن مريم في: البستان في ذكر الأولياء والعلماء بتلمسان- ص110 وما بعدها، ورواية د.عامر النجار: الطرق الصوفية في مصر- دار المعارف بمصر- ط3، 1986- ص115.

(50)انظر: الصوفية في نظر الإسلام- ص544.

(51)انظر: الطرق الصوفية في مصر- ص114.

(52) انظر: الصوفية في نظر الإسلام- ص 546- 548.

(53)انظر: الطرق الصوفية في مصر- ص117

(54)انظر: فرج محمد فرج: إقليم توات خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين- ص112.

(55)انظر: ترجمته في الرحلة الورثلانية.

(56) انظر تاريخ الجزائر الثقافي- ص1/261- 264- 266.

(57)انظر: أبو القاسم بن عبد الجبار الفجيجي- ألفريد في تقييد الشريد وتوطيد الوبيد- تحقيق وتقديم: د.عبد الهادي التازي- مطبعة النجاح الجديدة- الدار البيضاء- المغرب- سنة1983- ص18.

(58) انظر تاريخ الجزائر الثقافي- ص-1- 287.

(59)نص الرسالة في: أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر- ص1- 208 (سبقت الإشارة إليها).

(60)انظر: الفكون- منشور الهداية في كشف حال من ادعى العلم والولاية: 11، وانظر: تاريخ الجزائر الثقافي ص1- 287.

(61)انظر: المرجع السابق- ص1- 312.

(62)انظر: د.اسماعيل العربي- الدراسات العربية في الجزائر- ص67.

(63)انظر: الدراسات العربية في الجزائر- ص67، وانظر: عبد الملك مرتاض- فنون النثر الأدبي- ص33.

(64)لأن المقام لا يتسع لها هنا.

(65)البستان: تحقيق: د.محمد بن أبي شنب- المطبعة الثعالبية- الجزائر- 1908- ص6.

(66)في مؤلفه: منشور الهداية في كشف حال من ادعى العلم والولاية- تحقيق: د.أبو القاسم سعد الله- دار الغرب الإسلامي- بيروت- ط1- 1987.

(67)منشور الهداية: 32.

(68)المصدر السابق- ص35- 37.

(69) الفصل الثالث من المنشور –ص117.

(70) الفصل الأول من المنشور- ص35.

(71) المصدر نفسه- ص147.

(72) يقصد (بشيخة): الشيخ طراد وكان قد تحدث عنه الفكون وعن علاقته مع محمد ساسي البوني ووصفه "بكبير المتلصصة"، منشور الهداية –ص161 وما بعدها.

(73)العبارات التي بين قوسين كلها للفكون: منشور الهداية- ص 164- 165.

(74)المصدر السابق- ص147.

(75)نزهة الأنظار في فضل علم التاريخ والأخبار.

(76)نحلة اللبيب بأخبار الرحلة إلى الحبيب.

(77)حققها ونشرها: د.أبو القاسم سعد الله- المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية- الجزائر 1983.

(78)لعبد الله العياشي- طبع حجري- فاس 1316ه (مغربي الأصل، من تلاميذ الفكون).

(79)تعريف الخلف برجال السلف (سبقت الإشارة إليه).

(80)انظر: منشور الهداية- ص118.

(81)المصدر نفسه- ص122، انظر: الجزائر في التاريخ- ص4- 180.

(82)منشور الهداية- ص122.

(83)راجع أبياتاً في ذلك –منشور الهداية- ص124 وغيرها.

(84)المصدر السابق- ص132.

(85)انظر: ترجمته في تعريف الخلف برجال السلف.

(86)مصطفى باش تارزي- المنح الربانية، شرح المنظومة الرحمانية- طبعة تونس 1308ه.

(87)نحلة اللبيب بأخبار الرحلة إلى الحبيب.

(88)انظر: المنشور كاملاً في مذكرات الحاج أحمد الزهار- ص176 (وكان شاهد عيان).

________________________________________

* مدرس في معهد اللغة العربية وآدابها- جامعة وهران- الجزائر.

* مخطوط عندي، لم يطبع، بعنوان: مختارات الشعر الصوفي في الجزائر على العهد العثماني. جمع وتحقيق وتخريج، صاحب هذا المقال.

مجلة التراث العربي- مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب - دمشق العدد 57 - السنة 15 - تشرين الأول "أكتوبر" 1994 - جمادى الأولى 1415







الأعضاء الذين قالوا بارك الله فيك/ شكراً لـ bagadi على المشاركة المفيدة:
 

الكلمات الدلالية (Tags)
ماجستير, الأمير, القادر, جامعة, إعلان

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع



الساعة الآن 17:02

المشاركات المنشورة تعبر عن وجهة نظر صاحبها فقط، ولا تُعبّر بأي شكل من الأشكال عن وجهة نظر إدارة المنتدى
المنتدى غير مسؤول عن أي إتفاق تجاري بين الأعضاء... فعلى الجميع تحمّل المسؤولية


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
2006-2013 © www.djelfa.info جميع الحقوق محفوظة - الجلفة إنفو (خ. ب. س)
Protected by CBACK.de CrackerTracker