القصة القصيرة جدا - منتديات الجلفة لكل الجزائريين و العرب

العودة   منتديات الجلفة لكل الجزائريين و العرب > منتديات الثقافة و الأدب > خيمة الأدب والأُدباء > فنّ القصّة

 

في حال وجود أي مواضيع أو ردود مُخالفة من قبل الأعضاء، يُرجى الإبلاغ عنها فورًا باستخدام أيقونة تقرير عن مشاركة سيئة ( تقرير عن مشاركة سيئة )، و الموجودة أسفل كل مشاركة .

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 2010-05-04, 19:05   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
رفيق اللغة
عضو مشارك
 
إحصائية العضو









رفيق اللغة غير متواجد حالياً


افتراضي القصة القصيرة جدا

الرجاء ادراج نموذج عن تحليل قصة قصيرة جدا







 

رد مع اقتباس
مساحة إعلانية
قديم 2010-05-07, 18:00   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
قروي مبارك
عضو مجتهـد
 
الصورة الرمزية قروي مبارك
 

 

 
إحصائية العضو









قروي مبارك غير متواجد حالياً


افتراضي

القصة القصيرةجدا: قراءة في التشكيل والرؤية

بقلم: أ. د. حسين علي محمد
القسم الأول
يقولالأديب والعالم الفيزيائي الدكتور أحمد زكي «ليس ألذ في أحاديث الناس من قصة، وليسأمتع فيما يقرأ الناس من قصة، والعقول قد تخمد من تعب، ويكاد يغلبها النوم، حتى إذاقلت قصة ذهب النوم، واستيقظت العقول، وأرهفت الآذان ...» (2).
وإذا كان «فنالقصة القصيرة» ـ كما يرى جابر عصفور ـ فنا صعباً «لا يبرع فيه سوي الأكفاء منالكتاب القادرين علي اقتناص اللحظات العابرة قبل انزلاقها علي أسطح الذاكرة‏,‏وتثبيتها للتأمل الذي يكشف عن كثافتها الشاعرية بقدر ما يكشف عن دلالاتها المشعة فيأكثر من اتجاه» (3).
إذا كانت القصة القصيرة كذلك، فإن فن القصة القصيرة جداًأكثر صعوبة؛ لأنه مطلوب من القاص أن يُحقق ذلك في أقل عدد من الكلمات. وهو فن ظهرفي السنوات الأخيرة، ينتمي إلى الفنون السردية، ويُحاول مبدعه من خلاله أن يقدم نصاسرديا مكتنزاً في عدد قليل من الكلمات لا يتجاوز مائة كلمة في غالبيةالأحوال.
وهذا الفن ليس جنساً أدبيا جديدا مستقلا عن القصة والقصة القصيرةاللتين عرفهما الأدب.. كما أنه ليس تحديثاً لفن المقامات أو ألف ليلة وليلة بطريقة «حداثوية ومعصرنة جدا»(4)، كما يشير أحد الكتاب.
إننا نراه تطويراً لفن الخبر فيتراثنا، وبخاصة تلك الأخبار التي كانت تجمع بين السخرية والمُفارقة، ومنها هذهالأخبار الأربعة التي وردت في كتاب «المستطرف في كل فن مستظرف» للأبشيهي:
وقدوضعنا للخبر الأول عنوان [أحمقان، وثالثهما]، وهذا نصه:
حُكي أن أحمقيْنِ اصطحبافي طريق، فقال أحدهما للآخر: تعالَ نتمنَّ على الله، فإنَّ الطريقَ تُقطعُبالحديث.
فقال أحدُهما: أنا أتمنّى قطائع غنم أنتفعُ بلبنِها ولحمهاوصوفِها.
وقال الآخر: أنا أتمنّى قطائعَ ذئابٍ أرسلُها على غَنمِكَ حتى لا تتركَمنها شيئاً.
قال: ويحكَ! أهذا من حقِّ الصحبةِ وحُرمة العشرةِ؟!.
فتصايَحا،وتَخَاصَما، واشتدّت الخصومةُ بينهما حتى تماسكا بالأطواق، ثمَّ تراضَيَا أنَّ أولَمنْ يطلعُ عليهما يكونُ حكَماً بيْنهما، فطلع عليهما شيخٌ بحمارٍ عليهِ زقَّانِ منْعسل، فحدّثاه بحديثِهما، فنزل بالزّقّين وفتحهما حتى سال العسل على التراب،وقال:
صَبَّ اللهُ دمي مثلَ هذا العسلِ إنْ لمْ تكونا أحمقين!» (5).
وأماالخبر الثاني فقد وضعنا له عنوان [مجنون بني عجل]، وهذا نصه:
حُكِي أن الحجاجخرج يوما متنزها، فلما فرغ من نزهته صرف عنه أصحابه وانفرد بنفسه، فإذا هو بشيخ منبني عجل، فقال له: من أين أيها الشيخ؟ قال: من هذه القرية. قال: كيف ترون عمالكم؟قال: شر عمال؛ يظلمون الناس، ويستحلون أموالهم. قال: فكيف قولك في الحجاج؟ قال: ذاك، ما ولى العراق شر منه، قبحه الله، وقبح من استعمله! قال: أتعرف من أنا؟ قال: لا. قال: أنا الحجاج! قال: جُعلت فداك! أو تعرف من أنا؟ قال: لا. قال: فلان بنفلان، مجنون بني عجل، أصرع في كل يوم مرتين. قال: فضحك الحجاج منه، وأمر له بصِلة »(6).
وأما الخبر الثالث فقد وضعنا له عنوان [فجعله عذابي!]، وهذا نصه:
قالالأصمعي: رأيتُ بدويّةً من أحسنِ الناسِ وجهاً، ولها زوْجٌ قبيح، فقلتُ: يا هذه! أترضينَ أن تكوني تحتَ هذا؟ فقالتْ: يا هذا! لعلَّهُ أحسنَ إلى اللهِ فيما بينهوبيْنَ ربِّه، فجعلني ثوَابَه، وأسأتُ فيما بيني وبين ربِّي فجعله عذابي، أفلا أرضىيما رضي اللهُ به؟»(7).
والخبر الرابع وقد وضعنا له عنوان «مثل هذايقول:
«قال الجاحظ: ما أخجلتْني إلاَ امرأة مرتْ بي إلى صائغ، فقالت له: اعملْمثلَ هذا، فبقيتُ مبْهوتاً، ثم سألْتُ الصَّائغَ، فقالَ: أرادتْ هذه المرأةُ أنْأعملَ صورةَ شيْطان، فقلتُ: لا أدري كيفَ أُصوِّرُهُ، فأتَتْ بكَ إليَّ لأصوِّرَهُعلى صورتكَ»(8).
***
والقصة القصيرة جدا مع اعتمادها على عناصر القص منشخصيات وأحداث وزمان ومكان وحبكة ونهاية نراها تمتاز بقدرتها على التكثيف الدلالي،وإثارة التأويلات المختلفة، وعنصر المفارقة فيها يُحكٍم استراتيجية النص التي يبغيالكاتب أن يُبرزها بوعي، وتستطيع فاعلية القراءة لاحقاً أن تُشارك الكاتب في تفعيلالنص وإثراء دلالاته، اعتماداً على تقاطع المقروء مع مخزون الذاكرة، وما يُثيره منغنى دلالي، في ضوء النص / الزمان / المكان / القارئ .
وقد ظهر هذا الفن بعد سقوطالإيديولوجيات الكبرى‏,‏ ليعبر عن الإنسان العادي (الذي كان يعبر عنه الخبر فيالتراث)، ويؤكد على القيم الإنسانية التي تنطوي عليها‏ الكتابة الصادقة,‏ التيتتشوق للعدل والحرية‏,‏ وتنحاز إلي المظلومين والهامشيين، وتحاول أن تغمس مدادها فيجراح مجتمعها لتكشف عن الأدواء السياسية والاجتماعية التي تستشري، وتصور الهامشيينالذين آن لهم أن ينتصفوا في شعرية شفيفة، أو سخرية مُخادعة تستطيع أن تنجو بهمادائماً من القمع والمصادرة.
وليست القضية ـ كما ينبغي أن تكون ـ قضية تغيير حجمالنص المقروء فحسب من الحجم الكبير إلى حجم أقل في القص «فالرغبة الملحة في التغييرلا بد أن يكون وراءها دوافع جوهرية نابعة من متغيرات الحياة التينعيشها»(9).
ولا تؤدي النماذج المتفوقة من القصص القصيرة جدا ما تريده علي نحومباشر‏,‏ وإنما تشف عنها بأدوات سردية مقتدرة‏,‏ وبراعة تؤكدها الخبرة والممارسة‏.‏ولذلك فكتاب القصة القصيرة جدا الناجحون في الساحة هم من تمرسوا سابقاً على كتابةالقصة الموباسانية أو القصة الجديدة، وأكثرهم سوءاً هم من دخلوا هذا الفن بلا تجربةسابقة في التعامل مع فنون السرد.
يقول أحد المبدعين المجيدين هذا اللون، وهوعدنان كنفاني:
«وفي سبيل الوصول إلى ذلك لا بد أن نقرر أن الصعوبة تكون مضاعفة،فالكاتب المبدع عليه أن يحمّل نصّه كل تلك الشروط.. "الفكرة، والحدث من خلال التقاطلحظة الومضة، والشخوص، والمكان، والزمان، والعقدة الدرامية، ثم تصاعدها للوصول بهاإلى الحلّ.. ويقدح شرارة المفاجأة والإبهار والدهشة في مخيّلة المتلقّي، إضافة إلىالجمل الوصفية، والكلمات الرشيقة، واختيار المواضيع التي تهمّ المتلقّي…الخ ماهنالك من شروط إضافية محببة ومشوِّقة" كل ذلك في جمل قليلة، ومضغوطة لا تسمحباستئصال كلمة واحدة، وإلا تفكك النص..
هي قصّة قصيرة إذن، تنطبق على فنيّتهاذات الشروط التي تنطبق على أيّ قصة قصيرة عاديّة أخرى، وما جاءت كلمة "جدّاً" إلازيادة في التعريف، وهذا ليس أمراً جديداً مبتدعاً، وليست ولادة لمسخ يدخل علىالأدب، كما أنها ليس نتاج عولمة، ولا خصخصة، ولا مستوردة من أسواق الجات أو غيرها،كما جنح البعض في الاتهام.. »(10).
إن فن القصة القصيرة جدا يتطلب من كاتبهالصدق في الطرح، مع العمق حتى يغني نصه بإشراقات تضع الضوء على دلالات النص مباشرة،وترينا ما غرسه في الميدان الأدبي من رايات تخفق بقيم الحق والخير والجمال، ومنخلال إشاراته إلى الحرية و الدعوة للتضامن مع هم الإنسان و صراعه مع قيود زمنه ،وتصوير إحباطاته المتنوعة وهمومه الكثيرة، وأفراحه الصغيرة، من خلال نصوص ينبغي أنتزهو بفنيتها وقدرتها على التعبير السردي المكتمل الموجز.
إن أهمية القصةالقصيرة جدا تكمن في أن نصوصها الجيدة تكشف عن تعدّد حقولها الدلالية، وتُساعدالقارئ على إعادة إنتاج الرمز الذي ينهض به وعليه، أي فيما يتصل بحال الرسالة التييُريد المبدع إيصالها إلى المتلقي (أو المتلقين) سواء أكانوا أفراداً، أم مجتمعات،ويُغني النص ـ في حالته هذه ـ عن نصوص سردية طويلة، وإن كان بالطبع لا يمثل إشباعاًفنيا كالقصة الطويلة أو الرواية، إنما حسبه أن يُمتعنا فنيا وجماليا ـ في لحظات ـبالإضافة إلى المستوى المعرفي اليسير.
فقد يبتعد الإنسان قليلاً أو كثيراً عنالنص السردي الطويل فهما لمراميه أو تذوقاً لجمالياته، لأنه يحتاج إلى ساعات طوال،قد لا يكون تركيزه أثناء القراءة على الدرجة نفسها من الانتباه والتيقظ من بدايةالنص إلى منتهاه، لكن قصر نص القصة القصيرة جدا، الذي يجعل القارئ يطالعه في دقيقةواحدة ـ أو بضع دقائق ـ إذا أعاد تأملها أو قراءتها، يُتيح لـه التعايش مع النص،وتذوقه تذوقاً أقرب إلى الاكتمال.
يقول غسان كنفاني:
«لنتفق أولاً [على] أنمصطلح القصة القصيرة جداً وما يندرج تحت هذا العنوان لا يعني أن "من طرحوه" يبتدعونلوناً أو منهجاً أو جنساًً أدبياً جديداً. ولو عدنا إلى كثير من النصوص القديمةبدءاً مما جاء في (القرآن الكريم)، وكتب السلف، ومواقف الظرفاء، والشعراء، وأصحابالحاجات في بلاطات الأمراء، وما تمخّض عنها من حكايات لم تكن تتجاوز الجمل القليلة،ولعل كتاب "المستطرف في كل فن مستظرف" لمؤلّفه الأبشيهي خير مثال.. وكذلك بعضالنصوص التي جاءت في كتب الخلف وأكثرهم من الكتّاب الكبار محلياً وعالمياً، لوجدناعشرات من النصوص أمثلة تصلح لتكون قصصاً قصيرة جداً، سمعناها أو قرأناها، وقبلناها،لأنها ببساطة حملت إلينا متعة القصّة مستوفية الشروط الفنيّة، ووصلتنا سهلة ... دونأن يفرضها علينا أحد تحت عنوان "قصّة قصيرة جدّاً" وكأنه مصطلح يوحي بابتداع جنسأدبيّ جديد.. ولعل الكلمة الوحيدة المبتدعة، والتي أثارت جدلاً بدأ ولم ينته هيكلمة "جداً"(11).
وبعيداً عن التنظير للقصةالقصيرة جدا، حيث يرفضها البعض،بينما بعض النقاد يميل إلى «هذا النوع الأدبي القادر على حمل الهموم المختلفةاجتماعيةً ووطنية وقومية وإنسانية»(12)، سنحاول أن نحدد بعض سمات هذا الفن المراوغ،موضوعيا وفنيا:
ــــــــــــ
القسم الثاني
من سمات القصة القصيرةجدا:
1-التكثيف:يعمد كتاب القصة القصيرة جدا إلىالجمل القصيرة المكثفة التي تصور عالماً رحباً تتسع دلالاته مع كل قراءةجديدة.
تقول فوزية الشدادي في قصة «خيانة»:
« بعد عودته من رحلته مكث طويلاًأمام الباب يحاول فتحه ... كان الباب قد كبر، وكبر ومازال المفتاح صغيراً !!!!!!!» (2).
إنها قصة تسرد عالماً من المشاعر المتناقضة التي يُحدثها الغياب الماديوالمعنوي. وهي في قصتها التي تتصف بنوعٍ عال من التكثيف ترينا أن هذا الغياب مثَّلخيانة، ومن ثم فقد جوزي هذا الغائب عند عودته بعدم القدرة على التماس معالآخرين.
وتقول هيام عبد الهادي صالح في قصة بعنوان «المساخيط»:
«قال زوجي إنالجبل يغضب حين نحفر لنكشف ستره، ونُخرج المساخيط الأثرية من جوفه. ولذلك فإنه وجدمسخوطة خوجاية ـ كركوبة في عمر أمه ولا العوزة للجبل ـ ستتزوجه وتُسافر به، ويعودحين تسأمه، ولديه ما يكفي لتجهيز أكبر بازار في البلدة»(3).
وهذه القصة قد قالتفي سطور قلائل ما تريد قوله، فأوربا تنتج التماثيل الشمعية المُعاصرة التي بلا روح،بينما أنتجت الحضارة المصرية القديمة تماثيلها الباقية، ولذا فالزوج هنا ـ بعد أنضن الجبل وبخل عن إعطاء مساخيطه / تماثيله، ليبيعها للسائحين ويتعيّش منها، قرر أنيذهب ويتزوج امرأة أوربية عجوزاً ـ بلا روح ـ وعندما سينتهي غرضها منه أو تموت ـوهو ما لم تقله القاصة عنها؛ بينما أشارت إليه،فهي ـ أي الأوربية ـ «كركوبة» أيطاعنة في السن، وعندما ينتهي الغرض من الزواج فسيعود الرجلُ ويفتتح معرضاً لبيعالآثار، ولا ندري هل سيغضب الجبل ساعتها أم سيبارك هذا المعرَض؟
وفي قصة حوريةالبدري «للبيع» تستبطن تجربة صوفية، وتُريد أن تنقلنا إلى تجربة معيشة في كلماتقلائل:
«قال سهل التستري : سجدت 00 وعندما نهضت من السجود ؛ ظل قلبيساجدا.
أحببت الحالة 00 وأحببت سهلا التستري في الله.
حاولت الوصول للحالةكثيرا 00 كانت النتيجة في كل مرّة مختلفة 00 شيء واحد كان يحدث دائما 00 كنت أجدفاكهة الصيف والشتاء في مطبخي دون أن أذهب إلى السوق 00 لا بيع ولا شراء 00 لا حاجةبي لذلك 00 فكل شي هنا ! 00 » (4).
إنها تتحدث عن نوع من المُجاهدة النفسية، قدنستصعبه معنويا، أو نرفضه موضوعيا أو عقديا، كعالم ينبتُّ عن الحياة أو العقيدة،لكنها استطاعت أن تنقله في عدد مكتنز من الألفاظ، وبه استطاعت أن ترينا أن «عالمالقص الروائي يعد أقرب الأشكال الأدبية اللغوية لحركة الحياة، فهو عالم مصغرلعالمنا، وهو يقف موازياً له وقريباً منه. والفرق بين عالم القصة الخيالي وعالمناالتجريبي، أن الأول محدود ومركز وأكثر حبكة ونظاماً في حين أن عالمنا التجريبي عالمواسع وعريض وتختلط فيه الأمور اختلاطاً قد يصل إلى حد التهويش وغياب المنطق،وبعبارة أخرى فإن عالم القص عالم متخيل ومصنوع صنعة محكمة في مقابل عالمنا الواقعيالذي تسير فيه الأمور مشتتة، كما يحلو لها أن تسير» (5).
ومن هذه القصص قصة «المايسترو» لحورية البدري، التي تؤكِّد على الأمل والإرادة والمُقاومة في وجهالأمور المثبطة؛ فهاهو عصفور الكناريا المحبط، يقاوم، فيأتي نهار الفوز والنصروالإشراق: « عندما رف بعصاه(6) السحرية ـ كمايسترو ـ على بوابة الليل، مُشيراً إلىعصفور الكناريا المُحبط انتفض العصفور، تحرك بين سياج الليل الدامس. لم يتأكّد مناقتراب أنوار الفجر، لكنه شعر برغبة في التغريد، أقنعه المايسترو بأن التغريد قديوحي لأنوار الفجر بالإشراق، تأتي لترى العصفور النائم طول الليل بين الثعابين ... أخذ يغرد، فتشجعت أنوار الفجر، وبدأت تنتشر حول ترنيماته العذبة، وأخذت الجبال تؤوبمعه والطير، فظهر قرص الشمس وابتسم، وانسحبت الثعابين لتختفي في جحورها البعيدة» (7).
ومن هذه القصص المكثفة التي تتناول مصادرة حرية الإنسان، مما يسبب اختناقهقصة هيمى المفتي «اختناق»، وتتحدث عن رجل وضع السدود والقيود فسبب الاختناق لزوجته،ثم أراد تحسين الظروف فبقيت القيود هيَ هي، وظلت تشعر بالاختناق:
«شيد جدرانهحولها، فانحبس الهواء في المكان، وكادت تختنق ..‏ حرصاً على حياتها فتح نافذة اختارمكانها بعناية بحيث لا تطل سوى على فضائه الرحب الواسع ..‏ تنفست هواءه بعمق ..‏ منجديد شعرت بالاختناق.. »(8).
ومن هذه القصة قصة «سعاد حسني» لمجدي محمود جعفر،التي تتناول عالم الخواء العاطفي عند المرهقين حيث يتحول الوهم إلى حقيقة، ويُعايشهالمُراهق كأنه واقع يلون رؤاه، ويُفسده عن رؤية حقائق الحياة، ويصرفه عن دروسهومتطلبات دراسته:
«أقسم الولد قائلاً: إن سعاد حسنى عندما تظهر على الشاشةتلهيني عن المذاكرة وتشغلني عن كل شيء في الدنيا، تأسرني بعينيها الجميلتين،وتجذبني بخفتها ورقتها، تنثر زخات ضوءٍ تبدد مساحة العتمة، وأظل أدور في مساحةجسمها الضئيل وملامحها الدقيقة.
غطت صورها حوائط غرفتي، وأغلفة كتبي وكراريسيالمدرسية، وملأت فراغ قلبي، وشغلت تفكيري، تتسلل إلى غرفتي في الليل تداعب أصابعالبيانو، تغمز لي بعينيها الجميلتين، تعزف وترقص وتغنى وتتشابك أيادينا وتتعانقعيوننا، وتمضى بدلالٍ وغنج، وفى الصباح أستيقظ وألعن نساء قريتنا البدينات وبناتهاالمسترجلات!!» (9).
لكن محاولة التكثيف لدى القاص قد تصيب الحدث في مقتل، فلا. ومنه هذه النص لجبير المليحان، بعنوان «رثاء ـ 11»:
« ظل صامتا ، وهي تضع فيالحقيبة ما تبقى لها من حياة. التقت عيناهما، و قالتا كل السنين، وهي تغلق الباب. تَـلَفّتَ في جسد الصالة الخاوي، وأعناق الزوايا المتهدلة، و أكوام الذكرياتاليابسة، و تشعب ألم البكاء في قلبه ...» (10).
هذه القصة ومضة، ومع تكثيفها أرىأنها لم تتم، فالقصة القصيرة جدا، لا بد لها من حدث مكتمل، يشير ولا يصرح. وأنا أرىأن هذا النص لم يكتمل، تنقصه ومضة .. إشارة .. جملة ما.. حتى يصير النص قصة قصيرةجيدة مكتملة، كقصص جبير المليحان الأخرى .. العجيب أن بعض المعلقين يكتبون (خواطرهم) التي فجّرها النص .. لا نقدهم، وأحياناً تُكمل ما لم يقله القصة. ومن هذهالتعليقات تعليق للقارئة وفاء العمير، التي أشارت إلى: «الجانب الإنساني المتهدمالذي حاول القاص هنا أن يرسمه، ما تبقى من حياة الزوجة، تحمله في حقيبة وتغادر،العيون تلتقي بوجع مؤلم يحاول أن يكون لا مبالياً، سكون المكان، بكاؤه، وذهوله أماماللحظات المتكسرة نزفاً وسقوطاً؛ الحياة التي ينفض كل من الزوج والزوجة تفاصيلهاالصغيرة والحميمية عن أيامهما القادمة وكأن اللحظات الماضية لم تحتفِ بها. خرجتالمرأة مغلقة خلفها باب العودة ، فوجد الزوج نفسه وحيداً، تماماً كما لم يكن ينتظر،لوت (هي) عنق الأمل ورحلت، فيما (هو) تكوم على كرامة ودّ ألا تخذله في تلك اللحظة،انتصرت كرامته وهجمت عليه هزيمة الحب! ... اختار القاص أن تكون اللغة مكثفة،واللحظات متسارعة ومشحونة بالألم، أحياناً لا تحتاج إلى مساحة كبيرة من الوصف لتضعيدك على الجرح، يكفي أن يصل إليك كومضة تقف طويلاً على نافذة إدراكك دون أن تغادر!» (11).
القسمالثالث
2-الشعرية:ويتصل بالتكثيفما تتمتع به كثير من القصص القصيرة جدا من الشعرية المجنحة، التي تضفي على عالمالقص ـ من خلال التلاعب بالنظام اللغوي بين المعيارية والإيحائية ـ صورةً تحمل رؤيةللإحباطات التي نواجهها في عالمنا، وتحمل العديد من الدلالات المباشرة المفتوحة علىدلالات ـ نجدها بالتأمل ـ أكثر اتساعاً، وتكشف عن هموم الإنسان الذي يطمح إلى عالمأكثر متعةً وإنسانية بينما تتهدده الأخطار في كل لمحة، وعند كل ثنية منطريقه.
يقول جبير المليحان في قصة «سجّادة» :
«قلت لصديقي: لقد كبرت بهجتيوامتدت كربيع وأنا أدخل إلى البيت وأسمع السجادة العتيقة القديمة تئن!
تراءت ليدهشة عينيه كبريق لعلامة نصر!
قلت له : عن بكائها … نعم : هو بكاء وليس أنينا، ( لقد ألصقت أذني بها وسمعتها تهمي ببكاء خافت ، و بعيد ، مثل أنين المهزومين فيمباراة الحياة … ) قال:
- فقط إنها سجادة تطؤها كل الأقدام : أقدام الكل ...
يا لألمي عندما قال :
- أنا لم أرها في يوم ترفع رأسا؟!
دويت في وجهه :
- إذن كيف أنّت ؟!»(1).
وهي قصة قصيرة جدا تكشف عن زيف واقعنا، وأنناتعودنا على رؤيته كما هو موجود ولا نراه كما ينبغي أن نراه؛ ولأن السجادة تعودت علىأن ندوسها، تعوّدنا على رؤيتها هكذا، بينما الذي يرى استطاع أن يبصرها، ويسمعها وهيتهمي ببكاء خافت، و بعيد، مثل أنين المهزومين في مباراة الحياة … ، فهل يكون هذابداية للوعي والثورة والتمرد.. وهل تعي شعوبنا هذه المقولة لهذه القصة التي تقول فيكلمات ما لا تقوله الصحف في أنهرها السوداء المنسابة على أعيننا كالغشاوة، فلاتجعلنا نبصر ما يجب أن نبصره، وأن المهمشين الذين يُداسون في طرق الحياة يُمكن أنيثوروا ويتمردوا ذات يوم؟!!
وتتناول القصص القصيرة جدا عالم الإنسان الصغير الذيتكتنفه محاولات القهر والإغواء، لكنه عالم طبيعي نحس به ونشعر بهونرى مثله فيحياتنا، لكن القصص تأخذه وتحاول إكسابه مسحة من الشعرية والترميز(2).
ومن النصوصالتي تبرز فيها الشعرية نصوص فهد العتيق وجبير المليحان ومحمد المخزنجي، ومجدي جعفر ... وغيرهم. يقول فهد العتيق في نص يعبر عن الأمل في المستقبل بعنوان «ربمايأتون»:
«ربما يتركون بيتهم القديم ، ويأتون ، أخيراً .
يأتون إلى مدينتناالتي ستحتفل بأرواحهم المبتهجة وملامحهم الجميلة.
يأتون إلينا ..
يأخذونبيتاً جوار بيتنا ، فنسمع أصواتهم في الليل والنهار ..
ربما يتركون بيتهم،يحمّلون سيارتهم ويدخلون المدينة من كل أبوابها دفعة واحدة، ثم تتبعثر أقدامهم فيتراب حارتنا ، وتنطق مهرة الغناء في أرواحنا .
ربما يأتون ، هم ودماؤهم ، وبعضأسرار الطريق .
ينظرون خلفهم إلى بيتهم القديم وآثار أعمارهم .. ثم .. يأتونإلينا ..
ربما ... »(3).
ومن القصص التي تبرز فيها الشعرية قصة «الأرض» لجبيرالمليحان، التي تتناول الحياة الإنسانية وإشكالاتها، من خلال نص موغل فيالبساطة:
أخذ الطفل الصلصال، وصنع منه كرة كبيرة، وضعها في منتصف ألعابه: تسلقتها الأسود، والنمور، والقطط، والأطفال، والفراشات، والسيارات، والطائراتفاجأته أمه وهو يُعينها، ويُثبتها في أماكنها، مصدراً أصواتها الخاصة ..
- ماهذا ؟
- هذه الأرض !
وأشار إلى موقع بيتهم فيها: كان سريره هناك .
بعدقليل، عادت الأم على صراخه الحاد، شاهدته يرفع قبضته محتداً، ومنتحباً :
- لقدداس أخي الكبير الكرة وهو يمر من هنا !
كانت كرة الصلصال تلتصق بالأرض، والسكانيتناثرون»(4).
ومن هذه الشعرية الشفيفة قصة قصيرة جدا تتحدث عن زوجةٍ تعيشمنفردة، لأن زوجها يعمل في الخليج، ويحاول الذئب أن يتودد للأولاد أولاً، ليجدمدخلاً بعد ذلك لقلب ـ أو قل لجسد ـ المرأة، وتعبر عما تُريد في فنية واقتدار، دونأن تلجأ إلى كلمةٍ نابيةٍ واحدة:
«في زيارته الأولى جاء لابني الصغير بطائرةبالريموت كنترول، تطير لتسلم على أبيه في بلاد البترول.
في زيارته الثانية جاءلابنتي بعصفورين في قفص ليطيرا ويُسلما على أبيها في بلاد البترول.
في زيارتهالثالثة جاء لابني الكبير ببلوك نوت وقلم جميل، ليكتب ويُسلم على أبيه في بلادالبترول.
في زيارته الرابعة جاء لي بلفافة كبيرة مزركشة .. فتحتها تصاعدت الدماءلوجهي.
خرج حاملاً إياها مُضافاً لها رذاذ بصقة»(5).
ونقصد بالشعرية في النصالسابق اللغة التي يوردها الروائي في نصه متجاوزاً بها حدود الزمان والمكان والشيءالموصوف نفسه. وقد رأينا في هذه القطعة التي يتقاطع فيها المكاني (مصر والخليج)/ معالزماني (الزيارت المتكررة في أزمان مُتقاربة) لتصل الساردة إلى هدفها من القص، وهإبراز غواية الرجل للمرأة التي سافر زوجها وتركها وحيدةً للذئاب.
والشعرية تتدفقفي القصة القصيرة جدا من انهمار لغوي «لا يستمد عذوبته من فصاحة الكلمات، ولا منصليل الإيقاع اللغوي الجهير، وإنما من موسيقى الحياة الأليفة، وهي تغمرك بضباب حلومن تفصيلات حية تتفتح عنها ذاكرتك وأنت تمتزج بها وأنت تقرأه فتحقق بينك وبينه درجةعالية من «التماهي» .. »(6) يُساعد عليه السارد عندما يعبر عنك وهو يصف موقفهوشخوصه بصدق بالغ».
وهذا ما يحاول مبدع القصة القصيرة جدا ـ أن يُقدمه من خلالمقدمات عادية، لتبني عليها رؤية مُفارقة ـ تُريدُ أن تقول كلاماً آخر ـ كما رأينافي القصة القصيرة جدا السابقة، وكما تقدمه هيام صالح في قصة قصيرة جدا بعنوان «بالألوان» هذا نصُّها:
«حين أدرتُ تلفاز أحلامي .. جاء العرض باللونين الأبيضوالأسود .. ظللتُ أتململ.
فجأة اصطبغت الشاشة بلونٍ واحد .. الأسود فقط. كانتالأيدي تُكبِّلني لمقعدي حتى أستمر لنهاية العرض الحزين.
حين وجدت «الريموت» المفقود ضغطت الزر .. انسحب اللون الأسود من الحلم ببطء شديد، وبدت خطوط ملونةتتسلّل لتصبغ الشاشة، لكن على استحياء!» (7).
رغم اكتناز القصة وتكثيفها فعالمهاثري وخصب، مفرداته كثيرة الإشارات، ولغتها تحاول أن تكون شعرية حية؛ وإن أخذناعليها استعمال الألفاظ الأجنبية، مثل «بلوت نوت» و«بازار» و«ريموت كنترول » ... وغيرها.


القسم الرابع
3-المُفارقة التصويرية:عرف النقد العربي القديم والبلاغةالعربية القديمة لوناً من التصوير البديعي القائم على فكرة التضاد، وقد عولج تحتاسم «الطباق» في صورته البسيطة، و«المُقابلة» في صورته المركبة، أما «المُفارقةالتصويرية» فهي «طريقة في الأداء الفني مختلفة تماماً عن الطباق والمقابلة، سواء منناحية بنائها الفني، أو من ناحية وظيفتها الإيحائية، وذلك لأن «المفارقة التصويرية» تقوم على إبراز التناقض بين طرفين كان من الفروض أن يكونا متفقين، و«التناقض فيالمُفارقة التصويرية فكرة تقوم على استنكار الاختلاف والتفاوت بين أوضاع كان منشأنها أن تتفق وتتماثل»(1). والأديب المعاصر يستغل هذه العملية في تصوير بعضالمواقف والقضايا التي يبرز فيها هذا التناقض، ليلفت نظرنا إلى شيء يريد إبرازه، أوفكرة يُريد توضيحها.
ومن هذه القصص التي تعتمد على المفارقة التصويرية قصة «سوءتشخيص!» لأحمد جاسم الحسين ، ونصها:
«أشارت التحليلات الأولية إلى احتمال أنتكون الكتلة الموجودة في بطنه سرطانية 000
لما أجريت العملية كانت المفاجأةعالية،إذ وجدوا مجموعة من الخطابات والشعارات والصور المنشورة في جريدة رسمية »(2).
وتقول هيام عبد الهادي صالح في قصة قصيرة جدا بعنوان «ورود»:
«علىمكتبي مشمّع أنيق تسكنه الورود .. بعض الوريقات داكنة، والأخرى فاتحة اللون. أسددإليها نظراتي فتتفتّح الوردات عن طفلات يرقصن في فساتين واسعة قصيرة، وشعورهن تنعقدبفيونكات في ذيول أحصنة، وأطفال يرقصون بوجوه مبتسمة وخصلات ناعمة تبدو من تحتالطواقي الجميلة. يتوقف رقص الورود الطفلات والطفلات فجأة حين يلمحون وردة ضخمةتنشق عن سلطان الحواديت بوجهه الجهم وكرشه الضخم خلفه حاشيته. يأتي يبتلع كل الحلوى .. كل الضحكات .. كل نغم الموسيقى. تنغلق بعض الوردات وتتوارى بعيداً .. بينما يقفبعضهم [الصواب: بعضها] في صف واحد ووجههم للجدار»(3).
فهذا النص القصير يحتويعلى مفارقة بين عالمين: عالم الطفل (أو عالم البراءة المُرتجاة)، المتمثل في: الورود ـ الطفلات ـ الأطفال ـ الرقص ـ الطواقي الجميلة ... إلخ، وعالم القهر (أوعالم الواقع) الذي يُعاني منه الكبار (ويُعاني منه الأطفال أيضاً) ويتمثل في سلطانالحواديت الذي يقتحم عالم النص بوجهه الجهم وكرشه الضخم وخلفه حاشيته، والذي يبتلعكل الحلوى .. وكل الضحكات .. كل نغم الموسيقى.
ثم تستدعي الكاتبة في النهايةصورة العقاب الذي يُعاني منها الأطفال في مراحل الدراسة المبكرة ـ وهي أن يقف الطفلووجهه إلى الجدار ـ في صورة ترسم التعاسة، ولكنها في الوقت نفسه ليست صورة كابوسيةمفزعة، فهي تترك مجالاً للأمل والسعادة أن يجيئا مرة ثانية، في قولها «تنغلق بعضالوردات وتتوارى بعيداً .. بينما يقف بعضهم في صف واحد ووجههم للجدار».
فهي قدجعلت بعض الوردات تنغلق، وبعضها يقف ووجهه الجدار.
وتستخدم المفردات الحديثةلتعبر عن حالتها كامرأةٍ، ومثقفةٍ، وإنسانٍ من العالم الثالث يُواجَه بالمثبطاتأكثر مما يُواجَه بما يدعو إلى الفرح، تقول في قصة «بالألوان»: «حين أدرتُ تلفازأحلامي جاء العرض باللونين الأبيض والأسود .. ظللتُ أتململ. فجأة اصطبغت الشاشةبلون واحد: الأسود فقط! .. كانت الأيدي تكبلني لمقعدي لأستمر حتى نهاية العرض* الحزين»(4).
4- جمالية الزمان:
للزمن سطوته التي لا تُقاوم في نصوصالقصة القصيرة جدا، وفي مقابل الرواية والقصة القصيرة اللتين تهتمان بجماليةالمكان، فإن كاتب القصة القصيرة جدا يعتني بالزمان ويستخدمه لإبراز التغيرات فيالمكان والشخصيات؛ ويُمكننا أن نمثل لذلك بقصة ياسر علي «البوابة» معبراً عن لحظةخروج الأساتذة من مقار لجان التصحيح في الشهادات العامة (كالشهادتين الإعداديةوالثانوية)، ويبدو أنه كتبها بعد أن أصبح هناك فصلان دراسيان في العام (في يناير،ويوليو). ونص هذه القصة:
ما أصعب يوم الحشر!
الساعة ركبها شيطان رجيم!
لاتُريد عقاربها الوقحة أن تقترب من الثانية والنصف!
الأجساد المتلاصقة اقتربترائحتها من درجة العفونة.
عيون العشرات من الرجال المحترمين معلقة بالبوابةالسمراء الضخمة التي تُشبه وحش الأساطير القديمة!
الشمس رغم حرارتها الرقيقةتلسع الرؤوس المكتظة بدرجات التصحيح.
المنظر من أعلى سيكون أروع سخرية!
خاصةفي الطابق الرابع، حين يشب ابن الخامسة وقد هاله منظر الواقفين أمامالبوابة!
أمه بجانبه، تمضغ متعتها بهؤلاء المعذبين .. وقد تركت شعرها لنسيميناير يعبث به، ويداها تستقران على رأس الصغير!، ولسان حالها يقول: أرجو .. ألاتكون مثل هؤلاء!»(5).
الزمان يمثل كابوساً ضاغطاً على المصححين، واللحظات ثقيلة،تحول المكان إلى سجن.
وفي القصة ـ رغم اهتمامها بإبراز أثر الزمن في مطلع القصةـ مفارقة تصويرية طرفها الأول هؤلاء المدرسون المأزومون الذين انتهت فترة تصحيحهم،ومع هذا فمازالت البوابة السوداء الضخمة مغلقة، وطرفها الثاني هذه الأم الشابة التيتقف بجوار طفلها الصغير، ابنِ الأعوامِ الخمسة، وترجو لـه حين يكبر ألا يُصبحمدرساً كهؤلاء المدرسين.
***
توقفنا عند أهم الملامح الفنية في بناء القصةالقصيرة جدا، ومن استطلاع (100) مائة نص أثناء كتابة هذا البحث (ما بين مطبوعة فيمجموعة، أو منشورة في الصحف أو على الإنترنت)، لاحظنا أن أكثر من ثلاثة أرباع هذهالمجموعة تتناول الهموم السياسية والاجتماعية، ولهذا سنشير إلى بعض هذه الآفاق فيوَجازة:
1- الطرح السياسي:
من الطبعي أن تطرح الكثير من نصوص القصص القصيرةجدا هموماً سياسية (وجدتُ أن حوالي 40 % من النصوص التي خضعت للدراسة تتناول أُفقاًسياسيا).
ومن هذه القصص قصة «فيلم أمريكي حار» لعدنان كنفاني، وهذا نصها:
« جاء مبحراً من شواطئ بعيدة..
كأنه فوجئ بكائنات بشرية ما زالت تعيش في الخيام،وتركب الحصان، وتلبس الجلود.
التقط (رشاشاً) من مجموعته المختارة. وحصد منهمبعدد الرصاصات..
عندما هبط الظلام، عاد هندي نجا من المجزرة يزحف علىبطنه..
دخل إلى خيمته المحّتلة، وجد الرجل الأبيض ينام عارياً علىفراشه..
استل سكينه بهدوء، وحّز رقبته، ثم سلخ فروة رأسه..
صرخ العالمالمتحّضر:
ـ إرهابي.. » (6).
قد يجيء الطرح السياسي مباشراً كما في القصةالسابقة، التي تتناول قضية الإرهاب كما يراها المحتلون العابثون بالأوطان الصغيرة،بينما ما تفعله هذه الأوطان المحتلة المستضعفة، هو مقاومة لإرهاب المحتلين، فالمحتلوالمستعمِر هو «الإرهابي».
وقد يجيء الطرحُ السياسي من خلال لغة هامسة تُدينأحزاب التسلط، التي لا تقيم وزنا للإنسان واحتياجاته. ونجد هذا في قصة "انتظارامرأة" لزكريا تامر، حيث يُطلعنا على مأساة إنسان ولد دون رأس، فعاش سعيداً!!،ويتمنى هذا الشخص أن ينتج شعباً من السعداء بلا رؤوس!!
"ولد فارس المواز بغيررأس، فبكت أمه وشهق الطبيب مذعوراً، والتصق أبوه بالحائط خجلاً، وتشتت الممرضات فيأروقة المستشفى.‏
ولم يمت فارس كما توقع الأطباء، وعاش حياة طويلة، لا يرى ولايسمع ولا يتكلم ولا يتذمر ولا يشتغل، فحسده كثيرون من الناس، وقالوا عليه إنه ربحأكثر مما خسر.‏
ولم يكف فارس المواز عن انتظار امرأة تولد بغير رأس حتى يتلاقياوينتجا نوعاً جديداً من البشر آملاً ألا يطول انتظاره" (7).
وقد يتناول الطرحُالسياسي قضية آنيةً يتفق عليها الجميع، مثل قضية المقاومة في فلسطين المحتلة، وقدعبرت عن ذلك عشرات النماذج لعدنان كنفاني وطلعت سقيرق، لكننا نتوقف أمام نص لوائلوجدي بعنوان «طفل» هذا نصها:
« ـ تأخرت كثيراً يا وليد.
ـ كنتُ أرمي الصهاينةبحجر.
ـ أنت صغير.
ـ لقد وُلدتُ رجلاًً.
**
لمح جنود الجيش الصهيونيبالقرب من ساحة المسجد الأقصى. اختبأ وراء شجيرة، وأخرج من بنطاله النبلة .. تخيّرحجراً .. وجذب الإستيك ضارباً رأس أحدهم.
حاول أن يكتم ضحكته .. ترامى إلىأسماعهم صوته .. صوّبوا الرصاص تجاه تلك الشجيرة .. سقطت أوراقُها على بقايا جسدهالصغير الممزق»(8).
وتُحاول القصص ذات الاتجاه السياسي أن تقدم رؤاها السياسيةفي همس، بعيداً عن الصخب والضجيج، الذي يميز المقالة ـ أو الخاطرة ـ السياسية،ومنها قصة جبير المليحان «النجمة»، وهذا نصها:
« في ليل بهيم، افترشا بساطهما،خلف السيارة، على شاطئ بحر الدمام، تقابلا .. مدّ يده ضاغطاً كفها الوديع: طارتعيناها في السماء حمامتين، بعيداً حيث تتلألأ نجمة بهية زرقاء عنيدة. أشار إلىالنجمة و قال:
- .. مثل قلبي!
تدارك، و هي تخفظ بصرها:
- .. أنت نجمة .. نجمتي !
مرحا طويلاً - بعينيهما - و يديهما ، على الشاطئ . مدّ قدميه ليرتاح ، ومدّت قدميها .. وخلعت الحذاء .. حدّق في الحذاء : كانت تستقر في طرف لسانه الداخلينجمة سداسية بلون الذهب . اسود وجهه كالليل ، رفع رأسه و صرخ في وجه الليل:
- منأين هذا ؟!
- من السوق من .. هنا !! ، وأشارت حيث تهجع الدمام .
- ولكن ..
لم يستطع أن يكمل: وضع بساطه في السيارة ، و عاد صارخاً : - و بكل قوته - رمىالحذاء إلى أقصى البحر ناحية الضفة الأخرى!
عادا إلى بيتهما بصمت ، و الدموعتتساقط في حجر المرأة كحمام ميت!» »(9).
إن وجود النجمة السداسية (رمز إسرائيل) أفسد على الزوجين لحظاتهما، كما أن في القصة إشارة إلى التسلل الإسرائيلي إلىالمجتمع العربي والأسواق العربية.
وقد يكون الطرحُ السياسيُّ المُباشر في بعضالقصص التي تكتب أثناء أزمة، يكون طرحاً ساخناً، يُقلل من العناصر الفنية للقص،ويجعلها قريبةً من المقالةِ القصيرةِ أو الخاطرةِ، ومن ذلك قصة «المسدس» لمنيرةالأزيمع، التي نشرتها عقب اقتحام الأمريكيين بغداد:
«إنه هنا في غرفة المعيشة .. وتحت الوسادة وفي درج الطاولة التي أقعد أمامها كل مساء….. وهو بين جلدي وملابسي .. جهة قلبي هنا. أتحسسه بجنون عندما أفتقده .. وحينما أجده، وأضع يدي عليه .. أشعربأنه يحس بدفء يدي عندما تربت عليه .. يعرف كثيرا عن مدى حاجتي إليه .. ويعرف كم هوضروري الآن . لكن لا أعرف كيف أستخدمه جيدا... ولم أتدرب على ذلك. ثم عندما تنتهيطلقاته.. من أين آتي بأخرى؟؟ وكم صندوقا سأحتاج ؟؟ وإلى من سأوجه فوهته فهم كثيرونويظهرون كل يوم .. تتشقق عنهم الأرض . هاهم ألان يتقافزون في كل جهة من هنا .. فيحين أن الناس هنا يتحدثون عن سلام بصناعة غربية. لا أستطيع الثقة بأحد أبدا سوىبمسدسي .بصوته فهو الحقيقة الوحيدة حتى الآن …»(10).
وقد يتخذ من الرمز (أوالإشارة لفكرة يراها أو رؤية يطرحها فنيا على القراء) أداةً لقصته، وهو ما فعلهثائر دوري في قصته «انتخابات بلدية» حيث يرى موات الحركة السياسية العربية، وينتقدالقدرة المحدودة لأعضاء المجالس البلدية على الفعل أو التأثير في مجتمعاتهم، ومن ثمفهو يشبه دخول المرشحين هذه الانتخابات بالموت.
تقول القصة:
« فجأة لمحتصورته بطرف عيني ملصقة على الجدار. فتوقفت على الفور أمام الصورة و قرأت الاسم ( أبو سليم العيتاني الملقب بالكخ ). ضربت كفاً بكف، وقلت لرفيقي:
- لا حول و لاقوة إلا بالله. رحمة الله عليه. البارحة فقط شاهدته، لقد توفي الرجل. مات الكخ. يجبأن نذهب لنعزي أولاده به.
نظر صديقي نحوي بدهشة شديدة، و قال:
- هذه ليستورقة نعوة. بل هذا ملصق انتخابي. الرجل لم يمت بل رشح نفسه إلى الانتخاباتالبلدية.
ضربت كفاً بكف من جديد و أنا أتمتم:
- لا حول و لا قوة إلابالله.»(11).
القسم الخامسوالأخير
2-الرؤيةالاجتماعية:
وجدت (36 %) من النماذج التي درستُها في هذه العِينة من القصصالقصيرة جدا ذات المنحى الاجتماعي)، وقد تناولت هذه القصص هموم المجتمع، في واقعيةجديدة تشبه واقعية الجاحظ التي «لا تقف عند تلك التفصيلات الدقيقة، بل تستند إلىتحليل نفسي واجتماعي، وتصوير لبعض الأحاسيس والعواطف»(1). في جمل قصيرة وحادة تنقللك الحدث أو تصور لك الشخصية في ضربات متتابعة.
في قصة "نهاية انتظار طال" لزكريا تامر يكشف القاص وجهاً بشعاً من أوجه الاستغلال، استغلالِ الأبناءِ لثروةِالأبِ، حين يحكي لنا حكاية الأب الذي مات فاستولى أبناؤه على معطفه وقميصه وبنطالهوجواربه وثيابه الداخلية وحذائه، فاستحيا من عريه، وعندما سألهم بصوت متهدج عمنسيرث ديونه، تبادلوا النظرات المتعجبة، واتفقوا على أن ما سمعوه ليس سوى وهم،فالميت لا يستطيع التكلم بعد موته"(2).‏
وفي قصة «بلادة!!» لمنى العجمي تصور عدمالتواصل بين الزوجين داخل بيت الزوجية في هذه القصة / اللوحة:
«أعلن صوتالمفاتيح عن دخوله للبيتِ وكالعادة لم يجد من يستقبله فتوجه مباشرة إلى المائدةليجدها جالسة في مكانها، وكأنها لم تتحرك منذ الصباح غير أن ألوان الطعام وشتبالجديد الذي حدث، تمتم ببعض الأسئلة ردت عليها باقتضاب أغراه بالصمت، بعد محاولاتفاشلة لبث الروح في المكان توجه إلى سرير يجيد فوقه غسل الموتى"(3).‏.
وفي قصة «شموع الفراولة» لفوزية الشدادي تتناول الطلاق الذي ارتفعت وتيرته في الأعوامالأخيرة في البلاد العربية، من خلال لقاء مطلقة بطليقها، وتبادلهما المشاعرالإنسانية، وكأن المرأة تندم على هذا الطلاق الذي كان وليد لحظات غضب حمقاء. تتناولالساردةُ ذلك من خلال لحظة لقاء عابرة في صالة ألعاب، وتتذكّر أيامهما الجميلةمعاً، وكلماتهما الرقيقة، وعالمهما الواحد قبل أن يحدث الطلاق:
«تيبست قدماي .. كان أمامي . مازال كما هو، وسيم بشاربه الخفيف، وغترته البيضاء الناصعة. كنا فيصالة ألعاب مزدحمة، والصراخ والإضاءات تتوهج وتخبو .. كلها تذكرني بليلة زفافي به؛لم تبرح عيناي ساحة عينيه توشوشني فأنا أجيد قراءتهما لم أكترث بطفله الذي يحمله،أو بزوجته التي خلفه، تقدمت أكثر: هل أسلم عليه وأسأله عن صوري المعلقة في حائطمكتبه ؟؟؟ ..لا. لن يكون هذا مناسباً له الآن .. هل عرفني وأنا متدثرة بهذا اللثام؟إنه يبادلني الابتسامة!! كل ما أريده الآن أن أتأكد بأنه أمامي .. اقتربت، حشرت يديبيده .. ضغطها بكل دفء ..عندها سالت دماء قلبي بغزارة، خرجت من أظافر قدمي .. كتبتله: هذا الدفء هو ما أريده منك، ولا أريد المزيد ..
ياه!!!
مازال يفكر بي بعدكل تلك السنوات من الطلاق ..كم أتمنى أن هذا الطفل كان مني .. ليتركنا الناس بهدوء .. هل أتجاهل الناس من حولنا وأفرش شعري على صدره كما كنت أفعل سابقا؟؟ .. جلس معزوجته وطفله وكوب الشاي الحار بين يديه .. جلست في الكرسي القريب منه أريد سماعصوته .. أريد أن أملأ صدري بهواء عطره .. كان يسترق النظر لي بين كل رشفة و أخرى ..
ماذا سيضر هذا العالم لو سرقت منه لحظة حيث غرفتي وشموع الفراولة عندماتتقارب أنفاسنا ؟!! سيعيد عليّ إعلانه بأنني سيدة النساء، وطفلته !!!
ماذا سيضرالبشر أن آخذ أنامله الصغيرة، و أمررها على شفتي حيث مازال الشوق يشعلها.
أطفئتالأنوار .. خرج الجميع وأنا مازلت أمام طاولته .. حملت كأسه الفارغة ، ولملمت رائحةعطره في صدري وعدت حيث بيت آخي »(4).‏
وفي قصة «المشنوق» لمحمد البشيِّر نرىتفاسير (اجتماعية) مختلفة لكاتب قصة وُجِد مشنوقاً، وإن كانت الحقيقة غير ذلك، لكنفي هذا السرد تبرز مواقف المجتمع وأحكامها على الفرد، التي تجعله في النهايةمتكيفاً اجتماعيا، فيعيش. أو غير قادر على التكيف الاجتماعي، فينتحر أو يموتاجتماعيا!
« وُجِدَ معلقاً بحبل في سقف غرفته المهملة، وجهه مزرق وأطراف أصابعيديه المتشبثة عبثاً تحاول ثنيه.
يقول جاره إنه انتحر هرباً من الدائنين فطالماخلعوا بابه طرقاً ولم يعودوا إلا بوعود، وأهل زوجته يحمدون الله أنه لم ينتحر إلابعد أن طلق ابنتهم، فهو لم يفلح زوجاً ولا أباً، ولا يستحق هذين اللقبين؛ أحدالمارة صرح بأنه كان منحرفاً – ستر الله عليه – وهذه نهاية مطاف المنحرفين، وشابظهرت عليه سمات الصلاح حذر من الإعراض عن ذكر الله، وسرد هذه القصة للعظة والعبرة،وفي مجلس العزاء صعد صوت (يتحسب) على من كان السبب، وآخر يثني خيراً ويتذكر ابتسامةالفقيد اللامعة مبددة ظلمة البؤس وطاردة لخفافيش معاناته المنفردة»(5).
وتكونالرؤية الاجتماعية ـ غالباً ـ من خلال أبطال فقراء ومحبطين ومأزومين، ولكنهم يحبونالحياة، ويحلمون، ويجدون وقتاً ليصنعوا سعادتهم الخاصة حتى يتوهّموا أنهم يعيشونويحْيَوْن!
وهاهو بطل قصة «الحلم» لوائل وجدي رغم أنه مأزوم، فإن إيمانه يبسُطعليه ظلاً من الطمأنينة والهدوءِ النفسي:
«الشمسُ تغربُ باكية .. يقف حائراً .. البرودةُ تتسربُ في أوصاله .. يتدثَّر بالثرى، ويلتحفُ به .. عيناه مغرورقتانبالدمع، ويرنو إلى السماء، ويجأرُ بالدعاء. استند إلى حائط قريب. وضع يده تحت رأسه. الظلام يتلاشى رويداً رويـداً. ضياء يغشى الأبصار .. أريج عطر ينبعثُ في الأفق .. أشجار وارفة .. وجوه باسمة، مستبشرة»(6).
***
بقي أن نشير إلى بعض المزالق فيطريق القصة القصيرة جدا: ومنها افتقاد الحدث المركزي، وانفلات اللحظة القصصية، حيثُينبغي أن تكون القصة القصيرة جدا متماسكة وثرية من حيث البناء والدلالة، وتُعطيناالإشباع الفني الذي نشعر به عقب قراءة لأي تجربة فنية صادقة في فنون القول (القصيدة، المسرحية، المقالة الأدبية ... وغيرها).
لكن من الملاحظ على بعض القصصالقصيرة جدا أنها لا تُعطينا هذا الإشباع لأنها تفتقد الحدث أو الشخصية، وهما عمادالقصة القصيرة جدا، فنجد القصة القصيرة تنهمر في ألفاظ تضعها على حافة المقالةالأدبية القصيرة أو الخاطرة ـ لا في قلب القص ـ ومنه هذا النص بعنوان «مداخلة» لفهدالعتيق:
«لماذا تبدو صامتاً دائماً؟ ربما في أغلب الأحيان، أو أنني أراك هكذا.. رغم ما أتذكره من ضحكات وتراشق وأسئلة دارت بيننا طويلاً، عندما كنا نسهر في بيتكمالطيني الواطئ ذي(7) الغرف الصغيرة المظلمة .. هل تذكر؟ وكانت أمك ترتق لنا ثيابناالممزقة .. كانت أوقاتا رائعة.
لكنك لا زلت تبدو لي صامتاً وحزيناً وممزقاً .. يا صديقي بعد لم نطرح أسئلتنا، أسئلتنا لازالت مشوهة .. أسئلتنا لازالتمعلقة»(8).
إن النص ينفتح على التأويلات المختلفة من تمزيق الثياب إلى تمزيقالشخصية، لكنه يفتقر إلى الحدث المسبب في هذا التمزيق الذي يحث للقصة أثراً نبحثعنه، فلا نجده.
ولذلك فان الكتابة في مثل هذا النوع من القصص، تستوجب قدرا كبيرامن إتقان البناء، وعدم الوقوع في غواية الانهمار اللغوي ـ عكس التكثيف ـ وتستوجبالمحافظة - كذلك - علي إبراز الدلالة التي يحدثها النص من خلال حدث محدد، وموجز،ومركز.
وفي كثير من نماذج هذا النوع، لا يستطيع القاص أن يحافظ على الإمساكباللحظة القصصية، أو السيطرة عليها، فنرى النص يجئ قريباً من النادرة أو النكتة منهإلى القصة القصيرة.
ومن ذلك نص لهيمى المفتي بعنوان «نسخ مكررة‏»، وهذانصه:
«سار الابن على خطى أبيه، وسار الحفيد على خطى أبيه وجده، ثم اقتفى ابنالحفيد آثارهم، وتبعه ابنه، وحفيده وابن حفيده..‏
قطع أفراد العائلة طريقاًواحداً، زاروا الأماكن ذاتها، تعثروا بنفس المطبات، تجاوزوا عقبات متشابهة، ووصل -من عاش منهم -إلى نفس النهاية. وعلى الرغم من مرور زمن طويل، وتتابع عدد كبير منأجيال العائلة، لكنهم جميعاً لم يتركوا في الأرض سوى آثار أقدام رجل واحد..‏ »(9).
إنها تقترب من الحكمة البالغة، لا من فن القص.
ومن ذلك ـ أيضاً ـ نصبعنوان «بريق» لوائل وجدي:
« .. يجثو على الصخر، وترنو عيناه إلى زرقة البحر .. المدى البعيد .. بعيد، ويأخذ الموج بتلابيب فؤاده .. شيء ما يستبيه .. يعود إلى حضنجدته، وتحدثه محذرة من عروس البحر وعالمها .. يبتسم إليها، ويغفو» (10).
إنه نصقصير، وكان يمكن أن ينفتح لدلالات أخرى، لو أضاف عدة ألفاظ ، بينت لنا أن هذاالمتحدث مع زوجته شاب، وبدلاً من الإغفاء، جعله ينتظر. إنها كانت ستعمل مفارقةجميلة طرفها الأول الجدة التي تحدث حفيها الشاب عن عروس البحر وتخيفه منها، والطرفالثاني: الشاب الذي ينتظر أن تكون خرافة جدته حقا، وتأتي عروس البحر.
إن الطولأو القصر في القصة القصيرة ليسا هما المشكلة، ولكن المشكلة هي : كيف يستطيع القاصأن يتعامل بقصر النفس هذا ـ أو طوله ـ مع مادته القصصية، ومع ذلك يظل مسيطرا عليالشخصية أو اللحظة القصصية، بحيث لا تفلت منه، أو تكون عبئاً على عمله السرديالمكتنز، أو تجعله يخرج من إطار القص ليتماس مع أشكال أخرى كالحمة، أو النكتة، أوالنادرة.
كما أن بعض نصوص القصص القصيرة جدا تفقد تكثيفها وترميزها، وتتحول إلىبوق دعاوي يريد منه الكاتب أن يُعبر عن فكرته التي يريدها، ونقدم لذلكنصين:
النص الأول لأحمد جاسمالحسين، بعنوان «انتحار حائط!»، وهذا نصه:
«أناالموقع أدناه حائط بن طين أقرّ وأنا بكامل قواي النفسية أنني قررت الانتحار عامداًمتعمداً 00إذا أردتم معرفة السبب الحقيقي لانتحاري فلا تكترثوا بأقوال المهندسينالذين سيتبارون في الحديث عن فساد المواد التي أنشئت منها 00 لكن عليكم فقط أنتفتحوا ذاكرتي:
- أتيت متأخراً عن اليوم المحدد لأن الضابط المسؤول عني منعني منالمجيء آنئذ00
- حدث مثل هذا من قبل 00عادة تترك لي موعداًآخريناسبها000
لأرى ماذا تركت لي على الحائط000
بدأتُ بالتنقيب فوجدت مجموعةأوراق مبعثرة 000
حبيبي الغالي 000 لن أستطيع الحضور بعد الآن00 أبي سيزوجنيمن زميله بالعمل اليوم إن تمكنتَ من الحضور تعال 00سنذهب إلى المحكمة لنتزوج ؟)» (11).
إن الحائط هنا ينتحر مما عاناه من بني البشر!!، وهي موعظة بالغة جديرةبالتسجيل، لكن الكاتب لم يستطع أن يُمسك بعناصر الفن القصصي، فوقع في تسطيح لاحظناهفي تبعثر الأحداث وعدم تآلفها لتصنع نصا محكماً ذا أثر محدد.
والنص الثاني لعبدالله مهدي بعنوان «سيد درويش»، وهو يدور حول التشرذم والانشغال بالهموم العامة عنهموم الوطن. ويقول فيه:
« كل يوم أعبر محطة التمثال ببنها للكلية .. لا أحد يهتمبالتمثال، شروخ واضحة بقاعدته، لا أحد يلتفت أو ينتبه ..
في يوم اثنين، محطةالتمثال مكتظة برواد السوق، اندهش الجميع لنزول دم أسود وقيح من شروخ قاعدته .. الكل في حيرة، كيف ؟؟ تمثال ينزف دماً وقيحاً . . لم يستطع أحد الاقتراب إلا أنا،اندفعت مقترباً منه غاصت قدماي في الدم والقيح ..وصلت إليه، سمعته يئن بلحن فنانالشعب الخالد (سيد درويش)، (قوم يا مصري) .. طالبت الجميع أن يرددوا ورائي .. لميترددوا في الاستجابة .. بدأت شروخه تلتئم ، وتوقف نزيف الدم والقيح» (12).
فهلمجرد الغناء بلحن فنان مصري سيجعل التمثال يلتئم وتكف جروحه عنالنزيف؟!!
***
وبعد؛
ففي نهاية هذه المقاربة النقدية (فنيا وموضوعياً) لفنجديد، هو فن القصة القصيرة جدا نرى أنه نبتت من الخبر في تراثنا، وأنه يعتمد علىاللغة المكتنزة التي تخلو من الحشو والثرثرة، وأنه في نماذجه الجيدة يؤكِّد قدرتهعلى أن يكون عالماً مصغراً لحياتنا، وأن فضاءه يتنوع بين القرية والمدينة، وشخوصهتتنوع، وأنه يقدم نماذج مترعة بالجمال إذا كتبت نصوصه القصيرة بلغة قادرة علىالتعبير والإيحاء، وأن بعض نماذجه التي تُنشر الآن في سبيلها إلى الاكتمال، وإنكانت هناك كثير من نماذجه التي تُنشر في الصحف أو في مجموعات ـ للأسف ـ تبتعد عن فنالقصة بقدر ما تقترب من فن الخاطرة، أو اللوحة القلمية!
والله من وراءالقصد.
المصادر والمراجع
الأبشيهي (شهاب الدين محمد بنأحمد):
1-المستـطرف في كل فن مستظرف، تحقيق: د. مفيد محمد قميحة، دار الكتبالعلمية، بيروت 1986م.
د. أحمد جاسم الحسين:
2-سوء تشخيص، موقع «القصةالعربية» على الإنترنت، في 17/1/2003م.
3-انتحار حائط، موقع «القصة العربية»ـعلى الإنترنت ـ في 1/9/2002م.
د. أحمد زكي:
4-في السماء، كتاب الهلال (العدد 603)، مارس 2001م.
د. أحمد عبد العال:
5-شواشي، ط1، أبو المجد للطباعة،القاهرة 2001م.
6-العجوز، ط1، أبو المجد للطباعة، القاهرة 2003م.
ثائردوري:
7-انتخابات بلدية، موقع «القصة العربية» على الإنترنت، في 10/8/2003م
د. جابر عصفور:
8-"أوتار الماء" عمل يستحق التقدير، الأهرام ـالعدد 42470، في 17/3/2003م.
جبير المليحان:
9-الأرض، موقع «القصة العربية» على الإنترنت، في 7/7/2002م.
10-رثاء ـ 11، موقع «القصة العربية» على الإنترنت،في 3/5/2003م.
11-السجادة، موقع «القصة العربية» على الإنترنت، في 24/9/2002م.
12-النجمة، موقع «منتدى القصة العربية» على الإنترنت، في 10/10/2003م.
حورية البدري:
13-للبيع، موقع القصة العربية» على الإنترنت، في 20/3/2003م.
14-المايسترو، مجلة «المنتدى»، العدد (196)، نوفمبر 1999م.
خالدالسروجي
15-وحشة، موقع «القصة العربية»، على الإنترنت، في 3/5/2004م.
د.خليلالموسى:
16-من مصطلـحات النقد الأدبي : "الشعريّة"، جريدة الأسبوع الأدبي ـالعدد 774 تاريخ 8/9/2001م.
زكريا تامر:
17-الحصرم، دار رياض الريس، بيروت 2000م.
سمير الفيل:
18-زهرة الورد الجوري، موقع القصة العربية» على الإنترنت،في 14/5/2004م
د. صلاح فضل:
19-أساليب السرد في الرواية العربية، سلسلة «كتابات نقدية»، العدد (36)، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة 1995م.
عدنانكنفاني:
20-فيلم أمريكي حار، موقع «القصة العربية» على الإنترنت، في 31/8/2002م.
21-القصّة القصيرة "جدّاً" إشكالية في النصّ، أم جدليّة حولالمصطلح.!، موقع «عدنان كنفاني» على الإنترنت.
فهد العتيق:
22-أظافر صغيرةوناعمة، ط1، النادي الأدبي الثقافي، جدة 1418هـ-1997م.
23-ربما يأتون، موقعالقصة العربية 1/7/2002م.
فوزية الشدادي:
24-خيانة، موقع «القصة العربية» علىالإنترنت، في 8/6/2002م.
25-شموع الفراولة، موقع «القصة العربية» على الإنترنت،في 8/6/2002م.
عبد الله مهدي:
26-سيد درويش، موقع «أصوات معاصرة» علىالإنترنت، في 1/8/2002م.
د. علي عشري زايد:
27-عن بناء القصيدة العربيةالحديثة، ط2، مكتبة دار العلوم، القاهرة 1979م.
مجدي جعفر:
28-أصداء رحلة شابعلى مشارف الوصول، العدد (52)، سلسلة «أصوات مُعاصرة»، يناير 2000م.
29-سعادحسني، موقع «أصوات معاصرة» على الإنترنت، في 1/8/2002م.
محمدالبشيِّر
30-المشنوق، موقع «القصة العربية» على الإنترنت، في 16/11/2003م.
محمد المبارك:
31-فـن القصص في كتاب «البخلاء» للجاحظ، ط2، دارالفكر، دمشق 1384هـ - 1965م.
منيرة الأزيمع:
32-المسدس، موقع القصة العربية،في 20/4/2003م.
منى العجمي:
33-بلادة، موقع القصة العربية، في 21/4/2003م.
د. نبيلة إبراهيم:
34-مستــويات لعبة اللغة في القص الروائي،مجلة «إبداع»، س 2، ع 5، مايو 1984م.
نزيه الشوفي:
35-نظرة ما: القصةالقصيـرة جـدا... والتنظير الفاقع جداً‏، دمشق ‏الأسبوعي‏، ثقافة ‏الثلاثاء 4 أيلول 2001م.
د. هيام عبد الهادي صالح:
36-وللجبل أغان أخرى، سلسلة «أصوات معاصرة»،العدد (69)، دار الإسلام للطباعة، المنصورة ـ مايو 2001م.
هيمىالمفتي:
37-قصص قصيرة جدا، موقع «أصوات معاصرة » ـ على الإنترنت ـ في 1/2/2003م.
وائل وجدي:
38-الحنين، سلسـلة «أصوات معاصرة»، العدد (94)، دارالإسلام للطباعة، المنصورة 2002م.
39-دبيب الروح، مكتب النيل للطبع والنشر،القاهرة 1999م.
وفاء العمير:
40-تعليق على قصة جبير المليحان «رثاء ـ 11»،موقع «القصة العربية» على الإنترنت، في 4/5/2003م.
ياسر علي:
41-عندما يموتالحب، الهيئة العامة لقصور الثقافة، الزقازيق 2000م.
د. يوسف حطيني:
42-القصةالقصيرة جـدا عند زكريا تامر، الأسبوع الأدبي، العدد (778)، في 6/10/2001م







رد مع اقتباس
الأعضاء الذين قالوا بارك الله فيك/ شكراً لـ قروي مبارك على المشاركة المفيدة:
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
القصة, القصيرة

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع



الساعة الآن 14:33

المشاركات المنشورة تعبر عن وجهة نظر صاحبها فقط، ولا تُعبّر بأي شكل من الأشكال عن وجهة نظر إدارة المنتدى
المنتدى غير مسؤول عن أي إتفاق تجاري بين الأعضاء... فعلى الجميع تحمّل المسؤولية


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
2006-2013 © www.djelfa.info جميع الحقوق محفوظة - الجلفة إنفو (خ. ب. س)
Protected by CBACK.de CrackerTracker