منتدى الثّقافة العامّة - المغالطات الأنثروبولوجية في دراسة الدين، إعداد: بوودن دحمان. - منتديات الجلفة لكل الجزائريين و العرب

العودة   منتديات الجلفة لكل الجزائريين و العرب > منتديات الثقافة و الأدب > منتدى الثّقافة العامّة

منتدى الثّقافة العامّة كل مايتعلق بالعلوم و المعرفة في شتى مجالات الحياة...


في حال وجود أي مواضيع أو ردود مُخالفة من قبل الأعضاء، يُرجى الإبلاغ عنها فورًا باستخدام أيقونة تقرير عن مشاركة سيئة ( تقرير عن مشاركة سيئة )، و الموجودة أسفل كل مشاركة .

آخر المواضيع

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 2017-07-14, 14:56   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
بوودن دحمان
عضو جديد
 
إحصائية العضو










افتراضي المغالطات الأنثروبولوجية في دراسة الدين، إعداد: بوودن دحمان.

المغالطات الأنثروبولوجية في دراسة الدين
إعداد: بوودن دحمان
الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه، وبعد:
لقد حاول علماء الانثروبولوجيا دراسة الإنسان من جميع جوانبه، وقد أخذ الجانب الديني النصيب الأوفر من تلك الدراسة، وبخاصة تلك المسألة التي تتعلق بأصل الدين: هل هو من وحي الإله أم هو من اختراع البشر؟ وبالرغم من اختلاف أنصار القول الثاني في مقدماتهم، إلاّ أنّ نتائج أبحاثهم كلها تنصّ على أنّ الحياة الدينية كانتفي بداية الأمر ساذجة سذاجة الإنسان البدائي(؟!) فقد كانت تقوم -بزعمهم- على الخرافة و تعدد الآلهة، ثم ما فتئت تتطور شيئا فشيئا حتى توصل الإنسان إلى معرفة التوحيدوعبادة الإله الواحد، و سأحاول بتوفيق الله من خلال هذه الأسطر الموجزة تقديم نقد داخلي و خارجي على تلك الترّهات، التي في الحقيقة يُغني بطلانها عن إبطالها وفسادها عن إفسادها.
ذهب أصحاب النظرية الطبيعية إلى القول بأنّ بداية الدين تعود إلى تلك الظواهر الطبيعية الباهرة والمخيفة-كالكسوف والزلازل والبراكين والرعد وغير ذلك- فقد كان الإنسان البدائي يجهل سبب حدوثها، فأورثه ذلك خوفا من الطبيعة وظواهرها، ولذلك قَصَدَ استرحامها بألوان من العبادات والطقوس، وهكذا كانت بداية الدين بحسب هذه النظرية و الرد عليها من وجوه، نقول: حتى لو كانت تلك الظواهر جدّ مخيفة، فإنّ علماء النفس يؤكدون أنّ الشيء المخيف يصير مع الوقت أمرا عاديا -شهد شاهد من أهلها- ثم أليس يوجد في الطبيعة إلاّ ما يخيف؟! ألا يوجد في الطبيعة من الظواهر ما يدعو إلى الإيمان ويبعث الأمان إلى النفس؟ بلى يوجد الكثير ولكن الملحد ينظر بعين واحدة عوراء...وأمّا دعوى جهل الإنسان البدائي بتلك الظواهر هو السبب الذي دعاه إلى عبادتها، هي دعوى يكذبها الواقع، فنحن اليوم نعرف سبب حدوثها بل ونتنبأ بها، ومع ذلك يفرض الدين وجوده أكثر من أي وقت مضى، ومن جهة أخرى: إذا كان الإنسان البدائي عبد عناصر الطبيعة العظيمة لانبهاره بها، فلماذا إذا عبد حقائر الأشياء كالأحجار والحشرات؟! فكل هاته التساؤلات كافية للحٌكم على هذه النظرية بأنّها متناقضة في مضمونها.
وأمّا دوركايم مؤسس النظرية الطوطمية فيقول أنّ الدين في نشأته يعود إلى تلك الاجتماعات التي يقوم بها أهل قبيلة ما حول رمزا ماديًا يدعونه "الطوطم" وتظهر الحياة الدينية خصيصا في تلك الرقصات الصاخبة إلى درجة اللاوعي، مستدلاً بذلك على حلول الإله في الشخص! لكن الدراسة التحليلية للنظام الطوطمي أثبتت بأنّه نظام سياسي، اقتصادي... غايته الحفاظ على روح القبيلة ووحدتها، وأمّا الدين فلا أثر له هنالك، ناهيك عن القيم الأخلاقية، ثم إنّ الدين حاجة فطرية قبل أن يكون ضرورة اجتماعية، فكيف هو إذًا دين الرجل الأول قبل أن تتكون تلك المجتمعات؟ وإذا كان الدين وليد تلك الاجتماعات القبلية حقا، فكيف نفسر تلك العبادات الفردية في هذه الأديان القديمة والحديثة على حد تعبيرهم؟ إنّ اقتصار دوركايم في دراسته هاته على بعض القبائل الأسترالية ثم تعميم نتائجه على كل أمم الأرض، تعتبر دراسة عرجاء ليس لها قدم تقوم عليه ولا جناح تطير به.
وأما النظرية الروحانية فترى أنّ أساس نشأة الدين هو عبادة الأرواح، فتعاقب النوم واليقظة أثبت وجود الروح وخلودها، حيث أنّ الإنسان يرى في منامه أناسا ماتوا منذ أمد بعيد، ولما كان الموت هو الذي يفصل الروح عن الجسد، كان ذلك الجسد المدفون في قبر ما موضع تقديس، تذبح عليه القرابين وتؤدى فيه الطقوس والشعائر، وهكذا ظهر الدين في صورة عبادة الأسلاف! ويكفي للرد على هذا الزعم الباطل أن نقول: لماذا إذًا وجدت قبورا لم تُعبد؟! أليس الواجب على قانون هذه النظرية أن تُعبد كل القبور ما دام لكل إنسان روح؟ ثم إنّ تجربة الأحلام في حد ذاتها غير كافية للتدليل على وجود الأرواح المقدسة، وذلك لما يعتري الأحلام من الأضغاث والفوضى، فقد يرى المرء في منامه شيء يخيفه، ثم يراه في اليوم التالي على حال يسخر منه، الأمر الذي يتنافى ابتداءً مع مفهوم الدين، الذي يقتضي وجود علاقة خضوع بين الدَّائن والمدين له.
ولو ألقينا نظرة خارجية على هذه النظريات التطورية للدين، لعلمنا يقينًا أنّ مكمن الخطأ فيها واقع أساسًا من حيث المنهج المتبع، وهو الاعتماد على التاريخ الافتراضي، وذلك أنّ الإنسان الأوروبي لما تطوّر ماديًا و بَدَأَ في تحقيق شيء من القُدرة على التحرك من موطنه إلى أماكن مُوغلة في البُعد، تعرّف على شعوب متخلّفة وبدائية، فطرأت عليه فكرة مفادها أنّه عند دراسة هؤلاء الأقوام ربّما كان بإمكاننا تتبع ما كان عليه أسلافنا في المراحل التاريخية القديمة، ومن هذا المنطلق حاول علماء الانثروبولوجيا رسم سلم التطور للمجتمعات الإنسانية من أوطأ درجاته، وذلك باعتبار المجتمعات البدائية المعاصرة أولى تلك الدرجات، ثم تعاملوا معها على أنّها نوع من المتحجرات الاجتماعية، بمعنى أنها نسخة مُجمّدة لما كانت عليه حالة الأسلاف، وعليه فَفَهم هذه المجتمعات البدائية المعاصرة -كتلك التي تكون في الأدغال والأرياف- يؤول بنا في النهاية إلى فَهم ما كان عليه الأسلاف، إذًا فالمطلوب الآن هو فهم الحالات الأكثر بساطة، حتى تكون المادة الأولية لتتبع مسار تطور مفهوم البشرية للدين، وهذا ليس بصحيح، لأنّ اعتبار المجتمعات البدائية المعاصرة على أنها نسخة مجمدة لما كانت عليه حالة الأسلاف، يعتبر تناقضًا مع الواقع، خاصة مع القول بتعاقب الحضارات، لأنّه لا أحد يجزم أنّ تلك الديانات القديمة كالسومرية والبابلية هي ديانات أصيلة لم يطرأ عليها أي تغيير وتبديل -كما هو الشأن في اليهودية والنصرانية- فالتاريخ لم يحفظ لنا أنّ حضارة من الحضارات دامت لآلاف السنين واستطاعت رغم ذلك الحفاظ على هويتها من غير تأثر بالحضارات الخارجية.
ورغم ذلك المجهود الذي قام به بعض الرحّالة في سبيل اكتشاف مجموعات إنسانيّة ليست لديها أيّة مفاهيم دينية، إلاّ أنّ مفهوم الإيمان بقوى فوق الطبيعة ووجود تصورات ميثالوجية حول خلق الكون كانت موجودة بصورة أو بأخرى في كل المجتمعات البشريّة، حتى في تلك المجتمعات الأكثر بساطة، مثل قارة أستراليا التي تشكِّل المهاد الأساس لدراسة الديانات في أشكالها الأولية، فالآثار تدلّ على أصالة الفكرة الدينية وقدمها قدم الإنسان، فقد تخلو القرى الآثارية من المسارح والقصور والأسواق...لكنها لا تخلو أبدا من المعابد، وبالتالي فلا يوجد أي تبرير منطقي للقول بأنّ هذه الديانة أقدم من تلك، ليس هذا فحسب، بل إنّ الآثار تدلّ على اشتراك المجتمعات المتباعدة جغرافيا في العديد من المعتقدات، كالإيمان بالملائكة وقصة الطوفان وخلق الإنسان من تراب والبعث بعد الموت..وهذا يدلّ على أنّه كان في تلك المجتمعات المتباعدة أنبياء يبلغون رسالة الله إلى الخلق، لأنّ لب الرسالات واحد وإنما الاختلاف يكمن في الشرائع كما هو معلوم. ومن أكبر المغالطات الأنثروبولوجية في دراسة الدين، القول بأنّ المجتمعات المتخلفة تقنياً لابد أن تكون نظمها الاجتماعية والدينية بدائية مثل تقنياتها،إلاّ أنّ العديد من علماء الانثروبولوجيا أثبتوا نقيض ذلك، فقد وجدوا أنّ كثيراً من نُظُم وأَنساق المجتمع البدائي كانت متطورة جدا -كنظم الإدارة والفن والحريات الفردية وغير ذلك- وفي المقابل فإنّ الواقع اليوم يشهد بوجود فريق من الناس يعيش حياة مادية جدّ راقية، ومع ذلك يعتقد أمورا ساذجة ويعبد أشياء تافهة -كالأبقار والفئران-ولهذا فإنّ قياس التطور الديني -من التعدد الساذج إلى التوحيد المعقول- بالتطور المادي -من عصر المغارات إلى عصر القصور الشامخة- يعتبرقياس مع الفارق، بل هو قياس فاسد لعَدم وجود طبيعة مشتركة بينهما.
وأمّا محاولة الوصول إلى الحقيقة المطلقة حول بداية الدين عن طريق الحفريات وفكّ الرموز الموجودة على القبور والجدران، هي أيضا إحدى المغالطات المنهجية في دراسة الدين، لأنّ الدين أو المعتقد ليس شيئاً حسياً نستطيع وصفه، بل هو شيء يُعرف بما يُعبّر عنه صاحب المعتقد أو بما نفهمه من صاحب المعتقد نفسه، فهو لا يُعرف إلا من خلال الكلمات والسلوكيات التي تدلّ عليه، ولهذا فإنّ تلك المعلومات التي تحصلوا عليها بتلك الطريقة هي في الحقيقة إلى الوهم والظن أقرب منها إلى العلم واليقين، ومن جهة أخرى فإنّ ميلاد الكتابة بكل أشكالها حديث جدًا بالنسبة إلى عمر الإنسان، وعليه فإنّ الإشكال لا يزال يطرح نفسه: كيف هو دين الرجل الأول قبل ظهور الكتابة بآلاف السنين؟ إنّ الإنسان وبكل ما توصل إليه من تقنيات المعرفة يقف عاجزا عن تقديم إجابة شافية لهذا السؤال، لأنّ هذا المجال الزمني ينتمي إلىحيز الغيب الذي لا يُعلم إلاّ عن طريق الوحي، وممّا يدلّ على تخليط القوم، أنهم جعلوا "اخناتون" مكتشفا للتوحيد، وذلك لأنّه قام بتحطيم كل الآلهة التي كانت بمصر القديمة إلاّ الإله "آتون" فقد أبقى عليه وجعله أكبر الآلهة هنالك، والحق أنّ الحامل له على هذا هو الحفاظ على أمن مصر ووحدتها باعتباره حاكمًا للبلاد، ثم إنّ صنيعه هذا لا يُخرجه من دائرة الشرك قيد أُنملة، فضلاً على أنّ إمام الموحدين إبراهيم قد سبق اخناتون بآلاف السنين.
وفي الختام أقول: إنّ البحث في هذا الموضوع لا يستقيم إلاّ بعد التسليم بوجود خالق حكيم لهذا الإنسان، وهو أمر ثابت بالضرورة العقلية، ويترتب عليه نتيجة منطقية مفادها أنّ الله لم يخلق الإنسان سُدىً ولم يتركه هملاً، بل أرسل إليه الرسل وأنزل عليه الكتب ليُجيبه على كل تلك التساؤلات التي تُناشد غريزته: من أوجدني؟ ماذا يريد مني؟ ماذا ينتظرني بعد الموت؟... ولهذا فقد جاء الدين الحقّ بالتوحيد الخالص الموافق للفطرة، كما قال تعالى"فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ"-الروم: 30- وأمّا تلك الشركيات والوثنيات التي اعتبرها علماء الانثروبولوجيا بداية الدين وأصله، ما هي في الحقيقة إلاّ أعراض طارئة على التوحيد، كان سببها غواية إبليس اللعين الذي ساعده على ذلك جهل الناس وإعراضهم عن الوحي الإلهي، وقد استخدم علماء الانثروبولوجيا هذه الأعراض من أجل تثبيت نظرياتهم، لكنها لم تكن نظريات مليئة بالمغالطات فحسب، بل لقد كانت انتقائية تماماً،وذلك لأنّ الرواد الأوائل لهذا العلم في أوروبا كانوا مدفوعين بدافع البحث عن بدائل للانهيارات في المؤسسات الدينية بسبب الثورة الصناعية والثورة السياسية التي حصلت منذ منتصف القرن الثامن عشر، فكانوا كأنهم يبحثون عن علم أخلاق بديل للأخلاق التي كانت تفرضها المنظومات الدينية، ولو أنهم توجهوا لدراسة الدين الإسلامي بعناية وحسن قصد، لَقَادهم ذلك إلى امتلاك تصورات صحيحة عن الكون والحياة، والحمد لله أن هدانا لدين الإسلام العظيم واتباع هدي سيد المرسلين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثره إلى يوم الدين.







 

رد مع اقتباس
مساحة إعلانية

قديم 2017-07-16, 01:30   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
Yakuzaishi
عضو مشارك
 
إحصائية العضو










افتراضي

شكرا على الموضوع







رد مع اقتباس
قديم 2017-07-16, 19:18   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
بوودن دحمان
عضو جديد
 
إحصائية العضو










افتراضي

العفو أخي.







رد مع اقتباس
قديم 2017-08-01, 00:32   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
mehdi_mascara
عضو مميّز
 
إحصائية العضو










افتراضي

رائع رائع جدا أخي في الله ، وددت لو أن الموضوع لا ينتهي ، لكن لكل شي نهاية للأسف ،
إستمتعت بالقراءة ، بارك الله فيك







رد مع اقتباس
قديم 2017-08-01, 19:52   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
بوودن دحمان
عضو جديد
 
إحصائية العضو










افتراضي

وفيك بارك الله أخي مهدي







رد مع اقتباس
قديم 2017-10-14, 22:26   رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
amine 82
عضو نشيط
 
إحصائية العضو










افتراضي

بارك الله فيك وشكرا







رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 00:35

المشاركات المنشورة تعبر عن وجهة نظر صاحبها فقط، ولا تُعبّر بأي شكل من الأشكال عن وجهة نظر إدارة المنتدى
المنتدى غير مسؤول عن أي إتفاق تجاري بين الأعضاء... فعلى الجميع تحمّل المسؤولية


2006-2017 © www.djelfa.info جميع الحقوق محفوظة - الجلفة إنفو (خ. ب. س)

Powered by vBulletin .Copyright © 2016 vBulletin Solutions, Inc