الفلسفة في عصر العلم - منتديات الجلفة لكل الجزائريين و العرب

العودة   منتديات الجلفة لكل الجزائريين و العرب > منتديات التعليم الثانوي > منتدى تحضير بكالوريا 2015 > منتدى تحضير بكالوريا 2015 - الشعب آداب و فلسفة، و اللغات الأجنبية > قسم الفلسفة

http://www.up.djelfa.info/uploads/141389081779231.gif

 

في حال وجود أي مواضيع أو ردود مُخالفة من قبل الأعضاء، يُرجى الإبلاغ عنها فورًا باستخدام أيقونة تقرير عن مشاركة سيئة ( تقرير عن مشاركة سيئة )، و الموجودة أسفل كل مشاركة .

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 2010-05-06, 19:25   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
khelifa8
عضو مميّز
 
الصورة الرمزية khelifa8
 

 

 
إحصائية العضو









khelifa8 غير متواجد حالياً


B2 الفلسفة في عصر العلم

التطور العلمي ومصير الفلسفة
د. يوسف مكي


تطرح التطورات العلمية الهائلة والمتلاحقة التي شهدها عالمنا المعاصر في العقدين الأخيرين ، في مجالات الإتصالات والكمبيوتر والوراثة أسئلة هامة ومشروعة عن العلاقة المستقبلية بين العلوم الطبيعية والفنون والآداب والفلسفة.. ومنذ بداية التسعينيات أصبح الحديث مألوفا عن نهاية التاريخ ، وسقوط الإيديولوجيا ، وتراجع الفلسفة ، وسيادة نمط جديد من العلاقات البراجماتية .
وإذا ما تأكدت صحة تلك الطروحات ، فسنكون والعالم بأسره أمام وضع صعب ، إذ من غير الممكن أن نتصور قيام مجتمعات انسانية مفتقرة إلى الشفافية وخالية من العواطف وخاوية من النزعات الروحية.. مجتمعات يتقهقر فيها الشعر والموسيقى ، ويتراجع فيها الجميل من الموروث ، ويحط فيها من الأدب والقيم المطلقة . لكن الأمور لا تخضع دائما لأمانينا ورغباتنا وأهوائنا .. فالعجلة تسير من حولنا ، دون خيار وأحيانا دون وعي .
ولأن المحاور التي يثيرها الجدل حول هذا الموضوع كثيرة جدا ومتشعبة ، فسوف يقتصر في هذه المناقشة على تناول علاقة موضوع الفلسفة بالتطورات العلمية الهائلة التي حدثت في العقدين الأخيرين ، وهل بإمكانها أن تصمد أمام تلك التطورات أم أن وقت نهايتها قد حان ، لتحل محلها ممارسة تستعيض عن الفكر بالعمل ، وتسير باطراد وتوافق وجنبا إلى جنب مع التغيرات العلمية الهائلة .
وابتداء نذكر بأن العلم هو مجموعة من الفرضيات ثبتت بالتحقق من خلال الملاحظة أو الرصد أو التجربة .. بحيث يمكن في نهاية المطاف ، وبعد التحقق ، أن تتحول تلك الفرضيات إلى نظريات علمية .. في متناول الجميع .
أما الفلسفة ، فلعلنا لا نضيف جديدا إذا قلنا أنها في مصدرها الأصلي تعني حب الحكمة . وكان اليونان هم أول من ارتقى بهذا المفهوم ليصبح فكرة تستند على بناء structure يتكون من مقدمات ومعلومات واستنتاج ازدهر وتطور على يد أرسطو، وساهمت تطورات علمية واقتصادية وسياسية في نمو هذا التوجه وتعزيزه .. لقد بدأت الفلسفة تأملا بالموجودات .. في الكون والطبيعة وفي وظائف المخلوقات ، وانتهت رؤية شاملة خاصة للكون تمد بقواعد من السلوك .. بحيث تحولت في حالات كثيرة إلى أيديولوجيات وعقائد .
وكان ارسطو من أوائل الفلاسفة الأفذاذ الذين عرفتهم الحضارة اليونانية ، وقد دعا إلى اعتماد الإدراك الحسي أساسا للوصول إلى المعرفة ، مستخدما في ذلك التشريح وعلم الأحياء والمختبر.. وعناصر المادة كما فهمها في عصره طريقا إلى التفلسف .. ووضع من خلال استنتاجاته صيغة حياتية للمجتمع الأثيني كما تصوره ، ووقف سلبيا من بعض الشرائح والطبقات الإجتماعية التي اعتبرها غير مكتملة انسانيا . أما أفلاطون فقد تحدث في جمهوريته الفاضلة عن مبدأ التخصص ، وتبنى موقفا نخبويا .. وكانت بـذور تطور مفهوم الحركة بشكلها المادي قد برزت مع هرقليطس الذي عرف عنه مقولته " أنك لا تستطيع أن تعوم في نفس ماء النهر مرتين " مشيرا بذلك إلى أن الكون في حركة دائبة ، وأن التاريخ لا يعيد ذاته .
وإثر سقوط الحضارة اليونانية تداعت الفلسفة وبرزت فلسفات مهزومة كالأبيقورية والرواقية ، وكانت في تعبيراتها محاولة لتحقيق التوازن النفسي لشعب مهزوم باحلال اللذة والسرور مكان العمل .. والإستعانة بالحيل الدفاعية لتحقيق التواؤم مع حالة التداعي التي عاشتها أثينا إثر سقوط حضارتها .. وجاء الرومان ، ومعهم تراجعت الفلسفة ، حيث لم يكن لديهم جديد يقدمونه في مجالها .
وحين بدأ العرب يأخذون دورهم الريادي في الحضارة الإنسانية ، لم يكونوا على صلة وثيقة بالفلسفة . وقد استعاضوا عنها في مراحل حضارتهم الأولي ، بما ورثوه عن سالف أجدادهم من سحر البيان ، حيث عرف عنهم الإهتمام بالأدب والشعر. وذلك أمر طبيعي ، إذ لم يكن في حياتهم التي اعتمدت على الحل والترحال بالبوادي والأودية بحثا عن الكلأ والماء من التعقيدات ما يحتم عليهم اللجوء للفلسفة لصياغة نظريات شاملة للحياة . وحين جاء الإسلام وانتشرت عقيدته في أرجاء المعمورة ارتبطت الفلسفة منذ بداياتها به . وكان القصد من ذلك هو الإستعانة بها على فهم صحيح الحديث الشريف وبالتالي فهم الدين .
وقد خرجت الفلسفة العربية من رحم مدرسة علم الكلام التي أسسها الشيخ حسن البصري بمدينة البصرة ، إثر بروز الفتن في المجتمع الإسلامي وكثرة الدس على الحديث الشريف . وكانت تلك المدرسة في حقيقتها محاولة للوصول إلى اليقين ، ارتقت وأصبحت مدرسة للجدل بعد ظهور مذاهب المعتزلة . لكن الفلسفة ، بالطريقة التي برزت في اليونان بقيت غريبة على التراث العربي ولم يتطور الإهتمام بها إلا في المراحل الأخيرة من الخلافة العباسية ، حين بدأ تداعي الحضارة العربية الإسلامية . وفيما بعد ، شكل كتابي تهافت الفلاسفة لأبي حامد الغزالي وتهافت التهافت لأبي الوليد محمد بن رشد والمقدمة لعبد الرحمن بن خلدون نقلات نوعية في الإرتقاء بالفكر الفلسفي العربي الإسلامي .. إلا أن تلك البدايات لم يكتب لها الإستمرار، فقد تعطل النهوض العربي وحصل انقطاع ثقافي كبير بعد بعد القضاء على دولة الخلافة بالإندلس ، وهجمة التتار على العراق وسقوط بغداد على يد هولاكو حيث ساد الجمود وتوقفت حركة الإبداع واستمر واقع العرب والمسلمين على ذلك الحال ، للأسف قرونا طويلة ، إلا من بعض إشعاعات هنا وهناك .
ومع النهضة الحديثة والتطورات العلمية التي عمت مدن أوروبا الرئيسية وانبثق منها عصر الأنوار، تطور المفاهيم الفلسفية وأصبحت مرتبطة بشكل شامل ودقيق بالتغيرات العلمية الحديثة المتتابعة .. كان الفيلسوف يستنبط من مجموع النظريات العلمية في عصره ، ومن خلال موقعه الإجتماعي ، رؤية شاملة وسلوكية للحياة ، يطرحها على الناس كمنهج اجتماعي يستقطب حوله المريدين والأتباع .
وهكذا نستطيع القول إن الصياغات الفلسفية الحديثة قد حكمها عاملان : الأول كان الموقع الإجتماعي للفيلسوف .. هواه وعواطفه . أما الثاني ، فكان جملة ما هو متاح للفيلسوف من إنجازات علمية على كافة الأصعدة . ويتساوى في ذلك الإتجاهات الفلسفية والفكرية على اختلاف مناهجها ورؤاها .
فحين انشـطر العالم الغربي إلى رأسمالي واشتراكي ، أعلن كلا المعسكرين استباطهما لنظرياتهما من واقع المنجزات العلمية المتاحة لهما في ذلك العصر ، رغم البون الشاسع في نظرة كل منهما . فقد ادعى آدم سميت وريكاردو وماكس فيبير بأن نظرياتهم منبثقة من العلم . كما قال جورج هيجل بأن نظريته في الديالكتيك منبثقة من العلوم الطبيعية . وحدد كارل ماركس مصادر نظريته ومنابعها في الإكتشافات العلمية لعصره ، كتولد الطاقة ونظرية النشوء واكتشاف الخلية الحية ، والإقتصاد الإنجليزي والفلسفة الألمانية والإشتراكية الفرنسية … وهكذا كانت الرؤية الإجتماعية والمنجزات العلمية الدعامات التي اتكأ عليها أولئك الفلاسفة في صياغة نظرياتهم .
والواقع أن أولئك الفلاسفة استفادوا كثيرا مـن الثورات الصناعية والعلمية التي حدثت قبل هذا القرن . فقد كانت تلك الثورات ، رغم أهميتها البالغة في تغيير مسار الكون ، ورغم شموليتها كافة مجالات الحياة ، تجري بوتائر أقل سرعة من تلك التي حدثت خلال هذا القرن . وقد أتاح ذلك للمفكرين والباحثين فرصة العمل ضمن استقرار نسبي يمكنهم من أن يستنبطوا ويتابعوا ويحللوا ويستنتجوا مستعينين بما لديهم من أدوات تحليل علمية ومن معارف فلسفية جديدة .. لم يكن حدوث تلك التطورات العلمية بالسرعة التي تجعل الباحث أو المفكر متعجلا من أمره ، فليس هناك جديد على الصعيد العلمي يصدمه كل صباح ويجعله يغير من اختباراته وتجاربه وتحليله ، وبالتالي من قناعاته ورؤيته ..
لكن هذا الحال لم يستمر طويلا ، فلقد أصبح التطور العلمي سريعا ومتلاحقا بحيث أصبح من الصعب على الفيلسوف متابعة حركته ، وصياغة نظرية مستمدة من تلك التطورات . إذ لا يكاد الفيلسوف ينهي مهمته حتى يواجه بتطورات علمية جديدة تنسف ما توصل إليه .. وكانت تلك بداية الإنفصام والتقهقر. فالفلسفة التي خرجت من رحم العلم وجدت نفسها تعيش أزمة بسبب من نموه وتسارع حركته وعدم قدرتها على اللحاق بتلك الحركة .
لقد أدت التطورات العلمية التي شهدها القرن العشرين ، والقرن الجديد إلى جعل مهمة الفيلسوف صعبة وشاقة للغاية .. فهو لا يكاد يسير في صياغة نهج ما ورؤية جديدة إلا ويصطدم بتحولات علمية هائلة ، غير مسبوقة ، تكاد تنسف كل ما بنى عليه فرضياته . في حين كانت التحولات العلمية قبل ذلك تسير بوتائر تراكمية متدرجة تتيح للفيلسوف بأن يتابع ويحلل ويستنبط ويستخـرج نظرية للحياة دون أن يصطدم بجديد " كيفي " يتعثر بسببه عمله . وفي النهاية يقدم لنا مصنفاته النظرية .
فنظرية الجاذبية ، على سبيل المثال ، تطورت عبر مراحل طويلة ، ومن خلال مساهمات أشخاص عظام كان لهم دور رئيسي فيما هو متوافر لدينا من معلومات مثل كوبرنيكوس واسحق نيوتن وانيشتاين . لم تكن اكتشافات الواحد منهم مجرد تطوير لرؤية الآخر ، وإنما نسفا يكاد يكون شاملا لها . وكانت الفلسفة تستجيب لتلك التطورات العلمية فتنتقل من طور إلى آخر على ضوء تلك المتغيرات ، محكومة في ذلك بمصالح ومواقع ورؤى اجتماعية واقتصادية وسياسية ، وصيرورة تاريخية ومنجزات علمية .
وهكذا شكل كل انجاز علمي جديد إضافة في تطور مفهوم الفلسفة . فالنظريات الفلسفية التي تمت صياغتها قبل اكتشاف التلكسوب لم تكن هي ذاتها بعد اكتشافه .. لقد كشف ذلك الاختراع عن كواكب جديدة وأنظمة كونية فاقت كل تصور.. وبالمثل كان لتطور علم الجيولوجيا أثر مشابه على مسار النظريات الفلسفية ، حيث أصبح بإمكاننا التفكير في ملايين السنين ، في حين كان من قبلنا لا يتعدى تفكيرهم حدود الآلاف .. كما أحدثت التطورات في علم الأركيولوجيا انقلابا جذريا في فهمنا للتاريخ . وأوجدت الفيزياء كونا في الذرة ... وكهذا كان تأثير مختلف أنواع العلوم من بيولوجيا وانثروبولوجيا وعلم نفس .. فقد ساهمت مجتمعة في قلب واندثار النظريات الإقتصادية والسياسية القديمة وتحطم اللاهوت . ومع تسارع تلك التطورات وجدت الفلسفة ذاتها أمام منعطف خطير.. ذلك أنه بالقدر الذي تتسارع فيه خطى العلم بشكل حثيث ، كان على الفيلسوف أن يلهث بشكل متواز مع ذلك التسارع في محاولة للحاق بتلك التطورات وصياغة نظريات فلسفية جديدة للكون على أساسها ، تمكـن المجتمعات الإنسانية من تحقيق توازنها ومواصلة سيرها .. وهي مهمة أصبحت أكثر ارهاق وصعوبة .
وقد تنبه المؤرخ ويل ديورانت إلى هذه الأزمة فأشار إلى أن الفلسفة التي سبق لها ذات مرة أن استنفرت كل العلوم لمساعدتها في ابداع لوحة متلاحمة الرقعة للعالم ، وصورة للخير مغوية مغرية ، وجدت مهمتها في التنسيق أشد هولا مما تطيقه شجاعتها ، ففـرت هاربة من جميع جبهات معركة الحقيقة هذه ، واندست مخبئة نفسها في أزقة سرية مكنونة ، آمنة ، أمن جبان رعديد من قضايا الحياة ومسؤولياتها .. ذلك أن المعرفة البشرية أمست جدا عظيمة وحثيثة لا يمكن للذهن البشري اللحاق بها .
وإذا كان ويل ديورانت قد عبر عن ذلك في النصف الأول من القرن العشرين ، فمن البديهي أن تكون الأزمة الآن أكثر عمقا وتأثيرا .. فما تم انجازه خلال هذا القرن من تطور علمي فاق ما أنجزته البشرية بأسرها منذ تلمس الإنسان خطواته الآولى حتى بداية القرن عشرات المرات .. لقد أشار غاردوي في كتابه البديل إلى أن ما أنجزته الحضارة الإنسانية في النصف الأول من القرن العشرين تجاوز ما استطاع الإنسان انجازه منذ بداية التاريخ . والواقع أن الفرق شاسع وكبير، رغم أهمية ما أنجز، بين ما انجز في النصف الأول من القرن ، وما تحقق في النصف الثاني منه . وذلك شئ طبيعي إذا سلمنا بقانون التراكم .

ففي النصف الأخير من القرن العشرين حدثت تطورات مدهشة وسريعة في عالم الكمبيوتر، بحيث يمكن القول دون مبالغة ، أنه في كل أسبوع استقبل العالم إضافة نوعية جديدة في مجال البرامج والأجهزة مما ضاعف من كفاءة الكمبيوتر بأكثر من مليون ضعف عما كان عليه أول حاسب آلي صنع عام 1946م . لقد استقبل العالم جيلا جديدا من هذه الصناعة يتصف بدرجة عالية من الذكاء ، بإمكانه أجراء أكثر من ملياري عملية مختلفة في الثانية الواحدة ، وهو أمر كان يستغرق ألف عام لإجرائه في السابق . وهذا الجيل لا يزداد سرعة وكفاءة فقط ، بل يزداد تخصصا وصغرا ورخصا وانتشارا . وهو قادر على التحليل والتركيب والإستنتاج المنطقي وحل المسائل وبرهنة النظريات وفهم النصوص وتأليف المقالات .
وكان المجال الآخر من مجالات هذه الثورة الجديدة هو التطور المثير في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والإبتكارات في أشباه المواصلات والألياف الصوتية القادرة على معالجة المعلومات وتخزينها واسترجاعها بمعدلات وسرعة تتضاعف بشكل أسي . فقد تمت الآن رقمنة كل المعلومات بجميع أشكالها الصوتية والتصويرية وأصبحت متصلة بشبكة عالمية واسعة وسريعة متيحة المجال لجميع الأفراد وجميع الشرائح وبجميع اللغات الإطلاع على مالم يكن بالإمكان الإطلاع عليه في أي زمان ، بما في ذلك الإطلاع على ما هو موجود في المكتبات والجامعات ومراكز البحوث العلمية .. كل ذلك أصبح بالإمكان الحصول عليه بسرعة الضوء ، وأصبح متوفرا بالشركات والمراكز التجارية ومجالات التعليم والتدريب وفي المنازل .
كما أتاحت تكنولوجيا المعلومات للأفراد والدول والمجتمعات فرص الإرتباط بعدد لا يحصى من كبلات ضوئية وفاكسات ، ومحطات إذاعة وقنوات تلفزيونية أرضية والفضائية تبث برامجها المختلفة عبر مئات المراكب الفضائية ، إضافة إلى أجهزة الكمبيوتر والبريد الإلكتروني وشبكات الإنترنيت ، وقد ربطت تلك الوسائل عالمنا بأكمله بتكاليف أقل ووضوح أكثر، وعلى مدار الساعة ، ودون قدرة الدول على التدخل أو الرقابة الفاعلة .
وكانت الثورة العلمية الأخرى قد حدثت في العقد الأخير من القرن الععشرين ، محدثة تطورات مذهلة في مجالات الهندسة الوراثية . ومن المؤكد أن تلك التطورات ستؤدي إلى تغيرات حياتية وأخلاقية غير مسبوقة في التاريخ . لقد تمكن العلماء خلال عقد التسعينيات من تفكيك الجينات الورائية للكائنات الحية ، وبالتالي الدخول إلى عالم الخلق الصناعي والمختبري لجميع الكائنات النباتية والحيوانية ، بما في ذلك الإنسان . لقد عبر العلماء نقطة اللاعودة في مجال نسخ الكائنات خلال هذا العقد ، وذلك بعد النجاح المذهل الذي حققه استنساخ النعجة دوللي ، والذي اعتبر أهم اكتشاف علمي سجل عام 1997م ، وربما خلال كل القرن المنصرم . ولم يعد الأمر يتوقف عند ذلك ، أوعند استنساخ عدد أكبر من الحيوانات ، فكل التقارير تشير إلى أن الإمكانيات أصبحت معـدة لنسخ الإنسان في المستقبل القريب ، بعد أن تم الإنتهاء من انجاز الخارطة الخاصة به ، وبعد أن تم بنجاح تحديد الخارطة الوراثية والجينات البشرية بأكملها . ولا شك أن ذلك يضع البشرية أمام احتمالات غير معقولة وغير مألوفة ، بضمنها امكانية القضاء الكلي والنهائي على كل الأمراض المزمنة كالإيدز والسرطان واحتمالات تعزيز القدرات الجسدية والعقلية للإنسان ، وتحسين السلالات البشرية ، والتحكم في سلوكيات الإنسان .. لكنها في ذات الوقت تحمـل مخاطر وخيمة وتهديدا مباشرا لمنظومة القيم الأخلاقية والدينية والاجتماعية والمواريث التي يؤمن بها الإنسان .
ولا جدال في أن هذه الثورة العلمية قد فتحت آفاقا معرفية لا نهائية لفهم أدق تفاصيل الكون والحياة والمادة ، وفهم مكوناتها وتفاصيلها الدقيقة ، بما في ذلك نشأة الكون وبروز الحياة على الكرة الأرضية .
ما الذي تستطيع الفلسفة أن تقدمه في معمعان هذه الحركة ، والفيلسوف بطبعه وبحكم وظيفته ، وكما رأينا ، انسان متأمل .. هل بإمكانه التعايش مع هذه التطورات المتلاحقة التي تأخذ مكانها بسرعة البرق ..؟ وماذا يمكنه أن يقدم لنا والأحداث تعصف به وتنسف مالديه من معلومات وآراء ومواقف ، رؤية ساكنة للكون ..؟ واي نظرية عامة للكون يمكن التنبؤ بها وصياغتها ، فضلا عن فرضها واستقطاب المريدين والأتباع حولها ..؟
من المؤكد أن صياغة نظرية فلسفية في مثل هذا الواقع أصبحت أقرب للمستحيل في ضوء الحقائق العلمية الجديدة .. فليس بإمكان متأمل متصوف أن يمسك بهذه التطورات من تلابيبها ، وأن يطوعها لصالح خلق رؤية فلسفية جديدة مستقرة في ظل عالم فوار يموج بالحركة والخلق والإبداع .. عالم يتغير باللحظة وليس بالساعة . وإذا افترضنا أن بإمكانه الإمساك بواحد من خيوط ، فإن سرعة حركتها ستقذف به وتجعله عاريا خاويا معلقا بالهواء .
هكذا يبقى الفيلسوف بل ربما بقينا نحن رغم كل ما اتيح لنا من ممكنات وأدوات علمية أسرى للهاث طويل ومستمر دون أن نصل إلى نهاية .. ذلك أن الإعصار جامح ومدمر.
لكن السؤال الذي يبقى بحاجة إلى جواب ، هل بالإمكان تصور قيام مجتمات إنسانية دون إشباع للروح ، ودون وجود منظومة جميلة من القيم والمبادئ والأخلاق .. مجتمع تغيب فيه الحكمة والشعر والأدب والموسيقى وكل ما يلامس القلب .. يركض فيه المرء بخواء ، وبتابع لهاثه دون غاية ، ودون وحدة مع الحقيقة .. مع المطلق .
فمنذ الأزل كان البحث عن الحقيقة هو الغاية الإنسانية المطلقة .. والحقيقة كما تعلمنا الإكتشافات والإختراعات نسبية دائما وأبدا . والوصول لها يعني فلسفيا أننا بلغنا خاتمة المطاف ، إذ ليس بعد الوصول سوى السكون .. وهو ما لا يمكن القبول به . ذلك أنه على الرغم من كل ما وصلنا له وأمكننا تحقيقه في هذا القرن ، فإننا نبدو وكأننا في بداية الطريق .
هكذا تواصل الانسانية ، دون خيار، حركتها واكتشافاتها وابداعاتها ، بوتاثر أعلى وأوسع .. مستغلة ما هو متوفر لديها من أدوات تحليل وتراكمات معرفية . وهنا تكمن المعادلة الصعبة .. فالمزيد من التقدم والإكتشافات العملية يقابله تراجع في كل ما يلامس القلب ، بحيث تصبح النفس جامدة متبلدة .
إنها حقا لمعضلة . وحلها هو أن نتمكن من تحقيق المزاوجة ، في بحثنا المستمر عن الحقيقة ، بين سوحنا العلمي الواسع بحثا عما في هذا الكون وبين الغوص إلى أعماق النفس البشرية مستعينين بالموروث ومنظومة القيم .. وما لدينا من فنون وابداعات ، وهي مزاوجة في غاية التعقيد ، لكننا مجبرون على التنبه لها وتفعيلها ، قبل فوات الأوان .






 

رد مع اقتباس
الأعضاء الذين قالوا بارك الله فيك/ شكراً لـ khelifa8 على المشاركة المفيدة:
مساحة إعلانية
قديم 2010-05-06, 19:26   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
khelifa8
عضو مميّز
 
الصورة الرمزية khelifa8
 

 

 
إحصائية العضو









khelifa8 غير متواجد حالياً


افتراضي

الفلسفة في عصر العلم والتقنية
نظرة فينومينولوجية*
إسماعيل المصدق

I- يتميز عصرنا الحاضر بالمكانة البارزة التي أصبح يحتلها العلم ، فالمعارف العلمية لم تبق سجينة المعاهد العلمية ، بل أصبحت متداولة في مختلف الأوساط ؛ إنها تنفذ - بشكل أو بآخر- إلى قلب حياتنا اليومية لتحدد تصورنا للعالم وتوجه تعاملنا مع الأشياء . وأكثر من ذلك ، فإن المعرفة العلمية أصبحت تعتبر نموذجا للحقيقة ، كما أصبح نعت " علمي " مرادفا لنعت " حقيقي " . هكذا أصبحنا نتكلم عن " التحليل العلمي " و" الخطة العلمية " حتى في ميادين بعيدة عن العلم . ومع سيطرة العلم في عصرنا الحاضر ترتبط سيطرة التقنية . ولا شك أن العلاقة الوثيقة والمتعددة الأبعاد بين العلم والتقنية تسمح بالحديث عن توجه أو أسلوب علمي- تقني يسود عصرنا الحاضر ويتغلغل في كل ميادين الحياة البشرية . ويمكن القول إن سيادة هذا التوجه العلمي- التقني هو السمة الأساسية لعالم اليوم .
وإذا كان الأمر كذلك ، فإنه سيكون على الفلسفة - لكي تساهم في فهم عالم اليوم - أن توجه نظرها نحو هذا التصور العلمي- التقني لفحص أسسه والكشف عن مسبقاته واستطلاع آفاقه . ونظرا لأن علم الطبيعة الرياضي يتخذ بالنسبة لهذا التصور دلالة حاسمة ، فإن التأمل حوله سيكون ضروريا لفهم العصر الذي نعيشه . ولكن لكي يساهم هذا التأمل في فهم عالم اليوم ، يجب أن لا يكتفي بتناول هذا العلم كمجرد بناء نظري مستقل وقائم بذاته ؛ بل يجب من جهة ، أن ينظر إليه في علاقته بعالم الحياة اليومية ومختلف أشكال التجربة البشرية ، ومن جهة أخرى أن يأخذ بعين الاعتبار سياقه التاريخي .
لا شك أن قيمة التحليلات التي قدمها كل من هوسرل 1859-1938 وهايدجر 1889-1976 لعلم الطبيعة الرياضي انطلاقا من منظورهما الفينومينولوجي ، تعود إلى أنها تراعي ، بكيفية صارمة ، هذين الاعتبارين . لهذا ، يبدو أنه من الممكن الاقتراب من الوضعية الراهنة المتميزة بسيطرة التوجه العلمي- التقني عن طريق المقارنة بين تحليلات هذين الممثلين المبارزين للفينومينولوجيا . إلا أن هذه المقارنة لا تهدف أساسا إلى بيان نقط الاتفاق والاختلاف بين المفكرين ، أو إلى البحث عن موقف جاهز إزاء التوجه العلمي- التقني السائد ؛ بل ترمي - قبل كل شيء - إلى الاحتكاك بالكيفية التي تعامل بها كل منهما مع الوضعية الراهنة ، والاقتراب بذلك من رؤية المشاكل التي تطرحها هذه الوضعية .
تختلف المقارنة المقترحة هنا في نقط جوهرية عن الكيفية التي تتم بها عادة المقارنة بين أفكار هوسرل وهايدجر. يتم عادة الانطلاق من افتراض أنه - بعد التحول الذي عرفه تفكير هايدجر ابتداء من الثلاثينات - لم يبق هناك أي معنى للمقارنة بينه وبيـن هوسرل . ويتم تبرير هذا الافتراض بأن هايدجر تخلى منذ الثلاثينات عن تقديم تفكيره كشكل جديد للفينومينولوجيا ، وهو الأمر الذي كان يؤكد عليه في الفترة التي نشر فيها كتابه الأساسي " الكون والزمان " (1927) . كما أن انقطاع الصلة بين هوسرل وهايدجر في الثلاثينات كان يظهر أنه يعزز هذا الافتراض . أما تأكيد هايدجر في بعض كتاباته الأخيرة بأنه ظل دائما وفيا للفينومينولوجيا فلم يكن يؤخذ مأخذ الجد(1) . لهذا السبب فإنه من المعتاد إلى الآن أن تنصب المقارنة بين الفيلسوفين فقط على الموضوعات التي اتخذ بصددها هايدجر موقفا صريحا من هوسرل . وهكذا لم يتم التفكير في المقارنة بين تحليلات الفيلسوفين لعلم الطبيعة الحديث والتقنية المرتبطة به . في مقابل هذا التوجه السائد ، يبدو أنه من الممكن - بل ومن الضروري - أن تمتد المقارنة بين الفيلسوفين إلى كتاباتهما المتأخرة كذلك . إن المقارنة الدقيقة بين تحليل كل منهما لعلم الطبيعة الحديث تبرز تشابهات وتناظرات عميقة في مواقفهما ، وذلك على الرغم من أن تلك التحليلات تم إنجازها في الوقت الذي كانت فيه الصلة بينهما منقطعة . على أن إبراز هذه التشابهات لا يهدف إخفاء الاختلافات العميقة بين الفيلسوفين ، خاصة في تصورهما للمستقبل ؛ بل بالعكس من ذلك ، إننا فقط عندما ندرك ما يوحدهما ، نستطيع أن ننفذ إلى عمق الاختلاف بينهما .
وإذا كان من المشروع أن تمتد المقارنة بين هوسرل وهايدجر إلى أعمالهما الأخيرة ، التي اتخذ فيها كل منهما بمعزل عن الآخر موقفا نقديا تجاه علم الطبيعة الحديث والعقلانية التقنية المرتبطة به ، فهذا لا يعني إقصاء أعمالهما الأولى من هذه المقارنة . إن النزعة السائدة لحد الآن في البحث حول هوسرل وهايدجر تنطلق من افتراض مفاده أنهما لم يتخذا ، موقفا نقديا تجاه العلم الحديث ، إلا ابتداء من الثلاثينات . وعلى العكس من ذلك ، يبدو من خلال تتبع عميق لنصوصها الأولى ، أن جذور نقدهما للعلم الحديث والتقنية المرتبطة به توجد في هذه النصوص ذاتها (2) . بل يمكن أكثر من ذلك أن نقول بأن الأصل الحقيقي لتأملهما النقدي حول سيطرة العقلانية العلمية - التقنية في العصر الحاضر يكمن في المنظور الفينومينولوجي ، الذي تبنـاه كل منهما في فترة مبكرة . إن التزامهما بالقاعدة الأصلية للفينومينولوجيا : " إلى الأشياء ذاتها " هو الذي مكنهما من إنجاز تحليل للعلم يبين أن المعرفة العلمية نمط لتعامل الإنسان مع العالم يحيل إلى شكل أصلي لتجربة العالم ويخفيه في نفس الوقت . إن الأساس الملموس لنقد علم الطبيعة الحديث يكمن - عند الفيلسوفين - في تحليل فينومينولوجي يبرز كيف يتجذر هذا العلم من حيث مصدره الأصلي في تجربة العالم اليومي ، وكيف يغترب تاريخيا عن الوجود اليومي . هناك إذن في منطلق المنظور الفينومينولوجي اتجاه أساسي هو الذي قاد هوسرل وهايدجر إلى مواقف نقدية متوازية ، حتى في الوقت الذي لم تبق فيه هناك علاقات مباشرة بينهما .
وإذا كان نقد هوسرل وهايدجر للعلم الحديث لم يحتل مركز الصدارة في تأملاتهما الفلسفية إلا في مرحلة متأخرة ، فذلك لا يرجع لكونهما قد تخليا عن المنظور الفينومينولوجي ، بل على العكس من ذلك ، إلى أنهما لم يتمكنا إلا بكيفية تدريجية من النفاذ إلى الإمكانيات الكامنة في المنطلق الفينومينولوجي . بفضل ذلك تمكنا من إدراك البعد التاريخي في عمقه ، ومن صياغة الأداة التي تمكن من إبراز الأساس التاريخي لعلم الطبيعة الرياضي . لم يبق التعامل مع هذا العلم مقتصرا على اعتباره إمكانية " لا زمنية " مرتبطة بتجربة الوجود اليومي ، بل أصبح هذا العلم يعتبر ظاهرة تنتمي للتاريخ الغربي . إن إدماج البعد التاريخي بكيفية جوهرية في تحليل العلم الحديث سيحول هذا التحليل إلى سؤال نقدي حول الدور الذي يلعبه هذا العلم في فقدان المعنى المميز للعصر الحاضر .
هذه المنطلقات تمكننا من فهم عمق الروابط وكذلك الاختلافات الموجودة بين تحليل هوسرل وهايدجر، وبالتالي من النفاذ إلى الإمكانيات التي تفتحها الفينومينولوجيا أمام التفكير في الوضعية الراهنة المتسمة بسيطرة التأويل العلمي- التقني للعالم . سيتأكد ذلك من خلال عرض مركز لتحليلات الفيلسوفين .
II- يقدم هوسرل في مؤلفه الأخير تشخيصا لأزمة العلوم والفلسفة (3) . يقصد هوسرل بالأزمة أزمة هذه العلوم في علاقتها مع الإنسان ومع عالم حياته اليومية ، وهي تتجلى في أن العلم والفلسفة أصبحا عاجزين عن معالجة الأسئلة التي تلتصق بالإنسان ، أسئلة المعنى والتاريخ والحرية . هذه الوضعية التي تعرفها الفلسفة والعلوم ترجع إلى سيادة النزعة الموضوعية ، التي تجعل من علم الطبيعة الرياضي نموذجا للعلم ، وتعتبر أن كل دراسة لا يمكن أن تكون علمية إلا إذا حققت المعايير التي بلورها هذا العلم . لمواجهة هذه النزعة يقوم هوسرل بتحليل فينومينولوجي تاريخي لعلم الطبيعة الحديث يستهدف الكشف عن الافتراضات الضمنية التي استند إليها والتي ساهمت في تحديد المفهوم الحديث للعلمية .
لا يقوم هوسرل في تحليله لعلم الطبيعة الحديث بعمل مشابه لعمل مؤرخ العلوم . إن الأمر لا يتعلق بتتبع الأحداث والوقائع المتعلقة بهذا العلم ، بل بتحليل يريد النفاذ إلى الإنجازات الخلاقة والحوافز الأولية والبداهات الأصلية التي سمحت بانبثاق هذا العلم . وهوسرل لم يصبح قادرا على القيام بمثل هذا التحليل التاريخي للعلم إلا بفضل تطويره المستمر للمنهج الفينومينولوجي وانتقاله مع بداية العشرينات من هذا القرن من الفينومينولجيا الستاتيكية إلى الفينومينولوجيا التكوينية . إن اعتماد المنهج الفينومينولوجي التكويني يجب أن يمكن من النفاذ إلى القصدية الحية التي انبثق عنها علم ما ، أو عموما أي شكل ثقافي كيفما كان ، تلك القصدية التي تكمن في أساس هذا العلم والتي كانت تحرك مؤسسيه ، حتى وإن بقيت مختفية عن أنظارهم . إن التحليل الفينومينولوجي التاريخي لا يهتم بالأشخاص الذين ساهموا في نشأة العلم وتطوره ولا بالظروف الزمانية والمكانية التي تم فيها ذلك ، بل يتساءل عن الشروط الكامنة في الوعي البشري من حيث هو وعي قصدي وفي عالم التجربة اليومية من حيث هو العالم المباشر بالنسبة للوعي ، والتي تسمح ، بغض النظر عن الأشخاص والظروف الزمانية والمكانية ، بنشأة علم ما أو انبثاق فكرته المؤسسة . إن الفكرة المؤسسة لعلم الطبيعة الحديث هي فكرة الصياغة الهندسية الرياضية للطبيعة ، هذه الفكرة تبدو لنا اليوم بديهية ولا تحتاج إلى سؤال . أما هوسرل فيرى أن تأسيس هذه الفكرة كان إنجازا جريئـا وأنه بفضل هذا الإنجاز فقط أصبحت هذه الفكرة بديهية ومقبولة تلقائيا . إن السؤال الذي يطرحه هوسرل بكيفية مشخصة إذن هو : ما هي الشروط الكامنة في عالم تجربتنا اليومية السابقة على كل علم التي وجهت الوعي نحو ابتكار فكرة الصياغة الهندسية الرياضية للطبيعة .
يتوقف هوسرل في جوابه عن هذا السؤال عند الهندسة الإغريقية قبل أن ينتقل الى جاليلي ليبين كيف توصل هذا الأخير إلى فكرة الصياغة الهندسية الرياضية للطبيعة . ثم يتابع هوسرل تحليله مبينا كيف اتخذ علم الطبيعة الطابع الصوري الرمزي وكيف تحول بذلك إلى نوع من التفكير شبيه بالعمل التقني الحرفي (4) . في هذا التحليل يبرز هوسرل حقيقتين :
1- إن المعرفة العلمية رغم دقتها وموضوعيتها تستند إلى معطيات عالم التجربة اليومية (5). هذه المعطيات تتميز بأنها ذاتية ونسبية ، ومع ذلك فإنها هي أساس كل معرفة موضوعية ودقيقة . إن الممارسة العلمية تتم في أفق العالم اليومي بصفته الأرضية التي تفترضها مسبقا كل ممارستنا النظرية والعملية . والموضوعات التي يهتم بها العلم يتم بناؤها اعتمادا على معطيات الحياة اليومية وبداهاتها . إن تحليل هوسرل لا يقودنا بتاتا إلى التشكيك في قيمة العارف العلمية ولا إلى وضع دقة هذه المعارف وموضوعيتها موضع سؤال . ولكن ما يرفضه هوسرل هو القيام بفصل المعرفة العلمية عن المعارف اليومية وعن التجربة السابقة على العلم . لقد تعودنا على اعتبار المعرفة العلمية نموذجا ومرجعا نحكم انطلاقا منه على كل الأشكال الأخرى للمعرفة والوعي . وهوسرل يريد أن يذكرنا بأن معارفنا الأصلية هي معارف غير علمية ، غير دقيقة وغير موضوعية ، وأن عالم تجربتنا اليومي الأصلي الذي نعيش فيه قبل العلم وخارجه هو أسبق من كل معرفة علمية . وعليه لا يمكن أن تنشأ المعارف العلمية إلا إذا توفرت على أساس في عالم تجربتنا اليومي . وإن البحث عن جذور المعرفة العلمية في التجربة اليومية لا يعني بتاتا التنقيص من قيمتها . ما لا يجب أن ننساه حسب هوسرل هو أن الموضوعات العلمية ليست معطاة من تلقاء ذاتها ، بل إنها تتأسس - مثل موضوعات الحياة اليومية - بفضل إنجازات للوعي القصدي انطلاقا من معطيات التجربة قبل العلمية وموضوعاتها (6) .
2- إن العلم ينشئ بفضل إنجازات خلاقة للوعي عالما من الموضوعات العلمية(7) . وحيث أن الوعي يستطيع أن يعود باستمرار إلى هذه الموضوعات ، وأن يشتغل عليها دون حاجة إلى استحضار الفعل المؤسس لها ، فإنه ينتهي عادة إلى نسيان هـذا الفعل الذي تم بفضله بناء تلك الموضوعات العلمية الدقيقة اعتمادا على المعطيات النسبية والذاتية للحياة اليومية . هكذا يتم نسيان عالم الحياة اليومية بصفته أساسا للمعرفة العلمية ويحصل اغتراب العلم عن التجربة اليومية .
في نسيان عالم الحياة اليومية كأفق لكل ممارستنا تكمن ، حسب هوسرل ، أزمة علم الطبيعة ، بل وأزمة كل العلوم الحديثة وحتى الفلسفة . هذا النسيان يزداد تعمقا مع اكتساح الصياغة الرمزية والصورية لكل حقول المعرفة العلمية . فمع طغيان الطابع الرمزي والصوري للمعرفة العلمية تختفي المعاني والدلالات الأصلية للأشياء وراء رموز فارغة ، يمكن أن نشتغل عليها وأن نجري عليها عمليات متعددة دون التساؤل عن مضمونها . هكذا يتحول التفكير العلمي إلى نوع من الحساب يتم إجراؤه بكيفية صورية على رموز وقضايا فارغة من أي مضمون يذكر بعلاقتها بالعالم اليومي . إن التفكير العلمي يصبح شبيها بالنشاط التقني الحرفي الذي يقوم على التمرن والعادة ، لا على التأمل والابتكار . يتبين إذن - مع هوسرل - أن العلاقة بين العلم والتقنية الحديثين هي أعمق مما يعتقد عادة ، فالتقنية ليست مجرد تطبيق للعلم ، بل إن الروح التقنية تسود العلم ذاته كمعرفة نظرية . إن العلوم الحديثة هي في عمقها علوم تقنية .
مع طغيان الطابع التقني المنهجي في العلم الحديث ، يبلغ نسيان عالم التجربة اليومية حده الأقصى . وهكذا يسود الاعتقاد بأن العالم كما تتمثله القوانين والنظريات العلمية ، والذي ليس في الأصل سوى نتاج لإجراءات منهجية تقنية ، هو العالم الحقيقي ، وبأنه موجود باستقلال عن كل وعي . أما عالم تجربتنا اليومية فينظر إليه كمجرد تعبير ذاتي تقريبي عن العالم الحقيقي ، ولذلك فهو لا يستحق أن يكون موضوعا للدراسة العلمية . يرى هوسرل خطورة هذه النزعة الموضوعية التي تسود العلم الحديث في أنها تقود إلى انفصال العلم عن عالم التجربة اليومية .
إن تخلي العلم عن آفاق عالم الحياة البشرية يؤدي إلى انفلات البحث العلمي من مسؤولية الإنسان ، فالبحث العلمي يتحول إلى عملية لا نهائية تتجسد في إجراءات منهجية تقنية للسيطرة على العالم الرياضي اللانهائي ومختلف قطاعاته . هكذا يصبح دور العالم مقتصرا على متابعة قطاع أو مجال من العالم ، دون أن يكون مضطرا للتساؤل عن علاقة البحث الذي يمارسه بآفاق الحياة اليومية وعن غاياته . إن آفاق العلماء والباحثين تضيق شيئا فشيئا ، بحيث يبدو في نهاية الأمر كما لو أنهم أصبحوا مجرد أجزاء أو قطع داخل آلة كبرى ، تعطي نتائج مفيدة ، ولكن دون أن يعرفوا كيف تشتغل هذه الآلة ، وما هي علاقتها الأصلية بعالم الإنسان . إن البحث العلمي يتجه إلى أن يتحول إلى " شغل " مقسم بكيفية دقيقة إلى مهام جزئية يقوم كل عالم بإحداها ويكون مسؤولا عنها هي فقط . يسير هذا الشغل بكيفية أتوماتيكية مستقلة ، وذلك دون أن يشعر العلماء بأية ضرورة حية للتساؤل عن سياق المعنى الشامل ، أو عن الأفق الذي يندرج فيه كل مشروع بحث جزئي . معنى ذلك أن المسؤولية الشاملة عن سير البحث تخرج من يد العلماء والعلم عموما . وبالفعل ، فإن العلم أصبح يبدو كما لو كان آلة رهيبة تسير حسب قانونيتها الداخلية وتحمل غائيتها الخاصة . إن عالما مصوغا على أساس تأويل علمي- تقني للأشياء ومتحررا من كل علاقة بالتجربة اليومية وبأفاق الحياة البشرية هو حقا عالم غير إنساني . وبهذا المعنى يرى هوسرل أن سيطرة العقلانية العلمية - التقنية مسئولة عن أزمة المعنى والتوجه التي تطبع العالم الحاضر.
يتساءل هايدجر هو الآخر عن الشروط التي سمحت بنشأة علم الطبيعة الحديث(8) . وهو يرفض الرأي السائد الذي يرجع ظهور هذا العلم إلى اتجاه العلماء نحو ملاحظة الوقائع أو إلى المكانة التي أصبحت تحتلها التجربة في العلم أو تطبيق الرياضيات في دراسة ظواهر الطبيعة . إن هايدجر لا ينفي وجود هذه الصفات في علم الطبيعة الحديث ، إلا أنه في نفس الوقت يرى أنها ليست هي العامل الحاسم في نشأة هذا العلم . فنشأة علم الطبيعة الحديث ترتبط أساسا بما يسميه هايدجر المشروع الرياضي للطبيعة . وهو لا يقصد بذلك قرارا اتخذه العلماء من أجل استعمال الرياضيات في دراسة الطبيعة ، بل بروز فهم جديد للطبيعة يختزلها إلى كتلة من الأجسام المادية تتحرك في إطار زماني ومكاني متجانس . هذا التصور للطبيعة يلغي كل الفروق الكيفية بين الأجسام والظواهر ويحولها إلى مجرد فروق كمية يمكن قياسها والتعبير عن العلاقات بينها رياضيا . ففي الطبيعة كما يتصورها العلم الحديث ليس هناك فرق جوهري بين جسم وآخر ( مثلا بين الأجسام السماوية والأرضية ) ، بين حيز مكاني وآخر أو بين نقطة زمانية وأخرى .
إن الطبيعة كموضوع لعلم الطبيعة الرياضي ليست هي الطبيعة في كيفيات وجودها الأصلية ، ليست هي الطبيعة كما تظهر في أشكال تجربتنا السابقة على العلم . إن علم الطبيعة لا يقوم إلا على أساس اختزال الطبيعة وتقنيعها . بموازاة مع ذلك ينبه هايدجر - مثل هوسرل - إلى الطابع التقني لعلم الطبيعة الحديث . وهو لا يعني بذلك فقط أن هذا العلم أصبح يرتبط أكثر فأكثر بالتطبيقات التقنية ، بل إنه يرى هو الآخر أن الروح التقنية تسود العلم الحديث كنظرية ، وأن هذه الروح التقنية تتجلى في طغيان الطابع المنهجي للعلم . يفهم المنهج في علم الطبيعة الحديث بصفته مجموع العمليات والتدابير والإجراءات التي يقوم بها العـالم من أجل إرغام الكائن على أن يظهر ذاته . إن العلم القديم يفهم ذاته كنظرية ، والنظرية هي نظر ورؤية ، تأمل ومشاهدة ، ومهمة النظرية هي أن تجعلنا نرى الكائن كما يظهر هو ذاته من تلقاء ذاته . وهذا معناه أن النظرية تمنع علينا كل تدخل في مجرى الكائنات والظواهر التي ندرسها . أما المعرفة النظرية في العلم الحديث فإنها لا تترك الكائن يظهر ذاته ، بل إن الباحث يتدخل في مجرى الظواهر ويحدد - حسب قواعد منهجية - الشروط التي ينبغي أن تتم فيها مراقبة الطبيعة .
هذا التحول في موقف العالم الحديث من الطبيعة أدركه كانط وعبر عنه بكيفية لامعة في تصدير الطبعة الثانية " لنقد العقل الخالص" حيث يقول : " يجب على العقل أن يتجه إلى الطبيعة حاملا في يد مبادئه التي يمكنها هي وحدها أن تعطي للظواهر المتطابقة طابع القوانين ، وفي اليد الأخرى التجربة التي تخيلها حسب تلك المبادئ ؛ صحيح أن العقل يتجه إلى الطبيعة لكي يتعلم منها ، ولكن ليس كتلميذ يتقبل كل ما يقوله المدرس ، بل كقاض منصب يرغم الشهود على الإجابة على الأسئلة التي يضعها أمامهم "(9) . إن التدابير المنهجية التي يتخذها العالم تحدد مسبقا المجال الذي يجب أن يظهر فيه الكائن والزاوية التي يجب أن ينظر منها إليه .
بهذا المعنى يمكن الحديث عن سيطرة الطابع المنهجي على العلم أو أسبقية المنهج بالنسبة للشيء ، وهو الأمر الذي سبق أن سجله نيتشه في " إرادة القوة " : " ليس انتصار العلم هو ما يميز قرننا التاسع عشر، بل انتصار المنهج العلمي على العلم "(10) . بفضل المنهج يرغم الكائن على أن يظهر حسب خطاطاتنا وتصميماتنا المسبقة وشبكاتنا التأويلية . أمّا ما لا يظهر في ضوء هذه الخطاطات ، فلا يعترف به كموضوع للعلم ، بل ولا يعتبر كائنا . إن سيطرة هذا الطابع المنهجي التقني تعمق اختزال الكائن وتؤدي إلى إلغاء الفوارق بين الكائنات ، بل وبين مجالات الكائن .
إن سيطرة الروح التقنية في عصرنا لا تطال العلم فقط ، بل تخترق كل ميادين الحياة البشرية . هذه السيطرة ليست راجعة إلى إجراء اتخذه الإنسان ، بل إلى التحول الذي عرفه الكون(11) في العصر الحديث . إن كل علاقة يقيمها الإنسان مع الكائن تتم على ضوء تأويل معين للكون ، وهذا التأويل لا يختاره الإنسان بمحض إرادته ، بل يتحدد حسب هايدجر، بتأويله الخاص للكائن . حسب هذا التأويل يظهر الكائن كمجرد موضوع ، إن الكائن لا يظهر للتفكير والفعل البشريين إلا كموضوع للتمثل والسيطرة ، ولا يبقى له أي كيان أو قوام خاص ، بل يصبح مجرد مناسبة للسيطرة العلمية والتقنية . ويبلغ هذا التأويل حدا أقصى عندما تظهر الطبيعة كمجرد مورد للطاقة والمادة الأولية ، أي كمجال لتحقيق سيطرتنا . هكذا تتحول علاقتنا بالكائن إلى مسلسل دائم لغزوه واقتحامه وإخضاعه لإرادتنا . ومما لاشك فيه أن هذه العلاقة مع الكائن بلغت في الوقت الحاضر حدا أقصى يتجاوز حتى ما كان منتظرا في بداية العصر الحديث .
صحيح أن برنامج العلم الحديث يقوم منذ بيكون وديكارت على إنشاء معرفة بالطبيعة تمكن من التحكم فيها وتوجيهها لما فيه مصلحة الإنسان . فديكارت يعبر في القسم السادس من " المقال عن المنهج " عن ضرورة التخلي عن الفلسفة التأملية السكولائية وإنشاء فلسفة عملية تمكننا من أن نعرف قوة وحركات النار والماء والهواء والنجوم والسماوات وبقية الأجسام التي تحيط بنا ، ومن أن نستعملها لنصبح سادة على الطبيعة ومالكيها . إلا أننا يجب أن نلاحظ هنا بأن القوى التي يستعرضها ديكارت هي القوى التي تظهرها الطبيعة من تلقاء ذاتها ، أي بدون تدخلنا . ما يمكن أن يقوم به الإنسان هو أن يسخر هذه القوى ويتحايل عليها . ( لفظ mechane الذي اشتقت منه الميكانيك يعني في اللغة اليونانية استعمال الحيلة). أما علاقة الإنسان اليوم بالطبيعة فتختلف عن ذلك ، فقد اصبح بإمكاننا أن نرغم الطبيعة على أن " تنتج " ما لم يكن من الممكن أن تنتجه دون تدخلنا ، ومعنى ذلك أننا أثرنا قواها وحررناها باتجاه تغيير وجه الطبيعة ، بحيث أصبحنا نتجه - وهنا تكمن المفارقة - إلى أن نجد أنفسنا أمام طبيعة من صنعنا ، أي أمام " طبيعة مصنوعة " .
إن هذه العلاقة الجديدة بالطبيعة تتأسس ، حسب هايدجر، في سيادة التقنية . ففي العالم التقني لا يبدو الكائن إلا كمصدر للطاقة . وسلوك الإنسان إزاء الكائـن هو استثارته على أن يظهر لنا كطاقة وإرغامه على أن يسلم لنا رصيد الطاقة الكامن فيه ؛ هذا الرصيد يجب تخزينه وتدبيره وتحويله . ونظرا لأن هذه الطاقة تنفذ بعمق إلى مجالات إقامة الإنسان ، فإنه من الضروري تأمين استعمالها وإخضاعها لسلطة الإرادة وأوامرها ، أي وضعها تحت الطلب في انتظار أوامر الإرادة(12) . ويكفي اليوم أن أعطي للطبيعة أمـرا بالضغط على زر لكي أستعمل ذلك الرصيد الجاهز وأثير مسلسلا للتأثير في قوى الطبيعة . إن الأمـر الذي تصدره الإرادة ليس مستقلا عن الطبيعة ، بل هو البداية الفعلية لمسلسل التأثير في الطبيعة وقواها . وبعبارة أخرى ، إن إرادتنا أصبحت في العالم التقني متغلغلة في الطبيعة ، إنها لا تكتفي بتسخير الطبيعة ، بل أكثر من ذلك تحدد ماهيتها ، أي كيفية حضورها وظهورها .
نظرا لأننا في ظل سيطرة التقنية لا نرى الكائن إلا من زاوية الطاقة الكامنة فيه ، فإن علم الطبيعة الرياضي لا يرى في الطبيعة إلا قوى يجب ملاحقتها وحسابها وصياغتها في قوانين تجعل حسابها والتحكم فيها ممكنين . يتأكد إذن من جديد أننا أمام معرفة نظرية تحمل هي ذاتها طابعا تقنيا ، ولهذا السبب فقط يمكن أن تنتقل مباشرة إلى التطبيق التقني .
هذه العلاقة بين النظرية والتقنية تبدو لنا في الوقت الحاضر أمرا طبيعيا ، ويصعب علينا أن نتصور بأن العلاقة بينهما يمكن أن تتخذ شكلا آخر. وعلى العكس من ذلك فإن تصور العلاقة بينهما على هذا النحو أمر جديد مرتبط بتحولات حاسمة حدثت في العصر الحديث . ولكي ندرك ذلك يكفي أن نذكر بالكيفية التي فهم بها الإغريق النظرية والتقنية . إننا نتصور عادة العلاقة بين النظرية والتقنية كعلاقة بين المعرفة والتطبيق . ولهذا فأول ما يفاجئنا في التجربة الإغريقية كما عبر عنها أرسطو هو أنها تضع النظرية theoria والتقنية techne على نفس المستوى . فالنظرية هي المعرفة التي يكتمل بها العلم ويحقق غايته . ولكن techne هي أيضا نوع من المعرفة ، وهي بالضبط المعرفة التي ترافق الفعل البشري وتقوده إذا كان يتجه إلى إنتاج منتوج يستقل في نهاية الأمر عن الفعل الذي أنتجه ، كما تستقل الطاولة مثلا عن فعل النجار عند اكتمال هذا الفعل . هذا النوع من الفعل يسميه أرسطو poiesis ( وذلك في مقابل praxis بالمعنى الضيق الذي يخصصه أرسطو للدلالة على الفعل البشري الذي لا ينتهي بإنتاج منتوج مستقل عنه مثل الفعل الأخلاقي أو السياسي ) . techne هي نمط المعرفة التي يتم حسبها الـ poiesis ( كما أن الـ praxis له نمط خاص من المعرفة هو phronesis أي الكياسة أو اللباقة )(13) ، وهذه المعرفة يمكن أن تكون ضمنية وغير معبر عنها . إذن techne هي كذلك نوع من المعرفة مثل theoria . وعلاوة على ذلك، فإن theoria حسب أرسطو هي المعرفة التي تبتغى لأجل ذاتها لا لتحقيق هدف آخر مهما كان ، إن العلم النظري هو غاية ذاته وبه تتحقق أعلى درجات السعادة(14) . وأكثر من ذلك فإن المعرفة النظرية هي ذاتها غير قابلة للتطبيق حسب أرسطو.
وعلى خلاف ذلك ، فإن النظرية اليوم ليست سوى وسيلة للتحكم في الطبيعة ، إنها لا تطلب إلا من أجل السيطرة على قوى الطبيعة . بل وأكثر من ذلك ، إنها موجهة منذ المنطلق نحو هذه الغاية ، وقيمتها الوحيدة تتحدد حسب الإمكانيات التي تفتحها أمامنا للسيطرة على قوى الطبيعة . وهكذا فليست التقنية ، حسب هايدجر، نتيجة لتطبيق معارف علم الطبيعة على الواقع ، بل إن المعرفة العلمية بالطبيعة هي ذاتها تقنية من حيث إنها تشتغل بكيفية تقنية ، ومن حيث إنها ليست سوى معرفة بقوانين التأثير في الطبيعة(15) . إن التطبيق التقني لهذه المعرفة ليس ممكنا إلا لأنها هي ذاتها كمعرفة تحمل طابعا تقنيا . ويتجلى هذا الطابع التقني ليس فقط في أن هـذه المعرفة موجهة منذ المنطلق نحو السيطرة التقنية على قوى الطبيعة ، بل في أن أسلوب عملها هو أيضا أسلوب تقني . فالفرق بين العالم والمجرب والمهندس أصبح يتضاءل باستمرار، كما أن العالم أصبح ينشئ النظرية داخل المختبر، وأصبح من الضروري أن يتوفر هو نفسه على كفاءة تقنية في استخدام الآلات المخبرية وخاصة في استخدام الحاسوب . والمعرفة العلمية يتم التعامل معها بنفس الأسلوب الذي يتم التعامل به مع الكائن عموما . فالمعارف العلمية هي أيضا طاقة ، وهي أيضا تختزل إلى معلومات مصوغة حسب نفس النمط ، أي إن العالم يجب أن يرغم المعارف العلمية على أن تظهر كمعلومات عليه أن يجمعها ويخزنها ، أن يعالجها ويدبرها ، أن يؤمنها ويضعها تحت الطلب حتى تكون رهن إشارة الإرادة وأوامرها .
إن سيطرة العقلانية العلمية- التقنية تعود حسب هايدجر إلى أن الكائن يظهر في العصر الحديث كموضوع لتمثلنا وكرصيد لأجل التحكم التقني في العالم ؛ وما دام الأمر كذلك ، فكل ما هو كائن يمكن إخضاعه لتمثلنا وإرادتنا ، لا شيء يمكن أن ينفلت من قبضتنا . هذه الروح التي تميز الإنسان الحديث تقوم على تأويل خاص للكائن ، وهذا التأويل ليس ، حسب هايدجر، سوى حلقة في تاريخ نسيان الكون ، هذا النسيان الذي يطبع التاريخ الغربي ويؤسسه .
مع سيادة التصور العلمي- التقني لا يظهر الكائن إلا كطاقة صالحة للسيطرة ، وخطورة ذلك تكمن في انتشار الاعتقاد بأن هذه الكيفية هي الكيفية الوحيدة لظهور الكائن . هكذا يتم النظر إلى الإنسان ذاته في ضوء هذا التأويل(16) ، ويبدو هو الآخر كمجرد طاقة ثمينة يجب إخضاعها إلى كل أشكال التحكم التقني التي تعرفها الحياة المعاصرة : التنظيم التقني للعمل ، تدبير الموارد البشرية ، التعامل مع " الكتل البشرية " كقدرة على العمل والإنتاج ، التسيير البيروقراطي ، صنع الرأي العام ... وأكثر من ذلك ، فإنه في مسلسل السيطرة على الطبيعة تقع على الإنسان مهمة تأسيس إرادة السيطرة وإنشائها ، توسيعها وإكمالها . وهكذا فإن الإنسان يعرف هو أيضا - في ظل سيادة ماهية التقنية - تحولا كبيرا ، إذ عليه أن يكمل إرادة السيطرة أي أن يضطلع بالإرادة بصفتها السمة الأساسية لماهيته . إن الإرادة لا تطبع ماهية الطبيعة فقط ، بل كذلك ، وبنفس القدر، ماهية الإنسان .
ما يجب ملاحظته ، هو أن هذا الاتجاه المتزايد للسيطرة على الكائن لا يعرف حدودا . فكل محطة في مسلسل السيطرة تفتح إمكانيات جديدة ، وهكذا دون نهاية . هذا الإحساس بلا نهائية مسلسل السيطرة ربما ليس سوى نتيجة لأن هذا التحكم التقني ليس مجرد وسيلة لتحقيق غايات معطاة سلفا ، بل إنه غاية في حد ذاته ، أو بعبارة أخرى ، إن مسلسل غزو الكائن وإخضاعه لإرادتنا هو مسلسل ليس له غاية . وحيث أن غياب الغايات يفزعنا ، فإننا نضع غايات لهذا التحكم . وما المبالغة في الحديث عن الأهداف والغايات في كل المجالات سوى تعبير عن غياب غايات حقيقية . إلا أن الغايات التي تضعها إرادة السيطرة ليس لها من قيمة إلا من حيث إنها تستنفر إمكانيات جديدة للسيطرة والتحكم ، ولهذا تفقد كل قيمة بمجرد أن تفقد قدرتها على الاستنفار؛ وهذا واضح لأن إرادة السيطرة هي ذاتها التي تحدد الغايات ، بينما المفروض أن تتحدد الإرادة ذاتها وفقا لغايات معطاة مسبقا . إن إرادة السيطرة ليس لها من غاية إلا السيطرة ، إننا أمام إرادة لا تريد إلا ذاتها ، أمام إرادة الإرادة . إن إرادة الإرادة وغياب الغايات يرتبطان ارتباطا وثيقا بفقدان المعنى المميز للعصر الحاضر(17) .
يصل هايدجر، كما نلاحظ ، إلى نتائج مشابهة للنتائج التي توصل إليها هوسرل . في مقابل نسيان عالم الحياة اليومية الذي يطبع ، حسب هوسرل ، الوضعية الحالية ، يتحدث هايدجر عن نسيان الكون . والفيلسوفان معاً يريان أن هذا النسيان ليس سوى تعميق لذلك النسيان الذي حدث مع بداية التاريخ الغربي . ومع ذلك ، فإن تأويلهما للتاريخ الغربي يختلف بشكل يجعل تصوراتهما للتخلص من هذا النسيان متعارضة تماما .
يرى هوسرل أن ميلاد أوربا ككيان ثقافي تاريخي تم في اليونان القديمة ، مع ابتكار شكل ثقافي جديد مطلقا هو العلم أو الفلسفة(18) . وهما معا لا يعنيان عند هوسرل سوى طموح الإنسان إلى أن يوجه حياته النظرية والعملية توجيها عقلانيا ، وأن يؤسس معارفه وممارساته على معايير العقل . هذه هي الفكرة الأصلية للفلسفة ، التي يرى هوسرل أن أفلاطون هو أول معبر عنها ، وهي الفكرة التي حملتها الثقافة الأوربية دون أن تتمكن من تحقيقها ، وذلك بسبب نسيان عالم الحياة اليومية الذي ألم بالعلم والفلسفة منذ بدايتهما . هذا النسيان سيتعمق جذريا مع نشأة علم الطبيعة الرياضي . وهوسرل يرى أن الخطورة لا تكمن في هذا النسيان ذاته ، ذلك أن نسيان العالم اليومي أمر ضروري لكي ينشأ علم الطبيعة ويتقدم . إن الخطورة تكمن حسبه في أن العلم ينسى هذا النسيان . لا يكمن المشكل في أن ينشئ الفيزيائي طبيعة رياضية وأن يتعامل معها كبناء منهجي ، ولكن في أن يعتقد أن الطبيعة هي في ذاتها رياضية قبل كل إجراء منهجي ، وأن مهمته تكمن في ملاحقة هذه الطبيعة الرياضية والتعبير عنها في قوانين ونظريات . إن نتيجة هذا الفهم هو انفلات البحث العلمي من آفاق الحياة البشرية ومن مسؤولية الإنسان .
بناءًَ على ذلك فإن تجاوز أزمة العلوم يكمن في إعادة ربط البحث العلمي بآفاق العالم اليومي ، الأمر الذي يتطلب ، حسب هوسرل ، إنشاء علم فلسفي بالعالم اليومي يبين كيف أن العلوم الموضوعية تتأسس على التجربة اليومية . والفينومينولوجيا عندما تنشئ علما بالعالم اليومي وتبرز كيف يتأسس هذا العالم بالنسبة للوعي ، ستكون قد حققت الفكرة الأصلية للفلسفة . إن الثقافة الأوروبية ابتعدت خلال تاريخها عن فكرتها الأصلية ووقعت ضحية النزعة الموضوعية ؛ وبرنامج الفينومينولوجيا يكمن في تطهير الفلسفة والعلم من هذه النزعة وتحقيق الفكرة الأصلية للفلسفة كعلم صارم .
يقف هايدجر أيضا في تأويله التاريخي عند أفلاطون . فمع أفلاطون تبتدئ الميتافيزيقا التي تشكل ، حسب هايدجر، الأساس الحامل للتاريخ الغربي بأكمله . يحدد هايدجر الميتافزيقا كنسيان للكون ، ويبرز هذا النسيان من خلال الوقوف عند أفلاطون(19) . مع أفلاطون بدأ تأويل الكون على ضوء التفكير. فالكائن الحقيقي حسب أفلاطون هو الفكرة ، بمعنى المثال الأفلاطوني ، أي حسب تأويل هايدجر لأفلاطون ، المظهر الذي تبدو به الأشياء لنظرنا العقلي . مع تأويل الكون على ضوء التفكير يبتدئ نسيان الكون ، أي نسيان أن الاختفاء سمة أساسية للكون . هذا النسيان سيبلغ حده الأقصى في العصر الحديث والميتافيزيقا المؤسسة له التي تفهم الكائن كمجرد موضوع للتمثل والتحكم البشريين . كلما لاحق الإنسان الكائن وأحكم سيطرته النظرية- التقنية عليه ، كلما ازداد الكون اختفاء ، أي كلما استعصى على الإنسان الانتباه ، إلى أن إرادة السيطرة هذه ليست نتيجة لقرار اتخذه الإنسان ، بل حدثا وجد الإنسان ذاته منخرطا فيه ، وكلما استغلق عليه أن يدرك بأن الكون ذاته - وليس الإنسان - هو الذي يجعل الكائن يظهر كموضوع للسيطرة .
إن التأويل العلمي- التقني للعالم والتوجه المرتبط به هو ، حسب هايدجر، اكتمال للميتافيزيقا ، أي للأفلاطونية ، وليس انحرافا عنها كما يعتقد هوسرل . ولهذا فلا مجـال ، حسب هايدجر، لتصحيح مسار التاريخ الغربي أو لإحياء أصل تم تحريفه . إن الخروج من الوضعية الراهنة لا يمكن أن يتم إلا مع بدء آخر - بالمقارنة مع البدء الأول عند الإغريق- يصبح فيه التفكير قادرا على تجربة الكون كاختفاء ، وبالتالي على تهييء شكل جديد للإقامة في العالم وللتعامل مع الأشياء لا يأخذها كمجرد موضوعات للسيطرة التقنية . وهذا لا يعني أن الإنسان قادرة بإرادته وتخطيطه على مغادرة التأويل العلمي- التقني وابتكار تأويل جديد . إن الإنسان - حسب هايدجر- هو المحل الذي ينفتح فيه الكون ويحصل فيه بالتالي المعنى ؛ ولكن مع ذلك فالإنسان لا يحدد الكيفية التي يؤول بها الكائن ، بل يجد ذاته منخرطا في هذه الكيفية . وعليه فإننا لا نستطيع بقرار إرادي تغيير التصور العلمي- التقني السائد ، بل لا يمكننا إلا أن ننتظر تحولا للكون وأن نستعد لتقبل هذا التحول والاستجابة له . ويرى هايدجر في النسيان التام للكون الذي بلغ أوجه في العصر الحاضر ما يسمح بالاعتقاد بأننا على أبواب تحول في الكون .
III- يبدو ، من خلال هذا العرض ، أن هوسرل وهايدجر يلتقيان إلى حد بعيد في تحليلهما للعلم الحديث والتوجه التقني المرتبط به . ومع ذلك ، فإنه لا ينبغي أن نقلل من شأن الاختلافات بينهما . فهوسرل ينظر إلى نسيان عالم الحياة اليومية " كمرض " طارئ يمكن علاجه عن طريق إنشاء علم فلسفي بهذا العالم . أما هايدجر فيرى أن نسيان الكون ليس وليدا لإهمال بشري أو لخطأ طارئ ألم بالتاريخ الغربي ، بل إنه أساس هذا التاريخ . إن الإرادة المتنامية للسيطرة العلمية- التقنية على الكائن ليست ممكنة ، إلا على أساس نسيان أن الاختفاء هو سمة أساسية للكون . هذا النسيان ليس حدثا بشريا ، بل إنه حدث ينتمي إلى الكون ذاته ، ولذلك لا يمكن علاجه أو تداركه بقرار من الإنسان .
لا ينبغي أن يثير هذا التعارض بين الفيلسوفين خيبة أملنا . فالمقارنة بينهما لم تكن تهدف إلى البحث عن تصور جاهز لمشاكل العالم الحاضر أو عن طريق معبد لتجاوزها ، بل إلى تمثل الكيفية التي تعامل بها الفيلسوفان مع الوضعية الحالية ، واستكشاف الإمكانيات التي يفتحها هذان الممثلان البارزان للفينومينولوجيا أمام الفلسفة في زمن سيادة العلم والتقنية .
تكمن الأهمية الأساسية لتحليلات هوسرل وهايدجر في إبراز الطابع التقني للعلوم الحديثة . هذه العلوم هي في عمقها علوم تقنية لأنها مسكونة بهم السيطرة على العالم من جهة ، ولأنها تفكر بكيفية تقنية من جهة أخرى . وهذا لا ينطبق على علوم الطبيعة فقط ، بل حتى على علوم الإنسان . وأكثر من ذلك ، فإن التصور العلمي- التقني يتجه إلى أن يفرض ذاته في كل المجالات بوصفه الأسلوب الوحيد الممكن للتفكير والحياة . إن تحول العلم التقني إلى أسلوب ثابت في التفكير يجعل كل مشاكلنا تبدو وكما لو كانت مشاكل تقنية يمكن حلها باستعمال ممارسات تقنية . وحتى التعليم والتكوين يختزل دورهما في نقل مهارات جاهزة قابلة للتطبيق في كل آن . لا شك أن إنسانا متشبعا بالأسلوب التقني يمكن أن يكون ماهرا في استعمال آليات التفكير العلمي- التقني ، ولكنه سيكون حتما عاجزا عن تخطي الحدود التي ترسمها هذه الآليات ، أي سيكون عاجزا عن إبداع آفاق جديدة للمعرفة والفعل ، وعن ابتكار إمكانيات جديدة لوجودنا وحريتنا .
بناءا على ذلك ، فإنه سيكون على الفلسفة أن تخضع العلوم التقنية السائدة لتحليل نقدي ؛ هذا التحليل يجب أن يتناول العلم كقوة توجه حياة الإنسان اليومية في مختلف الميادين . يجب ملاحقة هذه العلوم التقنية في كل أشكال حضورها الظاهرة والخفية في عالمنا الراهن . ولا يعني ذلك التشكيك في حقيقة النظريات العلمية ، بل بيان أن الحقيقة العلمية ليست هي الحقيقة الأخيرة ، وأن العلم ليس هو الكلمة الأخيرة في حياة الإنسان . كما أن هذه المتابعة النقدية لن تهدف إلى البحث عن حقيقة أصلية للأشياء ، أو عن فردوس مفقود يجب استعادته ، بل فقط إلى إدراك العلوم التقنية في حدودها ، والتنبيه إلى المخاطر التي تنجم عن تحول هذه العلوم إلى غاية في ذاتها ، بدل أن تكون مجرد وسيلة .
والفلسفة عندما تتخذ إزاء العلم موقفا نقديا ، فإنها لا تقوم إلا بممارسة مهمتها الأصلية . فالفلسفة لا تقبل أية افتراضات أو مسبقات ، بل تخضع كل شيء للنقد والتساؤل . عندما يتخذ الإنسان الموقف الفلسفي ينكشف العالم في ضوء جديد ، حيث تفقد البديهيات بداهتها ، وتصبح القناعات الراسخة في حاجة إلى تأسيس ، وتبدو الأشياء المألوفة في غرابتها . ولكي تكون الفلسفة وفية لمعناها الأصلي ، يجب أن تتخذ هذا الموقف إزاء التوجه العلمي- التقني السائد في عالم اليوم ، أي يجب عليها أن تحطم هذه الألفة التي أصبحت تربطنا به وتجعله يبدو وكما لو كان أمرا بديهيا ، يجب عليها أن تجعله يبدو في غرابته .
إلا أن الفلسفة ، لكي تكون قادرة على القيام بهذه المهمة ، يجب عليها ، هي ذاتها ، أن تتحور من هذا التوجه العلمي- التقني الذي بدأ تأثيره يمتد إليها هي كذلك . وهكذا لم يعد غريبا أن نسمع داخل الفلسفة أصواتا تعبر- بكيفية أو بأخرى - عن هذا التوجه . فهناك من يدعو مثلا إلى أن الفلسفة يجب أن تقتصر على تتبع مختلف مجالات المعرفة العلمية وأن تتوزع هي ذاتها مثل العلوم إلى تخصصات جزئية ودقيقة . بل وأكثر من هذا ، هناك من يرى أن الفلسفة يجب أن تتخلى عن مهمتها التقليدية في توجيه الحياة العملية الأخلاقية ، بحجة أن الفلسفة ، لكي تحافظ على " علميتها " ، يجب أن تترك هذه المهمة للإيديولوجيات ورؤى العالم . ومما يثير الاستغراب أن ينتشر هذا التصور في هذا الوقت بالذات ، حيث تتخذ سيطرة الإنسان على الطبيعة وعلى الإنسان أبعادا مخيفة تطرح بكل إلحاح مهمة التفكير في قضايا التوجه الأخلاقي الفردي والجماعي .
إن الفلسفة لا يمكن أن تتعامل تعاملا نقديا مع التوجه العلمي- التقني إذا لم تتحرر منه . والفينومينولوجيا ، بدعوتها للرجوع " إلى الأشياء ذاتها " ، وبإحالتها إلى أشكال لتجربة العالم والأشياء سابقة على المعرفة العلمية ومختلفة عنها ، تقدم مساهمة أساسية على هذا الطريق . هذا هو الدرس الأساسي الذي نستخلصه من المقارنة بين هوسرل وهايدجر ·

الهوامش :

(*) يعتمد هذا المقال بشكل أساسي على الأطروحة التي ناقشناها بجامعة فوبر طال بألمانيا في شهر يوليوز 1993 تحت عنوان " نقد علم الطبيعة الحديث : الفينومينولوجيا بين هوسرل وهايدجر " والتي نشرت سنة 1995 في إطار السلسلة الفلسفية Elementa التي تصدرها دار النشر Rodopi . هذا المقال سبق نشره في الملحق الثقافي لجريدة الاتحاد الاشتراكي تحت عنوان " نقد علم الطبيعة الحديث بين هوسرل وهايدجر" بتاريخ 31 مايو 1996 ويسرنا أن نعيد نشره على صفحات هذه المجلة تلبية لرغبة هيئة تحريرها ، وذلك بعد أن قمنا بتنقيته وإغناء القسم الثاني منه .
1 - من المعروف أن هايدجر عرف خلال الثلاثينات فترة تأمل عمل خلالها على تعميق تفكيره في المشروع الذي بلوره في كتابه الأساسي " الكون والزمان " . وترتبط هذه الفترة بتحول هايدجر نحو ما أصبح يسميه بتفكير تاريخ الكون . يربط بعض دارسي هايدجر هذا التحول بتخليه عن المنهج الفينومينولوجي . إلا أن هايدجر أكد في بعض كتاباته الأخيرة أنه ظل وفيا للفينومينولوجيا ، وذلك بشرط أن تفهم لا كاتجاه فلسفي ، بل كإمكانية للتفيكر، أو بالضبط كإمكانية للاستجابة لما هو جدير بالتفكير، أي للكون . انظر بهذا الصدد :
Zur Sache des Denkens, Tübingen 1969, S. 48, 121.
2- واضح أن نقد كل من هوسرل وهايدجر للعلم الحديث لم يتخذ شكلا ناضجا إلا في مؤلفاتهما المتأخرة . لكن نعتقد ، مع ذلك ، أن جذور هذا النقد توجد في مؤلفاتهما الأولى . فمن المعروف أن برنامج الفينومينولوجيا لدى هوسرل ينطلق من نقد للعلوم الوضعية يركز خاصة على غموض مفاهيمها ومبادئها ويبرز ضرورة التفكير في إعادة تأسيسها . يمكن الرجوع مثلا إلى : أفكار من أجل فينومينولوجيا خالصة وفلسفة فينومينولوجية . الكتاب الثالث : الفينومينولوجيا وأسس العلوم ، الفقرة 18 . هذا الكتاب ألفه هـوسرل سنة 1913 ، إلا أنه لم ينشر إلا سنة 1952 في إطار المؤلفات الكاملة لهوسرل " هوسرليانا " المجلد الخامس .
Ideen zu einer reinen phänomenologie und Phänomenologischen Philosophie. Drittes Buch: Die Phänomeund die Fundamente der Wissenschaften, Husserliana Bd. V, D en Haag 1952.
كما أن هايدجر أكد هو الآخر قبل الثلاثينات أن علم الطبيعة الحديث يقوم على اختزال الطبيعة وتقنيع تجربتنا اليومية للعالم والأشياء والزمان والمكان . يمكن الرجوع مثلا إلى : مقدمات لتاريخ مفهوم الزمان ، الأعمال الكاملة ، المجلد 20 ، ويضم محاضراته الجامعية خلال دورة الصيف 1915 ، الفقرة 24 ب ؛ وكذلك إلى : المنطق . السؤال عن الحقيقة ، الأعمال الكاملة ، المجلد 21 ، ويضم محاضراته الجامعية لدورة الشتاء 1925-1926 ، الفقرة 19 .
Prolegomena zur Geschichte des Zeitbeyriffs, Gesamtansgabe Bd. 20, 2. Auflage, Frankfurt a.M. 1988.
Logik. Die frage nach der Wahrheit, gesamtansgabe Bd. 21, Frankfurt a.M. 1976.
3 - انظر: أزمة العلوم الأوروبية والفينومينولوجيا الترنسندنتالية :
Die Krisis der europäischen Wissenschaften und die transzendentale Phänomenologie, Husserliana Bd. 6, 2. Auflage, Den Haag 1976.
صدر قسم من هذا الكتاب سنة 1936 ببلغراد ( فقد كان محظورا على دور النشر الألمانية في عهد النازية أن تصدر مؤلفات هوسرل بسبب أصله اليهودي ) ، ولم يصدر بكامله إلا سنة 1954 في إطار المؤلفات الكاملة لهوسرل ، المجلد السادس .
4 - لمزيد من التفاصيل راجع الفقرة 9 من أزمة العلوم الأوروبية .
5 - يسمي هوسرل في مؤلفاته الأخيرة وخاصة في كتاب " الأزمة " عالم الحياة اليومية أو عالم التجربة المباشرة " عالم العيش " : le monde de la vie : Lebensweit ، وذلك تمييزا له عن العالم كما تتمثله وتقدمه القوانين والنظريات العلمية . يبين هوسرل في البداية التعارض بين عالم العيش الذي يتميز بذاتيته ونسبيته وبين العلم الذي يتميز بدقته وموضوعيته . إلا أنه مع تقدم تحليلاته يتجه نحو إبراز العلاقة المشخصة بينهما . فالعلم رغم دقته وموضوعيته يتأسس على التجارب اليومية لعالم العيش ، والنظريات العلمية مهما كانت متينة من حيث بناؤها المنطقي- الرياضي لا بد أن تتضمن بداهات حسية قادمة من عالم العيش . وعلاوة على ذلك ، فإن العلم ذاته ينتمي إلى عالم العيش بصفته الأفق الذي يحدد كل ممارساتنا العملية والنظرية . للاقتراب أكثر من مشكل العلاقة بين العلم وعالم العيش عند هوسرل راجع " الأزمة " ، الفقرة 34 و الملحق 17 .
6 - يرفض التحليل الفينومينولوجي النظر إلى العلم كمجال معزول عن باقي مجالات التجربة البشرية ، ولهذا كان هوسرل يؤكد منذ دراساته الأولى أنه لا يمكن توضيح المنطق وتأسيس العلم إلا في إطار فينومينولوجيا تهتم بمعيشات التفكير والمعرفة عموما . راجع مثلا : أبحاث منطقية ، المجلد الثاني ، المقدمة ، الفقرة 1.
Logische Untersuchungen 2. Bd., 1. Teil: Untersuchungen zur Phänomenologie und Theorie der Erkenntnis, 6. Auflage, Tübingen 1980.
7 - يسمي هوسرل الفعـل الذي يتم بفضله إنتاج هذه الموضوعات الأمثلة : Idealisation : Idealisierung. راجع الملحق 3 ، 4 من كتاب " الأزمة ".
8 - للاطلاع عل تحليل هايدجر للعلم الحديث يمكن الرجوع خاصة إلى: الكون والزمان ، الفقرة 69 ب ؛ تأويل فينومينولوجي " لنقد العقل الخالص " لكنط ، الفقرة 2 ؛ السؤال عن الشيء ، القسم ب ، الفصل 1 ؛ زمن صورة العالم ، في : طرق غابوية ؛ مساهمات في الفلسفة ، الفقرات 75-84 . ينتمي هذا الكتاب الأخير إلى سلسلة من الكتب ألفها
هايدجر وامتنع عن نشرها ، ولكنه قبل في الأخير أن تنشر في إطار مؤلفاته الكاملة بعد أن تكون قد نشرت أهم محاضراته الجامعية . " مساهمات في الفلسفة " الذي ألفه هايدجر بين 1936 و1938 هو أول كتاب صدر من هذه السلسلة سنة 1989 بمناسبة مرور مائة سنة على ميلاد هايدجر، وهو يمثل المجلد 65 من المؤلفات الكاملة . يعتبر هذا الكتاب من طرف كثير من دارسي هايدجر كتابه الأساسي الثاني بعد " الكون والزمان " .
Sein und Zcit, 16. Auflage, Tübingen 1986.
Phünomenologische Interpretation von kants "Kritik der reinen Vernunft”, Gesamtansgabe Bd. 25, Frankfurt a.M. 1977.
Die Frage nach dem Ding, 2. Auflage, Tübingen 1975.
Die Zcit des Weltbildes, in Holzwege, 6. Auflage, Frankfurt A.M. 1980.
Beiträge zur philosophie, Gesamtansgabe Bd. 65, Frankfurt. A.M. 1989.
I. Kant, Kritik der reinen vernunft, B. XIII 9-
هذا التحول في موقف العالم الحديث من الطبيعة يعطيه كانط اسما هو الثورة الكوبرنيكية . ويمكن بهذا الصدد استحضار تحليلات حنه آرنت التي أبرزت في الفقرة 41 من كتابها عن وضعية الإنسان الحديث أن ما يؤسس العلم الحديث هو بالضبط هذا التحول في موقف العالم من الطبيعة ، حيث ساد الاقتناع بأنه لا يمكن أن يعرف العالم الطبيعة إلا إذا تخلى عن المشاهدة وابتدأ في التدخل في مجرى الظواهر. وتذهب حنه آرنت في دراستها عن مفهوم التاريخ المنشورة في " أزمة الثقافة " إلى أن جذور مقولة الموضوعية كما نفهمها عادة توجد في العلم الأرسطي والوسيط الذي كان يقوم على المشاهدة السلبية ، الهادئة واللاشخصية للطبيعة . ولهذا فإن الموضوعية بمعنى التوجه نحو إبعاد الذات قد فقدت أساسها في العصر الحديث حيث أصبح تدخل العالم في مجرى الظواهر يلعب دورا حاسما .
Arendt, Vita activa oder vom tätigen Leben, Serie Piper, 4. Auflage, München / Zürich 1985 H.
H.Arendt, La crise de la culture, Ed. Gallimard 1972, p.69.
10 - F.Nietzsche, Der Wille zur Macht, Kröner Verlag, stuttgart 1964, S. 329.
11 - استعمل لفظ " الكون " ، مصدر الفعل " كان " ، لترجمة Etre : Sein.
12 - حول تحليل هايدجر لماهية التقنية الحديثة راجع : السؤال عن التقنية ، في : محاضرات ومقالات :
Die Frage nach der Technik, in : vorträge und Aufsätze, 5. Auflage, P fullingen 1985.
13 - لمزيد من التفاصيل حول هذا الموضوع راجع الكتاب السادس ، الفصلين الثالث والرابع من الأخلاق النيقوماخية لأرسطو.
14 - نفس المرجع ، الكتاب العاشر، الفصل السابع .
15 - مما له دلالة خاصة في هذا السياق أن كانط - الذي أدرك بعمق ماهية العلم الحديث - في تحديده للمبادئ التركيبية للفهم الخالص ، سمى مبدأ السببية في الطبعة الأولى من " نقد العقل الخالص " بمبدأ الإنتاج " ، وهو المبدأ الذي سماه في الطبعة الثانية من نفس الكتاب " مبدأ التعاقب في الزمان حسب قانون السببية " . وهذا يعني أن المعرفة العلمية للطبيعة هي معرفة قوانين الإنتاج ، قوانين التأثير.
I.Kant, kritik der reinen vernunft, A. 189.
16 – راجع : التخلص من الميتافيزيقا ، الفقرة 26 ، في محاضراته ومقالات :
Uberwindung der ****physik, in : vorträge und Aufsätze.
17 - لكي نتبين ذلك يكفي أن نتأمل السلوك الذي أصبح شائعا في البلدان الصناعية إزاء الأشياء والذي ينتشر في العالم بأكمله . بدل استعمال الأشياء أصبح الإنسان يستهلكها ( استهلك الشيء بمعنى أنفده وأفناه ) ، وهذا الاستهلاك لا يتجه دائما نحو إشباع حاجيات معينة ، بل هو من أجل الاستهلاك وحسب . أما المحافظة على الأشياء عند الاستعمال وإصلاحها فأصبح أمرا مضرا بالاقتصاد ، وكما تلاحظ حنه آرنت في وضعية الإنسان الحديث : " ليس تدمير الأشياء ، بل صيانتها والمحافظة عليها هو ما يخرب الاقتصاد الحديث " (الفقرة 35) :
H.Arendt, vita activa, S. 248.
أنا انتقال الأشياء من شخص لآخر ومن جيل لآخر فأصبح نادرا .
18 - يمكن تتبع ذلك بكيفية واضحة من خلال المحاضرة التي ألقاها هوسرل يوم 8 مايو 1935 ثم كررها يوم 10 مايو في فيينا ، والتي نشرت ضمن مؤلفه أزمة العلوم الأوروبية تحت عنوان : " أزمة البشرية الأوروبية والفلسفة " .
19 - يقوم هايدجر في كثير من المناسبات بتحليل موقع أفلاطون في الفكر الغربي ، يمكن الرجوع مثلا إلى : مدخل إلى المتافيزيقا ، الفصل الرابع ، الفقرة الثالثة : " الكون والتفكير:
Einführung in die ****physik, 5. Auflage, Tübingen 1987.








رد مع اقتباس
الأعضاء الذين قالوا بارك الله فيك/ شكراً لـ khelifa8 على المشاركة المفيدة:
قديم 2010-05-06, 19:28   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
khelifa8
عضو مميّز
 
الصورة الرمزية khelifa8
 

 

 
إحصائية العضو









khelifa8 غير متواجد حالياً


افتراضي

إمكانية بداية ثانية للفلسفة

قراءة في محاضرة "هل نهاية الفلسفة ممكنة؟" لجان باتوك
عبد المنعم البري

" إذا كان سلوك السبيل التي تهدف إلى بلوغ الأساس الأكثر عمقا للتساؤل الميتافيزيقي ، من خلال إضاءة الوظيفة الأنطولوجية للزمانية وللخاصية الزمانية للأنطولوجيا ؛ هو، في الواقع ، أمر ممكن ( وهذا الأمر لن يوضح ويضاء إلا عن طريق التنفيذ ) ؛ فإن تصور إمكانية بداية جديدة ، بداية ثانية للفلسفة ، لن يكون مستحيلا " . جان باتوكا
لم تكن البداية الأولى للفلسفة مع طاليس (حوالي 625 ق.م.-547 ق.م) يقينا أقر به جميع مؤرخي الفلسفة ؛ بل ظلت مجرد فرضية تاريخية انجذب إليها أغلب المؤرخين ؛ وظل يتشكك في صحتها الآخرون . وكما تواضعت جماعة من المؤرخين على صياغة فرضية تاريخية للبداية الأولى للفلسفة ، اجتهد جان باتوكا Jan Patocka في تصور إمكانية لبداية ثانية لها . وغرابة هذا التصور تكمن في كونه يقترح هذه البداية الثانية مع مشروع فيلسوف بات مشدود الوصال إلى الموطن الذي احتضن البداية الأولى : اليونان . فصاحب ذلك المشروع وإن كان ينفصل زمانيا ، عن البداية الأولى بما ينيف عن ستة وعشرين قرنا ؛ فإنه يتصل جغرافيا ، بنفس القـارة التي كانت مسرحا لها ؛ وفلسفيا بينابيع البدايات الفلسفية اليونانية الأولى . وهذا الفيلسوف هو مارتن هايدغر(1889-1976) صاحب كتاب الوجود والزمان .
وجان باتوكا فيلسوف تشيكي ولد سنة 1907. ويعتبر من بين تلامذة كل من إدموند هوسرل Edmund Husserl (1859-1938) ومارتن هايدغر الذين تابع محاضراتهما الفلسفية في الجامعة . وقد اهتم بالفلسفة اليونانية ، وخصوصا بفلسفة أرسطو 384 ق.م-322 ق.م ) . كما درس تراث مفكري بلده بوهيميا Bohéme . وقد حافظ طوال حياته على وفائه المزدوج للميتافيزيقا بصفتها موردا قديما ، وباعتبارها مصدرا للتساؤل ؛ وللفينومينولوجيا بصفتها منهجا للقطع مع الحس المشترك ولتجذير الأسئلة وإضاءة السياقات . وتوفي يوم 13 مارس من سنة 1977 بعد خضوعه لسلسلة من الاستنطاقات البوليسية المرهقة . فقد كان - في ظل نظام الضبط التشيكوسلوفاكي - ناطقا بلسان بيان ميثاق 77 من أجل الحريات وحقوق المواطنة .
وقصد تتبع وجهة نظر هذا الفيلسوف من إمكانية نهاية الفلسفة ، سنعمل على قراءة محاضرة ألقاها عدة مرات خلال سنة 1974 حول سؤال ينصب عما إذا بقي للفلسفة شيئ ما تقوله لنا في ظل الوضعية الراهنة للعالم ؛ و" وسط الضعف العام والامتثال للانحدار" . وقد نشرت هذه المحاضرة كجزء من ملحق كتاب جان باتوكا : أفلاطون وأوروبا ؛ تحت عنوان : "هل نهاية الفلسفة ممكنة ؟ " .
إن الحديث عن نهاية الفلسفة يرتبط بالإقرار بأزمتها . ونحن اليوم نحكم على الفلسفة بالأزمة ؛ لأننا نلاحظ نقصا في الجدة التي عرفت بها ، وتراجعا في قيمتها وفعاليتها الاجتماعيتين اللتين عهدناهما فيها ، خاصة مع الفلسفة الهيللينية . وعلى العموم ، فمفهوم الأزمة هنا ، يكتسب معناه من خلال المقارنة بين فلسفة اليوم وفلسفة الأمس . ومن خلال هذه المقارنة يتأكد الجميع من لا جدوى الفلسفة الراهنة ، التي عوض انصرافها إلى البحث عن الأفكار الجديدة ، نجدها تجادل ضد الفلسفة بما هي فلسفة ، وتمارس شكا ذاتيا على نفسها .
غير أن ظهور مفهوم الأزمة لا يقتصر فقط على الفلسفة ، بل إنه يطال مجالات أخرى . ويرد باتوكا هذا الأمر إلى اختفاء العناصر الروحية الأساسية التي كانت تشكل إطارا للحياة الروحية للبشر؛ ونظرا لكونها قد أصبحت داخل هذه المجالات بدون معنى وغير مفهومة . فالأسطورة التي كانت بمثابة غذاء روحي أساسي للبشرية في مرحلة معينة ، ومصدرا لفضائل الروح كلها ، وضمانة لتماسك البنية الاجتماعية وتناغمها ، لم تترك وراءها - كما بين ذلك كلود ليفي ستراوس ولد عام( 1908)، سوى آثار الدمار . وذلك بعد صدمة لقاء الإنسان الأسطوري ، خلال القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر، مع الإنسان الذي أصبح منذ مدة بعيدة خارج إمبراطورية الأسطورة .
ونفس الشيء بالنسبة لمجال الدين . فكثيرا ما يتساءل الناس اليوم ، إذا لم يصل الدين إلى نفس النهاية التي عرفتها الأسطورة . إن الدين الذي يتطلب فعلا إيمانا ظاهرا ، والذي يفترض - خاصة في الدائرة الغربية - مسبقا ودائما ، تدخل الفلسفة وانتصار الإيمان عليها ؛ يجد نفسه اليوم ، ومعه سائر الديانات الكبرى في العالم ، مجبرا على أن يعاد التساؤل بشأنه ، ومرغما على أن يوضع موضع سؤال فيما يتعلق بقدرته على العيش والاستمرار أمام الورطة التي يمر بها كل ما لا يسمح بالاهتداء ، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى تجربة المعاني .
أما مجال الفن ، فقد سبق لفريدريك هيغل( 1831-1771) أن بين اكتمال المهمة الروحية الكلية للفن وانتهائها ، وذلك من خلال تأليفه بين الروح والواقع الحسي المتناهي . فالفن لم تعد له مهمة تاريخية كبرى . وهو نفسه يعي ذلك . وبذلك نجده يتقرب من اللا- فن ويتجاوز نفسه داخله . ويضيف جان باتوكا أنه ثمة ، اليوم ، مؤشرات تشهد على أن الفن يتلقى ، بمعنى ما ، أزمة تشبه أزمة المجالات الروحية الأخرى .
ظاهر إذن ، أن أزمة الفلسفة تندرج مع باتوكا ، في سياق الأزمة العامة التي صاحبت مختلف المجالات الروحية . وهي أزمة المعنى التي تطبع الإنسان والعالم الراهنين . بيد أن خيوط أزمة الفلسفة لن تنكشف ، ودوافعها لن تتعرى ، ومقاصدها لن تتبين بمجرد إبراز مظاهر الأزمة في المجالات الروحية المختلفة ، بل لا بد من الوقوف عند أهم المحاولات التي جربت فعل إنهاء الفلسفة ؛ كي نتثبت من معنى الأزمة ونتبين غاية النهاية ونمسك بخصوصيتها . ولهذا الغرض يستعرض جان باتوكا ثلاث محاولات رئيسية قصدت كلها تأسيس فلسفاتها في ما بعد نهاية الفلسفة . لكن هل استطاعت فعلا النجاح في التخلص من الميتافيزيقا باعتبارها هي الفلسفة بامتياز ؟
1ـ نهاية الفلسفة على الطريقة الوضعية :
يشير جان باتوكا ، إلى أن الحديث عن فكرة أزمة الفلسفة يعود إلى القرن الثامن عشر؛ وبالضبط مع الفلسفة السلبية التي تشك في الفلسفة الميتافيزيقية بصفتها تطرح مواضيع الماهية وطبيعة الأشياء والجوهر والعلة والضرورة واللا-حسي ... ويعتبر أن هذه الفلسفة السلبية كانت نقطة انطلاق لفلسفة أوجست كونت( 1857-1798) " الوضعية " . وما قام به كونت ، في نظر باتوكا ، هو تحويل الموقف السلبي من المشاكل الفلسفية إلى موقف إيجابي يحرص على تقديم حلول وضعية لهذه المشاكل ، بعيدا عن الحلول الفلسفية ، وذلك بواسطة العلم الوضعي . بعبارة أخرى ، إن الفلسفة الميتافيزيقية التقليدية تأخذ نهايتها مع كونت ، كي تترك مكانها للفلسفة وللعلم الوضعيين . بحيـث إنهما يبعدان من اهتمامهما المشاكل غير القابلة للحل ، لكي يتعاملا بتقنية معالجة الوقائع والتمكن منه قصد التنبؤ به .
أن تتقدم الفلسفة الوضعية كبديل عن الفلسفة الميتافيزيقية فهذا لا يعني ، في نظر جان باتوكا ، أنها قد تخلصت نهائيا ، من جذور الميتافيزيقا . فمن خلال مراجعة تصور الوضعية بصدد نظرية الحقيقة ، يبدو أن هذه الأخيرة تتوقف على الملاحظة ؛ ملاحظة ما هو حاضر. وهذه النظرية تتصل جذريا ، بالتصور الميتافيزيقي اليوناني القديم الذي كانت بمثابة الفجرالأول للنزعة الذاتية الحديثة . فكل ما يمثل أمام الذات هو عبارة عن معطيات حسية تتم ملاحظتها بواسطة أداة الأحكام الإدراكية . والحال إن الوضعية تتقاسم نفس التصور بصدد الحقيقة مع النزعتين العقلانية والموضوعية . فالحقيقة في ظل هذا التصور، تنتج عن نشاط للعقل ؛ والعقل هو العقل الموضوعي ؛ والموضوع هو الموضوع الحاضر؛ وهو حاضر أمام الإنسان باعتباره ذاتا تملك القدرة - وفق شروط معينة- على امتلاك " معرفة عقلانية " . وهذه القدرة تسمح له بأن يصير سيدا على الموضوع ؛ بحيث يتنبأ بمجموع أطواره الماضية والآتية .
تدور الفلسفة الوضعية الكونتية ، كما يستخلص ذلك باتوكا ، داخل نفس الحقل الميتافيزيقي الذي تدور فيه النزعتان العقلانية والموضوعية . مع فرق بسيط ، وهو أن الأولى تكتفي باستنفاذ الحمولة الأونطية للمعرفة في السيادة النسبية على المطلق ، بينما تكمن إرادة النزعتين الميتافيزيقيتين الأخريين في القبض التام على المطلق .
سبقت الإشارة مع باتوكا ، إلى أن الوضعية الكونتية تجد منطلقها في الفلسفة السلبية ؛ وهذه بدورها ترتبط بالقضية الميتافيزيقية الأساسية للأزمة الحديثة - وهي قضية الكوجيطو الديكارتي- وبيقين ذات الوعي . وينتبه باتوكا إلى كون الوضعية نفسها تجد جذورها عند رونيه ديكارت ( 1596-1650) . بل وينبغي البحث عن أصولها البعيدة عند أرسطو حتى . ومن ثمة فنفي الميتافيزيقا من طرف الوضعية هو نتيجة للأطروحات الميتافيزيقية . بل إن الأصول الميتافيزيقية لمحاولة النفي هذه مازالت أكثر بروزا من أصولها الوضعية .
2ـ نهاية الفلسفة على الطريقة الجدلية :
تستمد الماركسية أصول عملية نفي الفلسفة من الجدل الهيغلي . ويحصل نفي الفلسفة - وفق منطق هذا الجدل - عندما يتم تحققها الذاتي . بيد أن انتهاء الفلسفة مع هيغل ، أو بالأحرى اكتمالها ، يأخذ شكل التحقق الفعلي للعلم المطلق . وهذا العلم المطلق والكلي هو نفسه الميتافيزيقا ، ومركزه هو المنطلق الذي هو الذات والموضوع . والفلسفة بصفتها العلم المطلق لا تخضع للفكر المتناهي . بل هي معرفة تتقدم وفق قوانين الجدل اللامتناهية .
صورة الكمال هذه ، التي يضع هيغل الفلسفة داخلها ستكون موضع دحض من طرف كارل ماركس( 1818-1883 )؛ مستلهما في ذلك ، أطروحة لودفيغ فويرباخ( 1804-1872) . ما يلاحظ على النقد الماركسي للهيغلية هو طابعه الهيغلي . فلقد احتفظ ماركس ، كما يقول باتوكا ، بأهم المقولات الميتافيزيقية الموروثة عن النسق الهيغلي حول الذات والموضوع والقوة والجوهر... لكن استعادته لها لم تتم داخل جدل لا متناهي يخضع لقانون نفي النفي ، ولوعي الذات المستلبة التي تنعكس على ذاتها ؛ وإنما قد تم قلبها على نمط جدل متناهي يتحرك داخل أفق المعرفة المادية باعتبارها هي المعرفة الصحيحة والواقعية . وهكذا تحولت الفلسفة مع ماركس ، من دين مطور في شكل أفكار خيالية ووهمية وميتافيزيقية إلى معرفة نظرية وبشرية حقيقية للاقتصاد السياسي . وقد منح ماركس لهذا الأخير صفة العلم الحقيقي والفعلي الذي يتحكم في الممارسة التاريخية والثورية الهادفة إلى تحقيق إنسانية الإنسان غير المستلبة .
هذا التحول من الجدل الهيغلي العقلي إلى الجدل المادي ، والذي تطور بدوره إلى جدل لقوى الإنتاج ، وإلى جدل إنتاج السلع وتعارض الرأسمال والعمل ؛ هو - في نظر جان باتوكا - تحول من نظرية ميتافيزيقية إلى علم بشري لا يقر إلا بالطبيعة وبالحواس ؛ وإلى ممارسة ثورية تتم في إطار الجماهير المنظمة في شكل بروليتاريا صناعية . والحال فقلب ماركس للفلسفة الميتافيزيقية هو- بعبارة باتوكا - انتقال للفلسفة ، عن طريق تحققها ، إلى لا- فلسفة . غير أن هذا الانتقال يقوم على أساس ميتافيزيقي صريح تم نقله من فوق- الحسي إلى الواقع الحسي.. من السماء إلى الأرض .
قبل الانتقال إلى المحاولة الثالثة لإنهـاء الفلسفة ، ثمة ملاحظة مهمة ، يسجلها جان باتوكا ، تخص علاقة الميتافيزيقا بالواقع . فالفلسفة الميتافيزيقية ، كما يلاحظ باتوكا ، لا تنتج معرفة مفحمة بشكل كلي ، بحيث يحصل داخلها الإجماع حول العلة الأولى والموجود فوق- الحسي ؛ وإنما تعمل قبل كل شيء على تأسيس نظام قابل للتطبيق في العالم الموضوعي . فالنسق الرياضي القديم يجد أساسه في فلسفة أفلاطون (حوالي 427 ق.م-348 ق.م). والنسق البيولوجي والاستدلالي والقياسي يجد أساسه في فلسفة أرسطو. بينما المنطق القضوي عرف ولادته مع الفلسفة الرواقية . فإذا كانت الميتافيزيقا تهدف تأسيس مذهب مستقل لفوق – الحسي ولا للا- موضوعي ؛ فإن نتيجة هذا الطموح هو وضع أسس معرفة الموجود الموضوعي . يقول جان باتوكا : " إنها تتوجه خارج العالم ، لكن ما تسفر عنه في الواقع هو المعرفة الفعالة في العالم السفلي " . فهنا ، في العالم السفلي ، حيث " الموجود الحقيقي " هو المقياس الوحيد للحقيقة ( التطابق ) يكون قصد الميتافيزيقا هو النزول - مرة ثانية - من فوق- الحسي إلى ما يوجد في متناول الحواس ؛ إلى ما يتم الالتقاء به في العالم المحيط .
ينتهي جان باتوكا إلى أن هذه الظاهرة التي تمثل سند الميتافيزيقا تتم إعادة إنتاجها مع وضعية أوجست كونت في مرورها من الميتافيزيقا إلى العلم ؛ ومع مادية فويرباخ وكارل ماركس في ارتباطهما بجدل هيغل ؛ ومع نقدية إيمانويل كانط( -17241804) ، التي تعتبر أنه بإمكان ميتافيزيقا الطبيعة وميتافيزيقا الأخلاق أن تصبحا أساسا لمعرفة العالم التجريبي ومكونه القبلي .
3 ـ نهاية الفلسفة على الطريقة الفينومينولوجية :
يعرض جان باتوكا في الأخير، لمحاولة أخرى قصدت إنهاء الفلسفة من خلال تجاوز مضمونها الميتافيزيقي . ولكي يقرأ ملامح محاولة تجاوز مارتن هايدغر للفلسفة/الميتافيزيقا ، يتناول باتوكا فرضية للعلاقة التي تربط التلميذ بأستاذه إدموند هوسرل . فيفترض - بشيء من التحفظ - استقلالية فكر هايدغر عبر تحرره من ميتافيزيقا المدرسة الفينومينولوجية التي جددها هوسرل . ومن المعلوم أن هايدغر الذي ظل يدافع عن نفسه من خلال فصل فكره عن أهداف الفلسفة الميتافيزيقية ، نعت أستاذه بكونه قد قدم نموذجا ميتافيزيقيا .
يأخذ موقف هوسرل من الفلسفة منحى خاصا يكمن في البرنامج الجديد الذي قدمه ، والهادف إلى بناء فلسفة تأخذ شكل العلم الصارم والمعرفة " الموضوعية " . وذلك من خلال تأسيسه لمنهج برهاني صارم لمعرفة ماهية الأشياء . ولم تخف على باتوكا الحوافز والنتائج الميتافيزيقية التي تحكمت في أفكار هوسرل . صحيح أن هذا الأخير قد تخلص من الإجراءات الميتافيزيقية التي طورها ديكارت فيما يخص علاقة الذات بالموضوع ؛ وذلك من خلال " اختزاله " للموضوعية إلى محايثة الوعي . بحيث إن الفلسفة أصبحت بدورها حالة اختزالية ، تقوم باختزال العالم إلى المحايثة الخالصة أو إلى التعالي المحايث . وهي بذلك قد مكثت معه ، وبشكل دائم وضروري ، داخل المحايثة . رغم ذلك فقد انتهى هوسرل ، حسب باتوكا ، إلى نتائج ميتافيزيقية مطلقة أو تهدف إلى المطلق . وهي تذكرنا بنتائج المثالية المطلقة لمفكري بداية القرن الماضي .
إذا كانت المثالية المتعالية عند هوسرل تتقاسم مع جميع أصناف الميتافيزيقا الأخرى نفس القدر؛ فإنها ، كما يذكر باتوكا ، تختلف عنها فيما يخص تخلصها من النزعة الموضوعية المطلقة . فميتافيزيقا هوسرل تتضمن حافزا أصليا يعدل من مظهر وتوجه تحللها . ولكي يوضح باتوكا تميز الموقف الهوسرلي عن المتافيزيقا التقليدية ، يعمد إلى اقتراح فرضية تخص الارتباط القائم بينه وبين الموقف الهايدغري .
يفترض جان باتوكا وجود ارتباط بين كل من هوسرل وهايدغر يكشف عنه من خلال كيفية التعاطي مع السؤال الميتافيزيقي الأساسي : ما هو الموجود ؟ والمفهوم المفتاح الذي اختاره باتوكا لعرض كيفية التعاطي تلك هو مفهوم الإيبوخي époché الموظف من طرف هوسرل . وما يثير الانتباه هو أن باتوكا يفترض حدوث قطيعة بين كل من فينومينولوجية هوسرل وأنطولوجية هايدغر. لكن تأكيده لهذه الفرضية يتأرجح بين الإثبات والتردد . فباتوكا " لا يريد أن يعزو مباشرة لهايدغر الفرضية التي تهم قطيعة الفينومينولوجيتين ، والمرور من هذه إلى تلك " ؛ ومع ذلك ، " لا يبدو أبدا أنه يمكن تقديم حوافز الأنطولوجيا الفينومينولوجية بشكل مغاير" .
يشير باتوكا إلى أن الفلسفة الفينومينولوجية لم تتخلص - ولو على مستوى المنهج - من سؤال الميتافيزيقا الأساسي : ما هو الموجود ؟ لكن هذا السؤال قد تم تصحيحه ليصبح متضمنا في سؤال أعم هو : كيف يظهر الموجود ؟ والإجابة عن السـؤال الأول تكون بـدورها متضمنة في الإجابة عن الثاني . فمع هوسرل لا يتعلق الأمر بالموجود في بنيته وانشغاله العلي ، وإنما بالطريقة التي يتجلى بها الموجود والأساس الذي يظهر عليه . بحيث إن هذا الأساس نفسه يصبح ظاهرة .
إن تطبيق فعل الإيبوخي ( أو تعليق الحكم ) بشكل كلي على الموجود يعني استحالة قيام أي أطروحة حول العالم . وفي هذه الحالة لن يوجد أي أساس تنبني عليه الفلسفة بصفتها علما صارما . وهذا ما يبرر عدم إخضاع هوسرل كلية الموجود لفعل الإيبوخي . ولذلك فظهور الموجود وتجليه لا يكون ممكنا ، حسب هوسرل ، إلا على أساس موجود ذاتي . ومن ثمة فمشكل الظهور يرد معه - وفي ظل عملية الإيبوخي - إلى مشكل ما يظهر؛ إلى مشكل الموجود . هنا يتوقف جان باتوكا عند هايدغر كي يزكي فرضيته فيما يخص علاقته بهوسرل .
فإذا كان هايدغر في مرحلة كتابه الوجود والزمان يجري عملية الإيبوخي على كل أطروحات الموجود الموضوعي ؛ فإنه ، مع ذلك ، يتبين أن دراسة الإحالات renvoisتظل معه ، مرتبطة بموجود محدد هو " الوجود- هنا " ، ولو أن هذا الموجود غير موضوعي في بعده الأساسي . لكن فكره سيتحرر، في نظر باتوكا ، بعد ذلك حتى من هذا الارتباط بالموجود المحدد كي يصير فكرا أصليا لما هو ليس موجودا في ذاته . المهم عند هايدغر هو عدم صياغة أي أطروحة حول الموجود . وهذا يستدعي الدفع بالإيبوخي حتى حدوده الأخيرة ؛ حتى لا يتم اختزال الموجود إلى الموجود الذاتي الذي يملك يقين الذات . وهذا يتطلب أيضا ، من الأنطولوجيا (علم الوجود) التخلص من السيكولوجيا التي ظلت دائمة الحضور عند هوسرل .
إن البحث الأنطولوجي ، كما يؤكد جان باتوكا ، باعتباره نزولا ثانيا نحو الإحالات إلى الموجود في فعلها التمثلي ، يجب أن يكون بالضرورة ، مرتبطا بإضاءة الوظيفة القضوية apophantiqueللزمان ، أو بالأحرى للزمانية الأصلية . و" إذا كان سلوك السبيل الذي يهدف إلى بلوغ الأساس الأكثر عمقا للتساؤل الميتافيزيقي ، من خلال إضاءة الوظيفة الأنطولوجية للزمانية وللخاصية الزمانية للأنطولوجيا ، هو في الواقع أمر ممكن ( وهذا الأمر لن يوضح ويضاء إلا عن طريق التنفيذ ) ؛ فإن تصور إمكانية بداية جديدة، بداية ثانية للفلسفة ، لن يكون مستحيلا " . (أفلاطون وأوروبا ، ص262) .
لعل قراءة أولى في تقديم مارتن هايدغر لكتابه الوجود والزمان كافية لفهم ملائم لهذه الفكرة التي استخلصها باتوكا بخصوص إمكانية بداية جديدة للفلسفة . فالقصد الذي رسمه هايدغر لكتابه الرئيسي هو البناء الملموس لسؤال معنى " الوجود " . و " هدفه المنشود مستقبلا ، هو تأويل الزمان باعتباره الأفق الممكن لكل فهم للوجود في شموليته " . من هنا يجوز القول إن نهاية الفلسفة ستحدث - في نظر هايدغر- بفعل إنجازه هو لمشروعه الأنطولوجي الأساسي الذي يروم فهم معنى الوجود في أفقه الزماني . وذلك من خلال تجاوز المضمون الميتافيزيقي للفلسفة في إطار مشروع ومهمة تملك وجود الموجود . لكن نجاح هذا المشروع غير مضمون . وهذا ما يصرح به هايدغر نفسه حتى قبل الشروع فيه . فـ " في غالب الأوقات لا تنقص لهذه المهمة الكلمات وحدها ، وإنما وبالخصوص ، ينقصها " النحو " . وفي كتابه رسالة حول النزعة الإنسانية سيعزو هايدغر توقف مشروع الوجود والزمان إلى إخفاق اللغة . وهكذا تبقى مسألة البداية الثانية المفترضة ، أو بالأحرى ، المنشودة من طرف جان باتوكا معلقة إلى حين ، شأنها شأن البدايات الأخرى المفترضة قبلها .
في الأخير، يخلص جان باتوكا إلى أن هذه المحاولات الثلاث التي تبرر نهاية الفلسفة باعتبارها ميتافيزيقا ، لم تنجح ، ولا واحدة منها ، في تبرير نهاية الفلسفة في شموليتها . ولم تفلح في حذف وإزاحة الفلسفة ؛ بل اكتفت فقط بإنهاء ميتافيزيقا معينة ، من أجل تكريس ميتافيزيقا من نوع خاص . وكل هذه المحاولات التي طمحت إلى غاية الإنهاء ظلت ، نفسها ، تمثل جزء من الفلسفة وموضوعا معرضا بدوره لمحاولات الإنهاء باعتبارها فلسفة ميتافيزيقية . وحتى المحاولة الكبرى الثالثة لإضاءة انحدار الميتافيزيقا باعتبارها مركزا للفلسفة ، ليست في نظر جان باتوكا ، تطليقا للفلسفة/الميتافيزيقا ؛ وإنما هي محاولة تصحيح أساس للسؤال الميتافيزيقي التقليدي : ما هو الموجود ؟








رد مع اقتباس
قديم 2010-05-06, 19:29   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
khelifa8
عضو مميّز
 
الصورة الرمزية khelifa8
 

 

 
إحصائية العضو









khelifa8 غير متواجد حالياً


افتراضي

ملامح الفكر الفلسفي في مطالع القرن 21
عبد الرزاق الدواي

" يا إلهي ، ما أروع هذا القرن الذي أراه ينفتح ، أمامنا ، كم أتمنى فيه لو يعود إلي شبابي … !".[1]
إنـها صيحة إعجاب بالقرن الجديد أطلقها المفكر الإنساني الهولندي إرازمErasme 1469-1536 ، في مستهل القرن السادس عشر. وهي تعـبّر بوضوح عن مدى افتتان المفكرين في عصر النهضة بعصرهم وشعورهم بأنـهم يشاركون بالفعل في مغامرة مثيرة وفريدة من نوعها تقدم عليها البشرية بفضل ما تحقق من تقدم آنذاك على صعيد الفكر والفن والثقافة والمعارف . ترى هل يستقبل المفكرون والفلاسفة اليوم تباشير القـرن الجديـد الذي ينفتح أمامنا بنفس الحماس والإعجاب والتفاؤل ؟
ولا نظن أن حالة إرازم تشكل حالة استثنائية فقد وجد في جميع العصور مفكرون وفلاسفة آمنوا بأن حكمة جديدة ستنبثق في الفكر الفلسفي للمستقبل ، وتنبأوا باحتمال حدوث " انطلاقة جديدة " للفكر وللفلسفة استنادا على ما حدسوه من خلال استقراء وتشخيص نقدي لحـال الفلسفة في عصورهم ، ذلك الحال الذي غالبا ما يكون من ثوابته بداية ظهور علامات تصدع في المنظومات الفلسفية الكبرى المهيمنة . ويمكن أن نذكر في هـذا السياق مثلا الفيلسوف الألماني لودفيج فويرباخ (1804-1872) الذي كتب سنة 1843 " مبادئ فلسفة المستقبل " ، ويتعلق الأمر بكتاب يضم خلاصة مصاغة على شكل مبادئ لأهم المآخذ والإنتقادات التي وجهت إلى المذهب الفلسفي المثالي عند هيجل ، وكانت قد بدأت تظهر عليه أعراض التفكك . والفكرة الناظمة للكتاب هي أن الفلسفة الجديدة ستجدد المذهب المادي وتغنيه ؛ وستجعل من الإنسان والطبيعة الموضوع الوحيد والكلي والأسمى للفلسفة ؛ وإنـها ستنظر إلى الإنسان لا باعتباره كائنا عاقلا ومفكرا فحسب ، بل باعتباره أيضا كائنـا طبيعيا وحسيا ؛ كما أنـها ستعلي مـن قيمة المحبة والمشاعر والعواطف الإنسانية وستكون نزعة إنسانية جديدة . [2]
وفي السنة الأولى من القرن العشرين (1901) كتب الفيلسوف الفرنسي هنري برجسون متنبئا : " إن المهمة الرئيسية لعلم النفس في هذا القرن الجديد الذي ينفتح أمامنا ستكون هي اكتشاف اللاشعور والعمل على سبر أغوار النفس بواسطة مناهج خاصة وملائمة ، ولا أشك في أن هناك اكتشافات رائعة تنتظره ، وقد لا تقل أهمية عن تلك التي تحققت في القرون الماضية في ميادين العلوم الفيزيائية والطبيعية " .
وبالفعل فمن جملة ما يتميز به قرننا الحالي الذي نودعه ، وفي ميدان العلوم الإنسانية بصفة خاصة ، أنه اعتبر القرن الذي هيمنت فيه نظرية التحليل النفسي أصولا وفروعا وتأويلات معاصرة ، بحيث عم توظيف عناصرها وتطبيقها كما غزت مفاهيمها ميادين معرفية متعددة ، ومن بينها الفلسفة بالذات التي ازدهرت فيها خلال الستينات " القراءات " الجديدة للنصوص وللخطابات الفلسفية [3] .
ماذا يمكن أن نقول بدورنا عن ملامح الفكر الفلسفي في مطالع القرن المقبل ونحن على وشك توديع القرن العشرين ؟
كمحاولة للإجابة عن هذا السؤال سنجازف في الصفحات التالية باقتراح مجموعة من الأفكار والعناصر في شكل ملاحظات وتساؤلات وافتراضات ، لا ندعي فيها بأية حال من الأحوال أنـها صياغة لأجوبة نـهائية … بل نعتبرها بالأحرى استخلاصات مؤقتة تتلمس طريقها إلى الوضوح بقدر الإمكان .
1ـ علاقة " أزمات " الفلسفة بالتحولات السريعة وبالتقدم العلمي والتكنولوجي :
نعتقد أن ما تمر به الفلسفة في بعض الفترات الخاصة من " أزمات " يكون في جل الأحيان تعبيرا عن عجز الفكر الفلسفي عن ملاحقة التطور السريع للواقع وعن فهم واستيعاب ما يستجد من اكتشافات في ميادين العلم . وتتأيد هذه الفكرة بما بات الجميع يعرفه : إن العقد الأخير من القـرن العشرين يشهد نـهاية حقبة هامة من تاريخ الإنسانية امتدت زهاء قرنين ، كانت بحق حقبة الثورات والتحولات الكبرى سواء على مستوى التوجهات الجديدة التي عرفتها المجتمعات البشرية أو على مستوى صيرورة الفكر والمعارف والعلوم .
وغدا من البين أن التحولات العالمية المتسارعة في السنوات الأخيرة ، والوتيرة السريعة التي يخطو بـها التقدم العلمي والتكنولوجي في الفترة الراهنة ، وسقوط النظرية الشيوعية وانهيار الدول التي كانت تؤمن بضرورة تطبيقها ؛ إن كل هذه العوامل الحاسمة ستطرح على الفكر الإنساني ضرورة إعادة النظر في كثير من قيمه السياسية والأخلاقيـة والإبستمولوجية التي كانت سائدة حتى الآن . كيف لا وقد أضحت فكرة " اليقين " نفسها فكرة غير يقينية بعدما انهارت مجموعة من الحقائق والقيم العليا التي طالما قيل عنها أنها قيم ثابتة ودائمة وتصلح للإنسان من حيث هـو إنسان بغض النظر عن مكانه وزمانه ومواقفه ومشكلاته ؟
وقد ثبت أن الفلسفة التي لا تكثرت بمجرى التحولات الكبرى في عصرها والتي تتجاهل الحركة العلمية ولا تتفاعل معها مقضي عليها بالجمود التدريجي وبالتـالي بالتلاشي . وتلك فكرة يمكن اعتبارها بمثابة مسلمة لا يفتـأ تاريخ الفلسفة يؤكدها ، وعلى ضوئهـا سنتبنى التعريف التالي للفلسفة : " الفلسفة حكمة مؤسسة على المعرفة " ؛ أي حكمة تستلهم من علوم ومعارف عصرها وتستند إليها[4] .
بإمكاننا أن نقدم مجموعة من العناصر لتعزيز هذا التعريف : فمن ناحية أولى يزكيه أن كثيرا من عظماء الفلاسفة كانوا في نفس الوقت علماء مرموقين في عصرهم . ومن ناحية أخرى ليس بالـخافي أن الأمر يختلف اليوم تماما بالنسبة للفلاسفة المعاصرين إذ أن جلهم ليسوا علماء بالمرة ، بل ولم تعد تربطهم بالعلوم في غالب الأحيان إلا صلات ضعيفة وذات طبيعة تأملية ونقدية وتنحصر في تقييم ما يمكن أن يترتب عن تطورها من نتائج على الفكر وعلى القيم السائدة بصفة عامة ؛ إنـها صلات تحدد في محاولـة استخلاص " حكمة " ما يمكن أن تتبلور في مواقف عملية وفي ردود فعل معينة . ومن الواضح أن اضطراب الفلاسفة إلى استخلاص " حكمة " معينة من علوم ومعارف العصر، له كذلك علاقة بالمضمون الذي يشير إليـه التعريف السابق .
وفضلا عن التبريرين السابقين فتاريخ الفلسفة لا يفتأ يكشف لنا أن الفلسفات الكبرى كانت في عصورها في علاقة وثيقة ودائمة وفي حـوار مستمر مع علم من العلوم ، بل أحيانا لم تكن سوى ردود فعل أمـام ما استجد من مكتشفات وثورات في الميدان العلمي والتقنولوجـي ؛ أي أمام ما اضطرها إلى مراجعة إشكالياتـها وإعادة سبك وصياغة مفاهيمها . ولقد أسفر هذا الحوار بين العلم والفلسفة ، الذي لم تكن الفلسفة في أغلب الأحيان حرة في اختياره بل كان يفرض عليها فرضا ، متوالية من " الحكم " أو الرؤى العقلانية للعالم متباينة ومتميزة عن بعضها البعض ، كانت كل واحدة منها تستجيب وتعكس نسبيا حالة المعارف في عصر معين ، وتعتبر بالتالي ضربا من التقدم الفكري . لقد قيس التقدم غالبا بمدى قدرة وفعالية العلم والفكر والنظريات على حل المشاكل في فترة تاريخية معينة . ونعتقد أنه من هذا المنظور يصح الكلام عن رؤية فلسفية جديدة للعالم باتت تنبئ بـها الحالة الراهنة للعلم وللتقنولوجيا وللمعارف الإنسانية عموما .
سنفكر في هذا التعريف الذي نقترحه للفلسفة على ضوء المعطى التالي :
إن السمة البارزة لحالة العلوم والمعارف والتقنيات في عصرنا هي التطور السريع والمدهش سواء على مستوى تنوعها أو مضامينها أو على مستوى وسائل تخزينها وتصريفها ومعالجتها ؛ وأنه قد نجم عن ذلك التطـور تعاظم في إمكانيات الإنسان من حيث المقدرة والكفاءة والفعالية وتبعا لذلك غدت تلوح في الأفق الآن مؤشرات عديدة تنبئ بأن تغيرات عميقة ستطرأ على المشهد الفلسفي للقرن المقبل الذي لم تعـد تفصلنا عنـه إلا سنوات ثلاث فقط .
2 ـ عن بعض المظاهر الحالية للتقدم العلمي والتكنولوجي :
وربما يكون من الملائم أن نذكر باقتضاب ببعض الاكتشافات العلمية الحديثة التي شهدتها العقود الأخيرة من هذا القرن ، والتي لم يعد الفيلسوف حرا في أن يتجاهلها ويغـض الطرف عنهـا ، ذلك لأن تطبيقاتـها في الوقت الحالي وفي المستقبل القريب ستحدث لا محالـة انقلابا كبيرا في أحوال الوضعية البشرية .
لقد حدثت بالفعل خلال هذا النصف الثاني من القرن العشرين ، وبصفة خاصة في عقوده الأخيرة التي نوشك على توديعها ، تحولات مذهلة في الكفاءات والقدرات المعرفة ، وأصبحت الكلمة الأخيرة للتقنيين والمهندسين المختصين . ونمت العلاقات الدولية بشكل كبير، وتغيرت أنماط الحياة بكيفية مثيرة .
وإذا شئنا أن نعبر عن كل ذلك في عبارة وجيزة لقلنا بدون أدنى تردد أنا أصبحنا نعيش عصر ميلاد دلالة جديدة لمفهوم العالم ومفهوم العولمة " La mondialisation " : إن نمو وامتداد واتساع وتداخل وتشابك العلاقات بين الدول لم يعد يتوقف في مختلف أنحاء المعمور. ويبـدو أنه لأول مرة في تاريخ البشرية أصبح العالم “Le Monde” بفضل التطور الهائل الذي عرفته تكنولوجيا الإعلام والإتصال الجديدة مجموعا منظما ومتواصلا فيما بينه بحيث غدا كل عنصر فيه - وفي أية منطقة من مناطقه - قادرا على إحداث نتائج غير متوقعة بعيدا جدا عن مكان ظهوره ولم تعد المشاكل ولا الحلول المطروحة في عصرنا منعزلة وذات طابع جهوي محض .
ولا نتحدث هنا عن " العولمة " كما لو كانت أسطورة معاصرة بل كواقع تاريخي حقيقي ، وبإمكاننا بطبيعة الحال جرد المساوئ والسلبيات الواقعية التي تفرزها ، ولكن ما لا يجب أن يغرب عن بالنا ارتباطها الوثيق بالثورة العلمية وبالتقدم الهائل في تكنولوجيا المعرفة والاتصال . لا بد للفيلسوف أن يفهم ذلك إذا أراد أن يحضر ولادة وانبثاق العالم الجديد ، عالم القرن 21 !
لقد تسارعت بالفعل وتيرة التقدم العلمي والتقنولوجي واتسعت مجالات تطبيقاته كثيرا . لقد تطورت العلوم الفيزيائية فازدادت قدرات الإنسان على التجوال في الكـون ، بل وحتى على تغيير بعض معالمه ، وبالتالي على تغيير شروط وظروف حياته فيه . وها هي العلوم البيولوجية المعاصرة المنحدرة من " العلوم الطبيعية " العتيقة توجد في عنفوان شبابـها وتحقق إنجازات مذهلة فيغدو العلم بفضلها قادرا على تغيير الكائنات الحية بما فيها الإنسان ذاته !
نذكر هنا بإيجاز ببعض تلك الإنجازات . إن التقدم الكبير الحاصل في ميدان علم البيولوجيا قوى كثيرا من قدرة الإنسان على التحكم في عملية الإخصاب والإنجاب : فقد تنوعت وسائل منع الحمل وتيسرت سبلها ، وبات من الممكن علاج أشكال كثيرة من العقم عن طريق الإخصاب الاصطناعي ، كما التحديد الإرادي لجنس الأطفال المرغوب في إنجابـهم مسألة ممكنة ، وكذلك " إنجاب " أجنة تحت الطلب في أوساط اصطناعية وخارج أي رحم نسائي . ولعل ما هو أكثر إثارة من هـذا وذاك أنه صـار باستطاعة النساء اليوم أن ينجبن أطفالا بدون أن تكون لهن أية علاقة جنسية بالرجال ، شرعية كانت أم عاطفية أم ذات طابع مصلحي عابر، وذلك بفضل إمكانية " الاستفادة " من خدمات " بنك الحوينات المنوية " ؛ بمعنى أنه أصبح من الممكن الآن أن يوجد صنف جديد من الأمهات بدون أباء ! كمـا أن البيولوجيا الجزيئية ( Biologie moléculaire ) غدت تملك الآن وسائل متطورة للاحتفاظ بالحوينات المنوية وتخزينها من أجل استعمالـها في المستقبل وحتى بعد موت وانقراض أصحابـها .
ومن ناحية أخرى فهي تخطو خطوات موثوقة نحو التنبؤ الوراثي الذي يهدف إلى الكشف المبكر عن قابلية الأفراد للإصابة ببعض الأمراض . نقرا في كتاب مختص في هذا الميدان أن " … التنبؤ في أقصاه يعني أن كل فرد سوف يتمكن عمليا من أن يعرف أي الأمراض هو مستهدف للإصابة بـها . وسيكون لبرامج الفرز المختلفة تأثيرها على كل فرد حتى على الأطفال الذين لم تحملهم أمهاتهم بعد ، والذين يمكن أن تحدد خصائصهم من جينات الوالدين ، وستتيح هذه البرامج للناس أن يتحكموا إذا شاءوا في حياتـهم … وربما أدت برامج الفرز إلى تغيير خواص المجتمع نفسها " [5] .
أمام هذه المعطيات الجديدة ماذا ستؤول إليه مفاهيم أساسية عاشت عليها المجتمعات البشرية منذ آلاف السنين مثل الأبوة والأمومة والقرابة ؟ واضح جدا أن تقدم العلم في المجالات السابقة الـذكر، قـد أدى أو من شأنه أن يؤدي إلى نتائج تتعارض مع القيم الأخلاقية التي تكرست تدريجيا منذ فجر التاريخ البشري ، وفي جميع المجتمعات ولدى مختلف الأديان والفلسفات بوصفها عنصرا جوهريا في إنسانية الإنسان .
ولعل مما له مغزى خاص في هذا الصدد أن ينشأ في العقدين الأخيرين من هذا القرن مبحث جديد يهتم بالتفكير الفلسفي والقانوني في المشاكل الأخلاقية الناجمة عن الأبحاث والدراسات المعاصرة في البيولوجيا ، وبصفة خاصة في فرعها المختص بالهندسة الوراثية " La Génétique " ويعـرف هذا المبحث الآن بالمصطلح الجديد “ Bioéthique ” الذي اعتمدته القواميس منذ سنة 1982 ، وهو يلقى حاليا نجاحا ملموسا ويدور حوله نقاش لعله من أهم نقاشات الفلسفة والقانون في نهاية هذا القرن [6] . ولا داعي للاستغراب فقد كان الدافع العلمي إلى تطوير البحوث في علم البيولوجيا المعاصرة من قبل ذا مرامي إنسانية محددة وواضحة تتمثل في معالجة بعض التشويهات والانحرافات الناتجة عن الأمراض الوراثية ، بينما يظهر الآن أن هذا الدافع يتجه وسيتجه في القرن المقبل أكثر نحو القيام بدور الطبيعة ذاتها !
لا نستبعد أن يفهم من أسلوب إثارتنا لما ينجم من مشاكل وانعكاسات على الفكر الفلسفي نتيجة انتشار مظاهر التقدم العلمي والتكنولوجي ، أننا من أشياع نزعة الإدانة الرومانية المطلقة لكل ما أسفر عنه . وتلافيا لسوء الفهم نسارع ونقول بأننا لا نخفي تحفظنا من التقييم السلبي والمتشائم الذي أصدرته فلسفة مارتن هيدجر وتفرعاتها وأصداؤها في الفلسفة الفرنسية المعاصرة مثلا على الحضارة التقنية ، عندما وصفتها بأنها " إرادة الإرادة " وعملية تنمو وتتناسل لذاتها وتفرض نفسها بشكل شمولي على الإنسان ، وذلك باسم فعالية تزداد جنونا ودفة يوما عن يوم وتـهدد مستقبل البشرية . وقد عبرنا عن رأينا هذا في مكان آخر[7] .
نحن نعتقد أنه ليس من الصواب وسداد الرأي أن يتجاهل بالكامل ما أصبحت تدين به الإنسانية جمعاء للتقدم التكنولوجي في مختلف ميادين حياتـها . نقول هذا وليست غائبة عنا بالمرة جوانب الوجه الآخر " المظلـم " لطبيعة ذلك التقدم .
كتب سيجموند فرويد في سنة 1938 ، أي سنة واحدة قبل موته ، واصفا عصره : " نحن نعيش في زمان شديد الغرابة ، أصبحنا نلاحظ فيه وباستغراب أن التقدم قد عقد تحالفا مع النـزعة الهمجية والبربرية "[8] . وساق على ذلك أمثلة ناطقة من واقع تلك الفترة الحرجة من تاريخ الإنسانية ، وليست أمثلته في الحقيقة سوى مقدمات إذا ما قورنت بما سيشهده العالم بعد ذلك من ويلات الحرب العالمية الثانية والحروب " الجديدة " التي تلتها . أما القارئ المعاصر الذي يعيش الآن نـهاية القرن العشرين والذي يسمح له نضج تجاربه وتقدم سنه بإمكانية المقارنة فقد صار من اليسير عليه أن يضيف أمثلة أخرى أكثر رعبا وفظاعة عن ذلك التحالف الشاذ بين التقدم العلمي والتكنولوجي وبين النـزعة إلى الإبادة والتدمير الشامل .
لا ننكر إذن أن التقدم العلمي والتكنولوجي سيء السمعة عموما في مجال الفلسفة والأخلاق ، وقد نظر إليه دائما بعين الريبة والحيطة ، لأنه يعد عاملا لزعزعة الحقائق المستقرة من ناحية ولأنه من ناحية أخرى كان السبب في كوارث فظيعة لحقت بالإنسانية يصعب تناسيها ، ولكن طبيعـة التفكـير في الإشكالية المطروحة تلزمنا بألا ندين فقط ولكن أيضا وبقدر الإمكان أن نحلل ونفهم وحسب المستطاع أن نتوقع ما يمكن أن تحدثه معرفة تتطور وتتعاظم باستمرار، أي ما يمكن أن يحدثه تقدم العلوم والتكنولوجيا في عصرنا من انعكاسات وآثار على توجهات الفكر الفلسفي في القرن المقبل .
3 ـ الواقع الراهن للفلسفة وأشكال الخطاب الفلسفي الجديد :
نقول إذن إنه عند إمعان النظر في متطلبات عصرنا الحالي وأمام هذه الأوضاع والمعطيات الجديدة سنقف على حقيقة أن الفلسفة أضحت تبدو لنا عتيقة ومتجاوزة وكأنـها تنتمي حقا إلى مرحلة قد ولت . فهي ذات طبيعة نظرية تغرق في التجريد والعمومية ؛ وتعليمها غير متلائم مع مشاكل العالم اليوم ؛ وليست لـها أية مردودية ملموسة ومباشرة ، وتكاد تكون منقطعة الصلة بمشاكل الحياة اليومية .
وهناك بكل تأكيد أسباب وجيهة لتفسير هذا الانطباع ولعل من أكثرها وضوحا أن الشعوب والمجتمعات في المرحلة الراهنة من تاريخ البشرية ، وحيثما وجدت في أنحاء المعمور، بدأت تشعر وتعي بأن وضعيتهـا الحاضرة بل و مستقبلها كذلك أصبحا مرتبطين ارتباطا وثيقا بمدى مقدرتـها على استيعاب التقنية والتمكن من الاستفادة منها [9] .
ومن بإمكانه اليوم أن يجادل أو يتجاهل أن حال الفلسفة لم يتغير كثيرا ، وانه لا يزال في أيامنا هذه كما كان عليه حتى منتصف العقد السابع من هذا القرن على الأقل ؟ لقد كانت المذاهب والمدارس والتيارات الفلسفية في ذروة حيويتها وعطائها تتناظر وتتساجل وتتصارع : الفنمولوجيا والوجودية والشخصانية في مواجهة الماركسية ، والماركسية في مواجهة الوضعية المنطقية والوجودية والبنيوية ، والوضعية المنطقية في مواجهة المذاهب " الميتافزيقية " قاطبة ، والفلسفة البنيوية في مواجهة الوجودية والماركسية معـا ، والقراءات الجديدة للماركسية وللفردية تتواجه وتتنافس فيما بينها …
ولا ننسى أن الساحة الثقافية شاهدت كذلك بروز ظاهرة هيمنة أعمدة الفكر والفلسفة المعاصرة الكبار مثل ليفي ستروس ، وميشيل وفوكو ودريدا وألتوسير ودلوز… وكان أغلب هؤلاء أساتذة مرموقين ينتمـون إلى الجامعات . أما اليوم فقد صرنا نلاحـظ الفلسفة وهي تنكمش على نفسها وتغدو ميالة إلى التروي والحذر؛ والفلاسفة الكبار يختفون واحدا تلو الآخر بدون أن يعوضوا ؛ والفلسفة الجامعية وهي تنحسر وتتراجع حتى ليبدو أن همها الأساسي بات هو الاقتصار على تدريس تاريخ الفلسفة القديمة والوسيطية والحديثة منها بصفة خاصة . وهكذا بدأت الصلات التي تربطها بالحياة الثقافية تنفصم عراها تدريجيا ، وأصبح الفيلسوف يتشكك بالفعل في أن تكون الجامعة هي مكانه الطبيعي .
لقد توارت عن الأنظار مذاهب فلسفية كبرى وباتت تتفكك ، وانـهارت أنظمة اعتقدت ولفترة طويلة أنها كانت تملك الحقيقة وبرزت تصرفاتها وقراراتها بناء على ذلك . وصرنا نلاحظ عن كثب اتساع ظاهرة التراجع الكبير للأشكال التقليدية التي ظهرت عليها الفلسفة " المتـزنة " منذ نـهاية الحرب العالمية الثانية . كما أن المسائل الفلسفية الكبرى التي ظلت المنبع الذي يمد الفكر الفلسفي بالحيوية منذ العصر اليوناني أصبحت موضع تشكيك من طرف عدد كبير من الفلاسفة أنفسهم ، حتى إنه لم يعد مما يثير الاستغراب اليوم أن نسمع الطالب في قسم الفلسفة في جل جامعات العالم يؤكد بأن مهمة الفلسفة ليست هي إيجاد حلول للمشاكل " المييتافزيقية " الكبرى المطروحة منذ أفلاطون ، بل إن دورها أضحى بالأحرى هو تفكيك وهدم وتقويض جميع الأوهام التي تصدر عنها [10] .
وعلاوة على ذلك ثمة سمة أخرى لافتة للإنتباه : إن مطلب العقلانية الذي كان من قبل من أولويات الفلسفة أصبح اليوم مهددا بسـبب تكاثر وانتشار النـزعات الشكية والظلامية المتطرفة . فقد تضـاءل الحرص الذي كانت تبديه جل الفلسفات السابقة على تبني النـزعة العقلانية وعلى متابعة ما يستجد في ميادين العلوم ، وعلى الاستلهام منها ومن مناهجها ، وصرنا اليوم نلاحظ تراجعه حتى ليبدو للعيان أن العقـل والعقلانية قد أصبحا بالفعل مهددين بفعل تجدد وانتشار الاتجاهـات اللاعقلانية ذات الأصول الدينية أو الصوفية أو الفوضوية أو الفلسفية التفكيكية . ومن يدري فلعل هذه الظاهرة هي نتيجة أخرى لانهيار " اليقينيات " والمنظومات الفلسفية الكبرى التي شهدها عصرنا الحالي .
وفي هذا المناخ الفكري رأينا تيارات متميزة في الفكر الفلسفي المعاصر " تعني " الفلسفة غير ما مرة وتدعو إلى التخلي عن التفكير بمفاهيم مثل الذات والوعي والعقل والمعنى والحرية والتاريخ … ونشـأت موضوعات جديدة للتفكير الفلسفي وظهرت بالتالي أشكال حديثة من الخطاب لم تكـن معهودة من قبل في تقاليد الفلسفة ، ومن سماتها أنها تميل أكثر إلى التعبير عن حساسيات جديدة لم تكن واضحة في فكر العقود الماضية . وبدا أن الفلسفة لم تعد من خلال تلك الخطابات الجديدة مسؤولة عن التفكير في ما يوجه الفعل الإنساني أو ما يؤسس المعرفة وتوجهاتـها ، وساد الاعتقاد بأن مهمتها أضحت تقتصر بالدرجة الأولى على ضرورة رد الاعتبار للخيال وللوهم ولكل ما كان العقل الفلسفي من قبل يقصيه وينبذه ؛ أي الإشادة بما هو لا عقلاني ومختلف ومتعدد ومهمـش ومقصي وشاذ وفوضوي .
4 ـ عناصر تجديد محتمل في الفكر الفلسفي لبدايات القرن21 :
نعود مرة أخرى إلى مسألة العلاقة بين الحكمة والمعرفة ونتساءل : إذا كان تطور الواقع وتطور العلوم والمعارف يساعد على إحداث جميع هذه التغييرات التي أبرزتـها سابقا فما هي الحكمة الجديدة التي يتوجب على الفلسفة استخلاصها وبثها ؟ من باب الحذر والتروي نجيب بأنه لم يعد بإمكان الفيلسوف المعاصر أن يتنبأ سوى بحكم مؤقتة على غرار فكرة " الأخلاق المؤقتة " التي كان ديكارت قد اقترحها استلهاما من حال المعرفة في عصره ، وإلا فإنه سيكون في موقف حرج ، وقد يزكي وبدون أن يكون ذلك هو قصده بالفعل ، ما تحوم حوله من شكوك منذ زمان بأنه دائمـا ذلك " المتنبئ " الذي لم يعد هناك حقا من يكثرت بتصديق ما يقول !
لقد أفادنا تاريخ الفكر الفلسفي على الدوام بالحقيقة التالية : إن انتشار النـزعات الشكية واللاعقلانية يقوى عندما تكون المثل الاجتماعـية القديمة آخذة في الاهتزاز في حين أن المثل الجديدة لم تنجح بعد في فرض نفسها ، ولاشك أن إمارات هذه الحقيقة بادية على الواقع الراهن لعصرنا . فهل يجوز لنا أن نستشرف من وراء ذلك أن مهمة الفلسفـة في المستقبل القريب ستكون شبيهة بمهمتها في عصر الأنوار ؟ وبعبارة أخرى هل ستستعيد الفلسفة في بدايات القرن المقبل دورها التنويري ويغدو الصراع الفكري كما كان عليه في عصر الأنوار: العقل ضد النـزعات الظلامية واللاعقلانية ، مع ما يقتضيه الحال من تجديد وتحيين لمعاني العقل واللاعقلانية ؟ ذلك ما لا يستبعده كثير من المهتمين بمستقبل الفلسفة [11] .
ومن المألوف أن الفلسفة في فترات الانكماش والتحول غالبا ما تشتكي بأنـها أصبحت مهمشة وبأن أهميتها قد تضاءلت بالفعل ، ولـذلك فهي تغدو في موقف متأزم يحتم عليها أن تبحث عن أدلة جديـدة لتبرير مشروعية وجودها . ونحن نعتقد أن من بين الدلائـل الجديدة التي أصبحت متاحة لها الآن الحاجة الماسة إليها لأن تساهم من خلال برامج التعليم الفلسفي في الإعداد والتحضير للحياة في العالم الحالي للبشر الذي يطبعه التغير السريع وليس في عالم المثل المفارق ؛ أي لأن تمارس دورها الثقافي وتقوم بتحليل مشاكل العصر لمساعدة المواطنين على فهمها .
وهناك مؤشرات حالية كثيرة توحي بأننا سنشهد انبعاثا جديدا لعلاقة الفلسفة بالسياسة في مستهل القرن المقبل ، على الأقل على مستوى برامج التعليم ولعل أكثرها تجليا هذا الانتعاش الكبير للخطاب عن حقوق الإنسان . فإذا كان تعليم الفلسفة قد زودنا إلى حد الآن بمجموعة من الرؤى العامة التي كونـها البشر عن الحياة وعن العالم وعن العلاقات فيما بينهـم ، كما أمدنا بمعلومات ثقافية غنية وكذلك بمعطيات تاريخية ، فإن كثيرا من المهتمين بالفكر الفلسفي في عصرنا غدوا أكثر طموحا وصاروا ميالين إلى الاقتناع بأن من الممكن أن يكون لتعليم الفلسفة أيضا ، فضـلا عن مزاياه السابقة علاقة وثيقة بقضية الديمقراطية بحيث يمكن أن يدعمها ويدافع عنها .
وربما يبدو للوهلة الأولى أن العلاقة بين الفلسفة والديمقراطية ليست واضحة وليس لها مضمون خاص متميز وثابت ، ولا غرابة في الأمر فنحن حقا أمام مسألة " فلسفية " حديثة العهد ولا تعد من المسائل الفلسفية الكلاسيكية ، بل ولم يكن من المعتاد طرحها من قبل [12] .
حقا لقد نظر دائما إلى العلاقة بين الفلسفة والسياسة بنوع من التوجس والحيطة ، ولم تكن الفلسفة السياسية حتى الآن تحظى بصفة عامة في التعليم الفلسفي سوى باهتمام ضئيل ، بحيث يصح القول أن التفكير في قيـم التقاليد الديمقراطية أو ما يمكن تسميته بأسس النـزعة الإنسانية الجديدة مثل الحريات العامة وحقوق الإنسان والتعددية وحق الاختلاف والتسامح والتحاور بين الثقافات ، والحياة السياسية الدولية الجديدة ، يكاد يكون غائبـا في هذا التعليم الذي ظل محصورا ولفترة طويلة في إطار موضوعـات أخلاقية ذات طابع عام ، وفي أحسن الأحوال في فكرة الالتزام الأخلاقي من منظور النموذج الذي اقترحته في الأربعينات الفلسفة الوجودية عند ج . ب . سارتر.
أما اليوم ونحن نشرف على القرن الواحد والعشرين ، فقد بدأنا نلاحظ أن الاهتمام الذي أصبح التعليم الفلسفي على المستوى العالمي يوليـه للمسائل السياسية وبصفة خاصـة لمسألة الديموقراطية وحقوق الإنسان قد تزايد كثيرا على ما كان عليه من قبل ، ما يعني أن مضمون النـزعة الإنسانية قد تزايد كثيرا على ما كان عليه من قبل ، مما يعني أن مضمون النـزعة الإنسانية أصبح يغتني بعناصر جديدة سياسية واجتماعية بفضل تقدم الوعي البشري وبفضل ما أصبح العلم يوفره من إمكانيات للبشرية .
ومما يزكي هذا التوجه أن أغلب المؤتمرات الفلسفية العالمية التي انعقدت في الفترات الأخيرة لم تكن مترددة إطلاقا في " الخوض " مباشـرة في السياسية . ويجمل بنا أن نورد في هذا السياق الأفكار التالية كانت من جملـة ما تضمنه البيان الختامي لآخر تلك المؤتمرات من حيث توقيت انعقاده : " إن مجتمعنا يحتاج إلى ثقافة سياسية جديدة إذا كان يرغب في تضامن فعال … كما يحتاج إلى إعادة تحديد مفهوم التقدم الاجتماعي والحقوق الخاصة… وإلى ضرورة مراجعة التاريخ الحديث للبشرية من أجـل تفادي الوقوع في نفس أخطاء هذا القرن الذي اتسم بثقافة الحروب " [13] .
تتوفر أمامنا إذن عناصر كثيرة لحثنا على افتراض أن الفكر الفلسفي في القرن المقبل ، وبالنظر إلى ما يمكن استقراؤه من شروطه وتوجهاته الحالية ، سيكون أميل إلى الارتباط بالسياسة وأكثر استعدادا للاهتمام بقيم ومبادئ الديمقراطية ؛ ذلك لأنه سيكون مؤهلا لتعليمها ونقلها والمساهمة بواسطتها في تكوين وتربية المواطن . كيف لا والمطلب قـد غدا عزيزا وملحا نظرا لما بتنا نشاهده اليوم في أنحاء عديدة من العالم من نمو لظواهر الكراهية والتطرف ، ومن انتشار لأشكال المس بالحريات العامة وانتهاك لحقوق الإنسان ، بل واللجوء حتى إلى الاغتيالات . لقد أضحت هذه الظواهر تحتل حيزا هاما في فضائنا اليومي من خلال الصحف ونشرات الأخبار.
وما دامت المبادئ التي تحرك الفكر السياسي لا تظل هي عينها عبر كل الظروف والملابسات الإنسانية والاجتماعية والتاريخية ، لأن من طبيعة الأمر السياسي أنه أقل الحقول الإنسانية خضوعا للتقييمات وللأحكام النهائية ، لا يستبعد المهتمون بحقل الفلسفة السياسية في المستقبل أن تطرأ على مبدأ الديموقراطية نفسه تغييرات يمكن أن تمس جوهره ومسلسل تطبيقه ، وبصفة خاصة في الدول ذات التقاليد الديمقراطية العريقة التي قد تكتشف مثلا أهمية الديمقراطية المباشرة بعدما فضلت إلى حد الآن الديمقراطية التمثيلية . أما في مناطق العالم التي لا تزال تـهيمن فيها الثقافة المقدسة للسلطة ، أو التي لم تعرف الإرهاصات الأولى للديمقراطية غلا في فترة متأخرة ، فمن المرجح أن انتشار قيم الديمقراطية فيها سيتحقق ببطء ، ولكن الدلائل الحالية تجيز القول بأن معطيات القرن المقبل لن تسمح لـها أبدا بالتقوقع أو بالتراجع إلى الوراء .
حقا إن غياب إيديولوجيا كبرى كانت حتى الأمس القريب تحفز العزائم وتشحذها ، وتعتبر " مستقبل البشرية " ، من شأنه أن يقوي الميل إلى الامتثال ويضعف بالتالي من إمكانيات الفلسفة للدعوة إلى الثورة أو التمـرد . لأنه بات مفروضا على الفيلسوف أن يفكر بطريقة مغايرة لما تعوده من قبل وطيلة عقود من السنين . ولكن في منظورنا لا يمكـن أن يعتبر غياب تلك الإيديولوجيات دليلا كافيا على مصداقية فكرة " نـهاية الإيديولوجيا " رغم ما تتسم به من جاذبية وإغراء . فما دام الإنسان يحن ويفكر ويحلم ويأمل ويطمح فسيظل أبدا " حيوانا إيديولوجيا " .
والإيديولوجيا في العمق وكما وصفها عن حق الفيلسوف الفرنسي الراحل لوي ألتوسير " خالدة " ولن تتوقف أو تنتهي في عصر معين ، وكل ما في الأمر أنها تنحو إلى التجدد باستمرار، وذاك ما لا نفتأ نشهده بالفعل وحتى الآونة الأخيرة : فعلى أنقاض تلك التي قيل أنـها توارت سرعان ما ظهرت في السنوات القريبة الماضية إيديولوجيات جديـدة في صيـغ نظريات جذابة ذاع صيتها بسرعة فائقة . ونذكر من بينها بصفة خاصة نظريات : " النظام العالمي الجديد " ، و " نـهاية التاريخ " ، و " هيمنة الفكر الأوحد "، و " حتمية صراع الحضارات " ومن المرجح ألا تتاح لبعض هذه النظريات حتى فرصة العبور إلى القرن 21 نظرا لتسرعها وتهافتها !
فهل سيستفيد الفكر الفلسفي ، وفي بدايات القرن المقبل على الأقل ، من دروس وعبر وحتى لا نقول من " أخطاء " القرن الذي نودعه ، فيصيغ فلسفة ملابسات الواقع الجديد الذي يشهد كون علاقة الإنسان مـع محيطه ومع الزمن بدأت تعرف تحـولا جذريا ؛ والذي يتسم بسرعة أفول الحقائق والقيم وتراجع أوهام المثقفين ، أم أنه سيستكين إلى ممارسة لعبة النسيان ؟
وهل لا يزال حقا في مقدور الفيلسوف المعاصر أن يحدو حدو سلفه كانط فيدعو إلى التضحية بالعلم من أجل الإيمان ، ويغض الطرف عن العلاقة ما بين اللاشعور والوعي مثلا ، أو بين الجينات ومصائرنا ، ويتجاهل بالتالي الإمكانيات الهائلة التي أصبحت توفرها ثورة المعرفة وعلـوم الاتصال ، وذلك لكي ينقد ويحافظ على تصورات معينة عن الإنسان وعن الوعي وعن الإرادة الحرة وأخلاق الواجب ؟
لا نظن أن مهنة الفيلسوف في المستقبل ستبقى هي مواصلة للتقليد السقراطي ، أي الاستمرار في البحث عن الحقيقة عن طريق التامل والحوار وطرح الأسئلة ، ونعتقد أنـها ستكون بالأحرى محاولات دؤوبة لفهم واستيعاب التحولات الكبرى ودلالات إنجازات البحث العلمي على الصعيد العالمي وآثارها على أحوال الوضعية البشرية ، وذلك لغاية إعادة سبك وصياغة وإنشاء مفاهيم حديثة للمساهمة في التنوير والتوعية بقيم الحكمة الإنسانية الجديدة .
ولا نبتدع جديدا عندما نكرر القول بأن لكل عصر حكمته ، وحكمة مطالع القرن الأول في هذه الألفية الثالثة كما بدأ يتراءى لنا الآن هي العودة مجددا إلى الإنسان وإلى الأخلاق وإلى السياسة ولكن اعتمادا على تعدد المناظير كقيمة جديدة . ولا نخفي أننا نشاطر هنا وجهة النظر التي تراهن على فرضية أن التعددية والنسبية هي التي ستكون السمة الأساسية لثقافة القرن المقبل ، على الأقل للعقود الأولى منه .

أهم المراجع التي استفادت منها هذه الدراسة :
- (Dr. Zsolt Harsanyi and Richard Huttin, Genetic Prophecy),
التنبؤ الوراثي، الترجمة العربية، إنجاز مصطفى إبراهيم فهمي، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 1988.
- عبدالرزاق الدواي، موت الإنسان في الخطاب الفلسفي المعاصر، دار الطليعة، بيروت، 1992.
- محمد حسنين هيكل، "العرب على أعتاب القرن 21"، مجلة المستقبل العربي، بيروت، العدد 190/12/1994.
-Sigmund FREUD, Moïse et le monothéisme, traduit par Anne Berman, Paris, Gallimard, 1967.
-Hélène VEDRINE, Les philisophies de la Renaissance, Paris, P.U.F., 1971.
-Ludwig FEUERBACH, Principes de la philosophie de l'avenir, Traduit par LouisAlthusser, Paris, Union Générale D'Editons, 1973.
-Georges CANGUILHEM, "La décadence de l'idée de progrès", Revue de la métaphsique et de la morale, N° 4, 1987. p. 437-454.
-Guy DURANDIN, "Des contextes de la philosophie à son texte", in Encyclopédie philosophique universelle, tome 1, Paris, P.U.F., 1989, pp. 903-912.
-Dossier: "Le siècle de la psychanalyse", Magazine Littéraire, N° 271, 1989. pp16-64.
-Monique SCHNEIDER, "Philosopher après freud", in Univers Philosophique, Paris, P.U.F., 1989, pp. 720-731.
-Magazine Littéraire, numéro spécial "la fin des certitudes", N° 312, 1993.
-UNESCO:"Année des Nations Unies sur la toléranceé".Documents Finaux, 1995. -Roger-Pol Droit, Philosophie et démocratie dans le monde, (Editions Unesco), Paris, Librairie Générale Française, 1995.
-Noëlle LENOIR, "Bioéthique, constitutions et Droits de l'Homme", in DIOGENE, Revue internationale des sciences humaines, N° 172, Paris. Gallimard, 1995, pp. 13-36.
-Magazine littéraire, N° 339, janvier 1996. consacré au sujet "Philosophie : la nouvelle passion”.
-Alain Renault, "Université et philosophie”, in Magasine littéraire”, N° 339, 1996, p33






رد مع اقتباس
الأعضاء الذين قالوا بارك الله فيك/ شكراً لـ khelifa8 على المشاركة المفيدة:
قديم 2010-05-08, 15:56   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
afaf86
عضو مجتهـد
 
إحصائية العضو









afaf86 غير متواجد حالياً


افتراضي

شكرا جزيلا استاذنا الكريم على هذه المواضيع القيمة







رد مع اقتباس
قديم 2012-09-26, 07:20   رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
أرجوانة
عضو نشيط
 
الصورة الرمزية أرجوانة
 

 

 
إحصائية العضو









أرجوانة غير متواجد حالياً


افتراضي

بارك الله فيك أخي







رد مع اقتباس
قديم 2012-09-26, 11:24   رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
hamza touazi
عضو مميّز
 
الصورة الرمزية hamza touazi
 

 

 
إحصائية العضو









hamza touazi غير متواجد حالياً


افتراضي

نقطة ظعفي الفلسفة يارب وفقنا







رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
العلم, الفلسفة

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع



الساعة الآن 15:33

المشاركات المنشورة تعبر عن وجهة نظر صاحبها فقط، ولا تُعبّر بأي شكل من الأشكال عن وجهة نظر إدارة المنتدى
المنتدى غير مسؤول عن أي إتفاق تجاري بين الأعضاء... فعلى الجميع تحمّل المسؤولية


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
2006-2013 © www.djelfa.info جميع الحقوق محفوظة - الجلفة إنفو (خ. ب. س)
Protected by CBACK.de CrackerTracker