المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : *«•¨*•.¸¸.»منتدى طلبة اللغة العربية و آدابها «•¨*•.¸¸.»*


الصفحات : 1 [2]

**د لا ل**
2013-03-11, 16:37
♥♥♥♪♥♥♥
شكرا جزيلا
اتعبتك معي :(
اسفة
جزاك الله خيرا
♥♥♥♪♥♥♥


لا شكر على واجب اختي

ربي يوفقك ان شاء الله

**د لا ل**
2013-03-11, 16:38
شكرا على مجهوداتك اخت دلال بارك الله فيك


وفيك بارك الله اخي

**د لا ل**
2013-03-11, 17:10
المعارضات الشعرية


المعارضات الشعرية هي القصائد الشعرية التي قالها شعراء ثم عارضها غيرهم والمعارضة تعني القول مثلها وفي اللغة عرض\ ظهر، وعارضه\سار حياله، أو أتى بمثل ما أتى به. وعارض الكتاب بالكتاب اي قابله. وقد جاء في معجم لسان العرب أن المعارضة هي المحاذاة.
وجاء في مختار الصحاح عارضه في المسير أي سار حياله وعارضه بمثل ما صنع أي اتى اليه بمثل ما اتى

و(اصطلاحا) هي تلك القصائد التي قالها الشعراء فقال مثلها غيرهم معارضة لقصائدهم أي يقول الشاعر قصيدة في موضوع ما، فيأتي شاعر آخر،فينظم قصيدة أخرى على غرارها، محاكياً القصيدة الأولى في وزنها، وقافيتها،وموضوعها مع اظهار القدرة على التفوق عليها من حيث اللغة والاسلوب والمعنى وانتقاء الصور البلاغية وما اليها من امور التفوق

و تقتضي المعارضة وجود حدث فني او نموذج شعري ماثلا أمام المعارض ليقتدي به، ويحاكيه، أو يحاول تجاوزه او الاتيان بافضل منه على نفس النسق أي ضمن القافية الواحدة والروي الواحد والبحر الواحد واقول انما هي نوع من المباريات الشعرية التي قد تجري بين الشعراء، مع العلم انها تختلف عن التقليد فهي نوع من إثبات الذات والمقدرةعلى الإبداع الشعري وتبدأ بنظم شاعر معين قصيدة رائعة فيأتي شاعر آخر يعارضها بنفس وزن هذه القصيدة وموسيقاها الشعرية وبنفس قافيتها وذلك لعدة اسباب منها الإبداع داخل هذا النوع اذ ان هذا الشاعر أعجبه ذلك مثلا فرغب ان يكتب مثل هذه القصيدة التي اعجبته او لنقض معاني هذه القصيدة وأفكارها حيث ان الشاعر ربما يتبنى وجهة نظر مضادة، لكنه إمعانًا منه في التحدي يلزم نفسه أن يبدع في نفس القالب الشعري الذي التزمه الشاعر الأول، فيلتزم نفس الوزن والبحر والقافية او الموسيقى الشعرية كما يسمونها حديثا
تختلف قصائد المعا رضات عن النقائض حيث ان النقائض فن جديد في الشعر العربي وربما يتعبره اخرون امتدادا لشعر الهجاء في الجاهلية وصدر الاسلام الا انه في الواقع اتخذ طابعا جديدا فالنقائض قصائد في منتهى القوة والبلاغة والعاطفة الشعرية تمتاز بطولها وقد قالها فحول شعراء العربية في العصر الاموي في الرد على الخصم فيها او الرد على قصيدة الخصم بحيث ينقضون ما فيها من مدح ويحولونه الى ذم والفخر الى هجاء ويظهر كل منهم مثالب الاخر ومعايبه وقومه وينسبون الفخر والمدح الى انفسهم اوالى قومهم ومن اليهم
و ان النقائض زادت من حدة الخلاف وشدة النزاع الحزبي والقبلي بين الاطراف المتنازعة حيث ذهب الشعراء في البحث عن مثالب بعضهم البعض ومثالب اقوامهم واللهاث وراء معرفة كل مثلبة في الشاعر اوفي قومه وعشيرته في الماضي او في الحاضر الا ا نها رسمت صورة لحياة الشعراء واحداث عصرهم فكانت مصدرا مهما من مصادر تاريخ العصر الجاهلي فهي نبش في التاريخ وراء الاحداث وما تمخض عنها من نوازع وامور تهم هذا الطرف او ذاك انها البحث في التاريخ للقبائل العربية ومعرفة مفاخرها ومثالبها للفخر بها او الطعن فيها

المعارضات الشعرية يرجع تاريخ ابداعها إلى فترة صدر الا سلام مثل (قصيدة البردة ) لكعب بن زهير بن ابي سلمى في مدح النبي محمد صلى الله عليه وسلم والتي مطلعها \
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول
متيم اثرها لم يفد يفد مكبول
تلك التي نالت إعجاب الشعراء كثيراً فأكثروا من معارضتها
اما في العصر الاموي فان المعارضات لم تكن قد عرفت بعد باستثناء حالة بين الشا عرجميل بن معمر، والشاعر عمربن أبي ربيعة، فقد قال جميل بثينة:
عرفت مصيف الحي والمتربعا
كما خطّتِ الكفُّ الكتابَ المرجعا

فقال عمر بن أبي ربيعة معارضا

ألم تسألِ الأطلالَ والمتربعا
ببطنِ حليات دوارس بلقعا.

فقد جاءت الألفاظ في قصيدة عمر بن ابي ربيعة شبيهة بمفردات قصيدة جميل التي تمت معارضتها ، وهذا لا ينقص من قدر القصيدة الثانية. والقصيدتان تعارضان قصيدة الصّمّةالقشيري التي يقول في مطلعها \
حَنَنْتَ إلى ريّاونفسُكَ باعَدَتْ
مزارَكَ من ريّا وشعباكمامعا

وقيل أن عمر بن أبي ربيعة قد تأثر بشعر جميل بن معمر فأبدى إعجابهبرائيته التي يقول فيها \
أغاد أخي من آل سلمى فمبكر؟
أبن لي أغاد أنت أم متهجر

فعارضها عمربقصيدة رائية ايضا تحاكيها روعة وجمالا من نفس الوزن والقافية ومنهاقوله
أمِنْ آلِ نُعْم أنتَ غادٍفمبكرُ
غداةَ غدٍ أم رائحٌ فمهجّرُ

وفي العصرالعباسي فقد وجدت حالات فردية ايضا تأثر فيها الشعراء بقصائد فحاكوها اونسجوا على منوالها من ذلك قصيدة ابي نؤاس التي يقول فيها \

يا ريم هاتِ الدواةَوالقلما
أكتب شوقي إلى الذي ظلما

فقد عارضه الشاعرالخراز بقصيدة التزم فيها ذات الموضوع والوزن والقافية وحركة الروي يقول فيها \
إن باح قلبي فطالما كتما
ما باح حتى جفاهُ مَنْ ظلما

ولم تكثر المعارضات في الشعر العباسي الاانه لايخلو من نماذج منها
فلما قال أبو تمام قصيدته الرائعةالتي مطلعها \

السيفُ أصدقُ أنباءً من الكتب
في حدّه الحدُّ بين الجدّ واللعبِ

عارضهالشاعر القيسراني بقصيدة مماثلة مطلعها

هذي العزائمُ لا ما تدعي القُضُبُ
وذي المكارمُ لا ما قالت الكتبُ.


أما المتنبي فقد عارضه الكثير من الشعراء حيث انه (مالئ الدنيا وشاغل الناس). كما قيل فيه وهل من شاعر بعد المتنبي فكل الشعراء عيال عليه فعندما قال قصيدته في مدح سيف الدولة \

على قَدْرِ أهلِ العزم تأتي العزائمُ
وتأتي على قدر الكرامِ المكارمُ.

عارضها ابن زريك بقصيدته التي مطلعها

ألا هكذا في الله تمضي العزائمُ
وتقضي لدى الحرب السيوفُ الصوارمُ

و عارضه الشاعرر القائد أسامة بن منقذ بقصيدة مطلعها

لك الفضل من دون الورى والأكارم
فمَنْ حاتمٌ؟ ما نال ذا الفخر حاتمُ

-وعندما قال المتنبي قصيدته الاخرى التي يمدح بها سيف الدولة، ومطلعها ايضا
أعلى الممالك ما يُبنى على الأسَلِ
والطعنُ عند محبيهن كالقبلِ

عارضه الشاعر عبيد الله الموصلي بقصيدة مطلعها

ظبا المواضي وأطراف القنا الذبل
ضوامنٌ لك ما جازوه من نفل

-وعندما قال المتنبي قصيدته في تفضيل الاعرابيات على بنات الحضر او بنات المدن او الحضريات التي مطلعها

بأبي الشموس الجانحات غواربا
اللابسات من الحرير جلاببا

عارضه الشاعر صفي الدين الحلِّي بقصيدة مطلعها

أسبلن من فوق النهود ذوائباً
فجعلن حباتِ القلوب ذوائبا


وكذلك قصيدة البوصيري في مدح الحبيب المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم وقد عارضها كثيرون بعده
ويعد هذا الفن إحياء للفن العربي ولتراث الشعراء السابقين في كل زمان ومكان، حيث نشطت فيه حركة الشعر العربي مما ادى الى ان تشد هذه المعارضات الشعرية ماضي الشعر العربي بحاضره وربما بمستقبله في حالة وجود شعراء يتبعون هذا النسق من القصائد العربية

و أن المعارضات وجدت ايضا في الشعر العربي الأندلسيّ ، عندما شعر الأندلسيون أنهم أقل من الشعراء العرب في الشرق علماً في علم الشعر فقام كثير من شعراء الأندلس بمعارضة قصائد مشهورة لشعراءفي شرق البلاد الاسلامية كما تلقبوا بألقاب كبار شعراء الشرق العربي ، فلقّب ابن درّاج القسطلي بـ ( متنبي الأندلس ) ، لكثرة معارضاته للمتنبي ، ولقّب ابن زيدون بـ ( بحتري الأندلس ) ؛ لكثرة معارضاته للبحتري.الأندلس من ذلك معارضة أبي بكر الأشبوني لرائية أبي فراس الحمداني التيمطلعها:
أراك عصيّ الدمع شيمتك الصبرُ
أما للهوى نهيٌ عليك ولا أمرُ؟

فقال الأشبوني:
وليل كهمّ العاشقين قميصُهُ
ركبتُ دياجيه ومركبُهُ وعْرُ.

ومعارضة ابن دراج القسطلي لأبي نواس التي يمدح فيها الخصيب،ومطلعها:

أجارةُ بيتينا أبوك غيورُ
وميسورُ ما يُرجى لديك عسيرُ

فعارضه ابن درّ ا ج بقصيدة يمدحفيها المنصور بن أبي عامر، مطلعها:

ألم تعلمي أنّ الثواءَ هو الثرى
وأنّ بيوتَ العاجزين قبورُ

وعارض أبو الحسن البغدادي الملقب الفكيك مسلم بن الوليد في قصيدته التي قالها في مدح الرشيد والتي فيها:

أديرا عليّ الكأسَ لاتشربا قبلي
ولا تطلبا عند قاتلتي ذحلي

فقالابو الحسن معارضا:

لأية حال عن سُنّةِالعدل
ولم أصغ يوما في هواك إلى العذل

كما عارضها محمد بن عبد ربه صاحب العقد الفريد بقوله:

أتقتلني ظلماً وتجحدني قتلي
وقد قام من عينيك لي شاهد عدل

-وعارض أبوبكر بن نصر الإشبيلي أبا تمام في رائيته التي يمدح فيها المعتصم والتيمطلعها:

رقّتْ حواشي الدهر فهي تمرمرُ
وغدا الثرى في حليه يتكسّرُ

فقال ابو بكر الإشبيلي:

انظرْ نسيمَ الزهر رقّ فوجههُ
لك عن أسرّته السرية يُسفرُ

وقد عارض الشاعر محمود سامي البارودي عظماء شعراء العربية لمقدرته الفائقة على مجاراتهم وقدرته على الخلق والابداع
يعتبر الشاعر الكبير أمير الشعراء أحمد شوقي المتصدر في شعر المعارضات في العصر الحديث ؛ لأنّ قصائده كانت بعثاً وإحياءً لقصائد البحتري في الوصف ، والمتنبي ، وأبي تمام في الحماسة ، والبوصيري في المدائح النبويَّة ، وابن زيدون في الغزل ؛ فحققت معارضاته إنجازاً وقوةً وإبداعاً له.

بقلم فالح الحجية

**د لا ل**
2013-03-11, 17:13
القناع والتناص في النص الشعري

تعدُّ ظاهرة التناص أحد تجليات النص الشعري الإبداعي الجديد الذي يتسم بخاصيّة انفتاحه على نصوص أخرى، لاسيما التراثيّة منها. فهو يتميز عن الأشكال الشعريّة السابقة بكونه نصاً مخترقاً وقابلاً لاحتضان نصوص أخرى.
إن بروز ظاهرة التناص في قصائد الاستدعاء عموماً، يعدٌّ من أبرز تجليات قصيدة القناع ومن أهم خصائصها، لأن قصيدة القناع تقوم أساساً على تعدد الاستدعاء، وتنفتح انفتاحاً معقداً على مجالات التناص العميقة. وتتضح مظاهر هذا الانفتاح خلال مستويات النص المقنّع. ويؤكد ذلك استدعاء الشاعر النص التراثي والتاريخى والأسطوري، لكي يستلهم أهم علاماته وإشاراته ودلالته التاريخيّة والاجتماعية. فالشاعر يحيل هذه الدلالات إلى تجربته المعاصرة، ولكن في إطار عمليّة تفاعل مع دلالاته المعاصرة. والشاعر هنا يسعى إلى إنتاج تجربة جديدة، يصورها القناع من خلال هذا التداخل النصي. إن الغياب التراثي يدخل طرفاً رئيساً في صياغة هذه التجربة الجديدة، ويبحث الشاعر من خلالها عن مغامرة إبداعية للغة الشعريّة، كما يبحث عن شكل جديد للتعبير يحيل هذا الارتياد المتداخل -وهو يصل إلى أعلى درجاته- إلى إتمام أرقى مجالات التناص. ويؤدي هذا الأمر إلى قيام بنية جديدة تقوم على أنقاض العلاقة الحميمة بين نصين مختلفين، هما: النص التراثي، والنص المعاصر.
ومهما بدت بعض مجالات المقاربة في التناص واضحة في قصيدتي القناع والاستدعاء العادي، فإن القناع لا يعكس التناص من حيث هو تناص؛ لأنه يقوم على علاقة تداخل وتفاعل بين نصيّن أو أكثر، يوضح هذه العلاقة في كل نسق من أنساق البنية الشعرية للنص، خفاءً وتجلياً. إن أثر التناص في قصيدة القناع محوري، يثبت حضوره في بناء النص كله، ويظهر في كلِّ جزء من أجزائه، حيث يمارس توتراته الداخليّة العميقة في كل سياقات النص، ويبرز بين بنية وبنية أخرى في القصيدة الواحدة. هذه التوترات الناتجة عن استخدام لغة الغياب، تؤدي إلى توليد مستمر للشاعريّة في النص المقنّع، وإلى تدفقها في سياقاته المختلفة.
وتبدو علامات المفارقة الأخرى واضحة. ففي حين نجد التناص في قصيدة القناع بناءً كلياً متجسداً فيها، فهو في قصيدة الاستدعاء العاديّة يمكن تحديد تضاريسه في جزء أو أجزاء محددة من بناء القصيدة. كما يمكن إدراك الاقتباسات والإحالات، وإدراك انتسابها إلى الشخصيّة التراثيّة المخاطبة في النص، حين يتوجه الشاعر بالحديث عن هذه الشخصية، أو إليها بتحوير مسرودها الشعري أو النثري أو القرآني في سياق من سياقات النص. وعلى الرغم من أن وجود هذه الاقتباسات والإحالات الجديدة في النص يلغي ارتباطاتها بنصوصها بكون تحولها إلى جزء لا يتجزأ من النص الجديد، فإنها تستقر -مع ذلك- في مستوى من مستويات النص، يسهل تعيينها فيه، ويمكن تحديد انتماء هذه المسرودات المحوّرة للشخصيّة. في حين يتحقق التناص في قصيدة القناع في بناء النص المتكامل، محقـقـاً اختراقـاً وحضوراً في كل مستويات النص، متداخلاً ومتفاعلاً من بداية النص حتى نهايته، فهو وجود يصعب معه التكهّن بانتماء الإحالات والاقتباسات والأفكار المحورة إلى الشخصيّة التراثيّة أو إلى شخصيّة الشاعر؛ لأن الشخصّية الموجودة في النص لا تعكس شخصيّة الشاعر أو الشخصيّة التراثية، بل هي شخصية القناع؛ وعليه فإن هذه الإشارات والإحالات والتحويرات، إنما تنتسب إلى القناع وحده. فإذا كان القناع ينهي علاقته بالشاعر وبالشخصيّة التراثيّة، ويترجم عن نفسه، وكذلك النص الذي لا يمثل النص التراثي، أو النص المعاصر قبل تداخله معه، فإن التناص في قصيدة القناع لا يمثّل إلا القناع، لأنه يلغي انتماء النص للنصوص السابقة، ليدخل مع القناع في النص المقنّع في شبكة جديدة من العلاقات، تؤدي وظائف جديدة، ولا تكشف عن سلالات انحداراته في نصوص أخرى إلا بالقراءة النصيّة الفاحصة.
إذن، تتسم قصيدة القناع بكونها تنهج تداخلاً متناغماً، ينفي تشكلها من نص واحد، وهي علامة تميزها عن غيرها من القصائد الأخرى، لأنها قصيدة لا تقوم إلا على التناص، ولا تنبني إلا تحت ظلال نص آخر أو نصوص أخرى، ولا يمكن أن نقتفي أثرها إلا من خلال تفاعلها مع آثار نصوص أخرى. فالتداخل الحادث بين الشاعر وشخصيته التراثيّة يصل بالتناص إلى حالة التماهي، ويصل بالتناص إلى أعلى درجاته، بحيث لا يمكن له أن يتم إلا بالانفصال الجذري، والتنكر التام للأصول السابقة المتداخلة؛ لأن أي انجذاب للنص التراثي المستدعى إلى أصوله قد يفقده خاصيّة الذوبان والانصهار مع التجربة المعاصرة، ويعوق انتقاله إلى مستوى التماهي معها، مما يفقد قصيدة القناع أهم شروطها الرئيسة. فإذا كان قيام التناص في الشعر عموماً يلغي التراث ويقضي عليه، فإن التناص في قصيدة القناع لا يترك أثراً مستقلاً لوجوده، ولا يُظهر دلائل تؤكد انتماءه لغير النص المقنّع، وتقرّبنا كلُّ استدلالات التعرف عليه إلى انتمائه إلى قصيدة القناع نفسها، وإلى القناع ذاته.
ولا يقف التناص في قصيدة القناع عند تلك الحدود التي عرفتها قصيدة الاستدعاء العادية، أو عند تلك الحدود التي عرفناها سابقاً في قصيدة القناع، بل ينطوي على تناص في الوعي والمواقف والرؤى والدلالات، وهو تناص يتعلق بالمعرفة الإنسانية وبالثقافة التراثية والمعاصرة، حيث تبدو الشخصيّة التراثيّة في قصيدة القناع، كأنها نصٌ سيميوطيقى مليء بالعلامات والإشارات المعرفيّة والثقافيّة والاجتماعيّة التي تلخص الخبرة والوجود الإنساني لتعيد صياغتها بتداخلها مع علامات الشاعر المعاصرة ودلالاته، في عمليّة يسهم التناص فيها بإعادة إنتاج هذه النصوص بكل ما تنطوي عليه من وعي ومعرفة وثقافة وتصورات، تتجمع في نص واحد مغاير، ينطوي على كل هذه السمات، تلك التي لا تصور انتماءه لشيء خارجه، بل تصور انتماءه لذاته المقنعة. الأمر الذي يعني أن التناص في قصيدة القناع يرتبط بموضوع الإنتاجية الشعريّة والمعرفية وبالخبرة الإنسانية؛ مما يحولنا إلى دينامية كامنة في القصيدة تطرح مشكلات سياسية واجتماعية وثقافية وإيديولوجية، وتصوغ تصورات تطمح إلى تغيير الواقع، وتتجه نحو مقارعة السلطة ومخاطبة الناس؛ لأن العودة إلى الماضي هنا استلهام لإحالته للحضور، وليس للغياب ذاته؛ فالتناص يهدف لتحوير الغياب، وإعادة إنتاجه في شكل الحضور المتفاعل. وهكذا يهدم التناص في قصيدة القناع النصوص، لا لقطع جذورها، بل ليعيد بناءها ويعيد إنتاجها إعادة مغايرة تنتظم في علاقة وفي نظام جديدين.
ويمكن إحداث نوع من المفارقة بين التناص الواقع في قصيدة القناع وغيره في قصيدة الاستدعاء العادي، من حيث طبيعة التناص، عن طريق إبراز تجلياته في كل منهما في بعض النماذج الشعريّة. فالتناص في قصيدة الاستدعاء العادي ينطوي على مفارقة واضحة من حيث تجلي ضمير المخاطب الذي يتوجه بالحديث عن الشخصيّة أو إليها دون أن يتمثّلها أو يتقمّصها، يجعل وجود الشخصيّة معروفاً، والإحالة أو الاقتباس متبوعاً بها ومحصوراً في السياق الوارد فيه، كقول عبد العزيز المقالح في قصيدته "الرسالة الثانية"، وهي من رسائله الموجهة إلى "سيف بن ذي يزن":
حزني عليك
عاد كلُّ غائبٍ إلى الديار
ألقى الشريدُ للدجى قيوده
ألقى شجونه وطار
وأنت في منفاك يا "سيزيف"
لا الصيف كان مشفقاً ولا الحريق
ولا "بروميثيوس" قد ألقى على طريقِكَ الشتوى
ومض نار
إن أسطورتي "سيزيف" و"بروميثيوس"، هنا، أُدخلتا في سياق حديث الشاعر عن "سيف بن ذى يزن"، ولا يربط بينهما سوى تشبيه سيف بسيزيف، وشخصية بروميثيوس جاءت لإحداث نوع من المقاربة الأيديولوجيّة، والمشابهة في الرغبة في تحقيق الحريّة والانعتاق، ولا يجمع بينهما أي شيء آخر؛ فالتناص بالألفاظ، والنص تتداخله نصوص متعددة، ولكنها محصورة في سياقها الخاص بها الواردة فيه، وهي لا تخرج في علاقاتها معاً عن نطاق علاقة المقابلة فحسب، وفي الأطر المحدودة؛ لأن التناص لا يقوم في النص من بدايته حتى نهايته، ولا يصور صوتاً واحداً كما هو في قصيدة القناع. الأمر الذي يشرح التناص في قصيدة الاستدعاء العادي، ويكرس للجمل والاقتباسات والإحالات التي يتم استدعاؤها، ويؤكد وجود الشخصيّة التاريخيّة في القصيدة، ويستحضر عنها اقتباساً أو إحالة، كقول الشاعر اليمني شوقي شفيق في قصيدته "نشيد الفصول"، مستخدماً ضمير المخاطب، حين يتحدث عن حمدان القرمطي، ليحيلنا فيها إلى بعض مقولات حمدان القرمطي التاريخيّة التي نشعر بانتسابها التاريخي إليه لا إلى الشاعر، متداخلاً معه كما هو في التناص في قصيدة القناع:
حمدان يسطو على وردة ويخلخلُ متكآت البحر
يرفشُ خطواتِه بتقارب الحلم
ويقول: "لا تسيروا من مصافكم حتى تنبعث
بين أيديكم. فإذا سارت فاحملوا، فإنه لا تردُ
لكم راية إذا كانت مأمورة.
وعلى غير هذه العادة، نجد التناص في قصيدة القناع يبلغ أقصى درجات محله في تملّكه للنص المقنّع بأكمله؛ إذ يتعاظم التناص إلى درجة لا نستطيع معها أن نَفْصلَ النص الداخل عن النص المدخول فيه، وأن نعود بكل منهما إلى أصوله ومرجعيته السابقة له من خارج النص؛ لأن التناص يستقيم في البنية الكلية للنص، والنص يعكس هذا التداخل الظاهر في سياقاته.
ويمكن أن نلاحظ ذلك في التناص القرآني الذي تجسّد في قصيدة القناع "من حوليات يوسف في السجن" لعبد العزيز المقالح، حيث التناص محورٌ كليٌُّ، لا يمكن أن ينتسب إلى الشخصيّة التراثيّة، فهو تابع للشخصيّة المغايرة، أي لقناع القصيدة؛ لأن التناص اللفظي المصور لغة الغياب يدخل في علاقة جديدة مع لغة الحضور، ويستكمل حلقات تحولاته فيها لينفصل انفصالاً كليّاً عن الشخصيّة، وعن لغتها الغائبة. يقول المقالح:
حين جاءتْ إلى الجبِّ قافلةٌ
ومن الجبِّ أنقذني أهلها
ورأيتُ السماءَ ضحكتُ، كأني من رحم الأرض
جئتُ. وها أنذا الآن في الجب
ويقول في القصيدة نفسها:
لم تكن قريتي قبلْ مصرَعِها،
لتصدق أن "العزيز" خصيٌّ يتاجر
في عرض أبنائِها،
و"العزيزة" في القصرِ تنهشُ
في عرْضه وتتاجرْ،
تزني بأولاده واحداً واحدا
وهكذا يتواصل التناص في امتدادات القصيدة، ويستطيل مع استطالاتها. والتجربة بعينها من التجربة نفسها، ينصب اهتمام الشاعر على شخصيّة واحدة لاستخدام دلالاتها التراثيّة متداخلة مع تجربته المعاصرة، تتفاعل وتتواصل حتى نهاية القصيدة، دون أن تظهر القصيدة مستويات متباعدة في كل مستوى من مستوياتها، فنحن لا نستطيع أن ننسب كلمات مثل: "الجب"، و"العزيز"، إلى الشخصيّة التراثيّة نسباً يفصلها عن تفاعلاتها الجديدة، ويمكن أن نلحظ ذلك في قول عبد العزيز المقالح:
حصحصَ الحق،
هل تستطيعُ القيودُ على شفتي
أن تبلّغَها أنني قد
قبلتُ الشروطَ.. من الآن سوف
أرَاودُها أنا عن نفسها،
وأشقُّ القميصَ بأنفاسي
الداميات الأظافر

**د لا ل**
2013-03-11, 17:22
دلالة اللون الأسود في السرد عند الأديب عبد الرزاق جبران **قراءة انطباعية**



لا يمكن عزل النص الإبداعي المكتوب عن مكوناته، تماما مثل بناء غرفة، وهي وحدة متكاملة، فلا يكفي لجمالية النص جودة المواد الأساسية من لغة، وحبكة ، فالغرفة المبنية جيدا والمطلية بلون سيئ ،تفقد جمالية النص لحد بعيد ،
و اللون عنصر هام في جمالية النصوص، واستخدامه أو الإيحاء به يعطي هيبة وألق للنص، أحيانا أكثر من الكلمات.

يقال أن اللون الأسود، هو سيد الألوان، وهو لون حيادي، لا اختلاف في دلالاته، و والبحث عن الأسود تقتضي البحث عن الأبيض بسبب التعارض القائم بينهما.
فالأبيض يدل على الإشراق والصفاء والنقاء والسعادة والهناء، بينما يدل اللون الأسود على الحداد والحزن والتعاسة والعتامة،
كما جاء في القرآن الكريم:
دلالة اللون الأبيضاليقينقال تعالى< حتى يتبين الخيط الأبيض> البقرة 187
الفلاحقال تعالى <يوم تبيض وجوه وتسود وجوه> ال عمران 106
الصفاءقال تعالى<يطاف عليهم بكأس من معين * بيضاء لذة للشاربين> الصافات 46السلامة منالمرضقال تعالى <وأضمم يدك الى جناحك تخرجبيضاء من غير سوء> طه 22حسن العمل وسلامة السريرةقال صلى الله عليه وسلم<كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس>
دلالة اللون الأسودالندامةقال تعالى< فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد ايمانكم> ال عمران 106الحزنقال تعالى <واذا بشر أحدهم بالأنثى ظلوجهه مسودا وهو كظيم>النحل 58الذنوب والمعاصيقال صلى الله عليه وسلم<ان العبد اذا أذنب نكت في قلبه نكتة سوداء>

واللون الاسود عند أهل الفن
لون الصمت، حاسم بلا أمل في المستقبل، ويستعمل بكميات قليله، إذ أنه لون حزين، لكنه مفيد جدا، من حيث استعماله لتوليد تناقضات ،ويرتبط الأسود بالموت، والخوف، والحزن وفقد البصر، و الوقار أحيانا..
وبعد
فهل كان استخدام عبد الرزاق جبران للون الأسود متمشيا مع نفس المنطق ، أم أنه حمّل اللون الأسود بعدا أخر ؟
لا،
كان اللون الأسود، تعبيرا عن الظلم، و القهر، والاستبداد، والاحتلال
وكان اللون الأبيض، تعبيرا عن الحرية، والتحرر، والخلاص

لنقرأ قصته الحاكم2
الحاكم 2


نظر الحاكم إلى السماء..كانت الغيمة المكتنزة تسحب نفسها ببطء..نزت عنه ابتسامة بلهاء..قال لوزيره:
-ستمطر هذه الليلة
أجاب الوزير في خوف:
-لن تمطر يا مولاي
-لماذا أيها الأبله؟
-لأن الشعب هاجر يا مولاي..


فالغيمة الكبيرة المليئة بالمطر، لا شك أنها سوداء، وتحمل المطر الشديد ، المنذر بالسيل والخراب لا العمار ،
لذا هرب الناس خوفا ،

وفي قصة لوطو يبرز اللون الأسود ، تارة بشكل واضح وتارة مختفي إلا انه يدل على الظلم ، والقهر والاحتلال والإحباط ..
ففي قصة لوطو تتحدث عن شخصية ، تبحث عن الأمل عبر تحقيق الرقم المطلوب ، رقم الحظ ، فيكسب النقود اللازمة لتغير مسار حياته ، فتدخل حسابات الأرقام مع حسابات الأفكار الوجودية كأنها تبحث عن المعادلة الحقيقة لهذا العالم ، ولان الوجودية فيها الموت والخوف والقلق والعبث كان القصة تعبر عن هذا بامتياز
و الوجودية بشكل عام، تمجد الإنسان، كصاحب فكر، وحر، ويملك الإرادة على الاختيار ، كان النص وهو يلعب على الأرقام، ما هو بحث عن الماهية، والذهنية، ومحاولة إدراك الحقائق، ومقياس الكون، والتحرش بالتجارب البشرية على مر السنين هل هي نظام عشوائي، أم تناسبي وفق قوانين ..
فكان اللون الأسود حاضرا وممهدا للأسئلة الوجودية التي طرحها النص.

ولنتذكر الجمل التي مر فيها اللون الأسود في قصة لوطو
القلق-----(قهوة الصباح ، في الغالب ، تكون مرة . . المرارة تأتي من شئ خارج الفنجان . (
الفقر----(فضحت أسنانه المخرومة)
البطالة----..( أخرج قطعة قماش زرقاء من جيب سرواله الأسود الباهت )..
القهر----(فاجأني صوت الضابط المسوس الأسنان مرة أخرى)
اليأس -----(ولا أظن أن عالما من الدخان الأسود الرديء يمكن أن ينهي حياتي)
الاحباط------(ضغطت من جديد على القلم الأسود..(
العبث---(ومن كان محايدا حشرناه في الخانة السوداء)..
ولعل ما جاء على لسان البطل ، لو رأته أمه على هذه الحالة
(.تذكرت أمي وهي تدعو لي بالسلامة عند أول سفر لي..لو عاشت إلى الآن ورأت ما يحدث لي، لانشقت نصفين من الخوف وعرفت أن دعواتها لي بالسلامة تحولت إلى ندامة)

يتطورهذا الهاجس، الباحث عن الحرية الفردية، إلى الحرية الإنسانية في قصته الحمار

ولنرى كيف يلعب اللون الأسود ،دورا قصة الحمار بشقيها 1و2



حيث انه من مقدمة القصة يصف لنا السماء
كانت السماء غريبة في هذا اليوم..جانب منها أسود داكن والجانب الآخر أزرق صاف..الشمس بينهما حائرة ..نصفها متشح بالسواد ونصف مبتسم لامع..في هذا اليوم الغريب كانت تمطر في الجانب المعتم بغزارة وكان يكفينا أن نقف في الجانب المشرق كي لا نبتل..كنا نفسر امتساخ الطبيعة بقولنا: زوج الذئب ابنته وطلق امرأته في نفس الآن...
في هذا المكان المظلم والمشرق، يقدم لنا بطلي القصة الحمار وصاحبه الشارد (يسافر في شروده المعتم..)ليقدم لنا ديالوك نفسي ، نفيس، بين الحمار والصاحب، فيختلط علينا التفريق بينهما فلا نعرف أيهما الحمار وأيهما الصاحب ليوصلنا إلى نتيجة أنه لا فرق بينهما .

لنخرج قليلا عن موضوعنا ونبتعد عن دلالة اللون للتنويه على قصة الحمار، اعترف في البدء أنني ضد استخدام الحمار كرمز للغباء فهو من أذكى الحيوانات ولي تجربة شخصية ذكرتها مرة ، انه كنا في نزهة على النهر ، وكان سرعة جريان النهر قوية ، ومر بنا فتى يركب حمار حاول إجبار الحمار على اجتياز النهر، فرفض الحمار، مع انه نال قسطا وافرا من الضرب ، فانصاع الفتى للحمار وغير طريقه ..

هناك نصوصا رائعا استخدم فيها الحمار، ومن أشهرها قصص الكاتب التركي الساخر عزيز نسين، ففي إحدى قصصه، يتناول بلدة اجتمعت فيها حميرها تفكر بالخلاص من ظلم البشر، فلم يجدوا سوى الدعاء للتخلص من جنسهم إلى جنس أخر،

عبد الرزاق جبران استخدم الحمار بطريقة أخرى لا تقل أدهشا عن طريقة عزيز نسين،فأعطى الاسود صبغة لتاريخ الحمير المستعبد من قبل البشر (ومنذ ذلك التاريخ بدأ تاريخنا الأسود)لنعرف أن السواد يدل هنا على الظلم الذي تعرض(بالأمس تسللت خفية إلى أغواره المظلمة)،ويعرض لنا جبران طريقة التخلص لا في الدعاء في تغير جنسهم، وإنما بالانصياع وخدمة الأمراء (اخترت مكاني بين الوزراء والولاة والأغنياء...)

أماني بلعلى
2013-03-13, 19:48
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بارك الله فيك ، الموضوع قيم . لقد استعملته كمدخل لمذكرتي التي تحمل عنوان : أثر الفحولة في الشعر العربي الجاهلي
هو موضوع ممتاز لكنه صعب نوعا ما في التركيب
وانا خائفة من المناقشة لأن المذكرة فردية .
من فضلك ساعديني

**د لا ل**
2013-03-13, 20:23
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بارك الله فيك ، الموضوع قيم . لقد استعملته كمدخل لمذكرتي التي تحمل عنوان : أثر الفحولة في الشعر العربي الجاهلي
هو موضوع ممتاز لكنه صعب نوعا ما في التركيب
وانا خائفة من المناقشة لأن المذكرة فردية .
من فضلك ساعديني


وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

اهلا بكِ اختي الكريمة

صراحة لم افهم اي موضوع اتخذته مدخلا للمذكرة

بالنسبة لمضمونها فهو ليس بالصعب لان الشعر الجاهلي غني بخاصية الفحولة

يعني المذكرة ستكون غنية والمراجع كذلك

ان احتجت اي شيء فانا هنا

موفقة اخيتي

**د لا ل**
2013-03-21, 17:22
موضوع اعجبني فاحببت مشااركتكم به

كيف تكتب خاطرة بمجهودك


تعتبر الخاطرة فن أدبي كغيرها من الفنون الأدبية متشابهة مع القصة والرسالة في مضمونها والأسلوب الناجح لكتابتها بشكل جيد متقارب إلى حد كبير مع أساليب القصة والرسالة والقصيدة النثرية....
.وما يميز الخاطرة بأنها غير محددة برتم أو وزن موسيقي معين أو قافية ..
شلال الشعور الدافئ , وفن التعبير الأدبي هو موهبة وملكه من عند الله ولكن لا يمنع أن ننوه ببعض النقاط التي سوف تعين على معرفة أسلوب الخاطرة الناجحة

1- الوضوح في الأسلوب :
من شروط النجاح فيجب أن يكون الأسلوب واضحاً ومصدر هذا هو عقلية الكاتب بشرط أن لا يكون الوضوح تاما لأنه يسلب الإثارة والدهشة والتفاعل مع الخاطرة .. والوضوح يكون في اختيار الكلمات المؤدية للغرض بحيث تكون دقيقة .


2-العقدة والمغزى :
عندما تحوي الخاطرة هدف معين وتكون ذات معنى يكون هذا داعيا أكبر لكي تحوي الخاطرة في عمقها أحداث متسلسلة وروح حركية تحركها الحروف وتجعل القارئ ينشد لقراءتها ويعيش أجواءها وهذا يحقق أسلوب التشويق وجذب الانتباه المطلوب تواجده في كل خاطرة.

3-طريقة السرد :

فمثلا نستخدم ضمير المتكلم عندما نريد البوح والاعتراف ونستخدم أسلوب ضمير الغائب عندما نريد أن نتحدث عن هموم الغير ونشعر بأحاسيسهم فلكل سرد مزايا معينة .
4-إحياء المواقف :

فعندما تحوي الخاطرة موقف معين يجب على الكاتب أن يجعل في ذهنه
تحويل هذا الموقف عبر مرآة الحروف إلى مشهد يجعلنا نشاهده بأعيننا
وذلك باستخدام الوصف الدقيق الموجز.
5-فصل الخاطرة :

بحيث يجعلها كاتبها مقسمة ومتسلسلة إلى مقدمة يمهد لها وعرض يطرق فيه محوره الرئيسي وخاتمة مؤثرة تحوي لب وخلاصة شعوره المتدفق .


6-التناسق :
بحيث تكون الخاطرة مرتبة الأفكار وتسير في خط معين لا تحيد عنه ويتم إزالة الكلمات الزائدة التي لا تضيف شيئا للخاطرة.


7-الخيال والتصاوير والتشبيهات المجازية:

تجعل للخاطرة رونق ونكهة محببة
ومستساغة فمثلا نجعل القمر يبتسمـ والزهور تتكلمـ والنسيمـ يتراقص وهكذا.


8-العنوان:

ويجب أن يكون معبرا عن الفكرة الرئيسية ويفضل آن يكون مجرد إيحاء أو عا** لثوب الخاطرة ولا بأس أن يكون مقتبس من سياق الخاطرة على أن يكون هذا العنوان قوي التعبير وعميق المعنى ومؤثر في النفوس حتى يجذب الأنتباه.




تحياتي

**د لا ل**
2013-03-21, 17:25
الأدب الإسلامي: العلامة محمد إقبال أنموذجاً


يعتبر العلامة و الفيلسوف محمد إقبال - رحمة الله عليه - رائدا مـن رواد الأدب ، و مـن أبـرز الشخصيات الاسلامية الموسوعية التي أسهمت في اثراء الفكر الإسلامي، و تقديم فكـر تجديدي لتصحيح حال المسلمين في زمن يرضخ فيه العالم الإسلامي تحت الاستعـمـار.
لقـد اهتم الكثير من الدارسين بفكر إقبال ، و فلسفته الداعية الى الوحدة الاسـلامـية ، و لـم شمل المسلمين ، و نظريته الداعية الى وطـن قـومـي للمسلمين( الأمة الاسلامية) في شبه القارة الهندية ، و التي أوضحها في خطابه ممثلا لرابطة مسلمي عموم الهند عام 1930م ، و أدت الى قيام دولة باكستان الاسلامية على يـد السيد/ محمد علي جناح في عام 1947م . و التي نجد صداها في مؤلفاته في الفكر و الفلسفة الاسلامية بالاضافة الى مؤلفاته الأدبية باللغتين الأردية و الفارسية ، حيث أنـشـد قصائده الشعرية في المحافل الدولية الأدبية و الدينية بغرض ايـقـاظ الـشعـور في قـلـوب المسلمين في كل مكان. و هو المولود في بيت عـلـم في التاسع من نوفمبر لعام 1877م في مدينة سيالكوت في شبة القارة الهندية تحت ظل الاستعمار الانجليزي ، و مـن أسرة براهمية الأصل الا أن الله شرفها بالاسلام منذ ثلاثة قرون قبل مولد اقبال ، و هاجرت الى البنجاب هربا بدينها من الاضطهاد الهندوسي ، و كان نابغـا في دراسته، وقال الشعر في سن مبكرة، وكان ينطق بالحكمة الإسلامية ، و يفتخر أن صوته من عدنان كناية عن انتسابه الى الأمة الاسلامية و لغة القرآن ، حيث يقول :
أرشد براهمة الهنود ليرفعـوا *** الإسلام فوق هياكل الأوثان
ان كان لي نغم الهنود ولحنهم *** لكن هذا الصوت من عدنان
إذا كان شعر إقبال فارسي اللغة، فإن المضمون نابع من الروح الاسلامية ، حـيث القرآن الكريم، و سيرة الرسول عـليه أفضل الصلاة و السلام ، و أمجاد الأمة الإسلامية و تاريخها المجيد ، و هي قواسم مشتركة بين الأدبين العربي و الفارسي نتيجة دخول الاسلام الى بـلاد فـارس و السنـد. و يتم دراسة أدب إقبال في عالمنا العربي مـن واقع الكتب المترجمة إلى اللغة العربية ، و ذلك بمعرفة المختصين في الأدبين العربي و الفارسي .
و أثمرت الترجمة عـن دراسات مـعـمقة في الأدب المقارن، و من أشهر الرواد في هـذا المجال العالم الدكتور عبدالوهاب عـزام – رحمة الله عليه - الذي ترجم مـن الفارسية الى العربية و نخص منها الترجمات الخاصة بمؤلفات إقبال - على سبيل المثال لا الحصر- مثل( تأملات – دعـاء – الله الصمد – الربيع – الوحدة – مختارات من ديوان ضرب الكليم - ديوان أسرار خودى). كما ترجم الشيخ الصاوى علي شعلان – رحمة الله عليه - قصائد اقبال الى العربية، و أشهرها قصيدة حديث الروح، وكان شغوفا الى درجة قوله( اسـقيني من جام أشعار إقبال) تعبيرا لحبه و تقديره لهذه الشخصية الاسلامية. و مـن الدراسات الحديثة في هـذا المجال كتاب الدكتور/ خالد عباس أسدي – باكستاني- المعنون(محمد إقبال – قصائد و دراسات). و القصائد الواردة في هـذا المقال منقولة مـنه ، حيث أرى أنـه مـن أفضل المراجع المعاصرة بسبب إتقان المؤلف للغة العربية بحكم دراسته الطـب في القاهرة . بالإضافة إلى معرفته للواقع الثقافي في شبه القارة الهندية و لغاتها و ظلالها على أدب العلامة محمد إقـبال.

ان العناصر الأساسية للإطار المعرفي في قصائد إقبال، بدءًً من البعد الديني الاسلامي، و التاريخي عربيا و اسلاميا ، و البعد الجغرافي واضح المعالم في نظريته الداعية الى وطن قومي للمسلمين (الأمة الاسلامية)، كذلك قدرته على توظيف ثقافات الشعوب، و التي هضمها أثناء مراحل دراسته الا أن الاسلام دائما ينتصر في النهاية حسب رؤيته الفلسفية و التي يؤمن بها، قصيدة حديث الروح(اذا الايمان ضاع فلا أمان / و لا دنيا لمن لم يـحى دينا ، و من رضى الحياة بغير ديـن/ فقد جعل الفناء لها قرينا ، و في التوحيد للهمم اتحاد/ و لم تبنوا العلا متفرقينا ، ألم يبعث لأمتكم نبي/ يوحَـدكم على نهج الوئام ، و مصحفكم و قبلتكم جميعا / منار للأخوة و السلام ، و فوق الكل رحمن رحيم/ إلـه واحد رب الأنام).

ان الرؤية نابعة من عـقيدته و ايمانه بالله الواحد الأحد الذي يبعث في النفس الراحة و الأمان بالتسليم و التفويض لله . و هـذه الصورة الفنـية عـن المسلم يـقـابـلهـا صـورة أخـرى للكافـر التـائـه نتيجـة التخبط في الحياة و عدم الإيمـان بالله ، و مقارنـته مع المسلم(إنما الكافر حيران/ له الآفاق تيه ، و أرى المؤمن كـونـا / تـاهـت الآفـاق فـيه). و ينقـلـنـا هـذا الأمـر إلى قراءة التجربة الشعورية بما فيها مـن الوجدان و الخواطر المفعمة بالقيم الإسلامية التي تربى عليها في نشأته الأولى في بـيت إسـلامـي تـتـوافـر فـيه الـروافـد التالية :
** القرآن الكريم .
** السنة النبوبة المطهرة.
** التاريخ الإسلامي المجيد.
** المعرفة و التجارب الإنسانية.

الرافد الأول: القرآن الكريم :
يمكن القول أن القرآن الكريم من أهم المصادر الأساسية في رؤاه و فكره حيث الصوت العدناني الذي يفخر بــه مـا هـو إلا اشــارة إلى القرآن الكريم الذي أقـبل عليه يستهلمه منذو نـشـأتـه الأولـى، وكان ان سأل اباه ، وكان عالما تقيا ورعا ، كيف تكون قراءة القرآن بالحفظ ام الفهم؟ بالجهر ام بالخفوت؟ هنالك نصحه الأب بعـبارة بسيطة قال فيها مخاطبا ابـنـه ( اقرأ القرآن كأنه قد انزل عليك)، و في رواية أخرى أن الفضل يعود الى والده حيث يقول( اعتاد أبي أن يسألني كل صباح حين يراني منكبـا أقرأ القرآن، ماذا تصنع؟ فأجيبه:أقرأ القرآن، وظل على ذلك ثلاث سنين يسأل نفس السؤال وأجيب نفس الجواب حتى كان يوماً فقلت له: ولكن لماذا تسألني عن شيء أنت أعلم بجوابه؟ فقال: إنما أردت أن أقول لك اقرأ القرآن وتعمق به واستغرق في معانيه وليست قراءة معتادة فقط ، ومنذ ذلك اليوم بدأت أتفهم القرآن وأُقبل على معانيه)، و هذا المصدر الأول في ثـقـافته نـجـد أثـره في عبارة أوجزها في كلمات إهدائة المصحف الى ملك أفغانستان / نادر شاه ، حيث كتب ( ان هذا الكتاب رأس مال أهل الحق، في ضميره الحياة و في سطوره الحق و العزة و العدل).

الرافد الثاني : السنة النبوية المطهرة :
يعتبر الحديث الشريف و السيرة النبوية المباركة ، المصدر الثاني ، حيث نجـد الكثير من العلامات و الاشارات الدالة على ذلك( نحن أزهار كثير العدد / واحدة الطيب و الرائحة/ لماذا لا أحبه و لا أحسن اليه و أنا انسان ..؟/ و قد بكى لفراقه الجذع ../ و حنت اليه سارية المسجد ../ إن تربة " المدينة " أحب إلـًى من العالم كله ../ و أنعم بمدينة فيها الحبيب). و يحدثنا عـن هذا الحبيب المصطفى عليه أفضل الصلاة و السلام في كتابه ( إسرار خو دى ) حيث يقول( ان هذا السيد الذي داست امته تاج كسرى و قيصر كان يرقد على الحصير/ ان هذا السيد الذي نام عبيده على أسرة الملوك كان يبيت ليالي لا يكتحل بنوم)، و في مقطع أخر( اذا كان في الصلاة فعيناه تهملان دمعا / واذا كان في الحرب فسيفه يقطر دما ../ لقد فتح باب الدنيا بمفتاح الدين ../ بـأبي هو و أمى ../ لم تـلـد مثله أم ، و لم تـنجب مثـله الانسانية ..). و كل أفعال النبي عليه أفضل الصلاة و السلام ، نماذج يقتدى بها و يسير على نهجها تاريخياً و إجتماعياً ، حيث يتضمن اطاره المعرفي قصة بنت حاتم الطائي لتكون نموذجاً للسماحة الإسلامية ، بالإضافة إلى صورة الحاتمية مطرقة رأسها لتكون تعبيراً عـن حال المسلمين في عصره شرقاً و غرباً ( جاءته بنت حاتم أسيرة مقيدة سافرة الوجه خجلة مطرقة رأسها .../ فاستحيا النبي منها و ألقى عليها رداءه / و نحن "اليوم" أعرى من السيدة الطائية / نحن عراة أمام أمم العالم ../ نحن المسلمين من الحجاز و الصين و ايران و أقطار مـخـتـلـفة غيض من فيض واحد ).

الرافد الثالث: التاريخ الإسلامي المجيد :
لقد نهل اقبال روح الإسلام منذ نعومة أظفاره ، و باشراف والده معلمه الأول، الذي أدبـه بروح الاسلام ( تذكر يا بني جلال المحشر يوم تجتمع أمة خير البشر ، كن يا بني برعما مزهرا في غصن الملة المحمدية ، و كن زهرة تحيا بنسيم قليل من ربيع المصطفى)، الـزهـرة التي تنبت في بيئة إسلامية ، تكون رمـزاً لتاريخ مجيد ضارب في الأعماق ، و البـدايـة التي شكلت ثقافته و رقة الشعور و بناء الفكرة الصادقة و تـقـلد مفاتيح العلم ، و لا غـرابة في ذلك فهو ابن الاسلام و التاريخ المجيد ، حيث يقول :
قد كان هذا الكون قبل وجودنا ** روضـاً وأزهـاراً بغــير شـميم
لما أطـل محـمـداً زكـت الـربـى ** وأخضر في البستان كل هشيم
هــل أعـلن الـتوحيـد داع قـبـلنا ** وهـدى الشعوب إليك والأنـظار
رحماك رب هـل بـغـير جـباهـنا ** عـرف السجـود ببيتك المعـمور
كانت شفاف قلوبنا لك مصحفاً ** يـحـوي جـلال كتابك المسطور

**د لا ل**
2013-03-21, 17:38
الأدب الإسلامي: العلامة محمد إقبال أنموذجاً
(2)

ان نظرية الأمتين في شبه القارة الهندية ، نابعة من قناعة إقبال بعقيدته الاسلامية ، و تاريخ الإسلام المجيد ، حـيـث أن العقيدة و اللغة و التاريخ المشترك عوامل أساسية لبناء الأمة ، لذلك نجد التاريخ الإسلامي من المصادر النابضة في شعر إقبال بصور فنية و معبرة عـن ذاكرة الأمة الاسلامية سواء في عـزهـا و قوتها أو تصوير حال دول الاسلام لما آلـت اليه الشعوب الاسلامية في الأنـدلس التي يقول عنها :(يا ظلَّ حدائق أندلسٍ/ أنسيتَ مواني عشرتنا/ وعلى أغصانك أوكارٌ/ عَمُرت بطلائع نشأتنا). و هي أشبه ما تكون بالبكائيت على الأطلال مثلما نرى ذلك في قصيدة صقلية: ( و غرناطة جنة العالمين/عروس المدائن تاج القرى/ و يوم أطاح ببغداد خطب/ أحل على الآمنين الردى/ جرى دمع سعدى بشيراز شعرا / أهاج القلوب و أدمى الحشى).
و لابد لهذه الوقفة على مدائن الاسلام أن يلحقها تذكير بدولة الاسلام حيث يقول:( و للعرب كانت هنا دولة/ و مثوى حضارة أم قرى/ عمالقة البيد خاضوا البحار/ فكانت لأسطولهم ملعبا)، الا أن الحقيقة تفرض عليه أن يعود الى واقعه ليختم بها قصيدة صقلية:( أعـود الى الهند مستعبرا/ بأنبل ذكرى لمجد خلا/ هنا قد بكيت و في الهند أبكى/ و أبكى الصديق معا و العدا / هو القدر اختارني للرثاء / سأرسله صيحة في المـلا).

الرافد الرابع: المعرفة و التجارب الإنسانية:
تعتبر البيئة الإجتماعية في شيه القارة الهندية نموذجاً مصغراً من العالم الإنساني بكافة مناشطة البشرية و الجغرافية ، و الثقافية بما في ذلك العقائد و الأديان المختلفة. و في الوقـت الذي ترزح فيه تحت الإستعمار الإنجليزي ، الذي عمل طوال فـترة و جوده على تقسيم الأرض و إضـاعـة هـوية الإنسان فيها ، و خصوصاً إذا عـلمنا أن الهدف الأساسي من المخططات إنهاء الوجود الحضاري للمسلمين و إبـعـادهـم عـن ديـنـهـم الإسـلام.

و هـذه البيئـة بـتنوعها ، سـاهمت كثيراً في تكوين ذهـنية العلامة محمد إقبال إجتماعيا و جـعـلته أكـثر وعـيـاً بها ، و أكثر تمسكاً بـدينه لأنـه إبـن الثقـافة الإسلامية بالوراثة ، و رجل علم و فلسفة و أستاذ أجيال لأنه صقل موهبته، و نهل من معين الفكر و المعرفة بالدراسة و التجربة ، حيث درس في لاهور، و حصل على درجة الماجستير في الآداب و علم الفلسفة من الكلية الاسلامية ، ثم سافر الى بريطانيا للحصول على الدرجة العلمية في الفلسفة مـن جامعة كامبردج و الدرجة العلمية في القانون من كلية لندن للعلوم السياسية ، و عمل أستاذا للغة العربية في جامعة لندن. و لم يتوقـف حتى حصل على درجة الدكتوراة من جامعة ميونيخ في ألمانيا. و كانت فترة دراسته في أوروبا سانحة ليكون داعية اسلامي و مدافعا عن المسلمين حيث ألقى العديد من المحاضرات في انجلترا عن الإسلام وعظمته.

شارك في المؤتمر الإسلامي عام 1931م ، و تشرف بزيارة القدس الشريف ملبيا دعوة السيد/ أمين الحسيني ، ممثلا لمسلمي الهند ، لأن فلسطين الجذوة التي تنطلق في أعماقه فيرى حال الاســلام و المسلمين لينشد أروع قصائده مطالبا الأمـة بالعودة الى دينها و تاريخها المجيد – قصيدة طلوع الاسلام ( ترنم أيها الشادي و اسمع/ غناءك وامح آثار الطغام / و أيقظ عالم الإسلام و اخلق/ عقاب الجو في جسم الحمام/ و قل هيا فتى الاسلام بادر/ و سر قدما الى نيل المحال / و كن لكتاب ربك ترجمانا / و برهانا لقدرة ذى الجلال )، و هـذا الطلب لا يأتي من فراغ بـل نجـد سـؤالا استنكاريا:( وكيف تغيرت بكم الليالي؟/ و كيف تفرقت بكم الأماني؟ / تركتم ديـن أحمـد ثم عدتم / ضحايا للهوى و الهـوانِ)، سـؤال استنكاري لابـد أن يتبعه بسؤال أخر أكثر قـوة ، و اثـارة لاشعـال جــذوة الاسـلام في نفوس أبناء الأمــة موضحا السـبب ، و هو القائل (أرى التفكير أدركه الخمول/ و لم تبق العزائم في اشتعال / و أصبح وعظكم من غير سحر/ و نور يطل من المقال/ و عند الناس فلسفة و فكر/ و لكن أين تلقين الغزالى / و جلجلة الأذان بكل أرض / و لكن أين صوت من بلال ؟؟)، و حديث الرسول علي أفضل الصلاة و السلام ( أرحنا يا بلال ) ، و لكن الأصوات التي يسمعها لا يوجد فيها صوت بلال المفعم بالايمان و القوة التي تهز أركان الأرض ، و الآذان الذي يريده رمز مـن رموز انتصاراته و فتوحاته الاسلامية و فيه يقظة الأمة:( نحن الذين استيقظت بأذانــهم/ دنـيا الخـلـيقـة من تـهـاويـل الكـرى، نحن الذين إذا دعوا لصلاتهـم/ و الحرب تسقى الأرض جاما أحمرا).

و الآذان رسالة تشرق في الكون، و كناية عن الدين الإسلامي الذي يقول عنه اقبال:( ان المؤمن اذا نادى الآفاق بأذانه أشرق العالم و استيقظ الكون/ ان الدين هو الذي ينظم الحياة / وانه لا يكتسب الا من ابراهيم و محمد عليهما الصلاة و السلام)، و يعبر عن ذلك عن أمجاد دولة الاسلام( بلغت نهاية كل أرض خيلنا/ و كأن أبحرها رمال البيد/ في محفل الأكوان كان هلالنا / بالنحر أوضح من هلال العيد / في كل موقعة رفعنا راية/ للمجد تعلن آيـة التوحيد / أمم البرايا لم تكن من قبلنا/ إلا عـبيدا في إسار عـبيد / بلغت بنا الأجيال حرياتها/ من بعد أصفاد و ذل قيود).
و من هذه الأبيات نتذكر ماضينا و تراثنا حيث اقتباس البيت الأول من قصيدة عمرو بن كلثوم:(ملئنا البر حتى ضاق عنا / و ظهر البر نملئه سفينا) ، أما البيت الأخير فهو من مقولة عمر بن الخطاب رضي الله عنه:( كنا قوم أذلاء فأعزنا الله بالاسلام، و هي الحقيقة التي يقرها اقبال حيث يخاطب أبناء الأمة موضحا أسباب الانحطاط في صورة فنية معبرة عن حالهم:( لقد فقد المسلم لوعة القلب/ وانطفأت نار الحياة فيه/ و أصبح ركاما من تراب/ فالصفوف زائغة/ و القلوب مضطربة/ و السجدة لا لذة فيها لأن قلب صاحبها خال من الحنان). و معرفة الأسباب تؤدي الى معالجتها للنهوض بالأمة، لـذلك لم يرضخ لأي من خصومه سواء فـلـسـفـيا أو أدبـيا ، حيث عاش صراعا مع المتصوفة ، و قدم فكرا لمواجهة الاستعمار الانجليزي رافضا الاستعمار و التعايش مع الهندوس ، حيـث يرى وحدته و أمته في الاسـلام. و ألمح الى فكرة قيام الدولة الاسلامية( أضحى الإسلام لنا دينا / و جميع الكون لنـا وطـنـا).

ظل طوال سنوات حياته يهتم بالمجموع ، و اهتمامه بكل ما يعيد للأمة الاسلامية مجدها و حضارتها ، لذلك أستنكر على كمال أتاتورك اسقاطه الخلافة حيث رد عليه بقصيدته المشهورة( خطاب الى مصطفى كمال باشا) في ديوانه رسالة الشرق ( بيام مشرقي) باللغة الفارسية ، حيث عبر عن حزنه على تغريب المجتمع التركي و تقليد أتاتورك للأفكار الغربية بما سماه الاصلاحات ، ليس ذلك فحسب بـل أنـتقـد عـصبة الأمـم المتحـدة في ذلك الوقـت ، و خصوصا أن العالم الذي يرزح في الاستعمار ما هو الا مساحة الأرض للأمة الاسلامية أنذاك إلا أن نجـد الصورة لا تزال حتى الآن ، فكأنما العلامة محمد إقبال ، يعيش بين ظهورنـا:
صور الغاصب عدلا ظلمه *** ما هو التفسير للعدل الجديد
زاد فـي التـحـريـر مـعـنى *** أنه يحكم القيد لتحرير العبيد
قال للطير إذا رمـت الأمان *** فاتخذ في منزل الصياد وكرا
ليس في الأجواء للطير مكان *** و لا تأمن في الصحراء نسرا

و خلاصـة القول: أن أدب العلامة محمد إقبال – رحمة الله عليه - ، مـن الرؤى التي تشكلت على أطرها أسس الأدب الأسلامي، حيث أشرقت البدايات الأولى في شبه القـارة الهندية ، و وجدت أذانا صاغية في العالم الإسلامي للإستفادة من المضامين الإسلامية ، و صياغة الأدب الإسلامي وفق الأسس التي أتبعها العلامة محمد إقبال في صياغة خطابه الأدبي :
** المضمون القرأني فـنـيـاً مـن حيـث الأسلوب و جماليات اللغة.
** المضمون النبـوي و السنة المطهرة مـن حيـث الأفـكـار و أحاديث الرسول عليه أفضل الصلاة و السلام ، و سيرته العطرة.
** المضمون الإنساني مـن حيث العلوم و التجارب الإنسانية بما في ذلك المناهج الأدبية و الرحـلات .

رحل العلامة محمد إقبال – رحمة الله عليه – من دنيانا الفانية مساء الخميس 21/2/1357هـ الموافق 21/4/1938م. و تتجدد ذكـراه كلمـا أشرقـت شمـس أبريل مـن كل عام ، أو التاسع مـن نوفـمـبر ذكرى ميلاده ، و للناس فيما يعشقون مذاهـب. هـكـذا تتجدد ذكـراه ، و أشـعـاره تنبض بين الحين و الآخر في وجـدان الأمـة ، و هـو القائل:
نفحات مضيئة لي هل تعود *** أنسيم من الحجاز يعود

ان النسيم الحجازي أول بشائر الأدب الإسلامي ، حـيث تسمو النفـس مع بارئهـا ، و بالتالي صياغة الخطاب الأدبي ليكون هـمزة وصل و تـعـارف بين الشعوب . قال تعالى:( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر و أنثى و جعلناكم شعوباً و قبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم). سورة الحجرات – أية(13). و التواصل بين الشعوب ثقافة إسلامية عمادها القييم و المبادئ الأصيلة و التي تشكل الصورة العامة في الأدب الإسلامي مـن حيـث الرؤية بغض النظر عـن الأداة التي تختلف وفـق التنوع المكاني و أثـره على الإنسان في شتى مناشط الحياة و إنعكاس ذلك على اللغة و القييم الفنية المصاحبة لها مع الأخذ بعين الإعتبار أن التميز في نهاية الأمـر:( إن اكرمكم عند الله أتقاكم).

حـقـاً ، يرحل المرء ، و تظل كلماته فـواحـة متى أحسن الإختيار ، و استدل على نسيم الحـجـاز أول دلائل الأدب الإسلامي .

**د لا ل**
2013-03-21, 17:42
مفهوم الخيال عند الشعراء واشكاليته في** نظرية المحاكاة**
------------------------------------------



1_ لم يظهربشكل مستقر وثابت مفهوم الخيال من خلال الرؤى الحديثه والمثمره _ وهو انهانفعالية توليد الصوره والتي وظيفتها تصوير الحقائق الفسيه والادبيه بكافةاطيافها _ الا من فلاسفة الرومانتيكية والفيلسوف (( كانت )) ، ونجد ان النقدالقديم كان بعيدا عن هذا الفهم والمنهجية الحديثه التي نتداولها هذه الايام . حتى ان ارسطو ذلك الفيلسوف المفكر والداهية قلل من شأن الخيال وافترض وصايةالعقل والمنطق عليه حتى اني من خلال قراءاتي لافكاره والمدونه في كتبهالفلسفيه اجد انه لديه _ أي ارسطو _ اشكالية وخلط بين مفهوم الخيال والوهموشتان مابين الاثنين . الا ان مايحز في النفس ان هذه الاشكاليه انتقلت الىفلاسفة المسلمين اولا مما ادى الى ظهورها ومن ثم تأثيرها في النقدالادبيالعربي القديم .ليطالعنا ابن سينا من خلال احدى منهجيات والتي يفترض بها انالكلام المخيل (هو الذي ينفعل به المرء انفعالاً نفسانيا غير فكري ، وان كانمتيقن الكذب ) وقد كان ابن سينا يحذر من عملية الخيال بكافة فنونها واطلقعليه مجازا التخيل أي اصطناع الفكره دون ان تهطل بذاتها على الاديب وهذا ماكان يحذر منه الفيلسوف اليوناني ارسطو في اغلب دراساته ناهيك عن الكلاسيكيونوالاوروبيون
ولننظر هنا ما خطه ابن سينا في ( رسالة حي بن يقظان ) حيثيقول ( وفي حركة تطلب المعارف العليا يستعين الانسان بالعقل الفعال الذييهديه عن طريق المنطق والفلسفه ، ويفضل مصر المعارف والذي هو مصدر النفسالملكية.وهذا العقل الفعال قدسي) نجد هنا ان ابن سينا لديه مفهومه الخاص بهوهو التحذير من رفقة العقل الفعال والذي يقصد به القوى الحسية الاخرى ، ويصفابن سينا منهب التخيل قائلاً: ( واما الذي امامك فباهت مهذار ، يلفق الباطلتلفيقاً ، ويختلق الزور أختلاقاً ، ويأتيك بأخبار مالم تزود، قد درن حقهابالباطل ، وضرب صدقها بالكذب . وانك لمبتلى بانتقاد حتى ذلك من باطله والتقاطصدقه من زوره .. )
ونجد الانعكاسيه على اثر هذا المفهوم الادراكي للخيالفي النقد العربي عند عبد الظاهر فيما سماه أي الخيال بالتخييل او الايهامبالكذب ... لذا اجدني هنا انا كاتب هذه الدراسه عاجزاً عن ربط الخيال بالصورهفي النقد العربي القديم واجعله حقيقة ضرب من ضروب العبث لاستقلال كل منهمابمفهوم خاص به ومميز عن الاخر ولم يكن بينهما رابطا الا منذ عهد قريب _ فيمفهومنا الحديث _ اما فروع البلاغه والتي قد تكون لها علاقه واضحه بالصورهومتصله بها اجدها قاصره الى الان في تحديد الربط الحسي والادراكي بين الصورهوالخيال فلم اجدها عند بعض النقاد مرتبطه بشكل جلي وواضح وانما كان الاساسللاغلبية هو القدر والذي فهموه من خلال نظرية المحاكاة برؤية افلاطونيهوارسطويه ان جاز لي تسميتهما بذلك .

2_ وقد ربط النقاد العرب المحاكاةبالمجاز والذي اعني به التشبيه والاستعاره والكناية ويستحضرني هنا قول بن رشد (( والمحاكاة في الاقاويل الشعرية تكون من قبل ثلاثة اشياء : من قبل النغمالمتفقه ، ومن قبل الوزن ، ومن قبل التشبيه نفسه . وهذه قد يوجد كل واحدامنها مفردا عن صاحبه ، مثل وجود النغم في المزامير ، والوزن في الرقص ،والمحاكاة في اللفظ ... وقد تجتمع هذه الثلاثه بأسرها ، مثلما يوجد عندنا فيالنوع الذي يسمى بالموشحات والازجال . وهي الاشعار التي استنبطها في هذااللسان العربي اهل الجزيره ( الاندلس ) وهذا ماوجدته انا في استعراضي وقراءتيلملخص كتاب ( ارسطو طاليس في الشعر ) ومما اثار في نفسي الكثير من الاشكالياتواحداها اننا اذا سلمنا بقول بن رشد هنا في ان المحاكاة قد توافرت فيالموشحات والازجال ، فاننا بذلك نكون قد نسفنا او بتعبير اكثر وضوحا قوضناالنظرية اليونانية من اساسها .
ووجدت ايضا ان الفلاسفة العرب كانو يميلونبشكل كبير الى الفيلسوف اليوناني افلاطون عندما يتعرضون لمفهوم المحاكاةواشكالية مصدر الشعر وهل هو الهام ام فن والذي اعتبره افلاطون انه الهام الهيمن ربة الشعر ويستحضرني هنا قول ابي سليمان المنطقي فيما يحكيه ابو حيانالتوحيدي : (( وقد علمنا ان الصناعة الفنية تحكي الطبيعه ، وتروم اللحاق بهاوالقرب منها ، على سقوطها دونها .. وهذا راي صحيح وقول مشروح . وانما حكتها ،وتبعت رسمها ، وقصت اثرها ، لانحطاط رتبتها عنها )) .
ويتضح هنا تفسيرللعلاقه بين نوعين من الصناعه وهما الصناعه الفنيه والصناعه الطبيعيه علىاعتبار ان الطبيعه تعتبر النموذج الامثل والمحتذى به وعلى الفن ان يحاكيهولكن القصور عن محاكاته كما يقول افلاطون هو العجز عن الوقوف عند الظواهرالطبيعية _ على ان هذا القول لم يرتبط بقائله بمباديء ذات قيمه في صلتهبالشعر او حتى بالفن مما يدل على ان النص السابق ماثور عن الاوليين .
ويرىبعض نقاد الادب من العرب ان الانسان قادر على المحاكاة متاثرا بالاقدميين منقبله وهذا ما يقوله الجاحظ في (( البيان والتبيين )) : ( ولذالك زعمت الاوائلان الانسان انما قيل له : العالم الصغير سليل العالم الكبير ، لانه يصوربيديه كل صوره ، ويحكي بفمه كل حكايه .. وانما تهيأ وامكن الحاكية لجميعمخارج الامم ، لما اعطى الله الانسان من الاستطاعه والتمكين ، وحين فضله علىجميع الحيوان بالمنطق والعقل والاستقامه ) ونجد هنا ان الجاحظ يدور حول احدىمبادئ ارسطو حينما قال ان الانسان اقدر الحيوانات على المحاكاة الا ان ارسطوربط ذلك بالشعر ونشأته ونموه على ان الجاحظ استطرد في قوله مبدأ معين وهو انالانسان يملك من القدره مما يؤهله ان يحاكي مختلف الناس والحيوان .
وقداستطيع هنا ان ابين ان الشعر الغنائي وسطوته على الادب العربي كان له اثراسلبيا على النقاد العرب انذاك من محاولة استفادتهم من نظرية المحاكاة كما جرتعلى فم افلاطون وارسطو الا اننا نريد هنا ان نوضح امرا مهما للغايه وهو اننظرية المحاكاة وان كانت لم تؤثر تاثيرا بالغا في ثقافة الادباء والنقادالعرب الا اننا ومن باب العداله يجب ان نوضح هنا امرا جليا حتى لانظلم النقادالعرب من باب عدم استفادتهم من تلك النظريه وهو ان احدى البوابات المنبثقه مننظرية المحاكاة والتي اطلق عليها ارسطو فكريا صلة الشعر بالفنون الاخرى كانلها تاثيرا واضحا وهاما في ادوات الناقد العربي حيث يقول ارسطو ان الشعروالفنون الاخرى انما هي جميعا تصور لجوهر الاشياء لا مظاهرها راداً بذلك علىاستاذه افلاطون ومن هذا المنطلق نجد ان متى بن يونس ذكر ان الناس (يحاكون) بالوان واشكال كثيره ومنهم من يشبهون بالاصوات ، وكذلك بالحركات ( واضح انذلك في الرسم والموسيقى والرقص على ماقال ارسطو ) ، كما يشبهون في الكلامالموزون بالشعر ، هذا ما استدليت عليه من خلال قراءتي لترجمة متى بن يونسللدكتور عبدالرحمن بدوي واجدني هنا ملزما بايراد كلام بن رشد حيث يقول (( وكذلك الحال في الصنائع المحاكيه لصناعة الشعر التي هي الضرب بالعيدان ،والزمر والرقص _ اعني انها معده بالطبع لهذين الغرضين )) ثم يسترسل بعد ذلكليقول ان (( الناس بالطبع يخيلون ويحاكون بعضهم بعضاً بالالوان والاشكال ( فيالفنون التصويرية ) والاصوات ( في الموسيقى ) )) الا اننا نجد ان النقادالعرب لم يستقر او يرسخ في اذهانهم سوى ارتباط الشعر بالفنون التصويريه ولميحاولو ان يربطو الشعر ذاته بالفنون الاخرى مثل الرقص والموسيقى لانها اساساهي بعيده عن اذهانهم وكانوا يضعونها تحت مظلة الفنون الجميله وربما هذا عائدالى التاثيرات البيئية والتي جعلت من الفنون كالرقص والموسيقى ليست من ضمنالفنون التصويريه وانما جعلوا الفنون النفعية كالنحت والنجاره والنقش هياركان تلك الفنون . ويستحضرني هنا ثلاثة من كبار نقاد العرب اجد علي لازاماًان استعرض اراءهم في علاقة الشعر بالفنون الاخرى وبالسيكيولوجية الذاتيه لدىالشعراء واستهل هنا بالناقد الاجتماعي المفكر الاديب الجاحط حيث يقول مرجحاًالصيانه على المعاني محتجا بان الشعر (( صياغه ، وضرب من النسخ ، وجنس منالتصوير )) ويؤيده بذلك قدامه بن جعفر حين يقول في قضية الصدق واهميته فيالشعر بحيث لايؤدي الى تناقض بين الشاعر وما هو عليه من حاله فقدامه بن جعفرلايلقي للنبل الموجود بالنص أي اهميه بقدر ما يولي الاهميه لصدق المضمونوجودة الصنعه لانه انما يحكم عليه بصورته التي هطل بها مستشهدا بالنجار والذيلايعاب صنعه برداءة الخشب بذاته انما بصناعته فيه ، لان الشعر شانه شانالصياغه والتصوير والنقشويستشهد قدامه بما روي عن الاصمعي انه سئل : من أشعرالناس ؟ فاجاب : (( من ياتي الى المعنى الخسيس فيجعله بلفظه كبيراً ، او الىالكبر ، فيجعله بلفظه خسيسا )) ويعرج الى قول اليونان بان (( ااحسن الشعراكذبه )) بل قد يسنده الى ارسطو نفسه وهو قد يكون غير واقعي ولايستند الىادله وليس له اساسا من الصحه
وقد يكون مصدره غير محدد من احدالسوفسطائيين والذين اطلع على ارائهم .
وباعتقادي هنا ان عبدالقادرالجرجاني هو اكبر المستفيدين من ربط الشعر بالفنون الاخرى ويتبين ذلك من خلالنظريته في (( النظم )) حينما اورد واقر ان الطريق للمعنى هو الطريق الذي يقعفيه التصوير والصياغه لايمانه ان الصياغه متوحده مع المعنى بكل اشكاله لانالتغيير في جملتان مترادفتان في الدلاله قد يكونا لهما معنى اخر اذا تغيرتالتراكيب اللغويه في ذات الجملتين مما ينتج عنه اختلاف ضمني بالصوره المرادايصالها للمتلقي وقد تطرق من ذك الى وجوه حسن الصوره في اتساق الكلام . وعندهان الجمل التي لاتؤلف الصوره الواحده حتى لو اتفقت بالمعنى الظاهري ليس بينهاأي وحده بالتصوير وايضا يرى ان هناك جملا لها سياق لغوي واحد واتساق صوريواحد وهذه هي التي تجتمع في حقيقة الوصول للهدف النهائي ولم اجد ان هناك احدمن النقاد العرب استطاع ان يصل الى ما وصل اليه الجرجاني في فهم الصورهوصلتها بالتعبير ، متعمداً في كل ذلك اساسا على فكرته في عقد الصله بين الشعروالفنون النفعية وطرق النقش والتصوير وكما ارى ان التجديد الخصب في بعض محاورالنظرية السابقه والمتاثره على نحو كبير بالبيئه والتراث العالمي القديم بداالى جانب ذلك الاتجاه التقليدي المحافظ في حديث نقاد العرب في عمود الشعروالذي يعني به نقاد العرب وجوه الشعر والتي استنتجت من النصوص الشعريه فيالعصر الجاهلي ومن ثم عصر صدر الاسلام والعصر الاموي .
3_ عمود الشعر
ونجد هنا ان منهجية النقاد العرب اختلفت بشكل كبير عن نظرة ارسطو لانارسطو كان يضع معايير تراثيه تختص بالتراث اليوناني القديم وابقى على ادواتومعاني واعتبرها انها هي الانموذج الذي يجب عدم تخطيه عند الحاله الكتابيهلذلك عاب ارسطو كبار شعراء اليونان من خلال هذه الالية التي عمل عليها وكذلكرفع الشعراء الادنيين مكانة مستخدما نفس منطقه السابق وفي الجهة المقابله نجدان النقاد العرب كانو في عمود الشعر اسارى التقاليد لما ورثوا من تراث شعريحيث وضعوا اللفظ ليكون هو المسؤول من حيث الجرس والمعنى في موضعه في البيتومنه مايتعلق بمفهوم المعنى الجزئي في تاليف القصيده ، ثم منه مايختص فيتصوير المعاني الجزئية وصلتها ببعضها البعض في بناء القصيده وكانوا النقادالعرب يشددون على طلب الجزاله والاستقامه والمشاكله للمعنى وشدة اقتضائهللقافيه من ناحية اللفظ ومما كان يتبادر الى ذهنهم عند الوقوف على اللفظ هوالاهتمام بالمعنى الجزئي والذي يعتبرونه بمقام شرف المعنى والذي يوصل الىالصحه في تركيبته أي اللفظ والاصابه من خلاله الى اقصى درجات الجمال الوصفيواما ما يختص في تصوير المعاني الجزئية في بنية القصيده فانهم يعتبرونه يقعفي زاوية المقاربه بالتشبيه ، ومناسبة المستعار منه للمستعار له ومن ثمالتحام النظم والتئامها وقد اكون صائباً هنا اذ اردت ان استعرض مع الشرحوالتعليق بعض النقاط والسمات الهامه والتي تعنى باللفظ كونه من اعمد الشعرواهمها على الاطلاق ولنبدأ بهذه السمه وهي
- جزالة اللفظ :
وتتوافرهذه الجزاله عندما يخلو اللفظ من امور تعيبه مثل السوقيه والابتذال والغرابهويكون المعيار هنا هو معرفة العامه باللفظ الذي تسمعه ولا تستعمله فيمحاوراتها وعلني اورد هنا مثالاً شعرياً بسيطا ً لتوضيح المضمون السابق يقولالحطيئه :
يسوسون احلاماً بعيدا اناتها=وان غضبوا جاء الحفيظة والجد
أقلواعليهم- لا ابا لأبيكم=من اللوم او سدوا المكان الذي سدوا
اولائك قوم انبنوا احسنوا البنى=وان عاهدو اوفو وان عقدوا شدوا
ومن منظور هذه القاعده عاب كثير من النقاد شعر المحدثين ونجد ان اكتسابالالفاظ نبلا هنا يشبه النبل الطبقي مما يؤدي الى اغفال لموقع اللفظ منالجمله ولكن اثارني ما قراته ل عبد القاهر والذي يقول فيه ان استقراء الشعرالشعر العربي استقراء سليما يكذب هذه القاعده .

- استقامة اللفظ :
وتعتمد اعتمادا كليا على الجرس او على الدلاله او التجانس مع قرائنه منالالفاظ .
فيجب ان يكون اللفظ خاليا من تنافر الحروف مستقيما بسلامتهاللغويه الا انني اعتبر ان هذا المقياس هو نسبي بالدرجه الاولى وذلك لاختلافالالفاظ بين بيئه واخرى ناهيك عن اختلاف اللهجات بذاتها ومما ينتج عنه اختلافالاذواق ايضاً على ان الخطأ هنا هو ان الالفاظ الثقيله قد تكون جميله في بعضالاحيان اذا وضعت في موضعها الصحيح ودون تكلف .
وللدلاله اللفظيه اهميهقصوى في ايصال المعنى بشكل محدد وواضح والا انتفت الاستقامه من اللفظ واصبحالشاعر في موقع لايحسد عليه من ضعف في ايصال ما اراد ايصاله وهذا ما وجدته فيشعر البحتري في احد ابياته حيث يقول :
تشقعليه الريح كل عشية=جيوب الغمام ، بين بكر وأيم .
فالايم التي لازوج لها سواء سبق لها الزواج ام لا وهذا مارجعت اليه في كتاب ( سر الفصاحه ) لابن سنان الخفاجي ص 73 فالمقابله بين الايم والبكر غير مستقيمةالمعنى وهذه القاعده سليمه هنا لاغبار عليها .
وعندما يتجانس اللفظ معقرائنه من الالفاظ يكون واضحا وجميلا الا ان عدم التجانس بينهم يؤدي الى انيكون اللفظ معابا وهذا ما اخذ على مسلم بن الوليد في قوله :
فاذهبكما ذهبت غوادي مزنه=يثني عليها السهل والاوعار
فكان من الاجدر بمسلم ان يقول السهل والوعر او حتى السهول والاوعار حتى يصل الى بناء لفظي واحد سواء بالتثنيه او بالجمع على حد سواء


- مشاكلةاللفظ المعنى :
وهو يكون موقع اللفظ يحمل المعنى دون زيادة او نقصان بحيثيكون المعنى واضحا وجليا وقاطعا دون قصران ومن الشعراء الذين اخذ عليهم هذاالمحور عيبا الاعشى حيث يقول :
استأثرالله بالوفاء وبالعد=ل وولى الملامة الرجلا
فلو انه اختار الانسان كلفظ كان له افضل من اختياره للرجل بديلا عنه لانالملامه تتجه للجنسين سواء كان المخاطب رجلا ام انثى وعلى خط مغاير للاعشىيمدح النقاد بيت للحطيئه اجاد فيه من الناحية والتي نتعرض لها الان وهيمشاكلة اللفظ للمعنى حيث يقول :
همالقوم الذين اذا ألمت=من الايام مظلمة اضاءوا
فالاضاءه هنا اتت كلفظ موفق واعطي معنى واضحاً لان الظلام يتطلب تلك الاضاءه .
ويمدحون النقاد في المعنى ان يكون شريفاً ... وشرف المعنى يقصد به توجهالشاعر الى الاغراب ، وان يختار السمات المثلى في المدح بحيث ان الشاعرلايبالي بواقعية التصوير فعند وصف الفرس مثلا فانه ينعته بالكرم وي صفه تطلقفي الواقع على الانسان الا ان الاغراب اعطى الصفه طيفا اخر عندما ربطت بذاتالفرس واذا تغزل بمحبوبته فانه قد يعطيها من الصفات التي قد تكون من الامورالغير واقعيه وذلك ليبين مدى شغفه بمحبوبته وهيامه بها واذا مدح الشاعر فعليهان يذكر ما يدل على شرف المقام ابداعاً واغراباً دون ان يراعي الواقعيه فيصفات الممدوح .
_صحة المعنى :
ويقصد به ان الشاعر اذا اورد معنى معينايختص بحدث زماني او مكاني يجب ان يكون صحيحا من الناحية التاريخيه مثلاً وهذهالقاعده لها علاقه وثيقه بلا شك في ثقافة الشاعر الذاتيه وتجربته الزمانيهومما يحضرني الان في ما يعاب على بعض الشعراء من ايراد معاني لاصحة لها هوقول الاعشى في احد ابياته :
فتنتجلكم غلامان اشأم كلهم=كأحمر عاد ثم تنتج فتتئم
ومما عاب الامدي على الشاعر البحتري في قوله :
نصرتلها الشوق اللجوج بادمع=تلاحقن في اعقاب وصل تصرما
وهنا يتضح الخطأ على حسب لعرف السائد وذلك لان المدي يرى ان الشوق يشفيهالبكاء ولايزيد منه وكذلك يطالعنا من ناحية مخالفة العرف اللغوي ابي تمامعندما يقول :
اذامارحى دارت ادرت سماحة=رحى كل انجاز على كل موعد
ومما يعاب عليه انه أي ابي تمام جعل انجاز الوعد كالطحن بالرحى وهو قضاء عليهوهذا في العرف اللغوي لا يكون الا للاخلاف .
_ الاصابة في الوصف :
وهيذكر المعاني التي هي الصق بمثال الموصوف مثلاً كان مصيباً لا لانه مدح هرم بنسنان بصفاته الخاصه بل لانه مدح بصفات عامه للرجل الكريم وكان عمر الفاروقيقول ((كان لايمدح الرجل بما لايكون في الرجال )) .
-المقاربه في التشبيه : واصدقه ( مالاينقص عند العكس ) كتشبيه الخد بالورد او العكس وقد ذكرالمرزوقي في شرح ديوان الحماسه واحسنه ما اوقع بين شيئين اشتراكهما بالصفاتاكثرمن انفرادهما كي يبين وجه الشبه بلا كلفهالا ان يكون المراد من التشبيهاشهر صفات المشبه به واملكها لانه حينئذ يدل على نفسه ويحميه من الغموضوالالتباس ).
-مناسبة المستعار منه للمستعار له :
بحيث تكون الصله بينالمستعار منه للمستعار له واضحه وواقعيه وبينهما اشياء مشتركه لا ان تكونالعلاقه بعيده بين الاثنين لان ذلك يكون عيبا في استخدام مبدأ الاستعاره منالطرفين وهذا ماوقع به ابي نواس حين قال :
بحصوت المال مما=منك يشكو ويبوح
فالشاعر هنا يريد ان المال يشكو من يدي الكريم من شدة العطاء الا انالاستعاره هنا كانت غير موفقه لان المال والانسان لاصلة بينهما .
_التحاماجزاء النظم والتئامها :
وهو الانتقال من جزء في القصيده التقليديه الىجزء اخر دون الاخلال في الوحده العضوية للقصيده ويكون الانتقال بشكل جيد الااننا نرى ان النصوص الشعريه في العصر الجاهلي لم تراعي هذا الامر فالشاعرالجاهلي كان يتنقل من موضوع الى اخر كالاستهلال بالغزل ثم المدح او البكاءعلى الاطلال ومن ثم التوجه لموضوع اخر مغاير تماما لما استهل به الشاعر الاان مايحسب بشكل عام لشعراء ذلك العصر واقصد به هنا الجاهلي هو حرفية الانتقالبين المواضيع بشكل جيد حتى ان النقاد العرب شفعوا للشعراء في العصور التاليهوحتى الحديث منها هذا التقطيع في مواضع القيده لانهم وباختصار اخذوا النصالجاهلي انموذجاً للنقد .
_ عمود الشعر :
وحول عمود الشعر وما انبثقمنه من امور النقد والياته نجد ان مسائل الخصومه بين القدماء والمحدثينوالذين انحرفوا عن قليلاً في صناعتهم عما يقتضيه عمود الشعر من اصول وقد كانهناك فريقا من النقاد العرب الذين تعصبوا للقديم لقدمه ونجد ذلك عند الرواةواللغويين بشكل خاص ، كابي عمرو بن العلاء والاصمعي ، وكان ابو عمر لايحتجببيت من الشعر الاسلامي ، وكان يقول (( حتى ان هممت ان امر فتيانا بروايته )) ولا قيمة لهذه الاراء الا ان القول الفصل في هذه الاشكاليه كانت لابن قتيبه: (( .. ولا نظرت الى المتقدم منهم بعين الحلالة لتقدمه ، ولا المتاخر منهمبعين الاحتقار لتاخره ، بل نظرت بعين العدل للفريقين ، واعطيت كلا حقه .. ولميقصر الله العلم والشعر والبلاغه على زمن دون زمن ولا خص به قوما دون قوم )) وقد انتبه النقاد العرب الى في موازنتهم بين الشعراء والتي من خلالها ظهرتالخصومه بين القديم والحديث الى التاثير البيئي والمكاني والزماني ايضافالاختلاف بين بيئة البدو وجزالة الالفاظ عندهم وقوة الاعراب وبين الحضروسهولة الالفاظ والمعاني وخاصة بعد الاسلام حين اتسعت رقعة الدوله الاسلاميهوشملت ممالك وحاضرات جديده ونزوح البدو الى اجواء المدينه والحضاره الجديدهبالنسبة لهم بدأ الناس هنا يستسيغون الالفاظ السهله والمعاني العذبه لسهولةانتشارها بين ارجاء المعموره واتذكر هنا انه كان من اوائل من تعرض للتاثيرالبيئي في الشعر هو ابن سلام الجمحي في طبقاته فهو من استعرض شعر عدي بن زيدوبين سهولة الالفاظ لديه ولينها الى بيئته المتمثله بالحيره وريفها وعلل قلةشعر اهل الطائف وقريش بسبب قلة الحروب لديهم .
وبعد ان استعرضنا هذهالاتجاهات الادبيه ارجو ان اكون قد اعطيت الدراسه حقها واستطعت ان اوضح نقاطاربما تكون في الماضي مبهمه على البعض ... هذا وان اخطأت فمن نفسي والشيطانوان اصبت فمن الله عزوجل .

**د لا ل**
2013-03-21, 17:50
الأدب والترجمة وحوار الحضارات

أمل زاهد









تلعب الآداب الإنسانية والفنون دورا بارزا ومهما في التواصل بين الشعوب، والتقريب بين الثقافات المختلفة والعبور إلى رؤية الآخر ومحاولة التماس مع معاناته والاقتراب من تخوم آلامه والاطلاع على حياته من خلال ما يتم وضعه تحت مجهر العرض عبر تلك الآداب والفنون. من خلال الآداب الإنسانية نستطيع أيضا أن نعزز نزعة الأنسنة التي باتت ضرورة ملحة في وقتنا الحاضر، فعالمنا المجتاح بالمد الأصولي بكافة أنماطه ومختلف صوره، والمتلظي بنيران العنف الديني والواقع تحت وطأة الصراعات القائمة على النزعات الدينية والمذهبية والشوفينية والعرقية أحوج ما يكون إلى أن نبذر في تربته ثقافة تقبل الآخر ومحاولة فهم طريقة تفكيره والتعرف على معاناته من منظور يُعنى بتصوير تلك المعاناة الإنسانية كهم كوني وشأن عالمي. فيصل المتلقي إلى المعرفة اليقينية أن الإنسان هو الإنسان بكل ما يعتريه من هموم وشجون، وما ينتابه من ألم وقلق وهواجس، وما يتأجج في أعماقه من أسئلة شائكة تتعلق بوجوده والهدف منه وموقعه من الكون ورؤيته للحياة وموقفه منها، وبكل ما يحفل به تكوينه أيضا من تناقضات ومن نوازع نفسية متباينة مهما نأت المسافات أو تباينت الأديان أو اختلفت الثقافات.

يأتي الأدب ليهشم الحدود الجغرافية ويحطم حدود الزمان والمكان، ويحرر المتلقي من الدوائر الثقافية المغلقة.. تلك الدوائر التي تجعله يدور في أفلاك أحادية غير قادر على رؤية ما يدور على الشاطيء الآخر، فيمرق من خلال عالم الأدب الساحر وعبر امتطاء صهوة الخيال المجنحة إلى عالم لم يكن ليعرف عنه شيئا لولا حميمية الحروف وثراء الكلمات والتعابير وقدرتها على فك شيفرة معاناة الإنسان ونقلها كصور حية ثرية مفعمة بالحياة وحافلة بمدها وجزرها.. فرحها وحزنها. فيتم له كشف النقاب عن ثقافة مختلفة والاطلاع على تفاصيل حياة وطرق تفكير وأساليب معيشة تختلف عما يعايشه في حياته اليومية، فيعبر من فوق جسر الأداب والفنون لينتقل إلى عالم جديد زاخر بالمتعة ومفعم بالجدة والاختلاف.

والأدب يؤكد لنا من خلال ما يعرضه علينا من شخصيات مختلفة وأنساق ثقافية متابينة وأنماط اجتماعية متمايزة أن الإنسان يهجس بما يهجس به أخوه الإنسان ذلك القريب منه أو الآخر القابع على الجزء المقابل من الكرة الأرضية والمنتمي إلى ثقافة مختلفة، وأنه يحمل نفس الهم والقلق والخوف والوحدة والحنين إلى الإحساس بالأمان والتوق إلى الانعتاق. ذلك الإنسان المشتعل وجدانه بحب الأوطان والذي يشكو من عقوق الأوطان ومن تنكرها لأبنائها المخلصين في بقع كثيرة من الأرض ..الإنسان الذي يمزقه الظلم ويتناهشه الاضطهاد ويروم العدالة والحرية والمساواة.. الإنسان الذي يبحث عن الحب والدفء والعلاقات الحميمة التي توفر له قدرا من الطمأنينة وتشحن أعماقه بحب الحياة وبالقدرة على ابتلاع قسوتها وبشاعتها.. الإنسان الذي تطحنه الحروب ويمزقه التناحر على السلطة والهيمنة، وتنتهك أرضه وكرامته وتمارس عليه أبشع أنواع الإذلال والتعذيب.. الإنسان الذي يعذبه صراع الخير والشر الدائر في أعماقه أبدا والمتطلع إلى المثالية والمتشوق إلى الكمال والهاجس بالخير والحق والجمال.

وحين نقرأ الأعمال الأدبية العظيمة على اختلاف كتابها والزمان والمكان المنتمين إليه، وعلى تباين خلفياتهم الثقافية ومشاربهم الفكرية، لا نملك إلى أن نتعجب حين نرى ملامح وقسمات بعض شخصياتها في شخوص نشاهدها ونراها ونقابلها في حياتنا اليومية. وندهش أكثر حين نرى كيف يتمكن المبدع من تصوير مشاعر انتابتنا وآلام صالت وجالت داخل نفوسنا بحرفية واقتدار ومهارة، وكيف يتمكن من سبر أغوار المنولوج الداخلي للنفس البشرية والإبحار في أعماقها وتصوير خلجاتها ونحت تداعياتها حين تتعرض لحدث جلل أو لإشكالية مفصلية تغير مسارها أو تهز قناعاتها أو تبدل ملامحها. وهنا تكمن عبقرية الأدب..فاستحضار شخصيات نلمس فيها معاناتنا ونتحسس فيها أوجاعنا قادر دائما على شدنا وجذبنا إلى مجاله المغناطيسي الساحر فالأدب القادر على اعتقال حالة وجدانية إنسانية تعتري النفس البشرية في كل زمن ومكان، ثم وضع هذه الحالة في إطار فني لغوي هو دون شك أدب خالد لا يبليه قدم عهد ولا يقلل من أهميته وتميزه مرور زمن !!

تتحدث الدكتورة (ايزابيلا كامرا) أستاذة كرسي الأدب العربي في كلية الدراسات الشرقية بروما في حوار لها في جريدة الوطن السعودية عن أهمية التعرف على أدب الآخر حتى يتم تفعيل حوار الحضارات، فترجمة الأدب تساعد الغرب على فهم العرب وتعلي من قيم الحوار والتبادل المعرفي بين الشعوب. وتؤكد الدكتورة ايزابيلا أنها لم تتلق أي دعم من المؤسسات الإيطالية أو العربية، ولكنها قابلت في عام 1993 مالك دار نشر هو( جوفينس ) واقترح عليها البدء في ترجمات من الأدب العربي المعاصر، وقد ترجمت الدكتورة ايزابيلا روايات وقصص لأهم الكتاب العرب كنجبيب محفوظ وغسان كنفاني وعبد الرحمن منيف وأميل حبيبي وجمال الغيطاني وغادة السمان وغيرهم وقامت أخيرا بترجمة عدد من القصص القصيرة لأديبات سعوديات. وتقول أن ترجمتها لروايات غسان كنفاني إبان الثمانينيات ساعدت العديد من القراء في فهم القضية الفلسطينة.

ولكننا لا نزال غير مدركين لأهمية عرض قضايانا وتعريف العالم بها وإجلاء صورتنا وتبييض معالمها التي شوهتها أحداث 11 سبتمبر عن طريق الأدب والفن وعن طريق ترجمة أدبنا إلى اللغات الأخرى، فما يتم ترجمته من وإلى العربية في العالم العربي بأسره لا يضعنا في مقارنة مع أصغر الدول الأوربية مساحة وأقلها سكانا وأضعفها اقتصادا، ناهيك بالطبع عما تقوم به دولة كإسرائيل من جهود لتأطير صورتها من خلال الإعلام. وقد ظل المخرج العربي العالمي الراحل ( مصطفى العقاد ) يبحث لسنين طويلة عن ممول أو مؤسسة تساعده في إنتاج فيلم عن صلاح الدين الأيوبي ورحل ولم يتمكن من تحقيق ذلك الحلم الذي راوده لمدة طويلة. بينما ينفق اليهود مليارات الدولارات على الإنتاج السينمائي حتى يتم لهم حقن الرأي العام العالمي بما يريدونه، وانتزاع تعاطفه وتأليب مشاعره ضد العنف الذي وقع عليهم إبان المحرقة النازية، فأقاموا الدنيا ولم يقعدوها بسببها وتمكنوا من حشد المشاعر الغربية في صفهم من خلال مهارتهم في عرض تلك القضية. ولإدراكهم أهمية فن السينما ومدى تأثيره في الناس في وقتنا الحالي، ضغطوا على مخرج فيلم ( آلام المسيح ) ( ميل جبسون ) حتى يحذف عبارة من الترجمة الإنجليزية تؤكد مسؤليتهم عن دم المسيح، فتم حذفها من الترجمة بينما بقيت العبارة صوتا فقط باللغة الآرامية في الفيلم كما ذكرت في الإنجيل.

تمت ترجمة الكثير من الأعمال الأدبية المصرية إلى العبرية ومعظم هذه الترجمات تتم لأغراض استطلاعية أو استخبارية وذلك للتعرف على طبيعة المجتمع المصري ورؤية قاعه عن كثب، وغالبا ما تنفذ هذه الترجمات دون الحصول على موافقة كاتب العمل وهو ما عبر عنه الروائي يوسف القعيد ب ( اغتصاب التطبيع )، وآخر من تعرض عمله لاغتصاب الترجمة هو علاء الأسواني فقد ترجمت روايته ( عمارة يعقوبيان ) إلى العبرية دون موافقته وذلك حسب ما ورد في تحقيق في منتدى صحيفة الشرق الأوسط الثقافي عن ترجمة الأدب العربي للعبرية.

**د لا ل**
2013-03-21, 17:52
إطلالة على السخرية عند أبي العلاء المعري -* فوزي معروف *



السخرية سلاح الروح العظيمة لقهر المتاعب، ولعل المثل المعروف الأقدم هو "سقراط الذي سخر من قاتله وهو يتجرع كأس السمِّ قائلاً يرد على تلاميذه الذين كانوا يرددون: "من المؤسف أيها المعلم أن تموت دون ذنبٍ ارتكبته" "وهل تظنون أن الموت كان يمكن أن يكون أسهل لو كنتُ مذنباً" ضحك تلاميذه بين دموعهم وثار حقد أعدائه أكثر.


أحد رجال الثورة الفرنسية قال قبيل إطلاق الرصاص عليه: "رصاصة واحدة تكفيني دع الباقي لبريء آخر" أضحك قولهُ الحاضرين بينما أثار حنق خصومه.


السخرية العميقة قدرُ العظماء من بني البشر من سقراط أول الساخرين المعروفين إلى الجاحظ والمعري إلى برناردشو ومارك توين...


ويتميز الساخر العظيم بأنه يضع يده على القاع الروحي لمن يعيشون حوله وهذا يكاد يكون واحداً عند معظم شعوب الأرض.. ولعل هذا الأمر يكمن وراء تشابه الأدب الساخر عند كثير من الشعوب وبخاصة تلك المتقاربة جغرافياً التي تتقاطع في نصوصها الساخرة هموم مشتركة ومشاكل متشابهة.


والأدب الساخر أدب عالمي لا يخلو منه تراث أمة حيّة.. فالإنسان أينما كان يعالج نواقصه عندما يسخر منها... وكثيرون من الناس يؤمن أن السخرية إحدى الطرق لتغيير الواقع، أو هي أحد أشكال المقاومة، والأدب الساخر لا يقصد الإضحاك فقد بل له أهداف وغايات من أهمها: الحفاظ على قيم المجتمع العليا، تكريس السلوك القويم، تعديل مجرى اتجاه متطرف.. لأن السخرية تهاجم دائماً التصلب في الفكر والطبع والسلوك ساعية لجعل طباع المجتمع أكثر مرونة كما أن السخرية تترجم حالة روحية حين تنحرف القيم ويسود الزيف.


وكثيرون يرون أن السخرية سلاح يحمي الروح من ضعفها كما يرون فيها تعبيراً عن مأساة هي أكبر من أن يتحملها الضمير الإنساني كما يحدث الآن في الأراضي العربية والعراق المحتلة إذ معظم التعبير عن الواقع العربي الآن يميل إلى السخرية.


تتوهج السخرية حين يمر الإنسان بظروف تشعل الروح وتمزق الأعصاب.. وهذا ما كان مع (غوغول) حين وصل الواقع الروسي إلى حدٍ من السوء لا يُطاق إذ ذاك ظهرت سمة بارزة في أدبه هي "الضحك من بين الدموع" كما قال ناقده "بيلنسكي" آمن بالإضحاك الهادف وتولت السخرية عنده نقل الرسالة المرة في نقد الواقع نقداً إيجابياً.


حين تصبح الآلام هائلة يبتسم المبدعون الكبار بدل البكاء لكنها ابتسامة أفظع من الدموع. تنعكس في كلمات ومواقف ساخرة كما عند ابن الرومي والمعري والجاحظ في تراثنا. والمازني ومحمد الماغوط في واقعنا المعاصر.


الأدب الساخر لون صعب الأداء يتطلب موهبة خاصة وذكاءً حاداً وبديهةً حاضرة(1). وهو وليد المرحلة العمرية الأكثر نضجاً التي تتحرر من العواطف العنيفة...


السخرية الحقة لا تكون إلا مع وجود التوازن الشاق الجميل والنظرة المستوعبة للطبيعة والإنسان ومن أجل ذلك لا تقع السخرية الناجحة النافذة في مرحلة مبكرة من العمر الإبداعي.. إذ لا بد كي تنجح السخرية من يقظة في الروح وهذه قلَّما تتوفر مع حماسة الشباب" ولعل هذا هو السبب في خلو آثار شباب المعري من السخرية العميقة ووجودها بكثافة وعمق في نتاج المرحلة المتأخرة من عمره اللزوميات رسالة الغفران.


الكتابة الساخرة الناجحة، فنٌ صعب المراس، يتوفر لقلة قليلة من بداياتهم الكتابية إذ لا بد من النضج الفكري والاجتماعي حتى يصل الكاتب إلى درجة معينة تؤهله لأن يصير كاتباً ساخراً.. ولعل أعمق الكتابات الساخرة وأبقاها على الزمن هي تلك التي توج بها بعضُ المبدعين حياتَهم بحيث يمكن القول: إن السخرية الناجحة فنُّ المرحلة المتأخرة من العمر نذكر أمثلة منها أفلاطون يقول وقد قارب الشيخوخة "علمتني الحياة أن الجد والصراحة لا مكان لهما في العلاقات الإنسانية".


بعد استقراء نماذج الكتابة الساخرة عند بعض أعلامها يلاحظ المرء أنها تتطلب درجة عالية من المهارة والرهافة...


المهارة: التي تبقي على الشعرة الدقيقة الفاصلة بين المسموح به والمنهي عن التصريح به. باللقطة المحايدة في الظاهر، الوصف الذي يُنطق الحال على نحو غير مباشر والتعليق البريء على مستوى السطح بما يضفي حياداً مراوغاً في وصف المشاهد أو صوغ الحوارات جنباً إلى جنب.


الرهافة: التي تنفر من الإعلان المباشر عن المواقف أو الآراء، فتؤثر التلميح الذكي على التصريح الفج متجنبة العبارات النابية والجمل العاطفية رافضة الاستسلام لغواية أي حال من حالات الهشاشة الوجدانية في البوح، لذلك تبدو اللقطات الإنسانية عند هؤلاء وأمثالهم رهيفة تنطق بأكثر مما تؤديه الكلمات.


ويُلاحظ هنا إن كتابة المعري المتأخرة بخاصة لا تخلو من الوجه الآخر للجد المتجهم... وهو السخرية التي تعطي مذاقاً لاذعاً لكتابته. السخرية سلاح ناوش به مفاسد الواقع حيث ما كان يملك وهو على الحال التي نعرف سوى السخرية لمواجهة واقع أفسده القمع والخوف والسرقة.


إذاً واجه المعري الحياة ومحنتها الدائمة بالسخرية مرة والنفاذ بالوعي والحكمة إلى صميمها مرة أخرى واصلاً إلى ما ظنه اليقين عندما يعلن إيمانه بالعقل وثقته المطلقة فيه دليلاً وهادياً وإماماً.


كذب الظن لا إمام سوى العقل


مشيراً في صبحه والمساء


هذا الذي تقدم لا يعني أن المعري يُعلن أنه يقدم أو قدم نصاً في السخرية ولكننا نستخلص أقواله التي تشير إلى روحه الساخرة في ثنايا ما كتب لتكون فقط عيّنة من أدبه الساخر.. المعري يشبه الجاحظ في سخرياته المقنعة بالجد المتعالية عن الكثيرين من عامة الناس.


هذا المبدع الذي حاول أن يفرَّ من سجونه إلى الجحيم والجنة ليتحدث هناك بحرية ويعطي رأيه بكل ما في الحياة حوله وكان بذلك باراً بقسمه الشهير:


إني وإن كنتُ الأخيرَ زمانه


لآتٍ بما لم تستطعه الأوائل


إن الكثير من لقطات المعري الساخرة تستند إلى آلية المفارقة اللغوية التي تجعل العلاقة بين الدلالة المباشرة والدلالة المنزاحة علاقة قائمة على التقابل الدلالي لأن بنية السخرية تتحقق بوجود دال ومدلولين يكون الأول مباشراً ويكون الثاني ضمنياً... يكون المدلول الأول حرفياً وظاهراً بينما يكون المدلول الثاني قصدياً وضمنياً ولا بد والحال كذلك لكي تحقق السخرية الهدف منها على مستوى الكتابة.. لا بد من تفاعل العنصرين: الكاتب والمتلقي لأن السخرية تحضر في النص من خلال مؤشرات وقرائن فقط يأتي بعد ذلك دور المتلقي في تشييدها لتصبح محققة...


وعند المعري كما عند غيره من كبار الساخرين نجد أن السخرية العميقة هي التي تتحقق بواسطة عدد قليل من المؤشرات إذ تستطيع بهذه المؤشرات القليلة توليد الأثر الساخر الذي يبتعد عن الابتذال.


المقياس الحقيقي للرجل الكبير.. ابتسامته.. روحه المرحة.. قدرته على السخرية من المتاعب.. والمعري واحد من هؤلاء مع أستاذه الجاحظ سيد الأدب الساخر في تراثنا المتوفى عام 255ه وبخاصة في المرحلة المتأخرة من حياته في كتاب البخلاء، ورسالة التربيع والتدوير..


هكذا كان المعري الذي عاش بين عامي 363 449 ه/ 973 1058م/ الشاعر الفيلسوف المتجهم النظرة إلى الحياة والناس.. كان في آثاره التي كتبها بعد مرحلة الشباب من كبار الساخرين في التراث الإنساني تميز بأسلوبه الساخر ذي الدعابة الدكناء التي لم يخلُ منها حتى اسمه الذي قال فيه:


دُعيت أبا العلاء وذاك مينٌ


ولكن الصحيح أبو النزول


***


وأحمد سماني كبيري وقلما


فعلتُ سوى ما أستحق به الذمّا
السخرية عند المعري موقف من العالم، يهجو نقائصه يركز الضوء على أبرز مفارقاته.. موقف يُدمي الروح في اللحظة ذاتها التي يضحك فيها الكائن البشري على ضعفه وتخاذله وخساسته وابتذاله.. قبل أن يضحك بسببها على الآخرين وفي مأثورنا العربي (شر البلية ما يضحك) البلية في كل زمان ومكان من حولنا التي قد نواجهها بأسلحة متعددة ومنها السخرية التي هي أعرق أسلحة البشر وألطفها.


وحين تأتي السخرية من أمثال المعري يسمو الإعجاب إلى درجة عالية، إذ ليس هنا ما هو أشد من سجون أبي العلاء الثلاثة التي عبر عنها بقوله:


أراني في الثلاثة من سجوني


فلا تسأل عن النبأ الخبيث


لفقدي ناظري ولزوم بيتي


وكون النفس في الجسم الخبيث


لأنه كان من الممكن لهذه السجون أن تؤدي كما كان متوقعاً إلى مزاج سوداوي أو غضب عارم على البشر أو مرارة تفحّ بسمومها في وجه الآخرين..


بالعكس إن هذه السجون طهرته من أوضار الحياة وجعلته أبعد ما يكون عن هوس الدنيا وفتنتها، كما جعلته أبعد عن أشراكها.


هذه السجون قادته مع الميل القابع فيه إلى الفلسفة، قادته إلى الحقيقة الإنسانية المتمثلة في التجرد (العزلة) والمشاركة فقد أصبح اتساع عقله الرحب المتفتح ووجدانه الخصب الممتلئ لكل ما يشمل الآخرين صفةً من أبرز صفات المعري وتوجهاً أساسياً يفيض عنه:


فأي الناس أجعله صديقاً


وأي الأرض أسلكه ارتيادا


كأني في لسان الدهر لفظٌ


تضمن منه أغراضاً بعادا


يكررني ليفهمني رجالٌ


كما كررتَ معنىً مستعادا


ولو أني حُبيتُ الخلد فرداً


لما أحببتُ بالخلد انفرادا


فلا هطلت عليَّ ولا بأرضي


سحائب ليس تنتظم البلادا


ولي نفسٌ تحلُّ بي الروابي


وتأبى أن تحل بي الوهادا


السخرية من المتبجحين:


الواسطة التي ترفع غير المستحقين إلى أماكن لا يستحقونها، والتي قضت على أس الأساس لكل تقدم حقيقي وهو "الرجل المناسب في المكان المناسب"... يسخر المعري منها بطريقته في رسالة الغفران حين يقول على لسان "أوس بن حجر".. ولقد دخل الجنة من هو شرٌّ منّي ولكن المغفرة أرزاق، كأنها النشب في الدار العاجلة...".


كما يسخر المعري من الجاهلين الذين يعيشون نعمة الجهل مبتعدين بأنفسهم عن عذاب الفكر واستخدام العقل حين يقول على لسان "طرفة بن العبد" وددتُ أني لم أنطق مصراعاً ودخلتُ الجنة مع الهمج والطغام"(2). وسخر كذلك من أدعياء الشعر والضعفة الذين قالوا ما لا قيمة له ومثل لهم بالرجّاز ولعلهم الذين اختاروا بحر الرجز لقصائدهم مُفْرِداً لهم حديثاً خاصاً بل وجنّة خاصة جمع فيها الرجّاز واختار لهم فيها مكاناً متواضعاً ومن هؤلاء ذكر: الأغلب العجلي العجاج رؤبة حميد الأرقط.. ويتصور المعري في رسالته أن أحد هؤلاء يعترض على رأيه فيهم فيكون رده العنيف: "لو سُبك رجزك ورجزُ أبيك لم تخرج منه قصيدة مستحسنة"


ولا ينجو المدّعون المتبجحون الذين يُعطون أنفسهم ما لا يستحقونها ويضعونها في غير أماكنها من سخريته ومثّل لهؤلاء بأبي القاسم الذي ذكره المعري في بيتين من الشعر فجعله نموذجاً لكثيرين من بني البشر في كل العصور يقول:


هذا أبو القاسم أعجوبة


لكل من يدري ولا يدري


لا ينظم الشعر ولا يحفظ ال


قرآن وهو الشاعر المُقري


ومعظم الناس عند المعري غير عادلين أو منصفين لا يعطون صاحب الحق حقه، أو يبالغون في الثناء على من لا يستحق.. لقد ضاق بأمثال هؤلاء واشتاق إلى بشر يُعطون الحق لأصحابه:


من لي أن لا أقيم في بلدٍ


أذكر فيه بغير ما يجب


يُظن بي اليُسر والديانة والعلمُ


وبيني وبينها حجب


أقررت بجهلي وادّعى فهمي


قوم فأمري وأمرهم عجب


ولعل الناس في زمن المعري مثلهم في زمننا هذا تشغلهم المظاهر ودائماً لا يعبّر مظهرهم عن حقيقتهم.. لذلك سخر من ناس زمنه وفضل عليهم الحجر:


يُحسن مرأى لبني آدم


وكلهم في الذوق لا يعذب


ما فيهم بَرُّ ولا ناسكٌ


إلا إلى نفعٍ له يجذب


أفضلُ من أفضلهم صخرةٌ


لا تظلم الناس ولا تكذب(3)


ولا يغيب عن ذاكرة المتلقي الحادثة التي سخر منها المعري من الجنس البشري الذي لا يفارقه الطمع حتى وهو في الجنة، حين يقف ابن القارح أمام سفرجلة فتتحول من فاكهة إلى جارية حوراء ولكنها نحيلة ضاوية فيسجد صاحبها شكراً لله.. ويخطر بباله وهو ساجد أن جاريته ذات جسم ضاوٍ... وما إن رفع رأسه من سجوده حتى صار ردفاها يُضاهي كلٌّ منهما كثبان عالج وأنقاء الدهناء (مكانان ضخمان في الجزيرة العربية).. فيقع ساجداً مرة ثانية تمجيداً لقدرة الله.. وهو يسمع أصداء أصوات تخبره تحويلها على الإرادة.


معرفة المعري بإنسان عصره وصلت به إلى حد فقدان الثقة الذي عبر عنه بقوله:


عصاً في يد الأعمى يروم بها الهُدى


أبرُّ له من كلِّ خدنٍ وصاحبِ


السخرية من بعض رواة الشعر:


يعقد أبو العلاء في رسالة الغفران مجلساً طريفاً يسخر فيه من طريقة بعض الرواة في الرواية لنصوص الشعر طارحاً في الوقت ذاته الطريقة التي يراها مناسبة... حين يذكر بطله (ابن القارح) بيتين من الشعر للبكري.. يهتف هاتف قائلاً: "أتشعر أيها العبد المغفور له؟ لمن هذا الشعر؟ فيقول الشيخ: نعم حدثنا أهل ثقتنا عن أهل ثقتهم يتوارثون ذلك كابراً عن كابر حتى يصلوه بأبي عمرو بن العلاء فيرويه لهم عن أشياخ العرب.. عن وعن أنّ هذا الشعر لميمون بن قيس(4)


ثم يعرض المعري موكباً من الشعراء يسألهم عما نُسب إليهم من شعر، فينكرون ويتهمون رواته.. يلتفت ابن القارح إلى أعشى قيس فيقول له: يا أبا بصير أنشدنا قولك:


أمن قتلة بالأنقا


ء دار غير محلوله


فيقول أعشى قيس ما هذا مما صدر مني وإنك منذ اليوم لمولَعٌ بالمنحولات!!


وجاء بأبينا (آدم) يسأله عما نُسب إليه من شعر قائلاً: يا أبانا قد روى لنا عنك شعرٌ منه قولك:


نحن بنو الأرض وسكانها


منها خلقنا وإليها نعود


فيقول آدم: إن هذا لقول حق، وما نطقه إلا بعض الحكماء؛ ولكني لم أسمع به حتى الساعة. فيقول: فلعلك يا أبانا قلته ثم نسيت، فقد علمتُ أن النسيان متسرع إليك وحسبك شهيداً على ذلك الآية: ولقد عَهدْنا إلى آدم من قبلُ فَنَسِيَ ولم نجد له عزما(5) فيقول آدم: أبيتم إلا عقوقاً وأذية إنما كنت أتكلم بالعربية وأنا في الجنة، فلما هبطت إلى الأرض، نُقل لساني إلى السريانية فلم أنطق بغيرها إلى أن هلكت، فلما ردني الله إلى الجنة عادت عليّ العربية فأي حين نظمت هذا الشعر؟ في العاجلة أم الآجلة؟ والذي قال ذلك يجب أن يكون قاله وهو في الدار (الماكرة)... ثم يسأل ابن القارح آدم (عليه السلام) عن شعر نُسب إليه لما قتلَ قابيلُ هابيلاً وهو:

**د لا ل**
2013-03-21, 17:53
تغيرت البلاد ومن عليها


فوجهُ الأرض مغبرٌ قبيحُ


فيقول آدم: "... إنكم في الضلالة متهوّكون آليت ما نطقتُ بهذا النظيم ولا نُطق في عصري وإنما نظمهُ بعض (الفارغين) فلا حول ولا قوة إلا بالله!! كذبتم على خالقكم ربكم، ثم على آدم أبيكم، ثم على حواء أمكم، وكذب بعضكم على بعض ومآلكم في ذلك إلى الأرض"(6).


السخرية من الكلام دون فعل:


ما قال المعري شيئاً لم يطبقه في سلوكه فقد كان قدوة نادرة في المطابقة بين القول والعمل إذا ما نهى عن شيء وفعله.. ولعله من هذا الإيمان في المطابقة بين القول والعمل سخر كثيراً من هؤلاء الذين لا يعملون بل يعتمدون على الدعاء، هؤلاء الذين يكثرون القول دون القيام بأي فعل ولعل هذا ما قصد إليه في (الصاهل والشاحج) حين هدد البعيرُ البغلَ بالدعاء عليه فكان ردُّ البغل: "أما تخويفك إياي بدعائك، فإن الوحش الراتعة تبتهل على سيد الغابة مذ كانت الخليقة، وما لقي من دعائها إلا خيراً وكذلك صغار الطير يدعون على الباز والأجدل (الصقر) وما يزدادان بذلك إلا رغبة في صيدهن، والظباء والسُماسم (صغار الثعالب) يرغبن إلى ربهم في هلاك الذئب والكلب الصائد فما سُمع منهن دعاء"(7).


لو كان المعري بيننا اليوم لما احتاج أن يقول غير هذا الذي قاله أمام العجز العربي الذي يكتفي فقط بالدعاء على الأشرار والسفاحين بالموت.


يسخر المعري من هذا الإجماع على الذل والهزيمة وتلقي الإهانات بصدر رحب فيقول:


على الذم بتنا مجمعين وحالنا


من الرعب حالُ المجمعين على الشكر


ونتساءل هل قرأ المعري المستقبل الذي نحن فيه حيث وصلنا إلى العالم الجديد الذي يتساوى فيه الإرهابي مع المدافع عن حقوقه (المقاوم) يتساوى فيه الشهيد مع المقتول. يتساوى فيه الجلاد والضحية حين ذكر الحادثة التالية:


".. وبعد أن صار ملك الحيوانات من أهل الجنة، يفترس ما شاء الله مما حوله، فلا تتأذى الفريسة التي تجد من اللذة وهي تؤكل كاللذة التي يجدها ملك الحيوان وهو يأكل!!


يسخر من الجهل والتقليد:


لقد ساد الجهل بين الناس لدرجة صاروا معها يقبلون ما ترفضه العقول ويصور ذلك بسخريته:


لقد صدّق الناسُ ما الألبابُ تبطله


حتى لظنوا عجوزاً تحلب القمرا


أناقة هم أم شاة فيمنحها


عساً تغيثُ به الأضياف أو غمرا؟


ساد الجهل حتى تساوى المبصرون مع العميان.. ولعل المعري يثأر لعماه حتى يُكثر من السخرية بالمبصرين الذين لا يريدون الاستفادة من نعمة الإبصار التي وهبها الخالق لهم، يقول:


وبصيرُ الأقوام مثلي أعمى


فهلموا في حندسٍ نتصادم!


وأما المقلد الذي يعتمد النقل دون العقل، والذي لا يعمل فكره في شيء يعرض له يتناوله المعري بقوله:


في كل أمرك تقليدٌ رضيت به


حتى مقالك: ربي واحدٌ أحدُ


يؤمن المعري بقدرة الإنسان العقل على الإبداع المتجدد بتجدد الحياة، ويسخر من أولئك الذين يقولون في كل زمان: ما ترك الأول للآخر شيئاً.. يسخر قائلاً: "ليس أضرَ على العلم من قول القائل ما ترك الأول للآخر شيئاً" وقد عبر عن إيمانه هذا ببيته الشعري الأشهر


إني وإن كنت الأخير زمانه


لآتٍ بما لم تستطعه الأوائل


السخرية من شعراء التكسب:


يسخر شاعرنا من شعراء التكسب فلا يسلم أحد من صورة ساخرة نالته يقول:


تكسب الناس بالأجساد فامتهنوا


أرواحهم بالرزايا في الصناعات


وحاولوا الرزق بالأفواه فاجتهدوا


في جذب نفع بنظمٍ أو سجاعات(8)


ويعتبر المتكسب بالشعر إهانة أو وصمة عار على جبين الشعر الحقيقي:


ومغرم بالمخازي طالب صلة


مغرى بتنفيق أشعار له كسد(9)


ويقول: إذا سار شعر التكسب وانتشر بين الناس فإن الشعر الحقيقي يُصاب بالكساد:


يحق كساد الشعر في كل موطن


إذا نفقت هذي العروض الكواسد(10)


في كتابه (الصاهل والشاحج) يتحدث عن شعر التكسب على لسان الشاحج (البغل) فيقول:


"فإني كرهتُ أن أتصور بصور أهل النظم المكتسبين الذين لم يترك سؤال الناس في وجوههم قطرة من الحياء، ولا طولُ الطمع في نفوسهم أنفة من قبيح الأفعال".


لأن الشعر عند المعري "إذا جُعل مكسباً لم يترك للشاعر حسباً، وإذا كان لغير مكسب حَسُنَ في الصفات والنسب".


ولا يسلم (ابن القارح) بطلُ رسالة الغفران من سخرية أبي العلاء حين حاول أن يتوسل طمعاً بدخول الجنة يقول المعري على لسان بطله: "... زينتْ لي النفسُ الكاذبة أن أنظم أبياتاً في (رضوان) خازن الجنة عملتها على وزن:


قفا نبك من ذكرى حبيب وعرفان


ورسم عفت آياته منذ أزمان


ووسمتها ب (رضوان) ثم ضانكت الناس، حتى وقفت منه بحيث يسمع ويرى فما حفل بي ولا أظنه أبهَ لما أقول..


ثم عملتُ أبياتاً على وزن:


بان الخليط ولو طووعتُ ما بانا


وقطعوا من حبال الوصل أقرانا


ووسمتها برضوان ثم دنوت منه ففعلتُ كفعلي الأول.. فلم أزل أتتبع الأوزان التي يمكن أن يوسم بها رضوان حتى أفنيتها وأنا لا أجد عنده مغوثة ولا ظننته فهم ما أقول؟!


لم يستجب (رضوان) فملأ اليأس والحزن روح ابن القارح فصاح بأعلى صوته وقال:


"قد مدحتك بأشعار كثيرة ووسمتها باسمك.." فقال: ما الأشعار فإني لم أسمع بهذه الكلمة قط إلا الساعة؟ فقلت الأشعارُ جمعُ شعر والشعر كلام موزون تقبله الغريزة على شرائط...


وكان أهل العاجلة يتقربون به إلى الملوك والسادات..".


ولكن رضوان طرده فانصرف إلى خازن آخر يتوسل إليه بالشعر ولقي منه ما لقي من الأول... ولعل هذا الموقف صرف ابن القارح عن الاهتمام بآداب الجن معللاً بذلك بقوله: "لقد شقيتُ في الدار العاجلة بجمع الأدب ولم أحظ منه بطائل، وإنما كنتُ أتقرب به إلى الرؤساء فاحتلب منهم درّبكي.."(11).


يتساوى المدح والهجاء عند المعري حين يبالغ المادحون (الشعراء) فيسبغون على الممدوح صفات ليست فيه يقول:


إذا أثنى عليّ المرء يوماً


بخير ليس فيَّ فذاك هاجِ(12)


***


سيّان عندي مادح متخرص


في قوله وأخو الهجاء إذا ثلب(13)


أما إذا بالغ المادح في إضفاء صفات ليست لبني البشر على ممدوحه فإن الهجاء في هذه الحالة يكون أفضل:


إذا كان التقارض من محال


فأحسنُ من تمادحنا التهاجي(14)


يقبل المعري الهجاء من (الحطيئة) لأن الهجاء عند هذا الشاعر يمثل الوجه الحقيقي لنفسه، ولعل هذا الصدق مع النفس والانسجام مع الذات هو الذي جعل مؤلف رسالة الغفران يجمع بطله (ابن القارح) مع الحطيئة ليصفه بالصدق في هجوه لنفسه.. وحين يذكره بممدوحه الزبرقان بن بدر يقول الحطيئة:


"انتفع بهجائي ولم ينتفع غيره بمديحي"(15)


السخرية من شعر المدح جعلت المعري يتنكر لشعر المدح الذي قال بعضاً منه في ديوان صباه (سقط الزند). قال في مرحلة عزلته ونضجه: "مدحت فيه نفسي فأنا أكره سماعه" ويقول تلميذه التبريزي "رأيته يكره أن يُقْرأ عليه شعر صباه في (سقط الزند) وكان يحثني على الاشتغال بغيره من كتبه مثل "لزوم ما لا يلزم"(16).


سخريته من الأدباء المتكسبين:


أمام عجز الأدباء والمفكرين العرب عما يجري في الوطن العربي.. وأمام شجاعة بعض أصحاب الضمائر الحية من الأدباء والمفكرين في العالم؛ أمام هذا وذاك تتألق سخرية المعري من أدباء عصره الذين يقودون الناس إلى الكذب والذل:


وما أدب الأقوام في كل بلدةٍ


إلى المين إلا معشر أدباء


بهذا البيت أعاد المعري كلمة أدب إلى معناه الأصلي هو الدعوة إلى الطعام والأدب دائماً دعوة... إلخ... لكنه في بعض العصور صار دعوة إلى الموت لا إلى الطعام


وكل أديب أبي سيدعى إلى الردى


من الأدب لا أن الفتى متأدب(17)


صناعة الأدب الإبداع يربأ بها المعري أن تنزل إلى السوق فتعرض للبيع للطغاة والأغنياء، وهذا ما سخر منه صاحب (رسالة الغفران) في حوار تخيله بين إبليس وأديب حلبي "يقول إبليس: من الرجل؟ فيقول: أنا فلان بن فلان من أهل حلب، كانت صناعتي الأدب أتقرب به إلى الملوك فيقول إبليس: "بئس الصناعة إنها تهب رغفاً من العيش لا يتسع بها العيال وإنها لمزلة بالقدم"(18).


ولا نظن أن المعري يقف بسخريته عند أهل الأدب فقط، بل يتعدى ذلك ليسخر من المجتمع بكافة فئاته وجوانبه الذي لا يقدر المبدعين والأدباء حق قدرهم... لأن السائد في عصر المعري كما في عصرنا هذا أن الجاهلين يعيشون بنعمةٍ وغنى يفوق الحد، بينما لا يجد المبدعون ما يسدُّ رمقهم، ونتساءل هل هذا الواقع كان وراء صرخة المعري البائسة في اللزوميات؟‍!


إنا لِمَا نحنُ فيه من عنت


فكلنا في تحيل ودلس


السخرية من بعض النحويين:


سخر المعري من النحاة واللغويين الذين عقدوا مسالك النحو وأحالوه إلى طلاسم وألغاز بعد أن كان مع الأوائل من النحويين حلو المجتنى يلبي حاجات النطق، حيث لم يكن فيه تكلف أو تصنع على يد أبي الأسود الدؤلي والخليل بن أحمد، ولكنه صار صعباً مطلوباً لذاته على يد الأخفش والكسائيُ والفراء وأمثالهم الذين عقد لهم في رسالة الغفران مجالس ساخرة وشغلهم بجمهرة من المسائل النحوية والصرفية واللغوية وجعلهم في الفردوس (متحابين) بعد أن كانوا في الدار العاجلة (متباغضين).


فقد غسل صدر أحمد بن يحيى (ثعلب) من الحقد على (محمد بن يزيد (المبرد) فصارا يتصافيان ويتوافيان... وسيبويه قد طهرت سويداء قلبه من الضغن على علي بن حمزة (الكسائي) وأصحابه لما فعلوا به في مجلس البرامكة.


وقد شغل النحاةُ بطلَ رسالة الغفران ابن القارح بكلامهم حتى ضاع منه صك التوبة وجعل يلومهم على هذه الضجة قائلاً: "كنت قد رأيت في المحشر شيخاً لنا كان يدرس النحو في (الدار العاجلة) يعرف ب (أبي علي الفارسي) وقد امترس به قوم يطالبونه ويقولون: تأولت علينا وظلمتنا فلمّا، رآني أشار إليَّ بيده فجئته فإذا عنده طبقة منهم (يزيد بن الحكم الكلابي) وهو يقول: ويحك أنشدت عني هذا البيت برفع (الماء) يعني قوله:


فليت كفافاً كان شرك كلُّه وخيرك عني ما ارتوى (الماء) مرتوي


ولم أقل إلا (الماء) بالنصب، وإذا جماعة من هذا الجنس كلهم يلومونه على تأويله فقلت: يا قوم: إن هذه أمور هينة فلا تعنتوا الشيخ فإنه يمت بكتابه في (القرآن) المعروف ب (كتاب الحجة) وأنه ما سفك لكم دماء ولا احتجن عنكم مالاً فتفرقوا عنه(19).


ويعقد بين اللغويين في جنته حواراً فينصرفون عما هم فيه من نعيم يتجادلون حول اسم (سلال) في الجنة(20).


ومعظم النحاة عند المعري أهل تزيّد ومبالغة لم يتورعوا من الاستشهاد بكلام طفل أو امرأة ليست بذات بال(21)…. وبلغت سخريته بالنحاة أن جعلهم مشغولين ببطونهم بعد أن اطمأنوا لمكانهم في الجنة فأبو عبيدة اشتهى طاووساً مشوياً من طواويس الجنة وقد رآه طائراً يروق من رآه حسناً متمنياً أن يشوى بالخل فيكون كذلك في صفحة من ذهب… وحين تمر إوزة من فوقهم تشرئب أعناقهم فيشتهيها بعضهم مشوية أو كَرْدَناجاً أي كباباً بالفارسية، أو معمولة ب (سماق) أو ب (لبن وخل). فتكون على ما يتمنون، وحين بلغوا ما تمنوه قال أبو عثمان المازني للأصمعي: "يا أبا سعيد. ما وزن إوزة؟ فيقول الأصمعي: "أإليّ تعرّض بهذا يا فُصْعُل؟"(22) وطالما جئت مجلسي بالبصرة وأنت لا يرفع بكَ رأس(23).


وتجلت سخرية المعري بالنحاة حين صور فرح أهل الجنة بضياع النحو.. فرحوا لأنهم عندئذٍ فقط سوف يتكلمون بلغة الأصول النقية التي لم تصلها يدُ نحوي لأن الناس احتاجوا في الدار الفرارة إلى علم النحو واللغة لأن العربية الأولى أصابها تغيير".


بهذه الإشارات الدالة الساخرة يضع المعري أيدينا على فكره اللغوي القائم على العودة إلى الأصول الصافية… وإذا كان يؤمن بضرورة النحو من أجل سلامة اللغة.. فإنه أعلن في جدّه وسخريته عدم ثقته بالنحو المتخم بالتكلف والاصطناع والتأويل، الأمر الذي دعاه لأن يهتف في كتابه "الأيك والغصون" يا نحو يا نحو حُقَ لما كتب فيك المحو"(24).


سخر المعري من النحاة وتخيل جدلهم ونقاشهم مثل هدير الجمل إذ أضاع المتأخرون النحو التقي الأصيل الذي خلفه الأوائل.. فلو عاش الدؤلي حتى يسمع كلام الفارسي في الحجة ما فهمه فيما أحسب إلا فهم الأمة هدير السنداب(25).


بعضُ الشخصيات.. بعضُ القضايا.. تبقى أهميتها براهنيتها وليس بتاريخيتها.. وحديثنا اليوم عن المعري لراهنيته حيث ابتعد بنفسه عن الانشغال باليومي الزائل بأدب المناسبات. وعانقه شوق الكتابة العقلية المفتوحة الآفاق بحيث تتعدد القراءة معها بتعدد القراء…


فمن قرائه منْ وجد في كتابات المعري سيطرة العقل على الإبداع.. ومنهم منْ وجد مرارة السخرية ومنهم منْ وجد الآثار النفسية للحرمان الذي عاشه سجين المعرة الذي لم يستطع التواصل مع الآخرين إلا من خلال الإبداع الذي حاول من خلاله فتح حوار مع الآخرين كما حاول من خلاله تجاوز الهوة التي تفصله عن الآخرين فبنى مملكته من الكلمات والصور "الخيال" ولعل لذة الإبداع والكتابة كانت البديل عن التواصل مع الآخرين.


السجن المركب الذي عاشه فتح خياله الأدبي وحسَّه الفني فانبرى يبدع… فكانت (رسالة الغفران) إحدى الثمرات تميزت بقضايا هامة منها… تمردها على الأجناس الأدبية المعروفة في النثر العربي حتى أيام المعري.. تعدّى فيها المقامة وتعدّى الرسالة الإخوانية كما تعدّى النثر المسجوع. وأعاد للنثر العربي حريته التي عرفها عند (الجاحظ)..


كل ذلك وغيره جعل (رسالة الغفران) مأدبة أدبية متنوعة الأشكال والصنوف والألوان فيها من الترسل طرف ومن الخير الأدبي نصيب ومن الخرافة والأعاجيب ألوان.. فيها المقامة، فيها الشعر بنفحه وإيقاعه…


هذا التنوع غذى (رسالة الغفران) بهذه الشعرية الفذة التي لا تنفك تغذي القراءة وتفتح أبواب البحث والدراسة.


هذه إطلالة مفيدة بحدود الوقت على السخرية عند أبي العلاء (المعري) الذي لم تفارقه الابتسامة طوال رحلته في (رسالة الغفران)…


والواقع أن المعري هو الذي قام بتلك الرحلة وليس صديقه ابن القارح الذي هو هنا في رسالة الغفران قناع للمعري، اسم مستعار له، دريئة يختفي وراءها رغم حقيقته التاريخية.


في هذه الرسالة يبلغ المعري ذروة السخرية الأمر الذي رفعه إلى مصاف الساخرين الإنسانيين العالميين الكبار.. إذ تميز بهذه الرسالة بروعة الخيال وعبقرية السخرية. ودائماً.. العبقرية المبدعة لا مكانية ولا زمانية كما يقول فيتكور هوغو.


المصادر والمراجع


1 أبو العلاء المعري بين الشعر والفلسفة، مصطفى موسى، مقال في مجلة الفصول الأربعة ليبيا السنة الرابعة العدد 27 كانون الأول عام 1984 ص 102 111.


2 أسلوب أبي العلاء، عمر فاخوري، مقال في مجلة الطريق، العدد 18 19 تشرين الأول عام 1944 لمناسبة الذكرى الألفية لمولد أبي العلاء المعري وقد أعيد نشر المقال في مجلة الطريق العدد الثاني، نيسان 1982.


3 بين أبي العلاء وهنري ميشو، رفيق حويجاتي، مقال نشر في مجلة (المعلم العربي) العدد الخامس عام 1983.


4 رسالة الغفران، أبو العلاء المعري. تحقيق الدكتورة عائشة عبد الرحمن، بنت الشاطئ القاهرة. طبعة دار المعارف بمصر 1963.


5 اللزوميات لزوم ما لا يلزم، أبو العلاء المعري، أشرف على الاختيار والتصحيح عمر أبو النصر، بيروت، دار عمر أبو النصر وشركاه. الطبعة الثالثة عام 1971.


________________________________________


* باحث من سورية.


(1) أدونيس مقدمة الشعر العربي ص 41.


(2) رسالة الغفران ص 338 339.


(3) هادي العلوي.. المنتخب من اللزوميات. ص 205.


(4) رسالة الغفران ص 176 177.


(5) سورة طه آية 115.


(6) رسالة الغفران ص 360.


(7) هادي العلوي المنتخب من اللزوميات.


(8) اللزوميات دار عمر أبو النصر وشركاه ص 60.


(9) اللزوميات دار عمر أبو النصر وشركاه 1/233.


(10) اللزوميات دار عمر أبو النصر وشركاه 1/229.


(11) رسالة الغفران بنت الشاطئ 292 293.


(12) اللزوميات دار صادر 1/372.


(13) اللزوميات دار صادر 1/280.


(14) اللزوميات 208.


(15) رسالة الغفران 307.


(16) شروح سقط الزند 1/3.


(17) اللزوميات دار النصر وشركاه 1/71.


(18) رسالة الغفران 309.


(19) رسالة الغفران 254 255.


(20) رسالة الغفران 280 281.


(21) رسالة الغفران 238.

**د لا ل**
2013-03-21, 18:00
شيء من الحداثة
محمد الميموني

الظاهرة الحضارية والثقافية التي اختزلت في مصطلح الحداثة هي عبارة عن موجات نهضوية متلاحقة انطلقت في الغرب الأوروبي بقوة دفع رياح الحرية منذ مطالع عصور الأنوار وامتدت على مدى أفق شاسع ، وتجذرت في عمق عمودي غائر وأثمرت عقولا خارقة وأذواقا بديعة ما زال أثرها حيا فاعلا في حياتنا ما ظهر منها وما خفي .
بدأت كحركة نقدية كاسحة شملت كل أساليب الإبداع ومناهج التفكير ومسلمات الفلسفة والأخلاق والدين والقانون والسياسة والاقتصاد .. وأفضت إلى انفتاح الوعي الغربي على أبعاد لا عهد له بها، في النفس الإنسانية وطبيعة الحياة وأسرار العالم . وبفضل هذه الحركة النقدية استيقظ الإنسان الغربي على عالم جديد وأدرك بغتة أنه لا يقف على أرض ثابتة كان قد اطمأن لها طويلا . فقد فتحت الأبحاث العلمية أمامه فضاء جديدا أطل من فجوته على ما لا عين رأت ولا أذن سمعت من قبل.
وما الإنجازات الباهرة التي تجلت في كل مظاهر التفكير والإبداع والسلوك وممارسة الحياة في الغرب الأوروبي ، إلا ثمار هذا الفهم الجديد للحياة الذي حرر الأذهان من كثير من المعوقات والكوابح، وأطلق طاقات إبداعية مخَصَّـبة بلقاح التجدد الذاتي الواقي من التكلس والعقم وهو اللقاح الذي استقر كعنصر أساس من بنية الحداثة في كل مراحلها .

كانت الموجات النقدية الأولى قد جرفت كثيرا من مسلمات ومعتقدات القرون الوسطى الأوروبية ،ولكنها أفرزت بدورها مسلمات أخرى هيمنت خلال القرن السابع عشر ، على الحياة الفكرية كأساليب في تلقي العالم وفهمه ، ورغم استناد تلك المسلمات على نتائج البحوث العلمية والفلسفية ، فإنها في آخر المطاف مالت نحو الاستقرار في مدار واحد تستقطبه عناصر ثلاثة هي : الثنائية ، والحتمية ، والآلية .وهي العناصر التي كونت محورا جاذبا دارت حوله كل النشاطات الفكرية والعلمية منذ أواخر القرن السادس عشر وطيلة السابع عشر ،وتكرست كمسلمات علمية لا تقبل الجدل
وكان من أبرز مظاهر التفكير الثنائي ، الفصل الصارم بين الذهن والجسد باعتبارهما هويتين مختلفتين إلى حد اختصاص كل واحد منهما بوظائف لا تمت إلى الثاني بصلة . ويعتبر ديكارت ( 1596 ـ1660 ) أبا هذا التفكير الثنائي بقوله إن الدائرة الداخلية ( الخيال ) مختلفة عن الدائرة الخارجية (الطبيعة ) ومفارقة لها ، وإن الذهن يستطيع أن يفكر منطقيا ويحس ويتخيل بمعزل عن الطبيعة ،بينما يخضع عالم الطبيعة للقوانين العلمية الصارمة (الآلية ).وفي هذا الاتجاه سار العالم الرياضي إسحاق نيوتن (1642 ـ 1727 )بصياغته لقانون الميكانيك (الآلية ).
وبلغت الرؤية الحتمية أوجها على يد أوغيست كونت (1798 ـ 1857 ) الذي حسم القول في المقاييس المتينة والحتمية التي تحكم الواقع المشاهد الذي لا واقع بعده.
في هذا السياق انتعشت واقعية متطرفة أحاطت نفسها بحدود صارمة وقررتها حدودا" واقعية" للكون لا يجوز خرقها إطلاقا، واقتنعت بأن رؤيتها للواقع تقوم على مبادئ ثابتة ومستقلة عن كل تقييم ذاتي لأنها قوانين كونية تعلو على كل الأزمان والثقافات، وأن أي رؤية أخرى للعالم وفهمه خارج هذه الحدود "الواقعية" ليست إلا ميتافيزيقا أو خرافة أو شطحات رومانسية .
وكان من نتائج هذه الرؤية الثنائية أن ساد شعور باغتراب رأى الإنسان الغربي نفسه من خلاله مفارقا للعالم مكتفيا بملاحظة ما يجري فيه ، معلبا ضمن حتمية قوانينه .
وربما اقتنع الإنسان من خلال فكرة الفصل بين الذهن والطبيعة أنه معفى من الاشتغال بما ليس من وظائف ذهنه ما دامت قوانين الذهن مفارقة لقوانين الطبيعة ومستقلة عنها .
1

وأكيد أن القول بالزمان الطولي التعاقبي السائر نحو الأحسن ، وبالمكان الثابت بقوة الجاذبية إلى الأرض ،قد أوهَما الإنسانَ الغربي خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بالثبات والاستقرار الزائفين والزائدين عن الحد.

على هدي هذه الخريطة الفكرية التي كونها الإنسان الأوروبي عن الحياة والأحياء استشعر مرة أخرى، وبثقة زائدة ،أنه واقف على أرض ثابتة ، وسائر على الطريق الوحيد الواصل إلى المستقبل الأفضل. وعلى خلفيتها صنف ثقافته العقلانية والواقعية في قمة سلم المعرفة ،ووضع ما عداها في أدنى الدرجات باعتبارها غيبية وأسطورية وبدائية .
وعلى أرضية هذه الحركية الآلية المحتومة والأحادية التوجه ، رستْ أسس الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر وأدت إلى توسع المدن ونشوء المعامل الضخمة وبالتالي تفكيك التجمعات البشرية الصغرى والحميمية، واندثار الصناعات اليدوية والفلاحية ذات النكهة والدفء الإنسانيين والطابع الفردي الخاص ،وذلك ما تحول في آخر المطاف إلى ما عرف بالغم الحداثي أو الاستلاب العصري ، المترتب عن العطش الاستهلاكي الذي لا يرتوي .
وكنتيجة لهذا التوسع الصناعي الآلي اجتاح الغربُ المزدهرُ ماديا ،المقتنع بتفوقه معرفيا، مجالَ الآخرين الذين صـنفهم ،وفقا لنظرته الاختزالية للعالم ، في آخر القافلة ،باعتبار العالم آلة تتحرك في المكان ضمن زمان طولي لا غاية له إلا التطور إلى أمام .
بل وصل الأمر ببعض الأوساط العلمية في القرن التاسع عشر وبدايات العشرين ،أن ادعت احتكار الحقيقة ،وأجازت لنفسها تقسيم المعارف الإنسانية إلى حقيقية وزائفة ،ومنحت الأفضلية والتميز للإنسان الأبيض على باقي الأجناس ، في القدرة على المعرفة والاستفادة من نتائجها، بل إنها ميزت ضمن الجنس الأبيض بين الذكر والأنثى ،وبلغ الغلو بها إلى تفضيل الذكور المنشغلين بالعلوم الطبيعية والفيزيائية على أندادهم المهتمين بالعلوم الإنسانية .وبذلك عملوا على تسليح عتاة الامبرياليين بالنظريات التي تبرر لهم استغلال الشعوب الأخرى المغايرة في رؤيتها للعالم وقراءتها للحياة .
ولكن آلية الدفاع الوقائي التي اكتسبها الذهن الغربي عبر قرون من ممارسة النقد والنقد المضاد لم تتوقف قط عن الاشتغال ،فلم يشفع لمسلمات القرن السابع عشر والثامن عشر استنادها على نتائج البحوث العلمية لتسلم من النقد والتعديل والتجريح بل والإلغاء أحيانا . فإن من أهم ما يميز الفكر والثقافة الغربيين هو قابلية التجدد،عبر المرونة المطلقة المنفتحة على كل الآفاق . وهي الميزة التي شكلت مناعة هذا الفكر ضد التيبس المؤدي إلى العقم .وبفضلها دأب الفكر الغربي على تجاوز ذاته وتجديد دمائه بواسطة الإفراز التلقائي لمادته المناعية ضد كل وثوقية أو استفراد تيار ما بالكلمة الفصل مهما كانت النظريات التي يستند إليها أو السلطة التي يستقوي بها.
بفضل هذه الآلية النقدية المرنة تخلخلت الوثوقية الوضعية في بداية القرن العشرين على يد "ألبير اينشتاين Albert Einstein ( 1879 ـ 1955 )الذي راجع الميكانيكية النيوتينية بعد ما هيمنت بإطلاق طيلة القرنين الثامن عشر والتاسع عشر . وأطلق افتراضاته في النظرية الخاصة والعامة حول نسبية الزمان والمكان المتواصلين والممتدين في عدة اتجاهات ،وصاغ معادلته عن تحول الكتلة إلى طاقة حين تطابق سرعتها ـ أو تكادـ سرعة َ الضوء ..وبرمج في مجال موحَـد طاقات متعددة ومختلفة ..وبذلك أسس لظهور نظريات فلسفية مستمدة من نتائج أبحاثه أثبتت الحاجة إلى تحول مفاهيمي يتجاوز المناهج التقليدية للتفكير في الظواهر الفيزيائية .


2



وكرد فعل للغلو العقلاني لدى بعض تيارات الحداثة برز اتجاهان نقديان : أحدهما إيجابي معتدل يقوم على أساس نقد الحداثة في جانب غلوها العقلاني الصارم .ومسعى هذا الاتجاه
هو التخفيف من حدة العقلنة وصرامتها المفرطة وتوجيه الاهتمام إلى مجالات أخرى من القدرات الإنسانية وفعالياتها في حل المشكلات الفكرية والاجتماعية التي أفرزتها حركات التحديث.
أما الاتجاه الثاني فقد اتخذ موقفا سلبيا ضد العقلانية عامة ، برفضه كل القواعد والتنظيمات والمحددات والأنساق السياسية والاجتماعية والثقافية التي قامت عليها الحداثة منذ نشوئها في القرن السابع عشر وامتدادها طوال الثامن عشر .

ويرى جينيفير ويلسونWilson Jenniferأن السنوات العشرين الأخيرة من القرن الفائت ،شهدت موت النموذج الديكارتي /النيوتيني ( على المستوى الفكري /الثقافي ) بفعل تيارات ما بعد الحداثة التي كثـفت نقدها للأفكار المستندة إلى فيزياء وفلسفة القرن السابع عشر .(الجمالية الكوانتية وتاريخ الفن ص.141 )
وحسب قراءة أكتابيو باث لهذا المسار ( Octavio Paz – La otra voz) تكون ملامح نقد الأفكار التي قامت عليها الحداثة قد بدأت في التبلور مباشرة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. ويأتي ،مثالا على ذلك ،بنقد فكرتين أساسيتين قامت عليهما الحداثة منذ نشوئها في نهاية القرون الوسطى الغربية : فكرة الزمن المتعاقب الطولي المتجه صوب مستقبل يتحسن باستمرار ،وفكرة التحول التفاضلي ضمن هذا التعاقب الزماني .
الفكرتان معا امتزجتا في إطار الرؤية الحداثية للتاريخ كمسيرة تتخطى الماضي وتنزع عنه القداسة وتضفيها على المستقبل الذي أصبح يحتل لدى منظري الحداثة ، حيزَ الجنة الموعودة .
وكان المظهر الاجتماعي للرؤية التي عبرت عن فكرة التعاقب الطولي والتحول التفاضلي هو التغيرات السياسية والاجتماعية المتواصلة سواء ما يتم منها بسلاسة أو ما يتم بطفرات عنيفة ،فكلها في منظور هذه الرؤية تحولات ثورية تعبر عن تقدم المجتمع نحو المستقبل .

أما في مرحلة ما عُرف بما بعد الحداثة ،فلم يعد المستقبل هو القطب الجاذب ، وتلاشت فكرة الزمن الطولي المتواصل الذي يسعى إلى مستقبل يلمع بإغراء. وتبخرت يوتوبيا الثورة الكبرى التي ألهمت الكثيرين في أوائل القرن العشرين ،واختفت أو فترتْ ،عوامل التماسك الاجتماعي ،وبرزت الفردانية الشرسة والأنانية اللامبالية. وما نشاهده اليوم من انتكاسات في مجال حقوق الإنسان وانهيارات في مبدأ المساواة بين جميع البشر ،ما هو إلا مظهر لسقوط فكرة التطور كما تصورتها عصور الحداثة.
وخلال العقد الثامن من القرن العشرين كان التفكيكيون المابعد حداثيين منشغلين بمفهومي الدال والمدلول في اللغة ،ووصلوا إلى حد إنكار العلاقة الحتمية بينهما. وبضياع العلاقة بين الدال والمدلول قطع التفكيكيون آخر الوشائج بين تفكير ما بعد الحداثة والنظريات الكونية في القرن السابع عشر ،وأعلنوا موت المعنى والحقيقة والأصالة والواقعية بل والواقع ذاته . وقد أحدثت هذه الحملة التدميرية زلزلة في قناعات ومسلمات الرؤى الكونية لعصور الحداثة منذ القرن التاسع عشر ، فأصبح المشهد الفكري في حاجة إلى إعادة ترتيب ...
ولكن آلة النقد ما زالت تدور ..

**د لا ل**
2013-03-21, 18:07
الأدب العربي بين الأصالة والحداثة - د.مها خير بك ناصر


1. مدخل ومفتاح


مذ وجد الإنسان، ارتبط وجوده بالتساؤل والشك، والبحث عن الحقيقة، فهل كان هذا الوجود انبثاقاً عن حركية يرفض سكونية البقاء وما يتمظهر معها من راحة واستقرار وسلام، أم تحقيقاً للمشيئة الإلهية المتصفة بالقدم والأزل؟


لا تعنيني هذه الإشكالية بقدر ما يعنيني صراع الإنسان مع ذاته من جهة، ومع واقعه من جهةٍ أخرى، والأهم من هذا الصراع ما يتولّد عنه من تجاذب بين طمأنينة القبول وقلق الرفض، مما يكسب وجوده فاعلية الحياة، وما يرافقها من حركة لا نهاية لها.


إذا كان التعايش مع الظروف، والواقع الجديد، نوعاً من العقاب على ما ارتكبه الإنسان من خروجٍ على المألوف والمعهود فهو في شكلٍ آخر دعوة إلى التحدي وإثبات الذات.


والدعوة في معانيها الباطنية حركة تتخطى السكون، والمألوف والراهن، وتتجه نحو مسارات تتمحور حول نقطة واحدة تختزل رغبة الإنسان في رفع الحجاب عن كمونه الإرادي في لحظة التعالي والتسامي على الصعاب وتذليلها. ومن ثم تتولَّد لديه حالة من النشوة، يتحرر معها ويطمح إلى كشف النقاب فيتعرّف إلى ذاته العظيمة، القادرة على القهر، والإذلال، والإخضاع، ويترسّخ إيمانه بقوته وجبروته، مما يدفعه إلى تأسيس مركز قضيته بغية اختراق الشكلي الجاهز وتسيير العالم، ليكون أكثر ملاءمةً وتوافقاً مع طموحاته وأحلامه.


هذه فرضية ليست بالضرورة قابلة للبرهان، ولكنها قابلة للتصديق أو النفي، وبين النفي والتصديق حركة لا تنتهي، حركة تستفز الذات الإنسانية وتدفعها إلى البحث والتنقيب، ثم تنقلها في لحظة تجل وانعتاق إلى حالة من الاندهاش، في عالم مفتوح لا حدود له، ومحجوب مغلق في آن معاً. فتتمخّض الدهشة نطقاً بدائياً يختزل معان إنسانية باطنية لا حصر لها. فكانت الكلمة الأداة الأكثر تعبيراً عن الذات الإنسانية، وعن رغبتها في التواصل، وتقليص مساحات التوحش والاغتراب النفسي.


بعيداً عن التأويل الديني، يمكنني القول إن الإنسان الأول مبدعٌ وخلاق، "فالمسيح كلمة الله". و"في البدء كان الكلمة"، والإنسان القادم من لدن الله استطاع أن يستخدم أداة التبليغ الإلهية-الكلمة-واستعاد بذلك شيئاً من لا محدودية قدرته وعظمته. ألم يطلب الله من الملائكة السجود لآدم؟ ولذلك يمكننا وصفه بالخلاق القادر على جعل الصامت المحتجب ناطقاً يعلن عن انفعالاته، ومشاعره، وأحاسيسه، ورغباته، وتطلعاته بأشكالٍ مختلفة تتفق وحاجات النفس البشرية، الهادفة أبداً إلى تأصيل وجودها، وتكريس طاقاتها إزميلاً لكشف الغطاء عن سرّ الحياة. ومادامت الحياة في سيرورة استباق، فالنفس البشرية المبدعة ستبقى في حركة دائمة تستقصي الحقائق، وتبحث عن الجوهري، معلنة في كل لحظة مضيئة من وجودها عن دأبها الساعي إلى القبض على أسرار الوجود، وترسيخ قوانين الطبيعة علوماً ومعارف تسهم في سيادة الإنسان وتقرير مصيره.


يعتبر الأدب بهذه الرؤيا الخطوة الأساس للمعرفة، وما ينتج عنها من علوم إنسانية تسخّر لخدمة الإنسان، لأنه مركز الكون وقضيته الرئيسية. ولعل الأدب كان التعبير الأول عن حاجات النفس، وعن انفعالاتها واندهاشها المُقنع بالسؤال، فالأدب ليس هواية بل "حاجة أو ضرورة منغرسة في الحياة والإنسان(1)" والقصد منه "الإفصاح عن عوامل الحياة كلها"(2) والكشف عن سر الوجود.


بهذه الرؤيا، يمكننا اعتبار الأدب، المظهر الأسمى المتجلي عن تفجُّر الدهشة، الصادرة عن دأب النفس البشرية لتحقيق ذاتها، لذلك كان لكل مجتمع إنساني تراث أدبي فرضته حقيقة الحياة، وجسّدته فكراً إنسانياً أنجزه تفرّد المبدعين المفعّلين بعمق التجربة وروح الكشف.


ولما كان الإنسان هو الإنسان في كل زمانٍ ومكان، فإن تفرد التجربة الإنسانية يتمخض في كل مجتمع عن فعل كلامي مقنّع بالتساؤل والكشف، جسّده الإنسان العربي بتراثٍ أدبي اختزل اللحظات المضيئة من تاريخه والتي كانت لحظات تأسيسية لأزمنة لا تنتهي، أزمنة تتجاوز ذاتها في حركة دائمة نحو الأمام. فكان الأدب بالنسبة لهم علماً دعاه ابن خلدون "علم الأدب" وعرّفه بقوله: "هذا العلم لا موضوع له، ينظر في إثبات عوارضه أو نفيها، وإنما المقصود منه عند أهل اللسان ثمرته، وهي الإجادة في فني المنظوم والمنثور على أساليب العرب ومناحيهم فيجمعون لذلك من كلام العرب ما عساه تحصل به الكلمة(3)".


فالأدب الحقيقي هو كلمة جوهرية جاءت ثمرة تفاعل الأصيل مع الفرع، ومن أهم ميزاتها الجودة في التعبير عن تجدد الحياة، وعن لهفة الإنسان إلى معرفة ما يجهل، ونقل تجربته الجديدة، بأساليب جديدة تنبئ عن ارتباط أدبه بجوهر الحياة الثابت والمتجدد في آن معاً. وهذا خلق جديد منبثق عن قديم ولكنه مغاير ومختلف.


إن ما تولده الحياة المتجددة من أنماط أدبية جديدة ليس بفرضية يطلب البرهان عليها بل حقيقة ثابتة راسخة أوجدتها سنّة الحياة، وما تصبو إليه من توّحد بين الذات والمعنى، هذا المعنى الجوهري المتصف بالقديم والجديد والمحدث، يلزمه ذات لفظية توازي جدّته وحداثته، وهذا يفرض وجود الإنسان المبدع المحدث القادر على خلق النموذج الأدبي الجديد لفظاً ومعنى ليحدث تغييراً على مستوى الكتابة الأدبية في العصور جميعها، فيقابل النموذج بالرفض أو القبول، ويكون اختلاف بين قديم وحديث، وهذا الاختلاف في رأي طه حسين "أصل من أصول الحياة، يشتد الجهاد بين أولئك، وهؤلاء، حتى يتم انتصار الجديد فيصبح هذا الجديد قديماً، ويظهر جديد آخر يحاربه(4)".


فالحداثة حركة دائمة باتجاه المستقبل، تنبثق عن ماضٍ مضيء، لذلك يكون الكلام على ما بعد الحداثة كلاماً مرفوضاً، فالحداثة ليست لحظة زمنية محددة، إنها الجدّة التي لا تعرف البلى، وهي إبداع لا تَخَلُّق فيه، قديم من حيث الزمن، محدث متجدد من حيث الجوهر والمعنى.


فالحداثة لا تعبّر عن مرحلة آنية، وإنما هي حركة تأسيس واستباق قوامها التساؤل والكشف إنها "معادلة إبداعية بين الثابت والمتغير أي بين الزمني والوقتي فهي تسعى دائماً إلى صقل الموروث لتفرز الجوهري منه فترفعه إلى الزماني بعد أن تزيح كل ما هو وقتي لأنه متغير ومرحلي(5)".


ولذلك لا حداثة من دون تراث تنبثق عن بذوره الحية ثم تتجاوزها لتشكل بذوراً لحداثة أكثر جدّة وتعبيراً عن الحياة المتغيرة في مظاهرها وأشكالها وأنساقها.


ii أنّ التراث والحداثة:


لاشك في إن الإبداع استباق وإضافة، وإذا لم تسهم الحركات الفكرية في إضافة ما، فهي حركات عقيمة لم تقدّم شيئاً على مستوى الإبداع الإنساني. ولم تلامس أحلام الإنسان وتطلعاته، ولم تبشّر بنتاجٍ ثقافي حي.


أن الإبداع وليد مخاض التجربة الذاتية الإنسانية الملقحة بإرث ثقافي حي وفاعل. ومسرح الصرخة الأولى مساحة اللاوعي اللامتناهية، وغير المرئية، وغير الملموسة، فتكون الكلمة الصورة الأصدق والأكثر إيحاءً وتعبيراً عن اصطدام هيولى هذه الروح الجديدة بتموجات أثيرية لا توصف، فتتناغم إيقاعاتها وتتوحّد مع حقائق كونية أزلية لا هوية إقليمية لها.


بهذه الرؤيا أفهم الحداثة، فهي ليست حكراً على زمن محدود أو مكانٍ معيّن. إن نتاج الحداثة منطوق أثيري لا هوية له، يبلّغ رسالة وحي هادفة، أدواتها الكلمة المموسقة بصدق التجربة بغية التواصل اللازماني واللامكاني. فالذي كان محدثاً في شعر الجاهلية، مازال يفعل في نفوسنا وسيبقى فاعلاً في أحاسيس أجيال لم تولد بعد. وما جاء بعد الجاهلية وما بعد صدر الإسلام وحتى يومنا هذا لا يمكن اعتباره محدثاً إلاّ إذا كان ممهوراً بخاصة التفرّد والمغايرة، من دون إعادة الأشكال والأنماط المعهودة.


فالحداثة إذاً ارتباط بالتراث، وهي في الوقت عينه خروج على المألوف، ولذلك رأى أدونيس أن هذه العلاقة حتمية لأن الشاعر العربي المعاصر "لا يكتب في فراغٍ بل يكتب ووراءه الماضي وأمامه المستقبل، فهو ضمن تراثه ومرتبط به، ولكن هذا الارتباط ليس محاكاة للأساليب والنماذج التقليدية، وليس تمشياً معها، ولا بقاءً ضمن قواعدها ومناخها الثقافي الفني-والروحي. فليس التراث عادة في الكتابة، أو موضوعات طُرقت، ومشاعر عُونيت وعُبّر عنها، وإنما هي طاقة معرفة وحيوية خلق، وذكرى في القلب والروح(6)"، ولذلك أعتبر أن للارتباط بالتراث "معنيين (...) ارتباط خلقٍ وإضافةٍ واستباق، (...) وارتباط التقابل والتوازي والتضاد(7)." فالتراث ليس إرثاً مقدّساً بل طاقة تفعِّل عملية الخلق والإبداع، وتحرِّض على إقامة علاقة موضوعية مبنية على النقد والتمحيص والفرز.


والتراث ليس مومياء لا حياة فيها، إنه التربة السليمة لأصالتنا، وفيه تحفِّز كمون الحاضر المعرفي، وتقدح طاقات المبدعين بشرارة فكرية تؤصل للحظة مضيئة في هيكل تفردنا الإنساني، تكون عوناً لأولئك المسكونين بقلق المعرفة والاستباق بغية نزع القشرة عن نواتها، وبعث خلق جديد منبثق عن تنوع الحياة وتناقضاتها.


إن علاقة الأفذاذ بالتراث أشبه بعملية الفصد، إنه جزء من كياننا المعرفي، ولكن يجب التخلص مما ليس سليماً أو صالحاً للحياة. والتحرر من الفاسد لا يكون إلا بالاسئصال، وعملية الاستئصال تتوقف على مهارة المبدعين وقدرتهم على وعي التراث وفهم علاقته بالحاضر والمستقبل.


يمكنني القول إن التراث خَلْف، والتجديد بمفهومه الحداثي أمام، فهل يمكن أن يكون أمامٌ من دون خَلْف؟ وهل الخلفُ بمقطوعٍ عن الأمام؟


إن الحاضر واللحظة اكثر إشراقاً في تلاقي الأمس (التراث) والغد (التجديد). وعلى المبدع أن يستغل فلسفياً وعلمياً وفكرياً وإبداعياً هذه اللحظة الحقيقية، ويمنحها وجوداً متميزاً بالسبق والتأصيل والاستباق، فيكون مفصلاً رئيساً بين ثابتٍ أصيل ومتحرّك متغيّر. فيجعل من هذه اللحظة الحاضرة حلقة تصل ما بين خلف وأمام، وبقدر ما تكون هذه الصلة حقيقية وأصيلة ومبتكرة، تؤسس لنفسها وراءً مضيئاً لا يمكن استئصاله أو رفضه. وبذلك تتكرّس القيمة الإبداعية للفكر الإنساني في لحظة من لحظات انبعاثها، ويثبت هذا الفكر قدرته على خلق أنماطٍ جديدة تتجاوز الأشكال المألوفة وتتجه نحو المستقبل. وهذا التجاوز لا يتحقق إلا بمعرفة سابقة لأن "كل معرفة جديدة تكون بواسطة المعرفة الحاصلة لنا، ولكن ليس كل معروفٍ لنا يؤدي إلى معرفة ما هو مجهول لنا. فلكل مجهول معروف يناسبه، ويمكن بواسطته أن يصبح معروفاً، وكذلك ثمة طريق ينبغي إتباعه للذهاب من المعروف إلى المجهول، حتى يصبح هذا المجهول معروفاً(8). ولذلك لابد لكل كشف من أصل يبني عليه لبلوغ المعرفة، وهذه المعرفة لا يمكن الحصول عليها دفعة واحدة بل لها أساليبها وطرقها، فالمجهول من أسرار النفس البشرية يمكن التعرف إليه وفق طرفي المعادلة الإنسانية التي تحتاج دائماً إلى معلوم مُدرك للتوصل إلى المجهول المحتجب عن طريق الرصد والتناسب بين المرئي والمستتر وبالتناسب يمكننا "الحصول على المجهول من المعلوم الحاصل للنفس.. ولاسيما في أهل الرياضة(9)"، فالتراث هو الطاقة الأساس في استجلاء الطرف المعلوم من معادلة الحياة وما تفرضه من كشف للمجهول عن طريق اختراق قشرة الجمود، والتحقق من وهم الرؤية، وحقيقة الرؤيا، لتتناسل الأفكار رؤىً جديدة مختلفة لها سمتها وخصائصها المتميزة، ليرشح عنها، مستقبلاً، أفكارٌ ورموزٌ ودلالات لا حصر لها.


فالماضي ليس محدداً دلالياً بارتباطه الزماني أو المكاني المحدد، فهو وعاء التراث المخصب بقدرات الفعل البشري غير المقيدة، والمتفاعلة مع سيرورة الحياة وحاجاتها الفكرية وأنماطها الحضارية.


إن موقفنا من التراث هو انعكاس حقيقي عن فهمنا وإدراكنا للوجود والموجودات، وتصوير صادقٍ للخصوبة الفكرية التي تتخذ من التراث مادة أولى للتحليل والكشف ومن ثم إعادة إنتاجه بأدوات العصر وحاجاته وتطلعاته ورؤاه.


إن عملية فرز التراث وتحليله وإعادة إنتاجه تكشف للمبدع العربي الوشائج اللامرئية بين تراثه، وتراث الأمم الأخرى؛ لأن الذات الإنسانية واحدة وبالتالي فإن موروثها الثقافي متشابه ومتداخل ومتشابك من حيث المعنى الدلالي. فالإرث الثقافي الحي يحفظ انفعالات النفس البشرية لحظة احتكاكها بنورٍ معرفي، وهذه اللحظات ما هي إلا زمن انفلت من ذاته المتبلورة، ناشراً فضاء يرتاده المبدعون ليخصبوا قرائحهم، ويبتدعوا فضاء آخر يتمدد ويتواصل من أجل خلق تراث كوني، أسست له لحظات زمنية منفلتة من التعريفات والحدود والانتماءات، إنها اللحظات الأكثر إشراقاً كونياً.


بهذا المفهوم يمكننا النظر إلى إرثنا الثقافي الحي على أنه جزء لا يتجزأ من التراث الإنساني، فإذا تفتقت القرائح العربية عن فعلٍ إبداعي حقيقي فلا يعني ذلك بالضرورة اتباعاً أو تقليداً، فربما وجد مبدع عربي نفسه في إبداعات الغربيين، وإذا ما تشابهت المعاني، فلا يؤدي ذلك إلى رميه بالسرقة والتقليد والتبعية للآخر.


إن النتاج الإنساني يتشابه في جوهره لأنه متفجِّر عن نفس بشرية متوحدة مع الفيض الإشراقي الذي ينهل منه المبدعون على امتداد مستويات الخلق الفني اللامتناهية، وهذا التوحد جسّده بودلير عندما أفصح إلى صديق له عن التقارب الروحي بينه وبين الشاعر الأمريكي "إدغار آلان بو" قائلاً: "أتعرف لماذا ترجمت في صبر ودأب ما كتبه ادغار آلان بو لأنه كان يشبهني. ففي أول مرّة تصفّحت فيها كتاباً من كتبه رأيت فيه ما كان مثار فتنتي وروعتي، ولم أعثر فيه على الموضوعات التي كنت أحلم بها فحسب، ولكنني وجدت فيه كذلك الجمل التي كانت تراود أفكاري وكان له السبق في كتابتها قبلي بعشرين عاماً(10)". وما التشابه إلا دليل على تفتق الفعل الإبداعي عن كمون إنساني واحد من حيث المنهل، ومتعدد في الظواهر الحركية.


إن الموضوعات الإنسانية ثابتة في السلوك البشري والتعبير عنها متغير في الشكل والظاهر، فجاءت الموضوعات متشابهة ومتكاملة، ترشح منها العواطف والمشاعر، ولكنها مختلفة في ظاهر أشكال الأجساد النصية المتأقلمة مع الظروف الاجتماعية والسياسية والبيئية والاقتصادية واللغوية. وهذا الاختلاف في الظاهر الشكلي أوجد تبايناً في عملية تلقي الصور الفاكسية وما يلازمها من تغيير في أنماط التعبير ونقل الرسالة وتلقيح الأفكار. والتباين عينه ولّد حركة كشف واستكشاف تهدف إلى الحصول على معرفة ما، تؤصل التواصل الإنساني وتنتج جينات فكرية جديدة في الشكل، تسهم
في إضافات لا حصر لها على الإرث الإنساني الشامل.

بهذه الرؤيا يمكننا التأكيد على تخليص الحداثة من محدودية الحضور الزماني أو المكاني. فما كان محدثاً في لحظة من الحضور الإبداعي مازالت روحه فاعلة بما هو آت، لأن الحداثة أصل مترسخ وتجاوز متجدد، يخلقها ماضٍ في أثوابِ المستقبل لكأنها أشبه بقول المتنبي:


إذا كان ما تنويه فعلاً مضارعاً *** مضى قبل أن تلقى عليه الجوازم


نعم إن الحداثة حدث يفرض ذاته، وتفرضه الحياة. إنها كشف دائم عن قضايا إنسانية متلازمة ومترابطة، تنغرس في التراث بقدر ما تتخطى هذا التراث، إنها الفعل الحي الخارج من تراثه، والمندفع باتجاه الآتي.


iii. إشكالية الحداثة والتراث العربي


مما سبق يمكننا القول إن القيمة الإبداعية للفكر الإنساني ترتبط بقدرته على خلق أنماط جديدة تتجاوز الأشكال المألوفة وتتجه نحو المستقبل، فتولد حركة دائمة محفِّزةً بكمون رؤيوي يتمرّد على صنمية التبعية والجمود، ويسعى إلى ابتكار مسار مغير للمسارات المعهودة والمتبعة برضى وقبول تقديس. فيتمخّض الفكر عن فتحٍ جديد، له ميزاته وخصائصه الخارجة على المألوف، والمتمردة على سكونية القبول.


يختزل الفتح الجديد حدثاً مغايراً، ويعلن عن انبثاق حركة جديدة لها أنماطها الأكثر جدّة، وملاءمة للتطورات الحياتية، والاجتماعية والسياسية، وتتميّز بقدرتها على التجاوز والتفاعل والتأسيس. فتعلن هذه الحركة عن تحدث متأصل في تراثه، ومتجاوز له في وقتٍ واحد.


فلا حداثة من دون خصوبة الأصل التراثي ليمنح الأصل الفرع طاقة تساعد على اكتساب خصائص متفرّدة به ومن ثم يكسب نفسه استقلالية وتمايزاً. وتمايزه مرتبط بقدرته على كشف المجهول المحتجب وراء معلوم متأصل وراسخ، ولكنه معلوم يساعد في اكتشاف مجاهيل لا حصر لها في زمن آت له خصائصه وميزاته.


هذه الفاعلية الإبداعية يطلقها روّاد خلاقون لا يعنيهم نقل الحدث بحيثياته المرئية، بل يعيشون تفاصيل الحدث الظاهرة والمستترة، ويلمسون النتائج المرئية وغير المرئية، وينقلون انفعالاتهم ورغبتهم الصادرة عن تجربة ذاتية إنسانية، تفصح عن آلام وآمال وتطلعات النفس البشرية في كل زمانٍ ومكان فينبئ عملهم عن التنقيب في مجاهل الحياة وأسرارها المقدّسة، ويكون لهم فضل السبق في اكتشاف أحد أعمدة الهيكل المحتضن سر الحياة.


النتاج الفكري الإبداعي الحقيقي هو الإنسان، ومن أجل الإنسان. فالإبداع مرادف لجوهر الإنسان وحقيقته، لأن الإنسان كما يقول أدونيس: "ليس قفصاً، بل هو اللانهاية. ليس إقامة، بل سفر دائم. الإنسان هو ما يتجاوز الإنسان، إنه موجود يما يأتي(11)" فهو سر الحداثة، وهو الطاقة المبدعة التي تعني بالتعبير عن روح الثقافة الإنسانية، وهو الخلاق الذي يسكنه الحدث وينغرس فيه، جاعلاً منه الصيغة الأساس التي يبني عليها كيان تعبيري يفصح عن مكنوناته الإنسانية وتطلعاتها.


من أجل هذه القضية لم يقف امرؤ القيس أمام الصحراء عاجزاً، ولم يحتم بإرث والده السلطوي، ولم يتبن عرفاً سائداً، بل خرج على العرف والمألوف وأحدث لرؤاه مساراً مغايراً جعل منه أصلاً لمساراتٍ لا حصر لها. فخرج على المفاهيم المعهودة وغيّر في نظام الأشياء وكيفية رؤيتها، فاخترع من رؤيته وفهمه لمحيطه، معاني صاغها شعراً، لم يسبقه إليه قائل، ثم جاء بعده من استخرج من هذه المعاني صوراً جديدة فأبدعوا. ولذلك وضع ابن رشيق تعريفاً للمخترع، متخذاً من امرئ القيس نموذجاً للمخترع، وواصفاً من جاء بعده من الملقحين بتجربته الشعرية بالمولدين، مدعماً رأيه بالبراهين، قال: "المخترع من الشعر هو: ما لم يسبق إليه قائله، ولا عمل أحد من الشعراء قبله نظيره أو ما يقرب منه، كقول امرئ القيس:

سموت إليها بعدما نام أهلها *** سموّ حباب الماء حالاً على حال

**د لا ل**
2013-03-21, 18:08
(...) والتوليد أن يستخرج الشاعر معنى من معنى شاعر تقدّمه أو يزيد فيه (...) والإبداع إتيان الشاعر بالشيء المستظرف (...) فالاختراع للمعنى، والإبداع للفظ(12)".


استطاع امرؤ القيس أن يتبع حركة الواقع من حوله، وأن يرصد بعينه الثالثة ما تولده هذه الحركة من قلق وخوف، إنه الواقع المفجوع بأمنه واستقراره، فضاؤه سراب يشحن إنسانه بالاستسلام والتبعية والعبودية. فالمكوث عنده نهاية والارتحال طريق، وبين المكوث والارتحال تغريب واغتراب وألمٌ ونفي، إنه نفي الذات المصلوبة بألمها عن إنسانها.


رفض امرؤ القيس نفيه الروحي، وتمرّد على أشكال العبودية والاستسلام والتبعية وألّه حريته وموهبته وعظمة الإنسان فيه. فمجّد تفرد ذاته، وتعالى على وحدته بوحدته، ونفى اغترابه باغترابه، وبارك الألم بألمه، وصرع القلق بقلقه. فكشف عن معاناة الإنسان في صحراء تمارس سيادتها على مصيره، تبلوه وتبتليه، فيخضع، وينقاد رابطاً غده بسرابها.


هذا الارتحال القسري الفاجع جابهه امرؤ القيس بفعل يرفض هذه الحركة الارتحالية الاعتباطية المفعّلة بالخوف والقلق، فلم يكن وقوفه على أطلال الأحبّة يهدف إلى البكاء والألم، بقدر ما يهدف إلى خرق العادة، إنه دعوة إلى التأمل وإثبات الذات، بغية فضح الواقع والكشف عن الأسباب المقنعة وراء عجز الجاهلي وانقياده.


كان امرؤ القيس متوحداً مع ذاته العليا، متصالحاً مع نفسه، واثقاً بقدرته على الاختراع، فرفض استسلام الإنسان فيه إلى قدره، وأدرك قدرته على خلق المثال الذي اهتم المقلدون باسمه، وأعرضوا عن معناه. ففي قوله:


قفا نبك من ذكر حبيب ومنزل *** بسقط اللوى بين الدخول فحومل


يبدو لي فعل الأمر "قفا" خروجاً عن عبارة الرحيل، وعلى الاستسلام للقهر والبعد والتخريب، إنه التصوير الأسمى لمشاعر النفس العظيمة في التعبير عن رفضها لحدثان الدهر. إنه الرفض بالتأكيد على القبول، والنظر والفحص والتأمل، كي تبقى الصورة ثابتة في أذهان الصفوة القادرة على التغيير والانتصار.


يشير استخدامه فعل الأمر إلى تحول النفس الإنسانية من حالة الهروب والقبول إلى حالة الثبات والسيادة، فهو لا يتلقى وإنما يأمر. والبكاء ليس ضعفاً إنه من دلالات العطف والشفافية، فهو الآمر والقادر والعارف والعطوف والرحيم. يأمر ويبكي في آن معاً، مسكون بالقسوة، ويسكنه حنين الذكريات، هو المهجّر البعيد والقريب إلى أمكنة يعرفها، والمعرفة طريق لتحطيم صنمية الاستسلام والقهر.


لم يأت تمرده على الواقع ضجيجاً ثورياً، إنه الرفض بالقبول. تستفزه الصعاب ينطقها، تتحداه وحشة الصحراء يؤنسنها، تسخر منه الرياح ورمال الصحراء، يموسقها. فالتجربة عنده عبور نحو ذاته العليا، ليكرِّس وجودها سيادة وحرية، حضورا واستباقاً، كشفاً وبوحاً، تفجراً وتواصلاً وتأسيساً. إنه البحث عن تمجيد ذاته الإنسانية:


فلو أن ما أسعى لأدنى معيشةٍ *** كفاني، ولم أطلب، قليلٌ من المال


ولكنني أسعى لمجدٍ مؤّثلٍ *** وقد يدرك المجد المؤثّل أمثالي(13)


لقد جسّد شعر امرئ القيس انكشاف الأنا على ذاتها، ومن ثم انعتاقها وتحررها في سفرٍ لا زمني اخترق الحاضر الجاهلي وأسس في المستقبل نموذجاً محدثاً لا تتخلق جدّته. وإذا كانت الأثواب قديمة في رأي الناقدين، فهي في الحقيقة أجساد مادية لأرواحٍ لا تعرف الكهولة. وسيجد كل باحث متفرّد مبدع وفي كل زمانٍ ومكان، ومضاً من معانٍ لم يفصح عنها، بعد أن أطلقها امرؤ القيس من أعماق إنسانيته. فكان شعره نموذجاً في الشكل عند الكثير من المولدين والمبدعين والمقلدين، وسيظل تعبيره عن الذات الإنسانية خالداً ومتجدداً، لأنه لم يكن في تجربته ناقلاً بل متخيراً(14).


ولقد أكّد ابن قتيبة(15) توليد الشعراء للمعاني من أقوال امرئ القيس كقوله:


كأن المدام وصوب الغمام *** وريح الخزامى ونشر القطر


يعل به برد أنيابها *** إذا طرب الطائر المستجر


إن اختراع امرئ القيس نموذج الوقوف على الأطلال، أفقده المقلدون خاصته الفنية وتحوّل إلى عرف وقانون لا خروج عليهما، مما دفع بأبي نواس إلى السخرية من هؤلاء الواقفين والباكين، لأنه أدرك "أن الزمن تيار يحرر ويمحو، لكنه قرن هذا الإدراك بمعرفة ثانية هي أن الزمن أيضاً يمنح الأشياء حضورها وقوتها، ويرينا عمق حياتنا الماضية، وأفق حياتنا الآتية، وكثافة حياتنا الحاضرة(16)". فأكسبته هذه المعرفة رؤيا كشفت أمامه رغبة النفس في تجاوز حاضرها، وارتياد المستقبل.


أدرك أبو نُواس قيمة الكشف عن حقيقة الأشياء، وأهمية نقض الموروث المحنَّط وضرورة خلق حضورٍ فكري ثقافي يرفض الصنمية، ويتعالى على جمودية التلقي، ليخرج على العرف والعادة بالبرهان العلمي وبتحقيق فعل ما يضمره النطق الذي يعطي الصورة الحقيقية للمعاني المضمرة والمستترة. فنطق بما أحس وآمن، داعياً إلى التخلي عن كل ما يتنافى مع الفكر ورفض التقليد، فرأى في الوقوف على الأطلال عبودية فكرية لزمن يعينه تاريخياً وتأصلاً، وينفصل عنه تجربة وحياةً، لأنه ينتمي إلى واقعٍ مغاير، له أدواته وظروفه وخصائصه.


فالحياة الجاهلية، وما يتبعها من أساليب معيشية وفكرية متنوعة، لا تعنيه وجدانياً أو عاطفياً، إلا بقدر ما اكتسبه من جينات ساعدته على النمو والتواصل، من دون أن يكرر صور الماضي وأشكاله أو يسجن إنسانه في صدفة لا تجدد فيها. لأن الشعر مع أبي نُواس ليس نقلاً وتصويراً إنه نزوع ومغامرة، الهدف منه رصد حركة الزمن واستجلاء أسراره، فأراد أن يكون شعره تعبيراً صادقاً عن حقيقة العصر، وبوحاً جماعياً ينقل تجربته الذاتية التي تختزل الأنا الإنسانية الجماعية، وتهدم صنمية الموروث، وتبث العالم من حولها حركة لا تنتهي تهدف إلى الكشف الدائم.


بهذه الرؤيا رفض أبو نُواس الوقوف على الأطلال، ونعت أصحاب هذه العادة بالأشقياء(17)، والصنميين والأغبياء(18)، واختار لنفسه أمكنة روحية يسمو بها، ويتعتق. إنها أمكنة منزهة عن المحدودية، واللمس، والدونية، والهدم والزوال(19).


آمن أبو نُواس بتمايز العصور وخصوصيتها، وحقق ذاته بالانتماء إلى عصرٍ جديد له حضارته الخاصة به، له إنسانه المختلف بتفكيره وأساليب عيشه. "فلكل عصرٍ همومه ومشاكله، وقضاياه والإنسان مطالب في كل عصر أن يواجه الحياة بما يلائمها من سلوك، ومن خلال هذه المواجهة تترسّخ قيم العصر وتتبلور مثله(20)".


لذلك حرص على خلق نموذجٍ شعري ينقل تجربته، ويرشح بصدق الشعور، وعمق المعاناة، مستخدماً أثواباً جديدة تستمد موادها من أصالتها وتستمد دلالاتها من إيحاءات الحياة الجديدة، ثم تتفرد بصلاحيتها التي لا تنتهي.


رفض، واخترع، وأبدع، وأسس لفتح جديد هويته التمرّد والرفض بغية ترسيخ رؤية جديدة للكون والحياة، فالشعر عنده "فعل حياتي يعوض عن نقصٍ شامل(21)". فجاء رفضه مقروناً بمعرفة عميقة، ونظرة خاصة إلى الكون والحياة، وبثقافة علمية ودينية واجتماعية دعّم نفسه بها، واستخدمها في حججه وبراهينه. وهذا ما أكّده ابن قتيبة، على شمولية علومه ومعارفه، بقوله: "كان أبو نواس متفنناً في العلم، وقد ضرب في كل نوعٍ منه بنصيب ونظر(22)". فقدح بهذه العلوم طاقاته، وأبطل الفرضيات الخاطئة بالحجة والبراهين، فإن كان من أصحاب النار لفسقه وفجوره، فلماذا أوجد الله الغفران، "وهل خلق الغفران إلا لامرئ في الناس خاطئٍ(23)".


طوع أبو نواس ثقافته العلمية لخدمة المعاني الشعرية، ومنحها صوراً أكثر إبداعاً وجمالاً ودلالة، فجدد وابتكر، وأضاف، وسخر العلم لرمزية الشعر وعالمه اللامتناهي، فطلب أن يكون شفاؤه من المرض بتلقيحه بشيء من ذاك الداء، بعد الامتناع عن اللوم، لأن شفاء المريض نفسياً يكون بالمداراة واللين واللطف وليس بالقمع والتسلط(24) فأكسب شعره ديمومة وحياة واستمرارية..


منهجت علوم أبي نواس، اللغة الشعرية ومنحتها رموزاً ودلالات لا حصر لها، جاعلاً من اللغة المتجددة معبراً يسلكه الشعر النواسي ليخاطب أجيالاً مستقبلية، تعرّف إليها بالتواصل المعرفي الروحي، فجاءت صوره متفتقة عن سموه الإنساني وموسومة بوحدة فنية مترابطة، وممهورة بصدق البوح وحكمة الصفوة، ومنطق العالم، أثبت قدرتها على الحياة في كل زمانٍ ومكان. فكان شعره تأصلاً، وتأصيلاً، واستشرافاً، أحدث زمناً تأسيسياً لحداثة متجددة، تهدف إلى تفعيل قدرة الكشف عن الذات الإنسانية الكونية المحتجبة بأسرارها. فكان الشعر معه "ضرورة ملحة، هي ضرورة السفر إلى أقاصي الكيان البشري والعيش في حالات روحية نادرة، حيث يتلاقى الزمان والأبدية، وينفي كل من الخير والشر الآخر، وحيث لا يتميز الذاتي عن الموضوعي، وحيث يصبح الوهم الذي تخلقه القصيدة أكثر الحقائق يقيناً(25)".


________________________________________


(1) زمن الشعر: أدونيس، دار العودة، ط2، 1978، صفحة 157.


(2) المجموعة الكاملة: ميخائيل نعيمة، دار العلم للملايين، بيروت، 1971، مجلد 3، صفحة 407.


(3) المقدمة لابن خلدون: مكتبة المدرسة، ودار الكتاب اللبناني بيروت، ط3، 1967، صفحة 1069.


(4) حديث الأربعاء: طه حسين، دار المعارف بمصر، ج2، صفحة 5.


(5) تشريح النص: عبد الله محمد الغزالي، دار الطليعة، بيروت، ط1، 1987، ص 10.


(6) زمن الشعر، أدونيس صفحة 45.


(7) المصدر نفسه.


(8) ابن سينا، القاهرة، مطبعة مذكور، الشفاء، 1952، ج1، ص 17.


(9) المقدّمة، ابن خلدون، ص 288.


(10) الأدب المقارن: محمّد غنيمي هلال، دار العودة بيروت، ط5، صفحة 109.


(11) زمن الشعر: أدونيس، ص 317.


(12) العمدة: ابن رشيق، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، مطبعة السعادة بمصر، ط 2، عام 1955، ج1 ص 262-263-365.


(13) الديوان صفحة 57.


تخيّرني الجن أشعارها *** فما شئت من شعرهن، اصطفيت


(15) الشعر والشعراء: ابن قتيبة، دار الثقافة بيروت، ج1، ص 56-70.


(16) ديوان الشعر العربي: أدونيس، دار المدى للثقافة والنشر، ط 1986، ج2، ص 22.


(17) ديوان، أبي نواس تحقيق أحمد عبد المجيد الغزالي-دار الكتاب العربي، بيروت لبنان، صفحة 46.


(18) المصدر نفسه صفحة 134.


(19) المصدر نفسه صفحة 6.


(20) الشعر العربي المعاصر: د. عز الدين إسماعيل، صفحة 175.


(21) الثابت والمتحول تأصيل الأصول: أدونيس، دار العودة، بيروت.


(22) الشعر والشعراء: ابن قتيبة، ج 2، صفحة 682.


(23) أو قوله عندما يستخدم المحاجة العقلية،


وإن كنت ذا ذنب فعفوك أكبر *** فإن كنت لم أذنب ففيم تعنتي


(24) انظر قصيدة "دع عنك لومي"


(25) ديوان الشعر العربي: أدونيس، ج2، ص 28.


جاء شعر أبي نواس ثورة على المألوف، ودعوة إلى رفض أشكال القمع والسلطة، ومن ثم التحرر من التبعية، والتقليد وخلق عالم أكثر حرية، تعرب فيها النفس عن جوهرها من غير غش أو زيف أو كذب. فأعطى مفهوماً مغايراً للخطيئة وللكفر، وفرغهما من مفهومها الاجتماعي والديني، فصارت الخطيئة مطلباً(1) والكفر غفراناً، والخمر روحاً(2). وتعاطيها راحة وسمواً، فهو المتوحد بها، ولها الجلال والإكرام، وهي خاصة بالكرام:


أنا ابن الخمر، مالي عن غذاها *** إلى وقت المنية من فصام


أجل عن اللئيم الكأس حتى *** كأن الخمر تعصر من عظامي


وأسقيها من الفتيان مثلي *** فتختال الكريمة بالكرام


إن رفض أبي نواس للمفاهيم السائدة، دعوة إلى هدم صنمية القداسة وإعمال العقل في الموروث الديني والاجتماعي الذي يحتاج إلى فحص وتدقيق وتمحيص، فيكتشف الإنسان حقيقته ويصنع قدره. فلقد بدأ الشعر معه "أن يكون نظاماً أخلاقياً، وأن يكون كذلك طريقاً للمعرفة، وهذا يعني أن الشعر لا يهدف إلى تغير الحياة وحسب، وإنما يهدف إلى تغيير الإنسان، وتكمن جدة أبي نُواس إذاً في الكشف عن الطاقات المكبوتة في الإنسان وفي تجاوز الثنائية بين الذات والكون(3)".


أسس أبو نواس فكراً عربياً جديداً قائماً على نقد المفاهيم الفكرية القديمة من غير أن يلغيها، هدفه تغيير الظواهر التي تناقض الحياة الجديدة والعقل، مستخدماً لغة بعيدة عن التعقيد اللفظي، لغة تعكس الحضارة العلمية التي بلغها عصر أبي نواس وتوحي بالغنى الثقافي السائد. فهو لم يتوان عن إغناء اللغة العربية بألفاظٍ أعجمية واشتقاقات ألفاظٍ منها(4)، ولم يكن ذلك بسبب الضعف اللغوي أو التعصب الشعوبي، بل بدافع إحياء اللغة وتطويرها.


هذا الإغناء اللغوي والدلالي، ورفض الأشكال الجاهزة اتخذ مع أبي تمام مساراً متميزاً خاصاً به متجاوزاً الماضي، أسلوباً، وموضوعات، وأسس بشعره أصلاً لرحلة حاضرة لاحقة، مولداً في اللغة نبضاً متميزاً بتفرده واستقلالية، لأنه موسيقى ذاته الطامحة إلى ذاتها. فثار على المألوف وحرر ألفاظه من التقليد والتبعية، فخلق لغة جديدة تغاير لغة الحياة اليومية، ولغة الحياة الشعرية السائدة، وهكذا جاءت معانيه مغايرة للمعاني المألوفة، وجاءت صوره وتعابيره مغايرة للمألوف(5).


كان أبو تمام إنساناً فائقاً، استطاع بقدراته الفنية والثقافية أن ينطق شعره بقيم إنسانية، موظفاً كلمته للكشف عن طاقاته الإبداعية فأسس لبداية جديدة في الشعر العربي لأنه قبل كل شيء، "مسكون بهاجس الفن، فالشعر عنده ليس أسير الحياة بل أسرها، يكيفها ويختارها، ويخلقها على مثال فني خاص(6)"، فأكسب اللفظة الواحدة دلالات فنية، فكان "أكثر المولدين اختراعاً وتوليداً(7)"، منح ألفاظه رمزية متجددة، وأغناها بالاستعارات وأسهم في تواصل إبداعي كان له السبق في إحداثه.


وهكذا نجد أن الحياة الثقافية العربية ظلّت متوهجة بفعلٍ إبداعي يخصب جذور الماضي في حاضرٍ مشرق، حتى يصير هذا الحاضر ماضياً مضيفاً إلى حياتنا الثقافية ضوءاً جديداً له خصائصه.


إن علاقة الحاضر بالماضي علاقة طبيعية حتمية فكما أن الأشجار لا تطيب ثمارها إلا بالعناية بالجذر والفرع والتربة على السواء، فهكذا الحضور الإنساني الأصيل الطامح إلى غده الآتي لن يتلذذ بثمار الغد أن لم يكن له ماضٍ صحيح يخضع للفرز والتقليب. وحاضرٍ يستمد وجوده الأولي من جذره ليتخذ شكلاً مستقلاً في الصورة، ومرتبطاً في المعنى والجوهر.


وكما أن التربة تحتاج دوماً إلى مراقبة وتقليب للتخلص مما أفسده الركود فيها، فكذلك الحال مع التراث الذي يحتاج إلى طاقات الفكر المبدع ليخلصه مما علق به من جمودية التقديس، ويسهم في خلق ثمار قادرة على أن تكون بذاراً صالحاً في المستقبل وبالتالي لا تميز ولا تفرّد إلا بعلاقة صحيحة وسليمة بالتراث، تؤدي إلى تفجير طاقات المبدع، من دون أن يخسر جذوره.


هذا الترسخ والتأصل بين التراث والمبدع وما يولدانه من خلق الجديد والمتميز كانا سبباً لاتهام المتنبي بالسرقة.


وإذا كان المتنبي قد أغنى موروثه الثقافي وحصّنه بمعرفة عميقة بالتراث، فإنه لم يقف عند حدود الاكتساب، بل فعّل وأخصب موروثه بمختبر ذاته الإنسانية مبتكراً شعراً يجسّد عظمة هذه الذات، ويعبر عن ميولاتها وانفعالاتها وقلقها ورفضها وجموحها، فأفصح عن شوقها إلى الكشف والانعتاق، فكان شعره ولا يزال شعر الحداثة واللحظة المتجددة، فأسس لأصالة مازالت فاعلة ومؤثرة في حياتنا الأدبية. لقد أسس المتنبي بتمرده حالة متفردة تعكس عظمة الذات البشرية المتعالية على الصعاب، والواثقة من تفردها، والعالمة بحقيقة جوهرها. هذه العظمة والأنفة التي أنكرت عليه البوح بالشكوى من زمن يصارع فيه حدثان الدهر ومصائبه(8)، فهو الغريب، المتوحد بألوهة تفرده "غريب كصالحٍ في ثمودِ"، سلاحه الإيمان(9) بطاقاته الجسدية والفكرية، إنه إيمان بحقيقة أقرَّت بصحتها الموجودات واعترفت له "الصحراء بما شهدت والأقلام بما كتبت(10)".


لقد كان المتنبي "روحاً جامحة، تياهة تتلاقى فيها أطراف الدنيا. إنه الوحيد، بل الوحيد، فوحدته قدر محتوم؛ لأن الإنسان خليل نفسه. فكل متفرد وحيد، وكل وجود خلاق (...) المتنبي وحدة غاضبة لا يرضيها شيء، لكن وحدته ليست هرباً من العالم (...) إنها وحدة المجابهة(11)".


لم يكن تفرد المتنبي في وحدة المجابهة للكون والحياة، بل كان في خلق لغة تعبيرية بمستوى عظمته وطموحه، لقد عجن اللغة وأخرج منها أشكالاً تميزت بخلقه، حتى ارتبطت أبياتها بشخصيته، وتميَّز إيقاعها بتسامي روحه، مفصحاً عن انعكاسات جوهره الروحي بأسرار الحروف المقدّسة التي شعّت معانيها بلحظات إبداعية، احتضنت توق الشاعر إلى تكريس الكون والحياة لأناه الإنسانية غير المحدودة. فلم يكن الشعر معه صناعة(12) بل خلقاً وابتكاراً وإبداعاً على غير مثال، وهنا تكمن فذوذيته وتفرده.


طوّع المتنبي ثقافته العلمية والحياتية والاجتماعية لأغراضه وطموحاته وأفكاره فكان شعره مزيجاً من ثقافة علمية وقدرة إبداعية وحكمة إنسانية. فأسس لحداثة ما تزال قائمة في جذور تراثنا الأدبي الحي والفاعل، وهذه الحداثة تحتاج إلى فك رموزها، لأن عظمتها وديمومتها تكمن في أسرارها غير المرئية والتي تحتاج إلى الكشف، وكشفها لا يكون بتجاهلها أو تقديسها بل بفك رموزها وفض أسرارها لأن شعره عظيم والقصيدة العظيمة كما يراها أدونيس: "ليست شيئاً مسطحاً تراه وتلمسه وتحيط به دفعة واحدة، إنها عالم ذو أبعاد... عالم متموج، متداخل كثيف بشفافية، عميق بتلألؤ، تعيش فيها، وتعجز عن القبض عليها، تقودك نحو سديم من المشاعر والأحاسيس، سديم يستقل بنظامه الحاضر، تغمرك، وحين تهم أن تحضنها تفلت من بين ذراعيك كالموج(13)"، ولأن شعر المتنبي عظيم سيبقى عامل تحريض في حاضرنا ومستقبلنا الثقافي، نسعى للقبض عليه أو الإحاطة به فيفلت من بين أيدينا كماء المطر، إنه حداثة حياة في أدبنا، تجدد ذاتها كالنور الذي يضيء ولا يلمس.


iv. الحداثة والنموذج:


لقد كثر الكلام على الحداثة، وتعددت التيارات، وانقسم الأدباء، واعتقد بعضهم أن تبني الحداثة نوع من خيانة التراث، وشكلٌ من أشكال الإلحاد.


تظهر الدراسات الأدبية أن تقديسنا للماضي ليس ناتجاً عن دراية وتعقل وتمحيص ووعي حقيقي بالتراث، بل هو نابع من الانقياد الطوعي إلى كل غيبي لا يمكن ملامسته. فالكلام التراثي نسمعه ونقرأه ولكن لا نستطيع لمس قائله، إنه محجوب بهالة من قداسة الماضي التي لا يمكن هتكها بالكشف والنقد. لأن العقل مكبّل بقيد المادة التي لا تعبد الله لذاته، بل رغبة أو رهبة من محجوب غير مرئي وغير منكشف للذوات الضعيفة.


لذا لابد لكل عصر من وجود عدد من المجنحين بروح الكلمة، يتحسسون الغيبي بالروح غير المرئية، ويقرؤون بالعين الثالثة، ويسمعون بالأذن الثالثة. فهؤلاء لا تحجب عنهم رؤية الغيب التي تكسبهم معرفة وقدرة على ملامسة ما هو روحي أبدي، وهؤلاء خميرة لا بدّ من جودها في أزمنة إبداعية، غير مقصورة على عصرٍ واحد. فالله "لم يقصر العلم والشعر والبلاغة على زمنٍ دون زمن، ولا خصَّ به قوماً دون قوم، بل جعل ذلك مشتركاً مقسوماً بين عباده في كل دهر، وجعل كل قديم حديثاً في عصره (...)(14)"


فالحداثة ليست قضية مستحدثة في تاريخ الفكر الإنساني، لأن الحداثة "رؤية واعية لإقامة دائمة التجدد بين الطرف الإنساني، وبين الجوهري الموروث... إنها صلة استكشاف أبدية في أغوار أبرز الحقائق، الإنسانية(15)"، يؤكد النقاد والدارسون أن الحداثة بمفهومها المعرفي ليست حكراً على مجموعة ما في حقبة زمنية ما، ولو كان ما يعتقده البعض صحيحاً لانتفى وجود عدالة ترعى الفكر الإنساني. وبذلك ألغى ابن قتيبة فكرة تقديس القديم لقدمه، ودعا إلى النظر في النص الأدبي بكونه نصّاً أدبياً من دون ربطه بقائله، فاختزل رأيه بقوله: "ولا نظرت إلى المتقدم منهم بعين الجلالة لتقدمه، وإلى المتأخر منهم بعين الاحتقار لتأخره.


فإني رأيت من علمائنا من يستجيد الشعر السخيف لتقدم قائله، ويصفه في متخيره، ويرذل الشعر الرصين، ولا عيب له عنده إلا أنه قيل في زمانه أو أنه رأى قائله(16)".


مشكلة الحداثة، إذاً، ليست مرتبطة زمنياً بهذا العصر، إنها مشكلة قديمة قدم الزمن المتحرك نحو لانهاية، لأن الحياة هي مصدر الفنون كلها، والإنسان المبدع هو الرسول الناطق عن أسرار هذه الحياة. لذلك يرى طه حسين أن مصدر الخلاف بين محدث وقديم، "هو الحياة من حيث هي حياة(17)". وما دامت الحياة في حركة متجددة فستبقى الخصومة قائمة في كل لغة في كل جيل، وحول كل أدب، شريطة "أن يكون للغة والأدب والجيل الذي يتصرف فيهما حظ من الحياة(18)". فلا حداثة بلا تفرد على مستوى التعبير والشكل واللغة، فهذا التفرد يمنح النص الإبداعي قدرة الخروج على المألوف، وخلق نموذج نصي مغاير ومستقل، ولكنه استمرار في وظيفة التعبير عن انفعالات النفس البشرية، في مواجهة واقعها الاجتماعي والحضاري والثقافي، هذه المواجهة التي تفرض حضوراً مميزاً، تمنح المبدع طاقة انغراس في الماضي ليستمد منه الأصالة، وتمنحه أيضاً رؤية استكشاف الآتي.

**د لا ل**
2013-03-21, 18:10
الحداثة إذاً، انبثاق من الحضور، وانغراس في الماضي، واستشراف للمستقبل، فهي "حركة إبداعٍ تماشي الحياة في تغيرها الدائم، ولا تكون وقفاً على زمن دون آخر، فحينما يطرأ تغيير على الحياة التي نحياها نظرتنا إلى الأشياء، يسارع الشعر إلى التعبير عن ذلك بطرائق خارجة على السلفي والمألوف(19)".


ولما كانت الحياة متجددة في سيرورتها، لزمها أدب ينطق عنها وبها، أدب متجدد يستطيع مواكبة الحياة، واستنطاق أسرارها، أدب حي يعبِّر عن الأنا الإنسانية الكبرى في رقيها الكوني وتواصلها الشمولي، وبالتالي لا يمكننا ربط حداثة نص أدبي بسرعة انتشاره أو استحسان الآتي الوقتي له، بل بقدرة هذا النص على اختراق حجب المستقبل، والتفاعل مع أحاسيس إنسانه، والتأثير بها، لما تختزله من تعبيرٍ صادق عن مشاعره، وهمومه وقلقه، ونظرته إلى الحياة لأن المبدع الحقيقي شاعر يرتقي برؤياه إلى عالم المكاشفة والتوحد مع الإنساني الجوهري والحقيقي.


عرّف ابن رشيق الشاعر المبتكر، بالرائي الذي يرى ما لا يرى غيره فقال: "وإما سمي الشاعر شاعراً، لأنه يشعر به غيره، فإذا لم يكن عند الشاعر توليد معنى ولا اختراعه، أو استظراف لفظ وابتداعه، أو زيادة فيما أجحف فيه غيره من المعاني أو نقص مما أطاله سواه من الألفاظ، أو صرف معنى إلى وجه عن وجه آخر، كان اسم الشاعر عليه مجازاً لا حقيقة، ولم يكن له إلاّ فضل الوزن(20)".


تتفق نظرة ابن رشيق إلى الشاعر الحقيقي مع نظرة جبران، الذي اعتبر الشاعر رسولاً يستكشف ويبلَّغ حقيقة غير مرئية وغير مسموعة، لأنه "الوسيط بين قوة الابتكار، والبشر، وهو السلك الذي ينقل ما يحدثه عالم النفس إلى عالم الحب، وما يقرره الفكر إلى عالم الحفظ والتدوين(21)".


والشعر الحقيقي-في رأي جبران-لا ترتبط قيمته بالكم بل بالنوعية التي تنكشف عنها معرفة الجوهر والمجنح بين أزليته وأبدية تلامس توق الإنسان إلى انعتاقه وحريته، وتمجيده لجوهره الروحي، فالشعر هو السجل الصادق الموحي بمشاعر الإنسان، والمعبِّر عن قضاياه بلا غش أو كذب أو تصنع.


أكَّد جبران في مقالته "القصيدتان(22)" ارتباط قيمة الإبداع الشعري بقدرته على نقل انفعالات النفس البشرية، وتصويرها، فالقصيدة الطويلة التي نقلت صورة استعباد الفكر للسلطة فقدت فاعليتها وقيمتها بزوال السلطة، ولم يكتب لها الحياة إلا في بطون الكتب، أما القصيدة التي صورت مشاعر طفل يلعب في حديقة فهي لا تزال "تدور على كل لسان ويرددها الناس بإعجاب وإعجاز".


جسّد جبران في عصر النهضة النموذج الأسمى للحداثة فجاء نتاجه ومضة عظيمة في تراثنا العربي، ومضة تكشف عن قدرة إنساننا العربي على هدم الصنمية وتخطي المألوف، والسير إلى الأمام لأن "الوقوف جبانة، والنظر إلى مدينة الماضي جهالة(23)".


والتخطي الجبراني نابع من إيمان جبران بالإنسان المبدع القابض على مصيره، هذا الإنسان المتوحد مع الكون وبالكون، القادر على خلق فعل إنساني يختزل المفاهيم والمعاني الكونية، ويجسّد رؤاه النفسية، مرتكزاً "على الماضي كمنطلق نحو المستقبل لأنه الفعل الحتمي لولادة الحاضر والمستقبل، وبفهم الماضي واستيعاب مضامينه تتولد قدرة التخلي عن غير الملائم منها، وخلق صيغ جديدة تواكب السير الطبيعي للمجتمعات الحية السائرة نحو الأفضل والأحسن مدفوعة بقوة الابتكار(24)".


إن مفهوم الحداثة، قديماً وحديثاً، مرادف لقوة الخلق والابتكار والإبداع، "تلك القوة الأزلية الأبدية التي تقيم من الحجارة أبناء الله(25)"، فتبث توهج الحياة في الأشياء، والموجودات من غير اقتباس أو تقليد بغية تصحيح الواقع وتغييره، وخلق معادلات إنسانية كونية تنبئ بولادة الإنسان المتجدد بالجسد، والمعانق ذاته الإلهية المتعالية على الصغائر والأحقاد، والطامحة إلى تواصل وتكامل إنساني روحي، فتلغى الحواجز النفسية، وتتلاشى العصبية، والأنانية.


عبّر الأدب الجبراني عن قلق النفس البشرية، وعن ألمها، ورغباتها وأحلامها، فصور استسلام الإنسان لشريعة عمياء، ناقلاً، بدقة الفنان المبدع، النتائج السلبية وغير الإنسانية التي يولدها الاستسلام والجهل. ثم دعا إلى رفض الموروث والخروج على المألوف، بغية ولادة الشكل الأمثل بعيداً عن استبداد الشريعة وتسلطها وظلمها واحتقارها للذوات المبدعة. فكان أدبه رسالة هدم وبناء، رسالة تهدم رموز الشريعة وأشكالها القمعية، وصرحاً إنسانياً قوامه التحرر من تبعية الموروث السلطوي الفاسد، والتسلح بالمعرفة الحقيقية، ليجسّد معنى "العاصفة التي تقتلع الأنصاب التي أنبتتها الأجيال(26)" وتبزغ بعد العاصفة قدرات إنسان الغد المؤمن بعظمته وبانتمائه إلى عالمٍ علوي، فيتحرر من حرق البخور أمام الأصنام ليحرقه أمام نفسه ويقدم الذبائح لذاته لأن الصدر البشري هيكل "لأعظم الآلهة وأبهاهم جمالاً(27)". والإنسان هو القضية الأسمى في هذا الوجود، ولذلك جاء الأدب الجبراني أدب الحلم والشوق، والسمو، أدب الإنسان المتوهج بروح الألوهة، والمتأصل في سر الوجود "فالإنسان كائن منتصب بين اللانهاية في باطنه واللانهاية في محيطه(28)"، وفي هذه الحقيقة تتجسد الوحدة بين الكون والله والإنسان، وهي وحدة معنى لا شكل تحتجب عن البصائر وتدرك بالرؤيا وتمنح الإنسان نعمة الشوق الذي "ينزع نقاب الظواهر عن بصره فيشاهد إذ ذاك ذاته، ومن ير ذاته ير جوهر الحياة المجرّد، فكل ذات هي جوهر الحياة المجرّد(29)".


جاءت الرؤية الجبرانية متأصلة في جوهر العلاقة بين الوجود والموجودات فكانت رؤية رفض واستباق، رؤية مخصَّبة بالتأصل والحضور والحركة، ولذلك كان لابد لهذه الرؤية من لغةٍ إبداعية تصلح لأن تكون أثواباً جديدة لرؤية جديدة، "لأن الخمر الجديدة لا توضع في زقاق عتيقة، فتراق الخمر، بل توضع في زقاق جديدة فتسلم جميعاً(30)"، ولذلك ابتدع جبران جسداً نصياً مغايراً للمألوف، وموافقاً للفكرة والروح التي يتقمّصها.


كانت الفكرة هيولى روحية لا شكل ولا لون لها يحس بها من خلال حركة الجسد النصي المفعّل بلغة حية مستمدة من الماضي ومتفاعلة مع الحاضر، ومستمرة في المستقبل لأنها لغة التأصل والتجاوز، فكان النص الجبراني "ذاتاً حية، كلية، حقق تفرداً وتمايزاً في خروجه على الظرفي الراهن إلى الكوني الأشمل المتغير، فاكتسب النص استقلالية عن سلبية الارتباط، وفعلاً حركياً يسعى إلى المساهمة في صنع المستقبل(31)" لأن اللغة الجبرانية لغة اكتشاف وخلق وذلك من أجل "كشف الحقائق العظمى لتصبح ثوابت مبدئية، ومن ثم السعي إلى تأسيس العلاقة معها على أصول متفاعلة مع طموح الإنسان وهمومه(32)".


جدد جبران في طرح الموضوعات مستخدماً لغة حية نامية، معصومة عن عبودية التقليد متحررة من جمودية التعبير، وهي في الوقت عينه تخضع، برضى المؤمن، لقوانين النحو المنطقية، فانغرس في اللغة وأصولها، ولم ينغرس في أشكالها المحنطة، وصدى المرددين أصواتها، ففتح طريقاً جديداً ممهوراً بأدوات تجربته الذاتية، وهو في الوقت عينه مؤسس على أصالة اللغة وما تختص به من مرونة وتطويع، وإكساب واكتساب، فأعاد إلى اللغة العربية خاصة التطويع والاستيعاب والتعبير عن الحقائق الإنسانية "وفقاً لكل فعل وكل موقف فتحتمل الجديد من الشحنات كلما تجددت الأفعال والمواقف(33)".


إن اللغة الجبرانية لغة حية متحركة، قادرة على النقل والتصوير والتعبير، لغة إبداعية ينتجها مبدعون انغمسوا في تراثهم اللغوي وانبثقوا عنه بفاعلية التجاوز والتغيير، ليغنوا اللغة بمفرداتها، وأشكال صياغتها فلا تجديد من غير أصل ينبثق عنه، والأصل الذي تولد منه وعنه الإبداع الجبراني هو التراث العربي الذي استمد منها ما هو صالح وقادر على التفاعل، جاعلاً منه خميرته الثقافية التي أنضجت موهبته الإبداعية بعد أن ألغى من هذا المخزون التراثي ما ليس جديراً بالتفاعل، والديمومة.


نزع جبران نحو التجديد والتغيير من غير أن يلغي أصالة النسب، فجاء نتاجه فتحاً عظيماً يؤسس لدراسة فكرية متجددة في مكنوناتها وعناصرها، قوامها الحضور الإنساني والتعبير عن حقيقة هذا الحضور بألفاظ لها دلالة ظاهرية، ودلالة باطنية هادفة. فأوجد تياراً فكرياً ريادياً، شق الطريق أمام شعراء الحداثة في الخمسين سنة المنصرمة، ولكنه لم يسلم من النقد والتقريع، شأن كل ريادي مبدع يخلق حركة أدبية تلقى في أي مجتمع الرفض أو القبول.


لقد كان جبران مدرسة قائمة بذاتها، لها مقومات الأصالة والحداثة، استطاعت تفعيل بذور الشك، والتساؤل بغية الحصول على المعرفة، وبالمعرفة يتحد الإنسان بذاته العليا، ويتلاقى مع كل المجنحين بروح الاستكشاف والاستشراف، فمنح عصر النهضة سمات التأصل والتحرر، وكان له شرف الارتباط بالتراث وديمومة الحركة في المستقبل.


شهدت الحداثة، بالإضافة إلى الرفض والقبول، خروجاً على مفهوم الحداثة، إذ قرن بعضهم ماهية الحداثة بالتخلي عن الموزون الشعري، واهتموا بالشكل أكثر من عنايتهم بالجوهر.


والبرهان على هذه الفرضية يلزمها استقراء كامل للشعر العربي الحديث، والحكم عليه بمعايير الحداثة الأصلية، هذه المعايير عينها تثبت ولادة حداثة مغايرة، لها هويتها المتميزة عن نظائرها.


عرف العصر الحديث يقظة فكرية قوامها رؤى إبداعية، وهدفها ترسيخ مفهوم جديد للحداثة، يبدأ من قراءة التراث وفرزه، ونقده، وتفعيل عناصره الحية، وذلك على مسرح اللحظة الحاضرة المؤسسة للمستقبل، ليكرس الحاضر نقطة مضيئة تصل بين ماضٍ مشع وآتي متجدد، وهذه اللحظة يخلقها الإبداع الفني، وما يلازمه من تفرد وفرادة الرواد والنخبة.


وإذا كانت الأخلاق الأدبية والروح النقدية تفرض الاعتراف بفضيلة الرواد النخبة، فإن الموضوعية النقدية وما يلازمها من نزاهة وتجرد تقتضي الكلام على النموذج الأصدق للحداثة العربية المعاصرة والتي مازالت في حركة استباق وإضافة في شعر أدونيس.


جاء الشعر مع أدونيس استشرافاً للمستقبل، وانغراساً في الأصالة، فكان بوح النفس البشرية عن رغبتها في الكشف والتخطي والتجاوز، وسؤالاً يحرض على هتك الحجاب الظاهري للغة، وإعادتها إلى عذريتها لتكون قادرة على التلقيح والإخصاب والتوليد. فتستعيد كمونها في التعبير عن التجربة الإنسانية ورسم، إسقاطاتها النفسية والفكرية، والاجتماعية المرتبطة بالحياة وتجددها فيتمخّض اللفظ عن صورة صادقة تعكس انفعالات النفس البشرية في أسمى حالات التجلي والكشف.


تجاوزت لغة أدونيس الشعرية الأنماط المألوفة واكتسبت طاقة تعبير وإيحاء، وصارت اللفظة عالماً يتموج بدلالات لا تنتهي، لأن اللغة الشعرية في رأيه "تكشف عن الإمكان أو الاحتمال، أي عن المستقبل (...) فاللغة الشعرية تحويل دائم للعالم، وتغيير دائم للواقع والإنسان(34)"، فهي تأشيرة إلى اختراق الحاضر، واستباق الحدث.


ربط أدونيس الإبداع بلغة قادرة على زعزعة الطمأنينة، في النص الأدبي، وإقلاق راحة السكون في الاستسلام للمعاني، وطرح التساؤل عن الروح المحتجبة وراء أسرار الحروف، فمنح نصه الشعري فضائية الرمز، وشرف الدلالة على تجربة الأنا الكونية الصادرة عن اللاوعي الإنساني القابض على أسرار معادلة التواجد:


إنه الريح لا ترجع القهقرى


والماء لا يعود إلى منبعه


يخلق نوعه بدءاً من نفسه


لا أسلاف له وفي خطواته جذوره(35)


إنه الإنسان الرافض الرجعة والتقليد.. إنه الحياة، والحياة لا تعيد ذاتها، ولا تبلغ المنتهى.


أتجه نحو البعيد، والبعيد يبقى. هكذا لا أصل


ولكنني أضيء... إنني بعيد والبعيد وطني(36)


هذا هو سر الإبداع الأدونيسي، هدفه اللامرئي واللا محدود. لا يعنيه الأصل إلا بقدر إضاءته، وتوحده مع البعيد الذي حمله، قضية وملجأً ووطناً. فلا انتماء إلا لذلك البعيد المستقبلي، لذلك يعلن نفسه ثورة، تفجّر قابلية الرغبة، وتفكك الشكل المرئي للعالم. إنها ثورة تهدم لتبني، وتمنح الوجود حضوراً أكثر إشراقاً.فأدونيس يضرب بعصا الإبداع التصلب في الواقع الاجتماعي والثقافي والأدبي، الرفض المحيي.


إنني اللغم والطعم. أقنع الأرض بحضوري


وأفتت العالم كي أمنحه الوجود ضارباً بعصاي الصخر


حيث ينبجس الرفض، وينسل جسد البسيطة معلنَّا


طوفان الرفض معلناً سفر تكوينه(37)


لم يتخل أدونيس عن مخزونه التراثي الثقافي، بل استثمر بذوره الحية، وخصبها في مختبر إبداعه. لأن التراث في نظره ليس شكلاً محدوداً مغلقاً، بل هو "حضورنا الإنساني هو المركز والنبع(38)"، وإذا فقدنا نقطة المركز أصيبت ذرات حضورنا الثقافي بالاضطراب والتشتت والضياع، وخسرنا إحداثيات وجودنا في المستوى الثقافي الكوني. فلا مستقبل إبداعي بعيداً عن التراث، ولا ابتكار إلا من ضمن التراث، "وإذا كان التغيير يفترض هدماً للبنية القديمة التقليدية فإن هذا الهدم لا يجوز أن يكون بآلة من خارج التراث العربي، إنما يجب أن يكون بآلة من داخله، إن هدم الأصل يجب أن يمارس بالأصل ذاته(39)".


يشكل الإبداع الأدونيسي نموذج فرادة، إنه النموذج الأمثل لحداثة مغايرة في عالمنا العربي. حداثة تتجاوز التعريف وتتخطى المعايير المألوفة، ولا تعرب إلا عن نفسها وبنفسها، إنها حداثة التجربة الإبداعية الطامحة إلى كشف الحجاب عن إنسانية الإنسان. وإلى البوح بأسرارها غير الملموسة.


أغنى أدونيس تجربته الإبداعية بتحرير لغته من رتابة الإقامة في زنزانة الإعادة والتكرار، ومن جمودية التقليد والتحنيط، وبث فيها روحاً جديدة، وألبسها جدّةً معنوية ولفظية لا تهرم. فالشاعر المجدد والجديد في رأي أدونيس: "ينتشل الكلمات من الغدير الذي غرقت فيه، ينسلها كلمة كلمة من نسيجها القديم، يخيطها كلمة كلمة في نسيج جديد، إذ يفعل ذلك يفرغها من شحنتها القديمة ومن دلالاتها وتداعياتها ويملؤها بشحنة جديدة، تصبح لغة ثانية لا عهد لنا بها(40)".


منح أدونيس شعره هيكلية نمطه الفكري الإبداعي، ورؤيته الحقيقية للكون وإنسانه، فكان شعره تعبيراً صادقاً عن جوهر الإنسان، وعن تطلعاته وأحلامه.


وقد استمد من التراث ما هو حي ومضيء، ثم فعّله في مختبر التواجد الإنساني مولداً أنماطاً متمايزة بجدتها وديمومتها واستمرارها في الآتي، فعبّر عن أناه الإنسانية الكبرى، وعن توحدها مع ذاتها الكونية في أسمى تجلياتها.


v. كلمة وسؤال


يذكرنا واقع الثقافة في المجتمع العربي بمشهدٍ تنزع فيه الروح إلى التحرر من جسد معذّب فانٍ، فإذا كانت الحداثة بمفهومها التراثي الروح المتجددة في كل زمانٍ ومكان فإن واقعنا الثقافي يشير إلى اهتراء وترهل تطمح معه الحداثة إلى التخلي عن فاعليتها في مجتمعٍ يجهل ذاته.


إن كلامنا على ما بعد الحداثة يدفع بي إلى التمحيص والتفكير بالأسباب الكامنة وراء هذه الطروحات. فيقلقني السؤال: هل شعر روادنا بأنهم بلغوا الدرجة العليا في إبداعاتهم ولا جديد مبتكر بعدهم؟


إذا كانت هذه هي الفرضية التي تبنى عليها نظريات الحداثة المعاصرة، فهي فرضية قابلة للنقض. لأن الحداثة تأسيس على أصل لتكون أصلاً لتأسيس جديد، وبالتالي تثبت هذه الحداثة على لسان بعض روادها بعجزها على أن تكون أصلاً إذا هي ليست بحداثة متأصلة.


إن الحداثة والأصالة وجهان لحقيقة واحدة هي الإبداع والإبداع حالة توهج إنساني لا يتلاشى بريقها لأنه توق النفس الخالدة إلى التعبير عن جوهرها وأصالتها، وهذا التوق تفعله الرغبة في الكشف والاتحاد بذات الشوق.


لا حداثة بلا أصالة ولا أصالة تكشف عن ذاتها إلا بفاعلية الحداثة الإبداعية. فالأصالة تخلص لروح التراث وفروعه الممتدة على الواقع الحاضر، لتؤصل ذاتها لتفريعٍ مستقبلي أكثر تلاؤماً من تطور الحياة.


إن الحداثة بمفهومها الجوهري تتأصل في المستقبل وتؤصل له برسالة إنسانية تدفع بالمدعين إلى الاتحاد بذواتهم الحية، فيأتي نتاجهم متجاوزاً خصوبة الحاضر إلى خصوبة مستقبلية أكثر نماء وحياة.


ولذلك كان امرؤ القيس وأبو نواس والمتنبي وجبران وأدونيس، رسل كلمة إبداعية نطقت بحاجات النفس البشرية وأفصحت عن قلقها، وطموحها وتطلعاتها، وستبقى الحياة الإنسانية في حركة دائمة، تتجه نحو تخصيب حداثة لا زمنية، متحررة من محدودية المكان، مجنحة في فضاءات البوح الإنساني اللامتناهية.


المراجع والمصادر


(1) الأدب المقارن، محمد غنيمي هلال، بيروت، دار العودة، ط6.


(2) إنجيل متى.


(3) تشريح النص، عبد الله محمد الغذامي، بيروت، دار الطليعة، ط1، 1987.


(4) الثابت والمتحول: صدمة الحداثة، أدونيس.


(5) الثابت والمتحول في تأصيل الأصول، أدونيس، بيروت، دار العودة.


(6) جبران أصالة وحداثة، مها خير بك ناصر، بيروت، المؤسسة الحديثة للكتاب، ط1، 2002.


(7) الحداثة في الشعر، يوسف الخال، بيروت، دار الطليعة، ط1، 1998.


(8) حديث الأربعاء، طه حسين، دار المعارف بمصر، 1964.


(9) ديوان أبي تمام.


(10) ديوان أبي نواس/ تحقيق أحمد عبد المجيد الغزالي، بيروت، دار الكتاب العربي.


(11) ديوان الشعر العربي، أدونيس، دار المدى للثقافة والنشر، 1986.


(12) ديوان المتنبي.


(13) الشعر والشعراء، ابن قتيبة، بيروت، دار الثقافة.


(14) الشفاء، ابن سينا، القاهرة، مطبعة مدكور، 1952.


(15) طبقات الشعراء، ابن سلاّم الجمحي.


(16) العمدة/ ابن رشيق، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، مطبعة السعادة بمصر، ط2، 1955.


(17) المجموعة الكاملة العربية لجبران خليل جبران.


(18) المجموعة الكاملة المعربة لجبران خليل جبران.


(19) المجموعة الكاملة لميخائيل نعيمة، بيروت، دار العلم للملايين، 1971.


(20) المقدمة لابن خلدون، بيروت، مكتبة المدرسة ودار الكتاب اللبناني، ط3، 1967.


________________________________________


(1) انظر قوله:


أصبني منك يا أملي بذنب *** تتيه على الذنوب به ذنوبي


ج


(2)وقوله:


ومازلت أستل روح الدن في لطف *** وأستقي دمه من جوف مجروح


حتى انثنيت ولي روحان في جسد *** والدن منطرح جسماً بلا روح


(3) الثابت والمتحول، تأصيل الأصول: أدونيس، دار العودة، ص 111.


(4) كقوله:


متخرسن دين النصارى دينه *** ذي قرطق لم يتصل ببنائق


(الديوان صفحة 220)


(5) الديوان: أدونيس، ج2، ص 19.


(6) ديوان الشعر العربي: أدونيس، ج2، ص21.


(7) العمدة: ابن رشيق، ج2، ص 244.


(8) ديوان المتنبي، شرح عبد الرحمن البرقوقي، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، مج1 ج1، صفحة 252.


(9) المصدر نفسه، صفحة 47-48.


(10) المصدر نفسه، مج2، ج 4، صفحة 83-85.


(11) ديوان الشعر العربي: أدونيس، ج2، ص 29.


(12) يقول ابن سلام في كتابه طبقات فحول الشعراء، ص 5: "الشعر صناعة وثقافة عرفها أهل العلم كسائر أصناف العلم والصناعات منها ما تثقفه العين، ومنها ما تثقفه الأذن، ومنها ما تثقفه اليد، ومنها ما يثقفه اللسان".


(13) زمن الشعر: أدونيس، ص 159.


(14) الشعر والشعراء: ابن قتيبة، ج1، ص 11.


(15) تشريح النص: عبد الله محمد الغذّامي، ص 18.


(16) الشعر والشعراء: ابن قتيبة، ج2، ص 10.


(17) حديث الأربعاء: طه حسين، ج2، صفحة 252.


(18) المصدر نفسه.


(19) الحداثة في الشعر: يوسف الخال، دار الطليعة، بيروت، ط1، 1998.


(20) العمدة: ابن رشيق، ج1، ص 116.


(21) المجموعة الكاملة العربية: جبران، دار صادر، د.ت.، ص 56.


(22) المجموعة الكاملة المعربة: جبران، دار صادر، د. ت، صفحة 430-431.


(23) المجموعة الكاملة العربية: جبران، صفحة 299.


(24) انظر مؤلفنا، جبران أصالة وحداثة، المؤسسة الحديثة للكتاب، ط1، 2002، صفحة 49.


(25) المجموعة الكاملة العربية: جبران، صفحة 562.


(26) المرجع السابق، صفحة 424.


(27) المرجع السابق، صفحة 396.


(28) المرجع السابق، صفحة 588.


(29) المرجع السابق، صفحة 285.


(30) انجيل متى، الفصل التاسع، الآية 17.


(31) مؤلفنا، جبران، ص 246.


(32) تشريح النص: عبد الله محمد الغزالي، ص 11.


(33) الشعر العربي المعاصر: عز الدين إسماعيل، ص 175.


(34) صدمة الحداثة: أدونيس، الثابت والمتحول، ص 294.


(35) المجموعة الكاملة: أدونيس، ج1، ص 330.


(36) المصدر نفسه، ص 405.


(37) المجموعة الكاملة: أدونيس، ج1، ص 406.


(38) ومن الشعر: أدونيس، صفحة 228.


(39) الثابت والمتحول والأصول: أدونيس، صفحة 23.


(40) زمن الشعر: أدونيس، ص 163.


مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 96 - السنة الرابعة والعشرون - كانون الأول 2004 - شوال 1425


نزع جبران نحو التجديد والتغيير من غير أن يلغي أصالة النسب، فجاء نتاجه فتحاً عظيماً يؤسس لدراسة فكرية متجددة في مكنوناتها وعناصرها، قوامها الحضور الإنساني والتعبير عن حقيقة هذا الحضور بألفاظ لها دلالة ظاهرية، ودلالة باطنية هادفة. فأوجد تياراً فكرياً ريادياً، شق الطريق أمام شعراء الحداثة في الخمسين سنة المنصرمة، ولكنه لم يسلم من النقد والتقريع، شأن كل ريادي مبدع يخلق حركة أدبية تلقى في أي مجتمع الرفض أو القبول.


لقد كان جبران مدرسة قائمة بذاتها، لها مقومات الأصالة والحداثة، استطاعت تفعيل بذور الشك، والتساؤل بغية الحصول على المعرفة، وبالمعرفة يتحد الإنسان بذاته العليا، ويتلاقى مع كل المجنحين بروح الاستكشاف والاستشراف، فمنح عصر النهضة سمات التأصل والتحرر، وكان له شرف الارتباط بالتراث وديمومة الحركة في المستقبل.


شهدت الحداثة، بالإضافة إلى الرفض والقبول، خروجاً على مفهوم الحداثة، إذ قرن بعضهم ماهية الحداثة بالتخلي عن الموزون الشعري، واهتموا بالشكل أكثر من عنايتهم بالجوهر.


والبرهان على هذه الفرضية يلزمها استقراء كامل للشعر العربي الحديث، والحكم عليه بمعايير الحداثة الأصلية، هذه المعايير عينها تثبت ولادة حداثة مغايرة، لها هويتها المتميزة عن نظائرها.


عرف العصر الحديث يقظة فكرية قوامها رؤى إبداعية، وهدفها ترسيخ مفهوم جديد للحداثة، يبدأ من قراءة التراث وفرزه، ونقده، وتفعيل عناصره الحية، وذلك على مسرح اللحظة الحاضرة المؤسسة للمستقبل، ليكرس الحاضر نقطة مضيئة تصل بين ماضٍ مشع وآتي متجدد، وهذه اللحظة يخلقها الإبداع الفني، وما يلازمه من تفرد وفرادة الرواد والنخبة.


وإذا كانت الأخلاق الأدبية والروح النقدية تفرض الاعتراف بفضيلة الرواد النخبة، فإن الموضوعية النقدية وما يلازمها من نزاهة وتجرد تقتضي الكلام على النموذج الأصدق للحداثة العربية المعاصرة والتي مازالت في حركة استباق وإضافة في شعر أدونيس.


جاء الشعر مع أدونيس استشرافاً للمستقبل، وانغراساً في الأصالة، فكان بوح النفس البشرية عن رغبتها في الكشف والتخطي والتجاوز، وسؤالاً يحرض على هتك الحجاب الظاهري للغة، وإعادتها إلى عذريتها لتكون قادرة على التلقيح والإخصاب والتوليد. فتستعيد كمونها في التعبير عن التجربة الإنسانية ورسم، إسقاطاتها النفسية والفكرية، والاجتماعية المرتبطة بالحياة وتجددها فيتمخّض اللفظ عن صورة صادقة تعكس انفعالات النفس البشرية في أسمى حالات التجلي والكشف.


تجاوزت لغة أدونيس الشعرية الأنماط المألوفة واكتسبت طاقة تعبير وإيحاء، وصارت اللفظة عالماً يتموج بدلالات لا تنتهي، لأن اللغة الشعرية في رأيه "تكشف عن الإمكان أو الاحتمال، أي عن المستقبل (...) فاللغة الشعرية تحويل دائم للعالم، وتغيير دائم للواقع والإنسان(34)"، فهي تأشيرة إلى اختراق الحاضر، واستباق الحدث.


ربط أدونيس الإبداع بلغة قادرة على زعزعة الطمأنينة، في النص الأدبي، وإقلاق راحة السكون في الاستسلام للمعاني، وطرح التساؤل عن الروح المحتجبة وراء أسرار الحروف، فمنح نصه الشعري فضائية الرمز، وشرف الدلالة على تجربة الأنا الكونية الصادرة عن اللاوعي الإنساني القابض على أسرار معادلة التواجد:


إنه الريح لا ترجع القهقرى


والماء لا يعود إلى منبعه


يخلق نوعه بدءاً من نفسه


لا أسلاف له وفي خطواته جذوره(35)


إنه الإنسان الرافض الرجعة والتقليد.. إنه الحياة، والحياة لا تعيد ذاتها، ولا تبلغ المنتهى.


أتجه نحو البعيد، والبعيد يبقى. هكذا لا أصل


ولكنني أضيء... إنني بعيد والبعيد وطني(36)


هذا هو سر الإبداع الأدونيسي، هدفه اللامرئي واللا محدود. لا يعنيه الأصل إلا بقدر إضاءته، وتوحده مع البعيد الذي حمله، قضية وملجأً ووطناً. فلا انتماء إلا لذلك البعيد المستقبلي، لذلك يعلن نفسه ثورة، تفجّر قابلية الرغبة، وتفكك الشكل المرئي للعالم. إنها ثورة تهدم لتبني، وتمنح الوجود حضوراً أكثر إشراقاً.فأدونيس يضرب بعصا الإبداع التصلب في الواقع الاجتماعي والثقافي والأدبي، الرفض المحيي.


إنني اللغم والطعم. أقنع الأرض بحضوري


وأفتت العالم كي أمنحه الوجود ضارباً بعصاي الصخر


حيث ينبجس الرفض، وينسل جسد البسيطة معلنَّا


طوفان الرفض معلناً سفر تكوينه(37)


لم يتخل أدونيس عن مخزونه التراثي الثقافي، بل استثمر بذوره الحية، وخصبها في مختبر إبداعه. لأن التراث في نظره ليس شكلاً محدوداً مغلقاً، بل هو "حضورنا الإنساني هو المركز والنبع(38)"، وإذا فقدنا نقطة المركز أصيبت ذرات حضورنا الثقافي بالاضطراب والتشتت والضياع، وخسرنا إحداثيات وجودنا في المستوى الثقافي الكوني. فلا مستقبل إبداعي بعيداً عن التراث، ولا ابتكار إلا من ضمن التراث، "وإذا كان التغيير يفترض هدماً للبنية القديمة التقليدية فإن هذا الهدم لا يجوز أن يكون بآلة من خارج التراث العربي، إنما يجب أن يكون بآلة من داخله، إن هدم الأصل يجب أن يمارس بالأصل ذاته(39)".


يشكل الإبداع الأدونيسي نموذج فرادة، إنه النموذج الأمثل لحداثة مغايرة في عالمنا العربي. حداثة تتجاوز التعريف وتتخطى المعايير المألوفة، ولا تعرب إلا عن نفسها وبنفسها، إنها حداثة التجربة الإبداعية الطامحة إلى كشف الحجاب عن إنسانية الإنسان. وإلى البوح بأسرارها غير الملموسة.


أغنى أدونيس تجربته الإبداعية بتحرير لغته من رتابة الإقامة في زنزانة الإعادة والتكرار، ومن جمودية التقليد والتحنيط، وبث فيها روحاً جديدة، وألبسها جدّةً معنوية ولفظية لا تهرم. فالشاعر المجدد والجديد في رأي أدونيس: "ينتشل الكلمات من الغدير الذي غرقت فيه، ينسلها كلمة كلمة من نسيجها القديم، يخيطها كلمة كلمة في نسيج جديد، إذ يفعل ذلك يفرغها من شحنتها القديمة ومن دلالاتها وتداعياتها ويملؤها بشحنة جديدة، تصبح لغة ثانية لا عهد لنا بها(40)".


منح أدونيس شعره هيكلية نمطه الفكري الإبداعي، ورؤيته الحقيقية للكون وإنسانه، فكان شعره تعبيراً صادقاً عن جوهر الإنسان، وعن تطلعاته وأحلامه.


وقد استمد من التراث ما هو حي ومضيء، ثم فعّله في مختبر التواجد الإنساني مولداً أنماطاً متمايزة بجدتها وديمومتها واستمرارها في الآتي، فعبّر عن أناه الإنسانية الكبرى، وعن توحدها مع ذاتها الكونية في أسمى تجلياتها.


v. كلمة وسؤال


يذكرنا واقع الثقافة في المجتمع العربي بمشهدٍ تنزع فيه الروح إلى التحرر من جسد معذّب فانٍ، فإذا كانت الحداثة بمفهومها التراثي الروح المتجددة في كل زمانٍ ومكان فإن واقعنا الثقافي يشير إلى اهتراء وترهل تطمح معه الحداثة إلى التخلي عن فاعليتها في مجتمعٍ يجهل ذاته.


إن كلامنا على ما بعد الحداثة يدفع بي إلى التمحيص والتفكير بالأسباب الكامنة وراء هذه الطروحات. فيقلقني السؤال: هل شعر روادنا بأنهم بلغوا الدرجة العليا في إبداعاتهم ولا جديد مبتكر بعدهم؟


إذا كانت هذه هي الفرضية التي تبنى عليها نظريات الحداثة المعاصرة، فهي فرضية قابلة للنقض. لأن الحداثة تأسيس على أصل لتكون أصلاً لتأسيس جديد، وبالتالي تثبت هذه الحداثة على لسان بعض روادها بعجزها على أن تكون أصلاً إذا هي ليست بحداثة متأصلة.


إن الحداثة والأصالة وجهان لحقيقة واحدة هي الإبداع والإبداع حالة توهج إنساني لا يتلاشى بريقها لأنه توق النفس الخالدة إلى التعبير عن جوهرها وأصالتها، وهذا التوق تفعله الرغبة في الكشف والاتحاد بذات الشوق.


لا حداثة بلا أصالة ولا أصالة تكشف عن ذاتها إلا بفاعلية الحداثة الإبداعية. فالأصالة تخلص لروح التراث وفروعه الممتدة على الواقع الحاضر، لتؤصل ذاتها لتفريعٍ مستقبلي أكثر تلاؤماً من تطور الحياة.


إن الحداثة بمفهومها الجوهري تتأصل في المستقبل وتؤصل له برسالة إنسانية تدفع بالمدعين إلى الاتحاد بذواتهم الحية، فيأتي نتاجهم متجاوزاً خصوبة الحاضر إلى خصوبة مستقبلية أكثر نماء وحياة.


ولذلك كان امرؤ القيس وأبو نواس والمتنبي وجبران وأدونيس، رسل كلمة إبداعية نطقت بحاجات النفس البشرية وأفصحت عن قلقها، وطموحها وتطلعاتها، وستبقى الحياة الإنسانية في حركة دائمة، تتجه نحو تخصيب حداثة لا زمنية، متحررة من محدودية المكان، مجنحة في فضاءات البوح الإنساني اللامتناهية.


المراجع والمصادر


(1) الأدب المقارن، محمد غنيمي هلال، بيروت، دار العودة، ط6.


(2) إنجيل متى.


(3) تشريح النص، عبد الله محمد الغذامي، بيروت، دار الطليعة، ط1، 1987.


(4) الثابت والمتحول: صدمة الحداثة، أدونيس.


(5) الثابت والمتحول في تأصيل الأصول، أدونيس، بيروت، دار العودة.


(6) جبران أصالة وحداثة، مها خير بك ناصر، بيروت، المؤسسة الحديثة للكتاب، ط1، 2002.


(7) الحداثة في الشعر، يوسف الخال، بيروت، دار الطليعة، ط1، 1998.


(8) حديث الأربعاء، طه حسين، دار المعارف بمصر، 1964.


(9) ديوان أبي تمام.


(10) ديوان أبي نواس/ تحقيق أحمد عبد المجيد الغزالي، بيروت، دار الكتاب العربي.


(11) ديوان الشعر العربي، أدونيس، دار المدى للثقافة والنشر، 1986.


(12) ديوان المتنبي.


(13) الشعر والشعراء، ابن قتيبة، بيروت، دار الثقافة.


(14) الشفاء، ابن سينا، القاهرة، مطبعة مدكور، 1952.


(15) طبقات الشعراء، ابن سلاّم الجمحي.


(16) العمدة/ ابن رشيق، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، مطبعة السعادة بمصر، ط2، 1955.


(17) المجموعة الكاملة العربية لجبران خليل جبران.


(18) المجموعة الكاملة المعربة لجبران خليل جبران.


(19) المجموعة الكاملة لميخائيل نعيمة، بيروت، دار العلم للملايين، 1971.


(20) المقدمة لابن خلدون، بيروت، مكتبة المدرسة ودار الكتاب اللبناني، ط3، 1967.


________________________________________


(1) انظر قوله:


أصبني منك يا أملي بذنب *** تتيه على الذنوب به ذنوبي


ج


(2)وقوله:


ومازلت أستل روح الدن في لطف *** وأستقي دمه من جوف مجروح


حتى انثنيت ولي روحان في جسد *** والدن منطرح جسماً بلا روح


(3) الثابت والمتحول، تأصيل الأصول: أدونيس، دار العودة، ص 111.


(4) كقوله:


متخرسن دين النصارى دينه *** ذي قرطق لم يتصل ببنائق


(الديوان صفحة 220)


(5) الديوان: أدونيس، ج2، ص 19.


(6) ديوان الشعر العربي: أدونيس، ج2، ص21.


(7) العمدة: ابن رشيق، ج2، ص 244.


(8) ديوان المتنبي، شرح عبد الرحمن البرقوقي، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، مج1 ج1، صفحة 252.


(9) المصدر نفسه، صفحة 47-48.


(10) المصدر نفسه، مج2، ج 4، صفحة 83-85.


(11) ديوان الشعر العربي: أدونيس، ج2، ص 29.


(12) يقول ابن سلام في كتابه طبقات فحول الشعراء، ص 5: "الشعر صناعة وثقافة عرفها أهل العلم كسائر أصناف العلم والصناعات منها ما تثقفه العين، ومنها ما تثقفه الأذن، ومنها ما تثقفه اليد، ومنها ما يثقفه اللسان".


(13) زمن الشعر: أدونيس، ص 159.


(14) الشعر والشعراء: ابن قتيبة، ج1، ص 11.


(15) تشريح النص: عبد الله محمد الغذّامي، ص 18.


(16) الشعر والشعراء: ابن قتيبة، ج2، ص 10.


(17) حديث الأربعاء: طه حسين، ج2، صفحة 252.


(18) المصدر نفسه.


(19) الحداثة في الشعر: يوسف الخال، دار الطليعة، بيروت، ط1، 1998.


(20) العمدة: ابن رشيق، ج1، ص 116.


(21) المجموعة الكاملة العربية: جبران، دار صادر، د.ت.، ص 56.


(22) المجموعة الكاملة المعربة: جبران، دار صادر، د. ت، صفحة 430-431.


(23) المجموعة الكاملة العربية: جبران، صفحة 299.


(24) انظر مؤلفنا، جبران أصالة وحداثة، المؤسسة الحديثة للكتاب، ط1، 2002، صفحة 49.


(25) المجموعة الكاملة العربية: جبران، صفحة 562.


(26) المرجع السابق، صفحة 424.


(27) المرجع السابق، صفحة 396.


(28) المرجع السابق، صفحة 588.


(29) المرجع السابق، صفحة 285.


(30) انجيل متى، الفصل التاسع، الآية 17.


(31) مؤلفنا، جبران، ص 246.


(32) تشريح النص: عبد الله محمد الغزالي، ص 11.


(33) الشعر العربي المعاصر: عز الدين إسماعيل، ص 175.


(34) صدمة الحداثة: أدونيس، الثابت والمتحول، ص 294.


(35) المجموعة الكاملة: أدونيس، ج1، ص 330.


(36) المصدر نفسه، ص 405.


(37) المجموعة الكاملة: أدونيس، ج1، ص 406.


(38) ومن الشعر: أدونيس، صفحة 228.


(39) الثابت والمتحول والأصول: أدونيس، صفحة 23.


(40) زمن الشعر: أدونيس، ص 163.


مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 96 - السنة الرابعة والعشرون - كانون الأول 2004 - شوال 1425

**د لا ل**
2013-03-21, 18:11
قراءة ما ورائية في بوح الهمسات النفسية
في نص / شرنقة مزقت رعشتي / للشاعرة : سمر سليم الزريعي
الدارسان : حسين الهنداوي – حاتم قاسم
شرنقة مزقت رعشتي بقلم : سمر الزريعي
أيها البحرُ الغريقُ
امضِ لليلي
لتعبرَ الأنفاسُ المتبرعمةُ
من شطآني..
حافياً اركض إليَّ
و سأرتديكَ لأمحو خطواتِها منّي
فأشرقُ منكَ
طفلةً تتشكلُ من جديدٍ
صوفُ أجسادِنا اغزلهُ
بموجِكَ حلوى
تُذوِّبُ شفاهنا
أكتمُ نهري
عندما أراكَ
بجوفي..
فكلُ الحروفِ مائيةٍ
حطت بخيلها على أضلعي
تحرِّرُني
لتجمعَ ماءكَ
من عتمتي
فيمضغني السوادُ بوحدتي
عند أبوابِ همساتِكَ
لملمني
بشرنقةٍ مزقت رعشتي
أيتها الأنفاسُ..
لا تكتمي بوحَكِ
اعصِ سكونَكِ
فللحرفِ
نكهةُ الليلِ المرتعشِ
برعدي
انحري
زهرهُ
بماءِ الحنينِ
استدعي الربيعَ الآنَ
ليلتهمَ فراشةً حنطْتِها
بغرقي
في كأسِ وردِكِ
بنضجِ الليلِ عندَ اشتهائي
احتسي قراءتي لفنجاني
بطراوةِ أملي
في رئتي..
موتي ممتليٌ
بحصى أنفاسٍ هاربةٍ
من تناسلِ وحدتي
اهجري حطامَ خرافتي
بزرقتي
وتنقلي بين قلقِ الكواكبِ
وساعةَ تفتتِ الصفرِ
في يدي

************************************************** **********************

قصيدة النثر كما يسمونها أو كما تتراءى لنا نص لا يعتمد القافية و هي تحمل في نبضاتها ما يختلج في الوجدان لتنبض بتصوير رمزي و إيحائي يفرغه الشاعر على أرض الواقع من خلال مخزون ارثه الثقافي ، فالشكل الشعري الجديد يبدأ من الكلمة و مدلولاتها و إيقاعها ليأخذنا نسبح في عالم الصورة التعبيرية و الرمز و سائر ضروب الإيحاء اللفظي و مدلولاته الكامنة في مناخات اللغة و الموسيقا التي تلون النص بإيقاعها الدافئ تضفي عليه رونقاً جديداً و هذا ما يفتقده قالب الشعر النثري مع الاحتفاظ بسمته الأدبية 0
و النص الذي بين أيدينا بعنوان : / شرنقة مزقت رعشتي / للشاعرة سمر سليم الزريعي هو أحد نصوص النثر فالعنوان يرسم لوحة على جدار الذات ليسبر مغاورها و يتوجس أنفاسها الصاعدة التي تبوح برعشتها 000 لوحة ترتسم مع أمواج البحر لتتلاقى مع أصداء الذات عبر الأنفاس المتبرعمة في شطآن الوهم و الحقيقة 00 وهمٌ يركض حافياً يرتدي الخطوات لكنه يشرق من انفعالاتها حلمٌ طفولي فيه براءة القرنفل و نقاوة الياسمين بولادة جديدة و حلم جديد

(( أيها البحر الغريق
امض لليلي 000
لتعبر الأنفاس المتبرعمة
و سأرتديك لأمحو خطواتها مني
فأشرقت منك
طفلة تتشكل من جديد ))
حركة ديناميكية مستمرة تكسر أعتاب صمتها ببوح السكون لتقف عند حدود الذات ترسم حروفها المائية التي تحمل حيوية متدفقة من شعورها الصادق الباحث عن ظل
واعد في ليل الحياة المظلم 000 إنها انطلاقة جديدة ترسمها الشاعرة بحروفها الملتهبة 000 و همسة راعفة تزجيها إلى أسلاك القلب التائهة في مغاور النفس التي تبحث عن أنفاس جديدة ترتقي بحلمها من عتمة الليل و الوحدة إلى نافذة الهمسات التي تشرق منها بوحاً جديد 0

(( فكل الحروف مائية
حطت بخيلها في أضلعي
تحررني
لتجمع ماءك
من عتمتي 000
فيمضغني السواد بوحدتي
عند أبواب همساتك ))

لكن التدفق الحيوي في لغة الشاعرة لم يقرع باب اليأس بل فتح نافذة الأمل للربيع الذي يجدد الحياة بنسغ ٍ يخضوري يورق في كأس ورد الحبيب يعطر ليل الماضي :
(( استدعي الربيع الآن
ليلتهم فراشة حنطتها 000
بغرفتــي
في كأس ورك ))

و تبقى زفرات الصورة تنقلنا بألوان طيفها قوس قزح يقرأ فنجان قهوتها من رئة ممتلئة بحصى الأنفاس الهاربة من أطياف وحدتها إلى عالم واقعها تاركة أنفاسها المتعبة و صمت وحدتها و أحلامها الخرافية تنكسر على أمواج زرقة البحر لتنقلنا عبر جواز مرور إلى أفق ممتد ٍ في فضاءات رحبة تعلن ميلاد ساعة الصفر 00
الشاعرة باحت بصمتها و بلغتها الوجدانية أفاقاً تخترق حاجز الذات لتسبر معالمه و جعلت من لوحتها البحرية الغريقة في عالم الوجدان رموزاً تولد ُ في كائناتها لتغدو عنصراً فاعلاً في لوحتها 000
( فالبحر الغريق و الأنفاس المتبرعمة ) صور ٌ تتعدى سكون الحركات لتدخل أعماق الذات 0
صورتان متلازمتان ( غرق وولادة ) و لأن عجلة العمر الكوني لا ترجع إلى الوراء ندرك أن بعد الموت ولادة و حياة جديدة 0
فتمتشق من مفرداتها قاموساً ذاتياً يحتوي خصوصية تلقائية ترسم لوحتها في جسم القصيدة فتعابير مثل ( بجوفي – عتمتي – لملمني – برعدي – في رئتي – في يدي )
كائنات حسية ترسم لوحة الذات و تعبر عنها بل تغوص في أعماقها لتسبر بمفرداتها جمالية اللوحة 0 فالوهج و الإحساس الصادق لدى الشاعرة يسبر مغاور نفسها عبر انغماسه في الواقع الحياتي و هذا ما عبرت عنه جلياً في مفرداتها :

(( بنضج الليل عند اشتهائي
احتسي قراءتي لفنجاني ))

نبض صادق يتعالى في صراع مع حواس الجسد لينطلق في أفق الوعي اللامحدود
بخصوبته المترامية في الأفق الطلق يبحث عن معالم جديدة لحلم جديد 0
و من هنا يبدو لنا أن العزف على أوتار قصيدة النثر يحتاج إلى قوة تخزينية للصورة الشعرية بحيث تدهشك معالمها دهشة ً تنقلك دفعة واحدة إلى عالم آخر كما و تحتاج إلى لغة مختزلة ترتقي مفرداتها إلى قاموس ينقلك عبر أثير روح الكلمات ليرسم أبعاد الهدف الذي تتحدث عنه القصيدة 0
هدفان متكاملان و متسارعان في الوصول بالقارئ إلى اللحظة الشعرية الفطرية التي تبعث في النفس حقيقتها ( الصورة الشعرية – اللغة الشعرية ) و كم نتمنى من كتابنا المعاصرين الذين يمتطون صهوة هذا الجنس الأدبي أن يعوا أن حصان الشعر حصان مشاكس يحتاج إلى فارس ٍ ماهر يقوده من صحارى الكلمات إلى واحات الوجدان الشعري الخالص 0
حسين الهنداوي ـــ حاتم قاسم

**د لا ل**
2013-03-21, 18:14
الهرطقية
في مأزق النقد العربي المعاصر


عبدالرحمن حمادي
دمشق - سوريا


عندما نتحدث عن موقع النقد العربي المعاصر وواقعه، لا يستطيع أحد بالتأكيد أن يلوم ناقدا مثل خلدون الشمعة حينما يقف ويصف النقد العربي بالهرطقة، أو حينما يشن هجوما عنيفا على معظم ما ينشر من نقد واصفا إياه بالهرطقيات، ولا يعني فقط ما ينشر من نقد صحفي يكتفي من الأثر بمراجعة خاطفة تروي ردود فعل المرجع على رواية أو قصيدة دون أن تقدم تعليلا، ودون أن تحشد ما لديها من أدوات الإقناع، أو دون أن تستند في محاجّتها إلى مصطلح نقدي، بل يشمل الشمعة أيضا النقد الأكاديمي الذي كما يقول قد « تردى بدوره في جملة هرطقات نقدية تكّرس واقعا نقديا عربيا يتسم بالتواصل بين مراحله المختلفة.(1).
وخلدون الشمعة هو واحد من عدد كبير من النقاد الذين وقفوا ضد النقد العربي السائد ووصفوه بأنه كتابات تنهض على قاعدة من الجهل أو لكل بعض ما تحقق من تقدم في نظرية النقد الأدبي الحديث، والنقد العربي المعاصر-والقول ما زال للشمعة. ما يزال في جزء يسير منه أسيرا لجملة من الهرطقات التي تفصح عن قصور فاضح في إدراك العلاقة بين النقد والإبداع ، وبين النقد والعصر الذي ينتمي اليه النص المنقود”(2).
وهذا يجب ان نكرر بأن خلدون الشمعة ما هو إلا واحد من عدد كبير من النقاد العرب الذين استلّوا سيف الهجوم على ما ينشر من نقد في السنوات الأخيرة متهمين إياه بالخرف أحيانا، وبالهرطقات أحيانا أخرى، ومن الواضح ان هذا التهجم من النقاد على النقد يوضح بجلاء أن ثمة معركة يحاول النقاد فتحها لاستنباط معالم نقد عربي صحيح وفاعل، ولكن ما ملامح هذا النقد المنشود، وما أسسه ومناهجه؟ وأسئلة أخرى تحولت إلى معركة أخرى بين النقاد العرب في ما بينهم، ولتتعمق أزمة النقد العربي أكثر فأكثر.
ومع ذلك نقول إن ما يثار حول النقد العربي من قبل النقاد العرب هو أمر طبيعي ويشكل في أحد جوانبه رغبة في الخلاص من المأزق النقدي، ولعلنا لا نجافي الحقيقة حينما نرى ان المعارك النقدية الحالية هي امتداد لمنهج العربي القديم(نقد النقد)، فقد مارس النقاد العرب القدماء هذا الشكل من النقد وعلى مستوى مؤلفات كاملة ظهرت لا تنتقد شاعرا و ناثرا، وانما تنتقد ناقدا بالدرجة الأولى، وللتذكير نشير إلى عدد منها، من مثل:

<LI dir=rtl>«الرد على ابن جني في شرح ديوان المتنبي» لسعد بن محمد الأزدي.
<LI dir=rtl>الرد على ابن جني لأبي عباس المهلبي.
<LI dir=rtl>«تزييف نقد ابن قدامة» لابن رشيق.
<LI dir=rtl>تبيين غلط ابن قدامة في نقد الشعر «للآمدي.
<LI dir=rtl>الرد على ابن المعتز فيما عاب فيه أبا تمام «للآمدي.

منهاج البلغاء «لحازم القرطاجني.....


وحتى في الغرب عاد (نقد النقد) يطرح نفسه بقوة، إذ لم يعد النقد كما كان في الماضي يحمل على عاتقه تقديم شهادة ميلاد لكاتب يتتبع فيها تاريخه ومراحل حياته ويكشف عن ميوله الشخصية والأدبية، ويحاول أن يضع تحت المجهر البحث سرا من أسراره، كما لم يعد إطنابا يفيض فيه الناقد بمديح أو ذم، بل أصبح النقد كما يرى « جان ايف تادييه» مساويا للأعمال التي يحللها، وأصبح النقاد كتابا بارعين، إنهم يمارسون الكتابة في سطور الآخرين ويخرجون منها إلى سطورهم الخاصة، وقد أدى هذا المعنى إلى أن تقف الكتابة النقدية في مواجهة الكتابة النقدية، وإلى أن تصبح الهوّة عميقة بين العمل العلمي النقدي والشعوذة النقدية. (3)
وأرى أننا بعد هذا قد أزلنا أسباب الحرج في مكاشفة أنفسنا بدوافع نقدنا وملامحه، وهي ملامح غير سارة بالطبع.



التصاغر:

أعلم أن هذا العنوان الفرعي (التصاغر) مثير للألم والشفقة معا، ولكنها الحقيقة، فإحدى ملامح النقد العربي المعاصر أنه متصاغر أمام النقد الغربي، وما يزال يرى فيه مثلا أعلى يحتذى باستمرار، فكان المفهوم الغربي النقدي وما زال صاحب تأثير كبير في الخطاب النقدي العربي الذي لم يستطع بسبب ذلك تأسيس منهج خاص به، وبالتالي بقيت الممارسة النقدية متخلفة عن مواكبة الإبداع العربي والتطورات التي طرأت وتطرأ عليه، ولعل المؤتمرات العربية التي تحاول البحث في النقد توضح هذه الإشكالية، فكل مؤتمر يتحول الى معارك بين المدارس والمناهج النقدية الغربية دون الاقتراب من محاولة تأصيل النقد العربي، فهذا يتحدث عن المنهج النفسي وذاك يتحمس للمنهج، الأبستمولوجي، وآخر مع البنيوبة، ورابع مع الجمالية.. إلى أخره.
نحن سعداء بالطبع أن يعي نقادنا المدارس والاتجاهات الغربية في النقد، ولكن إلى الحد الذي يمكننا من تأصيل ثقافتنا النقدية، ودون أن ننسى بأن آداب الأمة العربية وإبداعاتها-بما في ذلك النقد- لا يمكن أن تتطور إلا من داخلها، أما التأثيرات الأجنبية فلا تكون فعالة إلا حين يمكن صهرها وتمثلها في الإبداع الأصلي. المضحك المبكي فعلا والذي يعكس تصاغر نقادنا أمام النقد الغربي وعدم ثقتهم بما لديهم أن أي مؤتمر عربي حول النقد العربي يتحول إلى دروس تعيد شرح المدارس النقدية الغربية بإعجاب وحماس.



اللفظيـــة:

إن إحدى إشكاليات النقد العربي المعاصر هو ميله للاستعرض اللفظي، حتى صار ذلك يشكل ظاهرة طريفة في النص النقدي، فيتم حشره بمصطلحات من مثل:الكلاسيكية-الأكاديمية-التجريبية-اللاوعي-البنيوية.... وهذا الحشو الاستعراضي اللفظي يمكن أن نفترض انه يتم لأجل احتمالين:
- الأول: الناقد نفسه لا يفهم معنى هذه المصطلحات، ولكن تقديم نفسه كناقد يتطلب منه هذا الحشو لألفاظ متداولة وأخرى غير متداولة أو معروفة يخترعها من عندياته، وفي هذه الحالة، لا القارئ، ولا صاحب الإبداع المنقود، ولا الناقد نفسه يفهمون ما يعنيه النص النقدي، ومع ذلك يتخاطبون مع بعضهم على مبدأ (حوار الطرشان)، ولي أن اضرب مثلا:
في أمسية شعرية وقف ناقد يعقّب على ما ألقي من شعر، فحشى حديثه بمصطلحات وهو يحلل الشعر الملقى بحديث لم نفهم منه ولا كلمة، فضاق بي، ووقفت معقبا على كلام الناقد بكلام مثله مخترعا عشرات المصطلحات الوهمية والأسماء الأجنبية، ومع ذلك حاورني الناقد مؤيدا بعض ما قلت ونافيا بعضه، وهكذا تحاورنا بحوار، كلانا كنا نخترع فيه الأسماء والمصطلحات، والجمهور المسكين يتظاهر معظمه انه يفهم ما نقوله، ولكم أن تتصوروا سخافة الموقف حينما كاشفت الناقد والجمهور بالحقيقة.
- أما الاحتمال الثاني، ففيه، يكون الناقد ملما بالمصطلحات التي يستعرضها، ومع ذلك يستخدمها ليس للدلالة على معانيها، وإنما لتأكيد تأثيرها العاطفي الهيجاني الذي تحدثه، أي أن الناقد يورد المصطلح ثم يملأه بالمفهوم الذي يلائم رأيه المسبق ونزعته العاطفية بمحبة شيء أو كرهه له، وهكذا يورد الناقد المصطلح بمعزل عن دلالته الحقيقية، وهذه الظاهرة تشكل ضررا بالغا على النقد العربي المعاصر وعلى الإبداع معا؛ لأنها تساهم إسهاما خطيرا في تكريس عادات لغوية تفرغ الفكر العربي من قابليته على الإقناع العقلي وتشيع فيه النزعة الى السحر اللفظي على حساب الدلالات المنطقية للألفاظ.



استعراض المقدرة:

حينما يتعامل النقد العربي المعاصر مع الإبداع يقدم نفسه في استعراض وكأنه يحب أن يسبق الأثر المنقود، ولهذا يمعن الناقد في عرض ثقافته الشمولية، خاصة ثقافته في المدارس والمناهج النقدية الغربية، ويسهب في شرح المدارس النقدية الغربية واسماء أعلامها مستشهدا بهم بين الفينة والأخرى، وكل ذلك دون أن يتطرق للنص المنقود إلا لماما، فما ندري: هل نحن إزاء مقالة تنظيرية يطرحها مثقف على المتلقين الذين يفترض هذا (المثقف) انهم أميون، أم إزاء نص نقدي لإبداع ما.
ان استعراض المقدرة بهذا الشكل الذي يستغبي المتلقي هو الذي جعل كل شيء قابلا للنقد على أساس انه إيداع حتى لو كان خرفا لغويا لا علاقة له بعشيرة الإبداع، إذ من المعيب ان يعلن الناقد أن هذا الخرف لا يستحق النقد، بل لابد من تناوله على انه إبداع، وإلا على ماذا سيتكىء الناقد في استعراض مقدرته النقدية، وبذلك يصبح النقد مشجعا للانحدار الذي وصلت إليه بعض الإبداعات، لا سيما في الشعر العربي الحديث، لذلك لم نعد نستغرب جاهزية بعض النقاد للتعامل الفوري مع «القصيدة الإلكترونية» و”القصيدة الكهربائية» و « القصيدة البصرية”.
مثلا، يصدر أحدهم (ديوانا) يتضمن ما اسماه (القصيدة البصرية) وهي تشكيل رسومات من حروف عربية، كأن يشكل صاحب هذا الشيء المسمى ديوانا صورة رجل من الحروف العربية، وبسرعة يتنطع النقد للحديث بإسهاب عن هذه التجربة الشعرية ومضامينها و..و من مثل”وهذا الشكل الكتابي يؤكد الحرية الغائبة ويذكر بها حين ينشدها في تعدد المقترحات الكتابية، فان هذه المقترحات تصبح في الوقت ذاته مأوى للحرية وملجأ لها، ولذا فهي تأوي الى الذات وتلمح الى نفسها من النوافذ، أنها حرية خائفة مهددة، ومن اجل هذا فهي تتجه الى صيغ التعاويذ والرقي والسحر والمخلوقات التي تشبه كتابة سومرية فقط لتحافظ على امتدادها..
هذا مثال، وقس على ذلك عشرات وعشرات الأمثلة التي تطالعنا تحت اسم النقد وتمتلئ بالغريب من المعادلات والمربعات والجداول من مثل :» ان الشاعر في هذا النص معبأ بالانبهارية-الاندفاع لديه لا انتماء للفوق-تحته المنبعثة من التحت-فوقية- حيرة مستمرة تصطدم بديماغوجية لا جمعية= صدام لا ذكوري مع المخزون الذاكوري..
ألا يعرض ما ذكرناه أمامنا مشكلة عويصة يعاني منها النقد العربي؟ وان النقد قد كف عن كونه عنصر كشف وإنارة واستحال الى عنصر تضليل واعاقة؟



الفوقيـة:

ان النقد في أحد تعاريفه هو فن يستخدم العلم، واحد صحة علمانيته ان لا يعتقد بأن الإبداع يحدث كي يمارس النقد وظيفته على هذا الإبداع، ولكي يتجه الناقد بخطابه للقارىء قبل ان يتجه به للمبدع، ولكن ما يحدث اليوم في النقد العربي غالبا هو ان الناقد يعتبر نفسه سلطة عليا فوق الإبداع، سلطة « يجب ان تأمر وتنهي فحسب، ولا تقوم النص بقدر ما تعلم صاحب النص أو تشرح له كيف يمكنه أن يحذق فنه وان يصحح مساره، وهكذا فان هذه السلطة المزعومة تتجاوز ما هو قائم من اجل ان نقترح ما يمكن ان يقوم، وكثيرا ما يتوجه الناقد الى الشاعر أو القاص توجها ينطوي على استخذائية وتصغير”.
والناقد في هذه الإشكالية هو كالنبات الطفيلي الذي يتسلق على الإبداع ويرى ان هذا الإبداع يجب ان ينحني له وحده، ويقتصر نشاطه التطبيقي على اختيار نصوص قد اكتسب أصحابها شهرة ويستشهد بها كحجج دامغة يجب ألا تناقش.
أنها بعض ملامح وإشكاليات النقد العربي المعاصر، والإلمام بكافة هذه الإشكاليات يحيلنا الى مثال علبة الحليب، ومفادها ان علبة حليب مجفف عليها صورة طفل يحمل صورة العلبة نفسها، والصورة التي على العلبة فيها صورة الطفل نفسه يحمل العلبة نفسها، وفي الصورة الموجودة في الصورة توجد نفس صورة الطفل وهو يحمل نفس علبة الحليب وعليها صورته وهو يحمل نفس علبة الحليب التي أيضا عليها صورته وهو يحمل نفس علبة الحليب ... وهكذا فثمة متاهة لا تنتهي وتشكل مأزقا لمن يريد الوصول الى الصورة الأخيرة المفيدة.
هذا المثل ينطبق في المحصلة على النقد العربي المعاصر، فالإشكاليات كثيرة، والغريب أن نجد من بين نقادنا من يدافع عن هذه الإشكاليات بادعاء ان النقد يرتبط بالإنتاج «يتقهقر ويتطور بتطور العلم والتقنيات والصنائع، وبين النقد والأدب علاقة، بل علاقات، غير أنها عموما غير مباشرة تمر من خلال عمليات الإنتاج والعلاقات الناتجة عن تطوراته في المجتمع وفي الفكر والعواطف» (7)، ومع ذلك يعترف صاحب هذا الرأي بأن”اكثر الممارسات في النقد العربي اليوم هي تمرينات مدرسية تصلح للتعليم والتدريب اكثر منها ممارسة فعلية لوظيفة النقد الأدبي”.(7)



ما العمــل:

لقد ابتعدت عن الأسماء والأمثلة المباشرة لان هدفنا هو نقد النقد كمساهمة في مشروع يؤصل نقدنا العربي المعاصر، أو على الأقل يحاول إخراجه من بعض إشكالياته وأزماته التي جعلت ناقدا مثل جورج طرابيشي يعلن بأن قسما كبيرا من النقد العربي «هو شر ما ابتلى به الإبداع العربي الحديث من آفات... وان أطنانا وأطنانا من الورق المسمى بالنقد يجب ان يلقى في سلة المهملات فيما لو وجدت سلة مهملات تتسع لها، ولعل هذا ما يفسر ضآلة، بل ضحالة دور النقد في حياتنا المعاصرة، فأي جدوى ترجى من نص ناقد ينزل نفسه منزلة النص المنقود ويتخذه مجرد تكأة ليتقول بها بأقاويل ما انزل الله بها من سلطان، وليهذر وليعرف بصدد النص"(9)
بالطبع نحن لا نريد ان نفعل مثل جورج طرابيشي ونستمر بالتهجم على واقع النقد، ولكن نرانا مضطرين الى العودة للسؤال المدرسي وهو: ما هو النقد؟
ربما نضطر الى استحضار تعاريف النقاد العرب القدامى ومنهم أبو حيان التوحيدي الذي عرف النقد بأنه"علم الكلام على الكلام» وهي النتيجة التي توصلت إليها البنيوية في النقد الأدبي، وهذا يعني ان مضمون النقد يجب ان يكون محددا بطبيعة محتوى الإبداع وتعليقا عليه، أي هو فعالية قولية على هامش الأثر الإبداعي، تابع له، ويجب ان يكون كذلك لان تبعيته هذه هي المعيار الأول لمصداقيته» فالناقد ظل المبدع ، وبقدر ما يفلح الظل في ان يبقى لصيق اصله، وهو هنا المبدع، فان صدقه-كما يقول المناطقة- يكتسب المزيد من الكينونة والصلابة(10).
ومن هنا نقول ان إحدى سبل خروج النقد العربي المعاصر من أزمته هي ان لا يكتب الناقد من عنده ليستعرض ثقافته، أو لينظر كفاعلية فوق الإبداع، بل ان يكتب محيلا الى ما هو عند المبدع، فالمبدع هو الشمس التي تضيء، والناقد هو القمر الذي ينير بما ينعكس عليه من ضوء الشمس، وفاعلية النقد في محاولاته ان يستقرئ من النص ولادته الباطنية والصامتة التي لا تزال بحاجة الى ان ترى النور.
وعلى النقاد العرب ان يدركوا بأن آداب الأمم العريقة وإبداعاتها لا يمكنها ان تتطور إلا من داخلها، والتأثيرات الأجنبية لا تكون فعالة إلا بصهرها وتمثلها في الإبداع الأصلي، عند ذلك يتقدم النقد العربي، ويصل الى تحديد الضوابط والملامح الفنية فيه، ومن غير المقبول ان يبقى النقد العربي تابعا للفكر الأجنبي ومناهجه لان ذلك يعني فيما يعنيه خللا في استقلالنا الحضاري، والاستقلال الحضاري جزء لا يتجزأ، في الفكر والفلسفة والعلوم، كما في كل جوانب الإبداع والنقد.

مصادر :
[LIST=1"> <LI dir=rtl>خلدون الشمعة-هرطقات في النقد-مجلة الموقف الأدبي-العدد 11- دمشق 1974.
<LI dir=rtl>نفس المصدر.
<LI dir=rtl>جان ايف تأدييه. النقد الأدبي في القرن العشرين-ترجمة منذر عياشي-مركز الإنماء الحضاري- دمشق-1996.
<LI dir=rtl>محمد مظلوم في نقده لكتابة ناصر مؤنس-جريدة الثورة السورية-العدد1-170-11-12-1996.
<LI dir=rtl>من نص منشور في إحدى الدوريات الثقافية العربية، وارتأينا عدم ذكر اسم الدورية منعا لتكرار حساسية تلك الدورية عندما انتقدت في بحث لي الهرطقيات التي تنشرها تحت اسم نقد.
<LI dir=rtl>خلدون الشمعة –مصدر سبق ذكره.
<LI dir=rtl>عبد الصمد بلكية-ندوة الإبداع والهوية القومية-مجلة الوحدة-العدد58-59-الرباط-1998.
<LI dir=rtl>نفس المصدر.
<LI dir=rtl>جورج طرابيشي-ندوة الإبداع والهوية القومية-مجلة الوحدة-العدد58-59-الرباط-1998.
نفس المصدر.

nesro alger
2013-03-22, 08:21
أختي دلال انا بصدد اعداد بحث اما :
شاعر من شعراء العصر الجاهلي
، او الاسلامي ،
او،نص قراني
او،شرح حديث نبوي اوقدسي
رسالة عمر بن الخطاب للولاة
خطبة الامام علي (الجهاد)

وقد ذيلنا الاستاذ ببعض القواعد التي يجب ان نلتزمه ...:
* نبذة عن حياة الشاعر ، الكاتب ، المفسر
*راي النقاد فيه (في سياق القصيدة )
*نختارنموذجا من اهم غرض برز فيه
*دراسة بنية الجمل الفعلية و الاسمية ، المثبتة و المنفية ،الشرطية،الاسناد (حقيقي /غير حقيقي)
*دراسة الجملة نحويا و صرفيا (مسالة التقديم و التاخير)
*دور الضمائر في تناسق النص و علاقتها ببعضها البعض
*دراسة البنية الايقاعية و الصوتية
-الوزن ، التفعيلة ، الروي
*دراسة المقصدية او الغاية من الخطاب الشعري
*تذييل النص بشرح المفردات
*رصد الكلمات ذات الحقل الدلالي الواحد و اعطائها دلالات حسب سياق الص

ملاحظة : في الخطوات الاخيلرة من الاحسن اتباع المنهج الاسلوبي
وبحسب راي فقد اخترت شاعر اسلاميا وهو كعب بن زهير وقصيدته البردة في مدح الرسول صلى الله عليه و سلم




ارجو افادت يفي اقرب وقت ممكن و ادعو الله رب العرش العظيم ان يكون في ميزان حسناتك

BLACKEYES
2013-03-22, 08:52
قوائم الماستر لهذا العام بجامعة الجلفة هل منجديد نحن نظام الكلاسيك

الطيب بوهلال
2013-03-23, 21:26
كل من لديه معلومات عن الدكتور مختار بولعراوي أرجوا أن يفيدنا بها ( السيرة الذاتية له ان امكن )

**د لا ل**
2013-03-23, 23:05
أختي دلال انا بصدد اعداد بحث اما :
شاعر من شعراء العصر الجاهلي
، او الاسلامي ،
او،نص قراني
او،شرح حديث نبوي اوقدسي
رسالة عمر بن الخطاب للولاة
خطبة الامام علي (الجهاد)

وقد ذيلنا الاستاذ ببعض القواعد التي يجب ان نلتزمه ...:
* نبذة عن حياة الشاعر ، الكاتب ، المفسر
*راي النقاد فيه (في سياق القصيدة )
*نختارنموذجا من اهم غرض برز فيه
*دراسة بنية الجمل الفعلية و الاسمية ، المثبتة و المنفية ،الشرطية،الاسناد (حقيقي /غير حقيقي)
*دراسة الجملة نحويا و صرفيا (مسالة التقديم و التاخير)
*دور الضمائر في تناسق النص و علاقتها ببعضها البعض
*دراسة البنية الايقاعية و الصوتية
-الوزن ، التفعيلة ، الروي
*دراسة المقصدية او الغاية من الخطاب الشعري
*تذييل النص بشرح المفردات
*رصد الكلمات ذات الحقل الدلالي الواحد و اعطائها دلالات حسب سياق الص

ملاحظة : في الخطوات الاخيلرة من الاحسن اتباع المنهج الاسلوبي
وبحسب راي فقد اخترت شاعر اسلاميا وهو كعب بن زهير وقصيدته البردة في مدح الرسول صلى الله عليه و سلم




ارجو افادت يفي اقرب وقت ممكن و ادعو الله رب العرش العظيم ان يكون في ميزان حسناتك



السلام عليكم

ساحاول اخي بقدر المستطاع مساعدتك

**د لا ل**
2013-03-24, 11:05
نبدا طبعا بالقصيدة

قصيدة البردة من اروع القصاااائد في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم **نعم الاختيااااار اخي الكريم **


************************************************** ************************************************** *******
قصيدة البردة, قصيدة تعد من أشهر القصائد في مدح رسول الله محمد ، ألفها كعب بن الزهير، وهي من أروع ما قيل في مدحه صلى الله عليه وسلم و سميت كذلك لان المصطف عليه الصلاة و السلام رمى بردته على كعب ابن زهير
لقد افتتحت القصيدة كعادة العرب اناذاك بالمقدمة الطلالية "بانت سعاد اليوم...."
فهي روعة دينية و ادبية
القصيدة
بســـــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــم الله الرحمن الرحيم


بـانَتْ سُـعادُ فَـقَلْبي اليَوْمَ مَتْبولُ * مُـتَـيَّمٌ إثْـرَها لـم يُـفَدْ مَـكْبولُ
وَمَـا سُـعَادُ غَـداةَ البَيْن إِذْ رَحَلوا * إِلاّ أَغَـنُّ غضيضُ الطَّرْفِ مَكْحُولُ
هَـيْـفاءُ مُـقْبِلَةً عَـجْزاءُ مُـدْبِرَةً * لا يُـشْتَكى قِـصَرٌ مِـنها ولا طُولُ
تَجْلُو عَوارِضَ ذي ظَلْمٍ إذا ابْتَسَمَتْ * كـأنَّـهُ مُـنْـهَلٌ بـالرَّاحِ مَـعْلُولُ
شُـجَّتْ بِـذي شَـبَمٍ مِنْ ماءِ مَعْنِيةٍ * صـافٍ بأَبْطَحَ أضْحَى وهْومَشْمولُ
تَـنْفِي الـرِّياحُ القَذَى عَنْهُ وأفْرَطُهُ * مِـنْ صَـوْبِ سـارِيَةٍ بِيضٌ يَعالِيلُ
أكْـرِمْ بِـها خُـلَّةً لـوْ أنَّهاصَدَقَتْ * مَـوْعودَها أَو ْلَوَ أَنَِّ النُّصْحَ مَقْبولُ
لـكِنَّها خُـلَّةٌ قَـدْ سِـيطَ مِنْ دَمِها * فَـجْـعٌ ووَلَـعٌ وإِخْـلافٌ وتَـبْديلُ
فـما تَـدومُ عَـلَى حـالٍ تكونُ بِها * كَـما تَـلَوَّنُ فـي أثْـوابِها الـغُولُ
ولا تَـمَسَّكُ بـالعَهْدِ الـذي زَعَمْتْ * إلاَّ كَـما يُـمْسِكُ الـماءَ الـغَرابِيلُ
فـلا يَـغُرَّنْكَ مـا مَنَّتْ وما وَعَدَتْ * إنَّ الأمـانِـيَّ والأحْـلامَ تَـضْليلُ
كـانَتْ مَـواعيدُ عُـرْقوبٍ لَها مَثَلا * ومــا مَـواعِـيدُها إلاَّ الأبـاطيلُ
أرْجـو وآمُـلُ أنْ تَـدْنو مَـوَدَّتُها * ومـا إِخـالُ لَـدَيْنا مِـنْكِ تَـنْويلُ
أمْـسَتْ سُـعادُ بِـأرْضٍ لايُـبَلِّغُها * إلاَّ الـعِتاقُ الـنَّجيباتُ الـمَراسِيلُ
ولَـــنْ يُـبَـلِّغَها إلاّغُـذافِـرَةٌ * لـها عَـلَى الأيْـنِ إرْقـالٌ وتَبْغيلُ
مِـنْ كُلِّ نَضَّاخَةِ الذِّفْرَى إذا عَرِقَتْ * عُـرْضَتُها طـامِسُ الأعْلامِ مَجْهولُ
تَـرْمِي الـغُيوبَ بِعَيْنَيْ مُفْرَدٍ لَهِقٍ * إذا تَـوَقَّـدَتِ الـحَـزَّازُ والـمِيلُ
ضَـخْـمٌ مُـقَـلَّدُها فَـعْم مُـقَيَّدُها * فـي خَلْقِها عَنْ بَناتِ الفَحْلِ تَفْضيلُ
غَـلْـباءُ وَجْـناءُ عَـلْكوم مُـذَكَّرْةٌ * فــي دَفْـها سَـعَةٌ قُـدَّامَها مِـيلُ
وجِـلْـدُها مِـنْ أُطـومٍ لا يُـؤَيِّسُهُ * طَـلْحٌ بـضاحِيَةِ الـمَتْنَيْنِ مَهْزولُ
حَـرْفٌ أخـوها أبـوها مِن مُهَجَّنَةٍ * وعَـمُّـها خـالُها قَـوْداءُ شْـمِليلُ
يَـمْشي الـقُرادُ عَـليْها ثُـمَّ يُزْلِقُهُ * مِـنْـها لِـبانٌ وأقْـرابٌ زَهـالِيلُ
عَـيْرانَةٌ قُذِفَتْ بالنَّحْضِ عَنْ عُرُضٍ * مِـرْفَقُها عَـنْ بَـناتِ الزُّورِ مَفْتولُ
كـأنَّـما فـاتَ عَـيْنَيْهاومَـذْبَحَها * مِـنْ خَـطْمِها ومِن الَّلحْيَيْنِ بِرْطيلُ
تَـمُرُّ مِـثْلَ عَسيبِ النَّخْلِ ذا خُصَلٍ * فـي غـارِزٍ لَـمْ تُـخَوِّنْهُ الأحاليلُ
قَـنْواءُ فـي حَـرَّتَيْها لِـلْبَصيرِ بِها *** عَـتَقٌ مُـبينٌ وفـي الخَدَّيْنِ تَسْهيلُ
تُـخْدِي عَـلَى يَـسَراتٍ وهي لاحِقَةٌ *** ذَوابِــلٌ مَـسُّهُنَّ الأرضَ تَـحْليلُ
سُمْرُ العَجاياتِ يَتْرُكْنَ الحَصَى زِيماً *** لـم يَـقِهِنَّ رُؤوسَ الأُكْـمِ تَـنْعيلُ
كــأنَّ أَوْبَ ذِراعَـيْها إذا عَـرِقَتْ *** وقــد تَـلَـفَّعَ بـالكورِ الـعَساقيلُ
يَـوْماً يَـظَلُّ به الحِرْباءُ مُصْطَخِداً *** كـأنَّ ضـاحِيَهُ بـالشَّمْسِ مَـمْلولُ
وقـالَ لِـلْقوْمِ حـادِيهِمْ وقدْ جَعَلَتْ *** وُرْقَ الجَنادِبِ يَرْكُضْنَ الحَصَى قِيلُوا
شَـدَّ الـنَّهارِ ذِراعـا عَيْطَلٍ نَصِفٍ *** قـامَـتْ فَـجاوَبَها نُـكْدٌ مَـثاكِيلُ
نَـوَّاحَةٌ رِخْـوَةُ الـضَّبْعَيْنِ لَيْسَ لَها*** لَـمَّا نَـعَى بِـكْرَها النَّاعونَ مَعْقولُ
تَـفْرِي الُّـلبانَ بِـكَفَّيْها ومَـدْرَعُها *** مُـشَـقَّقٌ عَـنْ تَـراقيها رَعـابيلُ
تَـسْعَى الـوُشاةُ جَـنابَيْها وقَـوْلُهُمُ *** إنَّـك يـا ابْـنَ أبـي سُلْمَى لَمَقْتولُ
وقــالَ كُـلُّ خَـليلٍ كُـنْتُ آمُـلُهُ *** لا أُلْـهِيَنَّكَ إنِّـي عَـنْكَ مَـشْغولُ
فَـقُـلْتُ خَـلُّوا سَـبيلِي لاَ أبـالَكُمُ *** فَـكُلُّ مـا قَـدَّرَ الـرَّحْمنُ مَفْعولُ
كُـلُّ ابْـنِ أُنْثَى وإنْ طالَتْ سَلامَتُهُ *** يَـوْماً عـلى آلَـةٍ حَـدْباءَ مَحْمولُ
أُنْـبِـئْتُ أنَّ رَسُـولَ اللهِ أَوْعَـدَني* ** والـعَفْوُ عَـنْدَ رَسُـولِ اللهِ مَأْمُولُ
وقَـدْ أَتَـيْتُ رَسُـولَ اللهِ مُـعْتَذِراً *** والـعُذْرُ عِـنْدَ رَسُـولِ اللهِ مَقْبولُ
مَـهْلاً هَـداكَ الـذي أَعْطاكَ نافِلَةَ *** الْـقُرْآنِ فـيها مَـواعيظٌ وتَـفُصيلُ
لا تَـأْخُذَنِّي بِـأَقْوالِ الـوُشاة ولَـمْ *** أُذْنِـبْ وقَـدْ كَـثُرَتْ فِـيَّ الأقاويلُ
لَـقَدْ أقْـومُ مَـقاماً لـو يَـقومُ بِـه *** أرَى وأَسْـمَعُ مـا لـم يَسْمَعِ الفيلُ
لَـظَلَّ يِـرْعُدُ إلاَّ أنْ يـكونَ لَهُ مِنَ *** الَّـرسُـولِ بِــإِذْنِ اللهِ تَـنْـويلُ
حَـتَّى وَضَـعْتُ يَـميني لا أُنازِعُهُ *** فـي كَـفِّ ذِي نَـغَماتٍ قِيلُهُ القِيلُ
لَــذاكَ أَهْـيَبُ عِـنْدي إذْ أُكَـلِّمُهُ *** وقـيـلَ إنَّـكَ مَـنْسوبٌ ومَـسْئُولُ
مِـنْ خـادِرٍ مِنْ لُيوثِ الأُسْدِ مَسْكَنُهُ *** مِـنْ بَـطْنِ عَـثَّرَ غِيلٌ دونَهُ غيلُ
يَـغْدو فَـيُلْحِمُ ضِـرْغامَيْنِ عَيْشُهُما *** لَـحْمٌ مَـنَ الـقَوْمِ مَـعْفورٌ خَراديلُ
إِذا يُـسـاوِرُ قِـرْناً لا يَـحِلُّ لَـهُ *** أنْ يَـتْرُكَ الـقِرْنَ إلاَّ وهَوَمَغْلُولُ
مِـنْهُ تَـظَلُّ سَـباعُ الـجَوِّضامِزَةً *** ولا تَـمَـشَّى بَـوادِيـهِ الأراجِـيلُ
ولا يَــزالُ بِـواديـهِ أخُـو ثِـقَةٍ *** مُـطَرَّحَ الـبَزِّ والـدَّرْسانِ مَأْكولُ
إنَّ الـرَّسُولَ لَـسَيْفٌ يُـسْتَضاءُ بِهِ *** مُـهَنَّدٌ مِـنْ سُـيوفِ اللهِ مَـسْلُولُ
فـي فِـتْيَةٍ مِـنْ قُـريْشٍ قالَ قائِلُهُمْ *** بِـبَطْنِ مَـكَّةَ لَـمَّا أسْـلَمُوا زُولُوا
زالُـوا فـمَا زالَ أَنْكاسٌ ولا كُشُفٌ *** عِـنْـدَ الِّـلقاءِ ولا مِـيلٌ مَـعازيلُ
شُــمُّ الـعَرانِينِ أبْـطالٌ لُـبوسُهُمْ *** مِـنْ نَـسْجِ دَاوُدَ في الهَيْجَا سَرابيلُ
بِـيضٌ سَـوَابِغُ قـد شُكَّتْ لَهَا حَلَقٌ *** كـأنَّـها حَـلَقُ الـقَفْعاءِ مَـجْدولُ
يَمْشونَ مَشْيَ الجِمالِ الزُّهْرِ يَعْصِمُهُمْ *** ضَـرْبٌ إذا عَـرَّدَ الـسُّودُ التَّنابِيلُ
لا يَـفْـرَحونَ إذا نَـالتْ رِمـاحُهُمُ *** قَـوْماً ولَـيْسوا مَـجازِيعاً إذا نِيلُوا
لا يَـقَعُ الـطَّعْنُ إلاَّ فـي نُحورِهِمُ * ومـا لَهُمْ عَنْ حِياضِ الموتِ تَهْليلُ

**د لا ل**
2013-03-24, 11:41
نبذة حول الشاعر: كعب بن زهير


كَعبِ بنِ زُهَير
? - 26 هـ / ? - 646 م
كعب بن زهير بن أبي سلمى، المزني، أبو المضرَّب.
شاعر عالي الطبقة، من أهل نجد، كان ممن اشتهر في الجاهلية.
ولما ظهر الإسلام هجا النبي صلى الله عليه وسلم، وأقام يشبب بنساء المسلمين، فأهدر النبي صلى الله عليه وسلم، دمه فجاءه كعب مستأمناً وقد أسلم وأنشده لاميته المشهورة التي مطلعها:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول
فعفا عنه النبي صلى الله عليه وسلم، وخلع عليه بردته.
وهو من أعرق الناس في الشعر: أبوه زهير بن أبي سلمى، وأخوه بجير وابنه عقبة وحفيده العوّام كلهم شعراء. وقد كَثُر مخمّسو لاميته ومشطّروها وترجمت إلى غير العربية.

************************************************** ************************************************** ***************************


تعريف او السيرة الداتية لكعب بن زهير
(http://rawia2010.arabblogs.com/archive/2007/11/385502.html)


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كعب بن زهير


كعب بن زهير بن أبي سلمى ، شاعر مخضرم ، لا نعرف الكثير عن حياته في الجاهلية ، إلا أنه شاعر ، سلك مسالك الشعراء الجاهليين ، ونهج منهج أبيه زهير في النظم . ولا نكاد نعرف عنه بعد الإسلام إلا حادثته الشهيرة مع النبي ، ونجهل تاريخ ميلاده وموته . فلم يحفل المؤرخون بمثل ذلك .
لما انتشرت الدعوة الإسلامية ، أرسل كعب أخاه بجيراً ليستطلع مبادئ الإسلام ويعود إليه بالخبر اليقين . ولكن بجيراً أسلم وبقي في المدينة قرب النبي ، فاستاء كعب وأرسل إليه أبياتاً يلومه فيها على ما فعل ، وعلى ترك دين الآباء . فأقرأها النبي فأهدر دمه .

فأرسل بجير رسولاً إلى كعب ينذره ، ويدعوه إلى الإسلام ، أو اللجوء إلى مكان آمن . لم تلجأه قبيلته ، وتخلى عنه أصدقاؤه ؛ فسار إلى المدينة متخفياً ، ولزم بيت صديق له حيناً ، ثم قدم على النبي وهو في مجلس المؤمنين ، ووضع يده بيده ، وقال : (( إنْ كعب بن زهير أتاك تائباً مسلماً فهل أنت قابل منه ؟ قال : نعم . قال : فأنا كعب )) . فوثب أحد رجل من الأنصار يريد قتله فمنعه النبي .

نوع النص الذي ألقاه على الرسول تائباً :

الأبيات من الشعر الغنائي ، يعبر فيه الشاعر عن انفعالات الخوف والرهبة والأمل والإيمان ، وعن عواطف الثناء نحو النبي والمهاجرين . فكعب في موقف يخشى معه أن يقتص منه النبي ، ولكنه آمل في العفو ، تسيطر عليه مهابة النبي ، وما يلقي من حديث جديد على إسماعه ، يملأ نفسه ؛ ومنتظر الكلمة الفصل . وإذ يحدوه الرجاء ، تحفزه النفس على مديح النبي ومن آزروه في أحلك أيامه .


مناسبة النص :

الأبيات جزء من قصيدة طويلة أعدها لإلقائها بين يدي النبي حين عزم على القدوم عليه ، وقد أنشدها حين قبل النبي توبته وإسلامه ومطلعها :
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول متيمٌ إثرها ، لم يفد مكبول
يبدأ القصيدة بالوقوف على الأطلال ، ويصف ناقته . ويذكر ما قال الوشاة ن ويتبرأ منه ، ثم يمدح النبي والمهاجرين .

المضمون :

يخاطب كعب النبي ، فيقول إنه علم بوعيده ؛ ولكنه رغم رهبته كبير الأمل في عفوه . يرجوه أن يتمهل في حكمه عليه ، وهو الذي أرسله الله إلى البشر هادياً ومبشراً ؛ ويتبرأ من أقوال الوشاة ، ويزعم أنه يرتكب ذنباً ، وأن الأقاويل فيه كاذبة .
ويصف موقفه بين يدي النبي 0ص) ، فإذا هو في رهبة مما يرى ويسمع ، ولو كان الفيل في موضعه ـ وهو أضخم الحيوانات جثة ـ لأصابته الرعدة من خوف وهيبة ، ولم ترتح نفسه إلا إذا أمنه الرسول على حياته .
ويروي ما كان بينه وبين النبي ن فقد وضع كفه بكفه ، وكلمه في توبته وإسلامه ، فقبلهما وعفا عنه .
ويمدح النبي ، فإذا مهابته أشد وقعاً في النفوس من مهابة أشد الأسود ضراوة ، فهو سيف الله المسلول على أعدائه ، في سبيل الحق والهداية .
ويثني على المهاجرين الذين نزحوا من مكة مع النبي لا خائفين ولا متهيبين ، فهم من أشد المحاربين دراية بالحرب ، وأكثرهم إباءً وشمماً ، وأسرعهم إلى القنال ، فإذا انتصروا فالنصر من عاداتهم ، فلا يثير فيهم فرحاً ، وإذا غلبوا فلا يبتئسون لثقتهم بالنصر في المعارك المقبلة . ويستقبلون الموت بصدورهم لأن الموت في سبيل معتقدهم نعمة .


مميزات المضمون :

· أول ما يبادرنا من النص أنه جاهلي ، في شكله وأسلوبه ، ومعظم معانيه . والواقع أن كعباً كان ما يزال على جاهليته ، في عيشه وعقله وقلبه . ولم يكن من السهل أن يتبدل فجأة بعد لقاء النبي ، مع العلم أنه نظم قصيدته قبل قدومه عليه .
· أنه متأثر باعتذاريات النابغة ن حتى في الصيغة ، فهذا النابغ يخاطب أبا قابوس ( كنية ملك الحيرة ) :
نُبئتُ أن أبا قابوس أوعدني ولا قرار على زأرٍ من الأسد .
الشطر الأول مأخوذ برمته ، مع تبديل ( أبا قابوس ) ب ( رسول الله ) . كذلك بدء البيت الثاني ( مهلاً ) ، والثالث : ((لا تأخذني ) . وهذا تأكيد واضح على شعر الآخرين في التعبير .
كذلك تشبيه النبي بالأسد ، مأخوذ من تشبيه النابغة . ومثله الحديث عن الوشاة ، على أن النابغة كان أبلغ .

مثل هذا الأخذ ، بل النقل ، يوحي بالتكلف والصناعة ، أكثر مما يوحي بالطبيعة .
· معظم المعاني مأخوذ من الجاهلية ، ومثلها الصفات التي أطلقها الشاعر على النبي والمهاجرين ، ولم يجدد في الكنايات . ولولا رواية ما حدث له بين يدي النبي 0ص) ، وما كان من أمر هجرة المهاجرين ، لما انطوت الأبيات على معنى واحد جديد . فتشبيه النبي بسيف الله والأسد ، قديم ، فكثيراً ما شبه البطل بالسيف والأسد. كذلك نعت المهاجرين بأنهم غير أنكاس ولا كشف ولا ميل ولا معازيل ، والكناية عنهم ، بشم العرانين ، ولبس دروع من نسج داود ، وعدم فرحهم بالنصر ، وثقتهم بالنصر إذا غلبوا ، ومواجهة الموت بصدورهم ، كل ذلك مبتذل لكثرة ما ردده الشعراء في الجاهلية .

· ويتجلى جفاف فطرية كعب في تشبيه نفسه بالفيل . فقد أراد أن يعظم من أمر رهبته ، فلم يجد غير الفيل يجعله في مكانه ، فيرعد جزعاً . ذلك أن كعباً ما يزال في النص ينتسب إلى جاهليته وعفويتها التي تبلغ هذا الجفاف .
· وليس في النص أي معنى إسلامي ن إلا قوله : ( من سيوف الله ) فهو تعبير استحدث في الإسلام ، ونعتت به أكثر من شخصية إسلامية . وقوله ( هداك الذي أعطاك نافلة القرآن ) وهذا نعت لما ضم القرآن ، لا معانٍ يشير إليها .

· ولو جعل الشاعر الرعدة من سماعه حديث النبي (ص9 ورؤية مهابته ، دون الخوف من غضبه ، لكان المعنى أوقع في النفس . لا ريب أن الشاعر صادق في هذا الموقف ، فهو خائف من أ، يقتل بعد أن أهدر دمه ، ولكن بلاغة الصيغة ، والتعبير عن الإيمان الصادق ، على النحو الأول ، أفصل .
· وإعلان إيمانه في كلمة ( لا أنازعه ) يشوبه الخوف ، لا الاطمئنان النفسي بفعل الإيمان ، فهو خائف من تنفيذ الوعيد لأن ( قيله القيل ) آمل في العفو ، راهب من أن يؤخذ بما نسب إليه : ( منسوب ومسؤول ) .

· والشاعر مضطرب ، لا يعرف من أية طريق ينفذ إلى رضى النبي ، فهو حيناً ينفي قول الوشاة ، وحيناً يقص ما حدث له ، وتارة يمدح النبي والمهاجرين ، ولعله ارتجل بعض الأبيات ، بعد لقاء النبي ، فهو يروي قصة هذا اللقاء ، وما كان من أمره مع النبي . فإذا صح ذلك ، يكون كعب قد أضاف اضطراباً جديد إلى بناء القصيدة .

· الواقع أن القصيدة لا تشكل وحدة تامة ، فكعب من أنصار وحدة البيت ، التي ظلت القياس حتى أواخر العهد الأموي . ومع ذلك ، فبين البيتين الرابع والخامس وصل ، فجواب : لو يسمع الفيل ، في مطلع البيت الخامس : لظل ، هو مستنكر في عرف الجاهلي . ومثل ذلك في البيتين السابع والثامن فلقد علق الجار والمجرور : من خادر ، بأهيب , ولا نعني هنا بالصياغة فذاك من شأن الأسلوب ، وإنما القصد ربط معنى بيت بمعنى آخر .

· وكعب جاهلي في إيجاز المعاني : وصف القرآن وصفاً عاماً ، دون الإشارة إلى معاني ( المواعظ والتفصيل ) . ونفي الأقاويل ، وزعم البراءة ، وسأل النبي 0ص) ألا يأخذه بقول الوشاة ، في بيت واحد ، دون أن يشرح شيئاً من تلك ، فهي لديه تحصيل حاصل . وعبر عن إيمانه وتوبته بقوله : لا أنازعه .

مميزات الأسلوب :
· لا يشعر المطلع على الشعر الجاهلي أن أسلوب كعب ذاتي ، فقد أخذ أكثر من صيغة وتركيب عن النابغة الذبياني . نقل حيناً نقلاً حرفياً ، وحيناً بدل بعض الكلمات ، أو قدم وأخر ، فالبيتان الأول والثالث مأخوذان أخذاً حرفياً تقريباً .
· واستعان بمعظم صيغ الكنايات المعروفة في العصر الجاهلي : ( كشف عن اللقاء ، لبوسهم سرابيل ، شم العرانين ، لا يقطع الطعن إلا في نحورهم .. ) كذلك تشبيه النبي بالأسد ، فمشهور في الجاهلية . وهكذا فإن كعباً غير مجدد ، لا في المعاني ولا في الأسلوب ، بل سارق أدبي .

nesro alger
2013-03-24, 12:45
بارك الله فيك اختي دلال على هذا الجهد الكبير و الله اعجبني هذا التحليل الذي بحثت عنه في كل المصادر و المراجع و لم اجده جزاك الله خير الجزاء في جنات النعيم

**د لا ل**
2013-03-24, 16:46
تحليل قصيدة **البردة** لكعب بن زهير



المقدمة

كعب بن زهير بن أبي سلمى المزني وأمه كبشة بنت عمار بن عدي بن سحيم وهي من بني عبد الله بن غطفان. وهي أم سائر أولاد زهير سالم وبجير. ولد عند أخواله بني سحيم من غطفان وكان أكبر أولاد زهير. ويبدو أن كعباً كان على خلاف طبع أبيه ولم تسلم حياته من الاندفاع والنزوات. وكانت زوجته تلومه على تهوره واندفاعه.
وقد عني والده بتربيته وتعليمه الشعر. فنهاه عن قوله بدء ذي بدء مخافة أن يكون لم يستحكم شعره فيروى له ما لا خير فيه. فكان يضربه في ذلك، وحبسه ثم أطلقه وسرحه في بهمة وهو غليم صغير فانطلق فرعى ثم راح عشية وهو يرتجز:

من القرى موقرة شعيراً





كأنما أحدو ببهمى عيراً





فخرج إليه والده على ناقة وأردفه خلفه ليعلم ما عنده من شعر فقال زهير حين برز إلى الحي:
تخب بوصّال صروم وتعنق



إني لتعديني على الحي جسرة



ثم ضرب كعبا وقال له أجز يا لكع، فقال كعب:
وآثار نسعيها من الدفّ أبلق



كبنيانة القرئيّ موضع رحلها



ومضى زهير مع ولده كعب على هذا المنوال حتى تأكد من شاعريته فقال له:
قد أذنت لك في الشعر يا بني. وأخذه من يده وأنزله وهو صغير يومئذ فقال كعب:
بعرض أبيه في المعاشر ينفق



أبيت فلا أهجو الصديق ومن يبع



وهي أول قصيدة قالها كعب.
وأجمع الرواة على أن كعباً من فحول الشعراء ووضعه ابن سلام في الطبقة الثانية. وحديث الحطيئة معه يؤكد مكانته الشعرية حيث قال له: يا كعب قد علمت روايتي لكم أهل البيت وانقطاعي إليكم وقد ذهب الفحول غيري وغيرك فلو قلت شعراً تذكر فيه نفسك وتضعني موضعاً بعدك فإن الناس لأشعاركم أروى وإليها أسرع. فقال كعب:
إذا ما ثوى كعب وفوّز جرول



فمن للقوافي شأنها من يحوكها



إلى آخر القصيدة.
وتثبت حادثته مع النابغة الذبياني قوة شاعريته في صباه عندما أجاز قوله:
وتحيا إن حييت بها ثقيلاً



تزيد الأرض أما مت خفاً



نزلت بمستقر العرض منها
فلم يستطع النابغة إكمال العجز فأكمله كعب بقوله. وتمنع جانبيها أن يزولا. وقد برزت قصيدته بانت سعاد كدرة من درر شعره.
وقد توفي كعب بن زهير في خلافة معاوية وولد له عقبة (المضّرب) الشاعر وسلمى التي تزوجت من ثوبان وكان من نسله عدد من الشعراء، العوام وبشير من ولده عقبة. والقريض والعوثبان والرماح (ابن ميادة) من ابنته سلمى.
قصيدة بانت سعاد.

سبب نظمها وظروف إلقائها

خرج كعب وبجير ابنا زهير بن أبي سلمى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغا (أبرق العّزاف) وهو ماء لبني أسد. وكان كعب عازفاً عن الإسلام شديد العصبية والعناد لذا لم تدخل الدعوة الإنسانية إلى قلبه ولم ترقق من عصبيته وجفائه.
فطلب إلى أخيه بجير أن يلحق بالرسول فينظر ما يقول على أن ينتظره كعب في المكان ذاته فقدم بجير إلى الرسول (ص) وسمع منه وأسلم وبلغ ذلك كعباً فأنشد:
على أي شيء-ويب غيرك- دلكا



ألا أبلغا عني بجيراً رسالة


عليه ولم تدرك عليه أخاً لكا



على خلق لم تلف أما ولا أباً


فأنهلك المأمون منها وعلكا



سقاك أبو بكر بكأس رديّة



فبلغت أبياته الرسول فأهدر دمه. مع من أهدر دمهم من الشعراء الذين أقذعوا في هجائه ولم يدخل الإيمان إلى قلوبهم. فكتب إليه بجير أن يقدم إلى الرسول ويسلم وإلاّ فعليه أن ينجو بنفسه لأن الرسول قتل أناساً آذوه وشهروا بالإسلام وبه، فاحتار كعب في أمره وعدّ نفسه مقتولاً لا محالة. ونصحه قوم بالذهاب إلى الرسول وإعلان توبته وإسلامه فلم ير من الأمر بداً. فنظم القصيدة معتذراً فيها إلى الرسول مادحاً إياه تائباً عن أقواله وأفعاله.
أقبل كعب إلى الرسول سنة تسع للهجرة إلى مسجد المدينة وأناخ راحلته بباب مسجد الرسول. وكان مجلس الرسول من أصحابه مكان المائدة من القوم، حلقة ثم حلقة وهو يحدثهم، فأقبل كعب حتى دخل المسجد فتخطى حتى جلس إلى الرسول فقال: يا رسول الله الأمان. قال من أنت؟. قال: كعب بن زهير.
قال: أنت الذي يقول.. كيف يا أبا بكر؟ فأنشده حتى بلغ قوله:
وانهلك المأمون منها وعلكا



سقاك أبو بكر بكأس روية



فقال رسول الله : مأمون والله. ثم أنشده كعب قصيدته بانت سعاد. فلما بلغ قوله:
مهند من سيوف الله مسلول



إن الرسول لسيف يستضاء به


ببطن مكة لما أسلموا زولوا



في فتية من قريش قال قائلهم


عند اللقاء ولا خور معازيل



زالوا فما زال انكاس ولا كشف



أشار الرسول إلى الخلق أن يسمعوا شعر كعب ابن زهير وأعطاه الرسول بردته.
وأضاف الرواة إلى هذا الخبر بأن كعباً عرض بالأنصار في قصيدته في عدة مواضع منها قوله:
وما مواعيدها إلا الأباطيل



كانت مواعيد عرقوب لها مثلاً



وعرقوب رجل من الأوس. فلما سمع المهاجرون بذلك قالوا ما مدحنا من هجا الأنصار فأنكروا قوله وعوتب على ذلك وطلب إليه أن يمدح الأنصار بعد أن أثار حفيظتهم بقوله هذا. فقال قصيدته:
في مقنب من صالحي الأنصار



من سره كرم الحياة فلا يزل


عند الهياج وسطوة الجبار



الباذلين نفوسهم لنبيهم



إلى آخر القصيدة.
وتبدو الرواية الأخيرة موضوعة فلا داعي لإثارة حفيظة الأنصار ضد كعب ما دام عرقوب لم ينتم إليهم بل كان من العمالقة ومن المنطقي أنهم أُثيروا عندما دخل كعب مسجد الرسول وهو المعروف بعدائه الشديد للإسلام وللرسول وأنه قد أهدر دمه لتشبيبه بأم هاني بنت أبي طالب وهي ابنة عم الرسول.
وقيل إن كعباً أنشد قصيدته للرسول (ص) في المسجد الحرام لا في مسجد المدينة وهو قول ضعيف غير متواتر والأرجح لدينا أنه أنشدها للرسول (ص) في مسجد المدينة كما بينا سابقاً.
وقد زعم الرواة بأن معاوية أراد أن يشتري البردة من كعب أثناء خلافته فأغلى له الثمن، ولكن كعباً أبى بيعها. فلما مات راجع معاوية أهله واشتراها بثمن باهظ، ثم توارثها الخلفاء من بعده، وكانوا يخرجون بها للناس في العيدين.
ولم يذكر الرواة شيئاً عن أخبار كعب بعد إسلامه غير طلب الحطيئة إليه أن يمدحه ويذكره في شعره لأنه لم يبق غيرهما من فحول الشعراء.
ويبدو أن العمر امتد بكعب بعد الإسلام حتى قال:
وما الدهر إلا مسيه ومشارقه



وأفنى شبابي صبح يوم وليلة


زهير وإن يهلك تخلد نواطقه



وأدركت ما قد قال قبلي لدهره



وهي إشارة يفهم منها إنه عاش ثمانين حولاً أو ما يقاربها، وعلى ذلك يرجح الظن بأنه مات في أواخر العقد الخامس من القرن السابع للميلاد وذهب جرجي زيدان إلى أنه توفي عام 24 للهجرة.
نص القصيدة وتحليلها

1) اختلفت المصادر في عدد أبيات القصيدة فقد ذكر السكري خمسة وخمسين بيتاً وأثبت ابن الأنباري أنها سبعة وخمسون بيتاً. ووردت ستون بيتاوقد استعان الشارح برواية السكري مع زيادات من جمهرة شعراء العرب ومن كتاب منتهى الطلب من أشعار العرب. وأوردها الباجوري بتسعة وخمسين بيتاً، ووردت عند آخرين في ثمانية وخمسين بيتا. ونحن نميل إلى عدد الأبيات التي أوردها الديوان وسندرسها على هذا الأساس.
ولا يرجع الاختلاف في رواية القصيدة إلى عدد الأبيات فقط، بل إلى اختلاف الألفاظ، وترتيب الأبيات. وهذا الاختلاف هو الذي دفع طه حسين إلى التأكيد على عبث الرواة في القصيدة وإضافاتهم.
2) وإذا كان الغرض الرئيس من نظم القصيدة. مدح الرسول (ص) فإن الشاعر بدأ قصيدته بالغزل ثم انتقل منه إلى وصف الناقة، كما تعود الشعراء في الجاهلية أن يفعلوا لينتهي بعد ذلك إلى المديح الذي قصده. وقد استغرقت المقدمة الغزلية ثلاثة عشر بيتاً. واستغرق وصف الناقة ثمانية عشر بيتاً. أما الاعتذار والمديح وهما الغرضان الأساسيان في القصيدة فقد شملا أربعة وعشرين بيتاً سبعة أبيات منها في الاعتذار والبقية في مديح الرسول والمهاجرين.
3) إن النهج الذي سار عليه كعب نهج تقليدي في القصيدة العربية في العصر الجاهلي من حيث البناء والصور والمعاني والأخيلة. وسلك في اعتذاره للرسول (ص) ومديحه له مسلك النابغة الذبياني واعتذارياته من النعمان، فقد بدأ بالغزل ثم انتقل إلى وصف الناقة ومشاق الطريق وقوة الناقة التي أوصلته إلى الممدوح ليحسن الانتقال إلى الاعتذار من الرسول (ص) طمعاً في كرمه وشمائله العربية الأصيلة، وتصويره لخوفه وفزعه وتنكر الناس له وضيق الدنيا عليه:
إنك يا بن أبي سلمى لمقتول



تسعى الوشاة جنابيها وقولهم



ويعرض الشاعر للهول الذي يعاني منه ويبهظه بإيمان راسخ فيه نفحة إسلامية حيث يقول:
يوماً على آلة حدباء محمول



كل ابن أنثى وإن طالت سلامته



ولكن أمله القوي بعفو الرسول الكريم عنه يبدد اليأس عن نفسه ويدفعه إلى الانتقال السريع من الموت إلى الحياة ومن اليأس إلى الأمل فيقول:
والعفو عند رسول الله مأمول



أنبئت أن رسول الله أوعدني



وإذا ورد هذا البيت على منوال بيت النابغة في اعتذاره للنعمان حيث قال:
ولا مقام على زأر من الأسد



أنبئت أن أبا قابوس أوعدني



فالفرق كبير بين جمالية البيتين فإن اشتركا في مهابتهما والخوف من وعيدهما فإنهما مختلفان أشد الاختلاف في الأخلاق والمثل، فالنعمان وعيده مخيف موئس، على العكس من الرسول الكريم (ص) الذي يكمن وراء وعيده المخيف الأمل والرجاء لأنه على خلق كريم وزاده القرآن الكريم الذي نزل عليه رحمة وحلماً.
القرآن فيه مواعيظ وتفصيل



مهلاً هداك الذي أعطاك نافلة


أذنب وإن كثرت فيّ الأقاويل



لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم



وهو إذ يقسم ويرجو من الرسول ألاّ يأخذه بأقوال الوشاة الكاذبين وهو مدرك لأفعاله السابقة ضدّ الرسول وموقفه المعادي منه ومن دينه وشدة عصبيته وعناده، يقسم بالقرآن، وبروح إسلامية تناسب مقام الاعتذار. على العكس من النابغة الذبياني الذي يقسم قسماً جاهلياً وثنياً لا يناسب مقام النعمان ولا يلتفت إلى خطئه في هذا القسم لأنه راعى طقوسه الخاصة أكثر من مراعاته للنعمان حيث يقول:
وما هريق على الأنصاب من جسد



فلا لعمر الذي مسحت كعبته



على الرغم من أن النابغة كان شديد القرب من النعمان، تربطه وإياه وشائج من الإعزاز والصداقة والود، بينما كان كعب شديد البعد عن الرسول الكريم (ص) فقد هجا النبي وصحبه قبل الإسلام ووقف إلى جانب الشعراء المشركين كابن الزبعرى وأضرا به في التشديد على ذم الرسول الكريم(ص) وصحبه والتشهير بهم وبالدين الإسلامي.
وما قدم كعب إلى الرسول طالباً العفو ومعلناً إسلامه إلاّ بعد أن هدر دمه وضاقت به الأرض بعد انتصار الرسول في مكة وحنين وإذعان العرب كلهم لسلطانه الجديد وقتل من قتل بعد الفتح من خصوم الإسلام وأعداء النبي وفرار من فر، كل ذلك ملأ كعباً فزعاً ورعباً. وأكبر الظن أن كعباً حاول الفرار والاستخفاء فيمن حاول الفرار والاستخفاء ولكن الأرض ضاقت به والناس تخاذلوا عنه. ونظر فإذا هو مأخوذ متهالك إذا لم يحتط لنفسه. وجاءته في أثناء هذا كله رسالة أخيه بجير…
فاستقرت عزيمة كعب على أن يستجير بعفو النبي من غضب النبي.
4) تأثر كعب في قصيدته هذه بشعراء عديدين منهم أوس بن حجر وبوالده زهير وبالنابغة الذبياني، وكادت معانيه تقترب من معانيهم في الموضوعات الثلاثة التي تناولها في قصيدته، فهو في مطلع القصيدة يصور بإيجاز جميل ما صوره زهير في بيتين حين قال:
وعلِّق القلب من أسماء ما علقا



إن الخليط أجدّ البين فانفرقا


يوم الوداع فأمسى الرهن قد غلقا



وفارقتك برهن لا فكاك لـه



فكلاهما معلق الفؤاد مكبل القلب مقيده الأول بسعاد والثاني بأسماء ويشبه كعب محبوبته بالغزال ويمضي في التفصيل في الطرف المكحول الغضيض والصوت الأغن والريق الخمري المشوب بالماء العذب البارد ويمعن في وصف طبيعة هذا الماء ليعطي لنا الصورة كاملة وهو نفس ما فعله زهير حيث قال:
ولا محالة أن يشتاق من عشقا



قامت تراءى بذي ضال لتحزنني


من الظباء تراعي شادنا خرقا



بجيد مغزلة إدماء خاذلة


من طيّب الرّاح لما بعد أن عتقا



كأن ربقتها بعد الكرى اغتبقت


من ماء لينة لا طرقاً ولا رنقاً



شجّ السقاة على ناجودها شبما



ويفصل كعب في أخلاق سعاد فهي متقلبة الطباع متغيرة دائماً كالغول ولا تفي بعهدها وتنساح مواثيقها كما ينساب الماء من الغرابيل، ومواعيدها مواعيد عرقوب فلا يغتر بوعدها فما هي إلاّ تضليل وباطلة الأباطيل وهي تستحق اللوم لأنها غير أهل للثقة. وإذا فصّل كعب في وصل أخلاق سعاد فإن زهيراً أوجز كل هذه الصفات في بيت واحد حيث قال:
فأصبح الحبل منها واهناً خلقا



وأخلفتك ابنة البكري ما وعدت



ونخلص من كل ذلك إلى أن المقدمة الغزلية في القصيدة لم تكن إلاّ مدخلاً لها يستهوي السامعين ويلفتهم إلى المتابعة وكأن مقولة ابن قتيبة في مقدمة كتابه الشعر والشعراء تنطبق تمام الانطباق على مقدمة هذه القصيدة فقد سعى فيها الشاعر مسعى الشعراء الجاهليين حين يبدأون قصائدهم بالغزل.
ثم يخلص كعب بشكل متساوق جميل إلى وصف ناقته حين يقول:
إلاّ العتاق النجيبات المراسيل



أمست سعاد بأرض لا يبلغّها



ويمضي الشاعر في وصف ناقته بالضخامة والصلابة والسرعة كما وصفها الشعراء الجاهليون. ويقف عند أعضائها وخصائصها وخصالها وقفة طويلة لشدة إعجابه بها فهي سهلة القوائم في السير، غليظة الرقبة، عظيمة الوجنتين، ضخمة شبيهة بالذكر، واسعة الجانب، ذات عنق طويل، وجلدها قوي لا يؤثر فيه لسع الحشرات، بارزة الظهر، وأخفافها ذوابل لاحقة، وذنبها كعسيب النخلة، وهي عريقة الأصل وهو سبب في خفتها وسرعتها، مرفقها مفتول، وثديها مخارج اللبن فيه جيدة، وذات أنف أقنى وعنق أتلع وخد سهل، ولم يترك كعب صفة من الصفات الجيدة التي تناولها الأقدمون في وصف نوقهم إلاّ ولصقها بناقته، وقد ظهر أثر المدرسة الأوسية واضحاً في هذا الوصف. يقول أوس بن حجر واصفاً ناقته:
وعمها خالها وجناء مئشير



حرف أخوها أبوها من مُهَجَّتَةٍ



ويقول كعب:
وعمها خالها قوداء شمليل



حرف أخوها أبوها من مُهَجَّتةٍ



ويقول زهير واصفاً ذيل ناقته:
على فرج محروم الشراب مجدد



وتلوى بريان العسيب تمره



ويقول كعب:
في غارز لم تخونه الأحاليل



تمر مثل عسيب النخل ذا خصل



وهو في اعتذارياته شبيه باعتذاريات النابغة وفي وصفه الرسول (ص) عند مديحه له حيث شبهه بالليث شبيه بتشبيه زهير لهرم بن سنان بالليث عند مدحه له ولكنه فصل في تشبيهه ما لم يفصله زهير.
وهو لم يتأثر بالمعاني والصور فقط بل تأثر بالشعراء الجاهليين أيضاً في استعمال الألفاظ الغريبة والصعبة ولا سيما عند وصفه للناقة والأسد وجاءت تراكيبه خشنة صعبة، على العكس تماماً من الافتتاحية الغزلية ومدح الرسول (ص) فقد وردت فيهما ألفاظ جميلة وواضحة وتراكيب قوية الأداء مؤثرة أشد التأثير مما يذكرنا بمعلقة طرفة تماماً عند وصفه للناقة، ولعل "للناقة وأعضائها مسميات خاصة بها كان على الشاعر أن يستخدمها لتأدية ما يريد التعبير عنه بصورة واضحة جلية ومثل هذا ينطبق على وصفه للأسد"
5) التأثر الحسي بالبيئة:
إن التأثر الحسي بالبيئة يبرز في الموضوعات الثلاثة التي طرقها في قصيدته. فإذا ما تغزل بسعاد شبهها بالظبي في سواد عينيها، وإنها فاترة الطرف. جميلة الصوت ولا يمنعه استرساله في وصف محاسنها من تشبيه ريقها بالخمرة التي علت بالماء وهو مدرك ولا بد أن الإسلام قد حرم الخمرة ونهى عن شربها، ولم تثنه مؤثرات البيئة عن ذكرها أمام الرسول (ص) وصحبه وفي مسجده، وهو قادم للاعتذار وطلب العفو. وتدفعه مؤثرات البيئة إلى الاهتمام بتجسيد برودة الماء التي علت بها الخمرة كأجمل ما يكون التجسيد وأبدع ما تكون الصورة الشعرية، فالماء عذب بارد صاف في منحنى رملي تكتنفه صغار الحصى أبعدت الرياح الهابة عنه الأوساخ والأدران وملأته سحابه بيضاء سارية ليلاً. للتأكيد على صفاء الماء وبرودته، حيث يبرد الجو ليلاً:
صاف بأبطح أضحى وهو مشمول



شجت بذي شبم من ماء محنية


من صوب سارية بيض يعاليل



تجلو الرياح القذى عنه وأفرطه



إنها حرارة الصحراء وقلة مياه الغدران الباردة تلك التي دفعته إلى أن يبدع في تجسيد هذه الصورة على الرغم من أن الاستطراد واضح فيها وكان في إمكان كعب تجاوزها لو أن الإسلام دخل قلبه في الصميم وأضعف لديه مؤثرات البيئة القوية التي بدت وكأنها أقوى من إيمانه بالإسلام. ويدفعه حماسه وهو يصف أخلاق سعاد المتبدلة وخصالها المتغيرة فتظهر مؤثرات البيئة قوية فيشبهها بتلون أثواب الغول وهو يدرك أو لا يدرك بأن الغول من الأشياء التي عفا عليها الإسلام، ولكنها مؤثرات البيئة التي تجذرت في نفسه قوية لا تقاوم، وإذا ما أراد أن يصور وصلها لم يجد تشبيهاً غير الغرابيل التي تسيح منها المياه إذا وضعت فيها ولا تتمكن من مسكها.
وتظهر مؤثرات البيئة بشكل أشمل في وصفه للناقة وهو أمر بدهي لأن كعباً كرجال عصره أحب الناقة والفرس وتعلق بهما، وتلعب الناقة دوراً مهماً في حياته القلقة المضطربة التي كثرت فيها الأسفار وسادها الانتقال من مكان إلى آخر، فهو لا يستطيع الوصول إلى سعاد التي أضحت بعيدة كل البعد يعسر الوصول إليها إلاّ على ظهر ناقة شديدة غليظة سريعة خفيفة الحركة لا تعرف معنى للوهن والتعب ذات همة عالية. قد جربت الأسفار الطويلة. تستطيع بلوغ الأماكن البعيدة التي لا يستطيع غيرها من النوق الوصول إليها. وإذا ما اشتدت الهاجرة لا تكسل ولا تتوانى وناقة كعب غليظة الرقبة ممتلئة الرسغ تفضل جميع النوق في عظم خلقها. وقد خرج كعب على ما اعتادت عليه العرب في وصف الناقة كما يقول الأصمعي:
"هذا خطأ في الصفة لأنه قال هي غليظة الرقبة وخير النجائب ما يدق مذبحه ويعرض منحره وذهب أبو هلال العسكري مذهب الأصمعي: "من خطأ الوصف قول كعب بن زهير: ضخم مقلدها لأن النجائب توصف برقة المذبح". ونحن نرى بأن وصفه لها بضخامة الرقبة يتماشى مع وصفه لضخامة خلقتها ولا ينبو عن الذوق ولا يخرج عن المبالغة والتفخيم اللتين سادتا الشعر العربي قبل الإسلام وإنما يدلل على قدرتها الكبيرة في قطع المسافات الطويلة وأنها أقوى على السير من غيرها.
ويمضي كعب في وصفه لناقته بتأثيرات بيئية. فيصفها بكرامة الأصل، ملساء الصدر والخاصرة صلبة لم تحلب ولا تنال منها الحشرات والهوام إيذاء. وجبهتها صلبة ملساء، لم تنتج ولم تحلب فاحتفظت بقوتها. عظيمة الذنب كثير وبره تمر به على ضرعها لطوله وعظمه. وقد عدّ السكري ذلك عيباً في وصف الناقة حيث قال: "خطأ أن توصف بعظم الذنب وكثرت الهلب وأفضل منها للركوب أن تكون جداء قصيرة الذنب وإذا كانت للحلب فسبوغ الأذناب وكثرة الهلب يستحب فيها".
ونحن نذهب إلى خلاف هذا الرأي فإن حب كعب لناقته يدفعه إلى المبالغة في وصف ضخامتها للاستدلال على قوتها وصلابتها وشدة سرعتها. وينتقل كعب ثانية من وصف جسد الناقة إلى وصف رأسها: أنفها أقنى. وأذناها كريمتان وخداها سهلان، أما عصب رجليها فقوي وأخفافها قوية صلبة وساقاها طويلان كأنهما ذراعا امرأة ثكلى تنوح وتلطم بكرها، فهي في أشد حالات لوعتها احتداماً في اللطم والنواح وهي تقطع قميصها عن صدرها من شدة اللوعة والحزن:
قامت فجاوبها نكد مثاكيل



شد النهار ذراعاً عيطل نصف


لما نعى بكرها الناعون معقول



نواحة رخوة الضبعين ليس لها


مشقق عن تراقيها رعابيل



تفري اللبان بكفيها ومدرعها



إن هذا التشبيه الرائع لخلق صورة كاملة للناقة المحبوبة تدلل على براعة الأداء الفني في هذه القصيدة. وهي تذكرنا بالبراعة الفنية في وصفه لماء الغدير الذي مرّ ذكره.
إن الصور البيئية التي والف بينها كعب لإعطاء الصورة الكاملة لعظمة خلق ناقته وجمالها ووقوفه المتملي عند جزئيات جسدها، لا يدلل على أنه عاش حياته وعرف بيئته بعمق، ولا يدلل على براعته الفنية في المزج بين اللوحات الجسدية المتحركة وبين جوه النفسي الخاص فحسب، وإنما تمزج هذه اللوحات الفنية بين صلابة الناقة وقوتها وبين صلابته وقوته وشجاعته، وما تكراره للأبيات التي تعطي معاني الصلابة والقوة لناقته إلاّ تأكيد على تلك الصلابة والقوة وهي بالتالي تأكيد على صلابته وقوته، لأنه يقترن بناقته اقتراناً تاماً في رحلته الشاقة تلك، وهي ليست رحلة للوصول إلى سعاد المحبوبة بقدر ما هي رحلة شاقة مادياً ومعنوياً، جسدياً ونفسياً للوصول إلى الرسول (ص) لتقديم الاعتذار إليه وإعلان إسلامه في حضرته، وهو موقف مهول مرعب كما سيبدو في الأبيات التالية لكعب والتي سنعرضها في مناسبتها. وقد عاب عليه بعض الباحثين هذا التكرار في وصف صلابة الناقة وقوتها وعدوه تكرراً معيباً. بينما قبله آخرون وبرروه "بحجة أنه جاء بألفاظ مختلفة". ونحن نرى أن في هذا التكرار أداءً فنياً متقناً للتأكيد على صلابته وشجاعته من خلال تأكيده على صلابة ناقته وقوتها وتحملها طول المسافة وحرارة الجو. تلك الحرارة التي لم تتحملها الحرباء وكأنها شويت بالنار، والجنادب متعبة من لهف الهجير، وحادي القافلة يطلب إلى القوم أن يلجأوا إلى القيلولة لعدم تحمل الإبل الاستمرار على المسير. فكيف يتحمل إنسان ذلك ما دامت حيوانات الصحراء وحشراتها عاجزة عن تحمل شدة الهجير أما هو وناقته فأقوى من هجير الصحراء وأصلب من حيواناتها وحشراتها، فهي دؤوبة في سيرها ينبع العرق من ذراعيها وهما في شدة السير والتهام الفيافي، وقد تلفعت البيداء بجبالها وفيافيها بالسراب.
وليس هذا فحسب وإنما حاول كعب أن يخلق نمطاً من الأجواء القصصية لإعطاء البعد النفسي له في رحلته الشاقة المترقبة، وفيها تصوير للتوحد الذي هو أقرب إلى التصعلك. فلا نرى في لوحة الرحلة غير الناقة والصحراء، والجبل المتلفع بالسراب والحرباء والجنادب بعد أن ابتعد عنه الأصدقاء وتجنبه المعارف وعافه الأحباب وأهدر دمه وفارقه الأخ والصحب ولم يبق أمامه في هذه السفرة الطويلة غير كلمة واحدة من رسول كريم تعيد إلى نفسه الاستقرار وتدفعه إلى التشبث بالحياة، ليحيا كما يحيا بقية الناس:
كأن ضاحية بالنار مملول



يوماً يظل به الحرباء مصطخماً


وقد تلفع بالقور العساقيل



كأن أوب ذراعيها وقد عرقت


ورق الجنادب يركضن الحصى قيلوا



وقال للقوم حاديهم وقد جعلت


قامت فجاوبها نكد مثاكيل



شد النهار، ذراعاً عيطل نصف



يهمل طه حسين في حديثه مع صاحبه حديث الناقة وكأنها زائدة في حدث القصيدة. وهذا أمر شديد الغرابة لدى باحث كبير كطه حسين. بل إن الوقوف عند موضوع الناقة يثير أكثر من مسألة.
أولاً: إنها المعادل الموضوعي لسعاد. فإذا كانت سعاد قد خذلته وتنكرت له فالناقة قد رافقته في رحلته الطويلة النفسية والمادية. إن وقوف كعب الطويل عند وصف محاسنها يدلل على حبه الشديد لها. فهو يتغزل بجمالها كما تغزل بجمال سعاد. بل أكثر عمقاً وتأثيراً. فإذا جاء تغزله بسعاد تقليدياً تذكرياً، فإن غزلـه بالناقة فيه من الصور الإيحائية المتجددة والتأكيد ما هو أبعد أثراً وأكثر عمقاً، إنه التعويض الشجاع لفقد يبدو مع مرور الزمن لا قيمة لـه، فإذا لم تكن سعاد خليقة به، فالناقة (هو) شجاعة عنيدة صامدة متوحدة ساعية لهدف، هو هدفه، فهي جزء منه وهو جزء منها، فهي كحصان امرئ القيس في معلقته، لقد كان فقد سعاد السبب الأساس في هذا الوقوف المتأني من الناقة المحبة المحبوبة. المتحركة المتلاحمة مع قائدها كعب، فهي على العكس من ناقة طرفة (الصورة)، فناقة كعب هي الحياة والأمل والمستقبل الموعود المترجى الهنيء.
ثانياً: الناقة بشجاعتها وقوتها وصمودها وتوحدها هي كعب بن زهير وهو إذ يصف الناقة بكل هذه الخصال الحميدة لا يصف إلاّ نفسه التي سعى إلى أن يجعلها تمهيداً لرضا الرسول (ص) عنه على الرغم من مواقفه الخطيرة منه، ولكنه، رجل شجاع شهم يطلب المغفرة من رسول كريم عرف بالسماحة والشهامة والعفو عند المقدرة.
ثالثاً: الناقة هي الوسيلة للوصول إلى حضرة الرسول الكريم (ص). فلا يمكن الاستغناء عنها في بيئة صحراوية ولرجل تشبع بالعصبية الجاهلية وأثرت فيه البيئة كل هذا التأثير الكبير، وهكذا نجد التلاحم عظيماً بين ما سمي بالغزل ووصف الناقة والاعتذار والمديح للرسول (ص) إنها الوحدة الموضوعية والعضوية معاً والذي يقود كل جزء منها إلى الجزء الأخير حتى نهاية القصيدة.
إن وصف الناقة جزء أساس في القصيدة لا يمكن تجاهله لدى أي باحث تشبع بجمال القصيدة وأدائها الفني الرفيع.
وماذا عن الجزء الأخير من القصيدة، الاعتذار والمديح وتأثير البيئة فيهما؟!
إن الشاعر وهو يصور مشاعر الرهبة في حضرة الرسول (ص) وما سمعه عنه لم يجد تشبيهاً لـه غير الفيل لضخامته حتى أنه توهم بأنه أكثر الحيوانات قوة سمع.
وربما عزا ذلك لكبر أذنيه، والشاعر مولع بالمبالغة والتفخيم.وجاءت صورة الفيل المرتعد الخائف قبل أن يسمع العفو ويحصل على الأمان من الرسول (ص) جميلة رائعة على العكس من البيت السابق عليها.
وإذا ما أراد أن يجد تشبيهاً للرسول لم يجد غير الأسد والسيف، وهو يعطي لهذين التشبيهين أجمل ما لديه من أداء فني، فهو يصف هيبة الرسول (ص) بهيبة أسد لم يبرح أكمته بعد أن اصطاد فريسة ومزقها وأطعم من بقاياها أولاده حتى بانت الحمر الوحشية الخائفة عازفة عن الإطعام والاجترار لشدة هلعها وخوفها من هذا الضيغم المهيب:
وقيل إنك مسبور ومسئول



لذاك أهيب عندي إذ أكلمه


ببطن عثّر غيل دونه غيل



من ضيغم من ضراء الأسد مخدره
لحم من القوم معفور خراذيل



يغدو فيلحم ضرغامين عيشهما


أن يترك القرن ألاّ وهو مغلول



إذا يساور قرناً لا يحل لـه


ولا تمشى بواديه الأراجيل



منه تظل حمير الوحش ضامزة



إن هذه الصورة الجميلة التي أعطاها الشاعر للرسول (ص)، هي بالإضافة إلى جمالها الفني تعبر عن الواقع النفسي الخائف للشاعر المذعور الطالب للمغفرة والأمان كما سنرى.
وهي بحركة الجزئيات الموجودة في داخل الصورة تعكس الوضع النفسي المتقلب للشاعر بين طمعه بالعفو وخشيته من العقاب، وهي ليست استطراداً كما قال بعض الشراح وإنما جزء مهم من الصورة لا تكتمل اللوحة بدونه. ونحن نعجب كيف أهمل كاتب حساس ومتذوق رفيع للشعر مثل هذه الصورة ولم يعرها أي اهتمام.
وإذا ما شبه كعب الرسول (ص) بالسيف لم يأت بجديد وحتى عندما يكون هذا السيف مهنداً ولكن الشاعر خصّ هذا السيف بصفة لم يسبقه أحد إليها أنه من سيوف الله ومشهَر دائماً في وجه الأعداء والمشركين، وهكذا جمع كعب في الاستضاءة به بين الرسول وسيف الله المسلول حتى أصبحت هذه الصفة بعد ذلك من صفات خالد بن الوليد كناية عن شجاعته وقوته وشدة بطشه بالأعداء.
وهكذا لم يجد كعب أقوى وأعظم من الأسد والسيف ليشبه بهما الرسول (ص) ولكنه عندما مدح المهاجرين أعطاهم صفات بيئية يفخر بها العربي؛ فهم شم الأنوف، أبطال شجعان، لباسهم الدروع السابغة لأنهم لا يعرفون معنى للراحة حتى يستتب الحق بانتشار الإسلام.
وإذا ما وقف الشاعر واصفاً الدروع التي يرتديها صحب الرسول وقف وقفة متأملة واختار تشبيهه للدرع بنبات انتزعه من البيئة الصحراوية (كأنها حلق القفعاء مجدول).
فهم قد تعودوا على النصر ولا تخيفهم الهزيمة لأنهم مقبلون دائماً على أعدائهم لا يعرفون للأدبار معنى وإذا ما شبه مشيهم اختار أحب الحيوانات إليه وأقربها إلى نفسه (الجمال) وأعطاها صفة البياض المستحبة، وجاءت المقابلة بين (الجمال الزهر يعصمهم ضرب) وبين (إذا عرد السود التنابيل) رائعة جداً لبيان عظمة المهاجرين وخور وجبن أعدائهم. وقال شارح الديوان: "ويقال إنه عرض بالأنصار في هذا البيت فيما قال الذي أراد قتله عند النبي (ص).
وقيل إن ما أثار الأنصار ضدّ كعب أنه قال الجمال الجرب ويروي السكري "الجرب المطلية بالقطران فأراد عليها الدروع فهم يشبهون الجرب". ونحن لا نرى هذا ولا ذاك وما هي إلاّ من باب التأويلات القصصية التي تناقلها الرواة. وما أغضب الأنصار فعلاً ليس ذمهم أو ذم المهاجرين وكيف يسلك هذا المسلك شاعر خائف أهدر دمه وتنكر له الأهل والصحاب وجاء إلى حيث يجلس الرسول (ص) إلى صحبه من المهاجرين والأنصار ليعتذر ويطلب العفو والأمان.
وإذا كان غضب الأنصار قد اشتد فيعود ذلك إلى ما قبل الوصول إلى هذه الأبيات في الوقت الذي كشف كعب عن نفسه. فأثار حضوره الأنصار لما عرف عنه من عداء شديد للرسول (ص) والمسلمين ولإقذاعه في ذمهم مع الشعراء المشركين.
6) الأزمة النفسية وتكامل التجربة الشعورية
إن التغيير الذي طرأ على الجزيرة العربية بظهور الإسلام ومن ثم انتشاره ودخول العرب في الدين الجديد، جعل كعباً يقف موقف التنازع والحيرة وهو الذي عرف بعصبيته الشديدة وعناده وحياته القلقة، البيتية والقبلية، وعدائه الشديد للرسول والإسلام، فما أن استتب الأمر للمسلمين وأهدر دمه مع من أهدر من دماء الشعراء الشتامين للإسلام، حتى كان عليه أن يقرر. ويبدو أن حب الحياة لديه أقوى من العصبية القبلية فما أن جاءه كتاب بجير حتى أسرع إلى المدينة لإعلان إسلامه أمام الرسول (ص) وطلب العفو والأمان منه.
في هذا الجو النفسي القلق ولدت قصيدة بانت سعاد بأجزائها الثلاثة المتفاعلة والمتكاملة لخلق اللوحة الكاملة لكعب يعرضها أمام الرسول والمهاجرين كمتهم يدافع عن نفسه ويطلب البراءة من حكامه. ويلعب الزمن دوراً عظيماً فيها فنتوزع بين ماض وحاضر. يأخذ الماضي واحداً وثلاثين بيتاً ويأخذ الحاضر أربعة وعشرين بيتاً. وليس الزمن وحده المعبر عن قلقه النفسي وإنما استعان بالأدوات الفنية الأخرى كالموسيقى الداخلية والخارجية والصورة والتركيب. فقد اختار وزن البسيط لقصيدته "فقد بدا مناسباً بإيقاعه الهادئ الرصين لشفافية الأسى المنساب في قصيدة اعتذاره إلى الرسول (ص)…
إن وضوح مسلك الربط بين إيقاع البحر وطبيعة الغرض الشعري عند كعب قد يغري بالنظر في بحور نماذجه. إن كعباً باختياره بحر البسيط يسعى إلى أن يظهر أمام الرسول (ص) وصحبه بمظهر الإنسان الهادئ التائب السائل للغفران ليعطي صورة معكوسة لتلك الصورة التي عرفت عنه بتهوره وعصبيته وكرهه للإسلام والمسلمين.
ولم يقتصر حرص كعب على اختيار الموسيقى الخارجية فقط بل سعى إلى اختيار الإيقاع الداخلي والموسيقى الداخلية لإظهار مناخه النفسي، ويبدأ هذا الإيقاع الحزين مع بدايات القصيدة، ويظهر العويل الباكي الحزين ممتزجاً بين القافية اللامية المنسابة وبين إيقاع الضمة والواو التي قبلها مما يكسب اللام امتداداً أكبر وأسى أشد وبكاء أعظم.
"فلا عجب أن يتعاور الشعراء هذا النمط من الوزن والقافية في قصائدهم ذات الطابع النسيبي الحزين.. فقد وردت نماذج من وزن البردة وقافيتها في ديوان الشماخ وديوان ابن مقبل وديوان عبدة بن الطبيب والمفضليات".
وقد أعانه تكرار الألفاظ مثل كلمة (سعاد) وتكرار الحروف على التعبير عن جو الأسى النفسي الرقيق بالنسبة إليه للماضي المتمثل في سعاد، فقد هجره هذا الماضي الحبيب كما هجرته سعاد، فهي معادل موضوعي للماضي الذي تبدل وتقضى مع ظهور الإسلام.
ويلجأ كعب في البيت الثالث إلى المعاظلة باقتران الضاد والذال والظاء للتعبير عن مدى الظلم الذي عانى منه الشاعر من هجر الحبيبة له: "استيعاب طبيعة العلاقة بين الجرس الصوتي والمعنى. ذلك أن نطق هذه الحروف الثلاثة يجبر الناطق على تحسس مجرى الظلم وممارسة تذوقه في فمه… وذلك ما لا نزعم أن كعبًا تعمده تعمداً ولكننا نحسب أنه وفق إليه فأبدع".
ولجأ إلى اللوحات الفنية والغنية المعبرة في وصف ماء الغدير ليعطي عذوبة الماضي. كما لجأ إلى المقاطع المتناغمة وتكرار الحروف والاستدراك والنفي ليمزج بين الإيقاع النغمي والإيقاع النفسي الحزين لتبدل المحبوبة وتغيرها وتقلبها وساعده في ذلك التشبيهات الجميلة التي تفاعلت مع بعضها لخلق لوحة الأسى والحزن مع الإيقاع الحزين والألفاظ المعبرة والتراكيب التي تدلل على قدرة إبداعية لدى الشاعر.
"إن كعباً كان يمتلك حساً نغمياً مرهفاً لا يكاد يدانيه فيه أحد من شعراء مرحلته إلاّ الشماخ". ولعلنا أدركنا بأن الغزل في القصيدة لم يكن مجرد مدخل إلى الغرض الأصلي من القصيدة بل هو جزء مهم ومتلاحم موضوعياً وعضوياً للوصول إلى الهدف الذي أراده الشاعر في القصيدة لأن الماضي له علاقة بحاضر الاعتذار وطلب العفو ومن ثم المديح.
وجاءت النقلة البارعة بين سعاد ووصف الناقة دالة على التفاعل بين الماضي المحبب الذي تغير وتبدل بحيث يصعب الوصول إليه وإعادته حتى بالنسبة لفارس شجاع صبور على تحمل المشاق مع ناقة صلبة قوية ضخمة، وإذا بهذه الناقة الأصيلة تقوده إلى الحاضر إلى الرسول (ص) وصحبه بدلاً من أن تقوده إلى سعاد (الماضي). ويتمثل العنصر النفسي للشاعر في الاندفاع والشجاعة في لوحة الرحلة وكأنه يقدم للرسول (ص) صورة بديلة ومختلفة لما تناقله الوشاة عنه وما وشاه الواشون ضده حتى أهدر الرسول (ص) دمه، وهو يعلم حق العلم أن الرسول الكريم (ص) ذا الخلق الرفيع يقدر الشجاعة حق قدرها ويكبر الفرسان والفروسية. ولم تخل لوحة الرحلة من تصوير لجوانب حياة كعب العنيفة والقلقة والدالة على الوحدة القريبة من الصعلكة نتيجة لمشكلاته العائلية والقبلية الخاصة.
وكانت الناقة وهو يصفها بتلك الدقة والتأني ممثلة لصراعه النفسي العنيف وهو يقطع رحلة شاقة ومخيفة، وقد تكون مهلكة بين الماضي الذي ودعه إلى غير رجعة والمستقبل الذي ينتظره والذي يشكل الزمن الحاضر بالنسبة للقصيدة. وقد ساعده في إظهار لوحة الرحلة بذلك الشكل الفني العميق تلاحم الألفاظ الغريبة والتراكيب القوية والإيقاع المتناغم والتشبيهات الجميلة والصور المتحركة لتعبر معاً عن حالته النفسية القلقة والتي ستزداد شدة مع بدايات اعتذاره ومن ثم مديحه للرسول (ص)، فهو ينتقل نقلة بارعة إلى هدفه ويخلص من الماضي إلى الحاضر بشكل فني أخاذ فيه إيقاع الأسى والقنوط:
إنك يا ابن أبي سلمى لمقتول



تسعى الوشاة جنابيها وقولهم



إن الأسى والقنوط الذي سببه له الناس بمجافاتهم له وانقلابهم عليه كما انقلب عليه ماضيه:
لا ألفينك إني عنك مشغول



وقال كل خليل كنت آمله



دفعه –وهو الشجاع المقدام- إلى القنوط والاستسلام فاستعان بالحكمة، والحكمة التي أوردها تعبر عن نفسه القانطة اليائسة، فهي جزء مهم من القصيدة وليست استطراداً أو مجرد أبيات ذات روح إسلامية –وهي في رأينا أقرب إلى أقوال الأحناف في الجاهلية-يتقدم بها إلى الرسول ليبعد عنه الشرك ويحصل على العفو:
فكل ما قدر الرحمن مفعول



فقلت خلوا طريقي لا أبالكم


يوماً على آلة حدباء محمول



كل ابن أنثى وإن طالت سلامته



ويظهر الاضطراب النفسي واضحاً جلياً في اعتذارياته ولم يجد سبيلاً يسلكه أفضل من السبيل الذي سلكه النابغة الذبياني في اعتذاره من النعمان بن المنذر، وقد أجاد كعب في تصوير فزعه وخوفه فذكر نبأ وعد الرسول له والأمل في العفو وهو مدرك خير الإدراك أخلاق الرسول (ص) العالية وعفوه عند المقدرة. وذكر هدي القرآن ومواعظه، كما ذكر الوشاة والأقاويل وحاول أن يتخلص من جريرة أعماله. وتعد هذه الأبيات في الاعتذار من أجمل وأصدق ما قيل في الشعر العربي على الرغم من ظهور طابع التقليدية فيها.
ومضى في مدح الرسول (ص) بأسلوب تقليدي في أول الأمر فشبهه بأسد في عرينه اصطاد فريسة وأطعم منها أشباله ولم نلمس جديداً في هذا المديح فقد تكرر كثيراً في الشعر الجاهلي وربما أعانه ذلك على التفصيل في لوحة الأسد وكأن الشاعر يطمع برعاية الرسول له كما يرعى الأسد أشباله، فإذا ما انتقل إلى الصورة الثانية وشبه الرسول بأنه سيف مسلول من سيوف الله لم يزد على البيت الواحد ولم يفصل في الصورة كما فصل في صورة الأسد ولعل جهله بالإسلام وخشيته من الوقوع في الخطأ دفعه إلى الإيجاز. وفي كلا الصورتين أعطى للرسول (ص) صفة القوة لأنه كان يحس بكل الضعف والخور تجاهه فلم يعط غير صور مادية، ووقف في مديحه عند صفة القوة والمهابة ولم يذكر صفات كثيرة معروفة عن أخلاق الرسول (ص) ونبله وكرمه. لأنه لم يكن يرى في الرسول (ص) في لحظته تلك غير أنه الرجل الذي يملك بين يديه حياته وموته. ولو لم يكن خائفاً فزعاً لوقف وقفة طويلة ومغايرة في مديح الرسول الكريم كتلك الوقفة التي وقفها في مدح المهاجرين. ويدفعنا الحديث عن مديح الرسول (ص) بسرعته وعدم التأني فيه إلى التساؤل في هذه الوقفة المتأنية والمبدعة التي وقفها كعب في مدح المهاجرين، فقد جمعت فيها الخصائص المادية والمعنوية، وكانت اللوحة التي قدمها الشاعر لشجاعتهم لوحة معبرة ودقيقة ضمّ فيها الجزئيات –كوصف الدروع والسلاح- إلى الكليات حتى ينتهي بالقصيدة نهاية تبلغ ذروة الإبداع الفني والإيقاع المتناغم الجمالي بين المقاطع الأربعة حيث أعطى للصورة عمقها الفني وأبعادها المتكاملة لينتهي بقصيدته نهاية رائعة معادلة لمطلع القصيدة حيث يقول:
قوماً وليسوا مجازيعاً إذا نيلوا



لا يفرحون إذا نالت رماحهم


ما إن لها من حياض الموت تهليل



لا يقع الطعن إلاّ في نحورهم



يرى بعض الباحثين أن القدرة الإبداعية التي ظهرت في قصيدة كعب عند مدح المهاجرين بشكل أقوى من مدحه للرسول (ص) إلى العصبية القبلية: "فنحن نعلم أن المهاجرين قرشيون من كنانة، ولكعب في كنانة خؤولة. أما الأنصار فحسبهم ليستثير في نفس كعب مشاعر من نوع آخر فيسكت عن ذكرهم بشيء".
وقد عرفنا في كعب عصبية جاهلية شديدة فلا عجب أن يحدث هذا ولما يدخل الإسلام بعد إلى قلبه ويتغلغل في أعماقه، فإذا كان المهاجرون أبناء خؤولته يعرفهم ويعرفونه، وقد عاش بيئتهم فهو يجيد في مدحهم بروح العصبية الجاهلية بينما لا يعرف عن الرسول (ص) ولا دينه الشيء الكثير فيحتار في مديحه وينظر إليه كما ينظر إلى حاكم يطلب منه العفو والأمان ولا يجد فيه شيئاً أقوى من الرهبة والقوة والعفو عند المقدرة.
وقد احتلت مكانتها:
قصيدة بانت سعاد مكانة دينية كبيرة حيث منح الرسول بردته لكعب عند إنشادها. ولها قيمة فنية على الرغم من الأسلوب التقليدي الذي سلكه الشاعر في نظمها ولكنها مفعمة بالأصالة وصدق التجربة الشعورية وبالإيقاع النغمي العالي، واللوحات الفنية المبتكرة والتي أفاد فيها مما ورثه من الشعر الجاهلي ومن مؤثرات البيئة الأخرى.
وتظهر أهميتها التاريخية في أنها أصبحت جزءاً من كتب السيرة لا يخلو كتاب منها.
واهتم بها الشراح والنحويون واللغويون والأدباء فعارضوها وخمسوها وشطروها وأشهر من عارض هذه القصيدة ابن الساعاتي المتوفى عام 604هـ والبوصيري المتوفى عام 696 ومحمد بن علي العمراني المتوفى عام 560 ومحي الدين بن عبد الظاهر المتوفى عام 692 وشبيب بن حمدان المتوفى عام 695 والعزازي عام 710 وابن سيد الناس اليعمري المتوفى عام 734 وأبو حيان الأندلسي المتوفى عام 745 وابن نباتة المصري المتوفى عام 768.
وترجمت إلى اللاتينية ترجمها المستشرق (كارديوس جونزليت) عام 1748 وإلى الفرنسية ترجمها المستشرقان (أ. روكس ورنيه بوسيه) وترجمها (سكوبا بيكوسلاوسكي) إلى البولونية وترجمها (لويل) نثراً إلى الألمانية و (لروكرت) شعراً إلى الألمانية أيضاً وترجمها (ردهاوس) إلى الإنكليزية و (كبريالي) إلى الإيطالية و(الكاملي) إلى الفارسية و(ملجق زاده) إلى التركية.
معارضات بانت سعاد

المعارضة الشعرية: من مادة عرض، وعارض بمعنى أخذ في ناحية منه وأدخل دخولاً فيه ليست بمباحته، والمعارضة أن يعارض الرجل المرأة فيأتيها بلا نكاح ولا ملك أو أن يعارض فحل الإبل النوق معارضة فيضر بها من غير أن تكون من الإبل التي كان الفحل رسيلاً فيها، وعارضته في المسير أي سرت حياله وحاذيته ويقال عارض فلان فلاناً إذا أخذ في طريق وأخذ في طريق آخر فالتقيا. وعارضته بمثل ما صنع أي أتيت إليه بمثل ما أتى وفعلت مثل ما فعل. ومن هذا المعنى جاء اصطلاح المعارضة في الشعر: أن ينسج الشاعر على منوال قصيدة معينة لشاعر آخر أو يأتي بمثلها في وزنها وقافيتها ورويها وبعض معانيها أو في بعض أغراضها أو في موضوعها.
وتحصل المعارضة نتيجة لإعجاب شاعر بقصيدة سابقة عليه لشاعر معين، لها مكانها وثقلها في الأدب العربي، أو نتيجة لاعتداد الشاعر بنفسه فيسعى في معارضته إلى منافسة شاعر قديم في قصيدة من قصائده المشهورة ليباريه أو يعلو عليه.
أما الموازنة الشعرية: فهي من مادة وزن ووازنت بين الشيئين موازنة ووزاناً وهذا يوازن هذا إذا كان على زنته أو كان محاذيه، ومن هذا المعنى جاء اصطلاح الموازنة الشعرية فوازن الشيء بالشيء أي ساواه في الوزن وعادلـه وماثله وقابله وحاذاه ووازن الشاعر قصيدة غيره، إذا نظم قصيدة من بحرها وعلى وزنها ورويها نتيجة لإعجابه بها أو مباراتها والارتفاع عليها.
1) معارضة علي بن محمد بن علي بن أحمد لقصيدة بانت سعاد:
إن أولى المعارضات لقصيدة بانت سعاد هي معارضة علي بن محمد بن علي بن أحمد ابن مروان العمراني الخوارزمي المتوفى عام 560هـ. عارض في صباه قصيدة كعب بن زهير بانت سعاد في قصيدة مطلعها:
كما يهز اليماني وهو مصقول



أضاء برق وسجف الليل مسدول



والتكلف واضح من المطلع هذا بالإضافة إلى التشبيه الساذج المكرور الذي ذكره.
وأراد أن يقلد كعبا فبدأ بغزل متكلف خال من الجمال والإبداع ولا أثر فيه لفن وابتكار فاستبدل سعاداً بسعدى وقلد مطلع قصيدة كعب ببيت يظهر فيه الضعف والتكلف حيث يقول:
عني وقلبي بالأشواق متبول



فهاج وجدي بسعدى وهي نائية



ويمضي الشاعر في تقليد أبيات بانت سعاد بألفاظ وتراكيب وصور تبدو ظاهرة الضعف وتفصح عن تجربة الشاعر الشعورية غير المكتملة حيث يقلد بيت كعب الجميل الإيقاع:
إلاّ أغن غضيض الطرف مكحول



وما سعاد غداة البين إذ رحلوا



بقوله:
صبر ولم يبق لي قلب ومعقول



لم يبق لي مذ تولى الظعن باكرة


والجفن بالأثمد الهندي مكحول



ما أنسى لا أنسى إذ تجلو عوارضها



فأين التركيز المغني والإيقاع الجميل والتراكيب القوية والمعاني الموحية من هذا التفصيل غير المنطقي وكم بدا الشطران الأخيران ثقيلين ولا سيما (لم يبق لي قلب ومعقول) فكيف أحب إذاً عندما فقد عقله وقلبه؟! وما أمج (الأثمد الهندي) ونحن نعلم أن كعباً لم يذكر الهند إلاّ مرتبطة بالسيوف والسيوف المسلولة استعملها تشبيهاً لقوة الرسول (ص) وسيطرته، وإذا بمقلده لا يستخدمها إلاّ للعينين، فأين هذا الاستعمال من ذاك.
وكأن الشاعر أعجب بالبيت الثالث من قصيدة بانت سعاد فطمح إلى تقليده ولكنه فشل أيضاً على الرغم من استعارته الصورة وبعض الألفاظ حيث قال:
وريقها سحراً بالراح معلول



كأنما ثغرها در إذا ابتسمت



ولا ندري السبب في تحديد الزمن للريق بالسحر إلاّ إذا أعجزه النظم. وأين مباشرة اللقطة ومادية الصورة من الإيحاء الجميل والإيقاع العذب والاستعمالات المعبرة في التركيب واللفظة في قول كعب:
كأنه منهل بالراح معلول



تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت



ولا نجد في غزل الشاعر غير صور أشبعت تكرراً عند الشعراء الذين سبقوه تدل على ضعف شاعريته وتقليده وعدم اكتمال التجربة الشعورية لديه، فإذا ما انتقل إلى مدح الرسول (ص) بدا الضعف أشد في القصيدة وراح يسرد لنا أسماء الخلفاء الراشدين بأسلوب تقريري ممل أقرب إلى الأجواء النثرية منها إلى الشعر والإيحاء:
وهو الذي ما له في الله مبذول



وصاحب المصطفى في الغار يتبعه


رآه إبليس ولى وهو مخذول



وتلوه عمر الفاروق أزهر أن


أوداجه وهو بالقرآن مشغول



واقتدى بابن عفان الذي فريت


مناقب جمة في شرحها طول



وبالوصي ابن عم المصطفى فله



ويستمر الشاعر على هذا المنوال التقريري المباشر. ولم أشأ أن أوازن بين عظمة أبيات كعب في مدح المهاجرين وبين أبيات هذا الشاعر المقلد الذي لم يحسن حتى التقليد.
2) معارضة تقي الدين الطبيب:
لم نلمس في قصيدته التي عارض فيها قصيدة بانت سعاد أيَّ إبداع بل جاءت تقليداً سيئاً أكد فيها على مدح الرسول (ص) واكتفى بأبيات قليلة في الغزل لينتقل بعدها مباشرة إلى مديح الرسول بأسلوب تقريري خال من الفنية الشعرية ونكتفي بأبيات نوردها دون موازنة لأنها ظاهرة الضعف والتكلف، يقول الشاعر في مدح الرسول (ص).
مجداً تسامى فلا عرض ولا طول



إن النبي رسول الله إن لـه


وردّ عقل البرايا وهو معقول



مجداً كبا الوهم عن إدراك غايته


وساد فخراً به الأملاك جبريل



مطهر شرف الله العباد به


له بطيب ثراها الجعد تقبيل



طوبى لطيبة بل طوبى لكل فتى



ولا حاجة بنا للتدليل على ضعف التركيب وضحالة الصورة وتكرار المعنى ونبو (العرض) و (الطول) و (كبو الوهم) ولا (طيب الثرى الجعد)
3) معارضة الشهاب العزازي:
وقد عارض الشاعر الشهاب العزازي قصيدة بانت سعاد بقصيدة مطلعها:
وجيش صبري مهزوم ومغلول



دمي بأطلال ذات الخال مطلول



بدأ الشهاب العزازي قصيدته بالغزل وحاول أن يعطي المعاني المادية التي أعطاها كعب في قصيدته ولكنه أفاض وفصّل على الخلاف من كعب الذي أوجز وأثر والتفت إلى الخصائص الجسدية لمحبوبته ولم يلتفت إلى النواحي المعنوية والأخلاقية كما فعل كعب. فهو لكي يقلد البيت الثاني من قصيدة كعب ويعطي معنى الشطر الثاني منه استعان بثلاثة أبيات تقليدية لم تستطع الوصول إلى الإبداع الفني الذي وصله كعب. يقول الشهاب العزازي:
صبر يدافع عنه وهو مخذول



ومن يلاق العيون الفاتكات بلا


القوام لدن مهز العطف مجدول



وبي أغن غضيض الطرف معتدل




يصح إلاّ غرامي فهو منحول



وكلما عرضت أجفان مقلته



ومن يتأمل الأبيات يجد أن تشبث الشاعر بالخصائص المادية والمحسنات البديعية قد أفسد الصورة وحرم الشاعر الإبداع.
ومثلما أفسد الشاعر معنى البيت الثاني في قصيدة كعب أفسد البيت الثالث أيضاً حيث قال:
وعاسل منه يصيبني ومعسول



سلافة منه تسبيني وسالفة


يا برق أم كيف لي منهن تقبيل



يا برق كيف الثنايا الغر من إضم



ومن يوازن بين هذين البيتين والبيت الثالث من قصيدة كعب يدرك الفرق الشاسع بين الشاعر والناظم، لقد أفسد على الشاعر في بيتيه المحسنات البديعية في البيت الأول بين سلافة وسالفه وبين عاسل ومعسول. ولم يغنه التكرار في البيت الثاني شيئاً، ولم يحقق له الإيقاع النغمي والتأكيد المرجو من التكرار.
وهكذا في بقية الأبيات الغزلية. وعندما انتقل إلى الرحلة لم يتمكن من تقديم لوحة فنية بل قدم صورة جامدة مستعارة من الشعر الجاهلي محرومة من الإبداع الفني والجمال الشعري بدأها بقوله:
عوجوا وشرقيّ بانات اللوى قيلوا



وياحداة المطايا دون ذي سلم



أما مديحه للرسول (ص) فهو مديح على نمط شعر المديح عند المتأخرين، فهو يجهد نفسه للوصول إلى معنى بيت كعب الرائع:
مهند من سيوف الله مسلول



إن الرسول لسيف يستضاء به



ولكن دون جدوى حيث يقول:
وذلك السيف حتى الحشر مسلول



سلّ الإله به سيفاً لملته



فأين تلك الأصالة من هذا التقليد وأين ذلك الإبداع من هذا النظم! وحاول أن يبين أثر القرآن وتنزيله على الرسول في إضفاء الخلق والنبالة عليه(ص) فوق خلقه ونبالته ويقلد في ذلك بيت كعب الشهير ولكن بأسلوب تقريري واعظ:
وخير من جاءه بالوحي جبريل



أوفى النبيين برهاناً ومعجزة



ويمضي الشاعر في مدح الرسول بنفس الأسلوب من التقريرية والوعظية لينتقل بعد ذلك إلى مديح بني هاشم مقلداً مدح كعب للمهاجرين وفي الأسلوب التقريري ذاته:
لها السيوف بيوت والقناغيل



نمته من هاشم أسد ضراغمة


المغاوير والصيد البهاليل



إذا تفاخر أرباب العلى فهم الغُز


به افتخار وترجيح وتفضيل



لهم على العرب العرباء قاطبة



ولا أظننا بحاجة إلى المزيد من هذا النظم.
4)معارضة أبي حيان الأندلسي:
عارض أبو حيان الأندلسي قصيدة بانت سعادة بقصيدة تقع في ثلاثة وثمانين بيتاً مطلعها:
العقل مختبل والقلب متبول



لا تعذلاه فما ذو الحب معذول



وقد قسمها إلى ثلاثة أقسام: الغزل ويقع في ثلاثة عشر بيتاً على عدد أبيات الغزل عند كعب بن زهير. تحدث فيها عن السمات المادية والمعنوية لمحبوبته وهو لم يخرج في غزله عن الأسلوب التقليدي الذي شاع في فترته. وقد حاول الشاعر تقليد كعب في بعض الصور والمعاني والألفاظ ولكنه لم يستطع بلوغ الشأو الذي بلغه كعب.
فإذا ما حاول تقليد البيت الثاني أورده بهذا الشكل:
والخصر مختطف والمتن مجدول



والطرف ذو غنج والعرف ذو أرج



وعلى الرغم من الإيقاع الجميل للبيت و (غنج الطرف) وهي صورة موحية إلاّ أن البيت لا يبلغ العمق الذي توصل إليه كعب (إلاّ أغن غضيض الطرف مكحول) فأين في التأثير في النفس غض الطرف الذي يوحي بالحياء والفتنة معاً من غنج الطرف الذي يدل على أَن صاحبة الطرف فتاة لعوب غاوية.
وأعجب أبو حيان الأندلسي بالبيت الثالث كما أعجب به كل من عارض قصيدة بانت سعاد فحاول أن يعطي ذات المعنى فعمم ولم يفصّل كما فعل كعب وأعطى صفة للريق حلوة المذاق ولكنها ليست باعثة على النشوة:
والثغر جوهرة والريق معسول



فالنحر مرمرة. والنشر عنبرة



إن إعجابه بكلمة (معلول) في بيت كعب الثالث دفعه إلى استعارة الشطر الثاني برمته لإعطاء صورة معكوسة للصورة التي قدمها كعب حيث قال:
فكلهم منهل بالموت معلول



تدير كأس شعوب من شعوبهم



وقد تفرد الشاعر عن معارضي بانت سعاد بوصف تقلب مشاعر حبيبته (لبنى) ومطلها وتسويفها في مواعيدها محاكياً بذلك المعنى الذي قدمه كعب في قصيدته ولكنه أفسد الصورة في ركضه وراء المحسنات البديعية ولا سيما كثرة الجناس فيها:
وموعد لك منها الدهر ممطول



لبانة لك من لبناك ما قضيت


على التنائي لتعذيب وتعليل



فعدِّ عن ذكر لبنى إن ذكركها



وإذا كان كعب قد استخدم تشبيه ثياب الغول الملونة للتدليل على تقلب أخلاق سعاد وتبدلها فإن إعجاب أبي حيان الأندلسي بهذا البيت دفعه إلى استخدام الغول في صورة أخرى حيث قال:
حتى لقد ذعرت في بيدها الغول



تطارد الوحش منه فيلق لجب



ولا تمت مواعظ أبي حيان الأندلسي والتي أخذت واحداً وخمسين بيتاً من قصيدته بأية صلة إلى قصيدة كعب، فقد حدثنا أبو حيان الأندلسي عن الجهاد في سبيل الله وعن الحج. ومع بدء حديثه عن القرآن الكريم بدأ مدحه للرسول (ص) ولآل بيته وخلفائه وقد أخذ هذا المديح تسعة عشر بيتاً من القصيدة، تحدث فيها عن معجزات الرسول وسمو أخلاقه ومفاخر صحبه وعظمة الإسلام.
وإن جاءت قصيدة أبي حيان الأندلسي أفضل القصائد التي عارضت بانت سعاد فإنها لم تبلغ المكانة التي بلغتها قصيدة كعب ولعل لروح العصر وتغير الأحوال الأثر الأكبر في هذا التباين.
3) معارضة ابن نباته المصري:
وقد عارض ابن نباته المصري قصيدة بانت سعاد بقصيدة طويلة تقع في تسعة وسبعين بيتاً خص منها أربعة وعشرين بيتاً للغزل وخمسة وخمسين بيتاً في مديح الرسول (ص). يقول في مطلعها:
هذا وكم بيننا من ربعكم ميل



ما الطرف بعدكم بالنوم مكحول



يبدأ الحديث عن ألم الفراق وما أصابه من سهد وانشغال بال بسبب هجر المحبوب ويأتي بصورة جميلة يصور فيها سهده وانشغاله وألمه لفراق المحبوب:
والنيران بأفقيه قناديل



كأنما الأفق محراب عكفت به



ويحاول الشاعر أن يستعير الصور والألفاظ والتشابيه من قصيدة كعب فيصور دمعه المنساب وجداً كأنه الماء المنساب من الغرابيل ويأتي بالشطر الثاني كاملاً من قصيدة بانت سعاد:
إلاّ كما يمسك الماء الغرابيل



ما يمسك الهدب دمعي حين أذكركم



ومثل هذه الاستعارة لشطر كامل من قصيدة كعب يحققه الشاعر في مجرى حديثه عن (سعاد) وتعلاتها ومماطلتها له حيث يقول:
وما مواعيدها إلاّ الأباطيل



بانت زخارفها بالصبر واعدة



ويمضي الشاعر مع ذكريات الصبا ويعرج في حديثه عن الحاضر والشيب الذي ألم بلمته فيستعين بتشبيه ورد في قصيدة كعب وفي مكان مخالف لما استعمله هو فيه ويدلل ذلك على إعجاب الشاعر وافتتانه ببيت كعب وهو من الأبيات المشهورة في الأدب العربي. حيث يقول:
سيف المشيب برأسي وهو مسلول



لو كنت أرتاع من عذل لروعني



ويستعير ابن نباته اسم (سعاد) لمحبوبته تيمناً بقصيدة كعب ويأتي ببيت يظهر فيه براعته الشعرية وهو من أجمل أبيات القصيدة:
يا من رأى قاتلاً يبكيه مقتول



أبكي اشتياقاً إليها وهي قاتلتي



ويمضي الشاعر في وصف محاسن وجهها فإذا ما تحدث عن فمها واشنبها استعار الصورة التي أوردها كعب وأخذ الشطر الثاني برمته لشدة إعجابه به:
في ذكره لمجاج النحل تعسيل




تفتر عن شنب حلو لذائقه


لأنه منهل بالراح معلول



مصحح النقل عن شهد وعن برد



وبعد أن ينتهي الشاعر من الغزل ينتقل إلى مديح الرسول (ص) ويبدأ بشوقه إليه وطلب الشفاعة منه. ويستعين بشطر كامل من قصيدة كعب حيث يقول:
من الرسول بإذن الله تنويل



إن لم أنل عملاً أرجو النجاة فلي



ويحاول ابن نباته أن يبين أثر القرآن الكريم وتنزيله على الرسول (ص) وما حققه للرسول (ص) وللإسلام من علو الكعب ورفيع الشأن وعظيم المنزلة فأعطى صورة شبيهة لتلك التي أعطاها كعب في قصيدته، قال:
من بعد ما مدحت حم تنزيل



ماذا عسى الشعراء اليوم مادحه



وسرد الشاعر عظمة المسلمين ومواقف المهاجرين والأنصار بأبيات جميلة تداني في جمالها وروعتها أبيات كعب في مدح المهاجرين واستعار منه بعض الألفاظ ولكنه، ابتكر صوراً جديدة وجميلة ومعبرة، حيث قال:
ومالهم عن حياض الموت تهليل



يطيب في الليل تسبيح لسامرهم


كأن رايات أيديهم مناديل



قوم إذا رقصت فرسانهم طرباً


سمر وبيض فمنقوط ومشكول



الكاتبون من الأجسام ما اعتبرت


يجنى فيا حبذا الغرّ البهاليل



حيث الحمام شهيّ وهو من صبر



ويعود الشاعر مرة ثانية إلى صورة (السيف المسلول) فيستعير الشطر بكامله من قصيدة كعب في مدحه للرسول وتشبهه به. فيقول:
مهند من سيوف الله مسلول



حتى أتى عربي يستضاء به



وكأن الشاعر لشدة إعجابه ببيت كعب أورده برمته دون تغيير إعجاباً وتقديساً له.
ويعود الشاعر إلى التأكيد على قصيدة كعب وأهميتها وشهرتها وكأنه لم يكتف بمعارضتها وكأنه يطلب إلى القارئ ألاّ يضع قصيدته موضع قصيدة كعب لأنها أقل منها شأناً من حيث الشاعرية والإبداع الفني والمعاني والصور، وإن جاءت في رأينا أفضل القصائد التي عارضت قصيدة كعب فيقول:
دار النعيم فلي في الباب تطفيل



إن كان كعب بما قد قال ضيفك في


ربيعها بغمام القرب مطلول



وابن كابن زهير لي شذا كلم


يسمو بنبت له بالشبه تعليل



وإن سمى بزهير صيغه فعسى


بانت سعاد فقلبي اليوم متبول



بانت معاذير عجزي عن نداك وعن



وانتهى ابن نباته بقصيدته إلى التوجه إلى الرسول (ص) طالباً شفاعته في الدنيا والآخرة متخذاً أسلوب التخاطب المباشر آملاً في المغفرة والرحمة في الدارين.
موازنات بانت سعاد:

وازن كل من ابن الساعاتي والبوصيري قصيدة بانت سعاد نتيجة لإعجابهما بها.
والموازنة: أن يلجأ الشاعر إلى قصيدة فينظم في وزنها وقافيتها ورويها وبعض معانيهابغية الإتيان بقصيدة أفضل منها تتفوق عليها وتتجاوزها أو تكون بمستواها على الأقل. والمعارضة أشمل من الموازنة وأوسع فقد يجري على منوالها في الأغراض والموضوعات وفي بعض التراكيب والألفاظ. وقد يستعير منها أشطراً يضمها إلى قصيدته كما فعل ابن نباتة مثلاً في معارضته لقصيدة بانت سعاد .
موازنة ابن الساعاتي لقصيدة بانت سعاد.

لقد مدح ابن الساعاتي الرسول (ص) ووازن بها بانت سعاد في قصيدته التي مطلعها:
وذو الصبابة معذور ومعذول



جدّ الغرام وزاد القال والقيل



وتقع القصيدة في أربعة وسبعين بيتاً، ابتدأها بالغزل الذي استغرق خمسة وعشرين بيتاً من القصيدة، ووصل الغزل بالمديح ببيتين وصف فيهما عناء الرحلة والسفر وخص مدح الرسول وصحبه بسبعة وأربعين بيتاً.
فإذا ما وقفنا عند غزله لا نجد شبهاً كبيراً في المعاني ولا اشتراكاً في الصور كما لاحظنا في المعارضات، فهو يتحدث عن حبيبته الحسناء التي أسماها بدمية الحي ويؤكد أن حبه لها عذري ويشكو ألم بعدها وفراقها ويبكي الطلول بصيغ تظهر فيها روح العصر والمحسنات البديعية كقوله:
دمع على تلكم الأطلال مطلول



ظللت في الدار أبكيها ويضحكها



ويصفها وصفاً مادياً ويشبه غنجها وتمايلها بمن شرب الخمرة حتى الثمالة:
كأنما هو بالصهباء مشمول



لدن المعاطف لا تصحو شمائله



وعندما ينتقل إلى وصف الفم والريق يشبه مذاقهما بطعم العسل:
فآفتي عاسل منه ومعسول



وسنان أشقى بعطفيه وريقته



ويصور يوم الفراق واللوعة والأسى اللتين شملتاه مستخدماً لفظتي السيف المسلول ولكن في استعمال مختلف وبصورة مختلفة متأثرة بشعراء عصره:
بكل خال به في الحي مشغول



قالوا بكيت دماً والعيس سائرة


لا غرو للسيف يدمى وهو مسلول



والومض يغمض في جفني صارمه


وكيف أمضي وحد الصبر مغلول



وقفت والدمع جار يوم بينهم



فإذا ما بعد عنه المحبوب وارتحل سكن الكون من حوله وكأنما لحظة الحياة قد توقفت. ولم يأت الشاعر بعد ذلك بصور جديدة فكلما قاله قد استنفد من قبل الشعراء من قبله. ثم يدرك أن اليأس لا يتفق والحياة ما دام الأمل بالرسول (ص) كبيراً فيبدأ مدحه له وهو الغرض الأساس في القصيدة:
ومنطقي ورسول الله مأمول



وكيف أخمل في دنيا وآخرة



ويمضي في مدح الرسول على نمط المدائح النبوية ويؤكد عظم رسالته بنزول الوحي عليه وتنزيل القرآن الكريم بصيغة تختلف عما أوردها كعب ومعارضوه:
ولم يكن لكلام الله ترتيل



مرتل الوحي يتلوه ويدرسه



ويمضي في الحديث عن الدين الإسلامي وكيف ظهر وترعرع وعن كتاب الوحي وما لاقاه الرسول (ص) وصحبه من ظلم الكافرين وعنتهم ويعطف في الحديث عن واقعة بدر وعن قتال المسلمين ضد الكفار. ويعطي صورة جميلة لقتال المسلمين من أجل الدعوة الإسلامية ونشرها والقضاء على الكفار:
والآل والصحب أنجاد مفاضيل



فالنفس والبيت أشباه مطهرة


من طينة الحسن والإيمان مجبول



من كل أزهر والألوان حائلة


فرمحه قاتل للقرن مقتول



يردي الكمي ويردي رمحه قصداً



ويشبه الشاعر الرسول بالليث ويصف أسلحة المسلمين ودروعهم بصيغ مختلفة عما لمسناه في قصيدة كعب:
الكبد فالجيش مكفوف ومشلول



ليث إذا جرمن ذيل الحديد لغير


مجدل من أعاديه ومجدول



إن صال أو قال أودى في مواقفه


بالمشرفية والبيض المقاويل



السادة القادة الحامون دينهم



ويصور إيمانهم وتفانيهم في الجهاد في سبيل الله:
يوماً وإن قضاء الله مفعول



العالمون بأن النفس هالكة


ولا كجيلهم في فضله جيل



فما كواحدهم في فضله أحد



وينهي قصيدته بالرجاء لنوال الأجر:
في يوم حبهم أجر وتنويل



وإنني لأرجي أجر حبهم



موازنة البوصيري:

وازن البوصيري قصيدة بانت سعاد في قصيدته المسماة (ذخر المعاد في وزن بانت سعاد)والتي مطلعها:
وأنت عن كل ما قدمت مسؤول



إلى متى أنت باللذات مشغول



وتقع في أربعة ومئتي بيتٍ. خص منها ثلاثة وعشرين بيتاً للحكمة وهي التي بدأ بها قصيدته. وجعل واحداً وثمانين ومائة بيتاً لمديح الرسول وآله وصحبه.
وتعد من أفضل ما قيل في المدائح النبوية، وأفضل القصائد المعارضة والموازنة لقصيدة بانت سعاد لكعب بن زهير. وقد تمتاز عنها بإيمان عميق وعقيدة راسخة ومعرفة تامة بالدين الإسلامي وتعلق كبير وحب شديد للرسول (ص) فانبعثت قصيدته عن عاطفة صادقة وتجربة شعورية مكتملة فظهرت بمظهر قشيب وإيقاع متناغم جميل وموعظة حسنة وتفصيل أخاذ لكل ما يتعلق بالرسول الكريم (ص) من حيث الخصال والفعال. والعقيدة والإرادة، والحكم والتوجيه، والنبوة ونشر الإسلام.
فهي بحق درة من درر الشعر العربي لما احتوته من أصالة وقوة وتأثير. على الرغم من أن الشاعر يتواضع في عرضها ويؤكد في أبيات قدمها في أواخر قصيدته على أنها لا توازي قصيدة كعب، ويؤكد أيضاً أن حبه للرسول (ص) وإعجابه بالقصيدة دفعاه إلى تقديم قصيدة في وزنها ومن دون تقليد لها أو نسج على منوالها، وهو في قوله محق كل الحق ولكن إذا امتلكت قصيدة بانت سعاد قدراً من الفنية والإبداع والصدق الشعوري في طلب العفو والاعتذار من الرسول (ص) فإن قصيدة البوصيري لا ينقصها الإبداع ويوشيها تجربة شعورية صادقة وحب مخلص جارف للرسول (ص). وقد تفتقد قصيدة بانت سعاد مثل هذا الحب الجارف والإخلاص العارم والمعرفة الواسعة بالإسلام وشرائعه والرسول الكريم (ص) ومثله. يقول البوصيري متواضعاً وهو يتعرض إلى قصيدة كعب:
وغير مدحك مغصوب ومنحول



لم أنتحلها ولم أغصب معانيها


فربما وازن الدر المثاقيل



وما على قول كعب أن توازنه


عن منطق العرب العرباء معدول



وهل تعاد له حسناً ومنطقها


فحبذا ناضل منا ومنضول



وحيث كنا معاً نرمي إلى غرض


على طريق نجاح منك مدلول



إن أقف آثاره إني الغداة بها


لولا ذمامك أضحى وهو مطلول



لما غفرت له ذنباً وصنتَ دماً


له من النفس إملاء وتسويل



رجوت غفران ذنب موجب تلفي


بعد الإله وحسبي منك تأميل



وليس غيرك لي مولى أومله


غير اللقاء ولا يشفيه تعليل



ولي فؤاد محب ليس يقنعه



لا نجد في قصيدة البوصيري أي بيت في الغزل، فقد بدأ قصيدته
بالحكمة واستغرقت ثلاثاً وعشرين بيتاً بينما لم يرد كعب في قصيدته غير بيتين في الحكمة فقط، ونجد في بعض أبيات البوصيري الحكمية معنى بيتي كعب الدائرين حول الموت وتفاهة الحياة ولكن بصورة مختلفة كل الاختلاف. يقول البوصيري:
مجرد بيد الآمال مسلول



فجرد العزم إن الموت صارمه


وأنت عنها وإن عمرت منقول



ورحت تعمر داراً لا بقاء لها



وفي حكميات البوصيري تذكرة بالفناء والأمم البائدة والعقائد القديمة ويربط بين الموت والشيب وتقدم الحياة في الإنسان إلى دار الفناء. فإذا ما انتقل إلى مديح الرسول (ص) وآله وصحبه، تغنى بأخلاق الرسول (ص) العالية وتحدث عن النبوة وتنبؤ الديانات الأخرى بها، وتحدث عن جبريل ونزول القرآن ومعجزات الرسول وحسن قيادته وحكمته وكيد اليهود له وللإسلام. ومضى في الحديث عن فعال الرسول وأعماله العظيمة وتحدث بإسهاب عن الغزوات والانتصار الذي حققه فيها المسلمون بفضل الإيمان وحسن العقيدة والقيادة الحصيفة للرسول (ص) ثم ينتقل الشاعر إلى مدح أهل البيت وأصحاب الرسول (ص) وينتهي إلى طلب الشفاعة والرحمة في الآخرة، ويتواضع وهو يقارن قصيدته بقصيدة كعب وينهى البوصيري قصيدته الرائعة بقوله:
من المهيمن إبلاغ وتوصيل



دامت عليك صلاة الله يكفلها


من الكواكب قنديل فقنديل



ما لاح ضوء صباح فاستسر به



ومن بين الصفات العديدة المادية والمعنوية التي يذكرها البوصيري للرسول (ص) يقف عند المهابة والوقار اللذين تحلى بهما الرسول الكريم (ص)، وإن جاء بنفس المعنى الذي أورده كعب إلا أن الصورة اختلفت تماماً عند الشاعرين فالمهابة التي ذكرها كعب هي مهابة حاكم قوي ينظر إليها الشاعر من الخارج، أما المهابة التي ذكرها البوصيري فهي مهابة نبي اختاره الله لقيادة أمة ونشر تعاليم السماء في الأرض، ونظرها من الداخل والخارج معاً فجاءت أقوى أثراً وأشد منعة: يقول البوصيري:
فلم يفته على الحالين تكميل



من كمل الله معناه وصورته


في أنفس الخلق تعظيم وتبجيل



وخصه بوقار قرّ منه له


به وللفخر تعجيل وتأجيل



فللنبؤة إتمام ومبتدأ



وإذا كان كعب قد ذكر التنزيل والقرآن على أنهما زادا من أخلاق الرسول كرماً على كرمه وسماحة على سماحته، فإن رؤية البوصيري المتفهم للإسلام وشرائعه يرى في نزول القرآن ملاذاً وحكمة وخلاصاً للبشرية بأسرها لما يحويه من الشرائع السامية والمثل الحميدة والخصائص العالية حيث يقول:
كفاك من محكم القرآن تنزيل



إن رمت أكبر آيات وأكملها


منه وكم أعجز الألباب تأويل



لله كم أفحمت أفهامنا حكم


إلى المساميع ترتيب وترتيل



يهدي إلى كل رشد حين ببعثه



وإذا قدم كعب قصيدته إلى الرسول (ص) يطلب الرحمة والعفو والأمان فإن البوصيري يسأله الشفاعة له في الآخرة والمغفرة له عما ارتكب في الحياة الدنيا من ذنوب لأنه موقن بأن محمداً (ص) ما أرسله الله إلاّ فضلاً وبركة إلى العالمين:
للعالمين وفصْل الله مبذول



وما محمد إلا رحمة بعثت


واشتد للحشر تخويف وتهويل



هو الشفيع إذا كان المعاد غداً



وإذا كان كعب قد تطرق في قصيدته إلى مواقف المهاجرين وتضحيتهم بأنفسهم في سبيل الإسلام وصور شجاعتهم وسمو أخلاقهم أبدع تصوير، فقد صور البوصيري هذه التضحية وتلك الشجاعة بالنسبة للمسلمين كافة مهاجرين وأنصاراً أبدع تصوير حيث قال:
غير السيوف بأيديهم مناديل



والخيل ترقص زهواً بالكماة وما


البيض البهاتير والسمر العطابيل



ولا مهور سوى الأرواح تقبلها


مفصلاً وهو مكفوف ومشلول



فلو ترى كل عضو من كماتهم


بالطعن والضرب منقوط ومشكول



كأحرف شكلت خطاً فأكثرها



وكما صور كعب أعداء الرسول (ص) والكافرين في موقف الخسران والخذلان والحطة، أمعن البوصيري في تعميق تلك الصورة إذ قال:
بيضاً من الله تنكيد وتنكيل



وردّ أوجههم سوداً وأعينهم


كأنما كلها بالشوك مسمول



سالت وساءت عيون منهم مثلاً


طغا الذباب عليه وهو ممقول



أبغض بها مقلاً قد أشبهت لبناً



وإذا تشابهت المعاني مع اختلاف الصور في بعض الأبيات بين قصيدتي كعب والبوصيري فإن البوصيري قد استعار بعض الألفاظ من قصيدة كعب واستعملها استعمالاً مخالفاً أحياناً واستعمالاً مشابهاً في أحايين قليلة من قصيدته.
فقد استعمل جملة (بالراح معلول) ولكن بصورة مخالفة تماماً لاستعمال كعب لها حيث قال:
كأنه مبسم بالراح معلول



وكل جرح بجسم يستهل دماً



واستعار في بيت آخر شطراً كاملاً من قصيدة كعب حيث قال:
إلاّ كما يمسك الماء الغرابيل



لا تمسك الدمع من حزن عيونهم



وكأن البوصيري أعجب باستخدام كلمة (القيل) في قصيدة كعب فاستعملها استعمالاً مخالفاً تماماً ولم يوردها مجرد تشبيه كما فعل كعب في قصيدته وإنما أوردها بأسلوب قصصي حكى فيه غزو أبرهة للكعبة الشريفة:
كأنها البيت لما جاءها الفيل



وانظر سماء غدت مملوءة حرساً



ولعلنا نلمس تأثير قصيدة البوصيري في قصيدة تلميذه أبي حيان الأندلسي حتى كاد الأمر يصل في بعض أبيات الأندلسي إلى حد التقليد لأبيات من قصيدة البوصيري. إن قصيدة عظيمة كقصيدة بانت سعاد تستحق كل هذا الاهتمام من الشعراء فهي بالإضافة إلى قيمتها الدينية والتاريخية عمل إبداعي خالد.
المصادر

(1) الأغاني. أبو الفرج الأصفهاني، تحقيق عبد الكريم إبراهيم الغرباوي، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر 1970.
(2) جمهرة أشعار العرب، أبو زيد القرشي، القاهرة، 1967.
(3) حديث الأربعاء، طه حسين، دار المعارف، القاهرة، 1973.
(4) دائرة المعارف الإسلامية، مجموعة من العلماء، القاهرة، 1932.
(5) ديوان ابن الساعاتي، تحقيق أنيس المقدسي. م. الأميركانية، بيروت، 1938.
(6) ديوان ابن نباتة المصري، نشر محمد القلقيلي، م. التمدن، القاهرة، 1905.
(7) ديوان أبي حيان الأندلسي، تحقيق أحمد مطلوب وخديجة الحديثي، م. العاني، بغداد، 1969.
(8) ديوان البوصيري، تحقيق محمد سيد كيلاني. م. مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، 1955.
(9) السيرة النبوية إسماعيل ابن كثير، تحقيق مصطفى عبد الواحد، م. الحلبي. القاهرة، 1964.
(10) شرح بانت سعاد، رشيد عبد الرحمن العبيدي، مجلة كلية الآداب، العدد 18، 1974.
(11) شرح ديوان زهير، صنعه أبو العباس ثعلب، الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة، 1964.
(12) شرح ديوان كعب بن زهير، الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة، 1965.
(13) شرح قصيدة بانت سعاد، إبراهيم الباجوري. دار الأحياء، القاهرة، 1345هـ.
(14) شعر أوس بن حجر ورواته الجاهليين، محمود عبد الله الجادر، دار الرسالة، بغداد، 1979.
(15) فن المديح، أحمد أبو حاقة، دار الشرق الجديد، بيروت، 1962.
(16) فوات الوفيات، محمد بن شاكر الكتبي، دار صادر، بيروت، 1973.
(17) في الأدب الجاهلي، طه حسين، دار المعارف، القاهرة، 1962.
(18) قصيدة بانت سعاد بين التاريخ والنقد، يونس أحمد السامرائي، مجلة الدراسات الإسلامية، العدد الثاني 1968.
(19) الكامل في اللغة والأدب. أبو العباس المبرد، م. نهضة مصر، القاهرة، بلا.
(20) لسان العرب، ابن منظور، الدار المصرية للتأليف والترجمة، القاهرة، بلا.
(21) مختارات من روائع الأدب في الجاهلية والإسلام، عبد السلام سرحان، م. الفجالة الجديدة، القاهرة 1969.
(22) معارضات البارودي موازنة نقدية، عمر محمد الطالب، مجلة آداب الرافدين، العدد 11، 1979.
(23) معجم الأدباء، شهاب الدين ياقوت الحموي، م. الهندية، القاهرة، 1928.
الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري، الآمدي، دار المعارف، القاهرة، 1972.

منقووووووووووووووول

nesro alger
2013-03-25, 12:32
جزاك الله خيرا يا اخت العرب كفيت و وفيت ولكن التحليل الاسلوبي قصير فقصيدة كعب بن زهير تحمل دلالات كثيرة منها استخدام البحر الفلاني له دلالة و التكرار له دلالة و حروف الهمس لها دلاله و ارجو منك ان تساعديني على تحليل القصيدة تحليلا اسلوبيا على المستوى الموسيقي ...و هلم جر:dj_17::sdf::1::mh92:

حنان العنابية
2013-04-03, 08:33
عاونيني تعيشي في اقرب وقت مدكرة صور المراة في قصة الف ليلة وليلة والتطبيق يكون على قصة نورالدين مع مريم الزنارية

**د لا ل**
2013-04-04, 19:54
عاونيني تعيشي في اقرب وقت مدكرة صور المراة في قصة الف ليلة وليلة والتطبيق يكون على قصة نورالدين مع مريم الزنارية

سأحاول مساعدتكِ بما استطيع

**د لا ل**
2013-04-04, 19:56
- صورة الزوجة الخيّرة

تبدأ ليالي ألف ليلة وليلة بقصّة الملك الذي ساءته خيانة زوجته ثم تعزّى حينما رأى زوجة أخيه تخون زوجها أكبر من خيانة زوجته له، وفي حكاية العفريت الذي حمل على رأسه امرأة عقلها داخل صندوق مغلق، تلك المرأة التي خانته خمسمائة وسبعين (33) مرة. ولكنّها سرعان ما تنقل لنا طوال ألف ليلة على مدار ثلاث سنوات قصّة الزوجة الخيّرة شهرزاد التي تبذل كلّ جهدها، وتهذّب نار الثّأر في داخله، وتعيده إلى جادّة الطريق، مع أنّها كانت تستطيع أن تقتله ليلة زفافها مثلاً وهو نائم، فهي نعم الزوجة المخلصة الصابرة.
وتظهر صورة الزوجة الخيّرة في قصص كثيرة في الليالي، فهذه الملكة (بدور)(34) التي تخفي أمر اختفاء زوجها الملك قمر الزمان، وتلبس ثيابه أمام حاشيته وتسوس الرعيّة.

والصورة المثلى للإخلاص تضربها نعم وياسمين وتودد وزمرد ومريم الزنارية وزوجة التاجر المصرية وزوجة معروف الثانية. ويضرب المثل بإخلاص الزوجات اللائي كنّ في الأصل جواري يبعن في الأواق، وتشهد قصص على مواقفهن التي لا تشابهها مواقف.

ونلاحظ أنّ المرأة الذكية الفطنة تحتال على أقوى الرجال الذين يراودونها عن نفسها منتصرة لشرفها وعفّتها مثلما تفعل زوجة أحد الوزراء مع الملك الذي جاءها في غياب زوجها، فترحب به ترحيباً شديداً، وتغطّيه ولا يكون هذا الكتاب إلاّ كتاب مواعظ وأدب، وهي تعدّ له أطعمه في تسعين صحناً أنواعها مختلفة وطعمها واحد، وحينما يسألها الملك عن ذلك تقول: "أصلح الله حال مولانا الملك فإنّ في قصرك تسعين محظية مختلفات الألوان وطعمهنّ واحد، فلما سمع الملك هذا الكلام خجل منها، وقام من وقته، وخرج من المنزل، ولم يتعرض لها بسوء".

7- صورة الأخت

تعرض الليالي لصورتين بارزتين للأخت في ألف ليلة وليلة

أ- صورة الأخت الشريرة: تظهر الأخت الشريرة في الليالي إمّا بصورة الحاسدة الغيورة أو قد يكون الشّر من الأخت الكبرى التي تسوق الصغرى إلى المنكر، وتدفعها إلى ارتكاب الخطيئة، فالأختان الشريرتان تدفعان بأختهما الصغيرة الطيّبة إلى المهالك.

فلا تتوانى الأخت الكبرى السيئة الخلق عن قتل أختها الصغرى الطاهرة عندما تلاحظ إعجاب خليلها بها؛ فالغيرة تجري في عروق المرأة، وتأكل قلبها، وتدفعها إلى أن ترتكب أبشع الجرائم، وهو قتل شقيقتها بالسكين، ويبدو أنّها ما أحضرت أختها إلا لتختبر الرجل، وتعرف مدى إخلاصه لها.

ب- صورة الأخت الطيّبة: الأخت الطيّبة قد تكون أختاً شقيقة وغير شقيقة وهي إمّا إنسيّة أو جنّية، والأخت الطيّبة تواجه أخوة أشراراً من أبيها على الرغم من عطفها عليهم وبرّها بهم إلاّ أنّهم يوقعون بها الضرر، ويضمرون لها الشّر.

والأخت الطيّبة تطيع أخاها، وتوافق على الخروج معه لزيارة بيت الله الحرام وكذلك بيت المقدس، وتخدمه عندما يمرض في الطريق، وتبذل الكثير في البحث عنه عندما تضيع عنه في الطريق مثل نزهة الزمان التي ضاعت عن أخيها شركان ابن الملك عمر النعمان(35).

والأخت حين يرحل أخوها تاركاً البلاد للتجارة، ولا يعود على الخروج مع أمّها للبحث عنه، تتعرضان للذل والهوان وأخيراً تعثران عليه، ويسعدان معه على غرار معظم نهايات الليالي.

8- صورة الأم

تقول قمر الكيلاني: إنّ صورة المرأة الأم قليلاً ما ترد في ألف ليلة وليلة كأنّ النساء فيه مقطوعات عن أمّهاتهن، ولعلّ السّبب قي ذلك أنّ أكثرهنّ من الجواري أمّا أم الرجل (أو الحماة) فهي إن برزت فمن أجل تنكيد العيش على زوجة ابنها أو جاريته أو من يحبها (36). ويبرز نموذج الأم على صورتين:

أ- صورة الأم الشريرة: غالباً ما تكون الأم ذات قلب رحيم، ولا يهمها إلاّ الصالح العام لأبنائها، وتسعى إلى راحتهم والليالي تصوّر الأم في كثير من حكايتها هذه الصورة، لكن هناك حكاية واحدة تصوّر الأم، وقد انقلبت شرّاً على ابنها، وتحكّمت فيها الغريزة الجنسيّة تحكّماً أنساها غريزة الأمومة، وتمثّل ذلك في أم الأمجد وأم الأسعد. فالملكة بدور تتزوج من قمر الزمان بعد قصة حب طويلة وتسمح له بأن يتزوّج بالملكة (حياة النفوس) (37). ولكن تنحرف الملكتان عندما تحب كلّ واحدة ابن ضرّتها، وتسعى إلى وصاله على الرغم من رفض الولدين. وتخبر كلّ واحدة زوجها بأنّ ابن ضرّتها راودها عن نفسها، فيشتدّ غيظ الابن، ويأمر بقتل ولديه العزيزين، وهكذا تتسبّب الأم في قتل ابنها بعد أن حملت وتعبت وربّت.

وهنالك نماذج من الأم تغار واحدتهنّ من ابنتها، فتلغي شخصيّتها أو تتآمر لينفك نفيها من عالم الحبّ لا سيما إذا أصبحت شابة جميلة بينما الأم تميل شمسها إلى الغياب.

ب- صورة الأم الطيّبة: الأم دائماً مصدر الدفء، وهي تحرص على أبنائها، وتقف بجوارهم في الأزمات، وتنصح لهم وقت الشّدة، تتخيّر لهم الطريق القويم، وتبدو هذه الصّور في حكايات عديدة. فالمرأة شديدة الحرص على تربية ابنها تربية حسنة حتى لو غاب أبوه وفقد وقطع الأمل في عودته. وقد يتمثل خير الأم لأبنائها في حرصها عليهم وإرشادهم لطريق الخير وتحذيرهم من الشر كما فعلت أم حسن البصري(38 )، التي كثيراً ما حذرته من المجوس، وكذلك أم جودر تلك التي تحب جودر المطيع الوفي وهي في الآن ذاته لا تكره أخويه القساة القلوب بل تساعدهم وتحبهم(39 ).

والأم الفقيرة الحال تضحي بما لديها من مال قليل في سبيل ولده، وهي تستمر في تحذيرها له من السفر، وحينما يصر الابن على الرحيل لا يكون منها إلا أن تدعو له، وتبارك خطواته، وطوال غيابه تبقى حزينة القلب باكية العين. والأم تعمل على تعليم الابنة فتقرئها القرآن الكريم، وتعلمها العادات الحسنة والمثل العليا. كما تقوم بفضّ أي خلاف قد يقع بين الأب وأبنائه، فهي مصدر الحب والدفء في الليالي.

9- صورة المرأة العالمة

تبدو لنا شهرزاد منذ اللحظة الأولى امرأة عالمة مثقفة، فهي عارفة بالشعر والأدب والتاريخ والدين والقصص والألغاز، وقد تكون هذه المعارف هي الرافد لها في صمودها أمام شهريار ألف ليلة. وكذلك الجواري في ألف ليلة وليلة لم يقتصر تعلمهن على الغناء والضرب على الآلات الموسيقية التي برعن فيها في ألف ليلة وليلة، بل وُجد منهن عالمات مثقفات بأنواع مختلفة من الثقافة وعلى رأسهن تودّد ( 40)، وتشابهها نزهة الزمان وكذلك الجواري اللائي تستعين بهن شواهي ذات الدواهي في خطتها.

فتودّد جارية تركها الأب لابنه في جملة ما ترك من مال، والابن يتلف جلّ ماله ولا بقي لديه إلا تلك الجارية وهي غاية في الذكاء والعلم والجمال والأدب. وحينما يسوء حال صاحبها ولا يبقى معه إلا هي تطلب منه أن يحملها إلى أمير المؤمنين هارون الرشيد، ويطلب ثمنها عشرة آلاف دينار وتقول له : إن إستغلاني فقل له: وصيفتي تساوي أكثر من ذلك فاختبرها، ويعرضها على هارون ويختبرها مع أعظم علماء قصره، فتتفوّق عليهم جميعاً، فيعجب الرشيد بها، ويطلب من الفتاة أن تتمنّى عليه بشيء ينفذه لها في الحال، فتتمنى أن يردها إلى سيدها، فيردّها بعد أن يعطيها خمسة آلاف دينار.

وهكذا تحملت الجارية العالمة في نفسها الوفاء لسيدها الذي لا يعرف قدرها ولا علمها، ولعل أباه كان يعلم بقيمة الجارية، ولذلك أوصاه عليها عند موته.

10- صورة المرأة المحاربة

يقول بعض النقاد إنّ صورة المرأة المحاربة مقحمة على أجواء الليالي، وأنّ صورتها محاطة بقليل من جوها الأجنبي، فكان خضوعها للواقع في التفاصيل أقل، إنّ حاول القاص أن يدخلها قسراً في دائرة الحياة الاجتماعية الإسلامية. لذلك نجد هؤلاء المحاربات إن كنّ آدميات، فهن نصارى يسلمن أو يلدن مسلم، وإن كن أجنبيات، فهن إمّا من الجن المؤمنة وإما بعيدات عن الحياة الدنيا بل عن حياة القصة نفسه، إذ يُذكرن عرضاً ولا يؤثرن في حوادثه، كما نجد من ذكر جزيرة واق الواق في قصة حسن البصري( 41) فتكون الجزيرة وجندها مجرد عقبة من سلسة عقبات تمرّ بحسن البصري في سبيل الوصول إلى زوجة.
وأما النّساء المحاربات من الجنّ، فهنّ لسن البطلات مطلق، بل أنّهن لا يحاربن أصل، فكلّ سلاحهن هو لباس من الريش يستطعن الطيران به حيث شئن، بل إن هؤلاء المحاربات لا يقمن بأي حرب، ولا يستعملن آلاتهن في القصة.

مثل ما نراه عند مريم الزنارية (42 ) التي تقاتل وتجندل الأبطال أمامها .

والمرأة المحاربة في الليالي جميلة جدا دائم، وقد يكون جمالها من أسلحتها في الحرب، إذ تكشف في آخر لحظة حرجة، فإذا جمالها يكسبها المعركة الأخيرة كما تفعل (الدنماء)(43 ) في قصة الجارية الثانية في اليوم السابع من مجموعة قصص الوزراء السبعة، وهي تحارب إظهاراً لمهارتها وتفوقها على الرجل؛ لأنّها أقسمت على أن لا تتزوج إلا من يقهرها في الميدان.

وفي الليالي أحيانا نجد أنّ الراوي في وصفه محاسن المرأة قد يعدد من محاسنها أنها تعلمت الحرب والنزال دون أن يكون لتعلمها هذا أيّ شأن أو أيّ دليل على القصة، وهو مجرد سرد لأوصافها.

11- صورة المرأة الجنية

تصوّر الليالي أيضاً صورا للمرأة، ولكنّها المرأة التي ليست من هذا العالم، بل الجنية التي يحبّها الآدمي، فيشقى في الوصول إليها، مثل صورة جلنار ( 44) في قصة الملك بدر باسم التي يتحكم على طائفة من الجن قوية، أو الجنية التي تحكم مدينة خيالية، يعبد أهلها الشمس أو النّار.

وهؤلاء الجنيات يمثلن آدميات أهل الأرض، فشمسه لها أخوتها اللاتي يحسدونها أو ينتقمن منها لحبها آدمياً، وجلنار تحادث أخاها صالحاً في أمر زواج ابنها، وتستعرض ملكات البحر في سبيل اختيار عروس، وكذلك الملكة لأب التي تشمخ الآدميين، وتستطيع أن تصبح طائراً متى أرادت.

وأمّا جلنار فهي تنزل البحر، وتسير في قاعة كما تسير على الأرض، وتكلّم أهله وتغضب، وتنتصر كما تفعل على الأرض تماماً. أكثر من هذا أن أسلوب الكلام واحد وطريقة التفكير واحدة فالمحبوبة جارية والأم عاقلة والشريرة متجبرة مفحشة.

13- صورة الجنية الغولة

تظهر في حكاية واحدة من حكايات الليالي، فهي تظهر للإنسان في صورة جارية تبكي على رأس الطريق، فتتعرّض لابن الملك الذي يترفّق بها، ويحملها معه، وهي تدّعي أنها ابنة ملك الهند، وقد ضلت الطريق، فيرق لها قلبه، ويحملها معه وفي الطريق تطلب منه النزول لقضاء حاجة، وإذا بها تنقلب غولة، والقاصّ لا يذكر إلا مواصفات عامه لمنظر الغولة، وهي تقول لأولادها: وقد أتيتكم بغلام سمين، ولكن ابن الملك يحتال عليها بجميله الذي أسداه إليها، ويدعو الله أن ينجيه منها، وما أن تسمع دعاءه حتى تنصرف في الحال ولا تلحق به أيّ ضرر. وهذه الحكاية –كما قلنا- هي الوحيدة من نوعها في الليالي، وإن كان هناك حديث عن الغيلان آكلة لحوم البشر وبلاد الغيلان.

ولقد كثر حديث العرب عن الغول، وأنفقوا على أنّها أنثى في الأغلب، وبعضهم يزعم أنّ الله تعالى قد ملك الجن والشياطين والغيلان التّحول قي أيّ صورة شاءوا إلا الغول، فإنّها تتحوّل في جميع صور المرأة ولباسها إلا رجليها فلا بد أن تكونا رجلي حمار.

14- صورة الابنة

تظهر الابنة في ألف ليلة وليلة في صورتين أ_ صورة الابنة الشريرة:- يظهر شر الابنة في حكايتين لا ثالث لهما الأولى من الابنة التي تقع في حبّ أخيه، والثانية التي تعشق القرد. فالابنة تقع في حب أخيها، ويشتد حبّ أخيها لها، ويطير بها هياما، ويقع بينهما القبيح على الرّغم من أنّ أباها حذرها ونهاها عن تلك الأعمال وحجبها عن أخيه، إلا أنّها توافق على ارتكاب المنكر معه، وتهرب معه إلى مقبرة تحت الأرض. ولكنّ القوة الإلهية لا تتركهما، فيحرقهما الله فحماً أسوداً.

أما ابنة أحد السلاطين، فهي تهوى عبداً، وتعشق بعد ذلك قرداً، وحين يصمم والدها على قتلها تصطحب القرد، وترحل به، وهي في رحيلها لا تحتار إلا صحراء مصر المشهورة بالاتساع.صورة الابنة الطيبة: تبدو الابنة في أغلب الأحيان مثالاً للحياء والطاعة معتدّة بنفسها قويّة الشخصيّة، ولعلّ كل زوجة مطيعة كانت في الأصل ابنة فيها تلك الصفات، ويبدو ذلك في حكايات عديدة.

والابنة العذراء المطيعة تحمل كثيراً من الحياء، وهي مستعدّة لأن تساعد أيّ إنسان يحتاج مساعدتها، فهي تقف دائماً في جانب الحقّ، ولا تفعل إلاّ للآخرين، وقد يتمثّل هذا الخير في الانتقام من الظالم وعقابه من جنس عمله كأن تسحره مثلاً كما سحر هو غيره من المظلومين. فالقاصّ يقدّس العذراء ويرسم صورة رائعة. كما تبدو ابنة الملك معتدّة بنفسها، ولها رأيها الخاص في الزواج، ذلك الرأي الذي يحترمه أبوها، ويقدّره وفي أحيان كثيرة يكون هذا الرأي هو رفضها للزواج رفضاً باتاً لسبب أو لآخر. ولكن سرعان ما تقع الابنة في الحبّ وتستسلم له وتلقي سلاحها ناسيةً كلّ شروطها متحلّلة من عقدها، بل قد تساعد الفتاة الشاب في الوصول إليها، وتمكّنه من نفسها.

وقد يتمثّل خير الفتاة الذي يعدّه الأب شرّاً عليه، وعلى المملكة في تديّنها ومعرفتها للدين القويم كما يحدث مع ابنة أحد الملوك من بني إسرائيل، وأيضاً مريم الزنارية وزمرد وغيرهن.

15- صورة المرأة الساحرة

تتجلّى في قصّة (التاجر والعفريت) (45) القدرة العجيبة الخارقة التي تسخّر للشّر. ففي هذه القصّة تحوّل الجارية زوجها وابنه إلى حيوانات مرعى تمسخها انتقاماً. لكن تظلّ لهما خصائصهما البشرية من البكاء والعويل والكلام والاحتجاج. وبما أنّ السّحر لا يفكّه إلاّ سحر أقوى، فالعجوز تسلّط عليهما من السحر ما يعيد الابن إلى حالته العاديّة ويقع الانتقام بالتالي على الجارية، فتمسخ غزالة.

وكذلك الرجل الطيّب الذي يأكل أخواه حقّه، فتأتي المرأة الساحرة لتعوضه أضعاف ما خسر، وتمسخ له أخويه كلبين محكوماً عليهما بهذا السجن الخارج عن حدود عالم البشر مدى عشر سنوات. أمّا الزوجة الخائنة، فإنّها تمسخ بغله جزاء خيانتها واستهتارها بقيم الحياة الزوجيّة، وهي قيم خالدة في عالم الجن أو عالم الإنس.

وقد تمتزج الخيانة بالّحر، فتصنع المرأة للزوج منوّماً، وتخرج من فراشه كلّ ليلة ولا تعود إلاّ عند الفجر، وعندما يكتشف الزوج حقيقتها، تحوّله إلى كائن نصفه حجر ونصفه بشر، وتصبّ عليه العذاب، وهي قادرة على ذلك؛ لأنّها ساحرة شريرة.

16- صورة المرأة المترفة

الخالية من كلّ همّ ومسؤوليّة، ولا شغل لها سوى الغناء ومجالس الإنس والطرب، ففي إحدى القصص ثلاث نساء ومعهن (الدّلالة) التي تأتي بالزبائن، يمرحن وينطلقن ويتحرّشن بالرجال، فيمازحن صاحب الظرف والشّعر، ويسمعن منه، وينشدن له ويغنين. وعندما تنتهي ساعة الصفاء (يقلن له أرنا عرض كتفيك). ولا تلبث أن تشفع له واحدة منهن (اتركاه عندنا نضحك عليه فإنّه ظريف)، ولا يلبث الانشراح أن يعود أشد مما كان، ولا سيما بعد أن تفعل الخمر فعلها، وكأنّ زمام الأمور يجب أن تكون في أيديهنّ، فلا يقع شيء إلاّ بإرادتهن، فإذا هي الأقوى والمسيطر والذي بيده القيادة! وإذا بالرجل يسمع ويطيع وليس له مخالب ولا أنياب. وعن المرأة المترفة تتبع أمور كثيرة: الضجر والضيق وقتل الوقت بالحبّ وممارسته الصحيحة أو الخاطئة وتدبير المكائد والحيل. ومنها اللطيفة الخفيفة، أو لمد يد المساعدة لسبب أو بدون سبب لا شيء إلاّ لتزجيه الفراغ الذي أحدثه الترف، هذا الفراغ الذي هو الأصل (المولّد) لكلّ طاقات الحبّ. ومثال على ذلك الحبّ الحرام الذي نشأ في إحدى القصص بين الأخ وأخته. والذي هو عبث وما كانت نتيجته سوى السّخط واللعنة والموت حرقاً.

17- صورة المرأة المنتقمة

ما أكثر الانتقام في الأقاصيص، وما أسهل سبله حيناً وأصعبها أحياناً! والسّحر يساعد المرأة على تنفيذ خططها الانتقاميّة. هذه المرأة لا يغلبها إلاّ الذكاء؛ لأنّ العشق إذ يطغى عليها تعود تتبيّن الحقائق، والانتقام مقترن بالغيرة إلى جانب السّحر، ففي قصّة (التاجر والعفريت) (46) تبدو المرأة قد ذبحت ضرّتها انتقاماً. والفتاة الساحرة في هذه القصّة بالذات ليس لها غاية في المال، وإنّما في الانتقام.

وقد يبدو الانتقام لسبب تافه، فالمرأة التي لقيت الأهوال في الهروب من قصر الخليفة حتى عثرت على من يحبه فؤادها، وعرّضت نفسها للأخطار تضيّع كلّ هذا، فتنتقم من حبيبها لا لشيء إلاّ من أجل عادة سيئة، وهي عدم غسل الأيدي قبل أكل (الرزباجة) وهو نوع من الطعام يستوجب تناوله على ما يبدو نظافة كاملة.

وفي قصّة (مزيّن بغداد) (47) تبدو المرأة ذات كيد وحيلة، فتعذّب الرجل بعد أن تغريه بجمالها، فتعرضه للمهانة والذّل، وينخدع بها مرة بعد مرّة، فإذا هي تستدرجه إلى بيتها، ثمّ يأتي زوجها، ويقبض عليه، ويأخذه إلى صاحب الشرطة يطوف به في الشوارع، ويضرب بالسياط ويشهّر به. وفي قصّة (الجوهري) أيضاً تحتال المرأة بأحذق أسلوب حتى تأخذ منه جواهر وأموالاً ثمّ تتزوجه ولا تلبث أن تترك. لماذا؟ لسبب بسيط، هو أنّه خالف أوامرها وذهب إلى القصر، بينما هي في الحمّام، وقابل الملكة وفي غيابها وأنشدها الشعر، فإذا هي تأمر به، فينقطع عنقه.

18- صورة المرأة المتصوّفة

وذكرها قليل جدّاً، وهذا غريب في عصور كانت فيه سير النساء المتصوفات تملأ الكتب بما يشبه الأساطير، حتى حياة (رابعة العدويّة) انتقلت من حيّز الواقع الزهدي إلى حيّز الأسطورة والقداسة.

أمّا إذا اعتبرنا الفناء في الحبّ حتى الموت والحبّ بعد الموت أو الاستشهاد في سبيل العشق من المفاهيم الصوفيّة. ففي ألف ليلة وليلة نماذج رائعة من المرأة التي تحبّ بشفافيّة صوفيّة، ولا تريد من حبيبها سوى مجرد الحبّ، وهي تلقى العذاب حلواً، وحتى الموت، مقبولاً في سبيل من تحبّ. وتبدو المرأة من أجل إيمانها (وهنا الإيمان بالإسلام عوضاً عن المجوسيّة) تهجر الثروة والمجدّ، وتكون جارية عند الرجل المؤمن بعد أن كانت سيّدة في قومها.

وقد يكون دعاء المتصوّفة الصادق الحار هو الذي يحلّ المشكلة: ففي قصّة (بدور ابنة الجوهري) مع أمير بني شيبان تقول (بدور): "إلهي وسيدي ومولاي، كما ابتليتني بمحبته أن تبتليه بمحبتي، وأن تنقل المحبّة". إنّها معجزة الإيمان تنتقل إلى عالم الحبّ في ألف ليلة وليلة. فسبحان الله.

19- صورة المرأة ذات الكبرياء

تطرح ألف ليلة وليلة مقولة للأيمان في الحبّ، وهي أنّه حتى يمكن من قلب العاشق، فأمر الكبرياء ليس له مكان نزعة المرأة إلى أن تكون محتفظة بكبرياء الأنوثة تطل بين حين وآخر، وهي عاشقة فترى أنّها تحتمل ألم الحبّ وعذاباته، لكن لا تحتمل الإهانة، وقد يدفعها هذا إلى الانتقام، وهي لا تزال ضمن دائرة الحبّ.

وهذه بنت النعمان نموذج طريف للمرأة التي تطعن بكرامتها لمجرد الزواج بمن لا تحب؛ لأنّه أجبرها بنفوذه على الزواج منها (وهو الحجاج)، فقد ابتعث طريقة أخرى وهي أن أوصلت خبرها للخليفة، فجاء يخطبها فاشترطت أن يقود الحجاج هودجها بعد أن طلّقها ثمّ رمت بدينار إلى الأرض وقالت لا درهم قالت: عبارتها المشهورة (سبحان من بدّل الدرهم بدينار).

20- صورة المرأة العابثة اللاهية

ونماذج كثيرة في الكتاب وأساليبها أكثر، تبدأ من الممازحة والظرف والإنس حتى المخاطرة الجريئة التي لا تحمد عواقبها، ففي قصّة (الخيّاط والأحدب) (48) نرى أنّ زوجة الخيّاط تتسلّى بالأحدب. تؤاكله وتمازحه وتزيل عنه الهمّ والأحزان إلى أن ألقمته مرّة قطعة سمك كبيرة وسدّت فمه بكفّها تريد أن يأكل القطعة دفعة واحدة دون مضغ. ولما كان فيها شوكة ولم يقو على ابتلاعها اختنق، فهل هذا –ولو خيّاليّاً- مزاح؟ إنّه إفساد لطبيعة المرأة بما فيها من رقّة وحنان، لكن الأقاصيص تريد أن تثبت فكرة عبث المرأة ولهوها بشكل متطرّف يبدو معه أحياناً فجّاً وغير مسؤولاً. وقد تخرج المرأة اللاهية إلى السوق بأبهى حلّة وزينة تشتري، وتشتهي وتنقّي رجلاً يعجبها وتدعوه إلى بيتها، ويكون الخمر والإنس والطرب، وهي كما تعترف (مالها بالقماش حاجة) وإنّما من أجل أن تتلهّى وتتسلّى.

21- صورة المرأة الفلاّحة

هذه الصورة من الصور النادرة في الليالي، وذكرها أيضاً قليل نظراً لانغلاق المجتمع وبنية الأنظمة على توالي العصور، وتبعيّة المرأة للرجل وبروز عنصر المرأة الجارية وإن لم تكن جارية فهي المرأة الظل أو المرأة الهامش، ومع ذلك فإنّه ورد ذكرها (كما في قصّة كسرى وبنت صاحب الضيعة) فهي المرأة الذكيّة التي تملك خبرة عملية في الحياة. (عصرت قصب السكر بكوب، وذرّت عليه بعض التراب ثم قدّمته لكسرى الذي يمرّ بضيعتهم عطشاً لأنّها أدركت أنّه شديد الظمأ، وتخشى أن يشرب ما في الكوب مرة واحدة فيلحق به الضرر في الوقت الذي لا تريد له إلاّ الخير). ولمّا عاد مرّة بعد عام بعد أن ضاعف الخراج على الضيعة وأصبحت ثلاثة أعواد من القصب لا تكفي لعصر كوب واحد، وقالت: "نية السلطان تغيّرت نحونا، فقلّت البركة لذلك عندنا".

بعض الجوانب الخارجيّة أو الشكليّة الخاصّة بالمرأة في الليالي

وقاص الليالي يهتم –بلا أدنى شك- بالجوانب الخارجيّة لبطله وبطلته، فيدلّ القارئ أو المستمع على أشياء بعينها قصد إليها وعمد في الإبانة عنها، والقاص في الليالي أيضاً لم يغفل ذلك فما يبدأ ذكر شخصيّة من شخصيّاته حتى يعطينا صورة عن مظهرها الخارجي، ويعرض صفحات كثيراً ما تكون حسّية ملموسة يقدّم لنا بها بطله فهو يغفل أنّه بالشكل والموضوع تكتمل الصورة وبها، ترتسم صورة في ذهن القارئ أو المستمع عن أبطال الحكاية التي يقرؤها أو يسمعها. ومن أمثلة هذه الجوانب الشكليّة الخارجيّة في المرأة:

أولاً: وصف المرأة

الصبيّة: أغلب حبيبات الليالي جميلات حسناوات فما أن يتعرض القاص لذكر إحداهن حتى يسارع بقوله: أنّها صبيّة رشيقة القد قاعدة النّهد ذات حسن وجمال وقد اعتدال وجبين مغرة الهلال وعيون الغزلان وحواجب كهلال رمضان وحدود مثل شقائق النعمان وفم كخاتم سليمان ووجه كالبدر في الإحراق ونهدين كرمانتين باتفاق وبطن مطوي تحت الثياب.

وإذا كان القاص في الليالي يعمد إلى تصميم شكلاً معيّناً لوصف المرأة، فهو نفسه يأتي بقصّة هؤلاء الجواري المختلفات الألوان، ويصفهنّ بالحسن والجمال لدرجة أنّه يصعب التمييز بينهن أو تفضيل إحداهن على الأخرى، ويقيم بينهن مشادّة فيها تحاول كلّ واحدة أن تثني على نفسها وتذم صاحبتها، ويبدو أنّ كلّ واحدة تثق بجمالها، فتروح تدافع عنه، أمثال تلك المشادّات كانت تكثر بين البيض والسّمر في حضرة الخليفة أو الأمير، حيث يدور الجدل العنيف بين الجنس اللطيف، ويكون للمستمع أن يرى إحداهن تكشف عن عيوب الأخرى، وتعرض ميزاتها.

وكما يبدو فكلّ صبيّة في الليالي جميلة، وليس فيهن من هي متوسطة الجمال أو القبيحة المنظر إلاّ إذا كانت عجوزاً.

وصف العجوز: القاص لديه أيضاً نموذجان لا ثالث لهم في وصفه للمرأة فهي إمّا صبيّة يصفها بجمايل الصفات، وهذه الصفات لا تخرج عن القالب السابق أو عجوز فيصفها بصفات مخيفة: فم أبخر، وجفن أحمر، وخد أصفر بوجه أعبش وطرف أعمش، وجسم أجرب، وشعراً أشهب، وظهر أحدب، ولون مائل. وهو بعد ذلك لا يكثر من ذكر هذا الوصف بل لا يذكرها إلاّ في هذين الموضوعين، ويكتفي بعد ذلك بأن يقول عجوز أو عجوز النحس، وكأنّ صورة تلك العجوز ارتسمت في ذهن القارئ، فمجرد أن تقع عينه على كلمة (عجوز) أو يسمع ذكرها ليتخيّل ذهنه صورتها البشعة.

ثانياً: الملبس

وهو من مكملات زينة المرأة، ودليل في الليالي على مكانتها، وبه يقاس مستوى من ترتديه بل إنّه من ملبسها يقدّر ثمنها إذا كانت جارية تباع وتشترى، وملابس الملكة تختلف عن المرأة العادية، وإن كان القاصّ يعلي من شأن الصبية العاديّة، فيصف ملبسها بأنّه مثل غيرها من الملكات، فالملكة تلبس حلّة مزركشة باللؤلؤ الرّطب وعلى رأسها تاج مكلّل بأنواع الجواهر وفي عنقها قلائد وعقود. ويبدو أنّ الزّنار من الأشياء التي كانت تميّز غير المسلمات والروميات، منهن بالذات ويبدو بأنّهن قد شهرن به فما أن يذكر القاصّ رومية حتى يصفها بأنّها تضع الزنار حول خصرها حتى أنّ ليسمي واحدة من بطلاته (مريم الزناريّة)، ويقول إنّها تجيد صناعة الزنانير، وقد انتشر ذلك الزنار في العصر العباسيّ.

والتاجر الذي يرغب في الحصول على ثمن باهظ في جادّته الجميلة فهو يلبس أفخم الملابس لإظهار مفاتنها بتلك الحلي والجواهر الثمينة، بل إنّ المرأة العربية نفسها تكثر مكن التحلّي بهذه الجواهر. والصبية تلتف بإزار موصلي من حرير مزركش بالذهب وحاشيته من قصب فرفعت قناعها فبان من تحته عيون سوداء. فهو لا يزال يذكر القناع الذي تخفي به الصبية جمالها، فقد كانت المرأة مقنّعة محجبة لفترة قريبة، وهي لا تتورّع عن كشف وجهها ليراها الرجل، ويقدّر جمالها، ويقع في هواها وقد تكون هذه النظرة أول الطريق في علاقة مشينة.

والقاصّ يكتفي في كثير من الأحيان بقوله: إنّ الحلل مزركشة أو أنّها زرقاء أو خضراء، ولا يذكر ألواناً أخرى غير أن يقول مخططه، ويكثر من ذكر الذهب والفضة والثياب المقصّبة والجوهر والدرّ، وكأنّ زينة المرأة لا تكتمل إلاّ بهذه الجواهر الثمينة ولا يظهر مستواها إلاّ هذه الدّرر.

فالصورة حسيّة في وصفه لجمال المرأة بل إنّها تتكرر بنفس الألفاظ، وكذلك بالنسبة لملابسها وألوانها التي ترتديها لكن شيئاً واحداً يظل ثابتاً هو الصورة الماديّة لهذه المحبوبة، واحدة في الجسم والملبس بل ألواناً بعينها ترتديها، وهي الأخضر كثيراً والأزرق قليلاً، وهي إذا افتقرت تلبس ثوباً من الشّعر حيث لا تجد ما يستر جسدها.

ثالثاً: الأطعمة والمشروبات

المرأة في الليالي تقدّم في بيتها أو قصرها ألواناً كثيرة من الأطعمة تجيد عملها ونراها إذا خرجت للشراء تشتري الزيتون والفواكه والسفرجل واللحم، وهي كثيراً ما تخرج لشراء القماش سواء لها أم لسيدتها فتطلب أجود الأنواع، وتسميها تفصيلة، وهي تشتري بأثمان باهظة وقد لا تدفع الثمن وتطلب من التاجر أن يرسل معها من يقبض الثمن.

أ‌- الأطعمة

المرأة تقدّم أنواعاً طيّبة من الأطعمة لضيفها، فتعدّ سفرة لهذا الضيف الذي غالباً ما يكون عشيقها، وهذه السفرة مكونة من أفخم الألوان من محمّر ومرق ودجاج محشوة وكذلك الحلويات والفاكهة والرياحين.

والمرأة الفقيرة الحال حينما يعرض عليها أن تطلب الطعام الذي ترغب فيه تكتفي بقولها (عيشاً وجبناً)، فالمرأة المحرومة تكتفي بالعيش والجبن كأيّ فلاح مصري فقير يحمل هذا الطعام إلى حقله، ويأكله في بيته في أغلب الأحيان.

ب‌- المشروبات

غالباً ما يكون الخمر المشروب المفضّل والأساس الذي يكتمل به الاجتماع وتعمّ الفرحة، وفي مواضع كثيرة يذكر القاصّ منافع الخمر وقيمتها.

فالقاصّ الذي يغلب أن يكون مسلماً يذكره المنافع للخمر، ولعلّ العرب قد ذكروا منافعها وأكثروا من مدحها، ومن ذلك أواني الخمر مثل القاصّ والقدح والكأس.

ومجالس الشراب في الليالي هي مجالس الغناء فلا يخلو مجلس غناء من شراب خمر صوت وضرب على الآلات، والقاصّ يروق له وصف هذه المجالس وما يدور فيها من شرب الخمر. ومن المشروبات التي ذكرها القاصّ في الليالي القهوة والبوظة. (49)

العادات الاجتماعية التي تخصّ المرأة في ألف ليلة وليلة

أولاّ: الخطبة

الخطبة تتم بين الآباء لا سيما الأخوة منهم فيما يخصّ الأبناء، فنور الدين مثلاّ يتحدث مع أخيه شمس الدين بخصوص زواج أبنائهم حتى قبل أن ينجب وبمعنى أدق قبل أن يتزوج، وإن لم يكونوا أبناء عم كأن يخطب ملك مثلا فتاة فهو يسمع عنها، وعن جمالها وأنّها ابنة الملك الفلاني، ويبعث بوزيره أو يذهب لخطبتها وإن مات أحد الطرفين، فالزواج بين الأبناء قد يتمّ وقد لا يتمّ، وقليلا بل النادر ما تستشار الفتاة في الأمر، وقد ترفض الزواج؛ لأنّها لا ترغب وقد توافق ويتم زواجه، ولو لم تر هذا الذي خطبها وترك ديار أبيها راحلة إلى حيث يعيش زوجها . ولا يفوتنا أن شهرزاد كان لها رأي في الزواج، وطلبت من والدها أن يزوجها الملك شهريار بالذات، وإذا كانت التي ستتزوج جارية، فالبطل يشتريها، وقد يصرح بإطلاق سراحها، وقد لا يبوح بذلك، ثم يعقد قرانه عليها وكأنّ العقد نفسه عتق لها.

ثانيا:المهر

لا يفوت القاصّ في الليالي أن يذكر المهور والاختلاف عليه، الذي قد يؤدي كثيراً إلى تعطيل الزيجات. والمهور في الليالي قد تكون نعماً وهذا قليل وقد تكون مبلغاً من المال وهذا هو الغالب والمال يدفعه العامة من الناس، لكنّ الملوك يحملون الهدايا الثمينة والتحف الغالية القدر والجواري والعبيد، وبالنسبة لزواج الرجل من جارية فمهرها ثمنها الذي يدفعه عند الشراء. ولعلّ ذلك من بقايا زواج الشراء الذي كان أكثر الطرق انتشاراً بين الأمم والشعوب القديمة لحصول الرجل على زوجة له.

ثالثا: الزواج

بعد أن تتم الخطبة لا يكون على والد العروس إلاّ أن يتم الزواج، فيقيم في داره أو قصره حفل الزواج، وهو الذي يجهز العروس، ويكون جهازها من أفخر موجودات عصره. والقاصّ يطلق العنان لخياله في وصف هذا الجهاز والمركب، ولا يقتصر على ذلك فلا بد أن تقام الأفراح، وتمدّ الأطعمة المختلفة الألوان وتقام الملاعب المختلفة، ويستمر ذلك أربعين يوماً يكون فيها محط الأنظار.

والشّعب مأمور أن يخرج كلّه لملاقاة عروس الملك، ومأمور أيضاً أن يكون في أحسن البهجات، وكأنّ الشعب ليس له إلاّ أن ينفّذ مثل هذه الأوامر، ولا يرفض للملك أمراً حتى لو لم يكن يرغب في ذلك.

رابعاً: الأبناء

بعد أن تزف العروس إلى زوجها، ويلتقي بها لأول مرّة لا بدّ أن تعلق منه في الليلة الأولى إذا كانت ولوداً، وعادةً ما يحلم الملك بولد يرثه ويرث عرشه. والمرأة بعد أن يتمّ حملها تنجب بمساعدة مولّدة لها وهم ينتظرون قدوم الطفل في لهفة ولا سيما الأب الذي يتمنّاه ولداً، والأبناء كثيراً ما يسمون بأسماء ذات معانٍ حسب مولدهم وظروف ولادتهم، فست الحسن التي تنجب ابنها بطريقة عجيبة تسميه (عجيب) وابنه شركان الغير شرعية من أخته، يسمونها (قضى فكان) وهكذا تعدّد الأسماء رامزة لظروف إنجاب الطفل. ولعلّ امرأة الليالي كانت تعرف حدوداً للخلفة، فهي لا تنجب إلاّ واحداً أو بنتاً ولذا وإن زاد فثلاثة، ولا زيادة على ذلك. فهل كانت المرأة على هذا المستوى أم أنّ هذا هو ما يتطلّع إليه القاصّ الذي كثيراً ما يطرح علينا بطريق غير مباشرة اقتراحات طريفة تنمّ عن فطنته.

خامساً: الضراير

المرأة تعيش مع ضرّتها، ويكثر ذلك من أمثال بدور وحياة النفوس وزبيدة العدوية، وكثيراً ما لا يدب الخلاف بينهما بل أنّ المرأة تشير على زوجها أن يتزوج من تلك التي حفظت سرّه وصانته في أزمته، وإن كانت الصورة الغالبة في الحياة هي اختلاف الضراير وقيام المشاجرات بينهن، والقاصّ قد يتطلّع دائماً لحياة أفضل، ويودّ أن يوفّق النقيضين ولو حتى في الليالي والقصص وليس في الواقع. (50)

الهوامش:

(1) ألفة الأدلبي: نظرة في أدبنا الشعبي ألف ليلة وليلة وسيرة الملك سيف بن ذي يزن، ط1، منشورات اتحاد الكتّاب العربي، 1974، دمشق، ص49.

(2) المرجع نفسه: ص49.

(3) فاروق سعد: من وحي ألف ليلة وليلة، ط1، ج1، المكتبة الأهلية: بيروت، 1962، ص43-44.

(4) المرجع نفسه: ص44.

(5) ألف ليلة وليلة، ج1، مرجع سابق، ص8-9.

(6) أحمد محمد الشحّاذ: الملامح السياسية في حكايات ألف ليلة وليلة، ط1، منشورات وزارة الإعلام، بغداد 1977، ص200.

(7) عالي سرحان القرشي: نص المرأة، مرجع سابق، ص32.

(8) أحمد محمد الشحّاذ: الملامح السياسية في ألف ليلة وليلة، مرجع سابق، ص207.

(9) ألف ليلة وليلة، ج3، مرجع سابق، ص409-432.

(10) مهدي النجّار: التراث الشعبي والحقبة الكسولة في ألف ليلة وليلة، مجلة دراسات عربية، عدد6، نيسان 1981، دار الطليعة، بيروت، ص124.

(11) محسن جاسم الموسوعي: الحارق في ألف ليلة وليلة، مجلة الفكر العربي المعاصر، العدد 38، آذار 1986، مركز الإنماء القومي، بيروت، ص30.

(12) ألف ليلة وليلة، ج2، مرجع سابق، ص100.

(13) المرجع نفسه، ج3، ص188.

(14) المرجع نفسه: ص288.

(15) علي الراعي: محتالون ولكن شرفاء، العربي، 266، يناير 1981، ص42-44.

(16) سهير القلعاوي: ألف ليلة وليلة، ط1، دار المعارف، القاهرة، 1966، ص311.

(17) ألف ليلة وليلة، ج3، مرجع سابق، ص 204.

(18) هيام علي حمّاد: المرأة في ألف ليلة وليلة، لا وجود للطبعة أو سنتها، مكتبة نهضة الشرق، القاهرة، ص73.

(19) عبده جبر: النواحي الجمالية في ألف ليلة وليلة، مجلة الكويت، العدد 11، 1981، ص102.

(20)ألف ليلة وليلة، ج1، مرجع سابق، ص7-8.

(21) ألف ليلة وليلة، ج12، مرجع سابق، ص6.

(22) المرجع نفسه: ص9.

(23) قمر كيلاني: المرأة في ألف ليلة وليلة، مجلة الكويت، العدد 7، ابريل 1981.

(24) المرجع نفسه: ص90.

(25) فيكه فالثر: صورة المرأة في ألف ليلة وليلة، مجلة تاريخ العرب والعالم، العدد51، كانون الثاني، 1983، ص59.

(26) المرجع نفسه: ص409.

(27) المرجع نفسه: ص137.

(28) المرجع نفسه: ص108.

(29) ألف ليلة وليلة، ج1، مرجع سابق، ص214.

(30) المرجع نفسه: ص288.

(31) أنظر: عبد الغني الملاح: رحلة في ألف ليلة وليلة، ط1، المؤسسة العربية للدراسات، بيروت، 1981، بتصرّف، ص47.

(32) ألف ليلة وليلة، ج3، مرجع سابق، ص188.

(33) فريد ويش فون دير لاين: الحكاية الخرافية، ترجمة نبيلة إبراهيم، ط1، دار العلم، بيروت، 1973، ص216.

(34) ألف ليلة وليلة، ج4، مرجع سابق، ص324.

(35) المرجع نفسه: ص214.

(36) قمر الكيلاني: المرأة في ألاف ليلة وليلة، مرجع سابق، ص91.

(37) ألف ليلة وليلة، ج2، مرجع سابق، ص100.

(38) المرجع نفسه، ج3، 409.

(39) المرجع نفسه، ج3، ص243.

(40) المرجع نفسه، ج2، ص407.

(41) المرجع نفسه، ج2، ص409.

(42) المرجع نفسه، ج4، ص108.

(43) المرجع نفسه، ج3، ص188.

(44) المرجع نفسه، ج3، ص335.

(45) المرجع نفسه، ج1، ص12.

(46) المرجع نفسه، ج1، ص12.

(47) المرجع نفسه، ج1، ص137.

(48) المرجع نفسه، ج1، ص114.

(49) البوظة: هي خمر الشعير في الغالب، يعرفها أهل السودان أيضاً.

(50) هيام علي حمّاد: المرأة في ألف ليلة وليلة، مرجع سابق، ص3321.

المصادر والمراجع

المصادر

1. ألف ليلة وليلة، ط5، دار مكتبة التربية، بيروت، 1987.

المراجع

1. أحمد محمد الشحّاذ، الملامح السياسية في ألف ليلة وليلة، ط1، منشورات وزارة الإعلام، بغداد، 1977.

2. ألفه الأدلبي، نظرة في أدبنا الشعبي ألف ليلة وليلة وسيرة الملك سيف بن ذي يزن، ط1، منشورات اتحاد الكتّاب العربي، دمشق، 1974.

3. خليل أحمد خليل، مضمون الأسطورة في الفكر العربي، ط2، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، 1980.
4. سهير القلماوي، ألف ليلة وليلة، ط1، دار المعارف بمصر، 1966.

5. شفيق معلوف، حبّات زمرد الأدب العربي الحديث حكايات ألف ليلة وليلة، لا وجود للطبعة أو للسنة والنشر، القاهرة.

6. عالي سرحان القرشي، نص المرأة.

7. عبد الغني الملاّح، رحلة في ألف ليلة وليلة، ط1، المؤسسة العربية للدراسات، بيروت، 1981.

8. فاروق سعد، من وحي ألف ليلة وليلة، ط1، ج1، المكتبة الأهلية، بيروت، 1962.

9. فريد ويش فون دير لاين، الحكاية الخرافية، ترجمة نبيلة إبراهيم، ط1، دار العلم، بيروت، 1973.

10. قيس النّوري، الأساطير وعلم الأجناس، ط1، منشورات جامعة بغداد، 1980.

11. محمد عبد الرحمن، الجنس والسلطة في ألف ليلة وليلة، ط1، الانتشار العربي، بيروت، 1998.
12. هيام علي حمّاد، المرأة في ألاف ليلة وليلة، لا وجود للطبعة أو سنتها، مكتبة دار نهضة الشرق، جامعة القاهرة.
المجلات:
1. عبده جبر، النواحي الجمالية في ألاف ليلة وليلة، مجلة الكويت، العدد11، 1981.
2. فبيكه فالثر، صورة المرأة في ألاف ليلة وليلة، مجلة تاريخ العرب والعالم، العدد 51، كانون الثاني، 1983.
3. قمر كيلاني، المرأة في ألف ليلة وليلة، عدد7، ابريل، 1981.
4. محسن جاسم الموسوعي، الخارق في ألف ليلة وليلة، مجلة الفكر العربي المعاصر، العدد 38، آذار 1986، بيروت مركز الإنماء القومي.
5. مهدي النجّار، التراث الشعبي والحقبة الكسولة في ألف ليلة وليلة، مجلة دراسات عربية، العدد 6، نيسان 1981، بيروت، دار الطليعة.

**د لا ل**
2013-04-04, 20:00
- صورة الزوجة الخيّرة

تبدأ ليالي ألف ليلة وليلة بقصّة الملك الذي ساءته خيانة زوجته ثم تعزّى حينما رأى زوجة أخيه تخون زوجها أكبر من خيانة زوجته له، وفي حكاية العفريت الذي حمل على رأسه امرأة عقلها داخل صندوق مغلق، تلك المرأة التي خانته خمسمائة وسبعين (33) مرة. ولكنّها سرعان ما تنقل لنا طوال ألف ليلة على مدار ثلاث سنوات قصّة الزوجة الخيّرة شهرزاد التي تبذل كلّ جهدها، وتهذّب نار الثّأر في داخله، وتعيده إلى جادّة الطريق، مع أنّها كانت تستطيع أن تقتله ليلة زفافها مثلاً وهو نائم، فهي نعم الزوجة المخلصة الصابرة.
وتظهر صورة الزوجة الخيّرة في قصص كثيرة في الليالي، فهذه الملكة (بدور)(34) التي تخفي أمر اختفاء زوجها الملك قمر الزمان، وتلبس ثيابه أمام حاشيته وتسوس الرعيّة.

والصورة المثلى للإخلاص تضربها نعم وياسمين وتودد وزمرد ومريم الزنارية وزوجة التاجر المصرية وزوجة معروف الثانية. ويضرب المثل بإخلاص الزوجات اللائي كنّ في الأصل جواري يبعن في الأواق، وتشهد قصص على مواقفهن التي لا تشابهها مواقف.

ونلاحظ أنّ المرأة الذكية الفطنة تحتال على أقوى الرجال الذين يراودونها عن نفسها منتصرة لشرفها وعفّتها مثلما تفعل زوجة أحد الوزراء مع الملك الذي جاءها في غياب زوجها، فترحب به ترحيباً شديداً، وتغطّيه ولا يكون هذا الكتاب إلاّ كتاب مواعظ وأدب، وهي تعدّ له أطعمه في تسعين صحناً أنواعها مختلفة وطعمها واحد، وحينما يسألها الملك عن ذلك تقول: "أصلح الله حال مولانا الملك فإنّ في قصرك تسعين محظية مختلفات الألوان وطعمهنّ واحد، فلما سمع الملك هذا الكلام خجل منها، وقام من وقته، وخرج من المنزل، ولم يتعرض لها بسوء".

7- صورة الأخت

تعرض الليالي لصورتين بارزتين للأخت في ألف ليلة وليلة

أ- صورة الأخت الشريرة: تظهر الأخت الشريرة في الليالي إمّا بصورة الحاسدة الغيورة أو قد يكون الشّر من الأخت الكبرى التي تسوق الصغرى إلى المنكر، وتدفعها إلى ارتكاب الخطيئة، فالأختان الشريرتان تدفعان بأختهما الصغيرة الطيّبة إلى المهالك.

فلا تتوانى الأخت الكبرى السيئة الخلق عن قتل أختها الصغرى الطاهرة عندما تلاحظ إعجاب خليلها بها؛ فالغيرة تجري في عروق المرأة، وتأكل قلبها، وتدفعها إلى أن ترتكب أبشع الجرائم، وهو قتل شقيقتها بالسكين، ويبدو أنّها ما أحضرت أختها إلا لتختبر الرجل، وتعرف مدى إخلاصه لها.

ب- صورة الأخت الطيّبة: الأخت الطيّبة قد تكون أختاً شقيقة وغير شقيقة وهي إمّا إنسيّة أو جنّية، والأخت الطيّبة تواجه أخوة أشراراً من أبيها على الرغم من عطفها عليهم وبرّها بهم إلاّ أنّهم يوقعون بها الضرر، ويضمرون لها الشّر.

والأخت الطيّبة تطيع أخاها، وتوافق على الخروج معه لزيارة بيت الله الحرام وكذلك بيت المقدس، وتخدمه عندما يمرض في الطريق، وتبذل الكثير في البحث عنه عندما تضيع عنه في الطريق مثل نزهة الزمان التي ضاعت عن أخيها شركان ابن الملك عمر النعمان(35).

والأخت حين يرحل أخوها تاركاً البلاد للتجارة، ولا يعود على الخروج مع أمّها للبحث عنه، تتعرضان للذل والهوان وأخيراً تعثران عليه، ويسعدان معه على غرار معظم نهايات الليالي.

8- صورة الأم

تقول قمر الكيلاني: إنّ صورة المرأة الأم قليلاً ما ترد في ألف ليلة وليلة كأنّ النساء فيه مقطوعات عن أمّهاتهن، ولعلّ السّبب قي ذلك أنّ أكثرهنّ من الجواري أمّا أم الرجل (أو الحماة) فهي إن برزت فمن أجل تنكيد العيش على زوجة ابنها أو جاريته أو من يحبها (36). ويبرز نموذج الأم على صورتين:

أ- صورة الأم الشريرة: غالباً ما تكون الأم ذات قلب رحيم، ولا يهمها إلاّ الصالح العام لأبنائها، وتسعى إلى راحتهم والليالي تصوّر الأم في كثير من حكايتها هذه الصورة، لكن هناك حكاية واحدة تصوّر الأم، وقد انقلبت شرّاً على ابنها، وتحكّمت فيها الغريزة الجنسيّة تحكّماً أنساها غريزة الأمومة، وتمثّل ذلك في أم الأمجد وأم الأسعد. فالملكة بدور تتزوج من قمر الزمان بعد قصة حب طويلة وتسمح له بأن يتزوّج بالملكة (حياة النفوس) (37). ولكن تنحرف الملكتان عندما تحب كلّ واحدة ابن ضرّتها، وتسعى إلى وصاله على الرغم من رفض الولدين. وتخبر كلّ واحدة زوجها بأنّ ابن ضرّتها راودها عن نفسها، فيشتدّ غيظ الابن، ويأمر بقتل ولديه العزيزين، وهكذا تتسبّب الأم في قتل ابنها بعد أن حملت وتعبت وربّت.

وهنالك نماذج من الأم تغار واحدتهنّ من ابنتها، فتلغي شخصيّتها أو تتآمر لينفك نفيها من عالم الحبّ لا سيما إذا أصبحت شابة جميلة بينما الأم تميل شمسها إلى الغياب.

ب- صورة الأم الطيّبة: الأم دائماً مصدر الدفء، وهي تحرص على أبنائها، وتقف بجوارهم في الأزمات، وتنصح لهم وقت الشّدة، تتخيّر لهم الطريق القويم، وتبدو هذه الصّور في حكايات عديدة. فالمرأة شديدة الحرص على تربية ابنها تربية حسنة حتى لو غاب أبوه وفقد وقطع الأمل في عودته. وقد يتمثل خير الأم لأبنائها في حرصها عليهم وإرشادهم لطريق الخير وتحذيرهم من الشر كما فعلت أم حسن البصري(38 )، التي كثيراً ما حذرته من المجوس، وكذلك أم جودر تلك التي تحب جودر المطيع الوفي وهي في الآن ذاته لا تكره أخويه القساة القلوب بل تساعدهم وتحبهم(39 ).

والأم الفقيرة الحال تضحي بما لديها من مال قليل في سبيل ولده، وهي تستمر في تحذيرها له من السفر، وحينما يصر الابن على الرحيل لا يكون منها إلا أن تدعو له، وتبارك خطواته، وطوال غيابه تبقى حزينة القلب باكية العين. والأم تعمل على تعليم الابنة فتقرئها القرآن الكريم، وتعلمها العادات الحسنة والمثل العليا. كما تقوم بفضّ أي خلاف قد يقع بين الأب وأبنائه، فهي مصدر الحب والدفء في الليالي.

9- صورة المرأة العالمة

تبدو لنا شهرزاد منذ اللحظة الأولى امرأة عالمة مثقفة، فهي عارفة بالشعر والأدب والتاريخ والدين والقصص والألغاز، وقد تكون هذه المعارف هي الرافد لها في صمودها أمام شهريار ألف ليلة. وكذلك الجواري في ألف ليلة وليلة لم يقتصر تعلمهن على الغناء والضرب على الآلات الموسيقية التي برعن فيها في ألف ليلة وليلة، بل وُجد منهن عالمات مثقفات بأنواع مختلفة من الثقافة وعلى رأسهن تودّد ( 40)، وتشابهها نزهة الزمان وكذلك الجواري اللائي تستعين بهن شواهي ذات الدواهي في خطتها.

فتودّد جارية تركها الأب لابنه في جملة ما ترك من مال، والابن يتلف جلّ ماله ولا بقي لديه إلا تلك الجارية وهي غاية في الذكاء والعلم والجمال والأدب. وحينما يسوء حال صاحبها ولا يبقى معه إلا هي تطلب منه أن يحملها إلى أمير المؤمنين هارون الرشيد، ويطلب ثمنها عشرة آلاف دينار وتقول له : إن إستغلاني فقل له: وصيفتي تساوي أكثر من ذلك فاختبرها، ويعرضها على هارون ويختبرها مع أعظم علماء قصره، فتتفوّق عليهم جميعاً، فيعجب الرشيد بها، ويطلب من الفتاة أن تتمنّى عليه بشيء ينفذه لها في الحال، فتتمنى أن يردها إلى سيدها، فيردّها بعد أن يعطيها خمسة آلاف دينار.

وهكذا تحملت الجارية العالمة في نفسها الوفاء لسيدها الذي لا يعرف قدرها ولا علمها، ولعل أباه كان يعلم بقيمة الجارية، ولذلك أوصاه عليها عند موته.

10- صورة المرأة المحاربة

يقول بعض النقاد إنّ صورة المرأة المحاربة مقحمة على أجواء الليالي، وأنّ صورتها محاطة بقليل من جوها الأجنبي، فكان خضوعها للواقع في التفاصيل أقل، إنّ حاول القاص أن يدخلها قسراً في دائرة الحياة الاجتماعية الإسلامية. لذلك نجد هؤلاء المحاربات إن كنّ آدميات، فهن نصارى يسلمن أو يلدن مسلم، وإن كن أجنبيات، فهن إمّا من الجن المؤمنة وإما بعيدات عن الحياة الدنيا بل عن حياة القصة نفسه، إذ يُذكرن عرضاً ولا يؤثرن في حوادثه، كما نجد من ذكر جزيرة واق الواق في قصة حسن البصري( 41) فتكون الجزيرة وجندها مجرد عقبة من سلسة عقبات تمرّ بحسن البصري في سبيل الوصول إلى زوجة.
وأما النّساء المحاربات من الجنّ، فهنّ لسن البطلات مطلق، بل أنّهن لا يحاربن أصل، فكلّ سلاحهن هو لباس من الريش يستطعن الطيران به حيث شئن، بل إن هؤلاء المحاربات لا يقمن بأي حرب، ولا يستعملن آلاتهن في القصة.

مثل ما نراه عند مريم الزنارية (42 ) التي تقاتل وتجندل الأبطال أمامها .

والمرأة المحاربة في الليالي جميلة جدا دائم، وقد يكون جمالها من أسلحتها في الحرب، إذ تكشف في آخر لحظة حرجة، فإذا جمالها يكسبها المعركة الأخيرة كما تفعل (الدنماء)(43 ) في قصة الجارية الثانية في اليوم السابع من مجموعة قصص الوزراء السبعة، وهي تحارب إظهاراً لمهارتها وتفوقها على الرجل؛ لأنّها أقسمت على أن لا تتزوج إلا من يقهرها في الميدان.

وفي الليالي أحيانا نجد أنّ الراوي في وصفه محاسن المرأة قد يعدد من محاسنها أنها تعلمت الحرب والنزال دون أن يكون لتعلمها هذا أيّ شأن أو أيّ دليل على القصة، وهو مجرد سرد لأوصافها.

11- صورة المرأة الجنية

تصوّر الليالي أيضاً صورا للمرأة، ولكنّها المرأة التي ليست من هذا العالم، بل الجنية التي يحبّها الآدمي، فيشقى في الوصول إليها، مثل صورة جلنار ( 44) في قصة الملك بدر باسم التي يتحكم على طائفة من الجن قوية، أو الجنية التي تحكم مدينة خيالية، يعبد أهلها الشمس أو النّار.

وهؤلاء الجنيات يمثلن آدميات أهل الأرض، فشمسه لها أخوتها اللاتي يحسدونها أو ينتقمن منها لحبها آدمياً، وجلنار تحادث أخاها صالحاً في أمر زواج ابنها، وتستعرض ملكات البحر في سبيل اختيار عروس، وكذلك الملكة لأب التي تشمخ الآدميين، وتستطيع أن تصبح طائراً متى أرادت.

وأمّا جلنار فهي تنزل البحر، وتسير في قاعة كما تسير على الأرض، وتكلّم أهله وتغضب، وتنتصر كما تفعل على الأرض تماماً. أكثر من هذا أن أسلوب الكلام واحد وطريقة التفكير واحدة فالمحبوبة جارية والأم عاقلة والشريرة متجبرة مفحشة.

13- صورة الجنية الغولة

تظهر في حكاية واحدة من حكايات الليالي، فهي تظهر للإنسان في صورة جارية تبكي على رأس الطريق، فتتعرّض لابن الملك الذي يترفّق بها، ويحملها معه، وهي تدّعي أنها ابنة ملك الهند، وقد ضلت الطريق، فيرق لها قلبه، ويحملها معه وفي الطريق تطلب منه النزول لقضاء حاجة، وإذا بها تنقلب غولة، والقاصّ لا يذكر إلا مواصفات عامه لمنظر الغولة، وهي تقول لأولادها: وقد أتيتكم بغلام سمين، ولكن ابن الملك يحتال عليها بجميله الذي أسداه إليها، ويدعو الله أن ينجيه منها، وما أن تسمع دعاءه حتى تنصرف في الحال ولا تلحق به أيّ ضرر. وهذه الحكاية –كما قلنا- هي الوحيدة من نوعها في الليالي، وإن كان هناك حديث عن الغيلان آكلة لحوم البشر وبلاد الغيلان.

ولقد كثر حديث العرب عن الغول، وأنفقوا على أنّها أنثى في الأغلب، وبعضهم يزعم أنّ الله تعالى قد ملك الجن والشياطين والغيلان التّحول قي أيّ صورة شاءوا إلا الغول، فإنّها تتحوّل في جميع صور المرأة ولباسها إلا رجليها فلا بد أن تكونا رجلي حمار.

14- صورة الابنة

تظهر الابنة في ألف ليلة وليلة في صورتين أ_ صورة الابنة الشريرة:- يظهر شر الابنة في حكايتين لا ثالث لهما الأولى من الابنة التي تقع في حبّ أخيه، والثانية التي تعشق القرد. فالابنة تقع في حب أخيها، ويشتد حبّ أخيها لها، ويطير بها هياما، ويقع بينهما القبيح على الرّغم من أنّ أباها حذرها ونهاها عن تلك الأعمال وحجبها عن أخيه، إلا أنّها توافق على ارتكاب المنكر معه، وتهرب معه إلى مقبرة تحت الأرض. ولكنّ القوة الإلهية لا تتركهما، فيحرقهما الله فحماً أسوداً.

أما ابنة أحد السلاطين، فهي تهوى عبداً، وتعشق بعد ذلك قرداً، وحين يصمم والدها على قتلها تصطحب القرد، وترحل به، وهي في رحيلها لا تحتار إلا صحراء مصر المشهورة بالاتساع.صورة الابنة الطيبة: تبدو الابنة في أغلب الأحيان مثالاً للحياء والطاعة معتدّة بنفسها قويّة الشخصيّة، ولعلّ كل زوجة مطيعة كانت في الأصل ابنة فيها تلك الصفات، ويبدو ذلك في حكايات عديدة.

والابنة العذراء المطيعة تحمل كثيراً من الحياء، وهي مستعدّة لأن تساعد أيّ إنسان يحتاج مساعدتها، فهي تقف دائماً في جانب الحقّ، ولا تفعل إلاّ للآخرين، وقد يتمثّل هذا الخير في الانتقام من الظالم وعقابه من جنس عمله كأن تسحره مثلاً كما سحر هو غيره من المظلومين. فالقاصّ يقدّس العذراء ويرسم صورة رائعة. كما تبدو ابنة الملك معتدّة بنفسها، ولها رأيها الخاص في الزواج، ذلك الرأي الذي يحترمه أبوها، ويقدّره وفي أحيان كثيرة يكون هذا الرأي هو رفضها للزواج رفضاً باتاً لسبب أو لآخر. ولكن سرعان ما تقع الابنة في الحبّ وتستسلم له وتلقي سلاحها ناسيةً كلّ شروطها متحلّلة من عقدها، بل قد تساعد الفتاة الشاب في الوصول إليها، وتمكّنه من نفسها.

وقد يتمثّل خير الفتاة الذي يعدّه الأب شرّاً عليه، وعلى المملكة في تديّنها ومعرفتها للدين القويم كما يحدث مع ابنة أحد الملوك من بني إسرائيل، وأيضاً مريم الزنارية وزمرد وغيرهن.

15- صورة المرأة الساحرة

تتجلّى في قصّة (التاجر والعفريت) (45) القدرة العجيبة الخارقة التي تسخّر للشّر. ففي هذه القصّة تحوّل الجارية زوجها وابنه إلى حيوانات مرعى تمسخها انتقاماً. لكن تظلّ لهما خصائصهما البشرية من البكاء والعويل والكلام والاحتجاج. وبما أنّ السّحر لا يفكّه إلاّ سحر أقوى، فالعجوز تسلّط عليهما من السحر ما يعيد الابن إلى حالته العاديّة ويقع الانتقام بالتالي على الجارية، فتمسخ غزالة.

وكذلك الرجل الطيّب الذي يأكل أخواه حقّه، فتأتي المرأة الساحرة لتعوضه أضعاف ما خسر، وتمسخ له أخويه كلبين محكوماً عليهما بهذا السجن الخارج عن حدود عالم البشر مدى عشر سنوات. أمّا الزوجة الخائنة، فإنّها تمسخ بغله جزاء خيانتها واستهتارها بقيم الحياة الزوجيّة، وهي قيم خالدة في عالم الجن أو عالم الإنس.

وقد تمتزج الخيانة بالّحر، فتصنع المرأة للزوج منوّماً، وتخرج من فراشه كلّ ليلة ولا تعود إلاّ عند الفجر، وعندما يكتشف الزوج حقيقتها، تحوّله إلى كائن نصفه حجر ونصفه بشر، وتصبّ عليه العذاب، وهي قادرة على ذلك؛ لأنّها ساحرة شريرة.

16- صورة المرأة المترفة

الخالية من كلّ همّ ومسؤوليّة، ولا شغل لها سوى الغناء ومجالس الإنس والطرب، ففي إحدى القصص ثلاث نساء ومعهن (الدّلالة) التي تأتي بالزبائن، يمرحن وينطلقن ويتحرّشن بالرجال، فيمازحن صاحب الظرف والشّعر، ويسمعن منه، وينشدن له ويغنين. وعندما تنتهي ساعة الصفاء (يقلن له أرنا عرض كتفيك). ولا تلبث أن تشفع له واحدة منهن (اتركاه عندنا نضحك عليه فإنّه ظريف)، ولا يلبث الانشراح أن يعود أشد مما كان، ولا سيما بعد أن تفعل الخمر فعلها، وكأنّ زمام الأمور يجب أن تكون في أيديهنّ، فلا يقع شيء إلاّ بإرادتهن، فإذا هي الأقوى والمسيطر والذي بيده القيادة! وإذا بالرجل يسمع ويطيع وليس له مخالب ولا أنياب. وعن المرأة المترفة تتبع أمور كثيرة: الضجر والضيق وقتل الوقت بالحبّ وممارسته الصحيحة أو الخاطئة وتدبير المكائد والحيل. ومنها اللطيفة الخفيفة، أو لمد يد المساعدة لسبب أو بدون سبب لا شيء إلاّ لتزجيه الفراغ الذي أحدثه الترف، هذا الفراغ الذي هو الأصل (المولّد) لكلّ طاقات الحبّ. ومثال على ذلك الحبّ الحرام الذي نشأ في إحدى القصص بين الأخ وأخته. والذي هو عبث وما كانت نتيجته سوى السّخط واللعنة والموت حرقاً.

17- صورة المرأة المنتقمة

ما أكثر الانتقام في الأقاصيص، وما أسهل سبله حيناً وأصعبها أحياناً! والسّحر يساعد المرأة على تنفيذ خططها الانتقاميّة. هذه المرأة لا يغلبها إلاّ الذكاء؛ لأنّ العشق إذ يطغى عليها تعود تتبيّن الحقائق، والانتقام مقترن بالغيرة إلى جانب السّحر، ففي قصّة (التاجر والعفريت) (46) تبدو المرأة قد ذبحت ضرّتها انتقاماً. والفتاة الساحرة في هذه القصّة بالذات ليس لها غاية في المال، وإنّما في الانتقام.

وقد يبدو الانتقام لسبب تافه، فالمرأة التي لقيت الأهوال في الهروب من قصر الخليفة حتى عثرت على من يحبه فؤادها، وعرّضت نفسها للأخطار تضيّع كلّ هذا، فتنتقم من حبيبها لا لشيء إلاّ من أجل عادة سيئة، وهي عدم غسل الأيدي قبل أكل (الرزباجة) وهو نوع من الطعام يستوجب تناوله على ما يبدو نظافة كاملة.

وفي قصّة (مزيّن بغداد) (47) تبدو المرأة ذات كيد وحيلة، فتعذّب الرجل بعد أن تغريه بجمالها، فتعرضه للمهانة والذّل، وينخدع بها مرة بعد مرّة، فإذا هي تستدرجه إلى بيتها، ثمّ يأتي زوجها، ويقبض عليه، ويأخذه إلى صاحب الشرطة يطوف به في الشوارع، ويضرب بالسياط ويشهّر به. وفي قصّة (الجوهري) أيضاً تحتال المرأة بأحذق أسلوب حتى تأخذ منه جواهر وأموالاً ثمّ تتزوجه ولا تلبث أن تترك. لماذا؟ لسبب بسيط، هو أنّه خالف أوامرها وذهب إلى القصر، بينما هي في الحمّام، وقابل الملكة وفي غيابها وأنشدها الشعر، فإذا هي تأمر به، فينقطع عنقه.

18- صورة المرأة المتصوّفة

وذكرها قليل جدّاً، وهذا غريب في عصور كانت فيه سير النساء المتصوفات تملأ الكتب بما يشبه الأساطير، حتى حياة (رابعة العدويّة) انتقلت من حيّز الواقع الزهدي إلى حيّز الأسطورة والقداسة.

أمّا إذا اعتبرنا الفناء في الحبّ حتى الموت والحبّ بعد الموت أو الاستشهاد في سبيل العشق من المفاهيم الصوفيّة. ففي ألف ليلة وليلة نماذج رائعة من المرأة التي تحبّ بشفافيّة صوفيّة، ولا تريد من حبيبها سوى مجرد الحبّ، وهي تلقى العذاب حلواً، وحتى الموت، مقبولاً في سبيل من تحبّ. وتبدو المرأة من أجل إيمانها (وهنا الإيمان بالإسلام عوضاً عن المجوسيّة) تهجر الثروة والمجدّ، وتكون جارية عند الرجل المؤمن بعد أن كانت سيّدة في قومها.

وقد يكون دعاء المتصوّفة الصادق الحار هو الذي يحلّ المشكلة: ففي قصّة (بدور ابنة الجوهري) مع أمير بني شيبان تقول (بدور): "إلهي وسيدي ومولاي، كما ابتليتني بمحبته أن تبتليه بمحبتي، وأن تنقل المحبّة". إنّها معجزة الإيمان تنتقل إلى عالم الحبّ في ألف ليلة وليلة. فسبحان الله.

19- صورة المرأة ذات الكبرياء

تطرح ألف ليلة وليلة مقولة للأيمان في الحبّ، وهي أنّه حتى يمكن من قلب العاشق، فأمر الكبرياء ليس له مكان نزعة المرأة إلى أن تكون محتفظة بكبرياء الأنوثة تطل بين حين وآخر، وهي عاشقة فترى أنّها تحتمل ألم الحبّ وعذاباته، لكن لا تحتمل الإهانة، وقد يدفعها هذا إلى الانتقام، وهي لا تزال ضمن دائرة الحبّ.

وهذه بنت النعمان نموذج طريف للمرأة التي تطعن بكرامتها لمجرد الزواج بمن لا تحب؛ لأنّه أجبرها بنفوذه على الزواج منها (وهو الحجاج)، فقد ابتعث طريقة أخرى وهي أن أوصلت خبرها للخليفة، فجاء يخطبها فاشترطت أن يقود الحجاج هودجها بعد أن طلّقها ثمّ رمت بدينار إلى الأرض وقالت لا درهم قالت: عبارتها المشهورة (سبحان من بدّل الدرهم بدينار).

20- صورة المرأة العابثة اللاهية

ونماذج كثيرة في الكتاب وأساليبها أكثر، تبدأ من الممازحة والظرف والإنس حتى المخاطرة الجريئة التي لا تحمد عواقبها، ففي قصّة (الخيّاط والأحدب) (48) نرى أنّ زوجة الخيّاط تتسلّى بالأحدب. تؤاكله وتمازحه وتزيل عنه الهمّ والأحزان إلى أن ألقمته مرّة قطعة سمك كبيرة وسدّت فمه بكفّها تريد أن يأكل القطعة دفعة واحدة دون مضغ. ولما كان فيها شوكة ولم يقو على ابتلاعها اختنق، فهل هذا –ولو خيّاليّاً- مزاح؟ إنّه إفساد لطبيعة المرأة بما فيها من رقّة وحنان، لكن الأقاصيص تريد أن تثبت فكرة عبث المرأة ولهوها بشكل متطرّف يبدو معه أحياناً فجّاً وغير مسؤولاً. وقد تخرج المرأة اللاهية إلى السوق بأبهى حلّة وزينة تشتري، وتشتهي وتنقّي رجلاً يعجبها وتدعوه إلى بيتها، ويكون الخمر والإنس والطرب، وهي كما تعترف (مالها بالقماش حاجة) وإنّما من أجل أن تتلهّى وتتسلّى.

21- صورة المرأة الفلاّحة

هذه الصورة من الصور النادرة في الليالي، وذكرها أيضاً قليل نظراً لانغلاق المجتمع وبنية الأنظمة على توالي العصور، وتبعيّة المرأة للرجل وبروز عنصر المرأة الجارية وإن لم تكن جارية فهي المرأة الظل أو المرأة الهامش، ومع ذلك فإنّه ورد ذكرها (كما في قصّة كسرى وبنت صاحب الضيعة) فهي المرأة الذكيّة التي تملك خبرة عملية في الحياة. (عصرت قصب السكر بكوب، وذرّت عليه بعض التراب ثم قدّمته لكسرى الذي يمرّ بضيعتهم عطشاً لأنّها أدركت أنّه شديد الظمأ، وتخشى أن يشرب ما في الكوب مرة واحدة فيلحق به الضرر في الوقت الذي لا تريد له إلاّ الخير). ولمّا عاد مرّة بعد عام بعد أن ضاعف الخراج على الضيعة وأصبحت ثلاثة أعواد من القصب لا تكفي لعصر كوب واحد، وقالت: "نية السلطان تغيّرت نحونا، فقلّت البركة لذلك عندنا".

بعض الجوانب الخارجيّة أو الشكليّة الخاصّة بالمرأة في الليالي

وقاص الليالي يهتم –بلا أدنى شك- بالجوانب الخارجيّة لبطله وبطلته، فيدلّ القارئ أو المستمع على أشياء بعينها قصد إليها وعمد في الإبانة عنها، والقاص في الليالي أيضاً لم يغفل ذلك فما يبدأ ذكر شخصيّة من شخصيّاته حتى يعطينا صورة عن مظهرها الخارجي، ويعرض صفحات كثيراً ما تكون حسّية ملموسة يقدّم لنا بها بطله فهو يغفل أنّه بالشكل والموضوع تكتمل الصورة وبها، ترتسم صورة في ذهن القارئ أو المستمع عن أبطال الحكاية التي يقرؤها أو يسمعها. ومن أمثلة هذه الجوانب الشكليّة الخارجيّة في المرأة:

أولاً: وصف المرأة

الصبيّة: أغلب حبيبات الليالي جميلات حسناوات فما أن يتعرض القاص لذكر إحداهن حتى يسارع بقوله: أنّها صبيّة رشيقة القد قاعدة النّهد ذات حسن وجمال وقد اعتدال وجبين مغرة الهلال وعيون الغزلان وحواجب كهلال رمضان وحدود مثل شقائق النعمان وفم كخاتم سليمان ووجه كالبدر في الإحراق ونهدين كرمانتين باتفاق وبطن مطوي تحت الثياب.

وإذا كان القاص في الليالي يعمد إلى تصميم شكلاً معيّناً لوصف المرأة، فهو نفسه يأتي بقصّة هؤلاء الجواري المختلفات الألوان، ويصفهنّ بالحسن والجمال لدرجة أنّه يصعب التمييز بينهن أو تفضيل إحداهن على الأخرى، ويقيم بينهن مشادّة فيها تحاول كلّ واحدة أن تثني على نفسها وتذم صاحبتها، ويبدو أنّ كلّ واحدة تثق بجمالها، فتروح تدافع عنه، أمثال تلك المشادّات كانت تكثر بين البيض والسّمر في حضرة الخليفة أو الأمير، حيث يدور الجدل العنيف بين الجنس اللطيف، ويكون للمستمع أن يرى إحداهن تكشف عن عيوب الأخرى، وتعرض ميزاتها.

وكما يبدو فكلّ صبيّة في الليالي جميلة، وليس فيهن من هي متوسطة الجمال أو القبيحة المنظر إلاّ إذا كانت عجوزاً.

وصف العجوز: القاص لديه أيضاً نموذجان لا ثالث لهم في وصفه للمرأة فهي إمّا صبيّة يصفها بجمايل الصفات، وهذه الصفات لا تخرج عن القالب السابق أو عجوز فيصفها بصفات مخيفة: فم أبخر، وجفن أحمر، وخد أصفر بوجه أعبش وطرف أعمش، وجسم أجرب، وشعراً أشهب، وظهر أحدب، ولون مائل. وهو بعد ذلك لا يكثر من ذكر هذا الوصف بل لا يذكرها إلاّ في هذين الموضوعين، ويكتفي بعد ذلك بأن يقول عجوز أو عجوز النحس، وكأنّ صورة تلك العجوز ارتسمت في ذهن القارئ، فمجرد أن تقع عينه على كلمة (عجوز) أو يسمع ذكرها ليتخيّل ذهنه صورتها البشعة.

ثانياً: الملبس

وهو من مكملات زينة المرأة، ودليل في الليالي على مكانتها، وبه يقاس مستوى من ترتديه بل إنّه من ملبسها يقدّر ثمنها إذا كانت جارية تباع وتشترى، وملابس الملكة تختلف عن المرأة العادية، وإن كان القاصّ يعلي من شأن الصبية العاديّة، فيصف ملبسها بأنّه مثل غيرها من الملكات، فالملكة تلبس حلّة مزركشة باللؤلؤ الرّطب وعلى رأسها تاج مكلّل بأنواع الجواهر وفي عنقها قلائد وعقود. ويبدو أنّ الزّنار من الأشياء التي كانت تميّز غير المسلمات والروميات، منهن بالذات ويبدو بأنّهن قد شهرن به فما أن يذكر القاصّ رومية حتى يصفها بأنّها تضع الزنار حول خصرها حتى أنّ ليسمي واحدة من بطلاته (مريم الزناريّة)، ويقول إنّها تجيد صناعة الزنانير، وقد انتشر ذلك الزنار في العصر العباسيّ.

والتاجر الذي يرغب في الحصول على ثمن باهظ في جادّته الجميلة فهو يلبس أفخم الملابس لإظهار مفاتنها بتلك الحلي والجواهر الثمينة، بل إنّ المرأة العربية نفسها تكثر مكن التحلّي بهذه الجواهر. والصبية تلتف بإزار موصلي من حرير مزركش بالذهب وحاشيته من قصب فرفعت قناعها فبان من تحته عيون سوداء. فهو لا يزال يذكر القناع الذي تخفي به الصبية جمالها، فقد كانت المرأة مقنّعة محجبة لفترة قريبة، وهي لا تتورّع عن كشف وجهها ليراها الرجل، ويقدّر جمالها، ويقع في هواها وقد تكون هذه النظرة أول الطريق في علاقة مشينة.

والقاصّ يكتفي في كثير من الأحيان بقوله: إنّ الحلل مزركشة أو أنّها زرقاء أو خضراء، ولا يذكر ألواناً أخرى غير أن يقول مخططه، ويكثر من ذكر الذهب والفضة والثياب المقصّبة والجوهر والدرّ، وكأنّ زينة المرأة لا تكتمل إلاّ بهذه الجواهر الثمينة ولا يظهر مستواها إلاّ هذه الدّرر.

فالصورة حسيّة في وصفه لجمال المرأة بل إنّها تتكرر بنفس الألفاظ، وكذلك بالنسبة لملابسها وألوانها التي ترتديها لكن شيئاً واحداً يظل ثابتاً هو الصورة الماديّة لهذه المحبوبة، واحدة في الجسم والملبس بل ألواناً بعينها ترتديها، وهي الأخضر كثيراً والأزرق قليلاً، وهي إذا افتقرت تلبس ثوباً من الشّعر حيث لا تجد ما يستر جسدها.

ثالثاً: الأطعمة والمشروبات

المرأة في الليالي تقدّم في بيتها أو قصرها ألواناً كثيرة من الأطعمة تجيد عملها ونراها إذا خرجت للشراء تشتري الزيتون والفواكه والسفرجل واللحم، وهي كثيراً ما تخرج لشراء القماش سواء لها أم لسيدتها فتطلب أجود الأنواع، وتسميها تفصيلة، وهي تشتري بأثمان باهظة وقد لا تدفع الثمن وتطلب من التاجر أن يرسل معها من يقبض الثمن.

أ‌- الأطعمة

المرأة تقدّم أنواعاً طيّبة من الأطعمة لضيفها، فتعدّ سفرة لهذا الضيف الذي غالباً ما يكون عشيقها، وهذه السفرة مكونة من أفخم الألوان من محمّر ومرق ودجاج محشوة وكذلك الحلويات والفاكهة والرياحين.

والمرأة الفقيرة الحال حينما يعرض عليها أن تطلب الطعام الذي ترغب فيه تكتفي بقولها (عيشاً وجبناً)، فالمرأة المحرومة تكتفي بالعيش والجبن كأيّ فلاح مصري فقير يحمل هذا الطعام إلى حقله، ويأكله في بيته في أغلب الأحيان.

ب‌- المشروبات

غالباً ما يكون الخمر المشروب المفضّل والأساس الذي يكتمل به الاجتماع وتعمّ الفرحة، وفي مواضع كثيرة يذكر القاصّ منافع الخمر وقيمتها.

فالقاصّ الذي يغلب أن يكون مسلماً يذكره المنافع للخمر، ولعلّ العرب قد ذكروا منافعها وأكثروا من مدحها، ومن ذلك أواني الخمر مثل القاصّ والقدح والكأس.

ومجالس الشراب في الليالي هي مجالس الغناء فلا يخلو مجلس غناء من شراب خمر صوت وضرب على الآلات، والقاصّ يروق له وصف هذه المجالس وما يدور فيها من شرب الخمر. ومن المشروبات التي ذكرها القاصّ في الليالي القهوة والبوظة. (49)

العادات الاجتماعية التي تخصّ المرأة في ألف ليلة وليلة

أولاّ: الخطبة

الخطبة تتم بين الآباء لا سيما الأخوة منهم فيما يخصّ الأبناء، فنور الدين مثلاّ يتحدث مع أخيه شمس الدين بخصوص زواج أبنائهم حتى قبل أن ينجب وبمعنى أدق قبل أن يتزوج، وإن لم يكونوا أبناء عم كأن يخطب ملك مثلا فتاة فهو يسمع عنها، وعن جمالها وأنّها ابنة الملك الفلاني، ويبعث بوزيره أو يذهب لخطبتها وإن مات أحد الطرفين، فالزواج بين الأبناء قد يتمّ وقد لا يتمّ، وقليلا بل النادر ما تستشار الفتاة في الأمر، وقد ترفض الزواج؛ لأنّها لا ترغب وقد توافق ويتم زواجه، ولو لم تر هذا الذي خطبها وترك ديار أبيها راحلة إلى حيث يعيش زوجها . ولا يفوتنا أن شهرزاد كان لها رأي في الزواج، وطلبت من والدها أن يزوجها الملك شهريار بالذات، وإذا كانت التي ستتزوج جارية، فالبطل يشتريها، وقد يصرح بإطلاق سراحها، وقد لا يبوح بذلك، ثم يعقد قرانه عليها وكأنّ العقد نفسه عتق لها.

ثانيا:المهر

لا يفوت القاصّ في الليالي أن يذكر المهور والاختلاف عليه، الذي قد يؤدي كثيراً إلى تعطيل الزيجات. والمهور في الليالي قد تكون نعماً وهذا قليل وقد تكون مبلغاً من المال وهذا هو الغالب والمال يدفعه العامة من الناس، لكنّ الملوك يحملون الهدايا الثمينة والتحف الغالية القدر والجواري والعبيد، وبالنسبة لزواج الرجل من جارية فمهرها ثمنها الذي يدفعه عند الشراء. ولعلّ ذلك من بقايا زواج الشراء الذي كان أكثر الطرق انتشاراً بين الأمم والشعوب القديمة لحصول الرجل على زوجة له.

ثالثا: الزواج

بعد أن تتم الخطبة لا يكون على والد العروس إلاّ أن يتم الزواج، فيقيم في داره أو قصره حفل الزواج، وهو الذي يجهز العروس، ويكون جهازها من أفخر موجودات عصره. والقاصّ يطلق العنان لخياله في وصف هذا الجهاز والمركب، ولا يقتصر على ذلك فلا بد أن تقام الأفراح، وتمدّ الأطعمة المختلفة الألوان وتقام الملاعب المختلفة، ويستمر ذلك أربعين يوماً يكون فيها محط الأنظار.

والشّعب مأمور أن يخرج كلّه لملاقاة عروس الملك، ومأمور أيضاً أن يكون في أحسن البهجات، وكأنّ الشعب ليس له إلاّ أن ينفّذ مثل هذه الأوامر، ولا يرفض للملك أمراً حتى لو لم يكن يرغب في ذلك.

رابعاً: الأبناء

بعد أن تزف العروس إلى زوجها، ويلتقي بها لأول مرّة لا بدّ أن تعلق منه في الليلة الأولى إذا كانت ولوداً، وعادةً ما يحلم الملك بولد يرثه ويرث عرشه. والمرأة بعد أن يتمّ حملها تنجب بمساعدة مولّدة لها وهم ينتظرون قدوم الطفل في لهفة ولا سيما الأب الذي يتمنّاه ولداً، والأبناء كثيراً ما يسمون بأسماء ذات معانٍ حسب مولدهم وظروف ولادتهم، فست الحسن التي تنجب ابنها بطريقة عجيبة تسميه (عجيب) وابنه شركان الغير شرعية من أخته، يسمونها (قضى فكان) وهكذا تعدّد الأسماء رامزة لظروف إنجاب الطفل. ولعلّ امرأة الليالي كانت تعرف حدوداً للخلفة، فهي لا تنجب إلاّ واحداً أو بنتاً ولذا وإن زاد فثلاثة، ولا زيادة على ذلك. فهل كانت المرأة على هذا المستوى أم أنّ هذا هو ما يتطلّع إليه القاصّ الذي كثيراً ما يطرح علينا بطريق غير مباشرة اقتراحات طريفة تنمّ عن فطنته.

خامساً: الضراير

المرأة تعيش مع ضرّتها، ويكثر ذلك من أمثال بدور وحياة النفوس وزبيدة العدوية، وكثيراً ما لا يدب الخلاف بينهما بل أنّ المرأة تشير على زوجها أن يتزوج من تلك التي حفظت سرّه وصانته في أزمته، وإن كانت الصورة الغالبة في الحياة هي اختلاف الضراير وقيام المشاجرات بينهن، والقاصّ قد يتطلّع دائماً لحياة أفضل، ويودّ أن يوفّق النقيضين ولو حتى في الليالي والقصص وليس في الواقع. (50)

الهوامش:

(1) ألفة الأدلبي: نظرة في أدبنا الشعبي ألف ليلة وليلة وسيرة الملك سيف بن ذي يزن، ط1، منشورات اتحاد الكتّاب العربي، 1974، دمشق، ص49.

(2) المرجع نفسه: ص49.

(3) فاروق سعد: من وحي ألف ليلة وليلة، ط1، ج1، المكتبة الأهلية: بيروت، 1962، ص43-44.

(4) المرجع نفسه: ص44.

(5) ألف ليلة وليلة، ج1، مرجع سابق، ص8-9.

(6) أحمد محمد الشحّاذ: الملامح السياسية في حكايات ألف ليلة وليلة، ط1، منشورات وزارة الإعلام، بغداد 1977، ص200.

(7) عالي سرحان القرشي: نص المرأة، مرجع سابق، ص32.

(8) أحمد محمد الشحّاذ: الملامح السياسية في ألف ليلة وليلة، مرجع سابق، ص207.

(9) ألف ليلة وليلة، ج3، مرجع سابق، ص409-432.

(10) مهدي النجّار: التراث الشعبي والحقبة الكسولة في ألف ليلة وليلة، مجلة دراسات عربية، عدد6، نيسان 1981، دار الطليعة، بيروت، ص124.

(11) محسن جاسم الموسوعي: الحارق في ألف ليلة وليلة، مجلة الفكر العربي المعاصر، العدد 38، آذار 1986، مركز الإنماء القومي، بيروت، ص30.

(12) ألف ليلة وليلة، ج2، مرجع سابق، ص100.

(13) المرجع نفسه، ج3، ص188.

(14) المرجع نفسه: ص288.

(15) علي الراعي: محتالون ولكن شرفاء، العربي، 266، يناير 1981، ص42-44.

(16) سهير القلعاوي: ألف ليلة وليلة، ط1، دار المعارف، القاهرة، 1966، ص311.

(17) ألف ليلة وليلة، ج3، مرجع سابق، ص 204.

(18) هيام علي حمّاد: المرأة في ألف ليلة وليلة، لا وجود للطبعة أو سنتها، مكتبة نهضة الشرق، القاهرة، ص73.

(19) عبده جبر: النواحي الجمالية في ألف ليلة وليلة، مجلة الكويت، العدد 11، 1981، ص102.

(20)ألف ليلة وليلة، ج1، مرجع سابق، ص7-8.

(21) ألف ليلة وليلة، ج12، مرجع سابق، ص6.

(22) المرجع نفسه: ص9.

(23) قمر كيلاني: المرأة في ألف ليلة وليلة، مجلة الكويت، العدد 7، ابريل 1981.

(24) المرجع نفسه: ص90.

(25) فيكه فالثر: صورة المرأة في ألف ليلة وليلة، مجلة تاريخ العرب والعالم، العدد51، كانون الثاني، 1983، ص59.

(26) المرجع نفسه: ص409.

(27) المرجع نفسه: ص137.

(28) المرجع نفسه: ص108.

(29) ألف ليلة وليلة، ج1، مرجع سابق، ص214.

(30) المرجع نفسه: ص288.

(31) أنظر: عبد الغني الملاح: رحلة في ألف ليلة وليلة، ط1، المؤسسة العربية للدراسات، بيروت، 1981، بتصرّف، ص47.

(32) ألف ليلة وليلة، ج3، مرجع سابق، ص188.

(33) فريد ويش فون دير لاين: الحكاية الخرافية، ترجمة نبيلة إبراهيم، ط1، دار العلم، بيروت، 1973، ص216.

(34) ألف ليلة وليلة، ج4، مرجع سابق، ص324.

(35) المرجع نفسه: ص214.

(36) قمر الكيلاني: المرأة في ألاف ليلة وليلة، مرجع سابق، ص91.

(37) ألف ليلة وليلة، ج2، مرجع سابق، ص100.

(38) المرجع نفسه، ج3، 409.

(39) المرجع نفسه، ج3، ص243.

(40) المرجع نفسه، ج2، ص407.

(41) المرجع نفسه، ج2، ص409.

(42) المرجع نفسه، ج4، ص108.

(43) المرجع نفسه، ج3، ص188.

(44) المرجع نفسه، ج3، ص335.

(45) المرجع نفسه، ج1، ص12.

(46) المرجع نفسه، ج1، ص12.

(47) المرجع نفسه، ج1، ص137.

(48) المرجع نفسه، ج1، ص114.

(49) البوظة: هي خمر الشعير في الغالب، يعرفها أهل السودان أيضاً.

(50) هيام علي حمّاد: المرأة في ألف ليلة وليلة، مرجع سابق، ص3321.

المصادر والمراجع

المصادر

1. ألف ليلة وليلة، ط5، دار مكتبة التربية، بيروت، 1987.

المراجع

1. أحمد محمد الشحّاذ، الملامح السياسية في ألف ليلة وليلة، ط1، منشورات وزارة الإعلام، بغداد، 1977.

2. ألفه الأدلبي، نظرة في أدبنا الشعبي ألف ليلة وليلة وسيرة الملك سيف بن ذي يزن، ط1، منشورات اتحاد الكتّاب العربي، دمشق، 1974.

3. خليل أحمد خليل، مضمون الأسطورة في الفكر العربي، ط2، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، 1980.
4. سهير القلماوي، ألف ليلة وليلة، ط1، دار المعارف بمصر، 1966.

5. شفيق معلوف، حبّات زمرد الأدب العربي الحديث حكايات ألف ليلة وليلة، لا وجود للطبعة أو للسنة والنشر، القاهرة.

6. عالي سرحان القرشي، نص المرأة.

7. عبد الغني الملاّح، رحلة في ألف ليلة وليلة، ط1، المؤسسة العربية للدراسات، بيروت، 1981.

8. فاروق سعد، من وحي ألف ليلة وليلة، ط1، ج1، المكتبة الأهلية، بيروت، 1962.

9. فريد ويش فون دير لاين، الحكاية الخرافية، ترجمة نبيلة إبراهيم، ط1، دار العلم، بيروت، 1973.

10. قيس النّوري، الأساطير وعلم الأجناس، ط1، منشورات جامعة بغداد، 1980.

11. محمد عبد الرحمن، الجنس والسلطة في ألف ليلة وليلة، ط1، الانتشار العربي، بيروت، 1998.
12. هيام علي حمّاد، المرأة في ألاف ليلة وليلة، لا وجود للطبعة أو سنتها، مكتبة دار نهضة الشرق، جامعة القاهرة.
المجلات:
1. عبده جبر، النواحي الجمالية في ألاف ليلة وليلة، مجلة الكويت، العدد11، 1981.
2. فبيكه فالثر، صورة المرأة في ألاف ليلة وليلة، مجلة تاريخ العرب والعالم، العدد 51، كانون الثاني، 1983.
3. قمر كيلاني، المرأة في ألف ليلة وليلة، عدد7، ابريل، 1981.
4. محسن جاسم الموسوعي، الخارق في ألف ليلة وليلة، مجلة الفكر العربي المعاصر، العدد 38، آذار 1986، بيروت مركز الإنماء القومي.
5. مهدي النجّار، التراث الشعبي والحقبة الكسولة في ألف ليلة وليلة، مجلة دراسات عربية، العدد 6، نيسان 1981، بيروت، دار الطليعة.

**د لا ل**
2013-04-04, 20:02
المرأة البطل الرئيسي في ألف ليلة وليلة المصدر: مجلة نصف الدنيا


- اسم الكتاب: ألف ليلة وليلة
- اسم المؤلف: سهير القلماوي
- تقديم: د. طه حسين
- الناشر: الهيئة العامة لقصور الثقافة
لقد أكدت الدراسة أن ألف ليلة وليلة اكتملت في مصر بعد أن تشبعت بالحياة المصرية والشخصية المصرية ولغة الحياة الشعبية المصرية. حكايات ألف ليلة وليلة حيث عالم السحر والعجائب والرحلات في أعماق البحار والكهوف. ليالي هارون الرشيد. الحرملك وحكايات الحريم ومؤامرات الجواري، كان هذا كله البوابة السحرية التي حاول الغرب التسلل منها للتعرف عن كثب عن هذا الشرق الساحر حتي كتب الأطفال استقت حكاياتها من عالم الليالي كعلاء الدين ومصباحه السحري وعلي بابا والسندباد البحري حتي أصبحت تلك القصص جزءا من ثقافة الأطفال في أوروبا. واستهوي عالم الرحلات في روايات الف ليلة وليلة الكتاب الغربيين وسرحوا بخيالهم في آفاقه حتي كان من أبرز كتب الأدب الإنجليزي ذيوعا رحلات جاليفرز وروبنسون كروزو.
وقد صدر كم هائل من الدراسات الاستشراقية عن عالم الليالي. بل لقد طبعت الليالي أكثر من ثلاثين مرة في إنجلترا وفرنسا في القرن الثامن عشر وحده ونشرت نحو ثلاثمئة مرة في لغات أوروبا الغربية وكذلك في عالم الشرق. إلا أن الدراسة المبكرة والمتميزة في هذا الصدد كانت من نصيب الدكتورة سهير القلماوي.
ولا شك أن كاتبة وأديبة بحجم سهير القلماوي قد بذلت جهدا متميزا في دراسة وتحليل حكايات ألف ليلة وليلة الشهيرة وهو ما أكده الدكتور طه حسين في تقديمه للكتاب فقد سافرت الدكتورة سهير القلماوي إلي فرنسا وإنجلترا واستفادت من الأساتذة المستشرقين بها حتي أتمت دراستها التي نالت عنها الدكتوراة من كلية الآداب خصوصا أن دراستها من الدراسات المبكرة عن الليالي وقد فاجأتنا سهير القلماوي بتأكيدها في هذه الدراسة أن ألف ليلة وليلة اكتملت في مصر بعد أن تشبعت بالحياة المصرية والشخصية المصرية ولغة الحياة الشعبية المصرية.
ولعل من الحقائق التي تلفت النظر إليها في الكتاب أن المرأة هي البطل الرئيسي في الليالي علي اختلاف صورها عبر العصور والبيئات حيث إن كتاب ألف ليلة وليلة لا تجمعه وحدة المؤلف ولا العصر.
وكما أشارت سهير القلماوي فإن صورة المرأة في الليالي كلها ترجع إلي نوعين: نوع استقاه القاص من حياته القريبة، وهي حياة الطبقة الوسطي من تجار مصر خصوصا في العهد الإسلامي وتجار البلاد التي خضعت إلي سلطان الدولة الإسلامية عامة ونوع استمده القاص من الخيال ففي الليالي صور كثيرة عن ملكات وجنيات محاربات ونساء من سكان عالم البحار وسيدات ينتمين إلي طبقة العلماء. والليالي صورت نماذج من المرأة ولكنها لم تصور نساء بعينهن: فقد صورت الجارية والعالمة والعجوز الماكرة.
ولعل أكبر دور قامت به المرأة في الليالي هو دور المرأة العاشقة والصورة العامة لهذا الدور هي لقاء وحب من أول نظرة ثم فراق فلقاء يتخللها تعرض الحبيبين للكثير من الأهوال. يلي دور الحب مباشرة دور الكيد وكيد النساء مختلف الصور ففي قصة الوزراء السبعة تزعم جارية الملك أن ابن الملك راودها عن نفسها. وتدور مناظرات بينها وبين وزراء الملك السبعة حول كيد الرجال وكيد النسا وأيهما أكثر كيده. هوأكثر ما تكيده المرأة في الليالي يكون للوصول إلي حبيبها والتخلص من زوجها. بل إن هناك قصصا تدور كلها حول هذا الموضوع كقصة مسرور التاجر وزين المواصف وقصة قمر الزمان ومعشوقته وفي قصة مريم الزنارية نجد امرأة نصرانية تسلم لتصل إلي حبيبها حتي أن ملك الرومان لا يستطيع استخلاص ابنته حتي من الرشيد نفسه الذي اضطر إلي حماية من أسلمت ولكن هذا لا يمنع من أن المرأة قد تكيد لمجرد الكيد.
وتمدنا قصة عمر النعمان بدورين آخرين مهمين للمرأة في الليالي الأول هو المرأة المحاربة والثاني المرأة العالمة وقد استمدهما القاص من خياله فالمحاربات إن كن آدميات فهن نصاري يسلمن أو يلدن مسلما، وإن كن جنيات فهن إما من جنيات الجن المؤمنات وإما بعيدات جدا عن الحياة الدنيا علي نحو ما نجده في جزيرة الواق واق في قصة حسن البصري.
وأما المرأة العالمة فقد استمد القاص الكثير من معالمها من الأدب العربي، فهناك قصة الملك الذي تزوج امرأة لأنها أحسنت الجواب الذي يدل علي حكمتها. كما تزوج الرشيد بكثيرات ممن رددن ردا حكيما أو أكملن بيتا ناقصا أو أنشدن أبيات شعر أعجبته.
وفي كل الأحوال ظهرت المرأة في كل قصة من قصص الليالي وهي تلعب دورها وتكون عنصرا مهما إن لم يكن الأهم في تسيير دفة الحوادث.

**د لا ل**
2013-04-04, 20:09
كذلك كتاب المراة واللغة للناقد عبد الله الغذامي

فيه دراسة حول قصص الف ليلة وليلة

الكتاب مهم جدا

http://www.goodreads.com/book/show/5976121

**د لا ل**
2013-04-04, 20:14
شهرزاد في الفكر العربي و الغربي .. إعداد : رباب حسين النمر


http://aljsad.com/forum85/thread81422/

**د لا ل**
2013-04-04, 20:16
بحوث جاهزة عن الف ليلة وليلة


http://www.study4uae.com/vb/study4uae72/article32974/

**د لا ل**
2013-04-04, 20:17
بالنسبة للتطبيق

لم افهم صيغة السؤال

على اي منهج ام مجرد تحليل فقط

موفقة اختي

حنان العنابية
2013-04-05, 14:29
المهم تحليل وايضا اتكلم عن تلخيص فصة نورالدين التي دكرتها وفي النظري اتكلم عن اهمية الانثى في السرد العربي وكل صورة من صور المراة ادكر فيها ابيات شعرية وشكرا على المساعدة جعلها الله في ميزان حسناتك

جلايلة محمد أمين
2013-04-05, 22:33
أريد بحث حول الإبدال و تطبيقه على سور من القرآن الكريم

BLACKEYES
2013-04-06, 10:30
شوف كتاب محمد سليمان ياقوت بعنوان الله أعلم النحو التطبيقي والتطبيق على القرآن الكريم تجد فيه كل شيء

taranim
2013-04-07, 15:45
السلام عليكم اريد مساعدة في مذكرتي الفصل الاول انجزته و الحمد لله لكن الفصل التطبيقي لم افهمه انا في حيرة و عنوان المذكرة تو ظيف التراث في رواية سيد الخراب

jennatallah
2013-04-09, 16:20
اختي دلال ,مأجورة ان شاء الله على الفائدة, ومن فضلك,أنا أبحث عن مقياس النقد الجزائري،معلومات ،محاضرات.. ان أمكن ...وشكرا لك.

taranim
2013-04-10, 07:45
اختي دلال هذه رواية سيد الخراب ارجوك ساعديني في المذكرة توظيف التراث في رواية سيد الخراب
http://www.herosh.com/download/11124976/___.______.2010pdf.pdf.html

kaous20
2013-04-10, 11:03
بارك الله فيك

**د لا ل**
2013-04-11, 23:51
ساحاول المساعدة في اقرب وقت

اتمنى ان تسامحوني لدي ظرف خاص

البنت الجلفاوية
2013-04-11, 23:58
الله يكون في عونك

كاثرينيا
2013-04-12, 22:29
Merciiiiiiiiiiiii

dina mi
2013-04-17, 14:39
ممكن مساعدتي اريد رواية نهاية الامس لعبد الحميد بن هدوقة ارجووووووو مساعدتكم

znacer
2013-04-30, 13:29
شكرالكم على هدة الدروس القيمة

أم إسماعيل
2013-05-02, 21:41
السلام عليكم و رحمة الله وبركاته إخاني أخواتي أحببت اليوم أن أشارككم بهذا الموضوع الذي كتبته أنا بالأساس وقمت بنشره في احد الماقع وهاأنا ذا أنقله اليوم إلى هذا المنتدى لتعم الفائدة الجميع ............لاتبخلو بالردود[






النقد التكويني La critique gènètique :
يعدّ (النقد التكويني) إحدى أدوات الاستبصار بنشوء النصّ، وتحوّله، وتطوّه التى ظهرت أواخر القرن التاسع عشر حيث " ينطلق من مقولة مفادها أن النص النهائي لعمل أدبي هي محصلة عمل/ إنشاء تدريجي، و بالتالي يكرس النقد التكويني نفسه لإعادة اكتشاف الآثار المادية/ مخطوطات العمل التي خلفها هذا العمل الأدبي، فالنقد التكويني لا غاية له سوى إعادة تشكيل النص في حال تولده، وهكذا فإن إبراز خصوصية النص من خلال الصيرورة التي أدت إلى ولادته هي مشروع هذه المقاربة النقدية
إذن فالنقد التكوينى يتخذ موضوعه من "البعد الزمنى للنص فى حالة تولده، ويجعل أدواته هي تتبّع خربشات الكاتب الأولى، ومخطوطات نصّه، بما فيها من حذف أو إضافة أو تعديل، قبل أن يستقرّ النصّ إلى صورته النهائيّة. وسبر هذه الرحلة من خلال ما يسمّى «وثائق الكتابة» مهمّ جدًّا في التعرّف على تخلّق النصّ. وقيمة الملحوظات في هذا المضمار تتخطّى عمليّة دراسة النصّ في ذاته، وفي وضعيته السكونيّة النهائيّة، كمعطى ثابت، ووثيقة ختاميّة، إلى دراسة عمليّة الإبداع نفسها، وأسرار الظاهرة الأدبيّة، في تشكّلها، وصراعها، ومَورها، إقدامًا وإحجامًا، إثباتًا ونفيً.
و تجدر الإشارة أن النقد التكويني لا يمثل منهجاً نقدياً يعارض غيره من حيث طريقة التعامل مع النص فهو "لا يسعى إلى منافسة مناهج تحليل النص الأخرى بل هو يقدم نفسه كحقل جديد للدراسة ، وتجد فيه الخطابات النقدية مادة لتوكيد أو دحض فرضياتها التأويلية حول العمل الأدبى بقدر معقول من الموضوعية التجريبية".
رواد النقد التكوينى:
عند الحديث عن رواد النقد التكوينى لابد وأن نذكر دور كل من لانسون، ورودلر، وب. أوديا، وتيودية الذين سعوا إلى محاولة تكوين رؤية محددة وجديدة لقيمة المخطوط مما يحقق للنقد التكوينى دوراً، جديداً يتخطى مرحلة دراسة السيرة الذاتية للعمل الأدبى المبدع.
1- لانسون (1857-1934)
تحدث لانسون عن النقد التكوينى وحدد وجهه نظره فى التعامل مع هذا المنهج بقوله إنه ليس "المهم هو نقد المصادر، إنما تحليل المسودات والرسوم الأولى والمخطوطات، وفائدة هذه الوثائق تكمن فى أننا نفك فيها" كافة رموز جهد الفنان، وتتبع الإبداع خلال ممارسته المجموعة، وفى أبحاثه وتردده وتدبيره البطىء".
عندما تحدث لانسون عن التفاصيل قصد بذلك أننا لابد وأن نطوع العلوم لكى تساعدنا فى التعرف على نتاج هذا المبدع أو ذاك فيجب علينا أولاً أن "نتأكد من النص الذى نقرأه، ويجب أن نقارن المخطوطات ونبنى النصوص التى تطابق ما كتبه المؤلف وفق أقرب الإحتمالات إلى الواقع".
إن لانسون يركز على ضرورة قراءة المخطوطة لأنها تفيدنا أيضاً فى التعرف على منهج وأسلوب هذا الكاتب فى الكتابة وإمكانية إدراك مدى التطور الذى لحق بإسلوبه فى الكتابة وهكذا ندرك جانباً من جوانب المبدع الشخصية. على أن البعض قد يختلف مع منهج لانسون ويرى أنه من المستحيل الوصول إلى مثالية لانسون المقترحة فى التعامل مع المخطوطات، إلا أن "دراسة المصادر هى إحدى الوسائل الأساسية للنفاذ إلى مختبر الكاتب:-
إن مجال تطبيق هذا المنهج حسبما يرى لانسون ينسحب على الرواية والشعر، وكذلك أرى أنه من الممكن أن يستخدم فى مجال المسرح، إلا أن البعض يرى أن هذا التحليل قد يقع فى مأزق يتمثل فى "خلطة للوصف بإحكام القيمة، وحتى لو شعرنا بأن الناقد يريد أن يستخلص من خلال المسودات السمات الرئيسية- بالنسبة إليه، علينا أن نعترف بأن تحليلاته ليست نهائية ساذجة(بمعنى أن النص الأخير قد يكون الأفضل) أو أكثر طبيعية وحداثة مما كنا نعتقد".
2-رودلر:
يعد رودلر من تلاميذ لانسون الذين ساروا على دربه وطوروا هذا المنهج ويقول جان ايف تادييه فى هذا الصدد "إن رودلر فى كتابه الذى صدر عام 1923 يقدم عرضاً دقيقاً ليس فقط لمنهج التحقيق النقدى وإنما لمنهج النقد الذى يبحث فى تكون العمل الأدبى".
أى أن رودلر من خلال منهجه النقدى يسعى من أجل معرفة قدرات المبدع والمراحل التى مر بها إيداعه وهو أمر يتحقق عن طريق دراسة مرحلة ما قبل المطبعة إذ يرى فيها رودلر أهمية قصوى، ذلك أنه "قبل أن يرسل بالعمل الأدبى إلى الطبع فإنه يمر بعدة مراحل بدءاً بالفكرة الأولى وانتهاءاً بالتنفيذ الختامى، ونقد التكوين يهدف إلى تعرية العمل العقلى الذى يخرج منه الأثر والعثور على قوانينه" أما غاية هذه الدراسة فهى تحديد تطور الآلية العقلية للكتاب، وملاحظة نشاط الفكر وطرائق إبداعه الحسى. إذا الموضوع يتجاوز مجرد وصف بنية مجمدة لإتخاذ وجهة نظر ديناميكية" هذا من ناحية.
ومن ناحية ثانية فإن رودلر يحدد ويميز بين النقد الخارجى المرتبط بعلاقات الكاتب بكتاب آخرين وشهادات أصدقائه ومراسلاته وأثر هذه المصادر على إبداع الكاتب، أما النقد الداخلى فيتمثل فى المخطوطات التى خطها المؤلف حين أبدع هذا العمل الأدبى أو المسرحى مثل المسودات التى منها نتعرف على مراحل كتابة هذا النص، والحقيقة التى يؤكد عليها جان ايف تادييه. تتمثل فى أن "كافة فروع النقد تؤازر النقد التكوينى، لإنه يستخدم كل مصادر التحليل فى توليف دقيق".
3-أوديا:
دعا الناقد أودياAudiat فى أطروحته المسماه سيرة العمل الأدبى إلى ضرورة إعادة النظر فى دور الناقد لأنه طبقاً لما نادى به أوديا فإن دور الناقد سيقترب لكى يصبح كاتباً، وذلك يتحقق لإنه دعا إلى ضرورة تحريك الفعل الذى خلق العمل بواسطته فى زمن كتابته وعليه فإن دراسة تكوين العمل يعنى التعامل مع زمن كتابته بطريقة جديدة لا تعتمد فقط على زمن كتابته ولكن على طريق دراسة بنية العمل ومكوناته كفصول ومن الفصول ننتقل إلى التفاصيل أى إلى الجمل ومن الجمل إلى الكلمات.
وقد حدد أوديا لمنهجه ثلاث مراحل لكى يتحقق هذا المنهج:
1- أما عن المرحلة الأولى فقد أسماها بـ "الفكرة المولدة" وفيها يحاول أوديا أن يبحث من خلال وثائق العمل وحواشيه ورسائل المؤلف وكل ماله صلة بهذا الإبداع لكى نصل إلى هذه الفكرة التى إنطلق منها المؤلف.
2- المرحلة الثانية أطلق عليها "إعادة تكوين مخطط" العمل الوصفى أو التفسيرى، لإنه يترتب عليه إكتشاف طبيعة هذا التكوين للمخطط وهل أدخل المؤلف تعديلات على المخطط الأصلى قبل أن يصل إلينا على هذه الصورة.
3- المرحلة الثالثة تسمى "مرحلة خلق الأسلوب" ويقصد بها دراسة المخطوطات التى كتبها المؤلف للعمل المبدع بخط يده والتاريخ الذى أبدع فيه هذا العمل، وكيف أنه رتب العمل على هذه الشاكلة، هذا إلى جانب دراسة بعض الجمل والفقرات المصححة مما يترتب عليه دراسة أسلوب العمل ومعرفة ما أضافه أو حذفه المؤلف من العمل المبدع".
4-تيبوديه (1874-1936)
استفاد تيبوديه كثيراً من آراء لانسون النقدية في مجال النقد التكويني، وقد اتضح لنا ذلك من خلال تطبيق منهجه على أعمال الروائي الفرنسي "فلوبير" حيث درس حياة المؤلف وكتاباته، إلا أن تيبوديه أدرك أن إعادة كتابة أى إبداع مرة أخرى من قبل الناقد بعد أن أدرك مكوناته السابقة التى قد يكون المبدع حذف منها أو استبعد هو أمراً بحاجة إلى إعادة النظر ذلك أنه لكى يبقى ناقداً، فإنه يشعر أن هذا الموقف للبناء من جديد، للإبداع الشعري في الدرجة الثانية ليس بمجد لا يمكن أن يكون النقد إلا شيئاً قريباً من التبدل، فينبغي بالرغم من كل شيء أن نحافظ على أبعادنا".
إن تيبوديه حينما يحلل جوانب إبداع ما فإنه يركز على دراسة أسس الإبداع الجمالية والفلسفية لهذه الرواية أو تلك، كما إنه يدرس أيضاً تقنيات المبدع الأدبية حول صياغة هذا العمل. وما يسهل للناقد بعد ذلك القدرة في إصدار الأحكام على هذا المؤلف ومساواته بمؤلف أخر وإظهار الفوارق بين أسلوب كل منها.
5- جان بيللمان ونظرية ما قبل النص:
أثارت دراسة الناقد الفرنسي جان بيلمان عام 1972 بعنوان "النص وما قبل النص" التى تناول فيها دراسة مسودات الكاتب الروائى والمسرحى اليتوانى الأصل أوسكار فلاديسلاس ميلوز، آثارت إهتمام الكثير من المهتمين بالنقد التكوينى، حيث عاد بيللمان إلى مسودات ما قبل النص وحددها فى مرحلتين:-
1- الأولى تتعلق بمجموعة الوثائق التى إستفاد منها المبدع فى تشكيل نصه.
2- الثانية مرحلة ما بعد الوثائق ويقصد به المرحلة الواقعة ما بين الوثائق والشكل قبل النهائى للنص.
وقد استطاع بيللمان الوصول إلى منهج يتفق مع غيره من النقاد التكوينيين، غير أن الكثير من النقاد يربط بين التكوينية التى تحدث عنها بيللمان وزملاؤه وبين الشعرية التى تحدثت عنها جنييت ريموند دوبراى، وركزت فى حديثها على النص النهائى وهل وصل المؤلف إلى المرحلة التالية للنص من الصعب عليه أن يعاد تفسيره أو البحث فى مصادر تكوينه نظراً لأنها تعتقد أن كثيراً من جوانب الإبداع تخضع لمبدأ الإعتباطية، ذلك أن "القراءة التكوينية تعيد إدخال مفهوم الإعتباطية".
ذلك أننا نرى أن نقاط الخلاف المثارة بين نقاد التكوينية تتمثل فى دراسة ما قبل النص حتى نصل إلى تحليل ومعرفة مرحلة ما تسمى بالنص النهائى للمؤلف. وهو أمر يصل بنا إلى ما يسمى بالتطور الداخلى للمخطوط، حيث تأتى مرحلة "التحليل النقدى، فنقوم بقراءات متسامية أو داخلية فى الحالة الأولى أن يتيح القيام بدراسة تكوينية بالنسبة للنص النهائى، هو توضيح عدد كبير متنوع الاتجاهات والإمكانيات وانفتاح بنيوي أكبر يمكن أن يصل إلى حد الغموض والتردد والشك، ليس فقط عدة طبقات بل أيضاً عدة أنماط من النصوص، ينبغي اللجوء إلى تحليل الأنواع".
النقد التكوينى من السبعينيات حتى الآن:
إن تيار النقد التكوينى الذى ظهر منذ منتصف القرن العشرين أخذ فى التطور مستفيداً فى ذلك من تطور الإتجاهات النقدية الجديدة خاصة التيار البنيوى حيث إستفاد منه الكثير حينما إنصب الإهتمام- متأخراً- على النص"( ) وهو ما جعل البعض أمثال: بير – مارك- دوبيازى- يرى أن "النقد التكوينى باضطلاعه بمسئولية تنظير البعد التاريخى داخل العمل المكتوب ذاته نصب (لويس هاى) نفسه فى السبعينيات كإمتداد غير متوقع للأبحاث البنيوية، يتعين تحديدا ما تفتقر إليه الدراسات الشكلية بجدة: أى صيرورة النص كبنية فى حالة التولد، وفسحة هذا الغرض الجديد المادى والمحدد- أى المخطوط- الذى نظم الزمن بنيته.
مجال الدراسات التكوينية:
مراحل تكون العمل الأدبي:
حين يكتمل ملف تكون عمل أدبي منشور فإنه يبين عادة عن أربع مراحل كبرى:
1-مرحلة ما قبل الكتابة 2- مرحلة الكتابة 3- مرحلة ما قبل الطباعة 4- مرحلة الطباعة
مرحلة ما قبل الكتابة: تبدأ عادة على شكل بدايات خاطئة ، فمثلا فلوبير أمضى خمسة عشر يوما و هو يفكر بقصته دون أن يكتب أي شيء، ثم أعاد قراءة بعض النصوص حتى اكتملت القصة في مخيلته وهنا بدأ بتأليف مخطط من ثلاث صفحات متناهية الدقة ، كما كان يصحح مخططه كلما تقدم في الكتابة.
مرحلة الكتابة: وهي مرحلة التنفيذ الفعلي للمشروع وفيها تكمن مسودات العمل وفي هذه المرحلة يكون الكاتب بحاجة إلى ملف وثائقي حول ما يحتاجه للكتابة كظروف العصر... وقد تتكرر المسودة الواحدة لخمس إلى عشر مرات على الأقل حتى تصل إلى الصورة التي يرضى عنها الكاتب.
ويمكننا في عمل فلوبير الكتابي مثلا أن نحدد ثلاثة أطوار لهذه المرحلة:
طور السيناريوهات المحررة :
أول ما يقوم به المؤلف هو بسط عناصر السيناريو ولو بصورة عشوائية، فقد نجد في هذا الطور مقاطع قصصية متناقضة وقوائم كلمات يجب إدخالها في النص...، وعلى مستوى النص فإن هذا الطور هو الذي تبني فيه القصة أهم مفاصلها الزمنية، والسردية، والرمزية.
طور الكتابات الأولية (المسودات)
وهنا تبدأ عملية التنصيص وتحل الجمل الحقيقية محل الأسلوب السابق.
طور التنقيح والتبييض:
في هذه المرحلة يبدأ النص بالظهور من خلال فوضى المسودات.
مرحلة ما قبل الطباعة:
في هذه المرحلة يدخل النص غير المثبت نهائيا طور إنهاء مغاير.
مرحلة الطباعة:
في هذه المرحلة يوقع المؤلف على عبارة صالح للطباعة ويترجم هذا التوقيع بإنتاج الطبعة الأولى للنص.
التكوينينة النصية تحليل المخطوطات:
مناهج وإجراءات التكوينينة النصية:
تسمح المراحل الأربع التي تم وصفها بجميع أطوارها بإعادة تشكيل التكون المادي للعمل الأدبي وفق تسلسله الزمني، ويمكن اختصار مجمل هذا العمل التمهيدي بأربع عمليات متتالية و متكاملة كبرى في البحث.:
إعداد الملف:
يتم في هذه العملية جمع كل المخطوطات المتعلقة بالعمل المدروس.
تحديد أنواع الوثائق:
ترتب كل وثيقة مؤقتا حسب نوعها (مسودة،مخطط نهائي،....)، وحسب مرحلتها، وتسمح عملية التصنيف هذه بترتيب المسودات في لفائف، فمقابل الصفحة العاشرة من النص المطبوع قد نجد على سبيل المثال اثنتي عشرة ورقة مخطوطة فيها نفس المحتوى.
التصنيف التكويني:
وفيه تخضع الصيغ المختلفة لصفحة واحدة لعملية تحليل ومقارنة إلى أن يصبح بالإمكان تحديد موقعها على المحور التبادلي للتماثل، وعندها تظهر مقاطع من المخطوطات ذات مستوى واحد في الإعداد، إنها التركيبات التكوينية: أي العلاقات الترابطية بين الأوراق التي تنتمي إلى نوع واحد في المخطوط ، والتي تعطي صورة عما كان عليه العمل الأدبي بمجمله في كل طور من أطوار تكونه.
حين ينتهي العمل في هذين التصنيفين، يصبح لدينا جدولا بمدخلين يعرض لمجمل مخطوطات العمل حسب تسلسل تكونها.
فك الرموز والتدوين:
لا يمكن إنهاء عملية التصنيف دون عملية فك الرموز( ما تم شطبه أو طمسه أو كتب بخط صغير بين السطور...)، حيث تسمح عملية الإطلاع على النص السابق من فك هذه الرموز.
وباختصار فإن عمليتي التصنيف وفك الرموز عمليتان متلازمتان وهما اللتان تشكلان جوهر عملية التقصي في التكوينية النصية .
ولقد تم تطوير تقنيات خاصة لفك رموز النصوص المعقدة (علم الرموز الذي يدرس التركيبات الكيميائية للحبر المستخدم في المخطوط ، وللورق، تقنية الليزر: تسمح هذه الطريقة من كشف الأوراق المزيفة....)
4-النقد التكويني:
تكون العمل الأدبي والشعرية:
ساهمت الأبحاث التكوينية بشكل كبير في تزويد علماء السرد بالأدوات مادية للتفكير تتصل بمنهجهم و بغرضهم.
وتجدر الإشارة إلى وجود تكون خارجي للنص و تكون داخلي فالأول هو انتقاء وتملك المصادر والثاني هو إنتاج و تحول حالات القصة‘، والتكوينان يتكاملان في البحث التكويني.
تكون العمل الأدبي و اللسانيات:
لعبت اللسانيات في مجال النقد التكويني دورا مشابها لما هي عليه في باقي العلوم الإنسانية، ولقد استعيرت معظم الأدوات اتي هي بحوزة الناقد التكويني من الترسانة المفهومية للسانيات.
خاتمة:
يشهد النقد التكويني تطورا كبيرا فهو علم شاب، وعليه مواجهة متطلبات مفهومية، وهو لا يريد الاكتفاء بدور المنهج المساعد، فالمخطوطات تثبت شرعية المناهج الأخرى.
و تجدر الإشارة أن النقد التكويني لا يمثل منهجاً نقدياً يعارض غيره من حيث طريقة التعامل مع النص فهو "لا يسعى إلى منافسة مناهج تحليل النص الأخرى بل هو يقدم نفسه كحقل جديد للدراسة ، وتجد فيه الخطابات النقدية مادة لتوكيد أو دحض فرضياتها التأويلية حول العمل الأدبى بقدر معقول من الموضوعية التجريبية".

أم إسماعيل
2013-05-03, 22:10
البنيوية أساسا منهج بحث مستخدم في عدة تخصصات علمية تقوم على دراسة العلاقات المتبادلة بين العناصر الأساسية المكونة لبنى يمكن ان تكون : عقلية مجردة، لغوية، اجتماعية، ثقافية. بالتالي فإن البنيوية تصف مجموعة نظريات مطبقة في علوم ومجالات مختلفة مثل الإنسانيات والعلوم الاجتماعية والاقتصاد لكن ما يجمع جميع هذه النظريات هو تاكيدها على ان العلاقات البنيوية بين المصطلحات تختلف حسب اللغة/الثقافة وان هذه العلاقات البنيوية بين المكونات والاصطلاحات يمكن كشفها ودراستها. بالتالي تصبح النبيوية مقاربة أو طريقة (منهج) ضمن التخصصات الأكاديمية بشكل عام يستكشف العلاقات الداخلية للعناصر الأساسية في اللغة، الأدب، أوالحقول المختلفة للثقافة بشكل خاص مما يجعلها على صلة وثيقة بالنقد الأدبي وعلم الإنسان الذي يعنى بدراسة الثقافات المختلفة. تتضمن دراسات البنيوية محاولات مستمرة لتركيب "شبكات بنيوية" أو بنى اجتماعية أو لغوية أو عقلية عليا. من خلال هذه الشبكات البنيوية يتم إنتاج ما يسمى "المعنى" meaning من خلال شخص معين أو نظام معين أو ثقافة معينة. يمكن اعتبار البنيوية كاختصاص أكاديمي أو مدرسة فلسفية بدات حوالي 1958 وبلغت ذذروتها في الستينات والسبعينات.
تاريخ البنيوية

برزت البنيوية في بدايتها في مطلع القرن التاسع عشر ضمن حقل علم النفس، لكن نجمها سطع فعلا في منتصف القرن العشرين حين لا قت شعبية منقطعة النظير مخترقة جميع أنواع العلوم والتخصصات. ظهرت البنيوية كمنهج ومذهب فكري على أنها ردة فعل على الوضع (الذري) (من ذرة: أصغر أجزاء المادة) الذي ساد العالم الغربي في بداية القرن العشرين، وهو وضع تغذى من وأنعكس على تشظي المعرفة وتفرعها إلى تخصصات دقيقة متعددة تم عزلها بعضها عن بعض لتجسد من ثم (إن لم تغذ) مقولة الوجوديين حول عزلة الإنسان وانفصامه عن واقعه والعالم من حوله، وشعوره بالإحباط والضياع والعبثية، ولذلك ظهرت الأصوات التي تنادي بالنظام الكلي المتكامل والمتناسق الذي يوحد ويربط العلوم بعضها ببعض، ومن ثم يفسر العالم والوجود ويجعله مرة أخرى بيئة مناسبة للإنسان.

ولا شك أن هذا المطلب مطلب (عقدي) إيماني، إذ أن الإنسان بطبعه بحاجة إلى (الإيمان) مهما كان نوعه. ولم يشبع هذه الرغبة ما كان وما زال سائداً من المعتقدات الأيديولوجية، خاصة الماركسية والنظرية النفسية الفرويدية، فقد افتقرت مثل تلك المذاهب إلى الشمول الكافي لتفسير الظواهر عامة، وكذلك إلى (العلمية) المقنعة، ظهرت البنيوية (ولعلها ما زالت) كمنهجية لها إيحاءاتها الإيديولوجية بما أنها تسعى لأن تكون منهجية شاملة توحد جميع العلوم في نظام إيماني جديد من شأنه أن يفسر علمياً الظواهر الإنسانية كافة، علمية كانت أو غير علمية. من هنا كان للبنيوية أن ترتكز مرتكزاً معرفياً (إبستيمولوجيا).

فاستحوذت علاقة الذات الإنسانية بلغتها وبالكون من حولها على اهتمام الطرح البنيوي في عموم مجالات المعرفة: الفيزياء، والرياضيات، والانثروبولوجيا، وعلم الاجتماع، والفلسفة والأدب. وركزت المعرفة البنيوية على كون (العالم) حقيقة واقعة يمكن للإنسان إدراكها. ولذلك توجهت البنيوية توجهاً شمولياً إدماجياً يعالج العالم بأكمله بما فيه الإنسان. أبرز من عمل ضمن اطارها وعمل على تطويرها : فريديناند دي سوسير وكلود ليفي شتراوس.

مفاهيــــم البنيوية: تستند البنيوية إلى مجموعة من المصطلحات والمفاهيم الإجرائية في عملية الوصف والملاحظة والتحليل وهي أساسية في تفكيك النص وتركيبه كالنسق والنظام والبنية والداخل والعناصر والشبكة والعلاقات والثنائيات وفكرة المستويات وبنية التعارض والاختلاف والمحايثة والسانكرونية والدياكرونية والدال والمدلول والمحور التركيبي والمحور الدلالي والمجاورة والاستبدال والفونيم والمورفيم والمونيم والتفاعل، والتقرير والإيحاء،والتمفصل المزوج ....الخ. وهذه المفاهيم ستشتغل عليها فيما بعد كثير من المناهج النقدية ولاسيما السيميوطيقا الأدبية والأنتروبولوجيا والتفكيكية والتداوليات وجمالية القراءة والأسلوبية والموضوعاتية..

أنواع البنيوية: إذا تأملنا البنيوية جيدا وبعمق دقيق باعتبارها مقاربة ومنهجا وتصورا فإننا سنجد بنيويات عدة وليس بنيوية واحدة: فهناك البنيوية اللسانية مع دوسوسور ومارتنيه وهلمسليف وجاكبسون وتروبوتسكوي وهاريس وهوكيت وبلومفيلد...، و البنيوية السردية Narratologie مع رولان بارت وكلود بريمون وجيرار جنيت...، والبنيوية الأسلوبية stylistique مع ريفاتير وليو سبيتزر وماروزو وبيير غيرو، وبنيوية الشعر مع جان كوهن ومولينو وجوليا كريستيفا ولوتمان...، والبنيوية الدراماتورجية أو المسرحية Dramaturgie مع هيلبو... أو البنيوية السينمائية مع كريستيان ميتز....، والبنيوية السيميوطيقية مع غريماس وفيليب هامون وجوزيف كورتيس...، والبنيوية النفسية مع جاك لاكان وشارل مورون ، والبنيوية الأنتروبولوجية خاصة مع زعيمها كلود ليڤي شتراوس الفرنسي وفلاديمير بروب الروسي، والبنيوية الفلسفية مع جان بياجيه وميشيل فوكو وجاك دريدا ولوي ألتوسير...

البنيوية التكوينية (Genetie Structuralism) البنيوية التكوينية، أو التوليدية، فرع من فروع البنيوية نشأ استجابة لسعي بعض المفكرين والنقاد الماركسيين للتوفيق بين طروحات البنيوية، في صيغتها الشكلانية، وأسس الفكر الماركسي أو الجدلي، كما يسمى أحياناً، في تركيزه على التفسير المادي الواقعي للفكر والثقافة عموماً. أسهم عدد من المفكرين في صياغة هذا الاتجاه منهم المجري جورج لوكاش، والفرنسي بيير بورديو. غير أن المفكر الأكثر إسهاماً من غيره في تلك الصياغة هو الفرنسي الروماني الأصل لوسيان غولدمان. وكانت طروحات غولدمان نابعة وبشكل أكثر وضوحاً من طروحات المفكر والناقد المجري جورج لوكاش الذي طور النظرية النقدية الماركسية باتجاهات سمحت لتيار كالبنيوية التكوينية بالظهور وعلى النحو الذي ظهرت به، في الوقت الذي أفاد فيه أيضاً من دراسات عالم النفس السويسري جان بياجيه، وقد أشار غولدمان إلى تأثير بياجيه تحديداً في استعماله لمصطلح (البنيوية التكوينية): (لقد عرّفنا أيضاً العلوم الإنسانية الوضعية، وبتحديد أكثر المنهج الماركسي بتعبير مماثل تقريباً (استعرناه، علاوة على ذلك، من جان بياجيه)، هو البنيوية التكوينية.

أم إسماعيل
2013-05-13, 18:20
عفوا أخية...........

أحمد السليمي
2013-05-14, 00:04
جزاك الله كل خير لقد نقلت كل ماهو معروض من مجهوداتك المبذولة بارك الله فيك

أم إسماعيل
2013-05-15, 15:40
لا شكر على واجب إخوتي مناي رضاكم...............

فيلادوفيا
2013-05-17, 14:06
thankyouuuuuuuuuuuuuu

فيلادوفيا
2013-05-19, 00:15
Merciiiiiiiiiiiii

ساندارايا
2013-05-24, 00:29
Merciiiiiiiiiiiiibeaucouppppppppppppp

ساندارايا
2013-05-24, 00:51
Merciiiiiiiiiiiiibeaucouppppppppppppp

ساندارايا
2013-05-24, 01:13
Merciiiiiiiiiiiiibeaucoupp

لموات حمزة
2013-05-24, 22:29
اعطوني تعريف للمؤرخ والباحث جان ديجو

لموات حمزة
2013-05-24, 22:32
االسلام عليكم اريد طلب المساعدة في البحث وهو دراسة تحليلية لرواية البحث عن العظام ل : الطاهر جاوت

chiraz hiba
2013-06-09, 11:52
شكرا جزيلا

شاراماتي
2013-06-10, 17:35
Merciiiiiiiiiiiiibeaucouppppppppppppp

dzdz38
2013-06-17, 18:39
كيفاه تحسب في نظام ل م د

سارة النايلية
2013-06-27, 13:23
السلام عليكم من فضلكم محاضرات في الادب الشعبي او اي مرجع مفيد وجزاكم الله خيرا

**د لا ل**
2013-06-27, 17:19
السلام عليكم من فضلكم محاضرات في الادب الشعبي او اي مرجع مفيد وجزاكم الله خيرا



هي موجودة في هذا الموضوع

تصفحه جيدا وستجده

هبة المنان
2013-07-05, 10:21
بوركتم هل من محاضرات نحو سنة ثانية ادب عربي

هبة المنان
2013-07-05, 10:26
سلام عليكم ممكن بعض الكتب والمراجع في النحو البلاغة

**د لا ل**
2013-07-09, 23:28
سلام عليكم ممكن بعض الكتب والمراجع في النحو البلاغة

السلام عليكم

هذه مجموعة من كتب النحو العربي اتمنى ان تفيدكِ اختي


http://www.waqfeya.com/category.php?cid=22



http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=195928

**د لا ل**
2013-07-09, 23:31
هذه كتب البلاغة العربية

http://www.waqfeya.com/category.php?cid=56

http://www.qassimy.com/book/indexcat-18.html

**د لا ل**
2013-07-10, 00:14
http://www.qassimy.com/book/view-675.html


**كتاب كيف تنجح في كتابة بحثك**

كتاب كيف تنجح في كتابة بحثك... كل عام، يقترب المئات من الطلاب، بل الآلاف من موعد انتهاء مرحلتهم الدراسية ويجدون نفسهم أمام ضرورة المباشرة بكتابة بحثهم. الأفكار موجودة لديهم وكذلك المعلومات الوافرة ولكن كيف يتم عملياً تنظيم هذه المهمّة؟
الإجابة على هذا السؤال هو موضوع هذا البحث الذي يدينا والذي تحتوي على دراسة موسعة موجه إلى كل طالب يرغب بإعداد بحث مميز في نطاق دراسته وهو يشرح وبأسلوب موسع ومبسط التنظيم المثالي لتدوين بحث وهو يبدأ من نقطة الصفر بالشرح إذ يعمد إلى تحديد تعريف يحدد من خلاله ما هو البحث، وأين يطلب، وأنواع البحوث، من ثم ينتقل إلى الإجابة عن سؤال لماذا البحث؟ هل هو للاستمتاع، أو للضرورة وبعد ذلك يوضح الطريقة المثالية لاختيار موضوع البحث مبيناً مقاييس اختيار، الوقت اللازم لتنفيذ البحث، طرق التنقيب حول الموضع محل البحث والخطط اللازمة لتنفيذه، عدم صفحاته، تنسيق موضوعاته، المراجع لمستعان بها لتنفيذه، طريقة ذكر المؤلف والتاريخ أنواع الملاحظات، ولماذا تستخدم في كتابة البحث، مبادئ البيليوغرافيا ماذا يقصد بمراجعة وتقديم المخطوطة، ملحقات البحث، ترميم الصفحات نشر البحث، مستويات النشر البحث
كتاب كيف تنجح في كتابة بحثك من تأليف الكاتب : جان - بييارفرانيير
ترجمة : هيثم اللمع

nesro alger
2013-07-15, 12:57
أريد محاضرات السنة الثانية ادب عبي مع العلم اني ادرس بالمدرسة العليا للاساتذة ببوزريعة لان مقاييس تلك المدرسة ليست كمقاييس جامعة الجزائر

omarzant
2013-07-19, 23:55
شكرا لكم هل هناك طلبة من جامعة الجزائر ادب عربي كلاسيكي خصوصا من سيدرس سنة 4 العام المقبل
ومن له دروس سنة 4 كلاسيكي او اسئلة اختبارات ممكن ان يفيدنا بها

شكرا

**د لا ل**
2013-07-20, 02:07
شكرا لكم هل هناك طلبة من جامعة الجزائر ادب عربي كلاسيكي خصوصا من سيدرس سنة 4 العام المقبل
ومن له دروس سنة 4 كلاسيكي او اسئلة اختبارات ممكن ان يفيدنا بها

شكرا

المحاضرات موجودة في الموضوع ابحث عنها بين الصفحات

omarzant
2013-07-23, 02:35
شكرا اختي دلال بارك الله فيك سأبحث عليها ان شاء الله

daciismail
2013-08-02, 12:37
من فضلكم اريدد دروس سنة 1 جامعي تخصص ادب ولغة عربي

**د لا ل**
2013-08-03, 04:43
من فضلكم اريدد دروس سنة 1 جامعي تخصص ادب ولغة عربي


موجودة في الموضوع ابحث بين الصفحات

daciismail
2013-08-13, 23:38
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة daciismail http://www.djelfa.info/vb/images/buttons/viewpost.gif (http://www.djelfa.info/vb/showthread.php?p=1053831529#post1053831529)
من فضلكم اريدد دروس سنة 1 جامعي تخصص ادب ولغة عربي


موجودة في الموضوع ابحث بين الصفحات


السلام عليكم اريد دروس 1 جامعي ادب ولغة عربي اانابحث في الصفات لم اجد دروس ارجوا المساعة من اخت دلال او اخوتي

مايتينا
2013-08-14, 01:39
Merciiiiiiiiiiiiibeaucouppppppppppppp

مايتينا
2013-08-14, 02:10
thakyouuuuuuuuuuu

**د لا ل**
2013-08-20, 23:31
موضوع الرسالة: تحليل نسقي لقصيدة للشاعر "مرة بن محكان السعدي" *لم اجد صاحب العمل*


قال جادمير: " الوجود الذي من الممكن أن يكون مفهوماً هو اللغة " وهو يتقاطع في هذا مع هايدجر: " إن تاريخ الكلمات هو نفسه تاريخ الوجود " فالنص مرتبط بالتلفظ وهذا الفعل مرتبط بفاعله من جهة وبلحظة التلفظ من جهة أخرى .







تحليل قصيدة للشاعر مرة بن محكان مأخوذة من باب الأضياف بحماسة أبي تمام


المقدمة:

لقد قمت بقراءة خارجية للنص وأخرى داخلية فاحصة، من أجل تتبع دلالاته وخصائصه انطلاقاً من مؤشراته ورموزه بغية الكشف عما تخفيه أبعاده الماورائية، وذلك بالتنقيب في حيثياته وتفاصيله، مستنطقة إياه، للربط بين ما يقدمه لنا من معطيات وبين مقاصده.
ما شد انتباهي في هذه القصيدة هو ذلك الأسلوب السردي القصصي الذي وظفه الشاعر كعنصر هام من بين عناصر الربط، معتمداً على ذخيرة وافية مستمدة من مقومات إرث اجتماعي وأخلاقي وحضاري، وهدفه من هذا هو تنمية الآداء الإبداعي وتوالي الأحداث بشكل مطرد متسلسل. مما خلق نوعاً من التلاحم والربط القويين.
ومن خصائص هذه القصيدة أن الشاعر ينطلق في سرده القصصي من تجربة الآخر ورؤيته لها، ليحط الرحال في إطار الحديث عن تجربته الذاتية، فتتناسل الأحداث ليس باستقلاله الشخصي بل بوجود شخوص مجاورة وفاعلة يتحكم فيها انطلاقاً من مقاصده، ليقدم لنا في النهاية مجموعة من المشاهد التي تمزج بين الواقع والخيال، وسحر اللغة، وباستخدام عنصر الحوار أو تنامي الحدث وشموله لتفاصيل متماسكة تشكل في تواليها الإطار العام للقصة ومنطقها السردي.
ركز الشاعر على مجموعة من الثنائيات، كالتغير والثبات، والهدوء والصراع، كمعالم كبرى تحدد المسار العام للقصيدة.
من هنا فقد تحققت من نسبة القصيدة للشاعر مرة بن محكان، ودرست المعنى والصورة والإيقاع والأساليب والحوار فيها، معتمدة على مجموعة من الكتب القيمة، أما اختياري لهذه القصيدة بالذات فقد حصل بعد أن أعجبت صراحة بموضوعها وطريقة بنائها وتشكيلها، والله المعين.


القصيدة:

يَا رَبةَ البَيْت قُومي غَيْرَ صَاغـــــرَة ***** ضمي إلَيْك رحَالَ القَوْم والقُرُبـَــا

في لَيْلَة منْ جُمــَــادَى ذَات أَنْديــــة ***** لَا يُبْصرُ الكلب من ظلمائها الطنبا

لا ينبح الكــلب فيها غيـــر واحــدة ***** حتى يلف على خرطومــه الذنبـــا

ماذا تريـــن أندنيــــهم لأرحـــلـنا ***** في جانب البيت أم نبني لــهم قببـا

لمرمل الزاد معنــــي بحـــاجـــته ***** من كان يكره ذماً أو يقــي حسبــــا

وقمت مستبطنا سيفي وأعرض لي ***** مثل المجــادل كوم بركــت عصبــا

فصادف السيف منها ساق متليـــة ***** جلس فصـادف منها ساقها عطبــــا

زيــافة بنـــت زيــــاف مذكـــــرة ***** لما نعوها لراعي سرحنـــا انتحبــا

أمطيت جازرنا أعلى سناسنهـــــا ***** فصار جازرنــا من فوقـــها قتبــــا

ينشنش اللحم عنها وهي باركــــة ***** كما تنشنش كفـــا قاتــل سلـــــبـــــا

وقلت لما غدو أوصـــي قعيدتنـــا ***** غــــدي بنيك فلــن تلقـيـهم حقَــبـَــــا

أدعى أبــاهم ولم أقرف بأمـــهــم ***** وقد عمــرت ولم أعرف لهم نسبــــا

أنا ابن محكان أخوالي بنو مطـــر ***** أنـمي إليــهم وكانوا مــعشــراً نجبـــا






التحقق من نسبة القصيدة لصاحبها :

نعلم أن للتحقق من نسبة القصيدة وظيفة مهمة في أمر الشعراء المقلين، وفي أمر الشعراء ذوي المفردات من القصائد ، من هنا قمت بالبحث في مجموعة من الكتب بغرض البحث عن أخبار مرة بن محكان، و ركزت على من ذكروا قصيدته التي أعمل على تحليلها و صنفتهم بالشكل التالي:
- الجاحظ: وذكره في كتابه " الحيوان" بتحقيق: عبد السلام هارون:

في الجزء 7 في الصفحتين: 90 – 91، قائلاً: " ووصف مرة بن محكان قدراً فقال:

ترمي الصلاة بنبل غير طائشة ****** وَفـــقـاً إذا آنـست من تحتها لهـبـا
زيافة مثل جوف الفيل مجرفـة ****** لو يقذف الرَأْلُ في حيزومها ذهبا
كما ذكره في حديثه عن " ثقوب بصر الكلب وسمعه " أبياتاً أنشدها قطرب ( هو محمد المستنير النحوي ) بعد قوله : " والله لفلان أبصر من كلب، وأسمع من كليب، وأشم من كليب " فقيل له أنشدنا في ذلك ما يشبه قولك : فأنشدنا قوله : أبيات :

يا ربة البيت قومي غير صاغرة ***** ضمي إليك رحال القــــوم والقُرُبَـا
في ليلة من جمادى ذات أنديـــــة ***** لا يبصر الكلب من ظلمائها الطنبا
لا ينبح الكلب فيـــها غير واحــدة ***** حتى يلف على خــرطومـــه الذنبا

وأنشدنا هذا البيت في ثقوب بصره :
في ليلة من جمادى ذات أنديـــــة ****** لايبصر الكلب من ظلمائها الطنبا
والشعر لمرة بن محكان السعدي، ثم أنشدنا في ثقوب السمع:

خفى السرى لا يَسْمَعُ الكلب وطأه ******* أتى دون نبح الكلب والكلب دابب

- أبو فرج الأصفهاني من خلال كتاب " الأغاني " تحقيق الدكتور إحسان عباس، الدكتور إبراهيم السعافين، الأستاذ بكر عباس، المجلد الثاني والعشرون، الطبعة الثانية، 2004، دار صادر، بيروت. كما اعتمدت على طبعة دار الكتب العلمية التي شرحها وكتب هوامشها الأستاذ سمير جاب، في الصفحات: 321، 322، 323، 324.
ذكر أبو الفرج أخبار مرة بن محكان متحدثاً عن نسبه والعصر الذي عاش فيه وصفاته وبعض الأبيات التي قيلت فيه وبعض الأبيات التي قالها من ضمنها البيت التالي:
يا ربة البيت قومي غير صاغـــــرة ****** ضمي إليك رحال القوم والقربا
وقد نظمه مرة بن محكان عندما طرقه ضيف في ليلة شاتية ، فأنزلهم ونحر لهم ناقته .
إلا أنني لم أعثرعلى أشعار مجموعة لمرة بن محكان لأتمكن من قراءة القصيدة مكتملة.

* تقسيم القصيدة حسب معناها :

- أ – تقسيمها إلى وحدات كبرى:
النص وحدة شعرية كاملة، ومع ذلك يمكننا أن نقسمه للوحدات التالية:
1- وحدة تمهيدية : يصف من خلالها الشاعر الحال التي دفعته لاستقبل الأضياف، معبراً عن برودة الجو و ظلام الليل.
2 – وحدة مركزية: استشارته لزوجته في أمر الأضياف وتهييئ الظروف اللائقة باستقبالهم وذبحه لإحدى أجود النوق عنده.
وحدة ختامية: افتخار الشاعر بكرمه باعتبارها صفة يرثها عن، آبائه وأجداده.
- ب – موضوع القصيدة:
يستهل الشاعر قصيدته بمناداة زوجته بأسلوب في غاية اللباقة، داعياً إياها للقيام بالترحيب بالأضياف واستقبالهم، وضم سلاحهم ومتاعهم إلى ممتلكاتهما، وتهييئ ظروف تليق بهم، فيما لن يكون في هذا الفعل تقليل من شأنها، بل إعلاء من قدرها، باعتبارها أم الأضياف نسبة لزوجها الذي يكنى أبا الأضياف .
ثم ينتقل الشاعر لوصف الظروف التي دفعت بالأضياف لطلب الضيافة، فقدم لنا صورة كلية عن الفضاء زمانياً ومكانياً، باعتباره نافذة تغرينا وتدفع بنا لنطل عبرها، مندفعين للكشف عن حيثيات الواقع وتمثلاته في القصيدة، من خلال تتبع ملامح الشخصيات ومراقبة تحركاتهم في الفضاء الشعري ، وما يترتب عن ذلك من علاقات ومواقف .
فالزم
ان هو ليلة من جمادى ( كان العرب يطلقون على الفصول أسماء الشهور ) فيها أنداء لا يستطيع الكلب رغم حدة بصره أن يرى حبل الخيمة ( بيت الشَعر ) لشدة ظُلمتها، ولا ينبح فيها إلا مرة واحدة يلف بعدها ذيله حول أنفه لقسوة بردها.
ثم يشاور الشاعر زوجته في أمر الأضياف، ويطلب منها الاستفسار عن أحوالهم وعن مدة مكوثهم، فإن كانت قصيرة استقبلوهم في محل سكناهم واختلطوا بهم وإن كانت طويلة شيدوا لهم أبنية أو قبباً بجوارهم، لينعموا بالراحة.
ماذا تـرين أندنيــهم لأرحلنـــا في جانب البيت أم نبني لهم قببا
*** للمرأة عنده رأي وقرار.
وبما أن الأضياف منقطعون عن الزاد فمن واجب الشاعر توفير الطعام لهم، كي يقي حسبه ولا يكون مثاراً لذم الناس، لذلك يحمل سيفه ويتجه نحو نوقه المشرفة وكأنها قصور مكتنزة الجسم، فوقع اختياره على ناقة متلية ( أي يتلوها ولد ) تمتاز بالعلو، تنتمي لأصل عريق، تشبه الذكور نظراً لقوة بنيتها وضخامتها، ثم يصف طريقة نحرها، ورد فعل الراعي عند سماعه بالخبر، وتعامل الجزار عند نزعه للحمها وكيف أربكه عظمها.
ثم ينتقل بعد ذلك ليوصي زوجته بالمبالغة في إكرام الأضياف، لأنها قد تلقاهم لا مرة أخرى، وقد لا يحصل ذلك أبداً باعتبارها أم الأضياف نسبة لأبي الأضياف الذي يمتاز بالكرم والجود الموصولين بكرم أجداده وأسلافه.

نجد في القصيدة تضارب زمنين، زمن الحدث وزمن النفس، أي الحالة التي كان فيها الشاعر بالتزامن مع نظمه القصيدة في إطار الأحداث. يمكننا مقاربة زمن النفس ولا يمكننا معرفته أو الاطلاع عليه بشكل كامل لأنه مندفن في الأعماق السحيقة من نفس الشاعر. أنه الموطن الذي تنشأ فيه وحدة القصيدة وفق ما يقصده الشاعر ، إنه زمن طويل المدى لا ينقطع لأنه يتوفر على ذخيرة كبيرة من المعاني وألواناً من الإيقاعات، كما يضمر القواعد النحوية والقوالب التركيبية للجمل وخصائص الحروف والأصوات وكيفية توزيعها على سطح القصيدة.

معجم القصيدة :

لغة القصيدة منتقاة بعناية، فمعجم الأضياف الممتزج بمعجم البداوة حاضر بقوة وبكل تفاصيله، مما جعل هذه القصيدة في تقاطع مع جاراتها من القصائد التي تنتمي لنفس الباب، ويعتمد الشاعر على مجموعة من الألفاظ التي يصرفها ويركبها من أجل بناء الجمل ومنازل السياق، وذلك بإيجاد علاقات ظاهرة أو خفية تربط بينها. من هنا نحن لا نقصد الألفاظ التي تماثل تلك المستعملة في الحديث اليومي بأشكاله التداولية المختلفة، بل نقصد تلك الألفاظ التي كساها المبدع بمختلف الأصباغ، وجعلها في صورة لا تهدف فقط للتواصل العادي، بل يهدف الشاعر إلى تأطيرها في قوالب أخرى داخل الفضاء العام لنصه، من خلال استعمال الاستعارة والمجاز، وغيرها، أما الوصول لدلالات القصيدة فلا يتأتى بمعرفة المعنى الحرفي اللصيق بالألفاظ فقط، بل يستدعي المعرفة بثقافة العرب في تلك الفترة والمعاني التي كانت تصورها. لأن أصحاب معاجم اللغة لم يكن همهم سوى ضبط معاني الألفاظ، دون ما سلكته هذه الأخيرة على ألسنة الشعراء من مجازات ودروب ومدارج، إلا ما شد من ذلك عند استشهادهم بشعر شاعر بعينه .
كما ساهمت الألفاظ إلى جانب المعاني التي أحسن الشاعر توظيفها، في تشكيل الصورة الكلية التي تختزل في ثناياها مجموعة من الصور الجزئية المكثفة، وتتراوح بين المعنوية والحسية، مما يخلق جواً درامياً داخل فضاء هذا النص، الذي يرسم ملامحه التَكرار بمختلف أنواعه والتشبيه والتضمين العروضي والالتفات .


إيقاع القصيدة:

نظم الشاعر هذه القصيدة على بحر البسيط، وهو من اكثر البحور استعمالاً في الشعر العربي، لأنه يتفق مع موضوع القصيدة نظراً لجمعه بين الحزن والفرح أي الشجن، كما يستطيع احتواء أكثر من غرض واحد في القصيدة، نظراً لتوظيف الشاعر لغرض رئيس هو غرض الضيافة إلى جانب غرضين ثانويين لكنهما أساسيان، وهما والوصف والفخر. هو بحر عروضه وضربه لا يستخدمان حينما يكون تاماً الا مخبونين " فعلن " وهو هنا جاري مجرى العلة أي يلازم أبيات القصيدة بأكملها . الروي هنا هو الباء أما الألف فهي وصل، اذ هي حرف مد ناشئ عن إشباع حركة الروي المطلق " فتحة الباء "، القافية مقيدة .
القصيدة معقودة على وصف مواقف معينة متسلسلة، بحيث أن كل واحد منها يفضي بنا للآخر، ستغيب صورة الأضياف في البيت الأخير، في حين ستظل بعض السمات الرفيعة التي تحيل عليها، وسيغرق الشاعر نفسه في الحديث عن كرمه والافتخار به، فيما ستبقى صورة الأضياف حية متحركة، إلا أنها ستكون متوارية خلف الموقف الذي ينطلق منه الشاعر.

التصوير الفني في القصيدة :

استطاع الشاعر بمهارته أن يجمع بين القصة والتصوير، فالقصيدة بأكملها هي بمثابة صورة متعددة الأبعاد ممثلة ومتحركة بشخصياتها، وهذه الحركة تنقسم إلى قسمين: إما حركة معنوية نفسية تتجلى في تضارب أحاسيس الشخصيات واختلافها ومواقع إسقاطها، أوحركة مادية تتجلى في ذبح الناقة مثلاً ....
ومن خصائص الصور التي يوظفها الشاعر أنها متحركة نابضة تصف مشاهد كلية أو جزئية داخل إطار يطبعه الإيجاز، فهي تقول أكثر مما تدلي به ، مثلاً مشهد اختيار الناقة وذبحها ووصف الشاعر للمعاناة التي مر بها برفقة الجزار لفعل ذلك، ذكر كل هذا ليبين قمة حرصه وكده في إكرام الأضياف، وليبرز أنه كريم جواد، قام بنحر ناقة عظيمة مختارة من أجود نوقه، لم يعبأ بوليدها بل سعى فقط لتحقيق هدفه الظاهر وهو إكرام الأضياف والباطن وهو أن يقي حسبه .
استعمل الألفاظ كإشارات حرة لينتقل بالقارئ من العوالم الأول إلى العوالم الثواني التي هو بصدد وصفها.


الأساليب التي وظفها الشاعر لخدمة مقاصده :
- أسلوب الالتفات :
الالتفات في استخدام الضمائر :
ويتجلى في انتقال الشاعر من مخاطبة زوجته ، إلى الحديث عن نفسه بضمير المتكلم ثم ينتقل للحديث عن الغاب المتمثل في الناقة والجزار والراعي ، ليعود للحديث عن نفسه ويختم بالحديث عن أجداده ، التفة من ضمير المتكلم إلى ضمير الغائبين .
الالتفات في استخدام العبارات أو الملفوظات :
ويتجلي في التفات الشاعر من استخدام عبارة إنجازية ( إنشائية ) مثل : يا ربة البيت قومي ... ضمي إليك .... ماذا ترين .... الى استخدام عبارة وصفية ( خبرية ) مثل: في ليلة من جمادى ... أمطيت جازرنا ... ينشنش اللحم ...

- استعماله لجمل طويلة يدل على بطئ الحركة التي كانت تمر بها الأحداث ويتجلى ذلك في تصويره لمعنى واحد في بيتين أو أكثر .
- يتراوح زمن الأفعال في القصيدة بين الأمر والأضرب التي يخرج إليها وخاصة الطلب، ثم زمن المضارع المعبر عن لحظة في زمن الماضي، فيما يكون هذا الأخير هو الزمن المهيمن ويتراوح بين ماض بعيد وآخر قريب.
- استعمل التكرار بكثرة، ونوعه بين تكرار الكلمات: الكلب.... وتكرار الروابط : في – فاء العطف – واو العطف – لا النافية – ها ( باعتبارها ضمير متصل يعود على مرجعه مباشرة ....
التكرار هنا يمنح النص شكلاً إيقاعياً يساهم في إغناء جانبه الموسيقي والفني، فوظيفته إذن وظيفة إيقاعية. كما يساهم في التأسيس للوظيفة الدلالية للنص باعتبار أنه موجه للمتلقي. كما تترتب عن التكرار وظائف أخرى كالوظيفة التأثيرية والوظيفة الإقناعية، والوظيفة التنظيمية، لأنه يساهم في انسجام وتماسك النص.
- نُدْني – نبني = تكرار للأسجاع الداخلية لأنه جاء في نفس البيت.
- استخدم الكناية: يا ربة البيت...كناية على الزوجة.
- الإحالة: بالضمير: إليك = الكاف تحيل على الزوجة....ظلمائها = ها = ضمير متصل يعود على مرجعه مباشرة، وهو يعود هنا على لفظة: ليلة . خرطومه : الهاء تعود على الكلب .
- مثل = أداة من أدوات الربط والوصل.
- كوم = استبدل كلمة نوق بأسنمة والإحالة عليها.
- مثْل المُجادل = تشبيه مضمر.
- كما تنشنش كفا قاتل سلبا = تشبيه في غاية الروعة .
- أقرف – أعرف = ترصيع .
- قومي – القوم = مجانسة بالاشتقاق.
- غدوا – غدي = مجانسة بالاشتقاق والمضارعة .
الروابط محللة نحوياً حسب موقع كل منها:
- يا: وهي هنا حرف نداء للقريب أو البعيد.
- غيرَ: اسم يفيد الاستثناء. وهي منصوبة على الحال ( لأن " صاغرة " حال ).
- إليك: اسم فعل أمر.
- في: حرف جر. " في ليلة " :جار ومجرور ، والجار متعلق "بضمي " أو "بقومي".
- لا : لا الجازمة ( دخلت على المضارع فجزمته ).
- من: حرف جر.
- حتى: دخلت على الفعل المضارع" يلف " فنصب بأن المصدرية المحذوفة وجوباً.
- ماذا: اسم استفهام في محل رفع مبتدأ.
- أم : حرف عطف .
- أو : حرف عطف .
- لي: لام الملكية حرف جر مبني على الكسر لا محل له من الإعراب، وياء المتكلم: ضمير متصل في محل جر بحرف الجر، وشبه الجملة من الجار والمجرور " لي " متعلق بخبر محذوف تقديره كائن.
- لما: حرف يجزم الفعل المضارع، ويقلب زمنه لزمن الماضي.
- ف ( فصار ) : الفاء الاستئنافية .
- كما: الكاف حرف جر، ما: اسم موصول بمعنى مثل.
- قد : حرف تحقيق .
- لمْ : حرف جزم ونفي وقلب ، ( جزم الفعل المضارع " أقرف " ونفى وقوعه ، وقلب معناه من الحاضر إلى الماضي ) .


يحكم القصيدة تناسب صوتي مصدره اختيار الشاعر لألفاظ لا تتعارض صوتياً بل تتكامل وتندمج لتشكل نغمة صوتية معينة، ثم ينتقي من جهة ثانية الألفاظ التي تساعده على إبراز المضمون من الناحية الصوتية لذلك تراوحت الأصوات التي استخدمها بين المجهورة والمهموسة وركب بينها ليساهم في تشكيل المستويين الدلالي ( اختيار الألفاظ وتركيبها وتعالقها معنوياً ) والتعبيري ( البناء التركيبي العام للقصيدة ) .



وظيفة الحوار في القصيدة :

الحوار شكل من أشكال الأداء الفني، يعبر من خلاله الشاعر عن أفكاره بطريقة مغايرة لما هو موجود في الواقع، وهو بناء متكامل تلتقي فيه ذات الشاعر بذوات أخرى، يزيد شغف القارئ به كلما كان سلساً محكم التأليف. وفي القصيدة التي بين أيدينا يتخذ الشاعر من زوجته طرفاً في الخطاب، وبالتالي يخرج على التقاليد القديمة، ويتجاوز الأسلوب التقريري الذي كان نظاماً ثابتاً، ونهجاً مألوفاً، وقد دفعه ذلك الإحساس إلى إيجاد صيغة يستطيع بواسطتها أن يمنح القصيدة قوة دفع جديدة، من خلال صياغة أسلوبية، تحقق ما أراده، فلجأ إلى الحوار.
توظيف أسلوب الحوار في هذه القصيدة منحها الحيوية والحياة، فعبر الشاعر عن وجود شخصين بصوت الواحد، مما أدى إلى تناسل الأحداث وتسلسل العبارات التي تراوحت بين الدعاء والطلب والوصية، والاستفهام والنداء، مما دفع بالشخصيات للبروز بكل حمولتها الاجتماعية والثقافية، مفصحة عن ذلك من خلال مسلكها وتصرفها، كما يفصح الحوار عن الكثير من الجوانب النفسية لأفراده، مهما تنوعت موضوعاته وتعددت شخصياته.
استخدام الشاعر لأسلوب الحوار في نضم قصيدته جعلها تمتزج بفنين حديثين هما القصة والمصرح، مما ساعده على رسم الشخصيات الحاضرة منها والغائبة، والفاعلة والمنفعلة، كما دفع ذلك إلى نمو المواقف، وتجسيد التجربة.
وبشكل عام فالحوار يأسر القارئ والسامع ، ويدعو كلا منهما للمتابعة، كما يكشف عما يدور في نفوس الشخصيات من أهواء ونوازع وأفكار ، كما يعيد بناء وإنتاج تشكيل الواقع الذي مضى ليربطه بحاضر جديد .





لائحة المصادر والمراجع:

- أبو الفرج الاصفهاني، الأغاني، شرحه وكتب هوامشه: الأستاذ سمير جابر، ج 22، طبعة دار الكتب العلمية، لبنان.
- أبو الفرج الأصفهاني، الأغاني، تحقيق الدكتور إحسان عباس، الدكتور إبراهيم السعافين، الأستاذ بكر عباس، المجلد 22، الطبعة الثانية، 2004، دار صادر- بيروت.
- الجاحظ، الحيوان، تحقيق وشرح عبد السلام هارون، دار إحياء التراث العربي، بيروت- لبنان.
- الإمام إبراهيم بن محمد بن أحمد الباجوري، تحقيق إلياس قبلان، حاشية على الرسالة السمرقندية، متن الفريدة في الاستعارة والمجاز، الطبعة الاولى، 2009، دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان.
- أبو فهد محمود محمد شاكر، نمط صعب ونمط مخيف، مطبعة المدني، الطبعة الأولى، 1996.
- أبو علي أحمد بن محمد بن الحسن المرزوقي، شرح ديوان الحماسة، نشره كل من: أحمد أمين وعبد السلام هارون، الطبعة الأولى،1991، دار الجيل- بيروت.
- الدكتور السيد أحمد عمارة، الحوار في القصيدة العربية إلى نهاية العصر الأموي، الطبعة الأولى، 1993.
- الدكتور سعيد الأيوبي، عناصر الوحدة والربط في الشعر الجاهلي، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، طبعة 1986.
- يحيى زكريا الآغا، جماليات القصيدة في الشعر الفلسطيني المعاصر، الطبعة الأولى، 1996، دار الحكمة- غزة.
- الدكتورة ريتا عوض، بنية القصيدة الجاهلية، الصورة الشعرية لدى امرئ القيس، دار الآداب- بيروت.
- الدكتور عبده بدوي، أبو تمام وقضية التجديد في الشعر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1985.
- محمد الاخضر الصبيحي، مدخل إلى علم النص ومجالات تطبيقه، منشورات الاختلاف، الطبعة الأولى، 2008.





الفهرس:

المقدمة
التحقق من نسبة القصيدة
تقسيم القصيدة حسب معناها
معجم القصيدة
الإيقاع
التصوير الفني في القصيدة
الأساليب التي وظفها الشاعر لخدمة مقاصده
وظيفة الحوار في القصيدة
لائحة المصادر والمراجع
الفهرس

منقوووول للفائدة

**د لا ل**
2013-08-20, 23:33
موضوع الرسالة: تحليل بنيوي لقصيدة عروة بن الورد *لم اجد صاحب العمل*

تحليل بنيوي لقصيدة عروة بن الورد» الحماسة رقم 680من باب الأضياف

يعتبر كتاب الحماسة من أبرز كتب المختارات الشعرية، جمع فيه أبو تمام عيون الشعر العربي التي تنضبط لقواعد الشعرية التقليدية، وجاء المرزوقي فوضع شرحا من أروع شروح الحماسة وأحسنها، تأتي له فيه أن يستنبط القواعد التي تنظم الإبداع الشعري العربي من المنظور التقليدي فسماها "عمود الشعر".
ويتألف كتاب الحماسة حسب ما نظر له المرزوقي في شرحه، من إحدى عشرة بابا وزعها أبو تمام حسب أغراض شعرية متباينة "صب فيها ذوقه الفني على ما وصل إليه من أشعار العرب، فاختار لكل باب من أبواب الحماسة ما ارتضاه ذوقه وإستجادته قريحته، وهي الحماسة والمراثي والنسيب والهجاء والأدب والأضياف والمدح ومذمة النساء والملح والنعاس والصفات. "وقد نظر أبو تمام إلى هذه الأبواب نظرية نقدية ذات أبعاد جمالية متميزة " تنم عن قوة حسه النقدي في مقاربة النص الشعري العربي القديم.
ولما كانت الأغراض في الشعر العربي كثيرة ومتنوعة فقد اختار أبو تمام من شعر عروة بن الورد في باب الأضياف أربعة أبيات تصور مفهوم الضيافة عند هذا الشاعر الذي ينتمي إلى طائفة الشعراء الصعاليك. وسيكون دأب هذه المحاولة أن تدرس النصين دراسة بنيوية نسقية تكشف عن البعد الجمالي فيهما، مع الأخذ بعين الاعتبار المتلقي على أساس انه الحجر الزاوية في كل عملية إبداعية.
لعل أول ملاحظة تسترعي انتباه قارئ النصين الشعريين القصر حيث يتألف كل واحد منهما من بيتين، وهذه الظاهرة تذكرنا بأول أمر الشعر عند العرب، حيث كان الواحد يلقي البيت أو البيتين لحاجته، قبل أن يترسخ في التراث الشعري القديم مفهوم القصيدة على النحو الذي نجده عند امرئ القيس ومن حذا حذوه من شعراء الجاهلية والإسلام. هذا ويمكن أن يكون مرد هذا القصر أو الإيجاز إلى طبيعة الحياة التي عاشها الشاعر الصعلوك، والتي تتسم في الغالب الأعم بالاضطراب وعدم الاستقرار، فهي حياة السطو والإثارة على القبائل والقوافل لسلب الغنائم وإعادة توزيعها على الفقراء والمحتاجين. ومن جهة أخرى يمكن أن نقرأ في هذا المنزع الشعري توجها أخر يثور على القيم الشعرية القبلية العربية، يوازي ثورة الصعاليك على القيم الاجتماعية السائدة في القبائل العربية.
تكشف القراءة الأولية "للنص الأول" على أن الشاعر يتوجه بخطابه إلى مخاطبة يسميها أم مالك، قد تكون زوجته أو صاحبته، أو مخاطبا مفترضا متخيلا وليس له وجود واقعي، ويطلب منها سؤال طالب المعروف الذي يطرق باب الشاعر ليلا، مترددا غير مفصح عن حاجته ربما بسبب الحياء والمرؤة المعروفة عند الإنسان العربي، إذا أتى الشاعر وهو بين مكان نصب القدور ومكان الجزر أو المسلخ الذي تسلخ فيه الإبل أو الماشية محددا بذلك موضوع السؤال في كيفية استقباله للأضياف.
ويشير في البيت الثاني إلى ما خص به ضيوفه من ترحاب وحفاوة بدءا من استقبالهم بوجه مسفر بشوش، مرورا ببذل وجوه المعروف الكثيرة وإنتهاءا بالحرص على كف جميع ما من شأنه أن يخل بآداب الضيافة الراقية. هذا على مستوى المعنى أو المضمون الذي يكشف على أن الشاعر ومن خلاله الإنسان العربي يعتبر واجب الضيافة والقرى واجب مقدس بالنسبة للمجتمع العربي الجاهلي.
أما على مستوى التركيب يفتتح الشاعر البيتين بأمر يوجهه إلى أم مالك وقد استخدم الفعل (سلي) ولم يستعمل صيغة (اسألي) انسجاما مع ما أشرنا إليه من نزوعه إلى الإيجاز والاختصار، فدل على المعنى المراد بأقل عدد ممكن من الحروف والكلمات. وبعد هذه الجملة الفعلية (سلي الطارق المعتر)، أدرج الشاعر جملة اعتراضية لعل المقصود منها إضفاء صيغة الواقعية على المشهد القصصي أو السردي المتخيل في النص الشعري فأفصح عن الشخصية الثانية التي يتوجه إليها بالخطاب فذكر اسمها في قوله يا أم مالك. وقد ذكر الكنية ولم يذكر الاسم على غير عادة العرب في تكريم المرأة، وهو التكريم الذي يعززه استخدام أداة نداء البعيد (يا) بالرغم من القرب المكاني الذي يقتضيه هذا المقام التواصلي، ويحدد الشطر الثاني من البيت الأول ظرف السؤال الزماني والمكاني ويتمثل في زمن قدوم الضيف ومكان تواجد الشاعر. قدري ومجزري.
وفي البيت الثاني يجدد الشاعر المطلب الذي يدور حوله السؤال فيستخدم صيغة الاستفهام، معتمدا الهمزة، وهو استفهام لا ينتظر من المخاطب جوابا، لأنه قدم التعليل المتضمن في الجملة، انه أول القرى وهو تعليل قائم على الإيجاز أيضا، حيث حذف لام التعليل مع بقاء القرائن الدالة عليها في التركيب، ويأتي الشطر الثاني معطوفا على الجملة الاستفهامية وهي أيضا ذات استفهام استلزامي، يدل على تأكيد دلالة الكرم في أقصى صوره وغاياته الممكنة.
والجدير بالذكر أن الشاعر وظف الأسلوب الإنشائي، وهو إنشاء طلبي (الأمر + النداء+ الاستفهام)، ومعلوم أن هذا الأسلوب لا يحتمل صدقا ولا كذبا، لذلك نرى فيه تأكيدا للدلالة على مدى كرم الشاعر واحتفائه بأضيافه، فكأنه عدل عن الأسلوب الخبري، مخافة أن يقع في احتمال الصدق أو الكذب ولجأ بالتالي إلى الأسلوب الإنشائي الذي يكفل له أن لا يوضع كلامه موضع شك أو تأرجح بين الصدق والكذب، وهو ما يؤكد على أن الشاعر يضع في حسبانه المتلقي الذي يوجه إليه خطابه قصد تعريفه بمكارم أخلاقه وسموها عندما يتعلق الأمر بواجب الضيافة والقرى.
أما على الصعيد البلاغي، لا يخفى الالتفات الحاضر بقوة في البيتين ويتمثل في:
- الانتقال من الإنشاء الطلبي إلى الخبر (ب1).
- الانتقال من الأمر إلى الاستفهام (ب 1-2).
- الانتقال من المخاطب (سلي) إلى الغائب (أيسفر).
- الانتقال من الغائب (أيسفر) إلى المتكلم (أبذل).
ويحقق هذا المحسن البلاغي. وظيفة إضفاء طابع الحركية على النص وهو طابع لا تخلو حياة الصعاليك منه. إضافة إلى الترويج على القارئ وتجنيب النص الوقوع في الرتابة والنمطية وهو ما يدل مرة أخرى على أن المتلقي حاضر بقوة في ذهن المبدع.
وعلى العموم، تغلب على البيتين سمة العري من المحسنات البلاغية التي دأب الشعراء على الافتنان في إيرادها وتشكليها. وهذا ملمحا أخر يعكس طبيعة حياة الصعلوك البسيطة والطبيعية القائمة على البذل والتضحية وإكرام الآخرين.
والى جانب الالتفات نجد استعارة مكينة تتجلى في نسبة الأسفار إلى الوجه وهو في غالب الظن من خصائص الشمس /القمر. والجامع بينهما الإشراقة والجمال. وكذلك شبه أسفار وجهه بأول القرى. وحذف الأداة ووجه الشبه . على سبيل التشبيه البليغ.
وقد اصطفى الشاعر تفعيلات الطويل بحرا أجرى في قوله الشعري. والطويل كما يقول حازم من البحور الشعرية التي تناسب الأغراض الجادة وغرض الشاعر منها بالنظر إلى مساحتها الصوتية الممتدة التي تفسح للشاعر مجال الافتنان في التعبير واختيار أفضل التراكيب لمعانيه وقد غاب الترصيع عن النص. والقافية فيه رائية خالية من الردف والتأسيس . مجراها الكسرة، وإذا كانت الكسرة تدل في الغالب على الانكسار، فإن هذا المعنى يوافق مقاما خاصا هو مقام الانكسار للضيف وخفض الجناح له وبذل وجوه الكرم والضيافة.
ويغتني البناء الإيقاعي للنص بعنصر التكرار. متمثلا في تكرار الحروف، كحرف الراء خمس مرات في البيت الأول وأربع مرات في البيت الثاني، وحرف الهمزة ثلاث مرات في ب 1 وأربع مرات في ب2. وهذا التكرار الصوتي يخدم إيقاع النص بما يخلقه من تكرار منتظم لأصوات بعينها.إضافة إلى كونه يستدعي انتباه القارئ ويرضي أفقه الجمالي وهوما يضمن للنص البقاء والخلود ، وصفة الخلود هاته أرادها الشاعر أن تسم ما يقوم به من أعمال كريمة إزاء أضيافه الذين يقصدونه. من خلال توظيفه للأصوات المجهورة تأكيدا على الجهر بمكارم أخلاقه . وخاصة فيها يتعلق بآداب الضيافة.
أما في البيتين الأخيرين يذكر الشاعر ما يتحلى به قومه أو بالأحرى جماعة الصعاليك من آداب الضيافة؛ فهم كثيرو المشي بين الرِّحال التماسا لخدمة الأضياف وحرصا على راحتهم، يتولى فريق منهم تغطية الضيف ويتولى فريق أخر السهر على أن ينام الضيف نوما هنيا، وقد وقف الشاعر عند هاتين الضفتين مبالغة في تصوير الاهتمام بالضيف. فإذا كان هذا حال الصعاليك فيها يتعلق بالغطاء والنوم. فكيف إذا تعلق الأمر بالقرى وغيره من الأمور التي تتعلق بالشهامة والمروءة والجود؟.
وينتقل الشاعر في البيت الثاني إلى بيان جماع مكارم قومه في معاملة الأضياف مستعرضا كيفية تعاطي الحليم والجاهل من الصعاليك مع الضيف ؛ فالحليم يعتريه الجهل والجهالة إذا ما رأى ما يؤذي ضيفه أو يسئ إليه، والجاهل يصير حليما في احتمال أذى الضيف، وهذا منتهى الكرم، والملاحظ أن الشاعر بدأ بالصفة المادية وانتقل إلى الصفة الأخلاقية المعنوية النفسية في البيت الثاني تأكيداً على الأخلاق النبيلة التي يتمتع بها هو وجماعته من الصعاليك خاصة عندما يتعلق الأمر بأدب الضيافة والقرى .

الملاحظ أن الشاعر بدأ بجملة خبرية إنكارية، حيث أكد الخبر بمؤكدين هما: إن ولام التوكيد (إنا لمشاؤون) ولا يخفى أن صيغة المبالغة (مشاؤون) تؤكد ما أراد الشاعر نسبته إلى جماعته من كثرة السعي لخدمة الضيف، ويلفت الانتباه انه ذكر (الضيف) معرفا، فكأنما هو معهود معروف، وأن الكرم هو دأب الجماعة وعاداتها التي لا تنفك عنها، وفي البيت الثاني نجد أيضا جملة خبرية ابتدائية، ألقاها الشاعر خالية من أدوات التوكيد، وكأنه موقن من أنها حقيقة راسخة لا يأتيها شك، وقد استعمل الاسم (ذو) متبوعا بالصفة المعرفة (الحلم- الجهل) ليبين أن المتحدث عنه قد حاز الغاية في الإتصاف بما نسبه له الشاعر، فذو الجهل قد حاز الجل برمته، وكذلك ذو الحلم وهذا يعزز دلالة الإكرام والنبل، فالواحد من جماعة عروة وإن كان في غاية الحلم يجهل إذا ما أوذي ضيفه، وإذا كان في غاية الجهل يحتمل ما قد يصدر من ضيفه من جهالة أو إذاية أو إساءة.
ومن جهة أخرى نلاحظ أن الشاعر استخدم ضمير المتكلم الجمع (نحن) الذي يدل على الاعتزاز بالانتماء إلى جماعة الصعاليك، وقد حق له أن يعتز بذلك خاصة وأن ما يذكره من مكارمهم ، أخلاق عزيزة في مجتمع صحراوي قاس، مما يجعل من كرمهم عطاءا في غايته، ونشازا في محيط مجذب قاحل.
وعلى مستوى التركيب البلاغي، نقف في البيت الثاني على مطابقة، بين ذو الجهل ـ ذوالحلم ، وبين جاهل ـ حليم. وهذا الطباق طباق إيجاب، وهو كذلك إيجابي الدلالة يصب في خدمة الضيف والحرص الشديد على راحته.ونلمس في الشطر الثاني من البيت الأول إيجاز بالحذف في قوله (منا لاحف ومنيم)؛ فهو ذكر فريقين من جماعة الصعاليك يتوليان مهمتين، السهر على تغطية الضيف وتوفير الدفء والراحة. والسهر على أن ينام قرير العين ،والتقدير (منا لاحف ومنا منيم)، ولا يفوتنا أن نلفت الانتباه إلى غياب الجمل الفعلية فكل جمل النص اسمية مما يعزز دلالة ثبات الصفات المسندة إلى الشاعر و جماعته من الصعاليك.
وفيما يخص الجانب الإيقاعي، اعتمد الشاعر بحر الطويل، وهو كما سبق من البحور التي تصلح للأغراض الجادة، مثل غرض الشاعر واعتمد قافية مطلقة رويها الميم الموصول بمد ناتج عن إشباع مجرى الروي (الضمة)، وهي قافية مردوفة بالياء قبل حرف الروي، وقد تحقق الانسجام الصوتي في البيتين من خلال إعمال التكرار، ومن مظاهره تكرار حرف النون وهو من الحروف المهجورة كما هو الأمر في البيت الأول، وتكرار المد بالألف سبع مرات في البيت نفسه، وتكرار اللام خمس مرات في البيت الثاني، ولعل هذا التكرار يخدم دلالة الجهر بخصال الصعاليك ومكارمهم العزيزة خاصة المرتبطة بكرم الضيافة، وكذلك مد الصوت بالتغني بها، وكأنما الشاعر في مقام استمتاع وابتهاج بتلك الفضائل التي تعلي من شأنه وشأن جماعته من الصعاليك، وتجعلهم في غاية التحضر والمروءة.
ولعل عروة بن الورد في توظيفه لحروف بعينها داخل نسقه الشعري ما هو إلا دليل على اهتمام الشاعر بالمتلقي، خاصة إذا علمنا أن الشاعر أراد من خلال نصوصه تلك التغني بمكارم أخلاقه وحسن ضيافته لطارق بيته حرصا منه على انتشارها بين الناس، يعزز هذا التوجه الذي أراده المبدع من إبداعه، سهولة استيعاب الوحدات الصوتية نظراً لتكراريتها، وبعدها عن الغرابة والإيغال في الصور الفنية، هو ما يمكن أن يوفر لشعره ميزة الاستمرارية والحركية.
يتضح لنا –إذن- من سابق كل ما تقدم أن شعر عروة بن الورد في باب الأضياف، يعكس إلى حد بعيد نمط حياته وحياة جماعته من الصعاليك، التي تتسم في الغالب الأعم بالسرعة وعدم الاستقرار وهو ما لاحظناه من خلال وقوفنا على الطابع الموجز والمختصر لشعرهم الذي لا يتجاوز النتف والأبيات القصيرة على غير عادة الشعر التقليدي، الذي يتميز بتعدد الأغراض والمواضيع داخل النص الشعري الواحد وهو ما يعتبر في نظر النقاد ملمحا تجديديا في النسق الشعري القديم.
إضافة إلى عنصر القصر وعدم طول القصيدة وغياب تعدد الأغراض نجد أن عنصر البساطة هو الجانب المهيمن على المعجم بحيث لجأ إلى ألفاظ سهلة ومتداولة حتى يضمن لنسقه الشعري وعبره مكارم أخلاقه وما يقوم به من واجبات القرى والضيافة، الاستمرارية والخلود والانتشار الواسع بين الناس، بينما نجده على مستوى التصوير لا يحتفي بالزينة البلاغية بشتى أنواعها، لأنه ظل منسجما مع نمط حياته البسيط ووفيا له في اختياراته الجمالية، مما يعني أن عروة بن الورد اختار أدوات شعرية سهلة وبسيطة ليصل من خلالها إلى عمق المتلقي والتأثير فيه عقليا ووجدانيا، إدراكا منه أن الشاعر لا يمكن أن تستقيم له أداوت إبداعه إلا عبر إشراك المتلقي في العملية الإبداعية.
وختاما يمكن القول إن شعر عروة بن الورد والصعاليك عموما يظل في حاجة إلى دراسة من منظورات مختلفة انثروبولوجية ونفسية واجتماعية ترصد خصوصية هذه الجماعة من الشعراء وتفردها برؤية خاصة للعالم ينبغي أن يماط عنها اللثام.



• الهوامش
- لمزيد من التوسع ينظر مقدمة شرح ديوان الحماسة، للمرزوقي، 1/9.
2- نفسه.
3- مفهوم الغرض في الشعر العربي، الأمين المؤدب، ص: 118.

4 - شعر الصعاليك منهجه وخصائصه لعبد الحليم حفني، ص: 42.

5 - سلي الطارق المعتر يا أم مالك، إذا ما أتاني بين قدري ومجزري
أيسفر وجهي، أنه أول القـرى، وأبدل معروفي له دون منكري.
ديوان عروة بن الورد أمير الصعاليك، ص: 78.
6- وإنا لمشاؤون بيـن رحالنا إلى الضيف منـا لاحف ومنيم
فذوا الحلم منا جاهل دون ضيفه وذو الجهل منا عن أداه حليم
7- مفاهيم هيكلية في نظرية التلقي، محمد إقبال، ص: 61.
قائمة المصادر والمراجع

• المرزوقي (علي أحمد بن بن الحسين).
شرح ديوان الحماسة، تحقيق أحمد أمين وعبد السلام هارون، دار الجيل بيروت ج الأول، الطبعة الأولى 1991.
• عروة بن الورد.
ديوان عروة بن الورد، أمير الصعاليك، تحقيق أسماء أبو بكر محمد دار الكتب العلمية، لبنان، 1/1992.
• ديوان عروة بن الورد، تحقيق سعدي ضناوي، دار الجيل بيروت الطبعة 1/1996.
المقالات:
• محمد الأمين المؤدب.
مفهوم الغرض في الشعر الجاهلي، نحو بناء جديد للمفهوم، مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، المجلد 80 الجزء 1.
• محمد إقبال عروي
مفاهيم هيكلية في نظرية التلقي، عالم الفكر مجلة فصلية يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون، الكويت، العدد في المجلد 37، مارس 2009.

منقوووول للفائدة

**د لا ل**
2013-08-20, 23:36
موضوع الرسالة: التناص ودلالته في جدارية محمود درويش. *عدم وجود اسم صاحب العمل*


المحتوى:


مقدمة: .................................................. .................................................. .......ص: 1
تحديد المفاهيم:......................................... .................................................. ...... ص: 2
 ما هو المفهوم :................................................. ................................. ص: 2
المحور الاول: ما هو النص:
تعريف النص:............................................. .................................................. .... ص: 3
النص لغة )المعجم العربي(:.......................................... ........................................ص: 3
النص Texte: لغة )المعجم الغربي(:.......................................... ..........................ص: 3
مفهوم النص:............................................. .................................................. .... ص: 3
المحور الثاني: ما هو التناص
تعريف التناص:........................................... .................................................. .... ص:4
التناص لغة)في المعجم العربي(:.......................................... ...................................ص:4
مصطلح"intertextualité"ومقابله في الدراسات العربية الحديثة:.............................. ص:4
في التراث العربي:........................................... .................................................. ص:4
مفهوم التناص:........................................... .................................................. .... ص:4-5
المحور الثالث: التناص ودلالاته في جدارية لمحمود درويش
أ- 1. التناص الأدبي:........................................... .............................................. ص:6
1- قراءة في عنوان القصيدة:.......................................... ................................. ص:6
2- امرؤ القيس :................................................. .......................................... ص:6
3- ابي علاء المعري:........................................... .......................................... ص:6-7
4- طرفة بن العبد:............................................ .............................................. ص:7
5- لبيد بن أبي ربيعة:............................................ ......................................... ص:7
ب-2. التناص الأسطوري:......................................... .......................................... ص:7
1- طائر الفينيق:.......................................... .................................................. ص:7-8
2- ملحمة جلجامش:........................................... ............................................ ص:8
ج- التناص التاريخي :................................................. ...................................... ص:9
الخاتمة:.......................................... .................................................. ............. ص:10


مقدمة:
يتميز الدرس التناصِّي بصفات مهمة، قادرة على سبر أغوار النصِّ والتغلغل إلى مفاصله، وتعتبر "جدارية" هي ديوان \ قصيدة للشاعر الفلسطيني محمود درويش يمثل تجربة جديرة بالتأمل والدراسة لما تحويه من غنى وتنوع في الظواهر الأدبية والفنية ، تجسد ( جدارية )بشكل عام صراعاً بين الموت والحياة في إشارات واضحة لذلك على مدار القصيدة ، يعاني فيها الشاعر موت أمور كثيرة فمن موت اللغة إلى ضياع الهوية إلى عبث ولا جدوى ، وتحدي وإصرار على المواجهة ، القصيدة ( أرض خضراء) جمعت جوانب أدبية ودينية واجتماعية وفلسفية وسياسية بحيث ألقى فيها الشاعر جل همومه، أحيانا يلجأ إلى تصويرها وحين يشتد به الأسى يلجأ كثيراً إلى أسلوب التداعي الحر في بعض المقاطع ، واستخدام الرمز والأسطورة الخ....
وهذا ما سأعمد على الكشف عنه في هذا العمل امن تقدم نماذج لبعض مواطن التناص الواردة في القصيدة مع يقين مطلق بأن ما سيتم ذكره من تناصات هو جزء بسيط من تلك الخفية التي لم افطن لها ...


تحديد المفاهيم:
 ما هو المفهوم :
"لا وجود لمفهوم بسيط. كل مفهوم يملك مكونات, ويكون محددا بها. للمفهوم إذن رقم. انه تعددية, حتى وان لم تكن كل التعددية مفهومية. لا وجود لمفهوم احادي المكون: وحتى المفهوم الأول الذي "تبدأ" به فلسفة ما فانه يتوفر على مكونات كثيرة. ما دام ليس بديهيا أن على الفلسفة أن تكون لها بداية, وحتى وان حددت بداية ما فإنها تضيف إليها وجهة نظر أو سببا.
لا يبدأ ديكارت, وهيغل, و فيورباخ, بالمفهوم عينه فحسب, وإنما ليس لديهم مفهوم واحد للبداية. فكل مفهوم على الأقل مزدوج أو ثلاثي...ولا وجود كذلك لمفهوم يحتوي على مكوناته, لأنه سيكون مجرد سديم خالص :
وحتى الكليات المزعومة كمفاهيم قصوى يتوجب غليها الخروج من السديم لرسم عالم يشرحها (التأمل,التفكير,التواصل...). كل مفهوم يتوفر على محيط غير منتظم, محدد برقم مكوناته. لهذا نجد انطلاقا من أفلاطون إلى برغسون, فكرة كون المفهوم إنما يرتبط بالتمفصل, والتقطيع, والتقاطع. انه كل لكونه يشمل كل مكوناته, لكنه كل متشظ. ووفق هذا الشرط فقط يمكنه أن يخرج من السديم الذهني, الذي لا يتوقف عن التربص به, والالتصاق به من اجل استيعابه من جديد".
"قد يرى المطلع على بعض الدراسات المتعلقة بالتناص تداخلا كبيرا بين هذا المفهوم وعدة مفاهيم أخرى مثل "الأدب المقارن" و "المثاقفة" و "دراسة المصادر" و "السرقات" ولهذا فان الدراسات العلمية تقضي أن يميز كل مفهوم من غيره ويحصر مجاله لتجنب الخلط...وتناول الظروف التاريخية والابستيمية التي ظهر فيها".


- المحور الاول:


- ما هو النص







• تعريف النص:
بديهي أن يكون "للنص" تعاريف متباينة تختلف من منطلق لآخر,ومن توجه معرفي لآخر. ولعل المقاربة اللغوية من أهم المنطلقات الأساسية التي حاولت أن تلامس بعضا من جوانب هذا المفهوم. فما هو إذن التعريف اللغوي"للنص", كما وردنا من معاجم اللغة العربية:
- النص لغة )المعجم العربي(: "رفعك الشيء,نص الحديث ينصه نصا:رفعه,وكل ما اظهر فقد نص [...] يقال: نص الحديث إلى فلان أي رفعه,وكذالك نصصته إليه.ونصت الظبية جيدها:رفعته [...] ونص المتاع نصا:جعل بعضه على بعض, ونص الدابة ينصها نصا:رفعها في السير. [...] وفي الحديث: أن النبي عليه الصلاة والسلام حين دفع من عرفات, سار العنق فإذ وجد فجوة نص, أي رفع ناقته في السير.وقد نصصت ناقتي: رفعتها في السير,وسير نص ونصيص"
كما يفيد النص صيغة الكلام, الذي لا يحتمل إلا معنى واحد,أو لا يحتمل التأويل. ومنه قولهم لا اجتهاد مع النص, وعند الأصوليين هو الكتاب والسنة"
- النص Texte: لغة )المعجم الغربي(: مجموعة من الكلمات, جمل تتشكل كتابتا,هذه الأخيرة قد تكون مطبوعة أو بخط اليد. [...].
أما Textile:الحياكة )النسج( لها علاقة بصناعة النسيج. الاسم 1 قطعة ثوب, مادة النسيج 2 صناعة النسيج. [...]أما Texture : "فهي مرادف ل"disposition تجميع, التئام أجزاء شيء ما, التئام مختلف أجزاء شيء ما.

- مفهوم النص
"للنص تعاريف عديدة تعكس توجهات معرفية ونظرية و منهاجية مختلفة فهناك التعريف البنيوي, وتعريف اجتماعية الأدب والتعريف النفساني الدلالي, وتعريف اتجاه تحليل الخطاب..., التي. وأمام هذا الاختلاف فإنه لا يسعنا إلا أن نركب بينهما جميعا لنستخلص المقومات الجوهرية الأساسية التالية:
o عرف "هيامسلاف HJEMSLEV".مصطلح النص تعريفا,واسعا جدا,فأطلقه على ملفوظ أي كلام منفذ قديما كان,أو حديثا,مكتوبا,أو محكيا,طويلا أو قصيرا.فان عبارة "قف" هي في نظر هيامسلاف نص,كما أن جماع المادة اللغوية بكاملها هي أيضا نصا.
o أما "تودوروف تزيفطان TODOROV TZVETAN" فانه يعرف النص على انه إما أن يكون "جملة",وإما أن يكون "كتابا" بكامله, وان تعريف النص يقوم على أساس استقلاليته,وانغلاقيته, وهما الخاصيتان التي تميزانه,فهو يؤلف نظاما خاصا به,لا يجوز مساواته. بالنظام الذي يتم به تركيب الجمل, ولكن ان نضعه في علاقة معه,هي علاقة "اقتران وتشابه"
o عرف "رولان بارت ROLAND BARTHES" النص في مقاله عن نظرية النص بقوله: "إن النص من حيث هو نسيج فهو مرتبط بالكتابة,ويشاطر التاليف المنجز به [...],وذلك, لأنه بصفته رسما بالحروف, فهو إيحاء بالكلام"
o أما "جوليا كريستيفا julia kristeva" فإنها تعرفه بأنه "آلة نقل لساني,انه يعيد توزيع نظام اللغة, فيضع الكلام التواصلي, اي المعلومات المباشرة في علاقة تشترك فيها ملفوظات سابقة أو متزامنة" .
-مدونة كلامية : يعني انه مؤلف من الكلام وليس صورة فوتوغرافية أو رسما, أو عمارة, أو زيا...وان كان الدارس يستعين برسم الكتابة وفضاءها وهندستها في التحليل.
- حدث: إن كل نص هو حدث يقع في زمان ومكان معينين لا يعيد نفسه إعادة مطلقة مثله في ذلك مثل الحدث التاريخي.
- تواصلي : يهدف إلى توصيل معلومات ومعارف ونقل تجارب...إلى المتلقي.
- تفاعلي: على أن الوظيفة التواصلية - في اللغة - ليست هي كل شيء, فهناك وظائف أخرى للنص اللغوي, أهمها الوظيفة التفاعلية التي تقيم علاقات اجتماعية بين أفراد المجتمع وتحافظ عليها.
- توالدي: إن الحدث اللغوي ليس منبثقا من عدم, وإنما هو متوالية من أحداث تاريخية, ونفسانية, ولغوية...وتتناسل منه أحدات لغوية أخرى لاحقة له".
- مغلق: ونقصد انغلاق سمته الكتابية الايقونية التي لها بداية ونهاية, ولكنه من الناحية المعنوية هو: "فالنص إذن, مدونة حدث كلامي ذي وظائف متعددة"

- المحور الثاني:


- ما هو التناص

تعريف التناص:
وهو "مجموعة النصوص المنتشرة التي يحويها نص واحد في بنيته بحيث تعمل النصوص المنتشرة بشكل باطني على تحقيق النص, وتشكيل دلالته, وتتفرع هذه النصوص في مصادرها المتنوعة على ذاكرة واسعة يتداخل فيها العربي, بالغربي و الحديث بالقديم, الواقعي بالأسطوري,[...] مما يجعل عملية رصد هدا النص الغائب وتحديده بدقة, عملية صعبة"
التناص لغة)في المعجم العربي(:
"التناص" مصدر للفعل تناصَّ, وتناصَّ القوم تزاحموا وهذا المصدر بصيغته الصرفية هذه , يدل على المفاعلة, و الشيء نفسه نجده في المعجم الوسيط إذ نجدها تدل على "الازدحام, ففي قول العرب: تناص القوم إذ ازدحموا
مصطلح"intertextualité"ومقابله في الدراسات العربية الحديثة:
أثار مصطلح "التناص"intertextualité" جدلا نقديا, شغل الباحثين في اللغة العربية لغياب المقابل - في المعجم العربي- المناسب لمعناه في مفاهيم النقد الغربي الحديث, مصطلح "intertextualité" الذي عرف تنوعا عند المترجمين إلى العربية, فأحيانا نجد الترجمة "تناص" و أحيانا "بينصية" .و"البينصية" كلمة مركبة من "بين+نصية". وفي المعجم الوسيط نجد كلمة "تناص" تدل على "الازدحام, ففي قول العرب:تناص القوم إذ ازدحموا, أما كلمة "بين" فتاتي في كلام العرب على وجهين.
1- أن يكون البين بمعنى الفرقة.
2- وتكون أيضا بمعنى الوصل, كقولهم بان,بينا بينونة, وهي من الأضداد .
"ويبدو أن الذين اعتمدوا على "البينصية", كانوا يقصدون البين باعتبار الوصل ضد الفرقة,وهو المعنى الصائب في التعالق النصي, والتداخل النصي,كما ورد ضمن المصطلح الغربي,وهناك من استعمل مصطلحا آخر, وهو التداخل النصي" ,وإذا كان "محمد بنيس" قد استعمل مصطلح "التداخل النصي",فإننا نجد من النقاد من يطلق مصطلح"التفاعل النصي" مرادفا لما شاع تحت مفهوم "التناص" أو "المتعاليات النصية",كما استعملها جينات بالأخص" .
وعليه, إن هذا الاختلاف في هذا المصطلح ليس خاصية عربية, وإنما عند جميع الأمم"
في التراث العربي:
لم يظهر التناص بوصفه مصطلحاً نقدياً في النقد العربي إلا مع مرحلة الترجمة للفكر الغربي الحديث , ولكن التناص مصطلح حديث لظاهرةٍ قديمة, أدرك بعض جوانبها النقد العربي القديم, بل إنها ظهرت في ذاكرة الشعر العربي نفسه قال عنترة:
"هل غادر الشعراء من متردمي أم هل عرفت الدار بعد توهم"
" ويقول بشار بن برد: "ما قرَّ بي القرار مذ سمعت قول امرئ القيس :
كأن قلوب الطير رطبا ويابسا لدى وكرها العناب والحشف البال
كأن قلوب الطير رطبا ويابسا لدى وكرها العناب والحشف البال
حتى قلت : كأن مثار النقع فوق رؤوسنا وأسيـــافنا ليل تهاوى كواكبه"
أما في تراثنا النقدي فقد وردت مصطلحات كثيرة لها علاقة ما بمصطلح التناص كالتضمين والسرقة وغيرها"
وقد عالج هذه الإشكالية المفكر العربي ابن خلدون, مشترطا الدربة,والخبرة,وامتلاك الأدوات الإبداعية,بحفظ الشعر, في قوله:"اعلم أن لعمل الشعر, وأحكام صناعته شروطا,أولها الحفظ من جنسه أي من جنس شعر العرب, حتى تنشا في النفس ملكة ينسج على منوالها. [...]ثم بعد الامتلاء من الحفظ وشحذ القريحة للنسج على المنوال يقبل النظم و بالإكثار منه تستحكم ملكته وترسخ,وربما يقال من شروط نسيان ذلك المحفوظ لتمحي رسومه الحرفية الظاهرة, إذ هي صادرة من استعمالها بعينها,فإذا نسيها, وقد تكيفت النفس بها, انتقش الأسلوب فيها كأنه منوال يأخذ النسج عليه بأمثالها[...] فذلك اجمع له, وأنشط للقريحة ا نياتي بمثل المنوال الذي حفظه" .
ومن أوائل الدراسات النقدية التي أدخلت مصطلح "التناص" إلى النقد العربي الحديث,واستخدمته في المجال التطبيقي, دراسة"فريال جبور غزول" التي خصصتها لتحليل قصيدة محمد عفيفي مطر "قراءة" . إذ كانت تقول في "التناص" انه "تضمين نص لنص آخر, واستدعاؤه, وفيه يتم تفاعل خلاق بين النص المستحضر )بكسر الضاد(,والنص المستحضر) بفتح الضاد(.
مفهوم التناص:
إذا ما تتبعنا نشأة التناص وبداياته الأولى كمصطلح نقدي نجد أنه كان يرد في بداية الأمر ضمن الحديث عن الدراسات اللسانية ) وقد وضح مفهوم التناص العالم الروسي ميخائيل باختين من خلال كتابه (فلسفة اللغة) وعنى باختين بالتناص: الوقوف على حقيقة التفاعل الواقع في النصوص في استعادتها أو محاكاتها لنصوص – أو لأجزاء – من نصوص سابقة عليها والذي أفاد منه بعد ذلك العديد من الباحثين , على الرغم من أن باختين لم يستعمل "في مقدمة كتابه "شعرية دوستويفسكي" مصطلح "التناص" وإنما عبر عنه ب"تداخل السياقات "Intercontexes" وب"التداخل السيمياءيinterférence sémiotique" وب"التداخل السوسيولفظي intersosiolinguistique".وهذا النسق الأخير هو ما يأخذ عند جولتا كريستيفا موقع "التناص"وقد ورد مصطلح "التناص" عند رولان بارث في كتابه "متعة النص le plaisir du texte". حتى استوى مفهوم التناص بشكل تام على يد تلميذة باختين الباحثة جوليا كرستيفا وقد أجرت كرستيفا استعمالات إجرائية وتطبيقية للتناص في دراستها (ثورة اللغة الشعرية) وعرفت فيها التناص بأنه " التفاعل النصي في نص بعينه"
و"إذا استطعنا أن نتبين بعض مقومات النص, وأهملنا بعضا منها آخر بقرار منهجي فانه علينا أن نتعرف الآن على التناص بوضع اليد على مقوماته بدوره. لقد حدده باحثون كثيرون مثل: (كريستيفا, وارفي, ولورانت, ورفاتير...) على أن أي واحد من هؤلاء لم يصغ تعريفا جامعا مانعا, ولذلك فإننا سنلتجئ -أيضا- إلى استخلاص مقوماته من مختلف التعاريف المذكورة, وهي:
- فسيفساء من نصوص أخرى أدمجت فيه بتقنيات مختلفة.
- ممتص لها يجعلها من عندياته وبتصبيرها منسجمة مع فضاء بناءه ومع مقاصده
- محول لها بتمطيطها أو تكثيفها بقصد مناقضة خصائصها ودلالتها أو بهدف تعضيدها.
وينقسم التناص حسب توظيفه في النصوص إلى:
1- التناص الظاهر: ويدخل ضمنه الاقتباس والتضمين ويسمى أيضاً التناص الواعي أو الشعوري.
2- التناص اللاشعوري: (تناص الخفاء) ويكون فيه المؤلف غير واعي بحضور نص في النص الذي يكتبه
وعموما قد "قسم بعض دارسي التناص إلى ثلاثة أصناف, وهي:
1- "التناص الذاتي:Iinterne": وهذا عندما تدخل نصوص الكاتب الواحد في تفاعل مع بعضها البعض ويتجلى ذلك لغويا وأسلوبيا ونوعيا.
2- "التناص الخارجي : externe": حينما يدخل نص الكاتب في تفاعل مع نصوص كاتب عصره, سواء كانت هذه النصوص أدبية أو غير أدبية.
3- "التناص الخارجي :Externe": حينما تتفاعل نصوص الكاتب مع نصوص غيره, التي ظهرت في عصور بعيدة عن عصره.

- المحور الثالث :

التناص ودلالاته في جدارية لمحمود درويش

أ- 1. التناص الأدبي:

التناص الأدبي هو تداخل نصوص أدبية مختارة قديمة أو حديثة شعراً أو نثراً مع نص القصيدة الأصلي بحيث تكون منسجمة وموظفة ودالة قدر الإمكان على الفكرة التي يطرحها الشاعر
6- قراءة في عنوان القصيدة:
النموذج الأول للتناص في الجدارية هو عنوان الديوان/ القصيدة (جدارية) ولأن أرض قصيدته خضراء كما يردد الشاعر في النص فقد كانت بالفعل كذلك أرضاً خضراء غنية بالتناصات حتى إنه ليطالعنا في النص الموازي (العنوان على الغلاف) فحين كتب محمود درويش هذه القصيدة أسماها (جدارية) وهي مفردة مرادفة لـ (معلقة) فلعل الشاعر بهذا يرغب في أن يعود لنقطة البداية من جديد بعد صراع محموم مع النهاية (الموت) في معلقته أو جداريته، ولأن للمعلقات مكانة خاصة ومتميزة في الشعر العربي فإن اختياره لهذا العنوان يرفع من القيمة الأدبية لعمله ويضعه في مصاف المعلقات وربما كان ذلك إيماناً من الشاعر بعبقريته الشعرية وبرؤيته لنصه على أنه يستحق أن يعلق على الجدران كما كان الحال مع المعلقات الخالدة، والدلالة الأخرى التي يثيرها عنوان جدارية هي أن الشاعر في هذه الجدارية يشعرنا بأنه قد أودعها خلاصة شعره وتجربته الحياتية والأدبية وحكمته فأراد لها أن تبقى حية في الأذهان خالدة في الذاكرة كخلود المعلقات الجاهلية ، أو لأن النص بريء وعفوي يتعامل مع "أصغر الأشياء" ببساطة وعفوية البدايات البشرية، وكلما توغلنا في النص كلما تكثفت دلالات المعلقات وما ارتبط بها وبشعرائها - كما سنرى لاحقاً- ، كل هذه الدلالات تفجرها لفظة جدارية التي وسم بها محمود درويش ديوانه هذا.
7- علاقة الشاعر بشعراء
أ‌- امرؤ القيس :
شغل امرؤ القيس الشعر والشعراء في كل عصور الأدب العربي وله فيه مكانة كبيرة ولاشك وذلك لغنى تجربته الأدبية والحياتية ، و"تكاد تكون شخصية امرىء القيس شخصية نموذجية في رحلة الشعر العربي القديم والحديث ، فلطالما استلهم الشعراء شعر امرىء القيس بأساليب مختلفة ومتعددة ، وهذا بحد ذاته أمر يشير إلى أهمية امرىء القيس" وقد استثمر محمود درويش في جداريته محور الغربة في حياة امرىء القيس ووظفه في نصه بشكل موفق ، يقول محمود درويش :
" يا اسمي: سوف تكبر حين أكبر
سوف تحملني وأحملك
الغريب أخ الغريب"
وجد الشاعر في رحلة امرىء القيس وغربته مادة يمكن أن يزاوج فيها بين واقع الإنسان المعاصر وواقع امرىء القيس وهو واقع لا يعرف الاستقرار ، وهنا تتلاقى تجربة امرىء القيس ومحمود درويش حيث يسيطر إحساس عالٍ بالغربة على الشاعر فيشطر من ذاته شطرين ويخلق من نفسه آخراً يستعين به على غربته ، وقد جمع هذا الإحساس بالغربة بين هذين الشاعرين فكلاهما غريب عن أرضه وتجمعه الغربة بألفة هي ألفة الغريب بالغريب كما في قول امرىء القيس :
"أجارتنا إنا غريبان هاهنا وكل غريب للغريب نسيب"
كما أن رحلة امرىء القيس بكل ما فيها من ألم ومغامرة تلتقي مع رحلة درويش الماضية في فضاء أبيض شفاف هو نقاء النهايات التي يقابلها الشاعر بنوع من التحدي حيناً والاستسلام حيناً آخر ، فالغربة والإحساس بدنو النهاية جمع كلا الشاعرين ولعل درويش في هذا التناص يقول لنا أن غربته طويلة ومتأصلة في داخله وتمد جذورها في روحه منذ أيام امرىء القيس حتى يومنا هذا .ويعود محمود درويش في موطن آخر من جداريته ليلتقي بامرىء القيس ولكن هذه المرة يتماس معه في نقطة أخرى ومحور ثان هو الرحلة ، يقول :
"كلابنا هدأت
وماعزنا توشح بالضباب على
التلال. وشج سهم طائش وجه
اليقين. تعبت من لغتي تقول ولا
تقول على ظهور الخيل ماذا يصنع
الماضي بأيام امرىء القيس الموزع
بين قافية وقيصر..."
نعرف أن رحلة امرىء القيس كانت لإعادة ملك مسلوب وهذا الملك المسلوب هو أيضاً ما يرتحل من أجله محمود درويش ملك الأرض والوطن المسلوب ، ولكن درويش يبدو فارساً منهكاً لا يجد في رحلته جدوى حين يطبق عليه اليأس الخناق حيث تغيب معاني الأمل والحياة أمامه فيقع تحت شعور ثقيل بعبثية الحياة والوجود وتجمد الأشياء وتتصلب عند مؤشر واحد هو الموت ، موت الحياة بكل ما فيها من مظاهر ساذجة وحميمة ، وما يزيد من إحساس العبث هذا هو ذلك السهم "الطائش" الذي شج وجه اليقين وهو معادل موضوعي لفكرة الموت في نفس الشاعر، فحينها لا يعود للارتحال ولا للمغامرة ولا لطلب أي هدف معنى لذلك جاء تناصه مع رحلة امرىء القيس هنا مرتداً للماضي الموزع بين الشعر والغاية التي كرس لها الشاعر حياته كما كرس امرىء القيس حياته من أجل قضيته وفي النهاية لم ينل أي منهما سوى ذلك اليقين الأبدي .. الموت.
ب‌- ابي علاء المعري:
يستعرض محمود درويش في لحظات سريعة مشارفته على الموت في مشاهد متتالية ذات إيقاع سريع ومتوتر فيطل على شرفات الموت ليلتقي ويصافح من سبقوه إلى مصيره الذي هو سائر إليه طوعاً أو كرهاً فيقول :
" رأيت المعري يطرد نقاده
من قصيدته :
لست أعمى
لأبصر ما تبصرون
فإن البصيرة نور يؤدي
إلى عدم....... أو جنون"
اجتمع محمود درويش بالمعري تحت سماء البصيرة ويتحد صوتيهما حين يجسد محمود درويش فلسفته بأن البصيرة نور يؤدي إلى العدم أو الجنون ، وكما انكشف الحجاب أمام المعري لقوة بصيرته تخترق بصيرة درويش عالمنا الضيق ويظل على مشارف الموت ويتعرف على عوالمه ومظاهره ، واختيار الشاعر للمعري خصوصاً يكشف عن عدة أبعاد عناها الشاعر من هذا التناص فمحمود درويش يتعالى ويأنف مما يراه حوله من حياة كالحة قبيحة يسلب فيها الإنسان أبسط حقوقه بالأمن والسلام والوطن، فيصبح الراكنون إلى الحياة دون هذه الحقوق عمياناً في نظره وكذا كان المعري الذي ملأ الدنيا بفلسفته ، ولئن كان المعري يطرد نقاداً من قصيدته فبإمكاننا أن نستشف ونقيس على حال المعري أن درويش أيضاً - باعتبار قضيته الوطنية- يمارس أيضاً هذا الطرد ولكنه هنا يطرد أعداءً من أرضه، فكلاهما يشتركان معاً في الرفض وفي نفاذ البصيرة ، وهكذا اتكأ محمود درويش على فلسفة المعري ليعمق دلالاتها في نصه بما يخدم فكرته التي يدعو لها.
ت‌- طرفة بن العبد:
حوار مع الموت ، هكذا كان لقاء درويش بطرفة بن العبد
"أيها الموت انتظرني خارج الأرض
انتظرني في بلادك ريثما أنهي
حديثاً عابراً مع ما تبقى من حياتي
قرب خيمتك ، انتظرني ريثما أنهي
قراءة طرفة بن العبد"
يستمر نص الجدارية في حوار مع الموت والمرء لا يحاور إلا من كان حاضراً ماثلاً أمامه وهكذا كان الموت لمحمود درويش ماثلاً أمامه حتى لنكاد نشتم رائحة ألفة ما في صيغة هذا الحوار والخطاب للموت، هذا الزائر الذي لامفر منه والقدر المحتوم الذي يتربص بالجميع يبلغ اقترابه من نفس الشاعر حد الاعتياد والألفة، وكما مر على طرفة وغيره من قبل وطواهم فإن الشاعر يبدو على أهبة الاستعداد لامتطاء صهوته ، إن محمود درويش في هذه الأسطر يبدو وكأنه يتلو صك الموت ويمسكه بين يديه تماماً كما حدث لطرفة بن العبد حين كان يمسك بيده أمر قتله سائراً إلى حتفه، استلهم درويش هذه الحادثة ببراعة مثيراً مشاعر العظمة والشفقة المتناقضة وفي آن واحد... عظمة السير بخطى ثابتة نحو النهاية، والشفقة على الإقبال على الموت مخدوعاً، كما أن ذكره قراءة طرفة يستحضر إلى الأذهان معلقة طرفة بن العبد التي أكثر فيها من ذكر الموت وندب نفسه، لقد منح الشاعر فكرة الموت في تناصه مع طرفة إيحاءات كبيرة حين ربط بين ذاته وبين ذاك الشاعر الجاهلي بأكثر من رابط وصلة : أولها أن لكل منها معلقة وفي كل معلقة حضور طاغي للموت وعامل مواجهة الموت بثبات، وقد وفق درويش ببراعة في هذا التناص وإذابته في جسد قصيدته بشكل تقاطرت فيه قوافل الموت من أيام طرفة حتى ساعات درويش الأخيرة مع صراعه.

ث‌- لبيد بن أبي ربيعة:

يبلغ اليأس واليقين مداه في مقطع آخر من الجدارية ويتدثر الشاعر بعباءة الحكيم مردداً:
" باطلٌ باطلُ الأباطيل....باطلْ
كل شيء على البسيطة زائــلْ"
ويقرر ثلاثاً بأن كل شيء باطل مضمناً مقولته الحكيمة هذه رائحة الأسلاف الحكماء الذين خبروا الدنيا وأهدونا خلاصة تجاربهم يمثلهم في هذا الموطن لبيد بن أبي ربيعة الذي يرن صدى بيته:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
وكل نعيم لا محالـــــة زائل
فحين يذكر درويش الحكمة في مقطع ما في قصيدته يختمها ببيت لبيد الحكيم على مدى أربعة مرات على مدار القصيدة، فهذا البيت ذو صلة وطيدة بالنص حيث يصب هو الآخر في فكرة الخلود التي يطرحها الشاعر في نصه، وحين يورد هذه الحكمة يعلو الإيمان واليقين المطلق بأن الدنيا فانية مباهجها زائلة وأن كل ما عليها فانٍ فإنه بذلك يشهد ويقر بهذه الحقيقة الأزلية وكأنه يلوذ بإيمانه وبالحكمة خلف بيت لبيد ليواسي نفسه - رغم تماسكه أمام الموت - مردداً خلف لبيد بيته موصلا هذه الحقيقة التي استشعرها بعمق للآخرين.

ب-2. التناص الأسطوري

ويعني التناص الأسطوري استحضار الشاعر بعض الأساطير القديمة وتوظيفها في سياقات القصيدة لتعميق رؤية معاصرة يراها الشاعر في القضية التي يطرحها :
1- طائر الفينيق:
يقول محمود درويش:
" سأصير يوماً طائراً
وأسل من عدمي
وجودي. كلما احترق الجناحان
اقتربت من الحقيقة، وانبعثت من الرمــاد"
في غمرة شعوره باليأس وثقل وطأة فكرة الموت عليه تومض الحياة ببريقها اللامع من جديد وينهض الأمل فيؤكد في هذا المقطع بأنه سيصر يوماً ما ما يريد وهو هنا يريد أن يكون طائراً بكل ما يملك الطائر من حرية التجوال والاختيار، إن الشاعر الذي يعاني صراعاً مع الموت والعدم يجد أن هذا الموت قد يكون أحياناً باعثاً للحياة وهو يستلهم هنا أسطورة طائر الفينيق الذي يحترق كل ليلة ويعود يبعث من الرماد طائراً مرة أخرى ويستمد درويش من هذه الأسطورة فكرة التجدد في إشارة حافلة بدلالة الأمل والحياة والإصرار على الوجود فيستل من عدمه وجوده ومن فنائه حياة جديدة وهذا ما منح هذا الاستثمار بعد الخلود والديمومة فهو سيبقى قادراً على إيجاد حياة من العدم وخلق شيء من لا شيء، ويعكس هذا التناص بوضوح عمق الجدل بين فكرة الموت والحياة والفناء والبقاء ولكن الشاعر استطاع أن يوفق بينهما باختياره تلك الأسطورة التي جمعت بين النقيضين.

3- ملحمة جلجامش:

بما أن نص الجدارية يحكي كما ذكر أكثر من مرة فكرة (الموت والحياة) والصراع بينهما، ولأن محمود درويش شاعر صاحب مخيلة خصبة فقد كان لابد من إغواء الأساطير وحضورها وهي التي نسج أغلبها تجسيداً لهذه الفكرة المقرونة بميلاد الحياة ، يقول محمود درويش في مقطع طويل جسد فيه بشكل متواصل ومطول تلك الأسطورة

"كم من الوقت
انقضى منذ اكتشفنا التوأمين : الوقت
والموت الطبيعي المرادف للحياة؟
ولم نزل نحيا كأن الموت يخطئنا،
فنحن القادرين على التذكر قادرون
على التحرر، سائرون على خطى
جلجامش الخضراء من زمن إلى زمن.../
هباء كامل التكوين...
يكسرني الغياب كجرة الماء الصغيرة.
نام أنكيدو ولم ينهض. جناحي نام
ملتفاً بحفنة ريشه الطيني. آلهتي
جماد الريح في أرض الخيال. ذراعي
اليمنى عصا خشبية ، والقلب مهجور
كبئر جف فيها الماء فاتسع الصدى
الوحشي : أنكيدو! خيالي لم يعد
يكفي لأكمل رحلتي واقعياً . هات
أسلحتي ألمعها بملح الدمع ، هات
الدمع ، أنكيدو، ليبكي الميت فينا
الحي ، ما أنا؟ من ينام الآن
أنكيدو؟؟ أنا أم أنت؟"

ويتابع بعد أسطر فيقول :

" لابد لي من حمل هذا اللغز ، أنكيدو، سأحمل عنك
عمرك ، ما استطعت وما استطاعت
قوتي وإرادتي أن تحملانك. فمن
أنا وحدي؟ هباء كامل التكوين .
من حولي"

ويستمر بعد ذلك فيقول:

" أنكيدو ترفق بي وعد من حيث مت، لعلنا
نجد الجواب ، فمن أنا وحدي؟"

ضمن محمود درويش المقطع السابق إشارات كثيرة مباشرة لملحمة جلجامش حيث وظف سعي جلجامش خلف أسرار الحياة وعشبة الخلود في قصيدته خير توظيف ، إذ إن هذه الأسطورة تختصر الكثير مما يود أن يوصله من معاني تشبث الإنسان بكل طمعه وحبه الغريزي للبقاء والحياة، فقد جاب جلجامش المسافات بحثاً عن ذات الهدف الذي يبحث عنه درويش السائر على خطى جلجامش ككل البشر ، كيف لا وقد أدرك الإنسان ثنائية الحياة والموت المترادفتان، ولأن الخطى واحدة كانت النتيجة واحدة وهي أن أضاع الإنسان سر الخلود وهو وهم كبير ويتلاشى في النهاية أمام حقيقة الموت.

ويستفيض الشاعر في دمج تفاصيل هذه الأسطورة ذات العلاقة المباشرة بجوهر الجدارية وذلك حين يعبر عن انكساره وهو المتواري خلف شخصية جلجامش حين ينكسر أمام الغياب... الغياب الأبدي الذي سلبه صديقه أنكيدو ولم يبق ِ له من سمات الحياة والتواصل شيئاَ فقد ذهب أنكيدو ليعانق الموت ويتركه إزاء فلسفة الموت، ويشتبك فضاء الموت والفلسفة والأسطورة في مزيج مذهل ويتصاعد توتر لغة النص حتى تبلغ مداها فيندفع الشاعر بأسلوب التداعي الحر على لسان جلجامش معبراً عن حيرته تارة وعن انكساره تارة أخرى وحيناً يتلبسه الإصرار والثبات، وفي دراسة لقصيدة أخرى لمحمود درويش أشار الدكتور محمد بنيس إلى دلالة الموت في قصائد محمود درويش عامة، إذ غالباً ما ترتبط قضية الموت عنده بعبور الخطر لمواجهة الموت وترتبط أيضاً بتصعيد القلق، ويرى أن محمود درويش يذكر الموت متفاعلاً مع مواجهته حتى النهاية في ظل غياب الله عن العالم فالشاعر وحده هو الذي يواجه الموت وهذا ما نلمسه بوضوح في هذا النص الوارد هنا من الديوان، ويستمر محمود درويش في مخاطبة صديقه الغائب جسداً وهو يتأرجح بين الرفض والقبول لفكرة الموت معلناً في لحظة تحدي أن يحل لغز الموت المحير، ويبدو الشاعر في هذا المقطع مفتوناً بسحر الأساطير ومفعماً بتلك القدرة الخارقة التي تضفيها الأسطورة على أبطالها إلا أن الضعف الإنساني يطغى في النهاية وتنتصر حقيقة هي الموت.

ج- التناص التاريخي :

يعرف التناص التاريخي بأنه تداخل نصوص تاريخية مختارة ومنتقاة مع النص الأصلي للقصيدة تبدو مناسبة ومنسجمة لدى المؤلف ، والحقيقة أن في نص جدارية الكثير من التناصات التاريخية في جوانب متعددة من النص وبتوظيفات مختلفة ولكن جاء اختيار مقطع واحد يحوي أكثر من إشارة دالة .في جولة جديدة من المواجهة يقول محمود درويش :

" هزمتك يا موت الفنون جميعها.
هزمتك يا موت الأغاني في بلاد
الرافدين . مسلة المصري. مقبرة الفراعنة،
النقوش على حجارة معبد هزمتك
وانتصرت ، وأفلت من كمائنك
الخلود..."

يتبنى الشاعر موقفاً جديداً مليئاً بالثقة والتحدي ويكيل للموت الهزائم ويتحول الصراع هنا إلى هزيمة ونصر حيث كسب الشاعر جولة ضد الموت تغنى فيها بانتصاراته، وهي انتصارات البشرية انتصار الذاكرة والحضارة والتاريخ وذلك من خلال ذكره للانجازات الإنسانية الخالدة، فالموت رغم تسلطه ومده لنفوذه على البشر إلا أنه يعجز عن ابتلاع الإنجازات القيمة لهولاء البشر ، يعجز أمام اللغة والحضارة والثقافة لأنها خالدة ولأن الإنسان إنما ينتصر بفعله وحضارته وانجازاته لا بـ" الطيني البشري" منه على حد تعبير الشاعر، فبلاد الرافدين منطلق الحضارات الإنسانية قاطبة، والمسلات والمقابر الفرعونية شاهدة على حقبة تاريخية حافلة بالإنجاز لاسيما للعالم العربي ونقوش المعابد بما يرتبط فيها من علم وتأريخ للماضي كلها تقف ببسالة أمام شراسة الموت واندفاعه فهذا التناص التاريخي منح النص بعداً ثقافياً وكان بمثابة لفتة وإشارة تربوية للإنسان العربي خاصة بأنه إنما ينتصر بعلمه وإنجازاته وانطلاقه من هويته الخالدة وتاريخه العظيم


خاتمة :

يتبنى الشاعر موقفاً جديداً مليئاً بالثقة والتحدي ويكيل للموت الهزائم ويتحول الصراع هنا إلى هزيمة ونصر حيث كسب الشاعر جولة ضد الموت تغنى فيها بانتصاراته ، وهي انتصارات البشرية انتصار الذاكرة والحضارة والتاريخ وذلك من خلال ذكره للانجازات الانسانية الخالدة ، فالموت رغم تسلطه ومده لنفوذه على البشر إلا أنه يعجز أن ابتلاع الانجازات القيمة لهولاء البشر ، يعجز أمام اللغة والحضارة والثقافة لأنها خالدة ولأن الانسان إنما ينتصر بفعله وحضارته وانجازاته لا ب" الطيني البشري" منه على حد تعبير الشاعر ، فبلاد الرافدين منطلق الحضارات الإنسانية قاطبة ، والمسلات والمقابر الفرعونية شاهدة على حقبة تاريخية حافلة بالإنجاز لاسيما للعالم العربي ونقوش المعابد بما يرتبط فيها من علم وتأريخ للماضي كلها تقف ببسالة أمام شراسة الموت واندفاعه فهذا التناص التاريخي منح النص بعداً ثقافياً وكان بمثابة لفتة وإشارة تربوية للانسان العربي خاصة بأنه إنما ينتصر بعلمه وإنجازاته وانطلاقه من هويته الخالدة وتاريخه العظيم.

- المراجع المعتمدة



- جيل دولوز "ما هو المفهوم", ترجمة مطاع صفدي, مقتطف من مجلة "العرب والفكر العالمي", العددان الواحد والعشرون والثاني والعشرون 2007, مركز الإنماء القومي, ص 18.
- محمد مفتاح "تحليل الخطاب الشعري (إستراتيجية التناص)", المركز الثقافي العربي, الطبعة الثالثة,1992 ص 119.
- ابن منظور جمال الدين,لسان العرب,حققه وعلق عليه ووضع حواشيه : عامر احمد حيدر, راجعه : عبد المنعم خليل إبراهيم, بيروت,لبنان,ط1, 2003,مادة نصص,ج7 ,ص109.
- بناني, محمد الصغير, "مفهوم النص عند المنظرين القدماء","مجلة اللغة والأدب", جامعة الجزائر,ع3, ديسمبر 1997م,ص40.
- حمودة,عبد العزيز,"المرايا المحدبة من البنيوية إلى التفكيكية",عالم المعرفة,المجلس الوطني للثقافة والفنون و الأدب, دولة الكويت, مطابع الرسالة, الكويت, ع: 232, ابريل-نيسان,1998,ص366.
- الميلود, عثمان, "شعرية تودورف", عيون المقالات,دار قرطبة,الدار البيضاء, المغرب,ط1, 1990, ص 56.
- ابن ذريل، عدنان ،"النص والأسلوبية بين النظرية والتطبيق "، مطبعة إتحاد الكتاب العرب ، دمشق ،"ط 2, ص17.
- "بوسقطة السعيد"،" شعرية النص بين جدلية المبدع والمتلقي" . التواصل ، مجلة العلوم الاجتماعية والإنسانية ، تصدرها جامعة عنابة ،. الجزائر ، عدد : 8، جوان 2001 ، ص 2.0.
- "نور الدين السد","الأسلوبية وتحليل الخطاب,دراسة في النقد العربي الحديث", دار هومة للطباعة والنشر والتوزيع, الجزائر,1997,ج2,ص58. .
- مجمع اللغة العربية, المعجم الوسيط, القاهرة,1985, ط3, الجزء الأول, ص 83.
- حمودة,عبد العزيز,"المرايا المحدبة من البنيوية إلى التفكيكية",عالم المعرفة,المجلس الوطني للثقافة والفنون و الأدب, دولة الكويت, مطابع الرسالة, الكويت, ع: 232, ابريل-نيسان,1998,ص361
- محمد بنيس "ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب", الدار البيضاء المغرب,ط 1 ص 181.
- سعيد يقطين,"انفتاح النص الروائي )النص- السياق(,المركز التفافي العربي, الدار البيضاء, المغرب, بيروت,لبنان,ط1, 1989,ص92.
- الشنقيطي/ شرح المعلقات العشر دار القلم. بيروت ص154
- ابن رشيق القيرواني/العمدة.تحقيق:د. هنداوي. المكتبة العصرية بيروت ـ صيدا ط1ج1ص255
- عبد الرحمان ابن خلدون, "المقدمة", دار القلم, بيروت, لبنان, ط7, 1989, ص574.
- احمد طعمة حلبي, "التناص في الدراسات النقدية المعاصرة",عمان, مجلة ثقافية شهرية,تصدر عن أمانة عمان الكبرى,الأردن, عدد 115, ص 74.
- شربل داغر ، التناص سبيلاً إلى دراسة النص الشعري ، مجلة فصول ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، المجلد 16، العدد الأول ، القاهرة ، 1997، ص 127
- محمد بنيس ، الشعر العربي الحديث بنياته وإبدالاته، ج 3 : الشعر المعاصر، درا توبقال ، المغرب،ط1، 1990، ص 183- 185.
- قحام حسين ، التناص ، مجلة اللغة والأدب ، قسم اللغة العربية وآدابها ، جامعة الجزائر ، عدد 12 ، ديسمبر 1997 ، ص 124..
- مفيد نجم، التناص بين الاقتباس والتضمين والوعي واللاشعور، جريدة الخليج ، ملحق بيان الثقافة، ع 55، يناير2001
- أحمد الزعبي، ، التناص نظرياً وتطبيقياً ، مؤسسة عمون للنشر والتوزيع ، الأردن ، ط2 ، 2000، ص22-50.
- موسى ربابعة ، التناص في نماذج من الشعر العربي الحديث ، مؤسسة حمادة للدراسات الجامعية ، الأردن ط1 ، 2000 ، ص 11.
المرجع الاجنبي:

Hachette Livre et librairie francaise 1993,"Dictionnaire de la langue franç

منقوووول للفائدة

**د لا ل**
2013-08-20, 23:43
موضوع الرسالة: التداولية: مقاربة تحليلية

تقديم:

لم يعد التياران البنوي و التوليدي في أيامنا التيارين الوحيدين الذين يهيمنان على ساحة الدراسات اللسانية. فقد أفرزت المعرفة نظريات و مفاهيم لغوية متباينة في الأسس المعرفية. انبتفت عنها تيارات لسانية جديدة منها التيار التداولي. ومن المفيد في هذا السياق أن نثير إلى نشأة التداولية توافق تقريبا مع نشأة العلوم المعرفية. و التي جاءت على حد تعبير جاك موشلار و آن روبولت ردا على التيار السلوكي. وقد ساهمت التداولية في برامج البحت الذي حددته هذه العلوم المعرفية(علم النفس،اللسانيات،فلسفة العقل،الذكاء الإصطناعي و علوم الأعصاب.....) ويمكن إجمال مساهمة التداولية في الطريقة الآتية: توضيح اشتغال العقل وبيان كيف أن العقل -البشري خصوصا- يكتسب معارف و يطورها و يستعملها اعتمادا،من جملة ما يعتمد، على الحالة الذهنية.
التداولية: مقاربة مفاهيمية.
إن الحديث عن التداولية و عن شبكتها المفاهيمية يقتضي الإشارة إلى العلاقات القائمة بينها و بين الحقول المختلفة لأنها تشي بانتمائها إلى حقول مفاهيمية تضم مستويات متداخلة، كالبنية اللغوية، و قواعد التخاطب و الإستدلالات اللغوية و العمليات الذهنية المتحكمة في الإنتاج و الفهم اللغويينن، و علاقة البنية اللغوية بظروف الإستعمالات.
1-تعريف التداولية
يمكن القول بأن التداولية تمثل حلقة وصل هامة بين حقول معرفية عديدة منها: الفلسفة التحليلية، متمثلا في فلسفة اللغة، و منها علم النفس المعرفي متمثلا في "نظرية الملائمة « la theorie de pertinence » على الخصوص، و منها علو التواصل و منها اللسانيات التي تعتبر أقرب الحقول المعرفية إلى التداولية. و في هذا الصدد يمكن أن نقر أن قضية التداولية هي إيجاد القوانين الكلية للإستعمال اللغوي و التعرف على القدرات الإنسانية للتواصل اللغوي، و من ثم أصبح من الجدير أن تسمى التداولية: علم الإستعمال اللغوي.
و في إطار تعريفنا للتدولية يمكن التمييز بين التداولية كمقابل للمصطلحين الإنجليزي و الفرنسي pragmatics و pragmatique و عن ما يسمى pragmatisme و التي تقابل النفعية متمثلة في المذهب الذي يتخد القيمة العملية التطبيقية قياسا للحقيقة ، معتبرا أنه لا شيء حقيقي إلا كل ما ينجح2، و قد صاغ هذا المذهب بيرس عام 1879، و طوره كل من وليام جيمس و جون ديوي و ريتشاردو روتي.
2- مفهوم الفلسفة التحليلية:
نشأت الفلسفة التحليلية في العقد الثاني من القرن العشرين في فيينا بالنمسا على يد الفيلسوف الألماني Gttlob Freg (1848-1925) في كتابه les fondations de l’armithique (أسس علم الحساب)، حيت ذهب آخرون إلى أن الفلسفة لم تنشأء إلا مع فلاسفة المدرسة الإنجليزية الحذيثة جورج مور، بيرتراند راسل، فيتغنشتاين ثم كارناب و آير في أواسط القرن العشرين.
ومن أهم التحليلات اللغوية التي أجراها فريجه على العبارت اللغوية وعلى القضايا تمييزه بين مقولتين لغويتين مفهوميا ووظيفيا وهما اسم العلم والإسم المحمول. وهما عماد القضية الحملية وقد بين فريجه أن المحمول يقوم بوظيفة التصور،أي يقوم بإسناد مجموعة من الخصائص الوصفية الوظيفية إلى اسم العلم، أما هذا الأخير فإنه يشير إلى شيء فرد معين وهو عاجز تماما عن استخدامه كمحمول. ويمكن ان نجمل مفهوم الفلسفة التحليلية في جملة من المطالب والاهتمامات التي تتلخص في ما يلي:
 ضرورة التخلي عن أسلوب البحث الفلسفي القديم وخصوصا جانبه الميتافيزيقي (ضدا على الفلسفة الكلاسيكية).
 تغيير بؤرة الاهتمام الفلسفي من موضوع "نظرية المعرفة" إلى موضوع "التحليل اللغوي".
 تجديد وتعميق بعض المباحث اللغوية، ولاسيما مبحث "الدلالة" والظواهر اللغوية المتفرعة عنها.

II-مهام التداولية:
تتلخص مهام التداولية في ما يلي:
دراسة "استعمال اللغة" عوضا عن "دراسة اللغة"، التي هي من اختصاصات اللسانيات بمعنى دراسة المستويات الصوتية و التركيبية و حتى الدلالية.
دراسة الآليات المعرفية(المركزية) التي هي أصل معالجة الملفوظات وفهمها فالتداولية تقيم روابط وشيجة بين اللغة والإدراك عن طرق بعض المباحث في علم النفس المعرفي.
دراسة الوجوه الاستدلالية للتواصل الشفوي فتقيم-من ثم- روابط وشيجة بين علمي اللغة والتواصل.
III-أبرز المفاهيم التداولية :
سنحاول في هذا الفصل أن نتطرق إلى أبرز المفاهيم والمصطلحات التي تقوم عليها التداولية المعاصرة والتي يستعملها الباحثون في هذا الحقل :
1- مقتضيات القول (les Implicites) :
مفهوم أجرائي تداولي يتعلق برصد جملة من الظواهر المتعلقة بجوانب ضمنية وخفية من قوانين الخطاب، وتحكم هذه الجوانب ظروف أهمها :
أ‌- الافتراض المسبق (pré-supposition):
ويطلق عليها بعض الباحثين أمثال طه عبد الرحما في كتابه (اللسان والميزان) "بالإضمارات التداولية". ففس كل تواصل لساني ينطلق الشركاء من معطيات وافتراضات معترف بها ومتفق عليها بينهم. وتشكل هذه الافتراضات الخلفية التواصلية الضرورية لتحقيق النجاح في عملية التواصل.
مثال : كيف حال زوجتك وأولادك ؟
فالافتراض المسبق للملفوظ هو أن الشريك متزوج وله أولاد ، وأن الشؤيكين تربط بينهما علاقة ما تسمح بطرح هذا السؤال.
ب‌- الأقوال المضمرة (les sous-entendus) :
والتي ترتبط بوضعية الخطاب ومقامه على عكس الافتراض المسبق الذي يحدد على أساس معطيات لغوية، وتعرف كاثريين أركيوني في كتابها «L’implicite » "القول المضمر هو كتلة المعلومات التي يمكن للخطاب أن يحتويها ولكن تحقيقها في الواقع رهين خصوصيات سياق الحديث".
مثال : إن السماء ممطرة.
فالسامع لهذا الملفوظ قد يعتقد أن القائل أراد أن يدعوه إلى :
 المكوث في بيته.
 الإسراع في عمله حتى لا يفوته الموعد.
 الانتظار والتريث حتى يتوقف المطر.
 عدم نسيان مظلته عند الخروج.
والفرق بين الافتراض المسبق والأقوال المضمرة أن الأول وليد السياق الكلامي والثاني وليد ملابسات الخطاب.
2-الإستلزام الحواري(المحاداثي) les implications conversationnelle:
فقد ضمن غرايس في كتابه "logique et covesation" هذه النظرية،حيت لاحظ أن بعض اللغات الطبيعية في بعض المقامات تدل على غير محتواها القضوي و يتضح هذا في الحوار الآتي بين الأستاذين "أ"و "ب":
الأستاذ "أ": هل الطالب مستعد لمتابعة دراسته الجامعية في قسم الفلسفة؟
الأستاذ "ب": إن الطالب لاعب كرة ممتاز.
فأجابة الأستاذ "ب" تدل على معنيين اثنين في نفس الوقت،أحدهما حرفي و الآخر مستلزم. معناها الحرفي أن الطالب لاعب كرة ممتاز، و الإستلزامي أن الطالب المذكور ليس مستعدا لمتابعة دراسته الجامعية بقسم الفلسفة.
و لوصف هذه الظاهرة يقترح غرايس(1975) نظريته المحادثية التي تنص على أن التواصل الكلامي محكوم بمبدإ عام(مبدأ التعاون) و الذي ينهض على أربع مسلمات maximes.
أ-مسلمة القدرQuantité:
وتخص كمية الإخبار الذي يجب أن تلتزم به المبادرة الكلامية و تتفرع إلى مقولتين:
 اجعل مشاركتك تفيد القدر المطلوب من الإخبار.
 لا تجعل مشاركتكتفيد أكتر مما هو مطلوب.
ت‌- مسلمة الكيف Qualité:
ونصها "لا تقل ما تعتقد أنه كاذب و لا تقل ما لا تستطيع البرهنة عليه".
ج-مسلمة الملائمة pertinence:
وهي عبارة عن قاعدة واحدة "لتكن مشاركتك ملائمة"
د-مسلمة الجهةModalité:
وتنص على الوضوح في الكلام و تتفرع إلى ثلاث قواعد فرعية:
 ابتعد عن اللبس.
 تحر الإيجاز.
 تحر الترتيب.
IV-النظريات التداولية:
1-أفعال الكلام les actes de langage:
جاءت نظرية أفعال الكلام للفيلسوف الإنجلبزي جون أوستينJ.austain موقفا مضادا للإتجاه السائد بين فلاسفة المنطق الوضعي الذين كانوا يحللون معنى الجملة مجردة من سياق خطابها اللغوي، كما عارض أو ستين فكرة أن الجملة الخبرية هي جملة معيارية، و ما عداها من أنماط مختلفة للجملة هي مجرد أشكال متفرعة عنها.
لقد عمد أوستين في البداية إلى التمييز بين نوعين من الأقوال. الأقوال الإنجازيةdes pormatives و الأقوال التقريريةdes constatives.
فالأقوال الإنجازية:هي الأقوال الخبرية التي يمكن أن نحكم عليها قضويا بالصدق و الكذب مثلا: "الطقس حار".
أما الأقوال التقرير ية: فهي الأقوال الغير خبرية التي لا تخضع لمفهومي الصدق و الكذب مثلا:" معذرة،مرحبا، أي الكتب تفضل....".
غير أن سرعان ما تبين لاحقا أن عدم دقة هذا التمييز، ذلك أن الأقوال التقريرية غالبا ما تعمل هي الأخرى على إنجاز فعل الإخبار. و أكد أوستين على أننا حين نتلفظ بقول ما فإننا نقوم بثلاث أفعال:
1. فعل التلفظActe locutoire: ويقصد بذلك الأصوات التي يخرجها المتكلم و التي تمثل قلا ذا معنى(اي بناء نحوي +بدلالة).
2. فعل التضمين في القولActe illocutoire: و يقصد بذلك أن المتكلم حين يتلفظ بقول فهوينجز معنى قصديا او تأثيرا مقصودا و هو ما أسماه"قوة الفعل"، و لقد اشترط لتحقيق هذا المعنى الإنجازي توفر:سياق عرفيا، لغة، محيطا وأشخاصا.
مثلا:" سأحضر لرؤيتك غد"ا.يعتمد معناها الإنجازي (الوعد هنا) على مدى تحقق شروطها بحيث يكون المتكلم قادرا على الإيفاء بوعده، أن ينوي فعل ذلك وأن يكون واثقا أن المستمع يرغب في رؤيته، ذلك أن انتفاء رغبة المستمع في رؤية المتكلم قد يحيل المعنى الإنجاز هنا من "وعد" إلى "وعيد".
3.الفعل الناتج عن القول Acte perlocutoire:و يعني بذلك أن الكلمات التي ينتجها المتكلم في بنية نحوية منتظمة محملة بمقاصد معينة في سياق محدد تعمل غلى تبليغ رسالة و تحدث أثرا عند المتلقي (الإقناع-التضليل....). و لقد عمل الفيلسوف الأمريكي جون سورل J.Searleعلى تطوير نظرية أفعال الكلام لأوستين، دامجا تحليلات غرايسGrice المتعلقة بمقاصد المتكلم للنطق بتلك الكلمة و هو يؤكد أن ما يعنيه متكلم ما بعلامة ما، في مناسبة ما قد ينحرف عن المعنى القياسي لتلك العلامة.
و من ثم قسم سورل أفعال الكلام في كتابه”l’acte de langage” سنة 1964 إلى أربعة أفعال:
1. فعل التلفظl’acte d’énociaton: أي التلفظ بالكلمات(جمالا و مورفيمات).
2. فعل الإحالة و الإسناد l’acte propositionnel:أي إنجاز فعل القضية(ما يقصد به المتكلم من الجملة).
3. فعل قوة التلفظ l’acte illocutionaire: أي إنجاز فعل السؤال، الوعيد......
4. فعل أثر التلفظ l’acte purlocutionaire:(مفهوم أوستين) وهو المفهوم الذي يتلازم مع فعل قوة التلفظ و الذي يجسد النتائج و التأثيرات التي تحدثها الأفعال الإنجازية السابقة على أفكار و معتقدات السامع.
و لقد حاول سورل حصر أفعال الكلام في اللغة غي خمسة أنماط رئيسية:
1. أفعال تمثيلية perésentatives:و هي الأفعال التي تلزم المتكلم بصدق القضية المعبر عنها(أفعال التقرير و الإستنتاج).
2. أفعال التوجيهDirectives:و هي الأفعال التي تمثل محاولة الوتكلم لتوجيه المستمع للقيام بعمل ما(أفعال الطلب و السؤال).
3. افعال التزاميةCommitives:و هي الأفعال التي تلزم المتكلم بالنهوض بسلسلة من الأفعال المستقبلية(أفعال الوعد و الوعيد).
4. أفعال تعبيرية Exprissives:و هي التي تعبر عن حالة نفسية المتكلم( الشكر-الترحيب و الإعتذار).
5-افعال إعلامية Decloratives:وهي الأفعال التي تحدث تغيرات فورية في نمط الحداث العرفية(إعلان الحرب-إعلان الزواج- أفعال الطرد- الإعالة....).
V-نظرية الحجاج:
تعتبر نظرية الحجاج التي وضع أسسها اللغوي الفرنسي أزفالد ديكرو O.Ducrot منذ سنة 1973 نظرية لسانية تهتم بالوسائل اللغوية وبإمكانيات اللغة الطبيعية التي يتوفر عليها المتكلم، وذلك بقصد توجيه خطابه وجهة ما تمكنه من تحقيق بعض الأهداف الحجاجية.
ولقد انبثقت نظرية الحجاج في اللغة من داخل نظرية أفعال الكلام، ولقد قام ديكرو بتطوير أفكار وآراء أوستين بالخصوص، ولقد اقترح في هذا الإطار إضافة فعلين لغويين هما : فعل الاقتضاء وفعل الحجاج.
يفرض فعل الحجاج على المخاطب نمطا معينا من النتائج باعتباره الاتجاه الوحيد الذي يمكن ان يسير فيه الحوار او بعبارة أخرى يتمثل الحجاج في إنجا متواليات من الأقول بعضها بمثابة الحجاج اللغوية وبعضها الآخر هو بمثابة النتائج التي تستنتج منها ويوضح هذا بواسطة الأمثلة التالية :
 أنا متعب، إذن أنا أحتاج إلى الراحة.
 الساعة تشير إلى الثامنة، لنسرع.
 عليك أن تجتهد لتنجح.
فإذا نظرنا إلى هذه الأمثلة نرى أنها تتكون من حجاج ونتائج لهذه الحجاج فمثلا "ألعب، يستدعي الراحة" فالحجة عبارة عن عنصر دلالي يقدمه المتكلم لصالح عنصر دلالي آخر. وقد ترد الحجة على شكل قول أن نص أو سلوك غير لفظي... والحجة قد تكون ظاهرة أو مضمرة بحسب السياق والشيء نفسه بالنسبة للنتيجة والرابط الحجاجي.
أ-السلم الحجاجي :
السلم الحجاجي هو علاقة ترتيبية يرمز لها كالتالي: ح ـــــ∑ن .
مثلا : 1- حصل زيد على الشهادة الثانوية.
2-حصل زيد على شهادة الإجازة.
3-حصل زيد على شهادة الدكتوراة.
هذه الجمل تتضمن حججا تنتمي إلى نفس الفءة الحجاجية وإلى نفس السلم الحجاجي، فكلها تؤدي إلى نتيجة واحدة مضمرة "كفاءة زيد العلمية" ولكن القول الأخير هو الذي سيرد في أعلى السلم الحجاجي، وبالتالي فهو أقو دليل على كفائة زيد ويمكن الترميز لذلك :
ن= الكفائة العلمية
د= الدكتوراة
ج= الإجازة
ب= الشهادة الثانوية
أ-قوانين السلم الحجاجي: أهم هذه القوانين:
-قانون النفي : إذا كان قول ما "أ" يخدم نتيجة معينة فإن نفيه " ~أ"سيكون حجة لصالح النتيجة المضادة.
مثلا: زيد مجد، لقد نجح في الإمتحان.
زيد ليس مجدا، إنه لم ينجح في الإمتحان.
ب-قانون القلب: يرتبط هذا القانون أيضا بالنفي فإذا كانت إحدى النتيجتين اقوى من الأخرى في التدليل على النتيجة فإن نقيض الحجة الثانية أقوى من نقيض الحجة الأولى في التدليل على النتيجة المضادة.
مثلا:حصل زيد على الماجستير و الدكتوراة.
لم يحصل زيد على الدكتوراة،بل لم يحصل على الماجستير.
فحصول زيد على الدكتوراة اقوى دليل على مكانته العلمية مة حصوله على الماجستيرفي حين أن عدم حصوله على الماجستير أقوى دليل عدم كفاءته من عدم حصوله على الدكتوراة.
الأدوات الحجاجية:
هناك نوعان من الأدوات الحجاجية: الروابط الحجاجية و العوامل الحجاجية.
الروابط الحجاجية: تربط بين و حدتين دلالين أو أكثر في إطار استراتيجية واحدة.(مثل: حروف العطف-حتى بل-لكن-مع ذلك....)
مثلا:زيد مجتهد إذن سينجح في الإمتحان.
العوامل الحجاجية: لا تربط بين حجة و نتيجة و لكنها تقوم بحصر و تقييد الإمكانات الحجاجية التي تكون لقول ما، ويمكن تمثيل هذه العوامل بالأدوات التالية:(ربما،تقريبا،قليلا.....إلا و جل أدوات الحصر).
مثلا:م1-تشير الساعة إلى الثامنة.
م2- لا تشير الساعة إلا إلى الثامنة.
عندما أدخلنا على المثال أداة القصر "لا...إلا" لم ينتج عن ذلك اي اختلاف بين المثالين بخصوص القيمة الإخبارية، لكن الذي تأثربهذا التعديل هو القيمة الحجاجية للقول، أي الإمكانات الحجاجية التي يتيحها، فالمثال الأول له إمكانات حجاجية كثيرة(موعد الأخبار- الدعوة إلى الإسراع-الدعوة إلى التأخر...) بعباررة أخرى فهو يخدم النتيجة"أسرع" و كذلك النتيجة المضادة "لا تسرع". لكن عندما أدخلنا عليه العامل الحجاجي "لا...إلا" فإن إمكاناته الحجاجية تقلصت و أصبح الإستنتاج الممكن هو "لا داعي للإسراع".
المبادئ الحجاجية:
إن وجود الروابط و العوامل الحجاجية لا يكفي لضمان سلامة العملية الحجاجية و قيام العلاقة الحجاجية، بل لا بد من ضامن يضمن الربط بين الحجة و النتيجة و هذا ما يعرف"بالمبادئ الحجاجية les Topoi" و هي مجموعة من المعتقدات و الأفكار المشتركة بين أفراد مجموعة بشرية و تتميز بكونها:
عمومية:تصلح لعدد كبير من السياقات المتنوعة.
تدرجية: لأنها تقيم علاقة بين محمولين تدريجيين، أو بين سلمين حجاجيين(العملو النجاح).
و لقد حدد ديكرو العلاقة بين الحجة و النتيجة على الشكل التالي:{ن ،ح} مما يعطي الإمكانية لضهور أربع حالات أساسية:{ن ،ح }أو {ن ، ح }أو {ن ، ح } أو {ن ، ح}.

منقووول

**د لا ل**
2013-08-20, 23:47
موضوع الرسالة: التناص في'أنشودة المطر 'للسياب *عدم وجود صاحب العمل *


التناص
التناص مصطلح نقدي أشيع في الأدب الغربي بعد عام 1966 ووظف بشدة كآلية نقدية
في معالجة النصوص الأدبية,و هذا المفهوم ظهر عند جوليا كريستيفا تأثرا بأستاذها ميخائيل باختين العالم الروسي الذي وضح مفهوم التناص من خلال كتابه "فلسفة اللغة" وعنى باختين بالتناص "الوقوف على حقيقة التفاعل الواقع في النصوص في استعادتها أو محاكاتها لنصوص_أو لأجزاء_من نصوص سابقة عليها و الذي أفاد منه العديد من الباحثين" إذ استوى مفهوم التناص بشكل تام على يد جوليا كريستيفا و قد عرفته بأنه {التفاعل النصي في نص بعينه}أو بتعبير آخر {أن النص عبارة عن لوحة فسيفسائية أوقطعة موزاييك من الشواهد,و كل نص هو امتصاص أو تشرب لنص آخر أو تحول عنه}
"في دراسة بعنوان "لغات جاري",نجد ميشيل أريفي يقدم تعريفا جامعا مانعا لمفهوم التناص :"انه مجموع النصوص التي تدخل في علاقة مع نص معطى ,هذا التناص يمكن أن يأخذ أشكالا مختلفة ,الحالة المحدودة هي بدون شك ,مكونة من مجموع المعارضات ,حيث التناص يكون مجموع النصوص المعارضة.
و التناص في الأدب العربي مر ببدايات غنية تحت مسميات نقدية تناسب عصوره القديمة و عاد من جديد للظهور متأثرا بالدراسات اللسانية الغربية الحديثة كمصطلح مستقل له أصوله و نظرياته و تداعياته ففي الأدب العربي المعاصر حظي مفهوم التناص باهتمام كبير.
و قد التقى حول هذا المصطلح عدد كبير من النقاد الغربيين و توالت الدراسات حوله و توسع الباحثون في تناوله.و بعد ذلك اتسع مفهوم التناص و أصبح بمثابة ظاهرة نقدية جديدة و جديرة بالدراسة و الاهتمام .
و تعد ظاهرة التناص إحدى تجليات النص الشعري الإبداعي الجديد الذي يتسم بخاصية انفتاحه على نصوص أخرى لاسيما التراثية منها فهو{النص الجديد}يتميز عن الأشكال الشعرية السابقة بكونه قابلا لاحتضانها و التفاعل معها,و الشاعر العربي الحديث و المعاصر استثمر التناص في كثير من انتاجاته الشعرية قبل أن يلد هذا المصطلح العصري و يعرفه النقاد العرب المعاصرون وسواء كان الشاعر من الإحيائيين أمثال البارودي فأحمد شوقي أو كان من رواد الشعر المعاصر مثل نازك الملائكة , بدر شاكر السياب ,احمد مطر..... و غيرهم .
و تعتمد تقنية التناص على إلغاء الحدود بين النص و النصوص أو الوقائع أو الشخصيات التي يضمنها الشاعر نصه الجديد حيث تأتي هذه النصوص موظفة و مذابة في النص,مما يجعل من النص ملتقى لأكثر من زمن و أكثر من حدث و دلالة فيصبح النص غنيا حافلا بالدلالات و المعاني .
لقد لجأ الشاعر العربي المعاصر من خلال ظاهرة التناص إلى تكثيف تجربته و شحنها بفيض دلالي عارم ,و لقد كانت الاستعانة بالتراث العربي القديم النثري أو الشعري وجانبه التاريخي خاصة من أهم مرتكزات قصيدة الشاعر العربي المعاصر خلال الاستعانة بالألفاظ و المعاني و الدلالات النصية و هذا ما نجده في شعر السياب و البياتي...وغيرهم.
كما أفادوا من البنية العميقة للقصيدة العربية القديمة و أسلوبها و صياغتها اللفظية و التركيبية.
فقصيدة {أنشودة المطر }للسياب تمثل تجربة جديرة بالتأمل و الدراسة تمثل بشكل عام صراعا بين الأمل و الفرحة و الألم و الحزن و الحصرة ,في إشارات واضحة لذلك على مدار القصيدة يعاني فيها الشاعر حصرته على أمور كثيرة فمن الحصرة على خيرات البلاد إلى ضياع الهوية,و التحدي و الإصرار على المواجهة ,فأنشودة المطر رمز الأمل و الانتصار على القمع ,حيث ألقى الشاعر في قصيدته جل همومه.حيث لجأ إلى تصويرها باستدعائه للتناص في أشكاله المتنوعة.
و تعد القصيدة نموذجا لنص يحفل بالعديد من التقنيات التعبيرية المتضافرة يقوم فيها الإنشاء و التناص و الأسطورة و الترميز بالدور الأساسي في تكوين بنية النص و توليد دلالاته المشعة طبقا لإستراتيجية حيوية فعالة تحقق درجة عالية من شفافية التوازن.
التناص و التراث الشعبي :
تكون المحاكاة فيه على مستوى توظيف القص الشعبي و الحكايات القديمة
حيث يأتي الشاعر في قصيدته هاته بصورة يشبه بها حالة المكروب في الليلة الماطرة، وهي صورة صياد فقير يلقي شباكه ثم يجمعها فإذا هي فارغة فيمضي يلعن حضه النكد يقول الشاعر:
كأن صياد حزينا يجمع الشباك
و يلعن المياه و القدر
و ينثر الغناء حيث يأفل القمر
و هو تناص مع الحكايات الشعبية الكثيرة عن صياد اصطاد سمكة كبيرة أهداها إلى الملك فأجزل له العطاء ، أو صياد اصطاد سمكة فعثر في جوفها على خاتم أو اصطاد سمكة رجته أن يعيدها إلى البحر ففعل فأنعمت عليه بخير وفير.
و هي جميعا حكايات تدل على حلم الفقير بالخلاص من فقره مصادفة و بأساليب عمادها الحظ و السحر و الخيال و الوهم.
و الصياد في قصيدة أنشودة المطر رمز للشعب اليائس الحزين الذي يصارع الحياة.
التناص و الأسطورة :
يذكر الشاعر (السياب) الطغاة و المستبدين المستغلين الذين يسرقون خيرات البلاد وينهبونها فيقول :
و في العراق ألف أفعى تشرب الرحيق
من زهرة يربها الفرات بالندى
يظهر من هذه الأسطر الشعرية أن السياب قد تناص مع أسطورة جلجاميش حيث أن ذكر الأفعى تشرب الرحيق من زهرة يربها الفرات يقتضي على الفور استدعاء ملمحة جلجاميش
حيث يسعى جلجاميش خلف أسرار الحياة و عشبة الخلود,فقد جاب المسافات بحثا عن زهرة الحياة و الخلود وفيها يعثر جلجاميش على زهرة الحياة ، و يحملها ليعود بها إلى أوروك ولكن العطش ينال منه في الطريق فينزل إلى بئر ليشرب فتأتي الأفعى و تقضم زهرة الحياة .
و الغرض من استلهام الأسطورة فنيا هو محاولة لإعادة بناء عالم جديد بديلا للعلام الذي يرفضه الشاعر.
يقول السياب:
عيناك حين تبسمان تورق الكروم
العينان اللتان تبعثان الحياة في الكون فتخضر الكروم بعد يباس تستدعي عشتار
ربة الخصب و الحب في الأساطير لما كانت عشتار مرهفة الحس و جامحة الرغبة جذابة الملامح ساحرة القول فقد تعددت قصص غرامها و كثر عشاقها و كل واحد يطمع في الفوزبها لتهطل الأمطار على أراضيه و تكثر الغلال في حقوله و تزداد محاصيله و يرفل بالرفاء و الغنى(رؤية تشير إلى انبعاث الحياة بعد الموت).
التناص القرآني:
وظف السياب تناصا قرآنيا في قصيدته و ذلك باستدعاء قصة أهل ثمود ,قال الشاعر :
لم تترك الرياح من ثمود
في الواد من أثر
إذا تأملنا في هذين السطرين سنلاحظ استدعاء الشاعر لقصة أهل ثمود الدين طغوا و أفسدوا في البلاد فأنزل المولى عز و جل غضبه عليهم فزلزل ديارهم.

منقوووول للفائدة

daciismail
2013-08-26, 15:51
ارجوا من اخت دلال اريد طلب دروس ادب 1 جامعي بحثت في المنتدى في الصفحات ولم اجد اريد ان تساعديني من فضلك في الحصول على الدروس

daciismail
2013-08-26, 16:13
ان لم اجد الدروس انما البحوث فقط اريد المساعدة منك اخت دلال في ايجاد الدروس لو سمحتي

daciismail
2013-08-26, 22:51
ارجوا المساعدة من فضلكم

أماني بلعلى
2013-08-29, 16:58
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

اهلا بكِ اختي الكريمة

صراحة لم افهم اي موضوع اتخذته مدخلا للمذكرة

بالنسبة لمضمونها فهو ليس بالصعب لان الشعر الجاهلي غني بخاصية الفحولة

يعني المذكرة ستكون غنية والمراجع كذلك

ان احتجت اي شيء فانا هنا

موفقة اخيتي

بارك الله فيك أختي
لقد تمت المذكرة بعون الله وكذا بمساعدة زوجي
فلقد تم تقييمي بعلامة 14 والحمد لله رب العالمين
وفي المرة المقبلة بإذن الله سأعرضها على النت

**د لا ل**
2013-08-29, 19:09
ان لم اجد الدروس انما البحوث فقط اريد المساعدة منك اخت دلال في ايجاد الدروس لو سمحتي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

اخي انا قد وضعت محاضرات السنة اولى الخاصة بالنظام الكلاسيكي وهي تجميع لدروس كثيرة وليست بحوث وهذا ما

درسناه

اما نظام ال م د فلا علم لي بما تدرسونه

قد تفيدك محاضراتنا لانها موسعة اكثر

وفقك الله

**د لا ل**
2013-08-29, 19:12
بارك الله فيك أختي
لقد تمت المذكرة بعون الله وكذا بمساعدة زوجي
فلقد تم تقييمي بعلامة 14 والحمد لله رب العالمين
وفي المرة المقبلة بإذن الله سأعرضها على النت

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

مبااارك اختي التخرج

وربي يوفقك اكثر واكثر

تحياتي

مصطفى الجزايري
2013-09-05, 18:12
أرجو من الإخوة الأفاضل أن يردوا الأعمال لأصحابها وذكر المراجع المعتمدة ...إن كانت موجودة وإن لم تكن كذلك فلا داعي لطرح الأعمال
من فضلكم وبارك الله فيكم

**د لا ل**
2013-09-06, 22:23
أرجو من الإخوة الأفاضل أن يردوا الأعمال لأصحابها وذكر المراجع المعتمدة ...إن كانت موجودة وإن لم تكن كذلك فلا داعي لطرح الأعمال
من فضلكم وبارك الله فيكم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

نحن نضع هاته الاعمال بغرض مساعدة طلبة العلم وجمع اكبر قدر من الدروس والمحاضرات لتسهيل عملية البحث عنهم وليس بغرض سرقتها لانها موجودة بالاصل على النت ولم اضعها هنا بغرض نسبها الي والله يعلم ذلك

وفيكم بااارك الله اخي الكريم

mounir28000
2013-09-08, 22:36
السلام عليكم

من فضلكم أريد شرح قصيدة بيروت للشاعر محمود درويش

SUMAYA
2013-09-09, 21:44
السلام عليكم يااأهل الادب الكرام

ممكن تفيدوني لو سمحتوا

هل فتحت التسجيلات الخاصة بالماستر بالمسيلة او بالجلفة اة ببسكرة

وماهو الملف ...........

ارجوكم الرد بسرعة واذا ممكن متى بدات التسجيلات ومتى اخر اجل

لكم فائق التقدير والاحترام

سيانييا
2013-09-29, 17:21
Merciiiiiiiiiiiiibeaucouppppppppppppp

سيانييا
2013-09-29, 18:22
thakyouuuuuuuuuuu

سيانييا
2013-09-29, 19:18
Merciiiiiiiiiiiii

lakhdar mhamedi
2013-09-29, 20:26
السلام عليكم ممكن تفيدوني وقتاش تبدا الدراسة بالمدرسة العليا للاساتذة ببوزريعة وجازاكم الله عنا كل خير انتظر ردددددددددددددد احدكم

كريم المهدي امين
2013-09-30, 20:21
السلام عليكم يا أهل الخير
اتمنى ان تساعدوني في ايجاد بعض الدروس و المحاضرات حول ( السرديات القديمة و الحديثة ) و اكن ممتنا لو وجدت عندكم كتاب لــ "قرطي خليفة " حول ذات الموضوع

**د لا ل**
2013-09-30, 23:46
السلام عليكم يا أهل الخير
اتمنى ان تساعدوني في ايجاد بعض الدروس و المحاضرات حول ( السرديات القديمة و الحديثة ) و اكن ممتنا لو وجدت عندكم كتاب لــ "قرطي خليفة " حول ذات الموضوع



http://www.alfaseeh.com/vb/showthread.php?t=78428


وفقكَ الله اخي

سيانييا
2013-10-01, 18:43
Merciiiiiiiiiiiiibeaucouppppppppppppp

محمد العالم
2013-10-07, 20:15
مشكورين على الاضافة

wassila123
2013-10-15, 18:23
السلام عليكم
اريد مساعدة في عنوان مذكرة تخرج تحت عنوان الاسس الجمالية للايقاع البلاغي في العصر العباسي لمن لديه اي معلومة فلا يبخل علي

daciismail
2013-10-25, 15:00
ممكن تفيدوني لو سمحتوا بدروس سنة 1جامعي تخصص ادب ولغة عربي بحث كثيرا ولم اجد في المنتديات والمواقع وغيرها ارجوا الاجابة من فضلكم والسلام عليكم

daciismail
2013-10-25, 15:01
السلام عليكم يااأهل الادب الكرام
ممكن تفيدوني لو سمحتوا بدروس سنة 1جامعي تخصص ادب ولغة عربي بحث كثيرا ولم اجد في المنتديات والمواقع وغيرها ارجوا الاجابة من فضلكم والسلام عليكم

libelle
2013-10-26, 23:24
السلام عليكم يا أهل المنتدى
الرجاء مساعدتي في تحميل مدكرة بعنوان النقد الجمالي في كتاب منهاج البلغاء لحازم القرطجاني
و اكن ممتنا لو وجدت عندكم كتاب النقد البلاغي عند عبد القاهر الجرجاني

الواثقة
2013-10-28, 10:58
مشكورة دلال يعيشك اذ ممكن تقدميلنا كتب او مواقع في تحليل الخطاب

daciismail
2013-10-31, 13:47
بسم الله الرحمان الرحيم السلام عليكم اريد مساعدة بخصوص البحث لايوجد عندي وقت لاعطائه الى الاستاذ عنوان البحث اثر حركة الاعتزال على تطورالنقد العربي القديم ارجوا المساعدة من فضلكم

daciismail
2013-10-31, 14:43
بسم الله الرحمان الرحيم السلام عليكم اريد مساعدة بخصوص البحث لايوجد عندي وقت لاعطائه الى الاستاذ عنوان البحث اثر حركة الاعتزال على تطورالنقد العربي القديم ارجوا المساعدة من فضلكم

منى 92
2013-10-31, 16:30
سلام عليكم
اريد المساعدة في هدا العرض ربي يجازيكم في الادب المغربي سنة تانية ادب عربي
العنوان هو
موسوعة نفح الطيبة لاحمد بن محمد المقطري
ا*لجزء الخامس *
*قالنا الاستاد على شكل وصف من الناحية الفنية والنوع والكم
ا-لابعاد الفنية التى توحي بها تلك النصوص
-وبعض الاستشهادات
-ومقدمة
-وخلاصة القول
ربي يخليكم عاونوني حتى بقليل
عاونوني فقط كفاه نبدا
وشكرا

منى 92
2013-11-01, 16:13
هل من مساعدة الله يخليكم

منى 92
2013-11-02, 11:00
اين انتم ياطلبة

مرزوقي محمد
2013-11-02, 19:44
أرجوكم بحث حول البحث الادبي وشكرا

أميرةريزانيا
2013-11-05, 14:30
Merciiiiiiiiiiiiibkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkk

أميرةريزانيا
2013-11-06, 22:59
Merciiiiiiiiiiiiibkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkk

أميرةريزانيا
2013-11-06, 23:33
thankyouuuuuuuuuuuuuuuuuu

منى 92
2013-11-07, 16:57
هذا هو الرابط تع الكتاب
http://hotfile.com/dl/62181275/6c78c26/nfh-alteb-mn-ghsn-alandls-5-ar_ptiff.pdf.html

مارشيناكلوف
2013-11-13, 17:55
thankyouuuuuuuuuuuuuuuuuu

مارشيناكلوف
2013-11-13, 18:44
Merciiiiiiiiiiiiibkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkk

daciismail
2013-11-13, 18:49
السلام عليكم اريد مساعدة من فضلكم حول بحث حياة عرب في الجاهلية

مسك الختام33
2013-11-14, 12:33
السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته ...
من فضلكم أريد موضوع عن //معاني الزهد في شعر أبي العتاهية // أنا أحتاجه ...فمن لديه و لو القليل عن الموضوع أرجو أن يضعه لي ..و شكرا مسبقا للجميع

cold.bloood
2013-11-14, 17:43
اريد تحليل قصيدة ليلاي لمحمد العيد أل الخليفة

ماياسليميا
2013-12-04, 21:15
Merciiiiiiiiiiiiibkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkk

ماياسليميا
2013-12-04, 21:52
thankyouuuuuuuuuuuuuuuuuu

atika1
2013-12-07, 09:19
مساعدةفي بحث اريد بحث حول فن الرسائل في العصر الجاهلي الى غاية العصر الاموي

مسك الختام33
2013-12-23, 22:04
السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته ...أريد بحثا عن*** قضية الانتحال و تأصيل الشعر في المشرق **أرجو المساعدة لأنني أحتاجه

mayar
2013-12-25, 11:10
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أريد بحث حول" خصائص نحو الجملة"آرجو المساعدة

ساييهام
2013-12-25, 20:53
Merciiiiiiiiiiiiibkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkk

ساييهام
2013-12-25, 21:30
thankyouuuuuuuuuuuuuuuuuu

ميسينييا
2013-12-26, 21:08
Merciiiiiiiiiiiiibkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkk

ميسينييا
2013-12-26, 21:59
thankyouuuuuuuuuuuuuuuuuu

ميسينييا
2013-12-27, 12:58
Merciiiiiiiiiiiiibkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkk

نارجيساماي
2013-12-28, 21:22
thankyouuuuuuuuuuuuuuuuuu

نارجيساماي
2013-12-28, 21:51
Merciiiiiiiiiiiiibkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkk

نارجيساماي
2013-12-28, 22:10
Merciiiiiiiiiiiiibeaucouppppppppppppppppp

amocha
2013-12-30, 11:10
سلام عليكم انا طالبه ادب عربي السنة الثالثة تخصص ادب حيث اريد عناوين كتب وان امكن تحميلها تتمحور حول الادب النسوي بالاندلس وشكرا مسبقا

ماجداهاني
2013-12-31, 18:19
Merciiiiiiiiiiiiibkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkkk

ماجداهاني
2013-12-31, 19:02
thankyouuuuuuuuuuuuuuuuuu

بسمله
2014-01-01, 17:05
السلام عليكم
ممكن مساعدة انا عندي بحث في نظرية جمالية التلقي عند ايزر
و طلب منا الاستاذ التطبيق على اقصوصة اريد معرفة كيف يتم ذلك

المسلم 17
2014-01-18, 14:15
أرجوكم أريد إعراب ماتحته خط إعراب مفردات :
ورافق تطور البلاغة تطور النقد الذي قوم فن القول عند كثير من الأدباء و الشعراء ، وأول من كتب في هذا الجاحظ ، وابن قتيبة ، وقد تأثر بهما القرطاجني ، الذي نراه يشير إلى تماسك المعاني وارتباط أول الكلام بما يليه ،ويشدد في وحدة السياق ، وأن تتواصل أبيات القصيدة حتى تصير بناء محكما ، بل حتى تصير كأنها جسد واحد لا يمكن وضع عضو فيه مكان عضو آخر

Meryoul
2014-02-13, 22:51
السلام عليكم ورحمة الله بركاته

اتمنى ان اجد عندكم المساعدة اصحاب ماستر ...

مقاربة سيميائية في مديح الظل العالي
:sdf:محمود درويش
وبارك الله فيكم

hadid.o
2014-03-02, 21:40
السلام عليكم و رحمة الله و بركاتة
اخوتي اريد توصيف التصوير اللغوي في وصف حالة ذاتية في صفحتين
ارجو المساعدة في اسرع وقت ممكن
و شكرا

طالبة الجامعة
2014-03-15, 18:23
لم افهم ماتسعين اليه

daciismail
2014-06-08, 23:04
اريد المساعدة البحث اثر حركة الاعتزال على تطورالنقد العربي القديم

fatehzid
2014-07-09, 01:27
السلام عليكم أنا طالب سنة اولى أدب و نجحت في السنة الأولى و العام القادم إنشاالله سنة ثانية لكن لا أدري ماهي التخصصات الموجودة في الجامعة ف من فظلكم من يعمل خيرا في هذا الشهر الكريم و يعينني على التوجيه و ماهي التخصصاتت سنة 2 أدب و ماهي المواد التي تدرس في كل تخصص من قظلكم مع العلم أنني لست من سكان ولاية الجلفة و لم أذهب إلى الجامعة منذ أن علق محضر المداولات يعني حوالي شهر أو شهرين من فضلكم أنا في حاجة ماسة إلى هذه المعلومات و شكرا

bendakfal
2014-07-16, 00:45
السلام عليكم

bendakfal
2014-07-16, 00:52
لم افهم ماتسعين اليه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

bendakfal
2014-07-16, 01:12
السلام عليكم

bachir ghe
2014-07-19, 17:18
السلام عليكم أنا طالب جديد سنة أولى أدب عربي ممكن نعرف واش هي المواد لي اريح نقراها وماهو معامل كل مادة وبارك الله فيكم

صقر اليراع
2014-09-12, 16:16
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أرجوكم أحتاج مساعدتكم رعاكم ربي
متى تنطلق تسجيلات ماجستير أدب عربي بالمدرسة العليا بوزريعة
ولن أنسى جميلكم