مسآآآعدة ( بحث ) - منتديات الجلفة لكل الجزائريين و العرب

العودة   منتديات الجلفة لكل الجزائريين و العرب > منتديات الجامعة و البحث العلمي > قسم أرشيف منتديات الجامعة

قسم أرشيف منتديات الجامعة القسم مغلق بحيث يحوي مواضيع الاستفسارات و الطلبات المجاب عنها .....

في حال وجود أي مواضيع أو ردود مُخالفة من قبل الأعضاء، يُرجى الإبلاغ عنها فورًا باستخدام أيقونة تقرير عن مشاركة سيئة ( تقرير عن مشاركة سيئة )، و الموجودة أسفل كل مشاركة .

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 2012-11-23, 14:02   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
CrAzY SàLàH
عضو جديد
 
إحصائية العضو









CrAzY SàLàH غير متواجد حالياً


Hot News1 مسآآآعدة ( بحث )

السلآم عليكم

تحدث عن القضايا التي وردت في كتاب الديوان وكتاب الغربال ؟؟






 

مساحة إعلانية
قديم 2012-11-23, 14:24   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
CrAzY SàLàH
عضو جديد
 
إحصائية العضو









CrAzY SàLàH غير متواجد حالياً


افتراضي

أرجووووووووووكم عآآجل !!







قديم 2012-11-23, 15:22   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
CrAzY SàLàH
عضو جديد
 
إحصائية العضو









CrAzY SàLàH غير متواجد حالياً


افتراضي

ولا رد !!!!







قديم 2012-11-23, 16:16   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
سطايفية بكل فخر
عضو ذهبي
 
العضو المميز لسنة 2013 المرتبة الاولى مميزي منتدى عالم الرياضة 
إحصائية العضو









سطايفية بكل فخر غير متواجد حالياً


افتراضي

مساء الخير
للاسف لا املك الكتابين ولا اعرفهما ساحاول ان ابحث لك عن مقالات بخصوصهما







قديم 2012-11-23, 16:19   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
سطايفية بكل فخر
عضو ذهبي
 
العضو المميز لسنة 2013 المرتبة الاولى مميزي منتدى عالم الرياضة 
إحصائية العضو









سطايفية بكل فخر غير متواجد حالياً


افتراضي

فقط قلي من كاتبهما







قديم 2012-11-24, 15:13   رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
CrAzY SàLàH
عضو جديد
 
إحصائية العضو









CrAzY SàLàH غير متواجد حالياً


افتراضي

الغربال
ميخائيل نعيمة
الديوان
جبران خليل جبران







قديم 2012-11-24, 15:31   رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
CrAzY SàLàH
عضو جديد
 
إحصائية العضو









CrAzY SàLàH غير متواجد حالياً


افتراضي

في انتضار ردك اختي







قديم 2012-11-24, 17:00   رقم المشاركة : 8
معلومات العضو
CrAzY SàLàH
عضو جديد
 
إحصائية العضو









CrAzY SàLàH غير متواجد حالياً


افتراضي

....................







قديم 2012-11-24, 18:36   رقم المشاركة : 9
معلومات العضو
سطايفية بكل فخر
عضو ذهبي
 
العضو المميز لسنة 2013 المرتبة الاولى مميزي منتدى عالم الرياضة 
إحصائية العضو









سطايفية بكل فخر غير متواجد حالياً


افتراضي

مقدرتش ننسخلك من الرابط اخي
لانو لازم التسجيل في دلك الموقع زره انت لانه فيه كل ما تحتاجه
http://anthro.ahlamontada.net/t2737-topic







قديم 2012-11-24, 18:48   رقم المشاركة : 10
معلومات العضو
سطايفية بكل فخر
عضو ذهبي
 
العضو المميز لسنة 2013 المرتبة الاولى مميزي منتدى عالم الرياضة 
إحصائية العضو









سطايفية بكل فخر غير متواجد حالياً


افتراضي

حول كتاب الغربال لميخائيل نعيمه[1]



محمد أسليم



يقول نديم نعيمه في كتابه الفن والحياة:[2]

إن ملخَّص فلسفة نعيمه (وهي بعيدة الجذور في الفكر العالمي، يونانيِّه ومصريِّه القديم وهنديِّه وساميِّه، ناهيك بأوروبيِّه الحديث) أن أول ما يستفيق عليه الإنسان من وجوه هو ذاته، هو «الأنا». فهي بالنسبة إليه المحور الذي تدور حوله جميع تحركاته ونزوعاته ومآتيه في خطِّ حياته كلِّها. فهو في ذلك إنما يصدر عن رغبته في الخير والسعادة والازدهار لنفسه، وعن كرهه لكلِّ ما من شأنه أن يلحق بها الضرر والأذية. فإذا كان الأمر كذلك كانت وظيفة الإنسان الأولى والأخيرة أن يعرف نفسه على حقيقتها كي لا ينخدع في حياته فيقوم عن جهل بما يعتقده خيرًا وسعادة لنفسه، فإذا به ينقلب إلى شرٍّ وبلاء.

إن المقطع يؤشر إلى ثقافة نعيمه وإلى أصالته كأديب رفض معالم الحضارة الغربية وارتدَّ إلى أناه ليجعل منها منطلَقًا لتجاربه في الحياة؛ كما جعل من أنا الإنسان محور الأدب نظرًا لإيمانه بقيمته. في هذا الصَّدد، يرى أننا[3]

في كلِّ ما نفعل وكلِّ ما نقول وكلِّ ما نكتب إنما نفتش عن أنفسنا. فإن فتشنا عن الله فلنجد أنفسنا في الله. وإن سعينا وراء الجمال فإنَّما نسعى وراء أنفسنا في الجمال. وإن طلبنا الفضيلة فلا نطلب إلاَّ أنفسنا في الفضيلة [...]. فكلُّ ما يأتيه الإنسان إنَّما يدور حول محور واحد هو: الإنسان. حول هذا المحور تدور علومه وفلسفته وصناعته وتجارته وفنونه؛ وحول هذا المحور تدور آدابه.

انطلاقًا من هذه القناعة، أجمع الدارسون على أن ميخائيل نعيمه كان ينظر إلى الأدب نظرة متسامية وينطلق في تصوراته من جانب ذاتي وجداني؛ وكذا من مبدأ دراسة الإنسان من الداخل ومراعاة ظروفه الاجتماعية ومدى ارتباطه بالزمان وبالمكان.

وبما أن توجُّهه الفكري يجمع بين الأدب والفن والفلسفة فإننا سنقف في هذه الدراسة المقتضبة على حصيلة آرائه في الأدب والنقد اعتمادًا على كتابه القيِّم الغربال الذي يشكِّل مدرسة متميزة في مسيرة النقد العربي الحديث.

1. مفهوم الأدب

يهدف كتاب الغربال (الذي صَدَرَتْ طبعته الأولى سنة 1923) إلى تأسيس تصور نقدي مغاير والدعوة إلى أدب جديد. لهذا يرى د. محمد مندور أن غاية هذا الكتاب هي «الهجوم العنيف على الأدب العربي التقليدي المتزمِّت وعلى التحجُّر اللغوي ثم على العروض التقليدي».[4] وهذا لا يعني أن ميخائيل نعيمه قد وقف عند هذا الحد، وإنما حاول، من خلال عمله، أن يؤكد على ضرورة إعادة النظر إلى وظيفة الأدب وإلى طرق نقده بعقلية متفتحة. ومن ثم فإذا كانت المدارس الأدبية الحديثة في الغرب قد اهتمت بقضايا الإنسان وتمفصلاتها في الإبداع الأدبي فإن هذه الفكرة قد سيطرت على أدباء المهجر انطلاقًا من دوافع سياسية (تصدُّع الأنظمة السياسية في العالم العربي، هيمنة الاستعمار على جل البلدان العربية، توقيع وعد بلفور في العام 1917، إلخ.) وأخرى ذاتية.

في هذا الصدد، يرى ميخائيل نعيمه أن الأدب الحقيقي هو «رسول» بين الكاتب والقارئ وأن وظيفته تنحصر في تناول الإنسان (هذا «الحيوان المستحدث» الذي هو أحقُّ بالعناية من سواه) وسبر أغوار النفس البشرية: أي أنه تعبير عن الحياة النفسية والاجتماعية من جميع نواحيها.

هذا التحديد للأدب كان نابعًا من احتكاكه بالثقافة الغربية؛ ذلك أنه حينما كان متأثرًا بالأدب الروسي كان يريد من الأديب أن يلتزم بما يجري داخل مجتمعه من ثورات والتبشير بها؛ لكنه حينما انغمس في الحياة الأمريكية انسحب من عالم المجتمع وارتدَّ إلى ذاته وإلى عوالمها، ثم اعتبر نفسَ الإنسان محور الأدب: أي الإنسان كوحدة في الوجود، لا كفرد في المجتمع. لهذا، «لا يخلد من الآثار إلاَّ ما كان فيه بعض من الروح الخالدة»، ولا يمكن للأدب إلا أن يكون «مسرحًا يظهر عليه الإنسان بكلِّ مظاهره الروحية والجسدية».[5] أما الأديب الذي يستحق أن يدعى أديبًا فهو «من يزوِّد رسوله من قلبه ولبِّه».[6]

نستنتج من هذه التحديدات أن قيمة الأدب لدى نعيمه تكمن في قدرته على اختراق وكشف باطنية الإنسان وكينونته الحقيقية، وأن الأعمال الخالدة (كأعمال شكسبير مثلاً) هي التي تمتلك خصوصية التعبير الرصين عن زمنها وفضائها، وتسعى، في نفس الوقت، إلى رصد الجانب الحضاري والإنساني في المجتمع.

2. مفهوم الكاتب

وعليه فإن الكاتب المُجيد، سواء كان شاعرًا أو روائيًّا أو صحافيًّا، هو الذي «يرى بعيني قلبه ما لم يره كلُّ بشر»، وهو الذي «يُعِدُّ لنا من كلِّ مشهد من مشاهد الحياة درسًا مفيدًا»، وهو الذي «أعطته الطبيعة موهبة إدراك الحقِّ قبل سواه».[7]

انطلاقًا من هذا التحديد لهوية الكاتب نرى نعيمه يحيط الشاعر بهالة من القدسية، حيث اعتبره نبيًّا وفيلسوفًا ومصوِّرًا وموسيقيًّا وكاهنًا:[8]

نبي – لأنه يرى بعينه الروحيَّة ما لا يراه كلُّ بشر. ومصوِّر – لأنَّه يقدر أن يسكب ما يراه ويسمعه في قوالب جميلة من صور الكلام. وموسيقي – لأنَّه يسمع أصواتًا متوازية حيث لا نسمع نحن سوى هدير وجعجعة [...]. وأخيرًا – الشاعر كاهن لأنَّه يخدم إلهًا هو الحقيقة والجمال.

3. مفهوم الشعر

إن هذا التعريف للكاتب/الشاعر يقوم على بُعد حداثي. لهذا فإذا كانت حداثة الشعر العربي ذات منابع أجنبية انحدرت من الترجمة أو من احتكاك فكري وثقافي بشعراء أوروبا وأمريكا فإن ميخائيل نعيمه، باعتباره رائدًا من رواد الشعر الحديث، قد أنشأ رؤيته عن الشاعر والشعر انطلاقًا من تشبُّعه بالأدب الروسي «الذي نهل من مَعينه بعد أن لمس فيه ثورة على الماضي وجهاد الأدباء في سبيل التحرر من أوضاع القديم ومحاولته وضع الإنسان وجهًا لوجه أمام الحياة».[9] أما تأثره بالأدب الأنكلوساكسوني فقد خوَّله الاطلاع على الحركة الرومانسية في إنكلترا والتعرف على شعراء أمثال كيتس، كولردج، هازلت، وغيرهم. وليس بعيدًا، في رأينا، أن يكون قد تأثر بالحركات الروحية الجديدة التي ظهرت في أمريكا على يد رالف والدو إمرسون، وإن كان دارسوه لم يشيروا إلى ذلك، نظرًا لكون تكوينه الثقافي والروحي، كما يقول د. مندور، هو «تكوين معقد، يجمع في ثقافته بين تراث الشرق وتراث الغرب، بل يجمع بين التراث الأوروبي الأمريكي والتراث الروسي».[10]

ولكي لا نطيل في هذا الباب نستطيع القول بأن تأثُّر نعيمه بالأدبين الروسي والأمريكي، إضافة إلى إطلاعه على فلسفة الشرق (الطاوية والبوذية) والمسيحية – كلُّ ذلك كان عاملاً أساسيًّا في بَلْوَرة طبيعة التفكير الأدبي لديه؛ وهو تفكير امتدَّ على مرحلتين:[11]

اهتم في الأولى بمشكلة الإنسان العربي الاجتماعية منطلِقًا من واقعه المتخلف، ثائرًا على أوضاعه ومفاهيمه البالية، ناشدًا له كلَّ أنواع التغيير والتجديد والإصلاح. أما المرحلة الثانية فقد اتسمت بنزعة روحانية صوفية مثالية اهتم فيها ببناء الإنسان المطلق من الداخل، واقتنع فيها بالنظام الكوني المتوحد؛ كما نادى بالإنسان القاهر لشهواته وأهوائه، التوَّاق إلى المعرفة القصوى والحرية القصوى. إن هذه المرحلة هي التي خوَّلته إعادة النظر في كلِّ مفاهيمه الأدبية والفكرية والحياتية، حيث تخلَّى في الأعوام الأخيرة من حياته عن الأدب الواقعي ليلتزم جانب الأدب الروحي.

***

لقد تمَّت الإشارة إلى هاتين المرحلتين لأن الأولى عرفت ظهور كتابه الغربال الذي تمَّ إنجازه فيما بين 1913-1923. وهذا يعني أن ما ورد فيه من آراء عن الأدب يجسِّد انصراف مؤلِّفه إلى الأدب الصرف أو الخالص littérature pure. لهذا نجده يتحدث عن مفهوم الشعر كما يلي:[12]

الشعر – ميل جارف وحنين دائم إلى أرض لم نعرفها ولن نعرفها. هو انجذاب أبدي لمعانقة الكون بأسره والاتحاد مع كلِّ ما في الكون من جماد ونبات وحيوان. هو الذات الروحية تتمدَّد حتى تلامس أطرافُها أطرافَ الذات العالمية [...]. الشعر رافق الإنسان من أول نشأته وتدرَّج معه من مهد حياته حتى ساعته الحاضرة – من الهمجية، إلى البربريَّة، إلى الحضارة، إلى مدنية اليوم.

يبدو لنا من خلال هذا المفهوم أن مزية الشعر عند نعيمه تكمن في الشعر نفسه. لكن مزيته الكبرى هي الجمع بين نظرية «الفن للفن» و«الفن للمجتمع». لذلك فإن الشاعر «لا يجب أن يكون عبد زمانه ورهين إرادة قومه [...]. لكننا نعتقد في الوقت نفسه أن الشاعر لا يجب أن يُطبِق عينيه ويصمَّ أذنيه عن حاجات الحياة وينظم ما توحي إليه نفسه فقط، سواء كان لخير العالم أو لويله»[13]؛ ومادام يستمد غذاءً لقريحته من الحياة فهو لا يقدر إلا أن يعكس أشعة تلك الحياة في أشعاره. من هنا كان أول شيء يبحث عنه نعيمه في الشعر هو «نسمة الحياة» التي ليست «إلا انعكاس بعض ما في داخلـ[ـه] من عوامل الوجود في الكلام المنظوم الذي [يـ]ـطالعه».[14]

وبما أن الشعر هو حامل «نسمة الحياة» فإنه يقوم بالضرورة على عنصر الإلهام، كما يقود الخيال الذي يتسم بقدرته على الوصول إلى الحقيقة. لهذا آمن نعيمه بأن الخيال يتفوق على الحواس الأخرى التي تُستخدَم في البحث عن الحقيقة، بل آمن بسموِّه على العقل الذي «يغالي الناس في تكريمه»، مع أنه ليس سوى «ولد جموح يقوده الخيال من أنفِهِ ولكن قلَّما يمشي به بعيدًا».[15]

هذا وإذا كان الخيال هو أداة لإدراك المعرفة في نظر نعيمه فإنه يعتبره والإيمان عنصرًا واحدًا أو يرى فيهما توأمين، لكنه[16]

يحرص على عقد مقارنة بين كلِّ هذه العناصر التي هي الخيال والإيمان والعقل والمنطق في محاولة لتحديد درجة ومعنى كلٍّ منها أمام الآخر: فالعقل إذا تسامى كان خيالاً، والخيال إذا انحطَّ كان عقلاً، والمنطق إذا لانت مفاصله صار إيمانًا، والإيمان إذا أصيب بتصلب في شرايينه صار منطقًا.

***

هذا هو رأي نعيمه عن الشعر؛ وهو الذي جعله يعلن حربًا على الشعر العربي الإحيائي وانحطاطه، حيث أنكر أن يكون للعرب شعراء يوازون الشعراء الغربيين، أمثال شكسبير وموليير. لهذا عَزَا الانحطاط الذي انتهى إليه الشعر إلى الشاعر العربي نفسه لأنه لم يكن شاعرًا، وإنما كان «نَظَّامًا»، يقلِّد الأقدمين فيما جروا عليه من وصف في أشعارهم واستعمال لغتهم التي لا تمسُّ الحياة اليومية. ولتفادي هذا الانحطاط، ركَّز على مهمة الشاعر وهي «الابتعاد عن التقريرية» أو التسطيح لأنها توقع الشاعر في شرك النظم؛ كما أنه نادى بـ«صدق العاطفة» في كلِّ أثر أدبي وفي الشعر على الخصوص، لأن جمود الأدب العربي وسلبياته ترجع إلى انعدام هذه الخاصية فيه – وهي التي يسميها نعيمه «الإخلاص» فيما يقوله الشاعر أو الأديب، أي الصوت الداخلي الذي «يولِّد بين أنامله والقلم تجاذبًا طبيعيًّا كما بين المغناطيس والحديد».[17]

4. مفهوم اللغة

تحتل قضية اللغة في الفكر الأدبي لدى ميخائيل نعيمه مكانة هامة، سواء في كتابه الغربال أو في غيره من الأعمال الأدبية التي عالج فيها هذه القضية، كروايته مذكرات الأرقش، حيث لاحظ بروزها «مدعاة للخصام» بين الناس؛ والواقع، كما يرى، هي أنها «وُجِدَتْ لخدمتهم، ولم يوجدوا لخدمتـ[ـها]؛ وأن ليس على وجه الأرض لغة كاملة بتركيبها، كافية لتأدية كلِّ انفعالات النفس وتماوجات العواطف والأفكار؛ وأن لا نفع من أيَّة قاعدة لغوية إلا بقدر ما ترفع من الالتباس وتساعد في دقَّة التعبير»؛ وكلُّ قاعدة لا ترفع التباسًا ولا تساعد في دقة التعبير هي «قيد من حديد». وبالتالي، فإن «أوسَع اللغات وأجملها أبسطُها. تلك هي لغة الأفكار والقلوب. أما لغة الشفاه والألسنة فسُلَّم يصعد به البشر إلى لغة الأفكار والقلوب. فأبعدهم عنها أكثرهم قواعد وأدناهم من أسفل السُّلَّم. وأقربهم منها أقلُّهم قواعد وأعلاهم في السلَّم».[18]

إن هذا الرأي يزكِّي ما قاله نعيمه في كتابه الغربال عن اللغة، وذلك عندما اعتبرها مؤسَّسة إنسانية ابتدعها الإنسان من أجل التواصل. ومن ثم فإن تطورها أمرٌ حتمي يرتبط بتغير الإنسان لأنها كائن حيٌّ يتعرض للانقراض والموت. إنها «كالشجرة تبدِّل أغصانها اليابسة بأغصان خضراء وأوراقها الميتة بأوراق حيَّة».[19] لذا يجب ربط تطور اللغة بتطور المجتمع بدل العمل على إقبارها كما يفعل البعض («ضفادع الأدب»)، خصوصًا أن البشرية[20]

مشت [...] ومشت معها لغاتُها. فلا البشرية اليوم هي نفس البشرية التي كانت منذ قرون. ولا لغاتها هي اللغات التي كانت قبل هذا العصر. وليس مَن ينكر ذلك إلا أعمى البصر والبصيرة. أما السرُّ في تقلُّب لغات البشر فليس في اللغات بل في البشر أنفسهم، لأن الإنسان أوجد اللغة ولم توجِد اللغةُ الإنسان.

وبما أن الإنسان هو الذي أوجد اللغة فإنها تقوم بدور حيوي في التعبير عن حياته. لذلك نلمس في كتاب الغربال حسًّا متقدمًا في التعامل مع اللغة واعتبارها أداة «تواصل» و«مادة» للكتابة والإنتاج الأدبي يجب العمل على تهذيبها وتنسيقها لإعطائها دقة ورقة، لأنها ليست سوى «مستودع رموز» يُرمَز بها إلى أفكارنا وعواطفنا؛ ومن ثم فلا قيمة لها في نفسها، بل «قيمتها في ما ترمز إليه من فكر ومن وعاطفة»، لأن «الفكر كائن قبل اللغة، والعاطفة كائنة قبل الفكر. فهما الجوهر وهي القشور». وبما أن البشرية «مضطرة إلى استعمال الرموز للإفصاح عن عوامل الحياة فيها» فإن «الرمز في أحسن أحواله وأدقِّها ليس سوى خيال ممسوخ لما يرمز إليه».[21]

5. مفهوم النقد في كتاب الغربال

إذا كان نعيمه يسعى في كتابه إلى تأسيس تصور نقدي جديد ومفهوم مغاير للأدب في مواجهته الأدب القديم فإنه قد انطلق في عمله من جدلية التفاعل القائم بينه وبين محيطه، أي من منظور مرجعيَّته الثقافية الغربية ووضعية الأدب الغربي خلال العشرينيات الأولى من هذا القرن العشرين. لهذا يُعَدُّ كتاب الغربال ثورة عنيفة على الشعراء النَظَّامين والمقلِّدين. ومع أنه في الأصل مجموعة مقالات نشرها نعيمه فيما بين 1913-1922 فإنه قد خضع لتركيبة منهجية، حيث قسَّمه صاحبه إلى قسمين: الأول نظري يحدد فيه مفهومه للنقد (مقالة «الغربال») وللمقاييس الجديدة للأدب، بينما جعل من القسم الثاني تطبيقًا لهذه المقاييس عن طريق نقد بعض الكتب والدواوين.

من هنا يمكن القول بأن رسالة الغربال تروم أولاً الاعترافَ بالفكر الغربي الذي أحدث رجَّة في الفكر العربي «بعد أن كان بالأمس تلميذه»؛ كما تروم ثانية التنبيهَ إلى أهمية الترجمة واحتضان أشكال فنية ذات غاية إنسانية، كالمسرح الذي يُعَدُّ، في رأي نعيمه، خير سبيل لتحقيق نهضة أدبية إذا ما عملنا على ترسيخه في الثقافة العربية.

إضافة إلى هذين المطلبين (العناية بالترجمة واحتضان المسرح)، يركِّز الكتاب على أهمية النقد كنشاط أدبي معاصر، وعلى قضايا أخرى ترتبط بالأدب واللغة والقراءة والنص والمثاقفة.

أ. عن النقد:

يبدأ كتاب الغربال بتحديد مفهوم «الغربلة» التي توازي مهنة الناقد. إنها، كما يقول نعيمه،[22]

ليست غربلة الناس. بل غربلة ما يدوِّنه قسم من الناس من أفكار وشعور وميول. وما يدوِّنه الناس من الأفكار والشعور والميول هو ما تعوَّدنا أن ندعوه أدبًا. فمهنة الناقد، إذن، هي غربلة الآثار الأدبيَّة، لا غربلة أصحابها.

إن هذا التحديد لمهنة الناقد وموقفه من الشخص المنقود يساوي نفس التحديد الذي نجده في خطاب النقد الجديد؛ من ذلك أن رولان بارت يعرِّف بالنقد بكونه «خطابًا أدبيًّا ثانيًا يتمرس بخطاب أدبي أول»، أو «لغة ثانية تحلِّق فوق اللغة الأولى: أي النتاج». وبالتالي فإذا كان النقد الجديد يعتبر النقد خطابًا مواكبًا للنص الأدبي فإن نعيمه قد حدس في وقت مبكر أهمية ارتكاز النقد على «التحليل المحايث» analyse immanente الذي ينصهر في النتاج، ولا يطرح علاقته مع العالم إلا بعد أن «يصفه من الداخل»، باعتباره منظومة من الوظائف، أو مجرد بنية مغلقة لا تحيل على خارج. وهذا يعني أن عملية النقد يجب أن تنصبَّ على النص لأنه هو موضوع الغربلة لا صاحبه. لهذا فإن «الناقد الذي لا يميِّز بين شخصيَّة المنقود وبين آثاره الكتابية ليس أهلاً لأن يكون من حاملي الغربال أو الدائنين بدينه».[23]

انطلاقًا من هذا الاقتناع تبرز شرعية النص الأدبي من النص ذاته، كما تتموضع مسؤولية الكاتب والناقد في فضاء من الحرية تجعل الأول يكتب ثم ينسلخ عن ذاته ليقدم عمله إلى الثاني الذي يضعه في «غرباله». وهكذا فإذا كان «الكثير[ون] من كتَّاب العربيَّة وقرائها لا يزالون يرون في النقد ضربًا من الحرب بين الناقد والمنقود»[24] فإن غاية النقد، في نظر نعيمه، تنحصر في تسجيل انطباعات الناقد (النقد التأثيري عند جول لوميتر مثلاً)، وكذا في فهم الإبداع. من هنا كان لكلِّ ناقد غرباله وموازينه ومقاييسه. إن هذا التصور يعني أن النقد لا يمكن أن يكون علمًا، وإنما يرتكز على «قوَّة التمييز الفطريَّة» التي[25]

تبتدع لنفسها مقاييس وموازين ولا تبتدعها المقاييس والموازين. فالناقد الذي ينقد «حسب القواعد» التي وضعها سواه لا ينفع نفسه ولا منقوده ولا الأدب بشيء. إذ لو كانت لنا «قواعد» ثابتة لتمييز الجميل من الشنيع، والصحيح من الفاسد، لما كان من حاجة بنا إلى النقد والناقدين.

وبما أن النقد لا يخضع لقواعد ثابتة فإن علاقته بالأدب تتأسس في الغربال على ذوق الناقد ونيَّته في الإخلاص أثناء التمييز النظري. بعبارة أخرى، إنها علاقة عاطفية تجمع بين ذاتين (الكاتب المبدع والكاتب الناقد). إلا أن الناقد (أي الذات الثانية) لا تنحصر مهمته في التمييز بين الصالح والطالح، بين الجميل والقبيح؛ كما أن فضله لا ينحصر في التمحيص والتثمين والترتيب، وإنما هو «مبدع» و«مولِّد» و«مرشد».[26]

أ.1. مبدع: «عندما يرفع النقاب، في أثر ينقدُه، عن جوهر لم يهتدِ إليه أحد، حتى صاحب الأثر نفسه»؛

أ.2. مولد: «لأنَّه في ما ينقد ليس في الواقع إلاَّ كاشفًا نفسه»؛

أ.3. مرشد: «لأنه كثيرًا ما يردُّ كاتبًا مغرورًا إلى صوابه، أو يهدي شاعرًا ضالاً إلى سبيله».

إلى هذه الميزات كلِّها، يضيف نعيمه إلى الناقد ميزة أساسية وهي إمكانية التوغل إلى روح المبدع ومعايشة حالاته النفسية، «فيصبح الناقد كأنه الشاعر وكأن القصيدة من وضعه».[27] وهذا ما يذكِّرنا بـ«النقد المتعاطف» لدى مارسيل بروست الذي ينحصر في فهم النتاج من الداخل والتماهي مع صاحبه. وبديهي أن هذا «التماهي» لا يمكن أن يتم إلا عبر اللغة الأدبية التي اعتبرها نعيمه «مستودعًا للرموز»، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، لا ركامًا من الكلمات والمفردات والقواعد. لهذا تتصارع في الأدب العربي فكرتان: «فكرة تحصر غاية الأدب في اللغة، وفكرة تحصر غاية اللغة في الأدب».[28] وقد انتصر نعيمه للفكرة الثانية لأنها ترى في الأدب «معرض أفكار وعواطف [و] نفوس حساسَّة [...]، لا معرض قواعد صرفية نحوية، وكشاكيل عَروضية بيانيَّة».[29]

ب. عن القراءة:

في هذا الصَّدد، يمكن القول بأن نعيمه يقترح علينا قراءة ذكية للنص، لأنه – كنتاج أدبي – لا يُعَدُّ «معرضًا للأزياء اللغويَّة والبهرجة العَروضيَّة»،[30] وإنما هو شبكة من الرموز تقوم القراءة بتفكيكها عبر «قراءة الأفكار والعواطف كما تنبت وتنمو في الأرواح، لا كما ينطق بها اللسان».[31] وبما أن المبدع الفنان لا يسكب كلَّ فكره، ولا يجسِّم كلَّ عاطفته في كلام أو خطوط أو ألوان أو ألحان، فإن أفصح وأبلغ وأعمق وأوسع قراءة هي «القراءة بين السطور».[32] ومادامت اللغة «مستودع رموز»، نرمز بها إلى أفكارنا وعواطفنا، فإنها عاجزة، كأداة، عن الإفصاح عما يجول في النفس. أما الرمز الذي تعبِّر عنه، فهو خاضع للتجديد.

إن هذا الرأي يعيد الاعتبار إلى مفهوم الكتابة والقراءة باعتبارهما حدثين شموليين يتجاوزان المفهوم التقليدي الذي يحاصر الأدب بمحظورات عديدة. ومادام النقد الجديد في الغرب قد أعلن عن إفلاس النقد التقليدي لاهتمامه بالاستعمال الضيق للغة وعدم قدرته على اكتشاف طبيعتها الرمزية فإن كتاب الغربال قد فعل نفس الشيء تجاه «ضفادع الأدب» الذين يريدون «إبقاء القديم على قدمه»[33] وتحنيط اللغة.

لهذا لا نكون مبالغين إذا قلنا بأن نعيمه كان رائدًا في مجال إثارة قضية اللغة على مستوى الممارسة النقدية لأننا نعرف رأي رولان بارت في هذا المجال، حيث لاحظ، هو الآخر، أن المجتمع الكلاسيكي البورجوازي كان لا يرى في الكلام (اللغة) إلا مجرد أداة أو زخرف، في حين اكتشف النقد الجديد الطبيعة الرمزية للغة أو الطبيعة اللغوية للرمز، مما أدى به إلى إعادة النظر إلى الكلام واعتباره «علامة» signe وحقيقة؛ الشيء الذي دفع النقد إلى دراسة العلائق القائمة بين النتاج واللغة، وتحديد نوعية القراءة والكشف عن علم للرموز المكتوبة.

***

خلاصة

نستخلص من آراء نعيمه حول النقد واللغة والقراءة أن الناقد الحقيقي هو الذي يسبر غور الإنتاج الأدبي، ويكشف عن تصورات وآراء ليست بالضرورة هي التي نجدها في النتاج. بعبارة أخرى، إن النقد هو الإدراك الواعي لعملية الكتابة؛ أي إبداع فوق إبداع آخر. ومع ذلك يظل الناقد، في نظر نعيمه، مجرد «متذوِّق» يقدم لنا مفاهيم ذاتية وموضوعية حول العمل المنقود انطلاقًا من مقاييس أدبية يستطيع كلُّ ناقد أن يعثر عليها إذا ما تأمل وظيفة الأدب في الحياة والحاجات الإنسانية التي يجب أن يُشبِعَها والتي حددها كما يلي:

- حاجتنا إلى الإفصاح عن ما ينتابنا من العوامل النفسية؛

- حاجتنا إلى نور نهتدي به في الحياة، وهو نور الحقيقة: حقيقة ما في نفسنا وحقيقة ما في العالم؛

- حاجتنا إلى الجميل في كل شيء؛

- حاجتنا إلى الموسيقى.

إن هذه الحاجات هي المقاييس الثابتة التي يجب أن نقيس بها الأدب، «فتكون قيمته بمقدار ما يسدُّ من بعض هذه الحاجات أو كلِّها. ويكون أثمنه أجلاه بيانًا، وأغناه حقيقة، وأطلاه رونقًا، وأشجاه وَقْعًا».[34]

إن هذه المقاييس التي سنَّها نعيمه هي التي طبَّقها في نقده لبعض الكتب والدواوين العربية التي صدرت في المهجر والوطن العربي، حيث بحث في هذه الأعمال عن دقة الإفصاح وجمال التركيب وحلاوة الحقيقة وعذوبة الوَقْع، بعد أن لمسها حاضرة كلِّية في كتابة شكسبير.

بالإضافة إلى ذلك، نجد في مجموعة أشعاره التي صدرت تحت عنوان همس الجنون صدى لمقاييسه وآرائه حول الأدب ولكلِّ ما اعترض حياته من صراع نفسي، كما يتجلَّى ذلك بوضوح في قصيدته «من أنتِ يا نفسي»[35] التي تفيض حديثًا عن أصل نفسه وكنهها وماهيَّتها. أما في أدبه النثري فإننا نقِفُ على نظراته الفلسفية عن الحياة، والدين، والإنسان، والمرأة. وهذا ما جعل هذا الأدب يندمج في النفس العالمية، كما أشار إلى ذلك في سيرته الذاتية سبعون حين قال: «إني أفتش عن شيء كبير – شيء بعيد – شيء مبهم. وكلُّ ما عَدَاهُ يبدو تافهًا في نظري، وطعمه في فمي طعم الرماد».[36]







قديم 2012-11-24, 22:06   رقم المشاركة : 11
معلومات العضو
you92cef
عضو مميّز
 
إحصائية العضو









you92cef غير متواجد حالياً


افتراضي

كتاب الغربال للأديب والناقد اللبناني مخائيل نعيمة
القضايا النقدية التي يعالجها
تصميم الموضوع:
1- مكانة الأدب المهجري في الأدب العربي الحديث ووسائل تطوره
2- التعريف بحياة ميخائيل نعيمة وثقافته وآثأره
3- التعريف بالكتاب وأهم القضايا النقدية التي تناولها
4- منهجه النقدي:
5- القضية المحورية في الكتاب
6- الإضافات التي قدمها الكتاب للنقد العربي الحديث
7- خاتمة:

1- مكانة الأدب المهجري ودور الرابطة القلمية في تطويره:
يعتبر أدب المهجر جزءا لا يتجزأ من الأدب العربي، وأحد معالمه الرئيسية. وإذا كان هذا الأدب قد نشأ بالمهجر بأمريكا الشمالية والجنوبية، فإنه قد ارتبط منذ البداية ارتباطا وثيقا من حيث بواعثه وغاياته بالوطن الأم، وبالانتماء إلى العروبة، وفي نفس الوقت اكتسب طابعا إنسانيا بفضل احتكاك وتأثر أدباء المهجر بالثقافة وبالآداب الغربية.
لقد أسهم الأدب المهجري إسهاما وافرا في حركة تطوير وتجديد الأدب العربي، وحمل لواء هذا التجديد أدباء وشعراء نزحوا إلى العالم الجديد ابتغاء للرزق وبحثا عن الحرية، وفرارا من الاضطهاد العثماني وجحيم الفتن الطائفية التي تفجرت في بلاد الشام. وقد لعب الأدباء الذين نزحوا إلى المهجر دورا لا يستهان به في تأسيس حركة أدبية نشيطة عن طريق إصدار الصحف والمجلات الأدبية والدواوين والجمعيات الأدبية والقصص والمؤلفات الأدبية والنقدية.
ومن الطريف – كما يقول أدونيس – أن المرحلة الأولى التي صادفت هجرة الشعراء العرب اللبنانيين والسوريين إلى أمريكا قد سميت بالمرحلة الرومانسية (وهي تمتد من سنة 1878 – نهاية القرن، بل امتدت إلى ما بعد نهاية القرن بسنوات طويلة). وهي مرحلة تجسد مختلف الصعوبات التي عاناها المهاجرون في المهجر. يقول الشاعر مسعود سماحة في هذا الصدد، مصورا جانبا من هذه المعاناة:
كم طويت القفر مشيا وحملي ** فوق ظهري، يكاد يقصم ظهري
كم قرعت الأبواب غير مبال ** بـكــــلال وكــــر فـصــل وحـــر
كم توسدت صخرة وذراعي ** تحت رأسي، وخنجري فوق صدري.
وقد اتخذ هذا النشاط الأدبي والثقافي الذي مارسه المهاجرون الشوام في البداية طابعا عفويا، لكنه سرعان ما اتخذ شكلا تنظيما بظهور الصحافة العربية حوالي 1892، حيث أنشئت أول جريدة عربية في أمريكا باسم "كوكب أمريكا"، ثم توالت عملية إصدار الصحف تباعا، فأنشئت جريدة "الهدى" سنة 1898 (وقد استمرت هذه الجريدة في الصدور حتى سنة 1971). وكانت تعنى بالشؤون الاجتماعية والأدبية والثقافية، ثم تأسست جريدة "مرآة العرب" سنة 1899، وتميزت بكونها منبرا للدفاع عن القضايا العربية ومهاجمة الحكم العثماني. وفي سنة 1912 أنشأ كل من عبد المسيح حداد ونسيب عريضة على التوالي جريدتي "السائح، والفنون"، كما أنشئت بعد ذلك صحيفة "المهاجر" لأمين الغريب، والسمير لإيليا أبي ماضي سنة 1929 . لقد خلقت هذه الجرائد والمجلات جوا ثقافيا عربيا ألف بين المهاجرين من جهة، وحافظ على صلاتهم بالثقافة العربية والقضايا الوطنية والقومية من جهة ثانية، ونقل الآثار الأدبية المهجرية إلى الوطن الأم من جهة ثالثة.3.
ووصل النشاط الأدبي والثقافي إلى أوج نضجه واكتماله بتأسيس الجمعيات الأدبية والثقافية التي احتضنت هذا النشاط وتولته بالرعاية والعناية. وأهم هذه الجمعيات "الرابطة القلمية" التي تأسست بنيويورك عام 1920، و"العصبة الأندلسية" التي تأسست بالجنوب الأمريكي (أمريكا الجنوبية) سنة 1933.
أما الرابطة القلمية فقد أسسها وتزعمها جبران خليل جبران (1883 – 1931)، ومن مؤسيسها إيليا أبو ماضي وميخائيل نعيمة ونسيب عريضة وعبد المسيح حداد وعبد الرشيد أيوب، في حين أن العصبة الأندلسية قد أسسها عدد آخر من الشعراء في أمريكا الجنوبية، ومنهم الشاعر القروي (رشيد سليم الخوري)، وإلباس فرحات ورياض معلوف وغيرهم من الشعراء والأدباء.
وإذا كانت الرابطة القلمية قد تميزت بنزعة قوية إلى التجديد متأثرة بآداب الغرب، فإن العصبة الأندلسية قد تميزت بنزعة محافظة واشتهرت بغيرتها على التراث العربي. ونتيجة لذلك، كان أدباء الرابطة القلمية أكثر تأثرا بالآداب الغربية من إخوانهم في الجنوب الأمريكي، وبذلك كانوا أكثر تجديدا. ومن أشهر هؤلاء المجددين جبران خليل جبران، ونسيب عريضة، وإيليا أبو ماضي ، وميخائيل نعيمة ، الذي سنفرد لكتابه الغربال (وهو كتب نقدي) دراسة مفصلة.
2- التعريف بحياة ميخائيل نعيمة وآثاره:
يعد ميخائيل نعيمة أحد أقطاب الرابطة القلمية ومن بين مؤسسيها. ولد بإحدى القرى اللبنانية، وهي قرية "بسكنتا" التي تقع على هضبة صنين، أحد جبال لبنان المشهورة سنة 1889 في عائلة مسيحية أرثوذكسية عربية. وهناك في مدرسة روسية ابتدائية بتلك القرية تلقى ميخائيل نعيمة دروسه الابتدائية. وقد أظهر في دراسته تفوقا ملحوظا بين أقرانه، أهله لأن يحظى ببعثة إلى مدرسة المعلمين الروسية بمدينة الناصرة بفلسطين. وفي تلك المدرسة أتيحت له الفرص لتوسيع آفاق معرفته باللغة الروسية، كما ازداد تضلعا وتمكنا من اللغة العربية وعلومها وآدابها، وأحرز من التفوق والتألق على أقرانه ما أحرزه في قريته "بسكنتا"، وكوفئ على هذا التفوق بإرساله في بعثة دراسية لمواصلة الدراسة في مدينة "يالتافا" بأوكرانيا، وكان ذلك سنة 1906، حيث التحق بأحد المعاهد هناك. وقضى ميخائيل نعيمة بروسيا حوالي خمس سنوات حتى سنة 1911 حصل خلالها على ألوان مختلفة من الآداب العالمية، وتزود بحظ وافر من الأدب الروسي، حتى برع في الكتابة بالغة الروسية ونظم الشعر بها. وما قصيدته المشهورة "النهر المتجمد" إلا أثر من آثاره الأدبية باللغة الروسية والتي نقلها بعد حين إلى اللغة العربية.
ولم يعد ميخائيل نعيمة من روسيا إلى وطنه لبنان سنة 1911، إلا ليستأتف الرحلة والهجرة، وكانت الرحلة في هذه المرة إلى العالم الجديد (أمريكا). وقد كان في نيته الهجرة إلى باريس، "مدينة العلم والنور". لكن شقيقه ثناه عن عزمه، واصطحبه معه إلى الولايات المتحدة، حيث درس الحقوق بجامعة واشنطن وظفر بإجازتها العلمية سنة 1916.
ولم يشغله طلب العلم عن الكتابة الأدبية والنقدية في المجلات العربية بأمريكا، وخاصة مجلة "الفنون" وجريدة "السائح" اللتين أصدرهما على التوالي "نسيب عريضة" و "عبد المسيح حداد" وهما من رفاق ميخائيل نعيمة ومن زملائه في مدرسة المعلمين الروسية بمدينة الناصرة بفلسطين، فكانتا – هاتان المجلتان – منبرا للكاتب ورفاقه المجددين من مؤسسي الرابطة القلمية. وافتتح نعيمة حياته الأدبية والنقدية بنقد رواية "الأجنحة المتكسرة" لجبران خليل جبران في مقال عنوانه " فجر الأمل بعد ليل اليأس". وفي هذا النقد ظهرت بوادر ثورته على الجمود والتقليد في اللغة والأدب. وكان هذا النقد سبيله إلى التعرف على جبران، فانتقل إلى نيويورك، وفيها تعرف أيضا على الشاعر إيليا أبي ماضي ورشيد أيوب وغيرهما من مؤسسي الرابطة القلمية التي كان جبران عميدها وميخائيل نعيمة مستشارها.
وفي سنة 1917 قررت أمريكا التخلي عن حيادها في الحرب العالمية الأولى، فخاضت غمارها، وكان ميخائيل نعيمة واحدا من آلاف الجنود الذين شملهم قانون التجنيد الإجباري الأمريكي، وألقت به الأقدار في جبهة الحرب بفرنسا. وأتيحت له الفرصة بعد انتهاء الحرب للانخراط في بعثة تعليمية إلى جامعة "رين" الفرنسية، فدرس فيها تاريخ الآداب والفنون، ثم عاد إلى أمريكا سنة 1919. وظل بها حتى سنة 1932، ثم غادرها إلى بلاده لبنان ليعيش في مسقط رأسه بقرية "بسكنتا"، حيث تعهد مزرعة له ورثها عن آبائه، وظل مقيما بها مواصلا نشاطه الأدبي حتى وافته المنية سنة 1988 عن عمر يقارب مئة سنة.
ويتضح من تفاصيل حياته التي أوردنا بعضا منها أن ميخائيل نعيمة قد حاز ثقافة أدبية واسعة بفضل تمكنه واستيعابه للثقافة العربية واطلاعه الواسع على الثقافات الأجنبية الروسية والفرنسية والانجليزية ، يدل على ذلك نظمه لأشعار وقصائد باللغة الروسية، وتأليفه لكتاب "مرداد" باللغة الإنجليزية؛ ذلك أنه كان شديد الشغف بالفكر والأدب، وكان لا يترك الوقت يمر دون الإفادة من ثمرات الفكر الغربي وأدبه وثقافته. ومما يدل على سعة ثقافته ما خلفه وما أبدعه من آثار فكرية وأدبية تجمع بين مختلف فنون الأدب والنقد من الشعر إلى الرواية إلى القصة إلى التراجم والسير، إلى البحوث الأدبية والنقدية ... الخ.
وبالنسبة لإنتاجه الفكري والأدبي، يمكن التمييز فيه بين مرحلتين متمايزتين: المرحلة الأولى، غلب على تفكيره الاهتمام بمشاكل الإنسان العربي الاجتماعية والأدبية، منطلقا من واقعه المتخلف ثائرا على أوضاعه ومفاهيمه البالية، مريدا لها تغييرا وتجديدا وإصلاحا. وهذه المرحلة، تأخذ جزءا كبيرا من حياته في المهجر بأمريكا، وتمثلها ثلاثة كتب من بين ستة كتب ألفها هناك، ابتداءا من سنة 1913 إلى ما قبل عودته إلى قريته بسنوات سنة 1932. والكتب الثلاثة هي: 1- كان ما كان (قصة) 2- الآباء والبنون (رواية) 3- كتاب الغربال (وهو كتب نقدي يتصل في مضمونه وروحه العامة بالمرحلة الثانية من حياته، ولكنه من حيث الزمن ينتمي إلى المرحلة الأولى).
أما المرحلـة الثانيـة، وتشمـل كـل إنتاجـه بعـد ذلـك، فتمثل نزعـة روحيـة تصوفية مثالية، وفي هـذه المرحلة نـرى
ميخائيل نعيمة يهتم بالإنسان المطلق، ويبدو من خلالها مقتنعا راضيا بالنظام الكوني، حلوليا (من نظرية الحلول، أي حلول الله في مخلوقاته، وهي إحدى النظريات الصوفية، ورمزها المشهور في تراثنا العربي الحلاج)، متوحدا (من نظرية وحدة الوجود الصوفية)، مناديا بالإنسان المتغلب على شهواته وأهوائه، التواق (المتطلع) إلى المعرفة القصوى للحرية. وتمثل هذه النزعة أغلب أعماله في المرحلة الثانية مثل مؤلفاته: المراحل، ومذكرات الأرقش، وديوان همس الجفون، وزاد المعاد، والبيادر، وكرم على درب، ولقاء، والأوثان، وصوت العالم، وكتاب جبران خليل جبران (ترجمة له) الذي يعد بدعا في كتابة التراجم في الأدب العربي، ومذكرته: سبعون بأجزائها الثلاثة الضخام، وهي عبارة عن سيرة ذاتية صريحة رائعة لمخائيل نعيمة. وله باللغة الإنجليزية كتاب "مرداد"، كما ذكرنا آنفا، وقد نقله هو نفسه إلى اللغة العربية. ويمكن اعتبار كتاب الغربال وكتاب "في الغربال الجديد" أهم أعماله النقدية. .
3- التعريف بالكتاب وأهم القضايا النقدية التي تناولها:
كتاب الغربال هو كتاب نقدي نظري وتطبيقي، وهو عبارة عن مجموعة مقالات نقدية (21 مقالة نقدية) نشرها الناقد في الفترة ما بين 1913 / 1923. ثم جمعها في كتاب نشره سنة 1923. وقد صدرت له عدة طبعات من بعد وصلت إلى ست طبعات "مما يدل على صلابة هذا الكتاب وقوة مقاومته لطوفان الزمن، فهو لا يزال يقرأ (ويدرس)، ولا يزال يؤثر في الأدباء والنقاد والمفكرين". .
وإذا كان الكتاب لم يؤلف وفقا لمنهج مرسوم سلفا، وإنما هو مجموعة من المقالات النقدية، فليس في ذلك ما ينقص من قيمة الكتاب وأهميته كما يقول الدكتور محمد مندور "فإن عددا كبيرا من روائع إنتاجنا الأدبي المعاصر ليس إلا مجموعة من المقالات التي نشرها رواد أدبنا ونقدنا المعاصر في الصحف والمجلات من أمثال "في أوقات الفراغ" للدكتور محمد حسين هيكل، و"الفصول"، و"ساعات بين الكتب" و"مطالعات في الكتب والحياة" .. للأستاذ عباس محمود العقاد، و"حصاد الهشيم" و "قبض الريح" ... الخ، للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني، و "حديث الأربعاء" بأجزائه الثلاثة ... للدكتور طه حسين، و "في الميزان الجديد" و "نماذج بشرية" و "قضايا جديدة في أدبنا الحديث"، للدكتور محمد مندور...". . ونجد مثل هذه الظاهرة في الآداب الأجنبية الأخرى كالأدب الفرنسي والأدب الإنجليزي والألماني والروسي وغير ذلك.
ويذكر الباحثون أن هذه المقالات التي جمعها ميخائيل نعيمة في كتاب واحد هو "الغربال" والتي تنتمي زمنيا إلى المرحلة الأولى من حياته، حيث لم يكد يتجاوز فيها الثلاثين من عمره، تنم، رغم ذلك، عن ثقافة واسعة وخبرة عميقة بالحياة واستقرار فكري في نظرته إلى وظيفة الأدب ومنهجه النقدي ، وهذه الخصال تثير في القراء والمطلعين على غرباله أعمق التأمل وخاصة في تلك الحملات القوية العنيفة على أنصار الأدب التقليدي ومن يسميهم "ضفاضع الأدب" الذين كانوا ولا يزالون أحيانا يواصلون النقيق كلما عثروا على تجديد في اللغة ووسائل تعبيرها. وبهذه النظرة نستطيع التأكيد على عودة صاحب "الغربال" إلى النقد الأدبي الصحيح. . وبالإضافة إلى هذا يثير ميخائيل نعيمة إعجاب القراء والنقاد بسبب جرأته – آنذاك- في شنه حملة عنيفة على أغراض الشعر العربي التقليدية من مدح وفخر وهجاء، يحمل حملة شعواء على لغة هذا الشعر وجزالته ورصانته، داعيا إلى أن يكون الشعر تعبيرا عن الأحاسيس النفسية والانفعالات الذاتية، وتصويرا لمثل الحق والخير والجمال، مجسدا خلجات الكون وخفقات الوجود؛ لذلك يعد كتاب الغربال من أهم كتب النقد الأدبي الحديث التي لا يغفلها مؤرخ للأدب العربي المعاصر، فقد صدر بعد كتاب "الديوان" للعقاد والمازني الذي نشر سنة 1921، ويعتبران معا من الدعائم الأولى للنهضة الأدبية والنقدية المعاصرة.
وتجدر الإشارة إلى أن هذين الكتابين (الغربال والديوان) المتقاربين في النشر، يرميان إلى هدف واحد هو الهجوم
العنيف على مدرسة الأدب التقليدي، أي مدرسة البعث (التي ينتمي إليها شوقي)، والدعوة إلى أدب جديد، مما يوحي بتأثير أحدهما على الآخر (بشكل غير مباشر)، على الرغم من نفي الناقدبن، نعيمة والعقاد، التأثر المباشر بينهما. ومهما يكن فقد ظهر الكتابان ضمن ظروف متشابهة تتمثل في اتصال الجانبين المشرقي والمهجري بالآداب والثقافات الأوربية. ومع ذلك، وتأكيدا لوحدة الهدف بينهما، فقد حيا كل منهما الآخر تحية حارة، وهي تحية موجودة في كتاب الغربال نفسه، حيث كتب الأستاذ ميخائيل نعيمة مقالا حماسيا حارا استهله بقوله "ألا بارك الله في مصر، فما كل ما تنثره ثرثرة، ولا كل ما تنظمه بهرجة. وقد كنت أحسبها وثنية تعبد زخرف الكلام، وتؤله رصف القوافي ... غير أني عرفت أن مصر مصران لا واحدة: مصر ترى البعوضة جملا والمدرة (قطعة من الطين المعلك) جبلا، ومصر أخرى ترى البعوضة بعوضة والمدرة مدرة ...إن مصر الثانية هذه، قد قامت اليوم تناقش الأولى الحساب، فانتصبت وإياها أمام محكمة الحياة، وسلاحها الوجدان ، ومحكها (معيارها) الحق .. ومغزى ما يريد نعيمة قوله في هذا المقال هو "إن مصر نهضت تصفي حسابها مع ماضيها". والذي يقوم بهذه التصفية هم جماعة "الديوان".
وقد رد الأستاذ العقاد هذه التحية بمثلها في مقدمة كتبها لكتاب الغربال، ومما جاء فيها "لو لم يكتب قلم نعيمة هذه الآراء التي تتمثل للقارئ ، في هذه الصفحات لوجب أن أكتبها أنا، فأما وقد كتبها وحمل عبئها، فقد وجب على الأقل أن أكتب مقدمتها"، ثم يقول عن مضمون الكتاب "والحق أني قد وقعت من قراءة هذه الصفحات على قرابة صحيحة وجوار ملاصق في الحي الذي أسكنه في هذه الدنيا الأدبية الجديدة. ورأيت قلما جاهدا في طلب الشعر الصحيح، شعر الحياة لا شعر الزحافات والعلل، ورأيته ينعى على الشعر الرث الذي تركنا بلا شعر ولم يبق في حياتنا ما ليس منظوما سوى عواطفنا وأفكارنا ، ورأيته يريد من الشاعر أن يكون نبيا وينكر أن يكون بهلوانا، ويريد من الشعر أن يكون إلهاما وينكر أن يكون ضربا من الحجل والجمز والمشي على الأسلاك والانتصاب على الرأس ورفع الأثقال بالأسنان ولف الرجلين حول العنق، إلى ما هنالك من الحركات التي يجيدها القردة أيما إجادة". .
وقد نوهنا آنفا أن الكتاب ليس دراسة أكاديمية، ولم يؤلفه نعيمة على منهج مرسوم، بل هو عبارة عن جملة مقالات تبلغ إحدى وعشرين مقالة. ويحسن التنويه بالقضايا النقدية التي تناولتها أغلب هذه المقالات. فمنها مقالتان خصصهما الناقد للهجوم العنيف على الأدب العربي التقليدي المتزمت والمتحجر مثل مقالتي "الحباحب" و "نقيق الضفادع"، ثم مقالة أخرى أفردها لنقد العروض التقليدي وذلك في مقالة "الزحافات والعلل". بالإضافة إلى ما تناول فيه بالنقد التطبيقي بعض المؤلفات الأدبية التي كانت قد ظهرت في تلك الفترة، مثل مقالة عن "القرويات"، وهو ديوان لرشيد سليم الخوري الذي نشر بسان باولو في البرازيل بأمريكا الجنوبية سنة 1922، ومقالة أخرى عن "الريحان في عالم الشعر"، وثالثة عن ديوان "الساق" الذي نشره جبران خليل جبران بالإنجليزية في سنة 1920، ورابعة عن قصة "ابتسامات ودموع" التي عربتها الآنسة مي زيادة عن كتاب "الحب الألماني" لماكس مولر، ومحاضرة للآنسة مي أيضا التي ألقتها في الجامعة المصرية الأهلية بدعوة من جمعية مصر الفتاة عن "غاية الحياة"، وخامسة عن ديوان "أغاني الصبا" الذي نشره محمد الشريفي سنة 1921، وسادسة عن كتاب "النبوغ" الذي صدر لمؤلفه لبيب الرياشي سنة 1921، وسابعة عن ترجمة الشاعر خليل مطران لمسرحية "تاجر البندقية" لشكسبير، وقد صدرت عن دار الهلال سنة 1922، وثامنة عن الجزئين اللذين صدرا من كتاب "الديوان" للأستاذين العقاد والمازني، وتاسعة عن "العواصف" لجبران خليل جبران، وعاشرة عن كتاب "الفصول" الذي صدر عن مطبعة السعادة سنة 1922 للأستاذ عباس محمود العقاد، والمقالة الحادية عشرة عن ديوان كان لا يزال مخطوطا للشاعر نسيب عريضة، وهو ديوان "الأرواح الحائرة"، ثم مقالة عنيفة (المقالة 12)بعنوان " الدرة الشوقية"، وفيها ينقد نقدا لا ذعا قصيدة طويلة كانت مجلة الهلال قد نشرتها في عدد أفريل 1922 للشاعر أحمد شوقي بعد أن أنشدها في احتفال أقيم في دار "الأوبرا" السلطانية بمناسبة إنشاء جمعية تعاون لمساعدة الفقراء في مصر. .
وبعد ذكر هذه المقالات النقدية التطبيقية نتبعها بالمقالات النظرية التي ذكرنا بعضا منها سالفا، ومنها مقالاته عن "النقد البناء" والتي يتحدث فيها عن "الغربلة" و"محور الأدب و"الرواية التمثيلية العربية" و "المقاييس الأدبية، و"الشعر والشاعر"، ثم مقال قصير يدعو إلى ضرورة الترجمة عن الآداب الأجنبية بعنوان "فلنترجم". .
4- منهجه النقدي:
يتجلى من تعرفنا على العديد من القضايا النقدية التي تناولها ميخائيل نعيمة في كتابه وآرائه الجديدة في هذه القضايا برؤية نقدية صريحة أن المنهج الذي تبناه في هذه الأبحاث والدراسات هو المنهج التأثري فهو يقول " إن لكل ناقد غرباله، ولكل موازينه ومقايسه، وهذه الموازين والمقاييس ليست مسجلة لا في السماء ولا في الأرض، وقوة الناقد هي ما يبطن به سطوره من الإخلاص في النية والمحبة لمنته والغيرة على موضوعه ودقة الذوق ورقة الشعور وتيقظ الفكر ... فالناقد الذي توفرت له مثل هذه الصفات لا يعدم أناسا ينضوون، تحت لوائه ويعملون بمشيئته فيستحبون ما يحب، ويستقبحون ما يقبح، وهو وراء منضدته سلطان تأتمر بأمره وتتمذهب بمذهبه، وتتحلى بحلاه وتتذوق بذوقه ألوف من الناس، إذا طرق سبيلا سلكوه، وإذا صبر نقمته على صنم حطموه، وإذا أقام لهم إلها عبدوه وخروا له، وسبحوه". .
ويضيف ميخائيل نعيمة في نفس مقالته (الغربلة) أن الناقدين طبقات مثل الشعراء والكتاب، فهم يختلفون في العديد من الصفات، ولكن مهما اختلفوا هناك خلة أو صفة مشتركة هي التي تمنحهم صفة الناقد، وهذه الخلة (الصفة أو الخصلة) هي قوة التمييز الفطرية التي تبتدع مقايس لممارسة عملها النقدي . وهذه الخلة إن كانت مشتركة من حيث الوجود إلا أن لكل ناقد قوته الفطرية، فلاتنفعه مقاييس الآخرين، بل لابد أن يعتمد على مقاييسه الخاصة، كذلك من سمات هذه المعايير أنها غير ثابته، وإلا كان في مقدور كل إنسان يستعمل مقاييس ثابتة أن يقوم بالعمل النقدي.
وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا نحتاج إلى النقاد؟. ويجيب نعيمة بأن أذواق أغلب الناس مشوهة تحتاج إلى الصقل والتهذيب ، والذي يقوم بعملية الصقل هو الناقد وهو الرائد الذي سنتبعه، والحادي الذي سنسير على حدوه. .
ومن الواضح أن مثل هذا المنهج النقدي لا يكتفي بالتفسير والتقييم، بل يسعى إلى خلق أدبي مبتكر على نحو ما يؤكده ميخائيل نعيمة في نفس المقال وذلك بقوله "إن الناقد مبدع عندما يرفع النقاب في أثر ينقده، عن جوهر لم يهتد إليه أحد حتى صاحب الأثر نفسه .. ليت شعري هل درى شكسبير يوم خط رواياته وأغانيه أنها ستكون خالدة؟ أم تراه وضعها ليقضي بها حاجة وقتية ظن أنها ماتت بموته؟. إنني من الذين يرجحون الرأي الثاني، لذلك يجلون الناقدين الذي اكتشفوا شكسبير بعد موته إجلالهم للشاعر نفسه، إذ لولاهم ما كان لنا شكسبير. وفي اعتقادي أن الروح التي تتمكن من اللحاق بروح كبيرة في كل نزعاتها وتجوالها، فتسلك مسالكها وتستوحي موحياتها وتصعد وتهبط صعودها وهبوطها لروح كبيرة مثلها. ثم إن الناقد مولد، لأنه فيما ينقد ليس في الواقع إلا كاشفا نفسه، فهو إذا استحسن أمرا لا يستحسنه لأنه حسن في ذاته، بل لأنه ينطبق على آرائه في الحسن. وكذلك إذا استهجن أمرا، فلعدم انطباق ذلك الأمر على مقاييسه الفنية. فللناقد آراؤه في الجمال والحق، وهذه الآراء هي بنات ظروف جهاده الروحي ورصيد حساباته الدائمة مع نفسه تجاه الحياة ومعانيها.
5- القضية المحورية في الكتاب:
لا نستطيع تناول كافة القضايا التي احتواها الكتاب بالتفصيل، لأن البحث سيأخذ حجما أطول، لا مجال لمعالجته في هذا المقام، ولذلك نكتفي بتحليل مقالة من مقالاته النقدية ونتعرف على العناصر والأفكار التي طرحها وأبدى رأيه فيها. ولكن الكتاب كما رأينا يتناول في كتابه قضايا نظرية ومسائل تطبيقية. فالقضايا النظرية يتوخى فيها وضع أصول ونظريات النقد الأدبي ومقاييسه، والقضايا التطبيقية يهتم فيها بتطبيق تلك الأصول والقواعد من خلال الآثار والمؤلفات التي عالجها.
والحق أنه يلزمنا أن نعالج نموذجين في كتابه: أحدهما نظري والآخر تطبيقي، ولكن مثل هذا العمل لا يتأتى لنا أيضا؛ ولهذا نقتصر على نموذج واحد، ويمكن دراسة أثار الكتاب بشكل أكثر اتساعا بالرجوع إليه في ظروف ملائمة.
تبقى القضية موضوع الاختيار للدراسة، هل نختار نموذجا نظريا أم تطبيقيا؟. من الناحية المنهجية يجب أخذ نموذجين معا: نظري وتطبيقي، ولكن إذا كان لا بد من الاختيار بينهما، نفضل اختيار النموذج النظري، أو النقد النظري حتى نتعرف على جملة وظائف الناقد والمقاييس التي يستعملها في نقد الأثر الأدبي. وبطبيعة الحال نختار المقالة ذات الطابع العام من حيث تضمنها قواعد النقد وأصوله، وهذا ما يتوفر في مقالته الغربلة (المقالة الأولى ص 13 – 22.).
إن القضية المحورية التي يتناولها الناقد في هذه المقالة هي غربلة العمل الأدبي، وهذه الغربلة ينهض بها الناقد، ومن ثم فالقضية تتمثل في الوظيفة التي ينهض بها الناقد الأدبي والدور المنوط به في إنارة القارئ في فهم الأثر الأدبي وتذوقه وإثراء مضمونه أو إعطائه معنى جديدا. ومن خلال تحليله لوظيفة الناقد يتطرق إلى الجوانب والأفكار التالية:
1- إن ملكة الناقد وقوته الفطرية هي المنبع أو المصدر الذي تستمد منه الموازين والمعايير النقدية.
2- إن الناقد الأدبي يمارس تأثيره على القراء أو جمهور القراء بفضل الصفات والخصال التي تتميز بها ملكته الفطرية.
3-إن الملكة أو قوة التمييز هي أساس النقد الأدبي، وهي علة المقياس أو المعيار الذي بدونه لا يمكن للناقد أن يتسم بهذه السمة.
4- إن وظيفة الناقد الأدبي لا تتمثل فقط في الكشف عن قيمة الأثر الأدبي، بل لها وظائف أخرى تتجلى في التوجيه والإبداع والتنظير.*.
وهكذا يصل الناقد من خلال مقالته "الغربلة" إلى الهدف الذي ينشده: وهو تحديد وتعيين وظيفة الناقد الجوهرية. فعلى الرغم مـن إلحاحه في ثنايا المقالة على وظيفة التمييز بين الآثار الأدبية الجيدة والرديئة التي ينهض بها الناقد، إلا أنـه يرى أن وظيفة الناقـد لا تقـف عنـد هـذا الحـد : أي وظبفة التمحيص والتثمين والترتيب، بل تتجاوزها إلى الإبـداع
والاكتشاف والتوجيه، لذلك نجده يؤكد على أن الوظبفة الجوهرية للناقد الأدبي تجمع بين التحليل والتفسير والتقييم والإبداع والتوجيه. فمهمة الناقد ليست عملية تحليلية تقييمية فقط، بل هي في جوهرها عملية إبداعية.
6- الإضافات التي قدمها الكتاب للنقد العربي الحديث:
يجب أن نلاحظ في البداية بأن العديد من القضايا النقدية التي عالجها الناقد قديمة وجديدة في آن واحد، هي قديمة من حيث الموضوع، لأن النقد ومقاييسه ووظيفته، على سبيل المثال من القضايا التي تناولها النقاد القدامى، فضلا عن نقاد مدرسة البعث (أو المدرسة الكلاسيكية)، فلا يكاد يخلو منها أي كتاب من كتب النقد العربي القديم أو مرحلة البعث، وهناك نقاد قدامى عديدون تطرقوا إليها كابن سلام الجمحي وابن قتيبة الدينوري والجاحظ والآمدي والجرجاني وابن رشيق وابن الأثير وغيرهم كثيرون؛ غير أن الجديد في القضية يتمثل في نظرة الناقد إلى طبيعة النقد ووظيفته، فهو يرى أن النقد ملكة فطرية قبل كل شيء، وليس مجرد قواعد أو مقاييس تستعمل لتقييم الآثار الأدبية. نعم لا بد للناقد من مقايس يستخدمها في عمله النقدي، ولكن تلك المقاييس لا يستعيرها من غيره، بل يبتدعها هو. والناقد الحق لا يمكنه أن يمتلك مقاييس خاصة به، إذا لم تتوفر لدية الملكة النقدية التي بها يبتدع مقاييسه. فالثقافة والدربة والممارسة تصقل الملكة وتهذبها وتعززها، لكنها لا تخلقها . ويتمثل الجديد الذي أتى به الناقد أيضا في نوعية الوظيفة النقدية، فهو يرى أن هذه الوظيفة في غاية التنوع والثراء، فهي لا تقتصر على التمييز بين الآثار الأدبية وإبراز قيمتها، على الرغم من أنها وظيفة أساسية، بل إن وظيفة الناقد تتجاوز ذلك، إذ أنه يكتشف المواهب الأدبية ويوجه المبدعين إلى تيارات ومناهج أدبية جديدة، ويثري الأعمال الأدبية بتأويلها تأويلا جديدا ...الخ. ومن هنا ينتهي ميخائيل نعيمة إلى ما مؤداه أن الناقد الأدبي ليس متطفلا على الأدب، بل هو "مكتشف ومولد ومبدع، مثلما هو ممحص ومثمن ومرتب" .
ومظاهر التجديد في كتاب الغربال نجدها في كل مقالة دبجها وفي كل قضية طرحها، كانت إضافته التجديدية في اللغة وفي العروض وفي التجربة الذاتية والنفسية وفي كل القضايا التي يعج بها النقد العربي في هذه المرحلة التي تتميز بأنها مرحلة انتقالية أو مزج بين تيارين: تيار البعث والإحياء عند البارودي (أو الكلاسيكية) والتي وصلت إلى أعلى ذروتها عند شوقي، والتيار الرومانسي علي يد جماعة الديوان وأدباء المهجر ثم جماعة "أﭙولو" فيما بعد، هذا التيار كان يشق الطريق ويعبد الأرضية التي يقوم عليها الاتجاه الجديد وهو الاتجاه الرومانسي وقد ناضل ميخائيل نعيمة إلى جانب أنصار هذا التيار نضالا عسيرا يستهدف أولا القضاء على هيمنة الاتجاه الكلاسيكي على الساحة الأدبية ممثلا في عدد من الشعراء على رأسهم أحمد شوقي.
ولذلك نعتبر أن من أهم الجديد الذي أضافه ميخائيل نعيمة إلى التراث الرومانسي في الأدب هو تعزيزه لهذا التيار وفرض وجوده على الساحة الأدبية التي كانت تهيمن عليها مدرسة شوقي وحافظ وغيرهما من الشعراء الكلاسيكيين. وينجم عن هذا، طبيعة المنهج النقدي الذي اتبعه نعيمة في المعارك التي خاضها لتدعيم الاتجاه الرومانسي في الأدب العربي، هذا المنهج النقدي هو المنهج التأثري. وهو من جملة المناهج التي اعتمدت عليها المدرسة الرومانسية في تسييد وجودها، سواء في مرحلة التبشير بها وبتلبيتها لحاجيات المجتمع العربي في تلك الفترة في الشرق وفي المهجر وفي المغرب، أو في مرحلة التمكين لها وتعزيزها على الساحة الأدبية في مختلف أقطار الوطن العربي.
7- خاتمة:
لا يسعنا إلا أن نختم هـذا البحث، بإعادة التأكيد على أهميته وعلى دوره الريـادي إلى جانب كتب "الديوان" للعقـاد
والمـازني، وأنه لـعـب دورا قيـمـا في تـرسـيـخ التيار الرومانسي في الأدب العربي الحديث ليس في الأدب المـهـجري
فحسب، بل في الأدب العربي برمته.
والكتاب يعكس شخصية الأديب الناقد الذي يمكن اعتباره من جيل العمالقة في الأدب العربي الحديث، وينم عن اتجاهه الأدبي والنقدي بصورة صريحة، فمن خلال الكتاب نتعرف على اتجاه الناقد الأدبي، وتبدو شخصيته رزينة، رغم عنفها في بعض المقالات، وهو يصدر آراءه وأحكامه النقدية في تأن وروية، مشفوعة بما يدعمها من حجج وبراهين. وبكل هذه الخصال وبالإضافات التي قدمها إلى النقد العربي الحديث استحق ميخائيل نعيمة أن يكون عملاقا من عمالقة الأدب العربي وعلما من أعلام النقد العربي الحديث.
الأستاذ / علي سعيد
31 أكتوبر 2011
المراجع:
1- أدونيس (علي أحمد سعيد(: الثابت والمتحول، بحث في الاتباع والإبداع عند العرب، الجزء الثالث (صدمة الحداثة)، دار العودة بيروت ط 1 1978.
2- الحبيب محمد علوان: طبيعة التفكير الأدبي لميخائيل نعيمة وعلاقته بالعصر:
عن مجلة الحياة الثقافية العدد 31/ 1984 ص 15 – 21.
3- محمد مندور النقد والنقاد المعاصرون، مكتبة نهضة مصر، بدون تاريخ.
4- ميخائيل نعيمة: الغربال، مؤسسة نوفل، بيروت، لبنان، بدون تاريخ.
5- شوقي ضيف: فصول في الشعر ونقده، دار المعارف بمصر، بدون تاريخ.







قديم 2012-11-24, 22:07   رقم المشاركة : 12
معلومات العضو
you92cef
عضو مميّز
 
إحصائية العضو









you92cef غير متواجد حالياً


افتراضي

نقلا عن الموقع السابق







قديم 2012-11-25, 18:18   رقم المشاركة : 13
معلومات العضو
سطايفية بكل فخر
عضو ذهبي
 
العضو المميز لسنة 2013 المرتبة الاولى مميزي منتدى عالم الرياضة 
إحصائية العضو









سطايفية بكل فخر غير متواجد حالياً


افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة you92cef مشاهدة المشاركة
نقلا عن الموقع السابق
بارك الله بك وجعلها في ميزان حسناتك






 

الكلمات الدلالية (Tags)
مسآآآعدة

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 16:59

المشاركات المنشورة تعبر عن وجهة نظر صاحبها فقط، ولا تُعبّر بأي شكل من الأشكال عن وجهة نظر إدارة المنتدى
المنتدى غير مسؤول عن أي إتفاق تجاري بين الأعضاء... فعلى الجميع تحمّل المسؤولية


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
2006-2013 © www.djelfa.info جميع الحقوق محفوظة - الجلفة إنفو (خ. ب. س)
Protected by CBACK.de CrackerTracker