طبيعة النظام السياسي الجزائري - منتديات الجلفة لكل الجزائريين و العرب

العودة   منتديات الجلفة لكل الجزائريين و العرب > منتديات الجامعة و البحث العلمي > الحوار الأكاديمي والطلابي > قسم أرشيف منتديات الجامعة

قسم أرشيف منتديات الجامعة القسم مغلق بحيث يحوي مواضيع الاستفسارات و الطلبات المجاب عنها .....

 

في حال وجود أي مواضيع أو ردود مُخالفة من قبل الأعضاء، يُرجى الإبلاغ عنها فورًا باستخدام أيقونة تقرير عن مشاركة سيئة ( تقرير عن مشاركة سيئة )، و الموجودة أسفل كل مشاركة .

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 2011-02-11, 20:40   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
yacine414
عضو مميّز
 
إحصائية العضو









yacine414 غير متواجد حالياً


New1 طبيعة النظام السياسي الجزائري

مقــــــــدمة:


النظم السياسية هي أنظمة الحكم أو أنواعها في الدول المختلفة, كل حسب مجتمعاتها ووفقا لقانونها الدستوري الذي يحدد شكل الدولة, والتي لا يكفي لوجودها توافر ركن الشعب وركن الإقليم, لكن من الضروري وجود سلطة سياسية عليا تعتبر الهيئة الحاكمة, التي تفرض إحترام التشريعات والتنظيمات الضرورية لتحقيق الأمن لأفراد الجماعة, ولقد ظهرت أنظمة الحكم منذ ظهور الدول القديمة, كمصر الفرعونية والدول الفارسية, حيث كانت جُل هذه النظم منبثقة من الأعراف السائدة آنذاك, ولم يكن للقانون الدستوري معالم إلا بظهور الدستور البريطاني, الذي جعل من مبدأ الفصل بين السلطات مبدأ
عام لتنظيم سلطة الدولة, والذي يحقق الحرية ويمنع الإستبداد, ويساهم في تحقيق الدولة القانونية وحسن آداء وظائفها, والدليل على ذلك هو أن معظم النظم السياسية المعاصرة قد تبنت هذا المبدأ, كل حسب مفهومه, فمنهم من يأخذ بالفصل المطلق كالنظام الرئاسي, ومهم من يأخذ بالفصل المرن كالنظام البرلماني, وهذه الأنظمة السالف ذكرها معمول بها في دول العالم, كما جارتها في ذلك الدول العربية, إلا أن هذه الأخيرة بسبب عدم إستقرارها السياسي أدت إلى ظهور مشكلة المشروعية – والتي تعتبر مصدر النظام السياسي – ذات العمقين التاريخي والسياسي في الوطن العربي, وخصوصا في الجزائر مع تزايد الدعوة إلى التعددية والديمقراطية, مما يجعل إشكالية المشروعية مثالا واضحا للتباين بين المواقف والقوى السياسية الجزائرية, التي لم ترسى حتى الوقت الحاضر على نموذج معين من المشروعية حتى يقوم ويستند إليها النظام الجزائري, ورغم الجهود المبذولة لإصلاح النظام السياسي الجزائري وتحديد طبيعته, إلا أن هذه الجهود لم ترقى إلى مستوى المشروعية المطلوبة لتحديد هذه الطبيعة, ذلك أنه لتحديد طبيعة نظام الحكم في أي دولة يجب أن تتوفر هذه الدولة على وثيقة هامة ألا وهي الدستور لأنه مصدر لمن يطلب المشروعية, فإذا إنعدمت هذه الوثيقة إنعدمت معها المشروعية, لكن مع هذا يجب أن تتعزّز هذه الوثيقة الدستورية بالإستقرار وأن تحظى بالإحترام من طرف الدولة , لأن الوثيقة الدستورية تكفل كل المبادئ والحقوق في حين تتجه إرادة حكام الدول إلى السيطرة وكبت

هذه الحريات, ولهذا أردنا طرح الإشكالية التالية:
- ما هي طبيعة النظام السياسي الجزائري في ظل مبدأ الفصل بين السلطات؟











أهمية الدراسة:

توجد عدة معايير يمكن من خلالها التعرّف على طبيعة النظام السياسي الجزائري, ولعل من أبرز المعايير, التحولات الديمقراطية التي مرت بها الدولة الجزائرية, بإعتبارها المحرك الأساسي لتغيير الدساتير عبر المراحل التاريخية, لكن الوثيقة الدستورية لا تعكس حقيقة ما هو سائد في النظم السياسية
المعمول بها.
والدساتير الجزائرية الأربعة, لم تحدد معالم نظامها السياسي, ولهذا نجد أنه لتحديد طبيعته أهمية بالغة يجب التعرض لها بالدراسة.































أسباب الدراسة:
السبب الموضوعي:
إن دراسة النظام السياسي الجزائري قليلة بالنظر إلى النظم الأخرى, وغير محددة لملامح هذا النظام بدقة, مما أدى بنا إلى الإتجاه صوب هذه الدراسة.
السبب الذاتي:
نتيجة للأوضاع السياسية غير المستقرة في الجزائر, والتي أدت بالدولة الجزائرية إلى عدم تبني نظام سياسي واضح, تولد لدينا ميول تجاه معرفة نوع هذا النظام.

































هف الدراسة:
تهدف هذه الدراسة إلى تحديد طبيعة النظام السياسي الجزائري الغامض, وما إذا كان هذا النظام متماشيا مع آمال وطموحات الشعب الجزائري.


























مناهج الدراسة:
من خلال موضوع الدراسة, فإن المناهج المتبعة تتمثل في:
1- المنهج التاريخي بصفة أساسية: على إعتبار أن الموضوع يتطلب منا متابعة التطورات التاريخية لهذا النظام.
2- المنهج المقارن: وذلك للإطلاع على النظم السياسية المعاصرة (المقارنة), ومعرفة أي هذه الأنظمة يتماشى وطبيعة المجتمع الجزائري.
3- المنهج الوصفي والتحليلي: وذلك لوصف النظام السياسي الجزائري, ما إذا كان رئاسي, برلماني, جمعوي أو إسلامي......الخ, وكذلك لتحليل الأوضاع السياسية السائدة في ظل كل نظام, حتى يتسنى لنا التعرف بوضوح على النظام السياسي الجزائري.




الفصل الأول: دراسة تحليلية للأنظمة السياسية المعاصرة:

قبل الغوص في دراستنا لا بد من التعرض لمعنى " النظام السياسي " أولا, فهذه العبارة لغة تتكون من كلمتين:
أما النظام فجمعها نظم, ويعني النظام ترتيب الأمور على نحو معيّن, لتحصيل هدف محدّد.
وأما السياسية, فصفة مشتقة من السياسة, والسياسة هي القيام على الشيء بما يصلح, فيُقال: هو يسوس الدواب, بمعنى أن يقوم عليها ويرعاها, والوالي يسوس الرعيّة, قال (ص) :" كان بنو إسرائيل يسوسهم أبنائهم" أي يتولوا أمورهم(1).
وهناك إرتباط وطيد بين السياسة والسلطة, فالأولى تتضمن إستخدام السلطة من طرف الحكام, ليتمكّنوا من قيادة المحكومين لتحقيق مصلحة الأمة أما إصطلاحا فالمقصود بالنظم السياسية أنظمة الحكم في الدول والتي سنتعرض إليها لاحقا.

المبحث الأول: نظام حكومة الجمعية النيابية – النظام المجلسي –

إن تنظيم كيفية ممارسة السلطة قد يتم على أساس الفصل بين السلطات, الذي دعى له منتسكيو إما فصلا جامدا أو مرنا, وقد يقوم على أساس إندماجها, أي تركيز السلطة سواء في يد فرد واحد كالملكية المطلقة والدكتاتورية, أو لصالح هيئة نيابية وهي: حكومة الجمعية النيابية, والتي نشأت نتيجة الدور الهام الذي لعبته أفكار جان جاك روسو والذي يرى أن السلطة التشريعية هي التي تمثل السيادة الموحدة والمركّزة.
فروسو يرى ضرورة وجود حكومة تتولى التنفيذ والإدارة, لكن هذه الحكومة لا تكون مستقلة ولا يجب أن يكون لها جزء من السيادة, فهي يجب أن تكون خاضعة وتابعة للسلطة التشريعية, لكن ما يجب أن نؤكد عليه هو أن السلطة التشريعية عند روسو تتمثل في المواطنين أنفسهم وليس المجلس النيابي, فهو يؤمن بالديمقراطية المباشرة (1).
ونظام حكومة الجمعية النيابية هو نظام محدود التطبيق في الدول الديمقراطية, ولا يقارن بالنظام البرلماني أو الرئاسي, وهما الأكثر انتشارا وذيوعا إلى حد بعيد. فالنظام المجلسي يتميز بخضوع السلطة التنفيذية وتبعيتها للسلطة التشريعية أو البرلمان, فلا مساواة بين السلطتين ولا توازن وإنما العلاقة بينهما هي علاقة خضوع وتبعية, بحيث ترتكز السلطة السياسية كلها في يد المجلس النيابي وفقا لمبدأ أن السيادة لا تتجزأ أو لا تقبل التجزئة وان المجلس المنتخب هو الذي يمثل الشعب, فيتولى الوظيفة التشريعية ولإستحالة مباشرة المجلس للوظيفة التنفيذية فإنه يعهد بها إلى هيئات أخرى في الدولة تكون خاضعة له خضوعا تاما تنفذ سياسته وتعليماته وتسأل أمامه سياسيا. ويستند نظام الحكومة النيابية إلى مجموعة من الأسس و المتطلبات إضافة إلى تمتعه بمزايا وعيوب كباقي الأنظمة السياسية, وسنتناول هذا بشيء من التفصيل إضافة إلى تطبيقه العملي في سويسرا التي تعتبر المثال الوحيد لتطبيق هذا النظام.

المطلب الأول: نشأة وتطور نظام الجمعية النيابية تاريخيا.

النظام المجلسي لم يطبق كثيرا, فلقد طبق لأول مرة في فرنسا لفترات قصيرة وفي مراحل تاريخية متفاوتة, فنجدها قد أخذت به سنة 1792 واستمر إلى غاية 1795, وذلك بتولي البرلمان الذي اشتهر باسم: la convention زمام الأمور (2).

(1)- ماجد راغب الحلو, النظم السياسية والقانون الدستوري, الإسكندرية, منشأة المعارف, طبعة 2005’ ص02.
(2)- محمد رفعت عبد الوهاب, الأنظمة السياسية, منشورات الحلبي الحقوقية, طبعة 2005, ص 365.
(3)- عبد الغني بسيوني عبد الله, النظم السياسية, أسس التنظيم السياسي, منشأة المعارف للنشر, الإسكندرية, طبعة 1995, ص 265.

وطبق للمرة الثانية بعد ثورة 1848, وذلك بواسطة الجمعية التأسيسية:l'assemblée constituante والتي أنابت عنها لجنة تنفيذية مكونة من خمسة أشخاص, وعهدت إلى الجنرال " كافينياك " CAVAIGNAC بالسلطة التنفيذية بعد ذلك (1).
وعادت فرنسا وأخذت به سنة 1871 بعد سقوط الإمبراطورية الثانية أمام الغزو الألماني لفرنسا وأُختير " السير تيير" THIERS من طرف الجمعية الوطنية L'assemblée nationale ليتولى السلطة التنفيذية, والذي عزل بعد ذلك وعين المارشال " مكامهون " مكانه (2).
اضافة إلى اخذ فرنسا بهذا النظام نجد أن دستور النمسا لعام 1920 قد أخذ به وكذلك دستور بروسيا وبفاريا الألمانيتين (3).
وكذا دستور تركيا لعام 1924 ألا أن التطبيق العملي لهذا النظام تحول إلى نظام دكتاتوري بزعامة – الغازي – " كمال أتاتورك " الذي سيطر على مقاليد الحكم طوال العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين (4).
إلا أن تطبيق النظام المجلسي في سويسرا هو الذي لاقى نجاحا له و أعطاه قيمة دستورية حقيقية, وذلك منذ 1848 والتي لازالت تأخذ به إلى يومنا هذا.

المطلب الثاني: أساس و خصائص نظام الجمعية النيابية:

أولا: أسس و متطلبات هذا النظام:
لنجاح نظام الجمعية النيابية و لإمكانية تطبيقه يجب أن نحدد الأسس التي يستلزم توافرها لذلك وتتمثل فيما يلي:
1- تركيز السلطة بيد البرلمان وتبعيتها له:
إذ تقوم حكومة الجمعية على أساس دمج السلطتين وليس الفصل بينهما, فالبرلمان المنتخب من قبل الشعب هو الذي يتحكم في البلاد ويضطلع بكافة السلطات والأعمال سواء كانت على الصعيد التشريعي أو التنفيذي, وهو الذي يقوم بتعيين الوزراء ورئيس الوزراء لإدارة الشؤون التنفيذية ويخضع رئيس الوزراء للبرلمان في تلك الإدارة (5).
ففي هذا النظام ترجّح كفة البرلمان على الهيئة التنفيذية, فهو الذي يضع السياسة العامة للدولة فيوجه الأوامر للحكومة ويعدّل قراراتها أو يلغيها, كما له سلطة تعيين الوزراء, وله كذلك سلطة عزلهم عند اللزوم وله مسائلتهم سياسيا هم ورئيس الحكومة لعدم وجود توازن بين السلطتين.

2- الدمج بين السلطتين التنفيذية والتشريعية:
فعمل نظام حكومة الجمعية النيابية يتطلب الدمج بين السلطتين التشريعية والتنفيذية وليس الفصل بينهما كما في النظام الرئاسي أو التعاون والمساواة بينهما, كما هو الحال في النظام البرلماني, ففي هذا النظام السلطة التشريعية والتنفيذية كأنهما سلطة واحدة أي هناك دمج بينهما وليس هناك إختصاصات محدّدة لكل منهما وإنما خضوع تام من قبل السلطة التنفيذية للسلطة التشريعية والتي لا تملك حلها أو فرض رقابتها عليها (6).


(1)- عبد الغني بسيوني عبد الله, النظم السياسية, أسس التنظيم السياسي, مرجع سبق ذكره, ص 265.
(2)- عبد الغني بسيوني عبد الله, نفس المرجع, ص 265.
(3)- الموقع الالكتروني: http://www.f-law.net/law/archive/index.php?t-2324.html
(4)- مولود ديدان, مباحث في القانون الدستوري والنظم السياسية, الجزائر, دار النجاح للكتاب, الطبعة الأولى, ص 286.
(5)- الموقع الالكتروني:http://www.tamiu.edu/~mbenruvin/gove...systems-1e.htm
(6)- الموقع الالكتروني:http://www.tamiu.edu/~ mbenruvin/governing-systems-1e.htm



أ‌- إن هذا النظام لا يعترف أبدا بمبدأ الفصل بين السلطات سواء كان جامدا أو مرنا, وإنما يقوم على وحدة السلطة وتركيزها في السلطة التشريعية أو البرلمان الممثل الحقيقي للشعب.
ب‌- نظام يعترف بحتمية وضرورة وجود حكومة تمارس المسائل التنفيذية والإدارية بشرط أن تكون تابعة دائما للسلطة التشريعية صاحبة السلطة الأصلية.
ت‌- تبعية الحكومة للسلطة التشريعية تتحقق بإختيار هذه الأخيرة لأعضائها, عن طريق الإنتخاب وهي التي تحدد إختصاصات الحكومة بحرّية تامة ومن حق البرلمان إلزامها بسياسة عامة يجب أن تراعيها و أن يوجه لها الأوامر الملزمة لها ولأعضائها.
ث‌- ليس للحكومة أن تراقب أعمال البرلمان, فلا يجوز لها حله كما في النظام البرلماني, لأنه يتعارض مع سيادة البرلمان وسيطرته عليها, بينما يحق له – البرلمان – توجيه أسئلة وإستجوابات للحكومة و أعضائها, وله أن يسائلهم سياسيا عن تنفيذ قوانينه وسياسته (1).
كما لا يحق لها أن تطرح الثقة أمام البرلمان أو أن تقدم إستقالتها.
ج‌- يجب أن تكون الحكومة التي تتولى العمل التنفيذي هيئة جماعية وتصدر القرارات منها بهذه الصفة (2).
فكل أعضائها متساوون ولا يتمتع رئيسها بأي مركز خاص وليست له إختصاصات مستقلة بأي حال.

المطلب الثالث: التطبيق العملي لنظام الجمعية النيابية وتقييمه:
أولا: التطبيق العملي لنظام الجمعية النيابية:
إذا كانت إنجلترا هي مهد النظام البرلماني, والولايات المتحدة الأمريكية هي نموذج النظام الرئاسي, فإن الفقه الدستوري يقدم سويسرا على أنها منشأ النظام المجلسي وهي تكاد أن تكون الدولة الوحيدة التي يطبق فيها هذا النظام على الأقل في الديمقراطية الغربية.
و هذا عرض لتطبيق هذا النظام في سويسرا:
سويسرا بلد إتحادي لأن شعبها يتكون من عدة مجموعات عرقية ولغوية ودينية مختلفة (3).
ورغم هذه الإختلافات إلا أنه بلد يضرب لنا مثال عن كيفية تكوين وحدة قومية دون اللجوء للعنف, فهو مثال طيّب لمن يفكر في إنشاء وحدة عالمية أو على الأقل وحدة أوروبية أو إفريقية فهي بلد الحرية الحقيقية, فقد إرتقت الحرية الفردية إلى مستوى ديني وسياسي حقيقي, إضافة إلى حرص السويسريين على إبعاد النفوذ الأجنبي عن حكومتهم فوصل حرصهم هذا إلى أن نصّوا في دستورهم على منع الحكام والموظفين والضباط من قبول أي هبات أو هدايا من أي حكومة أجنبية (4).
1- مؤسسات النظام السويسري:
أولا: المقاطعات:
يتكون الإتحاد السويسري من: 20 مقاطعة و 06 شبه مقاطعات تعتمد نظام المجلس الواحد, وينتخب أعضاء هذا المجلس على أساس الإقتراع النسبي, وهذا المجلس يقوم بإنتخاب أعضاء حكومة المقاطعة المتكونة من: 05 إلى 11 عضو حسب كل مقاطعة بحيث:
- يمكن لمجلس المقاطعة إقالة الحكومة.
- كل مقاطعة تحتفظ بإستقلالها ويحدد دستورها الخاص إختصاصاتها وكيفية ممارستها.


(1)- محمد رفعت عبد الوهاب, مرجع سبق ذكره, ص 266.
(2)- محمد رفعت عبد الوهاب, نفس المرجع, ص 266.
(3)- بوكرا إدريس, الوجيز في القانون الدستوري والمؤسسات السياسية, دار الكتاب الحديث, طبعة 2003, ص 226.
(4)- عبد الحميد متولي, القانون الدستوري والأنظمة السياسية مع المقارنة بالمبادئ الدستورية في الشريعة الإسلامية, الإسكندرية, منشأة المعارف, طبعة 1993, ص 257.

وهذه المقاطعات لا تزال تطبق نظام ديمقراطي مباشر, وذلك يتجلى بتجمع المواطنين في مجالس شعبية لإتحاذ التشريع والتنفيذ, والمصادقة على الميزانية السنوية وللمصادقة على التعديلات المحتملة لدستور المقاطعة وغيرها (1).

ثانيا: المؤسسات الفدرالية:
تنقسم إلى الجمعية الفدرالية أو الجمعية الإتحادية والمجلس الفدرالي أو المجلس الإتحادي.
أ‌- الجمعية الإتحادية - البرلمان -:
يتألف البرلمان السويسري من مجلسين هما:
أ-1: المجلس الوطني أو مجلس النواب le conseil national : هو الذي يمثل الشعب, ينتخب أعضائه بالإقتراع العام المباشر والنسبي لمدة: 04 سنوات.
يراعى في تشكيله التناسب مع عدد سكان الولايات, فكل عضو يمثل حوالي: 25000 مواطن (2).
أ-2: مجلس المقاطعات أو الولايات le conseil de l'Etats: وهو يمثل الولايات بحيث يراعى في تأليفه تحقيق المساواة بين هذه الولايات, ويبلغ عدد أعضائه: 46 عضو, وكل مقاطعة تمثل بعضوين, وكل شبه مقاطعة بعضو واحد, وهذا بصرف النظر عن عدد السكان, ويتم تعيينهم إما عن طريق الإقتراع العام لسكان المقاطعة أو من طرف أعضاء المقاطعة (3).
إختصاصات البرلمان:
يتمتع كل من المجلسين السابق ذكرهما بنفس الصلاحيات, خاصة ما يتعلق بإقتراح القوانين ودراستها, فهما يجتمعان حكما في جلسة سنوية, لكن جرت العادة على عقد 04 دورات قصيرة في السنة, ويأخذ كل مجلس منفصلا عن الآخر قراراته.
كما يجتمعان لإنتخاب أعضاء المجلس الإتحادي ولتعيين رئيس الدولة الإتحادية, ولتعيين أعضاء المحكمة الإتحادية ومحكمة الضمان وقائد الجيش (4).

ب‌- المجلس الفدرالي – الإتحادي - :
تتكون الحكومة من: 07 أعضاء منتخبين لمدة: 04 سنوات من طرف الجمعية الفدرالية, وينتخب رئيس الحكومة – رئيس المجلس – ونائبه من طرف الجمعية لمدة سنة.
لا يمارس رئيس المجلس الفدرالي – رئيس الدولة – سوى دور شرفي لأن الصلاحيات الفعلية يمارسها أعضاء المجلس كل حسب نشاطه الوزاري (5).
وتتخذ القرارات عن طريق التوافق من طرف المجلس الفدرالي بإعتباره هيئة جماعية.
وأعضاء المجلس السبعة (07) يختلفون, فأربعة منهم ناطقين بالألمانية وإثنان ناطقين بالفرنسية وواحد بالإيطالية, وذلك لكون سويسرا متعددة اللغات, فـ 65 % من شعبها يتحدثون الألمانية و 18 % الفرنسية و 12 % الإيطالية, إلى جانب أقلية أنجلوسكسونية (6).
وينتخب البرلمان رئيس السلطة التنفيذية لمدة سنة من بين الأعضاء السبعة, مع عدم إعادة إنتخابه مباشرة بعد نهاية ولايته الأولى, وهو لا يملك أية سلطة على باقي أعضاء المجلس الإتحادي.
ولا يمكن للمجلس أن ينعقد إلا إذا توفّر وجود 04 أعضاء في الجلسة.

(1)- بوكرا إدريس, مرجع سبق ذكره, ص 227.
(2)- تيسير عواد, محاضرات في النظم السياسية المقارنة, ديوان المطبوعات الجامعية, الطبعة الثانية, طبعة 1993, ص 118.
(3)- تيسير عواد, مرجع سبق ذكره, ص 119.
(4)- مولود ديدان, مرجع سبق ذكره, ص 288.
(5)- بوكرا إدريس, نفس المرجع, ص 228.
(6)-مولود ديدان, نفس المرجع, ص 289.

ونظرا لقوة البرلمان فإن بعض الفقهاء وصفوا النظام السويسري بالنظام المجلسي, وذلك لكونه ينتخب لجنة خاضعة لتوجيهاته دون أن يكون لهذه الأخيرة حق حل البرلمان أو الإستقالة أو التهديد بها.
والمجلس الإتحادي يتمتع بقدر كبير من الإستقرار, ذلك أن أعضائه يُعاد إنتخابهم بعد مدة: 04 سنوات دون قيد, لدرجة أن بعض أعضائه قد بقوا في السلطة لأكثر من: 30 سنة بالمقارنة مع الجمعية الإتحادية التي لا تتوافر فيها ميزة الإستقرار (1).

2- وسائل التأثير المتبادل بين الحكومة الفدرالية والمجلس الفدرالي:
توجد وسائل للتأثير المتبادل بين المؤسستين على الرغم من أن النظام يقوم على تركيز السلطة في يد الجمعية الفدرالية.
فالجمعية الفدرالية هي التي تتولى إختيار أعضاء المجلس الفدرالي, لكن لا يكون هذا المجلس ملزم بطلب الثقة من الجمعية.
تلتزم الحكومة بأن تقدم سنويا أمام الجمعية الفدرالية تقريرا عن سير الشؤون العمومية.
تعد الحكومة تقرير أحوال المسائل التي تعتبرها الجمعية ذات أهمية.
يمكن للجمعية أن تقدم لوائح للمجلس على أن يتقيّد بها أثناء تحديد السياسة العامة للدولة.
يمكن للمجلس الفدرالي أن يبادر بالقوانين, والذي هو حق له وللجمعية أيضا.
يمكن للأعضاء المشاركة في المناقشات داخل غرفتي البرلمان, وهذه المشاركة تمكن من صياغة القوانين حسب رغبة المجلس, وذلك للتحضير التقني الجيّد لهذه القوانين من طرفهم(2).
وفي حالة وجود خلاف بين المؤسستين يملك البرلمان حق إستجواب الحكومة, وذلك بالمصادقة على لائحة تنتقد سير الحكومة دون أن يؤدي ذلك إلى إستقالتها.
يستطيع البرلمان التأثير على الحكومة وذلك برفض الموافقة على القوانين ومنح التراخيص المالية أو فرض قوانين تتعارض مع السياسة الحكومية (3).

مما سبق ذكره نجد أن النظام السويسري يمتاز بتطبيق وسائل الديمقراطية شبه المباشرة, مثل اللجوء إلى الإستفتاء والإقتراع الشعبي للقوانين, مما يجعل الشعب صاحب السيادة المباشرة.
وهذا النظام لم يستمر إلا بفضل نظام التعاون بين السلطات الذي يشكل أساس هذا النظام.

ثانيا: تقييم نظام الجمعية النيابية:
1- المزايا:
كأي نظام فإن نظام حكومة الجمعية له مزايا عديدة نجملها فيما يلي:
- بما أن حكومة الجمعية النيابية نظام يتحقق عقب الحركات الثورية غالبا, وذلك إذا ما دعيت جمعية تأسيسية لوضع دستور جديد, فهو بذلك يمثل مرحلة إنتقالية تستطيع الدول من خلالها تجاوز مرحلة حرجة من تاريخها.
- بما أنه ستكون هناك هيئة تنفيذية وليس مجرّد شخص واحد, مما يعطي – كما يرى مؤيدوا هذا النظام – إمكانية تعدد الآراء, وبالتالي تعدد الآراء والحلول وشمولية الرؤية.
- بما أن الهيئة التنفيذية مسؤولة سياسيا أمام البرلمان, فهذا يمنع إستبداد السلطة التنفيذية.
- يرى البعض أن النظام المجلسي أكثر النظم ديمقراطية, وذلك لأن الشعب هو من يمارس السلطة الحقيقية, وهذا من الناحية النظرية أي يمارس الديمقراطية الحقيقية.

(1)- تيسير عواد, مرجع سبق ذكره, ص 120.
(2)- بوكرا إدريس, مرجع سبق ذكره, ص 229.
(3)- بوكرا إدريس, نفس المرجع, ص 229.

2- العيوب:
مثلما لأي نظام مميزات وعيوب, فإن لنظام الجمعية النيابية أيضا عيوب نجملها فيما يلي:
- بما أن نظام حكومة الجمعية النيابية يمنع إستبداد السلطة التنفيذية كميزة من مزاياه, لكن هذا لا يحول دون إمكانية إستبداد السلطة التشريعية – البرلمان -.
- عمليا هناك هيئة تابعة للسلطة التشريعية التي تنفذ القوانين, وبالتالي ليس للشعب وبالتالي تصبح السلطة الحقيقية لهذه الهيئة وليست للشعب.
- إدماج السلطات كلها بيد سلطة واحدة يؤدي إلى الإستبداد والقضاء على الديمقراطية تدريجيا, وسيفوق إستبدادها إستبداد الملوك والحكام.

خاتمة المبحث:
خلاصة القول أنه إذا أردنا أن نحكم على نظام حكومة الجمعية النيابية, فلا يجب أن نحكم عليه من تطبيقات بعض الدول لهذا النظام في الظروف الإستثنائية غير العادية, كما حدث في فرنسا أو تركيا مما أدى إلى نهاية هذه التجربة بدكتاتوريات وإستبداد, ولهذا يجب أن نأخذ التجربة السويسرية, كتجربة تستحق الإعجاب في بلد تتنوع فيه اللغات والإنتماءات, وتجتمع فيه عدة نظم سياسية في آن واحد.
فقد لاقى نظام حكومة الجمعية النيابية نجاحا مشهودا في سويسرا, مما أدى إلى منح هذا البلد إستقرارا سياسيا نادرا وتقدّما حضاريا كبيرا.
ولهذا لا يمكن أن نقول بعدم نجاح هذا النظام كنظام ديمقراطي.

المبحث الثاني: النظام السياسي الرئاسي:
إن النظام الرئاسي يقوم على أساس محورية دور السلطة التنفيذية في العملية السياسية, ولاسيما في المجال الخارجي, حيث يتمتع رئيس الدولة بسلطات واسعة مع نوع من التوازن في المجال الداخلي بين سلطة الرئيس وسلطة البرلمان, أي أن هناك رئيسا قويا وبرلمانا قويا يحتاج كلاهما إلى الآخر لآداء عمله.
فنجد مثلا في حين يحتاج الرئيس لأخذ موافقة البرلمان عند تعيين وزرائه, فإنه من اللحظة التي يتم فيها تعيينهم لا يعود للبرلمان سلطات عليهم, وكذلك في الوقت الذي لا يستطيع فيه البرلمان سحب الثقة من الرئيس, فإن الرئيس بدوره لا يتمتع بسلطة حل البرلمان, وسنتطرق في المطالب الآتية إلى نشأته والأسس التي يقوم عليها وتقييمه.

المطلب الأول: نشأة وتطور النظام الرئاسي:
إستمد النظام الرئاسي أصله من النظام الذي كان سائدا في بريطانيا في الفترة الممتدة بين 1681 إلى 1782, وتأثر أيضا بأفكار " جان لوك " و " مونتسكيو " المنادية بمبدأ الفصل بين السلطات, كمبدأ أساسي لتنظيم العلاقة بين السلطات العامة في الدولة, ومنع الإستبداد بالسلطة, وخاصة كتابه الشهير " روح القوانين ".
ولقد إستلهمت الولايات المتحدة الأمريكية من ذلك و أدرجته في دستورها الذي تم إقراره في 1787 في مؤتمر عُقد في مدينة " فيلادلفيا " وحضرته 13 ولاية مستقلة عن بريطانيا إتبعت هذا المبدأ لكن " بمعنى متطرف يتضمن الفصل الجامد والمطلق بين السلطات, وعلى نحو يحول دون التعاون بينهما, على خلاف الفكرة الأصلية لمونتسكيو, والتي تفيد الفصل المرن بينهما وبالذات بين السلطتين التشريعية والتنفيذية " (1).
ونتيجة لنجاح التجربة الأمريكية في هذا المجال وتحقيق الإستقرار السياسي لشعبها وبلوغها درجة من الرقي والحضارة, دفع بالكثير من الدول وخاصة أمريكا اللاتينية ومصر إلى تبني هذا النظام بحذافيره نظريا وعمليا.


(1)- محمد رفعت عبد الوهاب, مرجع سبق ذكره, ص 192.


لكن والدارس للنظام السائد في الدولتين المذكورتين سابقا يلاحظ بأنها أدت إلى الكثير من المشاكل السياسية والإضطرابات والإنقلابات, فتحول من رئاسي إلى دكتاتوري, وهذا يرجع إلى الإختلاف الخارق والفادح بين أمريكا وبين الدولتين من حيث: المعطيات السياسية, الإقتصادية, الإجتماعية, الثقافية و الدينية.
فمثلا أمريكا اللاتينية " تغلب على طباع شعوبها التأثر بالأشخاص أكثر من التعليق بالمبادئ والأفكار, ويحتل الجيش فيها مركزا سياسيا هاما, وهذا ما يحول دون نشأة الأحزاب الكبيرة " (1).
مما يؤدي إلى بروز الدكتاتورية.

المطلب الثاني: الأسس والأركان التي يقوم عليها النظام الرئاسي:
يقوم النظام الرئاسي على مجموعة من الأسس والمتطلبات التي يتميّز بها عن غيره من الأنظمة السياسية الأخرى, ويمكن الإشارة إلى هذه الأسس فيما يلي:
1- تركيز السلطة التنفيذية بيد رئيس الجمهورية المنتخب من قبل الشعب بطريقة مباشرة أو غير مباشرة:
ما يمكن قوله, أنه في النظام الرئاسي بصفة عامة يكون فيه رئيس الجمهورية هو نفسه رئيس الحكومة ويتمتع بإمتيازات وصلاحيات السلطة التنفيذية المنظمة والمحدّدة تحديدا حصريا في الدستور, ولقد تقرّر نتيجة لهذه الصفة, أنه يتم إنتخاب رئيس الدولة عن طريق الإقتراع العام مباشرة أو بطريقة غير مباشرة من طرف الشعب الذي يستمد منه هو قوّته وسلطاته, فهو بمثابة الأساس الشرعي لهته السلطات حتى لا يصبح ديكتاتوريا, وبالتالي ونتيجة لهته المميزات والخصائص فإنه لا يمكن تطبيق هذا النظام في النظام الملكي, وإنما فقط في الأنظمة الجمهورية الديمقراطية, ونأخذ على سبيل المثال: الولايات المتحدة الأمريكية والتي قرّرت في دستورها الأخير المعمول به الآن كيفية إنتخاب رئيسها, وتكون عبر درجتين اثنتين كالتالي: فهو يتم إختيار مرشحين رئاسيين من 50 ولاية أمريكية (إتحادية فدرالية) والذين يقومون بإنتخاب شخص الرئيس ونائبه في عاصمة كل ولاية وترسل أصوات المندوبين إلى العاصمة واشنطن التي يقرر فيها الكونقرس اسم الرئيس الذي يكون قد حصل على أعلى الأصوات المندوبين ومعه النائب.
وبالتالي فالنظام الإنتخابي في أمريكا هو على درجتين, غير أنه وعمليا تم إلغاء الدرجة الأولى والإبقاء على الدرجة الثانية (يكون مباشرة من الشعب), ونستنتج أن الناحية القانونية غير مطابقة للناحية الواقعية والتي فرضتها الأحزاب السياسية, التي ظهرت مؤخرا في أمريكا (الجمهوري والديمقراطي).
فإنه " وبمجرد إختيار الناخبين الرئاسيين أصبح في الإمكان معرفة المرشح الذي سوف يفوز بمنصب رئيس الجمهورية, وذلك لأن أنصار كل حزب من بين الناخبين الرئاسيين سوف يعطون أصواتهم بالضرورة لمرشح الحزب الذي ينتمون إليه " (2).
وبذلك يقف رئيس الجمهورية الأمريكي على قدم المساواة مع البرلمان, لأنه قد إنتخب مثله بواسطة الشعب, إلا أن الواقع العملي واضح بأن الكفة تميل لصالح الرئيس نتيجة لإستئثارها بإختصاصات جمّة وتمتعه بنفوذ وقوة في مواجهة البرلمان.
2 - إختيار الوزراء بيد رئيس الدولة فقط دون تدخل من السلطات الأخرى:
في النظام الرئاسي يشرف رئيس الجمهورية على إختيار وتعيين الوزراء وإقالتهم من مناصبهم دونما تدخل لأي سلطة من سلطات الدولة الأخرى, ولا سيما البرلمان فهم يخضعون له ومسئولون أمامه فقط عما قرّره لهم رئيس الجمهورية تنفيذه من برامج ( فمهمتهم تنفيذية فنية بحتة ) وهو الذي يضطلع بتحديد السياسة العامة للدولة لوحده, وهذا ما يؤدي إلى القول بأنه في النظام الرئاسي لا يوجد رئيس مجلس الوزراء ولا مجلس الوزراء, حتى ولو إجتمعوا فإنه مجرد إجتماع من قبيل المشورة. والدليل على ذلك هو أن قراراته غير ملزمة أبدا للرئيس, وهذا يذكّر بقضية الرئيس الأمريكي " إبراهام لنكولن " – بإعتبار أمريكا منشأ النظام الرئاسي - .


(1)- محمود عاطف البنا, الوسيط في النظم السياسية مدينة نصر, دار الفكر العربي, الطبعة الثانية, طبعة 1994, ص 393.
(2)- تيسير عواد, مرجع سبق ذكره, ص 104.

حيث قال: " جميع وزراءه السبعة وعرض عليهم أحد المسائل, ووجدهم جميعا يرفضون الأخذ برأي الرئيس فإذ به يقول كلمته المشهورة "سبعة أصوات بالرفض في ناحية وفي الناحية الأخرى صوت واحد بالموافقة, إذ الرأي القائل بالموافقة هو الرأي الراجح " (1).
وما يستنتج من هذه العبارة هو أن الوزراء أبدا غير مستقلين عن رئيس الجمهورية, ويخضعون له في كل الأحوال وهذا ما يدعم الأساس الأول الذي يقوم عليه النظام الرئاسي, إذ أنه في الولايات المتحدة الأمريكية الوزراء هم مجرد مساعدين ويطلق عليهم إسم " سكريتيري الدولة " والوزارة يطلق عليها إسم السكريتاريا ".

3- الفصل التام أو المطلق بين السلطات:
يعتبر هذا الأساس هو جوهر النظام الرئاسي, بل لا تقوم له قائمة دونه, ويُعنى به إقامة الفصل المطلق التام بين السلطات الموجودة في الدولة, بحيث لا تتدخل أي سلطة في عمل السلطات الأخرى نهائيا, أي يكون هناك نوع من الجمود في العلاقة وهذا بغية تحقيق الإستقلال التام, مما يؤدي فعلا إلى تحقيق المساواة بين تلك السلطات وهذا عكس ما جاء به الفقيه " مونتسكيو " حول هذا المبدأ لأنه قد قصد به :" الفصل المتوازن بين السلطات العامة الثلاث في الدولة, مع قيام قدر من التعاون فيما بينها لتنفيذ وظائفها في توافق وإنسجام, ووجود رقابة متبادلة بينهما لضمان وقوف كل سلطة عند حدودها دون أن تتجاوز أو تتعدى على سلطة أخرى " (2).
وتتجلى مظاهر الفصل التام فيما يلي:
فالسلطة القضائية مثلا تستقل بممارستها وظيفتها حيث يتم إختيار القضاة عادة عن طريق الإنتخاب, كما يتمتع أعضاء السلطة القضائية بحصانات معيّنة وبنظام قانوني للمحاكم له ضمانات خاصة (3).
بينما السلطة التنفيذية في النظام الرئاسي فتستقل عضويا و وظيفيا عن البرلمان, فبالنسبة للأولى: لا يمكن أن يكون الوزير عضوا في البرلمان وإن كان كذلك فعليه الإستقالة فورا, كما لا يجوز لهم (الوزراء) حضور جلسات البرلمان, و هم بهته الصفة يعتبرون زائرين فقط.
أما الثاني: وكما بيّنا سابقا في الأساس الثاني للنظام الرئاسي أنه لا يجوز للبرلمان توجيه الإستجوابات أو سحب الثقة من الوزراء لأنهم جزء لا يتجزأ من رئيس الجمهورية, ومسئولون أمامه فقط إلا في مسألة واحدة وهي المسؤولية الجنائية عما يرتكبوه من جرائم مثل: جرائم الخيانة العظمى, والرشوة.
" وتتم محاكمة الرئيس بعد توجيه الإتهام من طرف مجلس النواب بالأغلبية البسيطة لأعضائه, ويتولى مجلس الشيوخ محاكمته, ويصدر حكمه بأغلبية الثلثين في إثبات التهمة الموجهة له, وفي هذه الحالة يتم عزل الرئيس " (4).
إلا أنه لم يتحقق ذلك في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية أبدا, أما بالنسبة للسلطة التشريعية فإنه لا يجوز للسلطة التنفيذية حق دعوة البرلمان للإنعقاد العادي أو فض دورته أو حله عكس النظام البرلماني, والذي يجوز فيه للرئيس حل البرلمان ويقابله حق البرلمان في تحريك المسؤولية السياسية, بينما في النظام الرئاسي لا يحق لرئيس الجمهورية حل البرلمان, كما لا يحق للبرلمان مساءلة الرئيس أو من يتبعه سياسيا.
كما أنه أي الرئيس ليس له حق إقتراح القوانين مثال: ب‘تبار أن السلطة التنفيذية خبيرة في إعداد قانون الميزانية إلا أنه ليس من حقها إعداده, فالبرلمان في النظام الرئاسي ينحصر بوظيفة إعداد المسائل المالية عن طريق لجانه الفنية.



(1) – محمد رفعت عبد الوهاب, مرجع سبق ذكره, ص 343.
(2)- عبد الغني بسيوني عبد الله, مرجع سبق ذكره, ص 261.
(3)- عبد الغني بسيوني عبد الله, نفس المرجع, ص 271.
(4)- بوكرا إدريس, مرجع سبق ذكره, ص 223.



وما تجدر الإشارة إليه أن هذا كأصل عام لأن الدستور الأمريكي قد أقرّ بعض الإستثناءات التي تمثل نوعا من التعاون وإيجاد الإتصال والرقابة المتبادلة بين السلطتين وهي كالتالي:

أولا: في مواجهة السلطة التشريعية:
1- حيث أنه يحق للرئيس تقديم توصيات تشريعية بعبارات عامة غير مفصلة بعد أن كان لا يجوز له أصلا حتى إقتراح القوانين.
2- حق الإعتراض التوفيقي (حق الفيتو): ومعناه أن يقوم الرئيس بالإعتراض على القوانين التي وافق عليها البرلمان, لكن هذا مؤقتا, لأنه بمجرّد موافقة الكونقرس على هذا القانون بأغلبية ثلثي أعضائها, فإن الإعترااض يسقط ويلزم الرئيس بتنفيذه.
3- حق دعوة البرلمان للإنعقاد في دورات غير عادية: في حالات الضرورة التي تتطلب ذلك الإنعقاد.

ثانيا: في مواجهة السلطة التنفيذية:
1- عند إقدام الرئيس على تعيين بعض كبار موظفي الدولة مثل: السفراء وقضاة المحكمة الإتحادية العليا, عليه أن يطلب موافقة مجلس الشيوخ.
2- ضرورة موافقة المجلس على المعاهدات والإتفاقيات الدولية التي يبرمها رئيس الجمهورية, وهذا ما حدث فعلا في " حادثة عصبة الأمم التي هندسها الرئيس الأمريكي الأسبق و درويلس بعد نهاية الحرب العالمية الأولى, وفي مؤتمر فرساي عام 1920, إلا أن عدم موافقة مجلس الشيوخ عليها حال دون دخول الولايات المتحدة الأمريكية للعصبة " (1).
إلا أنه وللهروب من موافقة مجلس الشيوخ على المعاهدات, فلقد تم اللجوء إلى الإتفاقيات التنفيذية, إلا أنه ومنذ 1972 وبموجب case act كان لا بد من إعلام الكونقرس بوجود هذه الإتفاقيات دون الإطلاع على مضمونها, ويمكن للكونقرس أن يرفض هذه الإتفاقيات في غضون 60 يوما عن طريق لائحة خاصة.
ومنذ التسعينات نجد محاولات الكونقرس للتأثير على السياسة الخارجية, عن طريق الإعتمادات المالية الممنوحة لبعض الدول, وكذلك المساعدة العسكرية.
أما عمليا فيتحقق التعاون عن طريق عنصران هامين وهما: حضور الوزراء لإجتماعات اللجان البرلمانية لمناقشة بعض المسائل وإنتماء رئيس الجمهورية للحزب الذي له الأغلبية البرلمانية, سواء كان هذا الحزب جمهوري أم ديمقراطي, وهذا فعلا ما يربط ويوثّق العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية للوصول إلى الإستقرار السياسي في الدولة ككل, وعدم خروج هذا النظام عن ديمقراطيته.
كما أن للسلطة القضائية في النظام الأمريكي دور مهم يتلخص في الرقابة على مدى دستورية القوانين الصادرة من البرلمان بالرغم من أن الدستور الأمريكي لا يمنحها هته الوظيفة إلا أن ذلك يرجع إلى عوامل أهمها: طبيعة النظام الفيدرالي الأمريكي وكذلك الإعتماد على مبدأ الفصل بين السلطات.......الخ.
ولعل من أهم الأساليب التي تتبعها المحاكم الأمريكية ما يلي:
1- أسلوب الرقابة عن طريق الدفع:
ويتم عن طريق تقديم الخصوم لطلب في دعوى مرفوعة أمام المحكمة ولا يترتب عن الحكم بعم الدستورية إلغاءه بالنسبة للكافة, بل بالنسبة للدعوى المطروحة أمام المحكمة
2- أسلوب الرقابة عن طريق الأم القاضي:
وهو الذي يجوز فيه للفرد التقدم أمام المحكمة لطلب إيقاف تنفيذ القانون على أساس أنه غير ستوري, و إذا إتضح للمحكمة أنه غير دستوري فهي تقوم بإصدار أمر قضائي إلى الموظف المختص بالإمتناع عن تنفيذ القانون موضوع الطعن وتكون مجالاته: الضرائب, التجارة, الشغل.....


(1)- http:/www.f-law.net/law/archive/index.php?t-2322.html



أسلوب الرقابة عن طريق الحكم التقديري:
" يلجأ الفرد للمحكمة طالبا منها إصدار حكم يقرر ما إذا كان القانون المراد تطبيقه عليه دستوريا أم غير دستوري, ويترتب عن ذلك توقف الموظف المختص عن تطبيق القانون إلى أن تصدر المحكمة حكمها بشأن دستورية القوانين وبدأ العمل بهذا الأسلوب سنة 1918. " (1).

المطلب الثالث: تقييم النظام الرئاسي:
يعتمد هذا النظام على فكرة النظام الإنتخابي المباشر من الشعب ( هيئة كبيرة وشعبية ) لرئيس الجمهورية, فإن هذا يساعد على القضاء على جميع الولاءات والمحاباة والمحسوبية تجاه أية سلطة من سلطات الدولة, خاصة عند اتخاذ القرارات, كما أنه يوفر هذا النظام الإستقرار السياسي, لأن المواعيد فيه دقيقة ومحدوة ولا يمكن تجاوزها مثلا: مواعيد الانتخابات, مدة الرئاسة, مدة البقاء في المنصب, كما تتمتع كل من الحكومة والبرلمان بفرصة العمل بكل حرية دون المعوّقات التي تحول ون القيام بالمسؤوليات على أكمل وجه.
ولعل أبرز مثال عملي على نجاعة هذا النظام - بالرغم من رجحان كفة السلطة التنفيذية فيه – وهي دولة قوية سياسيا, إقتصاديا,.........الخ ألا وهي الولايات المتحدة الأمريكية, فهي منشأه وتبنّته, وحاولت إستبعاد كل العيوب التي وجهت إليه, وهذا نتيجة لأن الشعب الأمريكي لديه درجة كبيرة من اليقظة والوعي السياسي, وكذلك إهتمام الرؤساء بمصالح شعبهم الذي إختارهم, كما أن إعمال وسائل التأثير المتبادل قضى على فكرة الفصل الجامد بين السلطات, فالشعب الأمريكي يحاول البحث عن رئيس قوي, لكن هته القوة لا تجعله مستبد بالسلطات الممنوحة له.
لكن لا يعني نجاحه في أمريكا كل هذا النجاح أنه لا يمكن أن تتبناه دول أخرى و أن يوفر لها الإستقرار السياسي, رغم النقد الذي وجّه له في هته النقطة وهو كونه لا يصلح في دول عالم الجنوب, لكن هنا نشير إلى أنه ينبغي توافر عوامل ( وعي الشعب, توفير بيئة سياسية وإجتماعية لإحتضان هذا النظام....الخ).
ومن العيوب الموجهة أيضا هو أنه قد يؤدي إلى حدوث تصام بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية في حالة ما إذا كانت البرامج التي يتبناها كل منهما مختلفة, مما يصعب معه إيجاد الحل, وهذا يعود لإعتماده على مبدأ الفصل بين السلطات.
كما أنه من تبعات إعمال هذا المبدأ, وكذلك إلغاء المسؤولية السياسية يصعب معه تحميل المسؤولية, وتصبح السياسة السائدة هي: " سياسة الإتهام ( اللوم ) لبعضهم البعض ".
كذلك فقد قال الكثير من الفقهاء من بينهم " ألمان كجيلنك " و " لاباند الفرنسي ", و العميد " ديكي " أنه يهدم وحده الدولة, كما يرى الفقيه " روسو " أن فيه نوع من التجزئة للسيادة. ونوضح النظام السياسي الرئاسي في الشكل أدناه.
(2).

(1)- بوكرا إدريس, مرجع سبق ذكره, ص 109.
(2)- http:/www.libya-watanona.com/adab/mberweem/mb04027a.htm


أخيرا نجد أن النظام السياسي الرئاسي, هو نظام ديمقراطي نيابي يكون فيه الحكم للشعب, الذي يُنيب عنه من يمارس السلطة بإسمه ولحسابه وهو نظام يعتمد على أساسين, أولهما أحادية رئاسة السلطة التنفيذية وثانيهما الفصل الجامد بين السلطات, ويهدف هذا النظام من خلال دراسته إلى تقوية مركز رئيس الجمهورية وذلك من خلال جمعه بين رئاسة الدولة ورئاسة الحكومة.

المبحث الثالث: النظام السياسي البرلماني

إن النظام البرلماني هو صورة من صور النظام النيابي, وهو نوع من أنظمة الحكم ينقسم فيه الحكم "السلطة" بين هيئتين, إحداهما الحكومة أو مجلس الوزراء "الوزارة" وثانيهما البرلمان الذي يتم إنتخاب أعضاءه من قبل الشعب مباشرة, ومنه تنبثق الحكومة ويجوز فيه للبرلمان سحب الثقة عن الحكومة, كما يجوز للحكومة حل البرلمان, فهو إذا نظام يعتمد على التعاون والتوازن بين السلطات, وعلى مسؤولية الحكومة أمام البرلمان.

المطلب الأول: نشأة وتطور النظام البرلماني
النموذج السياسي البريطاني: تعتبر بريطانيا مهد النظام البرلماني, حيث ظهرت معالمه هناك وتحّددت أسسه, خصائصه ومميزاته فيها, وقد مرّ النظام البرلماني بتطورات كثيرة وفترة طويلة قبل أن يستقر على الشكل الذي هو عليه اليوم, حيث إنتقلت السلطة الفعلية من ي الملك غير المسؤول إلى يد الوزارة المسئولة أمام البرلمان (1).
وكذلك الحال بالنسبة للدول التي إقتبست النظام البرلماني, إذ نرى تفاوتا واضحا في تطبيقات هذا النموذج.
وجاء هذا التطور موازيا و متناغما مع التطور التاريخي السياسي لبريطانيا نفسها. فمن الملكية المطلقة في العصور الوسطى إلى الملكية المقيّدة منذ القرن 13 إلى النظام البرلماني الذي أخذ صورته الكاملة في القرن 19.
لقد كان للديانة المسيحية واعتناقها من طرف أهل الجزيرة دورا كبيرا في توحيد المماليك المنتشرة في إنجلترا, فبعد تنظيم الكنيسة, إتحدت هذه المقاطعات ضمن المملكة المتحدة, وبفضل هذا الإتحاد ظهر مجلس الحكماء يضم الأشراف, فضلا عن رجال الملك, ولهذا المجلس أن يعزل الملك ويشاركه في إختيار رؤساء المقاطعات, وهذه هي مرحلة الملكية المقيدة.
إن أصل نشأة الوزارة في إنجلترا يرجع إلى لجنة الدولة التي تفرّعت عن المجلس الخاص الإنجليزي, وأعضائها هم مستشاري التاج, إذ أن مجلس العموم لم يكن بقادر على رقابة هؤلاء المستشارين, إلا عن طريق الإتهام الجنائي.
وفي أثناء حكم أسرة " أوراتج " طغى مركز الوزارة على المجلس الخاص, إذ برزت ككيان مستقل عنه, تتولى تحديد السياسة العامة للبلاد, وفي عهد " جورج الأول " ظهر مركز رئيس الوزراء سنة 1814, أول ملوك أسرة " هانوفر " نظرا لعدم معرفته باللغة الإنجليزية, فترك رئاسته للوزارة لأحد الوزراء, وعند قيام الأحزاب, فأعضاء الوزارة من قادة الحزب الفائز في الإنتخابات وتطورت بعدها المسؤولية الوزارية من المسؤولية الفردية لكل وزير عن أعماله, إلى المسؤولية القضائية أو الجماعية في منتصف القرن 18.
عند إضطرار رئيس الوزراء " والبول " إلى تقديم إستقالته, عند فقده ثقة البرلمان, وظهرت بذلك قاعدة تولي المعارضة للحكم عند سقوط الوزارة, بأمر من الملك زعيم المعارضة, وتوالت بعد ذلك إستقالة الوزارات.


(1)- تيسير عواد, مرجع سبق ذكره, ص 71.


إذن فبعد أن كان الملوك في العصور الوسطى يتمتعون بسلطات مطلقة, أخذت هذه السلطات تنكمش قليلا, حتى تضاءلت تماما وأصبحت مجرد سلطات إسمية أو رمزية, وكان التطور الأخير نتيجة تقرير المسؤولية الوزارية أمام البرلمان, و إنتقال سلطات الملك إليهم في ظل حكومة أسرة " هانوفر " التي ’وليّت عرش البريطانيين من 1714 إلى 1873, والتي عجز ملوكها عن مباشرة سلطاتهم وإضطرو لأسباب مختلفة أن يتركوها بيد الوزراء (1).
إن تطور ونجاح التجربة البريطانية في النظام البرلماني كشكل من أشكال الأنظمة السياسية الموجودة في دول العالم, إلى الأخذ بهذا الشكل لأنظمتهم السياسية, ولكن اختلاف البيئة الداخلية والخارجية لهذه الدولة, أو تلك قد كان لها دور بارز, وواضح في نجاح أو عدم نجاح هذه التجربة, ولعل فشل التجربة البرلمانية العراقية في عشرينات القرن المنصرم خير دليل على ذلك.
أما عن حل البرلمان , فقد بدا لأول مرة من قبل وزارة (وليمبت "w.pit" ) الذي إحتكم إلى الشعب لحسم الخلاف الذي نشب بينه وبين البرلمان, وأدى إلى حلّه بحصوله على أغلبية أصوات الناخبين.
وهنا بدأت تظهر أركان النظام البرلماني, وبرز هناك حزبان كبيران في إنجلترا في أواخر القرن 18, حزب الأحرار وحزب المحافظين (2).
حيث كانت الإنتخابات مع ضمان أغلبية مؤيدة للوزارة في البرلمان, و بأحد الحزبين, مما أدى إلى إستقلال الحكومة إستقلالا كاملا عن الملك مقابل مسؤوليته أمام البرلمان, ونتج عن ذلك عدم مسؤولية الملك عن تصرفات الوزارة, وتخلى الملك (وليم بت) عن سلطة إختيار الوزراء سنة 1835, وترك هذا الأمر لرئيس الوزراء ليضع من يثق بهم طاقما لوزارته.
إذن فنظام بريطانيا بدأ بالملكية المطلقة ثم تحوّلت إلى ملكية مقيّدة, ومنها إلى الملكية البرلمانية, التي حقّقت في ما بعد النظام الديمقراطي البرلماني (3).
وأدى نجاح هذا النظام في بريطانيا إلى إقتباسه من طرف العديد من الدول في أوروبا وغيرها, و إتخاذه نظاما للحكم بها.
ولقد أدى التغيير والتعديل في هذا النظام من طرف العيد من الدول إلى فقدانه الكثير من خصائصه التقليدية التي ’عرف بها في إنجلترا, فإذا أُعطي رئيس الجمهورية مركزا شرفيا, فيقترب من نظام حكومة الجمعية النيابية (النظام المجلسي), كما أن القول بإيجابية دوره, يغيّر النظام إلى رئاسي, ومن هنا يتجلى دور رئيس الدولة في النظام البرلماني, فهو ليس سلبي ولا إيجابي, وإنما - رغم أن المسؤولية تقع على الوزارة كونها تمارس المهام الفعلية لحكم البلاد- فإنه تقع عليه المسؤولية الجنائية, إضافة إلى أنه له إختصاصات تشريعية وتنفيذية في تعيين الوزراء, وإقالة الوزارة, وحق دعوة البرلمان إلى الإنعقاد وحلّه, وهذه الإختصاصات كلها تكون عن طريق الحكومة, ولا يملك العمل منفردا.
والخلاصة أن النظام النيابي الإنجليزي نشأ نشأة تاريخية, ولا يزال يحمل الكثير من خصائصه الأصلية, فمجلس اللوردات ظل محتفظا بطابعه الأصلي, فهو مكوّن من الأشراف الوراثيين, وكبار رجال الدين ( الأساقفة ), كما أنه وإن فقد إختصاصه المالي منذ قانون 1911, إلا أنه لا يزال معتبرا محكمة عليا, تُستأنف أمامها جُل الأحكام الموجودة في الدولة, كما أنه يشارك في التشريع, وغلب عليه طابعه العام, حيث يعتبر أكثر تمثيلا للشعب (4).
من هنا إنتشر النظام البرلماني إلى أغلب بلدان العالم, فجاءت بعد ذلك محاولات لتبريره نظريا للتوفيق بينه وبين المبدأ الديمقراطي إنطلاقا من طرح إشكال: كيف يمكن أن تُنسب إرادة النوّاب إلى الشعب صاحب السيادة ؟

(1)- ثروت بدوي, النظم السياسية, طبعة 1975, ص 293.
(2)- عبد الغني بسيوني عبد الله, مرجع سبق ذكره, ص 290.
(3)- عبد الغني بسيوني عبد الله, نفس المرجع, ص 290, 291.
(4)- محمود عاطف البنا, مرجع سبق ذكره, ص 201.


و إستقر الفقه بذلك على أنه يجد تبريره في الإعتبارات العملية والسياسية بعد النقد الذي وُجّه إلى نظريتي النيابة والعضو, فالرأي الأول يقول بأن البرلمان نائبا عن الشعب, والثانية تقوم على أساس أن أفراد الأمة شخص واحد له إرادة جماعية, يعبر عنها بواسطة أعضائها وما الهيئات المختلفة كالبرلمان إلا أعضاء أي أدوات لتنفيذ إرادة هذا الشخص, وأنتقدت الأولى على أساس أنها إعتبرت الشعب شخصا معنويا له إرادة عامة, بينما النيابة تكون بين شخصي النائب والمنيب.
وهنا تكون الشخصية المعنوية للدولة وليست للشعب, أما النظرية الثانية فأنتقدت خاصة في كونها تقوم على المجاز والخيال, لأن الشعب ككتلة ليست له شخصية قانونية, وهي تؤدي إلى الإستبداد وقهر الحرّيات, لعدم تفريقها بين إرادة الحكام والمحكومين (1).
أما عن الأساس الذي أتى به الفقيهات " بارتلمي و دويز " والذي يقوم على الإعتبارات العملية والسياسية, فهو أن النظام النيابي, وجود الحكومة به ضرورة لا غنى عنها, وينبغي أن تكون لصالح المجموع.
لذا فمن المعقول مشاركة أكبر عدد ممكن من المحكومين في إدارة الحكومة, ذلك أن القانون العام والدستوري خاصة وثيق الصلة بالحياة العامة, وكما يرى الباحثون, فإن القرن 19 حمل ظهور فئات جديدة, تبدو أكثر حيوية وحركة ونهوضا, إستطاعت أن تبرهن على أهمية العامل الإقتصادي, وأثره في الحياة الإجتماعية والسياسية والثقافية, ما جعل هذه الفئات تُطالب بالمشاركة في الحياة السياسية, بعد أن كانت هذه القوى بعيدة ومنعزلة نوعا ما, إثر هيمنة الملكية المتعاقبة على سُدّة الحكم في الكثير من بلدان أوروبا.
وبهذا السياق الإجتماعي المتحرك, برزت مظاهر الشكل السياسي الجديد, الذي يُطلق عليه بالديمقراطيات النيابية التي تُعطي صلاحيات مميّزة للبرلمان ونُوابه, بحيث يكونون أصحاب قرار, في إطار الحياة الدستورية التي تهدف إلى حماية الحريات الفردية, وحقوق الأقليات في المجتمع, مثل حرية التعبير والتجمع والدين والحق في التملّك, وحماية الخصوصية الفردية فضلا عن المساواة أمام القانون, وأن تأخذ العدالة مجراها في مختلف المستويات (2).
ونجمل هذه الأسباب العملية فيما يلي:
صعوبة تطبيق الديمقراطية شبه المباشرة, لإتساع مساحة الدول و إرتفاع عدد السُكان.
خطورة ما ينتج عن الديمقراطية المباشرة, نظرا لأن الشعوب لم تنضج بقدر كافي, لأن تمارس سلطة الحكم بنفسها بطريقة مباشرة.
والسبب الأساسي في عدم الأخذ بالديمقراطية المباشرة هو أفضلية النظام النيابي لقصور الشعب على حُكم نفسه مباشرة.
إن أغلب رجال السياسة يُسلّمون بإستحالة تطبيق الديمقراطية المباشرة في العصر الحديث و " مونتسكيو " كذلك يقول بهذا الرأي, لكنه في نفس الوقت يرى بأن التمثيل تتجلى ميزته في سهولة مناقشة المواضيع المطروحة لكن إشكالية التخصيص المهني, وقلة الوقت – إذ أن العضو يقضي مُعظم وقته في قضاء حاجاته الإجتماعية – مما يحول دون تخصيصه لوقت كاف للسياسة, ويرى أن الشعب يُحسن إختيار ممثليه, وهذا ما جعل " دوجي " يقول: " أن مونسكيو لو عاش بداية القرن 20, لما جاء بهذا الإستنتاج " (3).
ولذلك يمكن القول أن التمثيل النيابي يجب أن يكون في ظل الوعي الثقافي والسياسي والمستوى التعليمي لدى أفراد الشعب.
خلافا لذلك " روسو " يُعارض الحكم التمثيلي, لأن الإرادة الخاصة تهدف أساسا حسب رأيه إلى التفضيل , في حين أن الإرادة العامة تهدف إلى المساواة ¬(4).
وهو بذلك يُعارض مونتسكيو.

(1)- محمود عاطف البنا, مرجع سبق ذكره, ص 202, 204.
(2)- الموقع الإلكتروني: http:/www.demoislam.com/modules.php?name=news&file=article6cid=491
(3)- سعيد بوشعير, القانون الدستوري والنظم السياسية المقارنة, الجزء الأول, الطبعة الثالثة, طبعة 1992, ص 251, 252.
(4)-سعيد بوشعير, مرجع سبق ذكره, ص 252.


المطلب الثاني: أسس ومتطلبات النظام البرلماني
قبل التطرق إلى الأسس, لا بُدّ من معرفة خصائص النظام البرلماني, لتفريقه عن الديمقراطية المباشرة والديمقراطية شبه المباشرة.
ففي الديمقراطية المباشرة, يتولى الشعب بنفسه سلطة الحكم, أما في الديمقراطية النيابية فيتولى الشعب السلطة عن طريق ممثليه, أما الديمقراطية شبه المباشرة فهي وسط بين النظامين السابقين, حيث يقوم الشعب بإنتخاب من يمثله لممارسة سلطة الحكم, مع إحتفاظه بحق التدخل أحيانا في مباشرة السلطة مثل: الإستفتاء الشعبي, وهو بذلك يُراقب البرلمان.
إن واحدا من أبرز الخصائص التي تتميّز بها العديد من الديمقراطيات تتمثل في دستور يحُد من صلاحيات الحكومة ويحمي الحقوق المدنية فضلا عن خلق وعي وإدراك بين المواطنين المتعلمين, من الذين يُدركون معنى ودلالات حقوقهم, ومسؤولياتهم المدنية, ليُسهموا حقا في الحفاظ على المجتمع المدني الراسخ والقوي, فضلا عن وجود القضاء المستقل الذي يحكم بالعدالة والمساواة.
І- خصائص النظام البرلماني:
إن النظام البرلماني لم ينشأ جاهزا, فقد نشأ نتيجة الحاجة لتطبيق حدود الملكية المطلقة, فتطور النظام الملكي, هو الذي يحدد إذن تطور النظام البرلماني, فعملية تكوّن هذا الأخير تبرز خلال تحليل تساقط السلطة الملكية, وصعود البرلمان (1).
ولهذا النظام خصائص نبرزها فيما يأتي:
1- الإنتخاب لمدة معينة : أ- هو برلمان منتخب من طرف الشعب: على أن هذا الوضع لم يكن كذلك دائما, فأحيانا تخلع الدساتير الوصف النيابي على ملوك وارثين, فمجلس اللوردات في إنجلترا, رغم تكوينه بغير طريق الإنتخاب كان يعتبر ممثلا للأمة, والملك نائبا عنها, يستمد منها سلطته, ويتقيّد في إستعمال السلطة بصالح الأمة وبقوانينها (2).
ب- إنتخاب البرلمان لمدة محدّدة: ذلك أن البرلمان يعبر عن إرادة الشعب, وهذا الأخير رغباته غير ثابتة, إنما تتغير بتغير الزمن, وحدوث التطورات الإقتصادية و السياسية, لذلك وجب أن يكون إنتخاب البرلمان لمدة موقوتة, ويتعيّن الرجوع إلى الشعب من وقت إلى آخر بإجراء إنتخابات جديدة لضمان أن يبقى ممثلا للشعب بإستمرار تمثيلا حقيقيا, بقدر الإمكان.
أما إذا كان البرلمان منتخبا مدى الحياة, فهذا يُفقد النظام البرلماني أساسه, حيث لا تكون رقابة شعبية على نوابه.
2- إختصاص البرلمان: يستقل بسلطة التشريع دون مشاركة الشعب مباشرة, وهو بذلك له سلطة حقيقية وكاملة بالتشريع, وليست له مهمة إستشارية فقط.
3- تحديد العلاقة بين البرلمان والناخبين: وفي هذا وُجدت نظريات, لكن التكييف الصحيح للعلاقة بينهما, لا تستند إلى نظرية الوكالة في القانون الخاص, ولا على أساس نظرية عامة للإنتخاب الذي يُقيم علاقة بين هيئة ما والشخص الذي إختاره للقيام بأعباء وظيفة معيّنة, وإنما هي علاقة سياسية, تحقق التوازن بين البرلمان والرأي العام, من ناحية فهو مستقل, ومن ناحية أخرى يمثل رغبات الشعب حتى لا تتعارض أعمال البرلمان مع الرأي العام, فالإنتخاب ليس وكالة بل إختيار (3).

П – أسس ومتطلبات النظام البرلماني:
يقوم النظام البرلماني على مجموعة من الأسس والمتطلبات التي يتميّز بها عن غيره من الأنظمة السياسية الأخرى, ويمكن إيجاز هذه الأسس فيما يلي:

(1)- بوكرا إدريس, مرجع سبق ذكره, ص 205.
(2)- محمود عاطف البنا, مرجع سبق ذكره, ص 210.
(3)- محمود عاطف البنا, نفس المرجع, ص 225.


1- وجود ثنائية الجهاز التنفيذي: يقوم تشكيل السلطة التنفيذية في النظام البرلماني على مبدأ الإزدواجية بين الرئيس (الملك أو المنتخب) والوزارة (1).
إن ذلك يعني وجود منصبي رئاسة الدولة ورئاسة الحكومة, وتكون المسؤولية السياسية مُلقاة على عاتق الحكومة, وتكون الوزارة مسؤولة مسؤولية تضامنية أمام البرلمان, أما الرئيس فيُسأل جنائيا في الأنظمة الملكية التي يُعد فيها الملك مُنزّها عن الخطأ والمسؤولية, ومهما يكن فإن رئيس الدولة في ظل هذا النظام يقوم بدور أساسي في إستقرار النظام, لترفُعه عن التنافس والصراع السياسي بين الأحزاب, وهو الذي تُعهد له مهمة إصدار القوانين, التي يُصوّت عليها البرلمان بعد إعدادها, ويُبرم المعاهدات (2).
وله حق المراجعة الدستورية, فلماذا ينفرد بهذه السلطة على رأس السلطة التنفيذية, خاصة وأن من شأن هذا أن يُجمّد مراجعة ذات أهمية (3).
أما الجهاز التنفيذي فهو الحكومة أو الوزارة, حيث هي التي تضطلع بأعباء الحُكم بوصفها المحور الرئيس للسلطة التنفيذية في النظام البرلماني.
لذلك فالمسؤولية السياسية الكاملة تقع على عاتقها أمام الهيئة النيابية, وعليه فالمسؤولية الوزارية تُعد بالفعل حجر الزاوية في النظام البرلماني, والركن الأساسي في بنائه, وبدونها يفقد هذا النظام جوهره, وتتغيّر طبيعته, وقد تكون هذه المسؤولية جماعية, كما قد تكون فردية يتحملها وزير واحد, فالأولى مسؤولية جماعية عن السياسة العامة التي إن لم يوافق عليها البرلمان, سحب الثقة من الحكومة, أما الثانية فتتعلق بمسؤولية الوزير عن وزارته, وسحب الثقة منه يُحتّم عليه تقديم إستقالته من الوزارة(4).
وتختص الوزارة بممارسة السلطة التنفيذية من تنفيذ القانون, ورسم السياسة العامة للدولة, وتقديم مشاريع قوانين للبرلمان (5).
2- وجود تعاون بين السلطات (مبدأ الفصل المرن بين السلطات):
ويعني هذا أن توزيع الإختصاصات ما بين السلطات مرنا غير جامد, فمع قيام السلطة التشريعية بوظيفة التشريع, فإن للسلطة التنفيذية الحق في إقتراح القوانين والتصديق عليها, وبالمقابل فإن للسلطة التشريعية الحق في مراقبة أعمال السلطة التنفيذية, والتصديق على الإتفاقيات, التي تُقدمها السلطة التنفيذية, وتنظيم العلاقة بين السلطتين يكون قائما على فكرة التوازن بينهما, فهناك مساواة وتداخل بين السلطتين, ولعلّ هذا الأمر أكثر وضوحا في بريطانيا منشأ النظام, على إعتبار أن الحزب الفائز بالأغلبية البرلمانية, هو الذي يشكل الحكومة, ورئيس الوزراء يكون رئيس الحزب الفائز بالأغلبية البرلمانية, وهنا تظهر وشائح العلاقة الواضحة بين الحكومة – بوصفها جزءا من السلطة التنفيذية – والبرلمان – بوصفه جزءا من السلطة التشريعية – كما للبرلمان كذلك كالسلطة التنفيذية حق المراجعة الدستورية, فإذا إنفرد بها يُعد هذا من باب فقدان التوازن بينه وبين الحكومة, لذلك في بعض النُظم المشرع الدستوري ردّ هذا الأمر إلى السلطتين معا (6).
3- وجود نوع من الصرامة الحزبية أو الإنضباط الحزبي:
وهو مطلب أساسي آخر, إذ يتطلب النظام البرلماني نوع من الإنضباط الحزبي, لأنه كما أسلفنا الذكر أن الحزب الفائز بالأغلبية البرلمانية هو الذي يشكل الحكومة, وبالتالي فإن الحكومة ومن الناحية النظرية سوف تتمتع بأغلبية برلمانية مساندة, مما يُسهّل عمل الحكومة.


(1)- سعيد بوشعير, مرجع سبق ذكره, ص193.
(2)- سعيد بوشعير, نفس المرجع, ص194.
(3)- عبد الله بوقفة, أساليب ممارسة السلطة في النظام السياسي الجزائري (دراسة مقارنة), دار هومة للنشر, طبعة 2002, ص409.
(4)- عبد الغني بسيوني, مرجع سبق ذكره, ص 299.
(5)- سعيد بوشعير, نفس المرجع, ص 412.
(6)- عبد الله بوقفة, نفس المرجع, ص 412.



" وقد يثور التساؤل: لماذا؟ فالجواب: لأننا وكما نعرف أن السلطة المالية مثلا بيد البرلمان , فإنه في حالة وجود إنضباط حزبي لا تكون أية خلافات وعدم إلتزام نائب من حزب الأغلبية بالتصويت لمشروع الحكومة, سيؤدي إلى نوع من الجمود في العمل الحكومي, ولذلك نرى أنه بمرور الوقت, فإن الأحزاب البريطانية ولكونها تتبع النظام البريطاني, نرى أنها تتميّز بالإنضباط الحزبي العالي " (1).
وهذا لا يعني دمج السلطة التشريعية والتنفيذية معا, لأن هذا يعني إنعدام المعارضة, فوجود المعارضة التي تنتقد أعمال الحكومة " الحزب الفائز بالأغلبية البرلمانية " يكفل الرقابة الجيّدة لأعمال الحكومة, حتى لا تحيد عن السياسة العامة المفروضة لصالح الشعب.

المطلب الثالث: معايير معرفة النظام البرلماني وتقييمه
إن تسمية هذا النظام لا يعني وجود برلمان, لأن وجود برلمان منتخب من الشعب ليس خصّيصة أو ميزة ينفرد بها, بل هو أساس مشترك, إذ في كل من النظام الرئاسي و الجمعوي يوجد برلمان أيضا, وفي كلاهما يكون منتخب من الشعب, بل ما يميّز هذا النظام عن البقية, هو الفصل المرن بين السلطات, حيث تكون رقابة متبادلة لكلا السلطتين, التشريعية والتنفيذية, فمعيار التمييز إذن هو وجود سلطة تنفيذية فيها حكومة, يحق لها حل البرلمان, وهذا البرلمان يستطيع بدوره سحب الثقة منها وإسقاطها, وفي هذه السلطة التنفيذية نجد رئيس الجمهورية ليس مسؤولا سياسيا – وهنا يكون التهديد المتبادل لكفالة نظام حكم ديمقراطي – ونجد الوزارة, وهذه هي الميزة الثانية لهذا النظام, ومعايير التمييز هي أساسا: І – معيار النظرية التقليدية (التعاون والتوازن), وП المعيار الحديث (المسؤولية الوزارية).

І- المعيار التقليدي (نظرية التعاون):
ويقوم على عنصرين:
1- التوازن: ويكون خارجيا وداخليا
أ‌- التوازن الخارجي: إذ لكل من السلطتين وسائل للتأثير على الأخرى.
- البرلمان له مراقبة الحكومة وتقرير المسؤولية السياسية.
- رئيس السلطة التنفيذية له سلطة حل البرلمان والإحتكام للأمة.
ب‌- التوازن الداخلي: البرلمان له غرفتين:
- غرفة دنيا منتخبة بطريق الإقتراع المباشر, وغرفة عليا بالوراثة (التعيين أو الإنتخاب غير المباشر), ودورها المحافظة على الغرفة الشعبية (المجلس العام).
- الجهاز التنفيذي: وينقسم إلى: رئيس الجمهورية (الدولة), وهو غير مسؤول سياسيا, وله أساسا سلطة شكلية وشرفية, والحكومة يُسيّرها الوزير الأول (رئيس الوزراء), ويكون مسؤولا أمام البرلمان.
2- التعاون:
- من الناحية الشكلية: تبدو في مشاركة الحكومة في العملية التشريعية, كالمبادرة بمشاريع القوانين أو إصدارها, والتشريع بأوامر من طرف رئيس الجمهورية.
- من الناحية المادية: السلطة التنفيذية تمارس السلطة التنظيمية, أما البرلمان فيساهم في الوظيفة التنفيذية بالإذن والترخيص المالي, والموافقة على بعض الأعمال الدبلوماسية (2).
نقد المعيار:
- أنتقد من حيث تعميمه على جميع مراحل تطور النظام البرلماني, ذلك أن فكرة التعاون ظهرت في المرحلة الثانية, وإنهارت في المرحلة الثالثة من مراحل التطور التاريخي.

(1)- الموقع الالكتروني, http://www.law.net/law/showthread.php?t=2323
(2)- بوكرا إدريس, مرجع سبق ذكره, ص 206.
قاعدة التوازن ليست أساسا لإعتبار النظام برلماني, بالنسبة للسلطة التشريعية, إذ هناك من الأنظمة البرلمانية ما يقوم على مجلس واحد أو على مجلسين يسيطر أحدهما على الآخر, أو يكون لأحدهما دور شكلي على عكس السلطة التنفيذية , إذ أن التوازن أساسي إذ لا بد من وجود وزارة ورئيس أعلى للدولة, قد يكون ملكا أو منتخبا, لأن الرئيس يضمن إستمرار السلطة في حالة وجود صراع أو مواجهة بين الحكومة و البرلمان.

П – المعيار الحديث (المسؤولية السياسية):
وأخذت بها العديد من الدول مثل: كندا, أستراليا, السويد, الدانمارك, ألمانيا........الخ
ويقصد بها أن تكون الحكومة وليس الرئيس أو الملك (مثل بريطانيا) هي المسؤولة أمام البرلمان, أي أن البرلمان يستطيع سحب الثقة من الحكومة, وتستطيع الحكومة هي الأخرى سحب الثقة من البرلمان, أي أن هناك توازن بين السلطتين (التشريعية والتنفيذية), فللسلطة التنفيذية الحق في دعوة البرلمان للإنعقاد, وحتى حلّه كما للبرلمان الحق في إستجواب الوزارة, وتتجسّد المسؤولية السياسية في ما يلي:
1- لائحة اللوم ( كما تسمى في الدستور الجزائري ملتمس الرقابة): وتمارس من طرف البرلمان ضد الحكومة, ولكي لا يتعسف البرلمان, وتصبح الحكومة غير مستقرة, عادة لممارسة لائحة اللوم يشترط أغلبية مطلقة لأعضاء البرلمان لإسقاط الحكومة.
2- مسألة الثقة: تمارس عادة في حالة ظهور عراقيل من طرف البرلمان, لما يقدم من مشاريع من طرف الحكومة, حيث تكون المبادرة من طرف الحكومة, وذلك عن طريق رئيسها, وتطرح المسألة على البرلمان, وهو الذي يقوم بالإجراء, فإذا تحصل ذلك الموضوع على الأغلبية المشترطة, تكون الحكومة ملزمة بتقديم إستقالتها الجماعية لرئيس الدولة, وذلك طبقا للمسؤولية التضامنية بين أعضائها, إلا أنه يستطيع رئيس الدولة تعيين رئيس حكومة جديد وهو بدوره الذي يقدم حكومته الجديدة, كما لرئيس الجمهورية حل البرلمان, والإبقاء على رئيس الحكومة المستقيل.
 مظاهر رقابة السلطة التشريعية على السلطة التنفيذية: إضافة إلى الوظيفة التشريعية التي يتمتع بها البرلمان, هناك وظيفة رقابية تتجلى في المظاهر التالية:
1- حق السؤال: فمن حق أي عضو من البرلمان أن يوجه أسئلة إلى أي وزير للإستفسار عن موقف الوزراء من موضوع معيّن للإستعلام لا الإتهام أو المساءلة, إذ ليس من شأن باقي الأعضاء التدخل, ومن ذلك يمكن القول أن للنائب أن يسحب سؤاله (1).
2- حق الإستجواب: وه أخطر من السؤال إذ يعني محاسبة الوزير أو الوزارة بمجملها بسبب السياسة الخاطئة والمشروع الفاشل, وهو بذلك لا ينحصر فقط على مقدمه والوزير بل يؤدي إلى فتح مناقشة عامة ولكل عضو التدخل في المناقشة, وإذا سحب العضو مقدم الإستجواب إستجوابه يجوز لأي عضو آخر أن يستمر في المناقشة حول نفس الإستجواب. وقد ينتهي الإستجواب بإقتناع البرلمان بالردود والمبرّرات المقدمة من طرف الوزراء, أما في الحالة العكسية يتم تحريك المسؤولية السياسية للوزارة وطرح الثقة بها وتستكمل بإجراءات سحب الثقة وإسقاط الحكومة.
ونظرا لما بهذا الإستجواب من خطورة فقد أحاط الدستور حماية بالحكومة من تعسف البرلمان, حيث منح للوزير مهلة أسبوع تستطيع فيها الحكومة تحضير ردودها ودفاعها ومستنداتها .
3- حق إجراء التحقيق: وهو إجراء للتأكد من مدى سير مرفق معيّن من المرافق العامة للوقوف على أوجه التقصير أو الإنحراف في الإدارة, وعادة ما تكون بتشكيل البرلمان للجان تحقيق متخصصة لها سلطة إستدعاء الموظفين, والتثبّت في المستندات للوصول إلى الحقيقة, وفي نهاية التحقيق تقدم اللجنة تقريرها للبرلمان ليتّخذ ما يراه مناسبا وقد تنتهي بإستجواب الوزير المسؤول وتحريك المسؤولية الوزارية (2).


(1)- محمد رفعت عبد الوهاب, مرجع سبق ذكره, ص 326.
(2)- محمد رفعت عبد الوهاب, نفس المرجع, ص 327.




4- المسؤولية الوزارية: وتكون بناء على إقتراح عدد معيّن من النواب يحدّده الدستور, وقد تكون المسؤولية فردية لكل وزير على حدى, في ما يخص وزارته, كما قد تكون جماعية بسبب وضع سياسة عامة لا تتلاءم ومصالح الدولة, وتكون سحب الثقة من الحكومة بتصويت الأغلبية.
 مظاهر رقابة السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية:
1- حق دعوة البرلمان للإنعقاد وفضه وتأجيله: سواء دعوة للإنعقاد في دورة عادية أو غير عادية, الأولى أثناء عمل البرلمان عادة في كل عام والثانية أثناء العطلة السنوية وذلك لحالة من حالات الضرورة , كما من سلطة الحكومة فض الدورة العادية لمدة محدّدة لكن هذا وفق قيود دستورية.
أ- أن لا تتأخر الدعوة عن تاريخ معيّن: وإلا إنعقد البرلمان بقوة القانون دون دعوة وأن لا تقل فترة الإنعقاد السنوي العادية عن عدد معيّن من الشهور.
ب- عدم إنهاء الدورة السنوية قبل إقرار الميزانية العامة: حتى لا تتعطل مرافق الدولة ومثال ذلك ما نص عليه الدستور المصري لسنة 1923 في مادته 96 : " يدعو الملك البرلمان سنويا إلى عقد جلساته العادية قبل يوم السبت الثالث من شهر نوفمبر, إذا لم يدع لذلك يجتمع بحكم القانون وفي اليوم المذكور ويدوم دورة إنعقاده العادية مدة ستة شهور على الأقل ويعلن الملك فض إنعقادها " (1).
2- حق الإعتراض على القانون (حق التصديق): ويتمثل في حق رئيس الجمهورية في التصديق على القوانين التي يقرّها البرلمان, ويعني حق الإعتراض حق رئيس الجمهورية في رفضه التصديق على قانون معيّن لإعتقاده عدم ملاءمته للمصلحة العامة .
3- حل البرلمان كأهم سلاح رقابي: ويعني هذا حق الحكومة في إنهاء نيابة البرلمان للأمة قبل إنتهاء مدته الطبيعية وفقا للدستور, وهذا الحق هو ذلك السلاح الذي يوازي حق البرلمان في المساءلة السياسية للوزارة وبدون حق الحل يختل التوازن بين السلطتين (التشريعية والتنفيذية), وإلا أصبح النظام نظاما نيابيا وليس برلمانيا أين تكون السلطة التنفيذية تابعة للسلطة التشريعية وتحت رقابتها.
ويعود الثقل الكبير للوظيفة الرقابية في نظر المجتمع وأعضاء البرلمان إلى عدد من الأمور التي أملتها التطورات السياسية أهمها:
1- هيمنة الحكومة على صنع السياسات العامة: فهي مصدر معظم التشريعات وهي التي تمتلك القدرة على التنفيذ, وهي المخوّلة بوضع اللوائح التنفيذية للقوانين وتمتلك القدرات الفنية والإدارية وقواعد المعلومات اللازمة لصنع وتنفيذ السياسة, بحيث لا يتبقى للبرلمان الكثير من هذه القدرات لكي يقوم بصنع السياسة ورسم الأولويات, وبالتالي يتجه إهتمام البرلمانات في ظل هذه الأوضاع إلى محاولة إستثمار وتفعيل ما هو ممكن من وسائل وآليات للمساهمة في صنع القرار (وأهمها الرقابة).
2- إن التوازنات السياسية والحزبية في البرلمان قد تحد من قدرته على توجيه الحياة السياسية وصنع السياسات العامة , لا سيما في ظل وجود تكتل وأغلبية حزبية كبيرة مؤيّدة للحكومة, وبالتالي تصبح الرقابة أهم الوسائل المتبقية أمام المعارضة للتأثير في السلطة التنفيذية.
3- إن الثقافة السياسية السائدة في المجتمع قد تنظر إلى الدور الرقابي للبرلمان بشكل أكثر تقديرا وإعجابا في نظرتها لدوره التشريعي (2).
فبالنسبة إذن لنجاعة الرقابة البرلمانية على أعمال الحكومة فنرى إذا كانت الحكومة تتمتع بالأغلبية البرلمانية, تستطيع أن تفرض على حزبها في البرلمان نظاما رقابيا وولاء تاما, وهذا يؤدي إلى إبعاد الحكومة من الوقوع في أي حرج (يعني أنه لا معنى للمسؤولية والرقابة) وعكس ذلك إذا لم تكن الحكومة تتمتع بالأغلبية خاصة وأن النظام الفرنسي مثلا يقوم على التعدّدية الحزبية التي تؤدي إلى تشكيل إئتلاف لتشكيل الأغلبة ومن ثم فرئيس الجمهورية يعتمد على حزبه والحكومة تعتمد على الإئتلاف, والإنشقاق يعرضها للإنسحاب.

(1)- محمد رفعت عبد الوهاب, مرجع سبق ذكره, ص 330.
(2)- http//www.lybyaforum.org.php?option=com_*******&task=vie w&id=1380&Ilemid=177.

 أنواع النظام البرلماني:
من خلال المعايير التي تميّز النظام البرلماني, أثبتت التجارب السياسية للدول أن لهذا النظام أنواع وهي:
І- من حيث تكوين الجهاز التنفيذي:
1- النظام البرلماني الثنائي: وفي هذا النظام رئيس الجمهورية غير مسؤول سياسيا, لكن له دور فعّال ويحتفظ بسلطات حقيقية, أما الحكومة فهي مسؤولة أمام رئيس الجمهورية والبرلمان, فالمسؤولية هنا مزدوجة والجهاز التنفيذي كذلك مزدوج.
2- النظام البرلماني الموحّد: وهنا رئيس الجمهورية مسؤول سياسيا ودوره غير فعّال وله دور شرفي, أما الحكومة فهي منبثقة عن الأغلبية البرلمانية وهي مسؤولية أمام الغرفة الدنيا, إذن الجهاز التنفيذي مزدوج في القانون موحّد في الواقع مثل النظام البريطاني (1).
П- من حيث مكانة رئيس الجمهورية في الأجهزة: هناك أنظمة برلمانية يحوز فيها لرئيس الجمهورية على مكانة معتبرة ومركز قوي, والسلطة التنفيذية تكون للحكومة.
Ш- من حيث الأغلبية البرلمانية:
1- الأنظمة التي تحوز فيها الحكومة على أغلبية مستقرة في البرلمان: وتدوم هذه الأغلبية طوال الفترة التشريعية (بريطانيا, ألمانيا, السويد.....) وتعرف تصدُّرا حزبيا, ولكن تحالفا كبيرا لبعض الأحزاب, وتتميّز بـ:
- عدم تأثير البرلمان إذ لا يتهجّم على الحكومة والحكومة قوية (مثل بريطانيا).
- الحزب الحائز على الأغلبية يشكل الحكومة, وهي التي تمارس السلطة السياسية, فالمواطن البريطاني مثلا يصوّت لصالح برنامج وحكومة ورئيس حكومة.
- رئيس الوزراء هو زعيم الحزب الحائز على الأغلبية البرلمانية, ويؤدي هذا النظام إلى الإنعكاسات التالية:
 إستقرار واسع للحكومة.
 حكومة قوية.
 ضعف البرلمان: فالأغلبية تُدعّم الحكومة والأقلية ليس لها دور فعّال.
2- الأنظمة البرلمانية غير الحائزة على الأغلبية (الأقلية): هنا الحكومة ليست لها أغلبية في البرلمان, وهي عرضة للتصويت بسحب الثقة, وذلك بسبب تعدد الأحزاب داخل البرلمان مثل: (هولندا, بلجيكا, اليابان, إيطاليا) وتمتاز هذه الأنظمة بـ:
- تعدد حزبي: يحول دون تكوين إئتلاف برلماني مستقر.
- عدوانية البرلمان: إذ يمتاز البرلمان بالسيادة, فيملك كل شيء ولا يخضع للرقابة.
- حكومة ضعيفة: رئيس الحكومة هو رئيس التحالف الهش, وترتبط هذه الحكومة بالبرلمان, ويؤدي هذا النظام إلى الإنعكاسات التالية:
 عدم الإستقرار الحكومي وعادة ما تكون مدة الحكومة قصيرة.
 عدم إمكانية الحكم: حيث يمضي رئيس الحكومة معظم أوقاته في البحث عن تهدئة الصراع داخل الإئتلاف الحكومي, والسهر على وحدته (2).
 هيمنة دور البرلمان: الحكومة لا تتمتع بالسلطة, كما أن البرلمان لا يشرع بسبب عدم تحقق الأغلبية المستقرة, وهنا تبدو ضرورة تفويض السلطة التشريعية (القوانين, مراسيم القوانين) (3).
VІ – الأنظمة البرلمانية ذات الحزب المسيطر: وهي الأنظمة ذات الأحزاب المتعدّدة, إذ من بين هذه الأحزاب أحزاب مسيطرة مثل: الأحزاب الإشتراكية في بلاد الشمال والديمقراطية المسيحية في إيطاليا بإستثناء حزب المؤتمر في الهند, مما يسمح له بالبقاء في السلطة لمدة طويلة ومع ذلك توجد معارضة قوية تراقبه, إلى جانب تطبيق الإنتخابات الحرّة مما يسمح للمواطنين بمراقبة الحزب.

(1)- بوكرا إدريس, مرجع سبق ذكره, ص 210.
(2)- بوكرا إدريس, نفس المرجع, ص 211.
(3)- بوكرا إدريس, نفس المرجع, ص 211.

ولقد إستمرّت سيطرة حزب السيّدة (غاندي) بعد الإنقسام الذي حدث سنة 1971 وتشكيلها لحزب المؤتمر الجديد, وفوزه بالإنتخابات في نفس السنة, لكنه فقد السلطة في بداية الثمانينات, وإسترجعها ثم فقدها سنة 1989 الأمر الذي أدى إلى زوال فكرة الحزب المسيطر في أحد المراحل (1).
V – النظام شبه الرئاسي (البرلماني العقلاني): ويجمع بين النظامين البرلماني والرئاسي, لهذا إرتأينا أن ندرجه بين أنواع النظام البرلماني.
وفي هذا النظام يحق لرئيس الجمهورية أن يعيّن رئيس الوزراء بعد موافقة البرلمان (مجلس النواب) على ذلك وبعد إختيار رئيس الوزراء يطلب منه إختيار الوزراء بالإستشارة مع رئيس الجمهورية, وفي هذا النظام لا يشترط أن يكون الوزير عضوا في البرلمان, كما هو الحال في النظام البرلماني ويتميّز عنه بـ :
1- الرئيس يتمتع بالأغلبية البرلمانية : وبذلك يكون دور الأقلية ضعيف وإذا كانت الأغلبية تؤيد الرئيس فإن ذلك يعني أن هذه الأغلبية برلمانية ورئاسية, وهنا تكون الأغلبية مساندة للرئيس والحكومة, وبذلك تتجاوز سلطات الرئيس في هذا النظام سلطة الرئيس في النظام الرئاسي.
2- الرئيس لا يتمتع بالأغلبية: لا يكون للحكومة هنا وسيلة المبادرة مما يؤثر على إستقرارها, وهنا قد يوجد حزب يملك الأغلبية رغم تعدّد الأحزاب, حيث يترك الرئيس المبادرة للحكومة, أو أنه لا يوجد حزب يملك الأغلبية مما يجعل المبادرة للرئيس نتيجة الانقسامات الحزبية (2).
وفي خضم كل هذه الأنواع فالنظام البرلماني هو صورة من النظام النيابي, وعليه فمعظم النظم البرلمانية أخذت بنظام المجلسين إقتداء بالنظام الإنجليزي من جهة ومن جهة أخرى نظرا للمزايا التالية:
- تمثيل الطبقات الممتازة (الأرسطوقراطية) قديما في أحد المجلسين, مثل مجلس اللوردات في إنجلترا.
- وجود مجلس واحد يؤدي إلى إستبداده, كما أثبتت التجربة إذ أن وجود مجلسين يعني تقييد كل واحد منهما سلطات الآخر ويحد من تعسفه, وهذه أهم ميزة لإزدواج المجلسين وهذا رأي الفقيه "بونار" (3).
وكلما إتسعت سلطات البرلمان في العصر الحديث, كلما إزدادت الضرورة لهذه الميزة.
- نظام المجلس الواحد قد يؤدي إلى الأخطاء الناجمة عن العجلة, لذلك وجب أن يكون مجلس ثاني يراجع أعماله في مجلس النواب زيادة للتمحيص في القوانين.
- الاستفادة من ذوي الكفايات والمصالح الكبيرة بإدخالهم مجلس الشيوخ عن طريق التعيين.
 إضافة إلى أن من أخذت بنظام المجلس الواحد من الدول مثل البرتغال وإسبانيا قد عدلت عنه في السنوات الأخيرة, وأخذت بنظام المجلسين (4).
 المغايرة بين المجلسين: أي الإختلاف في تكوين كل منهما في مدة نيابة الأعضاء.
- فمثلا إنتخاب مجلس النواب في بعض البلدان: 05 سنوات (إقتراع عام ومباشر).
- أما أعضاء مجلس الشيوخ, ينتخبون لمدة: 10 سنوات (إنتخاب مقيّد) بشرط الكفاءة والنصاب المالي (إنتخاب غير مباشر).
- كذلك إختلاف السن: مثلا في مصر: 30 سنة بالنسبة لعضو النواب, فهو يقل بـ 10 سنوات عن سن عضو مجلس الشيوخ (دستور 1923 المصري).
 والحكمة من هذه المغايرة ترجع إلى:
أ- إختلاف مهمة كل من هذين المجلسين, فمهمة مجلس النواب تمثيل الرأي العام, أما مجلس الشيوخ فهو المجلس المحافظ الذي يمثل التقاليد وروح الماضي وروح الإعتدال (5).

(1)- سعيد بوشعير, القانون الدستوري والنظم السياسية المقارنة, ديوان المطبوعات الجامعية, الجزء الثاني, الطبعة الخامسة, ص 188.
(2)- سعيد بوشعير, نفس المرجع, ص 195, 196.
(3)- عبد الحميد متولي, مرجع سبق ذكره, ص 109.
(4)- عبد الحميد متولي, نفس المرجع, ص 109.
(5)- عبد الحميد متولي, نفس المرجع, ص 110.
ب – دون مغايرة يخشى أن يصبح كل مجلس صورة من الأخرى من حيث العقلية والنزعة الحزبية, وذلك يقلل من فائدة الإزدواج ومراجعة أحدهما للآخر.
 أما عن نظام المجلس الفردي أُخذ به في بداية عصر الثورة الفرنسية إستنادا إلى خاصية: سيادة الشعب تحت قيادة مجلس واحد, أي أنه إذا وجد مجلسين فالتعبير عن إرادة الشعب تكون بإرادتين, ربما تكونان متعارضتين, ضف إلى ذلك الخوف من قيام المنازعات بين المجلسين مما يؤدي إلى عرقلة العمل التشريعي وتأخيره.

تقييم النظام البرلماني:
للنظام البرلماني 05 وظائف لا بد من التعرض لها, حتى يتم تقييمه: هل يمارس هذه الوظائف على أكمل وجه أم لا؟ وحتى نعرف ما مصير هذا النظام؟.
إضافة إلى الوظيفة الرقابية التي يبسطها البرلمان على الحكومة, هناك عدّة وظائف أخرى وهي:
1- الترشيح لمنصب رئاسة الدولة: تتولى البرلمانات في النظم النيابية ترشيح رئيس الحكومة وذلك تطبيقا لفكرة الحكم بواسطة الأغلبية البرلمانية وكذلك ففي بعض الدول التي تجمع بين خصائص النظام البرلماني والنظام الرئاسي, يقوم البرلمان بترشيح رئيس الدولة, ثم يقرّر الناخبون ترشيحه في هيئة إستفتاء عام كما هو الحال في مصر بمعنى يتولى البرلمان ترشيح رئيس الحكومة ورئيس الدولة وليس تعيينهما, أما في النظام الملكي فيتولى الملك لمنصبه بالوراثة ولا دور للبرلمان في ذلك وفي حالة النظام الجمهوري, فالبرلمان قد يقوم بترشيح رئيس الجمهورية والقرار النهائي للناخبين, أما في حالة النظام الرئاسي فيتولى رئيس الدولة منصبه عن طريق الإنتخاب المباشر من طرف الشعب, كما هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية (1).
دون تدخل البرلمان وهذا تجسيدا للفصل بين السلطات.
2- صنع وإقرار السياسة العامة: مع تضخم دور السلطة التنفيذية في ظل التقدم الصناعي, وتزاحم العمل الحكومي, - بحيث أصبحت الإدارات التنفيذية أكثر إنشغالا وتعقيدا في مهام الحياة اليومية, وتفصيلات الآداء الإداري - , برز دور البرلمان في التأثير على السياسة العامة نظرا لما يتمتع به من قدرة على التعبير على المطالب الشعبية وأولويات الرأي العام (2).
3- الوظيفة المالية: حصلت البرلمانات على سلطتها المالية, عبر مرحلة صراع طويل مع الحكومة, منذ القرن 19 حتى أصبحت تلك السلطة من أهم مصادر قوتها في مواجهة الحكومة, وتتمثل السلطة المالية للبرلمان في تحديد حجم نفقات الدولة وإتخاذ الوسائل الضرورية لتغطية العجز المالي في الميزانية, سواء عن طريق الضرائب أو طرق أخرى, إذ تتجلى الوظيفة المالية في مراقبة المؤسسة التنفيذية في كيفية تحصيل الأموال وصرفها, وذلك عن طريق إقرار الميزانية, وبيان الحساب الختامي لها, وتستمد هذه الوظيفة من قاعدة " لا ضريبة دون تمثيل " (3).
4- الوظيفة الإقتصادية: وهي حديثة, وتتمثل في مراقبة البرلمان تدخّل الحكومة في النشاط الإقتصادي, وهذا بسبب تدخل الدولة في الإقتصاد العام.
5- الوظيفة شبه القضائية: إذ يختص البرلمان بالمسائل الداخلية له ويفصل في مدى صحة عضوية النوّاب, وإسقاط العضوية وهي مسائل دستورية لا تخضع إلى رقابة القضاء بل لرقابة البرلمان كسلطة قضائية.
6- التأثير على الرأي العام: إرتبطت مسيرة التطور السياسي ونمو الإتجاهات الديمقراطية في مختلف أنحاء العالم بدور البرلمان, حيث كان نقطة الإنطلاق لأفكار الحرية والمساواة والمشاركة السياسية الشعبية في الحكم.

(1)- http//www.lybyaforum.org.php?option=com_*******&task=vie w&id=1380&Ilemid=177
(2)- نفس الموقع
(3)- سعيد بوشعير, القانون الدستوري والنظم السياسية المقارنة, الجزء الأول,.......ص, 201.



كما أنه كان منبع الحركة الوطنية والمطالبة بالإستقلال في الدول النامية خلال الفترة الإستعمارية (ما إتّضح في الحركة الوطنية المصرية)منذ أوائل القرن العشرين, وهو بذلك يساهم في تشكيل الرأي العام وبلورة الإتجاهات السياسية العامة حول النظام السياسي, وذلك بإعتبار هذا الأخير نيابيا فالبرلمان له فرصة في التأثير على مختلف الإتجاهات والتيارات السياسية المتباينة داخل الدولة. كما يُعد منبرا لعقد المناقشات الدائمة بين المواطنين الذي يعبّر عنهم.
7- الوساطة بين المواطنين وأجهزة السلطة التنفيذية: يقوم عضو البرلمان بنوعين من الأدوار النيابية الأول: تمثيل الشعب في مجموعة وذلك من خلال عمله البرلماني في أمور التشريع والرقابة على الحكومة, وتمثيل مصالح الناخبين في دائرته المحلية (1).
والعمل على تلبية مطالبهم بعبارة أخرى, فإن أعضاء البرلمان يقومون بدور الوساطة بين دوائرهم الإنتخابية من ناحية والحكومة والأجهزة الإدارية والرسمية من ناحية أخرى.
8- الوظيفة التشريعية: إذ هي تجسيد لقيم الديمقراطية في إنشاء نظام حكم يعتمد على التمثيل, وتحقيق حرية المشاركة, فالتشريع يأتي تاليا لوضع الأولويات السياسية, وتحديد ملامح السياسات العامة المرغوبة من طرف الشعب.
من خلال ما تقدم هل النظام النيابي نظام ديمقراطي أم لا؟
يذهب بعض الكتاب إلى إعتبار أن النظام النيابي لا ينبغي أن يكون ديمقراطيا بالضرورة, ذلك لأن هذا النظام في نظرهم لا يكون ديمقراطيا إلا إذا أخذنا بمبدأ الإنتخاب العام والحر (إنعدام الديمقراطية إذا كان الإنتخاب مقيّد) (2).
لكن إذا ما سلّمنا بذلك, فكيف نستطيع التوفيق بين القول: أن الشعب هو صاحب السيادة, وهو لا يباشر السلطة مباشرة؟ لذلك توصل بعض الفقهاء إلى إعتبار أن هذا النظام هو من أنظمة الحكم التي تندرج ضمن الديمقراطية غير المباشرة, فمشكلة صحة تمثيل البرلمان للشعب؟ هناك من يرى أن البرلمان لا يمثل سوى أقلية من الناخبين , وذلك لأننا نكون قد أسقطنا الأصوات الفاشلة في الإنتخابات المتمثلة في الأصوات التي تحصل عليها المرشحون الذين لم ينجحوا في الإنتخابات وبذلك فهو لا يمثل الأمة ككل, أما الرأي الآخر فيعتمد على مبدأ الحكومة النيابية: وهي تلك التي يختار الشعب فيها من آن إلى آخر وبصفة دورية لمدة محدودة من يمارسون السيادة أو السلطة بإسمه وبالتالي فإرادة هذه الهيئة الحاكمة تعبّر عن إرادة الشعب, كما هو الحال في إنجلترا وفرنسا (3).
و أركانها:
- وجود برلمان منتخب " بارتلمي يرى أن البرلمان جوهر النظام النيابي ".
- عضو البرلمان يمثل الأمة كلها وليس دائرته فقط.
- لأعضاء البرلمان قسط من الإستقلال عن الناخبين في ممارسة السلطة.
- إنتخاب أعضاء البرلمان يجب أن يكون لمدة محدّدة.
- للمجلس النيابي بعض خصائص السيادة (السلطة التشريعية) وليس مجرّد دور إستشاري فقط.
وعلى هذا الأساس فإن السعي لخلق التوازن المطلوب, سواء في الأطر النيابية أو ما يماثلها من تشريعات وقوانين, يتعلق بتأكيد أسس العمل الديمقراطي في أي مجتمع هو بالضرورة مساحة مهمة لبناء الأنظمة الديمقراطية وإمكانية توسيع دائرة ثقافتها في جميع الإتجاهات, ويضطلع البرلمان بالدور الريادي في نجاح التجربة الديمقراطية من خلال إقرار القوانين بوصفه الهيئة التشريعية المنتخبة التي تمثل إرادة الجمهور.


(1)- http//www.lybyaforum.org.php?option=com_*******&task=vie w&id=1380&Ilemid=177
(2)- تيسير عواد, مرجع سبق ذكره, ص 57.
(3)- عبد الحميد متولي, مرجع سبق ذكره, ص 155.




 مزايا النظام البرلماني:
1- بالرغم من أن رئيس الوزراء هو الذي يختار مجلس الوزراء و إلا أنه في الحقيقة متساوي مع كل وزير ولهذا نجد أن رئيس الوزراء في بعض الدول يطلق عليه إسم الوزير الأول, وهو مجرّد الناطق الرسمي ولا يمكن إملاء وفرض سياسته على الوزراء (1).
2- الملك أو الرئيس في النظام البرلماني يقوم بوظيفة رياسة الدولة فقط بمعنى أنه يملك ولا يحكم, كما هو الحال في بريطانيا وإسبانيا أو رئيس يرأس ولا يحكم كما هو الحال في الهند و ألمانيا, وعليه فالرئيس أو الملك يجب أن يكون محايدا وهذا ما يجسّد الديمقراطية ويمنع الإستبداد والدكتاتورية.
3- مجلس الشعب يستطيع عزل رئيس الوزراء عن طريق سحب الثقة وتشكيل حكومة جديدة, وفي بعض الدول كألمانيا يشترط قبل سحب الثقة أن يكون المجلس قد إختار البديل له (2).
4- المحكمة العليا في هذا النظام هي عبارة عن اللجنة القضائية في مجلس الشيوخ بمعنى لا توجد مرجعية قضائية في هذا النظام, وإنما توجد مرجعية تنفيذية أي أن البرلمان في هذا النظام هو أعلى سلطة في البلد.
5- النظام البرلماني يمكن إعتباره أكثر إستجابة ومرونة في إتخاذ القرارات من النظام الرئاسي.
6- النظام البرلماني يشجع على وجود حوار ونقاش جاد بين كل القوى السياسية حول القضايا التي تواجه البلاد, وهو بذلك يؤدي إلى وحدة السيادة للدولة.
7- يؤدي إلى التفاعل الحقيقي بين السلطات الثلاث, التي تعد كلا منها مكملة للأخرى.
8- هناك المسؤولية السياسية, مما يعني إستحالة التهرّب من الخطأ السياسي وسهولة معرفة المسؤول الحقيقي عن الخطأ.

 عيوب النظام البرلماني:
1- قد يؤدي في دول عالم الجنوب إلى ظاهرة عدم الإستقرار للحكومة.
2- في ظل الإتجاهات الحزبية المعارضة والمتعارضة من الصعوبة بما كان الحصول على تأييد قوي لعمل الحكومة.
3- إن الحكومة ستكون خاضعة لتأثير جماعات مصالح مهمة, وستكون الولاءات الضيّقة حزبيا طاغية على السطح.
4- إن رئيس الحكومة لا يتمتع بشعبية كبيرة كشخص, مما لا يضفي عليه من الهيبة والرمزية العالية كرمز الأمة (3).
5- أنه نظام غير فعّال في الدول ذات التجربة السياسية الحديثة, فهو يحتاج إلى وعي وإدراك سياسيين عاليين, إضافة إلى تعمق التجربة الحزبية. وهذا ناتج عن غياب الفصل بين السلطات الثلاث في هذا النظام, وهذا الإنصهار بين السلطات الثلاث قد يعود إلى إستقلال السلطة والإستبداد بها, خصوصا في الدول النامية والتي تفتقد لمؤسسات معاصرة وقوية (4).
6- موع الإنتخابات غير ثابت في هذا النظام ومن حق رئيس الوزراء البقاء في منصبه طالما يملك ثقة الأغلبية في البرلمان, فعلى سبيل المثال ينص القانون الإنجليزي على: أن تعقد الإنتخابات البرلمانية خلال 05 سنوات وهذا يعني أن من حق رئيس الوزراء أن يدعو إلى إنتخابات جديدة, متى رغ ذلك, خصوصا عند ما يشعر بأن الشعب يؤيد سياساته, وبالفعل فقد قامت رئيسة الوزراء البريطانية " مارقريت تاتشر " عام 1983.

(1)- الموقع الالكتروني:http://www.tamiu.edu/~mbenruvin/gove...systems-1e.htm
(2)- الموقع الالكتروني:http://www.tamiu.edu/~mbenruvin/gove...systems-1e.htm
(3)- الموقع الالكتروني:http://www.tamiu.edu/~mbenruvin/gove...systems-1e.htm
(4)- الموقع الالكتروني:http://www.tamiu.edu/~mbenruvin/gove...systems-1e.htm


بإستغلال هذا التفسير للقانون عندما إنتصرت في الحرب التي قادتها ضد الأرجنتين فيما عُرف بحرب " جزر الفالكونز " وكانت نتيجة تلك الإنتخابات أن زادت نسبة مقاعد حزب المحافظين في البرلمان من 53% إلى 61 % (1).
7- ومن العيوب كذلك في هذا النظام لا الرئيس ولا رئيس الوزراء يختارهما الشعب, وبهذا يكون من الصعب على الشعب محاسبة هؤلاء إلا من خلال ممثليه (2).

خاتمة المبحث:
- ما مصير النظام البرلماني؟
يعتقد بعض الفقهاء أن النظام البرلماني أصبح مجرّد حقيقة تاريخية بعد أن آلت السيادة إلى الشعب وحده, ذلك أنه لم يقم إلا فترة محدودة (فترة الملكية المقيّدة بسيادة الملك والشعب) أما بعد أن إنتقلت السيادة للشعب وحده فقد إنهار النظام البرلماني (3).
لكن الحقيقة أنه مازال قائما, لكن تغيّرت أطراف التوازن بين السلطات وأصبح التوازن يقوم بين حزب الحكومة بسلطتيها التنفيذية والتشريعية وبين أحزاب المعارضة.
والشعب هو صاحب السيادة, فبأصواته يعهد لبعض الأحزاب تولي شؤون الحكم لفترة محدودة, وهو بذلك يمنحها أغلبية المقاعد البرلمانية ويوكل البعض الآخر مهمة المعارضة والرقابة, بأن يجعل لممثليها عددا أقلا من هذه المقاعد, وهو بذلك لا يزال موجود كنظام ديمقراطي, لكن يجب أن يكون في ظل مؤسسات معاصرة ووجود قدر من الوعي والثقافة.
أما عن الفقه الحديث, فيعتبره قد تغيّرت بعض ملامحه, إذ يسمونه النظام البرلماني المتطور أو العقلاني, أي أنه أصبح شبه رئاسي وهذا لما يملكه هذا الأخير من مميّزات تتجلى في:
1- في هذا النظام من حق الحكومة إصدار قرارات لها فاعلية القوانين, بشرط موافقة رئيس الجمهورية على ذلك.
2- للحكومة الحق في إقتراح القضايا التي يجب مناقشتها في مجلس الشعب.
3- يعطى لرئيس الجمهورية حق حل مجلس الشعب والمطالبة بإنتخابات جديدة بشرط أن لا يسيء إستعمال هذا الحق.
4- يمكن للجمعية الوطنية فصل رئيس الوزراء أو أي وزير آخر عن طريق سحب الثقة منهم.
5- لرئيس الجمهورية الحق في فرض قانون الطوارئ.
6- لرئيس الجمهورية الحق في إستفتاء الشعب في قضايا يراها هامة, ولهذا قوة القانون في الدولة.
7- مراجعة الدستور بيد المجلس الدستوري.

ورغم وجود هذا النظام الهجين بين البرلماني والرئاسي, كبديل للأنظمة البرلمانية إلا أنه يخلق إشكالات على الصعيد السياسي, من ذلك: - ما يعاب عليه هو عندما تتصادم مصالح رئيس الجمهورية مع مصالح رئيس الحكومة, الذي يمثل مصالح البرلمان وهذه المشكلة عرفت في السياسة الفرنسية "بمشكلة التعايش المزدوج" وهي الحالة التي يتم فيها إختيار رئيس الجمهورية من إتجاه فكري مناقض للإتجاه الذي يمثله رئيس الحكومة, كما حدث للرئيس الفرنسي "ميتيران الإشتراكي" عندما فرضت عليه الجمعية العمومية أن يختار السيّد: "شيراك" (اليمين الرأسمالي) ليكون رئيسا للوزراء سنة 1986, وعليه فمن الواجب على رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة أن يتعاونا وأن يتحدى لكي تنجح الحكومة وتحقق أهدافها (4).

(1) - الموقع الالكتروني:http://www.tamiu.edu/~mbenruvin/gove...systems-1e.htm
(2)- الموقع الالكتروني:http://www.tamiu.edu/~mbenruvin/gove...systems-1e.htm
(3)- محمد راغب الحلو, مرجع سبق ذكره, ص 252.
(4)- الموقع الالكتروني:http://www.tamiu.edu/~mbenruvin/gove...systems-1e.htm


- كما قد يسيء رئيس الجمهورية إستخدام قانون الطوارئ مثال ذلك: (إستخدام الرئيس المصري "حسني مبارك" لهذا القانون منذ توليه السلطة سنة 1981 إلى الآن).
- إمكانية قيام الرئيس بإساءة إستعمال حقه في إستفتاء الشعب (1).


وفي ما يلي مخططان لتبيان أجهزة كل من النظام البرلماني والنظام شبه الرئاسي:




(2)

(1)- الموقع الالكتروني:http://www.tamiu.edu/~mbenruvin/gove...systems-1e.htm
(2)- http:/www.libya-watanona.com/adab/mberweem/mb04027a.htm


الفصل الثاني: النظام السياسي الجزائري
سوف نتطرق من خلال دراستنا إلى نظام الحكم في الجزائر على ضوء دساتيرها الأربعة, لذلك وجب علينا تبيان مفهوم الدستور. فالدستور جوهر القانون الدستوري وركيزته الأساسية, فهو الذي يحدّد طبيعة النظام السياسي ويحدّد العلاقة بين السلطة والمواطنين, وكذلك العلاقة بين السلطات في الدولة.
فالدستور كرمز هو الوثيقة المؤسسة للدولة, وتظهر أهميّته عند حدوث تغيير في النظام, إذ هو الذي يؤسسه ولا تكمن أهميته فقط عند نشأة الدولة, ومن الجهة الفلسفية فهو القبول بفكرة تقييد السلطة وقبول كل من المحكومين والحكام بوضع حدود السلطة, وله طبعا قيمة قانونية حيث يعتبر مجموعة من القواعد القانونية المتعلقة بتنظيم السلطة التي تفرض عليها إحترام بعض القواعد الأساسية, كما تتضمن مشاركة المحكومين في من يتولى شؤون الرعية (1).
وقبل دراستنا للدساتير الجزائرية لا بد أن نعرّج على أهم الظروف والتحوّلات التي عاشتها الجزائر والتي تؤدي بها في كل مرة إلى تغيير النظام بعد تعديل الدستور.

المبحث الأول: أنظمة الحكم المعتمدة في الجزائر قبل الإستقلال.
توالت على الجزائر كغيرها من دول المغرب العربي نماذج متعددة من أنظمة الحكم, كالتي وضعها أبنائها كالمماليك البربرية والنوميدية والإمارات العربية ودولة الأمير عبد القادر, وكذا الدولة الجزائرية حاليا, وأنظمة حكم أخرى فرضت عليها من قبل قوى أجنبية إستعمارية إستغلّت خيراتها وإستعبدت أبنائها الذين لم يرضوا بهذا الوضع وقاوموه بشتى الطرق والوسائل.
وقد كان للإسلام دور كبير في تحرير الجزائر وشعبها من الإستغلال والإستعباد من طرف فرنسا وقبلها من طرف الروم فتحوّلت إلى دولة إسلامية وتكرّس ذلك في العشرية الأخيرة من القرن الأول الهجري, أين أصبح الدين المعتنق هو الإسلام واللغة الأساسية هي العربية إلى جانب اللهجات المحلية.
ونبرز في هذه المطالب نظام الحكم في الجزائر قبل الإسلام وأثناء الحكم الإسلامي وكذا نظام الحكم إبّان الإستعمار الفرنسي.
المطلب الأول: نظام الحكم في الجزائر قبل الإسلام.
أثناء حكم المماليك الأمازيغية ساد نظاما عشائريا إمتاز بالجمود والتسلّط, وذلك على مستوى العائلة الصغيرة وكذا على مستوى القبيلة, وعلى المستوى المركزي فقد كان مرنا فكوّنت القبائل والمدن شبه إتحاد فدرالي تحت سلطة ملك يفرض نفسه إما بالقوة أو بالذكاء أو بهما معا (2).
إلا أننا نجد الملك لا يتّخذ أي قرار مهم إلا بعد إستشارة وموافقة رؤساء القبائل, وذلك لإرتباطها به وذلك حسب قوة أو ضعف هذا الملك وحسب الظروف التي تعيشها هذه القبائل.
وقد توالت على الجزائر في هذه الحقبة الزمنية عدّة ممالك كان من أهمها المملكة النوميدية وكذا الملوك "ماسينيسا ويوغرطه ويوبا الثاني" وغيرهم وذلك فيما بين القرن الثالث قبل الميلاد وبداية القرن الأول الميلادي (3).
وقد قسّم الرومان الجزائر إلى مقاطعات بعد إستيلائهم عليها ونصّبوا رئيس قبيلة على كل منها يتمتّع بالسلطة المطلقة, مما أدى إلى قطع العلاقات السياسية والإجتماعية بين هذه القبائل والقضاء على النظام الواحد الذي كان سائدا فيها مما أدى إلى السيطرة على الخيرات والعباد من طرف الرومان, حيث تميّز نظامها بالإستغلالية والتمييز طيلة أربعة قرون تقريبا, خلفهم بعدها الوندال, إلا أن الرومان عادوا بعد ذلك من الشرق إلى الجزائر الإمبراطورية الشرقية سنة 553 ميلادي ¬(4).
ولكنهم طردوا من طرف أبناء الجزائر ونهائيا بعد إعتناق الجزائريين للإسلام..

(4)- بوكرا إدريس, مرجع سبق ذكره, ص 63 و 67.
(1)- سعيد بوشعير, النظام السياسي الجزائري, الجزائر, دار هومة للنشر, الطبعة الثانية, طبعة 1993, ص05.
(2)- سعيد بوشعير, نفس المرجع, ص06.
(3)- سعيد بوشعير, نفس المرجع, ص06.

المطلب الثاني: الجزائر أثناء الحكم الإسلامي.
عرفت الجزائر خلال هذه المرحلة نماذج متقاربة من الحكم, كان أشهرها حكم الأغالبة والذين حكموا شرق الجزائر وتونس وغرب ليبيا, والتي كان فيها الحكم مستبدا ووراثيا رغم الثورات التي كان يقوم بها البربر, وقد دامت دولتهم أكثر من قرن ولكن نتيجة الصراع الدائم مع الثورات ذات الطابع الديني – الخوارج – أو بدافع من العصبية – البربر – تراجعت هذه الدولة, ونتيجة تمرّد بعض هذه القبائل على الحكم الأغلبي إنتهت دولتهم على أيدي الفاطميين سنة 909 ميلادي (1).

إضافة إلى الحكم الوراثي المستبد من الأغالبة ظهرت عدّة نظم حكم منها حكم الخوارج والحمّاديين والمرابطين وأخيرا الموحّدين الذين وحّدوا بلاد المغرب الغربي تحت إمرتهم إلى أن ضعفت شوكتهم نتيجة الضعف الذي بدى على حكمهم, فإنقسمت الإمارات إلى ثلاث مناطق المعروفة الآن بالجزائر والمغرب وتونس (2).

والذين تعرضوا لإعتداءات متكرّرة من الإسبان الذين إحتلوا بعض المناطق الشمالية الساحلية – بعد سقوط غرناطة آخر معاقل المسلمين بالأندلس – منها موانئ وهران والجزائر والمرسى الكبير وبجاية, مما أدى إلى نشوء حركة جهاد بحرية قويّة ضد الصليبيين وظهرت هنا شخصيتين بارزتين هما: خير الدين وأخوه عروج بربروس اللذين لجأت إليهما الجزائر وهما تابعين لسلطان الإمبراطورية العثمانية.
بدأ شأن هذين الأخوين يقوى إلى أن إستطاع خير الدين سنة 923 هجري من فتح الجزائر وقام بتشكيل أسطول كبير بمساعدة السلطان سليم الأول (3).

وبفضل الجهود المبذولة من خير الدين ومن خلفوه تمّ التوّسع نحو الجنوب, ووضعوا الحاميات العثمانية في المدن الداخلية, وقد أطلقوا على الحاكم الجزائري لقب "بيلرباي" أي رئيس البكوات (4).

لكن سنة 999 هجرة غيّرت الدولة العثمانية حكمها في الجزائر وأصبح يحكمها باشا لمدة 03 سنوات.
إستمر هذا الوضع إلى غاية 1070 هجري حين أصبح الوالي ضعيفا أمام رؤساء الجند, ولقد لقب الواحد منهم بالداي إلى أن تمكّن مجلس الدايات من تعيين أحد أعضائه حاكما على الجزائر, ورغم ذلك إستمرت الدولة العثمانية في إرسال الولاة من طرفها 03 سنوات حتى قام داي الجزائر سنة 1122 هجري بطرد الوالي القادم من طرف الدولة وبذلك أصبح هو المتصرف الوحيد في شؤون البلاد (5).

وفي هذه المرحلة خضعت الجزائر إلى نظام مزدوج: النظام الأول وهو يخص الجزائر العاصمة وضواحيها "دار السلطان" ويشرف عليه أمير الأمراء, وعهدت شؤون الدار للآغا الذي يشرف على القياد والشيوخ ورؤساء الأوطان والمدن على التوالي.
أما النظام الثاني فخاص بالمناطق الثلاث الأخرى وهي: بايليك الشرق وبايليك التيطري وبايليك الغرب, المسيّرة من طرف ممثلي أمير الأمراء الذي أطلق عليه إسم الباي ثم الداي (6).







 

مساحة إعلانية
قديم 2011-02-11, 20:45   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
yacine414
عضو مميّز
 
إحصائية العضو









yacine414 غير متواجد حالياً


New1 اضافة

(1)- الموقع الإلكتروني:http://www.histoiregeographie.iquebec.com/andalous.htm
(2)- سعيد بوشعير, النظام السياسي الجزائري, ص 06.
(3)- http://www.majdah.maktoob.com/vb/post630897-1/
(4)- http://www.majdah.maktoob.com/vb/post630897-1/
(5)- http://www.amaryezli.blogspot.com/20...g-post-26.html
(6)- سعيد بوشعير, نفس المرجع, ص 07.


أما مركز يا فقد كانت السلطة بيد أمير الأمراء الداي بمساعدة ديوان عسكري متكون من رؤساء الجيش وجهاز تنفيذي يقوم بإختيار أعضائه الداي ومن بين هؤلاء الأعضاء الخزنجي وخوجة الجيل وآغا العرب ووكيل الخراج والقبطان رئيس والباش كاتب.
وفي هذه الفترة تميّز النظام الجزائري بالقوة مما دفع الدول الأوروبية – وبتحريض من بابا روما الذي أثار النزعة الصليبية فيهم – إلى شن هجوم على الجزائر من طرف إنجلترا وهولندا مجتمعتين عام 1230 هجرة ثم إنجلترا منفردة عام 1240 هجري, ولكنهم فشلوا.
وأخيرا عمد الإنجليز على التحالف مع الفرنسيين للعذر بالأسطول الجزائري وهذا ما تم عام 1242 هجري سنة 1830 ميلادي.

المطلب الثالث: الجزائر أثناء الحكم الفرنسي والكفاح المسلّح.
ضعفت السلطة في الجزائر خلال النصف الثاني من القرن 18 ميلادي وما بعده أدى بفرنسا التي كانت قد تطورت علاقتها الإقتصادية بالجزائر إلى البحث عن فرصة ملائمة تمكّنها من الإستيلاء عليها قبل أن تسبقها غيرها من الدول الأوروبية, بعد أن تدهورت وساءت هذه العلاقات بسبب الديون التي في ذمّتها للجزائر, إلى حد القطيعة بينهما التي نتجت على إثر حادثة المروحة بين الداي وقنصل فرنسا "دوفال" سنة 1827 حيث قام بصفعه بالمروحة بسبب سوء أدب القنصل المقصود والمبيّت.
فإتخذت فرنسا من هذه الحادثة ذريعة فقامت بحصار الجزائر وإنزال جيوشها في شط سيدي فرج بتاريخ 14 جوان 1830 بعد سقوط الأسطول الجزائري إثر الهجوم الذي شنّته القوات الفرنسية عليه والذي أدّى إلى إستسلام الداي في 05 جويلية 1830 (1).
وقد إعتمد الإستعمار الفرنسي كنظام له التمييز بين الأهالي والمعمّرين بإستغلال الشعب وخيراته وطمس الشخصية العربية الإسلامية والتي تعتبر من أهداف الحرب الصليبية ضد بلاد الإسلام.
فبمنح السلطة للجيش بقيادة الجنرال إلى غاية 1834 أين قاموا بعد ذلك بتعيين حاكم عام يساعده موظفون سامون لإدارة المستعمر يتضح جليّا التمييز الحاصل خاصة بإعتماد نظام إداري كإمتداد للنظام السائد في فرنسا خلال عصر الجمهورية الثانية, وذلك جرّاء الضغوط الممارسة من المعمّرين الذين أصبحت لهم مؤسسات خاصة بهم وكذا ممثلين في البرلمان الفرنسي, وذلك بموجب أمر 1848م (2).
الذي قام بإدماج الجزائر ضمن إقليم فرنسا.
ويظهر كذلك هذا التمييز من خلال تقسيم الجزائر على منطقتين لكل منطقة نظام معيّن يحكمها فنجد:
- المناطق التي يسكنها الأوروبيون ينظمها نظام محلي يقوم على إنشاء بلديات كالتي في فرنسا من حيث الإختصاص دون التشكيل, حيث يعيّن شيخ البلدية لمدة 05 سنوات من قبل المحافظ préfet ويتم تخصيص ثلثا المقاعد بالمجلس البلدي للأوروبيين أما الثلث المتبقي فيقسّم على المسلمين واليهود والأجانب (3).
- أما المناطق التي يكون فيها العنصر الأوروبي أكثر من العنصر المسلم فقد أنشأت به بلديات مختلطة commune mixte تحت السلطة العسكرية, ويشرف عليها شخص يدعى المسيّر administrateur معيّن من طرف الحاكم العام بمساعدة لجنة بلدية له سلطات متقاربة مع سلطات شيخ البلدية. وعلى مستوى أعلى قامت بتقسيم البلاد إلى مقاطعات ثلاثة يرأس كل واحدة منها محافظ والذي يقوم أيضا بالمصادقة على المداولات التي تقوم بها المجالس العامة والتي تختص بالتصويت على الميزانية وغيرها من الإختصاصات (4).


(1)- سعيد بوشعير, النظام السياسي الجزائري, ص07.
(2)- سعيد بوشعير, نفس المرجع, ص 08.
(3)- سعيد بوشعير, نفس المرجع, ص08.
(4)- سعيد بوشعير, نفس المرجع, ص09.

ونتيجة لهذا التنظيم تم الإستيلاء على الأراضي الزراعية من طرف المعمّرين وأصبح الجزائري يهتم بخدمة المعمّر وتم إبعاده عن المشاركة في الحياة السياسية, بينما نجد فرنسا قد أخضعته إلى نظام قضائي خاص وإيمانا منه بأن الخلافات بين المسلمين لا يجوز أن يتولى حلّها كافر فقد كانوا لا يلجئون للمحاكم الفرنسية إلا للضرورة.
إلا أننا نجد أن الشعب الجزائري لم يرض بهذا الوضع, أي لم يرض بوجود الإستعمار الفرنسي فقد قاوم وبشدّة, فنجده لجأ إلى المقاومة النفسية من جهة وذلك بالإنغلاق على النفس (وذلك برفض النظام الذي جاء به الإستعمار الفرنسي وتمسك بهويته الوطنية ), ومن جهة أخرى المقاومة المسلحة كالتي قام بها أحمد بأي والأمير عبد القادر والمقراني وغيرهم, ومن جهة ثالثة مقاومة سياسية بأن أثبتوا للعالم أن نيّتهم هي إسترجاع حرياتهم وحقوقهم وسيادتهم وليس هدفهم التخريب.
وكان لزاما علينا الحديث عن دولة الأمير عبد القادر والتي تعتبر نواة للدولة الجزائرية الحديثة, فهذه الدولة قد عرفت نظاما سياسيا إتّسم بالديمقراطية والذي إستمد شرعيته من مشاركة الشعب, وعليه إرتأينا أن نتطرق إلى النظام السياسي في دولة الأمير عبد القادر الذي كان يختلف إختلافا كبيرا عن النظام الذي عرف في عهد الدايات ومن خلال التعمق في تاريخ هذا النظام نجده شوريا ديمقراطيا, حيث إستطاع الأمير عبد القادر تهديم النظام الإستغلالي القبلي الموروث عن الأتراك وقام بإنشاء حكومة مركزية قوية يشاركه في تسييرها العديد من العلماء ورجال الدين, والذين كانوا مسؤولين أمام الأمير عبد القادر وتحت رقابة شعبية, فقد تأثر إلى حد كبير بالنظام الإسلامي ( ويظهر تأثره بالنظام الإسلامي من خلال الألقاب الإسلامية كالأمير, الخليفة, القاضي, الديوان.........).
ولكننا نجد الأستاذ فوزي أوصديق وعند دراسته للسلطة التنفيذية في دولة الأمير عبد القادر قد شبّه النظام الدستوري في عهده بالنظام الرئاسي المغلق, ويرجع ذلك إلى كون السلطة التنفيذية في عهده كانت متزايدة مقابل إنكماش دور السلطة التشريعية في مواجهة الخوجة الكبير الذي لا يعدو أن يكون سوى مستشارا كبيرا للأمير (رئيس الجمهورية) والذي كان دوره محوريا وفعّالا (1).
وبالحديث عن السلطات نجد الأمير قد أخذ بفكرة الفصل بين السلطات التي عرفها اليونان قديما من خلال تقسيم أرسطو لوظائف الدولة وكذا من طرف تقسيم مونتسكيو في مؤلفه " روح القوانين " للسلطات, لكن الأمير أخذ بهذه القواعد على أساس التعاون المتبادل بين هذه السلطات (2).
أما بالنسبة للحركة السياسية التي عرفتها الجزائر قبل الإستقلال والتي ظهرت مع بداية القرن العشرين (20) بعد إستسلام الأمير عبد القادر , فهري نوعين من الحركات وهي: الجمعيات الثقافية والأحزاب السياسية.
فالجمعيات الثقافية السياسية ظهرت نتيجة الوعي وإنتقال الجزائريين إلى أوروبا وكذا إلتقائهم بإخوانهم المغاربة والمشارقة وإن كانت هذه الجمعيات ترتكز على الطابع الثقافي في برنامجها لعلمها بأن نجاحها مرتبط بوعي وتعلم المنضمّين لها, فعمدت إلى إنشاء صحف ومدارس ومعاهد ومحاربة البدع والخرافات, وتنظيم بعثات علمية للدراسة الجامعية في البلدان العربية, فطالبت بالإستقلال وحاربت فكرة الإندماج والتجنّس, وكانت نتيجة ما وصلت إليه هذه الجمعيات أن قامت السلطات الإستعمارية بمحاربتها وظهر نتيجة هذا إنقسام في هذه الجمعيات إلى إتجاهين: إتجاه يدعو إلى التمثيل السياسي والحفاظ على النظام الخاص بالمسلمين بزعامة الأمير عبد القادر والثانية تطالب بالتجنّس والتخلي عن النظام الخاص بالمسلمين (3).
لكن هذا الإتجاه الثاني لم يلق التأييد الذي لقاه الإتجاه الأول من طرف الشعب, ومع رفض السلطات الفرنسية الإستجابة لمطالب حركة الإندماج, إتجه أعضائها نحو جمعية العلماء والشيوعيين والتي كانت مطالبهم تدور حول فصل الدولة عن الدين وحريات التعليم بالعربية والتعبير والصحافة العربية وغيرها من المطالب إلا أن الحكومة الفرنسية رأت هذه الحركة منافسا خطيرا لها في أوساط الشباب الجزائري, فقامت بحلها وهذا ما أدى إلى ظهور الأحزاب السياسية.

(1)- فوزي أوصديق, النظام الدستوري الجزائري – دولة الأمير عبد القادر – دراسة تحليلية مقارنة, دار المطبوعات الجامعية, الطبعة الثانية, طبعة 2003, ص 53 و 67.
(2)- فوزي أوصديق, نفس المرجع, ص 49.
(3) – سعيد بوشعير, النظام السياسي الجزائري, ص 13.

والمتتبّع لنشأة وقيادة هذه الأحزاب يلاحظ أن فيها إتجاهين: إتجاه قاده فرحات عباس وإتجاه قاده ميصالي الحاج.
* فالإتجاه الأول والذي قاده فرحات عباس ومع المحاولات التي فشلت والواقعة قبل الحرب العالمية الثانية سنة 1936 من أجل التوحيد والوفاق, فقام بإنشاء حزب سنة 1938 إلى جانب النوّاب المسلمين سمي بإتّحاد الشعب الجزائري, نادى فيه بالإندماج والمساواة, لكنه لم يحقق نتائج.
وحين إحتلال الألمان لفرنسا لجأت السلطات إلى مطالبة المسلمين الجزائريين بمساعدتها, فإستغلّوا ذلك وطالبوا بتطبيق نظام خاص بالمسلمين تضع فيه الجمعية الإسلامية نظام سياسي وإقتصادي وإجتماعي, إلا أن طلبهم لم يلق أي رد.
وعلى إثر الإصلاحات التي جاء بها ديغول سنة 1943 والقاضية بمنح المسلمين المواطنة, حاول فرحات عباس الرافض لتلك الإصلاحات مع بعض المناضلين جمع الشمل في جمعية واحدة وهي " جمعية أحباب البيان " والتي تراجعوا فيها عن فكرة الإندماج ونادوا بأمة جزائرية مستقلة ذاتيا ومتّحدة فدراليا مع الجمهورية الفرنسية المتطورة إلا أنها حلّت في: 14 ماي سنة 1945.
ومن هنا نرى أن الموقف السياسي لفرحات عباس كان متناقضا, فتارة ينفي وجود الأمة الجزائرية ثم يغيّر موقفه ويذهب إلى فكرة الإندماج والمساواة في الحقوق السياسية والمدنية وإتّفق مع الحركات الأخرى في المطالبة بإستقلال الجزائر ذاتيا وإتحادها فدراليا مع فرنسا.
* أما إتجاه ميصالي الحاج وهو عضو الحزب الشيوعي الفرنسي سابقا ظهر إتجاهه بإنشاء نجم شمال إفريقيا وفرنسا سنة 1926 الذي طالب بإستقلال الجزائر وتشكيل حكومة وطنية (1).
ولكنه حل وظهر تنظيم جديد يسمى بحزب الشعب الجزائري, وهذا الحزب تميّز في كون نشاطه السياسي كان محصورا في الجزائر فقط وطالب بالإستقلال الوطني إلا أنه كذلك حل بعد تعرض أعضائه للقمع والسجن, ولكن بتدخل الجزائريين المنتخبين وتأثير الأوضاع السياسية أجبر السلطات الفرنسية على الإفراج عن ميصالي الحاج والذي قام بإنشاء حركة إنتصار الحريات الديمقراطية وهي إمتداد لحزب الشعب وذلك لتمسكها بنفس مطالب الحزب, وإعتمدت هذه الحركة تنظيما محكما كان فيه تركيز السلطة بيد ميصالي الحاج والذي لقي معارضة من بعض المناضلين في الحركة من أنصار القيادة الجماعية والذي أطلق عليهم تسمية " المركزيين " تمييزا لهم عن الميصاليين المؤيدين لتركيز السلطة في يد زعيم الحركة.
إضافة إلى هذين الإتجاهين ظهر إتجاه ثالث نظم في منظمة سريّة من بين أصحاب هذا الإتجاه أحمد بن بلة ومحمد بوضياف والحسين آيت أحمد ومحمد بوصوف وهو قد إختار العمل العسكري المسلح, فأنشأ اللجنة الثورية للوحدة والعمل والتي إلتفّت مع المنظمة السريّة في إجتماع نتج عنه ظهور جبهة التحرير الوطني وجيش التحرير الوطني المعلن عنهما في: 01 نوفمبر 1954 تاريخ إندلاع الكفاح المسلح.
وقد كان التاريخ المذكور أعلاه هو تاريخ إندلاع الثورة الكبرى أين ظهرت فيه جبهة التحرير الوطني وجيش التحرير كقوّة سياسية وحيدة لقيادة الشعب.
وبتاريخ 20 أوت 1956 عندما عقدت جبهة التحرير مؤتمرها تمخّض عنه ظهور تنظيم ومهام واضحة, فقد أنشأت المجلس الوطني للثورة الجزائرية CNRA وهو ممثل الشعب والمعبّر عن إرادته وسيادته ويقرّر سياسة البلاد وسياسة الجبهة, والذي أنشأ لجنة التنسيق والتنفيذ والتي تهتم بتنفيذ قرارات المجلس وتنسيق العمل , فيكون قادة الولايات مسؤولون أمامها وهي مسؤولة أمام المجلس الوطني (2).
وقامت الجبهة بتقسيم البلاد إلى 06 ولايات, يلي ذلك المناطق فالنواحي فالقسمات وعلى رأس كل ولاية وضعت ضابط برتبة عقيد بمساعدة 03 روّاد يتولون النشاط السياسي والمخابرات والإشراف على المجالس المحلية وتوعية الشعب وتعبئته.


(1)- سعيد بوشعير, النظام السياسي الجزائري, ص 17.
(2)- سعيد بوشعير, نفس المرجع, ص 20.


وتم رفع عدد أعضاء المجلس من 34 عضوا إلى 54 عضو, وذلك في المؤتمر الثاني له في: أوت سنة 1957 بالقاهرة, ورفع أيضا عدد أعضاء لجنة التنسيق والتنفيذ من 05 أعضاء إلى 14 عضو منهم فرحات عباس كعضو رسمي وبوضياف محمد وأحمد بن بلة ورابح بيطاط وحسين آيت أحمد كأعضاء مشرفين (1).
وقامت هذه اللجنة وبتفويض من المجلس في مؤتمر طنجة في أفريل 1958 وإتفاقا مع حكومتي تونس والمغرب من تأسيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية التي أعلن عنها فعلا يوم: 19 سبتمبر سنة 1958 برئاسة فرحات عباس (2).
وقد قامت جبهة التحرير ببعث الإتحاد العام للعمال الجزائريين وإتحاد الطلاّب الجزائريين وإتحاد التجار وصغار رجال الأعمال الوطنيين, وأصدرت مجلة عربية تتحدث بإسمها تدعي " المجاهد الحر " .
وبوصول "ديغول" إلى رئاسة الحكومة مع سلطات مطلقة خاصة بناءا على طلبه وقبل إعلانه عن مشروعه في: 16 سبتمبر سنة 1959 بخصوص السياسة الجزائرية, إتّخذ عدّة إجراءات كانت تتجه ضمنيا إلى فكرة الإدماج وهذا المشروع جاء محتويا على إعتراف بحق الجزائر في تقرير مصيره حتى لو أدّى إلى الإنفصال عن فرنسا, ولكنه أحاط المشروع بقيود وتحفظات جعلته يُرفض بتاتا من جبهة التحرير مما زاد في سوء العلاقة بين ديغول والمستوطنين الفرنسيين والذين قاموا بحركة تمرّد في الجزائر من: 26 جانفي إلى: 02 فيفري سنة 1960.
وبزيارة ديغول إلى الجزائر في: 10 ديسمبر سنة 1960 تأكّد أنه لا يمكن إتخاذ أي إجراء دون إتفاق مع الجبهة, لأنه سيفشل في ذلك.
وكان ديغول يلجأ للإستفتاء وليس الإتفاق مع الجبهة وهذا ما أدّى إلى طرح إشكالية قانونية حول تكييف إتفاقيات " إيفيان " التي إعترفت بممثلي جبهة التحرير ولم تعترف بالحكومة المؤقتة, ولكن الإعتراف بالجبهة يعني الإعتراف بالمؤسسات التي أقامتها (3).
ويكمن هذا الإشكال في: هل هي إتفاقيات أو معاهدات دولية؟ أم تصرفات إنفرادية من قبل الجمهورية الفرنسية؟ والذي قام بطرحه الدكتور سعيد بوشعير والذي أجاب عليه في أنه من وجهة النظر الفرنسية فإن التصريح العام ليس إتفاقا دوليا وذلك لأن الفصل الأول من التصريح صدر بشأنه مرسومان: الأول يتعلق بتنظيم الإستفتاء حول تقرير المصير والثاني خاص بتنظيم السلطات العمومية المؤقتة في الجزائر وهذين المرسومان يعتبران تصرفين إراديين صادران عن السلطة الفرنسية (4).
ونتيجة لقوة الثورة الجزائرية وعجز فرنسا في القضاء عليها ومناداة الرأي العام الفرنسي نفسه بالجلاء من الجزائر نتيجة الخسائر المادية والبشرية الكبيرة, إضافة للتأييد العالمي الذي لقيته القضية الجزائرية وقبلت فرنسا بقيادة ديغول للتفاوض مع جبهة التحرير الوطني وذلك في مفاوضات إيفيان بين 10 و 17 فيفري سنة 1962 والتي تعثّرت أول الأمر لكن في النهاية أدّت إلى عقد إتفاق وفق إطلاق النار, وجرى بعد إستفتاء أبدي فيه الجزائريون حقهم ورغبتهم الأكيدة في الإستقلال, فتمّ ذلك بتاريخ: 05 جويلية سنة 1962.
خاتمة المبحث:
نستخلص من دراستنا لهذا المبحث أن الجزائر خلال هذه الفترة, قد توالت عليها عدة أنظمة سياسية, فعرفت كل حقبة زمنية نظام معين, إلا أننا لا نستطيع تحديد طبيعة هذا النظام وذلك كون الجزائر لم يكن لها دستور معين في أي نظام, سواء قبل الإسلام أو في ظل الحكم الإسلامي أو حتى أثناء الحكم الفرنسي والكفاح المسلح, لتحديد طبيعة نظام الحكم في أي دولة, يجب أن تحتوي على وثيقة هامة هي
الدستور.



(1)- سعيد بوشعير, النظام السياسي الجزائري, ص 20.
(2)- http://barahionline.com/alanternet.html
(3)- سعيد بوشعير, نفس المرجع, ص 26.
(4)- سعيد بوشعير, نفس المرجع, ص 26.
المبحث الثاني: طبيعة النظام السياسي الجزائري في ظل دستور: 1963 ودستور: 1976.يتضمن الدستور أهم المبادئ العامة للدولة وبالذات العلاقة بين السلطات الموجودة فيها وتنظيمها, وبالنسبة للدولة الجزائرية فإنه لا يمكن التطرّق إلى ذلك دون المرور على أهم مرحلة تاريخية عرفتها الجزائر الممتدة من وقف إطلاق النار (الإستقلال) إلى غاية صدور أول دستور وهو دستور: 1963 ومنه إلى دستور: 1976 كالآتي:
المطلب الأول: طبيعة النظام السياسي خلال المرحلة الإنتقالية.
أُعتبرت جبهة التحرير الوطني الممثل الرسمي – ولفترة ما من مراحل الدولة الجزائرية – للشعب الذي أراد دائما الإستقلال الكامل والنهائي عن فرنسا وبأي وسيلة كانت, فإستطاع ذلك بعد إصرار طويل بواسطة أدة سياسية وقانونية لوقف إطلاق النار والإعتراف بالجزائر مستقلة, وتولي جبهة التحرير الوطني السلطة فيها وسنبيّن ذلك من خلال النقاط التالية:
1- الهيئة التنفيذية المؤقتة: تقرّر بموجب إتفاقية إيفيان إنشاء هيئة تنفيذية مؤقتة بموجب مرسوم 29 مارس 1962 إلى جانب المحافظ السامي للحكومة الفرنسية ومحكمة مختصة لمنع المساس بالأمن العام (1). ومن أهم صلاحياتها ما يلي:
أ‌- إدارة الشؤون العامة الخاصة بالجزائر.
ب‌- إعداد وتنفيذ حق تقرير المصير في الجزائر.
ت‌- تولي غارة المرافق العامة التي لها سلطة عليها في مختلف المستويات , ماعدا الدفاع وأمن البلاد والقضاء والنقد والعلاقات الإقتصادية بين الجزائر والبلدان الأخرى , وحفظ النظام بإعتبارها من إختصاص الحكومة الفرنسية, لكن بالإتفاق مع الهيئة التنفيذية المؤقتة إلا إذا تعذّر ذلك, كما تتولى الحكومة الفرنسية إضافة لما سبق الإشراف على التعليم والمواصلات اللاسلكية والموانئ والمطارات إلا ما أسند منها للهيئة التنفيذية المؤقتة بمرسوم (المادة 11) (2).
ث‌- لها سلطة سن القوانين الخاصة بالشؤون الجزائرية.
ج‌- تعيين الموظفين في المناصب الإدارية ومناصب السلطة. وما تجدر الإشارة إليه أن هذه الهيئة التي تقتسم السلطة مع المحافظ السامي ممثل الجمهورية , من رئيس ونائب له وعشرة أعضاء.
إن الهيئة التنفيذية المؤقتة التي أنشأت في: 29 مارس 1962 والتي تتكون من 03 أوروبيين لا يمثلون الحكومة الفرنسية و03 مسلمين لا ينتمون إلى الجبهة و 06 من الجبهة, وقد تمكّنت جبهة التحرير الوطني من بسط رقابتها عن طريق الممثلين الستة المنتميين إلى هذه الهيئة, حيث لم يستطيع الأوروبيين فرض وجودهم أمام ممثليها وهذا كان بمساعدة المسلمين الذين لا ينتمون إلى الجبهة, وهذا ما أدى خلال فترة وجيزة إلى سيطرة الجبهة على الهيئة التنفيذية, لأنها أصبحت تتمتع بأغلبية الأعضاء فيها ولم يبق سوى وظائف ثانوية تتمثل في نيابة الرئيس وشؤون المالية والأشغال للأوروبيين(3). حيث قامت الجبهة بالسيطرة على الجهاز الإداري عن طريق التعيين في المناصب الحساسة (المحافظين ونوابهم) وأصبحت الهيئة منفّذة لتوصيات الجبهة, وما على السلطة الفرنسية إلا التنفيذ وهذا ما أدى على إستحواذ جبهة التحرير الوطني على السلطة حتى قبل إجراء الإستفتاء وإعلان الإستقلال.وقد أنشأت كذلك طبقا لإعلان من إتفاقية إيفيان, لجنة مركزية لمراقبة الإستفتاء ولجان إقليمية, إلا أن الجبهة تمكّنت من التأثير على مهامها وقراراتها (سلطاتها) بطريقة غير مباشرة أو حتى بواسطة الهيئة التنفيذية.
2- تنظيم السلطات بعد إنشاء المجلس التأسيسي: يعتبر أول برلمان جزائري معيّن المجلس الوطني للثورة الجزائرية والذي كان من أهم أعماله تحويل الجبهة إلى حزب وإنتخاب مكتب سياسي. وقد تم ذلك وكذلك تم بمقتضاه إنشاء مجلس تأسيسي عن طريق الإنتخاب بعد تقرير المصير في: 20 سبتمبر 1962 وبقي قائما إلى غاية 20 سبتمبر 1964, أين تمّ إنتخاب المجلس الوطني والذي تولى المهام الآتية:

(1)- سعيد بوشعير, النظام السياسي الجزائري, ص33.
(2)- سعيد بوشعير, نفس المرجع, ص 34.
(3)- سعيد بوشعير, نفس المرجع, ص 35.
وقد تم ذلك وكذلك تم بمقتضاه إنشاء مجلس تأسيسي عن طريق الإنتخاب بعد تقرير المصير في: 20 سبتمبر 1962 وبقي قائما إلى غاية 20 سبتمبر 1964, أين تمّ إنتخاب المجلس الوطني والذي تولى المهام الآتية:
1- تعيين أول حكومة عادية للجزائر الحرة المستقلة برئاسة بن بلّة مع الموافقة على برنامجه وأعضاء حكومته في: 29 سبتمبر سنة 1962 (1).
2- التشريع بإسم الشعب.
3- الإعداد والتصويت على دستور الجمهورية: وقد تم إعداد مشروع الدستور في: 31 جويلية 1963 بندوة الإطارات بقاعة سينما " الماجستيك " (ATLAS) وتم إقراره ثم قدّم هذا المشروع إلى المجلس التأسيسي من طرف 05 نواب , والذي وافق عليه ثم عرض للإستفتاء عليه من طرف الشعب بتاريخ: 08 سبتمبر 1963 وإصداره يوم: 10 سبتمبر 1963.ولقد إعتمد هذا الدستور على الإختيار الإشتراكي والحزب الواحد, رافضا التعددية الحزبية والنظام الحر, كما أنه دستور ذو طابع برامجي أكثر منه قانوني وقد تم إنتخاب أول رئيس للجمهورية في: 15 سبتمبر 1963 وهو أحمد بن بلة والذي إستمد سلطاته من الدعم الذي قدّمه له الجيش.

المطلب الثاني: تنظيم السلطات ونظام الحكم في ظل دستور 1963.
1- السلطة التشريعية: إعتمدت الجزائر على نظام المجلس الواحد وهذا كان لمبرّرات عديدة أهمها: تجنب البطء في التشريع الذي يعتبر من أهم عيوب نظام المجلسين, البساطة والبعد عن التعقيد, وقد أسندت السلطة التشريعية للمجلس الوطني الذي تم إنتخابه بتاريخ 20 سبتمبر 1964 ولمدة 04 سنوات (2).
ويتم ترشيح ممثليه من طرف جبهة التحرير الوطني وينتخبون بإقتراع عام مباشر وسري لمدة خمسة سنوات, وهذا ما نصت عليه المادة 27 من دستور 1963, حيث يتمتع النائب بالحصانة البرلمانية التي تضمن له ممارسة مهمته دون قيد, بحيث لا يجوز إيقافه أو متابعته في القضايا الجنائية دون إذن من المجلس إلا في حالة التلبّس بالجريمة أو بموافقة المجلس (3).
ويضطلع المجلس الوطني بمهام رئيسية أهمها: التصويت على القوانين بعد أن أعدّها كما له حق التعديل وإلغاء القوانين التي لا تتفق ومطامع الشعب, مراقبة الحكومة, كما له آلية يستعملها ضد رئيس الجمهورية وهي متمثلة في إقتراح ملتمس الرقابة من قبل ثلث النواب والتصويت عليه بالأغلبية المطلقة للنواب, فإذا تحقق النصاب المطلوب وجب على الرئيس تقديم إستقالته, لكن يقابله إنحلال المجلس تلقائيا ويعاد إجراء إنتخابات لتشكيل المجلس. وحسب المادة 24 من دستور 1963 نجد أن جبهة التحرير الوطني تقوم بمراقبة عمل المجلس والحكومة بالإضافة إلى أن ترشيح النواب بالمجلس يتم من طرفها هي إضافة إلى السلطات الأخرى المتمثلة في: تحديد سياسة الأمة وكذلك إسقاط صفتهم النيابية , تشييد الإشتراكية, تحقيق مطامح الشعب ولكن بعد المؤتمر الجزائري يتضح بأن المجلس ونوابه هم مجرّد آداة تنفيذ في يد قيادة الحزب التي هي نفسها قيادة الدولة والمتمثلة في شخص رئيس الجمهورية الأمين العام للحزب. وبالتالي النتيجة المستخلصة بديهيا هي:سؤال ما فائدة النصوص السابقة التي ذكرناها بخصوص مهام المجلس الوطني؟ و إذا ما أردنا الإجابة عليه, فإننا نجدها لا فائدة ولا جدوى منها فبالنسبة مثلا لإقتراح ملتمس الرقابة فإن له أثر مزدوج وهو إستقالة رئيس الجمهورية وتبعا إنحلال المجلس وهو ما لا يرضاه أي نائب(4). وكذلك مراقبة الحكومة من طرفه لا يتحقق بفعالية لأن أعضاء الحكومة هم معنيون من طرف الرئيس ومسؤولون أمامه فقط ولذلك فإذا تم توجيه نقد لهم فإنه فيه مساس بشخص الرئيس وكأنه قد أساء الإختيار بصريح العبارة وهذا لا يمكن أن يتحقق عمليا(5).

(1)- فوزي أوصديق, النظام الدستوري الجزائري ووسائل التعبير المؤسساتي, الجزائر, ديوان المطبوعات الجامعية, ص 93.
(2)- أنظر المادة 17 من دستور 1963, جريدة رسمية رقم: 64 المؤرخة في: 10 سبتمبر 1963.
(3)- سعيد بوشعير, النظام السياسي الجزائري.......ص52.
(4)- سعيد بوشعير, نفس المرجع, ص 53.
(5)- سعيد بوشعير, نفس المرجع, ص 53.
وما يمكن إستنتاجه في الأخير هو أن السلطة التشريعية بكل أجهزتها خاضعة في كل الجوانب للسلطة التنفيذية ولا تتمتع أبدا بالإستقلالية وهذا ما أدى إلى هدم الرقابة المتبادلة ومنه إلى تبني نظام رئاسي متشدّد, والذي يكون فيه الرئيس مستحوذ على جميع السلطات ويعتبر الشخصية السياسية الوحيدة في الدولة وسيتبيّن لنا ذلك من خلال معرفة سلطات السلطة التنفيذية من خلال النقطة التالية:
2- السلطة التنفيذية: تسند السلطة التنفيذية إلى رئيس الدولة, فهو الشخصية المحورية الفعّالة والذي ينتخب لمدة 05 سنوات عن طريق الإقتراع العام المباشر والسري بعد تعيينه من طرف الحزب, لأنه هو الحزب الطلائعي في البلاد.
وحسب نص المادة رقم: 39/03 من دستور 1963 فإنه ينبغي توافر الشروط التالية في رئيس الجمهورية: أن يكون بالغ 35 سنة من العمر, متمتع بحقوقه المدنية والسياسية, جزائري, ولقد خوّل الدستور صلاحيات كثيرة لرئيس الجمهورية سواء على المستوى الداخلي أو على المستوى الخارجي, ففي الأولى فإنه إستأثر بالإختصاصات التنفيذية لوحده والمتمثلة في: تحديد سياسة الحكومة وتوجيهها , تعيين الوزراء على أن يكون الثلثين منهم على الأقل من نواب المجلس مع تقديمهم له دون أن يكون له سلطة الموافقة على ذلك التعيين أو رفضه, كما أن الوزراء هم مسؤولون أمامه فقط, أما رئيس الجمهورية فهو المسؤول الوحيد أمام المجلس الوطني (المادة 47 من دستور 1963).
أما في المجال التشريعي فإننا نجدها واسعة جدا حيث له سلطة إقتراح القوانين, إصدارها, نشرها, تنفيذها وكذلك ممارسة السلطة التنظيمية, مع العلم أن عملية الإصدار مقيّدة بأجل معيّن وهي 10 أيام وإلا تكفّل رئيس المجلس الوطني بإصدارها.
من بين السلطات كذلك طلب مداولة ثانية لإعادة قراءة النص الذي تمت الموافقة عليه من طرف المجلس الوطني ولا يجوز له رفضه.
كما تجدر الإشارة أنه في هذه المرحلة قد إعتمدت السلطة التنفيذية في مجال التشريع آلية جديدة وهي التشريع بالتفويض وفقا للمادة 58 من دستور 1963 ومؤداه " أن يطلب من المجلس الوطني التفويض له لمدة محدودة حق إتّخاذ تدابير صعبة تشريعية عن طريق أوامر تشريعية في نطاق مجلس الوزراء, وتعرض على المجلس للمصادقة عليه في أجل 03 أشهر" (1).
وفي ظروف محدّدة ألا وهي: حالة الضرورة والإستعجال (2).
وكذلك من بين السلطات التي خوّلها الدستور لرئيس الجمهورية بموجب المادة 59 من دستور 1963 هي إتخاذ تدابير إستثنائية لحماية إستقلال الأمة ومؤسسات الجمهورية في حالة الخطر الوشيك الوقوع وهي مقيّدة فقط بتوفر الخطر الوشيك الوقوع وإجتماع المجلس الوطني وجوبا. وقد تم ذلك فعلا حيث إستطاع رئيس الجمهورية تجميد الدستور بموجب المادة 59 عن طريق توجيه رسالة إلى المجلس الوطني بتاريخ 02 أكتوبر 1963 وذلك لخطورة الوضع وتهديد القوى الإجرامية المعادية للثورة والوحدة الوطنية والوحدة الترابية للبلاد وأسس الثورة ذاتها بالتواطؤ مع قوى خارجية, وبذلك لم تدم حياة الدستور سوى 26 يوم فقط.
أما على المستوى الخارجي: فإنه يحق له التوقيع والمصادقة على المعاهدات والإتفاقيات والمواثيق الدولية بعد إستشارة المجلس الوطني وإعلان الحرب والسلم بموافقة المجلس الوطني, ويتضح أن السلطة التنفيذية المتمثلة في رئيس الجمهورية تتمتع بسلطات واسعة على المستويين الداخلي والخارجي وهي في الظاهر مستمدة من الدستور, لكن الواقع أنها مستمدة من الجيش وما الدستور إلا واجهة إستطاع من خلالها رئيس الجمهورية فرض رؤياه وحده فقط وما يتطلّع له, ودعّمه أكثر السياسة الخارجية التي إنتهجها.
3- النظام السياسي الجزائري القائم بعد سنة 1965: تبدأ هذه المرحلة عندما قام الجيش بقيادة الهواري بومدين ومجموعة وجدة وإنضمام قائد أركان الجيش " الطاهر الزبيري" الذين لم يرضوا أبدا عن الرئيس بن بلة في قيادته لمؤسسات الدولة فقاموا بالإطاحة بالرئيس أحمد بن بلة في 19 جوان 1965(ما يسمى بالتصحيح الثوري وهو حقيقة إنقلاب).

(1)- سعيد بوشعير, النظام السياسي الجزائري.......ص55.
(2)- أنظر المادة 52 والمادة 53 من دستور 1963, جريدة رسمية رقم: 64 المؤرخة في: 10 سبتمبر 1963.
ولقد حاول كل من القائمين على الحركة وكذلك الفقيهين: سولي وبوريلة من خلال بعض الحجج والتبريرات أن يوضحوا أن العمل الذي قاموا به هو مشروع إلا أنه وُصف في تلك المرحلة بغير القانوني لأن القائمين عليها لم يلجئوا إلى الطريقة الدستورية الشرعية لإبعاد رئيس الجمهورية وإنما إستعملوا العنف بواسطة الجيش للوصول إلى السلطة. وإستبدال النظام القانوني الأساسي (الدستور والمؤسسات) بنظام قانوني أساسي آخر (أمر 10 جويلية 1965) ومؤسسات أخرى(مجلس الثورة والحكومة)مع الإحتفاظ بالخيار الإشتراكي (1).
لكن الوصف القانوني الذي يعطى لهذه الظاهرة هو الإنقلاب أي إنتزاع للسلطة من قبل صاحبها الشرعي (2).
كذلك هو حركة ذات طابع عنفي تقوم بها جهة من السلطات ذات نفوذ مستعملة في ذلك وسائل القوة والإستيلاء على السلطة وإستبدال النظام الأساسي القائم رغم وحدته الإيديولوجية بنظام قانوني آخر دون مشاركة الشعب (3).
لكن ينبغي معرفة ما أطلقه أصحابه عليه, فقد أطلقوا عليه تسمية التصحيح الثوري.
ولقد صرّح رئيس الحركة بومدين فيما بعد وبالذات في: 05 جويلية 1965 بأنهم قد تراجعوا عن التصريح السابق الصادر في: 19 جوان والذي نص على أن" مجلس الثورة قد إتخذ كل التدابير من أجل ضمان سير المؤسسات القائمة في ظل النظام والأمن" ويستنتج من ذلك تغيير الشخص الذي تسبب في إعاقة سير هته المؤسسات فقط وحلّ محله مجلس الثورة, كما أعلن أيضا ان مجلس الثورة يعمل من أجل إقامة جهاز دولة قوي وفعّال ومؤسسات تتماشى ومطالب الشعب, وهذا ما حدث فعلا, فقد أفاد الأمر الصادر في: 10 جويلية 1965 أن مجلس الثورة هو مصدر السلطة المطلقة ريثما يتخذ دستور للبلاد, وهذا يعني القضاء على دستور 1963 بإلغائه وكذلك المؤسسات التي جاء بها وقيام مؤسسات جديدة وفقا لنص جديد وهو تصريح 19 جوان والأمر الصادر في: 10 جويلية 1965 والذي أطلق عليه بالدستور الصغير (من المادة رقم 03 إلى المادة رقم 06) (4). وهي كالتالي:
1- مجلس الثورة والحكومة: مجلس الثورة تمّ إنشائه من 26 عضوا , حيث أُسندت له إختصاصات واسعة وهي (إختصاصات المجلس الوطني ورئيس الجمهورية) و الحزب (5).
وأهم المهام التي قام بها المجلس هي: تحديد السياسة العامة للبلاد والإختيارات الأساسية, مراقبة الحكومة بالإضافة إلى أدوار أخرى قوّت من سيطرته على الجهازين: كالموافقة على بعض الأوامر التشريعية التي هي في الأصل من إختصاصات الحكومة بموجب الأمر السابق ذكره, إتخاذ إجراءات داخلية كإبعاد بومعزة ومحساس(6). تحديد تواريخ الإنتخابات البلدية واللجان المختلفة لتحديد قوائم المترشحين, إلا أنه ومنذ ماي 1967 قُلّصت هته المهام ولم تعد له الإستقلالية في ممارسة المهام أو حتى الإجتماع مع الحكومة لمحاولة الطاهر الزبيري الإطاحة بالنظام في: 14/12/1967 وهذا دام إلى غاية 1969 (إنقلاب فاشل).
فما يميّز الأحداث بعد هذه المحاولة وخاصة بعد 1969 هو الإندماج بين الحكومة ومجلس الثورة تحت رئاسة رئيس واحد وهو رئيس مجلس الثورة , رئيس مجلس الوزراء, كما أن الكفة قد مالت إليه على حساب مجلس الثورة وذلك عندما توفي أعضاءه الذين لهم نفوذ في الدولة الجزائرية آنذاك.
لكن ما يمكن ملاحظته في هذه المرحلة أن التاريخ يعيد نفسه, وأن الأشخاص فقط تغيّروا ووقعوا في نفس الشرك الذي وقع فيه بن بلة, حيث أصبح رئيس مجلس الثورة رئيس مجلس الوزراء, يتمتع بسلطات واسعة في مواجهة الأجهزة الأخرى وإحتل مكانة هامة (يوّجه, يراقب, سلطة), وهذا لأنه أصبح عامل وحدة للمجموعة التي أطاحت بالنظام السابق وعامل إستقرار لها بين أعضائها (7).

(1)- سعيد بوشعير, النظام السياسي الجزائري.......ص66.
(2)- عبد الله بوقفة,القانون الدستوري وآليات تنظيم السلطة في النظام السياسي الجزائري, الجزائر, دار هومة, ط203, ص65.
(3)- مولود ديدان, مرجع سبق ذكره, ص342.
(4)- سعيد بوشعير, نفس المرجع, ص 67.
(5)- سعيد بوشعير, نفس المرجع, ص 71.
(6)- سعيد بوشعير, نفس المرجع, ص 71.
(7) - سعيد بوشعير, نفس المرجع, ص73.
وأنشأ كذلك بعض الأجهزة لتسهيل مهمته أهمها: المجلس الإقتصادي والإجتماعي, المجلس الأعلى للقضاء, الندوة الوطنية لرؤساء المجالس الشعبية البلدية, اللجنة المركزية للصفقات....الخ.
دون أن نستثني حزب جبهة التحرير الوطني والتي وإن قلّ دوره في السنوات الثلاث وذلك نتيجة للإنحرافات والحكم الفردي, إلا أنه في هذه المرحلة فقد ظل رمزا للمشروعية التاريخية.
فالدولة كانت تستمد مشروعيتها من إيديولوجية الحزب, وعلى المستوى السياسي, كان دور جبهة التحرير الوطني كموجّه للدولة, يتجسّد بصفة غير مباشرة في كون مسيري الدولة كانوا في نفس الوقت أعضاء في إدارة المركزية للحزب (1).
وبالتالي ما يميّز هذه المرحلة هو القوة والسيطرة وبناء الدولة بفرض كل شيء من القمّة, والإعتماد على الخيار الإشتراكي وإستبدال الحكم الفردي بالجماعي.
المطلب الثالث: تنظيم السلطات في دستور 1976:
في سنة 1975 أعلن هواري بومدين بصفته رئيس مجلس الوزراء في خطاب ألقاه عند الشروع في إعداد ميثاق وطني , إذ يعتبر هذا الميثاق المصدر الإيديولوجي للدستور القادم, وإنتخاب مجلس وطني ورئيس الجمهورية.
فبموجب الأمر رقم: 95/69 المؤرخ في: 1 نوفمبر 1975 والمتضمن إنشاء اللجنة السامية للميثاق الوطني, كُلّفت بإعداد مشروع الميثاق الوطني تحت رئاسة وسلطة السيّد: رئيس مجلس الثورة, رئيس الحكومة ورئيس مجلس الوزراء, وفي 27جوان 1976 تم الإستفتاء على الميثاق الوطني من طرف الشعب من خلال الإجابة على السؤال التالي: هل أنتم موافقون على الميثاق الوطني المقترح عليكم؟ (2).
ونستنتج من خلال الإطّلاع على هته الوثيقة أنها مميّزة ولها مكانة قانونية بالمقارنة مع غيرها من المواثيق السابقة وهذا يرجع إلى قوة الجهة التي أعدّته حيث عند عرضه للتصويت والمناقشة بعد الإقتناع بصلاحيته أستبعد حزب جبهة التحرير من وضع هذه الوثيقة, وبعد إصدار هذا الميثاق بدأ في الخطوة الثانية وهي إعداد دستور 1976.
1- إعداد الدستور ومضمونه: لقد إنعقدت ندوة وطنية للموافقة على مشروع الدستور في: 06 نوفمبر 1976, وقد تم إصداره بموجب الأمر رقم: 76/95 المؤرخ في: 14 نوفمبر 1976 ووافق عليه الشعب في إستفتاء يوم: 19 نوفمبر 1976 ونشر في الجريدة الرسمية يوم: 02 نوفمبر , ويحتوي على: 199 مادة
أما عن العلاقة بينه وبين الميثاق فتتجلى من خلال المادة رقم: 06 من دستور 1976 والتي تنص على:أن الميثاق هو المصدر الأساسي لسياسة الأمة وقوانين الدولة, وهو المصدر الإيديولوجي والسياسي المعتمد لمؤسسات الحزب والدولة على جميع المستويات.
إن الميثاق الوطني مرجع أساسي أيضا لأي تأويل لأحكام الدستور وبالتالي فالميثاق الوطني يسمو على الدستور.
لقد كرّس هذا الدستور الإختيار الإشتراكي وكذلك وحداوية قيادة الحزب والدولة وتعدد الوظائف, فقد أستعمل في هذا الدستور مصطلح: الوظيفة بدل السلطة وكلها تحت مظلة ورقابة القيادتين المتمثلة في شخص واحد ألا وهو رئيس الجمهورية.
ولقد تم بموجب المرسوم رقم: 85/304 المؤرخ في: 02 ربيع الثاني عام 1406 هـ الموافق لـ 14 ديسمبر 1985 والمتضمن إستدعاء مجموع الناخبين لإستفتائهم في إثراء الميثاق الوطني(3).
وكذلك المرسوم رقم: 86/22 المؤرخ في: 30 جمادى الأولى عام 1604هـ الموافق لـ 09 فبراير 1986 والذي يتعلق بنشر الميثاق الوطني الموافق عليه في إستفتاء 16 يناير 1986 والمنشور في الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية, والذي نجده قد حافظ على وحداوية الحزب المتمثل في جبهة التحرير الوطني, وسنتعرض فيما يلي إلى الوظائف التي حدّدها دستور 1976.

(1)- فتحي زراري,نظم تحديد نتائج الإنتخابات في القانون الجزائري, مذكرة لنيل شهادة الماجيستير, ص88.
(2)- فتحي زراري, نفس المرجع, ص 93.
(3)- مرسوم رقم:86/22 مؤرخ في: 09 فبراير سنة 1986, يتعلق بنشر الميثاق الوطني الموافق عليه بإستفتاء 16/01/86.

2- تنظيم السلطات طبقا لدستور 1976:
أ- الوظيفة السياسية: نظمتها المواد من: 94 إلى 103 من دستور 1976, والتي نصت في مجملها على أن حزب جبهة التحرير الوطني هو الحزب الواحد في البلاد والذي يهدف إلى تجسيد مبادئ ومعالم الإشتراكية وكذلك المحافظة على عقائدية المجتمع الجزائري.
كما أن دستور 1976 قد إعتمد في هذا المجال على مبدأ وحدة القيادة السياسية للحزب والدولة ومؤداها أن قيادة الحزب هي نفسها قيادة الدولة (أي بيد رئيس الجمهورية الأمين العام للحزب) وهذا على مستوى القمّة, أما على مستوى القاعدة فإنه هناك فصل تام بين أجهزة الحزب وأجهزة الدولة, ولكل منها وسائلها الخاصة في ممارسة مهامها ومسؤولياتها حتى لا يقع تداخل في الإختصاصات والذي سوف يعيق حتما تحقيق الأهداف المسطّرة.
ب- الوظيفة التنفيذية: من المادة رقم: 104 إلى المادة رقم: 125 من الدستور.
لقد أسند الدستور هته الوظيفة لرئيس الجمهورية, حيث ينتخب رئيس الجمهورية عن طريق الإقتراع العام المباشر والسري لمدة 06 سنوات كما يمكن إعادة إنتخابه, إلا أنه وبموجب التعديل الحاصل عل دستور 1976في: 07/07/1979 أصبحت المدة 05 سنوات.
كما أنه يجب أن تتوفر شروط نصت عليها المادة رقم: 107 من دستور 1976 والمتمثلة في أن يكون له الجنسية الجزائرية, أن يدين بالإسلام, أن يكون بالغ سن: 40 سنة كاملة يوم الإنتخاب, أن يكون متمتع بكامل الحقوق المدنية والسياسية, ويتم ترشيحه من طرف حزب جبهة التحرير الوطني.
وفي حالة وفاته أو إستقالته يتولى رئيس المجلس الشعبي الوطني هته المهام لمدة أقصاها 45 يوم, تنظم من خلالها إنتخابات رئاسية, حيث أن الرئيس المستقيل لا يحق له الترشح لهذا المنصب حسب نص المادة رقم: 117 من الدستور(1).
كما تم إنشاء مهام نائب أو نواب الجمهورية الذين يضطلعون بمهمة المساعدة والعون لرئيس الجمهورية في ممارسة مهامه حسب نص المادة رقم: 12 المعدّلة, وكذلك منصب الوزير الأول حيث يتم تعيينه من بين أعضاء الحكومة, إذ يساعد رئيس الجمهورية في تنسيق النشاط الحكومي وفي تطبيق القرارات المتّخذة في مجلس الوزراء حسب نص المادة رقم: 113 المعدّلة في: 07/07/1979.
لكن ما تجدر الإشارة إليه أن هؤلاء النواّب والوزير الأول وأعضاء الحكومة مسؤولون فقط أمام رئيس الجمهورية(المادة رقم: 115 من الدستور), وهي إحدى سمات النظام السياسي الرئاسي.
ومن أهم الصلاحيات المنوطة برئيس الجمهورية وخاصة منها في مجال التشريع هي: سلطة التشريع بأوامر فيما بين دورتي المجلس الشعبي الوطني والتي تُعرض عليه في أول دورة مقبلة له, كذلك له سلطة تنظيم إنتخابات تشريعية مسبقة كما له أن يستدعي المجلس الشعبي الوطني للإنعقاد في دورة إستثنائية, وله الحق في حلّه, إضافة إلى المبادرة بمشاريع القوانين وتنفيذ هذه الأخيرة والتنظيمات كما يعتبر رئيس الجمهورية حامي الدستور......إلى غير ذلك من السلطات.
أما عن سلطاته في الحالات غير العادية فتتمثل في: سلطة تقرير الحالة الطارئة وحالة الحصار, الحالة الإستثنائية وحالة الحرب, وما ينجم عن ذلك من سلطته في إصدار القرارات اللازمة لمواجهة الحالة وتقييد الحقوق والحريات (2).
كما أنه يمثل الدولة داخليا وخارجيا, ويترأس مجلس الوزراء والإجتماعات المشتركة لأجهزة الحزب والدولة ويتولى مسؤولية الدفاع الوطني.
وفي الأخير ما يمكن ملاحظته أن رئيس الجمهورية يتمتع بصلاحيات واسعة جدا تمكّنه من فرض سلطاته على بقية الأجهزة الأخرى, وله أن يُحاسب دون أن يُحاسب.

(1)- المادة 117 من دستور 1976 , جريدة رسمية رقم: 94 الصادرة في: 24/11/1976.
(2)- سعيد بوشعير , النظام السياسي الجزائري, ص 165.


حول إنتخابات المجلس الشعبي الوطني للفترة الرئاسية الثانية, والنّاصة على إلزامية توفر المترشح على 03 مقاييس أساسية في الإنتخابات التشريعية وهي: الالتزام, الكفاءة والنزاهة, (1).
جـ- الوظيفة التشريعية: أسندها دستور 1976 إلى المجلس الشعبي الوطني والذي كان في دستور 1963 يطلق عليه المجلس الوطني, وينتخب المجلس الشعبي الوطني لمدة 05 سنوات لا يمكن تمديدها إلا في الظروف الخطيرة للغاية والتي لا تسمح بإجراء إنتخابات عادية, ويتم ترشيح نوابه من طرف جبهة التحرير الوطني ومن خلالها يمكن فهم خلفية التعليمة الرئاسية الصادرة عن رئيس الجمهورية يوم: 29/12/1976
يتم إنتخاب النواب عن طريق الإقتراع العام المباشر والسري, ويجتمع المجلس في دورتين عاديتين كل سنة مدة كل دورة 03 أشهر على الأكثر (دورة الخريف, دورة الربيع) ويضطلع بمهمة التشريع في المجالات التي خوّلها له الدستور وهي من خلال سياق النص على سبيل المثال لا الحصر (المادة رقم: 151 من دستور 1976) (2).
وما يمكن إستنتاجه عمليا هو أن الإختصاص التشريعي للمجلس مقيّد بما يتماشى وسياسة الحزب وقيادته, لكن له دور بارز في الرقابة على الحكومة وتتجلى مظاهر الرقابة في:
1- توجيه أسئلة مكتوبة (منح مدة 15 يوم لكي يجيب عليها الوزير دون وجود جزاء على عدم الإجابة.
2- إنشاء لجان تحقيق أو مراقبة: بموجب لائحة مقترحة من قبل 10 نواب أو مكتب المجلس أو لجنة دائمة أو بمبادرة من رئيس الجمهورية.
3- إستجواب الحكومة حول قضايا الساعة: إذ تعد موافقتها على تاريخ الطرح والرد على الإستجواب.
إلا أننا نجد السلطة التشريعية مقيّدة بالرغم من ذلك, وهذا ما يجعلها خاضعة للمؤسسة التنفيذية المتمثلة في شخص رئيس الجمهورية .
د- الوظيفة القضائية: نظّمتها المواد من المادة رقم: 164 إلى المادة رقم: 182 من دستور 1976, حيث يعتبر القضاء أهم مرفق في الدولة, إذ يساهم في الدفاع عن الثورة الإشتراكية وحمايتها, كما أنه مكفول لجميع الناس, فالكل سواسية أمامه كما أن أحكامه تصدر بإسم الشعب وفي جلسة علنية وتتمتع بالصبغة التنفيذية, وطبقا لمبدأ إستقلالية القضاة فإن القاضي محمي من جميع المضايقات والضغوطات والمناورات التي قد تؤثر في آدائه المهني أو نزاهته فهو لا يخضع إلا للقانون.
كما يتولى المجلس الأعلى للقضاء والذي يرأسه رئيس الجمهورية مهمّة - تعيين القضاة ونقلهم وسير سلّمهم الوظيفي وكذلك مدى إنضباطهم – إعطاء رأي إستشاري لرئيس الجمهورية قبل ممارسته لحق العضو- كذلك يمثل الجهة المقوّمة لأعمال المجالس القضائية والمحاكم – يضمن توحيد الإجتهاد في العمل القضائي في جميع أنحاء البلاد والسهر على إحترام القوانين.
هـ وظيفة المراقبة: نظمتها المواد من المادة رقم: 183 إلى المادة رقم: 190 من دستور 1976 حيث تنص في مجملها على أن هته الوظيفة هي إحدى معالم الدولة الإشتراكية, حيث تهدف من ورائها الدولة إلى البحث عن كيفية وظروف تداول وتسيير الوسائل البشرية والمادية –التي هي في الأصل تحت سيطرة الدولة ومملوكة لها- من طرف أجهزتها سواء الإدارية أو الإقتصادية وهذا حتى تصل إلى القضاء على كل أنواع الإنحرافات والأعمال الإجرامية التي تدخل في هذا المجال كالإختلاس, الرشوة, إستعمالها للمصلحة الشخصية...الخ. كما نُنوّه إلى أن الدولة قد سخّرت أجهزة للقيام بذلك وهي أجهزة منتخبة تتمثل في:
1- المجلس الشعبي الوطني (المادة رقم: 187 من دستور 1976), فقد ألزم المجلس الحكومة بتقديم عرضا حول إستعمال الإعتمادات المالية -التي أقرّها بالنسبة للسنة المالية المعنية- كل نهاية سنة مالية , كما تختم السنة المالية على مستوى المجلس الشعبي الوطني بالتصويت على قانون يتحدّد بمقتضاه ضبط ميزانية السنة المالية المنصرمة.
2- المجالس الشعبية الولائية.

(1)- فوزي أوصديق, الوافي في شرح القانون الدستوري, الجزائر, الجزء الثالث, ديوان المطبوعات الجامعية, طبعة 1999,ص 42.
(2)- المادة 151 من دستور 1976 , جريدة رسمية رقم: 94 الصادرة في: 24/11/1976.

المجالس الشعبية البلدية.
3- مجالس العمل
كما قد تأسست في هذه المرحلة مجلس المحاسبة يتكفّل بالمراقبة اللاحقة لجميع النفقات العمومية للدولة والحزب والمجموعات المحلية والجهوية والمؤسسات الإشتراكية بجميع أنواعها, كما أنه ملزم بتقديم تقرير سنوي لرئيس الجمهورية (1).
و – الوظيفة التأسيسية: من المادة رقم: 191 إلى المادة رقم: 196 من دستور 1976
يُناط حق المبادرة بتعديل الدستور برئيس الجمهورية فقط (المادة رقم: 191 من دستور 1976) على عكس ما تضمّنه دستور 1963 حيث كانت منوطة برئيس الجمهورية والاغلبية المطلقة لأعضاء المجلس الوطني معا. أما إقرار التعديل فإنه يكون بطرق مختلفة وهي كالتالي:
1- إقرار التعديل من طرف المجلس الشعبي الوطني: ومعمول به في دستور 1976 بنسبة ثلثي أعضاء المجلس الشعبي الوطني مع الأخذ بعين الإعتبار أنه وطبقا للمادة 195 من دستور 1976 لا يجوز أن تكون محلا للتعديل دائما ما يلي:
- الصفة الجمهورية للحكم.
- دين الدولة.
- الإختيار الإشتراكي.
- الحريات الأساسية للإنسان والمواطن.
- مبدأ التصويت عن طريق الإقتراع العام المباشر والسري.
- سلامة التراب الوطني(2).
2- إقرار التعديل عن طريق الإستفتاء الشعبي: أي أنه وحتى يصبح مشروع التعديل نافذا لا بد من عرضه على المصادقة من طرف الشعب, وقد أخذ به دستور 1963 في المادة رقم: 73 منه, وبمجرّد الإستفتاء عليه فإنه يتم إصداره من طرف رئيس الجمهورية بإعتباره قانونا دستوريا خلال الأيام الثمانية الموالية لتاريخ الإستفتاء (المادة 74 من دستور 1963), أما في دستور 1976 فقد طبق ذلك مع وجود شكوك حول مدى دستورية هذا المسلك الذي لم يكن منصوصا عليه في الفصل المتعلق بالوظيفة التأسيسية (3).
وفي الأخير ما يمكن إستنتاجه من خلال هذه الدراسة أنه كان نظام سياسي رئاسي متشدّد, وذلك يستلهم من خلال الصلاحيات المخوّلة لرئيس الجمهورية بموجب الدستور فكل الأجهزة والسلطات الأخرى خاضعة له من حيث الرقابة وغيرها, فهو رئيس السلطة التنفيذية وقائدها ورئيس المجلس الأعلى للقضاء والأمين العام للحزب الواحد وهو كذلك من يقوم بتعديل الدستور.
خاتمة المبحث:
من خلال ما سبق يتضح بأن النظام السياسي المتّبع في كل من الدستورين السابقين (دستور 1963 و دستور 1976) هو نظام رئاسي متشدّد (مغلق) بحيث تكون فيه السلطة التنفيذية المتمثلة في شخص رئيس الجمهورية فقط دون غيره هي المستحوذة وصاحبة كافة السلطات والصلاحيات التنفيذية وحتى التشريعية منها, مما أدى إلى إنكماش دور السلطة التشريعية خاصة بعد حصول رئيس الجمهورية على منصب الأمين العام للحزب والذي إستطاع من خلاله فرض رؤياه في سياسة الدولة.
لكن ما تجدر الإشارة إليه هو أن هذا كله بعيد كل البعد عن ما هو موجود في الدستورين السالف ذكرهما, فالنظري (الوثيقة الدستوري) يختلف عن الواقع, فقد تُقرّر الدولة نظاما معيّنا نمشي على خطاه لكن هناك في أرض الواقع شيء مختلف جدا.

(1)- المادة 190 من دستور 1976 , جريدة رسمية رقم: 94 الصادرة في: 24/11/1976(المعدل بالقانون رقم: 80/01 المؤرخ في 12/01/1980).
(2)- المادة 195 من دستور 1976 , جريدة رسمية رقم: 94 الصادرة في: 24/11/1976.
(3)- مولود ديدان, مرجع سبق ذكره, ص84.


المبحث الثالث: طبيعة النظام السياسي الجزائري في ظل دستوري 1989 و1996.

لقد مرّت الجزائر بمراحل حسّاسة وأزمات متعدّدة, ويتجلى ذلك من خلال تشريح المؤسسات الدستورية, حيث مرّت الدولة الجزائرية بفترات كانت تعاني فيها من تفكك وإنهيار مؤسساتي, مما إستدعى إبتكار بعض الهيئات لسد الفراغ الدستوري, وقد قسّم المحلّلين السياسيين هذه المراحل إلى ما يسمى بالجمهورية الأولى وتضم دستور 1963 ودستور 1976 وبدأت منذ الإستقلال, والجمهورية الثانية وتضم ما يسمى بدستور الأزمة دستور 1989, أما الجمهورية الثالثة فتشمل دستور 1996, ومن خلال المطالب الآتية سنحاول تحليل هذه الظروف وكيف حاول النظام الدستوري والسياسي التعامل معها؟

المطلب الأول: الظروف الممهدة لوضع دستور 1989 ودستور 1996 في ظل الجمهوريتين الثانية والثالثة على التوالي.

لم تكن عملية التحوّل الديمقراطي التي شرعت فيها الجزائر منذ إقرار دستور فيفري 1989 عملية يسيرة, وإنما إنتقال الجزائر من نظام الأحادية الحزبية إلى نظام التعددية الحزبية كان أمامه الكثير من العقبات والمعوّقات التي أثّرت في هذا التحوّل الديمقراطي مما شكّك في نجاح هذه التجربة, خاصة أن تعارض المصالح بدا واضحا من خلال فريقين أحدهما مؤيد لإجراء الإصلاحات السياسية والإقتصادية, كنقطة إنطلاق في التحول الديمقراطي والآخر يُفضّل الإبقاء على النظام الذي كان ساريا منذ الإستقلال سنة 1962 (1).
وبين هذا وذاك, فقد ظهر فريق ثالث يُؤمن بأن هذه الإصلاحات هي السبيل الوحيد لإخراج النظام السياسي من أزمته التي تفاقمت سنة 1988, لكن يجب أن تكون هذه الإصلاحات مقيّدة, غير أنه ورغم هذه الآراء نجد أن هذا التحول يمثل إستجابة لأسباب داخلية موجودة أصلا وأسباب أخرى خارجية عصفت بالنظام السياسي الجزائري و أرغمته على هذا التحوّل (2).
ومهما يكن فإن هذا التحول لم يكن طبيعيا, أو نتاجا لأداء النظام السياسي الجزائري في ترقــية العلاقة بينه وبين المجتمع, وإنما تقف وراء ذلك التحوّل الكثير من الأسباب أهمها:
1- ضعف إستجابة النظام السياسي للمطالب المجتمعة إقتصاديا وسياسيا: فبالنسبة للأزمة الإقتصادية, فقد شهدت الجزائر منتصف الثمانينات تدهورا إقتصاديا واضحا, حيث تمثلت مظاهره في:
- تراجع الناتج القومي الذي إنخفض خلال سنة: 1988 بمعدّل 15%, وكذا تراجع الناتج القومي الإجمالي, حيث كان النمو الديمغرافي يصل إلى 03% وهذا ما يوضّح التدهور والعجز عن تلبية رغبات المواطنين (1).
- العجز في ميزان الحساب الجاري, فبعد أن حقّق فائضا بلغ (1014) مليون دولار سنة 1985, سجّل عجزا في السنة التالية بلغ (2230) مليون دولار, وقد إنخفض العجز إلى (772) مليون دولار في سنة 1988, ولكن بتكلفة إقتصادية وإجتماعية لا يمكن إلا أن تكون شديدة الإرتفاع, إذ حصل هذا الإنخفاض على حساب الواردات التي ضغطت بشكل مستمر, فنتج عن ذلك وصول نسبة الإنكماش في الواردات بين سنتي: 1986 و1988 إلى (18,48) وهذا راجع إلى إنخفاض قيمة الصادرات الجزائرية من المحروقات, وإنهيار سعر البترول خاصة, وكذا إرتفاع المديونية الخارجية طويلة الأجل , التي قُدّرت بـ(23,229) مليون دولار أمريكي أي بنسبة 44,5% من الناتج الإجمالي القومي.

(1)-خيري عبد الرزاق جاسم, التحول الديمقراطيhttp://www.demoislam.com/modules.php...rticle&cid=491
(2)- خيري عبد الرزاق جاسم, نفس المرجع
(3)- خيري عبد الرزاق جاسم, نفس المرجع


هذا ومع تزايد نسبة النمو الديمغرافي وإنتشار الفساد في بعض القطاعات الحكومية بإنتشار الرشوة, وقد بيّن الرئيس الشادلي بن جديد في بيانه في أكتوبر 1988 بوادر الأزمة الإقتصادية وكذا أزمة العلاقة بين الـنظام السياسي والإجتماعي.
- أزمة المشاركة السياسية: وحصل هذا على إثر ظهور جماعات جديدة تطالب بإشراكها في الحـكم, وهذا يشكل تهديدا لمركز الجماعة الحاكمة, وما زاد الطين بلّة هو عدم إستجابة هذا الأخيرة لمــــطالب القوى الصاعدة, مما يدفعنا إلى القول بأن المشاركة السياسية تصبح أزمة في حالات وهي:
* ظهور جماعات تُطالب بإشراكها في الحكم.
* عدم إستجابة الجماعة الحاكمة إلى مطالب القوى الإجتماعية الصاعدة(1).
2- الموجة العاتية ضد الأنظمة الشمولية التي رافقت التغيّرات التي أصابت النظام السياسي الدولي, وإنكشاف تلك الأنظمة أمام عصف تلك التغيّرات, وحركة التناقضات الموجودة أصلا في الأنظمة الشمولية, شكّلت عنصرا ضاغطا على صُناع القرار في الدول الإشتراكية وتزامن مع هذا التحول الديمقراطي وضرورة الإستجابة للمتطلبات الخارجية وإقرار التعددية الحزبية, مما أثر في ركيزة النظام السياسي الجزائري في ظل الحزب الواحد, وهذا ما يؤكد أن هذا التغيير هو إستجابة لضغوط خارجية وليست لمتطلبات مجتمعة (2).
3- أحداث أكتوبر والتحول الديمقراطي في الجزائر:
لقد شكّلت أحداث أكتوبر 1988 إستجابة ورد فعل لمطلبين أساسيين هما: أزمة النظام السياسي وضغط البيئة الخارجية للنظام, وبالتالي إجبار النظام السياسي الجزائري لإجراء التحوّلات الديمقراطية, وهذه الأحداث هي التي كشفت عن الأزمة التي كان يعيشها النظام.
إذ أن نظام الحزب الواحد, صاحبه إحتكار السلطة وممارستها من طرف نخبة سياسية عسكرية فضلا عن غياب المشاركة السياسية ضمن إطار شرعي مؤسسي, ومن هنا حدثت التناقضات التي فاقت قدرة المؤسسات القائمة آنذاك, والتي لم تستطيع ضبط الأمور بأسلوب ديمقراطي, ذلك لأن النظام الجزائري لم يملك إرثا ديمقراطيا يعبر عن مشاركة سياسية حقيقية, بل عبّر عن تعبئة, مما زاد في الفجوة بين الدولة ونظامها السياسي من جهة وبين المجتمع وقواه السياسية والإجتماعية من جهة أخرى, مما أدى إلى فقدان مؤسسات الدولة لمصداقيتها(3).وللبحث عن المخرج في خظمّ هذه التكتلات, جاء إقرار دستور 1989 ليعلن عن هذا التحول, لكن التحول الديمقراطي لا بد له من متطلبات حتى ينجح وهي:
- توسيع قاعدة المشاركة السياسية: و\لك بتمثيل كل شرائح المجتمع بكل توجّهاتها السياسية.
- ترقية الجانب النفسي: بمعنى ترقية جانب إيمان الفرد بضرورة التحوّل الديمقراطي.
- ترسيخ المؤسسات السياسية وبلورتها من خلال الدستور.
- إقرار التعددية الحزبية: بتجسيد تداول السلطة بالطريقة السلمية.
- ترقية مؤسسات المجتمع المدني: دون أن تكون حبيسة إرادة الدولة وسلطاتها.
* لكن هل هذه المتطلبات كانت متوفرة, حتى يغيّر النظام السياسي الجزائري طابعه؟ للإجابة عن هذا السؤال لا بد من التعرّض إلى معوّقات التحول الديمقراطي في الجزائر, بعد معرفة العلاقة بين النظام السياسي والنظام الحزبي كالآتي:
إن الحزب السياسي هو عبارة عن تنظيمات تسعى على وضع ممثليها المعلنين في موقع الحكم كما عرّفه الفقيه " جاندا ", لكن تطبيقيا فقد عرّفه قانون الأحزاب المصري على أنه: كل جماعة منظّمة تؤسس طبقا لأحكام القانون " قانون الأحزاب المصري", وتقوم على مبادئ وأهداف مشتركة, وتعمل بالوسائل السياسية والديمقراطية لتحقيق برامج محدّدة تتعلق بالشؤون السياسية والإجتماعية للدول, وذلك عن طريق المشاركة في مسؤوليات الحكم (4).

(1)- خيري عبد الرزاق جاسم, التحول الديمقراطيhttp://www.demoislam.com/modules.php...rticle&cid=491
(2)- خيري عبد الرزاق جاسم, نفس المرجع
(3)- خيري عبد الرزاق جاسم, نفس المرجع
(4)-منعم خميس مخلف, دراسة مقارنة للنظام الجمهوري http://www.mcsr.net/activities/005.html
فهو إذن تنظيم يسمح بالبقاء والإستمرار ويسعى نحو الوصول إلى السلطة من أجل تطبيق مبادئه السياسية, وهو بذلك له علاقة بالنظام السياسي.
إن أي نظام سياسي من خلال إتساعه أصبحت دراسته ترتبط بشكل مباشر بدراسة موضوع الأحزاب السياسية , فممارسة السلطة بشكل عام, وخاصة عند مباشرة حق الإنتخاب والإستفتاء تحتاج إلى تنظيم سياسي لتوعية المواطنين, وممارسة الحريات السياسية الدستورية وبالذات حرية الرأي والتعبير, فدون النظام الحزبي ينشأ فراغ سياسي بين السلطة والمواطن, فالحزب يعمل على بلورة رأي المواطن وإتجاهاته, ومن الدول من تأخذ بنظام الحزب الواحد خاصة الدول الإشتراكية سابقا, وبعض الدول الأخرى تأخذ بنظام التعددية الحزبية مثل الديمقراطيات الغربية, وهو ما أخذت به الجزائر في ظل دستور 1989(1).
ويشير كل من الفقيهين "باول و ألموند" إلى أن دور الحزب السياسي هو دور النظام السياسي بسلطاته الثلاث, وهي صنع القاعدة وتطبيق القاعدة والحكم بالقاعدة, والأحزاب السياسية بوظائفها التي هي إستجابة لمحيطها, تساعد على تكييف ذلك النظام (2).
ولقد كثرت هذه المعوّقات وأثّرت سلبا على العملية برمّتها وأبرزها:
1- الصراع بين أركان النظام السياسي: منذ أحداث أكتوبر 1988 وحتى أواخر سنة 1991 سار النظام السياسي الجزائري إلى تدعيم الإصلاحات التي أتى بها الرئيس الشادلي بن جديد, والتي جسّدها دستور 1989, غير أن هذا الإصلاح لم يمنع إنقسام النظام وهذا بسبب تنامي قوة الجبهة الإسلامية للإنقاذ.
وتكرّست تلك الإنقسامات في خطين أحدهما إصلاحي والآخر متشدّد, بالنسبة للإصلاحي فقد عمل الرئيس الأسبق الشادلي بن جديد على التقليل من سلطة جبهة التحرير الوطني على الحكومة, فإستبدل قاصدي مرباح بمولود حمروش ليضمن حالة من الإنسجام في العلاقة بين الرئاسة ورئيس الحكومة, وقد إتّسمت هذه العلاقة بالتناقض عموما, كما يتجلى هذا كعيب من عيوب النظام السياسي الرئاسي, إذ يتحقق هذا العيب بتصادم مصالح كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة.
فتعاظم شعبية الجبهة الإسلامية للإنقاذ كان من أهم التطورات التي نتجت عن الإصلاحات, وإزاء ذلك بدأ رجحان كفة التيّار المتشدّد من النظام السياسي, وهذه التطورات أجبرت التيّار المتشدّد المتمثل في الحكومة على الضغط على رئيس الجمهورية, وحُسمت هذه المواجهة لصالح المتشدّدين, فتحرك وزير الدفاع آنذاك (خالد نزار) وأجبر الرئيس على الإستقالة(3).
وكان هذا الصراع في النظام, لكن بنجاح الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الدورة الأولى من الإنتخابات التشريعية في ديسمبر 1991 وإتساع قاعدتها وزيادة شعبيتها إنفجر الصراع وتحوّل إلى صراع على النظام, بين المتشدّدين في النظام السياسي الجزائري والجبهة الإسلامية للإنقاذ, وهذا ما عطّل التجربة الديمقراطية في الجزائر. وفي ما يلي تحليل لسسيولوجيا العنف في الجزائر جرّاء هذه التكتلات السياسية:
لقد برزت الجبهة الإسلامية للإنقاذ فجأة على الساحة السياسية الجزائرية, وكان حزبها كبيرا تتميّز نشأته بالخصائص التالية:
- التعبئة الكثيفة, - السرعة الفائقة في حشد الجماهير, - وعمليات إستقطاب واسعة لم تحترم قواعد الفرز الطبقي أو الإجتماعي أو الإثني أو الجهوي أو الثقافي المتعارف عليه, - جمعت الجميع ووحّدت المتناقضات(4).
وقد تواجد المشروع الإسلامي في الجزائر منذ سنة 1930 حينما حاول عبد الحميد بن باديس نشر الفكر الديني, والمحافظة على اللغة العربية والتربية الإسلامية في أوساط الشعب الجزائري, وأكّدت جبهة التحرير الوطني في ما بعد هذا الخيار, كما نجح الرئيس أحمد بن بلة سنة 1962 وأبعد خصومه وبدأ بتطبيق الإشتراكية الإسلامية, أما الإسلام العنيف فلم يبرز إلا مؤخرا, منذ بداية الثمانينات, حيث حدث أول عمل إسلامي مسلح في الجزائر سنة 1981 في عهد الرئيس الشادلي بن جديد(5).

(1)- منعم خميس مخلف, دراسة مقارنة للنظام الجمهوري http://www.mcsr.net/activities/005.html
(2)- نفس الموقع
(3)- خيري عبد الرزاق جاسم, التحول الديمقراطيhttp://www.demoislam.com/modules.php...rticle&cid=491
(4)- رياض الصيداوي, سسيولوجيا الجهاد والعنف في الجزائر http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=95408
(5)- رياض الصيداوي, نفس المرجع. العدد 1903 يوم: 02/05/2007.
بعدها فكّكت السلطات الجزائرية هذا التنظيم العسكري الذي يسمى : الحركة الجزائرية الإسلامية المسلحة, وإعتقلت عناصره, لكن المدعو: علي بلحاج أكّد على أن هذا العمل المسلح للشباب الجزائري المسلم هو شبيه بما أحدثته المقاومة ضد الإستعمار, واليوم فهو ضد أعداء الإسلام كما يقول(1).
وفي أكتوبر سنة 1988 إندلعت أحداث جسيمة أحدثت القطيعة الأولى مع طبيعة النظام السياسي الجزائري القائم منذ الإستقلال إلى ذلك التاريخ.
بعدها إستغلّت الحركة الإسلامية الظروف السياسية الجديدة وقامت بمحاولة التنظيم, فشكّلت حركة " الدعوة " عناصرها: أحمد سحنون, محفوظ نحناح, عباسي مدني, وعلي بلحاج وفشل هذا التجمع بعد الخلافات المتفاقمة بينهم, وبذلك إستفاد كل من علي بلحاج وعباسي مدني من دستور 1989 الذي يسمح في مادته 40 بحرية تشكيل جمعيات ذات صبغة سياسية, وفي يوم: 16/09/1989 تم الترخيص رسميا للجبهة الإسلامية للإنقاذ بالعمل السياسي وإعتقدت نفسها الوريث الشرعي للثورة الجزائرية(2).
وقد نجحت الجبهة في أول إنتخابات تشريعية خاضتها في : جوان 1990 وفازت بنصف عدد البلديات و4/3 من الولايات, وطالب قادتها بإستقالة الرئيس وإجراء رئاسيات مبكرة, وأرادت بذلك السيطرة على الحكم.
ومنذ ماي 1991 بدأت الأمور تتعقّد وتزداد خطورة عندما أعلنت الجبهة عن إضراب مفتوح, فأُعلنت حالة الطوارئ وتدخل الجيش لإعادة الأمن, وتم إعتقال قادة الحزب(3).
وحدثت القطيعة السياسية الثانية سنة 1992 إثر قرار المؤسسة العسكرية التدخل مباشرة في إدارة البلاد, وأوقفت الدور الثاني للإنتخابات التشريعية, وأجبرت الرئيس على الإستقالة, لأنه قرّر أن يكون الإسلاميون مشاركين في الحكم, وبدأت بعدها بذور العنف المسلح(4).
2- المؤسسة العسكرية: ولقد أدّت دورا سلبيا بتعطيلها المسار الإنتخابي أثناء بداية التحول الديمقراطي, كما خرقت دستور 1989 الذي أنهى دورها السياسي, حيث أتى بخيارين لا ثالث لهما:
أ- السماح بإجراء جولة ثانية للإنتخابات التشريعية وهذا لصالح الجبهة الإسلامية للإنقاذ (تسلّمها السلطة).
ب- وإما تعطيل المسار الإنتخابي: وهو ما رسمته المؤسسة العسكرية حتى تبقى الموجه الأول للتحوّل الديمقراطي.
وفي ما يلي تحليل لدور المؤسسة العسكرية في النظام السياسي الجزائري.
عقب إقرار دستور فبراير 1989 الذي يعد الإطار القانوني و التأسيسي لمسار التحول الديمقراطي عبرت قيادة المؤسسة العسكرية عن دعمها لمسار الإصلاحات السياسية "إن الجيش الوطني الشعبي يحيي في هذه المرحلة من التطور السياسي الإرادة التي عبر عنها المواطنون في 23 فبراير 1989", وجسدت استعدادها لمتطلبات لمرحلة المقبلة بصدور تعليمة رئيس أركان الجيش رقم 51/89/ق.أ/ج.و.ش بتاريخ 04/04/1989 التي أشارت إلى الإلتزامات الجديدة لمؤسسة الجيش التي تفرض حياد أفرادها إزاء العمل السياسي.لكن من الواضح أن هذا الحياد لم يصمد عند أول امتحان حقيقي، حيث عادت مؤسسة الجيش لتمارس دور الوصاية والتدخل في الشأن السياسي بتوقيف المسار الانتخابي في جانفي 1992 وهو الوضع الذي استمر إلى غاية أفريل 2004 ولكن بصور مختلفة يمكن حصرها في شكلين بارزين(5).
1- استعمال حق الإعتراض أو النقد (veto) : هذا النمط من تدخل الجيش في الحياة السياسية يسود عموما في حالات عدم الاستقرار السياسي، إذ يتحول الجيش إلى دور المحافظ والحامي للنظام القائم ، ويحدث ذلك في حالات اتساع المشاركة السياسية في مجتمع يفتقر إلى المؤسسات الكفيلة باستيعاب الأعداد الهالة من الجماهير الراغبة في الإنخراط في العمل السياسي "وتدخل الجيش بهذه الصفة يكون في حالتين :


(1)- رياض الصيداوي, سسيولوجيا الجهاد والعنف في الجزائر http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=95408
(2)- رياض الصيداوي, نفس المرجع.
(3)- رياض الصيداوي, نفس المرجع.
(4)- رياض الصيداوي, نفس المرجع.
(5)- مسلم بابا عربي, المؤسسة العسكرية ومسار التحول الديمقراطي في الجزائر, http://www.ulum.nl/c110.html


الأولى هي انتصار حزب أو حركة سياسية لا ترغب فيها المؤسسة العسكرية، والثانية اتباع السلطة القائمة لسياسات راديكالية أو إذا حاولت السلطة استقطاب جماعات سياسية لا ترغب فيها المؤسسة العسكرية".
هذا النمط من التدخل يتم أيضا حين يحدث ما تراه المؤسسة العسكرية فوضى وأزمة خطيرة تهدد البلاد فتتدخل لإعادة الاستقرار وتهيئة الظروف لإقامة حكومة شرعية، لكن الوعود بالعودة إلى الحياة المدنية قد تتحقق وقد يستمر الجيش في الإحتفاظ بالسلطة، فإما أن ينتهي هذا التدخل بعودة الجيش إلى الثكنات أو بانتقاله إلى نمط آخر هو نمط "الحاكم"(1).
ولعل تدخل الجيش الجزائري لوقف المسار الإنتخابي في جانفي 1992 يعد تجسيدا واضحا لهذا الشكل من أشكال التدخل، حيث أن قيادة المؤسسة العسكرية رأت في قرب حصول حزب سياسي معين على الأغلبية المطلقة لمقاعد البرلمان في أول إنتخابات تشريعية تعددية تهديدا للطابع الجمهوري للدولة والتجربة الديمقراطية الحديثة، فالجيش في نظر أحد قادته خلال تلك الفترة اللواء محمد تواتي "لا يمكنه أن يبقى مكتوف الأيدي أمام التهديدات الخطيرة للدولة، فمن واجب الجيش أن يدافع عن مؤسسات الجمهورية في المراحل الانتقالية الخطيرة"(2).
ومن هذا المنطلق تدخلت القيادة العسكرية لتعترض على نتائج الانتخابات وتوقف المسار الذي رأت فيه انحرافا لعملية التحول الديمقراطي عن إتجاهها السليم.
2- اختيار أو تزكية القيادات السياسية : بما أن النمط الأول لتدخل الجيش في الحياة السياسية هو نمط انتقالي، إما أن ينتهي بعودة الجيش إلى الثكنات واستئناف الحياة المدنية في ظل الشرعية، أو استمرار الجيش في التأثير على مسار الأحداث واختيار القيادات. فإن النخبة العسكرية في الجزائر قد اختارت الحل الثاني وهو الاستمرار في ممارسة الوصاية من خلال اختيار وتزكية القيادات السياسية للبلاد، وهو الوضع الذي تجسد من خلال فوز "مرشح الجيش" المتمثل في شخص وزير الدفاع ورئيس الدولة بأول انتخابات رئاسية تعددية في نوفمبر 1995 بدعم وتأييد واضح من الجيش، فهذه الانتخابات حسب "نور الدين زمام" أعطت العسكريين لأول مرة شرعية تمكنهم من قيادة وتسيير المجتمع، أما "نور الدين بوكروح" أحد المرشحين لتلك الانتخابات فيعتقد أن السلطة قد حلت من خلال هذا الاقتراع مشكلا يستحيل حله وهو "تغطية الذهنية الانكشارية بالثوب الديمقراطي، فالكل كان يعرف بأن الجيش جمهوري، لكن الآن لا يمكن جهل أو نفي أن الجمهورية أصبحت جد عسكرية"(3).
أما انتخابات أفريل 1999 المسبقة التي انتهت بوصول أول شخصية مدنية إلى الحكم في الجزائر، وإن اختلفت عن سابقتها من حيث طبيعة وانتماء الوافد الجديد إلى السلطة، فإنها من ناحية أخرى شكلت استمرارية لفلسفة التدخل والوصاية. ففي رأي الباحث "عدي هواري" يعبر تعيين بوتفليقة كمرشح للجيش في انتخابات أفريل 1999 عن رغبة العسكريين في التغيير، فاختيار مدني يعبر عن إرادة في نفي الطابع العسكري للنظام].
إذن تدخل الجيش في الحياة السياسية خلال عقد التسعينات وإن اختلفت أشكاله وأنماطه، يبقى معطى أساسي وعامل مؤثر في عملية التحول الديمقراطي، من خلال انعكاساته ونتائجه المختلفة على الواقع السياسي ومسار التحول الديمقراطي(4).
(1)- مسلم بابا عربي, المؤسسة العسكرية ومسار التحول الديمقراطي في الجزائر, http://www.ulum.nl/c110.html
(2)- نفس الموقع, العدد 35, خريف 2007.
(3)- نفس الموقع
(4)- نفس الموقع
 انعكاسات تدخل المؤسسة العسكرية على مسار التحول الديمقراطي
منذ صدور دستور فبراير 1989 دخلت الجزائر في مرحلة سياسية جديدة ميزها السعي إلى الانتقال من نظام سياسي مبني على الأحادية والمشروعية الثورية إلى آخر قائم على التعددية الحزبية والشرعية الدستورية، فكيف كانت انعكاسات تدخل الجيش في المسار الانتخابي على مسار التحول الديمقراطي وعلى بنية النظام السياسي؟
1 غياب التداول على الحكم: ما من شك أن الوصاية التي مارستها المؤسسة العسكرية على الطبقة السياسية من خلال التدخل في المسار الانتخابي، بالتوقيف تارة وبتزكية ودعم المرشحين تارة أخرى كان لها تأثيرها المباشر على عملية التداول، التي تعد أهم مميزات الأنظمة الديمقراطية(1).
وعلينا هنا أن نفرق بين تداول الأحزاب والقوى السياسية المختلفة على الحكم، وتعاقب المسؤولين والرؤساء على دفة الحكم، فالأول يعني التناوب الحقيقي للبرامج والأفكار السياسية والطروحات المتباينة وفق إرادة الشعب، أما الثاني فيشير إلى ظاهرة استبدال المسؤولين في إطار استمرارية الوضع القائم، ولو بتغييرات شكلية في الأولويات والخطط والبرامج. والجزائر خلال العقد الماضي لم تشهد تداولا حقيقيا بقدر ما شهدت تعاقب المسؤولين والرؤساء، دونما المساس بجوهر السلطة الحاكمة التي ظلت واحدة طيلة عقد من الزمن ولم يطرأ عليها تغيير فعلي، وفي هذا الشأن يشير الباحث إسماعيل قيرة إلى أن الوضع في الجزائر تنطبق عليه إلى حد ما نظرية "الطوق العازل" أو ما هو شائع باسم "القوابس والقواطع الكهربائية"حيث أن الممسك بزمام السلطة السياسية (المؤسسة العسكرية)لا يظهر إلى العلن بصفة مباشرة (2).
إن السلطة الحقيقية تفوض أمر الممارسة المباشرة إلى واجهة مدنية هي أشبه بالطوق العازل الذي يحمي المركز، ويتشكل هذا الطوق من رئيس الدولة "كقاطع كهربائي" (Disjoncteur) ورئيس الحكومة والوزراء كقوابس(fusibles ) هذه القوابس يمكن التضحية بها دائما حفاظا على سلامة الجهاز الحاكم، وفي الحالات الخطيرة يمكن التضحية أيضا بالقاطع الكهربائي الرئيسي(رئيس الدولة) المهم هو بقاء مركز النظام سليما. ولعل تعاقب أكثر من ستة رؤساء حكومة وخمسة رؤساء على سدة الحكم في الجزائر خلال عشرية من الزمن ليس، إلا دليل على عقلانية هذا الطرح.
أما رياض الصيداوي فقد قدم في دراسته جدولا للمقارنة بين القيادة العسكرية والقيادة السياسية في الجزائر خلال عقد التسعينات، توصل من خلالها إلى أنه من سنة 1992 إلى سنة 1999 شهدت الجزائر تعاقب 5 رؤساء دولة و6 رؤساء حكومات. بالمقابل لم تشهد مؤسسة الجيش أي تغييرات جوهرية عدا تغيير واحد في قيادة جيش البر وقيادة الدرك الوطني، و هو ما يبين ثبات العسكريين و تغير المدنيين(3).
إن التداول الفعلي على السلطة لا تصنعه في اعتقادنا إلا انتخابات شفافة ونزيهة تعبر بصدق عن إرادة الناخبين بعيدا عن أشكال الاختيار والتزكية الفوقية. وهو ما لم يتحقق في الجزائر طيلة العقد الماضي، فكل الشخصيات التي تناوبت على القيادة السياسية للبلاد كانت من أبناء النظام الذين نشئوا وارتقوا في سلم مسؤولياته، باستثناء شخصية بوضياف الذي و إن كان يعتبر رمزا تاريخيا، إلا أنه عاش حياة المعارضة من الاستقلال إلى غاية توليه منصب الرئاسة بتعيين من القيادة العسكرية(4).
(1)- مسلم بابا عربي, المؤسسة العسكرية ومسار التحول الديمقراطي في الجزائر, http://www.ulum.nl/c110.html
(2)- نفس الموقع
(3)- نفس الموقع
(4)- نفس الموقع


2 ضعف المشاركة السياسية : إن نتيجة أخرى من نتائج العلاقة الشاذة التي جمعت المؤسسة العسكرية بالحقل السياسي طيلة العقد الماضي هي ضعف مستوى المشاركة السياسية، خاصة الدورية منها والمعبر عنها بواسطة الانتخابات حيث عرفت الانتخابات تراجعا واضحا في نسب المشاركة الشعبية.
فإذا اعتمدنا الأرقام الرسمية كمرجع، فإنه يمكننا أن نسجل بوضوح ذلك التراجع الهام في نسب المشاركة ابتدأً من الانتخابات التشريعية لجوان 2002 التي وصفها وزير الداخلية بالأكثر نزاهة في تاريخ الجزائر، حيث لم تتجاوز ال48%، بينما أعلن في أفريل 1999 موعد الانتخابات الرئاسية التي سبقتها عن نسبة مشاركة تقدر ب60%(1).
والواقع أنه حتى النسب الرسمية المعلنة خلال المواعيد التي سبقت كانت نسبا مبالغا فيها و شهدت تضخيما واضحا. فهي لا تعبر عن حجم المشاركة الحقيقية التي شهدت تراجعا كبيرا عقب وقف المسار الانتخابي.
ففي انتخابات ديمسبر 1991 التي شهدت تجنيدا واسعا لكل التشكيلات السياسية وإقبالا واسعا للمواطنين بلغت نسبة المشاركة فيها 58.55% ، فكيف بها في انتخابات نوفمبر 1995 التي قاطعتها الأحزاب الرئيسية و جرت في ظروف أمنية هي الأسوأ في تاريخ الجزائر المستقلة، تصل إلى حدود 75%(2).
إن ظاهرة تراجع الاهتمام الشعبي بالعملية الانتخابية وإن كانت ظاهرة عالمية تعرفها حتى الدول الأكثر ديمقراطية وانفتاحا، فإن دوافعها في الجزائر ترجع بالدرجة الأولى إلى عدم إيمان الناخبين بإمكانية تحقيق تغيير حقيقي من خلالها، طال ما أن النتائج لم تكن دائما تعبيرا عن إرادتهم.
أما عن المشاركة السياسية الدائمة من خلال الأحزاب والهيئات والمؤسسات السياسية، فإن ضعفها تحصيل حاصل لضعف وتراجع المشاركة الدورية، فمؤسسات سياسية لا تعكس الإرادة الشعبية، لا يمكنها أن تكون قناة لمشاركة حقيقية، كذلك فإن أحزاب سياسية غير قادرة على الوصول إلى السلطة أو حتى المشاركة الفعلية فيها لا يمكن أن تكون فضاء لمشاركة سياسية دائمة، فعلى سبيل المثال لا الحصر إن ظاهرة اللجان الانتخابية لمساندة المرشحين التي تنتشر بسرعة في أرجاء الوطن، في ما يشبه عمليات "المناولة السياسية" عند كل موعد انتخابي ليست إلا تعبيرا على حالة العجز التي بلغتها التشكيلات السياسية، التي لم تنجح في التحول إلى أدوات فعالة للمشاركة سياسية(3).
هذا الفشل يُبرزه أيضا تعدد المرشحين المستقلين في الانتخابات الرئاسية (خاصة انتخابات أفريل 1999حيث بلغ عددهم6/7) كوجه أخر من أوجه المشاركة السياسية المناسباتية الناتجة على فشل القنوات والمسالك التقليدية في تجسيد المشاركة(4).

(1)- مسلم بابا عربي, المؤسسة العسكرية ومسار التحول الديمقراطي في الجزائر, http://www.ulum.nl/c110.html
(2)- نفس الموقع
(3)- نفس الموقع
(4)- نفس الموقع

3 ضعف السلطة السياسية : إن معظم الأدبيات التي اهتمت بدراسة السلطة السياسية في الجزائر خلال التسعينيات تجمع على حقيقة وجود ازدواجية في السلطة السياسية؛ الأولى شكلية أو رسمية تسمى بالسلطة الظاهرة(Pouvoir apparent) والثانية فعلية وغير رسمية تسمى بالسلطة الخفية (Pouvoir occulte ) الأولى تمثلها المؤسسات السياسية المنتخبة أولها رئاسة الجمهورية، والثانية تجسدها المؤسسة العسكرية، حيث تفوض هذه الأخيرة للأولى تسيير شؤون الحكم لكن مع ضرورة العودة إليها بشأن القضايا المصيرية(1).
وعليه فإن سلطة رئيس الدولة وفق هذا الطرح تبقى رهينة قبول و دعم المؤسسة العسكرية، وخياراته السياسية لن تكون كثيرة باعتبار أن الذين جاؤوا به، لهم الحق في إملاء شروطهم عليه، ولن يكون مطلق اليد في رسم سياسته، إلا إذا تخلص من سلطة الأطراف التي جاءت به إلى الحكم، فالقاعدة الميكيافلية تقول بأن"الملك لا يمكنه أن يحكم بصفة مطلقة طالما صناع الملك (Faiseurs de roi) موجودون"، ووفق هذا الطرح تكلمت العديد من المصادر عن وجود "اتفاق" بين الرئيس بوتفليقة والجيش، غداة وصوله إلى الحكم، فيما تحدثت أخرى عن "خطوط حمراء" رسمتها القيادة العسكرية للرئيس الحالي. وذهبت بعض المصادر الإعلامية إلى حد القول بأن الرئيس اشتكى "على هامش اجتماع قمة مجموعة الثمانية الكبار بمدينة "إيفيان" الفرنسية، من جنرالات الجيش، الذين قال بأنهم خلقوا له "عراقيل أمام أداء مهامه"(2).
وكل هذه المؤشرات توحي بأن السلطة السياسية الناتجة عن انتخابات خاضعة لمنطق التزكية و الاختيار المسبق لا يمكنها، إلا أن تكون رهينة في يد القوى أو الأطراف التي زكتها، وبالتالي فهي ضعيفة ومحدودة الصلاحيات وغير قادرة على القيام بتغييرات هامة أو نقلة حقيقية في الحياة الاجتماعية، الاقتصادية والسياسية بصفة أخص.
وفي تقدير أحد وجوه المعارضة السياسية فإن أحد أهم الأسباب المنتجة للأزمات في الجزائر هو تحول القرار "نهائيا إلى من نسميهم أصحاب القرار، أي قادة الجيش هؤلاء يهيمنون على القرار، هم الذين ينظرون ويفكرون ويخططون للسياسات، ثم يختارون الواجهات لتكليفها بتنفيذ السياسات، وقد قبل الرئيس، مثلما فعل غيره القيام بهذه المهام أو الأدوار"(3).
4 استمرار المرحلة الانتقالية: إن تدخل المؤسسة العسكرية في المسار الانتخابي قد ساهم بشكل أساسي في إطالة عمر المرحلة الانتقالية، فعلى الرغم من أن الجزائر تجاوزت بكل تأكيد مرحلة الأحادية الحزبية وخطت خطوات هامة في سبيل توفير شروط الممارسة الديمقراطية، فإنها بالمقابل لم تحقق الانتقال الفعلي إلى الحياة الديمقراطية القائمة على التعددية واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية و التداول على السلطة. والحقيقة أن عملية إقحام المؤسسة العسكرية في معترك العمل السياسي، مهما كان شكلها، عملية قد تجد تبريرها في حالة الأنظمة الشمولية أو تلك الأنظمة السائدة في مجتمعات مفتقدة للبنى والهياكل الاجتماعية والسياسية الضرورية لتسير شؤون الحكم، وإحداث تنمية الوطنية على الأصعدة المختلفة، بل إن هذا الإقحام قد يؤخذ في بعض الأحيان طابعا إنقاذيا، كما قد يبدو في صورة العمل الضروري للحفاظ على كيان الدولة والمجتمع(4).

(1)- مسلم بابا عربي, المؤسسة العسكرية ومسار التحول الديمقراطي في الجزائر, http://www.ulum.nl/c110.html
(2)- نفس الموقع
(3)- نفس الموقع
(4)- نفس الموقع

أما في المجتمعات التي تمتلك حد أدنى من البنى والمؤسسات، وتسير في طريق استكمال بناء الهرم المؤسساتي وتجسيد عملية تحول حقيقية نحو الممارسة الديمقراطية، فإن هذا التدخل قد يؤخذ منحى آخر، يهدد بالقضاء على ما تحقق من مكتسبات ويزيد في صعوبة التحول الديمقراطي.
وفي الجزائر وإن كانت تجربة الجيش الجزائري إلى حد ما فريدة في شكلها وزمانها وظروفها، فإنه لا مفر من الاعتراف أيضا بأن استمرار الجيش أو قياداته في الاضطلاع بمسؤوليات سياسية، لاسيما من خلال التأثير في مسار اختيار القيادة السياسية، يعد سببا رئيسيا في زيادة أمد المرحلة الانتقالية ويزيد من عسر ميلاد التجربة الديمقراطية، التي استكملت إطارها القانوني والتأسيسي، لكن دون أن تتجسد على الميدان من خلال ممارسة حقيقية قائمة على الاحتكام التام للإرادة الشعبية(1).
وعلى ضوء التجربة السياسية التي عاشتها الجزائر طيلة العشرية الأخيرة من القرن العشرين، اجتهدت العديد من الدراسات في محاولة تصنيف المنتظم السياسي الجزائري بالعودة أساسا إلى حقيقة الأدوار التي تمارسها المؤسسة العسكرية من خلال علاقتها بالانتخابات وبالمؤسسات السياسية، وكذا من حيث موقعها في عملية صنع القرار(2).
 فهل الجزائر حقا بلد ذو نظام عسكري؟
"بكل تأكيد لا" يجيب الباحث إلياس بوكراع، الذي يرى أنه من المبالغة وصف النظام السياسي الجزائري بالعسكري، و ينطلق في حكمه هذا من تحديد عناصر النظام السياسي العسكري التي يحصرها في خمسة؛ وجود الجيش على كل مستويات القيادة، التبعية المطلقة للسلطة السياسية للجيش، سيطرة الأيديولوجية العسكرية على الدولة، تدخل وسيطرة الجيش في تسيير شؤون الدولة ومراقبة الساحة السياسية، وأخيرا استقلالية الجيش نهائيا في تسيير شؤونه الداخلية. ثم ينتقل إلى إسقاط هذه العناصر على النظام الجزائري ليجد أن هناك شرطين فقط محققين هما استقلالية المؤسسة العسكرية والرقابة على الساحة السياسية، ومنه يرى بأنه من المبالغة وصف النظام الجزائري بالنظام العسكري(3).
بالمقابل يرى الباحث عدي هواري بأنه رغم أهمية ثقل المؤسسة العسكرية في النظام السياسي الجزائري، فهو ليس نظام عسكري ولا دكتاتورية عسكرية، كالتي سادت في أمريكا اللاتينية، إنه نظام سلطوي يستمد شرعيته من الجيش. و رغم اعتماد التعددية الحزبية، فإن حق تعيين الرئيس متروك للمؤسسة العسكرية وما الانتخابات إلا عملية لإضفاء الشرعية على خيارات الجيش، ويشبه "عدي" الجيش الجزائري بالحزب السياسي المهيمن، على شاكلة الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي سابقا. ويضيف بأن العسكريين يفوضون الحكم للنخب المدنية لكن دون المساس بالقاعدة السياسية (غير مكتوبة) "الجيش هو مصدر السلطة".
أما ويليام كوانت فيرى أن النظام السياسي الجزائري في بداية مرحلة انتقالية تبتعد به شيء فشيء عن ماضيه السلطوي، لكنه لا يخفي حقيقة وجود دور محوري للعسكر في السياسة الجزائرية، ومن الصعب تجاوز هذا الدور. ومع ذلك فإنه ينظر بتفاؤل لمستقبل الديمقراطية في الجزائر "لا يجب أن تفاجئ إذا رأينا الجزائر يوما ما تصل إلى أهدافها، بامتلاك حكومة مسؤولة أمام الشعب و تتمتع بتمثيلية حقيقية، وهذا قبل دول المنطقة الأخرى(4).

(1)- مسلم بابا عربي, المؤسسة العسكرية ومسار التحول الديمقراطي في الجزائر, http://www.ulum.nl/c110.html
(2)- نفس الموقع
(3)- نفس الموقع
(4)- نفس الموقع

في حين الباحث خميس والي حزام الذي قام بدراسة حول الشرعية في الأنظمة العربية (تطبيق على الحالة الجزائرية) يميل إلى تأييد الأطروحات التي تأكد بأن طبيعة النظام الجزائري جد معقدة وله آلياته الخاصة به، وحكمت عليه الأحداث التاريخية المتعاقبة بأن يكون نظاما عسكريا، فمنذ الاستقلال، وحتى قبله تكرست حقيقة أولوية الجيش، الذي سيكون الدور الحاكم والفاعل له وحده دون أي قوة سياسية أخرى(1).
وغير بعيد عن أطروحات " قويدر ناير" و"عبد القادر يفصح"، أو "ويليام زرتمان" وفكرة الدولة "العسكرية الموسعة"، أو نظام اللجنة العسكرية, يميل "خميس والي" إلى تصنيف النظام السياسي الجزائري إلى غاية 2000 في خانة النظام العسكري-البيروقراطي لأن الجيش في النهاية هو المسيطر والحاكم النهائي، على الرغم من بعض الفترات التي مر بها النظام، التي سمح فيها لبعض القوى أن تشارك ولو جزئيا في السلطة،"وهذا ما يفسر في الوقت نفسه أن ظاهرة القوة التي يعكسها دور الجيش في الحياة السياسية والاجتماعية هي الصفة الملازمة لطبيعة النظام السياسي الجزائري"(2).
أما بالنسبة لنا فإن دور الجيش في اختيرا القيادات السياسية يعد مؤشرا هاما على درجة التأثير الذي تمارسه المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية، ويعكس حجم ثقل هذه المؤسسة في النظام السياسي، ومع ذلك فإنه في اعتقادنا لا يمكن توصيف الحالة الجزائرية على أنها حالة تسيطر فيها المؤسسة العسكرية وتهيمن على الحياة السياسية بصفة مطلقة إلى الحد الذي يصبح فيه النظام السياسي نظاما عسكريا، و من جهة أخرى فإن وجود دور سياسي للجيش مهما قل أو تعاظم، ينفي أيضا صفة الطابع الجمهوري عن الدولة ويحول دون قيام تجربة ديمقراطية حقيقية(3).
إن الوضع السياسي في الجزائر اليوم لا يمكن وصفه إلا بالانتقالي، الذي يفصل بين مرحلة سياسية قائمة على شرعية مستمدة من مؤسسة الجيش الممثلة للمشروعية التاريخية، إلى مرحلة جديدة قائمة على الشرعية الدستورية القائمة على السيادة الشعبية. وقد تكون هذه المرحلة الانتقالية طويلة نسبيا لكنها في نظرنا ليست وضعا مستقرا يمكن أن نصنف على أساسه النظام السياسي الجزائري بصورة قطعية في هذا النموذج أو ذاك، خصوصا في ظل التوجهات الجديدة لمؤسسة الجيش التي أضحت تواجه تحديات كبرى منذ سنة 2000 تمثلت أساسا في مسار الإحترافية والتحديث، سياسة التقارب والتعاون مع الحلف الأطلسي، وصعود جيل جديد من القيادات العسكرية أكثر ميلا إلى المهنية والإحتراف، كلها تحديات تساهم في رسم أطر جديدة لعلاقة المؤسسة العسكرية بالمجال السياسي، زيادة على أن رغبة السلطة السياسية في تجاوز هذه المرحلة ووضع حد لتدخل هذه المؤسسة في الحياة السياسية يعد في الوقت الراهن المعطى الأساسي الذي سيحدد مستقبلا دور ومكانة الجيش في النظام السياسي(4).
 الظروف الممهدة لبروز المجلس الأعلى للدولة وإشكالية الإستقالة:
لقد أسفرت الإنتخابات التشريعية في دورها الأول يوم: 26/12/1991 على فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ ب 188 مقعدا, وجبهة القوى الإشتراكية بـ 25 مقعدا, وجبهة التحرير الوطني بـ 15 مقعدا, وتحصل الأحرار على 03 مقاعد, ويبقى 199 للتنافس في الدور الثاني (5).

(1)- مسلم بابا عربي, المؤسسة العسكرية ومسار التحول الديمقراطي في الجزائر, http://www.ulum.nl/c110.html
(2)- نفس الموقع
(3)- نفس الموقع
(4)- نفس الموقع
(5)- عبد الله بوقفة, أساليب ممارسة السلطة في النظام السياسي الجزائري, ص 351.

تلاها بعد ذلك مسيرة عبر شوارع الجزائرتنظم من طرف جبهة القوى الإشتراكية واللجنة الوطنية لإنقاذ الجزائر في: 02/01/1992, ثم بتاريخ: 04 جانفي 1992 إعلان رئيس الحكومة: سيد أحمد غزالي عن عدم نزاهة الإنتخابات.
السبت: 11 جانفي 1992 يجتمع الشاذلي بن جديد رئيس الجمهورية بأعضاء المجلس الدستوري, ويقدم إستقالته من منصب رئيس الجمهورية, ليُعلن بعد ذلك السيّد: عبد المالك بن حبيلس رئيس المجلس الدستوري رسميا عن إستقالة رئيس الجمهورية, حينها أعلن السيّد: أحمد غزالي رئيس الحكومة في ساعة متأخرة من الليل أن إستقالة رئيس الجمهورية أحدثت وضعية لم تشهد الجزائر مثلها, وطلب من الجيش الشعبي الوطني إتخاذ اللازم للمحافظة على الأمن العمومي(1).
وفي: 12 جانفي 1992 نشرت وزارة الدفاع الوطني بيان, أكّدت فيه وفاء الجيش للدستور وقيامه بواجبه بطلب من رئيس الحكومة.
وهنا صرّح المجلس الدستوري أن الدستور, لم ينص على حالة إقتران شغور المجلس الشعبي الوطني عن طريق الحل( والذي أجراه الرئيس قبل أن يستقيل), وشغور منصب رئيس الجمهورية عن طريق الإستقالة, وقال أنه على المؤسسات الدستورية السهر على المحافظة على ثوابت الأمة وإستمرار الدولة, وذلك بتوفير السير العادي للمؤسسات والنظام الدستوري لتعدي الأزمة, وأطلع السيّد رئيس الحكومة مجلس الحكومة على قرار المجلس الدستوري في إجتماع ترأسه وقرّر المجلس إجتماع المجلس الأعلى للأمن, هذا الأخير بعد إجتماعه قرّر إعلانه بالإجماع إستحالة مواصلة المسار الإنتخابي, كما قرّر أن يكون الإجتماع مفتوح إلى حين إيجاد حل للأزمة(2).
إلى أن قرّر المجلس الأعلى للأمن بتاريخ: 14 جانفي 1992 إقامة مجلس أعلى للدولة برئاسة محمد بوضياف, إضافة إلى إنشاء مجلس وطني إستشاري يساعد المجلس الأعلى للدولة, وفي: 16 جانفي 1992 عاد محمد بوضياف من المنفى ليترأس المجلس الأعلى للدولة, بعد أداء أعضاءه اليمين الدستورية.
 هل 11/01/1992 إقالة أم إستقالة؟
إن الرئيس الشادلي بن جديد يُصرّح: " لست نادما على الإستقالة" وفتح بيته للخبر يوم: 14 جانفي 21 رقم: 3067, لكن عضو المجلس الأعلى للدولة السيّد: علي هارون يُؤكد أن الشادلي أُرغم على الإستقالة, ولم يغادر السلطة بمحض إرادته(3).
وأضاف أن الإستقالة كانت الحل الذي يرضي غرور السلطة العسكرية في توظيف المسار الإنتخابي لسنة 1992.
 مدى دستورية الإستقالة؟!
الرسالة المتضمنة للإستقالة لم تتضمن مصطلح إستقالة, بل عبرة " ضرورة إنسحابي من الساحة السياسية", كما أنها لم تُذكر فيها مبرّرات منطقية!
وبتطور الأوضاع السياسية, قرّر المجلس الأعلى للدولة حالة الطوارئ على كامل التراب الوطني في: 09/02/1992, ووزير الداخلية يُخطر الغرفة الإدارية للمطالبة بحل الجبهة الإسلامية للإنقاذ, وصدر قرار الحل في: 04/03/1992 وتبع هذا الحل حل مجموعة من المجالس الشعبية البلدية والولائية التابعة للجبهة الإسلامية في: 29/03/1992.
وأُنتخب السيّد: رضا مالك رئيسا للمجلس بقرار المجلس الإستشاري الوطني في: 25/04/1992 وفي: 29/04/1992 المحكمة العليا تؤكد في قرارها أن قرار الغرفة الإدارية لمجلس قضاء الجزائر, رفض الطعن الذي تقدمت به الجبهة الإسلامية(4).

(1)- مولود ديدان , مرجع سبق ذكره, ص 352.
(2)- مولود ديدان , نفس المرجع, ص 353.
(3)- مولود ديدان , نفس المرجع, ص 354.
(4)- مولود ديدان , نفس المرجع, ص 364.


وبتاريخ: 29/06/1992 أُغتيل بوضياف في عنابة, وعلى إثر هذه الأوضاع الكارثية, تقرّرت الفترة الإنتقالية, وجاء المرسوم الرئاسي رقم: 94/40 في: 29/01/1994 يتعلق بنشر أرضية الوفاق الوطني.
فلقد نتج إذن عن البيان الصادر من المجلس الدستوري, فراغا مؤسساتيا ( أزمة القانون الدستوري الجزائري) نتيجة عدم التنصيص على حالة إقتران الإستقالة بحل المجلس الشعبي الوطني, فالمشرّع الدستوري الجزائري قد حصر الحالات في:
- حالة إستحالة ممارسة رئيس الجمهورية مهامه, بسبب مرض خطير مزمن.
- حالة إستقالة رئيس الجمهورية أو وفاته.
- حالة إقتران وفاة رئيس الجمهورية بشغور المجلس الشعبي الوطني بسبب حلّه.
إن المحكومين قد يلجئون إلى العنف لدفع الظلم عنهم, أو للوصول إلى مراكز الحكم عن الطريق المشروع(1).
أما الحكام فيحتلّون مراكز القوّة في الدولة, وقد لا يخضعون طوعا للقانون, وفق حجج واهية, وبالتالي فهم يحيدون على الهدف الذي وضعه الدستور, وهذا ما يُؤثر على نظام الحكم(2).
وهذا ما شهدته الجزائر قبل وأثناء وبعد الإستقالة, ولأن الدولة كانت ضعيفة آنذاك, فدُمغت بأساليب مكتوبة للحفاظ على المراكز الشخصية دون المحافظة على مصالح الدولة الجزائرية.
إن المجلس الأعلى للدولة, نتاج أحداث مأساوية أكثر منه وليد برنامج أحزاب سياسية, فهو جاء خروجا عن العرف الدستوري الجزائري, فهو نتاج جماعات مصلحية ( تابعة للمؤسسة العسكرية) أكثر منه إنبعاثا من السيادة الشعبية(3).
مما أدى إلى إعتقاد هذه الجماعة أن الشعب قاصر, وتجوز الولاية عليه مما ساعد في الإستحواذ على السلطة, وأفضى هذا إلى نشوء أزمات متتالية, رغم أن كل الدساتير الجزائرية نصّت على أن الشعب مصدر كل سيادة وسلطة.
كما أن صلاحيات المجلس الوطني الإنتقالي هي تقديم توصيات للمجلس الأعلى للدولة, بخصوص المراسيم التشريعية في مختلف الميادين, إضافة إلى الصلاحيات المقرّرة له بموجب المرسوم الرئاسي الصادر في: 14/01/1993 في مواده من المادة رقم: 02 إلى المادة رقم: 04, وعندما نُقيّم دوره, فقد جاء حافلا بمجموعة من المراسيم التي جاءت لمعالجة البطالة مثلا, كما كان له دور سياسي بارز في تعزيز البلاد بالنسبة للمجموعة البرلمانية الدولية, نظرا للأعمال التي وُصفت بالواقعية والجدّية, ومن أهم المراسيم الصادرة: المرسوم التشريعي رقم: 92/01 الصادر في: 04/07/1992 المتعلق باللجنة الوطنية للتحقيق في إغتيال الرئيس محمد بوضياف, المرسوم التشريعي رقم: 94/11 الصادر في: 26/05/1994 الذي يحدّد التأمين على البطالة(4).
فإنشاء المجلس الوطني الإنتقالي, هو لسد فراغ سياسي وعزلة دولية فقد فُرضت على الجزائر, فحل محل رئيس الجمهورية والمجلس الشعبي الوطني (غياب المؤسسات الدستورية للدولة!)(5).
وبالرجوع إلى التجمع الوطني الذي أتي به بوضياف, فيعتبر له الدور الريادي في محاولة إنشاء مجتمع تعدّدي, ومبني على أسس ثقافة ديمقراطية, فهو جاء كذلك لسد فراغ موجود ومحاولة لنشر أفكار السلطة الآنية, فهو بالتالي آداة وصل بين السلطة والشعب(6)
وهذا كله بالرجوع إلى النداء الذي ألقاه بوضياف.

(1)- فوزي أوصديق, النظام الدستوري الجزائري ووسائل التعبير المؤسساتي......ص 28.
(2)- فوزي أوصديق, نفس المرجع, ص 28.
(3)- فوزي أوصديق, نفس المرجع, ص 19.
(4)- فوزي أوصديق, نفس المرجع, ص 121.
(5)- فوزي أوصديق, نفس المرجع, ص 152.
(6)- فوزي أوصديق, نفس المرجع, ص 125.

إذن فجاء بعد ذلك الوفاق الوطني, وله أولوية على دستور 23 فبراير 1989, وذلك بعد صدور المرسوم الرئاسي رقم: 94/40 في: 29/01/1994 والمتعلق بنشر الأرضية المتضمنة الوفاق الوطني, رغم أن هذا المرسوم لا يمكنه تعديل دستور! لأنه لا يرقى إلى مرتبة قانون أو تشريع, كما أنه لم يُعرض للإستفتاء الشعبي الوطني, لكن الواقع أن دستور 1989 كما سوف نرى لاحقا, لم يعد ساري بل تمت إعادة هيكلته وفق مقتضيات المرحلة الإنتقالية إضافة إلى إستحالة مادية لقيام المؤسسات الدستورية(1).
فكانت الفترة من سنة 1992 إلى سنة 1995 محاولة لمعالجة الفراغ الدستوري, وفي ظل دستور 1996 بعد تاريخ 16 نوفمبر 1995, ومنذ فوز الرئيس اليمين زروال بالإنتخابات كمترشح حر, وبعد ذلك أعلن عن نيّته في تنظيم إنتخابات رئاسية مسبقة وفاز بها السيّد الرئيس الحالي: عبد العزيز بوتفليقة(2).
لكن الواقع هو أنه بوصول السيّد: الجنرال اليمين زروال الملقّب بـ" رجل الحوار والنار" إلى سُدّة الحكم تعتبر المؤسسة العسكرية قد وضعت يدها حقيقة وبوضوح على الحكم في الجزائر بعد ما كانت توجه نظام الحكم في الكواليس.
لقد بدأت الدولة الجزائرية بالانهيار بعد إقالة الشاذلي بن جديد وإلغاء المسار الانتخابي وقد تمثلّ هذا الانهيار في اختفاء كل المؤسسات الدستورية, فالرئاسة بات أمرها بيد المؤسسة العسكرية التي تقوم بنفسها بتعيين من يتولاها دون الرجوع إلى الإرادة الشعبية, ومجلس النوّاب أو البرلمان تمّ حلّه بقرار فوقي وتمّ تعيين هيئة تشريعية يجري تعيين كل أعضائها, والمجلس الدستوري كانت أخر مهمّة أوكلت له تتمثل في الموافقة الدستورية على سيناريو انسحاب الشاذلي بن جديد من رئاسة الدولة, وحتى البلديات التي كانت تابعة للجبهة الإسلامية للإنقاذ وبقية الأحزاب جرى تسليمها لرؤساء بلديات معينين من قبل الجهات العليا ودون المرور بالانتخابات(3).
والمؤسسة الوحيدة التي ظلّت محافظة على تماسكها هي المؤسسة العسكرية, التي أصبحت صاحبة الحل والربط, والتي كبرت على حساب المؤسسات الأخرى, وقبل استلام زروال مهامه كرئيس للدولة الجزائرية كان الصراع بين الصقور والحمائم, وبين مراكز القوة في دوائر القرار قد بلغ أوجه, وكان الصقور داخل المؤسسة العسكرية يوفرّون الغطاء السياسي لكل دعاة المواجهة والاستئصال إن في الحكومة وعلى رأسها رئيسها رضا مالك , وإن في الطبقة السياسية والمنظومة الإعلامية الفرانكفونية على وجه التحديد .







قديم 2011-02-11, 20:46   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
yacine414
عضو مميّز
 
إحصائية العضو









yacine414 غير متواجد حالياً


New1 اضافة1

أمّا الجنرال اليامين زروال العائد إلى السلطة بعد طول تقاعد فقد أحتار من أين يبدأ, فهو يلوّح تارة بالنار وتارة بالحوار , وكان ينتظر أن ينتهي رئيس حكومته رضا مالك من التفاوض مع صندوق النقد الدولي ليقوم بتنحيته , وبالفعل تمّت تنحية رضا مالك ليقال أنّ اليامين زروال مع الحوار والمصالحة الوطنية . وكان التحدّي الأول الذي واجه اليامين زروال هو في كيفية القضاء على مراكز القوة وتوحيد الخطاب السياسي , خصوصا في ظلّ تصعيد حكومة رضا مالك من لهجة خطابها ضدّ التيارات الإسلامية , وأستمرّ في توفير الغطاء السياسي لأمثال الدكتور سعيد سعدي زعيم التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية الذي كان يطالب بتسليح منطقة القبائل لمواجهة الجماعات الاسلامية المسلحة . كما أنّ وزير الداخلية في حكومة رضا مالك العقيد سليم سعدي كان يدعو إلى استدعاء احتياطي الجيش الجزائري لمواجهة الحركات الأصولية المسلحة , وفوق هذا وذاك فانّ هناك من أوعز إلى الصحافة الفرانكفونية بشنّ حرب على زروال(4).
وأشاع حلفاء رضا مالك بأنّ زروال مجرّد بيدق في اللعبة الجزائرية , وأنّه لا يملك فعل أي شيء تجاه الصقور الذين وضعوه أمام الأمر الواقع , وفوق هذا وذاك فانّ الجمعيات النسوية التابعة لتحالف البربر واليسار والفرانكفونية خرجت في تظاهرة إلى الشوارع في الجزائر العاصمة وأخذت ترددّ شعارات من قبيل : زروال لا تخلع السروال . أي إياك أن تتخلى عن رجولتك وتتحاور مع الأصوليين (5).


(1)- فوزي أوصديق, النظام الدستوري الجزائري ووسائل التعبير المؤسساتي......ص 154.
(1)- فوزي أوصديق, نفس المرجع, ص 178.
(3)-رؤساء الجزائر بعد إستقلالها, 24/1/06.http://www.yallayaarab.biz/vb/archiv...p/t-86909.html
(4)-نفس الموقع
(5)-نفس الموقع

ويبدو أنّ اللواء اليامين زروال كان يتعامل مع هذه المناورات بكثير من الصمت , ومعروف عن زروال أنّه كثيرا ما كان يتخذ قراراته بعيدا عن الضجيج الإعلامي , وقبل توجهه للعاصمة التونسية للمشاركة في أعمال القمة المغاربية , اتصلّ بمقداد سيفي وزير التجهيز في حكومة رضا مالك وأمره بالتهيؤ لاستلام رئاسة الحكومة خلفا لرضا مالك الذي كان يتوقّع أن يدعمه الصقور إلى النهاية أو أقلا ريثما ينتهي من تنفيذ شروط صندوق النقد الدولي , إلا أنّ الأزمة الجزائرية مثلما أزهقت أرواح عشرات الآلاف من الجزائريين , فقد أجهزت على العديد من كباش المحرقة والفداء , وهذه من قواعد السياسة خصوصا في عالمنا العربي !(1).
وما سبق فرئيس الجمهورية في دستور 1989, وسّع في مسؤولياته وصلاحياته في الحالة الإستثنائية, وكذلك في دستور 1996, خاصة في ظل الظروف غير العادية للبلاد من خلال المواد: 91, 92, 93, 94, 95.
لقد ساهمت الأزمة في عدم الإستقرار الحكومي, فشهدت الجزائر عدة حكومات نذكر نماذجها كالآتي: حكومة السيّد: أحمد غزالي, برنامج عمله صادق عليه المجلس الأعلى للدولة في فيفري 1992 وتمحور حول: هيكلة المؤسسات العامة الإقتصادية, تنظيم السوق المالية, توجيه الدولة للتنمية(2).
حكومة بلعيد عبد السلام: جاءت إثر إستقالة غزالي في: 08/07/1992, بعد إغتيال بوضياف, صُودق على برنامجه من طرف المجلس الأعلى للدولة في: 19/09/1992, ضمّ 03 مواضيع ( تشخيص الوضعية الراهنه آنذاك, تحديد المحاور الكبرى للتنمية, وتقديم الأعمال الفورية للحكومة(3).
بالنسبة لدور الحكومة بالمقارنة بين الفترة الإنتقالية ودستور 1996, فنجد أوجه تشابه وأوجه إختلاف: في أوجه التشابه نلاحظ أن في كليهما تسهر الحكومة على السير الحسن للمصالح العامة,(حسب نص المادة رقم: 85/05 من دستور 1996) وفي المادة رقم: 84 من دستور 1996 تقدم الحكومة بيان السياسة العامة, وهو ما ورد في الفترة الإنتقالية.
أما عن أوجه الإختلاف: في دستور 1996 رئيس الحكومة يقدم البرنامج إلى المجلس الشعبي الوطني, للموافقة عليه وهذا الأخير يناقشه ويمكن لرئيس الحكومة أن يُكيّف برنامجه على ضوء المناقشة المُسفر عنها, وفي ظل المرحلة الإنتقالية: يعرض رئيس الحكومة البرنامج على المجلس الوطني الإنتقالي للموافقة عليه ويصادق عليه بأغلبية ثلثي (2/3) الأعضاء, إلا في حالة التصويت على لائحة تحفظات, ويمكن لرئيس الحكومة تكييف البرنامج حسب هذه التحفظات أو يطالب تصويتا بالثقة(4).
كذلك في الفترة الإنتقالية, مهمته تنفيذ سياسة الدفاع الوطني والسياسة الخارجية للبلاد بينما في دستور 1996 فهي موكلة لرئيس الجمهورية, كذلك سلطة التشريع بأوامر, كانت في ظل الفترة الإنتقالية من صلاحيات رئيس الحكومة بينما في دستور 1996 فهي لرئيس الجمهورية فقط(5).
نلاحظ إذن تداخل السلطتين: التنفيذية والتشريعية, بل تلاحم مما يُعبّر عنه بوجود السلطتين بيد سلطة واحدة, وهذا ما يُدعّم ركائز النظام الرئاسي المتسلّط في ظل المرحلة الإنتقالية الرهيبة! لأن المجلس الوطني الإنتقالي يمثل رئيس المجلس الشعبي الوطني, كما يمثل في ذات الوقت رئيس الجمهورية وله نفس صلاحيتهما. من هنا إذن بعد هذه الدراسة التحليلية المعمّقة, يجب التوصل إلى مجموعة الحلول لتسوية الكثير من المشكلات ومن أهم هذه الحلول:
1- الحد من قضية الإبعاد والإقصاء لأي من القوى السياسية الفاعلة.
2- تحييد دور المؤسسة العسكرية, وعدم تدخلها في السياسة, حتى يتسنّى للنظام السياسي الإستمرار والإستقرار(6).

(1)-رؤساء الجزائر بعد إستقلالها, 24/1/06 http://www.yallayaarab.biz/vb/archiv...p/t-86909.html
(2)- فوزي أوصديق, النظام الدستوري الجزائري ووسائل التعبير المؤسساتي......ص 192.
(3)- فوزي أوصديق, نفس المرجع, ص 193.
(4)- فوزي أوصديق, نفس المرجع , ص 198.
(5)- فوزي أوصديق, نفس المرجع , ص 199.
(6)- خيري عبد الرزاق جاسم, التحول الديمقراطيhttp://www.demoislam.com/modules.php...rticle&cid=491

3- حل المشكلات السياسية والإقتصادية (المشاركة السياسية والأزمة الإقتصادية).
4- نجاح التحوّل الديمقراطي رهين بحل كل المشاكل التي وقفت كحجر عثرة أمام النظام السياسي.

المطلب الثاني: طبيعة النظام السياسي الجزائري في ظل دستور 1989.
لكل دولة دستور ينظم سلطاتها ونظام الحكم فيها, والجزائر مرّت حياتها السياسية بـ 04 دساتير دستور 1963, دستور 1976, دستور 1989, دستور 1996, ورغبة من المؤسس الدستوري في إعطاء السمو للدستور, فقد أولى المجلس الدستوري فكرة الرقابة على القوانين, والتي ظهرت في الجزائر مع صدور أول دستور وهو دستور سنة 1963(1).
ولقد نص دستور 1989 في مادته رقم: 153 على إحداث مجلس دستوري, يسهر على الحرص على مدى مطابقة قوانين للدولة للدستور الذي يعتبر العمود الفقري الذي يقوم عليه نظام الحكم في الدولة مع ملاحظة دوما أن الوثيقة الدستورية تختلف عن حقيقة الحياة السياسية العملية التي تكاد تخرق الدستور.
وبالرغم من ذلك, فنظام الحكم الذي أقرّه دستور 1989 يختلف إختلافا جليّا عن نظامي الحكم المعتمدين في دستور 1963 و 1976 , فقد ظهر بموجبه مبدأ الفصل بين السلطات, والتعددّية الحزبية, ومسؤولية الحكومة أمام البرلمان عوض وحدة السلطة والحزب الواحد المحتكر للسلطة والنظام الإشتراكي, وذلك لعجز الحكومة عن الإستجابة لمطالب الشعب, تحت وطأة الأزمة الإقتصادية العالمية, ضف إلى ذلك البيروقراطية مما رتّب فقدان الثقة بالحكام, وظهرت فجوة كبيرة بينهم وبين المحكومين, مما أدى إلى الثورة على الأوضاع والمطالبة بالتغيير الشامل, للقضاء على إحتكار السلطة(2).
فقد عرف النظام الإشتراكي الجزائري القائم على الحزب الواحد المحتكر للسلطة منذ سنة 1963 أزمات عديدة زادته قوّة نتيجة ضعف السلطة, وما حدث في أكتوبر سنة 1988 أدى إلى التخلي عن النظام الإشتراكي, وإستبداله بنظام حر يقوم على مبدأ الفصل بين السلطات والتعددية الحزبية, والتنافس السياسي السلمي على السلطة في ظل الحرية, ورغبة في الإحاطة بموضوع نظام الحكم في ظل دستور 1989.
وقد طرح الإشكال التالي: هل الوثيقة الدستورية لسنة 1989 هي تعديل لدستور 1976؟ أم أنها وثيقة منفصلة, متميّزة تُعبّر عن دستور جديد؟.
لقد إهتم هذا الدستور بتنظيم السلطات موزعا إياها بين السلطات الثلاث: التنفيذية, التشريعية والقضائية, خلافا لدستور 1976 الذي إستعمل تعبير السلطة, ووزعها بين 06 وظائف سياسية, وتنفيذية, تشريعية, قضائية, ووظيفة المراقبة والوظيفة التأسيسية, ففي دستور 1989 الفصل بين السلطات دون مشاركة أي سلطة في مهام السلطة الأخرى, وما يتضح من هنا هو الفصل الجامد, الموجود في النظام الرئاسي, لكن في نفس الوقت, الحكومة مسؤولة أمام البرلمان, وهذه خصائص النظام البرلماني وهنا يكون الفصل مرنا, فهو أخذ بخصائص النظامين معا.
وأُنشأت مؤسسات دستورية, تسهر على دستورية القوانين, وما أدى إلى إعتماد التعددية الحزبية في ظل دستور 1989 هو خلفيات سياسية وأسباب متعدّدة, وهو ما نتج عن أحداث أكتوبر 1988, فيعتبر خطاب 19/09/1988 الذي ألقاه رئيس الجمهورية " الشادلي بن جديد" - أمام مكاتب التنسيقية الولائية, موجّها إنتقادات لاذعة للحزب والحكومة, بسبب تقصيرها في آدائها مهامها - محاولة لعلاج المشاكل التي يتخبط فيها المجتمع(3).
مؤكدا على الإستمرار في إنتهاج سياسة التقشف لمواجهة الأزمة الإقتصادية التي تُعاني منها الدولة الجزائرية, بعد إنخفاض سعر البترول, مما كان له أثره السيئ على نفوس أفراد الشعب, لكن رغم هذا إتسعت حركة الإضرابات, وتنظيم المظاهرات المناهضة للنظام يوم: 05/10/1988, مما عُبّر عنها : بأنها أعمال شغب, قامت بها مجموعة لا تتمتع بالحس المدني, مدفوعة بأيدي خفيّة من الخارج.

(1)- بوكرا إدريس, مرجع سبق ذكره, ص119.
(2)- سعيد بوشعير, النظام السياسي الجزائري, ص 173.
(3)- سعيد بوشعير, نفس المرجع, ص 177.
وسياسة الحكومة المعتمدة هي السبيل الوحيد للخروج من الأزمة.
ومن هنا قرّر الرئيس حالة الحصار طبقا للمادة رقم: 119 من الدستور, وذلك في: 06/10/1988, ودخل الجيش بذلك إلى العاصمة, وعُرفت هذه المظاهرات, بإسفارها عن خسائر مادية وبشرية, وفي 10 أكتوبر 1988 ألقى الرئيس خطابا ندّد فيه بالخسائر, ولم يذكر الحزب الواحد أصلا لإحتكاره السلطة(1).
وفي يوم: 11/10/1988 عادت الحياة إلى طبيعتها, وعّدل الدستور في: 03 نوفمبر 1988, ثم تلتها وثيقة تعديل شامل في: 23/02/1989, ومن أسباب الأزمة: سياسة التقشف التي إنتهجتها الحكومة, نتيجة إنخفاض سعر البترول وتدني القدرة الشرائية للمواطن, وتجميد الأجور منذ أربع (04) سنوات, وإرتفاع أسعار السلع, فالسلطة لم تعد قادرة على السيطرة على الأسعار إضافة إلى تفشي ظاهرة البطالة(2).
وكذلك قلة المردودية ( مردودية المؤسسات الإقتصادية) وإرتفاع المديونية من مليار دولار سنة 1970 إلى 19 مليار دولار سنة 1988, ز إلى ذلك ظهور طبقة برجوازية, أثرت على المصلحة العامة وذلك لأسباب إتخذتها في ظل النظام الإشتراكي, مكّنتها من ثروة طائلة غير مسموح بها في ظل نظام لبرالي بسهولة, وأصبحت السياسة الموجودة هي: فسح المجال أمام هذه الطبقة لتمويل السوق الوطنية, خاصة وأن الدولة عاجزة عن سد حاجات السوق والمواطنين, وكُشفت بذلك نقائص القطاع العام, وتخزين المواد الأساسية وسوء تموين السوق, ورفع أسعار ما يعرض فيها, وإرجاع ذلك إلى القطاع العام(3).
أما السلطة السياسية, فقد حاولت إيجاد حل وذلك بإعادة هيكلة المؤسسات الإقتصادية التابعة للدولة, هيكليا ثم ماليا, وإعادة تنظيم الفلاحة.
وبتاريخ: 24 أكتوبر 1988 أصدرت رئاسة الجمهورية بينا يُحدّد العناصر الرئيسية التي يتضمنها الجانب الثاني من مشروع الإصلاحات السياسية, فالمشروع ليس من وحي الحزب بل من الرئاسة.
وقد تولى المكلف بالأمانة الدائمة الإشراف على مناقشة مشروع العمل السياسي المقدم من قبل رئاسة الجمهورية, على إثر أحداث أكتوبر, والقاضي بتأصيل جبهة التحرير الوطني, وإقرار تعدد الحساسيات والتيارات داخل الجبهة, وهو المشروع الذي حلّ محل المشروع الأول الذي عُرض على مناضلي الحزب والمتكوّن من محورين: أحدهما خاص بالجانب النظامي والتنظيمي, والثاني يتعلق بجانب التنمية, وناقشها المناظلون آنذاك ثم رُفعت التقارير إلى الهيئات المركزية, وأُعيد المشروع مرة أخرى للقاعدة الحزبية لإثراءه, ثم رُفع إلى الأمانة الدائمة للجنة المركزية, أين أقرّه نهائيا كمشروع تقرير للمؤتمر(4).
وعلى إثر ذلك وتجنبا لأي فوضى يُحتمل وقوعها في المؤتمر, إجتمع المكلف بالأمانة الدائمة مع أُمناء المحافظات, وطلب منهم طمأنة المناضلين واعدا إياهم بأن المشروع في جانبه الأول هو الذي سيُعتمد (النظامي والتنظيمي)(5).
وبالرغم من مقاومة المحافظين للإصلاحات السياسية, فإن حركة أكتوبر بخلفياتها وأسبابها وآثارها ونتائجها, لا سيّما السياسية منها, قد كرّست المسار الإصلاحي ودعّمته.
إذ مس حتى الجانب السياسي وليس الإقتصادي فقط, وطلب الشعب بذلك إبداء رأيه في ظل الأوضاع والتحولات الجديدة, وهذا لا يكون إلا في ظل التعددية السياسية والحزبية, فبعد طمأنة المندوبين للمؤتمر وإبعاد المراكز التي كانت تتخذ القرار فوجئ المندوبين في المؤتمر بحضور مختلف إطارات الدولة وتحوّل المؤتمر من مؤتمر حزب إلى مؤتمر للإطارات بعد السماح لها بالتصويت, كحق أدى إلى تأرجح الكفة لصالح دعاة الإصلاح من إطارات ومناضلين(6).


(1)- سعيد بوشعير, النظام السياسي الجزائري, ص 178.
(2)- سعيد بوشعير, نفس المرجع, ص 179.
(3)- سعيد بوشعير, نفس المرجع, ص 181.
(4)- سعيد بوشعير, نفس المرجع, ص 182.
(5)- سعيد بوشعير, نفس المرجع, ص 182.
(6)- سعيد بوشعير, نفس المرجع, ص 182. 183.

كما فوجئوا بإبعاد اللائحة النظامية, وحلّ محلها لائحة مشروع القانون الأساسي لجبهة التحرير , الذي يقضي بأن المسائل النظامية ينظر فيها المؤتمر الإستثنائي (يعقد لدراسة موضوع إستثنائي فقط), حيث أن الجبهة لم تتخذ الشكل النهائي بعد, وقيادة المؤتمر إكتفت بإعلام المندوبين بأن كل محافظة ستُمثل بعضو منتخب من بين المندوبين, داخل اللجنة المركزية, حيث إنشغل المندوبون بإختيار ممثليهم وأعضاء اللجنة المركزية يسعون للبقاء في اللجنة القادمة, في حين تلاوة اللوائح المتضمنة لقانون الجبهة.
حيث فضّل بعض المندوبين الإمتناع عن التصويت بدلا من الرفض , لا سيّما لدى عرض مشروع القانون الأساسي (1).
فنالت اللوائح موافقة الأغلبية الحاضرة في المؤتمر, وبذلك وُضع حد لنظام الحزب الواحد, وحلت محلّه جبهة التحرير الوطني, وتقرّر حينئذ مبدأ التعددية السياسية تمهيدا للإنتقال إلى التعددية الحزبية التي كرّسها دستور 1989.
مخلّفات التعديل الدستوري الصادر في: 03 نوفمبر 1988: تنفيذا لخطاب: 10/11/1988 وللبيان الصادر في: 12/11/1988, نشرت رئاسة الجمهورية يوم الإثنين 17/10/1988 مشروع تعديل الدستور, وحُدّد يوم: 03/11/1988 لإستفتاء الشعب حوله, إذ يهم التعديل الوظيفة التنفيذية على حد تعبير البيان(2).
- حيث دعّم هذا المشروع موقف رئيس الجمهورية في ما يتعلق بعلاقته بالشعب(المادة رقم: 05 من التعديل) والتي تغيّرت في الصياغة, حيث أصبح لرئيس الجمهورية الرجوع إلى الشعب متى شاء, عكس الصياغة الأولى التي لا تمنحه السلطة في الرجوع للشعب في حالة إتخاذ موقف في المؤتمر بالأغلبية.
وحسب نص المادة رقم: 95/05 فالمؤتمر يتولى كذلك بحث القضايا التأسيسية للدولة, ولا يقتصر دوره على تنظيم المسائل الحزبية فقط(3).
فأصبح الرجوع إلى الشعب دون إتخاذ موافقة أحد الهيئات, مما يجعل الرئيس في مأمن من كل أنواع الضغوطات المحتمل التعرّض لها من الجيش أو الحزب.
- تعديل ما يتعلق بالوظيفة التنفيذية يعني أن رئيس الجمهورية أراد دخول المؤتمر بقوة مدعما بالتأييد الشعبي لتعديل الوظائف الأخرى.
- إن الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية السيّئة, أثرت على مكانة رئيس الجمهورية القابض على جميع السلطات, ودفعته إلى إقتسام السلطة مع الحكومة والبرلمان, بحيث إحتفظ بالشؤون الخارجية والدفاع, وأوكل المهمة الإقتصادية والإجتماعية للحكومة, وجعلها مسؤولة أمام المجلس حول تطبيق رئيس الحكومة لبرنامجه دون إستقلاله عن رئيس الجمهورية, الذي إحتفظ بسلطته في تعيينه وعزله وحل المجلس الشعبي الوطني, إلى جانب إحتفاظه بسلطة التعيين في الوظائف المدنية والعسكرية والسلطة التنظيمية, مما يضمن له الإستحواذ على السلطة التي كان يحوزها دون إنتقاد له(4).
وهنا بدأت تظهر بوادر المسؤولية السياسية الملقاة على عاتق الحكومة.
وتنفيذا لأحكام التعديل الدستوري, عُيّن قاصدي مرباح رئيسا للحكومة في: 05/11/1988, وحسب نص المادة رقم: 144 يكون تعيينه بعد إستشارات واسعة, وهذا المصطلح قصد المؤسس الدستوري تجسيد التوجّه الإصلاحي الرافض لإحتكار السلطة, بمعنى حرية رئيس الحكومة في إختيار مساعديه دون تقييده بأن ينتموا أو لا ينتموا إلى الحزب الواحد, طالما هو مسؤول أمام رئيس الجمهورية, الذي يستطيع إنهاء مهامه, وأمام المجلس الشعبي الوطني كذلك الذي يحق له رفض برنامج حكومته وإسقاطها, بسحب الثقة منه سواء عن طريق ملتمس الرقابة أو برفضه منح الثقة إذا طلبتها منه(5).


(1)- سعيد بوشعير, النظام السياسي الجزائري, ص 183.
(2)- سعيد بوشعير, نفس المرجع, ص 184.
(3)- سعيد بوشعير, نفس المرجع, ص 184.
(4)- سعيد بوشعير, نفس المرجع, ص 186.
(2)- سعيد بوشعير, نفس المرجع, ص 187.

وذلك حسب نص المادة رقم: 114, وحسب نص المادة رقم: 148/01 فيُخوّل المؤسس الدستوري رئيس الجمهورية وأعضاء المجلس الشعبي الوطني سلطة المبادرة بالقانون, فنتج عن ذلك إنتقال السلطة التنفيذية من الواحدية إلى الثنائية, وهذا ما ساهم في ظهور نظام سياسي جديد للدولة الجزائرية وهو النظام شبه الرئاسي.
- أن مشروع التعديل ألغى قاعدة أن رئيس الجمهورية يُجسّد وحدة القيادة السياسية للحزب والدولة (المادة رقم: 111 من دستور 1976), وكذلك القاعدة التي تخوّله ترأّس الإجتماعات المشتركة لأجهزة الحزب والدولة (المادة رقم: 111/09 من دستور 1976), وهنا طُرح الإشكال حول إلغاء هتين الفقرتين, هل هو بمثابة الفصل بين رئاسة الدولة والحزب؟ أم أنه تمهيد لإلغاء نظام الحزب الواحد؟ والإجابة الظاهرة هي أنه للفصل بين رئاسة الدولة والحزب, لمنح إستقلالية لرئيس الجمهورية, للقيام بالإصلاحات التي وعد بها الشعب وتضمنها دستور 1989 بعد إلغاء نظام الحزب الواحد(1).
مكانة التغيير الدستوري: لم يكن دستور 23/02/1989 وليد ظروف عادية وُضع تلبية لمطالب جسّدتها ثورة أكتوبر 1988, كإمتداد لثورة نوفمبر ذات الطابع الشعبي المشحونة بالمبادئ الإسلامية النبيلة, إذ جاءت هذه الثورة والإنقلاب على نظام الحكم آنذاك كرد فعل للأوضاع السياسية والإقتصادية المزرية التي زاد من حدّتها تصرّف الأفراد في السلطة, مما زاد في فقدان الشعب ثقته بحكّامه, لذلك رئيس الجمهورية بإعتباره حامي الدستور والمحافظ الأول على ثوابت الأمة, لم يكن أمامه سوى الحوار وطرح القضايا الأساسية على الشعب, للفصل فيها (خطاب 10/10/1988), ووعد بإصلاحات سياسية ودستورية على جميع الأصعدة للقضاء على إحتكار السلطة, فكان بذلك التعديل الجزئي, ثم التعديل الشامل, وهو بمثابة دستور جديد, وليس تعديل فقط في: 04/02/1989 وعرض لإستفتاء الشعب في: 23/02/1989 وهنا بدأت تظهر وتتجسّد أفكار مونتسكيو, (الفصل بين السلطات الذي جاء به دستور 1989), التي عرضها في كتابه 11 في عمله العظيم " روح القوانين" سنة 1748 في الفصل 06 الذي كرّسه وخصّصه لدستور إنجلترا(2).
حيث كانت أهداف مونتسكيو:
01- تجاه الملكية المطلقة, بحث مونتسكيو عن نظام يقدر على ترسيخ الحرية السياسية التي لا تكون بفعل ما نشاء, ولكن بتوقي تعسف السلطة وإذا به حسب كلماته الشخصية يقول :"........إنها تجربة خالدة , كل شخص يحوز على السلطة يتعسف فيها ويذهب إلى حد أن يجد الحدود.......وحتى لا نتعسف بالسلطة, يجب أن ننظم الأمور بالسلطة التي توقف السلطة" (3).
بمعنى أن التاريخ أثبت أن طبيعة النفس البشرية عبر القرون أن الإستبداد قرين الإستأثار بالسلطة.
إن الحرية السياسية تكون بمأمن وأحسن حفاظا عندما تكون السلطة غير موضوعة في نفس اليد الواحدة, وحتى توقف السلطة السلطة من الضروري تقسيم السلطة والفصل بين السلطات هو وسيلة لتطوير السلطة (4).
02- كيف نجري عملية الفصل وتقسيم السلطة؟: مونتسكيو ميّز بين 03 سلطات مهمة: التشريعية, التنفيذية, والقضائية, وحتى نحمي الحرية يجب أن تكون هذه السلطات الثلاث غير موضوعة لنفس الشخص وضمن نفس السلطة " إذا كانت لنفس الشخص أو لنفس الهيكل القضائي, السلطة التشريعية تجتمع مع السلطة التنفيذية, وهنا لا توجد أية فكرة للحرية لأنه إذا كانت مجتمعة في يد نفس الملك أو مجلس الشيوخ, تكون القوانين جائرة وتطبق بكل طغيان وظلم "(5).


(1)- سعيد بوشعير, النظام السياسي الجزائري, ص 188.
(2)-HUGUES PORTELLI , Droit Constitutionnel, DALLOZ, 3eme éd. 1993, p 35
(3)- HUGUES PORTELLI , ……….p35.
(4)- HUGUES PORTELLI , ……….p35.
(5)- HUGUES PORTELLI , ……….p35.

إن نظرية الفصل بين السلطات, لا تتطلب أنه كل سلطة تُخصّص لعضو متمايز, ولكن تطرح ببساطة أنه العضو الواحد, لا يُحمّل جميع السلطات, بمعنى آخر لا شيء يمنع الملك (الرئيس) من ممارسة السلطة التشريعية, وقتئذ لا يجمع بين السلطتين التنفيذية والتشريعية (1).
العلاقة بين السلطات: إن الفصل بين السلطات لا ينطوي إذن على وجود فصل مطلق لكل سلطة عن الأخرى, كلٌ في وظيفة خاصة, فمونتسكيو يربطهم بوصفه للعلاقة بينهما التي تمنح الإستقرار بين السلطات(2).
وعلى أساس مبادئ مونتسكيو أخذ دستور 1989 مبدأ الفصل بين السلطات كتحول رئيسي له, حيث أخذ كمصادر له معظم الأنظمة السياسية التي تقوم على هذا المبدأ, وهذا رغم أن هناك إشكالات, كون هذا التعديل يمس بالنظام الإشتراكي, خاصة وأن التعديل لا يمس المسائل الجوهرية, لذا إستقر الرأي على أنه وثيقة دستورية جديدة, تحمل في طياتها نظام سياسي جديد وليس مجرّ تعديل فقط.
ورغم ما أتى به دستور 1989 من تغييرات, إلا أنه أخفق في تنظيم الحياة السياسية بصفة عامة وهذا لأنه جاء على إثر تطورات مريرة عرفتها الجزائر, فجاء بنظام لبرالي يحكم إقتصاد السوق, بعد ما كان إشتراكيا دون مراعاته للقواعد المتعارف عليها دوليا, كأساس للتغيير ودون مراعاة لردود أفعال الشعب لهذه النقلة المفاجئة, وما نتج عن ذلك هو إنعدام الثقافة الديمقراطية على مستوى مؤسسات الدولة, مما ساهم في: تذبذب المنظومة التشريعية, فقانون الإنتخابات مثلا عدّل عدّة مرات خلال 03 سنوات, وكذا قانون الأحزاب(3).
وعلى إثر التصريحات الملغّمة واللامسؤولة التي أعقبت الإنتخابات التشريعية في ديسمبر 1991 قد ساهمت في إلغاء القوانين السابقة, فنتج عن ذلك فراغ دستوري رهيب على مستوى مؤسسات الدولة بناء على إستقالة رئيس الجمهورية وتزامنا مع حل المجلس الشعبي الوطني(4).
فظل إذن دستور 1989 أعرجا, لذلك أُوقف العمل به وإنتشرت أرضية الوفاق الوطني التي جاءت في وقت صعب, كما سوف نرى ووُجدت مؤسسات جديدة لسد الفراغ الدستوري وهو ما مهّد لظهور دستور 1996.
مضمون دستور 1989:
لقد أُستُفتي الشعب حول دستور 23/02/1989 ووافق عليه بنسبة: 73,45% من الأصوات المعبّر عنها, إذ يُشكل هذا الدستور بداية عهد جديد في الحياة السياسية, إذ كرّس نهاية الحزب الواحد وقرّر التعددية السياسية وتخلى عن الفلسفة الإشتراكية(5).
- لماذا جاء دستور 1989: السبب في ذلك يعود ظاهريا ورسميا لجملة من العوامل منها: عجز الحكومة عن تلبية مطامع الشعب المتزايدة, بتفاقم الأزمة الإقتصادية العالمية, وإستفحال ظاهرة البطالة والمحسوبية(6).
- محتوى دستور 1989: إضافة إلى ما كرّسه دستور 1976 إنتقل دستور 1989 نقلة نوعية هامة, وإتجه نحو الأخذ بمبدأ الفصل بين السلطات, فصلا مرنا وإتخذ موقعا وسطا بين النظامين: الرئاسي والبرلماني, ببناء مؤسسات مستقلة مبنية على التعاون والتنسيق بينها, كما أخذ بثنائية السلطة التنفيذية (7).
ومن بين هذه المؤسسات المستقلة: المجلس الإسلامي الأعلى والمجلس الأعلى للأمن.


(1)- HUGUES PORTELLI , ……….p35
(2)- HUGUES PORTELLI , ……….p35
(3)- أوصديق فوزري, النظام الدستوري الجزائري ووسائل التعبير المؤسساتي, ص63.
(4)- أوصديق فوزري, نفس المرجع, ص67.
(5)- مولود ديدان, مرجع سبق ذكره, ص348.
(6)- مولود ديدان, نفس المرجع, ص349.
(7)- مولود ديدان, نفس المرجع, ص350.


من حيث الدباجة: يعتبر القانون الأساسي والأسمى في البلاد, لأنه يستمد قيمته وشرعيته من العديد من المبادئ أهمها: السيدة الشعبية ومبدأ الفصل بين السلطات والرقابة الدستورية, وتكريس القانون, أما المرسوم الرئاسي المتعلق بنشر أرضية الوفاق الوطني للمرحلة الإنتقالية, أهدافه إضفاء شرعية من نوع خاص لتخطي الأزمة (فكرة المصلحة الوطنية) (1).
- التسمية: هو دستور 1989, جاء عن طريق الإستفتاء ليس كالوفاق الوطني بمرسوم رئاسي ( أهمية التفريق حتى نعرف في ما بعد لماذا جُمّد الدستور وعملت السلطات بهذا المرسوم رغم أن الدستور أسمى منه).
- الرئاسة: المادة رقم: 68 من دستور 1989 تنص على أن رئيس الجمهورية منتخب عكس المرسوم رقم: 94/40 السالف الذكر, المجلس الأعلى للأمن هو الذي يعيّن رئيس الجمهورية.
- التنظيم: دستور 1989 نظم السلطات الثلاث على ضوء الفصل بينهما, في حين أن المرسوم السابق غفل عن ذكر السلطة القضائية وهذا نقص فادح.
إضافة إلى تخصيصه هيئات خاصة, للمرحلة الإنتقالية, ورغم الإختلاف بين المرسوم الخاص بالوفاق الوطني ودستور 1989 إلا أنهما جاءا لهدف واحد, وهو تحسين الأوضاع الإجتماعية والإقتصادية(2).
لكن الواقع اليومي, أن المستوى الإجتماعي والإقتصادي لم يتحسن, بل تعرّضت المؤسسات الإقتصادية للإفلاس, مما أدى إلى حلّها وتسريح العمال وبروز ظاهرة البطالة.
إنه بُغية تجسيد دستور 1989 لدعائم النظام الديمقراطي في ظل الجمهورية الثانية, تبنّى المؤسس الدستوري الأنظمة التالية:
01- النظام البرلماني: إذ إستقى منه دستور 1989 المسؤولية السياسية للحكومة أمام البرلمان, وحق السلطة التنفيذية في حل البرلمان.
02- النظام الرئاسي: إقتبس المؤسس الدستوري من هذا النظام, مبدأ الفصل بين السلطات, بحيث لا يحق للسلطة التنفيذية مشاركة البرلمان في التشريع سواء بطريقة مباشرة, كما كان في دستور 1976 (المادة 153) وإلا عن طريق التفويض كما هو في دستور 1958 الفرنسي أو التونسي.
03- النظام الفرنسي: إذ تأثر دستور 1989 بالكثير من القواعد التي أقرّها الدستور الفرنسي من بينها, إنتخاب رئيس الجمهورية أو تأسيس مجلس دستوري مع الإختلاف الملاحظ في مجال الرقابة (في فرنسا سابقة, وفي الجزائر سابقة ولاحقة).
04- دستور 1976: إذ تبنى العديد من أحكامه (ذات الطابع القانوني دون الإيديولوجي).
05- الشرعية الدستورية والقانونية: التي مُنحت لها الأولوية على المشروعية الثورية, تكريسا لمبدأ دولة القانون والشرعية(3).
وهذه الشرعية تُبنى على مبدأ الفصل بين السلطات والحرية والتعددية الحزبية, وهو ما تبناه المذهب الدستوري عكس دستور 1976.
06– الإسلام: بإعتبار الإسلام دين الدولة: المادة رقم: 02 من الدستور, وهو بذلك مصدر له, كما أضافت المادة رقم: 09 أنه لا يجوز للمؤسسات أن تقوم بالسلوك المخالف للإسلام.
مبادئ دستور 1989:
01- الإقتراع العام, السري والمباشر: المادة رقم: 68 والمادة رقم: 95 من الدستور والمادة رقم: 02 من قانون الإنتخابات.
02- المساواة: بإعتبار هذا المبدأ ملازما للديمقراطية وحقوق الإنسان( المادة رقم: 28 من دستور 1989), وقد ألزم المؤسس الدستوري مؤسسات الدولة بالأخذ بهذا المبدأ وفق المادة رقم: 30 منه.


(1)- أوصديق فوزري, النظام الدستوري الجزائري ووسائل التعبير المؤسساتي, ص63.
(2)- أوصديق فوزري, نفس المرجع, ص146.
(3)- سعيد بوشعير, النظام السياسي الجزائري, ص193.

03- الفصل بين السلطات: كرد فعل للدمج الذي كان سائدا بين السلطات في دستور 1976, حيث كان النظام السياسي رئاسي مغلق, إذ كان رئيس الجمهورية محور هذا النظام, ولمادة رقم: 153 من دستور 1976 تتحدث عن سلطته في مشاركة المجلس الشعبي الوطني في التشريع, إضافة إلى هذا المبدأ أُنشأ مجلس دستوري يتولى الرقابة على مدى مطابقة القانون للدستور, إضافة إلى مهمة الفصل في النزاعات بين السلطتين التنفيذية والتشريعية, ومراقبة مدى شرعية الإستفتاءات والإنتخابات, وتصرفات رئيس الجمهورية.
ووُضع دستور 1989 للدفاع عن المواطن ضد الدولة عكس دستور 1976(1).
04-التعدّدية الحزبية: وهذا لعجز الحزب الواحد على تحقيق رغبات الشعب.
05- مبدأ الشرعية وعدم الرجعية: ويتجلى ذلك من خلال حماية الفرد من تعسّف السلطة ( المادة رقم: 43 والمادة رقم: 44 من دستور 1989).
06- حق الدفاع: كمبدأ أساسي لحماية الفرد والجماعة من إعتداءات السلطة.
كما أورد الكثير من الحقوق كالإضراب, العمل, الراحة, الرعاية الصحية, حق الملكية والإرث اللذين لم يوردهما دستور 1976 بهذا الإطلاق, فقد كانت هناك قيود تُعرقل التمتع بها.
إضافة إلى تمسك الدولة بمبدأ السلم والتعاون كمبدأ ذو طابع خارجي إن لم نقل عالمي.
وفي ظل دستور 1989, أُسندت السلطة التنفيذية إلى رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة, هذا الأخير مسؤول مسؤولية مزدوجة أمام رئيس الجمهورية والمجلس الشعبي الوطني.
وحتى نتعرّف على النظام السياسي الجزائري ونُكيّف طبيعته, لا بد من إستعراض آليات تنظيم السلطة في هذه الحقبة وكيفية عمل السلطات.
يمثل رئيس الجمهورية في النظام الجزائري, المركز الممتاز بإعتباره منتخب من طرف الشعب بطريقة مباشرة, وله إختصاصات واسعة وسلطات غير حصرية, كما سنرى وفق ما نص عليه دستور 1989.
تنص المادة رقم: 68 من دستور 1989 على :" ينتخب رئيس الجمهورية عن طريق الإقتراع العام والسري.
يتم الفوز في الإنتخابات بالحصول على الأغلبية المطلقة من أصوات الناخبين المعبّر عنها, ويحدّد القانون الكيفيات الأخرى للإنتخابات الرئاسية"(2).
من خلال هذه المادة , نرى أن دستور 1989 مخالف لدستور 1976الذي يتطلّب الحصول على الأغلبية المطلقة من أصوات الناخبين المسجّلين, لكن في دستور 1989 ينبغي أن يحصل على الأغلبية المطلقة من أصوات الناخبين المعبّر عنها, وهذا هو الأصح, لأنه وفق دستور 1976 من الصعب تحقيقه حتى في ظل الحزب الواحد (3).
فما بالك في ظل التعددية الحزبية, لأن ذلك سوف يضع النظام الجزائري في أزمة دستورية لا حل لها, إلا بتعديل الدستور, وبتبني التعددية الحزبية أصبح المتنافس على منصب رئاسة الجمهورية كُثر, مما يُصعّب حصول المتنافس على الأغلبية المطلقة من الناخبين, لذلك أوكل الدستور مهمة تنظيم الإنتخابات لقانون الإنتخابات الصادر في: 07/08/1989 الذي جاءت المادة رقم: 106 والمادة رقم: 104 منه وبيّنت كيفية الترشح لرئاسة الجمهورية.
وقرّرت دورتين , حتى يتحصل المترشح على الأغلبية المطلقة, وقصرت الدور الثاني على الحائزين على أكبر عدد من الأصوات المعبّر عنها في الدور الأول فقط, دون إشتراط نسبة محدّدة (المادة رقم: 107 من قانون الإنتخابات) :" إذا لم يُحرز أي مترشح على الأغلبية المطلقة للأصوات المعبّر عنها في الدور الأول, يُنظم دور ثان, لا يُساهم في هذا الدور الثاني سوى المترشحين الذين أحرزوا على أكبر عدد من الأصوات خلال الدور الأول " (4).


(1)- سعيد بوشعير, النظام السياسي الجزائري, ص198.
(2)- المادة رقم: 68 من دستور 1989, الصادر بالجريدة الرسمية رقم: 09, في: 01/03/1989.
(3)-سعيد بوشعير , نفس المرجع, ص205.
(4)- سعيد بوشعير , نفس المرجع, ص206.

وتحدثت عن شروط الترشح لمنصب رئيس الجمهورية المادة رقم: 73 من دستور 1996, وقانون الإنتخابات لــ 07/08/1989, لأن دستور 1989 لم يتحدث عن هذه الشروط.
أما في حالة شغور منصب رئاسة الجمهورية, إما بالوفاة أو بالإستقالة, فتجرى الإنتخابات خلال: 45 يوم الموالية لتاريخ إعلان الشغور, يُنظمها رئيس الجمهورية دون ترشيح نفسه, ولم يُحدّد المؤسس الدستوري حالة المانع المؤقت, وعندما توفي الرئيس: هواري بومدين, عُدّل الدستور سنة 1976 لتنظيم حالة المانع المؤقت(1).
مع ملاحظة الفراغ القانوني والدستوري في حالة الإستقالة لرئيس الجمهورية مع كون المجلس الشعبي الوطني منحلا, كما حدث في: 11/01/1992, حيث إستقال الرئيس: الشادلي بن جديد, بعد أن حل المجلس الشعبي الوطني, دون علم رئيسه في تاريخ سابق لإستقالته.
أما عن مدة المهمة الرئاسية, فكانت في دستور 1963 05 سنوات وذلك بنص المادة رقم: 39 منه, وكذا في دستور 1976 في المادة رقم: 108 التي تحدثت كذلك عن تجديد العهدة الرئاسية, وكانت المهلة 06 سنوات, ثم خُفّضت بموجب تعديل: 07/07/1979 إلى 05 سنوات, وفي ظل دستور 1989 المدة 05 سنوات, مع إمكانية التجديد, وبالنسبة للتجديد وُجدت آراء: هناك من يقول أن التجديد لا يتجاوز المرتين, ضمانا لعدم إحتكار السلطة من قبل شخص واحد, أما الرأي الثاني فيُطلق من الإصلاحات السياسية التي جاء بها دستور 1989, لذلك فهم يُعارضون إحتكار السلطة لكن لا يرون مانع لتجديد العهدة للعديد من المرات (2).
طالما الحزب الواحد قد ولّى وإندثر, وطالما وُجدت أحزاب, فالشعب هو صاحب السيادة وصاحب الكلمة في تجديد أو رفض تجديد الثقة بالرئيس, وهو ما تبناه دستور 1989 في مادته رقم: 71/02 بقولها:" يمكن تجديد إنتخاب رئيس الجمهورية" (3).
مع ملاحظة عدم ذكر عدة مرات, عكس دستور 1996, كما سوف نرى في حينه.
مدى مسؤولية رئيس الجمهورية في دستور 1989:
كقاعدة عامة رئيس الجمهورية هو محور النظام, وهو حامي الدستور ومنتخب من طرف الشعب, فهو يعتبر غير مسؤول عن الأفعال والأقوال التي تصدر منه أثناء آدائه لوظيفته.
كما نرى هنا صعوبة إثبات الأفعال الصادرة منه – والتي ألحقت ضرر بالغير, سواء هذا الضرر ماديا أو معنويا – الناتجة عن تصرفات لا صلة لها بآداء الوظيفة المنوطة به, كمعنى عدم المسؤولية سياسيا ومدنيا, والدستور لم يذكر شيئا في هذا المجال, إلا ما تعلق بمسؤوليته الجزائية في حالة الخيانة العظمة, رغم أن هذه الجريمة لم يستطع أي أحد تفسيرها, ماذا يُقصد بالخيانة العظمى؟ حتى تقوم مسؤولية رئيس الجمهورية؟ وهذا كذلك لا أثر له في الدستور! وإنما هذه الفكرة هي تقليدية فقط, لكن تبنّاها دستور 1996 في مادته رقم: 158 في إقراره لمحكمة جديدة لأول مرة منذ الإستقلال, تختص بمحاكمة رئيس الجمهورية عن الأفعال التي يمكن وصفها بالخيانة العظمى, كما تختص بالجنايات والجنح التي يقوم بها رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة أثناء تأديتهما لمهامهما (4).
لكن نرى أن هذا نظريا فقط, وإلا ماذا نقول عن ما قام به الرئيس الشادلي بن جديد عندما إستقال بعد ما حلّ المجلس الشعبي الوطني في ظروف حرجة؟ ودون مبرّرات تُذكر! وهذا ما علّق عليه الدكتور سعيد بوشعير بقوله: " خيانة الأمانة إن لم نقل خيانة عظمى".
ورغم هذه الكارثة, إلا أنه لا مسؤولية على الرئيس رغم التقليص من سلطاته بالمقارنة مع دستور 1976, فقد أُسندت مهمة الشؤون الإقتصادية والإجتماعية لرئيس الحكومة, الذي يعيّنه ويقدمه كبش فداء, لأنه مسؤول مرتين: أمامه وأمام المجلس الشعبي الوطني , هو وطاقمه الوزاري.


(1)- سعيد بوشعير, النظام السياسي الجزائري, ص212.
(2)- سعيد بوشعير, نفس المرجع, ص215.
(3)- المادة رقم: 71 من دستور 1989, الصادر بالجريدة الرسمية رقم: 09, في: 01/03/1989.
(4)- عمار بوضياف, التنظيم القضائي الجزائري, الجزائر, دار ريحانة للنشر, الطبعة الأولى, طبعة 2003, ص 341.







قديم 2011-02-11, 20:47   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
yacine414
عضو مميّز
 
إحصائية العضو









yacine414 غير متواجد حالياً


New1 اضافة2

إن وجود إفتراض قيام مسؤولية رئيس الجمهورية إذا لجأ إلى الإستفتاء, بمقتضى المادة رقم: 07 فقرة أخيرة, والمادة رقم: 163 نادر الحدوث, ففي حالة الإستفتاء وعارضه الشعب, لا يستطيع البقاء في الحكم نظريا, لأن القانون لم ينص على إجباره على الإستقالة, لأنه منتخب لفترة محدّدة, وعليه إكمالها.
فالدستور لم يرتب أية مسؤولية هنا, وعلى الرئيس أن يواصل مهمة الحكم والتقيّد برأي الشعب, وهذا يصعب منطقيا (1).
كما أن رأي الشعب كذلك قد يعارض برنامج رئيس الحكومة الذي صادق عليه البرلمان ممثل الشعب, وهذا ما يجعل رئيس الجمهورية يُضحّي برئيس الحكومة ويُعيّن بديله ويُقدّم هذا الأخير برنامج يساير طموح الشعب, أو يحل البرلمان أم يستقيل.
سلطات رئيس الجمهورية:
في ظل دستور 1976, كان النظام السياسي الجزائري نظاما رئاسيا مغلقا كما يقال, للصلاحيات الواسعة التي يضطلع بها رئيس الجمهورية, أما في دستور 1989, فقد تقلّصت بعض مهامه, وأوكلها إلى رئيس الحكومة, حتى وإن كان نظريا, لأن نص المادة رقم: 74 من دستور 1989 فقرة 10 تنص على : " يعيّن رئيس الجمهورية في الوظائف المدنية والعسكرية......." فماذا ترك لأن يعيّن رئيس الحكومة؟ (2).
حسب نص المادة رقم: 81/05 التي تتكلم على أن رئيس الجمهورية يعيّن دون مخالفة الفقرة 07 و الفقرة 10 من المادة رقم: 74 السالفة الذكر! فسلطات رئيس الجمهورية بقيت واسعة في ظل دستور 1989 ولهذا عدّة أسباب:
- أن إنتخاب رئيس الجمهورية بطريقة مباشرة يحقق له إستقلالية عضوية, تجاه المجلس الشعبي الوطني ويجعله الناطق بإسم الشعب.
- أن الأنظمة السياسية المعاصرة تُقر أولوية السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية دستوريا أو عمليا, نتيجة تكوين الأحزاب, لتضامن ممثليها على مستوى السلطة التنفيذية والتشريعية لمواجهة المعارضة (3).
كما أن الفكر المعاصر يرى أن النظام الرئاسي, هو النظام الواجب التطبيق في البلدان التي تعاني من أزمات, ونحن نعلم أن هذه المرحلة, هي حرجة بالنسبة للجزائر والدليل على ذلك أن دستور 1989 يسمى بدستور الأزمة.
- أن وضع الدستور حدث في وقت لم تكن التعددية الحزبية موجودة, والمعارضة موجودة, بل هو من أقرّ التعددية.
ولعل الإحتفاظ ببعض نصوص دستور 1976 هو ما يؤكد على الحفاظ على مكانة رئيس الجمهورية في دستور 1989 وعلى سلطاته, وتتمثل هذه السلطات في:
01 - إختصاصات رئيس الجمهورية في الظروف العادية:
أ- إصدار القانون: المادة رقم: 117 من دستور 1989 تقول: " يصدر رئيس الجمهورية القانون في أجل ثلاثين يوما إبتداءا من تسلّمه إياه " (4).
فهذه السلطة مستمّدة من الدستور, فهو إذن ليس إجراء شكلي تنظيمي, لأنه لا يترتب على عدم الإصدار جزاءات تُوقّع عليه, وما دام الدستور خوّله هذه السلطة, فهذا لإثبات أن رئيس الجمهورية لا يُعارض القانون.
فالإصدار إذن سلطة معتبرة, فجاءت المادة " يصدر " وتفيد هذه الكلمة الإلتزام بما يصدره, فهي سلطة خطيرة, خاصة وأنه يستطيع بذلك رئيس الجمهورية التأثير على سلطة البرلمان عند عدم إصداره القانون.


(1)- سعيد بوشعير, النظام السياسي الجزائري, ص218.
(2)- المادة رقم: 74 من دستور 1989, الصادر بالجريدة الرسمية رقم: 09, في: 01/03/1989.
(3)- سعيد بوشعير, نفس المرجع, ص222.
(4)- المادة رقم: 117 من دستور 1989, الصادر بالجريدة الرسمية رقم: 09, في: 01/03/1989.

خاصة وأن الدستور أوكله مهمة مداولة ثانية, مما يسمح له بالمحافظة على سموّه على المجلس الشعبي الوطني, بل حتى حلّه وهذا ما يؤكد تبعية المجلس الشعبي الوطني للرئيس, رغم أن دستور 1989 إعتمد على الفصل بين السلطات, والتعددية الحزبية.
إلا أن النص رغم تغيير صياغته التي كانت في دستور 1976 إلا أنه يفيد نفس المعنى.
ب‌- النشر: ودونه لا يصبح القانون نافذا في حق الكافة, فالنشر عملية مادية تفيد إبلاغ الكافة بأحكام التشريع على رأي الدكتور محسن خليل (1).
ويكون النشر حسب نص المادة رقم: 04 من القانون المدني كالآتي: " تطبق القوانين في تراب الجمهورية الديمقراطية الشعبية إبتداء من يوم نشرها في الجريدة الرسمية تكون نافذة المفعول بالجزائر العاصمة, بعد مُضي يوم كامل من تاريخ نشرها, وفي النواحي الأخرى في نطاق كل دائرة , ويشهد على ذلك تاريخ ختم الدائرة الموضوع على الجريدة " (2).
ج - سلطة التنظيم: وهي السلطة التي تخرج عن إختصاص المشرّع فتعود إلى رئيس الجمهورية, وإلى رئيس الحكومة في مجال تنفيذ القوانين, فإن كان دستور 1976 حسب نص المادة رقم: 111 منه أسند السلطة التنفيذية كلها لرئيس الجمهورية, فإن دستور 1989 أسندها إلى رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة معا وذلك في مادته رقم: 116.
وهذه السلطة حديثة, نتيجة تراجع البرلمان وعجزه عن مواجهة الأزمات, وإحتلال السلطة التنفيذية الصدارة (3).
وفي نص المادة رقم: 115 من دستور 1989 يتبيّن أن إختصاصات المجلس الشعبي الوطني تكون في مجال التشريع, أما التنظيم فيكون لرئيس الجمهورية ورئيس الحكومة.
وتكون السلطة التنظيمية في المجال الإداري, كمظهر تنفيذي لنص تشريعي مجمل, يتولى التظيم تفصيله, ويبين كيفيات تنفيذه, مثل النصوص التنظيمية التي تصدر تنفيذا للمادة رقم: 115/07 القاضية بأن المجلس الشعبي الوطني يتولى القواعد العامة المتعلقة بالتعليم (4).
وهي موكلة بذلك إلى رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة, أما السلطة التنظيمية في غير المجال الإداري مصدرها الأساسي هو الدستور, فهي مستقلة مجالها السياسة وينفرد بها رئيس الجمهورية.
د – سلطة التعيين: وهي ضرورة ونتيجة منطقية لسلطة التنظيم بمفهومها العام, بمعنى أنه لا يمكن لرئيس الدولة أن يتولى سلطة التنظيم و التنفيذ دون أن تمنح له وسائل تمكنه من ذلك ، و من بين هذه الوسائل التعيين ، و في دستور 1989 قلصت هذه المهمة لصالح رئيس الحكومة عكس دستور 1963 و دستور 1976 أين كانت حكرا على رئيس الجمهورية فقط .
هـ- رئاسة مجلس الوزراء : هذا المجلس يشكل محور نقاش المسائل الهامة للأمة بقيادة رئيس الجمهورية، و هذا المجلس فرضه الواقع و ليس الدستور فتقرر بموجب الأمر الصادر في 10/07/1965 كجهاز قانوني يمارس بتفويض من مجلس الثورة السلطات الضرورية لسير أجهزة الدولة.(5)
و- قيادة الجيش و الشؤون الخارجية : في دستور 1963 و دستور 1976 كانت حكرا على رئيس الجمهورية عكس دستور 1989 ، لتكاثرها أصبح يوكل أو يفوض يعض الوزراء ، إلا الوظائف العامة يتكفل بها هو ، و في دستور 1989 نقل إختصاص قيادة الإدارة كذلك إلى رئيس الحكومة المسؤول أمام المجلس الشعبي الوطني, وعلى تنفيذ البرنامج .


(1)- سعيد بوشعير, النظام السياسي الجزائري, ص229.
(2)- الأمر رقم: 75/58 المؤرخ في: 20 رمضان 1395, الموافق لـ 26/09/1975, المتضمن القانون المدني الجزائري المعدل والمتمم, جريدة رسمية رقم: 178 المؤرخة في: 30/09/1975, طبعة 1998 (نص المادة رقم: 04 منه ).
(3)- سعيد بوشعير, نفس المرجع, ص 231.
(4)- سعيد بوشعير, نفس المرجع, ص 231. 232.
(5)- سعيد بوشعير ، نفس المرجع, ص 243 .

وضمن هذه السلطة تكون لرئيس الجمهورية قيادة الدفاع حسب نص المادة رقم: 74/01 من دستور 1989, وقيادة الشؤون الخارجية حسب نص المادة رقم: 74/03 من نفس الدستور, والتي تنص على:" يقرر السياسة العامة, بمعنى يعين السفراء والمبعوثين الدبلوماسيين......الخ" , والمادة رقم: 74/10 تحدثت عن إبرامه المعاهدات والمصادقة عليها.
ي – ممارسة السلطة السامية في الدولة: وذلك حسب نص المادة رقم: 69 من دستور 1989, كما تنص المادة رقم: 74/8 من نفس الدستور على حقه في إصدار العفو وحق تخفيض العقوبات أو إستبدالها, وهو حسب نص المادة رقم: 145 من الدستور رئيس المجلس الأعلى للقضاء(1).
ز- حق اللجوء المباشر إلى المجلس الشعبي الوطني : بمعنى له سلطة حل البرلمان, وهو ما تقرّر في الأنظمة البرلمانية وما أُعتمد في الدستور الفرنسي سنة 1958 (المادة 12 منه) مع إشتراط إستشارة رئيس المجلسين ورئيس الحكومة, أما في الجزائر في دستور 1989 حق الحل كان بموجب نص المادة رقم: 120 منه, وذلك بعد إستشارة المجلس الشعبي الوطني ورئيس الحكومة, وحق طلب النص للقراءة الثانية في حالة موافقة البرلمان عليه, وهو ينطوي على مخالفات دستورية خلال 30 يوم الموالية لإقرار النص, ويعتبر هذا مشاركة في العملية التشريعية بإعتبار الرئيس هو حامي الدستور, وهذا ما يؤكد القول القانوني لطلب المداولة الثانية, وإذا حصل على النصاب الدستوري رئيس الجمهورية يجبر على إصدار هذا القانون وإما أن لا يرى النور(2).
ر- اللجوء إلى الشعب " الإستفتاء": ربط دستور 1989 السيادة بالشعب, وأقر حق اللجوء إلى هذا الأخير بموجب نص المادة رقم: 74/09 التي تنص على :".......يمكنه أن يستشير الشعب في قضية ذات أهمية وطنية عن طريق الإستفتاء......" (3). وكذا المادة رقم: 07/03.
سلطات رئيس الجمهورية في الظروف غير العادية:
وهي حالات الطوارئ والحصار حسب نص المادة رقم: 86 من دستور 1989, وتكون لهذين الحالتين شروط:
أ‌- الشروط الموضوعية: كشرط الضرورة, وأن تقرر إحدى الحالتين لمدة محدّدة, وهو قيد فعّال لحماية حرية الأفراد, وتمديد هذه المدة بالإستشارة مع المجلس الشعبي الوطني, وهذا ما يقلص من صلاحيات رئيس الجمهورية في ظل التعددية الحزبية.
ب‌- الشروط الشكلية: كإجتماع المجلس الأعلى للأمن, وإستشارة المجلس الشعبي الوطني ورئيس الحكومة ورئيس المجلس الدستوري.
والجزائر عرفت حالة حصار في ظل هذا الدستور, قُرّرت بتاريخ: 29/09/1991 إثر إضراب الجبهة الإسلامية للإنقاذ, وحالة الطوارئ أُعلنت في: 09/02/1992 لمدة سنة ( إيقاف المسار الإنتخابي ) (4).
إضافة إلى الحالة الإستثنائية حسب نص المادة رقم: 87 من دستور 1989, وحالة الحرب المنصوص عليها في المادتين رقم: 89 , 90 و 91 من دستور 1989, وهنا يُجمّد الدستور ويتصرف رئيس الجمهورية بكل حرية دون أية قيود تُذكر.
كما أوكلت بعض المهام إلى الجهاز المساعد لرئيس الجمهورية وهي: الأمانة العامة, حيث يضطلع الأمين العام بـرقابة مدى مطابقة القوانين والتنظيمات, والتوقيع بإسم رئيس الجمهورية على جميع القرارات, ومهمة تنشيط المصالح وتنسيق أعمالها وهذا حسب المرسوم الرئاسي رقم: 89/59 المؤرخ في: 03/09/1989 حيث عيّن رئيس الجمهورية الأمين العام (5).

(1)- المادة رقم: 69 من دستور 1989, الصادر بالجريدة الرسمية رقم: 09, في: 01/03/1989.
(2)- المادة رقم: 120 من دستور 1989, الصادر بالجريدة الرسمية رقم: 09, في: 01/03/1989.
(3)- المادة رقم: 74/09 من دستور 1989, الصادر بالجريدة الرسمية رقم: 09, في: 01/03/1989.
(4)- سعيد بوشعير, النظام السياسي الجزائري, ص229.
(5)- سعيد بوشعير ، نفس المرجع, ص 283 .

الحكومة: رغم أن الحكومة تتمتع دستوريا بسلطات وصلاحيات, فإن ذلك لا يعني إستقلالها كليا عن رئيس الجمهورية, فبإعتبارهما يشكلان السلطة التنفيذية, فهو إمتداد له ويزداد إرتباطه برئيس الجمهورية في النظام الفرنسي والجزائري خاصة, فبالنسبة للجزائر إستعملت مصطلح رئيس المجلس والوزير الأول, فتسمية رئيس المجلس في حكومة أحمد بن بلة ( دستور 1946 الفرنسي) والوزير الأول في دستور 1976 بعد تعديله سنة 1979, أما رئيس الحكومة هو المعتمد في دستور 1989 وحتى يومنا هذا, وهو أصح وأشمل مصطلح.
بالنسبة لتعيينه كما رأينا, يكون من طرف رئيس الجمهورية (المادة 74/5 من دستور 1989) ويكون مسؤولا أما رئيس الجمهورية ورئيس المجلس الشعبي الوطني, فبذلك يكون النظام الجزائري قد أخذ بعض عناصر النظام البرلماني, كالفصل بين السلطات والمسؤولية الوزارية أمام البرلمان, لكنه إحتفظ لرئيس الجمهورية بسلطات واسعة وهذه ميزة النظام الرئاسي, ورئيس الجمهورية غير مقيّد في إختيار رئيس حكومته, إلا أنه سياسيا وعمليا, يراعي التوجه السياسي السائد, ذلك لأن الشعب هو من إختار رئيس الجمهورية, لذا لا بد من وجود مسؤولية سياسية عليه في إختياره لرئيس الحكومة, يتعيّن عليه ممارستها ومراعاة الأوضاع السائدة والفاعلة في النظام السياسي, وحتى حين ما يختار رئيس الحكومة طاقم وزارته, فهذا لا يتوقف عند إستشارة الأحزاب الممثلة في البرلمان, بل يأخذ بعين الإعتبار توجيهات رئيس الجمهورية, وهذا ما يؤكد أن النظام المتبع هو نظام شبه رئاسي, إن لم نقل رئاسي, لأنه أخذ من النظامين السابقين ما جعل الفقه يسميه بنظام برلماسي, فرئيس الحكومة ينفذ برنامج الحكومة ويرأس مجلس الحكومة وينفذ القوانين ويوقع المراسيم التنفيذية, ويعيّن في وظائف سامية في الدولة.
وله كذلك سلطة دعوة البرلمان للإنعقاد كرئيس الجمهورية, وذلك حسب نص المادة رقم: 112 من دستور 1989.
من المعلوم أن المعيار التقليدي لتصنيف النظام البرلماني (نظرية التعاون) لم يعد حاسما, لذلك جيء بمعيار المسؤولية الوزارية, التي تمارس بملتمس الرقابة وطرح الثقة, بحيث تراقب كل سلطة الأخرى, لكن الأحزاب تأثيره مهم لضبط المعايير, خاصة الأحزاب المعارضة, وهنا ما يقال على النظام البرلماني, يقال على شبه الرئاسي أو البرلماني العقلاني (البرلماني المتطور) الذي يستقي أسسه من النظام البرلماني, وأحكام أخرى ذات طبيعة خاصة تميّز النظام شبه الرئاسي.
ومن هنا فالثنائية التنفيذية حاضرة بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة, والواقع أن الحكومة في دستور 1989 لا تمارس إختصاصات تشبه إختصاصات الحكومة في النظام البرلماني, أو أنها مجرّد آداة لتنفيذ سياسة رئيس الجمهورية في النظام الرئاسي, بل هي بين النظامين (1).
السلطة التشريعية:
تتمتع هذه السلطة بمكانة هامة, وتتكون من مجلس واحد فقط طبقا لدستور 1989, وقد نصت المادة رقم: 92 منه على أنه يُختار أعضائه عن طريق الإقتراع العام, المباشر والسري, ويخضع النواب لقانون خاص بهم, والترشيح ليس محتكر لدى إتجاه سياسي معيّن بل حر, وهذا نتيجة لتقرير التعددية الحزبية.
وحسب نص المادة رقم: 86 من قانون الإنتخابات, يُشترط في المترشح للمجلس الشعبي الوطني أن يكون بالغا سن 30 سنة على الأقل يوم الإنتخابات, أن يكون ذا جنسية جزائرية, ويكون هذا بطريق الإقتراع النسبي على القائمة, مع أفضلية الأغلبية في دور واحد (2).
رقابة المجلس الشعبي الوطني:
1- اللائحة (لائحة اللوم), بمعنى إقتراح لائحة بشأن السياسة العامة للحكومة, وذلك حسب نص المادة رقم: 80 من دستور 1989 والمادة رقم: 93.


(1)- سعيد بوشعير, النظام السياسي الجزائري, ص311.
(2)- سعيد بوشعير ، نفس المرجع, ص 319 .
(3)- سعيد بوشعير ، نفس المرجع, ص 403 .

ملتمس الرقابة: وذلك بنص المادتين رقم: 127 و 128 من دستور 1989.
2- مسألة التصويت بالثقة: حسب نص المادة رقم: 80 من دستور 1989.
3- الإستجواب: حسب نص المادة رقم: 124 من دستور 1989.
4- الأسئلة: حسب نص المادة رقم: 125 من دستور 1989, وذلك سواء كانت الأسئلة كتابية أو شفوية(1).
مما سبق دراسته, نلاحظ أن دستور 23/02/1989 ليس تعديل لدستور 22/11/1976, لأنه عبارة عن وثيقة دستورية جديدة, وما يؤكد ذلك أنها جاءت مخالفة لنص المادة رقم: 195 من دستور 1976 التي تنص على:" لا يمكن لأي مشروع تعديل الدستور أن يمس:
1- بالصفة الجمهورية للحكم.
2- بدين الدولة.
3- بالإختيار الإشتراكي.
4- بالحريات الأساسية للإنسان والمواطن.
5- بمبدأ التصويت عن طريق الإقتراع العام المباشر والسري.
6- بسلامة التراب الوطني " (2).
في حين نجد أن دستور 1989 قد تخلى عن النظام الإشتراكي وإتجه إلى النظام الليبرالي, والفصل بين السلطات, ونحى منحى التعددية الحزبية, وقلّص من نفوذ جبهة التحرير الوطني كتنظيم سياسي (3).
كما نلاحظ التغيير كذلك في تنظيم السلطة التشريعية, حيث أخذت الجزائر بنظام المجلس الواحد للعديد من الأسباب: تفادي البطء في عملية التشريع في نظام المجلسين, بهدف البساطة.
وما يؤكد ذلك هو نص المادة رقم: 92 من دستور 1989 والتي تقول:" يمارس السلطة التشريعية مجلس واحد, يسمى المجلس الشعبي الوطني, وله السيادة في إعداد القانون والتصويت عليه" (4).
لكن حتى رئيس الجمهورية, حسب نص المادة رقم: 153 من نفس الدستور يشرع, حيث نصت المادة السالفة الذكر على :" على رئيس الجمهورية أن يشرع فيما بين دورات المجلس الشعبي, عن طريق إصدار أوامر تعرض على موافقة المجلس الشعبي الوطني في أول دورة مقبلة ", وهذا يعارض نص المادة رقم: 92 التي تنص على أن سلطة التشريع بكامل السيادة توكل للمجلس الشعبي الوطني وحده (5).
ففي ظل دستور 1989 أصبح رئيس المجلس الشعبي الوطني, الشخصية الثانية في الدولة, وأُسندت له العديد من المهام وهي على التوالي:
- أن يطلب عقد جلسات مغلقة للمجلس.
- حق إخطار المجلس الدستوري في مسألة دستورية القوانين والتنظيمات والمعاهدات.
- تولي رئاسة الدولة في حالة المانع والشغور (6).
- ينظم العلاقة بين البرلمان والهيئات الأخرى.
- هو عضو في المجلس الأعلى للأمن
إلى جانب إستشارته من قبل رئيس الحكومة, كما له حل المجلس الشعبي الوطني, فرئيس البرلمان في دستور 1989 يلعب دورا أصيلا في التشريع, وضمان التعددية, فهو يمثل المجلس الشعبي الوطني, وليس الحزب الذي يُرشحه, إذن فتسييره للمصالح الإدارية للمجلس تكون بواسطة القرارات الإدارية (7).

(1)- سعيد بوشعير, النظام السياسي الجزائري, ص403.
(2)- المادة رقم: 195 من دستور 1976 الصادر بالجريدة الرسمية رقم: 94 في: 24/11/1976.
(3)- فوزي أوصديق, الوافي في شرح القانون الدستوري, ص16.
(4)- فوزي أوصديق, نفس المرجع, ص21.
(5)- فوزي أوصديق, نفس المرجع, ص21.
(6)- فوزي أوصديق, نفس المرجع, ص74.
(7)- فوزي أوصديق, نفس المرجع, ص74.
إن الدور التشريعي للبرلمان قد تأرجح وتراجع, وذلك بإقحام السلطة التنفيذية نفسها في هذا الإختصاص الأصيل للبرلمان, حتى وإن كان هذا الإقحام دستوريا.
ومثال ذلك لجوء رئيس الجمهورية إلى الإستفتاء الذي يعتبر رهين السلطة التقديرية لرئيس الجمهورية, إذ يمكن إستعماله كأداة لفرض آرائه على المجلس الشعبي الوطني, والمادة رقم: 111/14 والمادة رقم: 74 من دستور 1989 نصتا على مبادرة رئيس الجمهورية الشخصية في اللجوء إلى الشعب
كما تنص المواد رقم: 150, 151, 152 من دستور 1989 على إختصاص الرقابة البرلمانية على إستعمال الإعتمادات الحكومية.
إن دستور 1989 جاء بالثنائية التنفيذية ظاهريا, فأصبحت الجزائر لها نظاما سياسيا برلمانيا, لكن الواقع أن رئيس الجمهورية في النظام الدستوري الجزائري, هو الشخصية المحورية, مما أدى بالدكتور " محيو " أن يصفه بالرئاسي المغلق (1).
والأحكام الواردة في دستور 1989, تُقّر مسؤولية الحكومة من خلال ملتمس الرقابة, وبمجرّد الموافقة عليه, تقدم الحكومة إستقالتها إلى رئيس الجمهورية, وتطرح ملتمس الرقابة أثناء مناقشة البيان السنوي للسياسة العامة, ويتم توقيعه بسبع (1/7) النواب على الأقل, والتصويت يكون بأغلبية 2/3 من النواب (2).
السلطة القضائية:
تنص المواد من المادة رقم: 129 إلى المادة رقم: 148 من دستور 1989 على السلطة القضائية كسلطة مستقلة عن السلطتين السالفتي الذكر (السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية) لأن جهاز القضاء حساس, لا يتطلب تعاون فيه مع سلطات أخرى كالسلطتين السابقتين , لكن واقعيا نجد أن السلطة القضائية ليست مستقلة مطلقا, والدليل على ذلك أن جهاز القضاء يعمل تحت إمرة وزير العدل الذي هو جزء من السلطة التنفيذية, بمعنى أنه دائما نجد أمامنا السلطة التنفيذية هي الموجه الأساسي للنظام.

* كما تضمن كذلك دستور 1989 في نص المادة 02 منه أن " الإسلام دين الدولة ", كون الشريعة الإسلامية المصدر الثاني للقانون, لكنها لا تطبق كليا بعدما كانت هي المصدر الأول في الدول الإسلامية طيلة مدة 14 قرنا وأكثر , لكنها تراجعت بعد أن هيمنت نزعة تقليد الحضارة الغربية في نفوس حكام المسلمين نتيجة الإستعمار(3).
وبقيت الشريعة الإسلامية مستعملة في مجال الأحوال الشخصية فقط, ورغم نص دستور 1989 على أنه لا يجوز للمؤسسات أن تقوم بإقتراف السلوك المخالف للخلق الإسلامي, وقيّم ثورة نوفمبر, إلا أن النظام الإسلامي غير مطبق, لأن نصوص المواد تحتوي على الوازع الديني الكافي و صيغة الإلزام والردع (4).
ولتكييف النظام السياسي الجزائري, لا بد من دراسة المواد رقم: 14, 15, و16 من دستور 1989, إذ تتمركز هذه المواد على فلسفة الدولة الجزائرية, وعلى رأي الدكتور " أوصديق فوزي" كان حري بالمشرع القول في المادة رقم: 14 " مبادئ التنظيم الشوري والعدالة والمساواة....." بدلا من قوله:" التنظيم الديمقراطي والعدالة الإجتماعية, لتجسيد الجزائر كدولة إسلامية (5).
فدستور 1989 بدأت تظهر فيه بوادر العولمة, في كنف التحول الذي حصل بمقتضاه, إذ كما نعلم أنه جاء نتيجة لضغوطات خارجية أكثر منها داخلية, والدليل على ذلك ما نراه اليوم كذلك, مثلا صدور الأمر رقم: 05/02 المتضمن قانون الأسرة والذي جاء بأشياء لا تمت للدين بصلة أبدا, بل جاء هذا لضغوطات العولمة من طرف المنظمة العالمية للتجارة.


(1)- فوزي أوصديق, الوافي في شرح القانون الدستوري, ص97.
(2)- فوزي أوصديق, نفس المرجع, ص149.
(3)- فوزي أوصديق, نفس المرجع, ص187.
(4)- فوزي أوصديق, نفس المرجع, ص188.
(5)- فوزي أوصديق, نفس المرجع, ص203.

المطلب الثالث: النظام السياسي الجزائري في ظل دستور 1996
في خضم كل الأوضاع التي تم التعرض لها سابقا, بقى دستور 1989 أعرجا, لذلك تم توقيف العمل به خلال الفترة الإنتقالية, وأصبحت أرضية الوفاق الوطني هي المتبعة لإخراج البلاد من الأزمة, إلى غاية سنة 1995 أين فاز اليمين زروال بالإنتخابات كمترشح حر لرئاسة الجمهورية, بعدها جاء تعديل الدستور سنة 1996, حيث أنه ظاهريا يتضح أنه أتى بالجديد, لكن بالرجوع للواقع العملي, نجد أن السلطة التنفيذية هي التي تمسك بزمام الأمور, ويتجلى ذلك من خلال ما يلي:
إحتكار الرئيس لمبدأ الرجوع للشعب:
النظام السياسي وما إنتهى إليه التطور الدستوري, نقل إلى الشعب بوصفه المالك الأصلي للسيادة, مباشرة سلطة السيادة وفق ما لها من سلطان, حيث يتضح هذا من نص المادة رقم: 77/8 من دستور 1996, إلا أنه قد يُسيء رئيس الجمهورية هذا الحق, هذا لأن الوجه الحقيقي لسيادة الشعب هي من الفكر الإغريقي, وجاء به القيلسوف " أرسطو " ثم أُحيت الفكرة من جديد (1).
كما تحدث دستور 1996 عن سيادة الشعب في المادة رقم: 07 رغم الإفتقار للرقابة الشعبية, ذلك لأن الشعب ليس في وسعه مساءلة رئيس الجمهورية ووضع مسؤولية مباشرة السلطة محل ثقة, وخوّلها لرئيس الجمهورية كنائب له.
والأصل أن الإستفتاء محدود, إذ لا يؤخذ به إلا في مشاريع القوانين وذلك في الدستور الفرنسي ( المادة 11 منه نصت على الإستفتاء): " يؤخذ على تنظيم السلطات العامة بسلك طريق إستحسان وتحبيذ إتفاق مجموعة أو طائفة فور التصديق على معاهدة تخالف الدستور, والتي تحدث تأثيرا على عمل الدساتير" (2).
فالمؤسس الدستوري لم تكن متوفرة لديه أية نيّة بخصوص معالجة مسألة النهوض بسلطة السيادة من قبل صاحبها الأصلي, وفق ما يقضي به مبدأ سيادة الشعب, ذلك أنه أرسى بعض مظاهر الديمقراطية شبه المباشرة, إذ لرئيس الجمهورية أن يوسع من نطاق المادة رقم: 77/08 من دستور 1996 بمحض إرادته, لما له من سلطات تقديرية خاصة إذا كان النص عاما كهذا (3).
وبإستقراء نصوص الدستور, نجد أن تطوره الأخير أرسى نظام تعددي وفق أسس ديمقراطية التمثيل, لكن المؤسس الدستوري الجزائري مزج بين أكثر من أسلوب وأخلط بين نظام التمثيل وديمقراطية التمثيل, فتولي السلطة لا يقوم على التمثيل الديمقراطي لأن الدستور إستعمل أسلوب: إنتخاب رئيس الجمهورية ونواب المجلس الشعبي الوطني كأسلوب يعد دقة في التمثيل.
وفي نفس الوقت أسس مجلس الأمة, بالمزج بين الإنتخاب غير المباشر والتعيين, فتولي السلطة هو بموافقة الشعب, لأنه يكون عن طريق الإقتراع العام والمباشر, ومع ربطه بتواجد الحريات السياسية, نجد أن هذا ضرورة حتى يقوم النظام على مبدأ التمثيل الديمقراطي حتى يسود الإستقرار, لذلك إعتمدت النصوص القانونية على طابع ديمقراطية الرئاسيات (4).
ففي أمريكا الحزبان الموجودان هما اللذان ينتقيا المرشح لرئاسة الجمهورية, وعليه يكون هناك متنافسان على ضوء الحزبان, عكس ما هو موجود في وحدوية الحزب الذي يعرض مترشح واحد على التزكية الشعبية, أما النظام المصري فطابعه رئاسي متشدد ومخالف للنظام الأمريكي, فإختيار الرئيس في مصر كان متروكا للحزب الإشتراكي العربي ( دستور الثورة لسنة 1956) ودستور 1964 خوّل هذا الأمر للحزب أو لمجلس الشعب ومع التطور الحاصل في سنة 1971, أصبح الإنتقاء من طرف مجلس الشعب وحده.


(1)- عبد الله بوقفة, القانون الدستوري وآليات تنظيم السلطة في النظام السياسي الجزائري, دار هومة للنشر, طبعة 2003, ص 38.
(2)- HUGUES PORTELLI , Droit Constitutionnel, DALLOZ, 3eme éd. 1993, p 143
(3)- عبد الله بوقفة, نفس المرجع, ص 45.
(4)- عبد الله بوقفة, أساليب ممارسة السلطة في النظام السياسي الجزائري (دراسة مقارنة), دار هومة للنشر والطباعة, طبعة 2002, ص 96.

كما نصت المادة رقم: 76 من الدستور المصري الحالي على أن :" مجلس الشعب يرشح رئيس الجمهورية ويعرض الترشيح على المواطنين لإستفتائهم فيه, ويتم الترشيح في مجلس الشعب لمنصب رئيس الجمهورية بناء على إقتراح ثلث أعضائه على الأقل " (1).

إن رئيس الجمهورية ظل أهم هيئة في النظام السياسي الجزائري, وهو الذي يوجه المؤسسات في الدولة والنظام السياسي الجزائري المعتمد قبل دستور 1989, هو نظام رئاسي متشدد كمصر, ومن ثم خُوّلت له سلطة حل المجلس الشعبي الوطني في أي وقت, وللخروج من الأزمة ومراعاة لطموحات الشعب, أفضى دستور 1996 إلى الخلط بين النظام البرلماني والنظام الرئاسي, وقرّر المسؤولية السياسية (2).

دون المساس بمبدأ عدم مسؤولية رئيس الجمهورية, كما نظم هذا التطور العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية, وألزم المجلس الشعبي الوطني أن لا يرفض مرتين برنامج الحكومة وإلا في المرة الثانية يحل المجلس وجوبا, وهذا يُفضي إلى إزدواجية الحل, من طرف رئيس الجمهورية سواء كان بقوة القانون كما في الحالة المذكورة سابقا, أو بمقتضى قرار رئاسي, وهذا ما يدعم مكانة السلطة التنفيذية أمام البرلمان, فالحل هو عبارة عن سلطة خاصة لرئيس الجمهورية, واقعيا ونظريا هو تصرف متزن أتى به الدستور (3).

فعندما نرى الوضعية التي عندما لا يأخذ المجلس الشعبي لوطني بطريقة العمل التي أشرف عليها مجلس الوزراء بقيادة رئيس الجمهورية, هذا يعني بطريقة غير مباشرة مسؤولية رئيس الجمهورية من خلال تحريك مسؤولية الحكومة, لذا المؤسس الدستوري أتى بهذه التجديدات حتى لا يسير المجلس الشعبي الوطني – على ضوء العلاقة العضوية بينه وبين الحكومة – على تحريك الإتهام الحكومي, حتى لا تُثار مسألة حله (4).

وعلى ذلك فالإمتثال أمام البرلمان يختلف من غرفة إلى أخرى, فمسألة الطرح الملزم تكون في موضوعين: برنامج الحكومة وبيان السياسة العامة, وفي حالة طلب الحكومة بالتصويت بالثقة, فيتكفل المجلس الشعبي الوطني وحده بتقييم ذلك وفق المادة رقم: 80 من دستور 1996.
وهذا ما يدعو إلى التساؤل حول وجود مجلس الأمة ككيان له دور فعال في النظام السياسي الجزائري؟ فالثقة إذن تمنح من الغرفة الأولى (المجلس الشعبي الوطني), فإذا وافق تمنح الثقة, وتستمر الحكومة في العمل, وإذا رفض تحجب الثقة عن الحكومة وتستقيل, فهذا أبعد تماما مسألة التصويت بالأغلبية على البيان العام, ولجأ الدستور إلى ما يعادل التصويت, وهو إمكانية وضع مسؤولية الحكومة محل ثقة, والقصد بذلك اللجوء إلى لائحة ملتمس الرقابة (5).

أما عن الطرح الإختياري, فلقد إنفرد المؤسس الدستوري الجزائري بإستحداث اللوائح غير الفاعلة (معدومة الأثر), وتعني عدم رضاء أحد المجلسين على الحكومة, لكن دون جزاء و (المادة رقم: 84 من دستور 1996) تقول:"..... يمكن أن تختتم هذه المناقشة بلائحة.....إيداع ملتمس رقابة يقوم به المجلس الشعبي الوطني........" كما نصت المادة رقم: 8/4 على:" ....يمكن لمجلس الأمة أن يصدر لائحة.".
فكلا المجلسين يقومان بإصدار اللائحة دون أثر, لكن ينفرد المجلس الشعبي الوطني بملتمس الرقابة, وفي ما يلي رسم توضيحي لمقارنة الغرفة الأولى بالثانية:



(1)- عبد الله بوقفة, القانون الدستوري وآليات ممارسة السلطة في النظام السياسي الجزائري (دراسة مقارنة), ص99.
(2)- عبد الله بوقفة, نفس المرجع, ص 165.
(3)- عبد الله بوقفة, نفس المرجع, ص 166.
(4)- عبد الله بوقفة, نفس المرجع, ص 166.
(5)- عبد الله بوقفة, أساليب ممارسة السلطة في النظام السياسي الجزائري, ص 189.


نظام الغرفة الثانية المقارنة بين نظام الغرفة الأولى
فيما يتعلق بالبيان العام:
- يشترط لقبول إقتراح اللائحة, أن تكون موقعة من قبل عشرين نائبا, ومودعة من طرف مندوب أصحابها لدى مكتب المجلس (المادة رقم: 112).
- تقدم إقتراحات اللوائح المتعلقة ببيان السياسة العامة في أجل ثمانية وأربعين ساعة الموالية لإختتام المناقشة حول البيان (المادة رقم: 111).
- لا يمكن النائب أن يوقع على أكثر من إقتراح في نفس الموضوع (المادة رقم: 113).
- في الحالة التي تتعدد فيها إقتراحات اللوائح, تعرض للتصويت حسب تاريخ إيداعها (المادة رقم: 114).
- مصادقة المجلس بأغلبية أعضائه على إحداهما تبطل الإقتراحات الأخرى (المادة رقم: 114).
فيما يتعلق بالبرنامج:
- يشترط لقبول إقتراح اللائحة, أن تكون موقع من قبل خمسة عشر عضوا, ويجب أن يودع من مندوب أصحابها لدى مكتب مجلس الأمة بعد ثمان وأربعين ساعة من تقديم العرض (المادة رقم: 75/1).
- في حالة تعدد إقتراح اللوائح, تعرض للتصويت بحسب تاريخ إيداعها (المادة رقم: 75/3).
- مصادقة مجلس الأمة بأغلبية أعضائه على إحدى اللوائح تبطل إقتراحات اللوائح الأخرى (المادة رقم: 75/4).
(1)
أما اللائحة الفاعلة: هي ملتمس الرقابة, وتكون في حالة حجب الثقة عن الحكومة, ومن هنالك ربط بين إقامة المسؤولية السياسية والسلطة, وفق " مبدأ حيث توجد السلطة تقام المسؤولية " فتقام ملتمس الرقابة وفق شروط وبتوفر النصاب القانوني, وتحديد نسبة مئوية وهي 2/3 من أغلبية النواب وذلك حسب نص المادة رقم: 136 من دستور 1996 وفي ما يلي جدول لتوضيح ذلك:

النسبة % العدد النص القانوني المجلس
(1/4) = 50 196 ويكون ذلك بإيداع لائحة سحب الثقة موقع عليها خمسون نائبا متواجدون في ذات الجلسة (المادة رقم: 132/1 من النظام الداخلي) التأسيسي
(1/3) = 46 138 يتعين توقيعها من طرف ثلث النواب اللذين يتكون منهم المجلس (المادة رقم: 55/2 من الدستور). الوطني
(1/7) = 42
الفترة الثالثة
(1/7) = 55
المجلس الأول
الفترة الرابعة 296





380 ولا يقبل هذا الملتمس إلا إذا وقّعه (1/7) عدد النواب على الأقل (المادة رقم: 126/1 من دستور 1989) وهو ذات النص الذي جاء في صلب (المادة رقم: 135/1 من دستور 1996). الشعبي
(2)

(1)- عبد الله بوقفة, القانون الدستوري وآليات تنظيم السلطة في النظام السياسي الجزائري, ص196.
(2)- عبد الله بوقفة, نفس المرجع, ص207.


ويقودنا ملتمس الرقابة إلى نتيجتين: إما الموافقة عليها أو رفضها, خاصة وأن الحكومة تحوز على الأغلبية البرلمانية من خلال التحالف الحزبي في البرلمان, وهذا ما يساندها ويسلب البرلمان من إختصاصه الرقابي, خاصة إذا كان دون أحزاب معارضة (1).
ونخلص إلى أن هذه الوسيلة رغم أنها فاعلة, إلا أنها صعبة التحقيق من طرف النواب, خوفا من الحل المزدوج إما الرئاسي أو التلقائي, وفي الأنظمة المقارنة يختلف الحل عنه في الجزائر وفي ما يلي الفرق بين إجراء الحل في الجزائر وفرنسا كمثال:


































(2)
(1)- عبد الله بوقفة, القانون الدستوري وآليات تنظيم السلطة في النظام السياسي الجزائري, ص219.
(2)- عبد الله بوقفة, نفس المرجع, ص335.






























(1)
وفي إطار المسؤولية السياسية, عمليا رئيس الجمهورية كذلك مسؤول, إذ له أن يقيل الحكومة دون تدخل البرلمان, لأنه حسب نص المادة رقم: 77/05 من دستور 1996 هو الذي يعينه وينهي مهامه, ويكون هذا خاصة في النظام شبه الرئاسي – الذي تطورت الجزائر نحوه - خاصة إذا وجد تصادم بين الرئيس ورئيس الحكومة.
وما يؤكد مساندة المؤسس الدستوري لرئيس الجمهورية, هو أنه عمل على عدم إظهار ما للرئيس من دور في وضع السياسة العامة وفق المادة رقم: 79/02 من دستور 1996, التي تنص على:" يضبط رئيس الحكومة برنامج الحكومة, ويعرضه في مجلس الوزراء".أي أنه مسؤول مع الحكومة, رغم أنه عمليا ليس كذلك, وكذا نص المادة رقم: 77/04 التي تقول:" .....يرأس مجلس الوزراء....", إذ لرئيس الجمهورية دور قيادي, فهو من يتولى تحديد ما للحكومة من سياسة تتماشى مع الظروف المعيشية (2).


(1)- عبد الله بوقفة, القانون الدستوري وآليات تنظيم السلطة في النظام السياسي الجزائري, ص336.
(2)- عبد الله بوقفة, نفس المرجع, ص289.




فمسؤوليتهما مشتركة, وهذا ما يؤكد سيطرة رئيس الجمهورية على الحياة السياسية, ويؤكد كذلك أن النظام السياسي الجزائري هو نظام رئاسي, رغم أنه يختلف مع النظام الأمريكي, أين يكون النظام السياسي كذلك يتجسد في شخص الرئيس, ففي النظام الأحادي والثنائية الحزبية, يقوم نظام الحكم على شخص رئيس الجمهورية كمحور للنظام الذي يجسد وحداوية الحزب والدولة, ويستند من جهة أخرى على شخص رئيس الوزراء, بصفته زعيما للحزب الفائز, وبالتالي يترأس زعيم الحزب السلطة التنفيذية وتقوى شوكته, وهذا ما
يمنحه مرتبة الملك, الذي يسود ويحكم دون أن يبالي بالأغلبية البرلمانية التي تساند الحكومة, لأن الأغلبية متوفرة تلقائيا (1).
فالنظام السياسي الجزائري السابق إعتمد على النظام الرئاسي المتشدد, لما يرتكز عليه من وحدة السلطة المغلقة, وكان هذا لصالح السلطة التنفيذية وليس لصالح الشعب, لأنه توجد آلية حل البرلمان كحق مطلق لرئيس الجمهورية , والبرلمان كما نعلم هو ممثل الشعب (2).
لكن البعض يقول أنه بين مد وجزر بين مظاهر النظام البرلماني ومظاهر النظام الرئاسي, إلا أن الواقع العملي اليومي يبرز أولوية رئيس الجمهورية على باقي السلطات الأخرى, خاصة السلطة التشريعية (3).
مما يجعل النظام السياسي الجزائري غامض المعالم, إذ تتجلى مظاهر هذا النظام في:
- رئيس الجمهورية منتخب عن طريق الإقتراع العام والمباشر والسري.
- له حق المبادرة بالتعديل الدستوري.
- له حق إستشارة الشعب في كل قضية ذات أهمية وطنية (الإستفتاء), رغم أن هذه السلطة كما رأينا تقديرية , يمارسها كما يشاء لوحده, وهذا إضعاف لمكانة البرلمان بطريقة غير مباشرة, وأدل مثال على ذلك قانون الوئام المدني (4).
- حقه في توجيه خطاب للأمة.
- حق إخطار المجلس الدستوري.
- حقه في ممارسة السلطة في المسائل غير المخصصة للقانون ( المادة رقم: 125 من دستور 1996).
- وله أيضا مخاطبة البرلمان (المادة رقم: 128 من دستور 1996), إضافة إلى الصلاحيات التقليدية المعروفة, فهذا الإتجاه هو تشخيص للنظام السياسي في شخص واحد وهو رئيس الجمهورية, فهو إذن نظام رئاسوي أكثر منه أي نظام آخر (5).
لأنه مهيمن على السلطة التنفيذية, رغم إزدواجيتها, دون مسؤولية سياسية تذكر, إلا في حالة الخيانة العظمى (مسؤولية جزائية) ! (6).
السلطة الإستثنائية لرئيس الجمهورية:
وفق نص المادة رقم: 93 من دستور 1996, المعيار المعتمد الذي يمكن لرئيس الجمهورية أن يستند عليه, هو وجود خطر يهدد بشلل المؤسسات الدستورية, لكن هذه الصلاحية مقيّدة بمجموعة من الضوابط في الأصل, كإستشارة المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة, والإستماع إلى المجلس الأعلى للأمن, لكن الإستشارة ملزمة من ناحية الإستشارة كإجراء وليست ملزمة بالأخذ بها, فهي تفيد الإعلام, فرئيس الجمهورية غير مقيّد بفحوى النتائج ومضمون الإستشارة (7).
أما من ناحية الآثار, فله كافة الصلاحيات لإتخاذ أي إجراء يراه للحفاظ على مصلحة الأمة, وهذا يعتبر إجراء من أعمال السيادة, لا يخضع للرقابة.

(1)- عبد الله بوقفة, القانون الدستوري وآليات تنظيم السلطة في النظام السياسي الجزائري, ص80.
(2)- عبد الله بوقفة, نفس المرجع, ص 81.
(3)- مولود ديدان, مرجع سبق ذكره, ص 437.
(4)- مولود ديدان, نفس المرجع, ص437.
(5)- مولود ديدان, نفس المرجع, ص438.
(6)- مولود ديدان, نفس المرجع, ص438.
(7)- فوزي أوصديق, النظام الدستوري الجزائري ووسائل التعبير المؤسساتي......ص 74.

الإختصاص المقيّد للبرلمان:

للسلطة التنفيذية تدخل ملموس في إعداد نظامي المجلسين, وهذا الإقحام لم يفرضه الدستور وإنما هو ما جرت العادة عليه, وأحيانا يخولها القانون التدخل في دائرة إختصاص البرلمان.
إن الواقع يبين لنا العادات غير الدستورية لإقحام السلطة التنفيذية نفسها, فهي تمنح لنفسها الحجة ومن ثم تتصرف, فهي تتدخل حتى في إعداد النظامين الداخليين للمجلسين, فهي إذن شريكة للبرلمان في الإختصاص الأصيل له (1).

وهذا الإقحام لعدة إعتبارات سياسية.
تنص المادة رقم: 195/03 من دستور 1996 على أن المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة, يعدان نظامهما الداخلي ويصادقان عليهما, لكن بإستقراء واقعنا العملي والسياسي, نجد أن البرلمان يحتفظ بهذا الإختصاص نظريا فقط, لكن تطبيقيا بالرجوع إلى النظام الداخلي للمجلس الشعبي الوطني, الصادر بتاريخ: 13 أوت 1997 في الجريدة الرسمية رقم: 53, وكذا النظام الداخلي لمجلس الأمة الصادر بالجريدة الرسمية رقم: 08 في 18/02/1998, نجد أن السلطة التنفيذية على ضوء المعهود لها من الإختصاص في مجال اللوائح التنظيمية فهي التي تحدد الطرق التنظيمية لأي من المجلسين (2).

إذن فالمادة رقم: 117 من دستور 1996 تنص على أنه إختصاص أصيل للبرلمان, وفي نفس الوقت فهي مأخوذة من نظام برلماني, مبني على الإعتدال الذي كرسه دستور 1996, كما يتجسد هذا في قراءتنا لمداولات المجلس الشعبي الوطني من المادة رقم: 04 إلى المادة رقم:08 في: 13 و 27/10/1997, وهذا مايبين أن الحكومة تشترك مع الغرفتين في وضع ما لهما من قانون داخلي (3).

وهذا الإقحام صار ظاهرة سائدة, فرضها الواقع العملي وليست عادة دستورية, كما نصت عليها مداولات المجلس الشعبي الوطني بأن نظامه القانوني لا يضعه بمفرده وكأن البرلمان قد فرض عليه عمليا إقحام الحكومة نفسها في إختصاصه, وهذا ما يؤكد تراجع دور البرلمان في النظام السياسي والدستوري الجزائري والحجة في هذا, هو أن الحكومة لها سابق معرفة بالمسائل الدقيقة والبرلمان يحتاج لها, إضافة إلى أن جهازها التنفيذي دائم على عكس البرلمان, تشكيله في تجديد مستمر (4).
وهذا ما يثبت أيضا أن دورها بالنسبة للبرلمان ليس إستشاري فقط, ويتأتى ذلك من خلال اللقاءات التي تتم في نطاق إنعقاد الدورات البرلمانية.

وهذا التوجيه للبرلمان كان في ظل الأحادية الحزبية وكذا في دستور 1996 في التعددية الحزبية, وهذا لحصول الحكومة على الأغلبية في البرلمان من خلال التحالف, مما يؤكد أنه لا يوجد فصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية, ونتيجة لهذا التلاحم يتم أوتوماتيكيا توجيه الحكومة للبرلمان (5).
أما عن ما منحه القانون لها, فيتمثل في نص اللائحتين النظاميتين للمجلس الشعبي الوطني , بأن الحكومة تشارك البرلمان في رسم جدول أعمال أي من المجلسين, إضافة إلى نص الدستور على سلطة الهيئة التنفيذية في دعوة البرلمان للإنعقاد في دورة غير عادية وذلك حسب نص المادة رقم: 118/02 من دستور 1996, ويتجلى ذلك في الشكل أسفله.

(1)- عبد الله بوقفة, أساليب ممارسة السلطة في النظام السياسي الجزائري, ص37.
(2)- عبد الله بوقفة, نفس المرجع, ص39.
(3)- عبد الله بوقفة, نفس المرجع, ص40.
(4)- عبد الله بوقفة, نفس المرجع, ص41.
(5)- عبد الله بوقفة, نفس المرجع, ص47.

بخصوص النواب. بخصوص الحكومة بخصوص المكتب النظام الداخلي
وينشر جدول الأعمال الذي أعد من قبل الندوة وتخطر به الحكومة والنواب (المادة رقم:55). يحيط رئيس مجلس الحكومة علما باليوم والساعة التي سيجري فيه إجتماع ندوة الرؤساء, يمكن للحكومة أن تنتدب أحد أعضائها لحضور الإجتماع (المادة رقم: 54). يجتمع رئيس المجلس بنوابه ورؤساء اللجان الدائمة كل أسبوع, بإستثناء رئيسا الجنة البرلمانية لإعداد و وضع جدول أعمال المجلس الوطني (المادة رقم: 53) للمجلس التأسيسي والمجلس الوطني
يعلن جدول الأعمال فورا, بعد تحديده ويبلغ للنواب والحكومة قبل بداية كل دورة بخمسة عشر يوما على الأقل (المادة رقم: 100) وبإتفاق مع الحكومة وحسب الأولويات التي تبديها هذه (المادة رقم: 99). يحدد مكتب المجلس الشعبي الوطني جدول أعمال كل دورة, وبالتشاور مع رؤساء اللجان للمجلس الشعبي الوطني
(1)
مكانة مجلس الأمة:
نظريا له نفس إختصاصات المجلس الأول, وهنا يطرح إشكال مدى التمييز بين المجلسين؟
لقد نص القانون العضوي رقم: 99/02 المتعلق بالنظام الداخلي للمجلسين على إظهار دور مجلس الأمة في المواد: 16, 17, 18, 19, ومما لا شك فيه, فإن الحكومة هي التي تبادر بالتشريع غالبا, فحين يجتمع مكتب أي من المجلسين بممثل الحكومة, تضبط المسائل وترتب المواضيع وفق الأولوية التي تراها الحكومة(2).
وعلى مكتبي الغرفتين والحكومة مراعاة العامل الزمني, وهذا حتى لا يلجأ البرلمان إلى دورة إستثنائية, حتى لا يُفقده الإستعجال الدقة والنجاعة, وهذا خشية عدم الإلمام بالموضوع محل الدراسة, مما يسمح للحكومة بتمرير ما لها من مشاريع تعديل طفيفة, والسبب هو الظرف الزمني القصير الذي لا يسمح بتسليط الضوء على هذه المسائل بطريقة وافية الدراسة, لهذا تصدر القوانين مشوبة بالغموض, وهنا يتجلى الفرق بين الهيئتين ( مجلس الأمة والمجلس الشعبي الوطني) (3).
رغم أن النقاد وشُراح الفقه الدستوري يقولون أن مجلس الأمة شكلي فقط ولا دور له.
إن التطور القانوني بنص المادة رقم: 116 من القانون العضوي السالف الذكر, فصل في العلاقة بين المجلسين, كما فصل الدستور الفرنسي في مادته رقم: 48, حيث ترتب الحكومة الأوضاع حسب الأولوية التي تراها ما دام جدول الأعمال بيدها, فتطبيقيا إعداد هذا الجدول يعود أصلا إلى هيئة الرؤساء, لكن من جهة أخرى يطلب القانون الداخلي مبدأ التشاور مع الحكومة, كأنها كباقي البرلمانيين, وهنا يتجلى مبدأ التعاون بين الهيئتين التشريعية والتنفيذية, في حدود ممارسة أية سلطة ما لها من إختصاص (4).
وحاليا تفطن المشرع لذلك وأراد إسترجاع الإختصاص, ويتضح ذلك من خلال تمهيده بأحكام النظامين أمام مكتبي المجلسين, (مجلس الأمة والمجلس الشعبي الوطني), رغم أن الواقع العملي أثبت أن مشورة الحكومة هي الأرجح, وإلا إنشلّ العمل التشريعي, وهذا ما يدفعنا إلى القول أن النظام السياسي الجزائري هو نظام رئاسي , رغم أن ظاهره برلماسي!.


(1)- عبد الله بوقفة, أساليب ممارسة السلطة في النظام السياسي الجزائري, ص50.
(2)- عبد الله بوقفة, نفس المرجع, ص56.
(3)- عبد الله بوقفة, نفس المرجع, ص56. 57.
(4)- عبد الله بوقفة, نفس المرجع, ص60.

بالرجوع للنظام القانوني, هناك ما يدل على أن للهيئة التنفيذية دور معتبر في مشاركتها للبرلمان في العمل التشريعي, ويتجلى ذلك من خلال التدخل في الإختصاص التشريعي, وهذا ما يؤثر على إستقلالية البرلمان كسلطة, ونستدل في ذلك بنموذج مقارنة بين النظامين الجزائري والفرنسي, من خلال إجتماع البرلمان.


































(1)


(1)- عبد الله بوقفة, أساليب ممارسة السلطة في النظام السياسي الجزائري, ص100.






































(1)




(1)- عبد الله بوقفة, أساليب ممارسة السلطة في النظام السياسي الجزائري, ص101.


وإذا تحدثنا عن عدم إستقلالية البرلمان في سلطة التشريع, فإن ذلك يتضح خاصة من خلال سلطة رئيس الجمهورية في التشريع بأوامر, وهو ما أفضى إليه التطور الدستوري بدستور 1996 إلى العودة إلى الأخذ ثانية بالتشريع بالأوامر الرئاسية, فدستور 1963 كان يفرض على رئيس الجمهورية طلب تفويض من المجلس الشعبي الوطني, لكن دستور 1996 إستقر على تأصيل مبدأ التشريع بأوامر دون تفويض, مما يعطيه حرية التشريع خاصة بعد حل البرلمان, مما يجعل مجلس الأمة لا أساس له من الجانبين النظري والعملي, وحسب نص المادة رقم: 124 من دستور 1996, فيعتبر أثناء حل الغرفة الأولى, التشريع بأوامر ذو صبغة قانونية (1).
أما المادة رقم: 169 من نفس الدستور, تُخضع القوانين الصادرة عن البرلمان إلى الرقابة الدستورية, في حين لم تذكر الأوامر بوصفها تشريع (المادة رقم: 64 من دستور 1963).

بالمقارنة مع النظام المصري, نرى أنه تطابق مع النظام الجزائري, بحيث نصت المادة رقم: 09 من دستور 1953 المصري على :" يولي لمجلس الوزراء سلطة التشريع", فالإختصاص التشريعي للبرلمان الجزائري جاء في نص المادتين رقم: 122 و 123 من دستور 1996 , بينما يتدخل سلطات رئيس الجمهورية في سلطات التشريع, وذلك بتعديله القانون عن طريق التنظيم, وذلك حسب نص المادة رقم: 125 من دستور 1996 والتشريع بأوامر حسب نص المادة رقم: 124 من نفس الدستور, أما نص المادة رقم: 123 السالفة الذكر فتتحدث كذلك على أنه من ضمن التنظيم, تنظيم السلطات العمومية, وعملها يكون بتشريع عضوي, أي أنها جاءت في ميادين حصرية وما دون ذلك توكل للتنظيم بنص المادة رقم: 125 السابقة, وقد أخذ الدستور الفرنسي في هذا بمادته رقم: 34 ونحى نفس منحى الدستور الجزائري, وكذلك الدستور المصري في مادته رقم: 47(2).
وهذا ما يجعلنا نتحدث عن عملية إزدواج المبادرة بالتشريع, فالبرلمان يبادر بإقتراح قانون, كما للحكومة كذلك المبادرة بمشاريع قوانين, فالبرلمان إذن لا ينفرد بهذا الإختصاص وهذا ما يحقق التقدم في الإنتاج التشريعي (3).

- لكن بالمقابل يعتبر هذا إبراز لنفوذ الحكومة - , وقد نصت المادة رقم: 119 من دستور 1996 على أنه : " لكل من رئيس الحكومة والنواب حق المبادرة بالقوانين".
وتكون إقتراحات القوانين قابلة للمناقشة, إذا قدّمها (20) نائبا, كما تعرض مشاريع القوانين على مجلس الوزراء, بعد أخذ رأي مجلس الدولة, ثم يودعها رئيس الحكومة مكتب المجلس الشعبي الوطني" (4).

فالوضع القانوني إذن فتح الباب على مصراعيه للسلطة التنفيذية للإنفراد إلى أبعد حد بالمبادرة بالتشريع, إضافة إلى أن الإقتراح بالنسبة للبرلمان موكل للنواب فقط في المجلس الشعبي الوطني دون أعضاء مجلس الأمة, وهنا ميّز الدستور بين الغرفتين (5).

وقد نصت على هذا المادة رقم: 80 من نظام مجلس الأمة.
كما نصت المادة رقم: 120 من دستور 1996 على مناقشة الغرفتين لإقتراحات القوانين.
وفي ما يلي رسم نموذجي للمبادرة التشريعية في النظام الجزائري والفرنسي.


(1)- عبد الله بوقفة, أساليب ممارسة السلطة في النظام السياسي الجزائري, ص256.
(2)- عبد الله بوقفة, نفس المرجع, ص 115.
(3)- عبد الله بوقفة, نفس المرجع, ص 131.
(4)- المادة رقم: 119 من دستور سنة 1996, الصادر في الجريدة الرسمية رقم: 61, في: 16/10/1996.
(5)- عبد الله بوقفة, نفس المرجع, ص 187.










































(1)
(1)- عبد الله بوقفة, أساليب ممارسة السلطة في النظام السياسي الجزائري, ص201.







































(1)

(1)- عبد الله بوقفة, أساليب ممارسة السلطة في النظام السياسي الجزائري, ص202.

















(1)
























(2)
(1)- عبد الله بوقفة, أساليب ممارسة السلطة في النظام السياسي الجزائري, ص428.
(2)- عبد الله بوقفة, نفس المرجع, ص 428.

أما بخصوص قانون المالية , فإذا إختلفت الغرفتين, عالج الدستور هذا الإختلاف, وهذا بأن يتخل رئيس الجمهورية ويصدر قانون المالية بموجب أمر رئاسي, إذ ليس للحكومة سحب المشروع المالي وقد نصت على هذا المادة رقم: 120/08 من دستور 1996.
أما بشأن القوانين العضوية, فهي مكملة للنصوص الدستورية وهي على سبيل الحصر, نبينها في النموذج الآتي كدراسة مقارنة بين النظامين الجزائري والفرنسي.

فيما يخص الدستور الفرنسي فيما يخص الدستور الجزائري
- pour l’élection du président de la République (Art 06).
- Pour la nomination des emploies aux quels il est pourvu en conseil des ministres (Art 13).
- Pour les incompatibilité des fonctions gouvernementales (Art 23).
- Pour les conditions des fonctions assemblées (Art 25).
- Pour la délégation de vote des parlementaires (Art 27).
- Pour préciser le domaine de la loi (Art 34).
- Pour le vote des lois des finances (Art 47).
- Pour le conseil constitutionnel (Art 57 et 63).
- Pour le statut des magistrats (Art 64).
- Pour le conseil supérieur de la magistrature (Art 65).
- Pour la haute cour de la justice et Cour de justice de la république (Art 67).
- Pour le comité économique et social (Art 71).
- Pour l’organisation de la communauté (Art 82 à 84. فيما يتعلق بالبرنامج:
- تنظيم حالة الطوارئ والحصار (المادة رقم: 92).
- قانون الإنتخاب (المادة رقم: 103).
- إستخلاف البرلماني (المادة رقم: 112).
- نظام الغرفتين (المادة رقم: 115).
- تنظيم السلطات العمومية, وعملها.
- القانون المتعلق بالأحزاب السياسية.
- القانون المتعلق بالإعلام.
- القانون الأساسي للقضاء والتنظيم القضائي.
- القانون المتعلق بقوانين المالية.
- القانون المتعلق بالأمن الوطني (المادة رقم: 123).
- المحكمة العليا ومجلس الدولة ومحكمة التنازع (المادة رقم: 153).
- المجلس الأعلى للقضاء (المادة رقم: 157).
- المحكمة العليا للدولة (المادة رقم: 158).

(1)


كما ينفرد رئيس الجمهورية بالتشريع تحت ستار مواجهة المشاكل المستجدة, التي يمكن أن تحدث ما بين دورتي البرلمان, وهذا غير مبرّر, لأن المجلس الشعبي الوطني منحل, وعليه يستطيع الإجتماع في دورة غير عادية (2).


(1)- عبد الله بوقفة, أساليب ممارسة السلطة في النظام السياسي الجزائري, ص193.
(2)- عبد الله بوقفة, نفس المرجع, ص 247.



بعد كل ما تطرقنا له في دراستنا المتواضعة هذه, نضن أنه ليس من المعقول التحدث عن محاولة إنقاض التوازن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية, لأن المؤسس الدستوري دعم هذا التأرجح بينهما, وهذا ما أفضى له التطور للنظام السياسي الجزائري, وهذا التأرجح أدى إلى ثقل كفة السلطة التنفيذية, رغم ما وجد من رقابة البرلمان للتأثير على الحكومة.
لكن هذه الرقابة لها دور سلبي كما لها دور إيجابي, يتمثل هذا الأخير في إقامة علاقة بين السلطتين عن طريق الإستفهام, أما عن طابعها السلبي فيتمثل في أنها لا تؤثر على الحكومة أثر فعلي (1).
إن السؤال وسيلة لتسوية التوترات بين الهيئتين, وأخذ بهذا الدستور البريطاني وكذا الفرنسي, وتأسيسا على ذلك فالدستور الجزائري مكّن البرلماني من هذه الوسيلة في أي من المجلسين, بطرح ما يرى من أسئلة كتابية, والرد من طرف الوزير المختص يكون كذلك كتابيا, وقد قضت بذلك المادة رقم: 138 من النظام الداخلي للمجلس الشعبي الوطني بقولها:" السؤال يكون مكتوبا, ويجب أن لا يتناول أي أمر شخصي" (2).
أما عن السؤال الشفهي فهو وليد التطور البرلماني في إنجلترا, فتبنّته الدساتير المختلفة, في دستور 1963 الجزائري, وتخلى عند دستور 1976, إلا أن دستور 1996 أعاد مكانة السؤال الشفهي بحكم المادة رقم: 134 منه, والتي نصت على إجراءات السؤال الشفهي والموجودة بنص المادة رقم: 99/03 من النظام الداخلي الخاص بالمجلس الشعبي الوطني (3).
فلا أحد إذن يُنكر دور السؤال الكتابي في تحوله إلى إجراء عملي, لكنه يختلف من نظام إلى آخر, وفي الجزائر المعدل السنوي له يتجاوز 20 سؤالا, أما فرنسا فيضاهي 12000 سؤال, إذن فيجب الوقوف عند النسبة المئوية لرد الحكومة على الأسئلة, وإلا أصبح السؤال لا جدوى منه.
ففي فرنسا ردود الحكومة بلغت 8839 ردا على عدد الأسئلة المذكورة سلفا (4).
أي أن الحكومة على الأقل تجيب على سؤالين من 03 أسئلة, وعندنا في الجزائر في سنة 1993, تقدمت الحكومة بالإجابة على 25728 سؤال كتابي على أسئلة الأعوام الماضية, وفي ما يتعلق بالإجابة المتأخرة وعدم إجابة الحكومة في الوقت,لا بد من الإطلاع على بيان: 21/07/1972 لرئيس لجنة المجلس الشعبي الوطني الفرنسي الذي يبين أن نسبة 11% فقط من الأسئلة الكتابية يتم الإجابة عنها في وقتها من طرف الحكومة (5).
وهذا على المستوى العملي الذي أثبت أن الحكومة لا تستفيد بالآجال الموجودة نظريا وهي في فرنسا شهر, وفي الجزائر 30 يوما للرد, وذلك بناء على المادة رقم: 134/02 من دستور 1996.
أما السؤال الشفهي, ففي فرنسا 300 سؤال دون مناقشة, أما في الجزائر يزيد بقليل عن 70 سؤال شفهي فقط دون مناقشة, وهذا ما يجعلنا نعلق ونقول أن أهمية السؤال إذن, تكمن في مدى تطبيقه وليس في التنصيص عليه! رغم أن السؤال وجب أن يكون بمناقشته حتى يكون للإستفهام, وهنا أهميته وإلا لا يعطى الإستفهام هذه العناية من طرف رئيس المجلس الشعبي الوطني الذي منح ظرف زمني معين للوزير المختص, ليطلب منه البرلمانيين مناقشة السؤال, سواء كان شفاهي أو كتابي (6).
وفي إطار المسؤولية السياسية, فقد إنفرد النظام السياسي المصري بذلك, بتقريره بعض الوسائل في دستوره الحالي, وهي تبادل الرأي وإبداء الرغبات.



(1)- عبد الله بوقفة, أساليب ممارسة السلطة في النظام السياسي الجزائري, ص248 , 296.
(2)- عبد الله بوقفة, نفس المرجع, ص501.
(3)- عبد الله بوقفة, نفس المرجع, ص506.
(4)- عبد الله بوقفة, نفس المرجع, ص510.
(5)- عبد الله بوقفة, نفس المرجع, ص511.
(6)- عبد الله بوقفة, نفس المرجع, ص514. 515.


وبإستقراء النظام الدستوري المصري, نجد أنه إتجه منذ ثورة يوليو إلى الإستناد على مبدأ إشراك الشعب في رسم سياسة البلاد, ومبدأ الشورى, وذلك بإشراك مجلس الشعب عن طريق إبداء رأيه في سياسة الحكومة, وكذا إبداء الرغبات حسب نص المادة رقم: 130 من الدستور المصري التي تنص على :" لأعضاء مجلس الشعب إبداء رغبات في موضوعات عامة إلى رئيس مجلس الوزراء أو أحد نوابه أو أحد الوزراء " (1).
ولا أحد ينكر دور هتين الوسيلتين, إذ بهما يكون التأثير على الحكومة بصورة مباشرة.
كما قد قرّر الدستور المصري لسنة 1923 المسؤولية الوزارية بنوعيها, التضامنية والفردية, إذ تثار هذه المسؤولية أمام مجلس النواب عن طريق الإقتراع بالثقة ويكون قرار سحب الثقة بالأغلبية المطلقة لعدد الحاضرين, كما يجيز هذا الدستور للوزراء طلب تأجيل المناقشة لمدة: 08 أيام للإستعداد لمواجهة مسألة الإقتراع بالثقة (2).
فيعتبر إذن دستور 1923 المصري, تجربة لا يستهان بها في مجال نظام الحكم المصري, وظل طيلة مدة ربع قرن, ورغم قصر مدته هذه إلا أن النظام السياسي الذي أرسى قواعده, هو النظام البرلماني والذي يعتبر من أحسن أنظمة الحكم في العالم (3).
ورغم العيوب التي لم يخلى منها دستور 1923 السالف الذكر, إلا أنه في ظله مورست المعارضة ممارسة فعلية, ووجهت الإنتقادات لمن في السلطة, مهما كان مركزهم, مما أدى إلى كشف قصور الحكومة آنذاك وكشف التجاوزات التي قامت بها, وهذا ما يجسد مبدأ الديمقراطية (4).
أما النظام الفرنسي, فالأسئلة توجه إلى الحكومة كهيئة, عكس الأسئلة الشفهية التي توجه لوزراء معيّنين, أي توجه إلى الحكومة بمجملها, حول موضوع خاص بسياسة الحكومة وليس سياسة وزارة محدّدة بالذات (5).
وهذه الفكرة حديثة ومبتكرة من طرف الفكر الفرنسي, وهذا ما تبناه المؤسس الدستوري الجزائري في دستور 1996, وهذا بناء على إتفاق حصل بين الحكومة والبرلمان, و قد أفضى ذلك الإتفاق بالمؤسس الدستوري إلى أن يعتمد هذه الطريقة الرقابية, فالمعدل السنوي يعادل 30 سؤال موجه للحكومة إضافة إلى الأسئلة الموجهة للوزراء.
أما طريقة البيان حول موضوع الساعة أو ما يصطلح بــ « questions time » وهي من بيانات أفكار البريطانيين, وقرّرها رئيس المجلس الشعبي الوطني الفرنسي « Mseguin » في: 25/09/1993 تحت إسم: « les déclarations d’actualité » (6).
أي البيانات حول قضايا الساعة, وهذا بفتح المجال أمام البرلمان للإطلاع عن طريق الحكومة على إحدى قضايا الساعة, ففي بريطانيا تأتي أسئلة الساعة من قبل البرلمانيين أنفسهم, أما الفرنسيين, فالحكومة هي التي تختار الموضوع, وتلقي بيان ذلك, وللبرلمان التعليق على ما ورد في بيان الحكومة, وهذه الوسيلة تخدم الحكومة في النظام الفرنسي, لذلك هناك من يقول إستنادا إلى ما سبق أن النظام السياسي الفرنسي هو نظام برلماني عقلاني, وهناك من يرى أنه شبه رئاسي على أساس وجود رئيس جمهورية, يتمتع بسلطات واسعة, إلى جانب حكومة غالبا ما تكون تابعة له, ولها الأغلبية البرلمانية لكن إذا كانت الحكومة تتمتع بالأغلبية, فمركز الرئيس وإن كان قويا دستوريا , إلا أنه ضعيف لتمتعه بالأقلية البرلمانية كونه من حزب المعارضة, فيؤدي ذلك إلى تراجع مؤسسة رئاسة الجمهورية أمام الحكومة, نظرا للتصادم بين مصالح رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة, وهذا عيب من عيوب النظام شبه الرئاسي كما رأينا في الفصل الأول.



(1)- عبد الله بوقفة, أساليب ممارسة السلطة في النظام السياسي الجزائري, ص522.
(2)- ماجد راغب الحلو, مرجع سبق ذكره, ص 483, 484.
(3)- ماجد راغب الحلو, نفس المرجع, ص485.
(4)- ماجد راغب الحلو, نفس المرجع, ص486.
(5)- عبد الله بوقفة, نفس المرجع, ص527.
(6)- عبد الله بوقفة, نفس المرجع, ص530.
أما بالنسبة للإستجواب, فبإستقراء نص المادة رقم: 161 من دستور 1976 والمادة رقم: 133 من دستور 1996, نجد أن المؤسس الدستوري قد أبقى على عدم فاعلية الرقابة البرلمانية عن طريق الإستجواب ,لأنه جاء في قضايا الساعة لا غير (1).
حيث تنص المادة رقم: 133 السالفة الذكر على أنه: يمكن لأعضاء البرلمان إستجواب الحكومة حول قضايا الساعة .
وبالنسبة للتحقيق, فلجان التحقيق التي يشكلها البرلمان, يُبسط عليها ستار التحقيق فقط, دون غطاء الرقابة الفاعلة, إذ بمجرد الموافقة على تأسيس لجنة التحقيق, يؤثر هذا مباشرة على نفسية الحكومة, لأن التحقيق يُحرجها رغم أنه يسعى وراء إستيضاح أمر ما لا غير (2).
وفي ما يلي نبذة عن التجربة البرلمانية في الجزائر.
فمنذ ثورة نوفمبر 1954, تم تأسيس هيئات ومؤسسات وطنية ثورية سياسية وبرلمانية, وتنفيذية وعسكرية وإدارية, وفي مقدمتها المجلس الوطني للثورة الجزائرية كمؤسسة برلمانية, تجسد السياسة الشعبية وبعد سنة 1962, تم تأسيس المجلس الوطني التأسيسي الذي أعلن عن قيام الجمهورية الجزائرية الشعبية سنة 1963, والذي أنشأ المجلس الوطني كسلطة تشريعية (3).
وبتأسيس دستور 1976 تأسس المجلس الشعبي الوطني كهيئة تشريعية تمارس الرقابة على أعمال الحكومة, كما تختص بوظيفة التشريع كأصل, وهذا في ظل نظام الحزب الواحد, ومبدأ السلطة السياسية وتعدد وظائف الدولة (4).
وبموجب دستور فيفري 1989 الذي أسس التعددية الحزبية, أصبح المجلس الشعبي الوطني كذلك مؤسسة برلمانية تعددية, ومن هنا وجدت مشكلة الصعوبة في التحوّل, وعلى عكس هذا النظام الذي قام على أحادية المجلس, فقد كرس دستور 1996 الإزدواجية البرلمانية بإستحداث مجلس الأمة كغرفة ثانية, وجاء هذا للأهداف التالية:
- ترسيخ المسار الديمقراطي (توسيع التمثيل السياسي).
- ضمان توازن المؤسسات داخل الدولة (مبدأ الفصل بين السلطات).
- ضمان إستمرارية سلطة الدولة ونظامها الوطني الجمهوري.
- تحقيق عناصر وآليات, لفعالية العملية التشريعية ونجاعة الرقابة البرلمانية على أعمال الحكومة.
- إكساب النظام الوطني المؤسساتي مقومات العصرنة والمصداقية (5).
لكن رغم كل هذه المكانة التي أعطتها الدساتير الجزائرية الأربعة للبرلمان, إلا أنه هناك ما يُعيق دوره الرقابي, والعوائق التي نصت عليها ندوة تطوير العمل البرلماني العربي, المنعقدة في بيروت خلال الفترة من 16 إلى 18 ماي من سنة 2000, هي نفسها العوائق التي تحول دون قيام البرلمان الجزائري بدوره, لا سيما الرقابي منه وهي:
- الثقافة السياسية المهيمنة (الحكومة تفعل ما تشاء, دون مراعاة رغبات البرلمان).
- الأوضاع السياسية الداخلية: عدم القدرة على تطوير المعيار الديمقراطي.
- الأوضاع الإجتماعية والإقتصادية التي أصبح البرلمان أمامها عاجزا على إيجاد حل, بوضعه تشريعات فاعلة وجدّية (6).



(1)- عبد الله بوقفة, أساليب ممارسة السلطة في النظام السياسي الجزائري, ص535.
(2)- عبد الله بوقفة, نفس المرجع, ص 569.
(3)-التجربة البرلمانية في الجزائر http://www.27emeconferenceupa.dz/sit...exppar/alg-htm
(4)- نفس الموقع.
(5)- نفس الموقع.
(6)- مولود ديدان, مرجع سبق ذكره, ص 432.

فالرقابة السياسية, لا بد أن تكون في ظل تعزيز حقيقي, فلا رقابة دون أحزاب حقيقية وليست مصطنعة, فالتعددية لا تجد بديل سياسي, فكيف تُساند الشعب وهي في البرلمان ليست منبثقة فعلا منه؟.
كما نلاحظ سيطرة طاغية للسلطة التنفيذية على السلطة التشريعية, حيث تعاني العلاقة بين السلطتين, من إختلالات وعدم توازن, ويتجلى ذلك في المظاهر التالية:

- التدخل في تشكيل البرلمان.
- دعوته للإنعقاد.
- حل البرلمان.
- حق طلب إجراء مداولة.
- إصدار الأوامر.
- الإشتراك في الوظيفة التشريعية.
- التفوق الحكومي في إعداد جدول أعمال البرلمان.......إلخ (1).

خاتمة المبحث:
إن النظام السياسي الجزائري, هو نظام غامض المعالم وله خصوصياته, فبتفحص التطورات الحاصلة في ظل دستور 1989, وتعديل 1996, نجد أنه حاول التكيّف مع التحول الديمقراطي الجديد الذي أقره دستور 1989, إلا أن هذه التجربة لم تنجح لا في ظل دستور 1989 ولا في دستور 1996, أو بالأحرى لم تحقق النتائج المرجوة من هذا التحوّل, وهذا راجع للمعوّقات التي عانى منها النظام, خاصة الدولة الجزائرية التي عانت الكثير من الأزمات, وهو ما أدى إلى هيمنة السلطة التنفيذية والمؤسسة العسكرية على النظام, بحجّة الخروج من الأزمة وتخطي الإنسداد السياسي بإستحواذهما على السلطة ومقاليد الحكم طيلة الفترة الإنتقالية خاصة, وهذا ما يجعلنا نقول أن النظام السياسي الجزائري في ظل دستور الأزمة والدستور المساعد على خروج الأول من الأزمة, هو نظام غامض يحمل في طياته بذور النظام الرئاسي المتشدّد رغم أنه في خفاء إن لم نقل نظام شمولي عسكري ولو لفترة من الزمن.



(1)- مولود ديدان, مرجع سبق ذكره, ص 432. 433.

















الخاتــــــمة:

لقد شهد النظام الجزائري منذ بدياته الأولى, ولادة عرجاء وتميّز بسواد ردة الفعل العكسية, الناتجة عن الأزمات والكوارث المتتالية, فكانت التغييرات التي تطرأ على النظام , تأتي بعد نكسة أو ثورة معيّنة وإن كان البعض أقرّ بأن النظام السياسي الجزائري, يعيش مرحلة لا إستقرار ناتجة أساسا عن الفوضى التي عرفها منذ بداية التسعينات.
ولم تفلح الجهود المبذولة لتكريس "دولة الحق والقانون" وهو المشروع الذي ترفعه السلطة منذ عقود طويلة, فإن الكثير من المراقبين, يؤكدون أن الخلل يكمن أساسا في الفرد, وليس في الإطار القانوني والمؤسساتي للدولة الجزائرية وبالرغم من أن فقهاء القانون الدستوري يصنفون النظام الجزائري في خانة الأنظمة شبه الرئاسية, إلا أن رئيس الجمهورية وبعض الفاعلين السياسيين, تبنّوا فكرة أن النظام الجزائري غامض ولا يحدد بدقة طبيعة العلاقات الموجودة بين مؤسساته, ولا يضع خطوط أمام سلطاته, ومن خلال دراستنا المعمّقة للنظام الجزائري المعتمد في دستور 1996, نجد أنه مطابق تماما للدستور الفرنسي, وبالتالي للنظام الفرنسي, والذي حقق له إستقرار للدولة الفرنسية التي عاشت أزمات كثيرة وإنقلابات قبل إعتماد الرئيس "ديغول" هذا النظام.
ويسقط المحللون السياسيون الأمر على الجزائر التي تتميّز بالتعددية الحزبية, وبوجود حساسيات مختلفة في المجتمع, لا بد أن تكون ممثلة في السلطة التي لو توفرت الإرادة السياسية فيها لسارت الأمور على أحسن ما يرام, لأن الدستور الحالي أو النظام شبه الرئاسي, يخوّل للرئيس صلاحيات مطلقة, فهو من جهة رئيس السلطة التنفيذية, وله برنامج تعكف حكومة يختارها هو بنفسه على تطبيقه, كما خوّله الدستور الحالي سلطة خطيرة لا يحوزها أي رئيس في جميع الأنظمة التي درسناها سابقا, - حتى النظام الأمريكي الرئاسي لم يعتمدها بصورة مطلقة, بل كان مقيد في ذلك – وهي سلطة التشريع بأوامر.
وعند بحثنا في الدوافع الحقيقية التي تكمن وراء رغبة الرئيس في تعديل الدستور الحالي, لم تتضح لنا معالم النظام الذي يريد تحقيقه في الجزائر.
ومن خلال مسودة الدستور الجديد المرتقب, كما علق المحللون السياسيون أنه يصبو إلى تحقيق نظام رئاسي مع الإحتفاظ بالكثير من خصائص النظام الحالي.
فالنظام السياسي الجزائري ظاهريا هو نظام " برلماســي ", بمعنى برلماني رئاسي, فيه خصائص النظامين: الرئاسي إذ منصب رئيس الدولة هو أقوى المناصب, ويعين رئيس الحكومة والوزراء, والبرلماني على أسا التعاون بين السلطتين والمسؤولية السياسية, لكن واقعيا نجد أن الهيئة التنفيذية سلطة مقتحمة ومتدخلة, تمسك بزمام الأمور, فما الذي أفضى إلى إقحامها في دائرة الإختصاص البرلماني؟


إن التطور الدستوري, على ضوء الحقائق الدستورية, قد سار قدما بالسلطة التنفيذية على حساب البرلمان, إذ خولها سلطة المراجعة الدستورية, وهذا ما يقوي السلطة التنفيذية, وإقحامها في توجيه الغرفتين (المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة), غير مكرس دستوريا صراحة, بل هو ما جرت عليه العادة, إذ تمنح نفسها الحجة كونها لها خبرة يحتاج إليها البرلمان.
إذن فهذا الأخير إستقلاله نظريا فقط, إذ تقحم الحكومة نفسها حتى في سن النظام الداخلي للبرلمان, وأبرز دليل على ذلك (محتوى الجريدة الرسمية لمداولات المجلس الشعبي الوطني), إذ أنه من المستحيل قيام أية من الغرفتين بوضع ما لها من قانون داخلي بمفردها, إذن فنستنتج من هنا أن البرلمان وكأنما فُرض عليه هذا الإقحام في ما خُوّل له أصلا دستوريا.
والدليل على ذلك أيضا هو أن دور الحكومة يتعدى أن يكون إستشاريا فقط, ذلك أنها تحاول حتما التأثير على الأغلبية البرلمانية التي تنبع منها أساسا, وهذا على ضوء المناقشات التي تكون أثناء اللقاءات في الدورات البرلمانية.
إذن ننتهي إلى أن ممارسة السلطة من طرف الهيئتين, تقوم على تأرجح التوازن بينهما, ذلك لأن النظام القانوني للدولة الجزائرية, مكّن السلطة التنفيذية من سلطان فاعل, ولم يعطي هذه النكهة للبرلمان.
وبخصوص طبيعة النظام المراد تحقيقه في الجزائر,والذي يعتبره محرّروا الوثيقة الدستورية التي إطّلعت عليها جريدة المحقق, هو نظام رئاسي بصلاحيات أوسع إن لم نقل مطلقة للرئيس, مع إضفاء بعض التعديلات على مسألة الرقابة على الحكومة, التي تكون فردية على وزير معيّن, وبذلك فالنظام المرتقب, يحمل في طياته شكلان: الشكل الليّن للنظام الرئاسي, إذ يعتبر هذا النظام هو الأصلح للأنظمة التي تعيش في حالة تعزيز ديمقراطي, لأنها تتميّز بصلابة مؤسساتها المتعددة, ولها كفاءة برلمانية, أي تتمتع بشروط الإستقرار, أما الشكل الصلب للنظام الرئاسي, فهو أصلح نظام بإعتقاد الباحثين للأنظمة التي تخرج من حالات الأزمات السياسية, وتعيش ضعف في النهج الديمقراطي.
إلا أن هذا النظام إذا أعتمد في بلدان لا تحترم فيها القوانين, ولا تمارس مؤسساتها جميعها, صلاحياتها الموكلة لها, فإن هذا يؤدي حتما إلى خلق نوع من الدكتاتورية والشمولية, فهل ستصنف الجزائر لو إعتمدت هذا النظام, في خانة تلك الدول المستبدة؟ أم أنها ستفرز نظاما ديمقراطيا؟
ومهما كانت النتيجة, فنحن نأمل في أن يكون الدستور المراد تعديله, يخدم إستقرار النظام السياسي الجزائري ولا يساهم في بلورة أزمات جديدة.





قائمة المـــــراجع:
I – المراجع باللغة العربية:
1- المواثيق:
- مرسوم رقم: 86/22 المؤرخ في: 30 جمادى الأولى 1406, الموافق لـ 09 فيفري 1986, يتعلق بنشر الميثاق الوطني الموافق عليه في إستفتاء 16 جانفي 1986.
- الأمر رقم: 76/57 المؤرخ في: 07 رجب عام 1396 الموافق لـ 05 يوليو سنة 1976, يتضمن نشر الميثاق الوطني.

2- الدساتير:
- دستور الجزائر لسنة 1963 جريدة رسمية رقم: 64 المؤرخة في: 10 سبتمبر 1963.
- دستور الجزائر لسنة 1976, جريدة رسمية رقم: 94 المؤرخة في, 24/ نوفمبر 1976.
- دستور الجزائر لسنة 1989, جريدة رسمية رقم: 09 المؤرخة في, 01 مارس 1989.
- دستور الجزائر لسنة 1996, جريدة رسمية رقم: 61, المؤرخة في: 16 أكتوبر 1996.

3- القوانين:
- الأمر رقم: 75/58 المؤرخ في: 20 رمضان 1395, الموافق ل 26 سبتمبر 1975, المتضمن القانون المدني الجزائري المعدل والمتمم, طبعة 1998.
- القانون العضوي رقم: 99/02 المتعلق بالنظام الداخلي للمجلس الشعبي الوطني.

4- المراسيم:
- المرسوم الرئاسي رقم: 94/04 المؤرخ في: 17 شعبان 1414 الموافق ل 29 جانفي 1994, المتعلق بنشر أرضية الوفاق الوطني.

5- المؤلفات:
1 - أوصديق فوزي, النظام الدستوري الجزائري, - دولة الأمير عبد القادر – دراسة تحليلية مقارنة, الطبعة الثانية, ديوان المطبوعات الجامعية, طبعة 2003.


2 - أوصديق فوزي, الوسيط في النظم السياسية والقانون الدستوري, دراسة مقارنة, القسم الأول, النظرية العامة للدولة, الجزائر,دار الكتاب الحديث, طبعة 2000.
3 - أوصديق فوزي, الوافي في شرح القانون الدستوري, الجزاء الثالث, الطبعة الأولى, ديوان المطبوعات الجامعية.
4 - أوصديق فوزي, النظام الدستوري الجزائري ووسائل التعبير المؤسساتي, ديوان المطبوعات الجامعية, طبعة 2006.

5 - بوقفة عبد الله, أساليب ممارسة السلطة في النظام السياسي الجزائري – دراسة مقارنة – دار هومة للنشر والطباعة, طبعة 2002.
6 - بوقفة عبد الله, القانون الدستوري – آليات تنظيم السلطة في النظام السياسي الجزائري – (دراسة مقارنة) دار هومة للنشر, طبعة 2003.
7 - بوكرا إدريس, الوجيز في القانون الدستوري والمؤسسات السياسية, ار الكتاب الحديث للطباعة, طبعة 2003.
8 - بوضياف عمار, التنظيم القضائي الجزائري, الطبعة الأولى, الجزائر, دار ريحانة للنشر, طبعة 2003.
9 - بوشعير سعيد, النظام السياسي الجزائري, الطبعة الثانية, دار الهدى للنشر, طبعة 1993.
10 - بوشعير سعيد, القانون الدستوري والنظم السياسية المقارنة – النظرية العامة للدولة والدستور – طرق ممارسة السلطة, الجزء الأول, الطبعة الثالثة, ديوان المطبوعات الجامعية, طبعة 1992.
11 - بوشعير السعيد, القانون الدستوري والنظم السياسية المقارنة, الجزء الثاني, الطبعة الخامسة, ديوان المطبوعات الجامعية, طبعة 2003.
12 - بدوي ثروت, النظم السياسية, طبعة 1975
13 - بسيوني عبد الله عبد الغني, النظم السياسية, أسس التنظيم السياسي, دراسة مقارنة لنظرية الدولة والحكومة والحقوق والحريات العامة في الفكر الإسلامي والفكر المعاصر, الإسكندرية, منشأة المعارف للنشر, طبعة 1991.
14 - متولي عبد الحميد, القانون الدستوري والأنظمة السياسية مع المقارنة بالمبادئ الدستورية في الشريعة الإسلامية, الإسكندرية, منشأة المعارف, طبعة 1993.


15 - ديدان مولود, مباحث في القانون الدستوري والنظم السياسية, الطبعة الأولى, الجزائر, دار النجاح للكتاب, طبعة 2005.
16 - رفعت عبد الوهاب محمد, الأنظمة السياسية, منشورات الحلبي الحقوقية, طبعة 2005.
17 - راغب الحلو ماجد, النظم السياسية والقانون الدستوري, الإسكندرية, منشأة المعارف, طبعة 2005
18 - عواد تيسير, محاضرات في النظم السياسية المقارنة, الطبعة الثانية, ديوان المطبوعات الجامعية, طبعة 1993.
19 - علوان عبد الكريم, النظم السياسية والقانون الدستوري, دار الثقافة للنشر والتوزيع, طبعة 2006.
20 - عاطف البنا محمود, الوسيط في النظم السياسية, الطبعة الثانية, دار الفكر العربي للنشر والطباعة, طبعة 1994.

II – المراجع باللغة الفرنسية:
1- Hugues portelli, Droit constitutionnel, 3eme édition 1999, campus DALLOZ.

III – المذكرات:
- زراري فتحي, نظم تحديد نتائج الإنتخابات في القانون الجزائري, مذكرة لنيل شهادة الماجستير في القانون, تخصص المؤسسات الدستورية والإدارية, الجزائر,جامعة 08 ماي 1945, قالمة, الموسم الجامعي 2004-2005

IV – المواقع الإلكترونية:
http://www.arab.ipu.org/pdb/relatedarticlesGUNSPName1-
المؤسسة العسكرية ومسار التحول الديمقراطي في الجزائر http://www.ulum.nl/c110.html-2
http://www.ar,wikipedia.org/wiki3-
http://www.elmokhtar.net/modules,php...icle&sid=4754-
http://www.f-law.net/law/archive/ind...?7t-2322html5-
http://www.histoiregeographie.iquebe...andalous.htm6-
http://www.majdah.maktoob.com/vb/post630897-1/7-
http://wwwamaryezli.blogspost.com/20...blog-26.html8-.



http://www.barakionline.com/alanternet.html9
التحول الديمقراطيhttp://www.demoislam.com/modules.php...rticle&sid=491 10
http://www.f-law.net/law/shoriuthread.php?t=232311-.
سسيولوجيا الجهاد والعنف في الجزائر http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=95408 12
مقارنة للنظام الجمهوري http://www.mcsr.net/activities/005.html13-
http://www.tamiu.edu~mbenruwin/gover...stems=1dhtm14-
http://www.libya-watanona.com/adab/m...bo4027a.htm15-
16- http://www.libyaforum.org/index,php?option=com- *******&task=vew&id=1380&Ilimited=17717-
التجربة البرلمانية في الجزائر http://www.27emeconferenceupa.dz/sit...ppar/alg-htm18
رؤساء الجزائر بعد إستقلالها ا http://www.yallayaarab.biz/vb/archiv...t-86909.html19







الأعضاء الذين قالوا بارك الله فيك/ شكراً لـ yacine414 على المشاركة المفيدة:
قديم 2011-02-13, 18:43   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
لقاء الجنة
عضو ماسي
 
الصورة الرمزية لقاء الجنة
 

 

 
إحصائية العضو









لقاء الجنة غير متواجد حالياً


افتراضي







قديم 2011-02-16, 13:48   رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
zoubour
عضو مبـدع
 
الصورة الرمزية zoubour
 

 

 
إحصائية العضو









zoubour غير متواجد حالياً


افتراضي

شكرا لك جزيل الشكر و العرفان على هذا الموضوع







قديم 2011-04-28, 22:53   رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
hazo2000
عضو جديد
 
إحصائية العضو









hazo2000 غير متواجد حالياً


افتراضي

ياأساتذتي ياأصدقائي أريد بحث حول مذهب جوهر القاعدة القانونية في الفقه الحديث في أسرع وقت ممكن لأنني أحتاجه يوم الإثنين القادم02/05/2011







آخر تعديل hazo2000 2011-04-28 في 22:56.
قديم 2011-04-29, 08:54   رقم المشاركة : 8
معلومات العضو
NEWFEL..
عضو برونزي
 
الصورة الرمزية NEWFEL..
 

 

 
إحصائية العضو









NEWFEL.. غير متواجد حالياً


افتراضي







قديم 2012-06-09, 12:55   رقم المشاركة : 9
معلومات العضو
مريم 13
عضو مجتهـد
 
الصورة الرمزية مريم 13
 

 

 
إحصائية العضو









مريم 13 غير متواجد حالياً


افتراضي

شــــــــــــــــــــــــــــــــــكــــــــــــــ ـــــــــــــرا جــــــــــــــزيـــــــــــــــــــــتلا ^_^ :d







 

الكلمات الدلالية (Tags)
الجزائري, السياسي, النظام, طبيعة

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع



الساعة الآن 02:54

المشاركات المنشورة تعبر عن وجهة نظر صاحبها فقط، ولا تُعبّر بأي شكل من الأشكال عن وجهة نظر إدارة المنتدى
المنتدى غير مسؤول عن أي إتفاق تجاري بين الأعضاء... فعلى الجميع تحمّل المسؤولية


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
2006-2013 © www.djelfa.info جميع الحقوق محفوظة - الجلفة إنفو (خ. ب. س)
Protected by CBACK.de CrackerTracker